صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تفسير البيضاوي ]
الكتاب : تفسير البيضاوي
المؤلف : البيضاوي
عدد الأجزاء : 1

11 - { إن الذين جاؤوا بالإفك } بأبلغ ما يكون من الكذب من الإفك وهو الصرف لأنه قول مأفوك عن وجهه والمراد ما أفك به على عائشة رضي الله عنها وذلك أنه عليه والصلاة والسلام استصحبها في بعض الغزوات فأذن ليلة القفول بالرحيل فمشت لقضاء حاجة ثم عادت إلى الرحل فلمست صدرها فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع فرجعت لتلتمسه فظن الذي كان يرحلها أنها دخلت الهودج فرحله على مطيتها وسار فلما عادت إلى منزلها لم تجد ثمة أحدا فجلست كي يرجع إليها منشد وكان صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه قد عرس وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلها فعرفها فأناخ راحلته فركبتها فقادها حتى أتيا الجيش فاتهمت به { عصبة منكم } جماعة منكم وهي من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة يريد عبد الله بن أبي وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم وهي خبر إن وقوله : { لا تحسبوه شرا لكم } مستأنف والخطاب للرسول صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهم والهاء للإفك { بل هو خير لكم } لاكتسابكم به الثواب العظيم وظهور كرامتكم على الله بإنزال ثماني عشرة آية في براءتكم وتعظيم شأنكم وتهويل الوعيد لمن تكل فيكم والثناء على من ظن بكم خيرا { لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم } لكل جزاء ما اكتسب بقدر ما خاض فيه مختصا به { والذي تولى كبره } معظمه وقرأ يعقوب بالضم وهو لغة فيه { منهم } من الخائضين وهو ابن أبي فإنه بدأ به وأذاعه عداوة لرسول الله صلى الله عليه و سلم أو هو وحسان ومسطح فإنهما شايعاه بالتصريح به { والذي } بمعنى الذين { له عذاب عظيم } في الآخرة أو في الدنيا بأن جلدوا وصار ابن أبي مطرودا مشهورا بالنفاق وحسان أعمى أشل اليدين ومسطح مكفوف البصر

(1/176)


12 - { لولا } هلا { إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا } بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات كقوله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم } وإنما عدل فيه من الخطاب إلى الغيبة مبالغة في التوبيخ وإشعارا بأن الإيمان يقتضي ظن الخير بالمؤمنين والكف عن الطعن فيهم وذب الطاعنين عنهم كما يذبونهم عن أنفسهم وإنما جاز الفصل بين { لولا } وفعله بالظرف لأنه منزل منزلته من حيث إنه لا ينفك عنه وذلك يتسع فيه ما لا يتسع في غيره وذلك لأن ذكر الظرف أهم فإن التحضيض على أن لا يخلوا بأوله { وقالوا هذا إفك مبين } كما يقول المستيقن المطلع على الحال

(1/177)


13 - { لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون } من جملة المقول تقريرا لكونه كذبا فإن ما لا حجة عليه كذب عند الله أي في حكمه ولذلك رتب الحد عليه

(1/177)


14 - { ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة } لولا هذه لامتناع الشيء لوجود غيره والمعنى لولا فضل الله عليكم في الدنيا بأنواع النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة { ورحمته } في الآخرة بالعفو والمغفرة المقدران لكم { لمسكم } عاجلا { في ما أفضتم } خضتم { فيه عذاب عظيم } يستحقر دونه اللوم والجلد

(1/177)


15 - { إذ } ظرف { لمسكم } أو { أفضتم } { تلقونه بألسنتكم } يأخذه بعضكم من بعض بالسؤال عنه يقال تلقى كتلقفه وتلقنه قرئ ( تتلقونه ) على الأصل و { تلقونه } من لقيه إذا لقفه و { تلقونه } بكسر حرف المضارعة و { تلقونه } من إلقائه بعضهم على بعض و { تلقونه } و ( تألقونه ) من الألق والألق وهو الكذب و ( تثقفونه ) من ثقفته إذا طلبته فوجدته و ( تقفونه ) أي تتبعونه { وتقولون بأفواهكم } أي وتقولون كلاما مختصا بالأفواه بلا مساعدة من القلوب { ما ليس لكم به علم } لأنه ليس تعبيرا عن علم به في قلوبكم كقوله تعالى : { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } { وتحسبونه هينا } سهلا لا تبعة له { وهو عند الله عظيم } في الوزر واستجرار العذاب فهذه ثلاثة آثام مترتبة علق بها مس العذاب العظيم تلقي الإفك بألسنتهم والتحدث به من غير تحقق واستصغارهم لذلك وهو عند الله عظيم

(1/178)


16 - { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا } ما ينبغي وما يصح لنا { أن نتكلم بهذا } يجوز أن تكون الإشارة إلى القول المخصوص وأن تكون إلى نوعه فإن قذف آحاد الناس محرم شرعا فضلا عن تعرض الصديقة ابنة الصديق حرمة رسول الله صلى الله عليه و سلم { سبحانك } تعجب من ذلك الإفك أو ممن يقول ذلك وأصله أن يذكر عند كل متعجب تنزيها لله تعالى من أن يصعب عليه مثله ثم كثر فاستعمل لكل متعجب أو تنزيه لله تعالى من أن تكون حرمة نبيه فاجرة فإن فجورها ينفر عنه ويخل بمقصود الزواج بخلاف كفرها فيكون تقريرا لما قبله وتمهيدا لقوله : { هذا بهتان عظيم } لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلقاتها

(1/178)


17 - { يعظكم الله أن تعودوا لمثله } كراهة أن تعودوا أو في أن تعودوا { أبدا } ما دمتم أحياء مكلفين { إن كنتم مؤمنين } فإن الإيمان يمنع عنه وفيه تهييج وتقريع

(1/178)


18 - { يبين الله لكم الآيات } الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتعظوا وتتأدبوا { والله عليم } بالأحوال كلها { حكيم } في تدابيره ولا يجوز الكشخنة على نبيه ولا يقرره عليها

(1/179)


19 - { إن الذين يحبون } يريدون { أن تشيع } أن تنتشر { الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة } بالحد والسعير إلى غير ذلك { والله يعلم } ما في الضمائر { وأنتم لا تعلمون } فعاقبوا في الدنيا على ما دل عليه الظاهر والله سبحانه يعاقب على ما في القلوب من حب الإشاعة

(1/179)


20 - { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة ولذا عطف قوله : { وأن الله رؤوف رحيم } على حصول فضله ورحمته عليهم وحذف الجواب وهو مستغنى عنه بذكره مرة

(1/179)


21 - { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان } بإشاعة الفاحشة وقرئ بفتح الطاء وقرأ نافع و البزي و أبو عمرو و أبو بكر و حمزة بسكونها { ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } بيان لعلة النهي عن اتباعه و ( الفحشاء ) ما أفرط قبحه و ( المنكر ) ما أنكره الشرع { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } بتوفيق التوبة الماحية للذنوب وشرع الحدود المكفرة لها { ما زكا } ما طهر من دنسها { منكم من أحد أبدا } آخر الدهر { ولكن الله يزكي من يشاء } بحمله على التوبة وقبولها { والله سميع } لمقالهم { عليم } بنياتهم

(1/179)


22 - { ولا يأتل } ولا يحلف افتعال من الألية أو ولا يقصر من الألو ويؤيد الأول أنه قرئ ولا ( يتأل ) وأنه نزل في أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقد حلف أن لا ينفق على مسطح بعد وكان ابن خالته من فقراء المهاجرين { أولو الفضل منكم } في الدين { والسعة } في المال وفيه دلالة على فضل أبي بكر وشرف رضي الله تعالى عنه { أن يؤتوا } على أن لا { يؤتوا } أو في { أن يؤتوا } وقرئ بالتاء على الالتفات { أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله } صفات لموصوف واحد أي ناسا جامعين لها لأن الكلام فيمن كان كذلك أو لموصوفات أقيمت مقامها فيكون أبلغ في تعليل المقصود { وليعفوا } عما فرط منهم { وليصفحوا } بالإغماض عنه { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم { والله غفور رحيم } من كمال قدرته فتخلقوا بأخلاقه روي أنه عليه الصلاة و السلام قرأها على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال : بلى أحب ورجع إلى مسطح نفقته

(1/179)


23 - { إن الذين يرمون المحصنات } العفائف { الغافلات } عما قذفن به { المؤمنات } بالله وبرسوله استباحة لعرضهن وطعنا في الرسول عليه الصلاة و السلام والمؤمنين كابن أبي { لعنوا في الدنيا والآخرة } لما طعنوا فيهن { ولهم عذاب عظيم } لعظم ذنوبهم وقيل هو حكم كل قاذف ما لم يتب وقيل مخصوص بمن قذف أزواج النبي صلى الله عليه و سلم ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لا توبة له ولو فتشت وعيدات القرآن لم تجد أغلظ مما نزل في إفك عائشة رضي الله تعالى عنها

(1/180)


24 - { يوم تشهد عليهم } ظرف لما في لهم من معنى الاستقرار لا للعذاب لأنه موصوف وقرأ حمزة و الكسائي بالياء للتقدم والفصل { ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } يعترفون بها بإنطاق الله تعالى إياها بغير اختيارهم أو بظهور آثاره عليها وفي ذلك مزيد تهويل للعذاب

(1/180)


25 - { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } جزاءهم المستحق { ويعلمون } لمعاينتهم الأمر { أن الله هو الحق المبين } الثابت بذاته الظاهر ألوهيته لا يشاركه في ذلك غيره ولا يقدر على الثواب والعقاب سواه أو ذو الحق البين أي العادل الظاهر عدله ومن كان هذا شأنه ينتقم من الظالم للمظلوم لا محالة

(1/181)


26 - { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } أي الخبائث يتزوجن الخباث وبالعكس وكذلك أهل الطيب فيكون كالدليل على قوله : { أولئك } يعني أهل بيت النبي صلى الله عليه و سلم أو الرسول وعائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهم { مبرؤون مما يقولون } إذ لو صدق لم تكن زوجته عليه السلام ولم يقرر عليها وقيل { الخبيثات } { والطيبات } من الأقوال والإشارة إلى { للطيبين } والضمير في { يقولون } للآفكين أي مبرؤون مما يقولون فيهم أو { للخبيثين } و { الخبيثات } أي مبرؤون من أن يقولون مثل قولهم { لهم مغفرة ورزق كريم } يعني الجنة ولقد برأ الله أربعة بأربعة : برأ يوسف عليه السلام بشاهد من أهلها وموسى عليه الصلاة و السلام من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه ومريم بإنطاق ولدها وعائشة رضي الله تعالى عنها بهذه الآيات الكريمة مع هذه المبالغة وما ذلك إلا لإظهار منصب الرسول صلى الله عليه و سلم وإعلاه منزلته

(1/181)


27 - { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } التي لا تسكنونها فإن الآجر والمعير أيضا لا يدخلان إلا بإذن { حتى تستأنسوا } تستأذنوا من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره فإن المستأذن مستعلم للحال مستكشف أنه هل يراد دخوله أو يؤذن له أو من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش فإن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا أذن له استأنس أو تتعرفوا هل ثم إنسان من الإنس { وتسلموا على أهلها } بأن تقولوا السلام عليكم أ أدخل وعنه عليه الصلاة و السلام [ التسليم أن يقول السلام عليكم أ أدخل ثلاث مرات فإن أذن له دخل وإلا رجع ] { ذلك خير لكم } أي الاستئذان أو التسليم خير لكم من أن تدخلوا بغتة أو من تحية الجاهلية كان الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته قال : حييتم صباحا أو حييتم مساء ودخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف وروي [ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم أأستأذن على أمي قال : نعم قال : إنها ليس لها خادم غيري أ أستأذن عليها كلما دخلت قال : أتحب أن تراها عريانة قال : لا قال : فاستأذن ] { لعلكم تذكرون } متعلق بمحذوف أي أنزل عليكم أو قيل لكم هذا إرادة أن تذكروا وتعملوا بما هو أصلح لكم

(1/181)


28 - { فإن لم تجدوا فيها أحدا } يأذن لكم { فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم } حتى يأتي من يأذن لكم فإن المانع من الدخول ليس الإطلاع على العورات فقط بل وعلى ما يخفيه الناس عادة مع أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه محظور واستثنى ما إذا عرض فيه حرق أو غرق أو كان فيه منكر ونحوها { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا } ولا تلحوا { هو أزكى لكم } الرجوع أطهر لكم عما لا يخلو الإلحاح والوقوف على الباب عنه من الكراهة وترك المروءة أو أنفع لدينكم ودنياكم { والله بما تعملون عليم } فيعلم ما تأتون وما تذرون مما خوطبتم به فيجازيكم عليه

(1/182)


29 - { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة } كالربط والحوانيت والخانات والخانقات { فيها متاع } استمتاع { لكم } كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الأمتعة والجلوس للمعاملة و1لك استثناء من الحكم السابق لشموله البيوت المسكونة وغيرها { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } وعيد لمن دخل مدخلا لفساد أو تطلع على عورات

(1/182)


30 - { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } أي ما يكون نحو محرم { ويحفظوا فروجهم } إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ولما كان المستثنى منه كالشاذ النادر بخلاف الغض أطلقه وقيد الغض بحرف التبعيض وقيل حفظ الفروج ها هنا خاصة سترها { ذلك أزكى لهم } أنفع لهم أو أطهر لما فيه من البعد عن الريبة { إن الله خبير بما يصنعون } لا يخفى عليه إجالة أبصارهم واستعمال سائر حواسهم وتحريك جوارحهم وما يقصدون بها فليكونوا على حذر منه في كل حركة وسكون

(1/182)


31 - { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه من الرجال { ويحفظن فروجهن } بالتستر أو التحفظ عن الزنا وتقديم الغض لأن النظر بريد الزنا { ولا يبدين زينتهن } كالحلي والثياب والأصباغ فضلا عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدي له { إلا ما ظهر منها } عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن نفي سترها حرجا وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزيينية والمستثنى هو الوجه والكفان لأنها ليست بعورة والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } ستراص لأعناقهن وقرأ نافع و عاصم و أبو عمرو و هشام بضم الجيم { ولا يبدين زينتهن } كرره لبيان من يحل الإبداء ومن لا يحل له { إلا لبعولتهن } فإنهم المقصودون بالزينة ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج بكره { أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن } لكثرة مداخلتهم عليهن وإحتياجهن إلى مداخلتهم وقلة توقع الفتنة من قبلهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب ولهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند المهنة والخدمة وإنما لم يذكر الأعمام والأخوال لأنهم في معنى الإخوان أولان الأحوط أن يتسترن عنهم حذرا أن يصفوهن لأبنائهم { أو نسائهن } يعني المؤمنات فإن الكافرات لا يتحرجن عن وصفهن للرجال أو النساء كلهن وللعلماء في ذلك خلاف { أو ما ملكت أيمانهن } يعم الإماء والعبيد لما روي [ أنه عليه الصلاة و السلام أتى فاطمة بعبد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها فقال عليه الصلاة و السلام : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك ] وقيل المراد بها الإماء وعبد المرأة كالأجنبي منها { أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال } أي أولي الحاجة إلى النساء وهم الشيوخ الهم والممسوحون وفي المجبوب والخصي خلاف وقيل البله الذين يتبعون الناس لفضل طعامهم ولا يعرفون شيئا من أمور النساء وقرأ ابن عامر و أبو بكر غير بالنصب على الحال { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } لعدم تمييزهم من الظهور بمعنى الإطلاع أو لعدم بلوغهم حد الشهوة من الظهور بمعنى الغلبة والطفل جنس وضع موضع الجمع اكتفاء بدلالة الوصف { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال فإن ذلك يورث ميلا في الرجال وهو أبلغ من النهي عن إظهار الزينة وأدل على المنع من رفع الصوت { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون } إذ لا يكاد يخلو أحد منكم من تفريط سيما في الكف عن الشهوات وقيل توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية فإنه وإن جب بالإسلام لكنه يجب الندم عليه والعزم على الكف عنه كلما يتذكر وقرأ ابن عامر ( أيه المؤمنون ) وفي ( الزخرف ) { يا أيها الساحر } وفي ( الرحمن ) { أيها الثقلان } بضم الهاء في الوصل في الثلاثة والباقون بفتحها ووقف أبو عمرو و الكسائي عليهن بالألف ووقف الباقون بغير الألف { لعلكم تفلحون } بسعادة الدارين

(1/183)


32 - { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم } لما نهى عما عسى يفضي إلى السفاح المخل بالنسب المقتضي للألفة وحسن التربية ومزيد الشفقة المؤدية إلى بقاء النوع بعد الزجر عن مبالغة فيه عقبه بأمر النكاح الحافظ له والخطاب للأولياء والسادة وفيه دليل على وجوب تزويج المولية والمملوك وذلك عند طلبهما وإشعار بأن المرأة والعبد لا يستبدان به إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى و ( أيامى ) مقلوب أيايم كيتامى جميع أيم وهو العزب ذكرا كان أو أنثى بكرا كان أو ثيبا قال :
( فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم )
وتخصيص { الصالحين } لأن إحصان دينهم والاهتمام بشأنهم أهم وقيل المراد الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } رد لما عسى يمنع من النكاح والمعنى لا يمنعن فقر الخطاب أو المخطوبة من المناكحة فإن في فضل الله غنية عن المال فإنه غاد ورائح أو وعد من الله بالإغناء لقوله صلى الله عليه و سلم [ اطلبوا الغنى في هذه الآية ] لكن مشروط بالمشيئة كقوله تعالى : { إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } { والله واسع } ذو سعة لا تنفد نعمته إذ لا تنتهي قدرته { عليم } يبسط الرزق ويقدر على ما تقتضيه حكمته

(1/184)


33 - { وليستعفف } وليجتهد في العفة وقمع الشهوة { الذين لا يجدون نكاحا } أسبابه ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به أو بالوجدان التمكن منه { حتى يغنيهم الله من فضله } فيجدوا ما يتزوجون به { والذين يبتغون الكتاب } المكاتبة وهو أن يقول الرجل لمملوكه كاتبتك على كذا من الكتاب لأن السيد كتب على نفسه عتقه إذا أدى المال أو لأنه مما يكتب لتأجيله أو من الكتب بمعنى الجمع لأن العوض فيه يكون منجما بنجوم يضم بعضها إلى بعض { مما ملكت أيمانكم } عبدا كان أو أمة والموصول بصلته مبتدأ خبره { فكاتبوهم } أو مفعول لمضمر هذا تفسيره والفاء لتضمن معنى الشرط والأمر فيه للندب عند أكثر العلماء لأن الكتابة معاوضة تتضمن الإرفاق فلا تجب كغيرها واحتجاج الحنفية بإطلاقه على جواز الكتابة الحالية ضعيف لأن المطلق لا يعم مع أن العجز عن الأداء في الحال يمنع صحتها كما في السلم فيما لا يوجد عند المحل { إن علمتم فيهم خيرا } أمانة وقدرة على أداء المال بالاحتراف وقد روي مثله مرفوعا وقيل صلاحا في الدين وقيل مالا وضعفه ظاهر لفظا ومعنى وهو شرط الأمر فلا يلزم من عدمه عدم الجواز { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } أمر للموالي كما قبله بأن يبذلوا لهم شيئا من أموالهم وفي معناه حط شيء من مال الكتابة وهو للوجوب عند الأكثر ويكفي أقل ما يتمول وعن علي رضي الله تعالى عنه يحط الربع وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الثلث وقيل يدب لهم إلى الأنفاق عليهم بعد أن يؤتوا ويعتقوا وقيل أمر لعامة المسلمين بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة ويحل للمولى وإن كان غنيا لأنه لا يأخذه صدقة كالدائن والمشتري ويدل عليه قوله عليه الصلاة و السلام في حديث بريرة [ هو لها صدقة ولنا هدية ] { ولا تكرهوا فتياتكم } إماءكم { على البغاء } على الزنا كانت لعبد الله بن أبي ست جوار يكرههن على الزنا وضرب عليهن الضرائب فشكا بعضهن إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزلت { إن أردن تحصنا } تعففا شرط للإكراه فإنه لا يوجد دونه وإن جعل شرطا للنهي لم يلزم من عدمه جواز الإكراه لجواز أن يكون ارتفاع النهي بامتناع المنهي عنه وإيثار إن على إذا لأن إرادة المحصن من الإماء كالشاذ النادر { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } أي لهن أوله إن تاب والأول أوفق للظاهر ولما في مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : من بعد إكراههن لهن غفور رحيم ولا يرد عليه أن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة لأن الإكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات ولذلك حرم على المكره القتل وأوجب عليه القصاص

(1/185)


34 - { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } يعني الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت فيها الأحكام والحدود وقرأ ابن عامر و حفص و والكسائي بالكسر في هذا وفي ( الطلاق ) لأنها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة من بين بمعنى تبين أو لأنها بينت الأحكام والحدود { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } أو ومثلا من أمثال من قبلكم أي وقصة عجيبة مثل قصصهم وهي قصة عائشة رضي الله تعالى عنها فإنها كقصة يوسف ومريم { وموعظة للمتقين } يعني ما وعظ به في تلك الآيات وتخصيص المتقين لأنهم المنتفعون بها وقيل المراد بالآيات القرآن والصفات المذكورة صفاته

(1/187)


35 - { الله نور السماوات والأرض } النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولا وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة ن النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف كقولك : زيد كرم بمعنى ذو كرم أو على تجوز إما بمعنى منور السموات والأرض وقد قرئ به فإنه تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار أو بالملائكة والأنبياء أو مدبرهما من قولهم للرئيس الفائق في التدبير : نور القوم لأنهم يهتدون به في الأمور أو موجدهما فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره وأصل الظهور هو الوجود كما أن أصل الخفاء هو العدم والله سبحانه وتعالى موجود بذاته موجد لما عداه أو الذي به تدرك أو يدرك أهلها من حيث إنه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه ثم على البصيرة لأنها أقوى إدراكا فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودات والمعدومات وتغوص في بواطنها وتتصرف فيها بالتركيب والتحليل ثم إن هذه الإدراكات ليست لذاتها وإلا لما فارقتها فهي إذن من سبب يفيضها عليها وهو الله سبحانه وتعالى ابتداء أو بتوسط من الملائكة والأنبياء ولذلك سموا أنوارا ويقرب منه قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : معناه هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه أو لاشتمالهما على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما { مثل نوره } صفة نوره العجيبة الشأن وإضافته إلى ضميره سبحانه وتعالى دليل على أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره { كمشكاة } كصفة مشكاة وهي الكوة الغير النافذة وقرأ الكسائي برواية الدوري بالإمالة { فيها مصباح } سراج ضخم ثاقب وقيل المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل والمصباح الفتيلة المشتعلة { المصباح في زجاجة } في قنديل ن الزجاج { الزجاجة كأنها كوكب دري } مضيء متلألئ كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدر أو فعيل كمريق من الدرء فإنه يدفع الظلام بضوئه أو بعض ضوئه بعضا من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياء ويدل عليه قراءة حمزة و أبي بكر على الأصل وقراءة أبي عمرو و الكسائي ( دريء ) كشريب وقد قرئ به مقلوبا { يوقد من شجرة مباركة زيتونة } أي ابتداء ثقوب المصباح من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه بأن رويت ذبالته بزيتها وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم إبدال الزيتونة عنها تفخيم لشأنها وقرأ نافع و ابن عامر و حفص بالياء والبناء للمفعول من أوقد و حمزة و الكسائي و أبو بكر بالتاء كذلك على إسناده إلى { الزجاجة } بحذف المضاف وقرئ ( توقد ) من تتوقد ويوقد بحذف التاء لاجتماع زيادتين وهو غريب { لا شرقية ولا غربية } تقع الشمس عليها حينا بعد حين بل بحيث تقع عليها طول النهار كالتي تكون على قلة أو صحراء واسعة فإن ثمرتها تكون أنضج وزيتها أصفى أو لا نابتة في شرق المعمورة وغربها بل في وسطها وهو الشام فإن زيتونه أجود الزيتون أو لا في مضحى تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها أو في مقيأة تغيب عنها دائما فتتركها نيئا وفي الحديث [ لا خير في شجرة ولا نبات في مقيأة ولا خير فيهما في مضحى ] { يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } أي يكاد يضيء بنفسه من غير نار لتلألئه وفرط وبيصه { نور على نور } نور متضاعف فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت وزهرة القنديل وضبط المشكاة لأشعته وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه الأول : أنه تمثيل للهدى الذي دلت عليه الآيات المبينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح وإنما ولي الكاف المشكاة لاشتمالها عليه وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها ويؤيده قراءة أبي : ( مثل نور المؤمن ) أو تمثيل لما منح الله به عباده من القوى الداركة الخمس المترتبة التي منوط بها المعاش والمعاد وهي : الحساسة التي تدرك بها المحسوسات بالحواس الخمس والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت والعاقلة التي تدرك الحقائق الكلية والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم تعلم والقوة القدسية التي تتجلى فيها لوائج الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء المعنية بقوله تعالى : { ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } بالأشياء الخمسة المذكورة في الآية وهي : ( المشكاة ) و ( الزجاجة ) و ( المصباح ) و ( الشجرة ) و ( الزيت ) فإن الحساسة كالمشكاة لأن محلها كالكوى ووجهها إلى الظاهر لا تدرك ما وراءها وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها للأنوار العقلية وإنارتها بما تشتمل عليه من المعقولات والعاقلة كالمصباح لإضاءتها بالإدراكات الكلية والمعارف الإلهية والمفكرة كالشجرة المباركة لتأديتها إلى ثمرات لا نهاية لها الزيتونة المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لا تكون شرقية ولا غربية لتجردها عن اللواحق الجسمية أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة في القبيلين منتفعة من الجانبين والقوة القدسية كالزيت فإنها لصفائها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكر ولا تعلم أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك فإنها في بدء أمرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكاة ثم تنتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات بحيث تتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها قابلة للأنوار وذلك التمكن إن كان بفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة وإن كان بالحدس فكالزيت وإن كان بقوة قدسية فكالتي يكاد زيتها يضيء لأنها تكاد تعلم ولو لم تتصل بملك الوحي والإلهام الذي مثله النار من حيث إن العقول تشتعل عنه ثم إذا حصلت لها العلوم بحيث تتمكن من استحضارها متى شاءت كانت كالمصباح فإذا استحضرتها كانت نورا على نور { يهدي الله لنوره } لهذا النور الثاقب { من يشاء } فإن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها { ويضرب الله الأمثال للناس } إدناء للمعقول من المحسوس توضيحا وبيانا { والله بكل شيء عليم } معقولا كان أو محسوسا ظاهرا كان أو خفيا وفيه وعد ووعيد لمن تدبرها ولمن لم يكترث بها

(1/187)


36 - { في بيوت } متعلق بما قبله أي كمشكاة في بعض بيوت أو توقد في بيوت فيكون تقييد للممثل به بما يكون تحييرا ومبالغة فيه فإن قناديل المساجد تكون أعظم أو تمثيلا لصلاة المؤمنين أو أبدانهم بالمساجد ولا ينافي جمع البيوت وحدة المشكاة إذ المراد بها ما له هذا الوصف بلا اعتبار وحدة ولا كثرة أو بما بعده وهو يسبح وفيها تكرير مؤكد لا يذكر لأنه من صلة أن فلا يعمل فيما قبله أو بمحذوف مثل سبحوا في بيوت والمراد بها المساجد لأن الصفة تلائمها وقيل المساجد الثلاثة والتنكير للتعظيم { أذن الله أن ترفع } بالبناء أو التعظيم { ويذكر فيها اسمه } عام فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله والمباحثة في أحكامه { يسبح له فيها بالغدو والآصال } ينزهونه أي يصلون له فيها بالغدوات والعشيات والغدو مصدر أطلق للوقت ولذلك حسن اقترانه بالآصال وهو جمع أصيل وقرئ ( والايصال ) وهو الدخول في الأصيل وقرأ ابن عامر و أبو بكر ( يسبح ) بالفتح على إسناده إلى أحد الظروف الثلاثة ورفع رجال بما يدل عليه وقرئ تسبح بالتاء مكسورا لتأنيث الجمع ومفتوحا على إسناده إلى أوقات الغدو

(1/191)


37 - { رجال لا تلهيهم تجارة } لا تشغلهم معاملة رابحة { ولا بيع عن ذكر الله } مبالغة بالتعميم بعد التخصيص إن أريد به مطلق المعارضة أو بإفراد ما هو الأهم من قسمي التجارة فإن الربح يتحقق بالبيع ويتوقع بالشراء وقيل المراد بالتجارة الشراء فإنه أصلها ومبدؤها وقيل الجلب لأنه الغالب فيها ومنه يقال تجر في كذا إذا جلبه وفيه إيماء بأنهم تجار { وإقام الصلاة } عوض فيه الإضافة من التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإعلال كقوله :
( وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا )
{ وإيتاء الزكاة } ما يجب إخراجه من المال للمستحقين { يخافون يوما } مع ما هم عليه من الذكر والطاعة { تتقلب فيه القلوب والأبصار } تضطرب وتتغير من الهول أو تتقلب أحوالها فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه وتبصر الأبصار ما لم تكن تبصره أو تتقلب القلوب مع توقع النجاة وخوف الهلاك والأبصار من أي ناحية يؤخذ بهم ويؤتى كتبهم

(1/192)


38 - { ليجزيهم الله } متعلق بيسبح أو لا تلهيهم أو يخافون { أحسن ما عملوا } أحسن جزاء ما عملوا الموعود لهم من الجنة { ويزيدهم من فضله } أشياء لم يعدهم بها على أعمالهم ولم تخطر ببالهم { والله يرزق من يشاء بغير حساب } تقرير للزيادة وتنبيه على كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الإحسان

(1/192)


39 - { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } والذين كفروا حالهم على ضد ذلك فإن أعمالهم التي يحسبونها صالحة نافعة عند الله يجدونها لاغية مخيبة في العاقبة كالسراب وهو ما يرى في الفلاة من لمعان الشمس عليها وقت الظهيرة فيظن أنه ماء يسرب أي يجري والقيعة بمعنى القاع وهو الأرض الخالية عن النبات وغيره المستوية وقيل جمعه كجار وجيرة وقرئ ( بقيعات ) كديمات في ديمة { يحسبه الظمآن ماء } أي العطشان وتخصيصه لتشبيه الكافر به في شدة الخيبة عند مسيس الحالجة { حتى إذا جاءه } جاء ما توهمه ماء أو موضعه { لم يجده شيئا } مما ظنه { ووجد الله عنده } عقابه أو زبانيته أو وجده محاسبا إياه { فوفاه حسابه } استعراضا أو مجازاة { والله سريع الحساب } لا يشغله حساب عن حساب روي أنها نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية تعبد في الجاهلية والتمس الدين فلما جاء الإسلام كفر

(1/192)


40 - { أو كظلمات } عطف على { كسراب } و { أو } للتخيير فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب أو للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب وإن كانت قبيحة فكالظلمات أو للتقسيم باعتبار وقتين فإنها كالظلمات في الدنيا وكالسراب في الآخرة { في بحر لجي } ذي لج أي عميق منسوب إلى اللج وهو معظم الماء { يغشاه } يغشى البحر { موج من فوقه موج } أي أمواج مترادفة متراكمة { من فوقه } من فوق الموج الثاني { سحاب } غطى النجوم وحجب أنوارها والجملة صفة أخرى للـ { بحر } { ظلمات } أي هذه ظلمات { بعضها فوق بعض } وقرأ ابن كثير { ظلمات } بالجر على إيدالها من الأولى أو بإضافة الـ { سحاب } إليها في رواية البزي { إذا أخرج يده } وهي أقرب ما يرى إليه { لم يكد يراها } لم يقرب أن يراها فضلا أن يراها كقول ذي الرمة :
( إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح )
والضمائر للواقع في البحر وإن لم يجر ذكره لدلالة المعنى عليه { ومن لم يجعل الله له نورا } ومن لم يقدر له الهداية لم يوفقه لأسبابها { فما له من نور } خلاف الموفق الذي له نور على نور

(1/193)


41 - { ألم تر } ألم تعلم علما يشبه المشاهدة في اليقين والوثاقة بالوحي أو الاستدلال { أن الله يسبح له من في السماوات والأرض } ينزه ذاته من كل نقص وآفة أهل السموات والأرض و { من } لتغليب العقلاء أو الملائكة والثقلان بما يدل عليه من مقال أو دلالة حال { والطير } على الأول تخصيص لما فيها من الصنع الظاهر والدليل الباهر ولذلك قيدها بقوله : { صافات } فإن إعطاء الأجرام الثقيلة ما به تقوى على الوقوف في الجو باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرة الصانع تعالى ولطف تدبيره { كل } كل واحد مما ذكر أو من الطير { قد علم صلاته وتسبيحه } أي قد علم الله دعاءه وتنزيهه اختبارا أو طبعا لقوله : { والله عليم بما يفعلون } أو علم كل على تشبيه حاله في الدلالة على الحق والميل إلى النفع على وجه يخصه بحال من علم ذلك مع أنه لا يبعد أن يلهم الله تعالى الطير دعاء وتسبيحا كما ألهمها علوما دقيقة في أسباب تعيشها لا تكاد تهتدي إليها العقلاء

(1/193)


42 - { ولله ملك السماوات والأرض } فإنه الخالق لما وما فيهما من الذوات والصفات والأفعال من حيث إنها ممكنة واجبة الانتهاء إلى الواجب { وإلى الله المصير } مرجع الجميع

(1/194)


43 - { ألم تر أن الله يزجي سحابا } يسوقه ومنه البضاعة المزجاة فإنه يزجيها كل أحد { ثم يؤلف بينه } بأن يكون قزعا فيضم بعضه إلى بعض وبهذا الاعتبار صح بينه إذ المعنى بين أجزائه وقرأ نافع برواية ورش ( يولف ) غير مهموز { ثم يجعله ركاما } متراكما بعضه فوق بعض { فترى الودق } المطر { يخرج من خلاله } من فتوقه جمع خلل كجبال في جبل وعرئ من ( خلله ) { وينزل من السماء } من الغمام وكل ما علاك فهو سماء { من جبال فيها } من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها أو جمودها { من برد } بيان للجبال والمفعول محذوف أي { ينزل } مبتدأ { من السماء من جبال فيها من برد } بردا ويجوز أن تكون من الثانية أو الثالثة للتبعيض واقعة موقع المفعول وقيل المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد كما في الأرض جبال من حجر وليس في العقل قاطع يمنعه والمشهور أن الأبخرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبقة الباردة من الهواء وقوي البرد هناك اجتمع وصار سحابا فإن لم يشتد البرد تقاطر مطرا وإن اشتد فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجا وإلا نزل بردا وقد يبرد الهواء بردا مفرطا فينقبض وينعقد سحابا وينزل منه المطر أو الثلج وكل ذلك لا بد أن يستند إلى إرادة الواجب الحكيم لقيام الدليل على أنها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالها وأوقاتها وإليها أشار بقوله : { فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء } والضمير الـ { برد } { يكاد سنا برقه } ضوء برقه وقرئ بالمد بمعنى العلو وبإدغام الدال في السين و { برقه } بضم الباء وفتح الراء وهو جمع برقة وهي المقدار من البرق كالغرفة وبضمها للإتباع { يذهب بالأبصار } بأبصار الناظرين إليه من فرط الإضاءة وذلك أقوى دليل على كمال قدرته من حيث إنه توليد للضد من الضد وقرئ { يذهب } على زيادة الباء

(1/194)


44 - { يقلب الله الليل والنهار } بالمعاقبة بينهما أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور أو بما يعم ذلك { إن في ذلك } فيما تقدم ذكره { لعبرة لأولي الأبصار } لدلالة على وجود الصانع القديم وكمال قدرته وإحاطة علمه ونفاذ مشيئته وتنزهه عن الحاجة وما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة

(1/195)


45 - { والله خلق كل دابة } حيوان يدب على الأرض وقرأ حمزة و لكسائي ( خالق كل دابة ) بالإضافة { من ماء } هو جزء مادته أو ماء مخصوص هو النطفة فيكون تنزيلا للغالب منزلة الكل إذ من الحيوانات ما يتولد عن النطفة وقيل { من ماء } متعلق بـ { دابة } وليس بصلة لـ { خلق } { فمنهم من يمشي على بطنه } كالحية وإنما سمي الزحف مشيا على الاستعارة أو المشاكلة { ومنهم من يمشي على رجلين } كالإنس والطير { ومنهم من يمشي على أربع } كالنعم والوحش ويندرج فيه ما له أكثر من أربع كالعناكب فإن اعتمادها إذا مشت على أربع وتذكير الضمير لتغليب العقلاء والتعبير عن الأصناف ليوافق التفصيل الجملة والترتيب لتقديم ما هو أعرف في القدرة { يخلق الله ما يشاء } مما ذكر ومما لم يذكر بسيطا ومركبا على اختلاف الصور والأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفعال مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته { إن الله على كل شيء قدير } فيفعل ما يشاء

(1/195)


46 - { لقد أنزلنا آيات مبينات } للحقائق بأنواع الدلائل { والله يهدي من يشاء } بالتوفيق للنظر فيها والتدبر لمعانيها { إلى صراط مستقيم } هو دين الإسلام الموصل إلى درك الحق والفوز بالجنة

(1/195)


47 - { ويقولون آمنا بالله وبالرسول } نزلت في بشر المنافق خاصم يهوديا فدعاه إلى كعب بن الأشرف وهو يدعوه إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقيل في مغيرة بن وائل خاصم عليا رضي الله عنه في أرض فأبى أن يحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم { وأطعنا } أي وأطعناهما { ثم يتولى } بالامتناع عن قبول حكمه { فريق منهم من بعد ذلك } بعد قولهم هذا { وما أولئك بالمؤمنين } إشارة إلى القائلين بأسرهم فيكون إعلاما من الله تعالى بأن جميعهم وإن آمنوا بلسانهم لم تؤمن قلوبهم أو إلى الفريق منهم وسلب الإيمان عنهم لتوليهم والتعريف فيه للدلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفتهم وهم المخلصون في الإيمان والثابتون عليه

(1/196)


48 - { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم } أي ليحكم النبي صلى الله عليه و سلم في الحقيقة حكم الله تعالى { إذا فريق منهم معرضون } فاجأ فريق منهم الإعراض إذا كان الحق عليهم لعلمهم بأنك لا تحكم لهم وهو شرح للتولي ومبالغة فيه

(1/196)


49 - { وإن يكن لهم الحق } أي الحكم لا عليهم { يأتوا إليه مذعنين } منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم و { إليه } صلة لـ { يأتوا } أو لـ { مذعنين } وتقديمه للاختصاص

(1/196)


50 - { أفي قلوبهم مرض } كفر أو ميل إلى الظلم { أم ارتابوا } بأن رأوا منك تهمة فزال يقينهم وثقتهم بك { أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } في الحكومة { بل أولئك هم الظالمون } إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم فتعين الأول ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم والثاني إما أن يكون محققا عندهم أو متوقعا وكلاهما باطل لأن منصب نبوته وفرط أمانته صلى الله عليه و سلم يمنعه فتعين الأول وظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف والفصل لنفي ذلك عن غيرهم سيما المدعو إلى حكمه

(1/196)


51 - { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون } على عادته تعالى في إتباع ذكر المحق المبطل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي وقرئ { قول } بالرفع و { ليحكم } على البناء للمفعول وإسناده إلى ضمير مصدره على معنى ليفعل الحكم

(1/196)


52 - { ومن يطع الله ورسوله } فيما يأمرانه أو في الفرائض والسنن { ويخش الله } على ما صدر عنه من الذنوب { ويتقه } فيما بقي من عمره وقرأ يعقوب و قالون عن نافع بلا ياء و أبو بكر و أبو عمرو بسكون الهاء و حفص بسكون القاف فشبه تقه بكتف وخفف والهاء ساكنة في الوقف بالاتفاق { فأولئك هم الفائزون } بالنعيم المقيم

(1/197)


53 - { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } إنكار للامتناع عن حكمه { لئن أمرتهم } الخروج عن ديارهم وأموالهم { ليخرجن } جواب لـ { أقسموا } على الحكاية { قل لا تقسموا } على الكذب { طاعة معروفة } أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين على الطاعة النفاقية المنكرة أو { طاعة معروفة } أمثل منها أو لتكن طاعة وقرئت بالنصب على أطيعوا طاعة { إن الله خبير بما تعملون } فلا يخفى عليه سرائركم

(1/197)


54 - { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أمر بتبليغ ما خاطبهم الله به على الحكاية مبالغة في تبكيتهم { فإن تولوا فإنما عليه } أي على محمد صلى الله عليه و سلم { ما حمل } من التبليغ { وعليكم ما حملتم } من الامتثال { وإن تطيعوه } في حكمه { تهتدوا } إلى الحق { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } التبليغ الموضح لما كلفتم به وقد أدى وإنما بقي { ما حملتم } فإن أديتم فلكم وإن توليتم فعليكم

(1/197)


55 - { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات } خطاب للرسول صلى الله عليه و سلم وللأمة أوله ولمن معه ومن للبيان { ليستخلفنهم في الأرض } ليجعلهم خلفاء متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم وهو جواب قسم مضمر تقديره وعدهم الله وأقسم ليستخلفنهم أو الوعد في تحققه منزل منزلة القسم { كما استخلف الذين من قبلهم } يعني بني إسرائيل استخلفهم في مصر والشام بعد الجبابرة وقرأ أبو بكر بضم التاء وكسر اللام وإذا ابتدأ ضم الألف والباقون بفتحهما وإذا ابتدؤوا كسورا الألف { وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم } وهو الإسلام بالتقوية والتثبيت { وليبدلنهم من بعد خوفهم } من الأعداء وقرأ ابن كثير و أبو بكر بالتخفيف { أمنا } منهم وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين ثم هاجروا إلى المدينة وكان يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى أنجز الله وعده فأظهرهم على العرب كلهم وفتح لهم بلاد الشرق والغرب وفيه دليل على صحة النبوة للإخبار عن الغيب على ما هو به وخلافة الخلفاء الراشدين إذ لم يجتمع الموعود والموعود عليه لغيرهم بالإجماع وقيل الخوف من العذاب والأمن منه في الآخرة { يعبدونني } حال من الذين لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد أو استئناف ببيان المقتضي للاستخلاف والأمن { لا يشركون بي شيئا } حال من الواو أي يعبدونني غير مشركين { ومن كفر } ومن ارتد أو كفر هذه النعمة { بعد ذلك } بعد الوعد أو حصول الخلافة { فأولئك هم الفاسقون } الكاملون في فسقهم حيث ارتدوا بعد وضوح مثل هذه الآيات أو كفروا تلك النعمة العظيمة

(1/197)


56 - { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول } في سائر ما أمركم به ولا يبعد عطف ذلك على أطيعوا الله فإن الفاصل وعد على المأمور به فيكون تكرير الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه و سلم للتأكيد وتعليق الرحمة بها أو بالمندرجة هي فيه بقوله : { لعلكم ترحمون } كما علق به الهدى

(1/198)


57 - { لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض } لا تحسبن يا محمد الكفار معجزين لله عن إدراكهم وإهلاكهم و { في الأرض } صلة { معجزين } وقرأ ابن عامر و حمزة بالياء على أن الضمير فيه لمحمد صلى الله عليه و سلم والمعنى كما هو في القراءة بالتاء أو { الذين كفروا } فاعل والمعنى ولا يحسبن الكفار في الأرض أحدا معجزا لله فيكون { معجزين في الأرض } مفعوليه أو لا يحسبونهم { معجزين } فحذف المفعول الأول لأن الفاعل والمفعولين لشيء واحد فاكتفى بذكر اثنين عن الثالث { ومأواهم النار } عطف عليه من حيث المعنى كأنه قيل : الذين كفروا ليسوا بمعجزين ومأواهم النار لأن المقصود من النهي عن الحسبان تحقيق نفي الإعجاز { ولبئس المصير } المأوى الذي يصيرون إليه

(1/198)


58 - { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } رجوع إلى تتمة الأحكام السالفة بعد الفراغ من الإلهيات الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيرها والوعد عليها والوعيد على الإعراض عنها والمراد به خطاب الرجال والنساء غلب فيه الرجال لما روي أن غلام أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كرهته فنزلت وقيل أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم مدلج بن عمرو الأنصاري وكان غلاما وقت الظهيرة ليدعو عمر فدخل وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر رضي الله تعالى عنه : لوددت أن الله عز و جل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذن ثم انطلق معه إلى النبي صلى الله عليه و سلم فوجده وقد أنزلت هذه الآية : { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } والصبيان الذي لم يبلغوا من الأحرار فعبر عن البلوغ بالاحتلام لأنه أقوى دلائله { ثلاث مرات } في اليوم والليلة مرة { من قبل صلاة الفجر } لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة ومحله النصب بدلا من ثلاث مرات أو الرفع خبرا لمحذوف أي هي من قبل صلاة الفجر { وحين تضعون ثيابكم } أي ثيابكم لليقظة للقيلولة { من الظهيرة } بيان للحين { ومن بعد صلاة العشاء } لأنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف { ثلاث عورات لكم } أي هي ثلاث أوقات يختل فيها تستركم ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره ما بعده وأصل العورة الخلل ومنها اعور المكان ورجل أعور وقرأ أبو بكر و حمزة و الكسائي { ثلاث } بالنصب بدلا من { ثلاث مرات } { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان وليس فيه ما ينافي آية الاستئذان فينسخها لأنه في الصبيان ومماليك المدخول عليه وتلك في الأحرار البالغين { طوافون عليكم } أي هم طوافون استئناف ببيان العذر الرخص في ترك الاستئذان وهو المخالطة وكثرة المداخلة وفيه دليل على تعليل الأحكام وكذا في الفرق بين الأوقات الثلاثة وغيرها بأنها عورات { بعضكم على بعض } بعضكم طائف على بعض أو يطوف بعضكم على بعض { كذلك } مثل ذلك التبيين { يبين الله لكم الآيات } أي الأحكام { والله عليم } بأحوالكم { حكيم } فيما شرع لكم

(1/199)


59 - { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } الذين بلغوا من قبلهم في الأوقات كلها واستدل به من أوجب استئذان العبد البالغ على سيدته وجوابه أن المراد بهم المعهودين الذين جعلوا قسيما للمماليك فلا يندرجون فيهم { كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم } كرره تأكيدا ومبالغة في الأمر بالاستئذان

(1/200)


60 - { والقواعد من النساء } والعجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل { اللاتي لا يرجون نكاحا } لا يطمعن فيه لكبرهن { فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } أي الثياب الظاهرة كالجلباب والفاء فيه لأن اللام في { القواعد } بمعنى اللاتي أولوصفها بها { غير متبرجات بزينة } غير مظهرات زينة مما أمرن بإخفائه في قوله تعالى { ولا يبدين زينتهن } وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفى من قولهم سفينة
بارجة لا غطاء عليها والبرج سعة العين بحيث يرى بياضها محيطا بسوادها كله لا يغيب منه شيء إلا أنه خص بتكشف المرأة زينتها ومحاسنها للرجال { وأن يستعففن خير لهن } من الوضع لأنه أبعد من التهمة { والله سميع } لمقالتهن للرجال
{ عليم } بمقصودهن

(1/200)


61 - { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } نفي لما كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذرا من استقذارهم أو أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح ويبيح لهم التبسط فيه إذا خرج إلى الغزو وخلفهم على المنازل مخافة أن لا يكون ذلك من طيب قلب أو من إجابة من يدعوهم إلى بيوت آبائهم وأولادهم وأقاربهم فيطعمونهم كراهة أن يكونوا كلا عليهم وهذا إنما يكون إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة أو كان في أول الإسلام ثم نسخ بنحو قوله { لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام } وقيل نفي للحرج عنهم في القعود عن الجهاد وهو لا يلائم ما قبله ولا ما بعده { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيت الولد كبيته لقوله عليه الصلاة و السلام [ أنت ومالك لأبيك ] وقوله عليه الصلاة و السلام [ إن أطيب ما يأكل المؤمن من كسبه وإن ولده من كسبه ] { أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه } وهو ما يكون تحت أيديكم وتصرفكم من ضيعة أو ماشية وكالة أو حفظا وقيل بيوت المماليك والمفاتح جمع مفتح وهو ما يفتح به وقرئ { مفاتحه } { أو صديقكم } أو بيوت صديقكم فإنهم أرضى بالتبسط في أموالهم وأسر به وهو يقع على الواحد والجمع كالخليط هذا كله إنما يكون إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة ولذلك خصص هؤلاء فإنه يعتاد التبسط بينهم أو كان ذلك في أول الإسلام فنسخ فلا احتجاج للحنفية به على أن لا قطع بسرقة مال المحرم { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } مجتمعين أو متفرقين نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده أو في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا معه أو في قوم تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الطبائع في القذارة والنهمة { فإذا دخلتم بيوتا } من هذه البيوت { فسلموا على أنفسكم } على أهلها الذين هم منكم دينا وقرابة { تحية من عند الله } ثابتة بأمره مشروعة من لدنه ويجوز أن تكون من صلة للتحية فإنه طلب الحياة وهي من عنده تعالى وانتصابها بالمصدر لأنها بمعنى التسليم { مباركة } لأنها يرجى بها زيادة الخير والثواب { طيبة } تطيب بها نفس المستمع وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة و السلام قال لي [ متى لقيت أحدا من أمتي فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين ] { كذلك يبين الله لكم الآيات } كرره ثلاثا لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام المختتمة به وفصل الأولين بما هو المقتضى لذلك وهذا بما هو المقصود منه فقال : { لعلكم تعقلون } أي الحق والخير في الأمور

(1/201)


سورة الفرقان
62 - لله ورسوله } من صميم قلوبهم { وإذا كانوا معه على أمر جامع } كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأمور ووصف الأمر بالجمع للمبالغة وقرئ ( أمر جميع ) { لم يذهبوا حتى يستأذنوه } يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فيأذن لهم واعتباره في كمال الإيمان لأنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه عن المنافق فإن ديدنه التسلل والفرار ولتعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم بغير إذنه ولذلك أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ فقال : { إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله } فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذهاب بغير إذن ليس كذلك { فإذا استأذنوك لبعض شأنهم } ما يعرض لهم من المهام وفيه أيضا مبالغة وتضييق الأمر { فأذن لمن شئت منهم } تفويض للأمر إلى رأي الرسول صلى الله عليه و سلم واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه ومن منع ذلك قيد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه فكأن المعنى : فائذن لمن علمت أن له عذرا { واستغفر لهم الله } بعد الإذن فن الاستئذان ولو لعذر قصور لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين { إن الله غفور } لفرطات العباد { رحيم } بالتيسير عليهم

(1/203)


63 - { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة والرجوع بغير إذن فإن المبادرة إلى إجابته عليه الصلاة و السلام واجبة والمراجعة بغير إذنه محرمة وقيل لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضا باسمه ورفع الصوت به والنداء من وراء الحجرات ولكن بلقبه المعظم مثل يا نبي الله ويا رسول الله مع التوقير والتواضع وخفض الصوت أو لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض فلا تبالوا بسخطه فإن دعاءه موجب أو لا تجعلوا دعاءه ربه كدعاء صغيركم وكبيركم يجيبه مرة ويرده أخرى فإن دعاءه مستجاب { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم } ينسلون قليلا قليلا من الجماعة ونظير تسلل تدرج وتدخل { لواذا } ملاوذة بأن يستتر بعضكم ببعض حتى يخرج أو يلوذ بمن يؤذن له فينطلق معه كأنه تابعه وانتصابه على الحال وقرئ بالفتح { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } يخالفون أمره بترك مقتضاه ويذهبون سمتا خلاف سمته و { عن } لتضمنه معنى الإعراض أو يصدون عن أمره دون المؤمنين من خالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه وحذف المفعول لأن المقصود بيان المخالف والمخالف عنه والضمير لله تعالى فإن الأمر له في الحقيقة أو للرسول فإنه المقصود بالذكر { أن تصيبهم فتنة } محنة في الدنيا { أو يصيبهم عذاب أليم } في الآخرة واستدل به على أن لأمر للوجوب فإنه يدل على أن ترك مقتضى الأمر مقتض لأحد العذابين فإن الأمر بالحذر عنه يدل على خشية المشروط بقيام المقتضي له وذلك يستلزم الوجوب

(1/203)


64 - { ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه } أيها المكلفون من المخالفة والموافقة والنفاق والإخلاص وإنما أكد علمه بـ { قد } لتأكيد الوعيد { ويوم يرجعون إليه } يوم يرجع المنافقون إليه للجزاء ويجوز أن يكون الخطاب أيضا مخصوصا بهم على طريق الالتفات وقرأ يعقوب بفتح الياء وكسر الجيم { فينبئهم بما عملوا } من سوء الأعمال بالتوبيخ والمجازاة عليه { والله بكل شيء عليم } لا يخفى عليه خافية
عن النبي صلى الله عليه و سلم [ من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي ]

(1/204)


1 - { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } تكاثر خيره من البركة وهي كثرة الخير أو تزايد على كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله فإن البركة تتضمن معنى الزيادة وترتيبه عن إنزاله { الفرقان } لما فيه من كثرة الخير أو لدلالته على تعاليه وقيل دام من بروك الطير على الماء ومنه البركة لدوام الماء فيها وهو لا يتصرف فيه ولا يستعمل إلا لله تعالى و { الفرقان } مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما سمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل بتقريره أو المحق والمبطل بإعجازه أو لكونه مفصولا بعضه عن بعض في الإنزال وقرئ ( على عباده ) وهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمته كقوله تعالى : { ولقد أنزلنا إليكم آيات } أو الأنبياء على أن { الفرقان } اسم جنس للكتب السماوية { ليكون } العبد أو الفرقان { للعالمين } للجن والأنس { نذيرا } منذرا أو إنذارا كالنكير بمعنى الإنكار هذه الجملة وإن لم تكن معلومة لكنها لقوة دليلها أجريت مجرى المعلوم وجعلت صلة

(1/205)


2 - { الذي له ملك السماوات والأرض } بدل من الأول أو مدح مرفوع أو منصوب { ولم يتخذ ولدا } كزعم النصارى { ولم يكن له شريك في الملك } كقول الثنوية أثبت له الملك مطلقا ونفى ما يقوم مقامه وما يقاومه فيه ثم نبه على ما يدل عليه فقال : { وخلق كل شيء } أحدثه إحداثا مراعى فيه التقدير حسب إرادته كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة { فقدره تقديرا } فقدره وهيأه لما أراد منه من الخصائص والأفعال كتهيئة الإنسان للإدراك والفهم والنظر والتدبير واستنباط الصنائع المتنوعة مزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك أو { فقدره } للبقاء إلى أجل مسمى وقد يطلق الخلق لمجرد الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق فيكون المعنى وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده حتى لا يكون متفاوتا

(1/205)


3 - { واتخذوا من دونه آلهة } لما تضمن إثبات التوحيد والنبوة أخذ في الرد على المخالفين فيهما { لا يخلقون شيئا وهم يخلقون } لأن عبدتم ينحتونهم ويصورونهم
{ ولا يملكون } ولا يستطيعون { لأنفسهم ضرا } دفع ضر { ولا نفعا } ولا جلب نفع { ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } ولا يملكون إماتة أحد وإحياءه أولا وبعثه ثانيا ومن كان كذلك فبمعزل عن الألوهية لعرائه عن لوازمها واتصافه بما ينافيها وفيه تنبيه على أن الإله يجب أن يكون قادرا على البعث والجزاء

(1/206)


4 - { وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك } كذب مصروف عن وجهه
{ افتراه } اختلقه { وأعانه عليه قوم آخرون } أي اليهود فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم وهو يعبر عنها بعبارته وقيل جبر ويسار وعداس وقد سبق في قوله { إنما يعلمه بشر } { فقد جاؤوا ظلما } يجعل الكلام المعجز { إفك } مختلقا متلقفا من اليهود { وزورا } بنسبة ما هو بريء منه إليه وأتى وجاء يطلقان بمعنى فعل فيعديان تعديته

(1/206)


5 - { وقالوا أساطير الأولين } ما سطره المتقدمون { اكتتبها } كتبها لنفسه أو استكتبها وقرئ على البناء للمفعول لأنه أمي وأصله : اكتتبها كاتب له فحذف اللام وأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب ثم حذف الفاعل وبني الفعل للضمير فاستتر فيه { فهي تملى عليه بكرة وأصيلا } ليحفظها فإنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب أو لتكتب

(1/206)


6 - { قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض } لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمنه أخبارا عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار فكيف تجعلونه { أساطير الأولين } { إنه كان غفورا رحيما } فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته عليها واستحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صبا

(1/207)


7 - { وقالوا مال هذا الرسول } ما لهذا الذي يزعم الرسالة وفيه استهانة وتهكم { يأكل الطعام } كما نأكل { ويمشي في الأسواق } لطلب المعاش كما نمشي والمعنى إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأحوال نفسانية كما أشار إليه تعالى بقوله { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } لنعلم صدقه بتصديق الملك

(1/207)


8 - { أو يلقى إليه كنز } فيستظهر به ويستغني عن تحصيل المعاش { أو تكون له جنة يأكل منها } هذا على سبيل التنزل أي إن لم يلق إليه كنز فلا أقل من أن يكون له بستان كما للدهاقين والمياسير فيتعيش بريعه وقرأ حمزة و الكسائي
بالنون والضمير للكفار { وقال الظالمون } وضع { الظالمون } موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوه { إن تتبعون } ما تتبعون { إلا رجلا مسحورا } سحر فغلب على عقله وقيل ذا سحر وهو الرئة أي بشرا لا ملكا

(1/207)


9 - { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } أي قالوا فيك الأقوال الشاذة واخترعوا لك الأحوال النادرة { فضلوا } عن الطريق الموصل إلى معرفة خواص النبي والمميز بينه وبين المتنبي فخبطوا خبطه عشواء { فلا يستطيعون سبيلا } إلى القدح في نبوتك أو إلى الرشد والهدى

(1/207)


10 - { تبارك الذي إن شاء جعل لك } في الدنيا { خيرا من ذلك } مما قالوا لكن أخره إلى الآخرة لأنه خير وأبقى { جنات تجري من تحتها الأنهار } بدل من { خيرا } { ويجعل لك قصورا } عطف على محل الجزاء وقرأ أبن كثير و ابن عامر و أبو بكر بالرفع لأن الشرط إذا كان ماضيا جاز في جزائه الجزم والرفع كقوله :
( وإن أتاه خليل يوم مسبغة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم )
ويجوز أن يكون استئنافا بوعد ما يكون له في الآخرة وقرئ بالنصب على أنه جواب بالواو

(1/208)


11 - { بل كذبوا بالساعة } فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوية وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فطعنوا فيك لفقرك أو فلذلك كذبوك لا لما تمحلوا من المطاعن الفاسدة أو فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب ويصدقونك بما وعد الله لك في الآخرة أو فلا تعجب من تكذيبهم إياك فإنه أعجب منه { وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } نارا شديدة الاستعار وقيل هو اسم لجهنم فيكون صرفه باعتبار المكان

(1/208)


12 - { إذا رأتهم } إذا كانت بمرأى منهم [ كقوله عليه السلام لا تتراءى نارهما ] أي لا تتقربان بحيث تكون إحداهما من الأخرى على المجاز والتأنيث لأنه بمعنى النار أو جهنم { من مكان بعيد } هو أقصى ما يمكن أن يرى منه { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } صوت تغيظ شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع مه جوفه هذا وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر وقيل إن ذلك لزبانيتها فنسب إليها على حذف المضاف

(1/208)


13 - { وإذا ألقوا منها مكانا } في مكان ومنها بيان تقدم فصار حالا
{ ضيقا } لزيادة العذاب فإن الكرب مع الضيق والروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها كعرض السموات والأرض { مقرنين } قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل { دعوا هنالك } في ذلك المكان { ثبورا } هلاكا أي يتمنون الهلاك وينادونه فيقولون تعل يا ثبوراه فهذا حينك

(1/209)


14 - { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا } أي يقال لهم ذلك { وادعوا ثبورا كثيرا } لأن عذابكم أنواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدته أو لأنه يتجدد لقوله تعالى : { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } أو لأنه لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور

(1/209)


15 - { قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون } الإشارة إلى العذاب والاستفهام والتفضيل والترديد للتقريع مع التهكم أو إلى الـ { كنز } أو الـ { جنة } والراجع إلى الموصول محذوف وإضافة الـ { جنة } إلى { الخلد } للمدح أو للدلالة على خلودها أو التميز عن جنات الدنيا { كانت لهم } في علم الله أو اللوح أو لأن ما وعده الله تعالى في تحققه كالواقع { جزاء } على أعمالهم بالوعد { ومصيرا } ينقلبون إليه ولا يمنع كونها جزاء لهم أن يتفضل بها على غيرهم برضاهم مع جواز أن يراد بالمتقين من يتقي الكفر والتكذيب لأنهم في مقابلتهم

(1/209)


16 - { لهم فيها ما يشاؤون } ما يشاؤونه من النعيم ولعله تقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبته إذا الظاهر أن الناقص لا يدرك شأو الكامل بالتشهي وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة { خالدين } حال من أحد ضمائرهم { كان على ربك وعدا مسؤولا } الضمير في { كان } لـ { ما يشاؤون } والوعد الموعود أي : كان ذلك موعدا حقيقا بأن يسأل ويطلب أو مسؤولا سأله الناس في دعائهم { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك } أو الملائكة بقولهم { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم } وما في { على } من معنى الوجوب لامتناع الخلف في وعده تعالى ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز فإن تعلق الإرادة بالوعود مقدم على الوعد الموجب للإنجاز

(1/210)


17 - { ويوم نحشرهم } للجزاء وقرئ بكسر الشين وقرأ ابن كثير و يعقوب و حفص بالياء { وما يعبدون من دون الله } يعم كل معبود سواه تعالى واستعمال { ما } إما لأن وضعه أعم ولذلك يطلق لكل شبح يرى ولا يعرف أو لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبودهم أو لتغليب الأصنام تحقيرا أو اعتبارا لغلبة عبادها أو يخص الملائكة وعزيرا والمسيح بقرينة السؤال والجواب أو الأصنام ينطقها الله أو تتكلم بلسان الحال كما قيل في كلام الأيدي والأرجل { فيقول } أي للمعبودين وهو على تلوين الخطاب وقرأ ابن عامر بالنون { أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل } لإخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد النصيح وهو استفهام تقريع وتبكيت للعبدة وأصله { أضللتم } أو { ضلوا } فغير النظم ليلي حرف الاستفهام المقصود بالسؤال وهو المتولي للفعل دونه لأنه لا شبهة فيه وإلا لما توجه العتاب وحذف صلة الضل مبالغة

(1/210)


18 - { قالوا سبحانك } تعجبا مما قيل لهم لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون أو جمادات لا تقدر على شيء أو إشعارا بأنهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده فكيف يليق بهم إضلال عبيده أو تنزيها لله تعالى عن الأنداد { ما كان ينبغي لنا } ما يصح لنا { أن نتخذ من دونك من أولياء } للعصمة أو لعدم القدرة فكيف يصح لنا أن ندعو غيرنا أن يتولى أحدا دونك وقرئ { نتخذ } على البناء للمفعول من اتخذ الذي له مفعولان كقوله تعالى : { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ومفعوله الثاني { من أولياء } و { من } للتبعيض و على الأول مزيدة لتأكيد النفي { ولكن متعتهم وآباءهم } بأنواع النعم فاستغرقوا في الشهوات { حتى نسوا الذكر } حتى غفلوا عن ذكرك أو التذكر لآلائك والتدبر في آياتك وهو نسبة للضلال إليهم من حيث إنه بكسبهم وإسناد له إلى ما فعل الله بهم فحملهم عليه وهو عين ما ذهبنا إليه فلا ينتهض حجة علينا للمعتزلة { وكانوا } في قضائك { قوما بورا } هالكين مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع أو جمع بائر كعائذ وعوذ

(1/211)


19 - { فقد كذبوكم } التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإلزام على حذف القول والمعنى فقد كذبكم المعبودون { بما تقولون } في قولكم إنهم آلهة أو هؤلاء أضلونا والباء بمعنى في أو مع المجرور بدل من الضمير وعن ابن كثير
بالياء أي : { كذبوكم } بقولهم { سبحانك ما كان ينبغي لنا } { وما يستطيعون } أي المعبودون وقرأ حفص بالتاء على خطاب العابدين
{ صرفا } دفعا للعذاب عنكم وقيل حيلة من قولهم إنه ليتصرف أي يحتال { ولا نصرا } يعينكم عليه { ومن يظلم منكم } أيها المكلفون { نذقه عذابا كبيرا } هي النار والشرط وإن عم كل من كفر أو فسق لكنه في اقتضاء الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقا وهو التوبة والإحباط بالطاعة إجماعا وبالعفو عندنا

(1/211)


20 - { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } أي رسلا إنهم فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه كقوله تعالى : { وما منا إلا له مقام معلوم } ويجوز أن تكون حالا اكتفى فيها بالضمير وهو جواب لقولهم { مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } وقرئ { يمشون } أي تمشيهم حوائجهم أو الناس { وجعلنا بعضكم } أيها الناس { لبعض فتنة } ابتلاء ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء والمرسلين بالمرسل إليهم ومناصبتهم لهم العداوة وإيذائهم لهم وهو تسلية لرسول الله صلى الله عليه و سلم على ما قالوه بعد نقضه وفيه دليل على القضاء والقدر { أتصبرون } علة للجعل والمعنى { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } لنعلم أيكم يصبر ونظيره قوله تعالى : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } أو حث على الصبر على ما افتتنوا به { وكان ربك بصيرا } بمن يصبر أو بالصواب فيما يبتلى به وغيره

(1/212)


21 - { وقال الذين لا يرجون } لا يأملون { لقاءنا } بالخير لكفرهم بالبعث أو لا يخافون { لقاءنا } بالشر على لغة تهامة وأصل اللقاء الوصول إلى الشيء ومنه الرؤية فإنه وصول إلى المرئي والمراد به الوصول إلى جزائه ويمكن أن يراد به الرؤية على الأول { لولا } هلا { أنزل علينا الملائكة } فتخبرنا بصدق محمد صلى الله عليه و سلم وقيل فيكونوا رسلا إلينا { أو نرى ربنا } فيأمرنا بتصديقه واتباعه { لقد استكبروا في أنفسهم } أي في شأنها حتى أرادوا لها ما يتفق لأفراد من الأنبياء الذين هم أكمل خلق الله في أكمل أوقاتها وما هو أعظم من ذلك { وعتوا } وتجاوزوا الحد في الظلم { عتوا كبيرا } بالغا أقصى مراتبه حيث عاينوا المعجزات القاهرة فأعرضوا عنها واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية واللام جواب قسم محذوف وفي الاستئناف بالجملة حسن وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم كقوله :
( وجاره جساس أبأنا بنابها ... كليبا علت ناب كليب بواؤها )

(1/212)


22 - { يوم يرون الملائكة } ملائكة الموت أو العذاب و { يوم } نصب باذكر أو بما دل عليه { لا بشرى يومئذ للمجرمين } فإنه بمعنى يمنعون البشرى أو يعدمونها و { يومئذ } تكرر أو خبر و { للمجرمين } تبيين أو خبر ثان أو ظرف لما يتعلق به اللام أو لـ { بشرى } إن قدرت منونة غير مبينة مع { لا } فإنها لا تعمل وللـ { مجرمين } إما عام يتناول حكمه حكمهم من طريق البرهان و يلزم عن نفي البشرى لعامة المجرمين حينئذ نفي البشرى بالعفو والشفاعة في وقت آخر وإما خاص وضع موضع ضميرهم تسجيلا على جرمهم وإشعارا بما هو المانع للبشرى والموجب لما يقابلها { ويقولون حجرا محجورا } عطف على المدلول أي ويقول الكفرة حينئذ هذه الكلمة استعاذة وطلبا من الله تعالى أن يمنع لقاءهم وهي مما كانوا يقولون عند لقاء عدو أو هجوم مكروه أو تقولها الملائكة بمعنى حراما عليكم الجنة أو البشرى وقرئ { حجرا } بالضم وأصله الفتح غير أنه لما اختص بموضع مخصوص غير كقعدك وعمرك ولذلك لا يتصرف فيه و لا يظهر ناصبه ووصفه بمحجورا للتأكيد كقولهم : موت مائت

(1/213)


23 - { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } أي وعمدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم كقري الضيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف فأحبطناه لفقد ما هو شرط اعتباره وهو تشبيه حالهم وأعمالهم بحال قوم استعصوا على سلطانهم فقدم إلى أشيائهم فمزقها وأبطلها ولم يبق لها أثرا والـ { هباء } غبار يرى في شعاع يطلع من الكوة من الهبوة وهي الغبار و
{ منثورا } صفته شبه عملهم المحبط بالهباء في حقارته وعدم نفعه ثم بالمنثور منه في انتشاره بحيث لا يمكن نظمه أو تفرقه نحو أغراضهم التي كانوا يتوجهون به نحوها أو مفعول ثالث من حيث إنه كالخبر بعد الخبر كقوله تعالى : { كونوا قردة خاسئين }

(1/213)


24 - { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا } مكانا يستقر فيه أكثر الأوقات للتجالس والتحادث { وأحسن مقيلا } مكانا يؤوي إله للاسترواح بالأزواج والتمتع بهن تجوزا له من مكان القيلولة على التشبيه أو لأنه لا يخلو من ذلك غالبا إذ لا نوم في الجنة وفي أحسن رمز إلى ما يتميز به مقيلهم من حين الصور وغيره من التحاسيس ويحتمل أن يراد بأحدهما المصدر أو الزمان إشارة إلى أن مكانهم وزمانهم أطيب ما يتخيل من الأمكنة والأزمنة والتفضيل إما لإرادة الزيادة مطلقا أو بالإضافة إلى ما للمترفين في الدنيا روي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار

(1/214)


25 - { ويوم تشقق السماء } أصله تتشقق فحذفت التاء وأدغمها ابن كثير و ونافع و ابن عامر و يعقوب { بالغمام } بسبب طلوع الغمام منها
وهو الغمام المذكور في قوله { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } { ونزل الملائكة تنزيلا } في ذلك الغمام بصحائف أعمال العباد وقرأ ابن كثير ( وننزل ) وقرئ ( نزلت ) ( وأنزل ) { ونزل الملائكة } بحذف نون
الكلمة

(1/214)


26 - { الملك يومئذ الحق للرحمن } الثابت له لأن كل ملك يبطل يومئذ ولا يبقى إلا ملكه فهم الخبر و { للرحمن } صلته أو تبيين و { يومئذ } معمول { الملك } لا { الحق } لأنه متأخر أو صفته والخبر { يومئذ } أو { للرحمن } { وكان يوما على الكافرين عسيرا } شديدا

(1/215)


27 - { ويوم يعض الظالم على يديه } من فرط الحسرة وعض اليدين وأكل البنان وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما والمراد بـ { الظالم } الجنس وقيل عقبة بن أبي معيط كان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه و سلم فدعاه إلى ضيافته فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال صبأت فقال : لا ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحيت منه فشهدت له فقال لا أرى منك إلا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك فقال عليه الصلاة و السلام : لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فأسر يوم بدر فأمر عليا فقتله وطعن أبيا بأحد في المبارزة فرجع لى مكة ومات { يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } طريقا إلى النجاة أو طريقا واحدا وهو طريق الحق ولم تتشعب بي طرق الضلالة

(1/215)


28 - { يا ويلتى } وقرئ بالياء على الأصل { ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } يعني من أضله وفلان كناية عن الأعلام كما أن هنا كناية عن الأجناس

(1/215)


29 - { لقد أضلني عن الذكر } عن ذكر الله أو كتابه أو موعظة الرسول أو كلمة الشهادة { بعد إذ جاءني } وتمكنت منه { وكان الشيطان } يعني الخليل المضل أو إبليس لأنه حمله على مخالته ومخالفة الرسول أو كل من تشيطن من جن وإنس { للإنسان خذولا } يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك ثم يتركه ولا ينفعه فعول من الخذلان

(1/215)


30 - { وقال الرسول } محمد يومئذ أو في الدنيا بثا إلى الله تعالى { يا رب إن قومي } قريشا { اتخذوا هذا القرآن مهجورا } بأن تركوه وصدوا عنه وعنه عليه الصلاة و السلام [ من تعلم القرآن وعلق مصحفه ولم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به يقول : يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورا اقض بيني وبينه ] أو هجروا ولغوا فيه إذا سمعوه أو زعموا أنه هجر وأساطير الأولين فيكون أصله { مهجورا } فيه فحذف الجار ويجوز أن يكون بمعنى الهجر كالمجلود والمعقول وفيه تخويف لقومه فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب

(1/215)


31 - { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين } كما جعلناه لك فاصبر كما صبروا وفيه دليل على أنه خالق الشر والعدو يحتمل الواحد والجمع { وكفى بربك هاديا } إلى طريق قهرهم { ونصيرا } لك عليهم

(1/216)


32 - { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن } أي أنزل عليه كخبر بمعنى أخبر لئلا يناقض قوله : { جملة واحدة } دفعة واحدة كالكتب الثلاثة وهو اعتراض لا طائل تحته لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقا مع أن للتفريق فوائد منها ما أشار إليه بقوله : { كذلك لنثبت به فؤادك } أي كذلك أنزلناه مفرقا لنقوى بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه لأن حاله يخالف حال موسى وداود وعيسى حيث كان عليه الصلاة و السلام أميا وكانوا يكتبون فلو ألقي عليه جملة لعيل بحفظه ولعله لم يستتب له فإن التلقف يتأتى إلا شيئا فشيئا ولأن نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وغوص في المعنى ولأنه إذا نزل منجما وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه ولأن إذا نزل به جبريل حالا بعد حال يثبت به فؤاده ومها معرفة الناسخ والمنسوخ ومنها انضام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على البلاغة وكذلك صفة مصدر محذوف والإشارة إلى إنزاله مفرقا فإنه مدلول عليه بقوله { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } ويحتمل أن يكون من تمام كلام الكفرة ولذلك وقف عليه فيكون حالا والإشارة إلى الكتب السابقة واللام على الوجهين متعلق بمحذوف { ورتلناه ترتيلا } وقرأناه عليك شيئا بعد شيء على تؤدة وتمهل في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفليجها

(1/216)


33 - { ولا يأتونك بمثل } سؤال عجيب كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك { إلا جئناك بالحق } الدامغ له في جوابه { وأحسن تفسيرا } وبما هو أحسن بيانا أو معنى من سؤالهم أو { لا يأتونك } بحال عجيبة يقولون هلا كانت هذه حاله إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وما هو أحسن كشفا لما بعثت له

(1/217)


34 - { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم } أي مقلوبين أو مسحوبين عليها أو متعلقة قلوبهم بالسفليات متوجهة وجوههم إليها [ وعنه عليه الصلاة السلام يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف صنف على الدواب وصنف على الأقدام وصنف على الوجوه ] وهو ذم منصوب أو مرفوع أو مبدأ خبره { أولئك شر مكانا وأضل سبيلا } والمفضل عليه وهو الرسول صلى الله عليه و سلم على طريقة قوله تعالى : { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه } كأنه قيل إن حاملهم على هذه الأسئلة تحقير مكانه وتضليل سبيله ولا يعلمون حالهم ليعلموا أنهم شر مكانا وأضل سبيلا وقيل إنه متصل بقوله { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا } ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي للمبالغة

(1/217)


35 - { ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا } يوازره في الدعوة وإعلاء الكلمة ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة لأن المتشاركين في الأمر متوازرون عليه

(1/217)


36 - { فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا } يعني فرعون وقومه { بآياتنا فدمرناهم تدميرا } أي فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود منها وهو إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم والتعقيب باعتبار الحكم بالوقوع وقرئ ( فدمرتهم )
( فدمراهم فدمرانهم ) على التأكيد بالنون الثقيلة

(1/218)


37 - { وقوم نوح لما كذبوا الرسل } كذبوا نوحا ومن قبله أو نوحا وحده ولكن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الكل أو بعثة الرسل مطلقا كالبراهمة { أغرقناهم } بالطوفان { وجعلناهم } وجعلنا إغراقهم أو قصتهم { للناس آية } عبرة { وأعتدنا للظالمين عذابا أليما } يحتمل التعميم والتخصيص فيكون وضعا للظاهر موضع المضمر تظليما لهم

(1/218)


38 - { وعادا وثمود } عطف على هم في { جعلناهم } أو على ( الظالمين ) لأن المعنى ووعدنا الظالمين وقرأ حمزة و حفص ( وثمود ) على تأويل القبيلة { وأصحاب الرس } قوم كان يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم شعيبا فكذبوه فبينما هم حول الرس وهي البئر الغير المطوية فانهارت فخسف بهم وبديارهم وقيل { الرس } قرية بفلج اليمامة كان فيها بقايا ثمود فبعث إليهم نبي فقتلوه فهلكوا وقيل الأخدود وقيل بئر بانطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار وقيل هو أصحاب حنظلة بن صفوان النبي ابتلاهم الله تعالى بطير عظيم كان فيها من كل لون وسموها عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتخ أو دمخ وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إذا أعوزها الصيد ولذلك سميت مغربا فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ثم أنهم قتلوه فأهلكوا وقيل هم قوم كذبوا نبيهم ورسوه أي دسوه في بئر { وقرونا } وأهل أعصار قيل القرن أربعون سنة وقيل سبعون وقيل مائة وعشرون { بين ذلك } إشارة إلى ما ذكر { كثيرا } لا يعلمها إلا الله

(1/218)


39 - { وكلا ضربنا له الأمثال } بينا له القصص العجيبة قصص
لأولين إنذارا وإعذارا فما أصروا أهلكوا كما قال : { وكلا تبرنا تتبيرا } فتتناه
تفتيتا ومنه التبر لفتات الذهب والفضة { وكلا } الأول منصوب بما دل عليه
{ ضربنا } كأنذرنا والثاني بـ { تبرنا } لأنه فارغ

(1/218)


40 - { ولقد أتوا } يعني قريشا مروا مرارا في متاجرهم إلى الشام { على القرية التي أمطرت مطر السوء } يعني سدوم عظمى قرى قوم لوط أمطرت عليها الحجارة { أفلم يكونوا يرونها } في مرار مرورهم فيتعظوا بما يرون فيها من آثار عذاب الله { بل كانوا لا يرجون نشورا } بل كانوا كفرة لا يتوقعون نشورا ولا عاقبة فلذلك لم ينظروا ولم يتعظوا فمروا بها كما مرت ركابهم أو لا يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون طمعا في الثواب أو لا يخافونه على اللغة التهامية

(1/219)


41 - { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا } ما يتخذونك إلا موضع هزء أو مهزوءا به { أهذا الذي بعث الله رسولا } محكي بعد قول مضمر والإشارة للاستحقار وإخراج بعث الله رسولا في معرض التسليم يجعله صلة وهم على غاية الإنكار واستهزاء ولولاه لقالوا أهذا الذي زعم أنه بعثه الله رسولا

(1/219)


42 - { إن } إنه { كاد ليضلنا عن آلهتنا } ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد وكثرة ما يوردها مما يسبق إلى الذهن بأنها حجج ومعجزات { لولا أن صبرنا عليها } ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها و
{ لولا } في مثله تقيد الحكم المطلق من حيث المعنى دون اللفظ { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا } كالجواب لقولهم { إن كاد ليضلنا } فإنه يفيد نفي ما يلزمه ويكون الموجب له وفيه وعيد ودلالة على أنه لا يهملهم وإن أمهلهم

(1/219)


43 - { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } بأن أطاعه وبنى عليه دينه لا يسمع حجة ولا يبصر دليلا وإنما قدم المفعول الثاني للعناية به { أفأنت تكون عليه وكيلا } حفيظا تمنعه عن الشرك والمعاصي وحاله هذا فالاستفهام الأول للتقرير والتعجيب والثاني للإنكار

(1/219)


44 - { أم تحسب } بل أتحسب { أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون } فتجدي لهم الآيات أو الحجج فتهتم بشأنهم وتطمع في إيمانهم وهو أشد مذمة مما قبله حتى حق بالإضراب عنه إليه وتخصيص الأكثر لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكبارا وخوفا على الرئاسة { إن هم إلا كالأنعام } في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات { بل هم أضل سبيلا } من الأنعام لأنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ولأنها إن لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا ولم تكتسب شرا بخلاف هؤلاء ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم

(1/220)


45 - { ألم تر إلى ربك } ألم تنظر إلى صنعه { كيف مد الظل } كيف بسطه أو ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك فغير النظم إشعارا بأنه المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس : يسخن الجو ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة فقال { وظل ممدود } { ولو شاء لجعله ساكنا } ثابتا من السكنى أم غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الأجرام أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها

(1/220)


46 - { ثم قبضناه إلينا } أي أزلناه بإيقاع الشمس موقعه لما عبر عن أحداثه بالمد بمعنى التسيير عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الذي هو في معنى الكف { قبضا يسيرا } قليلا قليلا حسبما ترتفع الشمس لينتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق و { ثم } في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها وقيل { مد الظل } لما بنى السماء بلا نير ودحا الأرض تحتها فألقت عليها ظلها ولو شاء لجعله ثابتا على تلك الحالة ثم خلق الشمس عليه دليلا أي مسلطا عليه مستتبعا إياه كما يستتبع الدليل المدلول أو دليل الطريق من يهديه فإنه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } شيئا فشيئا إلى أن تنتهي غاية نقصانه أو
{ قبضا } سهلا عند قيام الساعة بقض أسبابه من الأجرام المظلة والمظل عليها

(1/221)


47 - { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا } شبه ظلامه باللباس في ستره
{ والنوم سباتا } راحة للأبدان بقطع المشاغل وأصل السبت القطع أو موتا كقوله : { وهو الذي يتوفاكم بالليل } لأنه قطع الحياة ومنه المسبوت للميت { وجعل النهار نشورا } ذا نشور أي انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش أو بعث من النوم بعث الأموات فيكون إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور وعن لقمان عليه السلام يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر

(1/221)


48 - { وهو الذي أرسل الرياح } وقرأ ابن كثير على التوحيد إرادة للجنس { نشرا } ناشرات للحساب جمع نشور وقرأ ابن عامر بالسكون على التخفيف و حمزة و الكسائي به وبفتح النون على أنه مصدر وصف به و عاصم { بشرا } تخفيف بشر جمع بشور بمعنى مبشر { بين يدي رحمته } يعنى قدام المطر { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } مطهر ا لقوله { ليطهركم به } وهو اسم لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به [ قال عليه الصلاة و السلام التراب طهور المؤمن طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعا إحداهن بالتراب ] وقيل بليغا في الطهارة وفعول وإن غلب في المعنيين لكنه قد جاء للمفعول كالضبوث وللمصدر كالقبول وللاسم كالذنوب وتوصيف الماء به إشعارا بالنعمة فيه وتتميم للمنة فيما بعده فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته وتنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها فبواطنهم بذلك أولى

(1/222)


49 - { لنحيي به بلدة ميتا } بالنبات وتذكير { ميتا } لأن البلدة في معنى البلد ولأنه غير جار على الفعل كسائر أبنية المبالغة فأجري مجرى الجامد { ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا } يعني أهل البوادي الذين يعيشون بالحيا ولذلك نكر الأنعام والأناسي وتخصيصهم لأن أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار والمنافع فيهم وبما حولهم من الأنعام غنية عم سقيا السماء وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب غالبا مع أن مساق هذه الآيات كما هو للدلالة على عظم القدرة فهو لتعداد أنواع النعمة والأنعام قنية الإنسان وعامة منافعهم وعلية معايشهم منوطة بها ولذلك قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها إحياء الأرض فإنه سبب لحياتها وتعيشها وقرىء { نسقيه } بالفتح وسقى وأسقى لغتان وقيل أسقاه جعل له سقيا { وأناسي } بحذف ياء وهو جمع إنسي أو إنسان كظرابي في ظربان على أن أصله أناسين فقلبت النون ياء

(1/222)


50 - { ولقد صرفناه بينهم } صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن الكريم وسائر الكتب أو المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطل وغيرهما وعن ابن عباس رضي الله عنه : ( ما عام أمطر من عام ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء وتلا هذه الآية ) أو في الأنهار والمنافع { ليذكروا } ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك ويقوموا بشكره أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها أو جحودها بأن يقولوا مطرنا بنوء كذا ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء كان كافرا بخلاف من يرى أنها من خلق الله والأنواء وسائط وأمارات بجعله تعالى

(1/223)


51 - { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا } نبيا ينذر أهلها فيخف عليك أعباء النبوة لكن قصرنا الأمر عليك إجلالا لك وتعظيما لشأنك وتفضيلا لك على سائر الرسل فقابل ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق

(1/223)


52 - { فلا تطع الكافرين } فيما يريدونك عليه وهو تهييج له عليه الصلاة و السلام وللمؤمنين { وجاهدهم به } بالقرآن أوبترك طاعتهم الذي يدل عليه فلا تطع والمعنى إنهم يجتهدون في إبطال حقك فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم { جهادا كبيرا } لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف أو لأن مخالفتهم ومعاداتهم فيما بين أظهرهم مع عتوهم وظهورهم أو لأنه جهاد مع كل الكفرة لأنه مبعوث إلى كافة القرى

(1/224)


53 - { وهو الذي مرج البحرين } خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان من مرج دابته إذا خلاها { هذا عذب فرات } قامع للعطش من فرط عذوبته { وهذا ملح أجاج } بليغ الملوحة وقرئ { ملح }
على فعل ولعل أصله مالح فخفف كبرد في بار { وجعل بينهما برزخا } حاجزا من قدرته { وحجرا محجورا } وتنافرا بليغا كأن كلا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوذ للمتعوذ عنه وقيل حدا محدودا وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها وقيل المراد بالبحر العذب النهر العظيم مثل النيل وبالبحر الملح البحر الكبير وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض فتكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة منع أن مقتضى طبيعة أجزاء كل عنصر أن تضامت وتلاصقت وتشابهت في الكيفية

(1/224)


54 - { وهو الذي خلق من الماء بشرا } يعني الذي خمر به طينة آدم أو جعله جزءا من مادة البشر لتجتمع لتبشر وتسلس وتقبل الأشكال والهيئات بسهولة أو النطفة { فجعله نسبا وصهرا } أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم وذاوت صهر أي إناثا يصاهر بهن كقوله تعالى : { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } { وكان ربك قديرا } حيث خلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ذكرا وأنثى

(1/224)


55 - { ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم } يعني الأصنام أو كل ما عبد من دون الله إذ ما من مخلوق يستقل بالنفع والضر { وكان الكافر على ربه ظهيرا } يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك والمراد بـ { الكافر } الجنس أو جهل وقيل هينا مهينا لا وقعه له عنده من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك خلف ظهرك فيكون كقوله { ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم }

(1/224)


56 - { وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } للمؤمنين والكافرين

(1/225)


57 - { قل ما أسألكم عليه } على تبليغ الرسالة الذي يدل عليه { إلا مبشرا ونذيرا } { من أجر إلا من شاء } إلا فعل من شاء { أن يتخذ إلى ربه سبيلا } أن يتقرب إليه ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة فصور ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود فعله واستثناه منه قلعا لشبهة الطمع وإظهارا لغاية الشفقة حيث اعتد بإنفاعك نفسك بالتعرض للثواب والتخلص عن العقاب أجرا وافيا مرضيا به مقصورا عليه وإشعارا بأن طاعتهم تعود عليه بالثواب من حيث إنها بدلالته وقيل الاستثناء منقطع معناه لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل

(1/225)


58 - { وتوكل على الحي الذي لا يموت } في استكفاء شرورهم والإغناء عن أجورهم فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم { وسبح بحمده } ونزهه عن صفات النقصان مثنيا عليه بأوصاف الكمال طالبا لمزيد الإنعام بالشكر على سوابغه { وكفى به بذنوب عباده } ما ظهر منها وما بطن { خبيرا } مطلعا فلا عليك أن آمنوا أو كفروا

(1/225)


59 - { الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن } قد سبق الكلام فيه ولعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقا بأن يتوكل عليه من حيث إنه الخالق للكل والمتصرف فيه وتحريض على الثبات والتأني في الأمر فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ أمره في كل مراد خلق الأشياء على تؤدة وتدرج و { الرحمن } خبر للذي إن جعلته مبتدأ ولمحذوف إن جعلته صفة للحي أو بدل من المستكن فقي { استوى } وقرىء بالجر صفة للحي { فاسأل به خبيرا } فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء عالما يخبرك بحقيقته وهو الله تعالى أو جبريل أو من وجد في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه وقيل الضمير { للرحمن } والمعنى إن أنكروا إطلاقه على الله تعالى فاسأل عن من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم وعلى هذا يجوز أن يكون { الرحمن } مبتدأ والخبر ما بعده والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالياء لتضمنه معنى الاعتناء وقيل إنه صلة { خبيرا }

(1/225)


60 - { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن } لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله أو لأنهم ظنوا أنه أراد به غيره ولذلك قالوا : { أنسجد لما تأمرنا } أي للذي تأمرنا يعني تأمرنا بسجوده أو لأمرك لنا من غير عرقان وقيل لأنه كان معربا لم يسمعوه وقرأ حمزة و الكسائي ( يأمرنا ) بالياء على أنه قول بعضهم لبعض { وزادهم } أي الأمر بالسجود { للرحمن } { نفورا } عن الإيمان

(1/226)


61 - { تبارك الذي جعل في السماء بروجا } يعني البروج الاثني عشر سميت به وهي القصور العالية لأنها للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها واشتقاقه من التبرج لظهوره { وجعل فيها سراجا } يعني الشمس لقوله { وجعل الشمس سراجا } وقرأ حمزة و الكسائي ( سرجا ) وهي الشمس والكواكب الكبار { وقمرا منيرا } مضيئا بالليل وقرئ { وقمرا } أي ذا قمر وهو جمع قمراء ويحتمل أن يكون بمعنى القمر كالرشد والرشد والعرب والعرب

(1/226)


62 - { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه أو بأن يعتقبا لقوله تعالى : { واختلاف الليل والنهار } وهي للحالة من خلف كالركبة والجلسة
{ لمن أراد أن يذكر } بأن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أن لا بد له من صانع حكيم واجب الذاب رحيم على العباد { أو أراد شكورا } أن يشكر الله تعالى على ما فيه من النعم أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخرة وقرأ حمزة { أن يذكر } من ذكر بمعنى تذكر وكذلك ليذكروا ووافقه الكسائي فيه

(1/226)


64 - { وعباد الرحمن } مبتدأ خبره { أولئك يجزون الغرفة } أو : { الذين يمشون على الأرض } وإضافتهم إلى { الرحمن } للتخصيص والتفضيل أو لأنهم الراسخون في عبادته على أن عباد جمع عابد كتاجر وتجار { هونا } هينين أو مشيا هينا مصدر وصف به والمعنى أنهم يمشون بسكينة وتواضع { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } تسلما منكم ومتاركة لكم لا خير بيننا ولا شر أو سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإثم ولا ينافيه آية القتال لتنسخه فإن المراد به الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام

(1/227)


64 - { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } في الصلاة وتخصيص البيوتة لأن العبادة بالليل أحمز وأبعد عن الرياء وتأخير القيام لروي وهو جمع قائم أو مصدر أجري مجراه

(1/227)


65 - { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما }
لازما ومنه الغريم لملازمته وهو إيذان بأنهم مع حسن مخالطتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق وجلون من العذاب مبتهلون إلى الله تعالى في صرفه عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم

(1/227)


66 - { إنها ساءت مستقرا ومقاما } أي بئست مستقرا وفيها ضمير مبهم يفسره المميز والمخصوص بالذم ضمير محذوف به ترتبط الجملة باسم إن أو أحزنت وفيها ضمير اسم أن ومستقرا حال أو تمييز والجملة تعليل للعلة الأولى أو تعليل ثان وكلاهما يحتملان الحكاية والابتداء من الله

(1/227)


67 - { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا } لم يجاوزوا حد الكرم { ولم يقتروا } ولم يضيقوا تضييق الشحيح وقيل الإسراف هو الإنفاق في المحارم والتقتير منع الواجب وقرأ ابن كثير و أبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء و نافع و ابن عامر والكوفيون بضم الياء وكسر التاء من أقتر وقرئ بالتشديد والكل { وكان بين ذلك قواما } وسطا عدلا سمي به لاستقامة الطرفين كما سمي سواء لاستوائهما وقرئ بالكسر وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص وهو خبر ثان أو حال مؤكدة ويجوز أن يكون الخبر بين ذلك لغوا وقيل إنه اسم { كان } لكنه مبني لإضافته إلى غير متمكن وهو ضعيف لأنه بمعنى القوام فيكون كالإخبار بالشيء عن نفسه

(1/227)


68 - { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله } أي حرمها بمعنى حرم قتلها { إلا بالحق } متعلق بالقتل المحذوف أو بلا يقتلونه { ولا يزنون } نفى عنهم أمهات المعاصي بعدما أثبت لهم أصول الطاعات إظهارا لكمال إيمانهم وإشعارا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك وتعريضا للكفرة بأضداده ولذلك عقبه بالوعيد تهديدا لههم فقال : { ومن يفعل ذلك يلق أثاما } جزاء إثم أو إثما بإضمار الجزاء وقرىء ( أياما ) أي شدائد يقال يوم ذو أيام أي صعب

(1/228)


69 - { يضاعف له العذاب يوم القيامة } بدل من { يلق } لأنه في معناه كقوله :
( متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا )
وقرأ أبو بكر بالرفع على بالاستئناف أو الحال وكذلك : { ويخلد فيه مهانا } وابن كثير و ويعقوب يضعف بالجزم ابن عامر بالرفع فيهما مع التشديد وحذف الألف في ( يضعف ) وقرئ { ويخلد } على بناء المفعول مخففا وقرئ مثقلا وتضعيف العذاب مضاعفته لانضمام المعصية إلى الكفر ويدل عليه قوله :

(1/228)


70 - { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعتهم أو يبدل ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة وقيل بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه أو بأن يثبت له بدل كل عقاب ثوابا { وكان الله غفورا رحيما } فلذلك يعفو عن السيئات ويثيب على الحسنات

(1/228)


71 - { ومن تاب } عن المعاصي بتركها والندم عليها { وعمل صالحا } يتلافى به ما فرط أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعة { فإنه يتوب إلى الله } يرجع إلى الله بذلك { متابا } مرضيا عند الله ماحيا للعقاب محصلا للثواب أو يتوب متابا إلى الله الذي يحب التائبين ويصطنع بهم أو فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعا حسنا وهو تعميم بعد تخصيص

(1/288)


72 - { والذين لا يشهدون الزور } لا يقيمون الشهادة الباطلة أ و لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل شركة فيه { وإذا مروا باللغو } ما يجب أن يلقى ويطرح { مروا كراما } معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية فيما يستهجن التصريح به

(1/229)


73 - { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم } بالوعظ أو القراءة { لم يخروا عليها صما وعميانا } لم يقيموا عليها غير واعين لها ولا متبصرين بما فيها كمن لا يسمع ولا يبصر بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية فالمراد من النفي نفي الحال دون الفعل كقولك : لا يلقاني زيد مسلما وقيل الهاء للمعاصي المدلول عليها { باللغو }

(1/229)


74 - { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل فإن المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سر بهم قلبه وقرت بهم عينه لما يرى من مساعدتهم له في الدين وتوقع لحوقهم به الجنة و { من } ابتدائية أو بيانية كقولك : رأيت منك أسدا وقرأ حمزة و أبو عمرو و الكسائي و أبو بكر ( وذريتنا ) وقرأ ابن عامر و الحرميان و حفص و يعقوب { وذرياتنا } بالألف وتنكير الـ { أعين } لإرادة تنكير الـ { قرة } تعظيما وتقليلها لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم { واجعلنا للمتقين إماما } يقتدون بنا في أمر الدين بإضافة العلم والتوفيق للعمل وتوحيده إما للدلالة على الجنس وعدم اللبس كقوله { ثم يخرجكم طفلا } أو لأنه مصدر في أصله أو لأن المراد واجعل كل واحد منا أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم وقيل جمع آم كصائم وصيام ومعناه قاصدين لهم مقتدين بهم

(1/229)


سورة الشعراء
75 - تعالى : { وهم في الغرفات آمنون } وللقراءة بها وقيل هي من أسماء الجنة { بما صبروا } بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات { ويلقون فيها تحية وسلاما } دعاء بالتعمير والسلامة أي يحييهم الملائكة ويسلمون عليهم أو يحيي بعضهم بعضا ويسلم عليه أو تبقية دائمة وسلامة من كل آفة وقرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر { يلقون } من لقي

(1/230)


76 - { خالدين فيها } لا يموتون فيها ولا يخرجون { حسنت مستقرا ومقاما } مقابل { ساءت مستقرا } معنى ومثله إعرابا

(1/230)


77 - { قل ما يعبأ بكم ربي } ما يصنع بكم من عبأت الجيش إذا هيأته أو لا يعتد بكم { لولا دعاؤكم } لولا عبادتكم فإن شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة وإلا فهو وسائر الحيوانات سواء وقيل معناه ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة إن جعلت استفهامية فمحلها النصب على المصدر كأنه قيل : أي عبء يعبأ بكم { فقد كذبتم } بما أخبرتكم به حيث خالفتموه وقيل فقد قصرتم في العبادة من قولهم : كذب القتال إذا لم يبالغ فيه وقرئ ( فقد كذب الكافرون ) أي الكافرون منكم لأن توجه الخطاب إلى الناس عامة بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب { فسوف يكون لزاما } يكون جزاء التكذيب لازما يحيق بكم لا محالة أو أثره لازما بكم حتى يكبكم في النار وإنا أضمر من غير ذكر للتهويل والتنبيه على أنه لا يكتنهه الوصف وقيل المراد قتل يوم بدر وأنه لزوم بين القتلى لزاما وقرئ ( لزاما ) ) بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت
[ عن النبي صلى الله عليه و سلم من قرأ سورة الفرقان لقي الله وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير نصب ]

(1/230)


1 - { طسم } قرأ حمزة و الكسائي و أبو بكر بالإمالة ونافع بين كراهة للعود إلى الياء المهروب منها وأظهر نونه حمزة لأنه في الأصل منفصل عما بعده

(1/231)


2 - { تلك آيات الكتاب المبين } الظاهر إعجازه وصحته والإشارة إلى السورة أو القرآن على ما قرر في أول ( البقرة )

(1/231)


3 - { لعلك باخع نفسك } قاتل نفسك وأصل البخع أن يبلغ بالذبح النخاع وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد الذبح وقرئ { باخع نفسك } بالإضافة ولعل للإشفاق أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة { أن لا يكونوا مؤمنين } لئلا يؤمنوا أو خيفة أن لا يؤمنوا

(1/231)


4 - { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } دلالة ملجئة إلى الإيمان أو بلية قاسرة عليه { فظلت أعناقهم لها خاضعين } منقادين وأصله فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الخبر على أصله وقيل لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم وقيل المراد بها الرؤساء أو الجماعات من قولهم : جاءنا عنق من الناس لفوج منهم وقرئ { خاشعة } و { ظلت } عطف على { ننزل } عطف وأكن على فأصدق لأنه لو قيل أنزلنا بدله لصح

(1/231)


5 - { وما يأتيهم من ذكر } موعظة أو طائفة من القرآن { من الرحمن } يوحيه إلى نبيه { محدث } مجدد إنزاله لتكرير التذكير وتنويع التقرير { إلا كانوا عنه معرضين } إلا جددوا إعراضا عنه وإصرارا على ما كانوا عليه

(1/232)


6 - { فقد كذبوا } أي بالذكر بعد إعراضهم وأمعنوا في تكذيبه بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به المخبر به عنهم ضمنا في قوله : { فسيأتيهم } أي إذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة { أنباء ما كانوا به يستهزئون } من أنه كان حقا أم باطلا وكان حقيقا بأن يصدق ويعظم قدره أو يكذب فيستخف أمره

(1/232)


7 - { أولم يروا إلى الأرض } أو لم ينظروا إلى عجائبها { كم أنبتنا فيها من كل زوج } صنف { كريم } محمود كثير المنفعة وهو صفة لكل ما يحمد ويرضى وهنا يحتمل أن تكون مقيدة لما يتضمن الدلالة على القدرة وأن تكون مبينة منبهة على أنه ما من نبت إلا وله فائدة إما وحده أو مع غيره و { كل } لإحاطة الأزواج { وكم } لكثرتها

(1/232)


8 - { إن في ذلك } إن في إنبات تلك الأصناف أو في كل واحد { لآية } على أن منبتها تام القدرة والحكمة سابغ النعمة والرحمة { وما كان أكثرهم مؤمنين } في علم الله وقضائه فلذلك لا ينفعهم أمثال هذه الآيات العظام

(1/232)


9 - { وإن ربك لهو العزيز } الغالب القدر على الانتقام من الكفرة { الرحيم } حيث أمهلهم أو العزيز في انتقامه ممن كفر الرحيم لمن تاب وآمن

(1/232)


10 - { وإذ نادى ربك موسى } مقدر باذكر أو ظرف لما بعده { أن ائت } أي { ائت } أو بأن { ائت } { القوم الظالمين } بالكفر واستعباد بني إسرائيل وذبح أولادهم

(1/232)


11 - { قوم فرعون } بدل من الأول أو عطف بيان له ولعل الاقتصار على القوم للعلم بأن فرعون كان أولى بذلك { ألا يتقون } استئناف أتبعه إرساله إليهم للإنذار تعجيبا له من إفراطهم في الظلم واجترائهم عليه وقرئ بالتاء على الالتفات إليهم زجرا لهم وغضبا عليهم وهم وإن كان غيبا حينئذ أجروا مجرى الحاضرين في كلام المرسل إليهم من حيث إنه مبلغه إليهم وإسماعه مبدأ إسماعهم مع ما فيه من مزيد الحث على التقوى لمن تدبره وتأمل مورده وقرئ بكسر النون اكتفاء بها عن ياء الإضافة ويحتمل أن يكون بمعنى ألا يا ناس اتقون كقوله : ألا يا اسجدوا

(1/232)


12 - { قال رب إني أخاف أن يكذبون }

(1/233)


13 - { ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون } رتب استدعاء ضم أخيه إليه وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة : خوف التكذيب وضيق القلب انفعالا عنه وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق لأنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين يقوي قلبه وينوب منابه متى تعتريه حتى لا تختل دعوته ولا تنبثر حجته وليس ذلك تعللا منه وتوقفا في تلقي الأمر بل طلبا لما يكون معونة على امتثاله وتمهيد عذره فيه وقرأ يعقوب { ويضيق } { ولا ينطلق } بالنصب عطفا على { يكذبون } فيكونان من جملة ما خاف منه

(1/233)


14 - { ولهم علي ذنب } أي تبعة ذنب فحذف المضاف أو سمي باسمه والمراد قتل القبطي وإنما سماه ذنبا على زعمهم وهذا اختصار قصته المبسوطة في مواضع { فأخاف أن يقتلون } به قبل أداء الرسالة وهو أيضا ليس تعللا وإنما هو استدفاع للبلية المتوقعة كما أن ذاك استمداد واستظهار في أمر الدعوة وقوله :

(1/233)


15 - { قال كلا فاذهبا بآياتنا } إجابة له إلى الطلبتين بوعده بدفع بلائهم اللازم ردعه عن الخوف وضم أخيه إليه في الإرسال والخطاب في { فاذهبا } على تغليب الحاضر لأنه معطوف على الفعل الذي يدل عليه { كلا } كأنه قيل : ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت والذي طلبته { إنا معكم } يعني موسى وهرون وفرعون { مستمعون } سامعون لما يجري بينكما وبينه فأظهركما عليه مثل نفسه تعالى بمن حضر مجادلة قوم استماعا لما يجري بينهم وترقبا لإمداد أوليائه منهم مبالغة في الوعد بالإعانة ولذلك تجوز بالاستماع الذي هو بمعنى الإصغاء للسمع الذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات وهو خبر ثان أو الخبر وحده { معكم } لغو

(1/233)


16 - { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } أفرد الرسول لأنه مصدر وصف به فإنه مشترك بين المرسل والرسالة قال الشاعر :
( لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول )
ولذلك ثنى تارة وأفرد أخرى أو لاتحادهما للأخوة أو لوحدة المرسل والمرسل به أو لأنه أراد أن كل واحد منا

(1/233)


17 - { أن أرسل معنا بني إسرائيل } أي أرسل لتضمن الرسول معنى الإرسال المتضمن معنى القول والمراد خلهم ليذهبوا معنا إلى الشام

(1/234)


18 - { قال } أي فرعون لموسى بعد ما أتياه فقالا له ذلك { ألم نربك فينا } في منازلنا { وليدا } طفلا سمي به لقربه من الولادة { ولبثت فينا من عمرك سنين } قيل لبث فيهم ثلاثين سنة ثم خرج إلى مدين عشر سنين ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله ثلاثين ثم بقي بعد الغرق خمسين

(1/234)


19 - { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني قتل القبطي وبخه به معظما إياه بعدما عدد عليه نعمته وقرئ فعلتك بالكسر لأنها كانت قتلة بالوكز { وأنت من الكافرين } بنعمتي حتى عمدت إلى قتل خواصي أو ممن تكفرهم الآن فإنه عليه الصلاة و السلام كان يعايشهم بالتقية فهو حال من إحدى التاءين ويجوز أن يكون حكما مبتدأ عليه بأنه من الكافرين بآلهيته أو بنعمته لما عاد عليه بالمخالفة أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم

(1/234)


20 - { قال فعلتها إذا وأنا من الضالين } من الجاهلين وقد قرئ به والمعنى من الفاعلين فعل أولي الجهل والسفه أو من الخاطئين لأنه لم يتعمد قتله أو من الذاهلين عما يؤول إليه الوكز لأنه أراد به التأديب أو الناسين من قوله تعالى : { أن تضل إحداهما }

(1/234)


21 - { ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما } حكمة { وجعلني من المرسلين } رد أولا بذلك ما وبخه به قدحا في نبوته ثم كر على ما عد عليه من النعمة ولم يصرح برده لأنه كان صدقا غير قادح في دعواه بل نبه على أنه كان في الحقيقة نقمة لكونه مسببا عنها فقال :

(1/234)


22 - { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي وتلك التربية نعمة تمنها علي ظاهرا وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل وقصدهم بذبح أبنائهم فإنه السبب في وقوعي إليك وحصولي في تربيتك وقيل إنه مقدر بهمزة الإنكار أي أو تلك النعمة تمنها علي وهي { أن عبدت } ومحل { أن عبدت } الرفع على أنه خبر محذوف أو بدل { نعمة } أو الجر بإضمار الباء أو النصب بحذفها وقيل تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة و { أن عبدت } عطف بيانها والمعنى : تعبيدك بني إسرائيل نعمة { تمنها } علي وإنما وحد الخطاب في تمنها وجمع فيما قبله لأن المنة كانت منه وحده والخوف والفرار منه ومن ملئه

(1/235)


23 - { قال فرعون وما رب العالمين } لما سمع جواب ما طعن به فيه ورأى أنه لم يرعو بذلك شرع في الاعتراض على دعواه فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل

(1/235)


24 - { قال رب السموات والأرض وما بينهما } عرفه بأظهر خواصه وآثاره لما امتنع تعريف الأفراد إلا بذكر الخواص والأفعال وإليه أشار بقوله :
{ إن كنتم موقنين } أي إن كنتم موقنين الأشياء محققين لها علمتم أن هذه الأجرام المحسوسة ممكنة لتركبها وتعددها وتغير أحوالها فلها مبدئ واجب لذاته وذلك المبدئ لا بد وأن يكون مبدأ لسائر الممكنات ما يمكن أن يحس بها وما لا يمكن وإلا لزم تعدد الواجب أو استغناء بعض الممكنات عنه وكلاهما محال ثم ذلك الواجب لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية لامتناع التعريف بنفسه وبما هو داخل فيه لاستحالة التركيب في ذاته

(1/235)


25 - { قال لمن حوله ألا تستمعون } جوابه سألته عن حقيقته وهو يذكر أفعاله أو يزعم أنه { رب السموات } وهي واجبة متحركة لذاتها كما هو مذهب الدهرية أو غير معلوم افتقارها إلى مؤثر

(1/235)


26 - { قال ربكم ورب آبائكم الأولين } عدولا إلى ما لا يمكن أن يتوهم فيه مثله ويشك في افتقاره إلى مصور حكيم ويكون أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل

(1/235)


27 - { قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } أسأله عن شيء ويجيبني عن آخر وسماه رسولا على السخرية

(1/236)


28 - { قال رب المشرق والمغرب وما بينهما } تشاهدون كل يوم أنه يأتي بالشمس من المشرق ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات { إن كنتم تعقلون } إن كان لكم عقل علمتم أن لا جواب لكم فوق ذلك لاينهم أولا ثم لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم وعارضهم بمثل مقالهم

(1/236)


29 - { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } عدولا إلى التهديد عن المحاجة بعد الانقطاع وهكذا ديدن المعاند المحجوج واستدل به على ادعائه الألوهية وإنكاره الصانع وأن تعجبه بقوله { ألا تستمعون } من نسبة الربوبية إلى غيره ولعله كان دهريا اعتقد أن من ملك قطرا أو تولى أمره بقوة طالعه استحق العبادة من أهله واللام في { المسجونين } للعهد أي ممن عرفت حالهم في سجوني فإنه كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا ولذلك جعل أبلغ من لأسجننك

(1/236)


30 - { قال أو لو جئتك بشيء مبين } أي أتفعل ذلك ولو جئتك بشيء يبين صدق دعواي يعني المعجزة فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته والدلالة على صدق مدعي نبوته فالواو للحال وليها الهمزة بعد - حذف الفعل

(1/236)


31 - { قال فأت به إن كنت من الصادقين } في أن لك بينة أو في دعواك فإن مدعي النبوة لا بد له من حجة

(1/236)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية