صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : معالم التنزيل
المؤلف : محيي السنة ، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي [ المتوفى 516 هـ ]
المحقق : حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الرابعة ، 1417 هـ - 1997 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحققين ]

فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31)

{ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) }

(7/391)


أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32)

{ أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) }
{ فمن الله علينا } بالمغفرة، { ووقانا عذاب السموم } قال الكلبي: عذاب النار. وقال الحسن: "السموم" اسم من أسماء جهنم .
{ إنا كنا من قبل } في الدنيا، { ندعوه } نخلص له العبادة، { إنه } قرأ أهل المدينة [والكسائي] (1) "أنه" بفتح الألف، أي: لأنه أو بأنه، وقرأ الآخرون بالكسر على الاستئناف، { هو البر } قال ابن عباس: اللطيف. وقال الضحاك: الصادق فيما وعد { الرحيم } .
{ فذكر } يا محمد بالقرآن أهل مكة، { فما أنت بنعمة ربك } برحمته وعصمته، { بكاهن } تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي، { ولا مجنون } نزلت في الذين اقتسموا عقاب مكة يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والجنون والشعر .
{ أم يقولون } بل يقولون، يعني: هؤلاء المقتسمين الخراصين، { شاعر } أي: هو شاعر، { نتربص به ريب المنون } حوادث الدهر وصروفه فيموت ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء، ويتفرق أصحابه وإن أباه مات شابا ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه، و"المنون" يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى الموت، سميا بذلك لأنهما يقطعان الأجل .
{ قل تربصوا } انتظروا بي الموت، { فإني معكم من المتربصين } [من المنتظرين] (2) حتى يأتي أمر الله فيكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف .
{ أم تأمرهم أحلامهم } عقولهم، { بهذا } وذلك أن عظماء قريش كانوا يوصفون بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم تتميز لهم معرفة الحق من الباطل، { أم هم } بل هم { قوم طاغون } .
__________
(1) ساقط من "ب".
(2) ساقط من "أ".

(7/391)


أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون (37)

{ أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون (37) }
{ أم يقولون تقوله } أي: يخلق القرآن من تلقاء نفسه، "والتقول"، تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب، ليس الأمر كما زعموا، { بل لا يؤمنون } بالقرآن استكبارا. ثم ألزمهم الحجة فقال: { فليأتوا بحديث مثله } ،أي: مثل القرآن ونظمه وحسن بيانه، { إن كانوا صادقين } أن محمدا يقوله من قبل نفسه .
{ أم خلقوا من غير شيء } قال ابن عباس: من غير رب، ومعناه: أخلقوا من غير شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق؟ وذلك مما لا يجوز أن يكون، لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم، فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق، { أم هم الخالقون } لأنفسهم وذلك في البطلان أشد، لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟
فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا فليؤمنوا به، ذكر هذا المعنى أبو سليمان الخطابي.
وقال الزجاج: معناه: أخلقوا باطلا لا يحاسبون ولا يؤمرون؟ وقال ابن كيسان: أخلقوا عبثا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون، فهو كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء أي: لغير شيء، أم هم الخالقون لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر؟
{ أم خلقوا السماوات والأرض } فيكونوا هم الخالقين، ليس الأمر كذلك، { بل لا يوقنون } .
{ أم عندهم خزائن ربك } قال عكرمة: يعني النبوة. قال مقاتل: أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ قال الكلبي: خزائن المطر والرزق، { أم هم المسيطرون } المسلطون الجبارون، قال عطاء: أرباب قاهرون فلا يكونوا تحت أمر ونهي، يفعلون ما شاؤوا. ويجوز بالسين والصاد جميعا، قرأ ابن عامر بالسين هاهنا وقوله: "بمسيطر"، وقرأ حمزة بإشمام الزاي فيهما، وقرأ ابن كثير هاهنا بالسين و "بمصيطر" بالصاد، وقرأ الآخرون بالصاد فيهما.

(7/392)


أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون (39) أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42)

{ أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون (39) أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) }
{ أم لهم سلم } مرقى ومصعد إلى السماء، { يستمعون فيه } أي يستمعون عليه الوحي، كقوله: "ولأصلبنكم في جذوع النخل"( طه-71 ) أي: عليها، معناه: ألهم سلم يرتقون به إلى السماء، فيستمعون الوحي ويعلمون أن ما هم عليه حق بالوحي، فهم مستمسكون به كذلك؟ { فليأت مستمعهم } إن ادعوا ذلك، { بسلطان مبين } حجة بينة.
{ أم له البنات ولكم البنون } هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله ما يكرهون، كقوله: "فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون"( الصافات-149 ) .
{ أم تسألهم أجرا } جعلا على ما جئتهم به ودعوتهم إليه من الدين، { فهم من مغرم مثقلون } أثقلهم ذلك المغرم الذي تسألهم، فمنعهم من ذلك عن الإسلام.
{ أم عندهم الغيب } أي: علم ما غاب عنهم، حتى علموا أن ما يخبرهم الرسول من أمر القيامة والبعث باطل.
وقال قتادة: هذا جواب لقولهم: "نتربص به ريب المنون"، يقول: أعندهم علم الغيب حتى علموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم يموت قبلهم؟ { فهم يكتبون } أي: يحكمون، والكتاب: الحكم، قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين تخاصما إليه: "أقضي بينكما بكتاب الله" (1) أي بحكم الله.
وقال ابن عباس: معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس به؟
{ أم يريدون كيدا } مكرا بك ليهلكوك؟ { فالذين كفروا هم المكيدون } أي: هم المجزيون بكيدهم، يريد أن ضرر ذلك يعود عليهم، ويحيق مكرهم بهم، وذلك أنهم مكروا به في دار الندوة فقتلوا ببدر.
__________
(1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود: 5 / 301، ومسلم في الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا برقم (1697-1698) 3 / 1324-1325، والمصنف في شرح السنة: 10 / 274-275.

(7/393)


أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون (46) وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48)

{ أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون (46) وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) }
{ أم لهم إله غير الله } 142/أ يرزقهم وينصرهم؟ { سبحان الله عما يشركون } قال الخليل: ما في هذه السورة من ذكر "أم" كله استفهام وليس بعطف.
{ وإن يروا كسفا } قطعة، { من السماء ساقطا } هذا جواب لقولهم: "فأسقط علينا كسفا من السماء"، يقول: لو عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم، { يقولوا } -لمعاندتهم-هذا، { سحاب مركوم } بعضه على بعض يسقينا.
{ فذرهم حتى يلاقوا } يعاينوا، { يومهم الذي فيه يصعقون } أي: يموتون، حتى يعاينوا الموت، قرأ ابن عامر وعاصم يصعقون بضم الياء، أي: يهلكون.
{ يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون } أي: لا ينفعهم كيدهم يوم الموت ولا يمنعهم من العذاب مانع.
{ وإن للذين ظلموا } [كفروا] (1) { عذابا دون ذلك } أي: عذابا في الدنيا قبل عذاب الآخرة. قال ابن عباس: يعني القتل يوم بدر، وقال الضحاك: هو الجوع والقحط سبع سنين. وقال البراء بن عازب: هو عذاب القبر. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن العذاب نازل بهم.
{ واصبر لحكم ربك } إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم، { فإنك بأعيننا } أي بمرأى منا، قال ابن عباس: نرى ما يعمل بك. وقال الزجاج: إنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مكروهك. { وسبح بحمد ربك حين تقوم } قال سعيد بن جبير وعطاء: أي: قل حين تقوم من مجلسك: سبحانك اللهم وبحمدك، فإن كان المجلس خيرا ازددت فيه إحسانا، وإن كان غير ذلك كان كفارة له (2) .
__________
(1) زيادة من "ب".
(2) ذكره القرطبي: 17 / 78، وابن الجوزي في زاد المسير: 8 / 60.

(7/394)


أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد القفال، أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل البرونجردي، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد الصيرفي، حدثنا أحمد بن عبدالله القرشي، حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جلس مجلسا وكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا كان كفارة لما بينهما" (1) .
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه صل لله حين تقوم من مقامك (2) .
وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" (3) .
أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا الحسن بن عرفة ويحيى بن موسى قال: حدثنا أبو معاوية عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" (4) .
وقال الكلبي: هو ذكر الله باللسان حين تقوم من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة.
أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا
__________
(1) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب ما يقول إذا قام من مجلسه: 9 / 392-394 وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه". وصححه ابن حبان برقم: (2366) ص (588)، والحاكم: 1 / 536-537، والمصنف في شرح السنة: 5 / 134. قال الحافظ ابن كثير: 4 / 264: "وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: إسناده على شرط مسلم إلا أن البخاري علله، قلت: علله الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم، ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جريج" وصححه الألباني في "صحيح الجامع" برقم (6192) وفي تعليقه على المشكاة (2433).
(2) انظر: البحر المحيط: 8 / 153، زاد المسير: 8 / 60 وكلها: "حين تقوم من منامك".
(3) أخرجه الطبري: 27 / 38. وذكره ابن كثير: 4 / 246، أبو حيان في البحر المحيط: 8 / 153، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 637 نسبته لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن الضحاك.
(4) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة: 2 / 50-51 وقال أبو عيسى: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة تكلم فيه من قبل حفظه"، وابن ماجه في الإقامة، باب افتتاح الصلاة برقم: (806): 1 / 265. وأخرجه النسائي في الصلاة، باب الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة: 2 / 132، والإمام أحمد: 3 / 69 كلاهما عن أبي سعيد.

(7/395)


ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49)

محمد بن نافع، حدثنا زيد بن حباب، أخبرني معاوية بن صالح، أخبرنا أزهر بن سعيد الحرازي عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها بأي شيء كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل؟ فقالت: كان إذا قام كبر الله عشرا، وحمد الله عشرا، وسبح الله عشرا، وهلل عشرا، واستغفر عشرا، وقال: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني، ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة" (1) .
{ ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49) }
{ ومن الليل فسبحه } أي: صل له، قال مقاتل: يعني صلاة المغرب والعشاء. { وإدبار النجوم } يعني الركعتين قبل صلاة الفجر، وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح، هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: هو فريضة صلاة الصبح.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور (2) .
__________
(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء: 1 / 373، والنسائي في قيام الليل، باب ذكر ما يستفتح به القيام: 3 / 208-209، وابن ماجه في الإقامة، باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل برقم: (1356): 1 / 431.
(2) أخرجه مالك في الموطأ كتاب الصلاة، باب القراءة في المغرب والعشاء: 1 / 78، والبخاري في الأذان، باب الجهر في المغرب 2 / 247، ومسلم في الصلاة، باب القراءة في الصبح برقم (463): 1 / 338. وانظر فيما سبق ص 386 مع التعليق رقم (5).

(7/396)


والنجم إذا هوى (1)

سورة النجم مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ والنجم إذا هوى (1) }
{ والنجم إذا هوى } قال ابن عباس في رواية الوالبي والعوفي: يعني الثريا إذا سقطت وغابت، وهويه مغيبه والعرب تسمي الثريا نجما.
وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رفع" (2) وأراد بالنجم الثريا.
وقال مجاهد: هي نجوم السماء كلها حين تغرب لفظه واحد ومعناه الجمع، سمي الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نجم السن والقرن والنبت: إذا طلع.
وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه الرجوم من النجوم يعني ما ترمى به الشياطين عند استراقهم السمع.
__________
(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة النجم بمكة. انظر: الدر المنثور: 7 / 639.
(2) أخرجه الإمام أحمد: 2 / 341 و388 بلفظ: (إذا طلع النجم ذا صباح رفعت العاهة). ورمز السيوطي لحسنه في الجامع الصغير (5 / 454) مع فيض القدير. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 4 / 103 "رواه كله أحمد والطبراني في الصغير ولفظه: "إذا ارتفع النجم رفعت العاهة عن كل بلد" وبنحوه في الأوسط، وفيه عسل بن صفوان: وثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح". وأخرجه الإمام محمد بن الحسن الشيباني بسند رجاله ثقات في كتاب الآثار صفحة:(159)، والطحاوي في مشكل الآثار: (3 / 91). وأخرجه ابن عدي في الكامل: 7 / 2478. وانظر: مشكل الآثار:3 / 92، شرح مسند أبي حنيفة لملا على القاري صفحة: (141)، سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني: 1 / 389-390.

(7/397)


ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7)

وقال أبو حمزة الثمالي: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة. وقيل: المراد بالنجم القرآن سمي نجما لأنه نزل نجوما متفرقة في عشرين سنة، وسمي التفريق: تنجيما، والمفرق: منجما، هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول الكلبي.
"الهوي": النزول من أعلى إلى أسفل. وقال الأخفش: "النجم" هو النبت الذي لا ساق له، ومنه قوله عز وجل: "والنجم والشجر يسجدان"( الرحمن-6 ) ، وهويه سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم إذ نزل من السماء ليلة المعراج، و"الهوي": النزول، يقال: هوى يهوي هويا [إذا نزل] (1) مثل مضى يمضي مضيا.
{ ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) }
وجواب القسم: قوله: { ما ضل صاحبكم } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ما ضل عن طريق الهدى { وما غوى. } { وما ينطق عن الهوى } أي: بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول القرآن من تلقاء نفسه.
{ إن هو } ما نطقه في الدين، وقيل: القرآن { إلا وحي يوحى } أي: وحي من الله يوحى إليه.
142/ب { علمه شديد القوى } جبريل، والقوى جمع القوة.
{ ذو مرة } قوة وشدة في خلقه يعني جبريل. قال ابن عباس: ذو مرة يعني: ذو منظر حسن. وقال مقاتل: ذو خلق طويل حسن. { فاستوى } يعني: جبريل.
{ وهو } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وأكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا أن يظهروا كناية المعطوف عليه، فيقولون (2) استوى هو وفلان، وقلما يقولون: استوى وفلان نظير هذا قوله: "أئذا كنا ترابا وآباؤنا"( النمل-67 ) عطف الآباء على المكنى في "كنا" من غير إظهار نحن، ومعنى الآية: استوى جبريل ومحمد عليهما السلام ليلة المعراج { بالأفق الأعلى } وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس، وقيل: "فاستوى" يعني جبريل، وهو كناية عن جبريل أيضا أي: قام في صورته التي خلقه
__________
(1) زيادة من "ب".
(2) في النسختين: فيقول.

(7/400)


ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9)

الله، وهو بالأفق الأعلى، وذلك أن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على الصورة التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، والمراد بالأعلى جانب المشرق، وذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه، فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، وهو قوله: "ثم دنا فتدلى" وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (1) .
{ ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) }
قوله عز وجل: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى } اختلفوا في معناه:
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن ابن الأشوع عن الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة فأين قوله: "ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى"؟ قالت: "ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسد الأفق" (2) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا زائدة عن الشيباني قال: سألت زرا عن قوله: "فكان قاب قوسين أو أدنى"، قال: أخبرنا عبد الله -يعني ابن مسعود-أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح (3) .
فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض "فتدلى" فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فكان منه "قاب قوسين أو أدنى"، بل أدنى، وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة، قيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: ثم تدلى فدنا؛ لأن التدلي سبب الدنو (4) .
وقال آخرون: ثم دنا الرب عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى، فقرب منه حتى كان قاب
__________
(1) انظر: القرطبي: 17 / 87.
(2) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم "آمين" والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه: 6 / 313.
(3) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب (فأوحى إلى عبده ما أوحى)8 / 610 وفي بدء الخلق: 6 / 313.
(4) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي:2 / 187-188، معاني القرآن للفراء: 3 / 95-96.

(7/401)


فأوحى إلى عبده ما أوحى (10)

قوسين أو أدنى. وروينا في قصة المعراج عن شريك بن عبدالله عن أنس: ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى (1) . وهذا رواية ابن سلمة عن ابن عباس، "والتدلي" هو النزول إلى الشيء حتى يقرب منه.
وقال مجاهد: دنا جبريل من ربه (2) .
وقال الضحاك: دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه فتدلى فأهوى للسجود، فكان منه قاب قوسين أو أدنى.
ومعنى قوله: "قاب قوسين" أي قدر قوسين، و"القاب" و"القيب" و"القاد" و"القيد": عبارة عن المقدار، و"القوس": ما يرمى به في قول الضحاك ومجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، فأخبر أنه كان بين جبريل وبين محمد عليهما السلام مقدار قوسين، قال مجاهد: معناه حيث الوتر من القوس، وهذا إشارة إلى تأكيد القرب. وأصله: أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما، يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه.
وقال عبد الله بن مسعود: "قاب قوسين" أي: قدر ذراعين، وهو قول سعيد بن جبير وشقيق بن سلمة، و"القوس": الذراع يقاس بها كل شيء، "أو أدنى": بل أقرب.
{ فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) }
{ فأوحى } أي: أوحى الله { إلى عبده } محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى، قال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، والحسن، والربيع، وابن زيد: معناه: أوحى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه عز وجل (3) .
قال سعيد بن جبير: أوحى إليه: "ألم يجدك يتيما فآوى"( الضحى-6 ) إلى قوله تعالى: "ورفعنا لك ذكرك"،( الشرح-4 ) وقيل: أوحى إليه: إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك (4) .
__________
(1) لمعرفة ما قاله أهل العلم في رواية شريك بن عبدالله وأوهامه في ألفاظ حديث المعراج انظر: فتح الباري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله عز وجل: (وكلم الله موسى تكليما): 13 / 478-480، ابن كثير: 4 / 250، الأسماء والصفات للبيهقي: 2 / 187.
(2) انظر: الأسماء والصفات: 2 / 188.
(3) انظر: الطبري:27 / 47، الأسماء والصفات: 2 / 182.
(4) ذكر القولين الحافظ ابن كثير: 4 / 250.

(7/402)


ما كذب الفؤاد ما رأى (11)

{ ما كذب الفؤاد ما رأى (11) }
{ ما كذب الفؤاد ما رأى } قرأ أبو جعفر "ما كذب الفؤاد" بتشديد الذال أي: ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رأى بعينه تلك الليلة، بل صدقه وحققه، وقرأ الآخرون بالتخفيف أي: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم الذي رأى بل صدقه، يقال: كذبه إذا قال له الكذب مجازه: ما كذب الفؤاد فيما رأى، واختلفوا في الذي رآه، فقال قوم: رأى جبريل، وهو قول ابن مسعود وعائشة.
أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص هو ابن غياث عن الشيباني عن زر عن عبدالله قال: "ما كذب الفؤاد ما رأى" قال: رأى جبريل له ستمائة جناح (1) .
وقال آخرون: هو الله عز وجل. ثم اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول ابن عباس.
أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن حجاج، حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس: "ما كذب الفؤاد ما رأى". "ولقد رآه نزلة أخرى" قال: رآه بفؤاده مرتين (2) .
وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه 143/أ وهو قول أنس والحسن وعكرمة، قالوا: رأى محمد ربه (3) ، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم بالرؤية (4) .
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، وتحمل الآية على رؤيته جبريل عليه السلام:
__________
(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب ذكر سدرة المنتهى برقم: (174): 1 / 158، والبخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب (فأوحى إلى عبده ما أوحى): 8 / 610.
(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى000) برقم: (176): 1 / 158.
(3) ذكر ذلك ابن كثير:4 / 251 وقال: "فيه نظر والله أعلم" وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 647 لابن مردويه.
(4) أخرجه الطبري: 27 / 48.

(7/403)


أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14)

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر عن مسروق قال: قلت لعائشة يا أماه هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت: أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير"،( الأنعام-103 ) "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب"( الشورى-51 ) ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا"( لقمان-34 ) ومن حدثك أنه كتم شيئا فقد كذب، ثم قرأت: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"( المائدة-67 ) الآية، ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين (1) .
أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبدالله بن [شقيق] (2) عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه" (3) .
{ أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) }
{ أفتمارونه على ما يرى } قرأ حمزة والكسائي ويعقوب: "أفتمرونه" بفتح التاء [وسكون الميم] (4) بلا ألف، أي: أفتجحدونه، تقول العرب: مريت الرجل حقه إذا جحدته، وقرأ الآخرون: "أفتمارونه" بالألف وضم التاء على معنى أفتجادلونه على ما يرى وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به، والمعنى: أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما رآه وعلمه .
{ ولقد رآه نزلة أخرى } يعني: رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء نزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء.
{ عند سدرة المنتهى } وعلى قول ابن عباس معنى: "نزلة أخرى" هو أنه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة لمسأله التخفيف من أعداد الصلوات، فيكون لكل عرجة نزلة، فرأى ربه
__________
(1) أخرجه البخاري في التفسير-تفسير سورة النجم: 8 / 606.
(2) في "أ" سفيان وهو خطأ.
(3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله عليه السلام: نور أنى أراه، وفي قوله: رأيت نورا. برقم: (178): 1 / 161.
(4) زيادة من "ب".

(7/404)


في بعضها، وروينا عنه: "أنه رأى ربه بفؤاده مرتين" (1) وعنه: "أنه رأى بعينه" (2) قوله: "عند سدرة المنتهى" روينا عن عبدالله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، قال تعالى: "عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى"، قال: فراش من ذهب (3) .
وروينا في حديث المعراج: "ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام فسلمت عليه، ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة" (4) .
"والسدرة" شجرة النبق، وقيل لها: سدرة المنتهى لأنه إليها ينتهي علم الخلق. قال هلال بن [يساف] (5) : سأل ابن عباس كعبا عن سدرة المنتهى وأنا حاضر، فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله (6) .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا المسوحي، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا يونس بن بكير، أخبرنا محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر سدرة المنتهى، قال: "يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة عام ويستظل في الفنن منها مائة ألف راكب، فيها فراش من ذهب، كأن ثمرها القلال" (7) .
وقال مقاتل: هي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان، لو أن ورقة وضعت منها في الأرض لأضاءت لأهل الأرض، وهي طوبى التي ذكرها الله تعالى في سورة الرعد .
__________
(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى00) برقم: (176):1 / 158.
(2) ساق الحافظ ابن كثير رواية الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما "رأيت ربي عز وجل" وقال: "حديث إسناده على شرط الصحيح لكنه مختصر من حديث المنام": 4 / 252، ثم قال في الصفحة التالية: "وتقدم أن ابن عباس -رضي الله عنهما- كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء، ويستشهد بهذه الآية (ولقد رآه نزلة أخرى) وتابعه جماعة من السلف والخلف وقد خالفه جماعات من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وغيرهم".
(3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى برقم: (173): 1 / 157.
(4) قطعة من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه في المعراج، أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة،6 / 302-303، ومسلم في الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات برقم: (162): 1 / 145-147.
(5) في "ب" يسار والصحيح ما أثبتناه.
(6) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 650 لابن أبي شيبة.
(7) أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة ثمار الجنة: 7 / 248-249 وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، والطبري: 27 / 54-55، والحاكم: 2 / 469 وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 650 عزوه لابن مردويه.

(7/405)


عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18)

{ عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) }
{ عندها جنة المأوى } قال عطاء عن ابن عباس: جنة يأوي إليها جبريل والملائكة. وقال مقاتل والكلبي: يأوي إليها أرواح الشهداء.
{ إذ يغشى السدرة ما يغشى } قال ابن مسعود: فراش من ذهب.
وروينا في حديث المعراج عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشى من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، وأوحى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة" (1) .
وقال مقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان وقال السدي: من الطيور. وروي عن أبي العالية عن أبي هريرة رضي الله عنه أو غيره قال: غشيها نور الخلائق وغشيتها الملائكة من حب الله أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة. قال: فكلمه عند ذلك، فقال له: سل (2) . وعن الحسن قال: غشيها نور رب العزة فاستنارت. ويروى في الحديث: "رأيت على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح الله تعالى" (3) .
{ ما زاغ البصر وما طغى } أي: ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم يمينا ولا شمالا وما طغى، أي ما جاوز ما رأى. وقيل: ما جاوز ما أمر به وهذا وصف أدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبا.
{ لقد رأى من آيات ربه الكبرى } يعني: الآيات العظام. وقيل: أراد ما رأى تلك الليلة في مسيره وعوده، دليله قوله: "لنريه من آياتنا"،( الإسراء-1 ) وقيل: معناه لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى.
أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبيدالله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا
__________
(1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم000 برقم: (162): 1 / 145-146.
(2) أخرجه الطبري: 27 / 56، وانظر تفسير ابن كثير: 4 / 253.
(3) أخرجه الطبري: 27 / 56.

(7/406)


أفرأيتم اللات والعزى (19)

شعبة عن سليمان الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبدالله قال: لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال: رأى (1) جبريل في صورته له ستمائة جناح (2) .
وأخبرنا عبدالواحد المليحي، 143/ب أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمرو، حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة [عن عبدالله] (3) "لقد رأى من آيات ربه الكبرى"؟ قال: رأى رفرفا أخضر سد أفق السماء (4) .
{ أفرأيتم اللات والعزى (19) }
قوله عز وجل: { أفرأيتم اللات والعزى } هذه أسماء (5) أصنام اتخذوها آلهة يعبدونها، اشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله: اللات، ومن العزيز: العزى. وقيل: العزى: تأنيث الأعز، أما "اللات" قال قتادة: كانت بالطائف، وقال ابن زيد: بيت بنخلة كانت قريش تعبده (6) .
وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: "اللات" بتشديد التاء، وقالوا: كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه (7) .
وقال مجاهد: كان في رأس جبل له غنيمة يسلأ منها السمن ويأخذ منها الأقط، ويجمع رسلها (8) ثم يتخذ منها حيسا فيطعم منه الحاج، وكان ببطن نخلة، فلما مات عبدوه، وهو اللات (9) .
وقال الكلبي: كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم، وكان يسلأ السمن فيضعها على صخرة ثم تأتيه العرب فتلت به أسوقتهم، فلما مات الرجل حولتها ثقيف إلى منازلها فعبدتها، فسدرة الطائف على موضع اللات.
وأما "العزى": قال مجاهد: هي شجرة بغطفان كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فجعل خالد بن الوليد يضربها بالفأس ويقول:
__________
(1) ساقط من "أ".
(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى برقم: (174): 1 / 158.
(3) ساقط من "أ".
(4) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) 8 / 611.
(5) ساقط من "أ".
(6) ذكر هذين القولين الطبري: 27 / 58-59.
(7) أخرج البخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب: (أفرأيتم اللات والعزى): 8 / 611 المقطع الأول (كان اللات رجلا يلت سويق الحاج).
(8) الرسل: اللبن.
(9) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 653 لسعيد بن منصور والفاكهي.

(7/407)


ومناة الثالثة الأخرى (20)

يا عز كفرانك لا سبحانك
إني رأيت الله قد أهانك
فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها.
ويقال: إن خالدا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قلعتها، فقال: ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما قلعت، فعاودها فعاد إليها ومعه المعول فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها امرأة عريانة، فقتلها ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال: "تلك العزى ولن تعبد أبدا" (1) .
وقال الضحاك: هي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنه قدم مكة فرأى الصفا والمروة، ورأى أهل مكة يطوفون بينهما، فعاد إلى بطن نخلة، وقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم، ولهم إله يعبدونه وليس لكم، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم كذلك، فأخذ حجرا من الصفا وحجرا من المروة ونقلهما إلى نخلة، فوضع الذي أخذ من الصفا، فقال: هذا الصفا، ثم وضع الذي أخذه من المروة، فقال: هذه المروة، ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة، فقال: هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة، حتى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فأمر برفع الحجارة، وبعث خالد بن الوليد إلى العزى فقطعها.
وقال ابن زيد: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف.
{ ومناة الثالثة الأخرى (20) }
{ ومناة } قرأ ابن كثير بالمد والهمزة، وقرأ العامة بالقصر غير مهموز، لأن العرب سمت زيد مناة وعبد مناة، ولم يسمع فيها المد. قال قتادة: هي لخزاعة كانت بقديد، قالت عائشة رضي الله عنها في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، وكانت حذو قديد. قال ابن زيد: بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب. قال الضحاك: مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة. وقال بعضهم: اللات والعزى ومناة: أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها (2) .
واختلف القراء في الوقف على اللات ومناة: فوقف بعضهم عليهما بالهاء وبعضهم بالتاء. وقال بعضهم: ما كتب في المصحف بالتاء يوقف عليه بالتاء، وما كتب بالهاء فيوقف عليه بالهاء.
__________
(1) عزاه صاحب الفتح السماوي: 3 / 907 لابن مردويه.
(2) ذكر بعض هذه الأقوال: الطبري"27 / 59-60، البحر المحيط: 8 / 161، زاد المسير: 8 / 72، ثم قال صاحب البحر المحيط: 8 / 161 بعد أن ذكر ما قيل في مواضع هذه الأصنام: "هذا اضطراب كثير في هذه الأوثان ومواضعها والذي يظهر أنها كانت ثلاثتها في الكعبة لأن المخاطب بذلك في قوله (أفرأيتم)هم قريش".

(7/408)


ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23)

وأما قوله: { الثالثة الأخرى } [فالثالثة] (1) نعت لمناة، أي: الثالثة للصنمين في الذكر، وأما الأخرى فإن العرب لا تقول الثالثة الأخرى، إنما الأخرى هاهنا نعت للثانية. قال الخليل: فالياء لوفاق رؤوس الآي، كقوله: "مآرب أخرى"( طه-18 ) ولم يقل: أخر. وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة.
ومعنى الآية: "أفرأيتم": أخبرونا يا أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله، قال الكلبي: كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام والملائكة بنات الله، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك.
{ ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23) }
فقال الله تعالى منكرا عليهم: { ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى } قال ابن عباس وقتادة: أي قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم. قال مجاهد ومقاتل: قسمة عوجاء. وقال الحسن: غير معتدلة.
قرأ ابن كثير: "ضئزى" بالهمز، وقرأ الآخرون بغير همز.
قال الكسائي: يقال منه ضاز يضيز ضيزا، وضاز يضوز ضوزا، وضاز يضاز ضازا إذا ظلم ونقص، وتقدير ضيزى من الكلام فعلى بضم الفاء، لأنها صفة والصفات لا تكون إلا على فعلى بضم الفاء، نحو حبلى وأنثى وبشرى، أو فعلى بفتح الفاء، نحو غضبى وسكرى وعطشى، وليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت، إنما يكون في الأسماء، مثل: ذكرى وشعرى، وكسر الضاد هاهنا لئلا تنقلب الياء واوا وهي من بنات الياء كما قالوا في جمع أبيض بيض، والأصل بوض مثل حمر وصفر، فأما من قال: ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى مثل شورى.
{ إن هي } ما هذه الأصنام { إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } حجة بما تقولون إنها آلهة. ثم رجع إلى الخبر بعد المخاطبة فقال: { إن يتبعون إلا الظن } في قولهم إنها آلهة { وما تهوى الأنفس } وما زين لهم الشيطان { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة، فإن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار.
__________
(1) زيادة من "ب".

(7/409)


أم للإنسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (26)

{ أم للإنسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (26) }

(7/410)


إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30)

{ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) }
{ أم للإنسان ما تمنى } أيظن الكافر أن له ما يتمنى ويشتهي من شفاعة الأصنام؟
{ فلله الآخرة والأولى } ليس كما ظن الكافر وتمنى، بل لله الآخرة والأولى، لا يملك أحد فيهما شيئا إلا بإذنه .
{ وكم من ملك في السماوات } يعبدهم هؤلاء الكفار ويرجون شفاعتهم عند الله { لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله } في الشفاعة { لمن يشاء ويرضى } أي: من أهل التوحيد. قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. وجمع الكناية في قوله: "شفاعتهم" والملك واحد؛ لأن المراد من قوله: "وكم من ملك" 144/أ الكثرة، فهو كقوله: "فما منكم من أحد عنه حاجزين"( الحاقة-47 ) .
{ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } أي: بتسمية الأنثى حين قالوا: إنهم بنات الله.
{ وما لهم به من علم } قال مقاتل: [معناه] (1) ما يستيقنون أنهم [بنات الله] (2) { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } "والحق" بمعنى العلم، أي: لا يقوم الظن مقام العلم. وقيل: "الحق" بمعنى العذاب، [أي: أظنهم لا ينقذهم من العذاب شيء] (3) .
{ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } يعني القرآن. وقيل: الإيمان { ولم يرد إلا الحياة الدنيا. } .
ثم صغر رأيهم فقال: { ذلك مبلغهم من العلم } أي: ذلك نهاية علمهم وقدر عقولهم أن
__________
(1) ساقط من "ب".
(2) في "ب" إناث.
(3) في "ب": (إن ظنهم لا ينقذهم من العذاب).

(7/410)


ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32)

آثروا الدنيا على الآخرة.
وقيل: لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله، وأنها تشفع لهم، فاعتمدوا على ذلك وأعرضوا عن القرآن.
{ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } أي: هو عالم بالفريقين فيجازيهم.
{ ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) }
{ ولله ما في السموات وما في الأرض } وهذا معترض بين الآية الأولى وبين قوله: { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا } فاللام في قوله: "ليجزي" متعلق بمعنى الآية الأولى؛ لأنه إذا كان أعلم بهم جازى كلا بما يستحقه، الذين أساؤوا وأشركوا: بما عملوا من الشرك { ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } وحدوا ربهم: "بالحسنى" بالجنة. وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك، ولذلك قال: "ولله ما في السموات وما في الأرض".
ثم وصفهم فقال: { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } اختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: هذا استثناء صحيح، واللمم من الكبائر والفواحش، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة [ومجاهد، والحسن] (1) ، ورواية عطاء عن ابن عباس (2) .
قال عبدالله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك (3) .
وقال السدي قال أبو صالح: سئلت عن قول الله تعالى: "إلا اللمم"، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم (4) .
__________
(1) ساقط من "أ".
(2) انظر: ابن كثير: 4 / 257، القرطبي: 17 / 107، زاد المسير: 8 / 76.
(3) أخرجه الطبري: 27 / 67، وذكره القرطبي: 17 / 108.
(4) أخرجه عبد بن حميد انظر: ابن كثير: 4 / 257.

(7/411)


وروينا عن عطاء عن ابن عباس في قوله: "إلا اللمم"، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما" (1) .
وأصل "اللمم والإلمام": ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين، ولا يكون إعادة، ولا إقامة.
وقال آخرون: هذا استثناء منقطع، مجازه: لكن اللمم، ولم يجعلوا اللمم من الكبائر والفواحش، ثم اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم الله به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس يعملون معنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم (2) .
وقال بعضهم: هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا، وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، ورواية طاووس عن ابن عباس (3) .
أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمود بن غيلان، أخبرنا عبدالرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه" (4) .
ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد: "العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد [زناها] (5) البطش، والرجل زناها الخطى" (6) .
__________
(1) أخرجه الترمذي في التفسير - تفسير سورة والنجم: 9 / 172 وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق"، والطبري: 27 / 66، والحاكم: 2 / 469-470 وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 656 أيضا لسعيد بن منصور، والبيهقي في الشعب، والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. والبيت لأمية بن أبي الصلت.
(2) ذكره الطبري: 27 / 64 عن ابن زيد، وذكر عن زيد بن أسلم: 27 / 65 قوله: "كبائر الشرك والفواحش: والزنى، تركوا ذلك حين دخلوا في الإسلام، فغفر الله لهم ما كانوا ألموا به وأصابوا من ذلك قبل الإسلام". وانظر: ابن كثير: 4 / 257، البحر المحيط: 8 / 164، القرطبي: 17 / 108.
(3) انظر: زاد المسير: 8 / 76.
(4) أخرجه البخاري في الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج: 11 / 26، ومسلم في القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره برقم: (2657): 4 / 2046 والمصنف في شرح السنة: 1 / 136-137.
(5) ساقط من "ب".
(6) أخرجه مسلم في القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، برقم: (2657): 4 / 2047.

(7/412)


أفرأيت الذي تولى (33)

وقال الكلبي: "اللمم" على وجهين: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر والفواحش (1) ، والوجه الآخر هو: الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه (2) .
وقال سعيد بن المسيب: هو ما لم على القلب أي خطر (3) .
وقال الحسين بن الفضل: "اللمم" النظرة من غير تعمد، فهو مغفور، فإن أعاد النظرة فليس بلمم وهو ذنب (4) .
{ إن ربك واسع المغفرة } قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب، تم الكلام هاهنا، ثم قال: { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض } أي خلق أباكم آدم من التراب { وإذ أنتم أجنة } جمع جنين، سمي جنينا لاجتنانه في البطن { في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم } قال ابن عباس: لا تمدحوها. قال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم، لا تبرؤوها عن الآثام، ولا تمدحوها بحسن أعمالها (5) .
قال الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (6) { هو أعلم بمن اتقى } أي: بر وأطاع وأخلص العمل لله تعالى.
{ أفرأيت الذي تولى (33) }
قوله عز وجل: { أفرأيت الذي تولى } نزلت في الوليد بن المغيرة، كان قد اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض المشركين وقال له: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن الذي عاتبه إن هو [وافقه] (7) أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل
__________
(1) ذكره صاحب البحر المحيط: 8 / 164، وانظر: الطبري: 27 / 68، جزء تفسير القرآن ليحيى بن يمان ونافع ومسلم بن خالد الزنجي ص (61).
(2) ذكره القرطبي: 17 / 108.
(3) انظر: القرطبي: 17 / 108، زاد المسير: 8 / 76.
(4) انظر: زاد المسير: 8 / 76.
(5) ذكره القرطبي: 17 / 110، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 658 لابن أبي شيبة.
(6) انظر زاد المسير: 8 / 77.
(7) ساقط من "أ".

(7/413)


وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37)

عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله عز وجل (1) "أفرأيت الذي تولى" أدبر عن الإيمان.
{ وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) }
{ وأعطى } صاحبه { قليلا وأكدى } بخل بالباقي.
وقال مقاتل: "أعطى" يعني الوليد "قليلا" من الخير بلسانه، ثم "أكدى": يعني قطعه وأمسك ولم يقم على العطية.
وقال السدي: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه كان ربما يوافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور (2) .
وقال محمد بن كعب 144/ب القرظي نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق (3) ، فذلك قوله: "وأعطى قليلا وأكدى" أي لم يؤمن به، ومعنى "أكدى": يعني قطع، وأصله من الكدية، وهي حجر يظهر في البئر يمنع من الحفر، تقول العرب: أكدى الحافر وأجبل، إذا بلغ في الحفر الكدية والجبل.
{ أعنده علم الغيب فهو يرى } ما غاب عنه ويعلم أن صاحبه يتحمل عنه عذابه.
{ أم لم ينبأ } لم يخبر { بما في صحف موسى } يعني: أسفار التوراة.
{ وإبراهيم } في صحف إبراهيم عليه السلام { الذي وفى } تمم وأكمل ما أمر به.
قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه إلى خلقه (4)
قال مجاهد: وفى بما فرض عليه (5) .
__________
(1) ذكره الطبري: 27 / 70، الواحدي في أسباب النزول صفحة: (461)، القرطبي: 17 / 111.
(2) ذكره صاحب البحر المحيط: 8 / 166، القرطبي: 17 / 111-112، زاد المسير: 8 / 78.
(3) في المواضع السابقة.
(4) ذكره الطبري: 27 / 72. وانظر: ابن كثير:4 / 258، البحر المحيط: 8 / 167، القرطبي: 17 / 113.
(5) أخرجه الطبري: 27 / 73. وانظر: الدر المنثور: 7 / 660، زاد المسير: 8 / 80.

(7/414)


ألا تزر وازرة وزر أخرى (38)

قال الربيع: وفى رؤياه وقام بذبح ابنه (1) .
وقال عطاء الخراساني: استكمل الطاعة. وقال أبو العالية: وفى سهام الإسلام. وهو قوله: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن"،( البقرة-124 ) والتوفية الإتمام. وقال الضحاك: وفى ميثاق المناسك.
أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الخيري، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري، حدثنا إسحاق بن منصور عن إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إبراهيم الذي وفى [صلى] (2) أربع ركعات أول النهار" (3) .
أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو جعفر الشيباني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" (4) .
{ ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) }
ثم بين ما في صحفهما فقال: { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ومعناه: لا تؤخذ نفس بإثم غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة بأنه يحمل عنه الإثم.
__________
(1) ذكره صاحب البحر المحيط: 8 / 167.
(2) ساقط من "ب".
(3) أخرجه الطبري: 27 / 73، قال ابن كثير:4 / 259 "رواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير وهو ضعيف". وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 660 أيضا لسعيد بن منصور وعبد بن حميد.
(4) أخرجه الترمذي في الوتر، باب ما جاء في صلاة الضحى: 2 / 585، قال أبو عيسى: "هذا حديث غريب"، وأخرجه أبو داود في التطوع: 2 / 85 عن نعيم بن همار، قال المنذري: "أخرجه الترمذي من حديث أبي الدرداء وأبي ذر، وقال حسن غريب، هذا آخر كلامه، وفي إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال، ومن الأئمة من يصحح حديثه عن الشاميين، وهذا الحديث شامي الإسناد وحديث نعيم بن همار: قد اختلف الرواة فيه اختلافا كثيرا، وقد جمعت طرقه في جزء مفرد". وعلم من كلام المنذري هذا أن في نسخة الترمذي التي كانت عنده كان فيها: "هذا حديث حسن غريب". انظر: تحفة الأحوذي: 2 / 585-586. وأخرجه الإمام أحمد: 5 / 286 عن نعيم بن همار الغطفاني.

(7/415)


وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39)

وروى عكرمة عن ابن عباس قال: كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره، كان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده، حتى كان إبراهيم عليه السلام فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله: "ألا تزر وازرة وزر أخرى".
{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) }
{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } أي: عمل، كقوله: "إن سعيكم لشتى"،( الليل-4 ) وهذا أيضا في صحف إبراهيم وموسى.
وقال ابن عباس: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة، بقوله: "ألحقنا بهم ذريتهم"،( الطور-21 ) فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء.
وقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، لما روي أن امرأة رفعت صبيا لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر" (1) .
وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم" (2) .
وقال الربيع بن أنس: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" يعني الكافر، فأما المؤمن فله ما سعى وما سعي له (3) .
وقيل: ليس للكافر من الخير إلا ما عمل هو، فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير
__________
(1) أخرجه مسلم في الحج، باب صحة حج الصبي وأجر من حج به، برقم: (1336): 2 / 974.
(2) أخرجه البخاري في الجنائز، باب موت الفجأة: 3 / 254، ومسلم في الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، برقم: (1004): 2 / 696، والمصنف في شرح السنة: 6 / 199.
(3) انظر: البحر المحيط: 8 / 168، القرطبي:17 / 114.

(7/416)


وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) وأن إلى ربك المنتهى (42)

ويروى أن عبد الله بن أبي كان أعطى العباس قميصا ألبسه إياه، فلما مات أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ليكفنه فيه، فلم يبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها (1) .
{ وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) وأن إلى ربك المنتهى (42) }
{ وأن سعيه سوف يرى } في ميزانه يوم القيامة، [مأخوذة] (2) من: أريته الشيء.
{ ثم يجزاه الجزاء الأوفى } الأكمل والأتم أي: يجزى الإنسان بسعيه، يقال: جزيت فلانا سعيه وبسعيه، قال الشاعر: إن أجز علقمة بن سعد سعيه
لم أجزه ببلاء يوم واحد
فجمع بين اللغتين.
{ وأن إلى ربك المنتهى } أي: منتهى الخلق ومصيرهم إليه، وهو مجازيهم بأعمالهم. وقيل: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال.
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسن بن محمد الشيباني (3) أخبرنا محمد بن سليمان بن الفتح الحنبلي، حدثنا علي بن محمد المصري، أخبرنا أبو إسحاق ابن منصور الصعدي (4) ، أخبرنا العباس بن زفر، عن أبي جعفر الرازي، عن أبيه عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "وأن إلى ربك المنتهى"، قال: "لا فكرة في الرب" (5) ، وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعا: "تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" (6) فإنه لا تحيط به الفكرة.
__________
(1) راجع فيما سبق: 4 / 82.
(2) ساقط من "ب".
(3) في "ب": السفياني، أخبرنا محمد بن سيماء بن الفتح.
(4) في "ب": إسحاق بن منصور الصفدي.
(5) عزاه السيوطي في الدر المنثور: (7 / 662) والمتقي في كنز العمال: (3 / 369) للدارقطني في الأفراد وذكره القرطبي: 17 / 115.
(6) أخرجه ابن النجار في " ذيل تاريخ بغداد" عن أبي هريرة، بإسناد ضعيف جدا، وبنحوه عن ابن عباس أخرجه: أبو الشيخ في "العظمة" وأبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "الأسماء والصفات". وأخرجه أيضا الهروي في "الأربعين" والأصبهاني في "الترغيب والترهيب" وطرقه كلها ضعيفة. وحسنه الألباني فقال في "الصحيحة" (4 / 397): "وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي. والله أعلم": وانظر: كشف الخفاء: 1 / 371-372، تمييز الطيب من الخبيث ص (68)، فيض القدير للمناوي: 3 / 362. ضعيف الجامع الصغير برقم (2470)، دلائل التوحيد للشيخ محمد جمال الدين القاسمي ص (90).

(7/417)


وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا (44)

{ وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا (44) }

(7/418)


وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) وأن عليه النشأة الأخرى (47)

{ وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) وأن عليه النشأة الأخرى (47) }
{ وأنه هو أضحك وأبكى } فهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضائه وخلقه حتى الضحك والبكاء، قال مجاهد والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر.
قال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء.
أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبدالرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا قيس، هو ابن الربيع الأسدي، حدثنا سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم وكان أصحابه يجلسون ويتناشدون الشعر، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا (1) -يعني النبي صلى الله عليه وسلم -.
وقال معمر عن قتادة: سئل ابن عمر هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل (2) .
{ وأنه هو أمات وأحيا } أي: أمات في الدنيا وأحيا للبعث. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالنكرة وأحيا المؤمن بالمعرفة.
{ وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى } من كل حيوان.
{ من نطفة إذا تمنى } أي: تصب في الرحم، يقال: منى الرجل وأمنى. قاله الضحاك وعطاء بن أبي رباح. وقال آخرون: تقدر، يقال: منيت الشيء إذا قدرته.
{ وأن عليه النشأة الأخرى } أي: الخلق الثاني للبعث يوم القيامة.
__________
(1) أخرجه الترمذي في الآداب، باب ما جاء في إنشاد الشعر: 8 / 142-143 وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والإمام أحمد: 5 / 91. وأخرجه مسلم في الفضائل، باب تبسمه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته برقم: (2322): 4 / 1810 بلفظ: "أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. كثيرا. كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس. فإذا طلعت قام. وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم صلى الله عليه وسلم".
(2) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف": 11 / 451.

(7/418)


وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الأولى (50)

{ وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الأولى (50) }
{ وأنه هو أغنى وأقنى } قال أبو صالح: أغنى الناس بالأموال وأقنى أي: أعطى القنية وأصول الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية.
قال الضحاك: أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال، وأقنى بالإبل والبقر والغنم.
وقال قتادة والحسن: 145/أ "أقنى": أخدم.
وقال ابن عباس: "أغنى وأقنى": أعطى فأرضى.
قال مجاهد ومقاتل: "أقنى": أرضى بما أعطى وقنع.
وقال ابن زيد: "أغنى": أكثر "وأقنى": أقل وقرأ: "يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر"،( الإسراء-30 ) وقال الأخفش: "أقنى": أفقر. وقال ابن كيسان: أولد .
{ وأنه هو رب الشعرى } وهو كوكب خلف الجوزاء وهما شعريان، يقال لإحداهما العبور وللأخرى الغميصاء، سميت بذلك لأنها أخفى من الأخرى، والمجرة بينهما. وأراد هاهنا الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبدها، وأول من سن لهم ذلك رجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها، وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا والشعرى طولا فهي مخالفة لها، فعبدتها خزاعة، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف العرب في الدين سموه ابن أبي كبشة لخلافه إياهم، كخلاف أبي كبشة في عبادة الشعرى (1) .
{ وأنه أهلك عادا الأولى } قرأ أهل المدينة والبصرة بلام مشددة بعد الدال، ويهمز واوه قالون عن نافع، والعرب تفعل ذلك فتقول: قم لان عنا، تريد: قم الآن، ويكون الوقف عند "عادا"، والابتداء "أولى"، بهمزة واحدة مفتوحة بعدها لام مضمومة، [ويجوز الابتداء: لولى] (2) بحذف الهمزة المفتوحة.
وقرأ الآخرون: "عادا الأولى"، وهم قوم هود أهلكوا بريح صرصر، فكان لهم عقب، فكانوا عادا الأخرى.
__________
(1) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف صفحة (161) بعد أن ساق هذه الرواية: "وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبو كبشة تشبيها له برجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة": هذا وهم، والمعروف أنهم كانوا يقولون له: ابن أبي كبشة كما في حديث أبي سفيان الطويل في الصحيحين حيث قال: "لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أن يخافه ملك بني الأصفر يعني هرقل".
(2) في "ب" ويجوز ابتداء أولى.

(7/419)


وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى (54) فبأي آلاء ربك تتمارى (55) هذا نذير من النذر الأولى (56) أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60)

{ وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى (54) فبأي آلاء ربك تتمارى (55) هذا نذير من النذر الأولى (56) أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) }
{ وثمود } قوم صالح أهلكهم الله بالصيحة { فما أبقى } منهم أحدا.
{ وقوم نوح من قبل } أي: أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم على الله بالمعصية والتكذيب.
{ والمؤتفكة } قرى قوم لوط { أهوى } أسقط أي: أهواها جبريل بعدما رفعها إلى السماء.
{ فغشاها } ألبسها الله { ما غشى } يعني: الحجارة المنضودة المسومة.
{ فبأي آلاء ربك } نعم ربك أيها الإنسان، وقيل: أراد الوليد بن المغيرة { تتمارى } تشك وتجادل، وقال ابن عباس: تكذب.
{ هذا نذير } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم { من النذر الأولى } أي: رسول من الرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم، وقال قتادة: يقول: أنذر محمد كما أنذر الرسل من قبله.
{ أزفت الآزفة } دنت القيامة واقتربت الساعة.
{ ليس لها من دون الله كاشفة } أي: مظهرة مقيمة كقوله تعالى: "لا يجليها لوقتها إلا هو"،( الأعراف-187 ) والهاء فيه للمبالغة أو على تقدير: نفس كاشفة. ويجوز أن تكون الكاشفة مصدرا كالخافية والعافية، والمعنى: ليس لها من دون الله كاشف أي: لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره.
وقيل: معناه: ليس لها راد يعني: إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها لم يكشفها ولم يردها عنهم أحد، وهذا قول عطاء وقتادة والضحاك.
{ أفمن هذا الحديث } يعني القرآن { تعجبون وتضحكون } يعني: استهزاء { ولا تبكون } مما فيه من الوعيد.

(7/420)


وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62)

{ وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62) }
{ وأنتم سامدون } لاهون غافلون، و"السمود": الغفلة عن الشيء واللهو، يقال: دع عنك سمودك أي لهوك، هذا رواية الوالبي والعوفي عن ابن عباس (1) وقال عكرمة عنه: هو الغناء بلغة أهل اليمن، وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا (2) . وقال الضحاك: أشرون بطرون. وقال مجاهد: غضاب مبرطمون. فقيل له: ما البرطمة؟ قال: الإعراض (3) .
{ فاسجدوا لله واعبدوا } أي: واعبدوه.
أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (4) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عبد الله قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة: النجم، قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا، وهو أمية بن خلف (5) .
وأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم بن أبي إياس، أخبرنا ابن أبي ذئب، أخبرنا يزيد بن عبدالله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم "والنجم" فلم يسجد فيها (6) .
قلت (7) : فهذا دليل على أن سجود التلاوة غير واجب. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
__________
(1) انظر: الدر المنثور: 7 / 667.
(2) أخرجه الطبري: 27 / 82، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 667 لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد.
(3) أخرجه الطبري: 27 / 82، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 667 لعبد بن حميد، وابن المنذر.
(4) أخرجه البخاري في سجود القرآن، باب سجود المسلمين مع المشركين: 2 / 553 وفي تفسير سورة (النجم) 8 / 614، والمصنف في شرح السنة:3 / 301.
(5) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة (والنجم)،: باب (فاسجدوا لله واعبدوا): 8 / 614 واللفظ له، ومسلم في المساجد، باب سجود التلاوة برقم: (576): 1 / 405.
(6) أخرجه البخاري في سجود التلاوة، باب من قرأ السجدة ولم يسجد: 2 / 554 واللفظ له، ومسلم في المساجد برقم: (577): 1 / 406، والمصنف في شرح السنة: 3 / 310.
(7) في "ب" قال الشيخ الإمام رحمه الله.

(7/421)


إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. وهو قول الشافعي وأحمد.
وذهب قوم إلى أن وجوب سجود التلاوة على القارئ والمستمع جميعا، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.

(7/422)


اقتربت الساعة وانشق القمر (1)

سورة القمر مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ اقتربت الساعة وانشق القمر (1) }
{ اقتربت الساعة } دنت القيامة { وانشق القمر } .
أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبدالله بن عبد الوهاب، أخبرنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما (2) .
وقال شيبان عن قتادة: فأراهم انشقاق القمر مرتين (3) .
أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، 145/ب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشهدوا" (4) .
__________
(1) أخرج النحاس وابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت بمكة سورة (اقتربت الساعة). انظر: الدر المنثور: 7 / 669.
(2) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر: 7 / 187.
(3) قطعة من حديث أخرجه مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر برقم: (2802): 4 / 2159.
(4) أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة القمر باب (وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا): 8 / 617، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر، برقم: (2800): 4 / 2158.

(7/425)


وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3)

وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبدالله قال: انشق القمر بمكة. وقال مقاتل: انشق القمر ثم التأم بعد ذلك .
وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبدالله قال: [انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم] (1) فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السفار، فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله عز وجل: "اقتربت الساعة وانشق القمر" (2) .
{ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) }
{ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } أي: ذاهب وسوف يذهب ويبطل من قولهم: مر الشيء واستمر إذا ذهب، مثل قولهم: قر واستقر، قال هذا قول مجاهد وقتادة. وقال أبو العالية [والضحاك] (3) : "مستمر" أي: قوي شديد يعلو كل سحر، من قولهم: مر الحبل إذا صلب واشتد وأمررته إذا أحكمت فتله واستمر الشيء إذا قوي واستحكم .
{ وكذبوا واتبعوا أهواءهم } أي: كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله عز وجل واتبعوا ما زين لهم الشيطان من الباطل. { وكل أمر مستقر } قال الكلبي: لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف. وقال قتادة: كل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير، [والشر مستقر بأهل الشر] (4) .
وقيل: كل أمر من خير أو شر مستقر قراره، فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار .
وقيل: يستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب. وقال مقاتل: لكل حديث منتهى. وقيل: كل ما قدر كائن واقع لا محالة.
وقرأ أبو جعفر "مستقر" بكسر الراء، ولا وجه له .
__________
(1) في "ب" (لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا).
(2) أخرجه الطبري: 27 / 85، ابن كثير: 4 / 263، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 670 لابن المنذر وابن مردويه، وأبي نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل.
(3) ساقط من "ب".
(4) ما بين القوسين زيادة من "ب".

(7/426)


ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بالغة فما تغن النذر (5) فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6)

{ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بالغة فما تغن النذر (5) فتول عنهم يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر (6) }

(7/427)


خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7)

{ خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) }
{ ولقد جاءهم } يعني: أهل مكة { من الأنباء } أخبار الأمم المكذبة في القرآن { ما فيه مزدجر } [متناهي] ، مصدر بمعنى الازدجار، أي نهي وعظة، يقال: زجرته وازدجرته إذا نهيته عن السوء، وأصله: مزتجر، قلبت التاء دالا.
{ حكمة بالغة } يعني: القرآن حكمة تامة قد بلغت الغاية { فما تغن النذر } يجوز أن تكون "ما" نفيا على معنى: فليست تغني النذر، ويجوز أن يكون استفهاما والمعنى: فأي شيء تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم؟ كقوله: "وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون"( يونس -101 ) و"النذر": جمع نذير.
{ فتول عنهم } أعرض عنهم نسختها آية القتال . قيل: ها هنا وقف تام. وقيل: { فتول عنهم يوم يدعو الداعي } أي: إلى يوم الداعي، قال مقاتل: هو إسرافيل ينفخ قائما على صخرة بيت المقدس { إلى شيء نكر } [منكر] فظيع لم يروا مثله فينكرونه استعظاما، قرأ ابن كثير: "نكر" بسكون الكاف، والآخرون بضمها.
{ خشعا أبصارهم } قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي: "خاشعا" على الواحد، وقرأ الآخرون: "خشعا" -بضم الخاء وتشديد الشين -على الجمع. ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والجمع والتذكير والتأنيث، تقول: مررت برجال حسن أوجههم، وحسنة أوجههم، وحسان أوجههم، قال الشاعر: ورجال حسن أوجههم
من إياد بن نزار بن معد .
وفي قراءة عبدالله: "خاشعة أبصارهم" أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب .
{ يخرجون من الأجداث } من القبور { كأنهم جراد منتشر } منبث حيارى، وذكر المنتشر

(7/427)


مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13)

على لفظ الجراد، نظيرها: "كالفراش المبثوث"،( القارعة -4 ) وأراد أنهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم يقصدها، كالجراد لا جهة لها، تكون مختلطة بعضها في بعض.
{ مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) }
{ مهطعين } مسرعين مقبلين { إلى الداعي } إلى صوت إسرافيل { يقول الكافرون هذا يوم عسر } يوم صعب شديد.
قوله عز وجل: { كذبت قبلهم } أي: قبل أهل مكة { قوم نوح فكذبوا عبدنا } نوحا { وقالوا مجنون وازدجر } أي: زجروه عن دعوته ومقالته بالشتم والوعيد، وقالوا: "لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين"( الشعراء -116 ) وقال مجاهد: معنى: ازدجر أي: استطير جنونا.
{ فدعا } نوح { ربه } وقال { أني مغلوب } مقهور { فانتصر } فانتقم لي منهم.
{ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } منصب انصبابا شديدا، لم ينقطع أربعين يوما، وقال يمان: قد طبق ما بين السماء والأرض.
{ وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء } يعني ماء السماء وماء الأرض، وإنما قال: "فالتقى الماء" والالتقاء لا يكون من واحد، إنما يكون بين اثنين فصاعدا؛ لأن الماء يكون جمعا وواحدا. وقرأ عاصم الجحدري: فالتقى الماآن. { على أمر قد قدر } أي: قضى عليهم في أم الكتاب. وقال مقاتل: قدر الله أن يكون الماآن سواء فكانا على ما قدر.
{ وحملناه } يعني: نوحا { على ذات ألواح ودسر } أي سفينة ذات ألواح، ذكر النعت وترك الاسم، أراد بالألواح خشب السفينة العريضة { ودسر } أي: المسامير التي تشد بها الألواح، واحدها دسار ودسير، يقال: دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير. وقال الحسن: الدسر صدر السفينة سميت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجؤها، أي تدفع. وقال مجاهد: هي عوارض السفينة. وقيل: أضلاعها. وقال الضحاك: الألواح جانباها، والدسر أصلها وطرفاها.

(7/428)


تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17)

{ تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) }
{ تجري بأعيننا } أي: بمرأى منا. وقال مقاتل بن حيان: بحفظنا، ومنه قولهم للمودع: عين الله عليك. وقال سفيان: بأمرنا { جزاء لمن كان كفر } [قال مقاتل بن حيان] : يعني: فعلنا به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابا لمن كان كفر به وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام، وقيل: "من" بمعنى ما أي: جزاء لما كان كفر من أيادي الله ونعمه عند الذين أغرقهم، أو جزاء لما [صنع] بنوح وأصحابه. وقرأ مجاهد: "جزاء لمن كان كفر" بفتح الكاف والفاء، يعني كان الغرق جزاء / لمن كان كفر بالله وكذب رسوله.
146/أ { ولقد تركناها } يعني: [الفعلة التي] فعلنا { آية } يعتبر بها. وقيل: أراد السفينة. قال قتادة: أبقاها الله [بباقر دي] من أرض الجزيرة. عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة { فهل من مدكر } أي: متذكر متعظ معتبر خائف مثل عقوبتهم.
أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق أنه سمع رجلا سأل الأسود عن قوله: "فهل من مدكر" أو مذكر؟ قال: سمعت عبدالله يقرؤها "فهل من مدكر"، وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها: "فهل من مدكر" دالا .
{ فكيف كان عذابي ونذر } أي: إنذاري. قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران، تقول العرب: أنذرت إنذارا ونذرا، كقولهم أنفقت إنفاقا ونفقة، وأيقنت إيقانا ويقينا، أقيم الاسم مقام المصدر.
{ ولقد يسرنا } سهلنا { القرآن للذكر } ليتذكر ويعتبر به، وقال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن "فهل من مدكر"، متعظ بمواعظه.

(7/429)


كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر (24) أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27)

{ كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر (24) أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) }
{ كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } شديدة الهبوب { في يوم نحس مستمر } شديد دائم الشؤم، استمر عليهم بنحو سنة فلم يبق منهم أحدا إلا أهلكه. قيل: كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر.
{ تنزع الناس } تقلعهم ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم. وروي أنها كانت تنزع الناس من قبورهم { كأنهم أعجاز نخل } قال ابن عباس: أصولها، وقال الضحاك: أوراك نخل. { منقعر } [منقطع] من مكانه ساقط على الأرض. وواحد الأعجاز عجز، مثل عضد وأعضاد وإنما قال: "أعجاز نخل" وهي أصولها التي قطعت فروعها؛ لأن الريح كانت تبين رؤوسهم من أجسادهم، فتبقى أجسادهم بلا رؤوس.
{ فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر كذبت ثمود بالنذر } بالإنذار الذي جاءهم به صالح.
{ فقالوا أبشرا } آدميا { منا واحدا نتبعه } ونحن جماعة كثيرة وهو واحد { إنا إذا لفي ضلال } خطأ وذهاب عن الصواب { وسعر } قال ابن عباس: عذاب. وقال الحسن: شدة عذاب. وقال قتادة: عناء، يقولون: إنا إذا لفي عناء وعذاب مما يلزمنا من طاعته. قال سفيان ابن عيينة: هو جمع سعير. وقال الفراء: جنون، يقال ناقة مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هائمة على وجهها. وقال وهب: وسعر: أي: بعد عن الحق.
{ أألقي الذكر عليه } أأنزل الذكر الوحي { من بيننا بل هو كذاب أشر } بطر متكبر يريد أن يتعظم علينا بادعائه النبوة، "والأشر": المرح والتجبر.
{ سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) }

(7/430)


ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر (31)

{ ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر (31) }
{ سيعلمون } قرأ ابن عامر وحمزة: "ستعلمون" بالتاء على معنى قال صالح لهم، وقرأ

(7/430)


الآخرون بالياء، يقول الله تعالى: { سيعلمون غدا } حين ينزل بهم العذاب. وقال الكلبي: يعني يوم القيامة. وذكر "الغد" للتقريب على عادة الناس، يقولون: إن مع اليوم غدا { من الكذاب الأشر } .
{ إنا مرسلو الناقة } أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك أنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء، فقال الله تعالى: { إنا مرسلو الناقة فتنة لهم } محنة واختبارا لهم { فارتقبهم } فانتظر ما هم صانعون { واصطبر } واصبر على ارتقابهم، وقيل: على ما يصيبك من الأذى.
{ ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } وبين الناقة يوم لها ويوم لهم، وإنما قال بينهم لأن العرب إذا أخبرت عن بني آدم وعن البهائم غلبت بني آدم على البهائم { كل شرب } نصيب من الماء { محتضر } يحضره من كانت نوبته، فإذا كان يومها حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا شربهم، وحضر واحتضر بمعنى واحد، قال مجاهد: يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة، فإذا جاءت الناقة حضروا اللبن.
{ فنادوا صاحبهم } وهو قدار بن سالف { فتعاطى } فتناول الناقة بسيفه { فعقر } أي: فعقرها.
{ فكيف كان عذابي ونذر } ثم بين عذابهم فقال:
{ إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة } قال عطاء: يريد صيحة جبريل عليه السلام { فكانوا كهشيم المحتظر } قال ابن عباس: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجرة والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيم (1) .
__________
(1) انظر القرطبي: 17 / 142.

(7/431)


ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37)

وقال ابن زيد: هو الشجر البالي الذي تهشم حتى ذرته الريح (1) . والمعنى: أنهم صاروا كيبس الشجر إذا تحطم، والعرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس: هشيما.
وقال قتادة: كالعظام النخرة المحترقة (2) . وقال سعيد بن جبير: هو التراب الذي يتناثر من الحائط (3) .
{ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) }
{ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا } ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى وقال الضحاك: يعني صغار الحصى. وقيل: "الحصباء" هي الحجر الذي دون ملء الكف، وقد يكون الحاصب الرامي فيكون المعنى على هذا: أرسلنا عليهم عذابا يحصبهم أي: يرميهم بالحجارة، ثم استثنى فقال: { إلا آل لوط } يعني لوطا وابنتيه { نجيناهم } من العذاب { بسحر } .
{ نعمة من عندنا } أي: جعلناه نعمة منا عليهم حيث أنجيناهم { كذلك } كما أنعمنا على آل لوط { نجزي من شكر } قال مقاتل: من وحد الله لم يعذبه مع المشركين.
{ ولقد أنذرهم } لوط { بطشتنا } أخذنا إياهم بالعقوبة { فتماروا بالنذر } شكوا بالإنذار وكذبوا ولم يصدقوا.
{ ولقد راودوه عن ضيفه } طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه { فطمسنا أعينهم } وذلك أنهم لما قصدوا دار لوط وعالجوا الباب ليدخلوا، قالت الرسل [للوط] (4) : خل بينهم وبين الدخول فإنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فدخلوا الدار 146/ب فصفقهم جبريل بجناحه بإذن الله فتركهم عميا يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميا لا يبصرون. قوله: "فطمسنا أعينهم" أي: صيرناها
__________
(1) انظر: ابن كثير: 4 / 266.
(2) انظر: الطبري: 27 / 103، البحر المحيط: 8 / 181.
(3) أخرجه الطبري: 27 / 103، وقال ابن كثير: 4 / 266 "هذا قول غريب" وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 680 لعبد بن حميد.
(4) ساقط من "ب".

(7/432)


ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (40) ولقد جاء آل فرعون النذر (41) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (42) أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) أم يقولون نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45)

كسائر الوجه لا يرى لها شق، هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: طمس الله أبصارهم فلم يروا الرسل، فقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا، فلم يروهم فرجعوا. { فذوقوا عذابي ونذر } أي: [ما أنذركم] (1) به لوط من العذاب.
{ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (40) ولقد جاء آل فرعون النذر (41) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (42) أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) أم يقولون نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) }
{ ولقد صبحهم بكرة } جاءهم وقت الصبح { عذاب مستقر } دائم استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى عذاب الآخرة، وقيل: عذاب حق.
{ فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ولقد جاء آل فرعون النذر } يعني: موسى وهارون عليهما السلام، وقيل: هي الآيات التي أنذرهم بها موسى.
{ كذبوا بآياتنا كلها } وهي الآيات التسع { فأخذناهم } بالعذاب { أخذ عزيز } غالب في انتقامه { مقتدر } قادر على إهلاكهم، لا يعجزه ما أراد، ثم خوف أهل مكة فقال:
{ أكفاركم خير من أولئكم } أشد وأقوى من الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار أي: ليسوا بأقوى منهم { أم لكم براءة } العذاب { في الزبر } في الكتب، أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية.
{ أم يقولون } يعني: كفار مكة { نحن جميع منتصر } قال الكلبي: نحن جميع أمرنا [منتصر] (2) من أعدائنا المعنى: نحن يد واحدة على من خالفنا منتصر ممن عادانا، ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي.
قال الله تعالى: { سيهزم الجمع } قرأ يعقوب: "سنهزم" بالنون "الجمع" نصب وقرأ الآخرون بالياء وضمها، "الجمع" رفع على غير تسمية الفاعل، يعني: كفار مكة { ويولون الدبر }
__________
(1) في"ب" ما أنذرهم.
(2) في "أ" مستقر.

(7/433)


بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48)

يعني: الأدبار فوحد لأجل رؤوس الآي، كما يقال: ضربنا منهم الرؤوس وضربنا منهم الرأس إذا كان الواحد يؤدي معنى الجمع، أخبر الله أنهم يولون أدبارهم منهزمين فصدق الله وعده وهزمهم يوم بدر.
أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبدالوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبته يوم بدر: "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم"، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك -وهو في الدرع -فخرج وهو يقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" (1) .
{ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) }
{ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } قال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما نزلت: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في درعه ويقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم" جميعا "والساعة أدهى وأمر" (2) أعظم داهية وأشد مرارة من الأسر والقتل يوم بدر.
{ إن المجرمين } المشركين { في ضلال وسعر } قيل: "في ضلال" بعد عن الحق. قال الضحاك: "وسعر" أي: نار تسعر عليهم: وقيل: "ضلال" ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، "وسعر": نار مسعرة، قال الحسين بن الفضل: إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة. وقال قتادة: في عناء وعذاب (3) .
ثم بين عذابهم فقال: { يوم يسحبون } يجرون { في النار على وجوههم } ويقال لهم { ذوقوا مس سقر } .
__________
(1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم، والقميص في الحرب:6 / 99، وفي المغازي، وفي التفسير، والمصنف في شرح السنة:10 / 400.
(2) أخرجه عبد الرزاق:2 / 259، والطبري:27 / 108،والإمام أحمد:1 / 329. ورواه إسحاق بن راهويه عن قتادة، وفيه انقطاع، انظر المطالب العالية: 3 / 381. قال الحافظ في الفتح: 7 / 289-290: "أخرجه الطبري وابن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس: لما نزلت ....قال عمر:....، وأخرجه ابن مردويه أيضا عن أبي هريرة..".
(3) انظر الطبري: 27 / 109.

(7/434)


إنا كل شيء خلقناه بقدر (49)

{ إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) }
{ إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي: ما خلقناه فمقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ، قال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له.
أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين القرشي، أخبرنا أبو مسلم غالب بن علي الرازي، أخبرنا أبو [معشر] (1) يعقوب بن عبدالجليل بن يعقوب، حدثنا أبو يزيد حاتم بن محبوب، أخبرنا أحمد بن نصر النيسابوري، أخبرنا عبدالله بن الوليد العدني، أخبرنا الثوري عن زياد بن إسماعيل السهمي عن محمد بن عباد المخزومي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية: "إن المجرمين في ضلال وسعر" إلى قوله: "إنا كل شيء خلقناه بقدر" (2) .
أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي الخدشاهي، أخبرنا عبدالله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي، أخبرنا يونس بن عبدالأعلى الصدفي، أخبرنا عبدالله بن وهب، أخبرني أبو هانيء الخولاني عن أبي عبدالرحمن [الحبلى] (3) عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء" (4) .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن طاووس اليماني قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: "كل شيء بقدر الله"، قال: وسمعت عبدالله بن [عمر] (5) رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز" (6) .
أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا أبو جعفر
__________
(1) في"أ" مشعر والصحيح ما أثبتناه من "ب".
(2) أخرجه مسلم في القدر، باب كل شيء بقدر، برقم:(2656): 4 / 2046، والمصنف في شرح السنة:1 / 150.
(3) في "أ" الجبلي، وهو تصحيف.
(4) أخرجه مسلم في القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، برقم: (2653): 4 / 2044، والمصنف في شرح السنة:1 / 123.
(5) في "ب"عمرو، والصحيح ما أثبتناه.
(6) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر:2 / 899، ومسلم في القدر، باب كل شيء بقدر، برقم: (2655): 4 / 2045، والمصنف في شرح السنة: 1 / 134.

(7/435)


محمد بن علي بن دحيم الشيبابي، أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، أخبرنا يعلى بن عبيد، [وعبيدالله] (1) بن موسى وأبو نعيم عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن رجل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث 147/أ بعد الموت، ويؤمن بالقدر -زاد [عبيدالله] (2) : خيره وشره" (3) .
ورواه أبو داود عن شعبة عن منصور وقال: عن ربعي عن علي ولم يقل: عن رجل، وهذا أصح (4) .
__________
(1) في "أ" عبدالله والصحيح ما أثبتناه.
(2) في "أ" عبدالله والصحيح ما أثبتناه.
(3) أخرجه الترمذي في القدر، باب ما جاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره: 6 / 358، وابن حبان في موارد الظمآن برقم: (23) ص37، والإمام أحمد: 1 / 233، والمصنف في شرح السنة: 1 / 122.
(4) أخرجه أبو داود الطيالسي1 / 22 (106) ومن طريقه الترمذي في القدر، باب أن ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره: 6 / 357، وابن ماجه في المقدمة، باب في القدر، برقم(81): 1 / 32، وابن أبي عاصم: 1 / 59، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة: 3 / 620، وصححه الحاكم: 1 / 32 ووافقه الذهبي، والإمام أحمد: 1 / 97. والمصنف في شرح السنة 1 / 122. وانظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته برقم: (7584).

(7/436)


وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53)

{ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) }
{ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } { واحدة } . يرجع إلى المعنى دون اللفظ أي: وما أمرنا إلا مرة واحدة
وقيل: معناه: وما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة: كن فيكون لا مراجعة فيها كلمح بالبصر. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر وقال الكلبي عنه: وما أمرنا لمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر.
{ ولقد أهلكنا أشياعكم } أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السالفة.
{ فهل من مدكر } متعظ يعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر.
{ وكل شيء فعلوه } يعني فعله الأشياع من خير وشر { في الزبر } في كتاب الحفظة، وقيل: في اللوح المحفوظ .
{ وكل صغير وكبير } من الخلق وأعمالهم وآجالهم { مستطر } مكتوب، يقال: سطرت

(7/436)


إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55)

واستطرت وكتبت واكتتبت.
{ إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) }
{ إن المتقين في جنات } بساتين { ونهر } أي أنهار، ووحده لأجل رؤوس الآي، وأراد أنهار الجنة من الماء والخمر واللبن والعسل. وقال الضحاك: يعني في ضياء وسعة ومنه النهار. وقرأ الأعرج "ونهر"، بضمتين جمع نهار يعني: نهارا لا ليل لهم.
{ في مقعد صدق } في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم { عند مليك مقتدر } ملك قادر لا يعجزه شيء. قال [جعفر] (1) الصادق: مدح الله المكان بالصدق فلا يقعد، فيه إلا أهل الصدق.
__________
(1) ساقط من "ب".

(7/437)


الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4)

سورة الرحمن مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم
{ الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) }
{ الرحمن } قيل: نزلت حين قالوا: وما الرحمن؟ (2) . وقيل: هو جواب لأهل مكة حين قالوا: إنما يعمله بشر .
{ علم القرآن } قال الكلبي: علم القرآن محمدا. وقيل: "علم القرآن" يسره للذكر.
{ خلق الإنسان } يعني آدم عليه السلام، قاله ابن عباس وقتادة. { علمه البيان } أسماء كل شيء، وقيل :علمه اللغات كلها، وكان آدم يتكلم بسبعمائة [ألف] (3) لغة أفضلها العربية.
وقال الآخرون: "الإنسان" اسم جنس، وأراد به جميع الناس "علمه البيان" النطق والكتابة والفهم والإفهام، حتى عرف ما يقول وما يقال له. هذا قول أبي العالية وابن زيد والحسن.
وقال السدي: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به.
وقال ابن كيسان: "خلق الإنسان" يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم "علمه البيان" يعني بيان ما كان وما يكون لأنه كان يبين [عن] (4) الأولين والآخرين وعن يوم الدين.
__________
(1) أخرج النحاس عن ابن عباس -رضي الله عنهما- نزلت سورة الرحمن بمكة ، وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- قال: أنزل بمكة سورة الرحمن، وأخرج بن مردويه عن عائشة -رضي الله عنهما- قالت: نزلت سورة الرحمن بمكة. انظر: الدر المنثور: 7 / 689، القرطبي: 17 / 151.
(2) انظر البحر المحيط: 8 / 187-188.
(3) ساقط من "أ".
(4) زيادة من "ب" .

(7/438)


الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11)

{ الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) }
{ الشمس والقمر بحسبان } ، قال مجاهد: كحسبان الرحى. وقال غيره :أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها، قاله ابن عباس وقتادة. وقال ابن زيد وابن كيسان: يعني بهما تحسب الأوقات والآجال لولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئا. وقال الضحاك: يجريان بقدر، والحسبان يكون مصدر حسبت حسابا وحسبانا، مثل الغفران والكفران، والرجحان والنقصان، وقد يكون جمع الحساب كالشبهان والركبان.
{ والنجم والشجر يسجدان } ، النجم ما ليس له ساق من النبات ، والشجر ما له ساق يبقى في الشتاء، وسجودهما سجود ظلهما كما قال :"يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله"( النحل-48 ) قال مجاهد: النجم هو الكوكب وسجوده طلوعه.
{ والسماء رفعها } ، فوق الأرض، { ووضع الميزان } ، قال مجاهد: أراد بالميزان العدل . المعنى: أنه أمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى: { ألا تطغوا في الميزان } ، أي لا تجاوزوا العدل. وقال الحسن وقتادة والضحاك: أراد به الذي يوزن به ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف، وأصل الوزن التقدير "ألا تطغوا" يعني لئلا تميلوا وتظلموا وتجاوزوا الحق في الميزان.
{ وأقيموا الوزن بالقسط } ، بالعدل، وقال أبو الدرداء وعطاء: معناه أقيموا لسان الميزان بالعدل. قال ابن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب، { ولا تخسروا } ، ولا تنقصوا { الميزان } ، ولا تطففوا في الكيل والوزن.
{ والأرض وضعها للأنام } ، للخلق الذين بثهم فيها .
{ فيها فاكهة } ، يعني: أنواع الفواكه، قال ابن كيسان: يعني ما يتفكهون به من النعم التي لا تحصى، { والنخل ذات الأكمام } ، الأوعية التي يكون فيها الثمر لأن ثمر النخل يكون في غلاف ما لم ينشق، واحدها كم، وكل ما ستر شيئا فهو كم وكمة، ومنه كم القميص، ويقال للقلنسوة كمة، قال الضحاك: "ذات الأكمام" أي ذات الغلف. وقال الحسن: أكمامها: لفيفها. [وقال ابن زيد:

(7/442)


والحب ذو العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13)

هو الطلع قبل أن ينشق] (1) .
{ والحب ذو العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) }
{ والحب ذو العصف } ، أراد بالحب جميع الحبوب التي تحرث في الأرض قال مجاهد: هو ورق الزرع. قال ابن كيسان: "العصف "ورق كل شيء يخرج منه الحب، يبدو أولا ورقا وهو العصف ثم يكون سوقا، ثم يحدث الله فيه أكماما ثم يحدث في الأكمام الحب .وقال ابن عباس في رواية الوالبي: هو التبن. وهو قول الضحاك وقتادة. وقال عطية عنه :هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس، نظيره: "كعصف مأكول"( الفيل-5 ) .
{ والريحان } ، هو الرزق في قول الأكثرين، قال ابن عباس: كل ريحان في القرآن فهو رزق. وقال الحسن وابن زيد هو ريحانكم الذي يشم، قال الضحاك: "العصف" :هو التبن. و "الريحان" ثمرته.
وقراءة العامة: "والحب ذو العصف والريحان"، كلها مرفوعات بالرد على الفاكهة. وقرأ ابن عامر "والحب ذو العصف والريحان" بنصب الباء والنون وذا بالألف على معنى: خلق الإنسان وخلق هذه الأشياء. وقرأ حمزة والكسائي" والريحان" بالجر عطفا على العصف فذكر قوت الناس والأنعام، ثم خاطب 147/ب الجن والإنس فقال:
{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } ، أيها الثقلان، يريد من هذه الأشياء المذكورة. وكرر هذه الآية في هذه السورة تقريرا للنعمة وتأكيدا في التذكير بها على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع، يعدد على الخلق آلاءه ويفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها، كقول الرجل لمن أحسن إليه وتابع عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها: ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانا فكسوتك أفتنكر هذا؟ ألم تك خاملا؟ فعززتك أفتنكر هذا؟ ومثل هذا التكرار شائع في كلام العرب حسن تقريرا.
وقيل: خاطب بلفظ التثنية على عادة العرب تخاطب الواحد بلفظ التثنية كقوله تعالى: "ألقيا في جهنم"( ق-24 ) .
وروي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال :"ما لي أراكم سكوتا للجن، [كانوا] (2) أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من "أ" .
(2) ساقط من "أ".

(7/443)


خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي آلاء ربكما تكذبان (16)

الآية مرة "فبأي آلاء ربكما تكذبان" إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد" (1) .
{ خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) }
__________
(1) أخرجه الترمذي في التفسير -تفسير سورة الرحمن- :9 / 177 بلفظ: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم..) وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بم مسلم عن زهير، قال أحمد بن حنبل: كأن زهير بن محمد الذي وقع بالشام ليس هو الذي يروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر قلبوا اسمه، يعني لما يروون عنه من المناكير، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكيروأهل العراق يروون عنه أحاديث مقلوبة". وذكره الذهبي في الميزان في ترجمة زهير: 2 / 84 وقال: تفرد به هشام بن عمار عن الوليد . وأخرجه الحاكم:2 / 473 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال المباركفوري: "حديث جابر هذا رواه الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد وهو من أهل الشام، ففي الحديث ضعف، ولكن له شاهد من حديث ابن عمر أخرجه ابن جرير والبزار والدارقطني في الأفراد وغيرهم، وصحح السيوطي إسناده كما في فتح البيان" انظر: تحفة الأحوذي: 9 / 179، مجمع الزوائد: 7 / 117.

(7/444)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية