صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الجواب : كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه ذلك سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر فإنا إن جوزنا منه ترك الواجب بسبب الخوف ، سقط الاعتماد عن التكاليف التي بلغها إلينا أما غير الرسول فإنه عند شدة الخوف قد يسقط عنه الفرض ، لأنه إقدامه على الترك لا يفضي إلى المحذور المذكور .
المسألة الرابعة : قوله : { وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى } يفيد أن التكليف ساقط عن الناسي قال الجبائي : إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف ، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف . وهذا يدل على أن تكليف مالا يطاق لا يقع ، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لما كانت حاصلة قبل الفعل . فوجب أن لا يكون الكافر قادرا على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان . واعلم أن هذه الكلمات كثر ذكرها في هذا الكتاب مع الجواب فلا نطول الكلام بذكر الجواب ، والله أعلم .

(6/325)


وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (70)

قال ابن عباس : قال المسلمون لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت ، فنزلت هذه الآية وحصلت الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا معهم ويذكرونهم ويفهمونهم . قال ومعنى الآية : { وما على الذين يتقون } الشرك والكبائر والفواحش { من حسابهم } من آثامهم { من شىء ولكن ذكرى } قال الزجاج : قوله { ذكرى } يجوز أن يكون في موضع رفع ، وأن يكون في موضع نصب . أما كونه في موضع رفع فمن وجهين : الأول : ولكن عليكم ذكرى أي أن تذكروهم وجائز أن يكون ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى ، فعلى الوجه الأولى الذكرى بمعنى التذكير ، وعلى الوجه الثاني الذكرى تكون بمعنى الذكر وأما كونه في موضع النصب ، فالتقدير ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون . والمعنى لعل ذلك الذكرى يمنعهم من الخوض في ذلك الفضول .
قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون }
اعلم أن هؤلاء هم المذكورون بقوله : { الذين يخوضون فى ءاياتنا } ومعنى { ذرهم } أعرض عنهم وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال بعده : { وذكر به } ونظيره قوله تعالى : { أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم فأعرض عنهم } والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا يترك إنذارهم وتخويفهم .
واعلم أنه تعالى أمر الرسول بأن يترك من كان موصوفا بصفتين :
الصفة الأولى : أن يكون من صفتهم أنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وفي تفسيره وجوه : الأول : المراد أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعبا ولهوا حيث سخروا به واستهزؤوا به . الثاني : اتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها دينا لهم . الثالث : أن الكفار كانوا يحكمون في دين الله بمجرد التشهي والتمني ، مثل تحريم السوائب والبحائر وما كانوا يحتاطون في أمر الدين البتة ، ويكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر الله تعالى عنهم أنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا . والرابع : قال ابن عباس جعل الله لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله تعالى . ثم إن الناس أكثرهم من المشركين ، وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لهوا ولعبا غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله تعالى . والخامس : وهو الأقرب ، أن المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على أنه حق وصدق وصواب . فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة الخصم وجمع الأموال فهم نصروا الدين للدنيا ، وقد حكم الله على الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب ولهو . فالمراد من قوله : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه . وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الحالة . والله أعلم .

(6/326)


الصفة الثانية : قوله تعالى : { وغرتهم الحياة الدنيا } وهذا يؤكد الوجه الخامس الذي ذكرناه كأنه تعالى يقول إنما اتخذوا دينهم لعبا ولهوا لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا . فلأجل استيلاء حب الدنيا على قلوبهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا .
إذا عرفت هذا ، فقوله : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } معناه أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم في نظرك وزنا { وذكر به } واختلفوا في أن الضمير في قوله : { به } إلى ماذا يعود؟ قيل : وذكر بالقرآن وقيل أنه تعالى قال : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } والمراد الدين الذي يجب عليهم أن يتدينوا به ويعتقدوا صحته . فقوله : { وذكر به } أي بذلك الدين لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكور . والدين أقرب المذكور ، فوجب عود الضمير إليه . أما قوله { أن تبسل نفس بما كسبت } فقال صاحب «الكشاف» : أصل الإبسال المنع ومنه ، هذا عليك بسل أي حرام محظور ، والباسل الشجاع لامتناعه من خصمه ، أو لأنه شديد البسور ، يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه ، وإذا زاد قالوا بسل ، والعابس منقبض الوجه .
إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : { تبسل نفس بما كسبت } أي ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا . وقال الحسن ومجاهد : تسلم للمهلكة أي تمنع عن مرادها وتخذل . وقال قتادة : تحبس في جهنم ، وعن ابن عباس { تبسل } تفضح و { أبسلوا } فضحوا ، ومعنى الآية وذكرهم بالقرآن ، ومقتضى الدين مخافة احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون فيتقون . ثم قال تعالى : { ليس لها } أي ليس للنفس { من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } أي وإن تفذ كل فداء ، والعدل الفدية لا يؤخذ ذلك العدل وتلك الفدية منها . قال صاحب «الكشاف» : فاعل يؤخذ ليس هو قوله : { عدل } لأن العدل ههنا مصدر ، فلا يسند إليه الأخذ . وأما في قوله : { ولا يؤخذ منها عدل } فبمعنى المفدى به ، فصح إسناده إليه . فنقول : الأخذ بمعنى القبول وارد . قال تعالى : { ويأخذ الصدقات } أي يقبلها . وإذا ثبت هذا فيحمل الأخذ ههنا على القبول ، ويزول السؤال . والله أعلم .
والمقصود من هذه الآية : بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة ، فلا ولي يتولى دفع ذلك المحذور ، ولا شفيع يشفع فيها ، ولا فدية تقبل ليحصل الخلاص بسبب قبولها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع . فإذا كانت وجوه الخلاص هي هذه الثلاثة في الدنيا ، وثبت أنها لا تفيد في الآخرة البتة ، وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الارتهان والانغلاق والاستسلام ، فليس لها ألبتة دافع من عذاب الله تعالى ، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي الله تعالى . ثم إنه تعالى بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين ، فقال { لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } وذلك هو النهاية في صفة الإيلام . والله أعلم .

(6/327)


قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72)

اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك : { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } فقال : { قل أندعوا من دون الله } أي أنعبد من دون الله النافع الضار ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا ، ونرد على أعقابنا راجعين إلى الشرك بعد أن أنقدنا الله منه وهدانا للإسلام؟ ويقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل أنه رجع إلى خلف ، ورجع على عقبيه ورجع القهقرى ، والسبب فيه أن الأصل في الإنسان هو الجهل ، ثم إذا ترقى وتكامل حصل له العلم . قال تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } [ النحل : 78 ] فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى فكأنه رجع إلى أول مرة ، فلهذا السبب يقال : فلان رد على عقبيه .
وأما قوله : { كالذى استهوته الشياطين فى الأرض } فاعلم أنه تعالى وصف هذا الإنسان بثلاثة أنواع من الصفات :
الصفة الأولى : قوله : { استهوته الشياطين } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ حمزة { استهواه } بألف ممالة على التذكير والباقون بالتاء ، لأن الجمع يصلح أن يذكر على معنى الجمع ، ويصلح أن يؤنث على معنى الجماعة .
المسألة الثانية : اختلفوا في اشتقاق { استهوته } على قولين :
القول الأول : أنه مشتق من الهوى في الأرض ، وهو النزول من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض ، فشبه الله تعالى حال هذا الضال به وهو قوله : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء } [ الحج : 31 ] ولا شك أن حال هذا الإنسان عند هويه من المكان العالي إلى الوهدة العميقة المظلمة يكون في غاية الاضطراب والضعف والدهشة .
والقول الثاني : أنه مشتق من اتباع الهوى والميل ، فإن من كان كذلك فإنه ربما بلغ النهاية في الحيرة ، والقول الأول أولى ، لأنه أكمل في الدلالة على الدهشة والضعف .
الصفة الثانية : قوله : { حيران } قال الأصمعي : يقال حار يحار حيرة وحيرا ، وزاد الفراء حيرانا وحيرورة ، ومعنى الحيرة هي التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه . ومنه يقال : الماء يتحير في الغيم أي يتردد ، وتحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء . واعلم أن هذا المثل في غاية الحسن ، وذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه ، لأن الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل ينزل على الاستدارة ، وذلك يوجب كمال التردد والتحير ، وأيضا فعند نزوله لا يعرف أنه يسقط على موضع يزداد بلاؤه بسبب سقوطه عليه أو يقل ، فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال علمت أنك لا تجد مثالا للمتحير المتردد الخائف أحسن ولا أكمل من هذا المثال .

(6/328)


الصفة الثالثة : قوله تعالى : { له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا } قالوا : نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كان يدعو أباه إلى الكفر وأبوه كان يدعوه إلى الإيمان ويأمره بأن يرجع من طريق الجهالة إلى الهداية ومن ظلمة الكفر إلى نور الإيمان . وقيل : المراد أن لذلك الكافر الضال أصحابا يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى وهذا بعيد . والقول الصحيح هو الأول .
ثم قال تعالى : { قل إن هدى الله هو الهدى } يعني هو الهدى الكامل النافع الشريف كما إذا قلت علم زيد هو العلم وملك عمرو هو الملك كان معناه ما ذكرناه من تقرير أمر الكمال والشرف .
ثم قال تعالى : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } واعلم أن قوله : { إن هدى الله هو الهدى } دخل فيه جميع أقسام المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات ، وتقرير الكلام أن كل ما تعلق أمر الله به ، فإما أن يكون من باب الأفعال ، وإما أن يكون من باب التروك .
أما القسم الأول : فإما أن يكون من باب أعمال القلوب وإما أن يكون من باب أفعال الجوارح ، ورئيس أعمال القلوب الإيمان بالله والإسلام له ، ورئيس أعمال الجوارح الصلاة ، وأما الذي يكون من باب التروك فهو التقوى وهو عبارة عن الاتقاء عن كل ما لا ينبغي ، والله سبحانه لما بين أولا أن الهدى النافع هو هدى الله ، أردف ذلك الكلام الكلي بذكر أشرف أقسامه على الترتيب وهو الإسلام الذي هو رئيس الطاعات الروحانية ، والصلاة التي هي رئيسة الطاعات الجسمانية ، والتقوى التي هي رئيسة لباب التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي ، ثم بين منافع هذه الأعمال فقال : { وهو الذى إليه تحشرون } يعني أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر والبعث والقيامة .
فإن قيل : كيف حسن عطف قوله : { وأن أقيموا الصلاة } على قوله : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } ؟
قلنا : ذكر الزجاج فيه وجهين : الأول : أن يكون التقدير ، وأمرنا فقيل لنا أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة .
فإن قيل : هب أن المراد ما ذكرتم ، لكن ما الحكمة في العدول عن هذا اللفظ الظاهر والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه إلا بالتأويل؟
قلنا : وذلك لأن الكافر ما دام يبقى على كفره ، كان كالغائب الأجنبي فلا جرم يخاطب بخطاب الغائبين ، فيقال له : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } وإذا أسلم وآمن ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضر ، فلا جرم يخاطب بخطاب الحاضرين ، ويقال له : { وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذى إليه تحشرون } فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب التنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان ، وتقريره أن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر . والله أعلم .

(6/329)


وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73)

اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام ، ذكر ههنا ما يدل على أنه لا معبود إلا الله وحده وهو هذه الآية ، وذكر فيها أنواعا كثيرة من الدلائل . أولها : قوله { وهو الذى خلق السموات والأرض بالحق } أما كونه خالقا للسموات والأرض ، فقد شرحنا في قوله : { الحمد لله الذى خلق السموات والأرض } وأما أنه تعالى خلقهما بالحق فهو نظير لقوله تعالى في سورة آل عمران { ربنا ما خلقت هذا باطلا } [ آل عمران : 191 ] وقوله : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين } [ الأنبياء : 16 ] { ما خلقناهما إلا بالحق } [ الدخان : 39 ] وفيه قولان .
القول الأول : وهو قول أهل السنة أنه تعالى مالك لجميع المحدثات مالك لكل الكائنات وتصرف للمالك في ملكه حسن وصواب على الإطلاق ، فكان ذلك التصرف حسنا على الإطلاق وحقا على الإطلاق .
والقول الثاني : وهو قول المعتزلة أن معنى كونه حقا أنه واقع على وفق مصالح المكلفين مطابق لمنافعهم . قال القاضي : ويدخل في هذه الآية أنه خلق المكلف أولا حتى يمكنه الانتفاع بخلق السموات والأرض ، ولحكماء الإسلام في هذا الباب طريقة أخرى ، وهي أنه يقال : أودع في هذه الأجرام العظيمة قوى وخواص يصدر بسببها عنها آثار وحركات مطابقة لمصالح هذا العالم ومنافعه . وثانيها : قوله : { ويوم يقول كن فيكون } في تأويل هذه الآية قولان . الأول : التقدير وهو الذي خلق السموات والأرض وخلق يوم يقول كن فيكون ، والمراد من هذا اليوم يوم القيامة ، والمعنى أنه تعالى هو الخالق للدنيا ولكل ما فيها من الأفلاك والطبائع والعناصر والخالق ليوم القيامة والبعث ولرد الأرواح إلى الأجساد على سبيل كن فيكون .
والوجه الثاني : في التأويل أن نقول قوله : { الحق } مبتدأ و { يوم يقول كن فيكون } ظرف دال على الخبر ، والتقدير : قوله : { الحق } واقع { يوم يقول كن فيكون } كقولك يوم الجمعة القتال ، ومعناه القتال واقع يوم الجمعة . والمراد من كون قوله حقا في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يقضي إلا بالحق والصدق ، لأن أقضيته منزهة عن الجور والعبث . وثالثها : قوله : { وله الملك يوم ينفخ فى الصور } فقوله : { وله الملك } يفيد الحصر ، والمعنى : أنه لا ملك في يوم ينفخ في الصور إلا الحق سبحانه وتعالى ، فالمراد بالكلام الثاني تقريرا لحكم الحق المبرأ عن العبث والباطل ، والمراد بهذا الكلام تقرير القدرة التامة الكاملة التي لا دافع لها ولا معارض .
فإن قال قائل : قول الله حق في كل وقت ، وقدرته كاملة في كل وقت ، فما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين؟
قلنا : لأن هذا اليوم هو اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع ولا ضر ، فكان الأمر كما قال سبحانه : { والأمر يومئذ لله } فلهذا السبب حسن هذا التخصيص ، ورابعها : قوله : { عالم الغيب والشهادة } تقديره ، وهو عالم الغيب والشهادة .

(6/330)


واعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب الكامل أنه سبحانه ما ذكر أحوال البعث في القيامة إلا وقرر فيه أصلين : أحدهما : كونه قادرا على كل الممكنات ، والثاني : كونه عالما بكل المعلومات لأن بتقدير أن لا يكون قادرا على كل الممكنات لم يقدر على البعث والحشر ورد الأرواح إلى الأجساد وبتقدير أن لا يكون عالما بجميع الجزئيات لم يصح ذلك أيضا منه لأنه ربما اشتبه عليه المطيع بالعاصي . والمؤمن بالكافر ، والصديق بالزنديق ، فلا يحصل المقصود الأصلي من البعث والقيامة . أما إذا ثبت بالدليل حصول هاتين الصفتين كمل الغرض والمقصود ، فقوله : { وله الملك يوم ينفخ فى الصور } يدل على كمال القدرة ، وقوله : { عالم الغيب والشهادة } يدل على كمال العلم فلا جرم لزم من مجموعهما أن يكون قوله حقا ، وأن يكون حكمه صدقا ، وأن تكون قضاياه مبرأة عن الجور والعبث والباطل .
ثم قال : { وهو الحكيم الخبير } والمراد من كونه حكيما أن يكون مصيبا في أفعاله ، ومن كونه خبيرا ، كونه عالما بحقائقها من غير اشتباه ومن غير التباس . والله أعلم .
المسألة الثانية : قد ذكرنا في كثير من هذا الكتاب أنه ليس المراد بقوله : { كن فيكون } خطابا وأمرا لأن ذلك الأمر إن كان للمعدوم فهو محال ، وإن كان للموجود فهو أمر بأن يصير الموجود موجودا وهو محال ، بل المراد منه التنبيه على نفاذ قدرته ومشيئته في تكوين الكائنات وإيجاد الموجودات .
المسألة الثالثة : قوله : { يوم ينفخ فى الصور } ولا شبهة أن المراد منه يوم الحشر ، ولاشبهة عند أهل الإسلام أن الله سبحانه خلق قرنا ينفخ فيه ملك من الملائكة وذلك القرن يسمى بالصور على ما ذكر الله تعالى هذا المعنى في مواضع من الكتاب الكريم ولكنهم اختلفوا في المراد بالصور في هذه الآية على قولين :
القول الأول : أن المراد منه ذلك القرن الذي ينفخ فيه وصفته مذكورة في سائر السور .
والقول الثاني : إن الصور جمع صورة والنفخ في الصور عبارة عن النفخ في صور الموتى ، وقال أبو عبيدة : الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة . قال الواحدي رحمه الله : أخبرني أبو الفضل العروضي عن الأزهري عن المنذري عن أبي الهيثم : أنه قال ادعى قوم أن الصور جمع الصورة كما أن الصوف جمع الصوفة والثوم جمع الثومة ، وروي ذلك عن أبي عبيدة قال أبو الهيثم ، وهذا خطأ فاحش لأن الله تعالى قال : { وصوركم فأحسن صوركم } [ غافر : 64 ] وقال : { ونفخ فى الصور } [ ياس : 51 ، الزمر : 68 ] فمن قرأ ونفخ في الصور ، وقرأ { فأحسن صوركم } فقد افترى الكذب ، وبدل كتاب الله ، وكان أبو عبيدة صاحب أخبار وغرائب ، ولم يكن له معرفة بالنحو ، قال الفراء : كل جمع على لفظ الواحد المذكر سبق جمعه واحده ، فواحده بزيادة هاء فيه ، وذلك مثل الصوف والوبر والشعر والقطن والعشب فكل واحد من هذه الأسماء اسم لجميع جنسه ، وإذا أفردت واحدته زيدت فيها هاء لأن جمع هذا الباب سبق واحده ، ولو أن الصوفة كانت سابقة للصوف لقالوا صوفة وصوف وبسرة وبسر كما قالوا غرفة وغرف ، وزلفة وزلف ، وأما الصور القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال واحدته صورة وإنما تجمع صورة الإنسان صورا لأن واحدته سبقت جمعه ، قال الأزهري : قد أحسن أبو الهيثم في هذا الكلام ، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه ، وأقول : ومما يقوي هذا الوجه أنه لو كان المراد نفخ الروح في تلك الصور لأضاف تعالى ذلك النفخ إلى نفسه لأن نفخ الأرواح في الصور يضيفه الله إلى نفسه ، كما قال :

(6/331)


{ فإذا سويته ونفخت فيه من روحى } [ الحجر : 29 ] وقال : { فنفخنا فيها من روحنا } وقال : { ثم أنشأناه خلقا آخر } وأما نفح الصور بمعنى النفخ في القرن ، فإنه تعالى يضيفه لا إلى نفسه كما قال : { فإذا نقر فى الناقور } [ المدثر : 8 ] وقال : { ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض . . . ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } [ الزمر : 68 ] فهذا تمام القول في هذا البحث ، والله أعلم بالصواب .

(6/332)


وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (74)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه كثيرا يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم عليه السلام وذلك لأنه يعترف بفضله جميع الطوائف والملل فالمشركون كانوا معترفين بفضله مقرين بأنهم من أولاده واليهود والنصارى والمسلمون كلهم معظمون له معترفون بجلالة قدره . فلا جرم ذكر الله حكاية حاله في معرض الاحتجاج على المشركين .
واعلم أن هذا المنصب العظيم وهو اعتراف أكثر أهل العلم بفضله وعلو مرتبته لم يتفق لأحد كما اتفق للخليل عليه السلام ، والسبب فيه أنه حصل بين الرب وبين العبد معاهدة . كما قال : { أوفوا بعهدى أوف بعهدكم } [ البقرة : 40 ] فإبراهيم وفى بعهد العبودية ، والله تعالى شهد بذلك على سبيل الإجمال تارة وعلى سبيل التفصيل أخرى . أما الإجمال ففي آيتين إحداهما قوله : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } [ البقرة : 124 ] وهذا شهادة من الله تعالى بأنه تمم عهد العبودية . والثانية قوله تعالى : { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } [ البقرة : 131 ] وأما التفصيل : فهو أنه عليه السلام ناظر في إثبات التوحيد وإبطال القول بالشركاء والأنداد في مقامات كثيرة .
فالمقام الأول : في هذا الباب مناظراته مع أبيه حيث قال له : { ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } [ مريم : 42 ] .
والمقام الثاني : مناظرته مع قومه وهو قوله : { فلما جن عليه اليل } [ الأنعام : 76 ] .
والمقام الثالث : مناظرته مع ملك زمانه ، فقال : { ربى الذى يحى ويميت } [ البقرة : 258 ] .
والمقام الرابع : مناظرته مع الكفارة بالفعل ، وهو قوله تعالى : { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم } [ الأنبياء : 58 ] ثم إن القوم قالوا : { حرقوه وانصروا ءالهتكم } [ الأنبياء : 68 ] ثم إنه عليه السلام بعد هذه الواقعة بذل ولده فقال : { إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } [ الصافات : 102 ] فعند هذا ثبت أن إبراهيم عليه السلام كان من الفتيان ، لأنه سلم قلبه للعرفان ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان ، ثم إنه عليه السلام سأل ربه فقال : { واجعل لى لسان صدق فى الأخرين } [ الشعراء : 84 ] فوجب في كرم الله تعالى أنه يجيب دعاءه ويحقق مطلوبه في هذا السؤال ، فلا جرم أجاب دعاءه ، وقبل نداءه وجعله مقبولا لجميع الفرق والطوائف إلى قيام القيامة ، ولما كان العرب معترفين بفضله لا جرم جعل الله تعالى مناظرته مع قومه حجة على مشركي العرب .
المسألة الثانية : اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكا يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة ، لكن الثنوية يثبتون إلهين ، أحدهما حكيم يفعل الخير ، والثاني سفيه يفعل الشر ، وأما الاشتغال بعبادة غير الله . ففي الذاهبين إليه كثرة . فمنهم عبدة الكواكب ، وهم فريقان منهم من يقول إنه سبحانه خلق هذه الكواكب ، وفوض تدبير هذا العالم السفلي إليها ، فهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم ، قالوا : فيجب علينا أن نعبد هذه الكواكب ، ثم إن هذه الأفلاك والكواكب تعبد الله وتطبعه ، ومنهم قوم غلاة ينكرون الصانع ، ويقولون هذه الأفلاك والكواكب أجسام واجبة الوجود لذواتها ويمتنع عليها العدم والفناء ، وهي المدبرة لأحوال هذا العالم الأسفل ، وهؤلاء هم الدهرية الخالصة ، وممن يعبد غير الله النصارى الذين يعبدون المسيح ومنهم أيضا عبدة الأصنام .

(6/333)


واعلم أن هنا بحثا لا بد منه وهو أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأصنام ، والدليل عليه أن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا تواريخهم على سبيل التفصيل هو نوح عليه السلام ، وهو إنما جاء بالرد على عبدة الأصنام كما قال تعالى حكاية عن قومه أنهم قالوا : { لا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } [ نوح : 23 ] وذلك يدل على أن دين عبدة الأصنام قد كان موجودا قبل نوح عليه السلام وقد بقي ذلك الدين إلى هذا الزمان فإن أكثر سكان أطراف الأرض مستمرون على هذا الدين والمذهب الذي هذا شأنه يمتنع أن يكون معلوم البطلان في بديهة العقل ، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض علم ضروري ، والعلم الضروري يمتنع إطباق الخلق الكثير على إنكاره ، فظهر أنه ليس دين عبدة الأصنام كون الصنم خالقا للسماء والأرض ، بل لا بد وأن يكون لهم فيه تأويل ، والعلماء ذكروا فيه وجوها كثيرة وقد ذكرنا هذا البحث في أول سورة البقرة ، ولا بأس بأن نعيده ههنا تكثيرا للفوائد .
فالتأويل الأول : وهو الأقوى أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم الأسفل مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب ، فإن بحسب قرب الشمس وبعدها من سمت الرأس تحدث الفصول الأربعة ، وبسبب حدوث الفصول الأربعة تحدث الأحوال المختلفة في هذا العالم ، ثم إن الناس ترصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادات والنحوسات بكيفية وقوعها في طوالع الناس على أحوال مختلفة فلما اعتقدوا ذلك غلب على ظنون أكثر الخلق أن مبدأ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها ثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها ومنهم من اعتقد حدوثها وكونها مخلوقة للإله الأكبر ، إلا أنهم قالوا إنها وإن كانت مخلوقة للإله الأكبر ، إلا أنها هي المدبرة لأحوال هذا العالم وهؤلاء هم الذين أثبتوا الوسائط بين الإله الأكبر ، وبين أحوال هذا العالم . وعلى كلا التقديرين فالقوم اشتغلوا بعبادتها وتعظيمها ثم إنهم لما رأوا أن هذه الكواكب قد تغيب عن الأبصار في أكثر الأوقات اتخذوا لكل كوكب صنما من الجوهر المنسوب إليه واتخذوا صنم الشمس من الذهب وزينوه بالأحجار المنسوبة إلى الشمس وهي الياقوت والألماس واتخذوا صنم القمر من الفضة وعلى هذا القياس ثم أقبلوا على عبادة هذه الأصنام وغرضهم من عبادة هذه الأصنام هو عبادة تلك الكواكب والتقرب إليها وعند هذا البحث يظهر أن المقصود الأصلي من عبادة هذه الأصنام هو عبادة الكواكب . وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فلهم ههنا مقامان : أحدهما : إقامة الدلائل على أن هذه الكواكب لا تأثير لها البتة في أحوال هذا العالم كما قال الله تعالى :

(6/334)


{ ألا له الخلق والأمر } [ الأعراف : 54 ] بعد أن بين في الكواكب أنها مسخرة . والثاني : أنها بتقدير أنها تفعل شيئا ويصدر عنها تأثيرات في هذا العالم إلا أن دلائل الحدوث حاصلة فيها فوجب كونها مخلوقة والاشتغال بعبادة الأصل أولى من الاشتغال بعبادة الفرع ، والدليل على أن حاصل دين عبدة الأصنام ما ذكرناه أنه تعالى لما حكى عن الخليل صلوات الله عليه أنه قال لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين فأفتى بهذا الكلام أن عبادة الأصنام جهل ، ثم لما اشتغل بذكر الدليل أقام الدليل على أن الكواكب والقمر والشمس لا يصلح شيء منها للإلهية وهذا يدل على أن دين عبدة الأصنام حاصله يرجع إلى القول بإلهية هذه الكواكب وإلا لصارت هذه الآية متنافية متنافرة . وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا طريق إلى إبطال القول بعبادة الأصنام إلا بإبطال كون الشمس والقمر وسائر الكواكب آلهة لهذا العالم مدبرة له .
الوجه الثاني : في شرح حقيقة مذهب عبدة الأصنام ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي رحمه الله فقال في بعض كتبه : إن كثيرا من أهل الصين والهند كانوا يثبتون الإله والملائكة إلا أنهم يعتقدون أنه تعالى جسم وذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وللملائكة أيضا صور حسنة إلا أنهم كلهم محتجبون عنا بالسموات ، فلا جرم اتخذوا صورا وتماثيل أنيقة المنظر حسنة الرؤيا والهيكل فيتخذون صورة في غاية الحسن ويقولون إنها هيكل الإله ، وصورة أخرى دون الصورة الأولى ويجعلونها على صورة الملائكة ، ثم يواظبون على عبادتها قاصدين بتلك العبادة طلب الزلفى من الله تعالى ومن الملائكة ، فإن صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد أن الله تعالى جسم وفي مكان .
الوجه الثالث : في هذا الباب أن القوم يعتقدون أن الله تعالى فوض تدبير كل واحد من الأقاليم إلى ملك بعينه . وفوض تدبير كل قسم من أقسام ملك العالم إلى روح سماوي بعينه فيقولون مدبر البحار ملك ، ومدبر الجبال ملك آخر ، ومدبر الغيوم والأمطار ملك ، ومدبر الأرزاق ملك ، ومدبر الحروب والمقاتلات ملك آخر ، فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا لكل واحد من أولئك الملائكة صنما مخصوصا وهيكلا مخصوصا ويطلبون من كل صنم ما يليق بذلك الروح الفلكي من الآثار والتدبيرات ، وللقوم تأويلات أخرى سوى هذه الثلاثة ذكرناها في أول سورة البقرة ، ولنكتف ههنا بهذا القدر من البيان والله أعلم .

(6/335)


المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية يدل على أن اسم والد إبراهيم هو آزر ، ومنهم من قال اسمه تارح . قال الزجاج : لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح ، ومن الملحدة من جعل هذا طعنا في القرآن . وقال هذا النسب خطأ وليس بصواب ، وللعلماء ههنا مقامان :
المقام الأول : أن اسم والد إبراهيم عليه السلام هو آزر ، وأما قولهم أجمع النسابون على أن اسمه كان تارح . فنقول هذا ضعيف لأن ذلك الإجماع إنما حصل لأن بعضهم يقلد بعضا ، وبالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد والاثنين مثل قول وهب وكعب وغيرهما ، وربما تعلقوا بما يجدونه من أخبار اليهود والنصارى ، ولا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن .
المقام الثاني : سلمنا أن اسمه كان تارح ثم لنا ههنا وجوه :
الوجه الأول : لعل والد إبراهيم كان مسمى بهذين الاسمين ، فيحتمل أن يقال إن اسمه الأصلي كان آزر وجعل تارح لقبا له ، فاشتهر هذا اللقب وخفي الاسم . فالله تعالى ذكره بالاسم ، ويحتمل أن يكون بالعكس ، وهو أن تارح كان اسما أصليا وآزر كان لقبا غالبا . فذكره الله تعالى بهذا اللقب الغالب .
الوجه الثاني : أن يكون لفظة آزر صفة مخصوصة في لغتهم ، فقيل إن آزر اسم ذم في لغتهم وهو المخطىء كأنه قيل ، وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطىء كأنه عابه بزيغه وكفره وانحرافه عن الحق ، وقيل آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية ، وهو أيضا فارسية أصلية .
واعلم أن هذين الوجهين إنما يجوز المصير إليهما عند من يقول بجواز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب .
والوجه الثالث : أن آزر كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم ، وإنما سماه الله بهذا الاسم لوجهين : أحدهما : أنه جعل نفسه مختصا بعبادته ومن بالغ في محبة أحد فقد يجعل اسم المحبوب اسما للمحب . قال الله تعالى : { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } [ الإسراء : 71 ] وثانيها : أن يكون المراد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .
الوجه الرابع : أن والد إبراهيم عليه السلام كان تارح وآزر كان عما له ، والعم قد يطلق عليه اسم الأب ، كما حكى الله تعالى عن أولاد يعقوب أنهم قالوا : { نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [ البقرة : 133 ] ومعلوم أن إسمعيل كان عما ليعقوب . وقد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا ههنا . واعلم أن هذه التكلفات إنما يجب المصير إليها لو دل دليل باهر على أن والد إبراهيم ما كان اسمه آزر وهذا الدليل لم يوجد ألبتة ، فأي حاجة تحملنا على هذه التأويلات ، والدليل القوي على صحة أن الأمر على ما يدل عليه ظاهر هذه الآية ، أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام وإظهار بغضه ، فلو كان هذا النسب كذبا لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه وحيث لم يكذبوه علمنا أن هذا النسب صحيح والله أعلم .

(6/336)


المسألة الرابعة : قالت الشيعة : إن أحدا من آباء الرسول عليه الصلاة والسلام وأجداده ما كان كافرا وأنكروا أن يقال أن والد إبراهيم كان كافرا وذكروا أن آزر كان عم إبراهيم عليه السلام . وما كان والدا له واحتجوا على قولهم بوجوه :
الحجة الأولى : أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا ويدل عليه وجوه : منها قوله تعالى : { الذى يراك حين تقوم * وتقلبك فى الساجدين } [ الشعراء : 218 ، 219 ] .
قيل معناه : إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير : فالآية دالة على أن جميع آباء محمد عليه السلام كانوا مسلمين . وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم عليه السلام كان مسلما .
فإن قيل : قوله : { وتقلبك فى الساجدين } يحتمل وجوها أخر : أحدها : إنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الليلة على بيوت الصحابة لينظر ماذا يصنعون لشدة حرصه على ما يظهر منهم من الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم وتسبيحهم وتهليلهم . فالمراد من قوله : { وتقلبك فى الساجدين } طوافه صلوات الله عليه تلك الليلة على الساجدين . وثانيها : المراد أنه عليه السلام كان يصلي بالجماعة فتقلبه في الساجدين معناه : كونه فيما بينهم ومختلطا بهم حال القيام والركوع والسجود . وثالثها : أن يكون المراد أنه ما يخفى حالك على الله كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في الاشتغال بأمور الدين . ورابعها : المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه ، والدليل عليه قوله عليه السلام : « أتموا الركوع والسجود فإني أراكم من وراء ظهري » فهذه الوجوه الأربعة مما يحتملها ظاهر الآية ، فسقط ما ذكرتم .
والجواب : لفظ الآية محتمل للكل ، فليس حمل الآية على البعض أولى من حملها على الباقي . فوجب أن نحملها على الكل وحينئذ يحصل المقصود ، ومما يدل أيضا على أن أحدا من آباء محمد عليه السلام ما كان من المشركين قوله عليه السلام : « لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات » وقال تعالى : { إنما المشركون نجس } [ التوبة : 28 ] وذلك يوجب أن يقال : إن أحدا من أجداده ما كان من المشركين .
إذا ثبت هذا فنقول : ثبت بما ذكرنا أن والد إبراهيم عليه السلام ما كان مشركا ، وثبت أن آزر كان مشركا . فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان إنسانا آخر غير آزر .
الحجة الثانية : على أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام . أن هذه الآية دالة على أن إبراهيم عليه السلام شافه آزر بالغلظة والجفاء . ومشافهة الأب بالجفاء لا تجوز ، وهذا يدل على أن آزر ما كان والد إبراهيم ، إنما قلنا : إن إبراهيم شافه آزر بالغلظة والجفاء في هذه الآية لوجهين : الأول : أنه قرىء { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر } بضم آزر وهذا يكون محمولا على النداء ونداء الأب بالاسم الأصلي من أعظم أنواع الجفاء . الثاني : أنه قال لآزر : { إنى أراك وقومك فى ضلال مبين } وهذا من أعظم أنواع الجفاء والإيذاء . فثبت أنه عليه السلام شافه آزر بالجفاء ، وإنما قلنا : أن مشافهة الأب بالجفاء لا تجوز لوجوه : الأول : قوله تعالى :

(6/337)


{ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } [ الإسراء : 23 ] وهذا عام في حق الأب الكافر والمسلم ، قال تعالى : { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما } [ الإسراء : 23 ] وهذا أيضا عام . والثاني : أنه تعالى لما بعث موسى عليه السلام إلى فرعون أمره بالرفق معه فقال { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } [ طه : 44 ] والسبب فيه أن يصير ذلك رعاية لحق تربية فرعون . فههنا الوالد أولى بالرفق . الثالث : أن الدعوة مع الرفق أكثر تأثيرا في القلب ، أما التغليظ فإنه يوجب التنفير والبعد عن القبول . ولهذا المعنى قال تعالى لمحمد عليه السلام : { وجادلهم بالتى هى أحسن } [ النحل : 125 ] فكيف يليق بإبراهيم عليه السلام مثل هذه الخشونة مع أبيه في الدعوة؟ الرابع : أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام الحلم ، فقال : { إن إبراهيم لحليم أواه } [ هود : 75 ] وكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع الآب؟ فثبت بهذه الوجوه أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام بل كان عما له ، فأما والده فهو تارح والعم قد يسمى بالأب على ما ذكرنا أن أولاد يعقوب سموا إسمعيل بكونه أبا ليعقوب مع أنه كان عما له . وقال عليه السلام : « ردوا علي أبي » يعني العم العباس وأيضا يحتمل أن آزر كان والد أم إبراهيم عليه السلام وهذا قد يقال له الأب . والدليل عليه قوله تعالى : { ومن ذريته داوود وسليمان } [ الأنعام : 84 ] إلى قوله : { وعيسى } [ الأنعام : 85 ] فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم عليه السلام كان جدا لعيسى من قبل الأم . وأما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول الله كان كافرا وذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافرا وكان والد إبراهيم عليه السلام . وأيضا قوله تعالى : { وما كان استغفار إبراهيم لابيه } إلى قوله : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } [ التوبة : 114 ] وذلك يدل على قولنا ، وأما قوله { وتقلبك فى الساجدين } قلنا : قد بينا أن هذه الآية تحتمل سائر الوجوه قوله تحمل هذه الآية على الكل ، قلنا هذا محال لأن حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز ، وأيضا حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معا لا يجوز ، وأما قوله عليه السلام : « لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات » فذلك محمول على أنه ما وقع في نسبه ما كان سفاحا ، أما قوله التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم عليه السلام . قلنا : لعله أصر على كفره فلأجل الإصرار استحق ذلك التغليط . والله أعلم .

(6/338)


المسألة الخامسة : قرىء { ءازر } بالنصب وهو عطف بيان لقوله : { لابيه } وبالضم على النداء ، وسألني واحد فقال : قرىء { ءازر } بهاتين القراءتين ، وأما قوله : { وإذ قال موسى لاخيه هارون } قرىء { هارون } بالنصب وما قرىء البتة بالضم فما الفرق؟ قلت القراءة بالضم محمولة على النداء والنداء بالاسم استخفاف بالمنادى . وذلك لائق بقصة إبراهيم عليه السلام لأنه كان مصرا على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجرا له عن ذلك القبيح ، وأما قصة موسى عليه السلام فقد كان موسى عليه السلام يستخلف هرون على قومه فما كان الاستخفاف لائقا بذلك الموضع ، فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة .
المسألة السادسة : اختلف الناس في تفسير لفظ «الإله» والأصح أنه هو المعبود ، وهذه الآية تدل على هذا القول لأنهم ما أثبتوا للأصنام إلا كونها معبودة ، ولأجل هذا قال إبراهيم لأبيه : { أتتخذ أصناما آلهة } وذلك يدل على أن تفسير لفظ «الإله» هو المعبود .
المسألة السابعة : اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين : الأول : أن قوله : { أتتخذ أصناما آلهة } يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة؛ إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } والثاني : أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافيا ، فلما لم يكن الواحد كافيا دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها ألبتة .
المسألة الثامنة : احتج بعضهم بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى ووجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع . قال لأن إبراهيم عليه السلام حكم عليهم بالضلال ، ولولا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال . لأن ذلك المذهب كان متقدما على دعوة إبراهيم . ولقائل أن يقول : إنه كان ضلالا بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم عليه السلام .

(6/339)


وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75)

المسألة الأولى : «الكاف» في كذلك للتشبيه ، وذلك إشارة إلى غائب جرى ذكره والمذكور ههنا فيما قبل هو أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام ، وهو قوله : { إنى أراك وقومك فى ضلال مبين } والمعنى : ومثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات والأرض . وههنا دقيقة عقلية ، وهي أن نور جلال الله تعالى لائح غير منقطع ولا زائل ألبتة ، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب ، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى ، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل هذا التجلي فقول إبراهيم عليه السلام : { أتتخذ أصناما آلهة } إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى ، لأن كل ما سوى الله فهو حجاب عن الله تعالى ، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السموات بالتمام ، فقوله : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات } معناه : وبعد زوال الاشتغال بغير الله حصل له نور تجلى جلال الله تعالى ، فكان قوله : { وكذلك } منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية .
المسألة الثانية : لقائل أن يقول هذه الإراءة قد حصلت فيما تقدم من الزمان ، فكان الأولى أن يقال : وكذلك أرينا إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، فلم عدل عن هذه اللفظة إلى قوله { وكذلك نرى } .
قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن يكون تقدير الآية ، وكذلك كنا نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، فيكون هذا على سبيل الحكاية عن الماضي . والمعنى أنه تعالى لما حكى عنه أنه شافه أباه الكلام الخشن تعصبا للدين الحق . فكأنه قيل : وكيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ العظيم في قوة الدين ، فأجيب بأنا كنا نريه ملكوت السموات والأرض من وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه .
الوجه الثاني في الجواب : وهو أعلى وأشرف مما تقدم ، وهو أنا نقول : إنه ليس المقصود من إراءة الله إبراهيم ملكوت السموات والأرض هو مجرد أن يرى إبراهيم هذا الملكوت ، بل المقصود أن يراها فيتوسل بها إلى معرفة جلال الله تعالى وقدسه وعلوه وعظمته . ومعلوم أن مخلوقات الله وإن كانت متناهية في الذوات وفي الصفات ، إلا أن جهات دلالاتها على الذوات والصفات غير متناهية . وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر ضياء الدين رحمه الله تعالى قال : سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول : سمعت إمام الحرمين يقول : معلومات الله تعالى غير متناهية ، ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات أيضا غير متناهية ، وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل ، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل ، وكل تلك الأحوال التقديرية دالة على حكمة الله تعالى وقدرته أيضا ، وإذا كان الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ كذلك؛ فكيف القول في كل ملكوت الله تعالى ، فثبت أن دلالة ملك الله تعالى ، وملكوته على نعوت جلاله وسمات عظمته وعزته غير متناهية ، وحصول المعلومات التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق محال ، فإذن لا طريق إلى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصل بعضها عقيب البعض لا إلى نهاية ولا إلى آخر في المستقبل ، فلهذا السبب والله أعلم لم يقل ، وكذلك أريناه ملكوت السموات والأرض ، بل قال : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت والأرض } وهذا هو المراد من قول المحققين السفر إلى الله له نهاية ، وأما السفر في الله فإنه لا نهاية له والله أعلم .

(6/340)


المسألة الثالثة : { الملكوت } هو الملك ، و «التاء» للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت من الرهبة .
واعلم أن في تفسيره هذه الإراءة قولين : الأول : أن الله أراه الملكوت بالعين ، قالوا إن الله تعالى شق له السموات حتى رأى العرش والكرسي وإلى حيث ينتهي إليه فوقية العالم الجسماني ، وشق له الأرض إلى حيث ينتهي إلى السطح الآخر من العالم الجسماني ، ورأى ما في السموات من العجائب والبدائع ، ورأى ما في باطن الأرض من العجائب والبدائع . وعن ابن عباس أنه قال : لما أسري بإبراهيم إلى السماء ورأى ما في السموات وما في الأرض فأبصر عبدا على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك ، فقال الله تعالى له : كف عن عبادي فهم بين حالين إما أن أجعل منهم ذرية طيبة أو يتوبون فأغفر لهم أو النار من ورائهم ، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه : الأول : أن أهل السماء هم الملائكة المقربون وهم لا يعصون الله ، فلا يليق أن يقال : إنه لما رفع إلى السماء أبصر عبدا على فاحشة . الثاني : أن الأنبياء لا يدعون بهلاك المذنب إلا عن أمر الله تعالى ، وإذا أذن الله تعالى فيه لم يجز أن يمنعه من إجابة دعائه . الثالث : أن ذلك الدعاء إما أن يكون صوابا أو خطأ فإن كان صوابا فلم رده في المرة الثانية ، وإن كان خطأ فلم قبله في المرة الأولى . ثم قال : وأخبار الآحاد إذا وردت على خلاف دلائل العقول وجب التوقف فيها .
والقول الثاني : أن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة والعقل ، لا بالبصر الظاهر والحس الظاهر . واحتج القائلون بهذا القول بوجوه :
الحجة الأولى : أن ملكوت السموات عبارة عن ملك السماء ، والملك عبارة عن القدرة ، وقدرة الله لا ترى ، وإنما تعرف بالعقل ، وهذا كلام قاطع ، إلا أن يقال المراد بملكوت السموات والأرض نفس السموات والأرض ، إلا أن على هذا التقدير يضيع لفظ الملكوت ولا يحصل منه فائدة .
والحجة الثانية : أنه تعالى ذكر هذه الإراءة في أول الآية على سبيل الإجمال وهو قوله : { وكذلك نرى إبراهيم } ثم فسرها بعد ذلك بقوله :

(6/341)


{ فلما جن عليه اليل رأى كوكبا } [ الأنعام : 76 ] فجرى ذكر هذا الاستدلال كالشرح والتفسير لتلك الإراءة فوجب أن يقال إن تلك الإراءة كانت عبارة عن هذا الاستدلال .
والحجة الثالثة : أنه تعالى قال في آخر الآية : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه لأنهم كانوا غائبين عنها وكانوا يكذبون إبراهيم فيها وما كان يجوز لهم تصديق إبراهيم في تلك الدعوى إلا بدليل منفصل ومعجزة باهرة ، وإنما كانت الحجة التي أوردها إبراهيم على قومه في الاستدلال بالنجوم من الطريق الذي نطق به القرآن . فإن تلك الأدلة كانت ظاهرة لهم كما أنها كانت ظاهرة لإبراهيم .
والحجة الرابعة : أن إراءة جميع العالم تفيد العلم الضروري بأن للعالم إلها قادرا على كل الممكنات . ومثل هذه الحالة لا يحصل للإنسان بسببها استحقاق المدح والتعظيم . ألا ترى أن الكفار في الآخرة يعرفون الله تعالى بالضرورة وليس لهم في تلك المعرفة مدح ولا ثواب . وأما الاستدلال بصفات المخلوقات على وجود الصانع وقدرته وحكمته فذاك هو الذي يفيد المدح والتعظيم .
والحجة الخامسة : أنه تعالى كما قال في حق إبراهيم عليه السلام { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض } فكذلك قال في حق هذه الأمة : { سنريهم ءاياتنا فى الأفاق وفى أنفسهم } [ فصلت : 53 ] فكما كانت هذه الإراءة بالبصيرة الباطنة لا بالبصر الظاهر فكذلك في حق إبراهيم لا يبعد أن يكون الأمر كذلك .
الحجة السادسة : أنه عليه السلام لما تمم الاستدلال بالنجم والقمر والشمس قال بعده : { إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض } [ الأنعام : 79 ] فحكم على السموات والأرض بكونها مخلوقة لأجل الدليل الذي ذكره في النجم والقمر والشمس . وذلك الدليل لو لم يكن عاما في كل السموات والأرض لكان الحكم العام بناء على دليل خاص وأنه خطأ ، فثبت أن ذلك الدليل كان عاما فكان ذكر النجم والقمر والشمس كالمثال لإراءة الملكوت . فوجب أن يكون المراد من إراءة الملكوت تعريف كيفية دلالتها بحسب تغيرها وإمكانها وحدوثها على وجود الإله العالم القادر الحكيم فتكون هذه الإراءة بالقلب لا بالعين .
الحجة السابعة : أن اليقين عبارة عن العلم المستفاد بالتأمل إذا كان مسبوقا بالشك وقوله تعالى : { وليكون من الموقنين } كالغرض من تلك الإراءة فيصير تقدير الآية نرى إبراهيم ملكوت السوات والأرض لأجل أن يصير من الموقنين . فلما كان اليقين هو العلم المستفاد من الدليل ، وجب أن تكون تلك الإراءة عبارة عن الاستدلال .
الحجة الثامنة : أن جميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته باعتبار واحد وهو أنها محدثة ممكنة وكل محدث ممكن فهو محتاج إلى الصانع . وإذا عرف الإنسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال عى الصانع وكأنه بمعرفة هاتين المقدمتين قد طالع جميع الملكوت بعين عقله وسمع بأذن عقله شهادتها بالاحتياج والافتقار وهذه الرؤية رؤية باقية غير زائلة ألبتة . ثم إنها غير شاملة عن الله تعالى بل هي شاغلة للقلب والروح بالله . أما رؤية العين فالإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال . ألا ترى أن من نظر إلى صحيفة مكتوبة فإنه لا يرى من تلك الصحيفة رؤية كاملة تامة إلا حرفا واحدا فإن حدق نظره إلى حرف آخر وشغل بصره به صار محروما عن إدراك الحرف الأول ، أو عن إبصاره . فثبت أن رؤية الأشياء الكثيرة دفعة واحدة غير ممكنة . وبتقدير أن تكون ممكنة هي غير باقية وبتقدير أن تكون باقية هي شاغلة عن الله تعالى . ألا ترى أنه تعالى مدح محمدا عليه الصلاة والسلام في ترك هذه الرؤية فقال :

(6/342)


{ ما زاغ البصر وما طغى } [ النجم : 17 ] فثبت بجملة هذه الدلائل أن تلك الإراءة كانت إراءة بحسب بصيرة العقل ، لا بحسب البصر الظاهر .
فإن قيل : فرؤية القلب على هذا التفسير حاصلة لجميع الموحدين فأي فضيلة تحصل لإبراهيم بسببها .
قلنا : جميع الموحدين وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطلاع على آثار حكمة الله تعالى في كل واحد من مخلوقات هذا العالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وأحوالها مما لا يحصل إلا للأكابر من الأنبياء عليهم السلام . ولهذا المعنى كان رسولنا عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه : " اللهم أرنا الأشياء كما هي " فزال هذا الإشكال . والله أعلم .
المسألة الرابعة : اختلفوا في «الواو» في قوله : { وليكون من الموقنين } وذكروا فيه وجوها : الأول : الواو زائدة والتقدير : نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليستدل بها ليكون من الموقنين . الثاني : أن يكون هذا كلاما مستأنفا لبيان علة الإراءة والتقدير وليكون من الموقنين نريه ملكوت السموات والأرض . الثالث : أن الإراءة قد تحصل وتصير سببا لمزيد الضلال كما في حق فرعون قال تعالى : { ولقد أريناه ءاياتنا كلها فكذب وأبى } [ طه : 56 ] وقد تصير سببا لمزيد الهداية واليقين . فلما احتملت الإراءة هذين الاحتمالين قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام : إنا أريناه هذه الآيات ليراها ولأجل أن يكون من الموقنين لا من الجاحدين والله أعلم .
المسألة الخامسة : اليقين عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل ولهذا المعنى لا يوصف علم الله تعالى بكونه يقينا لأن علمه غير مسبوق بالشبهة وغير مستفاد من الفكر والتأمل . واعلم أن الإنسان في أول ما يستدل فإنه لا ينفك قلبه عن شك وشبهة من بعض الوجوه فإذا كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت صارت سببا لحصول اليقين وذلك لوجوه : الأول : أنه يحصل لكل واحد من تلك الدلائل نوع تأثر وقوة فلا تزال القوة تتزايد حتى ننتهي إلى الجزم . الثاني : أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة فكثرة الاستدلال بالدلائل المختلفة على المدلول الواحد جار مجرى تكرار الدرس الواحد ، فكما أن كثرة التكرار تفيد الحفظ المتأكد الذي لا يزول عن القلب ، فكذا ههنا . الثالث : أن القلب عند الاستدلال كان مظلما جدا فإذا حصل فيه الاعتقاد المستفاد من الدليل الأول امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة سائر الصفات الحاصلة في القلب ، فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور والظلمة ، فإذا حصل الاستدلال الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى ، فيصير الإشراق واللمعان أتم . وكما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر نورها في أول الأمر وهو الصبح . فكذلك الاستدلال الأول يكون كالصبح ، ثم كما أن الصبح لا يزال يتزايد بسبب تزايد قرب الشمس من سمت الرأس ، فإذا وصلت إلى سمت الرأس حصل النور التام ، فكذلك العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات الله تعالى أكثر كان شروق نور المعرفة والتوحيد أجلى . إلا أن الفرق بين شمس العلم وبين شمس العالم أن شمس العالم الجسماني لها في الارتقاء والتصاعد حد معين لا يمكن أن يزاد عليه في الصعود ، وأما شمس المعرفة والعقل والتوحيد ، فلا نهاية لتصاعدها ولا غاية لازديادها فقوله : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض } إشارة إلى مراتب الدلائل والبينات ، وقوله : { وليكون من الموقنين } إشارة إلى درجات أنوار التجلي وشروق شمس المعرفة والتوحيد . والله أعلم .

(6/343)


فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79)

في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف» : { فلما جن عليه اليل } عطف على قوله : { قال إبراهيم لابيه ءازر } وقوله : { وكذلك نرى } جملة وقعت اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه .
المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : يقال جن عليه الليل وأجنه الليل ، ويقال : لكل ما سترته جن وأجن ، ويقال أيضا جنه الليل ، ولكن الاختيار جن عليه الليل ، وأجنه الليل . هذا قول جميع أهل اللغة ، ومعنى { جن } ستر ومنه الجنة والجن والجنون والجان والجنين والمجن والجنن والمجن ، وهو المقبور . والمجنة كل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار ، وقال بعض النحويين : { جن عليه اليل } إذا أظلم عليه الليل . ولهذا دخلت «على» عليه كما تقول في أظلم . فأما جنه فستره من غير تضمين معنى { أظلم } .
المسألة الثالثة : اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه ، فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد ، فحبلت أم إبراهيم به وماأظهرت حبلها للناس ، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر ، فجاء جبريل عليه السلام ووضع أصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه وكان يتعهده جبريل عليه السلام ، فكانت الأم تأتيه أحيانا وترضعه وبقي على هذه الصفة حتى كبر وعقل وعرف أن له ربا ، فسأل الأم فقال لها : من ربي؟ فقالت أنا ، فقال : ومن ربك؟ قالت أبوك ، فقال للأب : ومن ربك؟ فقال : ملك البلد . فعرف إبراهيم عليه السلام جهلهما بربهما فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئا يستدل به على وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي هو أضوأ النجوم في السماء . فقال : هذا ربي إلى آخر القصة . ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال : إن هذا كان بعد البلوغ وجريان قلم التكليف عليه ، ومنهم من قال : إن هذا كان قبل البلوغ . واتفق أكثر المحققين على فساد القول الأول واحتجوا عليه بوجوه :
الحجة الأولى : أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز بالإجماع على الأنبياء .
الحجة الثانية : أن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بالدليل . والدليل على صحة ما ذكرناه أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر : { أتتخذ أصناما ءالهة إنى أراك وقومك في ظلال مبين } [ الأنعام : 74 ] .
الحجة الثالثة : أنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال : { ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } [ مريم : 42 ] وحكى في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش . ومن المعلوم أن من دعا غيره إلى الله تعالى فإنه يقدم الرفق على العنف واللين على الغلظ ولا يخوض في التعنيف والتغليظ إلا بعد المدة المديدة واليأس التام . فدل هذا على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه إلى التوحيد مرارا وأطوارا ، ولا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم نفسه . فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن عرف الله بمدة .

(6/344)


الحجة الرابعة : أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه الله ملكوت السموات والأرض حتى رأى من فوق العرش والكرسي وما تحتهما إلى ما تحت الثرى ، ومن كان منصبه في الدين كذلك ، وعلمه بالله كذلك ، كيف يليق به أن يعتقد إلهية الكواكب؟
الحجة الخامسة : أن دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من خمسة عشر وجها وأكثر ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقل العقلاء نصيبا من العقل والفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلا عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء؟
الحجة السادسة : أنه تعالى قال في صفة إبراهيم عليه السلام : { إذ جاء ربه بقلب سليم } [ الصافات : 84 ] وأقل مراتب القلب السليم أن يكون سليما عن الكفر ، وأيضا مدحه فقال : { ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين } [ الأنبياء : 51 ] أي آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة . وقوله : { وكنا به عالمين } أي بطهارته وكماله ونظيره قوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [ الأنعام : 124 ] .
الحجة السابعة : قوله : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين } أي وليكون بسبب تلك الإراءة من الموقنين .
ثم قال بعده : { فلما جن عليه اليل } والفاء تقتضي الترتيب ، فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه .
الحجة الثامنة : أن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه ، والدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } ولم يقل على نفسه ، فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد . لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه .
الحجة التاسعة : أن القوم يقولون إن إبراهيم عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس حال ما كان في الغار ، وهذا باطل . لأنه لو كان الأمر كذلك ، فكيف يقول { يا قوم إنى برىء مما تشركون } مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم .
الحجة العاشرة : قال تعالى : { وحاجه قومه قال أتحاجونى فى الله } وكيف يحاجونه وهم بعد ما رأوه وهو ما رآهم ، وهذا يدل على أنه عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فذكر قوله : { لا أحب الأفلين } ردا عليهم وتنبيها لهم على فساد قولهم .

(6/345)


الحجة الحادية عشر : أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم : { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } وهذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه بالأصنام ، كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له : { إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء } [ هود : 54 ] ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار .
الحجة الثانية عشرة : أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار ، ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم ، ثم غربت ، فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للآلهية ، وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك أيضا في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا : إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه . أما إذا قلنا المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم ، فهذا السؤال غير وارد لأنه يمكن أن يقال أنه إنما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم ، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده وعلى هذا التقدير ، فالسؤال غير وارد ، فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال إن إبراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم : هذا ربي . وإذا بطل هذا بقي ههنا احتمالان : الأول : أن يقال هذا كلام إبراهيم عليه السلام بعد البلوغ ولكن ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة . الأول : أن يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي ، على سبيل الأخبار ، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وآلههم ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله ، ومثاله : أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم ، فيقول : الجسم قديم؟ فإذا كان كذلك ، فلم نراه ونشاهده مركبا متغيرا؟ فهو إنما قال الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه ، فكذا ههنا قال : { هذا ربى } والمقصود منه حكاية قول الخصم ، ثم ذكر غقيبه ما يدل على فساده وهو قوله : { لا أحب الأفلين } وهذا الوجه هو المتعمد في الجواب ، والدليل عليه : أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } .
والوجه الثاني في التأويل : أن نقول قوله : { هذا ربى } معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم ونظيره أن يقول الموحد للمجسم على سبيل الاستهزاء : أن إلهه جسم محدود أي في زعمه واعتقاده قال تعالى : { وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا } [ طه : 97 ] وقال تعالى : { ويوم يناديهم فيقول أين شركآءي } [ القصص : 62 ] وكان صلوات الله عليه يقول : « يا إله الآلهة »

(6/346)


والمراد أنه تعالى إله الآلهة في زعمهم وقال : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } [ الدخان : 49 ] أي عند نفسك .
والوجه الثالث في الجواب : أن المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام استغناء عنه لدلالة الكلام عليه .
والوجه الرابع : أن يكون القول مضمرا فيه ، والتقدير : قال يقولون هذا ربي . وإضمار القول كثير ، كقوله تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا } [ البقرة : 127 ] أي يقولون ربنا وقوله : { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [ الزمر : 3 ] أي يقولون ما نعبدهم ، فكذا ههنا التقدير : إن إبراهيم عليه السلام قال لقومه : يقولون هذا ربي . أي هذا هو الذي يدبرني ويربيني .
والوجه الخامس : أن يكون إبراهيم ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوما هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء .
الوجه السادس : أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا إليه ، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة . وذلك بأن ذكر كلاما يوهم كونه مساعدا لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئنا بالإيمان ، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله وتمام التقرير أنه لما يجد إلى الدعوة طريقا سوى هذا الطريق ، وكان عليه السلام مأمورا بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر ، ومعلوم أن عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان قال تعالى : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } [ النحل : 106 ] فإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة بقاء شخص واحد فبأن يجوز إظهار كلمة الكفر لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر والعقاب المؤبد كان ذلك أولى وأيضا المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر العظيم ، ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال . حتى لو صلى وترك القتال أثم ولو ترك الصلاة وقاتل استحق الثواب ، بل نقول : أن من كان في الصلاة فرأى طفلا أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذ ذلك الطفل أو ذلك الأعمى عن ذلك البلاء . فكذا ههنا أن إبراهيم عليه السلام تكلم بهذه الكلمة ليظهر من نفسه موافقة القوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم لذلك الدليل أتم وانتفاعهم باستماعه أكمل ، ومما يقوي هذا الوجه : أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر وهو قوله : { فنظر نظرة فى النجوم * فقال إنى سقيم * فتولوا عنه مدبرين }

(6/347)


[ الصافات : 88 90 ] وذلك لأنهم كانوا يستدلون بعلم النجم على حصول الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع أنه كان بريئا عنه في الباطن ، ومقصوده أن يتوسل بهذا الطريق إلى كسر الأصنام ، فإذا جازت الموافقة في الظاهر ههنا . مع أنه كان بريئا عنه في الباطن ، فلم لا يجوز أن يكون في مسألتنا كذلك؟ وأيضا المتكلمون قالوا : إنه يصح من الله تعالى إظهار خوارق العادات على يد من يدعى الإلهية لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يحصل فيه التلبيس بسبب ظهور تلك الخوارق على يده ، ولكن لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوة لأنه يوجب التلبيس فكذا ههنا . وقوله : { هذا ربى } لا يوجب الضلال ، لأن دلائل بطلانه جلية وفي إظهاره هذه الكلمة منفعة عظيمة وهي استدراجهم لقبول الدليل فكان جائزا والله أعلم .
الوجه السابع : أن القوم لما دعوه إلى عبادة النجوم فكانوا في تلك المناظرة إلى أن طلع النجم الدري فقال إبراهيم عليه السلام { هذا ربى } أي هذا هو الرب الذي تدعونني إليه ثم سكت زمانا حتى أفل ثم قال : { لا أحب الأفلين } فهذا تمام تقرير هذه الأجوبة على الاحتمال الأول وهو أنه صلوات الله عليه ذكر هذا الكلام بعد البلوغ .
أما الاحتمال الثاني : وهو أنه ذكره قبل البلوغ وعند القرب منه فتقريره أنه تعالى كان قد خص إبراهيم بالعقل الكامل والقريحة الصافية ، فخطر بباله قبل بلوغه إثبات الصانع سبحانه فتفكر فرأى النجم ، فقال : { هذا ربى } فلما شاهد حركته قال : { لا أحب الأفلين } ثم إنه تعالى أكمل بلوغه في أثناء هذا البحث فقال في الحال : { إنى برىء مما تشركون } فهذا الاحتمال لا بأس به ، وإن كان الاحتمال الأول أولى بالقبول لما ذكرنا من الدلائل الكثيرة ، على أن هذه المناظرة إنما جرت لإبراهيم عليه السلام وقت اشتغاله بدعوة القوم إلى التوحيد والله أعلم .
المسألة الرابعة : قرأ أبو عمرو وورش عن نافع { رئي } بفتح الراء وكسر الهمزة حيث كان ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسرهما فإذا كان بعد الألف كاف أو هاء نحو : رآك ورآها فحينئذ يكسرها حمزة والكسائي ويفتحها ابن عامر . وروى يحيى عن أبي بكر عن عاصم مثل حمزة والكسائي فإذا تلته ألف وصل نحو : رأى الشمس ، ورأى القمر . فإن حمزة ويحيى عن أبي بكر ونصر عن الكسائي يكسرون الراء ويفتحون الهمزة والباقون يقرؤن جميع ذلك بفتح الراء والهمزة ، واتفقوا في رأوك ، ورأوه أنه بالفتح . قال الواحدي : أما من فتح الراء والهمزة فعلته واضحة وهي ترك الألف على الأصل نحو : رعى ورمى . وأما من فتح الراء وكسر الهمزة فإنه أمال الهمزة نحو الكسر ليميل الألف التي في رأى نحو الياء وترك الراء مفتوحة على الأصل . وأما من كسرهما جميعا فلأجل أن تصير حركة الراء مشابهة لحركة الهمزة ، والواحدي طول في هذا الباب في «كتاب البسيط» فليرجع إليه . والله أعلم .

(6/348)


المسألة الخامسة : القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم عليه السلام ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل عليه السلام يربيه كل ذلك محتمل في الجملة . وقال القاضي : كل ما يجري مجرى المعجزات فإنه لا يجوز لأن تقديم المعجز على وقت الدعوى غير جائز عندهم ، وهذا هو المسمى بالإرهاص إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله فتجعل تلك الخوارق معجزة لذلك النبي . وأما عند أصحابنا فالإرهاص جائز فزالت الشبهة والله أعلم .
المسألة السادسة : أن إبراهيم عليه السلام استدل بأفول الكوكب على أنه لا يجوز أن يكون ربا له وخالقا له . ويجب علينا ههنا أن نبحث عن أمرين : أحدهما : أن الأفول ما هو؟ والثاني : أن الأفول كيف يدل على عدم ربوبية الكوكب؟ فنقول : الأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره .
وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل ، فيقول : الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث إنه حركة وعلى هذا التقدير ، فيكون الطلوع أيضا دليلا على الحدوث ، فلم ترك إبراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟
والجواب : لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بد وأن يكون ظاهرا جليا بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل . ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق . أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد ، فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم . وأيضا قال بعض المحققين : الهوى في خطرة الإمكان أفول ، وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام ، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان ، وكل ممكن محتاج ، والمحتاج : لا يكون مقطوع الحاجة ، فلا بد من الانتهاء إلى من يكون منزها عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال : { ا وأن إلى ربك المنتهى } [ النجم : 42 ] وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة ، فكل متحرك محدث ، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر . فلا يكون الآفل إلها بل الإله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل . وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنه يزول نوره وينتقص ضوءه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن يكون كذلك لا يصلح للإلهية ، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله : { لا أحب الأفلين } كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين .

(6/349)


وفيه دقيقة أخرى : وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين . ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعدا إلى وسط السماء كان قويا عظيما التأثير . أما إذا كان غريبا وقريبا من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة . فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان ، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي ، يكون ضعيف القوة ، ناقص التأثير ، عاجزا عن التدبير ، وذلك يدل على القدح في إلهيته ، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجبا للقدح في إلهيته ، والله أعلم .
أما المقام الثاني : وهو بيان أن كون الكوكب آفلا يمنع من ربوبيته . فلقائل أيضا أن يقول : أقصى ما في الباب أن يكون أفوله دالا على حدوثه إلا أن حدوثه لا يمنع من كونه ربا لإبراهيم ومعبودا له ، ألا ترى أن المنجمين وأصحاب الوسايط يقولون أن الإله الأكبر خلق الكواكب وأبدعها وأحدثها ، ثم أن هذه الكواكب تخلق النبات والحيوان في هذا العالم الأسفل ، فثبت أن أفول الكواكب وإن دل على حدوثها إلا أنه لا يمنع من كونها أربابا للإنسان وآلهة لهذا العالم . والجواب : لنا ههنا مقامان :
المقام الأول : أن يكون المراد من الرب والإله الموجود الذي عنده تنقطع الحاجات ، ومتى ثبت بأفول الكواكب حدوثها ، وثبت في بداهة العقول أن كل ما كان محدثا ، فإنه يكون في وجوده محتاجا إلى الغير . وجب القطع باحتياج هذه الكواكب في وجودها إلى غيرها ، ومتى ثبت هذا المعنى امتنع كونها أربابا وآلهة . بمعنى أنه تنقطع الحاجات عند وجودها ، فثبت أن كونها آفلة يوجب القدح في كونها أربابا وآلهة بهذا التفسير .
المقام الثاني : أن يكون المراد من الرب والإله . من يكون خالقا لنا وموجدا لذواتنا وصفاتنا . فنقول : أفول الكواكب يدل على كونها عاجزة عن الخلق والإيجاد وعلى أنه لا يجوز عبادتها وبيانه من وجوه : الأول : أن أفولها يدل على حدوثها . وحدوثها يدل على افتقارها إلى فاعل قديم قادر ويجب أن تكون قادرية ذلك القادر أزلية . وإلا لافتقرت قادريته إلى قادر آخر ، ولزم التسلسل وهو محال ، فثبت أن قادريته أزلية .
وإذا ثبت هذا فنقول : الشيء الذي هو مقدور له إنما صح كونه مقدورا له باعتبار إمكانه والإمكان واحد في كل الممكنات . فثبت أن ما لأجله صار بعض الممكنات مقدورا لله تعالى فهو حاصل في كل الممكنات ، فوجب في كل الممكنات أن تكون مقدروة لله تعالى .
وإذا ثبت هذا امتنع وقوع شيء من الممكنات بغيره على ما بينا صحة هذه المقامات بالدلائل اليقينة في علم الأصول .
فالحاصل أنه ثبت بالدليل أن كون الكواكب آفلة يدل على كونها محدثة ، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة ، وأيضا فكونها في نفسها محدثة يوجب القول بامتناع كونها قادرة على الإيجاد والإبداع ، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة . ودلائل القرآن إنما يذكر فيها أصول المقدمات ، فأما التفريع والتفصيل ، فذاك إنما يليق بعلم الجدل . فلما ذكر الله تعالى هاتين المقدمتين على سبيل الرمز لا جرم اكتفى بذكرهما في بيان أن الكواكب لا قدرة لها على الإيجاد والإبداع ، فلهذا السبب استدل إبراهيم عليه السلام بأفولها على امتناع كونها أربابا وآلهة لحوادث هذا العالم .

(6/350)


الوجه الثاني : أن أفول الكواكب يدل على حدوثها وحدوثها يدل على افتقارها في وجودها إلى القادر المختار ، فيكون ذلك الفاعل هو الخالق للأفلاك والكواكب ، ومن كان قادرا على خلق الكواكب والأفلاك من دون واسطة أي شيء كان فبأن يكون قادرا على خلق الإنسان أولى لأن القادر على خلق الشيء الأعظم لا بد وأن يكون قادرا على خلق الشيء الأضعف ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس } [ غافر : 57 ] وبقوله : { أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم } [ يس : 81 ] فثبت بهذا الطريق أن الإله الأكبر يجب أن يكون قادرا على خلق البشر ، وعلى تدبير العالم الأسفل بدون واسطة الأجرام الفلكية وإذا كان الأمر كذلك كان الاشتغال بعبادة الإله الأكبر أولى من الاشتغال بعبادة الشمس والنجوم والقمر .
الوجه الثالث : أنه لو صح كون بعض الكواكب موجدة وخالقة ، لبقي هذا الاحتمال في الكل وحينئذ لا يعرف الإنسان أن خالقه هذا الكوكب . أو ذلك الآخر أو مجموع الكواكب فيبقى شاكا في معرفة خالقه . أما لو عرفنا الكل وأسندنا الخلق والإيجاد والتدبير إلى خالق الكل فحينئذ يمكننا معرفة الخالق والموجد ويمكننا الاشتغال بعبادته وشكره ، فثبت بهذه الوجوه أن أفول الكواكب كما يدل على امتناع كونها قديمة فكذلك يدل على امتناع كونها آلهة لهذا العالم وأربابا للحيوان والإنسان . والله أعلم . فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل .
فإن قيل : لا شك أن تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار وليل ، وكان أفول الكواكب والقمر والشمس حاصلا في الليل السابق والنهار السابق وبهذا التقرير لا يبقى للأفول الحاصل في تلك الليلة مزيد فائدة .
والجواب أنا بينا أنه صلوات الله عليه إنما أورد هذا الدليل على الأقوام الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم إلى التوحيد . فلا يبعد أن يقال أنه عليه السلام كان جالسا مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي وزجرهم عن عبادة الكواكب فبينما هو في تقرير ذلك الكلام إذ وقع بصره على كوكب مضيء . فلما أفل قال إبراهيم عليه السلام لو كان هذا الكوكب إلها لما انتقل من الصعود إلى الأفول ومن القوة إلى الضعف . ثم في أثناء ذلك الكلام طلع القمر وأفل . فأعاد عليهم ذلك الكلام ، وكذا القول في الشمس ، فهذا جملة ما يحضرنا في تقرير دليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه .

(6/351)


المسألة السادسة : تفلسف الغزالي في بعض كتبه وحمل الكوكب على النفس الناطقة الحيوانية التي لكل كوكب ، والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك ، والشمس على العقل المجرد الذي لكل ذلك ، وكان أبو علي بن سيناء يفسر الأفول بالإمكان ، فزعم الغزالي أن المراد بأفولها إمكانها في نفسها ، وزعم أن المراد من قوله : { لا أحب الأفلين } أن هذه الأشياء بأسرها ممكنة الوجود لذواتها ، وكل ممكن فلا بد له من مؤثر ، ولا بد له من الانتهاء إلى واجب الوجود .
واعلم أن هذا الكلام لا بأس به . إلا أنه يبعد حمل لفظ الآية عليه ، ومن الناس من حمل الكوكب على الحس والقمر على الخيال والوهم ، والشمس على العقل ، والمراد أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية ، ومدبر العالم مستول عليها قاهر لها ، والله أعلم .
المسألة السابعة : دل قوله : { لا أحب الأفلين } على أحكام :
الحكم الأول
هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسما لكان غائبا عنا أبدا فكان آفلا أبدا ، وأيضا يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى ، وإلا لحصل معنى الأفول .
الحكم الثاني
هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلا للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية ، وإلا لكان متغيرا ، وحينئذ يحصل معنى الأفول ، وذلك محال .
الحكم الثالث
تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنيا على الدليل لا على التقليد ، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة ألبتة .
الحكم الرابع
تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية ، وإلا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال .
الحكم الخامس
تدل على هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته ، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة والله أعلم .
أما قوله تعالى : { فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين } .
ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : يقال : بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع ، وبزغت الشمس إذا بدأ منها طلوع . ونجوم بوازغ . قال الأزهري : كأنه مأخوذ في البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقا ، ومعنى الآية أنه اعتبر في القمر مثل ما اعتبر في الكوكب .
المسألة الثانية : دل قوله : { لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين } على أن الهداية ليست إلا من الله تعالى . ولا يمكن حمل لفظ الهداية على التمكن وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل . لأن كل ذلك كان حاصلا ، فالهداية التي كان يطلبها بعد حصول تلك الأشياء لا بد وأن تكون زائدة عليها .

(6/352)


واعلم أن كون إبراهيم عليه السلام على مذهبنا أظهر من أن يشتبه على العاقل لأنه في هذه الآية أضاف الهداية إلى الله تعالى ، وكذا في قوله : { الذى خلقنى فهو يهدين } وكذا في قوله : { واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام } .
أما قوله : { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : إنما قال في الشمس هذا مع أنها مؤنثة ، ولم يقل هذه لوجوه : أحدها : أن الشمس بمعنى الضياء والنور ، فحمل اللفظ على التأويل فذكر . وثانيها : أن الشمس لم يحصل فيها علامة التأنيث ، فلما أشبه لفظها لفظ المذكر وكان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين ، وثالثها : أراد هذا الطالع أو هذا الذي أراه ، ورابعها : المقصود منه رعاية الأدب ، وهو ترك التأنيث عند ذكر اللفظ الدال على الربوبية .
المسألة الثانية : قوله : { هذا أكبر } المراد منه أكبر الكواكب جرما وأقواها قوة ، فكان أولى بالآلهية .
فإن قيل : لما كان الأفول حاصلا في الشمس والأفول يمنع من صفة الربوبية ، وإذا ثبت امتناع صفة الربوبية للشمس كان امتناع حصولها للقمر ولسائر الكواكب أولى . وبهذا الطريق يظهر أن ذكر هذا الكلام في الشمس يغني عن ذكره في القمر والكواكب . فلم لم يقتصر على ذكر الشمس رعاية للإيجاز والاختصار؟
قلنا : إن الأخذ من الأدون فالأدون ، مترقيا إلى الأعلى فالأعلى ، له نوع تأثير في التقرير والبيان والتأكيد لا يحصل من غيره ، فكان ذكره على هذا الوجه أولى .
أما قوله : { قال يا قوم إنى برىء مما تشركون } فالمعنى أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للربوبية والإلهية ، لا جرم تبرأ من الشرك .
ولقائل أن يقول : هب أنه ثبت بالدليل أن الكواكب والشمس والقمر لا تصلح للربوبية والإلهية لكن لا يلزم من هذا القدر نفي الشريك مطلقا وإثبات التوحيد ، فلم فرع على قيام الدليل على كون هذه الكواكب غير صالحة للربوبية الجزم بإثبات التوحيد مطلقا .
والجواب : أن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشياء ليست أربابا ولا آلهة ، وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق .
أما قوله : { إنى وجهت وجهى } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : فتح الياء من { وجهى } نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ، والباقون تركوا هذا الفتح .
المسألة الثانية : هذا الكلام لا يمكن حمله على ظاهره . بل المراد وجهت عبادتي وطاعتي ، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعا لغيره منقادا لأمره ، فإنه يتوجه بوجهه إليه ، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة .

(6/353)


وأما قوله : { للذى فطر السموات والأرض } ففيه دقيقة : وهي أنه لم يقل وجهت وجهي إلى الذي فطر السموات والأرض . بل ترك هذا اللفظ وذكر قوله : { وجهت وجهى للذى } والمعنى : أن توجيه وجه القلب ليس إليه ، لأنه متعال عن الحيز والجهة ، بل توجيه وجه القلب إلى خدمته وطاعته لأجل عبوديته ، فترك كلمة «إلى» هنا والاكتفاء بحرف اللام دليل ظاهر على كون المعبود متعاليا عن الحيز والجهة ، ومعنى فطر أخرجهما إلى الوجود ، وأصله من الشق ، يقال : تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما ، وأما الحنيف فهو المائل قال أبو العالية : الحنيف الذي يستقبل البيت في صلاته ، وقيل إنه العادل عن كل معبود دون الله تعالى .

(6/354)


وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80)

اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم الحجة المذكورة ، فالقوم أوردوا عليه حججا على صحة أقوالهم ، منها أنهم تمسكوا بالتقليد كقولهم : { إنا وجدنا ءابآءنا على أمة } [ الزخرف : 23 ] وكقولهم للرسول عليه السلام : { أجعل الألهة إلها واحدا إن هذا لشىء عجاب } [ ص : 5 ] ومنها : أنهم خوفوه بأنك لما طعنت في إلهية هذه الأصنام وقعت من جهة هذه الأصنام في الآفات والبليات ، ونظيره ما حكاه الله تعالى في قصة قوم هود : { إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء } [ هود : 54 ] فذكروا هذا الجنس من الكلام مع إبراهيم عليه السلام .
فأجاب الله عن حجتهم بقوله : { قال أتحاجونى فى الله وقد هدانى } ، يعني لما ثبت بالدليل الموجب للهداية واليقين صحة قولي ، فكيف يلتفت إلى حجتكم العليلة ، وكلماتكم الباطلة .
وأجاب عن حجتهم الثانية وهي : أنهم خوفوه بالأصنام بقوله : { ولا أخاف ما تشركون به } لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ، والأصنام جمادات لا تقدر ولا قدرة لها على النفع والضر ، فكيف يحصل الخوف منها؟
فإن قيل : لا شك أن للطلسمات آثارا مخصوصة ، فلم لا يجوز أن يحصل الخوف منها من هذه الجهة؟
قلنا : الطلسم يرجع حاصله إلى تأثيرات الكواكب ، وقد دللنا على أن قوى الكواكب على التأثيرات إنما يحصل من خلق الله تعالى فيكون الرجاء والخوف في الحقيقة ليس إلا من الله تعالى .
وأما قوله : { إلا أن يشاء ربى } ففيه وجوه : أحدها : إلا أن أذنب فيشاء إنزال العقوبة بي . وثانيها : إلا أن يشاء أن يبتليني بمحن الدنيا فيقطع عني بعض عادات نعمه . وثالثها : إلا أن يشاء ربي فأخاف ما تشركون به بأن يحييها ويمكنها من ضري ونفعي ويقدرها على إيصال الخير والشر إلي ، واللفظ يحتمل كل هذه الوجوه ، وحاصل الأمر أنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل عمره شيء من المكاره ، والحمقى من الناس يحملون ذلك على أنه إنما حدث ذلك المكروه بسبب أنه طعن في إلهية الأصنام ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك حتى لو أنه حدث به شيء من المكاره لم يحمل على هذا السبب .
ثم قال عليه السلام : { وسع ربى كل شىء علما } يعني أنه علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة ، فبتقدير : أن يحدث من مكاره الدنيا فذاك ، لأنه تعالى عرف وجه الصلاح والخير فيه لا لأجل أنه عقوبة على الطعن في إلهية الأصنام .
ثم قال : { أفلا تتذكرون } والمعنى : أفلا تتذكرون أن نفي الشركاء والأضداد والأنداد عن الله تعالى لا يوجب حلول العقاب ونزول العذاب ، والسعي في إثبات التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العقاب . والله أعلم .
المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر { أتحاجونى } خفيفة النون على حذف أحد النونين والباقون على التشديد على الإدغام . وأما قوله : { وقد هدانى } قرأ نافع وابن عامر { هدانى } بإثبات الياء على الأصل والباقون بحذفها للتخفيف .

(6/355)


المسألة الثالثة : أن إبراهيم عليه السلام حاجهم في الله وهو قوله : { لا أحب الأفلين } والقوم أيضا حاجوه في الله ، وهو قوله تعالى خبرا عنهم : { وحاجه قومه قال أتحاجونى فى الله } فحصل لنا من هذه الآية أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للمدح العظيم والثناء البالغ ، وهي المحاجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام ، وذلك المدح والثناء هو قوله تعالى : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } وتارة تكون موجبة للذم وهو قوله : { قال أتحاجونى فى الله } ولا فرق بين هذين البابين إلا أن المحاجة في تقرير الدين الحق توجب أعظم أنواع المدح والثناء ، والمحاجة في تقرير الدين الباطل توجب أعظم أنواع الذم والزجر .
وإذا ثبت هذا الأصل صار هذا قانونا معتبرا ، فكل موضع جاء في القرآن والأخبار يدل على تهجين أمر المحاجة والمناظرة فهو محمول على تقرير الدين الباطل ، وكل موضع جاء يدل على مدحه فهو محمول على تقرير الدين الحق والمذهب الصدق . والله أعلم .

(6/356)


وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82)

اعلم أن هذا من بقية الجواب عن الكلام الأول ، والتقدير : وكيف أخاف الأصنام التي لا قدرة لها على النفع والضر ، وأنتم لا تخافون من الشرك الذي هو أعظم الذنوب . وقوله : { ما لم ينزل به عليكم سلطانا } فيه وجهان : الأول : أن قوله : { ما لم ينزل به عليكم سلطانا } كناية عن امتناع وجود الحجة والسلطان في مثل هذه القصة . ونظيره قوله تعالى : { ومن يدع مع الله إلها ءاخر لا برهان له به } [ المؤمنون : 117 ] والمراد منه امتناع حصول البرهان فيه ، والثاني : أنه لا يمتنع عقلا أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للدعاء والصلاة فقوله : { ما لم ينزل به سلطانا } معناه : عدم ورود الأمر به . وحاصل هذا الكلام : مالكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟ ولم يقل : فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟ احترازا من تزكية نفسه فعدل عنه إلى قوله : { فأى الفريقين } يعني فريقي المشركين والموحدين . ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله : { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } وهذا من تمام كلام إبراهيم في المحاجة ، والمعنى : أن الذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين : أولهما : الإيمان وهو كمال القوة النظرية . وثانيهما : { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } وهو كمال القوة العملية .
ثم قال : { أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } اعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية من وجه والمعتزلة يتمسكون بها من وجه آخر . أما وجه تمسك أصحابنا فهو أن نقول إنه تعالى شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم ، ولو كان ترك الظلم أحد أجزاء مسمى الإيمان لكان هذا التقييد عبثا ، فثبت أن الفاسق مؤمن وبطل به قول المعتزلة ، وأما وجه تمسك المعتزلة بها فهو أنه تعالى شرط في حصول الأمن حصول الأمرين ، الإيمان وعدم الظلم ، فوجب أن لا يحصل الأمن للفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له .
وأجاب أصحابنا عنه من وجهين :
الوجه الأول : أن قوله : { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } المراد من الظلم الشرك ، لقوله تعالى حكاية عن لقمان إذ قال لابنه : { يابنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ] فالمراد ههنا الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا لله شريكا في المعبودية .
والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد ، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات ، فوجب حمل الظلم ههنا على ذلك .
الوجه الثاني : في الجواب : أن وعيد الفاسق من أهل الصلاة يحتمل أن يعذبه الله ، ويحتمل أن يعفو عنه ، وعلى كلا التقديرين : فالأمن زائل والخوف حاصل ، فلم يلزم من عدم الأمن القطع بحصول العذاب؟ والله أعلم .

(6/357)


وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (83)

وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { وتلك } إشارة إلى كلام تقدم وفيه وجوه : الأول : أنه إشارة إلى قوله : { لا أحب الأفلين } والثاني : أنه إشارة إلى أن القوم قالوا له : أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لأجل أنك شتمتهم . فقال لهم : أفلا تخافون أنتم حيث أقدمتهم على الشرك بالله وسويتم في العبادة بين خالق العالم ومدبره وبين الخشب المنحوت والصنم المعمول؟ والثالث : أن المراد هو الكل .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وتلك } مبتدأ وقوله : { حجتنا } خبره وقوله : { ءاتيناها إبراهيم } صفة لذلك الخبر .
المسألة الثانية : قوله : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم } يدل على أن تلك الحجة إنما حصلت في عقل إبراهيم عليه السلام بإيتاء الله وبإظهاره تلك الحجة في عقله ، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى . ويتأكد هذا أيضا بقوله : { نرفع درجات من نشاء } فإن المراد أنه تعالى رفع درجات إبراهيم بسبب أنه تعالى آتاه تلك الحجة ، ولو كان حصول العلم بتلك الحجة إنما كان من قبل إبراهيم لا من قبل الله تعالى لكان إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع درجات نفسه وحينئذ كان قوله : { نرفع درجات من نشاء } باطلا . فثبت أن هذا صريح قولنا في مسألة الهدى والضلال .
المسألة الثالثة : هذه الآية من أدل الدلائل على فساد قول الحشوية في الطعن في النظر وتقرير الحجة وذكر الدليل . لأنه تعالى أثبت لإبراهيم عليه السلام حصول الرفعة والفوز بالدرجات العالية ، لأجل أنه ذكر الحجة في التوحيد وقررها وذب عنها وذلك يدل على أنه لا مرتبة بعد النبوة والرسالة أعلى وأشرف من هذه المرتبة .
المسألة الرابعة : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { درجات } بالتنوين من غير إضافة والباقون بالإضافة ، فالقراءة الأولى معناها : نرفع من نشاء درجات كثيرة ، فيكون «من» في موضع النصب . قال ابن مقسم : هذه القراءة أدل على تفضيل بعضهم على بعض في المنزلة والرفعة . وقال أبو عمرو : الإضافة تدل على الدرجة الواحدة وعلى الدرجات الكثيرة والتنوين لا يدل إلا على الدرجات الكثيرة .
المسألة الخامسة : اختلفوا في تلك الدرجات . قيل : درجات أعماله في الآخرة ، وقيل : تلك الحجج درجات رفيعة ، لأنها توجب الثواب العظيم . وقيل : نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة ، وفي الآخرة بالجنة والثواب . وقيل : نرفع درجات من نشاء بالعلم . واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن كمال السعادة في الصفات الروحانية وفي البعد عن الصفات الجسمانية .
والدليل عليه : أنه تعالى قال : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } .
ثم قال بعده : { نرفع درجات من نشاء } وذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه الرفعة هو إيتاء تلك الحجة ، وهذا يقتضي أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة وإطلاعها على إشراقها اقتضت ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني ، إلى أعالي العالم الروحاني ، وذلك يدل على أنه لا رفعة ولا سعادة إلا في الروحانيات . والله أعلم .
وأما معنى { حكيم عليم } فالمعنى أنه إنما يرفع درجات من يشاء بمقتضى الحكمة والعلم ، لا بموجب الشهوة والمجازفة . فإن أفعال الله منزهة عن العبث والفساد والباطل .

(6/358)


ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (88)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه أظهر حجة الله تعالى في التوحيد ونصرها وذب عنها عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه . فأولها : قوله : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم } والمراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها وأوقفنا عقله على حقيقتها . وذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة وهو كناية الجمع على وفق ما يقوله عظماء الملوك . فعلنا ، وقلنا ، وذكرنا . ولما ذكر نفسه تعالى ههنا باللفظ الدال على العظمة وجب أن تكون تلك العظمة عظمة كاملة رفيعة شريفة ، وذلك يدل على أن إيتاء الله تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم ، ومن أجل مراتب العطايا والمواهب . وثانيها : أنه تعالى خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة . وهي قوله : { نرفع درجات من نشاء } وثالثها : أنه جعله عزيزا في الدنيا ، وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله ، ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة ، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك ، والمقصود من هذه الآيات تعديد أنواع نعم الله على إبراهيم عليه السلام جزاء على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد ، فقال : { ووهبنا له إسحاق } لصلبه { ويعقوب } بعده من إسحق .
فإن قالوا : لم لم يذكر إسمعيل عليه السلام مع إسحق ، بل أخر ذكره عنه بدرجات؟ قلنا : لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل ، وهم بأسرهم أولاد إسحق ويعقوب . وأما إسمعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يجوز ذكر محمد عليه الصلاة والسلام في هذا المقام ، لأنه تعالى أمر محمدا عليه الصلاة والسلام أن يحتج على العرب في نفي الشرك بالله بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا ، ومن النعم العظيمة في الدنيا أن آتاه الله أولادا كانوا أنبياء وملوكا ، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد عليه الصلاة والسلام امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض ، فلهذا السبب لم يذكر إسمعيل مع إسحق .
وأما قوله : { ونوحا هدينا من قبل } فالمراد أنه سبحانه جعل إبراهيم في أشرف الأنساب ، وذلك لأنه رزقه أولادا مثل إسحق ، ويعقوب . وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما ، وأخرجه من أصلاب آباء طاهرين مثل نوح . وإدريس ، وشيث . فالمقصود بيان كرامة إبراهيم عليه السلام بحسب الأولاد وبحسب الآباء .
أما قوله : { ومن ذريته داوود وسليمان } فقيل المراد ومن ذرية نوح ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن نوحا أقرب المذكورين وعود الضمير إلى الأقرب واجب . الثاني : أنه تعالى ذكر في جملتهم لوطا وهو كان ابن أخ إبراهيم وما كان من ذريته ، بل كان من ذرية نوح عليه السلام ، وكان رسولا في زمان إبراهيم . الثالث : أن ولد الإنسان لا يقال أنه ذريته ، فعلى هذا إسمعيل عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم ، بل هو من ذرية نوح عليه السلام . الرابع : قيل إن يونس عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم عليه السلام ، وكان من ذريةنوح عليه السلام .

(6/359)


والقول الثاني : أن الضمير عائد إلى إبراهيم عليه السلام ، والتقدير : ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان . واحتج القائلون بهذا القول : بأن إبراهيم هو المقصود بالذكر في هذه الآيات وإنما ذكر الله تعالى نوحا لأن كون إبراهيم عليه السلام من أولاده أحد موجبات رفعة إبراهيم .
واعلم أنه تعالى ذكر أولا أربعة من الأنبياء ، وهم : نوح ، وإبراهيم ، وإسحق ، ويعقوب . ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر من الأنبياء : داود ، وسليمان ، وأيوب ، ويوسف ، وموسى ، وهرون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، وإسمعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوطا ، والمجموع ثمانية عشر .
فإن قيل : رعاية الترتيب واجبة ، والترتيب إما أن يعتبر بحسب الفضل والدرجة وإما أن يعتبر بحسب الزمان والمدة ، والترتيب بحسب هذين النوعين غير معتبر في هذه الآية فما السبب فيه؟
قلنا : الحق أن حرف الواو لا يوجب الترتيب ، وأحد الدلائل على صحة هذا المطلوب هذه الآية فإن حرف الواو حاصل ههنا مع أنه لا يفيد الترتيب ألبتة ، لا بحسب الشرف ولا بحسب الزمان وأقول عندي فيه وجه من وجوه الترتيب ، وذلك لأنه تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الإكرام والفضل .
فمن المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق : الملك والسلطان والقدرة ، والله تعالى قد أعطى داود وسليمان من هذا الباب نصيبا عظيما .
والمرتبة الثانية : البلاء الشديد والمحنة العظيمة ، وقد خص الله أيوب بهذه المرتبة والخاصية .
والمرتبة الثالثة : من كان مستجمعا لهاتين الحالتين ، وهو يوسف عليه السلام ، فإنه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر ، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر .
والمرتبة الرابعة : من فضائل الأنبياء عليهم السلام وخواصهم قوة المعجزات وكثرة البراهين والمهابة العظيمة والصولة الشديدة وتخصيص الله تعالى إياهم بالتقريب العظيم والتكريم التام ، وذلك كان في حق موسى وهرون .
والمرتبة الخامسة : الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا ، وترك مخالطة الخلق ، وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم من الصالحين .
والمرتبة السادسة : الأنبياء الذين لم يبق لهم فيما بين الخلق أتباع وأشياع ، وهم إسماعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوط . فإذا اعتبرنا هذا الوجه الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام بحسب هذا الوجه الذي شرحناه .
المسألة الثانية : قال تعالى : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا } اختلفوا في أنه تعالى إلى ماذا هداهم؟ وكذا الكلام في قوله : { ونوحا هدينا من قبل } وكذا قوله في آخر الآية : { ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده } .

(6/360)


قال بعض المحققين : المراد من هذه الهداية الثواب العظيم ، وهي الهداية إلى طريق الجنة ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر هذه الهداية قال بعدها : { وكذلك نجزى المحسنين } وذلك يدل على أن تلك الهداية كانت جزاء المحسنين على إحسانهم وجزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب ، فثبت أن المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الجنة . فأما الإرشاد إلى الدين وتحصيل المعرفة في قلبه ، فإنه لا يكون جزاء له على عمله ، وأيضا لا يبعد أن يقال : المراد من هذه الهداية هو الهداية إلى الدين والمعرفة ، وإنما ذلك كان جزاء على الإحسان الصادر منهم ، لأنهم اجتهدوا في طلب الحق ، فالله تعالى جازاهم على حسن طلبهم بإيصالهم إلى الحق ، كما قال : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم } [ العنكبوت : 69 ] .
والقول الثالث : أن المراد من هذه الهداية : الإرشاد إلى النبوة والرسالة ، لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك .
فإن قالوا : لو كان الأمر كذلك لكان قوله : { وكذلك نجزى المحسنين } يقتضي أن تكون الرسالة جزاء على عمل ، وذلك عندكم باطل .
قلنا : يحمل قوله : { وكذلك نجزى المحسنين } على الجزاء الذي هو الثواب والكرامة ، فيزول الإشكال . والله أعلم .
المسألة الثالثة : احتج القائلون بأن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة بقوله تعالى بعد ذكر هؤلاء عليهم السلام : { وكلا فضلنا على العالمين } وذلك لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى ، فيدخل في لفظ العالم الملائكة ، فقوله تعالى : { وكلا فضلنا على العالمين } يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين . وذلك يقتضي كونهم أفضل من الملائكة ، ومن الأحكام المستنبطة من هذه الآية : أن الأنبياء عليهم السلام يجب أن يكونوا أفضل من كل الأولياء ، لأن عموم قوله تعالى : { وكلا فضلنا على العالمين } يوجب ذلك . قال بعضهم : { وكلا فضلنا على العالمين } معناه فضلناه على عالمي زمانهم . قال القاضي : ويمكن أن يقال المراد : وكلا من الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين . ثم الكلام بعد ذلك في أن أي الأنبياء أفضل من بعض ، كلام واقع في نوع آخر لا تعلق به بالأول والله أعلم .
المسألة الرابعة : قرأ حمزة والكسائي { واللسيع } بتشديد اللام وسكون الياء ، والباقون { واليسع } بلام واحدة . قال الزجاج : يقال فيه الليسع واليسع بتشديد اللام وتخفيفها .
المسألة الخامسة : الآية تدل على أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن الله تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أنه لا ينتسب إلى إبراهيم إلا بالأم ، فكذلك الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن انتسبا إلى رسول الله بالأم وجب كونهما من ذريته ، ويقال : إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف .

(6/361)


المسألة السادسة : قوله تعالى : { ومن ءابائهم وذرياتهم وإخوانهم } يفيد أحكاما كثيرة : الأول : أنه تعالى ذكر الآباء والذريات والأخوان ، فالآباء هم الأصول ، والذريات هم الفروع ، والاخوان فروع الأصول ، وذلك يدل على أنه تعالى خص كل من تعلق بهؤلاء الأنبياء بنوع من الشرف والكرامة ، والثاني : أنه تعالى قال : { ومن ءابائهم } وكلمة «من» للتبعيض .
فإن قلنا : المراد من تلك الهداية الهداية إلى الثواب والجنة والهداية إلى الإيمان والمعرفة ، فهذه الكلمة تدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة . أما لو قلنا : المراد بهذه الهداية النبوة لم يفد ذلك . الثالث : أنا إذا فسرنا هذه الهداية بالنبوة كان / قوله : { ومن ءابائهم وذرياتهم وإخوانهم } كالدلالة على أن شرط كون الإنسان رسولا من عند الله أن يكون رجلا ، وأن المرأة لا يجوز أن تكون رسولا من عند الله تعالى ، وقوله تعالى بعد ذلك : { واجتبيناهم } يفيد النبوة ، لأن الاجتباء إذا ذكر في حق الأنبياء عليهم السلام لا يليق به إلا الحمل على النبوة والرسالة .
ثم قال تعالى : { ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده } واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الهدى هو معرفة التوحيد وتنزيه الله تعالى عن الشرك ، لأنه قال بعده : { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [ الأنعام : 88 ] وذلك يدل على أن المراد من ذلك الهدي ما يكون جاريا مجرى الأمر المضاد للشرك .
وإذا ثبت أن المراد بهذا الهدى معرفة الله بوحدانيته . ثم إنه تعالى صرح بأن ذلك الهدى من الله تعالى ، ثبت أن الإيمان لا يحصل إلا بخلق الله تعالى ، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بنفي الشرك فقال : { ولو أشركوا } والمعنى أن هؤلاء الأنبياء لو أشركوا لحبط عنهم طاعاتهم وعباداتهم . والمقصود منه تقرير التوحيد وإبطال طريقة الشرك . وأما الكلام في حقيقة الإحباط فقد ذكرناه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة . والله أعلم .

(6/362)


أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين (89)

اعلم أن قوله : { أولئك } إشارة إلى الذين مضى ذكرهم قبل ذلك وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله تعالى قبل ذلك ، ثم ذكر تعالى أنه آتاهم الكتاب والحكم والنبوة .
واعلم أن العطف يوجب المغايرة ، فهذه الألفاظ الثلاثة لا بد وأن تدل على أمور ثلاثة متغايرة .
واعلم أن الحكام على الخلق ثلاث طوائف : أحدها : الذين يحكمون على بواطن الناس وعلى أرواحهم ، وهم العلماء . وثانيها : الذين يحكمون على ظواهر الخلق ، وهم السلاطين يحكمون على الناس بالقهر والسلطنة ، وثالثها : الأنبياء ، وهم الذين أعطاهم الله تعالى من العلوم والمعارف ما لأجله بها يقدرون على التصرف في بواطن الخلق وأرواحهم ، وأيضا أعطاهم من القدرة والمكنة ما لأجله يقدرون على التصرف في ظواهر الخلق ، ولما استجمعوا هذين الوصفين لا جرم كانوا هم الحكام على الإطلاق .
إذا عرفت هذه المقدمة فقوله : { آتيناهم الكتاب } إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم العلم الكثير وقوله : { والحكم } إشارة إلى أنه تعالى جعلهم حكاما على الناس نافذي الحكم فيهم بحسب الظاهر . وقوله : { والنبوة } إشارة إلى المرتبة الثالثة ، وهي الدرجة العالية الرفيعة الشريفة التي يتفرع على حصولها حصول المرتبتين المقدمتين المذكورتين ، وللناس في هذه الألفاظ الثلاثة تفسيرات كثيرة ، والمختار عندنا ما ذكرناه .
واعلم أن قوله : { آتيناهم الكتاب } يحتمل أن يكون المراد من هذا الإيتاء الابتداء بالوحي والتنزيل عليه كما في صحف إبراهيم وتوراة موسى ، وإنجيل عيسى عليه السلام ، وقرآن محمد صلى الله عليه وسلم . ويحتمل أن يكون المراد منه أن يؤتيه الله تعالى فهما تاما لما في الكتاب وعلما محيطا بحقائقه وأسراره ، وهذا هو الأولى . لأن الأنبياء الثمانية عشر المذكورين ما أنزل الله تعالى على كل واحد منهم كتابا إلهيا على التعيين والتخصيص .
ثم قال تعالى : { فإن يكفر بها هؤلاء } والمرادفان يكفر بهذا التوحيد والطعن في الشرك كفار قريش { فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك القوم من هم؟ على وجوه ، فقيل : هم أهل المدينة وهم الأنصار ، وقيل : المهاجرون والأنصار ، وقال الحسن : هم الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم وهو اختيار الزجاج . قال الزجاج : والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } وقال أبو رجاء : يعني الملائكة وهو بعيد لأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم ، وقال مجاهد هم الفرس ، وقال ابن زيد : كل من لم يكفر فهو منهم سواء كان ملكا أو نبيا أو من الصحابة أو من التابعين .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } يدل على أنه إنما خلقهم للإيمان . وأما غيرهم فهو تعالى ما خلقهم للإيمان ، لأنه تعالى لو خلق الكل للإيمان كان البيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركا فيه بين المؤمن وغير المؤمن ، وحينئذ لا يبقى لقوله : { فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } معنى .

(6/363)


وأجاب الكعبي عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى زاد المؤمنين عند إيمانهم وبعده من ألطافه وفوائده وشريف أحكامه ما لا يحصيه إلا الله ، وذكر في الجواب وجها ثانيا ، فقال : وبتقدير : أن يسوى لكان بعضهم إذا قصر ولم ينتفع صح أن يقال بحسب الظاهر أن لم يحصل له نعم الله كالوالد الذي يسوي بين الولدين في العطية ، فإنه يصح أن يقال : إنه أعطى أحدهما دون الآخر إذا كان ذلك الآخر ضيعه وأفسده .
واعلم أن الجواب الأول ضعيف ، لأن الألطاف الداعية إلى الإيمان مشتركة فيما بين الكافر والمؤمن؛ والتخصيص عند المعتزلة غير جائز ، والثاني : أيضا فاسد . لأن الوالد لما سوى بين الولدين في العطية ، ثم إن أحدهما ضيع نصيبه ، فأي عاقل يجوز أن يقال أن الأب ما أنعم عليه ، وما أعطاه شيئا .
المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أنه تعالى سينصر نبيه ويقوي دينه ، ويجعله مستعليا على كل من عاداه ، قاهرا لكل من نازعه ، وقد وقع هذا الذي أخبر الله تعالى عنه في هذا الموضع ، فكان هذا جاريا مجرى الأخبار عن الغيب ، فيكون معجزا . والله أعلم .

(6/364)


أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين (90)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : لا شبهة في أن قوله : { أولئك الذين هدى الله } هم الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء ، ولا شك في أن قوله : { فبهداهم اقتده } أمر لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وإنما الكلام في تعيين الشيء الذي أمر الله محمدا أن يقتدي فيه بهم ، فمن الناس من قال : المراد أنه يقتدي بهم في الأمر الذي أجمعوا عليه ، وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به في الذات والصفات والأفعال وسائر العقليات ، وقال آخرون : المراد الاقتداء بهم في جميع الأخلاق الحميدة والصفات الرفيعة الكاملة من الصبر على أذى السفهاء والعفو عنهم ، وقال آخرون : المراد الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصه الدليل ، وبهذا التقدير كانت هذه الآية دليلا على أن شرع من قبلنا يلزمنا ، وقال آخرون : إنه تعالى إنما ذكر الأنبياء في الآية المتقدمة ليبين أنهم كانوا محترزين عن الشرك مجاهدين بإبطاله بدليل أنه ختم الآية بقوله : { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [ الأنعام : 88 ] ثم أكد إصرارهم على التوحيد وإنكارهم للشرك بقوله : { فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } .
ثم قال في هذه الآية : { أولئك الذين هدى الله } أي هداهم إلى إبطال الشرك وإثبات التوحيد { فبهداهم اقتده } أي اقتد بهم في نفي الشرك وإثبات التوحيد وتحمل سفاهات الجهال في هذا الباب . وقال آخرون : اللفظ مطلق فهو محمول على الكل إلا ما خصه الدليل المنفصل . قال القاضي : يبعد حمل هذه الآية على أمر الرسول بمتابعة الأنبياء عليهم السلام المتقدمين في شرائعهم لوجوه : أحدها : أن شرائعهم مختلفة متناقضة فلا يصح مع تناقضها أن يكون مأمورا بالاقتداء بهم في تلك الأحكام المتناقضة . وثانيها : أن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل .
وإذا ثبت هذا فنقول : دليل ثبات شرعهم كان مخصوصا بتلك الأوقات لا في غير تلك الأوقات . فكان الاقتداء بهم في ذلك الهدى هو أن يعلم وجوب تلك الأفعال في تلك الأوقات فقط ، وكيف يستدل بذلك على اتباعهم في شرائعهم في كل الأوقات؟ وثالثها : أن كونه عليه الصلاة والسلام متبعا لهم في شرائعهم يوجب أن يكون منصبه أقل من منصبهم وذلك باطل بالإجماع ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على وجوب الاقتداء بهم في شرائعهم .
والجواب عن الأول : أن قوله : { فبهداهم اقتده } يتناول الكل . فأما ما ذكرتم من كون بعض الأحكام متناقضة بحسب شرائعهم . فنقول : ذلك العام يجب تخصيصه في هذه الصورة فيبقى فيما عداها حجة .
وعن الثاني : أنه عليه الصلاة والسلام لو كان مأمورا بأن يستدل بالدليل الذي استدل به الأنبياء المتقدمون لم يكن ذلك متابعة ، لأن المسلمين لما استدلوا بحدوث العالم على وجود الصانع لا يقال : إنهم متبعون لليهود والنصارى في هذا الباب ، وذلك لأن المستدل بالدليل يكون أصيلا في ذلك الحكم ، ولا تعلق له بمن قبله البتة ، والاقتداء والاتباع لا يحصل إلا إذا كان فعل الأول سببا لوجوب الفعل على الثاني ، وبهذا التقرير يسقط السؤال .

(6/365)


وعن الثالث : أنه تعالى أمر الرسول بالاقتداء بجميعهم في جميع الصفات الحميدة والأخلاق الشريفة ، وذلك لا يوجب كونه أقل مرتبة منهم ، بل يوجب كونه أعلى مرتبة من الكل على ما سيجيء تقريره بعد ذلك إن شاء الله تعالى ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا .
المسألة الثانية : احتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم السلام ، وتقريره : هو أنا بينا أن خصال الكمال ، وصفات الشرف كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ، فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة ، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء ويوسف كان مستجمعا لهاتين الحالتين . وموسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية القاهرة والمعجزات الظاهرة ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، كانوا أصحاب الزهد ، وإسماعيل كان صاحب الصدق ، ويونس صاحب التضرع ، فثبت إنه تعالى إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء لأن الغالب عليه كان خصلة معينة من خصال المدح والشرف ، ثم أنه تعالى لما ذكر الكل أمر محمدا عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بهم بأسرهم ، فكان التقدير كأنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم ولما أمره الله تعالى بذلك ، امتنع أن يقال : إنه قصر في تحصيلها ، فثبت أنه حصلها ، ومتى كان الأمر كذلك ، ثبت أنه اجتمع فيه من خصال الخير ما كان متفرقا فيهم بإسرهم ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يقال : إنه أفضل منهم بكليتهم . والله أعلم .
المسألة الثالثة : قال الواحدي : قوله : { هدى الله } دليل على أنهم مخصوصون بالهدى ، لأنه لو هدى جميع المكلفين لم يكن لقوله : { أولئك الذين هدى الله } فائدة تخصيص .
المسألة الرابعة : قال الواحدي : الاقتداء في اللغة إتيان الثاني بمثل فعل الأول لأجل أنه فعله . روى اللحياني عن الكسائي أنه قال : يقال لي بك قدوة وقدوة .
المسألة الخامسة : قال الواحدي : قرأ ابن عامر { اقتده } بكسر الدال وبشم الهاء للكسر من غير بلوغ ياء ، والباقون { اقتده } ساكنة الهاء ، غير أن حمزة والكسائي يحذفانها في الوصل ويثبتانها في الوقف ، والباقون يثبتونها في الوصل والوقف .
والحاصل : أنه حصل الإجماع على إثباتها في الوقف . قال الواحدي : الوجه الإثبات في الوقف والحذف في الوصل ، لأن هذه الهاء هاء وقعت في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء ، وذلك لأن الهاء للوقف ، كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن ، فكما لا تثبت الهمزة حال الوصل ، كذلك ينبغي أن لا تثبت الهاء إلا أن هؤلاء الذين أثبتوا راموا موافقة المصحف ، فإن الهاء ثابتة في الخط فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل فأثبتوا . وأما قراءة ابن عامر : فقال أبو بكر ومجاهد : هذا غلط ، لأن هذه الهاء هاء وقف ، فلا تعرب في حال من الأحوال ، وإنما تذكر ليظهر بها حركة ما قبلها . قال أبو علي الفارسي : ليس بغلط ، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر ، والتقدير : فبهداهم اقتد الاقتداء ، فيضمر الاقتداء لدلالة الفعل عليه ، وقياسه إذا وقف أن تسكن الهاء ، لأن هاء الضمير تسكن في الوقف ، كما تقول : اشتره . والله أعلم .

(6/366)


أما قوله تعالى : { قل لا أسألكم عليه أجرا } فالمراد به أنه تعالى لما أمره بالاقتداء بهدى الأنبياء عليهم السلام المتقدمين ، وكان من جملة هداهم ترك طلب الأجر في إيصال الدين وإبلاغ الشريعة . لا جرم اقتدى بهم في ذلك ، فقال : { لا أسئلكم عليه أجرا } ولا أطلب منكم مالا ولا جعلا { إن هو } يعني القرإن { إلا ذكرى للعالمين } يريد كونه مشتملا على كل ما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم وقوله : { إن هو إلا ذكرى للعالمين } يدل على أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كل أهل الدنيا لا إلى قوم دون قوم . والله أعلم .

(6/367)


وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (91)

اعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن مدار أمر القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد . وأنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه ذكر دليل التوحيد ، وإبطال الشرك ، وقرر تعالى ذلك الدليل بالوجوه الواضحة شرع بعده في تقرير أمر النبوة ، فقال : { وما قدروا الله حق قدره } حيث أنكروا النبوة والرسالة ، فهذا بيان وجه نظم هذه الآيات وأنه في غاية الحسن . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير قوله تعالى : { ما قدروا الله حق قدره } وجوه : قال ابن عباس : ما عظموا الله حق تعظيمه . وروي عنه أيضا أنه قال معناه : ما آمنوا إن الله على كل شيء قدير . وقال أبو العالية : ما وصفوه حق صفته . وقال الأخفش : ما عرفوه حق معرفته ، وحقق الواحدي رحمه الله ذلك ، فقال يقال : قدر الشيء إذا سبره وحرره ، وأراد أن يعلم مقداره يقدره بالضم قدرا ومنه قوله عليه السلام : « وإن غم عليكم فاقدروا له » أي فاطلبوا أن تعرفوه هذا أصله في اللغة ، ثم قال يقال لمن عرف شيئا هو يقدر قدره ، وإذا لم يعرفه بصفاته أنه لا يقدر قدره ، فقوله : { وما قدروا الله حق قدره } صحيح في كل المعاني المذكورة .
المسألة الثانية : أنه تعالى لما حكى عنهم { أنهم ما قدروا الله حق قدره } بين السبب فيه ، وذلك هو قولهم ما أنزل الله علي بشر من شيء .
واعلم أن كل من أنكر النبوة والرسالة فهو في الحقيقة ما عرف الله حق معرفته ، وتقريره من وجوه : الأول : أن منكر البعثة والرسالة إما أن يقول : إنه تعالى ما كلف أحدا من الخلق تكليفا أصلا ، أو يقول : إنه تعالى كلفهم التكاليف ، والأول باطل ، لأن ذلك يقتضي أنه تعالى أباح لهم جميع المنكرات والقبائح نحو شتم الله ، ووصفه بما لا يليق به ، والاستخفاف بالأنبياء والرسل وأهل الدين ، والإعراض عن شكر النعم ، ومقابلة الإنعام بالإساءة . ومعلوم أن كل ذلك باطل . وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر والنواهي ، فههنا لا بد من مبلغ وشارع ومبين ، وما ذاك إلا الرسول .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : العقل كاف في إيجاب الواجبات واجتناب المقبحات؟
قلنا : هب أن الأمر كما قلتم . إلا أنه لا يمتنع تأكيد التعريف العقلي بالتعريفات المشروعة على ألسنة الأنبياء والرسل عليهم السلام . فثبت أن كل من منع البعثة والرسالة فقد طعن في حكمة الله تعالى . وكان ذلك جهلا بصفة الإلهية ، وحينئذ يصدق في حقه قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره } .
الوجه الثاني : في تقرير هذا المعنى أن من الناس من يقول إنه يمتنع بعثة الأنبياء والرسل ، لأنه يمتنع إظهار المعجزة على وفق دعواه تصديقا له ، والقائلون بهذا القول لهم مقامان :

(6/368)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية