صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تفسير الثعالبي - الثعالبي ]
الكتاب : الجواهر الحسان في تفسير القرآن
المؤلف : عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي
الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت
عدد الأجزاء : 4

والأول هو القوي وقولهم نجعلهما تحت اقدامنا يريدون في أسفل طبقة في النار وهي أشد عذابا وقوله تعالى ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا قال سفيان بن عبد الله الثقفي قلت يا رسول الله أخبرني بأمر اعتصم به قال قل ربي الله ثم استقم ت هذا الحديث خرجه مسلم في صحيحه قال صاحب المفهم جوابه صلى الله عليه و سلم من جوامع الكلم وكأنه منتزع من قول الله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا الآية وتلخيصه اعتدلوا على طاعته قولا وفعلا وعقدا انتهى من شرح الأربعين حديثا لابن الفاكهاني قال ع واختلف الناس في مقتضى قوله ثم استقاموا فذهب الحسن وجماعة الى أن معناه استقاموا بالطاعات واحتناب المعاصي وتلا عمر رضي الله عنه هذه الآية على المنبر ثم قال استقاموا والله بطاعته ولم يروغوا روغان الثعالب قال ع فذهب رحمه الله الى حمل الناس على الاتم الأفضل وإلا فيلزم على هذا التأويل من دليل الخطاب أن لا تتنزل الملائكة عند الموت على غير مستقيم على الطاعة وذهب أبو بكر رضي الله عنه وجماعة معه الى أن المعنى ثم استقاموا على قولهم ربنا الله فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب ايمانهم قال ع وفي الحديث الصحيح من كان آخر كلامه لا اله الا الله دخل الجنة وهذا هو المعتقد ان شاء الله وذلك أن العصاة من أمة محمد وغيرها فرقتان فاما من غفر الله له وترك تعذيبه فلا محالة أنه ممن تتنزل عليهم الملائكة بالبشارة وهو انما استقام على توحيده فقط وأما من قضى الله بتعذيبه مدة ثم يأمر بادخاله الجنة فلا محالة أنه يلقي جميع ذلك عند موته ويعلمه وليس يصح أن تكون حالة كحالة الكافر واليائس من رحمة الله واذا كان هذا فقد حصلت له بشارة بأن لا يخاف الخلود ولا يحزن منه ويدخل فيمن يقال لهم ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ومع هذا كله فلا يختلف في أن الموحد المستقيم على الطاعة

(4/89)


أتم حالا وأكمل بشارة وهو مقصد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وبالجملة فكلما كان المرء أشد استعدادا كان أسرع فوزا بفضل الله تعالى قال الثعلبي قوله تعالى تتنزل عليهم الملائكة أي عند الموت أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا قال وكيع والبشرى في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث وفي البخاري تتنزل عليهم الملائكة أي عند الموت انتهى قال ابن العربي في أحكامه تتنزل عليهم الملائكة قال المفسرون عند الموت وأنا أقول كل يوم وأوكد الأيام يوم الموت وحين القبر ويوم الفزع الأكبر وفي ذلك أثار بيناها في موضعها انتهى قال ع وقوله تعالى أن لا تخافوا ولا تحزنوا آمنة عامة في كل هم مستأنف وتسلية تامة عن كل فائت ماض وقال مجاهد المعنى لا تخافون ما تقدمون عليه ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم ت وذكر أبو نعيم عن ثابت البناني أنه قرأ حم السجدة حتى بلغ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة فوقف وقال بلغنا أن العبد المؤمن حيث يبعث من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد قال فآمن الله خوفه وأقر عينه الحديث انتهى قال ابن المبارك في رقائقه سمعت سفيان يقول في قوله تعالى تتنزل عليهم الملائكة أي عند الموت أن لا تخافوا ما أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفتم من ضيعاتكم وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون قال يبشر بثلاث بشارات عند الموت واذا خرج من القبر واذا فزع نحن أوليائكم في الحياة الدنيا قالوا كانوا معهم قال ابن المبارك وأخبرنا رجل عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى نحن أولياءكم في الحياة الدنيا قال قرناءهم يلقونهم يوم القيامة فيقولون لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة اه وقوله تعالى نحن أولياءكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة المتكلم بنحن أولياءكم هم الملائكة القائلون لا تخافوا ولا تحزنوا أي يقولون للمؤمنين عند الموت وعند مشاهدة الحق نحن

(4/90)


كنا أولياءكم في الدنيا ونحن هم أولياءكم في الآخرة قال السدي المعنى نحن حفظتكم وأولياؤكم في الآخرة والضمير في قوله فيها عائد على الآخرة وتدعون معناه تطلبون قال الفخر ومعنى كونهم أولياء للمؤمنين اشارة الى أن للملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية بالالهامات والمكاشفات اليقينية والمناجات الخفية كما أن للشياطين تأثيرات في الأرواح بالقاء الوساوس وبالجملة فكون الملائكة أولياء للأرواح الطيبة الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب المكاشفات والمشاهدات فهم يقولون كما أن تلك الولايات الحاصلة في الدنيا فهي تكون باقية في الآخرة فإن تلك العلائق ذاتية لازمة غير مائلة الى الزوال بل تصير بعد الموت أقوى وأبقى وذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة وهي كالشعلة بالنسبة الى الشمس والقطرة بالنسبة الى البحر وانما التعلقات الجسدانية والتدبيرات البدنية هي الحائلة بينها وبين الملائكة فاذا زالت تلك العلائق فقد زال الغطاء واتصل الأثر بالمؤثر والقطرة بالبحر والشعلة بالشمس انتهى ت وقد نقل الثعلبي من كلام أرباب المعاني هنا كلاما كثيرا حسنا جدا موقظا لأرباب الهمم فانظره ان شئت وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم إنه قال اذا فنيت أيام الدنيا عن هذا العبد المؤمن بعث الله الى نفسه من يتوفاها قال فقال صاحباه اللذان يحفظان عليه عمله أن هذا قد كان لنا أخا وصاحبا وقد حان اليوم منه فراق فأذنوا لنا أو قال دعونا نثن على أخينا فيقال أثنيا عليه فيقولان جزاك الله خيرا ورضي عنك وغفر لك وأدخلك الجنة فنعم الأخ كنت والصاحب ما كان أيسر مؤنتك وأحسن معونتك على نفسك ما كانت خطاياك تمنعنا أن نصعد الى ربنا فنسبح بحمده ونقدس له ونسجد د له ويقول الذي يتوفى نفسه أخرج أيها الروح الطيب الى خير يوم مر عليك فنعم ما قدمت لنفسك أخرج الى الروح

(4/91)


والريحان وجنات النعيم ورب عليك غير غضبان واذا فنيت أيام الدنيا عن العبد الكافر بعث الله الى نفسه من يتوفاها فيقول صاحباه اللذان كانا يحفظان عليه عمله أن هذا قد كان لنا صاحبا وقد حان منه فراق فاذنوا لنا ودعونا نثن على صاحبنا فيقال أثينا عليه فيقولان لعنة الله وغضبه عليه ولا غفر له وأدخله النار فبيس الصاحب ما كان أشد مؤنته وما كان يعين على نفسه إن كانت خطاياه وذنوبه لتمنعنا الى أن نصعد الى ربنا فنسبح له ونقدس له ونسجد له ويقول الذي يتوفى نفسه اخرج أيها الروح الخبيث الى شر يوم مر عليك فبيس ما قدمت لنفسك اخرج الى الحميم وتصلية الجحيم ورب عليك غضبان انتهى وقوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله الآية ابتداء توصية لنبيه عليه السلام وهو لفظ يعم كل من دعا قديما وحديثا الى الله عز و جل من الأنبياء والمؤمنين والمعنى لا أحد أحسن قولا ممن هذه حاله والى العموم ذهب الحسن ومقاتل وجماعة وقيل أن الآية نزلت في المؤذنين وهذا ضعيف لأن الآية مكية والأذان شرع بالمدينة قال أبو حيان ولا السيئة لا زائدة للتوكيد انتهى وقوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن آية جمعت مكارم الاخلاق وأنواع الحلم والمعنى ادفع ما يعرض لك مع الناس في مخالطتهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أحسن قال ابن عباس أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الاساءة فاذا فعل المؤمنون ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم البخاري ولي حميم أي قريب انتهى وفسر مجاهد وعطاء هذه الآية بالسلام عند اللقاء قال ع ولا شك أن السلام هو مبدأ الدفع بالتي هي أحسن وهو جزء منه والضمير في قوله يلقاها عائد على هذه الخلق التي يقتضيها قوله ادفع بالتي هي أحسن وقالت فرقة المراد وما يلقي لا اله الا الله وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ وقوله سبحانه الا الذين صبروا مدح بليغ

(4/92)


للصابرين وذلك بين المتأمل لأن الصبر على الطاعات وعن الشهوات جامع لخصال الخير كلها والحظ العظيم يحتمل أن يريد من العقل والفضل فتكون الآية مدحا للمتصف بذلك ويحتمل أن يريد ذو حظ عظيم من الجنة وثواب الآخرة فتكون الآية وعدا وبالجنة فسر قتادة الحظ هنا وقوله تعالى وإما ينزغنك الشيطان نزغ فاستعذ بالله أما شرط وجواب الشرط قوله فاستعذ والنزغ فعل الشيطان في قلب أو يد من القاء غضب أو حقد أو بطش في اليد فمن الغضب هذه الآية ومن الحقد قوله نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي ومن البطش قول النبي صلى الله عليه و سلم لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده فيلقيه في حفرة من حفر النار ومن دعاء الشيخ الولي العارف بالله سبحانه محمد بن مسرة القرطبي اللهم لا تجعل صدري للشيطان مراغا ولا تصير قلبي له مجالا ولا تجعلني ممن استفزه بصوته واجلب عليه بخيله ورجله وكن لي من حبائله منجيا ومن مصائده منقذا ومن غوايته مبعدا اللهم أنه وسوس في القلب وألقى في النفس مالا يطيق اللسان ذكره ولا تستطيع النفس نشره مما نزهك عنه علو عزك وسمو مجدك فازل يا سيدي ما سطر وامح ما زور بوابل من سحائب عظمتك وطوفان من بحار نصرتك واسلل عليه سيف أبعادك وارشقه بسهام أقصائك واحرقه بنار انتقامك واجعل خلاصي منه زائدا في حزنه وموكدا لاسفه ثم قال رحمه الله اعلم أنه ربما كان العبد في خلوته مشتغلا بتلاوته ويجد في نفسه من الوسوسة ما يجول بينه وبين ربه حتى لا يجد لطعم الذكر حلاوة ويجد في قلبه قساوة وربما اعتراه ذلك مع الاجتهاد في قراءته وعلة ذلك أن الذكر ذكران ذكر خوف ورهبة وذكر أمن وغفلة فاذا كان الذكر بالخوف والرهبة خنس الشيطان ولم يحتمل الحملة وأذهب الوسوسة لأن الذكر اذا كان باجتماع القلب وصدق النية لم يكن للشيطان قوة عند ذلك

(4/93)


وانقطعت علاق حيله وانما قوته ووسوسته مع الغفلة واذا كان الذكر بالأمن والغفلة لم تفارقه الوسوسة وان استدام العبد الذكر والقراءة لأن على قلب الغافل غشاوة ولا يجد صاحبها لطعم الذكر حلاوة فتحفظ على دينك من هذا العدو وليس لك أن تزيله عن مرتبته ولا أن تزيحه عن وطنه وإنما أبيح لك مجاهدته فاستعن بالله يعنك وثق بالله فانه لا يخذلك قال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين انتهى من تصنيفه رحمه الله وندب سبحانه في الآية المتقدمة الى الأخذ بمكارم الأخلاق ووعد على ذلك وعلم سبحانه أن خلقة البشر تغلب أحيانا وتثور بهم سورة الغضب ونزغ الشيطان فدلهم في هذه الآية على ما يذهب ذلك وهي الاستعاذة به عز و جل ثم عدد سبحانه آياته ليعتبر فيها فقال ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ثم قال تعالى لا تسجدوا للشمس ولا للقمر وان كانت لكم فيهما منافع لأن النفع منهما انما هو يتسخير الله اياهما فهو الذي ينبغي أن يسجد له والضمير في خلقهن قيل هو عائد على الآيات المتقدم ذكرها وقيل عائد على الشمس والقمر والاثنان جمع وايضا جمع ما لا يعقل يؤنث فلذلك قال خلقهن ومن حيث يقال شموس وأقمار لاختلافهما بالأيام ساغ أن يعود الضمير مجموعا وقيل هو عائد على الأربعة المذكورة ت ومن كتاب المستغيثين بالله لأبي القاسم بن بشكوال حدث بسنده الى أنس بن مالك قال تقرأ حم السجدة وتسجد عند السجدة وتدعو فانه يستجاب لك قال الراوي وجربته فوجدته مستجابا انتهى ثم خاطب جل وعلا نبيه عليه السلام بما يتضمن وعيدهم وحقارة أمرهم وأنه سبحانه غني عن عبادتهم بقوله فان استكبروا الآية وقوله فالذين يعني بهم الملائكة هم صافون يسبحون وعند هنا ليست بظرف مكان وانما هي بمعنى المنزلة والقربة كما تقول زيد عند الملك جليل ويروى أن تسبيح الملائكة قد صار لهم كالنفس لبني

(4/94)


آدم ولا يسئمون معناه لا يملون ثم ذكر تعالى آية منصوبة ليعتبر بها في أمر البعث من القبور ويستدل بما شوهد من هذه على ما لم يشاهد فقال ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة الآية وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة وشعث بالجدب فهي عابسة كما الخاشع عابس يكاد يبكي واهتزاز الأرض هو تخلخل أجزائها وتشققها للنبات وربوها هو انتفاخها بالماء وعلو سطحها به وعبارة البخاري اهتزت بالنبات وربت ارتفعت اه ثم ذكر الله تعالى بالأمر الذي ينبغي أن يقاس على هذه الآية والعبرة وذلك احياء الموتى فقال ان الذي أحياها لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير والشيء في اللغة الموجود وقوله تعالى أن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا الآية آية وعيد والالحاد الميل وهو هنا ميل عن الحق ومنه لحد الميت لأنه في جانب يقال لحد الرجل والحد بمعنى واختلف في الحادهم هذا ما هو فقال قتادة وغيره هو الحاد بالتكذيب وقال مجاهد وغيره هو بالمكاء والصفير واللغو الذين ذهبوا اليه وقال ابن عباس الحادهم وضعهم للكلام غير موضعه ولفظة الالحاد تعم هذا كله وباقي الآية بين وقوله تعالى اعملوا ما شئتم وعيد في صيغة الأمر باجماع من أهل العلم وقوله تعالى ان الذين كفروا بالذكر الآية يريد الذين كفروا قريشا والذكر القرآن باجماع واختلف في الخبر عنهم أين هو فقالت فرقة هو في قوله أولئك ينادون من مكان بعيد ورد بكثرة الحائل وأن هنالك قوما قد ذكروا يحسن رد قوله أولئك ينادون عليهم وقالت فرقة الخبر مضمر تقديره ان الذين كفروا بالذكر لما جاءهم هلكوا أو ضلوا وقيل الخبر في قوله وإنه لكتاب عزيز وهذا ضعيف لا يتجه وقال عمرة بن عبيد معناه في التفسير ان الذين كفروا بالذكر لما جائهم كفروا به وانه لكتاب عزيز قال ع والذي يحسن في هذا هو اضمار الخبر ولكنه عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدره هؤلاء فيه وانما هو بعد حكيم حميد

(4/95)


وهو أشد اظهارا لمذمة الكفار به وذلك لأن قوله وانه لكتاب داخل في صفة الذكر المكذب به فلم يتم ذكر المخبر عنه الا بعد استيفاء وصفه ووصف الله تعالى الكتاب بالعزة لأنه بصحة معانيه ممتنع الطعن فيه والازراء عليه وهو محفوظ من الله تعالى قال ابن عباس معناه كريم على الله تعالى وقوله تعالى لا يأتيه الباطل قال قتادة والسدي يريد الشيطان وظاهر اللفظ يعم الشيطان وأن يجيء أمر يبطل منه شيئا وقوله من بين يديه معناه ليس فيما تقدم من الكتب ما يبطل شيئا منه وقوله ولا من خلفه أي ليس يأتي بعده من نظر ناظر وفكرة عاقل ما يبطل شيئا منه والمراد باللفظة على الجملة لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات وقوله تنزيل خبر مبتدأ أي هو تنزيل وقوله تعالى ما يقال لك الا ما قد قيل للرسل من قبلك يحتمل معنيين أحدهما أن يكون تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم عن مقالات قومه وما يلقاه من المكروه منهم والثاني أن يكون المعنى ما يقال لك من الوحي وتخاطب به من جهة الله تعالى الا ما قد قيل للرسل من قبلك وقوله تعالى ولو جعلناه قرآنا أعجميا الآية الأعجمي هو الذي لا يفصح عربيا كان أو غير عربي والعجمي الذي ليس من العرب فصيحا كان أو غير فصيح والمعنى ولو جعلنا هذا القرآن أعجميا لا يبين لقالوا واعترضوا لولا بينت آياته وهذه الآية نزلت بسبب تخليط اكن من قريش في أقوالهم من أجل حروف وقعت في القرآن وهي مما عرب من كلام العجم كسجين واستبرق ونحوه وقرأ الجمهور ءاعجمي وعربي على الاستفهام وهمزة ممدودة قبل الألف وقرأ حمزة والكسائي وحفص أأعجمي بهمزتين وكأنهم ينكرون ذلك ويقولون أأعجمي وعربي مختلط هذا لا يحسن ثم قال تعالى قل هو يعني القرآن للذين آمنوا هدى وشفاء واختلف الناس في قوله وهو عليهم عمى فقالت فرقة يريد بهو القرآن وقالت فرقة يريد بهو الوقر وهذه كلها استعارات

(4/96)


والمعنى أنهم كالأعمى وصاحب الوقر وهو الثقل في الاذن المانع من السمع وكذلك قوله تعالى أولئك ينادون من مكان بعيد يحتمل معنيين وكلاهما مقول للمفسرين أحدهما أنها استعارة لقلة فهمهم شبههم بالرجل ينادي على بعد يسمع منه الصوت ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه وهذا تأويل مجاهد والآخران الكلام على الحقيقة وأن معناه أنهم يوم القيامة ينادون بكفرهم وقبيح أعمالهم من بعد حتى يسمع ذلك أهل الموقف ليفضحوا على رؤوس الخلائق ويكون أعظم لتوبيخهم وهذا تأويل الضحاك قال أبو حيان عمى بفتح الميم مصدر عمي انتهى ثم ضرب الله تعالى امر موسى مثلا للنبي عليه السلام ولقريش أي فعل أولئك كأفعال هؤلاء حين جاءهم مثل ما جاء هؤلاء والكلمة السابقة هي حتم الله تعالى بتأخير عذابهم الى يوم القيامة والضمير في قوله لفي شك منه يحتمل أن يعود على موسى أو على كتابه وقوله تعالى من عمل صالحا فلنفسه الآية نصيحة بليغة للعالم وتحذير وترجية وقوله تعالى اليه يرد علم الساعة الآية المعنى أن علم الساعة ووقت مجيئها يرده كل مؤمن متكلم فيه الى الله عز و جل وقوله تعالى ويوم يناديهم أين شركائي الآية التقدير واذكر يوم يناديهم والضمير في يناديهم الأظهر والأسبق فيه للفهم أنه يريد الكفار عبدة الأوثان ويحتمل أن يريد كل من عبد من دون الله من انسان وغيره وفي هذا ضعف وأما الضمير في قوله وضل عنهم فلا احتمال لعودته الا على الكفار وءاذناك قال ابن عباس وغيره معناه أعلمناك ما منا من يشهد ولا من شهد بأن لك شريكا وضل عنهم أي نسوا ما كانوا يقولون في الدنيا ويدعون من الآلهة والأصنام ويحتمل أن يريد وضل عنهم الاصنام أي تلفت فلم يجدوا منها نصرا وتلاشى لهم أمرها وقوله وظنوا يحتمل أن يكون متصلا بما قبله ويكون الوقف عليه ويكون قوله ما لهم من محيص استئناف نفي أن يكون لهم ملجأ أو موضع روغان تقول

(4/97)


حاص الرجل اذا راغ لطلب النجاة من شيء ومنه الحديث فحاصوا حيصة حمر الوحش الى الأبواب ويكون الظن على هذا التأويل على بابه أي ظنوا أن هذه المقالة ما منا من شهيد منجاة لهم أو أمر يموهون به ويحتمل أن يكون الوقف في قوله من قبل ويكون وظنوا متصلا بقوله ما له من محيص أي ظنوا ذلك ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين وقد تقدم البحث في اطلاق الظن على اليقين ت وهذا التأويل هو الظاهر والأول بعيد جدا وقوله تعالى لا يسأم الانسان من دعاء الخير هذه آيات نزلت في كفار قيل في الوليد بن المغيرة وقيل في عتبة بن ربيعة وجل الآية يعطي أنها نزلت في كفار وإن كان أولها يتضمن خلقا ربما شارك فيها بعض المؤمنين ودعاء الخير اضافته اضافة المصدر الى المفعول وفي مصحف ابن مسعود من دعاء بالخير والخير في هذه الآية المال والصحة وبذلك تليق الآية بالكفار وقوله تعالى ليقولون هذا لي أي بعملي وبما سعيت ولا يرى أن النعم انما هي فضل من الله تعالى قال صلى الله عليه و سلم ليقولون قال أبو البقاء هو جواب الشرط والفاء محذوفة وقيل هو جواب قسم محذوف قال صلى الله عليه و سلم قلت هذا هو الحق والأول غلط لأن القسم قد تقدم في قوله ولئن فالجواب له ولأن حذف الفاء في الجواب لا يجوز انتهى وفي تغليط الصفاقسي لأبي البقاء نظر وقوله وما أظن الساعة قائمة قول بين فيه الجحد والكفر ثم يقول هذا الكافر ولئن رجعت الى ربي كما تقولون أن لي عنده للحسنى أي حالا ترضيني من مال وبنين وغير ذلك قال ع والأماني على الله تعالى وترك الجد في الطاعة مذموم لكل أحد فقد قال عليه السلام الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله وقوله تعالى واذا أنعمنا على الانسان أعرض ونئا عن جانبه الآية ذكر سبحانه الخلق الذميمة من الانسان جملة وهي في الكافر بينة متمكنة وأما المؤمن ففي الأغلب يشكر على النعمة

(4/98)


وكثيرا ما يصير عند الشدة ونئا معناه بعد ولم يمل الى شكر ولا طاعة وقوله فذو دعاء عريض أي وطويل أيضا وعبارة الثعلبي عريض أي كثير والعرب تستعمل الطول والعرض كليهما في الكثرة من الكلام انتهى ثم أمر تعالى نبيه أن يوقف قريشا على هذا الاحتجاج وموضع تغريرهم بأنفسهم فقال قل أرايتم إن كان من عند الله وخالفتموه ألستم على هلكة فمن أضل ممن يبقي على مثل هذا الغرر مع الله وهذا هو الشقاق ثم وعد تعالى نبيه عليه السلام بأنه سيرى الكفار آياته واختلف في معنى قوله سبحانه في الآفاق وفي أنفسهم فقال المنهال والسدي وجماعة هو وعد بما يفتحه الله على رسوله من الاقطار حول مكة وفي غير ذلك من الأرض كخيبر ونحوها وفي أنفسهم اراد به فتح مكة قال ع وهذا تأويل حسن يتضمن الاعلام بغيب ظهر بعد ذلك وقال قتادة والضحاك ستنريهم آياتنا في الآفاق هو ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض قديما وفي أنفسهم يوم بدر والتأويل الأول أرجح والله اعلم والضمير في قوله تعالى أنه الحق عائد على الشرع والقرآن فباظهار الله نبيه وفتح البلاد عليه يتبين لهم أنه الحق وقوله بربك قال ابو حيان الباء زائدة وهو فاعل يكف أي أو لم يكفهم ربك انتهى وباقي الآية بين
تفسير سورة الشورى وهي مكية
وقال مقاتل فيها مدني قوله تعالى ذلك الذي يبشر الله عباده الى الصدور

(4/99)


بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى حم عسق قال الثعلبي قال ابن عباس أن حم عسق هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله المنزلة على كل نبي أنزل عليه كتاب ولذلك قال تعالى كذلك يوحي اليك والى الذين من قبلك وقرأ الجمهور يوحي باسناد الفعل الى الله تعالى وقرأ ابن كثير وحده يوحي بفتح الحاء على بناء الفعل للمفعول والتقدير يوحي اليك القرآن وقوله تعالى والى الذين من قبلك يريد من الأنبياء الذين نزل عليهم الكتاب وقرأ نافع والكسائي يتفطرن وقرأ أبو عمرة وعاصم ينفطرن والمعنى فيهما يتصدعن ويتشققن خضوعا وخشية من الله تعالى وتعظيما وطاعة وقوله من فوقهن أي من أعلاهن وقال الأخفش علي بن سليمان الضمير من فوقهن للكفار أي من فوق الجماعات الكافرة والفرق الملحدة من أجل أقوالها يكاد السماوات يتفطرن فهذه الآية على هذا كالتي في كهيعص يكاد السماوات يتفطرن منه الآية وقالت فرقة معناه من فوق الأرضين اذ قد جرى ذكر الأرض وقوله تعالى ويستغفرون لمن في الأرض قالت فرقة هذا منسوخ بقوله تعالى ويستغفرون للذين آمنوا قال ع وهذا قول ضعيف لأن النسخ في الاخبار لا يتصور وقال السدي ما معناه أن ظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص في المؤمنين فكأنه قال ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين وقالت فرقة بل هي على عمومها لكن استغفار الملائكة ليس بطلب غفران للكفرة مع بقائهم على كفرهم وانما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي الى الغفران لهم وتأويل السدي أرجح وقوله تعالى والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل هذه آية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم ووعيد للكافرين

(4/100)


والمعنى ليس لك الا البلاغ فقط فلا تهتم بعدم ايمان قريش وغيرهم الله هو الحفيظ عليهم كفرهم المحصي لأعمالهم المجازي عليها وأنت لست بوكيل عليهم وما في هذه الألفاظ من موادعة فمنسوخ قال الامام الفخر في شرحه لأسماء الله الحسنى عند كلامه على اسمه سبحانه الحفيظ قال بعضهم ما من عبد حفظ جوارحه الا حفظ الله عليه قلبه وما من عبد حفظ الله عليه قلبه الا جعله حجة على عباده انتهى ثم قال تعالى وكذلك أوحينا اليك قرآنا عربيا المعنى وكما قضينا أمرك هكذا وأمضيناه في هذه السورة كذلك أوحينا اليك قرآنا عربيا مبينا لهم لا يحتاجون الى آخر سواه اذ فهمه متأت لهم ولم نكلفك الا انذار من ذكر وأم القرى هي مكة ويوم الجمع هو يوم القيامة أي تخوفهم اياه وقوله فريق مرتفع على خبر الابتداء المضمر كأنه قال هم فريق في الجنة وفريق في السعير ثم قوي تعالى تسلية نبيه بأن عرفه أن الأمر موقوف على مشيئة الله من ايمانهم أو كفرهم وأنه لو اراد كونهم أمة واحدة على دين واحد لجمعهم عليه ولكنه سبحانه يدخل من سبقت له السعادة عنده في رحمته وييسره في الدنيا لعمل أهل السعادة وان الظالمين بالكفر الميسرين لعمل الشقاوة ما لهم من ولي ولا نصير قال عبد الحق رحمه الله في العاقبة وقد علمت رحمك الله أن الناس يوم القيامة صنفان صنق مقرب مصان وآخر مبعد مهان صنف نصبت لهم الأسرة والحجال والأرائك والكلال وجمعت لهم الرغائب والآمال وآخرون أعدت لهم الأراقم والصلال والمقامع والأغلال وضروب الاهوال والأنكال وأنت لا تعلم من ايهما أنت ولا في أي الفريقين كنت ... نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل ... وتقلبوا فرحين تحت ظلالها ... وطرحت بالصحراء غير مظلل

(4/101)


وسقوا من الصافي المعتق ريهم ... وسقيت دمعة واله متململ ...
بكى سفيان الثوري رحمه الله ليلة الى الصباح فقيل له بكاؤك هذا على الذنوب فأخذ نبتة من الأرض وقال الذنوب أهون من هذا إنما أبكي خوف الخاتمة وبكى غير سفيان وغير سفيان وأنه للأمر يبكي عليه ويصرف الاهتمام كله اليه وقد قيل لا تكف دمعك حتى ترى في المعاد ربعك وقيل يا ابن آدم الأقلام عليك تجري وأنت في غفلة لا تدري يا ابن آدم دع التنافس في هذه الدار حتى ترى ما فعلت في أمرك الأقدار سمع بعض الصالحين منشدا ينشد أيا راهبي نجران ما فعلت هند فبكى ليلة الى الصباح فسئل عن ذلك فقال قلت في نفسي ما فعلت الأقدار في وماذا جرت به علي انتهى وقوله تعالى أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي الآية قوله ام اتخذوا كلام مقطوع مما قبله وليست بمعادلة ولكن الكلام كانه اضرب عن حجة أم لهم أو مقالة مقررة فقال بل اتخذوا هذا مشهور قول النحويين في مثل هذا وذهب عضهم الى أن أم هذه هي بمنزلة ألف الاستفهام دون تقرير اضراب ثم أثبت الحكم بأنه عز و جل هو الولي الذي تنفع ولايته وقوله تعالى وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الى الله الآية المعنى قل لهم يا محمد وما اختلفتم فيه أيها الناس من تكذيب وتصديق وايمان وكفر وغير ذلك فالحكم فيه والمجازاة عنه ليست الي ولا بيدي وانما ذلك الى الله تعالى الذي صفاته ما ذكر من احياء الموتى والقدرة على كل شيء وقوله تعالى جعل لكم من أنفسكم أزواجا يريد زوج الانسان الأنثى وبهذه النعمة اتفق الذرء وليست الأزواج هاهنا الأنواع وقوله ومن الأنعام أزواجا الظاهر أيضا فيه والمتسق أنه يريد اناث الذكران ويحتمل أن يريد الأنواع والأول أظهر وقوله يذرؤكم أي يخلقكم نسلا بعد نسل وقرنا بعد قرن قاله مجاهد والناس فلفظة ذرأ تزيد على لفظة خلق

(4/102)


معنى آخر ليس في خلق وهو توالي طبقات على مر الزمان وقوله فيه الضمير عائد على الجعل الذي يتضمنه قوله جعل لكم وهذا كما تقول كلمت زيدا كلاما أكرمته فيه وقال القتبي الضمير للتزويج ولفظة في مشتركة على معان وان كان أصلها الوعاء واليه يردها النظر في كل وجه وقوله تعالى ليس كمثله شيء الكاف موكدة للتشبيه فنفي التشبيه أوكد ما يكون وذلك أنك تقول زيد كعمرو وزيد مثل عمرو فاذا أرادت المبالغة التامة قلت زيد كمثل عمرو وجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب وعلى هذا المعنى شواهد كثيرة وذهب الطبري وغيره الى أن المعنى ليس كهو شيء وقالو لفظة مثل في الآية توكيد وواقعة موقع هو والمقاليد المفاتيح قاله ابن عباس وغيره وقال مجاهد هذا أصلها بالفارسية وهي هاهنا استعارة لوقوع كل أمر تحت قدرته سبحانه وقال السدي المقاليد الخزائن وفي اللفظ على هذا حذف مضاف قال قتادة من ملك مقاليد خزائن فالخزائن في ملكه وقوله سبحانه شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الآية المعنى شرع لكم وبين من المعتقدات والتوحيد ما وصى به نوحا قبل وقوله والذي عطف على ما وكذلك ما ذكر بعد من اقامة الدين مشروع اتفقت النبوءات فيه وذلك في المعتقدات وأما الأحكام بانفرادها فهي في الشرائع مختلفة وهي المراد في قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا واقامة الدين هو توحيد الله ورفض سواه وقوله تعالى ولا تتفرقوا نهي عن المهلك من تفرق الانحاء والمذاهب والخير كله في الألفة واجتماع الكلمة ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام كبر على المشركين ما تدعوهم اليه من توحيد الله ورفض الأوثان قال قتادة كبر عليهم لا اله الا الله وأبى الله الا نصرها ثم سلاه تعالى عنهم بقوله الله يجتبي اليه من يشاء الآية أي يختار ويصطفي قاله مجاهد وغيره وينيب معناه يرجع عن الكفر ويحرص على

(4/103)


الخير ويطلبه وما تفرقوا يعني اوائل اليهود والنصارى الا من بعد ما جاءهم العلم وقوله بغيا بينهم أي بغى بعضهم على بعض واداهم ذلك الى اختلاف الراي وافتراق الكلمة والكلمة السابقة قال المفسرون هي حتمة تعالى القضاء بان مجازاتهم انما تقع في الآخرة ولولا ذلك لفصل بينهم في الدنيا وغلب الحق على المبطل وقوله تعالى وان الذين اورثوا الكتاب اشارة الى معاصري نبينا محمد عليه السلام من اليهود والنصارى وقيل هو اشارة الى العرب والكتاب على هذا هو القرآن والضمير في قوله لفي شك منه يحتمل ان يعود على الكتاب او على محمد او على الاجل المسمى أي في شك من البعث على قول من راى ان الاشارة الى العرب ووصف الشك بمريب مبالغة فيه واللام في قوله تعالى فلذلك فادع قالت فرقة هي بمنزلة الى كأنه قال فالى ما وصى به الانبياء من التوحيد فادع وقالت فرقة بل هي بمعنى من اجل كانه قال من اجل ان الامر كذا وكذا ولكونه كذا فادع انت الى ربك وبلغ ما أرسلت به وقال الفخر يعني فلأجل ذلك التفرق ولأجل ما حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين فادع الى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليها وعلى الدعوة اليها كما أمرك الله ولا تتبع أهواءهم الباطلة انتهى وخوطب عليه السلام بالاستقامة وهو قد كان مستقيما بمعنى دم على استقامتك وهكذا الشأن في كل مأمور بشيء هو متلبس به انما معناه الدوام وهذه الآية ونحوها كانت نصب عيني النبي عليه السلام وكانت شديدة الموقع من نفسه أعني قوله تعالى واستقم كما امرت لأنها جملة تحتها جميع الطاعات وتكاليف النبوءة وفي هذا المعنى قال عليه السلام شيبتني هود وأخواتها فقيل له لم ذلك يا نبي الله فقال لأن فيها فاستقم كما أمرت وهذا الخطاب له عليه السلام بحسب قوته في أمر الله عز و جل وقال هو لأمته بحسب ضعفهم استقيموا ولن تحصوا وقوله تعالى ولا تتبع أهواءهم يعني

(4/104)


قريشا ت وفرض الفخر هذه القضية في أهل الكتاب وذكر ما وقع من اليهود ومحاجتهم في دفع الحق وجحد الرسالة وعلى هذا فالضمير في اهوائهم عائد عليهم والله اعلم اه ثم امره تعالى أن يقول آمنت بما أنزل الله من كتاب وهو أمر يعم سائر أمته وقوله وأمرت لا عدل بينكم قالت فرقة اللام في لاعدل بمعنى أن أعدل بينكم وقالت فرقة المعنى وأمرت بما أمرت به من التبليغ والشرع لكي أعدل بينكم وقوله لنا أعمالنا ولكم أعمالكم الى آخر الآية ما فيه من موادعة منسوخ بآية السيف وقوله لا حجة بيننا وبينكم أي لا جدال ولا مناظرة قد وضح الحق وأنتم تعاندون وفي قوله الله يجمع بيننا وعيد بين وقوله تعالى والذين يحاجون في الله الآية قال ابن عباس ومجاهد نزلت في طائفة من بني اسرائيل همت برد الناس عن الاسلام واضلالهم وقيل نزلت في قريش لأنها كانت أبدا تحاول هذا المعنى ويحاجون في الله معناه في دين الله أو توحيد الله أي يحاجون فيه بالابطال والالحاد وما أشبهه والضمير في له يحتمل أن يعود على الله تبارك وتعالى ويحتمل أن يعود على الدين والشرع ويحتمل أن يعود على النبي عليه السلام وداحضة معناه زاهقة والدحض الزهق وباقي الآية بين وقوله سبحان الله الذي أنزل الكتاب بالحق معناه مضمنا الحق أي بالحق في أحكامه وأوامره ونواهيه وأخباره والميزان هنا العدل قاله ابن عباس ومجاهد والناس وحكى الثعلبي عن مجاهد أنه قال هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس قال ع ولا شك أنه داخل في العدل وجزء منه وقوله تعالى وما يدريك لعل الساعة قريب وعيد للمشركين وجاء لفظ قريب مذكرا من حيث تأنيث الساعة غير حقيقي واذ هي بمعنى الوقت ت ينبغي للمؤمن العاقل أن يتدبر هذه الآية ونظائرها ويقدر في نفسه أنه المقصود بها ... لاه بدنياه والأيام تنعاه ... والقبر غايته واللحد مأواه

(4/105)


يلهو فلو كان يدري ما أعدله ... اذن لأحزنه ما كان الهاه ...
قال الغزالي في الأحياء قال أبو زكريا التيمي بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام اذ أتوي بحجر منقوش فطلب من يقرأه فأوتي بوهب بن منبه فاذا فيه ابن آدم انك لو رأيت قرب ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك ولرغبت في الزيادة من عملك ولقصرت من حرصك وحيلك وانما يلقاك غدا ندمك لو قد زلت بك قدمك وأسلمك أهلك وحشمك ففارقك الولد والقريب ورفضك الوالد والنسيب فلا أنت الى دنياك عائد ولا في حسناتك زائد فاعمل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة فبكى سليمان بكاء شديدا انتهى وباقي الآية بين ثم رجى تبارك وتعالى عبادع بقوله الله لطيف بعباده ولطيف هنا بمعنى رفيق متحف والعباد هنا المؤمنون وقوله تعالى من كان يريد حرث الآخرة معناه ارادة مستعد عامل لا ارادة متمن مسوف والحرث في هذه الآية عبارة عن السعي والتكسب والاعداد وقوله تعالى نزد له في حرثه وعد متنجز قال الفخر وفي تفسير قوله نزد له في حرثه قولان الأول نزد له في توفيقه واعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه وقال مقاتل نزد له في حرثه بتضعيف الثواب قال تعالى ليوفيهمم أجورهم ويزيدهم من فضله انتهى وقوله ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها معناه ما شئنا منها ولمن شئنا فرب ممتحن مضيق عليه حريص على حرث الدنيا مريد له لا يحس بغيره نعوذ بالله من ذلك وهذا الذي لا يعقل غير الدنيا هو الذي نفى أن يكون له نصيب في الآخرة وقوله تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله أم هذه منقطعة لا معادلة وهي بتقدير بل وألف الاستفهاك والشركاء في هذه الآية يحتمل أن يكون المراد بهم الشياطين والمغوين من أسلافهم ويكون الضمير في لهم للكفار المعاصرين لمحمد عليه السلام فالاشتراك هاهنا هو

(4/106)


في الكفر والغواية وليس بشركة الاشراك بالله ويحتمل أن يكون المراد بالشركاء الأصنام والأوثان على معنى أم لهم أصنام جعلوها شركاء لله في ألوهيته ويكون الضمير في شرعوا لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم والضمير في لهم للاصنام الشركاء وشرعوا معناه أثبتوا ونهجوا ورسموا والدين هنا العوائد والأحكام والسيرة ويدخل في ذلك أيضا المعتقدات السوء لأنهم في جميع ذلك وضعوا أوضاعا فاسدة وكلمة الفصل هي ما سبق من قضاء الله تعالى بأنه يؤخر عقابهم للدار الآخرة والقضاء بينهم هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم وقوله تعالى ترى الظالمين هي رؤية بصر ومشفقين حال وليس لهم في هذا الاشفاق مدح لأنهم انما شفقوا حين نزل بهم وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من أمر الساعة كما تقدم وهو واقع بهم أبو حيان ضمير هو عائد على العذاب أو على ما كسبوا بحذف مضاف أي وبال ما كسبوا انتهى والروضات المواضع المونقة النضرة وقوله تعالى ذلك الذي يبشر الله عباده اشارة الى قوله تعالى في الآية الأخرى وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا وقوله تعالى قل لا أسلألكم عليه أجرا الا المودة في القربى اختلف الناس في معناه فقال ابن عباس وغيره هي آية مكية نزلت في صدر الاسلام ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم أي ما أسالكم على القرآن الا أن تودوني لقرابة بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم قال ابن عباس وابن اسحاق وقتادة ولم يكن في قريش بطن الا وللنبي صلى الله عليه و سلم فيه نسب أو صهر فالآية على هذا فيها استعطاف ما ودفع اذى وطلب سلامة منهم وذلك كله منسوخ بآية السيف ويحتمل هذا التأويل أن يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم أي لا اسالكم غرامة ولا شيئا إلا أن تودوني لقرابتي منكم وأن تكونوا أولى بي من غيركم قال ع وقريش كلها عندي قربى وان كانت تتفاضل وقد روى عن النبي صلى الله عليه و سلم

(4/107)


أنه قال من مات على حب آل محمد مات شهيدا ومن مات على بغضهم لم يشم رائحة الجنة وقال ابن عباس أيضا ما يقتضي أن الآية مدنية وأن الأنصار جمعت لرسول الله صلى الله عليه و سلم مالا وساقته اليه فرده عليهم ونزلت الآية في ذلك وقيل غير هذا وعلى كل قول فالاستثناء منقطع والا بمعنى لكن ويقترف معناه يكتسب ورجل قرفة اذا كان محتالا كسوبا وغفور معناه ساتر عيوب عباده وشكور معناه مجاز على الدقيقة من الخير لا يضيع عنده لعامل عمل وقوله تعالى أن يقولون افترى على الله كذبا أم هذه مقطوعة مضمنة اضرابا عن كلام متقدم وتقريرا على هذه المقالة منهم وقوله تعالى فإن يشأ الله يختم على قلبك معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين ينسيك القرآن والمراد الرد على مقالة الكفار وبيان ابطالها كأنه يقول وكيف يصح أن تكون مفتريا وأنت من الله بمرأى ومسمع وهو قادر لو شاء أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراءك فمقصد اللفظ هذا المعنى وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصارا واقتصارا وقال مجاهد المعنى فإن يشأ الله يختم على قلبك بالصبر لأذى الكفار ويربط عليك بالجلد فهذا تاويل لا يتضمن الرد على مقالتهم قال أبو حيان وذكر القشيري أن الخطاب للكفار أي يختم على قلبك أيها القائل فيكون انتقالا من الغيبة للخطاب ويمح استئناف اخبار لا داخل في الجواب وتسقط الواو من اللفظ لالتقاء الساكنين ومن المصحف حملا على اللفظ انتهى وقوله تعالى ويمح فعل مستقبل خبر من الله تعالى أنه يمحو الباطل ولا بد أما في الدنيا وأما في الآخرة وهذا بحسب نازلة نازلة وكتب يمح في المصحف بحاء مرسلة كما كتبوا ويدع الانسان الى غير ذلك مما ذهبوا فيه الى الحذف والاختصار وقوله بكلماته معناه بما سبق في قديم علمه وارادته من كون الأشياء فالكلمات المعاني القائمة القديمة التي لا تبديل لها ثم ذكر تعالى النعمة في تفضله

(4/108)


بقبول التوبة من عباده وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمانه وأعماله مقطوع به بهذه الآية وأما ما سلف من أعماله فينقسم فأما التوية من الكفر فماحية كل ما تقدمها من مظالم العباد الفائتة وغير ذلك وأما التوبة من المعاصي فلأهل السنة فيها قولان هل تذهب المعاصي السالفة للعبد بينه وبين خالقه فقالت فرقة هي مذهبة لها وقالت فرقة هي في مشيئة الله تعالى وأجمعوا أنها لا تذهب مظالم العباد وحقيقة التوبة الاقلاع عن المعاصي والاقبال والرجوع الى الطاعات ويلزمها الندم على ما فات والعزم على ملازمة الخيرات وقال سري السقطي التوبة العزم على ترك الذنوب والاقبال بالقلب على علام الغيوب وقال يحيى بن معاذ التائب من كسر شبابه على رأسه وكسر الدنيا على راس الشيطان ولزم الفطام حتى أتاه الحمام وقوله تعالى عن عباده بمعنى من عباده وكأنه قال التوبة الصادرة عن عباده وقرأ الجمهور يفعلون بالياء على الغيبة وقرأ حمزة والكسائي تفعلون بالتاء على المخاطبة وفي الآية توعد وقوله تعالى ويستجيب قال الزجاج وغيره معناه يجيب والعرب تقول اجاب واستجاب بمعنى والذين على هذا التأويل مفعول يستجيب وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ونحوه عن ابن عباس وقالت فرقة المعنى ويستدعي الذين آمنوا الاجابة من ربهم بالأعمال الصالحات ودل قوله ويزيدهم من فضله على أن المعنى فيجيبهم والذين على هذا القول فاعل يستجيب وقالت فرقة المعنى ويجيب المؤمنون ربهم فالذين فاعل بمعنى يجيبون دعوة شرعه ورسالته والزيادة من فضله هي تضعيف الحسنات وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال هي قبول الشفاعات في المذنبين والرضوان وقوله تعالى ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء أنه بعباده خبير بصير قال عمرو ابن حريث وغيره أنها نزلت لأن قوما من أهل الصفة طلبوا من رسول الله

(4/109)


صلى الله عليه و سلم أن يغنيهم الله ويبسط لهم الأموال والأرزاق فعلمهم الله تعالى أنه لو جاء الرزق على اختيار البشر واقتراحهم لكان سبب بغيهم وافسادهم ولكنه عز و جل أعلم بالمصلحة في كل أحد أنه بعباده خبير بصير بمصالحهم فهو ينزل لهم من الرزق القدر الذي به صلاحهم فرب انسان لا يصلح وتنكف عاديته الا بالفقر ت وقد ذكرنا في هذا المختصر أحاديث كثيرة مختارة في فضل الفقراء الصابرين ما فيه كفاية لمن وفق وقد روى ابن المبارك في رقائقه عن سعيد بن المسيب قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أخبرني يا رسول الله بجلساء الله يوم القيامة قال هم الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون الله كثيرا قال يا رسول الله فهم أول الناس يدخلون الجنة قال لا قال فمن أول الناس يدخل الجنة قال الفقراء يسبقون الناس الى الجنة فتخرج اليهم منها ملائكة فيقولون ارجعوا الىالحساب فيقولون على ما نحاسب والله ما أفيضت علينا الأموال في الدنيا فنقبض فيها ونبسط وما كنا أمراء نعدل ونجور ولكنا جاءنا أمر الله فعبدناه حتى أتانا اليقين انتهى وقوله عز و جل وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا الآية تعديد نعم الله الدالة على وحدانيته وانه المولى الذي يستحق أن يعبد دون ما سواه من الأنداد وقرأ الجمهور قنطوا بفتح النون وقرأ الأعمش قنطوا بكسرها وهما لغتان وروي أن عمر رضي الله عنه قيل له أجدبت الأرض وقنط الناس فقال مطروا اذن بمعنى أن الفرج عند الشدة وقوله تعالى وينشر رحمته قيل اراد بالرحمة المطر وقيل اراد بالرحمة هنا الشمس فذلك تعديد نعمة غير الأولى وذلك أن المطر اذا الم بعد القنط حسن موقعه فاذا دام سئم فتجيء الشمس بعده عظيمة الموقع وقوله تعالى وهو الولي الحميد أي من هذه أفعاله هو الذي ينفع اذا والى وتحمد أفعاله ونعمه قال القشيري اسمه تعالى الولي هو المتولي لأحوال عباده وقيل هو من الوالي

(4/110)


وهو الناصر فأولياء الله أنصار دينه وأشياع طاعته والوالي في صفة العبد من يواظب على طاعة ربه ومن علامات من يكون الحق سبحانه وليه أن يصونه ويكفيه في جميع الأحوال ويؤمنه فيغار على قلبه أن يتعلق بمخلوق في دفع شر أو جلب نفع بل يكون سبحانه هو القائم على قلبه في كل نفس فيحقق آماله عند اشاراته ويعجل مآربه عند خطراته ومن أمارات ولايته لعبده أن يديم توفيقه حتى لو أراد سوءا أو قصد محظورا عصمه عن ارتكابه أولوا جنح الى تقصير في طاعة أبى الا توفيقا وتأييدا وهذا من أمارت السعادة وعكس هذا من إمارت الشقاوة ومن أمارات ولايته أيضا أن يرزقه مودة في قلوب أوليائه انتهى من التحبير ثم ذكر تعالى الآية الكبرى الدالة على الصانع وذلك خلق السماوات والأرض وقوله تعالى وما بث فيهما من دابة يتخرج على وجوه منها أن يريد أحدهما وهو ما بث في الأرض دون السموات ومنها أن يكون تعالى قد خلق في السماوات وبث دواب لا نعلمها نحن ومنها أن يريد الحيوانات التي توجد في السحاب وقد تقع أحيانا كالضفادع ونحوها فان السحاب داخل في اسم السماء وقوله تعالى وهو على جمعهم يريد يوم القيامة عند الحشر من القبور وقوله تعالى وما اصابكم من مصيبة قرأ جمهور القراء فبما بفاء وكذلك هي في جل المصاحف وقرأ نافع وابن عامر بما دون فاء قال أبو علي الفارسي أصاب من قوله وما أصابكم يحتمل أن يكون في موضع جزم وتكون ما شرطية وعلى هذا لا يجوز حذف الفاء عند سيبويه وجوز حذفها ابو الحسن الأخفش وبعض البغداديين على أنها مرادة في المعنى ويحتمل أن يكون أصاب صلة لما وتكون ما بمعنى الذي وعلى هذا يتجه حذف الفاء وثبوتها لكن معنى الكلام مع ثبوتها التلازم أي لولا كسبكم ما أصابتكم مصيبة والمصيبة انما هي بكسب الأيدي ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم ويجوز أن يعرى منه قال ع وأما

(4/111)


في هذه الآية فالتلازم مطرد مع الثبوت والحذف وأما معنى الآية فاختلف الناس فيه فقالت فرقة هو اخبار من الله تعالى بأن الرزايا والمصائب في الدنيا انما هي مجازات من الله تعالى على ذنوب المرء وخطاياه وأن الله تعالى يعفو عن كثير فلا يعاقب عليه بمصيبة وقال النبي صلى الله عليه و سلم لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق الا بذنب وما يعفو عنه أكثر وقال مرة الهمداني رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت ما هذا فقال هذا بما كسبت يدي ويعفو الله عن كثير وقيل لأبي سليمان الداراني ما بال الفضلاء لا يلومون من أساء اليهم فقال لأنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ما اصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله أكرم من أن يثنى عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعود فيه بعد عفوه وقال الحسن معنى الآية في الحدود أي ما أصابكم من حد من حدود الله فبما كسبت أيديكم ويعفو الله عن كثير فيستره على العبد حتى لا يحد عليه ثم أخبر تعالى عن قصور ابن آدم وضعفه وأنه في قبضة القدرة لا يعجز طلب ربه ولا يمكنه الفرار منه والجواري جمع جارية وهي السفينة والاعلام الجبال وباقي الآية بين فيه الموعظة وتشريف الصبار الشكور وقوله تعالى أو يوبقهن بما كسبوا أوبقت الرجل اذا أنشبته في أمر يهلك فيه وهو في السفن تغريقها وبما كسبوا أي بذنوب ركابها وقرأ نافع وابن عامر ويعلم بالرفع على القطع والاستئناف وقرأ الباقون والجمهور ويعلم بالنصب على تقدير أن والمحيص المنجي وموضع الروغان ثم وعظ سبحانه عباده وحقر عندهم أمر الدنيا وشأنها ورغبهم فيما عنده من النعيم والمنزلة الرفيعة لديه وعظم قدر ذلك في قوله فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا

(4/112)


وعلى ربهم يتوكلون وقرأ الجمهور كبائر على الجمع قال الحسن هي كل ما توعد فيه بالنار وقد تقدم ما ذكره الناس في الكبائر في سورة النساء وغيرها والفواحش قال السدي الزنا وقال مقاتل موجبات الحدود وقوله تعالى واذا ما غضبوا هم يغفرون حض على كسر الغضب والتدرب في أطفائه اذ هو جمرة من جهنم وباب من أبوابها وقال رجل للنبي صلى الله عليه و سلم أوصني قال لا تغضب قال زدني قال لا تغضب قال زدني قال لا تغضب ومن جاهد هذا العارض من نفسه حتى غلبه فقد كفي هما عظيما في دنياه وآخرته ت وروى مالك في الموطأ إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله علمني كلمات أعيش بهن ولا تكثر علي فأنسى فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تغضب قال أبو عمر بن عبد البر اراد علمني ما ينفعني بكلمات قليلة ليلا أنسى إن أكثرت علي ثم اسند أبو عمر من طرق عن الأحنف بن قيس عن عمه جارية بن قدامة أنه قال يا رسول الله قل لي قولا ينفعني الله به واقلل لي لعلي أعقله قال لا تغضب فأعاد عليه مرارا كلها يرجع اليه رسول الله لا تغضب انتهى من التمهيد واسند أبو عمر في التمهيد أيضا عن عبد الله بن ابي الهذيل قال لما رأى يحيى أن عيسى مفارقه قال له أوصني قال لا تغضب قال لا أستطيع قال لا تقتن مالا قال عسى انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من كف لسانه عن اعراض المسلمين أقاله الله عثرته يوم القيامة ومن كف غضبه عنهم وقاه الله عذابه يوم القيامة قال ابن المبارك وأخبرنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال ان الله تبارك وتعالى يقول من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ومن ذكرني حين يغضب ذكرته حين أغضب فلم أمحقه فيمن أمحق انتهى وقوله تعالى والذين استجابوا مدح لكل

(4/113)


من آمن بالله وقبل شرعه ومدح الله تعالى القوم الذين أمرهم شورى بينهم لأن في ذلك اجتماع الكلمة والتحاب واتصال الايدي والتعاضد على الخير وفي الحديث ما تشاور قوم قط الا هدوا لأحسن ما بحضرتهم وقوله تعالى ومما رزقناهم يتفقون معناه في سبيل الله وبرسم الشرع وقال ابن زيد قوله تعالى والذين استجابوا لربهم الآية نزلت في الأنصار والظاهر أن الله تعالى مدح كل من انصف بهذه الصفة كائنا من كان وهل حصل الانصار في هذه الصفة الا بعد سبق المهاجرين اليها رضي الله عن جميعهم بمنه وقوله عز و جل والذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون مدح سبحانه في هذه الآية قوما بالانتصار ممن بغى عليهم ورجح ذلك قوم من العلماء وقالوا الانتصار بالواجب تغيير منكر قال الثعلبي قال ابراهيم النخعي في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فاذا قدروا عفوا انتهى وقوله سبحانه وجزاء سيئة سيئة مثلها قيل سمى الجزاء باسم الابتداء وان لم يكن سيئة لتشابههما في الصورة قال ع وإن أخذنا السيئة هنا بمعنى المصيبة في حق البشر أي يسوء هذا هذا ويسوءه الآخر فلسنا نحتاج الى أن نقول سمة العقوبة باسم الذنب بل الفعل الأول والآخر سيئة قال الفخر اعلم أنه تعالى لما قال والذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيدا بالمثل فان النقصان حيث والزيادة ظلم والمساواة هو العدل فلهذا السبب قال تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها انتهى ويدل على ذلك قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ونحوه من الآي واللام في قوله ولمن انتصر بعد ظلمه لام التقاء القسم وقوله من سبيل يريد من سبيل حرج ولا سبيل حكم وهذا ابلاغ في اباحة الانتصار والخلاف فيه هل هو بين المؤمن والمشرك أو بين المؤمنين وقوله تعالى انما السبيل على الذين يظلمون الناس الآية المعنى انما السبيل الحكم والاثم على الذين

(4/114)


يظلمون الناس روى الترمذي عن كعب بن عجرة قال قال لي النبي صلى الله عليه و سلم أعيذك بالله يا كعب من أمراء يكونون فمن غشي ابوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض يا كعب الصلاة برهان والصبر جنة حصينة والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفئ الماء النار يا كعب أنه لا يربو لحم نبت من سحت الا كانت النار أولى به قال أبو عيسى هذا حديث حسن وخرجه ايضا في كتاب الفتن وصححه انتهى وقوله تعالى انما السبيل الى قوله اليم اعتراض بين الكلامين ثم عاد في قوله ولمن صبر الى الكلام الأول كأنه قال ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ولمن صبر وغفر الآية واللام في قوله ولمن صبر يصح أن تكون لام قسم ويصح أن تكون لام الابتداء وعزم الأمور محكمها ومتقنها والحميد العاقبة منها فمن رأيى أن هذه الآية هي فيما بين المؤمنين والمشركين وأن الصبر للمشركين كان أفضل قال أن الآية نسخت بآية السيف ومن رأى أن الآية بين المؤمنين قال هي محكمة والصبر والغفران أفضل اجماعا وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم فيقوم عنق من الناس كبير فيقال ما أجركم فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا في الدنيا وقوله تعالى ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده تحقير لأمر الكفرة أي فلا يبالي بهم أحد من المؤمنين لأنهم صائرون الى ما لا فلاح لهم معه ثم وصف تعالى لنبيه حالهم في القيامة عند رؤيتهم العذاب وقولهم هل الى مرد من سبيل ومرادهم الرد الىالدنيا والرؤية هنا رؤية عين والضمير في قوله عليها عائد على النار وان لم يتقدم لها ذكر من حيث دل عليها قوله رأوا العذاب وقوله من الذل يتعلق بخاشعين وقوله تعالى ينظرون من طرف خفي قال قتادة والسدي المعنى يسارقون النظر لما كانوا فيه هنا

(4/115)


من الهم وسوء الحال لا يستطيعون النظر بجميع العين وانما ينظرون ببعضها قال الثعلبي قال يونس من بمعنى الباء أي ينظرون بطرف خفي أي ضعيف من أجل الذل والخوف ونحوه عن الأخفش انتهى وفي البخاري من طرف خفي أي ذليل وقوله تعالى وقال الذين آمنوا أن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القامة الآية وقول الذين آمنوا هو في يوم القيامة عند ما عاينوا حال الكفار وسوء منقلبهم وقوله تعالى الا ان الظالمين في عذاب مقيم يحتمل أن يكون من قول المؤمنين يومئذ حكاه الله عنهم ويحتمل أن يكون استئنافا من قول الله عز و جل واخباره لنبيه محمد عليه السلام وقوله تعالى وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله الآية انحاء على الأصنام والأوثان التي أظهر الكفار ولايتها واعتقدت ذلك دينا ثم أمر تعالى نبيه أن يأمرهم بالاستجابة لدعوة الله وشريعته من قبل اتيان يوم القيامة الذي لا يرد أحد بعده الى عمل قال ع في الآية الأخرى في سورة ألم غلبت الروم ويحتمل أن يريد لا يرده راد حتى لا يقع وهذا ظاهر بحسب اللفظ والنكير مصدر بمعنى الانكار قال الثعلبي مالكم من ملجأ أي معقل ومالكم من نكير أي من انكار على ما ينزل بكم من العذاب يغير ما بكم انتهى وقوله تعالى فإن أعرضوا الآية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم والانسان هنا اسم جنس وجمع الضمير في قوله تصبهم وهو عائد على لفظ الانسان من حيث هو اسم جنس وقوله تعالى لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء الآية هذه آية اعتبار دال على القدرة والملك المحيط بالجميع وأن مشيئته تعالى نافذة في جميع خلقه وفي كل أمرهم وهذا لا مدخل لصنم فيه فان الذي يخلق ما يشاء هو الله تبار وتعالى وهو الذي يقسم الخلق فيهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الأولاد الذكور أو يزوجهم أي ينوعهم ذكرانا واناثا وقال محمد بن الحنفية يريد بقوله تعالى أو يزوجهم التوأم

(4/116)


أي يجعل في بطن زوجا من الذرية ذكرا وانثى والعقيم الذي لا يولد له وهذا كله مدبر بالعلم والقدرة وبدأ في هذه الآية بذكر الاناث تانيسا بهن ليتهم بصونهن والاحسان اليهن وقال النبي صلى الله عليه و سلم من ابتلى من هذه البنات بشيء فأحسن اليهن كن له حجابا من النار وقال واثلة بن الأسقع من يمن المرأة تبكيرها بالانثى قبل الذكر لأن الله تعالى بدأ بذكر الاناث حكاه عنه الثعلبي قال وقال اسحاق بن بشر نزلت هذه الآية في الانبياء ثم عمت فيهب لمن يشاء اناثا يعني لوطا عليه السلام ويهب لمن يشاء الذكور يعني ابراهيم عليه السلام أو يزوجهم ذكرانا واناثا يعني نبينا محمدا عليه السلام ويجعل من يشاء عقيما يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام وقوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا الآية نزلت بسبب خوض كان للكفار في معنى تكليم الله موسى ونحو ذلك ذهب قريش واليهود في ذلك الى تجسيم ونحوه فنزلت الآية مبينة صورة تكليم الله عباده كيف هو فبين الله تعالى أنه لا يكون لأحد من الأنبياء ولا ينبغي له ولا يمكن فيه أن يكلمه الله الا بأن يوحي اليه أحد وجوه الوحي من الالهام قال مجاهد أو النفث في القلب أو وحي في منام قال النخعي وكان من الأنبياء من يخط له في الأرض ونحو هذا أو بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزا كموسى عليه السلام وهذا معنى من وراء حجاب أي من خفاء عن المكلم لا يحده ولا يتسور بذهنه عليه وليس كالحجاب في الشاهد أو بأن يرسل اليه ملكا يشافهه بوحي الله عز و جل قال الفخر قوله فيوحي باذنه ما يشاء أي فيوحي ذلك الملك باذن الله ما يشاء الله انتهى وقرأ جمهور القراء والناس أو يرسل بالنصب فيوحي بالنصب أيضا وقرأ نافع وابن عامر وابن عباس واهل المدينة أو يرسل بالرفع فيوحي بسكون الياء وقوله أو من وراء حجاب من متعلقة بفعل يدل ظاهر الكلام

(4/117)


عليه تقديره أو يكلمه من وراء حجاب وفي هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم وأن من حلف لا يكلم فلانا وهو لم ينو المشافهة ثم أرسل رسولا حنث وقوله تعالى وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا الآية المعنى وبهذه الطرق ومن هذا الجنس أوحينا اليك أي بالرسول والروح في هذه الآية القرآن وهدي الشريعة سماه روحا من حيث يحي به البشر والعالم كما يحي الجسد بالروح فهذا على جهة التشبيه وقوله تعالى من أمرنا أي واحد من أمورنا ويحتمل أن يكون الأمر بمعنى الكلام ومن لابتداء الغاية وقوله تعالى ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان توقيف على مقدار النعمة والضمير في جعلناه عائد على الكتاب ونهدي بمعنى نرشد وقرأ جمهور الناس وانك لتهدي بفتح التاء وكسر الدال وقرأ حوشب لتهدي بضم التاء وفتح الدال وقرأ عاصم لتهدي بضم التاء وكسر الدال وقوله صراط الله يعني صراط شرع الله ثم استفتح سبحانه القول في الاخبار بصيرورة الأمور اليه سبحانه مبالغة وتحقيقا وتثبيتا فقال الا الى الله تصير الأمور قال الشيخ العارف بالله أبو الحسن الشاذلي رحمه الله إن اردت أن تغلب الشر كله وتلحق الخير كله ولا يسبقك سابق وإن عمل فقل يا من له الخير كله أسألك الخير كله واعوذ بك من الشر كله فانك أنت الله الغني الغفور الرحيم أسألك بالهادي محمد صلى الله عليه و سلم الى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض الا الى الله تصير الأمور مغفرة تشرح بها صدري وتضع بها وزرى وترفع بها ذكرى وتيسر بها أمري وتنزه بها فكري وتقدس بها سري وتكشف بها ضري وترفع بها قدري انك على كل شيء قدير اه ت قوله تعالى ما كنت تدري ما الكتاب هذا بين وقوله ولا الايمان فيه تأويلات قيل معناه ولا شرائع الايمان ومعالمه قال ابو العالية يعني الدعوة الى الايمان وقال الحسين

(4/118)


ابن الفضل يعني أهل الايمان من يؤمن ومن لا يؤمن وقال ابن خزيمة الايمان هنا الصلاة دليله وما كان الله ليضيع ايمانكم قال ابن ابي الجعد وغيره احترق مصحف فلم يبق منه الا الا الى الله تصير الأمور وغرق مصحف فامتحى كله الا قوله الا الى الله تصير الأمور نقله الثعلبي وغيره انتهى
قال العبد الفقير الى الله تعالى عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي لطف الله به في الدارين قد يسر الله عز و جل في تحرير هذا المختصر وقد أودعته بحمد الله جزيلا من الدرر قد استوعبت فيه بحمد الله مهمات ابن عطية وزدته فوائد جليلة من غيره وليس الخبر كالعيان توخيت فيه بحمد الله الصواب وجعلته ذخيرة عند الله ليوم المآب لا يستغني عنه المنتهي وفيه كفاية للمبتدي يستغني به عن المطولات اذ قد حصل منها لبابها وكشف عن الحقائق حجابها
التعريف برحلة المؤلف
رحلت في طلب العلم في أواخر القرن الثامن ودخلت بجاية في أوائل القرن التاسع فلقيت بها الأئمة المقتدى بهم اصحاب سيدي عبدالرحمن الوغليسي متوافرين فحضرت مجالسهم وكانت عمدة قراءتي بها على سيدي علي بن عثمان المانجلاتي رحمه الله بمسجد عين البربر ثن ارتحلت الى تونس فلقيت بها سيدي عيسى الغبريني والأبي والبرزلي وغيرهم وأخذت عنهم ثم ارتحلت الى المشرق فلقيت بمصر الشيخ ولي الدين العراقي فأخذت عنه علوما جمة معظمها علم الحديث وفتح الله لي فيه فتحا عظيما وكتب لي وأجازني جميع ما حضرته عليه وأطلق في غيره ثم لقيت بمكة بعض المحدثين ثم رجعت الى الديار المصرية والى تونس وشاركت من بها ولقيت

(4/119)


بها شيخنا أبا عبد الله محمد بن مرزوق قادما لارادة الحج فأخذت عنه كثيرا وأجازني التدريس في أنواع الفنون الاسلامية وحرضني على اتمام تقييد وضعته على ابن الحاجب الفرعي ت ولما فرغت من تحرير هذا المختصر وافق قدوم شيخنا أبي عبد الله محمد بن مرزوق علينا في سفرة سافرها من تلمسان متوجها الى تونس ليصلح بين سلطانها وبين صاحب تلمسان فأوقفته على هذا الكتاب فنظر فيه وأمعن النظر فسر به سرورا كثيرا ودعا لنا بخير والله الموفق بفضله
تفسير سورة الزخرف وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
حم والكتاب المبين والكتاب خفض بواو القسم والضمير في جعلناه عائد على الكتاب وأنه عطف على جعلناه وهذا الاخبار الثاني واقع أيضا تحت القسم وأم الكتاب اللوح المحفوظ وهذا فيه تشريف للقرآن وترفيع واختلف المتأولن كيف هو في أم الكتاب فقال قتادة وغيره القرآن بأجمعه فيه منسوخ ومنه كان جبريل ينزل وهنالك هو علي حكيم وقال جمهور الناس انما في اللوح المحفوظ ذكره ودرجته ومكانته من العلو والحكمة وقوله سبحانه أفنضرب بمعنى أفنترك تقول العرب أضربت عن كذا وضربت اذا أعرضت عنه وتركته والذكر هو الدعاء الى الله والتذكير بعذابه والتخويف من عقابه وقال ابو صالح الذكر هنا أراد به العذاب نفسه وقال الضحاك ومجاهد الذكر القرآن وقوله

(4/120)


صفحا يحتمل أن يكون بمعنى العفو والغفر للذنوب فكأنه يقول أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفوا عنكم وغفرا لاجرامكم من أجل إن كنتم قوما مسرفين أي هذا لا يصلح وهذا قول ابن عباس ومجاهد ويحتمل قوله صفحا أن يكون بمعنى مغفولا عنه أي نتركه يمر لا تؤخذون بقبوله ولا بتدبره فكان المعنى أفنترككم سدى وهذا هو منحى قتادى وغيره وقرأ نافع وحمزة والكسائي ان كنتم بكسر الهمزة وهو جزاء دل ما تقدمه على جوابه وقرأ الباقون بفتحها بمعنى من أجل أن والاسراف في الآية هو كفرهم وكم أرسلنا من نبي في الأولين أي في الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم وما يأتيهم من نبي الا كانوا به يستهزئون أي كما يستهزئ قومك بك وهذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه و سلم وتهديد بأن يصيب قريشا ما أصاب من هو أشد بطشا منهم ومضى مثل الأولين أي سلف أمرهم وسنتهم وصاروا عبرة غابر الدهر أنشد صاحب عنوان الدراية لشيخه أبي عبد الله التميمي ... يا ويح من غره دهر فسر به ... لم يخلص الصفو الا شيب بالكدر ... هو الحمام فلا تبعد زيارته ... ولا تقل ليتني منه على حذر ... انظر لمن باد تنظر آية عجبا ... وعبرة لأولي الألباب والعبر ... أين الألى جنبوا خيلا مسومة ... وشيدوا أرما خوفا من القدر ... لم تغنهم خيلهم يوما وإن كثرت ... ولم تفد أرم للحادث النكر ... بادوا فعادوا حديثا ان ذا عجب ... ما أوضح الرشد لولا سيء النظر ... تنافس الناس في الدنيا وقد علموا ... أن المقام بها كاللمح بالبصر ... انتهى وقوله سبحانه ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الآية ابتداء احتجاج على قريش يوجب عليهم التناقض من حيث اقروا بالخالق وعبدوا غيره وجاءت العبارة عن الله بالعزيز العليم ليكون ذلك

(4/121)


توطئة لما عدد سبحانه من أوصافه التي ابتدأ الأخبار بها وقطعها من الكلام الذي حكى معناه عن قريش وقوله تعالى الذي جعل لكم الأرض مهادا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون الآية هذه أوصاف فعل وهي نعم من الله سبحانه على البشر تقوم بها الحجة على كل مشرك وقوله الذي جعل لكم ليس هو من قول المسؤولين بل هو ابتداء اخبار من الله تعالى وقوله سبحانه والذين نزل من السماء ماء بقدر قيل معناه بقدر في الكفاية للصلاح لا اكثار فيفسد ولا قلة فيقصر بل غيثا مغيثا وقيل بقدر أي بقضاء وحتم وقالت فرقة معناه بتقدير وتحرير أي قدر ماء معلوما ثم اختلف قائلوا هذه المقالة فقال بعضهم ينزل في كل عام ماء قدرا واحدا لا يفضل عام عاما لكن يكثر مرة هاهنا ومرة هاهنا وقال بعضهم بل ينزل تقديرا ما في عام وينزل في آخر تقديرا وما ينزل في آخر تقديرا آخر بحسب ما سبق به قضاؤه لا اله الا هو ت وبعض هذه الأقوال لا تقال من جهة الرأي بل لا بد لها من سند وأنشرنا معناه أحيينا يقال نشر الميت وأنشره الله والأزواج هنا الأنواع من كل شيء ومن في قوله من الفلك والانعام للتبعيض والضمير في ظهوره عائد على النوع المركوب الذي وقعت عليه ما وقد بينت آية اخرى ما يقال عند ركوب الفلك وهو بسم الله مجراها ومرساها ان ربي لغفور رحيم وانما هذه خاصة فيما يركب من الحيوان وان قدرنا أن ذكر النعمة هو بالقلب والتذكر بدأ الراكب بسبحان الذي سخر لنا هذا وهو يرى نعمة الله في ذلك وفي سواه ومقرنين أي مطيقين وقال أبو حيان مقرنين خبر كان ومعناه غالبين ضابطين انتهى وهو بمعنى الأول وانا الى ربنا لمنقلبون أمر بالإقرار بالبعث ت وعن حمزة بن عمرو والأسلمي قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم على ظهر كل بعير شيطان فاذا ركبتموها فسموا الله رواه ابن حبان في صحيحه انتهى من السلاح وينبغي لمن ملكه الله

(4/122)


شيئا من هذا الحيوان أن يرفق به ويحسن اليه لينال بذلك رضا الله تعالى قال القشيري في التحبير وينبغي للعبد أن يكون معظما لربه نفاعا لخلقه خيرا في قومه مشفقا على عباده فان رأس المعرفة تعظيم أمر الله سبحانه والشفقة على خلق الله انتهى وروى مالك في الموطأ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال بينما رجل يمشي بطريق اذا اشتد عليه العطش فوجد بيرا فنزل فيها فشرب فخرج فاذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني فنزل البير فملأ خفه ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقي الكلب فشكر الله له فغفر له فقالوا يا رسول الله وان لنا في البهائم أجرا فقال في كل كبد رطبة أجر قال أبو عمر في التمهيد وكذا في الاساءة الى الحيوان اثم وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض ثم أسند أبو عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل حائطا من حيطان الأنصار فاذا جمل قد أتى فجرجر وذرفت عيناه فمسح رسول الله صلى الله عليه و سلم سراته وذفراه فسكن فقال من صاحب الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال هو لي يا رسول الله فقال أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله أنه شكا الي أنك تجيعه وتدئبه ومعنى ذرفت عيناه أي قطرت دموعهما قطرا ضعيفا والسراة الظهر والذفرى ما وراء الاذنين عن يمين النقرة وشمالها انتهى وقوله سبحانه وجعلوا له من عباده جزاء أي جعلت كفار قريش والعرب لله جزاء أي نصيبا وحظا وهو قول العرب الملائكة بنات الله هذا قول كثير من المتأولين وقال قتادة المراد بالجزء الاصنام وغيرها فجزءا معناه ندا ت وباقي الآية يرجح تأويل الأكثر وقوله أم اتخذوا اضراب وتقرير وتوبيخ اذ المحمود المحبوب من الاولاد قد خوله الله بني آدم فكيف يتخذ هو لنفسه

(4/123)


النصيب الادنى وباقي الآية بين ما ذكر في سورة النحل وغيرها ثم زاد سبحانه في توبيخهم وافساد رأيهم بقوله أو من ينشأ في الحلية التقدير أو من ينشأ في الحلية هو الذي يختصم به الله عز و جل والحلية من الذهب والفضة والاحجار وينشأ معناه ينبت ويكبر والخصام المحاجة ومجاذبة المحاورة وقل ما تجد امرأة الا تفسد الكلام وتخلط المعاني وفي مصحف ابن مسعود وهو في الكلام غير مبين والتقدير غير مبين غرضا أو منزعا ونحو هذا وقال ابن زيد المراد بمن ينشأ في الحلبة الاصنام والأوثان لأنهم كانوا يجعلون الحلي على كثير منها ويتخذون كثيرا منها من الذهب والفضة وقرأ أكثر السبعة وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا وقرأ الحرميان وابن عامر عند الرحمن اناثا وهذه القراءة أدل على رفع المنزلة وقوله تعالى أأشهدوا خلقهم معناه أأحضروا خلقهم وفي قوله تعالى ستكتب شهادتهم ويسئلون وعيد مفصح واسند ابن المبارك عن سليمان ابن راشد أنه بلغه أن امرا لا يشهد شهادة في الدنيا الا شهد بها يوم القيامة على رؤوس الاشهاد ولا يمتدح عبدا في الدنيا الا امتدحه يوم القيامة على رؤوس الاشهاد قال القرطبي في تذكرته وهذا صحيح يدل على صحته قوله تعالى ستكتب شهادتهم ويسئلون وقوله ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد انتهى وقوله سبحانه وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم الآية أي ما عبدنا الأصنام ت وقال قتادة وغيره يعني ما عبدنا الملائكة وجعل الكفار أمهال الله لهم دليلا على رضاه عنهم وان ذلك كالأمر به ثم نفى سبحانه علمهم بهذا وليس عندهم كتاب منزل يقتضي ذلك وانما هم يظنون ويحدسون ويخمنون وهذا هو الخرص والتخرص والامة هنا بمعنى الملة والديانة والآية على هذا تعيب عليهم التقليد وذكر الطبري عن قوم أن الأمة الطريقة ثم ضرب الله المثل لنبيه محمد عليه السلام وجعل له الأسوة فيمن مضى من النذر والرسل وذلك أن

(4/124)


المترفين من قومهم وهم أهل التنعم والمال قد قابلوهم بمثل هذه المقالة وفي قوله عز و جل فانتقمنا منهم الآية وعيد لقريش وضرب مثل لهم بمن سلف من الأمم المعذبة المكذبة لأنبيائها وقوله سبحانه واذ قال ابراهيم المعنى واذكر اذ قال ابراهيم لأبيه وقومه أنني براء مما تعبدون أي فافعل أنت فعله وتجلد جلده وبراء صفة تجري على الواحد والاثنين والجمع كعدل وزور وقرأ ابن مسعود بريء وقوله الا الذي فطرني قالت فرقة الاستثناء متصل وكانوا يعرفون الله ويعظمونه الا انهم كانوا يشركون معه اصنامهم فكان ابراهيم قال لهم انا لا أوافقكم الا على عبادة الله الذي فطرني وقالت فرقة الاستثناء منقطع والمعنى لكن الذي فطرني هو معبودي الهادي المنجي من العذاب وفي هذا استدعاء لهم وترغيب في طاعة الله وتطميع في رحمته والضمير في قوله وجعلها كلمة الآية قالت فرقة هو عائد على كلمته بالتوحيد في قوله انني براء وقال مجاهد وغيره المراد بالكلمة لا اله الا الله وعاد عليها الضمير وان كان لم يجر لها ذكران اللفظ يتضمنها والعقب الذرية وولد الولد ما امتد فرعهم وقوله بل متعت هؤلاء يعني قريشا حتى جاءهم الحق ورسول وذلك هو شرع الاسلام والرسول هو محمد صلى الله عليه و سلم ومبين أي يبين لهم الاحكام والمعنى في الآية بل أمهلت هؤلاء ومتعتهم بالنعمة ولما جاءهم الحق يعني القرآن قالوا هذا سحر وقالوا يعني قريشا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين يعني من إحدى القريتين وهما مكة والطائف ورجل مكة هو الوليد بن المغيرة في قول ابن عباس وغيره وقال مجاهد هو عتبة بن ربيعة وقيل غير هذا ورجل الطائف قال قتادة هو عروة بن مسعود وقيل غير هذا قال ع وانما قصدوا الى من عظم ذكره بالسن والا فرسول الله صلى الله عليه و سلم كان أعظم من هؤلاء اذ كان المسمى عندهم الأمين ثم وبخهم سبحانه بقوله أهم يقسمون رحمة ربك والرحمة اسم

(4/125)


عام يشمل النبوة وغيرها وفي قوله تعالى نحن قسمنا بينهم معيشتهم تزهيد السعايات وعون على التوكل على الله عز و جل ولله در القائل ... كم جاهل يملك دورا وقرى ... وعالم يسكن بيتا بالكرا ... لما سمعنا قوله سبحانه ... نحن قسمنا بينهم زال المرا ...
وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال اذا أراد الله بعبد خيرا ارضاه بما قسم له وبارك له فيه واذا لم يرد به خيرا لم يرضه بما قسم له ولم يبارك له فيه انتهى وسخريا بمعنى التسخير ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية وقوله تعالى ورحمة ربك خير مما يجمعون قال قتادة والسدي يعني الجنة قال ع ولا شك أن الجنة هي الغاية ورحمة الله في الدنيا بالهداية والايمان خير من كل مال وفي هذا اللفظ تحقير للدنيا وتزهيد فيها ثم استمر القول في تحقيرها بقوله سبحانه ولولا أن يكون الناس أمة واحدة الآية وذلك أن معنى الآية أن الله سبحانه ابقى على عباده وأنعم عليهم بمراعاة بقاء الخير والايمان وشاء حفظه على طائفة منهم بقية الدهر ولولا كراهية أن يكون الناس كفارا كلهم وأهل حب في الدنيا وتجرد لها لوسع الله على الكفار وغاية التوسعة ومكنهم من الدنيا وذلك لحقارتها عنده سبحانه وانها لا قدر لها ولا وزن لفنائها وذهاب رسومها فقوله أمة واحدة معناه في الكفر قاله ابن عباس وغيره ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه و سلم لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده عن علقمة عن عبد الله قال اضطجع رسول الله صلى الله عليه و سلم على حصير فاثر الحصير في جنبه فلما استيقظ جعلت امسح عنه وأقول يا رسول الله الا آذيتني قبل أن تنام على هذا الحصير فابسط لك عليه شيئا يقيك منه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم مالي وللدنيا وما للدنيا الا كراكب استظل

(4/126)


في فيء أو ظل شجرة ثم راح وتركها انتهى وقد خرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وسقفا جمع سقف والمعارج الأدراج التي يطلع عليها قاله ابن عباس وغيره ويظهرون معناه يعلون ومنه حديث عائشة رضي الله عنها والشمس في حجرتها لم تظهر بعد والسرر جمع سرير قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي هو الذهب وقالت فرقة الزخرف التزاويق والنقش ونحوه وشاهده حتى اذا أخذت الأرض زخرفها وقرأ الجمهور وأن كل ذلك لما بتخفيف الميم من لما فان المخففة من الثقيلة واللام في لما داخلة لتفصل بين النفي والايجاب وقرأ عاصم وحمزة وهشام بخلاف عنه بتشديد الميم من لما فان نافية بمعنى ما ولما بمعنى الا أي وما كل ذلك الا متاع الحياة الدنيا وفي قوله سبحانه والآخرة عند ربك للمتقفين وعد كريم وتحريض على لزوم التقوى اذ في الآخرة هو التباين الحقيقي في المنازل قال الفخر بين تعالى أن كل ذلك متاع الحياة الدنيا وأما الآخرة فهي باقية دائمة وهي عند الله وفي حكمه للمتقين المعرضين عن حب الدنيا المقبلين على حب المولى انتهى وقوله عز و جل ومن يعش عن ذكر الرحمن الآية وعشا يعشو معناه قل الابصار منه ويقال أيضا عشي الرجل يعشى اذا فسد بصره فلم ير أو لم ير الا قليلا فالمعنى في الآية ومن يقل بصره في شرع الله ويغمض جفونه عن النظر في ذكر الرحمن أي فيما ذكر به عباده أي فيما أنزله من كتابه وأوحاه الى نبيه وقوله نقيض له شيطانا أي نيسر له ونعد وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدم الفلاح وهذا كما يقال ان الله تعالى يعاقب على المعصية بالتزيد في المعاصي ويجازي على الحسنة بالتزيد من الحسنات وقد روى هذا المعنى مرفوعا قال ص - ومن يعش الجمهور بضم الشين أي يتعام ويتجاهل فمن شرطية ويعش مجزوم بها ونقيض جواب من انتهى والضمير في قوله وانهم عائد على الشياطين وفيما بعده عائد على الكفار وقرأ نافع وغيره حتى اذا جاءنا على

(4/127)


التثنية يريد العاشي والقرين قاله قتادة وغيره وقرأ أبو عمرو وغيره جاءنا يريد العاشي وحده وفاعل قال هو العاشي قال الفخر وروى أن الكافر اذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ الشيطان بيده فلم يفارقه حتى يصيرهما الله الى النار فذلك حيث يقول يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين انتهى وقوله بعد المشرقين يحتمل معانيا أحدها أن يريد بعد المشرق من المغرب فسماهما مشرقين كما يقال القمران والعمران والثاني أن يريد مشرق الشمس في أطول يوم ومشرقها في أقصر يوم والثالث أن يريد بعد المشرقين من المغربين فاكتفى بذكر المشرقين ت واستبعد الفخر التأويل الثاني قال لأن المقصود من قوله يا ليت بين وبينك بعد المشرقين المبالغة في حصول البعد وهذا المبالغة انما نحصل عند ذكر بعد لا يمكن وجود بعد أزيد منه والبعد بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف ليس كذلك فيبعد حمل اللفظ عليه قال والاكثرون على التأويل الأول انتهى وقوله تعالى ولن ينفعكم اليوم الآية حكاية عن مقالة تقال لهم يوم القيامة وهي مقالة موحشة فيها زيادة تعذيب لهم ويأس من كل خير وفاعل ينفعكم الاشتراك ويجوز أن يكون فاعل ينفعكم التبري الذي يدل عليه قوله يا ليت وقوله سبحانه أفأنت تسمع الصم الآية خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وباقي الآية تكرر معناه غير ما مرة وقوله تعالى فاستمسك بالذي أوحى اليك أي بما جاءك من عند الله من الوحي المتلو وغيره وقوله وانه لذكر لك يحتمل أن يريد وانه لشرف فى الدنيا لك ولقومك يعنى قريشا قاله ابن عباس وغيره ويحتمل ان يريد لتذكرة وموعظة فالقوم على هذا امته بأجمعها وهذا قول الحسن بن أبي الحسن وقوله وسوف تسئلون قال ابن عباس وغيره معناه عن أوامر القرآن ونواهييه وقال الحسن معناه عن شكر النعمة فيه واللفظ يحتمل هذا كله ويعمه وقوله تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية قال ابن زيد والزهري

(4/128)


أما أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يسأل الرسل ليلة الاسراء عن هذا لأنه كان أثبت يقينا من ذلك ولم يكن في شك وقال ابن عباس وغيره أراد واسأل اتباع من أرسلنا وحملة شرائعهم وفي قراءة ابن مسعود وأبي واسأل الذين أرسلنا اليهم ت قال عياض قوله تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك الآية الخطاب مواجهة للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد المشركون قاله القتبي ثم قال عياض والمراد بهذا الاعلام بأن الله عز و جل لم يأذن في عبادة غيره لأحد ردا على مشركي العرب وغيرهم في قولهم ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى انتهى وقوله سبحانه ولقد أرسلنا موسى بآياتنا الآية ضرب مثل وأسوة للنبي صلى الله عليه و سلم بموسى عليه السلام ولكفار قريش بقوم فرعون وقوله وأخذناهم بالعذاب أي كالطوفان والجراد والقمل والضفادع وغير ذلك لعلهم يرجعون أي يتوبون ويرجعون عن كفرهم وقالوا لما عاينوا العذاب لموسى يا ايه الساحر أي العالم وانما قالوا هذا على جهة التعظيم والتوقير لأن علم السحر عندهم كان علما عظيما وقيل انما قالوا ذلك على جهة الاستهزاء والأول أرجح وقولهم ادع لنا ربك بما عهد عندك اننا لمهتدون أي ان نفعتنا دعوتك وقوله أليس لي ملك مصر الآية مصر من بحر الاسكندرية الى أسوان بطول النيل والأنهار التي أشار اليها هي الخلجان الكبار الخارجة من النيل وقوله أم أنا خير قال سيبويه أم هذه المعادلة والمعنى أفأنتم لا تبصرون أم تبصرون وقالت فرقة أم بمعنى بل وقرأ بعض الناس اما أنا خير حكاه الفراء وفي مصحف أبي بن كعب أم أنا خير أم هذا ومهين معناه ضعيف ولا يكاد يبين اشارة الى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة وكانت أحدثت في لسانه عقدة فلما دعا في أن تحل ليفقه قوله أجيبت دعوته لكنه بقي أثر كان البيان يقع معه فعيره فرعون به وقوله ولا يكاد يبين يقتضي

(4/129)


انه كان يبين وقوله فلولا ألقي عليه يريد من السماء على معنى التكرمة وقرأ الجمهور أساورة وقرأ حفص عن عاصم أسورة وهو ما يجعل في الذراع من الحلي وكانت عادة الرجال يومئذ لبس ذلك والتزين به ت وذكر بعض المفسرين عن مجاهد أنهم كانوا اذا سودوا رجال سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب علامة لسيادته فقال فرعون هلا القي رب موسى على موسى أساورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين متتابعين يقارن بعضهم بعضا يمشون معه شاهدين له انتهى وقال ع قوله مقترنين أي يحمونه ويشهدون له ويقيمون حجته ت وما تقدم لغيره أحسن ولا يشك أن فرعون شاهد من حماية الله لموسى أمورا لم يبق معه شك في أن الله قد منعه منه وقوله سبحانه ءاسفونا معناه اغضبونا بلا خلاف وقوله فجعلناهم سلفا السلف الفارط المتقدم أي جعلناهم متقدمين في الهلاك ليتعظ بهم من بعدهم الى يوم القيامة وقال البخاري قال قتادة مثلا للآخرين عظة انتهى وقوله سبحانه ولما ضرب ابن مريم مثلا الآية روى عن ابن عياش وغيره في تفسيرها أنه لما نزلت أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم الآية وكون عيسى من غير فحل قالت قريش ما يريد محمد من ذكر عيسى إلا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى فهذا كان صدودهم وقوله تعالى وقالوا أآلهتنا خير ام هو هذا ابتداء معنى ثان وذلك أنه لما نزل انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم الآية قال ابن الزبعري ونظراؤه يا محمد أآلهتنا خير أم عيسى فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى اذ هو خير منها واذ قد عبد فهو من الحصب اذن فقال الله تعالى ما ضربوه لك الأجدلا ومغالطة ونسوا أن عيسى لم يعبد برضى منه وقالت فرقة المراد بهو محمد صلى الله عليه و سلم وهو قول قتادة وفي مصحف أبي خير أم هذه فالاشارة الى نبينا محمد عليه السلام وقال ابن زيد وغيره المراد بهو عيسى وهذا هو

(4/130)


الراجح ثم أخبر تعالى عنهم أنهم أهل خصام ولدد وأخبر عن عيسى بقوله أن هو الأعبد أنعمنا عليه أي بالنبوءة والمنزلة العالية ت وروينا في جامع الترمذي عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه الا أتوا الجدل ثم تلا هذه الآية ما ضربوه لك الأجدلا بل هم قوم خصمون قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى وقوله وجعلناه مثلا أي عبرة وآية لبني اسرائيل والمعنى لا تستغربوا أن يخلق عيسى من غير فحل فان القدرة تقتضي ذلك وأكثر منه وقوله ولو نشاء لجعلنا منكم معناه لجعلنا بدلا منكم أي لو شاء الله لجعل بدلا من بني آدم ملائكة يسكنون الأرض ويخلفون بني آدم فيها وقال ابن عباس ومجاهد يخلف بعضهم بعضا والضمير في قوله وانه لعلم قال ابن عباس وغيره الاشارة به الى عيسى وقالت فرقة الى محمد وقال قتادة وغيره الى القرآن ت وكذا نقل أبو حيان هذه الأقوال الثلاثة ولو قيل أنه ضمير الأمر والشأن استعظاما واستهولا الأمر الآخرة ما بعد بل هو المتبادر الى الذهن يدل عليه فلا تمترن بها والله اعلم وقرأ ابن عباس وجماعة لعلم بفتح العين واللام أي امارة وقرأ عكرمة للعلم بلا مين الأولى مفتوحة وقرأ أبي لذكر للساعة فمن قال ان الاشارة الى عيسى حسن مع تأويله علم وعلم أي هو اشعار بالساعة وشرط من أشراطها يعني خروجه في آخر الزمان وكذلك من قال الاشارة الى النبي صلى الله عليه و سلم أي هو آخر الأنبياء وقد قال بعثت أنا والساعة كهاتين يعني السبابة والوسطى ومن قال الاشارة الى القرآن حسن قوله مع قراءة الجمهور أي يعلمكم بها وبأهوالها وقوله هذا صراط مستقيم اشارة الى الشرع وقوله تعالى ولما جاء عيسى بالبينات يعين احياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص وغير ذلك وباقي الآية تكرر معناه وقوله هذا صراط مستقيم حكاية عن عيسى عليه السلام اذ أشار الى شرعه وقوله سبحانه هل ينظرون يعني

(4/131)


قريشا والمعنى ينتظرون وبغتة معناه فجأة ثم وصف سبحانه بعض حال القيامة فقال الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو وذلك لهول مطلعها والخوف المطيف بالناس فيها يتعادى ويتباغض كل خليل كان في الدنيا على غير تقي لأنه يرى أن الضرر دخل عليه من قبل خليله وأما المتقون فيرون أن النفع دخل من بعضهم على بعض هذا معنى كلام علي رضي الله عنه وخرج البزار عن ابن عباس قال قيل يا رسول الله أي جلسائنا خير قال من ذكركم بالله رؤيته وزادكم في علمكم منطقه وذكركم بالله عمله اه فمن مثل هؤلاء تصلح الأخوة الحقيقية والله المستعان ومن كلام الشيخ أبي مدين رضي الله عنه دليل تخليطك صحبتك للمخلطين ودليل انقطاعك صحبتك للمنقطعين وقال ابن عطاء الله في التنوير قل ما تصفو لك الطاعات أو تسلم من المخالفات مع الدخول في الأسباب لاستلزامها لمعاشرة الأضداد ومخالطة أهل الغفلة والبعاد وأكثر ما يعينك على الطاعات رؤية المطيعين وأكثر ما يدخلك في الذنب رؤية المذنبين كما قال عليه السلام المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل والنفس من شانها التشبه والمحاكاة بصفات من قارنها فصحبة الغافلين معينة لها على وجود الغفلة انتهى وفي الحكم الفارقية من ناسب شيئا انجذب إليه وظهر وصفه عليه وفي سماع العتبية قال مالك لا تصحب فاجرا ليلا تتعلم من فجوره قال ابن رشد لا ينبغي أن يصحب الا من يقتدى به في دينه وخيره لأن قرين السوء يردى قال الحكيم
... إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى ...
... عن المرء لا تسئل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى ...
انتهى ت وحديث المرء على دين خليله أخرجه أبو داود وأبو بكر بن الخطيب وغيرهما وفي الموطأ من حديث معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله

(4/132)


ص - يقول قال الله تبارك وتعالى وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتباذلين في والمتزاورين في قال أبو عمر اسناده صحيح عن أبي ادريس الخولاني عن معاذ وقد رواه جماعة عن معاذ ثم اسند أبو عمر من طريق ابي مسلم الخولاني عن معاذ قال سمعت رسول الله ص - يقول المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله قال أبو مسلم فخرجت فلقيت عبادة بن الصامت فذكرت له حديث معاذ فقال وانا سمعت رسول الله ص - يحكي عن ربه قال حقت محبتي على المتحابين في وحقت محبتي على المتزاورين في وحقت محبتي على المتباذلين في والمتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله انتهى من التمهيد وقوله تعالى يا عبادي المعني يقال لهم أي للمتقين وذكر الطبري عن المعتمر عن ابيه انه قال سمعت ان الناس حين يبعثون ليس منهم احد إله فزع فينادي مناد يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا انتم تحزنون فيرجوها الناس كلهم فيتبعها الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين قال فييأس منها جميع الكفار وقوله الذين امنوا نعت للعباد وتحبرون معناه تنعمون وتسرون والحبرة السرور والاكواب ضرب من الاواني كالاباريق الا انها لا آذان لها ولا مقابض وقوله تعالى ان المجرمين يعني الكفار والمبلس المبعد اليائس من الخير قاله قتادة وغيره وقولهم ليقض علينا ربك أي ليمتنا ربك فنستريح فالقضاء في هذه الآية الموت كما في قوله تعالى فوكزه موسى فقضى عليه وروي في تفسير هذه الآية عن ابن عباس أن مالكا يقيم بعد سؤالهم الف سنة ثم حينئذ يقول لهم انكم ماكثون وقوله سبحانه لقد جئناكم يحتمل أن يكون من تمام قول مالك لهم ويحتمل ان يكون من قول الله تعالى لقريش فيكون فيه تخويف فصيح بمعنى انظروا كيف يكون حالكم وقوله تعالى ام ابرموا امرا أي احكموا

(4/133)


امرا في المكر بالنبي ص - فانا مبرمون أي محكمون امرا في نصره ومجازاتهم والمراد بالرسل هنا الحفظة من الملائكة يكتبون اعمال العباد وتعد للجزاء يوم القيامة واختلف في قوله تعالى قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين فقال مجاهد المعنىان كان لله ولد في قولكم فانا اول من عبد الله ووحده وكذبكم وقال ابن زيد وغيره ان نافية بمعنى ما فكأنه قال قل ما كان للرحمن ولد وهنا هو الوقف على هذا التأويل ثم يبتدىء قوله فانا اول العابدين قال ابو حاتم قالت فرقة العابدون فى الآية من عبد الرجل اذا انف وانكر والمعنى ان كان للرحمن ولد فى قولكم فانا اول الآنفين المنكرين لذلك وقرأ ابو عبد الرحمن فانا اول العبدين قال حاتم العبد بكسر الباء الشديد الغضب وقال ابو عبيدة معناه اول الجاحدين والعرب تقول عبدني حقي أي جحدني وباقي الآية تنزيه لله سبحانه ووعيد للكافرين ويومهم الذي يوعدون هو يوم القيامة هذا قول الجمهور وقال عكرمة وغيره هو يوم بدر وقوله جلت عظمته وهو الذي في السماء اله الآية اية تعظيم واخبار بألوهيته سبحانه أي هو النافذ امره في كل شيء وقرأ عمر بن الخطاب وابي وابن مسعود وغيرهم وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله وباقي الآية بين ثم اعلم سبحانه ان من عبد من دون الله لا يملك شفاعة يوم القيامة الا من شهد بالحق وهم الملائكة وعيسى وعزير فانهم يملكون الشفاعة بان يملكها الله اياهم اذ هم ممن شهد بالحق وهم يعلمونه فالاستثناء على هذا التاويل متصل وهو تأويل قتادة وقال مجاهد وغيره الاستثناء في المشفوع فيهم فكانه قال لا يشفع هؤلاء الملائكة وعيسى وعزير الا فيمن شهد بالحق أي بالتوحيد فأمن على علم وبصيرة فالاستثناء على هذا التأويل منفصل كانه قال لكن من شهد بالحق فيشفع فيهم هؤلاء والتاويل الاول اصوب وقرأ الجمهور وقيله بالنصب وهو مصدر كالقول والضمير فيه لنبينا محمد

(4/134)


ص - واختلف في الناصب له فقالت فرقة هو معطوف على قوله سرهم ونجواهم ولفظ البخاري وقيله يا رب تفسيره ايحسبون انا لا نسمع سرهم ونجواهم ولا نسمع قيله يا رب انتهى وقيل العامل فيه يكتبون ونزل قوله تعالى وقيله يا رب بمنزلة شكوى محمد عليه السلام واستغاثته من كفرهم وعتوهم وقرأ حمزة وعاصم وقيله بالخفض عطفا على الساعة وقوله سبحانه فاصفح عنهم موادعة منسوخة وقل سلام تقديره امرى سلام أي مسالمة فسوف تعلمون
تفسير سورة الدخان وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
حم والكتاب المبين انا انزلناه في ليلة مباركة الآية قوله والكتاب المبين قسم اقسم الله تعالى به وقوله انا انزلناه يحتمل ان يقع القسم عليه ويحتمل ان يكون وصفا للكتاب ويكون الذي وقع القسم عليه انا كنا منذرين واختلف في تعينن الليلة المباركة فقال قتادة والحسن وابن زيد هي ليلة القدر ومعنى هذا النزول ان ابتداء نزوله كان في ليلة القدر وهذا قول الجمهور وقال عكرمة الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان قال القرطبي والصحيح ان الليلة التي يفرق فيها كل امر حكيم ليلة القدر من شهر رمضان وهي الليلة المباركة انتهى من التذكرة ونحوه لابن العربي وقوله تعالى فيها يفرق كل امر حكيم معناه يفصل من غيره ويتخلص فعن عكرمة ان الله تعالى يفصل ذلك للملائكة في ليلة النصف من شعبان وفي بعض الأحاديث عن النبي ص

(4/135)


انه قال تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى ان الرجل لينكح الولد ويولد له ولقد خرج اسمه في الموتى وقال قتادة والحسن ومجاهد يفصل في ليلة القدر كل ما في العام المقبل من الأقدار والارزاق والآجال وغير ذلك وامرا نصب على المصدر وقوله انا كنا مرسلين يحتمل ان يريد الرسل والاشياء ويحتمل ان يريد الرحمة التي ذكر بعد واختلف الناس في الدخان الذي امر الله تعالى بارتقابه فقالت فرقة منها علي وابن عباس وابن عمر والحسن بن ابي الحسن وابو سعيد الخدري هو دخان يجيء قبل يوم القيامة يصيب المؤمن منه مثل الزكام وينضح رءوس المنافقين والكافرين حتى تكون كأنها مصلية حينئذ وقال فرقة منها ابن مسعود هذا الدخان قد رأته قريش حين دعا عليهم النبي ص - بسبع كسبع يوسف فكان الرجل يرى من الجوع دخانا بينه وبين السماء وما يأتي من الآيات يؤيد هذا التأويل وقولهم انا مؤمنون كان ذلك منهم من غير حقيقة ثم قال تعالى انى لهم لذكرى أي من اين لهم التذكر والاتعاظ بعد حلول العذاب وقد جاءهم رسول مبين يعني محمدا ص - فتولوا عنه أي اعرضوا وقالوا معلم مجنون وقوله انكم عائدون أي الى الكفر واختلف في يوم البطشة الكبرى فقالت فرقة هو يوم القيامة وقال ابن مسعود وغيره هو يوم بدر وقوله ان ادوا ماخوذ من الأدء كانه يقول ان ادفعوا الي واعطوني ومكنوني من بني اسرائيل واياهم اراد بقوله عباد الله وقال ابن عباس المعنى اتبعوني الى ما ادعوكم اليه من الحق فعباد الله على هذا منادى مضاف والمؤدى هي الطاعة والظاهر من شرع موسى عليه السلام انه بعث إلى دعاء فرعون إلى الايمان وان يرسل بني اسراءيل فلما ابى ان يؤمن ثبتت المكافحة في ان يرسل بني اسرائيل وقوله بعد وان لم تومنوا لي فاعتزلون كالنص في انه أخر الامر انما يطلب ارسال بني اسرائيل فقط وقوله وان لا تعلوا

(4/136)


على الله الآية المعنى كانت رسالته وقوله ان ادوا وان لا تعلوا على الله أي على شرع الله وعبر بالعلو عن الطغيان والعتو وان ترجمون معناه الرجم بالحجارة المؤدى الى القتل قاله قتادة وغيره وقيل اراد الرجم بالقول والاول اظهر لأنه الذي عاد منه ولم يعذ من الآخر ت وعن ابن عمر قال قال النبي ص - من استعاذ بالله فاعيذوه ومن سألكم بالله فاعطوه ومن استجار بالله فأجيروه ومن اتى اليكم بمعروف فكافئوه فان لم تقدروا فادعوا له حتى تعلموا ان قد كافأتموه رواه ابو داود والنسائي والحاكم وابن حبان في صحيحيهما واللفظ للنسائي وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين يعنى البخاري ومسلما أه من السلاح وقوله فاعتزلون متاركة صريحة قال قتادة اراد خلوا سبيلي وقوله فدعا ربه قبله محذوف تقديره فما اجابوه لما طلب منهم وقوله فاسر قبله محذوف أي قال الله له فاسر بعبادي قال ابن العربي في احكامه السرى سير الليل والادلاج سير السحر والتأويب سير النهار ويقال سرى واسرى انتهى واختلف في قوله تعالى واترك البحر رهوا متى قالها لموسى فقالت فرقة هو كلام متصل بما قبله وقال قتادة وغيره خوطب به بعد ما جاز البحر وذلك انه هم ان يضرب البحر ليلتئم خشية ان يدخل فرعون وجنوده وراءه ورهوا معناه ساكنا كما جزته قاله ابن عباس وهذا القول هو الذي تؤيده اللغة ومنه قول القطامي
... يمشين رهوا فلا الاعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الاعجاز تتكل
ومنه ... وامة خرجت رهوا الى عيد ...
أي اخرجوا في سكون وتمهل فقيل لموسى عليه السلام اترك البحر ساكنا على حاله من الانفراق ليقضي الله امرا كان مفعولا وقوله تعالى كم تركوا كم للتكثير أي كم ترك هؤلاء المغترون من كثرة الجنات والعيون فروي ان الجنات كانت متصلة ضفتي النيل جميعا من رشيد الى اسوان واما العيون فيحتمل انه اراد الخلجان فشبهها بالعيون ويحتمل انها

(4/137)


كانت ونضبت ذكر الطرطوشي في سراج الملوك له قال قال ابو عبد الله بن حمدون كنت مع المتوكل لما خرج الى دمشق فركب يوما الى رصافة هشام بن عبد الملك فنظر الى قصورها ثم خرج فنظر الى دير هناك قديم حسن البناء بين مزارع واشجار فدخله فبينما هو يطوف به اذ برقعة قد الصقت في صدره فامر بقلعها فاذا فيها مكتوب هذه الابيات ... ايا منزلا بالدير اصبح خاليا ... تلاعب فيه شمأل ودبور ... كانك لم يسكنك بيض او انس ... ولم تتبختر في قبابك حور ... وابناء املاك غواشم سادة
صغيرهم و عند الانام كبير ... اذا لبسوا ادراعهم فعوابس ... وان لبسوا تيجانهم فبدور ... على انهم يوم اللقاء ضراغم ... وانهمو يوم النوال بحور ... ليالي هشام بالرصافة قاطن ... وفيك ابنه يا دير وهو امير ... اذ العيش غض والخلافة لذة ... وانت طروب والزمان غرير ... ورضك مرتاد ونورك مزهر ... وعيش بني مروان فيك نضير ... بلى فسقاك الغيث صوب سحائب ... عليك لها بعد الرواح بكور ... تذكرت قومي فيكما فبكيتهم ... بشجو ومثلي بالبكاء جدير ... فعزيت نفسي وهي إذا جرى لها ذكر قومي انة وزفير ... لعل زمانا جر يوما عليهم ... لهم بالذي تهوى النفوس يدور ... فيفرح محزون وينعم بائس ... ويطلق من ضيق الوثاق اسير ... رويدك ان الدهر يتبعه غد ... وان صروف الدائرات تدور ...
فلما قرأها المتوكل ارتاع ثم دعا صاحب الدير فسأله عمن كتبها فقال لا علم لي به وانصرف انتهى وفي هذا وشبهه عبرة لاولى البصائر المستيقظين اللهم ألا تجعلنا ممن اغتر بزخاف هذه الدار

(4/138)


الا انما الدنيا كأحلام نائم ... وما خير عيش لا يكون بدائم ...
وقرأ جمهور الناس ومقام بفتح الميم قال ابن عباس وغيره اراد المنابر وعلى قراءة ضم الميم قال قتادة اراد المواضع الحسان من المساكن وغيرها والقول بالمنابر بعيد جدا والنعمة بفتح النون غضارة العيش ولذاذة الحياة والنعمة بكسر النون اعم من هذا كله وقد تكون الامراض والمصائب نعما ولا يقال فيها نعمة بالفتح وقرأ الجمهور فاكهين ومعناه فرحين مسرورين كذلك واورثناها قوما آخرين أي بعد القبط وقال قتادة هم بنو اسرائيل وفيه ضعف وقد ذكر الثعلب عن الحسن ان بني اسرائيل رجعوا الى مصر بعد هلاك فرعون واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى فما بكت عليهم السماء والارض فقال ابن عباس وغيره وذلك ان الرجل المؤمن اذا مات بكى عليه من الارض موضع عبادته اربعين صباحا وبكى عليه من السماء موضع صعود عمله قالوا ولم يكن في قوم فرعون من هذه حاله فتبكى عليهم السماء والارض قال ع والمعنى الجيد في الآية انها استعارة فصيحة تتضمن تحقير امرهم وانه لم يتغير لاجل هلاكهم شيء ومثله قوله ص - لا ينتطح فيها عنزان وفي الحديث عن النبي ص - انه قال ما مات مومن في غربة غابت عنه فيها بواكيه الا بكت عليه السماء والارض ثم قرأ هذه الآية وقال انهما لا يبكيان على كافر قال الداودي وعن مجاهد ما مات مؤمن الا بكت عليه السماء والارض وقال افي هذا عجب وما للارض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه قال اخبرنا الاوزاعي قال حدثني عطاء الخراساني قال ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الارض الا شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت انتهى وروى ابن المبارك ايضا عن ابي عبيد صاحب سليما ان

(4/139)


العبد المؤمن اذا مات تنادت بقاع الارض عبد الله المؤمن مات فتبكى عليه السماء والارض فيقول الرحمن تبارك وتعالى ما يبكيكما على عبدي فيقولان يا ربنا لم يمش على ناحية منا قط الا وهو يذكرك اه ومنظرين أي مؤخرين والعذاب المهين هو ذبح الابناء والتسخير وغير ذلك وقوله على علم أي على شيء قد سبق عندنا فيهم وثبت في علمنا انه سينفذ ويحتمل ان يكون معناه على علم لهم وفضائل فيهم على العالمين أي عالمي زمانهم بدليل ان امة محمد خير امة اخرجت للناس وءاتيناهم من الايات لفظ جامع لما اجرى الله من الآيات على يدي موسى ولما انعم به على بني اسرائيل والبلاء في هذا الموضع الاختبار والامتحان كما قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة الآية ومبين بمعنى بين ثم ذكر تعالى قريشا على جهة الانكار لقولهم وانكارهم للبعث فقال ان هؤلاء ليقولون ان هي أي ما هي الا موتتنا الاولى وما نحن بمنشرين أي بمبعوثين وقول قريش فآتوا بآياتنا مخاطبة للنبي ص - طلبوا منه ان يحي الله لهم بعض ءابائهم وسموا له قصيا وغيره كي يسئلوهم عما رأووا في أخرتهم وقوله سبحانه اهم خير ام قوم تبع الآية اية تقرير ووعيد وتبع ملك حميري وكان يقال لكل ملك منهم تبع الا ان المشار اليه في هذه الآية رجل صالح روي عن النبي ص - من طريق سهل بن سعد ان تبعا هذا اسلم وأمن بالله وقد ذكره ابن اسحاق في السيرة قال السهيلي وبعد ما غزا تبع المدينة واراد خرابها اخبر بأنها مهاجر نبي اسمه احمد فانصرف عنها وقال فيه شعر واودعه عند اهلها فكانوايتوارثونه كابرا عن كابر الى ان هاجر اليهم النبي عليه السلام فادوه اليه ويقال ان الكتاب والشعر كان عند ابى ايوب الانصاري ومنه ... شهدت على احمد انه ... رسول من الله بارى النس م ... فلو مد عمرى الى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم

(4/140)


وذكر الزجاج وابن ابي الدنيا انه حفر قبر بصنعاء في الاسلام فوجد فيه امرأتان صحيحتان وعند رأسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب هذا قبر حبى ولميس ويروى وتماضر ابنتي تبع ماتتا وهما تشهدان ان لا اله الا الله ولا تشركان به شيأ وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما انتهى ويوم الفصل هو يوم القيامة وهذا هو الاخبار بالبعث والمولى في هذه الآية يعم جميع الموالى وقوله سبحانه ان شجرت الزقوم طعام الاثيم روي عن ابن زيد ان الاثيم المشار اليه أبو جهل ثم هي بالمعنى تتناول كل اثيم وهو كل فاجر روي انها لما نزلت جمع ابو جهل عجوة وزبدا وقال لاصحابه تزقموا فهذا هو الزقوم وهو طعامي الذي حدث به محمد قال ع وانما قصد بذلك ضربا من المغالطة والتلبيس على الجهلة وقوله سبحانه كالمهل قال ابن عباس وابن عمر المهل دردي الزيت وعكره وقال ابن مسعود وغيره المهل ما ذاب من ذهب او فضة والمعنى ان هذه الشجرة اذا طعمها الكافر في جهنم صارت في جوفه تفعل كما يفعل الممهل المذاب من الاحراق والافساد والحميم الماء الساخن الذي يتطاير من غليانه وقوله خذوه الآية أي يقال يومئذ للملائكة خذوه يعني الاثيم فاعتلوه والعتل السوق بعنف واهانة ودفع قوي متصل كما يساق ابدا مرتكب الجرائم والسواء الوسط وقيل المعظم وذلك متلازم وقوله تعالى ذق انك انت العزيز الكريم مخاطبة على معنى التقريع وقوله سبحانه ان هذا ما كنتم به تمترون عبارة عن قول يقال للكفرة ثم ذكر تعالى حالة المتقين فقال ان المتقين في مقام امين أي مامون والسندس رقيق الحرير والاستبرق خشنه وقوله متقابلين وصف لمجالس اهل الجنة لان بعضهم لا يستدبر بعضا في المجالس وقرأ الجمهور وزوجناهم بحور عين وقرا ابن مسعود بعيس عين وهو جمع عيساء وهي البيضاء وكذلك هي من النوق وروى ابو قرصافة عن النبي ص - انه قال اخراج

(4/141)


القمامة من المسجد مهور الحور العين قال الثعلبي قال مجاهد يحار فيهن الطرف من بياضهن وصفاء لونهن يرى مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كعب احداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون انتهى وقوله سبحانه يدعون فيها بكل فاكهة أي يدعون الخدمة والمتصرفين قال ابو حيان الا الموتة استثناء منقطع أي لكن الموتة الاولى ذاقوها انتهى والضمير في يسرناه عائد على القرآن بلسانك أي بلغة العرب قال الواحدي لعلهم يتذكرون أي يتعظون انتهى وفي قوله تعالى فارتقب انهم مرتقبون وعد للنبي ص - ووعيد للكافرين
تفسير سورة الجاثية وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله عز و جل حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ان في السموات والارض لايات للمؤمنين قال ابو حيان اجاز الفخر الرازي في العزيز الحكيم ان يكونا صفتين لله وهو الراجح او للكتاب ورد بانه لا يجوز ان يكونا صفتين للكتاب من وجوه انتهى وذكر تبارك وتعالى هنا الآيات التي في السموات والارض مجملة غير مفصلة فكانها احالة على غوامض تثيرها الفكر ويخبر بكثير منها الشرع فلذلك جعلها للمؤمنين ثم ذكر سبحانه خلق البشر والحيوان وكأنه اغمض فجعله للموقنين الذين لهم نظر يؤديهم الى اليقين ثم ذكر اختلاف الليل والنهار والعبرة بالمطر والرياح فجعل ذلك القوم يعقلون اذ كل عاقل يحصل هذه

(4/142)


ويفهم قدرها قال ع وان كان هذا النظر ليس بلازم ولا بد فان اللفظ يعطيه والرزق المنزل من السماء هو الماء وسماه الله سبحانه رزقا بمئاله لان جميع ما يرتزق فعن الماء هو وقوله نتلوها عليك بالحق أي بالصدق والاعلام بحقائق الامور في انفسها وقال جلت عظمته فبأي حديث بعد الله وأياته يومنون ءاية تقريع وتوبيخ وفيها قوة تهديد والافاك الكذاب الذي يقع منه الافك مرارا والاثيم بناء مبالغة اسم فاعل من اثم ياثم وروي ان سبب الآية ابو جهل وقيل النضر بن الحارث والصواب انها عامة فيهما وفي غيرهما وانها تعم كل من دخل تحت الاوصاف المذكورة الى يوم القيامة ويصر معناه يثبت على عقيدته من الكفر وقوله فبشره بعذاب اليم أي مؤلم وقوله تعالى وإذا علم من آياتنا شيأ أي اخبر بشيء من آياتنا فعلم نفس الخبر لا المعنى الذي تضمنه الخبر ولو علم المعاني التي تضمنها اخبار الشرع وعرف حقائقها لكان مومنا ت وفي هذا نظر لأنه ينحو الى القول بان الكفر لا يتصور عنادا محضا وقد تقدم اختياره رحمه الله لذلك في غير هذا المحل فقف عليه وخشية الاطالة منعتني من تكراره هنا وقوله سبحانه هذا هدى اشارة الى القرآن وقوله لهم عذاب بمنزلة قولك لهم حظ فمن هذه الجهة ومن جهة تغاير اللفظين حسن قوله عذاب من رجز اذ الرجز هو العذاب وقوله لتجري الفلك فيه بأمره أقام القدرة والاذن مناب أن يأمر البحر والناس بذلك وقرأ مسلمة بن محارب جميعا منة بضم التاء وقرأ ايضا جميعا منه بفتح الميم وشد النون والهاء وقرأ ابن عباس منة بالنصب على المصدر وقوله تعالى ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون قال الغزالي في الاحياء الفكر والذكر اعلى مقامات الصالحين وقال رحمه الله اعلم ان الناظرين بأنوار البصيرة علموا ان لا نجاة الا في لقاء الله عز و جل وانه لا سبيل الى اللقاء الا بان يموت العبد محبا لله تعالى وعارفا به وان المحبة والانس لا يتحصلان

(4/143)


الا بدوام ذكر المحبوب وان المعرفة لا تحصل الا بدوام الفكر ولن يتيسر دوام الذكر والفكر الا بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقدر البلغة والضرورة ثم قال والقرآن جامع لفضل الذكر والفكر والدعاء مهما كان بتدبر انتهى وقوله تعالى قل للذين أمنوا يغفروا الآية قال اكثر الناس هذه الآية منسوخة بآية القتال وقال فرقة بل هي محكمة قال ع الآيى تتضمن الغفران عموما فينبغي ان يقال ان الامور العظام كالقتل والكفر مجاهرة ونحو ذلك قد نسخت غفرانه آية السيف والجزية وما احكمه الشرع لا محالة وان الامور الحقيرة كالجفاء في القول ونحو ذلك تحتمل ان تبقى محكمة وان يكون العفو عنها اقرب الى التقوى وقوله ايام الله قالت فرقة معناه ايام انعامه ونصره وتنعيمه في الجنة وغير ذلك وقال مجاهد ايام الله ايام نقمه وعذابه وباقي الآية بين وقوله سبحانه فما اختلفوا الامن بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم الآية قد تقدم بيان نظيرها في سورة يونس وغيرها وقوله سبحانه ثم جعلناك على شريعة من الامر الآية الشريعة لغة مورد المياه وهي في الدين من ذلك لان الناس يردون الدين ابتغاء رحمة الله والتقرب منه والامر واحد الأمور ويحتمل ان يكون واحد الاوامر والذين لا يعلمون هم الكفار وفي قوله تعالى وان الظالمين بعضهم اولياء بعض والله ولي المتقين تحقير للكفرة من حيث خروجهم عن ولاية الله تعالى ت وقد قال ص - يوم احد اجيبوهم فقولوا الله مولانا ولا مولى لكم وذلك ان قريشا قالوا للصحابة لنا العزى ولا عزى لكم وقوله عز و جل هذا بصائر للناس يريد القرءان وهو جمع بصيرة وهو المعتقد الوثيق في الشيء كأنه من ابصار القلب قال ابو حيان وقرىء هذه أي هذه الآيات انتهى وقوله سبحانه ام حسب الذين اجترحوا السيئات قيل ان الآية نزلت بسبب افتخار كان للكفار على المؤمنين قالوا لئن كانت آخرة كما تزعمون لتفضلن عليكم فيها كما فضلنا في الدنيا

(4/144)


واجترحوا معناه اكتسبوا وهذه الآية متناولة بلفظها حال العصاة من حال اهل التقوى وهي موقف للعارفين يبكون عنده وروي عن الربيع بن خيثم انه كان يرددها ليلة حتى اصبح وكذلك عن الفضيل بن عياض وكان يقول لنفسه ليت شعري من أي الفريقين انت وقال الثعلبي كانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين قال ع واما لفظها فيعطى انه اجتراح الكفر بدليل معادلته بالايمان ويحتمل ان تكون المعادلة بين الاجتراح وعمل الصالحات ويكون الايمان في الفريقين ولهذا بكى الخائفون رضي الله عنهم ت وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده ان تميما الداري رضي الله عنه بات ليلة الى الصباح يركع ويسجد ويردد هذه الآية ام حسب الذين اجترحوا السيئات الآية ويبكي رضي الله عنه انتهى وقوله ساء ما يحكمون ما مصدرية والتقدير ساء الحكم حكمهم وقوله سبحانه افرأيت من اتخذ الهه هواه الآية تسلية للنبي ص - أي لا تهتم بأمر الكفرة من اجل اعراضهم عن الايمان وقوله الهه هواه اشارة إلى الاصنام اذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة وقال قتادة المعنى لا يهوى شيأ الا ركبه لا يخاف الله فهذا كما يقال الهوى اله معبود وهذه الآية وان كانت نزلت في هوى الكفر فهي متناولة جميع هوى النفس الامارة قال النبي ص - والعاجز مع اتبع نفسه هواها وتمنى على الله وقال سهل التستري هواك داؤك فان خالفته فدواؤك وقال وهب اذا عرض لك امران وشككت في خيرهما فانظر ابعدهما من هواك فاته ومن الحكمة في هذا قول القائل ... اذا انت لم تعص الهوى قادك الهوى ... الى كل ما فيه عليك مقال ...
قال الشيخ ابن ابي جمرة قوله ص - فيقال من كان يعبد شيئا فليتبعه شيئا يعم جميع الاشياء مدركة كانت او غير مدركة فالمدرك كالشمس

(4/145)


والقمر وغير المدرك مثل الملائكة والهوى لقوله عز و جل أفرأيت من اتخذ الهه هواه وما اشبه ذلك انتهى قال القشيري في رسالته وحكي عن ابي عمران الواسطي قال انكسرت بنا السفينة فبقيت انا وامرأتي على لوح وقد ولدت في تلك الحال صبية فصاحت بي وقالت يقتلني العطش فقلت هو ذا يرى حالنا فرفعت رأسي فاذا رجل في الهواء جالس في يده سلسلة من ذهب وفيها كوز من ياقوت احمر فقال هاك اشربا فاخذت الكوز فشربنا منه فاذا هو اطيب من المسك وابرد من الثلج واحلى من العسل فقلت من انت رحمك الله فقال عبد لمولاك فقلت له بم وصلت إلى هذا فقال تركت هواي لمرضاته فاجلسني في الهواء ثم غاب عني ولم اره انتهى وقوله تعالى على علم قال ابن عباس المعنى على علم من الله تعالى سابق وقالت فرقة أي على علم من هذا الضال بتركه للحق واعراضه عنه فتكون الآية على هذا التأويل من آيات العناد من نحو قوله وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم وقوله تعالى وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة استعارات كلها وقوله من بعد الله فيه حذف مضاف تقديره من بعد اضلال الله اياه واختلف في معنى قولهم نموت ونحيى فقالت فرقة المعنى يموت الآباء ويحيى الأبناء وقالت فرقة المعنى نحيى ونموت فوقع في اللفظ تقديم وتاخير وقولهم وما يهلكنا الا الدهر أي طول الزمان وقوله سبحانه واذا تتلى عليهم أياتنا بينات يعني قريشا ما كان حجتهم الا ان قالوا ايتوا بأبائنا أي يا محمد احي لنا قصيا حتى نسأله إلى غير ذلك من هذا النحو فنزلت الآية في ذلك ومعنى ان كنتم صادقين أي في قولكم انا نبعث بعد الموت ثم امر الله تعالى نبيه ان يخبرهم بالحال السابقة في علم الله التي لا تبدل بانه يحيي الخلق ثم يميتهم الى آخر الآية وباقي الآية بين والمبطلون الداخلون في الباطل وقوله سبحانه وترى كل امة جاثية هذا وصف حال

(4/146)


القيامة وهولها والامة الجماعة العظيمة من الناس وقال مجاهد الامة الواحد من الناس قال ع وهذا قلق في اللغة وان قيل في ابراهيم امة وفي قس بن ساعدة فذلك تجوز على جهة التشريف والتشبيه وجاثية معناه على الركب قاله مجاهد وغيره وهي هيئة المذنب الخائف وقال سلمان في القيامة ساعة قدر عشر سنين يخر الجميع فيها جثاة على الركب وقوله كل امة تدعى الى كتابها قالت فرقة معناه الى كتابها المنزل عليها فتحاكم اليه هل وافقته او خالفته وقالت فرقة اراد الى كتابها الذي كتبته الحفظة على كل واحد من الامة وقوله سبحانه هذا كتابنا يحتمل ان تكون الاشارة الى الكتب المنزلة أو الى اللوح المحفوظ او الى كتب الحفظة وقال ابن قتيبة الى القرآن وقوله سبحانه انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون قال الحسن وهو كتب الحفظة على بني أدم وروى ابن عباس وغيره حديثا ان الله يأمر بعرض اعمال العباد كل يوم خميس فينقل من الصحف التي كانت ترفع الحفظة كل ما هو معد ان يكون عليه ثواب او عقاب ويلغى الباقي فهذا هو النسخ من أصل وقوله عز و جل فاما الذين أمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته أي في جنته واما الذين كفروا أفلم تكن أي فيقال لهم افلم تكن آياتي تتلى عليكم وقرأ حمزه وحده والساعة بالنصب عطفا على قوله وعد الله وقرأ ابن مسعود وان الساعة لا ريب فيها وباقي الآية بين وقوله سبحانه وبدا لهم سيئات ما عملوا الآية حكاية حال يوم القيامة وحاق معناه نزل واحاط وهي مستعملة في المكروه وفي قوله ما كانوا حذف مضاف تقديره جزاء ما كانوا به يستهزءون وقوله عز و جل وقيل اليوم ننساكم معناه نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا وأيات الله هنا لفظ جامع لآيات القرآن وللأدلة التي نصبها الله تعالى للنظر ولا هم يسيتعتبون أي لا يطلب منهم مراجعة إلى عمل صالح وقوله سبحانه فلله الحمد رب السموات ورب الارض الى آخر

(4/147)


السورة تحميد لله عز و جل وتحقيق لالوهيته وفي ذلك كسر لامر الاصنام وسائر ما تعبده الكفرة والكبرياء بناء مبالغة
تفسير سورة الأحقاف وهي مكية
إلا ءايتين وهما قوله تعالى قل ارأيتم ان كان من عند الله وكفرتم به الآية وقوله سبحانه فاصبر كما صبر اولوا العزم الآية
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله سبحانه حم تنزيل الكتاب يعني القرآن وقوله سبحانه ما خلقنا السموات والارض وما بينهما الا بالحق واجل مسمى والذين كفروا عما انذروا معرضون هذه الآية موعظة وزجر المعنى فانتبهوا ايها الناس وانظروا ما يراد بكم ولم خلقتم والاجل المسمى هو يوم القيامة وقوله قل ارأيتم ما تدعون معناه ما تعبدون ثم وقفهم على السموات هل لهم فيها شرك ثم استدعى منهم كتابا منزلا قبل القرآن يتضمن عبادة الأصنام قال ابن العربي في احكامه هذه الآية من اشرف آية في القرآن فانها استوفت الدلالة على الشرائع عقليها وسمعيها لقوله عز و جل قل أرأيتم ما تدعون من دون الله اروني ماذا خلقوا من الأرض ام لهم شرك في السموات فهذا بيان لأدلة العقل المتعلقة بالتوحيد وحدوث العالم وانفراد الباري تعالى بالقدرة والعلم والوجود والخلق ثم قال ايتوني بكتاب من قبل هذا على ما تقولون وهذا بيان لأدلة السمع فان مدرك الحق انما يكون بدليل العقل او بدليل الشرع حسبما بيناه من مراتب الأدلة في كتب

(4/148)


الاصول ثم قال او اثارة من علم يعني او علم يؤثر أي يروى وينقل وان لم يكن مكتوبا انتهى وقوله او اثارة معناه او بقية قديمة من علم احد العلماء تقتضي عبادة الأصنام والاثارة البقية من الشيء وقال الحسن المعنى من علم تستخرجونه فتثيرونه وقال مجاهد المعنى هل من احد يأثر علما في ذلك وقال القرطبي هو الاسناد ومنه قول الاعشى ... ان الذي فيه تماريتما ... بين للسامع والآثر ...
أي وللمسند عن غيره وقال ابن عباس الاثارة الخط في التراب وذلك شيء كانت العرب تفعله والضمير في قوله وهم عن دعائهم غافلون هو للاصنام في قول جماعة ويحتمل ان يكون لعبدتها وقوله سبحانه واذا حشر الناس كانوا لهم اعداء وصف ما يكون يوم القيامة بين الكفار واصناهم من التبرى والمناكرة وقد بين ذلك في غير هذه الآية واذا تتلى عليهم آياتنا أي آيات القرآن قال الذين كفروا للحق يعني القرآن هذا سحر مبين أي يفرق بين المرء وبنيه وقوله سبحانه قل ان افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا المعنى ان افتريته فالله حسبي في ذلك وهو كان يعاقبني ولا يمهلني ثم رجع القول الى الاستسلام الى الله والاستنصار به عليهم وانتظار ما يقتضيه علمه بما يفيضون فيه من الباطل ومراده الحق وذلك يقتضي معاقبتهم ففي اللفظ تهديد والضمير في به عائد على الله عز و جل وقوله سبحانه وهو الغفور الرحيم ترجية واستدعاء الى التوبة ثم امره عز و جل ان يحتج عليهم بانه لم يكن بدعاء من الرسل والبدع البديع من الأشياء ما لم ير مثله المعنى قد جاء قبلي غيري قاله ابن عباس وغيره ت ولفظ البخاري وقال ابن عباس بدعا من الرسل أي لست بأول الرسل واختلف الناس في قوله وما ادرى ما يفعل بي ولا بكم فقال ابن عباس وجماعة كان هذا في صدر الاسلام ثم بعد ذلك عرفه الله عز و جل بانه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبان

(4/149)


المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة وبأن الكافرين في نار جهنم والحديث الصحيح الذي وقع في جنازة عثمان بن مظعون يؤيد هذا وقالت فرقة معنى الآية وما ادري ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي وقيل غير هذا وقوله ان اتبع الا ما يوحى الي معناه الاستسلام والتبري من علم المغيبات والوقوف مع النذارة من عذاب الله عز و جل وقوله عز و جل قل أرأيتم ان كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني اسرائيل الآية جواب هذا التوقيف محذوف تقديره اليس قد ظلمتم ودل على هذا المقدر قوله تعالى ان الله لا يهدي القوم الظالمين قال مجاهد وغيره هذه الآية مدنية والشاهد عبد الله بن سلام وقد قال عبد الله بن سلام في نزلت وقال مسروق بن الأجدع والجمهور الشاهد موسى بن عمران عليه السلام والآية مكية ورجحه الطبري وقوله على مثله يريد بالمثل التوراة والضمير عائد في هذا التأويل على القرآن أي جاء شاهد من بني اسرائيل بمثله انه من عند الله سبحانه وقوله فأمن على هذا التأويل يعني به تصديق موسى وتبشيره بنبينا محمد ص - وقوله سبحانه ومن قبله أي من قبل القرآن كتاب موسى يعني التوراة وهذا كتاب يعني القرآن مصدق للتوراة التي تضمنت خبره وفي مصحف ابن مسعود مصدق لما بين يديه والذين ظلموا هم الكفار وعبر عن المؤمنين بالمحسنين ليناسب لفظ الاحسان في مقابلة الظلم ثم اخبر تعالى عن حسن حال المستقيمين وذهب كثير من الناس الى ان المعنى ثم استقاموا بالطاعات والأعمال الصالحات وقال ابو بكر الصديق رضي الله عنه المعنى ثم استقاموا بالدوام على الايمان قال ع وهذا عم رجاء واوسع وان كان في الجملة المؤمنة من يعذب وينفذ عليه الوعيد فهو ممن يخلد في الجنة وينتفي عنه الخوف والحزن الحال بالكفرة وقوله تعالى جزاء بما كانوا يعملون قد جعل الله سبحانه الاعمال امارات على ما

(4/150)


سيصير اليه العبد لا انها توجب على الله شيأ وقوله سبحانه ووصينا الانسان يريد النوع أي هكذا مضت شرائعي وكتبي فهي وصية من الله في عباده وبر الوالدين واجب وعقوقهما كبيرة وقد قال النبي ص - كل شيء بينه وبين الله حجاب الا شهادة ان لا اله الا الله ودعوة الوالدين قال ع ولن يدعوا في الغالب الا اذا ظلمهما الولد فهذا يدخل في عموم قوله عليه السلام اتقوا دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب ثم عدد سبحانه على الابناء منن الامهات وقوله تعالى حملته امه كرها قال مجاهد والحسن وقتاده حملته مشقة ووضعته مشقة قال ابو حيان وحمله على حذف مضاف أي مدة حمله انتهى وقوله ثلاثون شهرا يقتضي ان مدة الحمل والرضاع هي هذه المدة وفي البقرة والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين فيترتب من هذا ان اقل مدة الحمل ستة اشهر واقل ما يرضع الطفل عام وتسعة اشهر واكمال الحولين هو لمن اراد ان يتم الرضاعة وهذا في امد الحمل هو مذهب مالك وجماعة من الصحابة واقوى الاقوال في بلوغ الاشد ستة وثلاثون سنة قال ع وانما ذكر تعالى الاربعين لانها حد للانسان في فلاحه ونجابته وفي الحديث ان الشيطان يجر يده على وجه من زاد على الأربعين ولم يتب فيقول بابى وجه لا يفلح ت وحدث ابو بكر بن الخطيب في تاريخ بغداد بسنده المتصل عن انس قال قال رسول الله ص - اذا بلغ العبد اربعين سنة امنه الله من البلايا الثلاث الجنون والجذام والبرص فاذا بلغ خمسين سنة خفف الله عنه الحساب فاذا بلغ ستين سنة رزقه الله الانابة لما يحب فاذا بلغ سبعين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفع في اهل بيته وناداه مناد من السماء هذا اسير الله في ارضه انتهى وهذا والله اعلم في العبد المقبل على آخرته المشتغل بطاعة ربه وقوله رب اوزعني معناه ادفع عني الموانع واجرني من

(4/151)


القواطع لاجل ان اشكر نعمتك ويحتمل ان يكون اوزعني بمعنى اجعل حظي ونصيبي وهذا من التوزيع ت وقال الثعلبي وغيره اوزعني معناه الهمني وعبارة الفخر قال ابن عباس اوزعني معناه الهمني قال صاحب الصحاح استوزعت الله فاوزعني أي استلهمته فالهمني انتهى قال ابن عباس نعمتك في التوحيد وصالحا ترضاه الصلوات والاصلاح في الذرية كونهم اهل طاعة وخير وهذه الآية معناها ان هكذا ينبغي للانسان ان يكون فهي وصية الله تعالى للانسان في كل الشرائع وقول من قال انها في ابي بكر وابويه ضعيف لأن هذه الآية نزلت بمكة بلا خلاف وابو قحافة اسلم عام الفتح وفي قوله تعالى اولائك الذين يتقبل عنهم الآية دليل على ان هذه الاشارة بقوله ووصينا الانسان انما اراد به الجنس وقوله في اصحاب الجنة يريد الذين سبقت لهم رحمة الله قال ابو حيان في اصحاب الجنة قيل في على بابها أي في جملتهم كما تقول اكرمني الامير في ناس أي في جملة من اكرم وقيل في بمعنى مع انتهى وقوله تعالى والذي قال لوالديه قال الثعلبي معناه اذ دعواه الى الايمان اف لكما الآية انتهى والذي يعني به الجنس على حد العموم في التي قبلها في قوله ووصينا الانسان هذا قول الحسن وجماعة ويشبه ان لها سببا من رجل قال ذلك لأبويه فلما فرغ من ذكر الموفق عقب بذكر هذا العاق وقد انكرت عائشة ان تكون الآية نزلت في عبد الرحمن بن ابي بكر وقالت ما نزل في آل ابي بكر من القرآن غير براءتي ت ولا يعترض عليها بقوله تعالى ثاني اثنين ولا بقوله ولا ياتل اولو الفضل كما بينا ذلك في غير هذه الآية قال ع والأصوب ان تكون الآية عامة في اهل هذه الصفات والدليل القاطع على ذلك قوله تعالى اولائك الذين حق عليهم القول في امم وكان عبد الرحمن بن ابي بكر رضي الله عنه من افاضل الصحابة ومن ابطال المسلمين وممن له في الاسلام غناء يوم اليمامة وغيره واف بالتنوين قراءة

(4/152)


نافع وغيره والتنوين في ذلك علامة تنكير كما تستطعم رجلا حديثا غير معين فتقول ايه منونة وان كان حديثا مشارا اليه قلت ايه بغير تنوين وقوله اتعدانني ان اخرج المعنى ان اخرج من القبر الى الحشر وهذا منه استفهام بمعنى الهزء والاستبعاد وقد خلت القرون من قبلي معناه هلكت ومضت ولم يخرج منهم احد وهما يستغيثان الله يعني الوالدين يقولان له ويلك امن وقوله ما هذا الا اساطير الاولين أي ما هذا القول الذي يتضمن البعث من القبور الا شيء سطره الاولون في كتبهم يعني الشرائع وظاهر الفاظ هذه الآية انها نزلت في مشار اليه قال وقيل له فنعى الله الينا اقواله تحذيرا من الوقوع في مثلها وقوله اولائك ظاهره انها اشارة الى جنس وحق عليهم القول أي قول الله انه يعذبهم قال ابو حيان في امم أي في جملة امم ففي على بابها وقيل في بمعنى مع وقد تقدم ذلك انتهى وقوله قد خلت من قبلهم من الجن والانس يقتضي ان الجن يموتون وهكذا فهم الآية قتادة وقد جاء حديث يقتضي ذلك وقوله سبحانه ولكل درجات يعني المحسنين والمسيئين قال ابن زيد ودرجات المحسنين تذهب علوا ودرجات المسيئين تذهب سفلا وباقي الآية بين في ان كل امرئى يجتني ثمرة عمله من خير او شر ولا يظلم في مجازاته وقوله عز و جل ويوم يعرض الذين كفروا على النار الآية المعنى واذكر يوم يعرض وهذا العرض هو بالمباشرة اذهبتم أي يقال لهم اذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا والطيبات هنا الملاذ وهذه الآية وان كانت في الكفار فهي رادعة لأولى النهي من المؤمنين عن الشهوات واستعمال الطيبات ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه اتظنون انا لا نعرف طيب الطعام ذلك لباب البر بصغار المعزى ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم انهم ذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا ذكر هذا في كلامه مع الربيع بن زياد وقال ايضا نحو هذا لخالد بن الوليد حين دخل الشام فقدم اليه

(4/153)


طعام طيب فقال عمر هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير فقال خالد لهم الجنة فبكى عمر وقال لئن كان حظنا في الحطام وذهبوا بالجنة فقد بانوا بونا بعيدا وقال جابر بن عبد الله اشتريت لحما بدرهم فرءاني عمر فقال او كلما اشتهى احدكم شيأ اشتراه فاكله اما تخشى ان تكون من اهل هذه الآية وتلا اذهبتم طيباتكم ت والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا فمنها ما رواه ابو داود في سننه عن عبد الله بن بريدة ان رجلا من اصحاب النبي ص - رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر فقد عليه فقال اما انى لم أتك زائرا ولكن سمعت انا وانت حديثا من رسول الله ص - رجوت ان يكون عندك منه علم قال ما هو قال كذا وكذا قال فمالي اراك شعثا وانت امير الارض قال ان رسول الله ص - كان ينهى عن كثير من الارفاه قال فما لي لا ارى عليك حذاء قال كان رسول الله ص - يامرنا ان نحتفي احيانا وروى ابو داود عن ابي امامة قال ذكر اصحاب النبي ص - يوما عنده الدنيا فقال رسول الله ص - الا تسمعون ان البذاذة من الايمان ان البذاذة من الايمان ان البذاذة من الايمان قال ابو داود يعني التقحل وفسر ابو عمر بن عبد البر البذاذة برث الهيئة ذكر ذلك في التمهيد وكذلك فسرها غيره انتهى وروى ابن المبارك في رقائقه من طريق الحسن عن النبي ص - انه خرج في اصحابه الى بقيع الغرقد فقال السلام عليكم يا اهل القبور لو تعلمون ما نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم ثم اقبل على اصحابه فقال هؤلاء خير منكم قالوا يا رسول الله اخواننا اسلمنا كما اسلموا وهاجرنا كما هاجروا وجاهدنا كما جاهدوا واتوا على اجالهم فمضوا فيها وبقينا في أجالنا فما يجعلهم خيرا منا قال هؤلاء خرجوا من الدنيا لم ياكلوا من اجورهم شيأ وخرجوا وانا الشهيد عليهم وانكم قد اكلتم من اجوركم ولا ادرى ما

(4/154)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية