صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : أيسر التفاسير
المؤلف : أبو بكر الجزائري
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (37)

شرح الكلمات :
{ وإلى مدين } : أي وأرسلنا إلى قبيلة مدين ، ومدين أبو القبيلة فسميت باسمه .
{ أخاهم شعيبا } : أي أخاهم في النسب .
{ اعبدوا الله } : أي اعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا .
{ وارجوا اليوم الآخر } : أي آمنوا به وتوقعوا مجيئه وما يحدث فيه .
{ ولا تعثوا في الأرض مفسدين } : أي ولا تعيثوا في الأرض فسادا بأن تنشروا فيها الفساد وهو العمل بالمعاصي فيها .
{ فأخذتهم الرجفة } : الهزة العنيفة والزلزلة الشديدة .
{ في دارهم جاثمين } : لاصقين بالأرض أمواتا لا يتحركون .
معنى الآيتين :
هذا موجز لقصة شعيب عليه السلام مع قومه أهل مدين ، والعبرة منه إهلاك تلك الأمة لما كذبت رسولها واستمرت على الشرك والمعاصي لعل قريشا تعتبر بما أصاب هذه الأمة من هلاك ودمار من أجل تكذيبها لرسولها وعصيانها لربها قال تعالى { وإلى مدين } أي وأرسلنا إلى مدين { أخاهم شعيبا } وهو نبي عربي فلما انتهى إليهم برسالته قال { يا قوم اعبدوا الله } اي وحدوه في عبادته وأطيعوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه من التطفيف في الكيل والوزن ، { وارجوا اليوم الآخر } ، أي آمنوا بيوم القيامة وتوقعوا دائما مجيئه وخافوا ما فيه من أهوال وأحوال فإن ذلك يساعدكم على التقوى وقوله : { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } وذلك أنهم ينقصون الكيل والوزن ويبخسون الناس أشياءهم ويفسدون في الأرض بالمعاصي . وقوله تعالى : رفكذبوه } أي كذب اصحاب مدين نبيهم شعيبا فيما أخبرهم به ودعاهم إليه { فأخذتهم الرجفة } أي رجفة الهلاك من تحتهم فأصبحوا في دارهم جاثمين على الركب هلكى وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين .
هداية الآيتين :
من هداية الآيتين :
1- تقرير التوحيد والنبوة والبعث الاخر .
2- حرمة الفساد في الأرض وذلك بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب .
3- بيان نقمة الله تعالى على المكذبين والظالمين والفاسقين .

(3/206)


وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40)

شرح الكلمات :
{ وعادا وثمودا } : أي وأهلكنا عادا القبيلة وثمود القبيلة كذلك .
{ وقد تبين لكم من مساكنهم } : أي تبين لكم إهلاكهم من مساكنهم الخالية منهم بالحجر شمال الحجاز واشحر جنوب اليمن .
{ عن السبيل } : أي سبيل الهدى والحق التي بينتها لهم رسلهم .
{ كانوا مستبصرين } : أي ذوي بصائر لما علمتهم رسلهم .
{ وقارون وفرعون وهامان } : أي وأهلكنا قارون بالخسف وفرعون وهامان بالغرق .
{ فاستكبروا } : أي عن عبادة الله تعالى وطاعته وطاعة رسله .
{ وما كانوا سابقين } : أي فائتين عذاب الله اي فارين منه ، بل أدركهم .
{ فكلا أخذنا بذنبه } : أي فكل واحد من المذكورين أخذناه بذنبه ولم يفلت منا .
{ ومنهم من ارسلنا عليه حاصبا } : أي ريحا شديدة ، كعاد .
{ ومنهم من خسفنا به الأرض } : أي كقارون .
{ ومنهم من أغرقنا } : كقوم نوح وفرعون .
معنى الآيات :
لما ذكر تعالى في الآيات قبل ذي إهلاكه لقوم لوط وقوم شعيب وقوم نوح من قبل لما ردوا دعوته وكذبوا رسله ذكر بقية الأقوام الذين كذبوا بآيات الله ورسله فأهلكهم ، فقال عز وجل : { وعادا وثمودا } اي وأهلكنا كذلك عادا قوم هود ، وثمود قوم صالح وقوله تعالى : { وقد تبين لكم من مساكنهم } اي وقد تبين لكم يا معشر كفار مكة ومشركي قريش من مساكنهم بالحجر والشجر من حضرموت ما يؤكد لكم إهلاكنا لهم ، إذ مساكنهم الخاوية دالة على ذلك دلالة عين . وقوله تعالى : { وزين لهم الشيطان أعمالهم } أي وقد زين لهم الشيطان أعمالهم من الشرك والشر والظلم والفساد وصدهم بذلك التنزيين عن السبيل ، سبيل الإيمان والتقوى الموروثة للسعادة في الدنيا والآخرة . وقوله : { وكانوا مستبصرين } اي ذوي بصائر اي معرفة بالحق والباطل والخير والشر ما علمتهم الرسل ولكن آثروا أهواءهم على عقولهم فهلكوا . وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين . وقوله تعالى : { وقارون وفرعون وهامان } أي أهلكنا قارون الإسرائيلي ابن عم موسى عليه السلام ، أهلكناه ببغيه وكفره ، فخسفنا به الأرض وبداره أيضا ، وفرعون وهامان أغرقناهما في اليم بكفرهما وطغيانهما وظلمهما واستعلائهما وذلك بعدما جاءهم موسى بالبينات من الآيات والحجج الواضحات التي لم تبق لهم عذرا في التخلف عن الإيمان والتقوى ولكن { فاستكبروا في الأرض } ، أرض مصر وديارها فرفضوا الإيمان والتقوى { وما كانوا سابقين } ولا فائتين فأحل الله تعالى بهم .
نقمته وأنزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين . ثم في الآية الأربعين من هذا السياق بين تعالى أنواع العذاب الذي أهلك به هؤلاء الأقوام ، فقال : { فكلا } أي فكل واحد من هؤلاء المكذبين { أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا } أي ريحا شديدة كعاد .
{ ومنهم من أخذته الصيحة } كثمود { ومنهم من خسفنا به الأرض } كقارون { ومنهم من أغرقنا } كفرعون ، وقوله تعالى . { وما كان الله ليظلمهم } أي لم يكن من شأن الله تعالى الظلم فيظلمهم ، { ولكن كانوا } أي أولئك الأقوام { أنفسهم يظلمون } بالشرك والكفر والتكذيب والمعاصي فأهلكوها بذلك ، فكانوا هم الظالمين .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- بيان أن الشيطان هو سبب هلاك الأقوام وذلك بتزيينه لهم الشر والقبيح كالشرك والباطل والشر والفساد .
2- بيان أن الاستكبار كالظلم عاقبتهما الهلاك والخسران .
3- بيان أن الله تعالى ما أهلك أمة حتى يبين لها ما يجب أن تتقيه من أسباب الهلاك والدمار فإذا أبت إلا ذاك أوردها الله موارده .

(3/207)


مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45)

شرح الكلمات :
{ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } : اي صفة وحال الذين اتخذوا أصناما يرجون نفعها .
{ كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } : اي لنفسها تأوي غليه .
{ أوهن البيوت } : أضعف البيوت وأقلها جدوى .
{ يعلم ما يدعون من دونه من شيء } : اي من الأوثان والأصنام وغيرها .
{ وهو العزيز الحكيم } : أي الغالب على أمره الحكيم في تدبير أمور خلقه .
{ وما يعقلها إلا العالمون } : أي العالمون بالله وآياته وأحكام شرعه وأسراره .
{ خلق الله السموات والأرض بالحق } : اي من أجل أن يعبد لا للهو ولا لباطل .
{ أتل ما أوحي إليك من الكتاب } : اقرأ يا رسولنا ما أنزل إليك من القرآن .
{ وأقم الصلاة } : بأدائها مقامة مراعى فيها شروطها وأركانها وواجباتها وسننها .
{ تنهى عن الفحشاء والمنكر } : أي الصلاة بما توجده من نور في قلب العبد يصبح به لا يقدر على فعل فاحشة ولا إتيان منكر .
{ ولذكر الله أكبر } : اي ذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه كما ان ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة وغيرهما .
معنى الآيات :
بعد أن ذكر تعالى نقمته على أعدائه الذين كفروا به واشركوا غيره في عبادته وكذبوا رسله وكان ذلك تنبيها وتعليما للمشركين والكافرين المعاصرين لنزول القرآن لعلهم يستجيبون للدعوة المحمدية فيؤمنوا ويوحدوا ويسلموا من العذاب والخسران . ذكر هنا في هذه الآيات مثلا لعبادة الأوثان في عدم نفعها لعابديها والقصد هو تقرير التوحيد ، وإبطال الشرك العائق عن كمال الإنسان وسعادته وقال تعالى : { مثل الذين اتخذوا من دون الله } اي شركاء وهي الأصنام والأوثان يعبدونها راجين نفعها وشفاعتها لهم عند الله تعالى { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } لتأوي إليه قصد وقايتها مما تخاف من جراء برد أو اعتداء حشرة عليها ، { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } والحال أن أوهن البيوت أي أضعفها وأحقرها شأنا واقلها مناعة هو بيت العنكبوت فهذه حال المشركين الذين اتخذوا من دون الله { أولياء } أي أصناما يرجون النفع ، ودفع الضر بها فهم واهمون في ذلك غالطون ، مخطئون ، إنه لا ينفع ولا يضر غلا الله فليعبدوه وحده وليتركوا ما سواه . وقوله : { لو كانوا يعلمون } اي لو كان المشركون يعلمون أن حالهم في عبادتهم غير الله في عدم الانتفاع بها كحال العنكبوت في عدم الانتفاع ببيتها الواهي لما رضوا بعبادة غير الله وتركوا عبادة الله الذي بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء . وقوله تعالى : { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء } فيه تهديد للمشركين المصرين على الشرك بأنه لا يخفى عليه ما هم عليه من دعاء غيره ، ولو شاء لأهلكهم كما أهلك من قبلهم { وهو العزيز } أي الغالب على أمره { الحكيم } في تدبير خلقه ولذا يعجل العقوبة لمن يعجل لحكمة ويؤخرها لمن يؤخرها عنه لحكمة فلا يغتر المشركون بتأخير العذاب ، ولا يستدلون به على رضا الله تعالى بعبادتهم ، وكيف يرضاها وقد اهلك أمما بها وأنزل كتابه وبعث رسوله لإبطالها والقضاء عليها وقوله تعالى : { وتلك الأمثال نضربها للناس } أي وهذه الأمثال نضربها للناس لأجل إيقاظهم وتبصيرهم وهدايتهم ، وما { يعقلها إلا العالمون } أي وما يدرك مغزاها وما تهدف غليه من التنفير من الشرك العائق عن كل كمال وإسعاد في الدارين { إلا العالمون } أي بالله وشرائعه وأسرار كلامه وما تهدي غليه آياته .

(3/208)


وقوله تعالى : { خلق الله السموات والأرض بالحق } إخبار بأنه تعالى هو الذي خلق السموات والأرض وهي مظاهر قدرته وعلمه وحكمته موجبة لعبادته بتعظيمه وطاعته ومحبته والإنابة إليه والخوف منه . وخلقهما بالحق لا بالباطل وذلك من أجل أن يذكر فيهما ويشكر فمن كفر به فترك ذكره وشكره كان كمن عبث بالسموات والأرض وأفسدها ، لذا يعذب نظرا إلى عظم جرمه عذابا دائما أبدا . وقوله : { إن في ذلك لآية للمؤمنين } أي إن في خلق السموات والأرض بالحق { لآية } أي علامة بارزة على وجود الله وقدرته ولعمه وحكمته ، وهذه موجبات ألوهيته على سائر عباده فهو الإله الحق الذي لا رب غيره . ولا إله سواه وبعد هذا البيان والبرهان لم يبق عذر لمعتذر ، وعليه ف { اتل } أيها الرسول { ما أوحي إليك من الكتاب } تعليما وتذكيرا وتعبدا وتقربا { وأقم الصلاة } طرفى النهار وزلفا من الليل فإن في ذلك عونا كبيرا لك على الصبر والثبات وزادا عظيما لرحلتك إلى الملكوت الأعلى . وقوله تعالى : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } تعليل للأمر بإقام الصلاة فإن الصلاة بما توجده من إشراقات النفس والقلب والعقل حال تحول بين العبد وبين التلوث بقاذورات الفواحش ومفاسد المنكر وذلك يفيد إقامتها لا مجرد أدائها والإتيان بها . وإقامة الصلاة تتمثل في الإخلاص فيها لله تعالى أولا ثم بطهارة القلب من الالتفات إلى غير الرب تعالى اثناء أدائها ثانيا ، ثم بأدائها في أوقاتها المحددة لها وفي المساجد بيت الله ، ومع جماعة المسلمين عباد الله وأوليائه ، ثم مراعاة أركانها من قراءة الفاتحة والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه ، ثم بمراعاة أركانها من قراءة الفاتحة والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه ، والسجود على الجبهة والأنف والطمأنينة فيه ، وآخر أركانها الخشوع وهو السكون ولين القلب وذرف الدمع . هذه هي الصلاة التى توجد طاقة النور التي تحول دون الانغماس في الشهوات والذنوب وإتيان الفاحشة وارتكاب المنكر . وقوله تعالى : { ولذكر الله أكبر } اي أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من إقامة الصلاة لأن الصلاة أثناء ادائها مانعة عاصمة لكن إذا خرج منها ، قد يضعف تأثيرها ، أما ذكر الله بالقلب واللسان في كل الأحيان فهو عاصم مانع من الوقوع في الفحشاء والمنكر وفي اللفظ معنى آخر وهو أن ذكر الله للعبد في الملكوت الأعلى أكبر من ذكر العبد للرب في ملكوت الأرض ويدل عليه قوله : « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملإ ، ذكرته في ملإ خير منه » كما في الحديث الصحيح .

(3/209)


وقطعا والله لذكر الرب العبد الضعيف أكبر من ذكر العبد الضعيف الرب العظيم . اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين لآلائك . وقوله : { والله يعلم ما تصنعون } فيه وعد وعيد ، فإن علمه يترتب عليه الجزاء فمن كان يصنع المعروف جزاه به ، ومن كان يصنع السوء جزاه به . اللهم ارزقنا صنائع المعروف وابعد عنا صنائع السوء آمين .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني للأفهام .
2- تقرير التوحيد وإبطال التنديد .
3- فصل العلماء على غيرهم ، العلماء بالله ، بصفاته وأسمائه وآياته ، وشرائعه ، وأسرارها .
4- وجوب تلاوة القرآن ، وإقامة الصلاة ، وذكر الله ، إذ هى غذاء الروح وزاد العروج إلى الملكوت الأعلى .
5- بيان فائدة إقام الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى بالقلب واللسان .

(3/210)


ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49)

شرح الكلمات :
{ ولا تجادلوا أهل الكتاب } : أي لا تحاجوا ولا تناظروا اليهود ولا النصارى .
{ إلا بالتي هي أحسن } : أي إلا بالمجادلة التي هي أحسن وهي الدعوة إلى الله بآياته والتنبيه على حججه .
{ إلا الذين ظلموا منهم } : أي الذين لم يدخلوا في ذمة المسلمين بدفع الجزية وبقوا حربا على المسلمين .
{ وكذلك أنزلنا إليك الكتاب } : أي وكإنزالنا الكتاب على من قبلك من الرسل أنزلنا إليك الكتاب .
{ فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون } : أي كعبد الله بن سلام وإخوانه الذين آمنوا بالرسول وكتابه .
{ ومن هؤلاء من يؤمن به } : أي ومن هؤلاء المشركين من يؤمن به وفعلا آمن به كثيرون .
{ ولا تخطه بيمينك } : أي تكتب بيدك لأنك أمي لا تقرأ ولا تكتب .
{ لارتاب المبطلون } : أي لشك اليهود في نبوتك ونزول القرآن إليك .
{ بل هو آيات بينات } : أي محمد صلى الله عليه وسلم نعوته وصفاته آيات بينات في التوراة والإنجيل محفوظة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب .
{ وما يجحد بآياتنا إلا } : أي وما يجحد بآيات الله الحاملة لنعوت الرسول الأمي وصفاته إلا الذين ظلموا أنفسهم بكتمان الحق والاستمرار على الباطل .
معنى الآيات :
قوله تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب } هذا تعليم للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يأخذون به مستقبلا عندما يتصلون بأهل الكتاب ويحتكون بهم فقال عز وجل مخاطبا الرسول صلى الله عليه سولم والمؤمنين من أمته { ولا تجادلوا أهل الكتاب } الذين هم اليهود والنصارى فنهاهم عن مجادلتهم وهي خصامهم ومحاجتهم ومناظرتهم { إلا بالتي هي أحسن } اي إلا بالمجادلة التي هي أحسن وذلك بدعوتهم إلى الله تعالى ليؤمنوا برسوله ويدخلوا في دنيه الإسلام والتنبيه على حجج الله وأدلة وحيه وكتابه . وقوله { إلا الذين ظلموا منهم } وهم الذين لم يدخلوا في ذمة المسلمين ولم يؤدوا الجزية وناصبوا المسلمين الحرب والعداء فهؤلاء لا يجاتدلون ولكن يحكم فيهم السيف فيقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقوله تعالى : { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وغلهكم واحد ونحن له مسلمون } . هذا تعليم آخر للمؤمنين وهو : إن أخبرهم أهل الكتاب بشيء لا يوجد في الإسلام ما يثنيه ولا ما ينفيه وادعوا هم أنه في كتابهم في هذه الحال فقولوا ما أرشدنا الله تعالى إلى قوله وهو : { آمنا بالذي أنزل إلينا } إلى آخر الآية حتى لا نكون قد كذبنا بحق ولا آمنا بباطل ، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا { آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } .
وقوله تعالى { وكذلك أنزلنا إليك الكتاب } أي وكإنزال الكتب السابقة على رسل سبقوا كموسى وداود وعيسى عليهم السلام أنزلنا إليك أنت يا محمد الكتاب أي القرآن وقوله تعالى : { فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به .

(3/211)


ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون } . فهذا إخبار بغيب فكما علم الله تعالى المؤمنين كيف يكونون مع أهل الكتاب عندما يتصلون بهم ويعيشون معهم في المدينة وغيرها أخبر أن الذين آتاهم الكتاب أي التوراة والإنجيل وهم الراسخون في العلم يؤمنون أي بالقرآن وقد آمن عبد الله بن سلام وكثير من أحبار أهل الكتاب ، وآمن من المشركين كثيرون فكان الأمر كما أخبر . وقوله تعالى : { وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون } فهو كما أخبر لا يجحد بالآيات القرآنية ويكذب بها إلا كافر مظلم النفس خبيثها وقوله تعالى : { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } هو كما قال عز وجل لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قبل القرآن أي كتاب ، ولا كان يخط بيمينه اي كتاب لأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب أي فلو كان قبل نزول القرآن عليه يقرأ ويكتب لكان للمبطلين مجال للشك في صحة دعوى النبوة المحمدية ونزول القرآن عليه ، ولكن لم يكن قبل القرآن يقرأ أي كتاب ، ولم يكن يخط بيمينه أي خط ولا كتاب فلم يبق إذا للمشركين ما يحتجون به أبدا . وقوله تعالى { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } أي بل الرسول ونعوته وصفاته ومنها وصف الأمية آيات في التوراة والإنجيل محفوظة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب . . وقوله تعالى : { وما يجحد بآياتنا } في التوراة والإنجيل والقرآن { إلا الظالمون } أنفسهم من الماديين اليهود والنصارى الذين يأكلون ويترأسون على حساب الحق والعياذ بالله تعالى .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) مشروعية مجادلة أهل الكتاب من أهل الذمة بالتي هي أحسن .
2 ) حرمة سؤال أهل الكتاب لقوله صلى الله عليه وسلم : « ا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل » .
3 ) منع تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم إذا أخبروا بشيء ووجوب قول : { آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } .
4 ) إخبار القرآن بالغيب قبل وقوعه فيقع كما أخبر فيكون ذلك ىية على أنه وحي الله تعالى .
5 ) تقرير صفة الأمية في النبي صلى الله عليه وسلم كما هي في الكتب السابقة .

(3/212)


وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52)

شرح الكلمات :
{ لولا أنزل عليه آيات } : أي قال كفار قريش هلا أنزل على محمد آيات من ربه كناقة صالح ، وعصا موسى .
{ قل إنما الآيات عند الله } : أي قل يا رسولنا الآيات عند الله ينزلها متى شاء .
{ أو لم يكفهم أنا أنزلنا : أي أو لم يكفهم فيما طلبوا من الآيات إنزالنا الكتاب عليك الكتاب } عليك .
{ إن في ذلك لرحمة وذكرى } : أي في القرآن رحمة وموعظة للمؤمنين فهو خير من ناقة صالح .
{ والذين آمنوا بالباطل } : وهو ما يعبد مت دون الله .
{ وكفروا بالله } : وهو الإله الحق .
{ أولئك هم الخاسرون } : أي حيث استبدلوا الكفر بالإيمان .
معنى الآيات :
ما زال السياق في تقرير النبوة المحمدية فقوله تعالى : { وقالوا } أي أهل مكة { لولا أنزل عليه آيات من ربه } أي هلا أنزل على محمد آيات من ربه كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى إذ هذا الذي يعنون بالآيات أي معجزات خارقة للعادة . قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل يا رسولنا لقومك المطالبين بالآيات دليلا على صدق نبوتك قل لهم : أولا : الآيات التي تطالبون بها هي عند الله وليست عندى فهو تعالى ينزلها متى شاء وعلى من شاء . وثانيا { إنما أنا نذير مبين } أي وظيفتي التي أقوم بها هي إنذار أهل الظلم من عاقبة ظلمهم وهي عذاب النار فلذا لا معنى بمطالبتي بالآيات . وثالثا أو لم يكفهم آية أن الله تعالى أنزل علي كتابه فأنا أتلوه عليكم صباح مساء فأي ىية أعظم من كتاب من أمي لا يقرأ ولا يكتب تتلى ىياته تحمل الهدى والنور وهو في الوقت نفسه رحمة وذكرى أي موعظة لقوم يؤمنون فهي معجزة ثابتة قائمة باقية يجد فيها المؤمنون الرحمة فيتراحمون بها ويجدون فيها الموعظة فهم يتعظون بها ، فأين هذا من معجزة تبقى ساعة ثم تذهب وتروح كمائدة عيسى أو عصا موسى . ورابعا : شهادة الله برسالتي كافية لا يطلب معها دليل آخر على نبوتي ورسالتي ، فقد قال لي ربي : { قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } . ربي الذي يعلم ما في السموات والأرض من كل غيب ومن ذلك علمه بأني رسوله فشهد لي بذلك بإنزاله علي هذا الكتاب وأخيرا وبعد هذا البيان يقول تعالى { والذين آمنوا بالباطل } وهو تأليه المخلوقات من دون الله { وكفروا } بأولوهية الله الحق { أولئك } البعداء في الفساد العقلي وسوء الفهم { وهم الخاسرون } في صفتهم حين اشتروا الكفر بالإيمان واستبدلوا الضلالة بالهدى .
هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث فلتعد تلاوتها بالتأني والتدبر .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) تقرير النبوة المحمدية بالأدلة القاطعة التي لا ترد ، وهي أربع كما ذكر آنفا .
2 ) بيان أكبر معجزة لإثبات لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي نزول القرآن .
الكريم عليه وفي ذلك قال عليه الصلاة والسلام كما في البخاري : « وما من نبي إلا أوتي ما على مثله آمن البشر ، وكان الذي أوتيته حيا أوحاه الله إلي فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » .
3 ) القرآن الكريم رحمة وذكرى أى عبرة وعظة للمؤمنين به وبمن نزل عليه .
4 ) تقرير خسران المشركين في الدارين لاستبدالهم الباطل بالحق والعياذ بالله تعالى .

(3/213)


ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55)

شرح الكلمات :
{ ويستعجلونك بالعذاب } : أي يطلبون منك تعجيل العذاب لهم .
{ ولولا أجل مسمى } : أي وقت محدد للعذاب لا يتقدمه ولا يتأخر عنه لجاءهم .
{ وليأتينهم بغتة } : فجأة من حيث لا يخطر لهم على بال .
{ وان جهنم لمحيطة بالكافرين } : أي من كل جانب وهم فيها وذلك يوم يغشاهم .
{ يوم يغشاهم العذاب } : أي من فوقهم ومن تحت أرجلهم .
{ ذوقوا ما كنتم تعملون } : أي ويقول لهم الجبار ذوقوا ما كنتم تعملون أي من الشرك والمعاصي .
معنى الآيات :
لقد تقدم في الآيات القريبة أن المكذبين بالرسالة المحمدية طالبوا بالعذاب تحديا منهم للرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا : إئتنا بالعذاب إن كنت من الصادقين في أنك نبي ورسول إلينا وفي هذه الآية يعجب تعالى رسوله أي يحمله على أن يتعجب من حمق المشركين وطيشهم وضلالهم إذ يطالبون بالعذاب فيقول له { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى } للعذاب اي وقت محدد له لا يتقدمه ولا يتأخره { لجاءهم العذاب } . ثم أخبر تعالى رسوله مؤكدا خبره فقال { وليأتينهم } أي العذاب { بغتة } لا محالة { وهم لا يشعرون } بوقت مجيئه ، ثم كرر تعالى حمل رسوله على التعجب من سخف المسركين الذين لا يطيقون لسعة عقرب ولا نهشة أفعى يطالبون بالعذاب فقال { يستعجلونك بالعذاب . وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } لا محالة كقوله { أتى أمر الله } { يوم يغاشهم العذاب } أي يغطيهم ويعمرهم فيكون { من فوقهم ومن تحت أرجلهم } وجهنم محيطة بهم ويقول الجبار تبارك وتعالى موبخا لهم { ذوقوا ما كنتم تعملون } من الشرك والمعاصي .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) مشروعية التعجب إذا وجدت أسبابه الحاملة عليه .
2 ) بيان مدى حمق وجهل وسفه الكافرين والمشركين بخاصة .
3 ) بيان أن تأخير العذاب لم يكن عن عجز وإنما هو لنظام دقيق إذ كل شيء له أجل محدد لا يتقدم ولا يتأخر .

(3/214)


يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60)

شرح الكلمات :
{ إن أرضي واسعة } : أي هاجروا من بلاد لم تتمكنوا من العبادة فيها فإن أرض الله واسعة .
{ فإياي فاعبدون } : فاعبدوني وحدي ولا تعبدوا معي غيري كما يريد منكم المشركون .
{ كل نفس ذائقة الموت } : أي لا يمنعنكم الخوف من الموت أن لا تهاجروا في سبيل الله فإن الموت لا بد منه للمهاجرين ولمن ترك الهجرة .
{ ثم إلينا ترجعون } : أي بعد موتكم ترجعون إلى الله فمن مات في سبيل مرضاته أكرمه وأسعده ، ومن مات في معصيته أذاقه عذابه .
{ لنبوئنهم } : أي لننزلنهم من الجنة غرفا تجرى من تحتها الأنهار .
{ الذين صبروا } : أي صبروا على الإيمان والهجرة متوكلين على الله تعالى .
{ وكأين من دابة لا تحمل : أي لا تطيق جمعه ولا حمله لضعفها ، والله يرزقها فلا رزقها } عذر لمن ترك الهجرة خوفا من الجوع والخصاصة .
{ وهو السميع العليم } : أي السميع لأقوال عباده العليم بنياتهم وأحوالهم وأعمالهم .
معنى الآيات :
لا شك أنه بعد ذلك التأنيب الإلهي للمشركين وتهديدهم بالعذاب وتوعدهم بعذاب جهنم وتوبيخهم فيها على شركهم وباطلهم لا شك أن رد الفعل من المشركين هو الضغط على المؤمنين المستضعفين في مكة فأرشدهم الله تعالى إلى الهجرة من مكة إلى المدينة ليتمكنوا من عبادة الله تعالى ، فناداهم بقوله عز وجل : { يا عبادي الذين آمنوا } اي بي وبرسولي ولقائي { إن أرضي واسعة } فهاجروا فيها ، ولا ترضوا بالبقاء مع الكفر تهانون وتلزمون بعبادة غيري من آلهة المشركين ، { فإياي فاعبدون } لا تبعدوا معي غيري .
وعليه فهاجروا في سبيل مرضاتي ولا تخشوا موتا ولا فقرا فإن كل نفس ذائقة الموت هاجر صاحبها أو لم يهاجر { كل نفس ذائقة الموت } وقوله : { ثم إلينا ترجعون } ، لا محالة فمن رجع إلينا وهو مؤمن مطيع منفذ لأوامرنا مجتنب نواهينا أسعدناه ، ومن رجع غلينا وهو كافر بنا عاص لنا مهمل أوامرنا مرتكب نواهينا أشقيناه . وقوله تعالى : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا } أي لننزلنهم من الجنة دار الإسعاد { غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } أي لا يخرجون منها ولا يموتون فيها . هذا بيان لمن مات وهو مؤمن عامل بالصالحات ومنها الهجرة في سبيل الله . وقوله { نعم أجر } العاملين } أي ذلك الإنزال في الغرف في الجنان هو الإسعاد المترتب على الإيمان والهجرة والعمل الصالح فالإيمان والهجرة والعمل الصالح عمل والجنة وما فيها من النعيم أجرة ذلك العمل . وأثنى الله تعالى على الجنة فقال : { نعم أجر العاملين } ووصفهم بقوله { الذين صبروا } اي على الإيمان والهجرة والطاعة { وعلى ربهم يتوكلون } فخرجوا من ديارهم تاركين أموالهم لا يحملون معهم زادا كل ذلك توكلا على ربهم وقوله تعالى : { وكأين من دابة لا تحمل رزقها } لضعفها وعجزها أي وكثير من الجواب من الإنسان والحيوان من يعجز حتى عن حمل طعامه أو شرابه لضعفه والله عز وجل يرزقه بما يسخر له /ن اسباب وما يهيئ له من فرض فيطعم ويشرب كالأقوياء والقادرين ، وعليه فلا يمتعنكم عن الهجرة مخافة الفاقة والفقر فالله تعالى تكفل برزقكم ورزق سائر مخلوقاته .

(3/215)


( وهو السميع ) لأقوالكم ( العليم ) ببواطنكم وظواهركم وأعمالكم وأحوالكم فارهبوه ولا ترهبوا سواه فإن في طاعته السعادة والكمال وفي معصيته الشقاء والخسران .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) لا عذر لأحد في ترك عبادة الله وتوحيده فيها لأنه إن منع منها في بلد وجب عليه أن يهاجر إلى بلد آخر .
2 ) لا معنى للخوف من الموت إذا وجب العمل كالهجرة والجهاد لأن الموت حق ولا بد منه .
3 ) بيان جزاء أهل الصبر والتوكل من أهل الإيمان والهجرة والتقوى .
4 ) لا يمنعن المؤمن من الهجرة خوفه من الجوع في دار هجرته إذ تكفل الله برزقه .

(3/216)


ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64)

شرح الكلمات :
{ ولئن سألتهم } : أي المشركين .
{ وسخر الشمس والقمر } : أي ذللهما يسيران الدهر كله لا يملان ولا يفتران .
{ فأنى يؤفكون } : أي كيف يصرفون عن الحق بعد ظهور أدلته لهم . وهو أن الخالق المدبر هو الإله الحق الذي يجب توحيده في عبادته .
{ الله يبسط الرزق لمن يشاء } : أي يوسع الرزق على من يشاء من عباده امتحانا للعبد هل يشكر الله أو يكفر نعمه .
{ ويقدر له } : أي ويضيق عليه ابتلاء ليرى هل يصبر أو يسخط .
{ ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءا فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله } : إذا يشركون به أصناما لا تنفع ولا تضر؟ .
{ قل الحمد لله } : أي قل لهم الحمد لله على ثبوت الحجة عليكم .
{ بل أكثرهم لا يعقلون } : أي أنهم متناقضون في فهمهم وجوابهم .
{ وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو : أي يالنظر غلى العمل لها والعيش فيها فهي لهو يتلهى بها ولعب } الإنسان ولعب يخرج منه بلا طائل ولا فائدة .
{ وإن الدار الآخرة لهي : أي الحياة الكاملة الخالدة ، ولذا العمل لها أفضل من الحيوان } العمل للدينا .
{ لو كانوا يعلمون } : أي لو علم المشركون هذا لما آثروا الدنيا الفانية على الآخرة الباقية .
معنى الآيات :
ما زال السياق في تقرير التوحيد والتنديد بالشرك وتذكير المشركين لعلهم يوحدون . يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم { ولئن سألتهم } اي ولئن سألت هؤلاء المشركين الذين يؤذون المؤمنين ويضطهدونهم من أجل توحيدهم لله تعالى لو سألتهم { من خلق السموات والأرض } أي من أوجدهما من العدم ، ومن سخر الشمس والقمر في فلكيهما يسيران الحياة كلها ليجيبنك قائلين الله . { فأنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الحق بعد ظهور أدلته إنها حال تستدعي التعجب وقوله تعالى : { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له } هذا مظهر من مظاهر الحكمة الإلهية والتدبير الحكيم وهو موجب له الألوهية ناف لها عما سواه . فهذا يبسط الرزق له فيوسع عليه في طعامه وشرابه وكسائه ومركوبه ومسكنه ، وهذا يضيق عليه في ذلك لماذا؟ والجواب إنه يوسع امتحانا للعبد هل يشكر أو يكفر ، ويضيق ابتلاءا للعبد هل يصبر أو يسخط . ولذا فلا حجة للمشركين في غناهم وفقر المؤمنين فالغنى لا يدل على رضا الله على العبد ولا على سخطه . والفقر كذلك لا يدل على سخط ولا على رضا . وقوله تعالى { إن الله بكل شيء عليم } تقرير لحكمته ورحمته وعدله وتدبيره فهو يوسع لحكمة ويضيق لحكمة لعلمه بعباده وما يصلحهم وما يفسدهم إذ من الناس من يصلحه الغنى ، ومنهم من يصلحه الفقر ، والإفساد كذلك وقوله تعالى : { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها } أي ولئن سألت يا رسولنا هؤلاء المشركين فقلت من نزل من السماء ماء المطر فأحيا به الأرض بعد موتها بالقحط والجدب لأجابوك قائلين : الله إذا قل لهم : الحمد لله على اعترافكم بالحق لو أنكم تعملون بمقتضاه فما دام الله هو الذي ينزل الماء ويحيى الأرض بعد موتها فالعبادة إذا لا تنبغي إلا له فلم إذا تعبدون معه آلهة أخرى لا تنزل ماء ولا تحيي أرضا ولا غيرها ، { بل أكثرهم لا يعقلون } إذ لو عقلوا ما أشركوا بربهم أحجارا وأصناما ولا ما تناقضوا هذا التناقض في أقوالهم وأفعالهم يعترفون بالله ربا خالقا رازقا مدبرا ويعكفون على الأصنام يستغيثون بها ويدعونها ويعادون بل ويحاربون من ينهاهم عن ذلك .

(3/217)


وقوله تعالى : { وما هذه الحياة الدنيا } أي التي أعمت الناس عن الآخرة وصرفتهم عن التزود لها ما هي { إلا لهو ولعب } إذ يتشاغل بها الكافر ويعمل لها الليل والنهار ثم يموت ويخرج منها صفر اليدين كالأطفال يلعبون طوال النهار ثم يعودون بلا شيء سوى ما نالهم من التعب فالواجب أن تحول غلى عمل صالح مثمر يتزود به العبد إلى آخرته إذ الآخرة هي الحيوان اي الحياة الكاملة الخالدة فلها يعمل العاملون ، وفي عملها يتنافس المتنافسون . وهذا معنى قوله تعالى : { وإن الآخرة } أي الدار الآخرة { لهي الحيوان } أي الحياة التي يجب أن نعمل لها لبقائها وخيريتها ، وقوله : { لو كانوا يعلمون } اي نعم إذ لو علموا أن الآخرة خير لما اقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن الآخرة ، ولكن جهلهم هو سبب إعراضهم ، فدواؤهم العلم .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) التعجب من تناقض المشركين الذين يؤمنون بربوبية الله ويجحدون ألوهيته .
2 ) بيان حقيقة وهي أن الغنى والفقر لا يدلان على رضا الرب ولا على سخطه ، وإنما يدلان على علم الله وحكمته وحسن تدبيره .
3 ) بيان حقارة الدنيا وتفاهتها وعظمة الآخرة وعلو قيمتها . فلذا أحمق الناس وأشدهم سفاهة من يعمى عن الآخرة ويكفر بها ويبصر الدنيا ويؤمن بها .

(3/218)


فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69)

شرح الكلمات :
{ في الفلك } : أي في السفينة .
{ مخلصين له الدين } : أي دعوا الله وحده فلم يذكروا معه غيره من الآلهة .
{ إذا هم يشركون } : أي يفاجئونك بالشرك وهو دعاء غير الله تعالى .
{ ليكفروا بما آتيناهم } : أي بنعمة الإنجاء من الغرق وغيرها من النعم .
{ فسوف يعلمون } : أي سوف يعلمون عاقبة كفرهم إذا ألقوا في جهنم .
{ يوتخطف الناس من حولهم } : اي يسبون ويقتلون في ديار جزيرتهم .
{ أفبالباطل يؤمنون } : أي يؤمنون بالأصنام وهي الباطل ، ينكر تعالى عليهم ذلك .
{ والذين جاهدوا فينا } : أي بذلوا جهدهم في تصحيح عقائدهم وتزكية نفوسهم وتهذيب أخلاقهم ثم بقتال أعداء الله من أهل الكفر المحاربين للاسلام والمسلمين .
{ لنهدينهم سبلنا } : أي لنوفقنهم إلى معرفة ما يوصل إلى محبتنا ورضانا ونعينهم على تحصيله .
معنى السياق :
ما زال السياق الكريم في التنديد بالمشركين وشركهم فقد تقدم في السياق أنهم يعترفون بربوبية الله تعالى إذ لو سئلوا عمن خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر لقالوا الله ول سئلوا عمن نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها لقالوا الله . ومع هذا هم يشركون بالله آلهة وأوثانا ، وكما يعترفون بربوبية الله ثم يشركون به الأصنام ، فإنهم إذا ركبوا في الفلك أي في سفينة من السفن وجاءهم موج واضطربت بهم وخافوا الغرق دعوا الله تعالى { مخلصين له الدين } أي الدعاء فسألوه وحده دون آلهتهم أن ينجيهم من الغرق . { فلما نجاهم إلى البر } ونزلوا سالمين من الغرق إذا هم يشركون يفاجئونك بالشرك فهذا التناقض منهم كالتناقض في اعترافهم بربوبية الله تعالى ثم بالإشراك به .
ومرد هذا غلى الجهل والتقليد والعناد والمجاحدة والمكابرة . هذا ما دلت عليه الآية الأولى من هذا السياق وهي قوله { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } .
وقوله تعالى في الآية ( 66 ) : { ليكفروا بما آتيناهم } أي عودتهم إلى الشرك بعد نجاتهم من الغرق ونزولهم في البر كان كأ ، ه من أجل أن يكفروا بنعمة الله تعالى بإنجائهم من الغرق ، إذ لو لم يكفروها لاستمروا على الاخلاص لله بدعائه وعبادته وحده دون الآلهة التي تركوها عند حلول الشدة ومعاينة البلاء . وقوله تعالى : { وليتمتعوا } قرئ بسكون اللام ورجح ابن جرير هذه القراءة فيكون المعنى : وليتمتعوا في دنياهم بما آتاهم الله من متاع الحياة الدنيا { فسوف يعلمون } عاقبة ذلك بعد موتهم وهي عذاب الآخرة ، والأمر حينئذ في قوله وليتمتعوا للتهديد والوعيد .
أما على قراءة اللام وليتمتعوا فالجملة معطوفة على قوله ليكفروا اي أخلصوا في الشدة واشركوا في الرخاء ليكفروا وليتمتعوا بما أوتوا في الحياة ، ولم يكن ذلك بنافعهم ولا بمغن عنهم من الله شيئا فسوف يعلمون ما يحل بهم من عذاب وما ينزل بهم من بلاء وشقاء .

(3/219)


وقوله تعالى في الآية الثالثة ( 67 ) { أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم } أي ألم ير أولئك المشركون الكافرون بنعمة الله في الإنجاء من الغرق نعمة أخرى وهي أن جعل الله تعالى لهم حرما آمنا يسكنونه آمنين من غارات الأعداء وحروب الظالمين المعتدين ، لا يعتدي عليهم في حرمهم ولا يظلمون في حين أن الناس من حولهم في أطراف جزيرتهم وأوساطها يتخطفون فتشن عليهم الغارات ويقتلون ويؤسرون في كل وقت وحين ، أليست هذه نعمة من أعظم النعم تستوجب شكرهم لله تعالى بعبادته وترك عبادة ما سواه . ولذا قال تعالى عاتبا عليهم منددا بسلوكهم : { أفبالباطل يؤمنون } اي بالشرك وعبادة الأصنام يصدقون ويعترفون { وبنعمة الله يكفرون } أي يجحدون إنعام ربهم عليهم فلا يشكرونه بعبادته وتوحيده فيها . وقوله تعالى في الآية الرابعة ( 68 ) رومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه } وصفهم بالظلم الفظيع في حالتين الأولى في كذبهم على الله بتحريم ما أحل وتحليل ما حرم واتخاذ شركاء الله زاعمين أنها تشفع لهم عند الله عز وجل والثانية في تكذيبهم للحق الذي جاءهم به رسول الله وهو الدين الإسلامي بعقائده وشرائعه حيث كذبوا بالقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم . وبعد هذا التسجيل لأكبر ظلم عليهم قال تعالى : { أليس في جهنم مثوى للكافرين } ؟ والاستفهام للتقرير اي إن في جهنم مثوى أي مسكنا للكافرين من أمثالهم وهم كافرون ظالمون وذلك جزاؤهم ولبئس الجزاء جهنم .
وقوله تعالى في الآية الخامسة ( 69 ) { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } في هذه الاية بشرى سارة ووعد صدق كريم ، وذلك أن من جاهد في سبيل الله اي طلبا لمرضاة الله بالعمل على إعلاء كلمته بأن يعبد معه سواه فقاتل المشركين يوم يؤذن له في قتالهم يهديه الله تعالى أي يوفقه إلى سبيل النجاة من المرهوب والفوز بالمحبوب ، وكل من جاهد في ذات الله نفسه وهواه والشيطان وأولياءه فإن هذه البشرى تنله وهذا الوعد ينجز له وذلك أن الله مع المحسنين بعونه ونصره وتأييده على من جاهدوهم في سبيل الله ، والمراد من المحسنين الذين يحسنون نياتهم وأعمالهم وأقوالهم فتكون صالحة مثمرة لزكاة نفوسهم وطارة أرواحهم . اللهم اجعلنا منهم وآتنا ما وعدتهم إنك جواد كريم .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) بيان أن مشركي العرب لم يكونوا ملاحدة لا يؤمنون بالله تعالى وتقرير أنهم كانوا موحدين توحيد الربوبية مشركين في توحيد الألوهية اي العبادة .
2 ) إيقاظ ضمائر المشركين بتنبيههم بنعم الله تعالى عليهم لعلهم يشكرون .
3 ) لا ظلم أعظم من ظلم من افترى على الله الكذب ، وكذب بالحق لما جاءه وانتهى غليه وعرفه فانصرف عنه مؤثرا دنياه متبعا لهواه .
4 ) بشرى الله لمن جاهد المشركين وجاهد نفسه والهوى والشياطين بالهداية إلى سبيل الفوز والنجاة في الحياة الدنيا والآخرة .
5 ) فضل الإحسان وهو إخلاص العبادة لله تعالى وأداؤها متقنة مجودة كما شرعها الله تعالى ، وبيان هذا الفضل للإحسان بكون الله تعالى مع المحسنين بنصرهم وتأييدهم والإنعام عليهم وإكرامهم في جواره الكريم .

(3/220)


الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7)

شرح الكلمات :
{ آلم } : هذه أحد الحروف المقطعة تكتب آلم ، وتقرأ ألف ، لام ، ميم .
{ غلبت } : أي غلبت فارس الروم .
{ الروم } : إسم رجل هو روم بن عيصو بن اسحق بن إبراهيم سميت به قبيلة لأنه جدها .
{ في أدنى الأرض } : أي أقرب أرض الروم إلى فارس وهي أرض يقال لها الجزيرة « بين دجلة والفرات » .
{ وهم من بعد غلبهم سيغلبون } : أي وهم أي الروم من بعد غلب فارس لهم سيغلبونها .
{ في بضع سنين } : أي في فترة ما بين الثلاث سنوات إلى تسع سنين .
{ لله الأمر من قبل ومن بعد } : أي الأمر في ذلك اي في غلب فارس أولا ثم في غلب الروم أخيرا لله وحده إذ ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن .
{ ويومئذ يفرح المؤمنون } : أي ويوم تغلب الروم فارسا يفرح المؤمنون بنصر أهل الكتاب على المشركين عبدة النار ، وبنصرهم هم على المشركين في بدر .
{ وعد الله } : أي وعدهم الله تعالى وعدا وأنجزه لهم .
{ لا يخلف الله وعده } : أي ليس من شأن الله خلف الوعد وذلك لكمال قدرته وعلمه .
{ ولكن أكثر الناس لا يعلمون } : كمال الله في قدرته وعلمه المستلزم لإنجاز وعده .
{ يعلمون ظاهرا من الحياة : أي لا يعلمون حقائق الإيمان وأسرار الشرع وإنما الدنيا } يعلمون ما ظهر من الحياة الدنيا كطلب المعاش من تجارة وزراعة وصناعة .
{ وهم عن الآخرة هم غافلون } : أي عن الحياة الآخرة ، وما فيها من نعيم وجحيم وما يؤدي إلى ذلك من عقائد وأفعال وتروك .
معنى الايات :
قوله تعالى : { آلم } : أحسن أوجه التفسير لمثل هذه الحروف القول بأن الله اعلم بمراده به ، مع الإشارة إلى أنه أفاد فائدتين الأولى أن هذا القرآن المؤلف من مثل هذه الحروف المقطعة قد عجز العرب على تاليف مثله فدل ذلك على أنه وحي الله وتنزيله ، وأن من نزل عليه نبي الله ورسوله وأن ما يحمل من تشريع هو حاجة البشرية ولا تصلح ولا تكمل ولا تسعد إلا به وعليه ، والثانية أنهما لما كان المشركون يمنعون من سماع القرآن مخافة تاثيره على المستمه له جاء تعالى بمثل هذه الفواتح للعديد من سور كتابه فكانت تضطرهم إلى الاستماع إليه لأن هذه الحروف لم تكن معهودة في مخاطباتهم .
وقوله تعالى : { غلبت الروم } : اي غلبت فارس الروم في رأدنى الأرض } أي أرض الشام الأقرب إلى بلاد فارس وذلك في أرض الجزيرة الواقعة بين نهري دجلة والفرات وقولهك { وهم من بعد غلبهم سيغلبون } أي وهم من بعد غلب فارس الروم ستغلب الروم فارسا وقوله : { في بضع سنين } : أي في فترة زمانية ما بين الثلاث سنوات إلى تسع سنوات وقوله { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي الأمر في ذلك لله تعالى من قبل الغلب ومن بعده إذ هو المتصرف في خلقه .

(3/221)


وقوله { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله } اي ويوم يغلب الروم فارسا يفرح المؤمنون بانتصار الروم على فارس لأن الروم أهل كتاب وفارسا مشركون يعبدون النار ، كما يفرح المؤمنون أيضا بانتصارهم على المشركين في بدر إذ كان القوت الذي انتصرت فيه الروم وهو وقت انتصر فيه المؤمنون على المشركين في بدر .
وهذا من الغيب الذي أخبر به القرآن قبل وقوعه فكان كما أخبر فأكد بذلك أن الإسلام وكتابه ورسوله حق . وقوله تعالى : { ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم } أي ينصر تعالى من يشاء نصره من عباده وقد شاء نصر المؤمنين والروم فنصرهم في وقت واحد منجزا بذلك وعده الذي واعد به منذ بضع سنين ، وهو العزيز أي الغالب على أمره القادر على إنجاز وعده الرحيم بأوليائه وصالحي عباده . وقوله ولكن { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } كتدبير الله وقدرته وعزته وفوائد شرعه وأسرار دينه ، ولكن يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا كتدبير معايشهم من زراعة وصناعة وتجارة ، وفي نفس الوقت هم عن الحياة الآخرة غافلون عما يجب عليهم فعله وتركه ليسعدوا فيها بالنجاة من النار وسكنان الجنان في جوار الرحمن سبحانه وتعالى .
هداية الآيات :
من هداية الايات :
1 ) تقرير صحة الإسلام وأنه الدين الحق بصدق ما يخبر به كتابه من الغيوب .
2 ) بيان أهل الكتاب من يهود ونصارى أقرب إلى المسلمين من المشركين والملاحدة من بلاشفة شيوعيين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر .
3 ) بيان أكثر الناس لا يعلمون ما يسعدهم في الآخرة ويكملهم من العقائد الصحيحة والشرائع الحكيمة الرحيمة التي لا يكمل الإنسان ولا يسعد إلا عليها ، ويعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا كتدبير المعاش من زراعة وصناعة وتجارة ، أما عن سر الحياة الدنيا ولماذا كانت فهم لا يعلمون شيئا كما هم عن الحياة الآخرة غافلون بالمرة فلا يبحثون عما يسعد فيها ولا عما يشقي . والعياذ بالله تعالى من الغفلة عن دار البقاء في السعادة أو الشقاء .

(3/222)


أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون (10)

شرح الكلمات :
{ في أنفسهم } : أي كيف خلقوا ولم يكونوا شيئا ، ثم كيف اصبحوا رجالا .
{ إلا بالحق } : أي لم يخلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق الذي هو العدل .
{ وأجل مسمى } : وهو نهاية هذه الحياة لتكون الحياة الثانية حياة الجزاء العادل .
{ بلقاء ربهم لكافرون } : اي بالبعث والوقوف بين يدي الله ليسألهم ويحاسبهم ويجزيهم .
{ وأثاروا الأرض وعمروها } : قلبوها للحرث والغرس والإنشاء والتعمير .
{ وعمروها } : أي عمروا الأرض عمارة أكثر مما عمرها هؤلاء المشركون .
{ وجاءت رسلهم بالبينات } : أي بالدلائل والحجج والبراهين من المعجزات وغيرها .
{ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } : أي بتكذيبهم وشركهم ومعاصيهم فعرضوا أنفسهم للهلاك .
{ أساءوا السوأى } : أي بالتكذيب والشرك والمعاصى والسوءى هي الحالة الأسوأ .
{ أن كذبوا بآيات الله } : أي بتكذيبهم بآيات الله القرآنية واستهزائهم بها .
معنى الآيات :
ما زال السياق الكريم في دعوة المنكرين للبعث الآخر إلى الإيمان به من طريق ذكر الأدلة العقلية التي تحملها الآيات القرآنية فقوله تعالى { أو لم يتفكروا في أنفسهم } أي أينكرون البعث ولم يتفكروا في أنفسهم كيف كانوا عدما ثم وجدوا أطفالا ثم شبابا ثم رجالا كهولا وشيوخا يموتون أليس القادر على خلقهم وتربيتهم إماتهم قادر على بعثهم وحسابهم ومجازاتهم على كسبهم في هذه الحياة الدنيا وقوله تعالى { ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى } أي لم يخلقهما عبثا بل خلقهما ليذكر ويشكر ، ثم إذا تم الأجل المحدد لهما افناهما ثم بعدث عبادة ليحاسبهم هل ذكروا وشكروا أو تركوا ونسوا وكفروا ثم يجزيهم بحسب إيمانهم وطاعتهم أو كفرهم وعصيانهم .
وقوله تعالى : { وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون } يخبر تعالى أنه مع ظهور الأدلة وقوة الحجج على صحة عقيدة البعث والجزاء فإن كثيرا من الناس كافرون بالبعث والجزاء وقوله تعالى في الآية ( 9 ) { أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } اي أيكذب اولئك المشركون بالبعث والجزاء ولم يسيروا في الأرض شمالا وجنوبا فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم هلاكا ودمارا ، { كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض } بالإنشاء والتعمير والزراعة والفلاحة { وعمروها } عمارة أكثر مما عمرها هؤلاء ، { وجاءتهم رسلهم بالبينات } ، ولما أهلكهم لم يكن ظالما لهم بل كانوا هم الظالمين نفسهم . الس في هذا دليلا على حكمة الله وعلمه وقدرته فكيف ينكر عليه بعثه لعباده يوم القيامة لحسابهم ومجازاتهم؟ .
وقوله تعالى { ثم كان عاقبة الذين أساءوا } اي الأعمال فلم يصلحوها حيث كذبوا برسل الله وشرائعه . وقوله : { السوأى } أي عاقبة الذين أساءوا السوأى أي العاقبة السوأى وهو خسرانهم وهلاكهم ، وقوله رأن كذبوا بآيات الله } أي من أجل أنهم كذبوا بآيات الله { وكانوا بها يستهزئون } وأصروا على ذلك ولم يتوبوا .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة العقلية المثبتة لها .
2 ) كفر أكثر الناس بالبعث مع كثرة الأدلة وقوتها .
3 ) مشروعية السير في الأرض للاعتبار مع اشتراط عدم حصول إثم في ذلك بترك واجب أو بفعل محرم .
4 ) بيان جزاء الله العادل في أن عاقبة الإساءة السوأى .
5 ) كفر الاستهزاء بالشرع وأحكامه والقرآن وآياته .

(3/223)


الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين (13) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (16)

شرح الكلمات :
{ ثم إليه ترجعون } : أي بعد إعادة الخلق وبعث الناس .
{ يبلس المجرمون } : أي ييأسوا من النجاة وتنقطع حجتهم فلا يتكلمون .
{ وكانوا بشركائهم كافرين } : أي يتبرءون منهم ولا يعترفون بهم .
{ يتفرقون } : أي ينقسمون إلى سعداء أصحاب الجنة وأشقياء أصحاب النار .
{ في روضة يحبرون } : أي في روضة من رياض الجنة يسرون ويفرحون .
{ في العذاب محضرون } : أي مدخلون لا يخرجون منه .
معنى الآيات :
ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة وعرض صور حية صادقة لما يتم بعد البعث من جزاء ، فقوله تعالى { الله يبدأ الخلق يم يعيده ، ثم غليه ترجعون } إعلان واضح صريح قاطع للشك مزيل للبس بأن الله رب السموات والأرض وما بينهما هو الذي بدأ الخلق فخلق ما شاء ثم يميته ثم يعيده ، وإليه لا إلى غيره ترجع الخليقة كلها راضية أو ساخطة محبة أو كارهة ، هكذا قرر تعالى عقيدة البعث والجزاء مدلالا عليها بأقوى دليل وهو وجوده تعالى وقدرته التي لا تحد وعلمه الذي أحاط بكل شيء وحكمته التي لا يخلو منها عمل ، فقال { الله يبدا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون } .
وقوله عز وجل في الآية الثانية عشر ( 12 ) { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون } هذا عرض لما بعد البعث فذكر أنه لما تقوم الساعة ويبعث الناس يبلس المجرمون أي يياسون من الرحمة وينقطعون عن الكلام لعدم وجود حجة يحتجون بها . وقوله { ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء } أي ولم يكن لهم من يشفع لهم من شركائهم الذين عبدوهم بحجة أنهم يشفعون لهم عند الله ، فايسوا من شفاعتهم وكفروا بهم أيضا أي أنكروا أنهم كانوا يعبدونهم خوفا من زيادة العذاب . هذه حال المجرمين الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي ، الحامل عليها تكذيبهم بآيات الله ولقائه . وقوله تعالى { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } هذا عرض آخر يخبر تعالى أنه إذا قامت الساعة تفرق الناس على أنفسهم فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير ، وبين ذلك مقرونا بعلله فقال : { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي صدقوا بالله ربا وإلها وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا لا دين يقبل غيره وبالبعث والجزاء حقا . { وعلموا الصالحات } اي عبدوا الله تعالى بما شرع لهم من العبادات إذ الصالحات هي المشروع من الطاعات القولية والفعلية فهؤلاء المؤمنون العاملون للصالحات { فهم في روضة } من رياض الجنة { يحبرون } اي يسرون ويفرحون بما لاقوه من الرضوان والنعيم المقيم ، وذلك بفضل الله تعالى عليهم وبما هداهم إليه من الإيمان ، وما وفقهم إليه من عمل الصالحات . وقوله : { وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون } فقد اخبر عن جزائهم مقرونا بعلة ذلك الجزاء وهو الكفر بتوحيد الله تعالى ، والتكذيب بالآيات القرآنية وما تحمله من حجج وشرائع وأحكام ، وبلقاء الآخرة وهو لقاء الله تعالى بعد البعث للحساب والجزاء ، فجزاؤهم أن يحضروا في العذاب دائما وابدا لا يغيبون عنه ، ولا يفتر عنهم ، وهم فيه خالدون .
هداية الآيات :
{ من هداية الآيات :
1 ) تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة وعرض مشاهد القيامة .
2 ) تقرير عقيدة أن لا شفاعة لمشرك ولا كافر يوم القيامة ، وبطلان ما يعتقده المبطلون من وجود من يشفع لأهل الشرك والكفر .
3 ) تقرير مبدأ السعادة والشقاء يوم القيامة فأهل الإيمان والتقوى في روضة يحبرون ، وأهل الشرك والمعاصي في العذاب محضرون .

(3/224)


فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19) ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21)

شرح الكلمات :
{ فسبحان الله } : أي سبحوا الله أي صلوا .
{ حين تمسون } : أي تدخلون في المساء وفي هذا الوقت صلاة المغرب وصلاة العشاء .
{ وحين تصبحون } : وتدخلون في الصباح وفيه صلاة الصبح .
{ وله الحمد في السموات والأرض } : أي وهو المحمود دون سواه في اسلموات والأرض .
{ وعشيا } : أي حين تدخلون في العشي وفيه صلاة العصر .
{ وحين تظهرون } : أي تدخلون في الظهيرة وفيه صلاة الظهر .
{ ويخرج الحي من الميت } : أي يخرج الإنسان الحي من النطفة وهي ميتة .
{ ويخرج الميت من الحي } : أي يخرج النطفة من الإنسان الحي والبيضة الميتة من الدجاجة الحية .
{ ويحي الأرض بعد موتها } : أي يحييها بالمطر فتحيا بالنبات بعدما كانت يابسة ميتة .
{ وكذلك تخرجون } : أي من قبوركم أحياء بعدما كنتم ميتين .
{ ومن آياته } : أي ومن أدلة قدرته وعلمه وحكمته المقتضية لبعثكم بعد موتكم .
{ أن خلقكم من تراب } : أي خلقه غياكم من تراب ، وذلك بخلق آدم الب الأول .
{ تنتشرون } : أي في الأرض بشرا تعمرونها .
{ لتسكنوا إليها } : أي لتسكن نفوسكم إلى بعضكم بعضا بحكم التجانس في البشرية .
{ وجعل بينكم مودة } : أي محبة ورحمة اي شفقة إذ كل من الزوجين يحب الآخر ويرحمه .
معنى الآيات :
قوله سبحانه وتعالى في هذه السياق : { فسبحان الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . } الآية لما بين تعالى بدء الخلق ونهايته باستقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وهذا عمل يستوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بجلاله وكماله كما يستلزم حمده ، ولما كانت الصلوات الخمس تشتمل على ذلك أمر بإقامتها في المساء والصباح والظهيرة والعشي فقال تعالى { فسبحان الله } اي سبحوا الله { حين تمسون } اي تدخلون في المساء وهي صلاة المغرب والعشاء { وحين تصبحون } اي تدخلون في الصباح وهي صلاة الصبح . وقوله تعالى { وله الحمد في السموات والأرض } يخبر تعالى أن له الحمد مستحقا له دون سائر خلقه في السموات والأرض . وقوله { وعشيا } معطوف على قوله { حين تصبحون } أي وسبحوه في العشي . وهي صلاة العصر { وحين تظهرون } اي وسبحوه حين تدخلون في الظهيرة وهي صلاة الظهر .
وقوله تعالى { يخرج الحي من الميت } اي ومن مظاهر الجلال والكمال الموجبة لحمده وطاعته والمقتضية لقدرته على بعث عباده ومحاسبتهم ومجازاتهم أنه يخرج الحي كالإنسان من النطفة والطير من البيضة والمؤمن من الكافر { ويخرج الميت من الحي } كالنطفة من الإنسان والبيضة من الدجاجة وسائر الطيور التي تبيض . وقوله { ويحيي الأرض بعد موتها } اي ومن مظاهر وجوده وقدرته وعلمه ورحمته ايضا أنه يحيي الرض أي بالمطر بعد موتها بالجدب والقحط فإذا هي رابية تهتز بأنواع النباتات والزروع وقوله : { وكذلك تخرجون } اي وكإخراجه الحي من الميت والميت من الحي وكإحيائه الأرض بعد موتها : يحييكم ويخرجكم من قبوركم للحساب والجزاء إذ القادر على الأول قادر على الثاني . ولا فرق .

(3/225)


وقوله تعالى : { ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } اي ومن آياته الدالة على وجوده وعلمه وقدرته المستوجبة لعبادته وحده والمقررة لقدرته على البعث والجزاء خلقه للبشرية من تراب إذ خلق اباها الأول آدم عليه السلام من تراب ، وخلق حواء زوجه من ضلعه ثم خلق باقي البشرية بطريقة التناسل . فإذا هي كما قال سبحانه وتعالى : بشر ينتشرون في الأرض متفرقين في أقطاهرا يعمرونها بإذنه تعالى . وقوله تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها } اي ومن ىياته اي حججه وأدلته الدالة على وجوده وعلمه ورحمته المستوجبة لعبادته وتوحيده فيها والدالة ايضا على قدرته على البعث والجزاء خلقه لكم ايها الناس من انفسكم اي من جنسكم الآدمي أزواجا اي زوجات لتسكنوا غليها بعامل التجانس ، إذ كل جنس من المخلوقات يطمئن إلى جنسه ويسكن غليه ، وقوله { وجعل بينكم مودة ورحمة } اي جعل بين الزوجين مودة اي محبة ورحمة أي شفقة إلا إذا ظلم أحدهما الآخر فإن تلك المودة وتلك الرحمة قد ترتفع حتى يرتفع الظلم ويسود العدل والحق . وقوله تعالى : { إن في ذلك لآيات } اي دلائل وحجج واضحة { لقوم يتفكرون } باستعمال عقولهم في النظر والفكر فإنهم يجدون تلك الأدلة على قدرة الله وعلمه ورحمته وكلها مقتضية لتوحيد الله ومحبته وطاعته بفعل محابه وترك مساخطه ، مع تقرير عقيدة البعث والجزاء التي أنركها المجرمون المكذبون .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) وجوب تنزيه الله عن كل مالا يليق بجلاله وكماله .
2 ) وجوب حمد الله على آلائه وإنعامه .
3 ) وجوب إقام الصلاة .
4 ) بيان أوقات الصلوات الخمس .
5 ) بيان مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه ورحمته المقتضية لتوحيده والمقررة لعقيدة البعث والجزاء .

(3/226)


ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون (25)

شرح الكلمات :
{ ومن آياته } : أي حججه وبراهينه الدالة على قدرته على البعث والجزاء .
{ واختلاف ألسنتكم } : أي لغاتكم من عربية وعجمية والعجمية بينها اختلاف كثير .
{ وألوانكم } : أي من ابيض وأصفر وأحمر وأسود والكل أبناء رجل واحد وامرأة واحدة .
{ للعالمين } : أي للعقلاء على قراءة للعالمين بفتح اللام ، ولأولي العلم على قراءة كسر اللام .
{ وابتغاؤكم من فضله } : أي طلبكم الرزق باحضار أسبابه من زراعة وتجارة وصناعة وعمل .
{ لقوم يسمعون } : أي سماع تدبر وفهم وإدراك لا مجرد سماع الأصوات .
{ يريكم البرق خوفا وطمعا } : أي إراءته إياكم البرق خوفا من اصواعق والطوفان وطمعا من المطر .
{ أن تقوم السماء والأرض : أي قيام السماء والأرض على ما هما عليه منذ نشأتهما بأمره } بقدرته وتدبيره .
{ دعوة من الأرض } : أي دعوة واحدة لا تتكرر وهي نفخة اسرافيل .
{ إذا أنتم تخرجون } : اي من قبوركم أحياء للحساب والجزاء .
معنى الآيات :
ما زال السياق في تقرير عقيدة التوحيد والبعث والجزاء بذكر الدلة والبراهين العقلية فقوله تعالى : { ومن آياته } اي حججه الدالة على قدرته على البعث والجزاء وعلى وجوب توحيده { خلق السموات والأرض } فخلق بمعنى إيجاد السموات والأرض وما فيهما وما بينهما من اكبر الأدلة وأقواها على وجود اللهوقدرته وعلمه وحكمته وكلها موجبة لتوحيده ومثبتة لقدرته على البعث والجزاء ، مقررة له ، وقوله : { واختلاف ألسنتكم } أي لغاتكم من عربية وعجمية ولهجاتكم بحيث لكل ناطق لهجة تخصه يتميز بها إذا سمع صوته عرف بها منبين بلايين البشرن { وألوانكم } واختلاف ألوانكم أيها البشر من أبيض إلى اسود ومن احمر غلى اصفر مع اختلاف الملامح واسمات بحيث لا يوجد اثنان من ملايين البشر لا يختلف بعضهما عن بعض حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر إن في هذا وذاك { لآيات للعالمين } أي لحججا ظاهرة وبراهين قاطعة بعضها للعالمين وذلك البياض والسواد وبعضها للعلماء كاختلاف اللهجات وملامح الوجوه والسمات المميزة الدقيقة والكل أدلة على قدرة الله وعلمه ووجوب عبادته وتوحيده في ذلك مع تقري عقيدة البعث والجزاء .
وقوله { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } أي ومن آياته الدالة على قدرته على البعث والجزاء منامكم بالليل فالنوم كالموت والانتشار في النهار لطلب الرزق كالبعث بعد الموت فهذه عملية للبعث بعد الموت تتكرر كل يوم وليلة في هذه الحياة الدنيا ، وقوله { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } اي في ذلك المذكور من النوم والانتشار لطلب الرزق لدلائل وحجج على قدرة الله على البعث لقوم يسمعون نداء الحق والعقل يدعوهم غلى الإيمان بالبعث والجزاء فيؤمنون فيصبحون يعملون للقاء ربهم ويستجيبون لكل من يدعوهم إلى ربهم ليعبدوه ويتقربوا إليه .
وقوله تعالى في الآية الثالثة 024 ) { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا } اي ومن حججه تعالى الدالة على قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وهي مقتضيات توحيده والإيمان بلقائه إراءته إياكم ايها الناس البرق خوفا للمسافرين من الأمطار الغزيرة ومن الصواعق الشديدة أن تصيبهم ، وطمعا في المطر الذي تحيا به مزارعكم وتنبت به ارضكم فيتوفر لكم اسباب رزقكم ، وقوله : { وينزل من المساء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها } أي ومن آياته تنزيله تعالى من السماء ماء وهو ماء المطر فيحيي به الأرض بالنباتات والزروع بعد ان كانت ميتة لا يحاة فيها لا زرع ولا نبت إن في ذلك المذكور من غنزال الماء وإحياء الأرض بعد غراءته عباده البرق خوفا وطمعا لآيات دلائل وحجج على قدرته على البعث والجزاء ولكن يرى تلك الدلائل ويعقل ويفهم تلك الحجج قوم يعقلون اي لهم عقول سليمة يستعملونها في النظر والاستدلال فيفهمون ويؤمنون .

(3/227)


وقوله تعالى : { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره } أي ومن ىياته تعالى الدالة على قدرته وعلمه وحكمته والموجبة لتوحيده والمقررة لنبوة نبيه ولقائه للحساب والجزاء قيام السماء والأرض منذ خلقهما فلا السماء تسقط ، ولا ارض تغور فهما قائمتان منذ خلقهما بأمره تعالى اليس في ذلك أكبر دليل على قدرة الله تعالى على بعث الناس بعد موتهم أحياء لحسابهم على كسبهم ومجازاتهم .
وقوله تعالى : { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } أي اقام السماء والأرض للحياة الدنيا يحيي فيهما ويميت حتى تنتهي المدة المحددة للحياة فيهلك الكل ويفنيه { ثم إذا دعاكم دعوة } بنفخ اسرافيل في الصور { إذا أنتم تخرجون } من الأرض استجابة لتلك الدعوة ، وذلك للحساب والجزاء العادل على العمل في هذه الحياة الدنيا .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) بيان مظاهر قدرة الله تالى وعلمه وحكمته ورحمته الموجبة لعبادته وحجه وترك عبادة من سواه .
2 ) مشروعية طلب الرزق بالمشي في الأرض واستعمال الوسائل المشروعة لذلك .
3 ) تقرير أن الذين ينتفعون بأسماعهم وعقولهم هم أهل حياة الإيمان إذ الإيمان روح متى دخلت جسما حيي وأصبح صاحبه يسمع ويبصر ويفكر ويعقل .
4 ) تقرير عقيدة البعث والجزاء التي عليها مدار الإصلاح البشري بعد عقيدة الإيمان بالله ربا وإلها .

(3/228)


وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين (29)

شرح الكلمات :
{ وله من في السموات والأرض } : أي خلقا ولكا وتصرفا وعبيدا .
{ كل له قانتون } : أي كل من في السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن منقادون له تجري عليهم أحكامه كما أرادها فلا يتعطل منها حكم .
{ وهو أهون عليه } : أي ايسر واسهل نظرا إلى أن الاعادة أسهل من البداية .
{ وله المثل الأعلى } : أي الوصف الأعلى في كل كمال فصفاته كلها عليا ومنها الوحدانية .
{ وهو العزيز الحكيم } : أي الغالب على أمره الحكيم في قضائه وتصرفه .
{ ضرب لكم مثلا } : أي جعل لكم مثلا .
{ من انفسكم } : أي منتزعا من أموالكم وما تعرفونه من أنفسكم .
{ كخيفتكم } : أي تخوفكم من بعضكم بعضا ايها الأحرار .
{ نفصل الايات } : أي نبينها بتنويع الأسلوب وإيراد الحجج وضرب الأمثال .
{ بل اتبع الذين ظلموا : أي ليس الأمر قصورا في البيان حتى لم يؤمن أهواءهم } المشركون وإنما العلة اتباع المشركين لأهوائهم وتجاهل عقولهم .
{ فمن يهدي من أضل الله } : أي لا أحد فالاستفهام للنفي .
معنى الآيات
ما زال السياق الكريم في تقرير قدرة الله تعالى على البعث الذي أنكره المشركون بذكر الأدلة العقلية وتصريف الايات فقال تعالى { وله } اي لله المحى والمميت الوارث الباعث سبحانه وتعالى { من في السموات والأرض } أي من ملائكة وجان وغنسان فهو خلقهم وهو يملكهم ويتصرف فيهم . وقوله : { كل له قانتون } اي مطيعون منقادون فالملائكة لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، والجن والإنس منقادون لما اراده منهم من حياة وموت ونشور وأما عصيانهم في العبادات فهو غير مقصود لأنه التكليف الذي هو علة الحياة كلها ومع هذا فهم منفذون باختيارهم واراداتهم الحرة ما كتبه عليهم أزلا والله اكبر ولله الحمد وقوله تعالى : { وهو الذي يبدا الخلق ثم يعيده } اي هو الله الذي يبدا خلق ما أراد خلقه في كل يوم وساعة من غير شيء ويهبه الحياة ثم يسلبها منه في آجال سماها ثم يعيده يوم القيامة أحب الناس أم كرهوا . وقوله { وهو أهون عليه } اي الإعادة ايسر واسهل عليه فليس على الله شيء صعب ولا شاق ولا عزيز ممتنعن وإنما خرج الخطاب على اسلوب المتعجبين من إعادة الخلق بعد فنائه فأعلمهم أن المتعارف عليه عندهم أن الإعادة اسهل من البداءة ليفهموا ويقتنعوا ، وغلا فلا شيء صعب على الله تعالى ولا شاق ولا عسير ، إذ هو يقول للشيء متى اراده كن فيكون . وقوله تعالى { وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } وله أي لله سبحانه وتعالى الوصف الأكمل في السموات والأرض وهو الألوهية والوحدانية فهو الرب الذي لا إله إلا هو المعبود في السماء والأرض لا إله إلا هو فيهما ولا رب غيره لهما وهو العزيز الغالب المنتقم ممن كفر به وعصاه الحكيم في تدبيره وتصريفه لشؤون خلقه .

(3/229)


وقوله تعالى { ضرب لكم مثلا من أنفسكم } اي جعل لكم مثلا مأخوذا منتزعا من أنفسكم وهو : { هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء } اي انه ليس لكم من مماليككم وعبيدكم شريك منهم يشارككم في أموالكم إذ لا ترضون بذلك ولا تقرونه ابدا ، إذا فكذلك الله تعالى لا يرضى أن يكون من عبيده من هو شريك له في عبادته التي خلق كل شيء من اجلها . . وقوله { تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } أي تخافون عبيدكم كما تخافون بعضكم بعضا أيها الأحرار ، اي لا يكون هذا منكم ولا ترضون به إذا فالله -وله المثل الأعلى- كذلك لا يرضى ابدا أن يكون مخلوق من مخلوقاته ملكا كان أو نبيا أو وثنا أو صنما شريكا له في عباداته . ، وقوله : { كذلك نفصل الايات } اي نبينها بتنويع الأساليب وضرب الأمثال { لقوم يعقلون } إذ هم الذين يفهمون معاني الكلام وما يراد من أخباره وقصصه وأمثاله وأوامره نواهيه . ، وقوله تعالى { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم } اي ليس الأمر قصورا في الأدلة ولا عدم وضوح في الحجج وإنما الظالمون اتبعوا أهواءهم اي ما يهوونه ويشتهونه بغير علم من نفعة وجدواه لهم فضلوا لذلك . فمن يهديهم ، وقد اضلهم الله حسب سنته في الإضلال . وهو معنى قوله تعالى : { فمن يهدي من أضل الله } ؟ أي لا أحد وقوله { وما لهم من ناصرين } أي يهدونهم بعد ان أضلهم الله ، والعياذ بالله تعالى .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) تقرير عقيدة البعث والتوحيد بذكر الأدلة وضرب الأمثال وتفصيل الآيات .
2 ) تفرد الرب تعالى بالمثل العلى في كل جلال وكمال .
3 ) استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام .
4 ) عظم فائدة هذا المثل { ضرب لكم مثلا من أنفسكم الاية } حتى قال بعضهم : فهم هذا المثل أفضل من حفظ كذا مسألة فقهية .
5 ) علة ضلال الناس اتباعهم لأهوائهم بغير علم وبانصرافهم عن الهدى بالاسترسال في اتباع الهوى .

(3/230)


فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32)

شرح الكلمات :
{ فأقم وجهك للدين حنيفا } : أي سدد وجهك يا سرولنا للدين الإسلامي بحيث لا تنظر إلا إليه .
{ حنيفا } : أي مثلا عن سائر الأديان إليه ، وهو بمعنى مقبلا عليه .
{ فطرة الله } : أي صنعة الله التي صنع عليها الإنسان وهي قابليته للإيمان بالله تعالى .
{ لا تبديل لخلق الله } : أي لا تعملوا على تغيير تلك القابلية للإيمان والتوحيد فالجملة خبرية لفظا انشائية معنى .
{ الدين القيم } : أي المستقيم الذي لا يضل الآخذ به .
{ منيبين إليه } : أي راجعين إليه تعالى بفعل محابه وترك مكارهه .
{ وكانوا شيعا } : أي طوائف وأحزابا كل فرقة فرحة بما هي عليه من حق وباطل .
معنى الآيات :
لما قرر تعالى عقيدة التوحيد والبعث والجزاء بالأدلة وضمن ذلك عقيدة النبوة وإثباتها للنبي صلى الله عليه وسلم أمر رسوله والمؤمنون تبع له فقال { فأقم وجهك للدين حنيفا } اي أنصبوا وجوهكم ايها الرسول والمؤمنون للدين الحق دين الإسلام القائم على مبدأ التوحيد والعمل الصالح ، فلا تلتفتوا إلى غيره من الأديان المنحرفة الباطلة . وقوله { فطرة الله التي فطر الناس عليها } اي اقيموا وجوهكم للدين الحق الذي فطر الله الإنسان عليه تلك الفطرة التي هي خلق الإنسان قابلا للإيمان والتوحيد . وقوله : { لا تبديل لخلق الله } اي لا تبدلوا تلك الخلقة ولا تغيروها بل نموها وابرزوها بالتربية حتى ينشا الطفل على الإيمان والتوحيد . فالجملة خبرية لفظا إنشائية معنى نحو فهل أنتم منتهون فهي بمعنى انتهوا وهي أبلغ من انتهوا فكذا : لا تبديل أبلغ من لا تبدلوا . وقوله : { ذلك الدين القيم } أي لزوم ما فطر عليه المرء من الإيمان بالله وتوحيده . . وابراز ذلك في الواقع بالإيمان بالله وبما أمر بالإيمان به من أركان الإيمان وبعبادة الله تعالى وهي طاعته بفعل ما يأمر به وينهى عنه مخلصا له ذلك لا يشاركه فيه غيره من سائر مخلوقاته هو الدين القيم الذي يجب أن يكون عليه الإنسان وقوله : { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } يخبر تعالى بأن ما قرره من الدين القيم كما بينه في الآيات أكثر الناس لا يعلمونه ولا يعرفونه وهو كما أخبر سبحانه وتعالى : وقوله { منيبين إليه } اي اقيموا وجوهكم للدين القيم حال كونكم راجعين إليه تعالى تائبين إليه من كل دين غير هذا الدين ، ومن كل طاعة غير طاعته تعالى بفعل الأوامر واجتناب النواهي . وقوله : { واتقوه } اي خافوه تعالى إذ عذابه شديد فلا تتركوا دينه لأي دين ولا طاعته لأي مطاع غير الله تعالى ورسوله وقوله : { وأقيموا الصلاة } اي حافظوا عليها في أوقاتها وأدوها كما شرعها كمية وكيفية فإنها سقيا الإيمان وممنمية الخشية والمحبة لله تعالى . وقوله تعالى : { ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } ينهى تعالى المؤمنين أهل الدين القيم الذي هو الإسلام أن يكونوا من المشركين في شيء من ضروب الشرك عقيدة أو قولا أو عملا .

(3/231)


فكل ملة غير الإسلام أهلها مشركون كافرون سواء كانوا مجوسا أو يهودا أو نصارى أو بوذة أو هندوكا أو بلاشفة شيوعيين إذ جميعهم فرقوا دينهم الذي يجب أن يكونوا عليه وهو دين الفطرة وهو الإسلام وكانوا شيعا أي فرقا وأحزابا كل فرقة تنتصر لما هي عليه وتنحزب له . فأصبح كل حزب منهم بما لديهم من دين فرحين به ظنا منهم أنه الدين الحق وهو الباطل قطعا ، لأنه ليس دين الفطرة التي فطر الله عليها الإنسان وهو الإسلام القائم على توحيد الله تعالى وعبادته بما شرع لعباده أن يعبدوه به ليكملوا على ذلك ويسعدوا .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) وجوب الإقبال على الله تعالى بعبادته والاخلاص له فيها .
2 ) الإسلام دين الله الذي خلق الإنسان متأهلا له ولا يقبل منه دين غيره .
3 ) وجوب الإنابة إلى الله تعالى والرجوع إليه في كل حال .
4 ) وجوب تقوى الله عز وجل وإقام الصلاة .
5 ) البراءة من الشرك والمشركين .
6 ) حرمة الافتراق في الدين الإسلامي ووجوب الاتحاد فيه عقيدة وعبادة وقضاء .

(3/232)


وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (37)

شرح الكلمات :
{ وإذا مس الناس ضر } : أي إذا مس المشركين ضر اي شدة من مرض أو فقر أو قحط .
{ منيبين إليه } : أي راجعين بالضراعة والدعاء إليه تعالى دون غيره .
{ رحمة } : بكشف ضر أو إنزال غيث وإصابة رخاء وسعة رزق .
{ يشركون } : أي بربهم فيعبدون معه غيره بالذبح للآلهة والنذر وغيره .
{ ليكفروا بما آتيناهم } : أي ليكون شركهم لله كفرا بنعمه والعياذ بالله .
{ أم أنزلنا عليهم سلطانا } : أي حجة من كتاب وغيره ينطق بشركهم ويقرره لهم : ويأمرهم به .
{ بما قدمت أيديهم } : أي بذنوبهم وخروجهم عن سنن الله تعالى في نظام الحياة . { إذا هم يقنطون } : أي يياسون من الفرج بزوال الشدة .
{ يبسط الرزق لمن يشاء } : أي يوسعه امتحانا له .
{ ويقدر } : أي يضيق الرزق على من يشاء ابتلاء .
معنى الآيات :
لما أمر تعالى رسوله والمؤمنين بإقامة الدين ونهاهم أن يكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا أخبر تعالى عن المشركين أنهم إذا مسهم الضر وهو المرض والشدة كالقحط والغلاء ونحوها دعوا ربهم تعالى منيبين إليه أي راجعين إليه بالدعاء والضراعة لا يدعون غيره . وهو قوله تعالى { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين غليه } وقوله : { ثم إذا أذاقهم منه رحمة } أصابهم برحمة من عنده وهي الصحة والرخاء والخصب ونحوه { إذا فريق منهم } اي كثير { بربهم يشركون } فيعبدون الأصنام والأوثان بأنواع العبادات ، وقوله { ليكفروا بما آتيناهم } اي اشركوا بالله بعد إنعامه عليهم ليكفروا بما آتاهم من نعمة كشف الضر عنهم إذا { فتمتعوا } أيها الكافرون بما خولكم الله من نعمة فسوف تعلمون عاقبة كفرهم لنعم الله وشرككم به يوم تردون عليه حفاة عراة لا ولي لكم من دونه تعالى ولا نصير .
وقوله تعالى : { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } أي مال الذي شجعهم على الشرك وجعلهم يصرون عليه حتى إذا تركوه ساعة الشدة عادوا إليه ساعة الرخاء أأنزلنا عليهم سلطانا اي حجة من كتاب ونحوه فهو ينطق بشركهم ويقرره لهم ويأمرهم به اللهم لا ، لا ، وإنما هو الجهل والتقليد والعناد وقوله { وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها } هذه حال أهل الشرك والكفر والجهل من الناس غذا أذاقهم الله رحمة من خصب ورخاء وصحة فرحوا بها فرح البطر والأشر { وإن تصبهم سيئة } من جدب وقحط ومرض وفقر ، { بما قدمت ايديهم } من الذنوب والمعاصي ومنها مخالفة سنن الله في الكون { إذا هم يقنطون } اي يياسون من الفرج وذلك لكفرهم بالله وجهلهم بأسمائه وصفاته .
وقوله تعالى { أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي ألم يروا بأعينهم أن الله يبسط الرزق اي يوسعه لمن يشاء امتحانا له ايشكر ام يكفر ، { ويقدر } اي يضيق الرزق على من يشاء ابتء أيصبر أم يضجر ويسخط .

(3/233)


إذ لو كانت لهم عيون يبصرون بها وقلوب يفقهون بها لما أيسوا من رحمة الله وفرجه ولا ما قنطوا . وقوله تعالى { إن في ذلك } أي المذكور من تدبير الله في خلقه بالإعطاء والمنع { لآيات } أي حججا ودلائل تدل المؤمنين على قدرة الله ولطفه ورحمته وحكمته في تدبير ملكه وملكوته فسبحانه من غله عظيم ورب غفور رحيم .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) بيان جهل المشركين وضلال عقولهم بما ذكر تعالى من صفاتهم وأحوالهم .
2 ) بيان تهديد الله تعالى للمصرين على الشرك والكفر بعذاب يوم القيامة .
3 ) بيان حال أهل الشرك والكفر والجهل في فرحهم بالنعمة فرح البطر والشر وياسهم وقنوطهم عند نزول البلاء بهم والشدة .
4 ) مظهر حكمة الله وتدبيره في الرزق توسعة وتقديرا وإدراك ذلك خاص بالمؤمنين لأنهم أحياء يبصرون ويفهمون بخلاف الكافرين فهم أموات لا إبصار ولا إدراك لهم .

(3/234)


فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون (40)

شرح الكلمات :
{ فآت ذا القربى حقه } : أي أعط ذا القرابة حقه من البر والصلة .
{ والمسكين } : أي المعدوم الذي لا مال له أعطه حقه في الطعام والشراب والكساء .
{ وابن السبيل } : أي أعط ابن السبيل أي المسافر حقه في الإيواء والطعام .
{ ذلك خير } : أي ذلك الإنفاق خير من عدمه للذين يريدون وجه الله تعالى إذ يثيبهم ربهم أحسن ثواب .
{ وما آتيتم من ربا } : أي من هدية أو هبة وسميت ربا لأنهم يقصدون بها زيادة أموالهم .
{ ليربوا في أموال الناس } : أي ليكثر بسبب ما يرده عليكم من أهديتموه القليل ليرد عليكم الكثير .
{ فلا يربوا عند الله } : أي لا يباركه الله ولا يضاعف أجره .
{ فأولئك هم المضعفون } : أي الذين يؤتون أموالهم صدقة يريدون بها وجه الله فهؤلاء الذين يضاعف لهم الأجر أضعافا مضاعفة .
{ هل من شركائكم } : أي من أصنامكم التي تعبدونها .
{ من يفعل من ذلكم من شيء } : والجواب لا أحد ، إذا بطلت ألوهيتها وحرمت عبادتها .
{ سبحانه وتعالى عما يشركون } : أي تنزه الرب عن الشرك وتعالى عن المشركين .
معنى الآيات :
لما بين تعالى في الآية السابقة لهذه أنه يبسط الرزق لمن يشاء امتحانا ويقدر على من يشاء ابتلاء أمر رسوله وامته التابعة له بإيتاء ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ، إذ منع الحقوق الواجبة لا يزيد في سعة الرزق ولا في تضييقه ، إذ توسعة الرزق وتضييقه مرده إلى تدبير الله تعالى الحكيم العليم هذا ما دل عليه قوله تعالى { فآت ذا القربى حقه } اي من البر والصلة { والمسكين } وهو من لا يملك قوته روابن السبيل } وهو المسافر ينزل البلد لا يعرف فيها أحدا ، وحقهما : إيواءهما وإطعامهما وكسوتهما وقوله تعالى { ذلك خير للذين يريدون وجه الله } أي ذلك الإيتاء من الحقوق خير حالا ومآلا للذين يريدون وجه الله تعالى وما عنده من ثواب . وقوله : { وأولئك هم المفلحون } أي الفائزون بالنجاة من العذاب في الدنيا والآخرة ، وبدخول الجنة يوم القيامة وقوله تعالى : { وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله } أي وما أعطيتم من هبات وهدايا تريدون بها أن يرد عليكم بأكثر مما أعطيتم فهذا العطاء لا يربوا عند الله ولا يضاعف أجره بل ولا يؤجر عليه وقوله : { وما آتيتم من زكاة } أ صدقات تريدون بها وجه الله ليرضى عنكم ويغفر لكم ويرحمكم ، { فأولئك } اي هؤلاء الذين ينفقون ابتغاء وجه الله { هم المضعفون } اي الذين يضاعف لهم الأجر والثواب .
وقوله تعالى : { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحيكم } يخبر تعالى المشركين من عباده موبخا لهم على شركهم مقرعا : الله لا غيره هو الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا ثم رزقكم بما تنموا به أجسادكم وتحفظ به حياتكم من أنواع الأغذية ثم يميتكم عند نهاية آجالكم ، ثم يحييكم يوم القيامة للحساب والجزاء على الكسب في هذه الدنيا ثم يقول لهم { هل من شركائكم من يفعل من ذلكم } المذكور من الخلق والرزق والإماتة والإحياء { من شيء } ؟ والجواب لا وإذا فلم تعبدونهم من دون الله ، فأين يذهب يعقزلكم ايها المشركون .

(3/235)


ثم نزه تعالى نفسه عن الشرك ، وتعالى عن المشركين فقال { سبحانه وتعالى عما يشركون } .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) وجوب اعطاء ذوى القربى حقوقهم من البر والصلة .
2 ) وجوب كفاية الفقراء وابناء السبيل في المجتمع الإسلامي .
3 ) جواز هدية الثواب الدنيوي كأن يهدي رجل شيئا يريد أن يرد عليه أكثر منه ولكن لا ثواب فيه في الآخرة ، وتسمى هذه الهدية : هدية الثواب وهي للرسول محرمة لقوله تعالى له : { ولا تمنن تستكثر } 4 ) بيان مضاعفة الصدقات التي يراد بها وجه الله تعالى .
5 ) ابطال الشرك والتنديد بالمشركين وبيان جهلهم وضلال عقولهم .

(3/236)


ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45)

شرح الكلمات :
{ ظهر الفساد في البر والبحر } : أي ظهرت المعاصي في البر والبحر وتبعها الشر والفساد .
{ بما كسبت أيدي الناس } : أي بسبب ما كسبته أيدي الناس من ظلم واعتداء .
{ ليذيقهم بعض الذي عملوا } : أي تم ذلك وحصل ليذيقهم الله العذاب ببعض ذنوبهم .
{ لعلهم يرجعون } : كي يرجعوا عن المعاصي إلى الطاعة والاستقامة .
{ قل سيروا في الأرض } : أي قل يا رسولنا لأهل مكة المكذبين بك والمشركين بالله سيروا .
{ عاقبة الذين من قبل } : أي كيف كانت نهاية تكذيبهم لرسلهم وشركهم بربهم إنها هلاكهم .
{ فأقم وجهك للدين القيم } : أي استقم على طاعة ربك عابدا له مبلغا عنه منفذا لأحكامه .
{ لا مرد له من الله } : أي لا يرده الله تعالى لأنه قضى بإتيانه وهو يوم القيامة .
{ يصدعون } : أي يتفرقون فرقتين .
{ يمهدون } : أي يوطئون ويفرشون لأنفسهم في منازل الجنة بإيمانهم وصالح أعمالهم .
معنى الآيات :
تقدم في السياق الكريم إبطال الشرك بالدليل العقلي إلا أن المشركين مصرون على الشرك وبذلك سيحصل فساد في الأرض لا محالة فأخبر تعالى عنه بقوله في هذه الآية الكريمة ( 41 ) فقال { ظهر الفساد في البر والبحر } أي انتشرت المعاصي في البر والبحر وفي الجو اليوم فعبد غير الله واستبيحت محارمه وأوذي الناس في أموالهم وأبدانهم وأعراضهم وذلك نتيجة الإعراض عن دين الله وإهمال شرائعه وعدم تنفيذ أحكامه . وقوله { بما كسبت أيدي الناس } أي بظلمهم وكفرهم وفسقهم وفجورهم . وقوله : ليذيقهم بعض الذي عملوا أي فما يصيبهم من جدب وقحط وغلاء وحروب وفتن إنما اصابهم الله به { ليذيقهم بعض الذي عملوا } من الشرك والمعاصي لا بكل ما فعلوا إذ لو أصابهم بكل ذنوبهم لأنهى حياتهم وقضى على وجودهم ، ولكنه الرحمن الرحيم بعباده اللطيف بهم . وقوله تعالى { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل } قل يا رسولنا لكفار قريش المكذبين لك المشركين بربهم : سيروا في الأرض شمالا أو جنوبا أو غربا فانظروا بأعينكم كيف كان عاقبة الذين كذبوا رسلهم وكفروا بربهم من قبلكم إنها كانت دمارا وهلاكا فهل ترضون أن تكونوا مثلهم . وقوله { كان أكثرهم مشركين } أي كان أكثر أولئك الأقوام الهالكين مشركين فالشرك والتكذيب الذي أ ، تم عليه هو سبب هلاكهم وخسرانهم وقوله تعالى : { فأقم وجهك للدين القيم } اي استقم يا رسولنا أنت والمؤمنون معك على الدين الإسلامي إذ لا دين يقبل سواه فاعتقدوا عقائده وامتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه وتأدبوا بآدابه وتخلقوا بأخلاقه واقيموا حدوده وأحلوا حلاله وحرموا حرامه وادعوا إليه وعلموه الناس أجميعن ، واصبروا على ذلك فإن العاقبة للمتقين وقوله : { من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } أي افعلوا ذلك الذي أمرتكم به قبل مجيئ يوم القيامة حيث لم يكن عمل وإنما جزاء ، وقوله { لا مرد له من الله } أي إنه لا يرده الله إذا جاء ميعاده لأنه قضى بإتيانه لا محالة من أجل الجزاء على العمل في الدنيا .

(3/237)


وقوله { يومئذ يصدعون } أي يوم يأتي اليوم الذي لا مرد له يصدعون أي يتفرقون فرقتين كما يتصدع الجدار فرقتين فريق في الجنة وفريق في النار . وقوله : { فمن كفر فعليه كفره } اي من كفر اليوم فعائد كفره عليه يوم القيامة ، { ومن عمل صالحا } أي اليوم { فلأنفسهم يمهدون } أي يوطئون فرشهم في الجنة إذ عائدة عملهم الصالح تعود عليهم لا على غيرهم ، وقوله { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله } أي يصدعون فرقتين من أجل أن يجزي الله تعالى أولياءه المؤمنين العالملين للصالحات من فضله إذ أعمالهم حسبها انها زكت نفوسهم فتأهلوا لدخول الجنة أما النعيم المقيم فيها فهو من فضل الله فقط ، وقوله { إنه لا يحب الكافرين } هذه الجملة علة لجملة محذوفة إذ التقدير ، ويجزي الكافرين بعدله وهو سوء العذاب لأنه لا يحب الكافرين .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) ظهور الفساد بالجدب والغلاء أو بالحرب والأمراض يسبقه حسب سنة الله تعالى ظهور فساد في العقائد بالشرك ، وفي الأعمال بالفسق والمعاصي .
2 ) وجوب الاستقامة على الدين الإسلامي عقيدة وعبادة وقضاء وحكما .
3 ) تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحداثه ووقائعه .
4 ) بيان أن الله تعالى يحب المتقين ويكره الكافرين .

(3/238)


ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47)

شرح الكلمات :
{ ومن آياته أن يرسل الرياح } : أي ومن حججه الدالة على قدرته على البعث والجزاء والموجبة لعبادته وحده .
{ مبشرات } : أي تبشر العباد بالمطر وقربه .
{ وليذيقكم من رحمته } : أي بالغيث والخصب والرخاء وسعة الرزق .
{ ولتبتغوا من فضله } : أي لتطلبوا الرزق من فضله الواسع بواسطة التجارة في البحر .
{ ولعلكم تشركون } : أي كي تشكروا هذه النعم فتؤمنوا وتوحدوا ربكم .
{ رسلا إلى قومهم } : أي كنوح وهو وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم السلام .
{ فجاءوهم بالبينات } : أي بالحجج والمعجزات .
{ الذين أجرموا } : أي أفسدوا نفوسهم فخبثوها بآثار الشرك والمعاصي .
{ حقا علينا نصر المؤمنين } : أي ونصر المؤمنين أحققناه حقا وأوجبناه علينا فهو كائن لا محالة .
معنى الآيات :
ما زال السياق الكريم في تقرير ألوهية الله تعالى وعدله ورحمته ، فقال تعالى { ومن آياته } أي ومن آياتنا الدالة على ألوهيتنا وعدلنا في خلقنا ورحمتنا بعبادنا إرسالنا الرياح مبشرات عبادنا بقرب المطر الذي به حياة البلاد والعباد فإرسال الرياح أمر لا يقدر عليه إلا الله ، وتدبير يقصر دونه كل تدبير ورحمة تعلو كل رحمة . وقوله : { وليذيقكم من رحمته } اي بإنزال المطر المترتب عليه الخصب والرخاء ، وقوله : { ولتجري الفلك } اي السفن في البحر إذ الرياح كانت قبل اكتشاف البخار هي المسيرة للسفن في البحر صغيرها وكبيرها . وقوله { بأمره } أي بإذنه وإرادته وتدبيره الحكيم ، وقوله : { ولتبتغوا من فضله } أي لتطلبوا الرزق بالتجارة في البحر من إقليم إلى آخر تحملون البضائع لبيعها وشرائها وقوله : { لعلكم تشكرون } أي فعل الله تعالى بكم ذلك فسخره لكم وأقدره عليه رجاء أن تشكروا ربكم بالإيمان به وبطاعته وتوحيده في عبادته . فهل أنتم يا عباد الله شاكرون؟ ، وقوله : { ولقد أرسلنا من قبلك } يا رسولنا { رسلا إلى قومهم } كنوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم السلام فجاءوا أقوامهم بالبينات والحجج النيرات كما جئت أنت وقومك فكذبت تلك الأقوام رسلهم { فانتقمنا من الذين أجرموا } فأهلكناهم ، ونجينا الذين آمنوا { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } ألا فلتعتبر قريش بهذا وإلا فستحل بها نقمة الله فيهلك الله المجرمين وينجي رسوله والمؤمنين كما هي سنته في الأولين والحمد لله رب العالمين .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) تقرير الربوبية لله المستلزمة لألوهيته بذكر مظاهر القدرة والعلم والرحمة والعدل .
2 ) بيان أن الله تعالى ينعم على عباده من أجل أن يشكره بعبادته وتوحيده فيها فإذا كفروا تلك النعم ولم يشكروا الله تعالى عليها عذبهم بما يشاء كيف ومتى يشاء .
3 ) بيان أن الله منتقم من المجرمين وإن طال الزمن ، وناصر المؤمنين كذلك .

(3/239)


الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير (50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53)

شرح الكلمات :
{ فتثير سحابا } : أي تحركه وتهيجه فيسير وينتشر .
{ ويجعله كسفا } : أي قطعا متفرقة في السماء هنا وهناك .
{ فترى الودق } : أي المطر يخرج من خلال السحاب .
{ إذا هم يستبشرون } : أي فرحون بالمطر النازل لسقياهم .
{ لمبلسين } : أي قنطين آيسين من إنزاله عليهم .
{ إن ذلك لمحيي الموتى } : أي القادر على إنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى وهو الله تعالى .
{ فرأوه مصفرا } : أي رأوا النبات الزرع مصفرا للجائحة التي أصابته وهي ريح الدبور المحرقة .
{ لظلوا من بعده يكفرون } : أي أقاموا بعد هلاك زروعهم ونباتهم يكفرون نعم الله عليهم السابقة .
{ أن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } : أي ما تسمع إلا المؤمنين بآيات الله .
معنى الآيات :
ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مظاهر قدرة الله تعالى في الكون قال تعالى : { الله الذي يرسل الرياح } اي نيشئها ويبعث بها من أماكن وجودها فتثير تلك الرياح سحابا أي تزعجه وتحركه فيبسطه تعالى في السماء كيف يشاء منكثافة وخفة وكثرة وقلة ، { ويجعله كسفا } أي قطعا فترى ايها الرائي الودق اي المطر يخرج من خلاله أي من بين أجزاء السحاب . وقوله { فإذا أصاب به } أي بالمطر { من يشاء من عباده إذا هم } اي المصابون بالمطر في أرضهم . { يستبشرون } أي يفرحون . { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } اي المطر { من قبله لمبلسين } أي مكتئبين حزينين قانطين وقوله تعالى { فانظر إلى آثار رحمة الله } اي فانظر يار سولنا إلى آثار رحمة الله أي إلى آثار المطر كيف ترى الأرض قد اخضرت بعد يبس وحييت بعد موت . فإذا رأيت ذلك علمت أن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي الموتى من قبورهم وذلك يوم القيامة وقوله { إن الله على كل شيء قدير } تعليل لعظم قدرته وأنه قادر على إحياء الموتى وعلى فعل كل شيء اراده . وقوله { ولئن أرسلنا ريحا } اي وعزتنا وجلالنا لئن أرسلنا ريحا فيه إعصار فيه نار فأحرقت تلك النباتات وأيبستها فرآها أولئك الذين هم بالأمس فرحون فرح بطر بالغيث { يكفرون } بربهم اي يقولون : ما هو كفر من ألفاظ السخط وعدم الرضا وذلك لجهلهم وكفرهم . وقوله تعالى : { إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين } أي انك يا رسولنا لا تقدر على هداية هؤلاء الكافرين لأنهم صم لا يسمعون وعمي لا يبصرون لما ران على قلوبهم من الذنوب فعطل حواسهم وأنت بحكم بشريتك وقدرتك المحدودة لا تستطيع اسماع الموتى كلامك فيفهموه ويعملوا به كما لا تستطيع إسماع الصم نداءك إذا هم ولوا مدبرين إذ لو كانوا مقبلين عليك قد تفهمهم ولو بالإشارة أما إذا ولوا مدبرين عنك فلا يمكن إسماعهم .

(3/240)


إذا فهون على نفسك ولا تحزن عليهم . وقوله : { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } أي إنك ما تسمع سماع قبول وانقياد وإدراك إلا من يؤمن بآياتنا أي إلا المؤمنين الذين آمنوا بآيات الله وعرفوا حججه فآمنوا به ووحدوه فهم مسلمون أي منقادون خاضعون مطيعون فهؤلاء في امكانك إسماعهم وهدايتهم بإذن الله إلى ما يكملهم ويسعدهم في الدارين .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة والحجج العقلية .
2 ) بيان كيفية إنشاء السحاب ونزول المطر وهو مظهر من مظاهر القدرة والعلم الإلهي .
3 ) بيان حال الكافر في أيام الرخاء وايام الشدة فهو في الشدة يقنط وفي الرخاء يكفر ، وذلك لفساد قلبه بالجهل بالله تعالى وآياته .
4 ) الاستدلال بالمحسوس الحاضر على المحسوس الغيبي .
5 ) بيان أن الكفار أموات ، ولذا هم لا يسمعون ولا يبصرون وأن المؤمنين أحياء لأنهم يسمعون ويبصرون ، إذ الحياة لها آثارها في الجسم الحي والموت كذلك .

(3/241)


الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55) وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57)

شرح الكلمات :
{ الله الذي خلقكم من ضعف } : أي من نطفة وهي ماء مهين .
{ ثم جعل من بعد ضعف قوة } : أي من بعد ضعف الطفولة قوة الشباب .
{ ثم جعل من بعد قوة ضعفا } : أي من بعد قوة الشباب والكهولة ضعف الكبر والشيب
{ وشيبة } : أي الهرم .
{ كذلك كانوا يؤفكون } : أي كما صرفوا عن معرفة الصدق في اللبث كانوا يصرفون في الدنيا عن الإيمان بالبعث والجزاء في الآخرة فانصرافهم عن الحق في الدنيا سبب لهم عدم معرفتهم لمدة لبثهم في قبورهم .
{ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم } : أي في انكارهم للبعث والجزاء .
{ ولا هم يستعتبون } : أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى ما يرضي الله تعالى بالإيمان والعمل الصالح .
معنى الآيات :
ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى { الله الذي خلقكم } وحده { من ضعف } أي من ماء مهين وهي النطفة ثم جعل من بعد ضعف أي ضعف الطفولة { قوة } وهي قوة الشباب { ثم جعل من بعد قوة } أي قوة الشباب والكهولة { ضعفا } أي ضعف الكبر { وشيبة } أي الهرم وقوله تعالى { يخلق ما يشاء وهو العليم } بخلقه { القدير } على ما يشاء ويريده فهو تعالى قادر على احياء الأموات وبعثهم ، إذ القادر على إيجادهم من العدم قادر على بعثهم من الرمم وقوله تعالى { ويوم تقوم الساعة } أي القيامة { يقسم المجرمون } اي يحلف المجرمون من أهل الشرك والمعاصي { ما لبثوا غير ساعة } أي لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة من زمن . وقوله تعالى { كذلك كانوا يؤفكون } أي كما صرفوا عن معرفة الصدق في اللبث في القبر كانوا يصرفون في الدنيا عن الإيمان بالله تعالى ولقائه ، والصارف لهم ظلمة نفوسهم بسبب الشرك والمعاصى . وقوله تعالى : روقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثم في كتاب الله } اي في كتاب المقادير { إلي يوم البعث } وهو يوم القيامة { فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون } لعدم إيمانكم بالله وبآياته والكتاب الذي أنزله .
وقوله فيومئذ اي يوم إذ يأتي يوم البعث { لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم } أي عن شركهم وكفرهم بلقاء ربهم ، { ولا هم يستعتبون } أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى ما يرضى الله تعالى من الإيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصى .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة العقلية التي لا ترد بحال .
2 ) بيان اطوار خلق الإنسان من نطفة إلى شيخوخة وهرم .
3 ) فضل العلم والإيمان وأهلهما .
4 ) بيان ان معذرة الظالمين لا تقبل منهم ، ولا يستعتبون فيرضون الله تعالى فيرضى عنهم .

(3/242)


ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60)

شرح الكلمات :
{ ولقد ضربنا للناس } : أي جعلنا للناس .
{ من كل مثل } : أي من كل صفة مستغربة تلفت الانتباه وتحرك الضمير كالأمثال لعلهم يذكرون فيؤمنوا ويوحدوا .
{ ولئن جئتهم بآية } : أي ولئن أتيت هؤلاء المشركين بكل حجة خارقة .
{ إن أنتم مبطلون } : أي ما أنتم أيها الرسول والمؤمنون إلا مبطلون فيما تقولون وتدعون إليه من الإيمان بآيات الله ولقائه .
{ الذين لا يعلمون } : أي ما أنزل الله على رسوله وما أوحاه إليه من الآيات البينات .
{ فاصبر إن وعد الله حق : أي اصبر يا رسولنا على أذاهم فإن العاقبة لك إذ وعدك ربك بها ووعد الله حق .
{ لا يستخفنك الذين لا : أي لا يحملنك هؤلاء المشركون المكذبون بلقاء الله على يوقنون } الخفة والطيش فتترك دعوتك إلى ربك .
معنى الآيات :
بعد إيراد العديد من الأدلة وسوق الكثير من الحجج وعرض مشاهد القيامة في الايات السابقة تقريرا لعقيدة البعث والجزاء التي أنكرها المشركون من قريش قال تعالى : { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } أي جعلنا للناس في هذا القرآن من أساليب الكلام وضروب التشبيه ، وعرض الأحداث بصور مثيرة للدهشة موقظة للحس ، ومنبهة للضمير ، كل ذلك لعلهم يذكرون فيؤمنوا فيهتدوا للحق فينجوا ويسعدوا ، ولكن أكثرهم لم ينتفعوا بذلك ، { ولئن جئتهم بآية } أي بحجة من معجزة وغيرها تدل على صدقك وصحة دعوتك وما جئت به رليقولن الذين كفروا } اي منهم . { إن انتم } أي ما أنتم أيها الرسول والمؤمنون { إلا مبطلون } اي من أهل الباطل فيما تقولون وتدعون غليه من الدين الحق والبعث الآخر . وقوله { كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } أي كذلك الطبع على قلوب الكافرين الذين لو جئتهم بكل آية لم يؤمنوا عليها لما ران على قلوبهم وما ختم به عليها ، يطبع على قلوب الذين لا يعلمون ، إذ ظلمة الجهل كظلمة الشرك والكفر تحجب القلوب عن الفهم والإدراك فلا يحصل إيمان ولا استجابة لدعوة الحق وقوله { فاصبر إن وعد الله حق } يامر تعالى رسوله أن يلتزم بالصبر على دعوته والثبات عليها في وجه هذا الكفر العنيد ، حتى ينصره الله تعالى إذا واعده بالنصر في غير ما آية ووعد الله حق فهو ناجز لا يتخلف . وقوله : { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } أي اصبر ولا يحملنك عناد المشركين وإصرارهم على الكفر والتكذيب على الخفة والطيش والاستجهال بترك الحلم والصبر . والمراد بالذين لا يوقنون كل من لا يؤمن بالله ولقائه إيمانا يقينا إذ هذا الصنف من الناس هو الذي يستفز الإنسان ويحمله على أن يخرج عن اللياقة والأدب والعياذ بالله .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) اعذار الله تعالى إلى الناس بما ساقه تعالى في كتابه من أدلة الإيمان وحجج الهدى .
2 ) أسوأ أحوال الإنسان عندما يطبع على قلبه لكثرة ذنوبه فيصبح لا يفهم ولا يعقل شيئا وفي الخبر حبك الشيء يعمي ويصم .
3 ) وجوب الصبر والتزام الحلم والأناة مهما جهل الجاهلون .

(3/243)


الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5)

شرح الكلمات :
{ آلم } : هذا أحد الحروف المقطعة التي تكتب آلم ، وتقرأ : الف لام ميم .
{ تلك } : أي الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف هي آيات الكتاب الحكيم .
{ الحكيم } : أي المحكم الذي لا نسخ يطرأ عليه بعد تمام نزوله ، ولا خلل فيه ، وهو الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه فلا خلط ولا خبط فيما يحمل من هدى وتشريع .
{ هدى ورحمة } : أي هو هدى يهتدي به ورحمة يرحم بها .
{ للمحسنين } : أي الذين يراقبون الله تعالى في كل شؤونهم إذ هم الذين يجدون الهدى والرحمة في القرآن الكريم أما غيرهم من أهل الشرك والمعاصي فلا يجدون ذلك .
{ أولئك } : أي المحسنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوقنون بالآخرة .
{ على هدى من ربهم } : أي هم على هداية من الله تعالى فلا يضلون ولا يجهلون معها ابدا .
{ المفلحون } : أي الفائزون بالنجاة من كل مرهوب وبالظفر بكل مرغوب محبوب .
معنى الآيات :
قوله تعالى : { آلم } أحسن ما يفسر به مثل هذه الحروف المقطعة قول : الله أعلم بمراده به وقد أفادت هذه الحروف فائدة عظيمة ، وذلك من جهتين الأولى أنه لما كان المشركون يمنعون سماع القرآن خشية التأثر به فيهتدي إلى الحق من يحصل له ذلك ، وقالوا : { ا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } كانت هذه الحروف بنغمها الخاص ومدودها العجيبة تضطر المشرك إلى الإصغاء والاستماع فحصل ضد مقصودهم وكفى بهذه فائدة . والثانية أنهم لما ادعوا أن القرآن سحر وكهانة وشعر وأساطير الأولين كأنما قيل لهم هذا القرآن الذي ادعيتم فيه كذا وكذا قد تألف من هذه الحروف ص ، ن ، ق ، يس ، طس ، ألم ، فألفوا سورة مثله واتوا بها للناس فيصبح لكم كا تدعون فإن عجزتم فسلموا أنه كلام الله أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فآمنوا ووحدوا واستقيموا على ذلك تعزوا وتكرموا وتكملوا وتسعدوا .
وقوله : { تلك آيات الكتاب الحكيم } أي هذه الايات هي آيات القرآن الكريم الموصوف بالحكمة إذ هو لا يخلط ولا يغلط ولا يخبط بل يضع كل شيء في موضعه اللائق به في كل ما قال فيه وحكم به ، وأخبر عنه أو به من سائر المعارف والعلوم التي حواها كما هو حكيم بمعنى محكم لا نسخ يطرأ عليه بعد تمامه كما طرأ على الكتب السابقة ، ومحكم أيضا بمعنى لا خلل فيه ، ولا تناقض بين أخباره وأحكامه على كثرتها وتنوع أسبابها ومقتضيات نزولها ، وقوله : { هدى ورحمة للمحسنين } أي هو بيان هداية ورحمة تنال المحسنين وهم الذين أحسنوا عبادتهم لربهم فخلصوها من الشرك والرياء وأتوا بها على الوجه المرضي لله تعالى وهو ما بينه رسوله صلى الله عليه وسلم من كيفيات العبادات وبيان فعلها وأدائها عليه . وقوله { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون } أي المحسنين الذين يقيمون الصلاة أي يؤدون الصلوات الخمس مراعى فيها شروطها مستوفاة أركانها وسننها الواجبة منها والمستحبة ، ويؤتون الزكاة أي يخرجون زكاة أموالهم الصامتة كالذهب والفضة أو العمل القائمة مقامهما والحرث من تمر وزيتون ، وحبوب مقتاة مدخرة والناطقة من إبل وبقر وغنم وذلك أن حال الحول في الذهب والفضة والعمل وفي بهيمة الأنعام أما الحرث والغرس فيوم حصاده وجداده .

(3/244)


وقوله : { وهم بالآخرة هم يوقنون } أي والحال هم موقنون بما أعده الله من ثواب وجزاء على الإحسان والإيمان والإسلام الذي دلت عليه صفاتهم في هذا السياق الكريم وقوله : { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } يخبر تعالى عن المحسنين أصحاب الصفات الكريمة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان باليوم الآخر والإيقان بثواب الله تعالى فيه انهم على هدى أي طريق مستقيم وهو الإسلام هداهم الله تعالى إليه ومكنهم من السير عليه وبذلك أصبحوا من المفلحين الذين يفوزون بالنجاة من النار ، وبدخول الجنة دار الأبرار . اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم انك بر كريم تواب رحيم .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) بيان إعجاز القرآن حيث ألف من مثل آلم ، وص ، وطس ، ولم يستطع خصومه تحديه .
2 ) بيان معنى الحكيم وفضل الحكمة .
3 ) بيان أن القرآن للهدى المنجي المسعد ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه .
4 ) فضل الصلاة والزكاة واليقين .
5 ) بيان مبنى الدين : وهو الإيمان والإسلام والإحسان .

(3/245)


ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (11)

شرح الكلمات :
{ ومن الناس } : أي ومن بعض الناس إنسان هو النضر بن الحارث بن كلدة حليف قريش .
{ لهو الحديث } : أي الحديث الملهي عن الخير والمعروف وهو الغناء .
{ ليضل عن سبيل الله } : أي ليصرف النا سعن الإسلام ويبعدهم عنه فيضلوا .
{ ويتخذها هزوا } : أي ويتخذ الإسلام وشرائعه وكتابه هزوا اي مهزوءا به مسخورا منه .
{ ولى مستكبرا } : أي رجع في كبرياء ولم يستمع إليها كفرا وعنادا وكبرا كأن لم يسمعها .
{ في أذنيه وقرا } : أي ثقل يمنع من السماع كالصمم .
{ رواسي } : أي جبال راسية في الأرض بها ترسو الأرض أي تثبت حتى لا تميل .
{ وبث فيها من كل دابة } : أي وخلق ونشر فيها من صنوف الدواب وهي كل ما يدب في الأرض .
{ من كل زوج كريم } : أي من كل صنف من النباتات جميل نافع لا ضرر فيه .
{ هذا خلق الله } : أي المذكور مخلوقه تعالى إذ هو الخالق لكل شيء .
{ من دونه } : أي من الآلهة المزعومة التي يعبدها الجاهلون .
{ بل الظالمون } : أي المشركون .
معنى الآيات :
لما ذكر تعالى عباده المحسنين وأثنى عليهم بخير وبشرهم بالفلاح والفوز المبين ذكر صنفا آخر على النقيض من الصنف الأول الكريم فقال : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم } اي ومن بعض الناس إنسان هو النضر بن الحارث الكلدي حليف قريش يشتري لهو الحديث أي الغناء إذ كان يشترى الجواري المغنيات ويفتح ناديا للهو والمجون ويدعو الناس إلى ذلك ليصرفهم عن الإسلام حتى لا يجلسوا غلى نبيه ولا يقرأوا كتابه بغير علم منه بعاقبة صنيعه وما يكسبه من خزي وعار وعذاب النار . وقوله { ويتخذها هزوا } اي يتخذ سبيل الله التي هي الإسلام هزوا اي شيئا مهزوءا به مسخورا منه بما في ذلك الرسول والمؤمنون والآيات الكل يهزأ به ويسخر منه لجهله وظلمة نفسه . قال تعالى { أولئك } لهم عذاب مهين أي أولئك البعداء وهم كل من يشترى الغناء يغني به نساء ورجال أو آلات ممن اتخذوا الإسم وشرائعه هزوا وسخرية ليصدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله الموصلة إلى رضاه ومحبته وجنته . أولئك من تلك صفتهم لهم عذاب مهين بكسر أنوفهم وبذلهم يوم القيامة وقوله تعالى : { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا } .
أي وإذا قرئت على هذا الصنف من الناس آيات الله لتذكيره وهدايته رجع مستكبرا كأن لم يسمعها تتلى عليه وهي حالة من اقبح الحالات لدلالتها على خبث هذا الصنف من الناس وكبرهم . وقوله { كأن في أذنيه وقرا } كأن به صمم لا يسمع القول وهنا عجل الله له بما يحزنه ويخزيه فقال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم { فبشره بعذاب اليم } والتبشير بما يضر ولا يسر يحمل معه التهكم وهذا النوع من الناس مستحق لذلك وقوله تعالى { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها } هذا صنف آخر مقابل لما قبله وهم أهل الإيمان والعمل الصالح بشرهم ربهم بجنات النعيم والخلود فيها وقوله { وعد الله حقا } اي وعدهم بذلك وعدا صادقا لا يخلف وأحقه لهم حقا لا يسقط .

(3/246)


{ وهو العزيز } اي الغالب الذي لا يحال بينه وبين مراده الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه .
وقوله { خلق السموات بغير عمد ترونها } أي من مظاهر قدرته وعزته وحكمته خلقه السموات ورفعها بغير عمد مرئية لكم وفي هذا التعبير إشارة إلى أن هناك أعمدة غير مرئية وهي سنة نظام الجاذبية التي خلقها بقدرته وجعل الأجرام السمواية متماسكة بها . وقوله : { والقى في الأرض رواسي } أي من مظاهر قدرته وحكمته إلقاء الجبال الرواسي على الأرض لتحفظ توازنها حتى لا تميل بأهلها فيفسد ويسقط ما عليها وتنعدم الحياة عليها وهو معنى { أن تميد بكم } أي تميل ، وإذا مالت تصدع كل ما عليها وخرب وقوله : { وبث فيها من كل دابة } وهذا مظهر آخر من مظاهر القدرة والعلم والحكمة الموجبة للإيمان بالله ولقائه والمستلزمة لتوحيده تعالى في عبادته ، فسائر أنواع الدواب على كثرتها واختلافها الله الذي خلقها وفرقها في الأرض تعمرها وتزينها . وقوله { وأنزلنا من السماء ماء } وهو ماء المطر { فأنبت به من كل زوج } أي صنف من اصناف الزروع والنباتات مما هو نافع وصالح للإنسان هذا المذكور أيضا مظهر من مظاهر القدرة الإلهية والعلم والحكمة الربانية الموجبة للإيمان بالله وآياته ولقائه وتوحيده في عباداته ومن هنا قال تعالى : { هذا خلق الله } أي كل ما ذكر من المخلوقات في هذه الآيات هو مخلوق لله والله وحده خالقه فأروني أيها المشركون المكذبون ماذا خلق الذين تعبدونهم من دونه من سائر المخلوقات يتحداهم بذلك . فعجزوا . وقوله تعالى { بل الظالمون في ضلال مبين } أي إنهم عبدوا غير الله وكذبوا بلقاء الله لا عن علم لديهم أو شبهة كانت لهم بل الظالمون وهم المشركون في ضلال مبين فهم تائهون في أودية الضلال حيارى بجهلهم في حياتهم فدواؤهم العلم والإيمان فمتى آمنوا وعلموا لم يبق مجال لكفرهم وشركهم وعنادهم فلهذا فصل تعالى الآيات وعرض الأدلة والحجج عرضا عجيبا لعلهم يذكرون فيؤمنوا ويوحدوا فيكملوا ويسعدوا فضلا منه ورحمة . وهو العزيز الرحيم .
هداية الآيات :
من هداية الآيات :
1 ) حرمة غناء النساء للرجال الأجانب .
2 ) حرمة شراء الأغاني في الأشرطة والاسطوانات التي بها غناء العواهر والخليعين من الرجال .
3 ) حرمة حفلات الرقص والغناء الشائعة اليوم في العالم كافره ومسلمه .
4 ) دعوة الله تقوم على دعامتي الترهيب والترغيب والبشارة والنذارة .
5 ) بيان شتى مظاهر القدرة والعلم والعز والحكمة الموجب للإيمان والتوحيد .
6 ) لا قصور في الأدلة والحجج الإلهية وإنما ضلال العقول بالشرك والمعاصي هو المانع من الاهتداء . والعياذ بالله تعالى .

(3/247)


ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد (12) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15)

شرح الكلمات :
{ ولقد آتينا لقمان الحكمة } : أي أعطينا لقمان القاضي : اي الفقه في الدين والعقل والإصابة في الأمور .
{ أن اشكر لله } : أي اشكر لله ما أنعم به عليك بطاعته وذكره .
{ لابنه وهو يعظه } : أي ابنه ثاران وهو يعظه أي يأمره وينهاه مرغبا له مرهبا .
{ ووصينا الإنسان } : أي عهدنا إليه ببرهما وهو كف الأذى عنهما والإحسان إليهما وطاعتهما في المعروف .
{ وهنا على وهن } : أي ضعفا على ضعف وشدة على شدة وهي الحمل والولادة والإرضاع .
{ وفصاله في عامين } : أي مدة رضاعه تنتهي في عامين ، وبذلك يفصل عن الرضاع .
{ وإن جاهداك } : أي بذلا جهدهما في حملك على الشرك .
{ وصاحبهما في الدنيا معروفا } : أي واصحبهما في حياتهما بالمعروف وهو البر والإحسان وكف الأذى والطاعة في غير معصية الله .
{ من أناب إلي } : أي رجع إلي بتوحيدي وطاعتي وطاعة رسولي محمد صلى الله عليه وسلم .
معنى الآيات :
ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والتنديد بالشرك والمشركين وهذه القصة اللقمانية اللطيفة مشوقة لذلك قال تعالى : { ولقد آتينا لقمان الحمكة } اي أعطينا عبدنا لقمان الحكمة وهي الفقه في الدين والإصابة في الأمور وراسها مخافة الله تعالى بذكره وشكره الذي هو طاعته في عبادته وتوحيده فيها . وقوله : { أن اشكر لله } أي وقلنا له اشكر الله خالقك ما أنعم به عليك بصرف تلك النعم فيما يرضيه عنك ولا يسخطه عليك . وقوله تعالى { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } أي ومنشكر الله بطاعته فإن ثمرة الشكر وعائدته للشاكر نفسه بحفظ النعمة والزيادة فيها أما الله فإنه غني بذاته محمود بفعاله فلا يفتقر إلى خلقه في شيء إذ هم الفقراء إليه سبحانه وتعالى . وقوله تعالى : { وإذ قال لقمان } أي واذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين قول لقمان لابنه وأخص الناس به وهو ينهاه عن الشرك الذي نهيتكم أنا عنه فغضبتم واصررتم عليه عنادا ومكابره فقال له : بما أخبر به تعالى عنه في قوله : { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه } اي يأمره وينهاه مرغبا له في الخير مرهبا له من الشر : { يا بني لا تشرك بالله } أي في عبادته أحدا . وعلل لنهيه ليكون أوقع في نفسه فقال : { إن الشرك لظلم عظيم } والظلم وضع الشيء في غير موضعه ويترتب عليه الفساد والخسران الكبير ، وعبادة غير الله وضع لها في غير موضعها إذ العبادة حق الله على عباده مقابل خلقهم ورزقهم وكلاءتهم في حياتهم وحفظهم وقوله تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه } اي عهدنا إلى الإنسان آمرين أياه ببر والديه أي أمه وأبيه ، وبرهما بذل المعروف لهما وكف الأذى عنهما وطاعتهما في المعروف ، وقوله تعالى : { حملته } أي الإنسان أمه أي والدته { وهنا على وهن } أي ضعفا على ضعف وشدة على أخرى وهي آلام وأتعاب الحمل والطلق والولادة والإرضاع فلهذا تأكد برهما فوق بر الوالد مرتين لحديث الصحيح :

(3/248)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية