صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأما قوله { جنات } فالتقدير : هو جنات ، وقرأ بعضهم { جنات } بالجر على البدل من خير ، واعلم أن قوله { جنات تجرى من تحتها الأنهار } وصف لطيب الجنة ودخل تحته جميع النعم الموجودة فيها من المطعم والمشرب والملبس والمفرش والمنظر ، وبالجملة فالجنة مشتملة على جميع المطالب ، كما قال تعالى : { فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } [ الزخرف : 71 ] .
ثم قال : { خالدين فيها } والمراد كون تلك النعم دائمة .
ثم قال : { وأزواج مطهرة ورضوان من الله } وقد ذكرنا لطائفها عند قوله تعالى في سورة البقرة : { ولهم فيها أزواج مطهرة } [ البقرة : 25 ] وتحقيق القول فيه أن النعمة وإن عظمت فلن تتكامل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل الأنس إلا بهن ، ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب ، فقال { مطهرة } ويدخل في ذلك : الطهارة من الحيض والنفاس وسائر الأحوال التي تظهر عن النساء في الدنيا مما ينفر عنه الطبع ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من الأخلاق الذميمة ومن القبح وتشويه الخلقة ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء العشرة .
ثم قال تعالى : { ورضوان من الله } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ عاصم { ورضوان } بضم الراء ، والباقون بكسرها ، أما الضم فهو لغة قيس وتميم ، وقال الفراء : يقال رضيت رضا ورضوانا ، ومثل الراضون بالكسر الحرمان والقربان وبالضم الطغيان والرجحان والكفران والشكران .
المسألة الثانية : قال المتكلمون : الثواب له ركنان أحدهما : المنفعة ، وهي التي ذكرناها ، والثاني : التعظيم ، وهو المراد بالرضوان ، وذلك لأن معرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم ، حامد لهم ، مثن عليهم ، أزيد في إيجاب السرور من تلك المنافع ، وأما الحكماء فإنهم قالوا : الجنات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية ، والرضوان فهو إشارة إلى الجنة الروحانية وأعلى المقامات إنما هو الجنة الروحانية ، وهو عبارة عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح العبد واستغراق العبد في معرفته ، ثم يصير في أول هذه المقامات راضيا عن الله تعالى ، وفي آخرها مرضيا عند الله تعالى ، والله الإشارة بقوله { راضية مرضية } [ الفجر : 28 ] ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } [ التوبة : 72 ] .
ثم قال : { والله بصير بالعباد } أي عالم بمصالحهم ، فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الآخرة ، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا .

(4/138)


الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في إعراب موضع { الذين يقولون } وجوه الأول : أنه خفض صفة للذين اتقوا ، وتقدير الآية : للذين اتقوا الذين يقولون ، ويجوز أن يكون صفة للعباد ، والتقدير : والله بصير بالعباد وأولئك هم المتقون الذين لهم عند ربهم جنات هم الذين يقولون كذا وكذا والثاني : أن يكون نصبا على المدح والثالث : أن يكون رفعا على التخصيص ، والتقدير : هم الذين يقول كذا وكذا .
المسألة الثانية : إعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا { ربنا إننا ءامنا } ثم إنهم قالوا بعد ذلك { فاغفر لنا ذنوبنا } وذلك يدل على أنهم توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة والله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم ، والثناء عليهم ، فدل هذا على أن العبد بمجرد الإيمان يستوجب الرحمة والمغفرة من الله تعالى ، فإن قالوا : الإيمان عبارة عن جميع الطاعات أبطلنا ذلك عليهم بالدلائل المذكورة في تفسير قوله { الذين يؤمنون بالغيب } وأيضا فمن أطاع الله تعالى في جميع الأمور ، وتاب عن جميع الذنوب ، كان إدخاله النار قبيحا من الله عندهم ، والقبيح هو الذي يلزم من فعله ، إما الجهل ، وإما الحاجة فهما محالان ، ومستلزم المحال محال ، فإدخال الله تعالى إياهم النار محال ، وما كان محال الوقوع عقلا كان الدعاء والتضرع في أن لا يفعله الله عبثا وقبيحا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى في آخر هذه السورة { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ءامنوا بربكم فئامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار } [ آل عمران : 193 ] .
فإن قيل : أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة حيث اتبع هذه الآية بقوله { الصابرين والصادقين } [ آل عمران : 17 ] .
قلنا : تأويل هذه الآية ما ذكرناه ، وذلك لأنه تعالى جعل مجرد الإيمان وسيلة إلى طلب المغفرة ، ثم ذكر بعدها صفات المطيعين وهي كونهم صابرين صادقين ، ولو كانت هذه الصفات شرائط لحصول هذه المغفرة لكان ذكرها قبل طلب المغفرة أولى ، فلما رتب طلب المغفرة على مجرد الإيمان ، ثم ذكر بعد ذلك هذه الصفات ، علمنا أن هذه الصفات غير معتبرة في حصول أصل المغفرة ، وإنما هي معتبرة في حصول كمال الدرجات .

(4/139)


الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : { الصابرين } قيل نصب على المدح بتقدير : أعني الصابرين ، وقيل : الصابرين في موضع جر على البدل من الذين .
المسألة الثانية : إعلم أنه تعالى ذكر ههنا صفات خمسة :
الصفة الأولى : كونهم صابرين ، والمراد كونهم صابرين في أداء الواجبات والمندوبات ، وفي ترك المحظورات وكونهم صابرين في كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد ، وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين في قلوبهم عن الله تعالى ، كما قال : { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } [ البقرة : 156 ] قال سفيان بن عيينة في قوله { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } [ السجدة : 24 ] إن هذه الآية تدل على أنهم إنما استحقوا تلك الدرجات العالية من الله تعالى بسبب الصبر ، ويروى أنه وقف رجل على الشبلي ، فقال : أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال الصبر في الله تعالى ، فقال لا ، فقال : الصبر لله تعالى فقال لا فقال : الصبر مع الله تعالى ، قال : لا . قال : فايش؟ قال : الصبر عن الله تعالى ، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف .
وقد كثر مدح الله تعالى للصابرين ، فقال : { والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس } [ البقرة : 177 ] .
الصفة الثانية : كونهم صادقين ، إعلم أن لفظ الصدق قد يجري على القول والفعل والنية ، فالصدق في القول مشهور ، وهو مجانبة الكذب والصدق في الفعل الإتيان به وترك الانصراف عنه قبل تمامه ، يقال : صدق فلان في القتال وصدق في الحملة ، ويقال في ضده : كذب في القتال ، وكذب في الحملة ، والصدق في النية إمضاء العزم والإقامة عليه حتى يبلغ الفعل .
الصفة الثالثة : كونهم قانتين ، وقد فسرناه في قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } [ البقرة : 238 ] وبالجملة فهو عبارة عن الدوام على العبادة والمواظبة عليها .
الصفة الرابعة : كونهم منفقين ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه وأهله وأقاربه وصلة رحمه وفي الزكاة والجهاد وسائر وجوه البر .
الصفة الخامسة : كونهم مستغفرين بالأسحار ، والسحر الوقت الذي قبل طلوع الفجر ، وتسحر إذا أكل في ذلك الوقت ، واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلى قبل ذلك فقوله { والمستغفرين بالأسحار } يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان وفي كمال العبودية من وجوه الأول : أن في وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل ، وبسبب طلوع نور الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء ، فهناك وقت الجود العام والفيض التام ، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير يطلع صبح العالم الصغير ، وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب والثاني : أن وقت السحر أطيب أوقات النوم ، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة ، وأقبل على العبودية ، كانت الطاعة أكمل والثالث : نقل عن ابن عباس { والمستغفرين بالأسحار } يريد المصلين صلاة الصبح .

(4/140)


المسألة الثالثة : قوله { والصابرين والصادقين } أكمل من قوله : الذين يصبرون ويصدقون ، لأن قوله { الصابرين } يدل على أن هذا المعنى عادتهم وخلقهم ، وأنهم لا ينفكون عنها .
المسألة الرابعة : اعلم أن لله تعالى على عباده أنواعا من التكليف ، والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها ، ثم إن العبد قد يلتزم من عند نفسه أنواعا أخر من الطاعات ، وإما بسبب الشروع فيه ، وكمال هذه المرتبة أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه ، وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم من غير خلل ألبتة ، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى ، لا جرم ذكر سبحانه الصابرين أولا ثم قال : { الصادقين } ثانيا ، ثم إنه تعالى ندب إلى المواظبة على هذين النوعين من الطاعة ، فقال : { والقانتين } فهذه الألفاظ الثلاثة للترغيب في المواظبة على جميع أنواع الطاعات ، ثم بعد ذلك ذكر الطاعات المعينة ، وكان أعظم الطاعات قدرا أمران أحدهما : الخدمة بالمال ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : « والشفقة على خلق الله » فذكر هنا بقوله { والمنافقين } والثانية : الخدمة بالنفس وإليه الإشارة بقوله « التعظيم لأمر الله » فذكره هنا بقوله { والمستغفرين بالأسحار } .
فإن قيل : فلم قدم ههنا ذكر المنفقين على ذكر المستغفرين ، وأخر في قوله « التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله »
قلنا : لأن هذه الآية في شرح عروج العبد من الأدنى إلى الأشرف ، فلا جرم وقع الختم بذكر المستغفرين بالأسحار ، وقوله « التعظيم لأمر الله » في شرح نزول العبد من الأشرف إلى الأدنى ، فلا جرم كان الترتيب بالعكس .
المسألة الخامسة : هذه الخمسة إشارة إلى تعديد الصفات لموصوف واحد ، فكان الواجب حذف واو العطف عنها كما في قوله { هو الله الخالق البارىء المصور } [ الحشر : 24 ] إلا أنه ذكر ههنا واو العطف وأظن - والعلم عند الله - أن كل من كان معه واحدة من هذه الخصال دخل تحت المدح العظيم واستوجب هذا الثواب الجزيل ، والله أعلم .

(4/141)


شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18)

إعلم أنه تعالى لما مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله { الذين يقولون ربنا إننا ءامنا } [ آل عمران : 16 ] أردفه بأن بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية ، فقال : { شهد الله } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إعلم أن كل ما يتوقف العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم على العلم به ، فإنه لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية أما ما يكون كذلك فإنه يجوز إثباته بالدلائل السمعية ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم ، لكن العلم بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لا يتوقف على العلم بكون الله تعالى واحدا فلا جرم يجوز إثبات كون الله تعالى واحدا بمجرد الدلائل السمعية القرآنية .
إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في قوله { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم } قولين : أحدهما : أن الشهادة من الله تعالى ، ومن الملائكة ، ومن أولي العلم بمعنى واحد الثاني : أنه ليس كذلك ، أما القول الأول فيمكن تقريره من وجهين :
الوجه الأول : أن تجعل الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم ، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله تعالى ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم ، أما من الله تعالى فقد أخبر في القرآن عن كونه واحدا لا إله معه ، وقد بينا أن التمسك بالدلالة السمعية في هذه المسألة جائز ، وأما من الملائكة وأولي العلم فكلهم أخبروا أيضا أن الله تعالى واحد لا شريك له ، فثبت على هذا التقرير أن المفهوم من الشهادة معنى واحد في حق الله ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم .
الوجه الثاني : أن نجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان ، ثم نقول : إنه تعالى أظهر ذلك وبينه بأن خلق ما يدل على ذلك ، أما الملائكة وأولوا العلم فقد أظهروا ذلك ، وبينوه بتقرير الدلائل والبراهين ، أما الملائكة فقد بينوا ذلك للرسل عليهم الصلاة والسلام ، والرسل للعلماء ، والعلماء لعامة الخلق ، فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان ، فالمفهوم الإظهار والبيان فهو مفهوم واحد في حق الله سبحانه وتعالى ، وفي حق أولي العلم ، فظهر أن المفهوم من الشهادة واحد على هذين الوجهين ، والمقصود من ذلك كأنه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم : إن وحدانية الله تعالى أمر قد ثبت بشهادة الله تعالى ، وشهادة جميع المعتبرين من خلقه ، ومثل هذا الدين المتين والمنهج القويم ، لا يضعف بخلاف بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان ، فاثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام .
القول الثاني : قول من يقول : شهادة الله تعالى على توحيده ، عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده ، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ، ولما كان كل واحد من هذين الأمرين يسمى شهادة ، لم يبعد أن يجمع بين الكل في اللفظ ، ونظيره قوله تعالى :

(4/142)


{ إن الله وملائكته يصلون على النبى ياأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } [ الأحزاب : 56 ] ومعلوم أن الصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة ، ومن الملائكة غير الصلاة من الناس ، مع أنه قد جمعهم في اللفظ .
/فإن قيل : المدعي للوحدانية هو الله ، فكيف يكون المدعي شاهدا؟ .
الجواب : من وجوه الأول : وهو أن الشاهد الحقيقي ليس إلا الله ، وذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده ، ولولا تلك الدلائل لما صحت الشهادة ، ثم بعد ذلك نصب تلك الدلائل هو الذي وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل ، ولولا تلك الدلائل التي نصبها الله تعالى وهدى إليها لعجزوا عن التوصل بها إلى معرفة التوحيد ، وإذا كان الأمر كذلك كان الشاهد على الوحدانية ليس إلا الله وحده ، ولهذا قال : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله } [ الأنعام : 19 ] .
الوجه الثاني : في الجواب أنه هو الموجود أزلا وأبدا ، وكل ما سواه فقد كان في الأزل عدما صرفا ، ونفيا محضا ، والعدم يشبه الغائب ، والموجود يشبه الحاضر ، فكل ما سواه فقد كان غائبا ، وبشهادة الحق صار شاهدا ، فكان الحق شاهدا عل الكل ، فلهذا قال : { شهد الله أنه لا إله إلا هو } .
الوجه الثالث : أن هذا وإن كان في صورة الشهادة ، إلا أنه في معنى الإقرار ، لأنه لما أخبر أنه لا إله سواه ، كان الكل عبيدا له ، والمولى الكريم لا يليق به أن لا يخل بمصالح العبيد ، فكان هذا الكلام جاريا مجرى الإقرار بأنه يجب وجوب الكريم عليه أن يصلح جهات جميع الخلق .
الوجه الرابع : في الجواب قرأ ابن عباس { شهد الله أنه لا إله إلا هو } بكسر { إنه } ثم قرأ { إن الدين عند الله الإسلام } [ آل عمران : 19 ] بفتح { أن } فعلى هذا يكون المعنى : شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ويكون قوله { أنه لا إله إلا هو } اعتراضا في الكلام ، واعلم أن الجواب لا يعتمد عليه ، لأن هذه القراءة غير مقبولة عند العلماء ، وبتقدير { أن } تكون مقبولة لكن القراءة الأولى متفق عليها ، فالإشكال الوارد عليها لا يندفع بسبب القراءة الأخرى .
المسألة الثانية : المراد من { أولى العلم } في هذه الآية الذين عرفوا وحدانيته بالدلائل القاطعة لأن الشهادة إنما تكون مقبولة ، إذا كان الإخبار مقرونا بالعلم ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : « إذا علمت مثل الشمس فاشهد » وهذا يدل على أن هذه الدرجة العالية والمرتبة الشريفة ليست إلا لعلماء الأصول .
أما قوله تعالى : { قائما بالقسط } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : { قائما بالقسط } منتصب ، وفيه وجوه :

(4/143)


الوجه الأول : نصب على الحال ، ثم فيه وجوه أحدها : التقدير : شهد الله قائما بالقسط وثانيها : يجوز أن يكون حالا من هو تقديره : لا إله إلا هو قائما بالقسط ، ويسمى هذا حالا مؤكدة كقولك : أتانا عبد الله شجاعا ، وكقولك : لا رجل إلا عبد الله شجاعا .
الوجه الثاني : أن يكون صفة المنفي ، كأنه قيل : لا إله قائما بالقسط إلا هو ، وهذا غير بعيد لأنهم يفصلون بين الصفة والموصوف .
والوجه الثالث : أن يكون نصبا على المدح .
فإن قيل : أليس من حق المدح أن يكون معرفة ، كقولك ، الحمد لله الحميد .
قلنا : وقد جاء نكرة أيضا ، وأنشد سيبويه :
ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضع مثل السعالي
المسألة الثانية : قوله { قائما بالقسط } فيه وجهان الأول : أنه حال من المؤمنين والتقدير : وأولوا العلم حال كون كل واحد منهم قائما بالقسط في أداء هذه الشهادة والثاني : وهو قول جمهور المفسرين أنه حال من { شهد الله } .
المسألة الثالثة : معنى كونه { قائما بالقسط } قائما بالعدل ، كما يقال : فلان قائم بالتدبير ، أي يجريه على الاستقامة .
واعلم أن هذا العدل منه ما هو متصل بباب الدنيا ، ومنه ما هو متصل بباب الدين ، أما المتصل بالدين ، فانظر أولا في كيفية خلقة أعضاء الإنسان ، حتى تعرف عدل الله تعالى فيها ، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح ، والغنى والفقر والصحة والسقم ، وطول العمر وقصره واللذة والآلام واقطع بأن كل ذلك عدل من الله وحكمة وصواب ثم انظر في كيفية خلقة العناصر وأجرام الأفلاك ، وتقدير كل واحد منها بقدر معين وخاصية معينة ، واقطع بأن كل ذلك حكمة وصواب ، أما ما يتصل بأمر الدين ، فانظر إلى اختلاف الخلق في العلم والجهل ، والفطانة والبلادة والهداية والغواية ، واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط ، ولقد خاض صاحب «الكشاف» ههنا في التعصب للاعتزال وزعم أن الآية دالة على أن الإسلام هو العدل والتوحيد ، وكان ذلك المسكين بعيدا عن معرفة هذه الأشياء إلا أنه فضولي كثير الخوض فيما لا يعرف ، وزعم أن الآية دلت على أن من أجاز الرؤية ، أو ذهب إلى الجبر لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام ، والعجب أن أكابر المعتزلة وعظماءهم أفنوا أعمارهم في طلب الدليل على أنه لو كان مرئيا لكان جسما ، وما وجدوا فيه سوى الرجوع إلى الشاهد من غير جامع عقلي قاطع ، فهذا المسكين الذي ما شم رائحة العلم من أين وجد ذلك ، وأما حديث الجبر فالخوض فيه من ذلك المسكين خوض فيما لا يعنيه ، لأنه لما اعترف بأن الله تعالى عالم بجميع الجزئيات ، واعترف بأن العبد لا يمكنه أن يقلب علم الله جهلا ، فقد اعترف بهذا الجبر ، فمن أين هو والخوض في أمثال هذه المباحث .
ثم قال الله تعالى : { لا إله إلا هو } والفائدة في إعادته وجوه الأول : أن تقدير الآية : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو ، ونظيره قول من يقول : الدليل دل على وحدانية الله تعالى ، ومتى كان كذلك صح القول بوحدانية الله تعالى الثاني : أنه تعالى لما أخبر أن الله شهد أنه لا إله إلا هو وشهدت الملائكة وأولوا العلم بذلك صار التقدير ، كأنه قال : يا أمة محمد فقولوا أنتم على وفق شهادة الله وشهادة الملائكة وأولي العلم لا إله إلا هو فكان الغرض من الإعادة الأمر بذكر هذه الكلمة على وفق تلك الشهادات الثالث : فائدة هذا التكرير الإعلام بأن المسلم يجب أن يكون أبدا في تكرير هذه الكلمة فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة ، فإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلا بذكرها وبتكريرها كان مشتغلا بأعظم أنواع العبادات ، فكان الغرض من التكرير في هذه الآية حث العباد على تكريرها الرابع : ذكر قوله { لا إله إلا هو } أولا : ليعلم أنه لا تحق العبادة إلا لله تعالى ، وذكرها ثانيا : ليعلم أنه القائم بالقسط لا يجور ولا يظلم .

(4/144)


أما قوله { العزيز الحكيم } فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة ، والحكيم إشارة إلى كمال العلم ، وهما الصفتان اللتان يمتنع حصول الإلهية إلا معهما لأن كونه قائما بالقسط لا يتم إلا إذا كان عالما بمقادير الحاجات ، وكان قادرا على تحصيل المهمات ، وقدم العزيز على الحكيم في الذكر ، لأن العلم بكونه تعالى قادرا متقدم على العلم بكونه عالما في طريق المعرفة الإستدلالية ، فلما كان مقدما في المعرفة الإستدلالية ، وكان هذا الخطاب مع المستدلين ، لا جرم قدم تعالى ذكر العزيز على الحكيم .

(4/145)


إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اتفق القراء على كسر { أن } إلا الكسائي فإنه فتح { أن } وقراءة الجمهور ظاهرة ، لأن الكلام الذي قبله قد تم ، وأما قراءة الكسائي فالنحويون ذكروا فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن التقدير : شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام وذلك لأن كونه تعالى واحدا موجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام لأن دين الإسلام هو المشتمل على هذه الوحدانية والثاني : أن التقدير : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، وأن الدين عند الله الإسلام الثالث : وهو قول البصريين أن يجعل الثاني بدلا من الأول ، ثم إن قلنا بأن دين الإسلام مشتمل على التوحيد نفسه كان هذا من باب قولك : ضربت زيدا نفسه ، وإن قلنا : دين الإسلام مشتمل على التوحيد كان هذا من باب بدل الاشتمال ، كقولك : ضربت زيدا رأسه .
فإن قيل : فعلى هذا الوجه وجب أن لا يحسب إعادة اسم الله تعالى كما يقال : ضربت زيدا رأس زيد .
قلنا : قد يظهرون الاسم في موضع الكناية ، قال الشاعر :
لا أرى الموت يسبق الموت شي ... وأمثاله كثيرة .
المسألة الثانية : في كيفية النظم من قرأ { أن الدين } بفتح { أن } كان التقدير : شهد الله لأجل أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام ، فإن الإسلام إذا كان هو الدين المشتمل على التوحيد ، والله تعالى شهد بهذه الوحدانية كان اللازم من ذلك أن يكون الدين عند الله الإسلام ، ومن قرأ { إن الدين } بكسر الهمزة ، فوجه الاتصال هو أنه تعالى بين أن التوحيد أمر شهد الله بصحته ، وشهد به الملائكة وأولوا العلم ، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يقال { إن الدين عند الله الإسلام } .
المسألة الثالثة : أصل الدين في اللغة الجزاء ، ثم الطاعة تسمى دينا لأنها سبب الجزاء ، وأما الإسلام ففي معناه في أصل اللغة أوجه الأول : أنه عبارة عن الدخول في الإسلام أي في الانقياد والمتابعة ، قال تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام } [ النساء : 94 ] أي لمن صار منقادا لكم ومتابعا لكم والثاني : من أسلم أي دخل في السلم ، كقولهم : أسنى وأقحط وأصل السلم السلامة الثالث : قال ابن الأنباري : المسلم معناه المخلص لله عبادته من قولهم : سلم الشيء لفلان ، أي خلص له فالإسلام معناه إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى ، هذا ما يتعلق بتفسير لفظ الإسلام في أصل اللغة ، أما في عرف الشرع فالإسلام هو الإيمان ، والدليل عليه وجهان الأول : هذه الآية فإن قوله { إن الدين عند الله الإسلام } يقتضي أن يكون الدين المقبول عند الله ليس إلا الإسلام ، فلو كان الإيمان غير الإسلام وجب أن لا يكون الإيمان دينا مقبولا عند الله ، ولا شك في أنه باطل الثاني : قوله تعالى :

(4/146)


{ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } [ آل عمران : 85 ] فلو كان الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون الإيمان دينا مقبولا عند الله تعالى .
فإن قيل : قوله تعالى : { قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } [ الحجرات : 14 ] هذا صريح في أن الإسلام مغاير للإيمان .
قلنا : الإسلام عبارة عن الانقياد في أصل اللغة على ما بينا ، والمنافقون انقادوا في الظاهر من خوف السيف ، فلا جرم كان الإسلام حاصلا في حكم الظاهر ، والإيمان كان أيضا حاصلا في حكم الظاهر ، لأنه تعالى قال : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [ البقرة : 221 ] والإيمان الذي يمكن إدارة الحكم عليه هو الإقرار الظاهر ، فعلى هذا الإسلام والإيمان تارة يعتبران في الظاهر ، وتارة في الحقيقة ، والمنافق حصل له الإسلام الظاهر ، ولم يحصل له الإسلام الباطن ، لأن باطنه غير منقاد لدين الله ، فكان تقدير الآية : لم تسلموا في القلب والباطن ، ولكن قولوا : أسلمنا في الظاهر ، والله أعلم .
أما قوله تعالى : { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } فيه مسائل :
المسألة الأولى : الغرض من الآية بيان إن الله تعالى أوضح الدلائل ، وأزال الشبهات والقوم ما كفروا إلا لأجل التقصير ، فقوله { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } فيه وجوه : الأول : المراد بهم اليهود ، واختلافهم أن موسى عليه السلام لما قربت وفاته سلم التوراة إلى سبعين حبرا ، وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع ، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين من بعد ما جاءهم العلم في التوراة بغيا بينهم ، وتحاسدوا في طلب الدنيا والثاني : المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى عليه السلام بعد ما جاءهم العلم بأنه عبد الله ورسوله والثالث : المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : نحن أحق بالنبوة من قريش ، لأنهم أميون ونحن أهل الكتاب .
المسألة الثانية : قوله { إلا من بعد ما جاءهم العلم } المراد منه إلا من بعد ما جاءتهم الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم ، لأنا لو حملناه على العلم لصاروا معاندين والعناد على الجمع العظيم لا يصح ، وهذه الآية وردت في كل أهل الكتاب وهم جمع عظيم .
المسألة الثالثة : في انتصاب قوله { بغيا } وجهان الأول : قول الأخفش إنه انتصب على أنه مفعول له أي للبغي كقولك : جئتك طلب الخير ومنع الشر والثاني : قول الزجاج إنه انتصب على المصدر من طريق المعنى ، فإن قوله { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } قائم مقام قوله : وما بغى الذين أوتوا الكتاب فجعل { بغيا } مصدرا ، والفرق بين المفعول له وبين المصدر أن المفعول له غرض للفعل ، وأما المصدر فهو المفعول المطلق الذي أحدثه الفاعل .

(4/147)


المسألة الرابعة : قال الأخفش قوله { بغيا بينهم } من صلة قوله { اختلف } والمعنى : وما اختلفوا بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ، وقال غيره : المعنى وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم إلا للبغي بينهم ، فيكون هذا إخبارا عن أنهم إنما اختلفوا للبغي ، وقال القفال : وهذا أجود من الأول ، لأن الأول : يوهم أنهم اختلفوا بسبب ما جاءهم من العلم ، والثاني : يفيد أنهم إنما اختلفوا لأجل الحسد والبغي .
ثم قال تعالى : { ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } وهذا تهديد ، وفيه وجهان : الأول : المعنى فإنه سيصير إلى الله تعالى سريعا فيحاسبه أي يجزيه على كفره والثاني : أن الله تعالى سيعلمه بأعماله ومعاصيه وأنواع كفره بإحصاء سريع مع كثرة الأعمال .

(4/148)


فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد (20)

إعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل أن أهل الكتاب اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ، وأنهم أصروا على الكفر مع ذلك بين الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم ما يقوله في محاجتهم ، فقال : { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن } وفي كيفية إيراد هذا الكلام طريقان :
الطريق الأول : أن هذا إعراض عن المحاجة ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مرارا وأطوارا ، فإن هذه السورة مدنية ، وكان قد أظهر لهم المعجزات بالقرآن ، ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها ، وأيضا قد ذكر قبل هذه الآية آيات دالة على صحة دينه ، فأولها : أنه تعالى ذكر الحجة بقوله { الحى القيوم } على فساد قول النصارى في إلهية عيسى عليه السلام وبقوله { نزل عليك الكتاب بالحق } [ آل عمران : 3 ] على صحة النبوة ، وذكر شبه القوم ، وأجاب عنها بأسرها على ما قررناه فيما تقدم ، ثم ذكر لهم معجزة أخرى ، وهي المعجزات التي شاهدوها يوم بدر على ما بيناه في تفسير قوله تعالى : { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا } [ آل عمران : 13 ] ثم بين صحة القول بالتوحيد ، ونفى الضد والند والصاحبة والولد بقوله { شهد الله أنه لا إله إلا هو } [ آل عمران : 18 ] ثم بين تعالى أن ذهاب هؤلاء اليهود والنصارى عن الحق ، واختلافهم في الدين ، إنما كان لأجل البغي والحسد ، وذلك ما يحملهم على الانقياد للحق والتأمل في الدلائل لو كانوا مخلصين ، فظهر أنه لم يبق من أسباب إقامة الحجة على فرق الكفار شيء إلا وقد حصل ، فبعد هذا قال : { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن } يعني إنا بالغنا في تقرير الدلائل ، وإيضاح البينات ، فإن تركتم الأنف والحسد ، وتمسكتم بها كنتم أنتم المهتدين ، وإن أعرضتم فإن الله تعالى من وراء مجازاتكم ، وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام ، فإن المحق إذا ابتلى بالمبطل اللجوج ، وأورد عليه الحجة حالا بعد حال ، فقد يقول في آخر الأمر : أما أنا ومن اتبعني فمنقادون للحق ، مستسلمون له ، مقبلون على عبودية الله تعالى ، فإن وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد هذه الدلائل التي ذكرتها فقد اهتديتم ، وإن أعرضتم فإن الله بالمرصاد ، فهذا الطريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه .
الطريق الثاني : وهو أن نقول : إن قوله { أسلمت وجهى لله } محاجة ، وإظهار للدليل ، وبيانه من وجوه :
الوجه الأول : أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع ، وكونه مستحقا للعبادة ، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم : هذا متفق عليه بين الكل فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه وداع للخلق إليه ، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك وأنتم المدعون فعليكم الاثبات ، فإن اليهود يدعون التشبيه والجسمية ، والنصارى يدعون إلهية عيسى ، والمشركين يدعون وجوب عبادة الأوثان فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ، وأما أنا فلا أدعي إلا وجوب طااعة الله تعالى وعبوديته ، وهذا القدر متفق عليه ، ونظيره هذه الآية قوله تعالى :

(4/149)


{ ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } [ آل عمران : 64 ] .
والوجه الثاني : في كيفية الاستدلال ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ، والإقرار بأنه كان محقا في قوله صادقا في دينه ، إلا في زيادات من الشرائع والأحكام ، فأمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته فقال : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } [ النحل : 123 ] ثم إنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال : { إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض } [ الأنعام : 79 ] فقول محمد صلى الله عليه وسلم : { أسلمت وجهى } كقول إبراهيم عليه السلام { وجهت وجهى } أي اعترضت عن كل معبود سوى الله تعالى ، وقصدته بالعبادة وأخلصت له ، فتقدير الآية كأنه تعالى قال : فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل : أنا مستمسك بطريقة إبراهيم ، وأنتم معترفون بأن طريقته حقة ، بعيدة عن كل شبهة وتهمة ، فكان هذا من باب التمسك بالإلزامات ، وداخلا تحت قوله { وجادلهم بالتى هى أحسن } [ النحل : 125 ] .
والوجه الثالث : في كيفية الاستدلال ما خطر ببالي عند كتبة هذا الموضع ، وهو أنه ادعى قبل هذه الآية أن الدين عند الله الإسلام لا غير ، ثم قال : { فإن حاجوك } يعني فإن نازعوك في قولك { إن الدين عند الله الإسلام } [ آل عمران : 19 ] فقل : الدليل عليه أني أسلمت وجهي لله ، وذلك لأن المقصود من الدين إنما هو الوفاء بلوازم الربوبية ، فإذا أسلمت وجهي لله فلا أعبد غيره ولا أتوقع الخير إلا منه ولا أخاف إلا من قهره وسطوته ، ولا أشرك به غيره ، كان هذا هو تمام الوفاء بلوازم الربوبية والعبودية ، فصح أن الدين الكامل هو الإسلام ، وهذا الوجه يناسب الآية .
الوجه الرابع : في كيفية الاستدلال ، ما خطر ببالي أن هذه الآية مناسبة لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } [ مريم : 42 ] يعني لا تجوز العبادة إلا لمن يكون نافعا ضارا ، ويكون أمري في يديه ، وحكمي في قبضة قدرته ، فإن كان كل واحد يعلم أن عيسى ما كان قادرا على هذه الأشياء امتنع في العقل أن أسلم له ، وأن انقاد له ، وإنما أسلم وجهي للذي منه الخير ، والشر ، والنفع ، والضر ، والتدبير ، والتقدير .

(4/150)


الوجه الخامس : يحتمل أيضا أن يكون هذا الكلام إشارة إلى طريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } [ البقرة : 131 ] وهذا مروي عن ابن عباس .
أما قوله { أسلمت وجهى لله } ففيه وجوه الأول : قال الفراء أسلمت وجهي لله ، أي أخلصت عملي لله يقال أسلمت الشيء لفلان أي أخلصته له ، ولم يشاركه غيره قال : ويعني بالوجه ههنا العمل كقوله { يريدون وجهه } [ الكهف : 28 ] أي عبادته ، ويقال : هذا وجه الأمر أي خالص الأمر وإذا قصد الرجل غيره لحاجة يقول : وجهت وجهي إليك ، ويقال للمنهمك في الشيء الذي لا يرجع عنه : مر على وجهه الثاني : أسلمت وجهي لله أي أسلمت وجه عملي لله ، والمعنى أن كل ما يصدر مني من الأعمال فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله تعالى والانقياد لإلهيته وحكمه الثالث : أسلمت وجهي لله أي أسلمت نفسي لله وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس لله فيصير كأنه موقوف على عبادته ، عادل عن كل ما سواه .
وأما قوله { ومن اتبعن } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : حذف عاصم وحمزة والكسائي ، الياء من اتبعن اجتزاء بالكسر واتباعا للمصحف ، وأثبته الآخرون على الأصل :
المسألة الثانية : { من } في محل الرفع عطفا على التاء في قوله { أسلمت } أي ومعنى اتبعني أسلم أيضا .
فإن قيل : لم قال أسلمت ومن اتبعن ، ولم يقل : أسلمت أنا ومن اتبعن .
قلنا : إن الكلام طال بقوله { وجهى لله } فصار عوضا من تأكيد الضمير المتصل ، ولو قيل أسلمت وزيد لم يحسن حتى يقال : أسلمت أنا وزيد ولو قال أسلمت اليوم بانشراح صدر ، ومن جاء معي جاز وحسن .
ثم قال تعالى : { وقل للذين أوتوا الكتاب والاميين ءأسلمتم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : هذه الآية متناولة لجميع المخالفين لدين محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأن منهم من كان من أهل الكتاب ، سواء كان محقا في تلك الدعوى كاليهود والنصارى ، أو كان كاذبا فيه كالمجوس ، ومنهم من لم يكن من أهل الكتاب وهم عبدة الأوثان .
المسألة الثانية : إنما وصف مشركي العرب بأنهم أميون لوجهين الأول : أنهم لما لم يدعوا الكتاب الإلهي وصفوا بأنهم أميون تشبيها بمن لا يقرأ ولا يكتب والثاني : أن يكون المراد أنهم ليسوا من أهل القراءة والكتابة فهذه كانت صفة عامتهم وإن كان فيهم من يكتب فنادر من بينهم والله أعلم .
المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن المراد بقوله { فان حاجوك } عام في كل الكفار ، لأنه دخل كل من يدعي الكتاب تحت قوله { الذين أوتوا الكتاب } ودخل من لا كتاب له تحت قوله { الأميين } .
ثم قال الله تعالى { ءأسلمتم } فهو استفهام في معرض التقرير ، والمقصود منه الأمر قال النحويون : إنما جاء بالأمر في صورة الاستفهام ، لأنه بمنزلته في طلب الفعل والاستدعاء إليه إلا أن في التعبير عن معنى الأمر بلفظ الاستفهام فائدة زائدة ، وهي التعبير بكون المخاطب معاندا بعيدا عن الانصاف ، لأن المنصف إذا ظهرت له الحجة لم يتوقف بل في الحال يقبل ونظيره قولك لمن لخصت له المسألة في غاية التلخيص والكشف والبيان؛ هل فهمتها؟ فإن فيه الإشارة إلى كون المخاطب بليدا قليل الفهم ، وقال الله تعالى في آية الخمر

(4/151)


{ فهل أنتم منتهون } [ المائدة : 91 ] وفيه إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه .
ثم قال الله تعالى : { فإن أسلموا فقد اهتدوا } وذلك لأن هذا الإسلام تمسك بما هدي إليه ، والمتمسك بهداية الله تعالى يكون مهتديا ، ويحتمل أن يريد : فقد اهتدوا للفوز والنجاة في الآخرة إن ثبتوا عليه ثم قال : { وإن تولوا } عن الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم : { فإنما عليك البلاغ } والغرض منه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتعريفه أن الذي عليه ليس إلا إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإذا بلغ ما جاء به فقد أدى ما عليه ، وليس عليه قبولهم ثم قال : { والله بصير بالعباد } وذلك يفيد الوعد والوعيد ، وهو ظاهر .

(4/152)


إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22)

إعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يعرض ويتولى بقوله { وإن تولوا فإنما عليك البلاغ } أردفه بصفة هذا المتولي فذكر ثلاثة أنواع من الصفات :
الصفة الأولى : قوله { إن الذين يكفرون بآيات الله } .
فإن قيل : ظاهر الآية يقتضي كونهم كافرين بجميع آيات الله واليهود والنصارى ما كانوا كذلك لأنهم كانوا مقرين بالصانع وعلمه وقدرته والمعاد .
قلنا : الجواب من وجهين الأول : أن نصرف آيات الله إلى المعهود السابق وهو القرآن ، ومحمد صلى الله عليه وسلم الثاني : أن نحمله على العموم ، ونقول إن من كذب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يكذب بجميع آيات الله تعالى لأن من تناقض لا يكون مؤمنا بشيء من الآيات إذ لو كان مؤمنا بشيء منها لآمن بالجميع .
الصفة الثانية : قوله تعالى : { ويقتلون النبيين بغير حق } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ الحسن { ويقتلون النبيين بغير حق } وهو للمبالغة .
المسألة الثانية : روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال : « رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وقرأ هذه الآية ثم قال : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة رجل وإثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل ، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله تعالى ، وأيضا القوم قتلوا يحيى بن ذكريا ، وزعموا أنهم قتلوا عيسى بن مريم فعلى قولهم ثبت أنهم كانوا يقتلون الأنبياء . » وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : إذا كان قوله { إن الذين يكفرون بآيات الله } في حكم المستقبل ، لأنه وعيد لمن كان في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط فكيف يصح ذلك؟ .
والجواب من وجهين الأول : أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت هذه الإضافة إليهم ، إذ كانوا مصوبين وبطريقتهم راضين ، فإن صنع الأب قد يضاف إلى الابن إذا كان راضيا به وجاريا على طريقته الثاني : إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل والمؤمنين إلا أنه تعالى عصمه منهم ، فلما كانوا في غاية الرغبة في ذلك صح إطلاق هذا الاسم عليهم على سبيل المجاز ، كما يقال : النار محرقة ، والسم قاتل ، أي ذلك من شأنهما إذا وجد القابل ، فكذا ههنا لا يصح أن يكون إلا كذلك .
السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله { ويقتلون النبيين بغير حق } وقتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك .

(4/153)


والجواب : ذكرنا وجوه ذلك في سورة البقرة ، والمراد منه شرح عظم ذنبهم ، وأيضا يجوز أن يكون المراد أنهم قصدوا بطريقة الظلم في قتلهم طريقة العدل .
السؤال الثالث : قوله { ويقتلون النبيين } ظاهره مشعر بأنهم قتلوا الكل ، ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل ولا الأكثر ولا النصف .
والجواب : الألف واللام محمولان على المعهود لا على الاستغراق .
الصفة الثالثة : قوله { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة وحده { ويقاتلون } بالألف والباقون { ويقتلون } وهما سواء ، لأنهم قد يقاتلون فيقتلون بالقتال ، وقد يقتلون ابتداء من غير قتال وقرأ أبي { ويقتلون النبيين والذين يأمرون } .
المسألة الثانية : قال الحسن : هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف ، تلي منزلته في العظم منزلة الأنبياء ، وروي أن رجلا قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أي الجهاد أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر » .
واعلم أنه تعالى كما وصفهم بهذه الصفات الثلاثة ، فقد ذكر وعيدهم من ثلاثة أوجه الأول : قوله { فبشرهم بعذاب أليم } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : إنما دخلت الفاء في قوله { فبشرهم } مع أنه خبران ، لأنه في معنى الجزاء والتقدير : من يكفر فبشرهم .
المسألة الثانية : هذا محمول على الاستعارة ، وهو أن إنذار هؤلاء بالعذاب قائم مقام بشرى المحسنين بالنعيم ، والكلام في حقيقة البشارة تقدم في قوله تعالى : { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } [ البقرة : 25 ] .
النوع الثاني من الوعيد : قوله { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والأخرة } .
إعلم أنه تعالى بين بهذا أن محاسن أعمال الكفار محبطة في الدنيا والآخرة ، أما الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن ، ويدخل فيه ما ينزل بهم من القتل والسبي ، وأخذ الأموال منهم غنيمة والاسترقاق لهم إلى غير ذلك من الذل الظاهر فيهم ، وأما حبوطها في الآخرة فبإزالة الثواب إلى العقاب .
النوع الثالث من وعيدهم : قوله تعالى : { وما لهم من ناصرين } .
إعلم أنه تعالى بين بالنوع الأول من الوعيد اجتماع أسباب الآلام والمكروهات في حقهم وبين بالنوع الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وبين بهذا الوجه الثالث لزوم ذلك في حقهم على وجه لا يكون لهم ناصر ولا دافع والله أعلم .

(4/154)


ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (25)

إعلم أنه تعالى لما نبه على عناد القوم بقوله { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله } [ آل عمران : 20 ] بين في هذه الآية غاية عنادهم ، وهو أنهم يدعون إلى الكتاب الذي يزعمون أنهم يؤمنون به ، وهو التوراة ثم إنهم يتمردون ، ويتولون ، وذلك يدل على غاية عنادهم ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر قوله { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } يتناول كلهم ، ولا شك أن هذا مذكور في معرض الذم ، إلا أنه قد دل دليل آخر ، على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك لأنه تعالى يقول { من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ءايات الله ءاناء اليل وهم يسجدون } [ آل عمران : 113 ] .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { أوتوا نصيبا من الكتاب } المراد به غير القرآن لأنه أضاف الكتاب إلى الكفار ، وهم اليهود والنصارى ، وإذا كان كذلك وجب حمله على الكتاب الذي كانوا مقرين بأنه حق ، ومن عند الله .
المسألة الثالثة : ذكروا في سبب النزول وجوها أحدها : روي عن ابن عباس أن رجلا وامرأة من اليهود زنيا ، وكانا ذوي شرف ، وكان في كتابهم الرجم ، فكرهوا رجمهما لشرفهما ، فرجعوا في أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم فحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرجم فأنكروا ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : « بيني وبينكم التوراة فإن فيها الرجم فمن أعلمكم؟ » قالوا : عبد الله بن صوريا الفدكي فأتوا به وأحضروا التوراة ، فلما أتى على آية الرجم وضع يده عليها ، فقال ابن سلام : قد جاوز موضعها يا رسول الله فرفع كفه عنها فوجدوا آية الرجم ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما فرجما ، فغضبت اليهود لعنهم الله لذلك غضبا شديدا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
والرواية الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم دخل مدرسة اليهود ، وكان فيها جماعة منهم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا : على أي دين أنت؟ فقال : على ملة إبراهيم ، فقالوا : إن إبراهيم كان يهوديا فقال صلى الله عليه وسلم : « هلموا إلى التوراة ، » فأبوا ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية .
والرواية الثالثة : أن علامات بعثة محمد صلى الله عليه وسلم مذكورة في التوراة ، والدلائل الدالة على صحة نبوته موجودة فيها ، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوراة ، وإلى تلك الآيات الدالة على نبوته فأبوا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى أنهم إذا أبوا أن يجيبوا إلى التحاكم إلى كتابهم ، فلا تعجب من مخالفتهم كتابك فلذلك قال الله تعالى : { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } [ آل عمران : 93 ] وهذه الآية على هذه الرواية دلت على أنه وجد في التوراة دلائل صحة نبوته ، إذ لو علموا أنه ليس في التوراة ما يدل على صحة نبوته لسارعوا إلى بيان ما فيها ولكنهم أسروا ذلك .

(4/155)


والرواية الرابعة : أن هذا الحكم عام في اليهود والنصارى ، وذلك لأن دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في التوراة والإنجيل ، وكانوا يدعون إلى حكم التوراة والإنجيل وكانوا يأبون .
أما قوله { نصيبا من الكتاب } فالمراد منه نصيبا من علم الكتاب ، لأنا لو أجريناه على ظاهره فهم أنهم قد أوتوا كل الكتاب والمراد بذلك العلماء منهم وهم الذين يدعون إلى الكتاب ، لأن من لا علم له بذلك لا يدعي إليه .
أما قوله تعالى : { يدعون إلى كتاب الله } ففيه قولان :
القول الأول : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما والحسن أنه القرآن .
فإن قيل : كيف دعوا إلى حكم كتاب لا يؤمنون به؟ .
قلنا : إنهم إنما دعوا إليه بعد قيام الحجج الدالة على أنه كتاب من عند الله .
والقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين : إنه التوراة واحتج القائلون به بوجوه الأول : أن الروايات المذكورة في سبب النزول دالة على أن القوم كانوا يدعون إلى التوراة فكانوا يأبون والثاني : أنه تعالى عجب رسوله صلى الله عليه وسلم من تمردهم وإعراضهم ، والتعجب إنما يحصل إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون في صحته ، ويقرون بحقيته الثالث : أن هذا هو المناسب لما قبل الآية ، وذلك لأنه تعالى لما بين أنه ليس عليه إلا البلاغ ، وصبره على ما قالوه في تكذيبه مع ظهور الحجة بين أنهم إنما استعملوا طريق المكابرة في نفس كتابهم الذي أقروا بصحته فستروا ما فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على أنهم في غاية التعصب والبعد عن قبول الحق .
وأما قوله { ليحكم بينهم } فالمعنى : ليحكم الكتاب بينهم ، وإضافة الحكم إلى الكتاب مجاز مشهور ، وقرىء { ليحكم } على البناء للمفعول ، قال صاحب «الكشاف» : وقوله { ليحكم بينهم } يقتضي أن يكون الاختلاف واقعا فيما بينهم ، لا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بين الله أنهم عند الدعاء يتولى فريق منهم وهم الرؤساء الذين يزعمون أنهم هم العلماء .
ثم قال : { وهم معرضون } وفيه وجهان :
الأول : المتولون هم الرؤساء والعلماء والمعرضون الباقون منهم ، كأنه قيل : ثم يتولى العلماء والأتباع معرضون عن القبول من النبي صلى الله عليه وسلم لأجل تولي علمائهم .
والثاني : أن المتولي والمعرض هو ذلك الفريق ، والمعنى أنه متولي عن استماع الحجة في ذلك المقام ومعرض عن استماع سائر الحجج في سائر المسائل والمطالب ، كأنه قيل : لا تظن أنه تولى عن هذه المسألة بل هو معرض عن الكل .
وأما قوله تعالى : { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات }

(4/156)


[ آل عمران : 24 ] فالكلام في تفسيره قد تقدم في سورة البقرة ، ووجه النظم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى { ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } قال في هذه الآية : ذلك التولي والإعراض إنما حصل بسبب أنهم قالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ، قال الجبائي : وفيها دلالة على بطلان قول من يقول : إن أهل النار يخرجون من النار ، قال : لأنه لو صح ذلك في هذه الأمة لصح في سائر الأمم ، ولو ثبت ذلك في سائر الأمم لما كان المخبر بذلك كاذبا ، ولما استحق الذم ، فلما ذكر الله تعالى ذلك في معرض الذم علمنا أن القول بخروج أهل النار قول باطل .
وأقول : كان من حقه أن لا يذكر مثل هذا الكلام ، وذلك لأن مذهبه أن العفو حسن جائز من الله تعالى ، وإذا كان كذلك لم يلزم من حصول العفو في هذه الأمة حصوله في سائر الأمم .
سلمنا أنه يلزم ذلك ، لكن لم قلتم : إن القوم إنما استحقوا الذم على مجرد الإخبار بأن الفاسق يخرج من النار بل ههنا وجوه أخر الأول : لعلمهم استوجبوا الذم على أنهم قطعوا بأن مدة عذاب الفاسق قصيرة قليلة ، فإنه روي أنهم كانوا يقولون : مدة عذابنا سبعة أيام ، ومنهم من قال : بل أربعون ليلة على قدر مدة عبادة العجل والثاني : أنهم كانوا يتساهلون في أصول الدين ويقولون بتقدير وقوع الخطأ منا فإن عذابنا قليل وهذا خطأ ، لأن عندنا المخطىء في التوحيد والنبوة والمعاد عذابه دائم ، لأنه كافر ، والكافر عذابه دائم والثالث : أنهم لما قالوا { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } فقد استحقروا تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم واعتقدوا أنه لا تأثير له في تغليظ العقاب فكان ذلك تصريحا بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وذلك كفر والكافر المصر على كفره لا شك أن عذابه مخلد ، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ثبت أن احتجاج الجبائي بهذه الآية ضعيف وتمام الكلام على سبيل الاستقصاء مذكور في سورة البقرة .
أما قوله تعالى : { وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون } فاعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله { ما كانوا يفترون } فقيل : هو قولهم { نحن أبناء الله وأحباؤه } [ المائدة : 18 ] وقيل : هو قولهم { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } وقيل : غرهم قولهم : نحن على الحق وأنت على الباطل .
أما قوله تعالى : { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } فالمعنى أنه تعالى لما حكى عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل بين أنه سيجيء يوم يزول فيه ذلك الجهل ، ويكشف فيه ذلك الغرور فقال { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } وفي الكلام حذف ، والتقدير : فكيف صورتهم وحالهم ويحذف الحال كثيرا مع كيف لدلالته عليها تقول : كنت أكرمه وهو لم يزرني ، فكيف لو زارني أي كيف حاله إذا زارني ، واعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل : لو زارني وكل نوع من أنواع العذاب في هذه الآية .

(4/157)


أما قوله تعالى : { إذا جمعناهم ليوم } ولم يقل في يوم ، لأن المراد : لجزاء يوم أو لحساب يوم فحذف المضاف ودلت اللام عليه ، قال الفراء : اللام لفعل مضمر إذا قلت : جمعوا ليوم الخميس ، كان المعنى جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس وإذا قلت : جمعوا في يوم الخميس لم تضمر فعلا وأيضا فمن المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة وإظهار الفرق بين المثاب والمعاقب ، وقوله { لا ريب فيه } أي لا شك فيه .
ثم قال : { ووفيت كل نفس ما كسبت } فإن حملت ما كسبت على عمل العبد جعل في الكلام حذف ، والتقدير : ووفيت كل نفس جزاء ما كسبت من ثواب أو عقاب ، وإن حملت ما كسبت على الثواب والعقاب استغنيت عن هذا الإضمار .
ثم قال : { وهم لا يظلمون } فلا ينقص من ثواب الطاعات ، ولا يزاد على عقاب السيئات .
واعلم أن قوله { ووفيت كل نفس ما كسبت } يستدل به القائلون بالوعيد ، ويستدل به أصحابنا القائلون بأن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة لا يخلد في النار ، أما الأولون قالوا : لأن صاحب الكبيرة لا شك أنه مستحق العقاب بتلك الكبيرة ، والآية دلت على أن كل نفس توفى عملها وما كسبت ، وذلك يقتضي وصول العقاب إلى صاحب الكبيرة .
وجوابنا : أن هذا من العمومات ، وقد تكلمنا في تمسك المعتزلة بالعمومات .
وأما أصحابنا فإنهم يقولون : إن المؤمن استحق ثواب الإيمان فلا بد وأن يوفي عليه ذلك الثواب لقوله { ووفيت كل نفس ما كسبت } فإما أن يثاب في الجنة ثم ينقل إلى دار العقاب وذلك باطل بالإجماع ، وإما أن يقال : يعاقب بالنار ثم ينقل إلى دار الثواب أبدا مخلدا وهو المطلوب .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن ثواب إيمانهم يحبط بعقاب معصيتهم؟ .
قلنا : هذا باطل لأنا بينا أن القول بالمحابطة محال في سورة البقرة ، وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أن ثواب توحيد سبعين سنة أزيد من عقاب شرب جرعة من الخمر ، والمنازع فيه مكابر ، فبتقدير القول بصحة المحابطة يمتنع سقوط كل ثواب الإيمان بعقاب شرب جرعة من الخمر ، وكان يحيى بن معاذ رحمة الله عليه يقول : ثواب إيمان لحظة ، يسقط كفر سبعين سنة ، فثواب إيمان سبعين سنة كيف يعقل أن يحبط بعقاب ذنب لحظة ، ولا شك أنه كلام ظاهر .

(4/158)


قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27)

إعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة ، وصحة دين الإسلام ، ثم قال لرسوله { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن } [ آل عمران : 20 ] ثم ذكر من صفات المخالفين كفرهم بالله ، وقتلهم الأنبياء والصالحين بغير حق ، وذكر شدة عنادهم وتمردهم في قوله { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } [ آل عمران : 23 ] ثم ذكر شدة غرورهم بقوله { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } [ آل عمران : 24 ] ثم ذكر وعيدهم بقوله { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } [ آل عمران : 25 ] أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء وتمجيد يدل على مباينة طريقه وطريق أتباعه ، لطريقة هؤلاء الكافرين المعاندين المعرضين ، فقال معلما نبيه كيف يمجد ويعظم ويدعو ويطلب { قل اللهم مالك الملك } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلف النحويون في قوله { اللهم } فقال الخليل وسيبويه { اللهم } معناه : يا الله ، والميم المشددة عوض من يا ، وقال الفراء : كان أصلها ، يا الله أم بخير : فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء ، وحذفوا الهمزة من : أم ، فصار { اللهم } ونظيره قول العرب : هلم ، والأصل : هل ، فضم : أم إليها ، حجة الأولين على فساد قول الفراء وجوه الأول : لو كان الأمر على ما قاله الفراء لما صح أن يقال : اللهم افعل كذا إلا بحرف العطف ، لأن التقدير : يا الله أمنا واغفر لنا ، ولم نجد أحدا يذكر هذا الحرف العاطف والثاني : وهو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال ، لجاز أن يتكلم به على أصله ، فيقال ( الله أم ) كما يقال ( ويلم ) ثم يتكلم به على الأصل فيقال ( ويل أمه ) الثالث : لو كان الأمر على ما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفا ، فكان يجوز أن يقال : يا اللهم ، فلما لم يكن هذا جائزا علمنا فساد قول الفراء بل نقول : كان يجب أن يكون حرف النداء لازما ، كما يقال : يا الله اغفر لي ، وأجاب الفراء عن هذه الوجوه ، فقال : أما الأول فضعيف ، لأن قوله ( يا الله أم ) معناه : يا الله اقصد ، فلو قال : واغفر لكان المعطوف مغايرا للمعطوف عليه فحينئذ يصير السؤال سؤالين أحدهما : قوله { أمنا } والثاني : قوله { واغفر لنا } [ البقرة : 286 ] أما إذا حذفنا العطف صار قوله : اغفر لنا تفسيرا لقوله : أمنا . فكان المطلوب في الحالين شيئا واحدا فكان ذلك آكد ، ونظائره كثيرة في القرآن ، وأما الثاني فضعيف أيضا ، لأن أصله عندنا أن يقال : يا الله أمنا . ومن الذي ينكر جواز التكلم بذلك ، وأيضا فلأن كثيرا من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة الفرع مقام الأصل ، ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن قوله : ما أكرمه ، معناه أي شيء أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل هذا الكلام الذي زعموا أنه الأصل في معرض التعجب فكذا ههنا ، وأما الثالث : فمن الذي سلم لكم أنه لا يجوز أن يقال : يا اللهم وأنشد الفراء :

(4/159)


وأما عليك أن تقولي كلما ... سبحت أو صليت يا اللهما
وقول البصريين : إن هذا الشعر غير معروف ، فحاصله تكذيب النقل ، ولو فتحنا هذا الباب لم يبق شيء من اللغة والنحو سليما عن الطعن ، وأما قوله : كان يلزم أن يكون ذكر حرف النداء لازما فجوابه أنه قد يحذف حرف النداء كقوله { يوسف أيها الصديق أفتنا } [ يوسف : 46 ] فلا يبعد أن يختص هذا الاسم بإلزام هذا الحذف ، ثم احتج الفراء على فساد قول البصريين من وجوه الأول : أنا لو جعلنا الميم قائما مقام حرف النداء لكنا قد أخرنا النداء عن ذكر المنادى ، وهذا غير جائز ألبتة ، فإنه لا يقال ألبتة ( الله يا ) وعلى قولكم يكون الأمر كذلك الثاني : لو كان هذا الحرف قائما مقام النداء لجاز مثله في سائر الأسماء ، حتى يقال : زيدم وبكرم ، كما يجوز أن يقال : يا زيد ويا بكر والثالث : لو كان الميم بدلا عن حرف النداء لما اجتمعا ، لكنهما اجتمعا في الشعر الذي رويناه الرابع : لم نجد العرب يزيدون هذه المييم في الأسماء التامة لإفادة معنى بعض الحروف المباينة للكلمة الداخلة عليها ، فكان المصير إليه في هذه اللفظة الواحدة حكما على خلاف الاستقراء العام في اللغة وأنه غير جائز ، فهذا جملة الكلام في هذا الموضع .
المسألة الثانية : { مالك الملك } في نصبه وجهان الأول : وهو قول سيبويه أنه منصوب على النداء ، وكذلك قوله { قل اللهم فاطر السموات والأرض } [ الزمر : 46 ] ولا يجوز أن يكون نعتا لقوله { اللهم } لأن قولنا { اللهم } مجموع الاسم والحرف ، وهذا المجموع لا يمكن وصفه والثاني : وهو قول المبرد والزجاج أن { مالك } وصف للمنادى المفرد ، لأن هذا الاسم ومعه الميم بمنزلته ومعه ( يا ) ولا يمتنع الصفة مع الميم ، كما لا يمتنع مع الياء .
المسألة الثالثة : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم ، فقال المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم ، وهم أعز وأمنع من ذلك ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما خط الخندق عام الأحزاب ، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا ، وأخذوا يحفرون خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول ، فوجهوا سلمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخبره ، فأخذ المعول من سلمان فلما ضربها ضرب صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كأنه مصباح في جوف ليل مظلم ، فكبر وكبر المسلمون ، وقال عليه الصلاة والسلام : « أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب » ثم ضرب الثانية ، فقال : « أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم »

(4/160)


ثم ضرب الثالثة فقال : " أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا " فقال المنافقون : ألا تعجبون من نبيكم يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومداين كسرى ، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الخوف لا تستطيعون أن تخرجوا فنزلت هذه الآية والله أعلم ، وقال الحسن إن الله تعالى أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما ، وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا الدعاء ، وهكذا منازل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا أمروا بدعاء استجيب دعاءهم .
المسألة الرابعة : { الملك } هو القدرة ، والمالك هو القادر ، فقوله { مالك الملك } معناه القادر على القدرة ، والمعنى إن قدرة الخلق على كل ما يقدرون عليه ليست إلا بإقدار الله تعالى فهو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ، ويملك كل مالك مملوكه ، قال صاحب «الكشاف» { مالك الملك } أي يملك جنس الملك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون ، واعلم أنه تعالى لما بين كونه { مالك الملك } على الإطلاق ، فصل بعد ذلك وذكر أنواعا خمسة :
النوع الأول : قوله تعالى : { تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } وذكروا فيه وجوها الأول : المراد منه : ملك النبوة والرسالة ، كما قال تعالى : { فقد ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما } [ النساء : 54 ] والنبوة أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر عظيم على بواطن الخلق والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر ، فأما على البواطن فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم وشريعتهم ، وأن يعتقد أنه هو الحق ، وأما على الظواهر فلأنهم لو تمردوا واستكبروا لاستوجبوا القتل ، ومما يؤكد هذا التأويل أن بعضهم كان يستبعد أن يجعل الله تعالى بشرا رسولا فحكى الله عنهم قولهم { أبعث الله بشرا رسولا } [ الإسراء : 94 ] وقال الله تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } [ الأنعام : 9 ] وقوم آخرون جوزوا من الله تعالى أن يرسل رسولا من البشر ، إلا أنهم كانوا يقولون : إن محمدا فقير يتيم ، فكيف يليق به هذا المنصب العظيم على ما حكى الله عنهم أنهم قالوا { لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف : 31 ] وأما اليهود فكانوا يقولون النبوة كانت في آبائنا وأسلافنا ، وأما قريش فهم ما كانوا أهل النبوة والكتاب فكيف يليق النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ وأما المنافقون فكانوا يحسدونه على النبوة ، على ما حكى الله ذلك عنهم في قوله { أم يحسدون الناس على ما ءاتاهم الله من فضله } [ النساء : 37 ] .
وأيضا فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } [ آل عمران : 12 ] أن اليهود تكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة عددهم وسلاحهم وشدتهم ، ثم إنه تعالى رد على جميع هؤلاء الطوائف بأن بين أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتي ملكه من يشاء ، فقال { تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } .

(4/161)


فإن قيل : فإذا حملتم قوله { تؤتى الملك من تشاء } على إيتاء ملك النبوة ، وجب أن تحملوا قوله { وتنزع الملك ممن تشاء } على أنه قد يعزل عن النبوة من جعله نبيا ، ومعلوم أن ذلك لا يجوز .
قلنا : الجواب من وجهين الأول : أن الله تعالى إذا جعل النبوة في نسل رجل ، فإذا أخرجها الله من نسله ، وشرف بها إنسانا آخر من غير ذلك النسل ، صح أن يقال إنه تعالى نزعها منهم ، واليهود كانوا معتقدين أن النبوة لا بد وأن تكون في بني إسرائيل ، فلما شرف الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بها ، صح أن يقال : إنه ينزع ملك النبوة من بني إسرائيل إلى العرب .
والجواب الثاني : أن يكون المراد من قوله { وتنزع الملك ممن تشاء } أي تحرمهم ولا تعطيهم هذا الملك لا على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن أعطاه ، ونظيره قوله تعالى : { الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } [ البقرة : 257 ] مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط ، وقال الله تعالى مخبرا عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام { أو لتعودن فى ملتنا } [ الأعراف : 88 ] وأولئك الأنبياء قالوا { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } [ الأعراف : 89 ] مع أنهم ما كانوا فيها قط ، فهذا جملة الكلام في تقرير قول من فسر قوله تعالى : { تؤتى الملك من تشاء } بملك النبوة .
القول الثاني : أن يكون المراد من الملك ، ما يسمى ملكا في العرف ، وهو عبارة عن مجموع أشياء أحدها : تكثير المال والجاه ، أما تكثير المال فيدخل فيه ملك الصامت والناطق والدور والضياع ، والحرث ، والنسل ، وأما تكثير الجاه فهو أن يكون مهيبا عند الناس ، مقبول القول ، مطاعا في الخلق والثاني : أن يكون بحيث يجب على غيره أن يكون في طاعته ، وتحت أمره ونهيه والثالث : أن يكون بحيث لو نازعه في ملكه أحد ، قدر على قهر ذلك المنازع ، وعلى غلبته ، ومعلوم أن كل ذلك لا يحصل إلا من الله تعالى ، أما تكثير المال فقد نرى جمعا في غاية الكياسة لا يحصل لهم مع الكد الشديد ، والعناء العظيم قليل من المال ، ونرى الأبله الغافل قد يحصل له من الأموال ما لا يعلم كميته ، وأما الجاه فالأمر أظهر ، فإنا رأينا كثيرا من الملوك بذلوا الأموال العظيمة لأجل الجاه ، وكانوا كل يوم أكثر حقارة ومهانة في أعين الرعية ، وقد يكون على العكس من ذلك وهو أن يكون الإنسان معظما في العقائد مهيبا في القلوب ، ينقاد له الصغير والكبير ، ويتواضع له القاصي والداني ، وأما القسم الثاني وهو كونه واجب الطاعة ، فمعلوم أن هذا تشريف يشرف الله تعالى به بعض عباده ، وأما القسم الثالث ، وهو حصول النصرة والظفر فمعلوم أن ذلك مما لا يحصل إلا من الله تعالى ، فكم شاهدنا من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، وعند هذا يظهر بالبرهان العقلي صحة ما ذكره الله تعالى من قوله { تؤتى الملك من تشاء } .

(4/162)


واعلم أن للمعتزلة ههنا بحثا قال الكعبي قوله { تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } ليس على سبيل المختارية ، ولكن بالاستحقاق فيؤتيه من يقوم به ، ولا ينزعه إلا ممن فسق عن أمر ربه ويدل عليه قوله { لا ينال عهدي الظالمين } [ البقرة : 124 ] وقال في حق العبد الصالح { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم } [ البقرة : 247 ] فجعله سببا للملك ، وقال الجبائي : هذا الحكم مختص بملوك العدل ، فأما ملوك الظلم فلا يجوز أن يكون ملكهم بإيتاء الله ، وكيف يصح أن يكون ذلك بإيتاء الله ، وقد ألزمهم أن لا يتملكوه ، ومنعهم من ذلك فصح بما ذكرنا أن الملوك العادلين هم المختصون بأن الله تعالى آتاهم ذلك الملك ، فأما الظالمون فلا ، قالوا : ونظير هذا ما قلناه في الرزق أنه لا يدخل تحته الحرام الذي زجره الله عن الانتفاع به ، وأمره بأن يرده على مالكه فكذا ههنا ، قالوا : وأما النزع فبخلاف ذلك لأنه كما ينزع الملك من الملوك العادلين لمصلحة تقتضي ذلك فقد ينزع الملك عن الملوك الظالمين ونزع الملك يكون بوجوه : منها بالموت ، وإزالة العقل ، وإزالة القوى ، والقدر والحواس ، ومنها بورود الهلاك والتلف عن الأموال ، ومنها أن يأمر الله تعالى المحق بأن يسلب الملك الذي في يد المتغلب المبطل ويؤتيه القوة والنصرة ، فإذا حاربه المحق وقهره وسلب ملكه جاز أن يضاف هذا السلب والنزع إليه تعالى ، لأنه وقع عن أمره ، وعلى هذا الوجه نزع الله تعالى ملك فارس على يد الرسول ، هذا جملة كلام المعتزلة في هذا الباب .
واعلم أن هذا الموضع مقام بحث مهم وذلك لأن حصول الملك للظالم ، إما أن يقال : إنه وقع لا عن فاعل وإنما حصل بفعل ذلك المتغلب ، أو إنما حصل بالأسباب الربانية ، والأول : نفي للصانع والثاني : باطل لأن كل أحد يريد تحصيل الملك والدولة لنفسه ، ولا يتيسر له ألبتة فلم يبق إلا أن يقال بأن ملك الظالمين إنما حصل بإيتاء الله تعالى ، وهذا الكلام ظاهر ومما يؤكد ذلك أن الرجل قد يكون بحيث تهابه النفوس ، وتميل إليه القلوب ، ويكون النصر قرينا له والظفر جليسا معه فأينما توجه حصل مقصوده ، وقد يكون على الضد من ذلك ، ومن تأمل في كيفية أحوال الملوك اضطر إلى العلم بأن ذلك ليس إلا بتقدير الله تعالى ، ولذلك قال حكيم الشعراء :

(4/163)


لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بأجل أسباب السماء تعلقي
لكن من رزق الحجا حرم الغنى ... ضدان مفترقان أي تفرق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
والقول الثاني : أن قوله { تؤتى الملك من تشاء } محمول على جميع أنواع الملك فيدخل فيه ملك النبوة ، وملك العلم ، وملك العقل ، والصحة والأخلاق الحسنة ، وملك النفاذ والقدرة وملك المحبة ، وملك الأموال ، وذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل لا يجوز .
وأما قوله تعالى : { وتعز من تشاء وتذل من تشاء } فاعلم أن العزة قد تكون في الدين ، وقد تكون في الدنيا ، أما في الدين فأشرف أنواع العزة الإيمان قال الله تعالى : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } [ المنافقون : 8 ] إذا ثبت هذا فنقول : لما كان أعز الأشياء الموجبة للعزة هو الإيمان ، وأذل الأشياء الموجبة للمذلة هو الكفر ، فلو كان حصول الإيمان والكفر بمجرد مشيئة العبد ، لكان إعزاز العبد نفسه بالإيمان وإذلاله نفسه بالكفر أعظم من إعزاز الله عبده بكل ما أعزه به ، ومن إذلال الله عبده بكل ما أذله به ولو كان الأمر كذلك لكان حظ العبد من هذا الوصف أتم وأكمل من حظ الله تعالى منه ، ومعلوم أن ذلك باطل قطعا ، فعلمنا أن الإعزاز بالإيمان والحق ليس إلا من الله ، والإذلال بالكفر والباطل ليس إلا من الله ، وهذا وجه قوي في المسألة ، قال القاضي : الإعزاز المضاف إليه تعالى قد يكون في الدين ، وقد يكون في الدنيا أما الذي في الدين فهو أن الثواب لا بد وأن يكون مشتملا على التعظيم والمدح والكرامة في الدنيا والآخرة ، وأيضا فإنه تعالى يمدهم بمزيد الألطاف ويعليهم على الأعداء بحسب المصلحة ، وأما ما يتعلق بالدنيا فبإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب ، وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق .
واعلم أن كلامنا يأبى ذلك لأن كل ما يفعله الله تعالى من التعظيم في باب الثواب فهو حق واجب على الله تعالى ولو لم يفعله لانعزل عن الإلهية ولخرج عن كونه إلها للخلق فهو تعالى بإعطاء هذه التعظيمات يحفظ إلهية نفسه عن الزوال فأما العبد ، فلما خص نفسه بالإيمان الذي يوجب هذه التعظيمات فهو الذي أعز نفسه فكان إعزازه لنفسه أعظم من إعزاز الله تعالى إياه ، فعلمنا أن هذا الكلام المذكور لازم على القوم .
أما قوله { وتذل من تشاء } فقال الجبائي في «تفسيره» : إنه تعالى إنما يذل أعداءه في الدنيا والآخرة ولا يذل أحدا من أوليائه وإن أفقرهم وأمرضهم وأحوجهم إلى غيرهم ، لأنه تعالى إنما يفعل هذه الأشياء ليعزهم في الآخرة ، إما بالثواب ، وإما بالعوض فصار ذلك كالفصد والحجامة فإنهما وإن كانا يؤلمان في الحال إلا أنهما لما كانا يستعقبان نفعا عظيما لا جرم لا يقال فيهما : إنهما تعذيب ، قال وإذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى وجه المجاز كما سمى الله تعالى لين المؤمنين ذلا بقوله

(4/164)


{ أذلة على المؤمنين } [ المائدة : 54 ] .
إذا عرفت هذا فنقول : إذلال الله تعالى عبده المبطل إنما يكون بوجوه منها بالذم واللعن ومنها بأن يخذلهم بالحجة والنصرة ، ومنها بأن يجعلهم خولا لأهل دينه ، ويجعل مالهم غنيمة لهم ومنها بالعقوبة لهم في الآخرة هذا جملة كلام المعتزلة ، ومذهبنا أنه تعالى يعز البعض بالإيمان والمعرفة ، ويذل البعض بالكفر والضلالة ، وأعظم أنواع الإعزاز والإذلال هو هذا والذي يدل عليه وجوه الأول : وهو أن عز الإسلام وذل الكفر لا بد فيه من فاعل وذلك الفاعل إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى والأول باطل ، لأن أحدا لا يختار الكفر لنفسه ، بل إنما يريد الإيمان والمعرفة والهداية فلما أراد العبد الإيمان ولم يحصل له بل حصل له الجهل ، علمنا أن حصوله من الله تعالى لا من العبد الثاني : وهو أن الجهل الذي يحصل للعبد إما أن يكون بواسطة شبهة وإما أن يقال : يفعله العبد ابتداء ، والأول باطل إذ لو كان كل جهل إنما يحصل بجهل آخر يسبقه ويتقدمه لزم التسلسل وهو محال ، فبقي أن يقال : تلك الجهات تنتهي إلى جهل يفعله العبد ابتداء من غير سبق موجب البتة لكنا نجد من أنفسنا أن العاقل لا يرضى لنفسه أن يصير على الجهل ابتداء من غير موجب فعلمنا أن ذلك بإذلال الله عبده وبخذلانه إياه الثالث : ما بينا أن الفعل لا بد فيه من الداعي والمرجح ، وذلك المرجح يكون من الله تعالى فإن كان في طرف الخير كان إعزازا ، وإن كان في طرف الجهل والشر والضلالة كان إذلالا ، فثبت أن المعز والمذل هو الله تعالى .
أما قوله تعالى : { بيدك الخير } .
فاعلم أن المراد من اليد هو القدرة ، والمعنى بقدرتك الخير والألف واللام في الخير يوجبان العموم ، فالمعنى بقدرتك تحصل كل البركات والخيرات ، وأيضا فقوله { بيدك الخير } يفيد الحصر كأنه قال بيدك الخير لا بيد غيرك ، كما أن قوله تعالى : { لكم دينكم ولى دين } [ الكافرين : 6 ] أي لكم دينكم أي لا لغيركم وذلك الحصر ينافي حصول الخير بيد غيره ، فثبت دلالة هذه الآية من هذين الوجهين على أن جميع الخيرات منه ، وبتكوينه وتخليقه وإيجاده وإبداعه ، إذا عرفت هذا فنقول : أفضل الخيرات هو الإيمان بالله تعالى ومعرفته ، فوجب أن يكون الخير من تخليق الله تعالى لا من تخليق العبد ، وهذا استدلال ظاهر ومن الأصحاب من زاد في هذا التقدير فقال : كل فاعلين فعل أحدهما أشرف وأفضل من فعل الآخر كان ذلك الفاعل أشرف وأكمل من الآخر ، ولا شك أن الإيمان أفضل من الخير ، ومن كل ما سوى الإيمان فلو كان الإيمان بخلق العبد لا بخلق الله لوجب كون العبد زائدا في الخيرية على الله تعالى ، وفي الفضيلة والكمال ، وذلك كفر قبيح فدلت هذه الآية من هذين الوجهين على أن الإيمان بخلق الله تعالى .

(4/165)


فإن قيل : فهذه الآية حجة عليكم من وجه آخر لأنه تعالى لما قال : { بيدك الخير } كان معناه أنه ليس بيدك إلا الخير ، وهذا يقتضي أن لا يكون الكفر والمعصية واقعين بتخليق الله .
والجواب : أن قوله { بيدك الخير } يفيد أن بيده الخير لا بيد غيره ، وهذا ينافي أن يكون بيد غيره ولكن لا ينافي أن يكون بيده الخير وبيده ما سوى الخير إلا أنه خص الخير بالذكر لأنه الأمر المنتفع به فوقع التنصيص عليه لهذا المعنى قال القاضي : كل خير حصل من جهة العباد فلولا أنه تعالى أقدرهم عليه وهداهم إليه لما تمكنوا منه ، فلهذا السبب كان مضافا إلى الله تعالى إلا أن هذا ضعيف لأن على هذا التقدير يصير بعض الخير مضافا إلى الله تعالى ، ويصير أشرف الخيرات مضافا إلى العبد ، وذلك على خلاف هذا النص .
أما قوله { إنك على كل شىء قدير } فهذا كالتأكيد لما تقدم من كونه مالكا لإيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال .
أما قوله تعالى : { تولج اليل فى النهار وتولج النهار فى اليل } فيه وجهان الأول : أن يجعل الليل قصيرا ويجعل ذلك القدر الزائد داخلا في النهار وتارة على العكس من ذلك وإنما فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنه علق قوام العالم ونظامه بذلك والثاني : أن المراد هو أنه تعالى يأتي بالليل عقيب النهار ، فيلبس الدنيا ظلمة بعد أن كان فيها ضوء النهار ، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوءه فكان المراد من إيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما عقيب الآخر ، والأول أقرب إلى اللفظ ، لأنه إذا كان النهار طويلا فجعل ما نقص منه زيادة في الليل كان ما نقص منه داخلا في الليل .
وأما قوله { وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع وحمزة والكسائي { الميت } بالتشديد ، والباقون بالتخفيف ، وهما لغتان بمعنى واحد ، قال المبرد : أجمع البصريون على أنهما سواء وأنشدوا :
إنما الميت ميت الأحياء ... وهو مثل قوله : هين وهين ، ولين ولين ، وقد ذهب ذاهبون إلى أن الميت من قد مات ، والميت من لم يمت .
المسألة الثانية : ذكر المفسرون فيه وجوها أحدها : يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر ، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح عليه السلام والثاني : يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس والثالث : يخرج الحيوان من النطفة ، والطير من البيضة وبالعكس والرابع : يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس ، والنخلة من النواة وبالعكس ، قال القفال رحمه الله : والكلمة محتملة للكل أما الكفر والإيمان فقال تعالى :

(4/166)


{ أو من كان ميتا فأحييناه } [ الأنعام : 122 ] يريد كان كافرا فهديناه فجعل الموت كفرا والحياة إيمانا ، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء ، وجعل قبل ذلك ميتة فقال { يحيي الأرض بعد موتها } [ الروم : 19 ] وقال : { فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها } [ فاطر : 9 ] وقال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } [ البقرة : 28 ] .
أما قوله { وترزق من تشاء بغير حساب } ففيه وجوه الأول : أنه يعطي من يشاء ما يشاء لا يحاسبه على ذلك أحد ، إذ ليس فوقه ملك يحاسبه بل هو الملك يعطي من يشاء بغير حساب والثاني : ترزق من تشاء غير مقدور ولا محدود ، بل تبسطه له وتوسعه عليه كما يقال : فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه بالكثرة ، ونظيره قولهم في تكثير مال الإنسان : عنده مال لا يحصى والثالث : ترزق من تشاء بغير حساب ، يعني على سبيل التفضل من غير استحقاق لأن من أعطى على قدر الاستحقاق فقد أعطى بحساب ، وقال بعض من ذهب إلى هذا المعنى : إنك لا ترزق عبادك على مقادير أعمالهم ، والله أعلم .

(4/167)


لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (28)

في كيفية النظم وجهان الأول : أنه تعالى لما ذكر ما يجب أن يكون المؤمن عليه في تعظيم الله تعالى ، ثم ذكر بعده ما يجب أن يكون المؤمن عليه في المعاملة مع الناس ، لأن كمال الأمر ليس إلا في شيئين : التعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله قال : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } الثاني : لما بين أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة بين أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده ، وعند أوليائه دون أعدائه .
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في سبب النزول وجوه الأول : جاء قوم من اليهود إلى قوم المسلمين ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر ، وعبد الرحمن بن جبير ، وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر من المسلمين : اجتنبوا هؤلاء اليهود ، واحذروا أن يفتنوكم عن دينكم فنزلت هذه الآية والثاني : قال مقاتل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، وكانوا يتولون اليهود والمشركين ويخبرونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية الثالث : أنها نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلفاء من اليهود ، ففي يوم الأحزاب قال يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فنزلت هذه الآية .
فإن قيل : إنه تعالى قال : { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شىء } وهذه صفة الكافر .
قلنا : معنى الآية فليس من ولاية الله في شيء ، وهذا لا يوجب الكفر في تحريم موالاة الكافرين .
واعلم أنه تعالى أنزل آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله تعالى : { لا تتخذوا بطانة من دونكم } [ آل عمران : 118 ] وقوله { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله } [ المجادلة : 22 ] وقوله { لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } وقوله { ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء } [ الممتحنة : 1 ] وقال : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } [ التوبة : 71 ] .
واعلم أن كون المؤمن مواليا للكافر يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون راضيا بكفره ويتولاه لأجله ، وهذا ممنوع منه لأن كل من فعل ذلك كان مصوبا له في ذلك الدين ، وتصويب الكفر كفر والرضا بالكفر كفر ، فيستحيل أن يبقى مؤمنا مع كونه بهذه الصفة .
فإن قيل : أليس أنه تعالى قال : { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شىء } وهذا لا يوجب الكفر فلا يكون داخلا تحت هذه الآية ، لأنه تعالى قال : { يا أيها الذين آمنوا } فلا بد وأن يكون خطابا في شيء يبقى المؤمن معه مؤمنا وثانيها : المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر ، وذلك غير ممنوع منه .
والقسم الثالث : وهو كالمتوسط بين القسمين الأولين هو أن موالاة الكفار بمعنى الركون إليهم والمعونة ، والمظاهرة ، والنصرة إما بسبب القرابة ، أو بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه ، لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه ، وذلك يخرجه عن الإسلام فلا جرم هدد الله تعالى فيه فقال : { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شىء } .

(4/168)


فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بمعنى أن يتولوهم دون المؤمنين ، فأما إذا تولوهم وتولوا المؤمنين معهم فذلك ليس بمنهي عنه ، وأيضا فقوله { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء } فيه زيادة مزية ، لأن الرجل قد يوالي غيره ولا يتخذه مواليا فالنهي عن اتخاذه مواليا لا يوجب النهي عن أصل مولاته .
قلنا : هذان الاحتمالان وإن قاما في الآية إلا أن سائر الآيات الدالة على أنه لا تجوز موالاتهم دلت على سقوط هذين الاحتمالين .
المسألة الثانية : إنما كسرت الذال من يتخذ لأنها مجزوم للنهي ، وحركت لاجتماع الساكنين قال الزجاج : ولو رفع على الخبر لجاز ، ويكون المعنى على الرفع أن من كان مؤمنا فلا ينبغي أن يتخذ الكافر وليا .
واعلم أن معنى النهي ومعنى الخبر يتقاربان لأنه متى كانت صفة المؤمن أن لا يوالي الكافر كان لا محالة منهيا عن موالاة الكافر ، ومتى كان منهيا عن ذلك ، كان لا محالة من شأنه وطريقته أن لا يفعل ذلك .
المسألة الثالثة : قوله { من دون المؤمنين } أي من غير المؤمنين كقوله { وادعوا شهداءكم من دون الله } [ البقرة : 23 ] أي من غير الله ، وذلك لأن لفظ دون مختص بالمكان ، تقول : زيد جلس دون عمرو أي في مكان أسفل منه ، ثم إن من كان مباينا لغيره في المكان فهو مغاير له فجعل لفظ دون مستعملا في معنى غير ، ثم قال تعالى : { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شىء } وفيه حذف ، والمعنى فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ من ولاية الله تعالى رأسا ، وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي ، وموالاة عدوه ضدان قال الشاعر :
تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب
ويحتمل أن يكون المعنى : فليس من دين الله في شيء وهذا أبلغ .
ثم قال تعالى : { إلا أن تتقوا منهم تقاة } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ الكسائي : تقاة بالإمالة ، وقرأ نافع وحمزة : بين التفخيم والإمالة ، والباقون بالتفخيم ، وقرأ يعقوب تقية وإنما جازت الإمالة لتؤذن أن الألف من الياء ، وتقاة وزنها فعلة نحو تؤدة وتخمة ، ومن فخم فلأجل الحرف المستعلي وهو القاف .
المسألة الثانية : قال الواحدي : تقيته تقاة ، وتقى ، وتقية ، وتقوى ، فإذا قلت اتقيت كان مصدره الاتقياء ، وإنما قال تتقوا ثم قال تقاة ولم يقل اتقاء اسم وضع موضع المصدر ، كما يقال : جلس جلسة ، وركب ركبة ، وقال الله تعالى :

(4/169)


{ فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا } [ آل عمران : 37 ] وقال الشاعر :
وبعد عطائك المائة الرتاعا ... فأجراه مجرى الإعطاء ، قال : ويجوز أن يجعل تقاة ههنا مثل رماة فيكون حالا مؤكدة .
المسألة الثالثة : قال الحسن أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال : نعم نعم نعم ، فقال : أفتشهد أني رسول الله؟ قال : نعم ، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ، ومحمد رسول قريش ، فتركه ودعا الآخر فقال أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال : نعم ، قال : أفتشهد أني رسول الله؟ فقال : إني أصم ثلاثا ، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : « أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئا له ، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه . » واعلم أن نظير هذه الآية قوله تعالى : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } [ النحل : 106 ] .
المسألة الرابعة : اعلم أن للتقية أحكاما كثيرة ونحن نذكر بعضها .
الحكم الأول : أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ، ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان ، بل يجوز أيضا أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة ، ولكن بشرط أن يضمر خلافه ، وأن يعرض في كل ما يقول ، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب .
الحكم الثاني للتقية : هو أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل ، ودليله ما ذكرناه في قصة مسيلمة .
الحكم الثالث للتقية : أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة ، وقد تجوز أيضا فيما يتعلق بإظهار الدين فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين ، فذلك غير جائز ألبتة .
الحكم الرابع : ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس .
الحكم الخامس : التقية جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال يحتمل أن يحكم فيها بالجواز ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « حرمة مال المسلم كحرمة دمه » ولقوله صلى الله عليه وسلم : « من قتل دون ماله فهو شهيد » ولأن الحاجة إلى المال شديدة والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء ، وجاز الاقتصار على التيمم دفعا لذلك القدر من نقصان المال ، فكيف لا يجوز ههنا ، والله أعلم .
الحكم السادس : قال مجاهد : هذا الحكم كان ثابتا في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا ، وروى عوف عن الحسن : أنه قال التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة ، وهذا القول أولى ، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان .

(4/170)


ثم قال تعالى : { ويحذركم الله نفسه } وفيه قولان الأول : أن فيه محذوفا ، والتقدير : ويحذركم الله عقاب نفسه ، وقال أبو مسلم المعنى { ويحذركم الله نفسه } أن تعصوه فتستحقوا عقابه والفائدة في ذكر النفس أنه لو قال : ويحذركم الله فهذا لا يفيد أن الذي أريد التحذير منه هو عقاب يصدر من الله أو من غيره ، فلما ذكر النفس زال هذا الاشتباه ، ومعلوم أن العقاب الصادر عنه يكون أعظم أنواع العقاب لكونه قادرا على ما لا نهاية له ، وأنه لا قدرة لأحد على دفعه ومنعه مما أراد .
والقول الثاني : أن النفس ههنا تعود إلى اتخاذ الأولياء من الكفار ، أي ينهاهم الله عن نفس هذا الفعل .
ثم قال : { وإلى الله المصير } والمعنى : إن الله يحذركم عقابه عند مصيركم إلى الله .

(4/171)


قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير (29)

إعلم أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهرا وباطنا واستثنى عنه التقية في الظاهر أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقا للظاهر في وقت التقية ، وذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار الموالاة ، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سببا لحصول تلك الموالاة في الباطن ، فلا جرم بين تعالى أنه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر ، فيعلم العبد أنه لا بد أن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه ، وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : هذه الآية جملة شرطية فقوله { إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه } شرط وقوله { يعلمه الله } جزاء ولا شك أن الجزاء مترتب على الشرط متأخر عنه ، فهذا يقتضي حدوث علم الله تعالى .
والجواب : أن تعلق علم الله تعالى بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن ، ثم أن هذه التبدل والتجدد إنما وقع في النسب والإضافات والتعليقات لا في حقيقة العلم ، وهذه المسألة لها غور عظيم وهي مذكورة في علم الكلام .
السؤال الثاني : محل البواعث والضمائر هو القلب ، فلم قال : { إن تخفوا ما فى صدوركم } ولم يقل إن تخفوا ما في قلوبكم؟ .
الجواب : لأن القلب في الصدر ، فجاز إقامة الصدر مقام القلب كما قال : { يوسوس فى صدور الناس } [ الناس : 5 ] وقال : { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور } [ الحج : 46 ] .
السؤال الثالث : إن كانت هذه الآية وعيدا على كل ما يخطر بالبال فهو تكليف ما لا يطاق .
الجواب : ذكرنا تفصيل هذه الكلام في آخر سورة البقرة في قوله { لله ما فى السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } [ البقرة : 284 ] .
ثم قال تعالى : { ويعلم ما فى السموات وما في الأرض } .
واعلم أنه رفع على الاستئناف ، وهو كقوله { قاتلوهم يعذبهم الله } [ التوبة : 14 ] جزم الأفاعيل ، ثم قال : { ويتوب الله } فرفع ، ومثله قوله { فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل } [ الشورى : 24 ] رفعا ، وفي قوله { ويعلم ما فى السموات وما في الأرض } غاية التحذير لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فيهما فكيف يخفى عليه الضمير .
ثم قال تعالى : { والله على كل شيء قدير } إتماما للتحذير ، وذلك لأنه لما بين أنه تعالى عالم بكل المعلومات كان عالما بما في قلبه ، وكان عالما بمقادير استحقاقه من الثواب والعقاب ، ثم بين أنه قادر على جميع المقدورات ، فكان لا محالة قادرا على إيصال حق كل أحد إليه ، فيكون في هذا تمام الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب .

(4/172)


يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد (30)

اعلم أن هذه الآية من باب الترغيب والترهيب ، ومن تمام الكلام الذي تقدم .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في العامل في قوله { يوم } وجوها الأول : قال ابن الأنباري : اليوم متعلق بالمصير والتقدير : وإلى الله المصير يوم تجد الثاني : العامل فيه قوله { ويحذركم الله نفسه } في الآية السابقة ، كأنه قال : ويحذركم الله نفسه في ذلك اليوم الثالث : العامل فيه قوله { والله على كل شيء قدير } أي قدير في ذلك اليوم الذي تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ، وخص هذا اليوم بالذكر ، وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى تفضيلا له لعظم شأنه كقوله { مالك يوم الدين } [ الفاتحة : 4 ] الرابع : أن العامل فيه قوله { تود } والمعنى : تود كل نفس كذا وكذا في ذلك اليوم الخامس : يجوز أن يكون منتصبا بمضمر ، والتقدير : واذكر يوم تجد كل نفس .
المسألة الثانية : اعلم أن العمل لا يبقى ، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجهين الأول : أنه يجد صحائف الأعمال ، وهو قوله تعالى : { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } [ الجاثية : 29 ] وقال : { فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه } [ المجادلة : 6 ] الثاني : أنه يجد جزاء الأعمال وقوله تعالى : { محضرا } يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون المعنى : أن جزاء العمل يكون محضرا ، كقوله { ووجدوا ما عملوا حاضرا } [ الكهف : 49 ] وعلى كلا الوجهين ، فالترغيب والترهيب حاصلان .
أما قوله : { وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال الواحدي : الأظهر أن يجعل { ما } ههنا بمنزلة الذي ، ويكون { عملت } صلة لها ، ويكون معطوفا على { ما } الأول ، ولا يجوز أن تكون { ما } شرطية ، وإلا كان يلزم أن ينصب { تود } أو يخفضه ، ولم يقرأه أحد إلا بالرفع ، فكان هذا دليلا على أن { ما } ههنا بمعنى الذي .
فإن قيل : فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد الله ، ودت .
قلنا : لا كلام في صحته لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع ، لأنه حكاية حال الكافر في ذلك اليوم ، وأكثر موافقة للقراءة المشهورة .
المسألة الثانية : الواو في قوله { وما عملت من سوء } فيه قولان الأول : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني : الواو واو العطف ، والتقدير : تجد ما عملت من خير وما عملت من سوء ، وأما قوله { تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } ففيه وجهان الأول : أنه صفة للسوء ، والتقدير : وما عملت من سوء الذي تود أن يبعد ما بينها وبينه والثاني : أن يكون حالا ، والتقدير : يوم تجد ما عملت من سوء محضرا حال ما تود بعده عنها .

(4/173)


والقول الثاني : أن الواو للاستئناف ، وعلى هذا القول لا تكون الآية دليلا على القطع بوعيد المذنبين ، وموضع الكرم واللطف هذا ، وذلك لأنه نص في جانب الثواب على كونه محضرا وأما في جانب العقاب فلم ينص على الحضور ، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه ، والبعد عنه ، وذلك ينبه على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيد .
المسألة الثالثة : الأمد ، الغاية التي ينتهي إليها ، ونظيره قوله تعالى : { ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } [ الزخرف : 38 ] .
واعلم أن المراد من هذا التمني معلوم ، سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان أو على المكان ، إذ المقصود تمني بعده ، ثم قال : { ويحذركم الله نفسه } وهو لتأكيد الوعيد . ثم قال : { والله رءوف بالعباد } وفيه وجوه الأول : أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه ، وعرفهم كمال علمه وقدرته ، وأنه يمهل ولا يهمل ، ورغبهم في استيجاب رحمته ، وحذرهم من استحقاق غضبه ، قال الحسن : ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه الثاني : أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي الثالث : أنه لما قال : { ويحذركم الله نفسه } وهو للوعيد أتبعه بقوله { والله رءوف بالعباد } وهو الموعد ليعلم العبد أن وعده ورحمته ، غالب على وعيده وسخطه والرابع : وهو أن لفظ العباد في القرآن مختص ، قال تعالى : { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } [ الفرقان : 63 ] وقال تعالى : { عينا يشرب بها عباد الله } [ الإنسان : 6 ] فكان المعنى أنه لما ذكر وعيد الكفار والفساق ذكر وعد أهل الطاعة فقال : { والله رءوف بالعباد } أي كما هو منتقم من الفساق ، فهو رؤوف بالمطيعين والمحسنين .

(4/174)


قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (31)

اعلم أنه تعالى لما دعا القوم إلى الإيمان به ، والإيمان برسله على سبيل التهديد والوعيد ، دعاهم إلى ذلك من طريق آخر وهو أن اليهود كانوا يقولون { نحن أبناء الله وأحباؤه } [ المائدة : 18 ] فنزلت هذه الآية ، ويروى أنه صلى الله عليه وسلم وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام فقال : « يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة إبراهيم ، » فقالت قريش : إنما نعبد هذه حبا لله تعالى ليقربونا إلى الله زلفى ، فنزلت هذه الآية ، ويروى أن النصارى قالوا : إنما نعظم المسيح حبا لله ، فنزلت هذه الآية ، وبالجملة فكل واحد من فرق العقلاء يدعي أنه يحب الله ، ويطلب رضاه وطاعته فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم : قل إن كنتم صادقين في ادعاء محبة الله تعالى فكونوا منقادين لأوامره محترزين عن مخالفته ، وتقدير الكلام : أن من كان محبا لله تعالى لا بد وأن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه ، وإذا قامت الدلالة القاطعة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وجبت متابتعه ، فإن لم تحصل هذه المتابعة دل ذلك على أن تلك المحبة ما حصلت .
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : أما الكلام المستقصى في المحبة ، فقد تقدم في تفسير قوله تعالى : { والذين ءامنوا أشد حبا لله } [ البقرة : 165 ] والمتكلمون مصرون على أن محبة الله تعالى عبارة عن محبة إعظامه وإجلاله ، أو محبة طاعته ، أو محبة ثوابه ، قالوا : لأن المحبة من جنس الإرادة ، والإرادة لا تعلق لها إلا بالحوادث وإلا بالمنافع .
واعلم أن هذا القول ضعيف ، وذلك لأنه لا يمكن أن يقال في كل شيء إنه إنما كان محبوبا لأجل معنى آخر وإلا لزم التسلسل والدور ، فلا بد من الانتهاء إلى شيء يكون محبوبا بالذات ، كما أنا نعلم أن اللذة محبوبة لذاتها ، فكذلك نعلم أن الكمال محبوب لذاته ، وكذلك أنا إذا سمعنا أخبار رستم واسفنديار في شجاعتهما مال القلب إليهما مع أنا نقطع بأنه لا فائدة لنا في ذلك الميل ، بل ربما نعتقد أن تلك المحبة معصية لا يجوز لنا أن نصر عليها ، فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته ، كما أن اللذة محبوبة لذاتها ، وكمال الكمال لله سبحانه وتعالى ، فكان ذلك يقتضي كونه محبوبا لذاته من ذاته ومن المقربين عنده الذين تجلى لهم أثر من آثار كماله وجلاله قال المتكلمون : وأما محبة الله تعالى للعبد فهي عبارة عن إرادته تعالى إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليه .
المسألة الثانية : القوم كانوا يدعون أنهم كانوا محبين لله تعالى ، وكانوا يظهرون الرغبة في أن يحبهم الله تعالى ، والآية مشتملة على أن الإلزام من وجهين أحدهما : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ، لأن المعجزات دلت على أنه تعالى أوجب عليكم متابعتي الثاني : إن كنتم تحبون أن يحبكم الله فاتبعوني لأنكم إذا اتبعتموني فقد أطعتم الله ، والله تعالى يحب كل من أطاعه ، وأيضا فليس في متابعتي إلا أني دعوتكم إلى طاعة الله تعالى وتعظيمه وترك تعظيم غيره ، ومن أحب الله كان راغبا فيه ، لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب ، والإعراض بالكلية عن غير المحبوب .

(4/175)


المسألة الثالثة : خاض صاحب «الكشاف» في هذا المقام في الطعن في أولياء الله تعالى وكتب ههنا ما لا يليق بالعاقل أن يكتب مثله في كتب الفحش فهب أنه اجترأ على الطعن في أولياء الله تعالى فكيف اجترأ على كتبه مثل ذلك الكلام الفاحش في تفسير كلام الله تعالى ، نسأل الله العصمة والهداية ، ثم قال تعالى : { ويغفر لكم ذنوبكم } والمراد من محبة الله تعالى له إعطاؤه الثواب ، ومن غفران ذنبه إزالة العقاب ، وهذا غاية ما يطلبه كل عاقل ، ثم قال : { والله غفور رحيم } يعني غفور في الدنيا يستر على العبد أنواع المعاصي رحيم في الآخرة بفضله وكرمه .

(4/176)


قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32)

يروى أنه لما نزل قوله { قل إن كنتم تحبون الله } الآية قال عبد الله بن أبي : إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ، فنزلت هذه الآية ، وتحقيق الكلام أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ، ثم إن المنافق ألقى شبهة في الدين ، وهي أن محمدا يدعي لنفسه ما يقوله النصارى في عيسى ، ذكر الله تعالى هذه الآية إزالة لتلك الشبهة ، فقال : { قل أطيعوا الله والرسول } يعني إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا كما تقول النصارى في عيسى بل لكوني رسولا من عند الله ، ولما كان مبلغ التكاليف عن الله هو الرسول لزم أن تكون طاعته واجبة فكان إيجاب المتابعة لهذا المعنى لا لأجل الشبهة التي ألقاها المنافق في الدين .
ثم قال تعالى : { فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } يعني إن أعرضوا فإنه لا يحصل لهم محبة الله ، لأنه تعالى إنما أوجب الثناء والمدح لمن أطاعه ، ومن كفر استوجب الذلة والإهانة ، وذلك ضد المحبة ، والله أعلم .

(4/177)


إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34)

اعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات الرسل وشرف مناصبهم فقال : { إن الله اصطفى آدم } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن المخلوقات على قسمين : المكلف وغير المكلف واتفقوا على أن المكلف أفضل من غير المكلف ، واتفقوا على أن أصناف المكلف أربعة : الملائكة ، والإنس والجن ، والشياطين ، أما الملائكة ، فقد روي في الأخبار أن الله تعالى خلقهم من الريح ومنهم من احتج بوجوه عقلية على صحة ذلك فالأول : أنهم لهذا السبب قدروا على الطيران على أسرع الوجوه والثاني : لهذا السبب قدروا على حمل العرش ، لأن الريح تقوم بحمل الأشياء الثالث : لهذا السبب سموا روحانيين ، وجاء في رواية أخرى أنهم خلقوا من النور ، ولهذا صفت وأخلصت لله تعالى والأولى أن يجمع بين القولين فنقول : أبدانهم من الريح وأرواحهم من النور فهؤلاء هم سكان عالم السموات ، أما الشياطين فهم كفرة أما إبليس فكفره ظاهر لقوله تعالى : { وكان من الكافرين } [ البقرة : 34 ] وأما سائر الشياطين فهم أيضا كفرة بدليل قوله تعالى : { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } [ الأنعام : 121 ] ومن خواص الشياطين أنهم بأسرها أعداء للبشر قال تعالى : { ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو } [ الكهف : 50 ] وقال : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن } [ الأنعام : 112 ] ومن خواص الشياطين كونهم مخلوقين من النار قال الله تعالى حكاية عن إبليس { خلقتني من نار وخلقته من طين } [ الأعراف : 12 ] وقال : { والجآن خلقناه من قبل من نار السموم } [ الحجر : 27 ] فأما الجن فمنهم كافر ومنهم مؤمن ، قال تعالى : { وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } [ الجن : 14 ] أما الإنس فلا شك أن لهم والدا هو والدهم الأول ، وإلا لذهب إلى ما لا نهاية والقرآن دل على أن ذلك الأول هو آدم صلى الله عليه وسلم على ما قال تعالى في هذه السورة { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } [ آل عمران : 59 ] وقال : { ياأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } [ النساء : 1 ] .
إذا عرفت هذا فنقول : اتفق العلماء على أن البشر أفضل من الجن والشياطين ، واختلفوا في أن البشر أفضل أم الملائكة ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله تعالى : { اسجدوا لأدم فسجدوا } [ الأعراف : 11 ] والقائلون بأن البشر أفضل تمسكوا بهذه الآية ، وذلك لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة وعلو الدرجة ، فلما بين تعالى أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل العالمين وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة لكونهم من العالمين .
فإن قيل : إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين أدى إلى التناقض لأن الجمع الكثير إذا وصفوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من الآخر وذلك محال ، ولو حملناه على كونه أفضل عالمي زمانه أو عالمي جنسه لم يلزم التناقض ، فوجب حمله على هذا المعنى دفعا للتناقض وأيضا قال تعالى في صفة بني إسرائيل

(4/178)


{ وأنى فضلتكم على العالمين } [ البقرة : 47 ] ولا يلزم كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم بل قلنا المراد به عالمو زمان كل واحد منهم ، والجواب ظاهر في قوله : اصطفى آدم على العالمين ، يتناول كل من يصح إطلاق لفظ العالم عليه فيندرج فيه الملك ، غاية ما في هذا الباب أنه ترك العمل بعمومه في بعض الصور لدليل قام عليه ، فلا يجوز أن نتركه في سائر الصور من غير دليل .
المسألة الثانية : { اصطفى } في اللغة اختار ، فمعنى : اصطفاهم ، أي جعلهم صفوة خلقه ، تمثيلا بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة ، ويقال على ثلاثة أوجه : صفوة ، وصفوة وصفوة ، ونظير هذه الآية قوله لموسى { إنى اصطفيتك على الناس برسالاتي } [ الأعراف : 144 ] وقال في إبراهيم { وإسحاق ويعقوب وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار } [ ص : 47 ] .
إذا عرفت هذا فنقول . في الآية قولان الأول : المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعا إلى دينهم وشرعهم وملتهم ، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف والثاني : أن يكون المعنى : إن الله اصطفاهم ، أي صفاهم من الصفات الذميمة ، وزينهم بالخصال الحميدة ، وهذا القول أولى لوجهين أحدهما : أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار والثاني : أنه موافق لقوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [ الأنعام : 124 ] وذكر الحليمي في كتاب «المنهاج» أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية ، والقوى الروحانية ، أما القوى الجسمانية ، فهي إما مدركة ، وإما محركة .
أما المدركة : فهي إما الحواس الظاهرة ، وإما الحواس الباطنة ، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة أحدها : القوة الباصرة ، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصا بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان الأول : قوله صلى الله عليه وسلم : " زويت لي الأرض فأريت مشارقها مغاربها " والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري " ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض } [ الأنعام : 75 ] ذكروا في تفسيره أنه تعالى قوى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل قال الحليمي رحمه الله : وهذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروي أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام ، فلا يبعد أن يكون بصر النبي صلى الله عليه وسلم أقوى من بصرها وثانيها : القوة السامعة ، وكان صلى الله عليه وسلم أقوى الناس في هذه القوة ، ويدل عليه وجهان أحدهما : قوله صلى الله عليه وسلم :

(4/179)


« أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى » فسمع أطيط السماء والثاني : أنه سمع دويا وذكر أنه هوي صخرة قذفت في جهنم فلم تبلغ قعرها إلى الآن ، قال الحليمي : ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا ، فإنهم زعموا أن فيثاغورث راض نفسه حتى سمع خفيف الفلك ، ونظير هذه القوة لسليمان عليه السلام في قصة النمل { قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم } [ النمل : 18 ] فالله تعالى أسمع سليمان كلام النمل وأوقفه على معناه وهذا داخل أيضا في باب تقوية الفهم ، وكان ذلك حاصلا لمحمد صلى الله عليه وسلم حين تكلم مع الذئب ومع البعير ثالثها : تقوية قوة الشم ، كما في حق يعقوب عليه السلام ، فإن يوسف عليه السلام لما أمر بحمل قميصه إليه وإلقائه على وجهه ، فلما فصلت العير قال يعقوب { إنى لاجد ريح يوسف } [ يوسف : 94 ] فأحس بها من مسيرة أيام ورابعها : تقوية قوة الذوق ، كما في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال : « إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم » وخامسها : تقوية القوة اللامسة كما في حق الخليل حيث جعل الله تعالى النار بردا وسلاما عليه ، فكيف يستبعد هذا ويشاهد مثله في السمندل والنعامة ، وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ ، قال تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } [ الأعلى : 6 ] ومنها قوة الذكاء قال علي عليه السلام : « علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم واستنبطت من كل باب ألف باب » فإذا كان حال الولي هكذا ، فكيف حال النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما القوى المحركة : فمثل عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعراج ، وعروج عيسى حيا إلى السماء ، ورفع إدريس وإلياس على ما وردت به الأخبار ، وقال الله تعالى : { قال الذى عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } [ النمل : 40 ] .
وأما القوى الروحانية العقلية : فلا بد وأن تكون في غاية الكمال ، ونهاية الصفاء .
واعلم أن تمام الكلام في هذا الباب أن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس ، ومن لوازم تلك النفس الكمال في الذكاء ، والفطنة ، والحرية ، والاستعلاء ، والترفع عن الجسمانيات والشهوات ، فإذا كانت الروح في غاية الصفاء والشرف ، وكان البدن في غاية النقاء والطهارة كانت هذه القوى المحركة المدركة في غاية الكمال لأنها جارية مجرى أنوار فائضة من جوهر الروح واصلة إلى البدن ، ومتى كان الفاعل والقابل في غاية الكمال كانت الآثار في غاية القوة والشرف والصفاء .
إذا عرفت هذا فقوله { إن الله اصطفى آدم ونوحا } معناه : إن الله تعالى اصطفى آدم إما من سكان العالم السفلي على قول من يقول : الملك أفضل من البشر ، أو من سكان العالم العلوي على قول من يقول : البشر أشرف المخلوقات ، ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم عليه السلام ، هم شيث وأولاده ، إلى إدريس ، ثم إلى نوح ، ثم إلى إبراهيم ، ثم حصل من إبراهيم شعبتان : إسماعيل وإسحاق ، فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وجعل إسحاق مبدأ لشعبتين : يعقوب وعيصو ، فوضع النبوة في نسل يعقوب ، ووضع الملك في نسل عيصو ، واستمر ذلك إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، فلما ظهر محمد صلى الله عليه وسلم نقل نور النبوة ونور الملك إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وبقيا أعني الدين والملك لأتباعه إلى قيام القيامة ، ومن تأمل في هذا الباب وصل إلى أسرار عجيبة .

(4/180)


المسألة الثالثة : من الناس من قال . المراد بآل إبراهيم المؤمنون ، كما في قوله { النار يعرضون عليها } [ غافر : 46 ] والصحيح أن المراد بهم الأولاد ، وهم المراد بقوله تعالى : { إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدي الظالمين } [ البقرة : 124 ] وأما آل عمران فقد اختلفوا فيه ، فمنهم من قال المراد عمران ولد موسى وهارون ، وهو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فيكون المراد من آل عمران موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء ، ومنهم من قال : بل المراد : عمران بن ماثان والد مريم ، وكان هو من نسل سليمان بن داود بن إيشا ، وكانوا من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، قالوا وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة ، واحتج من قال بهذا القول على صحته بأمور أحدها : أن المذكور عقيب قوله { وآل عمران على العالمين } هو عمران بن ماثان جد عيسى عليه السلام من قبل الأم ، فكان صرف الكلام إليه أولى وثانيها : أن المقصود من الكلام أن النصارى كانوا يحتجون على إلهية عيسى بالخوارق التي ظهرت على يديه ، فالله تعالى يقول : إنما ظهرت على يده إكراما من الله تعالى إياه بها ، وذلك لأنه تعالى اصطفاه على العالمين وخصه بالكرامات العظيمة ، فكان حمل هذا الكلام على عمران بن ماثان أولى في هذا المقام من حمله على عمران والد موسى وهارون وثالثها : أن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى : { وجعلناها وابنها ءاية للعالمين } [ الأنبياء : 91 ] واعلم أن هذه الوجوه ليست دلائل قوية ، بل هي أمور ظنية ، وأصل الاحتمال قائم .
أما قوله تعالى : { ذرية بعضها من بعض } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في نصب قوله { ذرية } وجهان الأول : أنه بدل من آل إبراهيم والثاني : أن يكون نصبا على الحال ، أي اصطفاهم في حال كون بعضهم من بعض .

(4/181)


المسألة الثانية : في تأويل الآية وجوه الأول : ذرية بعضها من بعض في التوحيد والإخلاص والطاعة ، ونظيره قوله تعالى : { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } [ التوبة : 67 ] وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق والثاني : ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم عليه السلام كانوا متولدين من آدم عليه السلام ، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم .
أما قوله تعالى : { والله سميع عليم } فقال القفال : المعنى والله سميع لأقوال العباد ، عليم بضمائرهم وأفعالهم ، وإنما يصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولا وفعلا ، ونظيره قوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [ الأنعام : 124 ] وقوله { إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } [ الأنبياء : 90 ] وفيه وجه آخر : وهو أن اليهود كانوا يقولون : نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران ، فنحن أبناء الله وأحباؤه ، والنصارى كانوا يقولون : المسيح ابن الله ، وكان بعضهم عالما بأن هذا الكلام باطل ، إلا أنه لتطييب قلوب العوام بقي مصرا عليه ، فالله تعالى كأنه يقول : والله سميع لهذه الأقوال الباطلة منكم ، عليم بأغراضكم الفاسدة من هذه الأقوال فيجازيكم عليها ، فكان أول الآية بيانا لشرف الأنبياء والرسل ، وآخرها تهديدا لهؤلاء الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم .
واعلم أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قصصا كثيرة :

(4/182)


إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم (35) فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37)

القصة الاولى
واقعة حنة أم مريم عليهما السلام
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في موضع { إذ } من الإعراب أقوال الأول : قال أبو عبيدة : إنها زائدة لغوا ، والمعنى : قالت امرأة عمران ، ولا موضع لها من الإعراب ، قال الزجاج : لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئا ، لأنه لا يجوز إلغاء حرف من كتاب الله تعالى ، ولا يجوز حذف حرف من كتاب الله تعالى من غير ضرورة والثاني : قال الأخفش والمبرد : التقدير اذكر { إذ قالت امرأت عمران } ومثله في كتاب الله تعالى كثير الثالث : قال الزجاج ، التقدير : واصطفى آل عمران على العالمين إذ قالت امرأة عمران ، وطعن ابن الأنباري فيه وقال : إن الله تعالى قرن اصطفاء آل عمران باصطفاء آدم ونوح ، ولما كان اصطفاؤه تعالى آدم ونوحا قبل قول امرأة عمران استحال أن يقال : إن هذا الاصطفاء مقيد بذلك الوقت الذي قالت امرأة عمران هذا الكلام فيه ويمكن أن يجاب عنه بأن أثر اصطفاء كل واحد إنما ظهر عند وجوده ، وظهور طاعاته ، فجاز أن يقال : إن الله اصطفى آدم عند وجوده ، ونوحا عند وجوده ، وآل عمران عندما قالت امرأة عمران هذا الكلام الرابع : قال بعضهم : هذا متعلق بما قبله ، والتقدير : والله سميع عليم إذ قالت امرأة عمران هذا القول .
فإن قيل : إن الله سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول ، فما معنى هذا التقييد؟
قلنا : إن سمعه تعالى لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام وعلمه تعالى بأنها تذكر ذلك مقيد بذكرها لذلك والتغير في العلم والسمع إنما يقع في النسب والمتعلقات .
المسألة الثانية : أن زكريا بن أذن ، وعمران بن ماثان ، كانا في عصر واحد ، وامرأة عمران حنة بنت فاقوذ ، وقد تزوج زكريا بابنته إيشاع أخت مريم ، وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة ، ثم في كيفية هذا النذر روايات :
الرواية الأولى : قال عكرمة . إنها كانت عاقرا لا تلد ، وكانت تغبط النساء بالأولاد ، ثم قالت : اللهم إن لك علي نذرا إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته .
والرواية الثانية : قال محمد بن إسحاق : إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد حتى شاخت ، وكانت يوما في ظل شجرة فرأت طائرا يطعم فرخا له فتحركت نفسها للولد ، فدعت ربها أن يهب لها ولدا فحملت بمريم ، وهلك عمران ، فلما عرفت جعلته لله محررا ، أي خادما للمسجد ، قال الحسن البصري : إنها إنما فعلت ذلك بإلهام من الله ولولاه ما فعلت كما رأى إبراهيم ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر من الله وإن لم يكن عن وحي ، وكما ألهم الله أم موسى فقذفته في اليم وليس بوحي .

(4/183)


المسألة الثالثة : المحرر الذي جعل حرا خالصا ، يقال : حررت العبد إذا خلصته عن الرق ، وحررت الكتاب إذا أصلحته ، وخلصته فلم تبق فيه شيئا من وجوه الغلط ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه تعلق ، والطين الحر الخالص عن الرمل والحجارة والحمأة والعيوب أما التفسير فقيل مخلصا للعبادة عن الشعبي ، وقيل : خادما للبيعة ، وقيل : عتيقا من أمر الدنيا لطاعة الله ، وقيل : خادما لمن يدرس الكتاب ، ويعلم في البيع ، والمعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفا على طاعة الله ، قال الأصم : لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي ، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا ، وذلك لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين ، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع ، ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى ، وقيل : كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم ، ثم يخير بين المقام والذهاب ، فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب ، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار ، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس .
المسألة الرابعة : هذا التحرير لم يكن جائزا إلا في الغلمان أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض ، والأذى ، ثم إن حنة نذرت مطلقا إما لأنها بنت الأمر على التقدير ، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر .
المسألة الخامسة : في انتصاب قوله { محررا } وجهان الأول : أنه نصب على الحال من { ما } وتقديره : نذرت لك الذي في بطني محررا والثاني : وهو قول ابن قتيبة أن المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محررا .
ثم قال الله تعالى حاكيا عنها : { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } التقبل : أخذ الشيء على الرضا ، قال الواحدي : وأصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء ، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في عبادته ، ثم قالت { إنك أنت السميع العليم } والمعنى : أنك أنت السميع لتضرعي ودعائي وندائي ، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي .
واعلم أن هذا النوع من النذر كان في شرع بني إسرائيل وغير موجود في شرعنا ، والشرائع لا يمتنع اختلافها في مثل هذه الأحكام .
قال تعالى : { فلما وضعتها } واعلم أن هذا الضمير إما أن يكون عائدا إلى الأنثى التي كانت في بطنها وكان عالما بأنها كانت أنثى أو يقال : إنها عادت إلى النفس والنسمة أو يقال : عادت إلى المنذورة .
ثم قال تعالى : { قالت رب إنى وضعتها أنثى } واعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها ، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها ، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى فقالت { رب إنى وضعتها أنثى } خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى ، تعالى الله عن أن يحتاج إلى إعلامها ، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار .

(4/184)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية