صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون (34)

{ يظهرون ولبيوتهم } أي ولجعلنا لبيوتهم ، وتكرير ذكر بيوتهم لزيادة التقرير ولأنه ابتداء أية { أبوابا وسررا } أي من فضة على ما سمعت ، وقرىء { *سررا } بفتح السين والراء وهي لغة لبني تميم وبعض كلب وذلك في جمع فعيل المضعف إذا كان اسما باتفاق وصفة نحو ثوب جديد وثياب جدد باختلاف بين النحاة { وجدنا عليها } أي على السرر { يتكئون } كما هو شأن الملوك لا يهمهم شيء .

(18/354)


وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35)

{ وزخرفا } قال الحسن : أي نقوشا وتزاويق ، وقال ابن زيد : الزخرف أثاث البيت وتجملاته وهو عليهما عطف على { سقفا } [ الزخرف : 33 ] ، وقال ابن عباس . وقتادة . والشعبي . والسدي . والحسن أيضا في رواية الزخرف الذهب ، وأكثر اللغويين ذكروا له معنيين هذا والزينة فقيل الظاهر أنه حقيقة فيهما ، وقيل : إنه حقيقة في الزينة ولكون كمالها بالذهب استعمل فيه أيضا ، ويشير إليه كلام الراغب قال : الزخرف الزينة المزوقة ومه قيل للذهب زخرف ، وفي «البحر» جاء في الحديث " إياكم والحمرة فإنها من أحب الزينة إلى الشيطان " ، وقال ابن عطية : الحسن أحمر والشهوات تتبعه؛ ولبعض شعراء المغرب :
وصبغت درعك من دماء كماتم ... لما رأيت الحسن يلبس أحمرا
وهو على هذا عطف على محل { من فضة } [ الزخرف : 33 ] كأن الأصل سقفا من فضة وزخرف يعني بعضها من فضة وبعضها من ذهب فنصب عطفا على المحل ، وجوز عطفه على { سقفا } [ الزخرف : 33 ] أيضا .
{ وإن كل ذلك لما متاع الحياة } أي وما كل ما ذكر من البيوت الموصوفة بالصفات المفصلة إلا شيء يتمتع به في الحياة الدنيا وفي معناه ما قرىء { وما * كل ذلك * الحياة الدنيا } وقرأ الجمهور { لما } بفتح اللام والتخفيف على أن { ءان } هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بين المخففة وغيرها وما زائدة أو موصولة بتقدير لما هو متاع كما في قوله تعالى : { تماما على الذى أحسن } [ الأنعام : 154 ] في قراءة من رفع النون ، وقرأ رجاء وفي التحرير أبو حيوة { لما } بكسر اللام والتخفيف على أن { ءان } هي المخففة واللام حرف جر وما موصولة في محل جر بها والجار والمجرور في موضع الخبر لكل وصدر الصلة محذوف كما سمعت آنفا . وحق التركيب في مثله الاتيان باللام الفارقة فيقال : للمامتاع لكنها حذفت لظهور إرادة الاثبات كما في قوله :
أنا ابن أباة الضيم من آل مالك ... وإن مالك كانت كرام المعادن
بل لا يجوز في البيت إدخال اللام كما لا يخفى على النحوي { والاخرة } أي بما فيها من فنون النعيم التي لا يحيط بها نطاق البيان { عند ربك للمتقين } خاصة لهم ، والمراد بهم من اتقى الشرك ، وقال غير واحد : من اتقى ذلك والمعاصي ، وفي الآية من الدلالة على التزهيد في الدنيا وزينتها والتحريض على التقوى ما فهيا ، وقد أخرج الترمذي وصححه . وابن ماجه عن سهل بن سعد قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء " وعن علي كرم الله تعالى وجهه الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت بال عليه كلب في يد مجذوم ، هذا واستدل بعضهم بقوله تعالى : { لبيوتهم سقفا } [ الزخرف : 33 ] على أن السقف لرب البيت الأسفل لا لصاحب العلو لأنه منسوب إلى البيت .

(18/355)


ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36)

{ ومن يعش } أي يتعام ويعرض { عن ذكر الرحمن } وهو القرآن ، وإضافته إلى الرحمن للإيذان بنزوله رحمة للعالمين ، وجوز أن يكون مصدرا أضيف إلى المفعول أي من يعش عن أن يذكر الرحمن ، وأن يكون مصدرا أضيف إلى الفاعل أي عن تذكير الرحمن عباده سبحانه ، وقرأ يحيى بن سلام البصري { يعش } بفتح الشين كيرض أي يعم يقال : عشى كرضى إذا حصلت الآفة في بصره وعشا كغزا إذا نظر نظر العشي لعارض قال الحطيئة :
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
أي تنظر إليها نظر العشي لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء ولو لم يكن كذلك لم يكن لكلمة الغاية موقع وأظهر منه في المقصود قول حاتم :
أعشو إذا ما جارتي برزت ... حتى يواري جارتي الخدر
لأنه قيد بالوقت وأتى بالغاية وما هو خلقي لا يزول ، وقال بعضهم : لم أر أحدا يجيز عشوت عنه إذا أعرضت وإنما يقال تعاشيت وتعاميت عن الشيء إذا تغافلت عنه كأنك لم تره ويقال : عشوت إلى النار إذا استدللت عليها ببصر ضعيف ، وهو مما لا يلتفت إليه ومثله عشى وعشا عرج بكسر الراء لمن به الآفة وعرج بفتحها لمن مشى مشية العرجان من غير عرج على ما في الكشاف ، وفيه خلاف لأهل اللغة ففي القاموس يقال : عرج أي بالفتح إذا أصابه شيء في رجله وليس بخلقه فإذا كان خلقة فعرج كفرح أو يثلث في غير الخلقة ، وقرأ زيد بن علي { *يعشو } بإثبات الواو وخرج ذلك الزمخشري على أن من موصولة لا شرطية جازمة ، وجوز أن تكون شرطية والمدة إما للإشباع أو على لغة من يجزم المعتل الآخر بحذف الحركة على ما حكاه الأخفش ، ووز كون الفعل مجزوما بحذف النون والواو ضمير الجمع ، وقد روعي فيه معنى من ، وتخريج الزمخشري مبني على الفصيح المطرد المتبادر .
{ الرحمن نقيض له شيطانا } أي نتح له شيطانا ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض وهو القشر الأعلى .
{ فهو له قرين } دائما لا يفارقه ولا يزال يوسوسه ويغويه وهذا عقاب على الكفر بالختم وعدم الفلاح كما يقال : إن الله تعالى يعاقب على المعصية بمزيد اكتساب السيآت ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . والسلمي . والأعمش ويعقوب . وأبو عمرو بخلاف عنه . وحماد عن عاصم . وعصمة عن الأعمش وعن عاصم . والعليمي عن أبي بكر { *يقيض } بالياء على إسناده إلى ضمير { مقتدر الرحمن } ، وقرأ ابن عباس يقيض بالياء والبناء للمفعول { شيطان } بالرفع والفعل في جميع القراءات مجزوم ولم نسمع أنه قرىء بالرفع ، وفي الكشاف حق من قرأ { من } بالواو أن يرفعه أي بناء على تخريجه ذلك على أن من موصولة ، وجوز على ذلك أيضا أن يكون { *يقيض } مرفوعا لكنه سكن تخفيفا .

(18/356)


وفي البحر يجوز أن تكون { صلح من } موصولة وجزم { نقيض } تشبيها للموصول باسم الشرط وإذا كان ذلك مسموعا في الذي وهو لم يكن اسم شرط قط فالأولى أن يكون فيما استعمل موصولا لا وشرطا ، قال الشاعر :
لا تحفرن بئرا تريد اخا بها ... فإنك فيها أنت من دونه تقع
كذاك الذي يبغي على الناس ظالما ... تصبه على رغم عواقب ما صنع
انشدهما ابن الأعرابي وهو مذهب للكوفيين ، وله وجه من القياس وهو أنه كما شبه الموصول باسم الشرط فدخلت الفاء في خبره فكذلك يشبه به فينجزم الخبر إلا أن دخول الفاء منقاس إذا كان الخبر مسببا عن الصلة بشروطه المذكورة في النحو وهذا لا يقيسه البصريون .

(18/357)


وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37)

{ وإنهم } أي الشياطين الذين قبض وقدر كل واحد منهم لكل واحد ممن يعشو { ليصدونهم } أي ليصدون قرناءهم وهم الكفار المعبر عنهم بمن يعش ، وجمع ضمير الشيطان لأن المراد به الجنس ، وجمع ضمير من رعاية لمعنى كما أفرد أولا رعاية للفظ . وفي الانتصاف أن في هذه الآية نكتتين بديعتين الأولى الدلالة على أن النكرة الواقعة في سياق الشرط تفيد العموم وهي مسألة أضطرب فيها الأصوليون وإمام الحرمين من القائلين بإفادتها العموم حتى استدرك على الأئمة اطلاقهم القول بأن النكرة في سياق الإثبات تخص ، وقال إن الشرط يعم النكرة في سياقه تعم وقد رد عليه الفقيه أبو الحسن على الأبياري شارح كتابه ردا عنيفا ، وفي هذه الآية للإمام ومن قال بقوله كفاية ، وذلك أن الشيطان ذكر فيها منكرا في سياق شرط ونحن نعلم أنه إنما أريد عموم الشياطين لا واحد لوجهين . أحدهما أنه قد ثبت أن لكل أحد شيطانا فكيف بالعاشي عن ذكر الله تعالى والآخر من الآية وهو أنه أعيد عليه الضمير مجموعا في قوله تعالى : { وإنهم } فإنه عائد إلى الشيطان قولا واحدا ولولا إفادته عموم الشمول لما جاز عود ضمير الجمع عليه بلا اشكال ، فهذه نكتة تجد عند سماعها المخالفي هذا الرأي سكتة . والنكتة الثانية أن فيها ردا على من زعم أن العود على معنى من يمنع من العود على لفظها بعد ذلك واحتج لذلك بأنه إجمال بعد تفسير ، وهو خلاف المعهود من الفصاحة وقد نقض ذلك الكندي وغيره بآيات ، واستخرج جدي من هذه الآية نقض ذلك أيضا لأنه أعيد الضمير على اللفظ في { يعش * وله } وعلى المعنى في { ليصدونهم } ثم على اللفظ في { حتى إذا جاءنا } [ الزخرف : 38 ] وقد قدمت أن الذي منع قد يكون اقتصر بمنعه على مجيء ذلك في جملة واحدة وأما إذا تعددت الجمل واستقلت كل بنفسها فقد لا يمنع ذلك انتهى .
وفي كون ضمير { أنهم } عائدا على الشيطان قولا واحدا نظر ، فقد قال أبو حيان : الظاهر أن ضمير النصب في { أنهم * ليصدونهم } عائد على من على المعنى وهو أولى من عود ضمير { أنهم } على الشيطان كما ذهب إليه ابن عطية لتناسق الضمائر في { أنهم } ومن بعده فلا تغفل { عن السبيل } المستبين الذي يدعو إليه ذكر الرحمن { ويحسبون } أي العاشون { أنهم } أي الشياطين { مهتدون } أي إلى ذلك السبيل الحق وإلا لما اتبعوهم أو يحسب العاشون ان أنفسهم مهتدون فإن اعتقاد كون الشياطين مهتدين مستلزم لاعتقاد كونهم كذلك لاتحاد مسلكهما .
والظاهر أن أبا حيان يختار هذا الوجه للتناسق أيضا ، والجملة حال من مفعول { يصدون } بتقدير المبتدأ أو من فاعله أو منهما لاشتهمالها على ضميريهما أي وأنهم ليصدونهم عن الطريق الحق وهم يحسبون أنهم مهتدون إليه .
وصيغة المضارع في الأفعال الأربعة للدلالة على الاستمرار التجددي لقوله تعالى :

(18/358)


حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38)

{ حتى إذا جاءنا } فإن { حتى } وإن كانت ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية لكنها تقتضي حتما أن تكون غاية لأمر ممتد وأفرد الضمير في جاء وما بعده لما أن المراد حكاية مقالة كل واحد من العاشين لقرينه لتهويل الأمر وتفظيع الحال والمعنى يستمر أمر العاشين على ما ذكر حتى إذا جاءنا كل واحد منهم مع قرينة يوم القيامة { قال } مخاطبا له : { قال ذلك بينى وبينك } أي في الدنيا ، وقيل : في الآخرة { بعد المشرقين } أي بعد كل منهما من الآخر ، والمراد بهما المشرق والمغرب كما اختاره الزجاج والفراء وغيرهما لكن غلب المشرق على المغرب وثنيا كالموصلين للموصول والجزيرة وأضيف البعد إليهما ، والأصل بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق وإنما اختصر هذا المبسوط لعدم الالباس إذ لا خفاء أنه لا يراد بعدهما من شيء واحد لأن البعد من احدهما قرب من الآخر ولأنهما متقابلان فبعد أحدهما من الآخر مثل في غاية البعد لا بعدهما عن شيء آخر ، واشعار السياق بالمبالغة لا ينكر فلا لبس من هذا الوجه أيضا ، وقال ابن السائب : لا تغليب ، والمراد مشرق الشمس في أقصر يوم من السنة ومشرقها في أطول يوم منها { فبئس القرين } أي أنت ، وقيل : أي هو على أنه من كلامه تعالى وهو كما ترى .
وقرأ أبو جعفر . وشيبة . وأبو بكر . والحرميان . وقتادة والزهري . والجحدري { *جاءانا } على التثنية أي العاشي والقرين .

(18/359)


ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39)

/ وقوله تعالى : { ولن ينفعكم } الخ حكاية لما سيقال لهم حينئذ من جهة الله عز وجل توبيخا وتقريعا ، وفاعل { ينفعكم } ضمير مستتر يعود على ما يفهم مما قبل أي لن ينفعكم هو أي تمنيكم لمباعدتهم أو الندم أو القول المذكور { اليوم } أي يوم القيامة { إذ ظلمتم } بدل من { اليوم } أي إذ تبين أنكم ظلمتم في الدنيا قاله غير واحد ، وفسر ذلك بالتبين قيل لئلا يشكل جعله وهو ماض بدلا من { اليوم } وهو مستقبل لأن تبين كونهم ظالمين عند أنفسهم إنما يكون يوم القيامة فاليوم وزمان التبين متحدان وهذا كقوله :
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... وأورد عليه أن السؤوال عائد لأن { إذ } ظرف لما مضى من الزمان ولا يخرج عن ذلك باعتبار التبين وتقصى بعضهم عن الاشكال لأن إذ قد تخرج من المضي إلى الاستقبال على ما ذهب إليه جماعة منهم ابن مالك محتجا بقوله تعالى : { فسوف يعلمون إذ الاغلال } [ غافر : 70 ، 71 ] وإلى الحال كما ذهب إليه بعضهم مجتجا بقوله سبحانه : { ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه } [ يونس : 61 ] فلتكن هنا للاستقبال ، وأهل العربية يضعفون دعوى خروجها من المضي .
وقال الجلبي : لعل الأظهر حملها على التعليل فيتعلق بالنفي ، فقد قال سيبويه : إنها بمعنى التعليل حرف بمنزلة لام العلة ، نعم أنكر الجمهور هذا القسم لكن إثبات سيبويه إياه يكفي حجة :
فإن القول ما قالت حذام ... وتعقب بأنه لا يكفي في تخريج كلام الله سبحانه إثبات سيبويه وحده مع إطباق جميع أئمة العربية على خلافه ، وأيضا تعليل النفي بعد يبعده وقال أبو حيان : لا يجوز البدل على بقاء إذ على موضوعها من كونها ظرفا لما مضى من الزمان فإن جعلت لمطلق الوقت جاز ، ولا يخفى أن ذلك مجاز فهل تكفي البدلية قرينة له فإن كفت فذاك ، وقال ابن جنى : راجعت أبا علي في هذه المسألة يعني الإبدال المذكور مرارا وآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان وهما سواء في حكم الله سبحانه وعلمه جل شأنه إذ لا يجري عليه عز وجل زمان فكأن { إذ } مستقبل أو { اليوم } ماض فصح ذلك ، ورد بأن المعتبر حال الحكاية والكلام فيها وارد على ما تعارفه العرب ولولاه لسد باب النكات ولغت الاعتبارات في العبارات ومثله غني عن البيان ، وقال أبو البقاء : التقدير بعد إذ ظلمتم فحذف المضاف لعلم به ، وقال الحوفي : { إذ } متعلقة بما دل عليه المعنى كأنه قيل ولن ينفعكم اليوم اجتماعكم إذ ظلمتم مثلا .
ومن الناس من استشكل الآية من حيث أن فيها إعمال { ينفعكم } الدال على الاستقبال لاقترانه بلن في اليوم وهو الزمان الحاحضر وإذ وهو للزمان الماضي ، وأجيب بأنه يدفع الثاني بما قدروه من التبين لأن تبين الحال يكون في الاستقبال والأول بأن { اليوم } تعريفه للعهد وهو يوم القيامة لا للحضور كتعيرف الآن وان كان نوعا منه .

(18/360)


وقيل : يدفع بأن الاستقبال بالنسبة إلى وقت الخطاب وهو بعض أوقات اليوم وهو كما ترى فتأمل ولا تغفل .
وقوله تعالى : { أنكم فى العذاب مشتركون } تعليل لنفي النفع أي لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا .
وجوز أن يكون الفعل مسندا إليه أي لن ينفكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه لتعاونهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لشدته وعنائه وذلك أن كل واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته أو لن ينفعكم ذلك من حيث التأسي فإن المكروب يتأسى ويتروح بوجدان المشارك وهو الذي عنته الخنساء بقولها :
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره بكل مغيب شمس
ولولا كثرة الباكين حولي ... على اخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... اعزى النفس عنه بالتأسي
فهؤلاء يؤسيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه أو لن ينفعكم ذلك من حيث التشفي أي لن يحصل لكم التشفي بكون قرنائكم معذبين مثلكم حيث كنتم تدعون عليهم بقولكلم : { ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا } [ الأحزاب : 68 ] وقولكم : { فآتهم عذابا ضعفا من النار } [ الأعراف : 38 ] لتتشفوا بذلك ، واعترض على الوجه الأول من هذه الأوجه الثلاثة بأن الانتفاع التعاون في تحمل أعباء العذاب ليس ما يخظر ببالهم حتى يرد عليهم بنفيه ، وأجيب بأنه غير بعيد أن يخطر ذلك ببالهم لمكان المقارنة والصحبة والغريق يتشبث بالحشيش والظمآن يحسب السراب شرابا .
وقرأ ابن عامر { إنكم } بكسر الهمزة وهو تقوى ما ذكر أولا من إضمار الفاعل وتقدير اللام في أنكم معنى ولفظا لأنه لا يمكن أن يكون فاعلا فيتعين الإضمار ، ولأن الجملة عليها تكون استئنافا تعليليا فيناسب تقدير اللام لتتوافق القراءتان .

(18/361)


أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40)

{ أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى } إنكار تعجيب من أن يكون صلى الله عليه وسلم هو الذي يقدر على هدايتهم وهم قد تمرنوا في الكفر واعتادوه واستغرقوا في الضلال بحيث صار ما بهم العشي عمي مقرونا بالصمم { ومن كان فى ضلال مبين } عطف على العمي باعتبار تغاير الوصفين أعني العمي والضلال بحسب المفهوم وإن اتحدا مآلا ، ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في الضلال المفرط الذي لا يخفى لا توهم القصور منه عليه الصلاة والسلام ففيه رمز إلى أنه لا يقدر على ذلك إلا الله تعالى وحده بالقسر والالجاء وقد كان صلى الله عليه وسلم يبالغ في المجاهدة في دعاء قومه وهم لا يريدون إلا غيا وتعاميا عما يشاهدونه من شواهد النبوة وتصاما عما يسمعونه من بينات القرآن فنزلت { أفأنت } الخ { فإما نذهبن بك } فإن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم ونشفي بذلك صدرك وصدور المؤمنين .

(18/362)


فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41)

{ فإنا منهم منتقمون } لا محالة في الدنيا والآخرة واقتصر بعضهم على عذاب الآخرة لقوله تعالى في آية أخرى : { أو نتوفينك فإلينا يرجعون } [ غافر : 77 ] والقرآن يفسر بعضه بعضا ، وما ذكرنا أتم فائدة وأوفق باطلاق الانتقام ، وأما تلك الآية فليس فيها ذكره ، وما مزيدة للتأكيد وهي بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكدة .

(18/363)


أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42)

{ أو نرينك الذى وعدناهم } أي أو أردنا أن نريك العذاب الذي وعدناهم { فإنا عليهم مقتدرون } بحيث لا مناص لهم من تحت ملكنا وقهرنا واعتبار الإرادة لأنها أنسب بذكر الاقتدار بعد ، وفي التعبير بالوعد وهو سبحانه لا يخالف الميعاد إشارة إلى أنه هو الواقع ، وهكذا كان إذا لم يفلت أحد من صناديدهم في بدر وغيرها إلا من تحصن بالإيمان ، وقرىء { نرينك } بالنون الخفيفة .

(18/364)


فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43)

{ فاستمسك بالذى أوحى إليك إنك على صراط مستقيم } تسلية له صلى الله عليه وسلم وأمر له عليه الصلاة والسلام أو لأمته بالدوام على التمسك بالآية والعمل بها ، والفاء في جواب شرط مقدر أي إذا كان أحد هذين الأمرين واقعا لا محالة فاستمسك بالذي أوحيناه إليك ، وقوله تعالى : { إنك } الخ تعليل للاستمساك أو للأمر به .
وقرأ بعض قراء الشام { أوحى } بإسكان اللام ، وقرأ الضحاك { أوحى } مبنيا للفاعل .

(18/365)


وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون (44)

{ وأنه } أي ما أوحى إليك والمراد به القرآن { لذكر } لشرف عظيم { لك ولقومك } هم قريش على ما روي عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة . والسدى . وابن زيد .
وأخرج ابن عدي . وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس رضي الله تعالى عنهما قالا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة ويعدهم الظهور فإذا قالوا : لمن الملك بعدك أمسك فلم يجبهم بشيء لأنه عليه الصلاة والسلام لم يؤمر في ذلك بشيء حتى نزلت : { وإنه لذكر لك ولقومك } فكان صلى الله عليه وسلم بعد إذا سئل قال لقريش : فلا يجيبونه حتى قبلته الأنصار على ذلك .
وأخرج الطبراني . وابن مردويه . عن عدي بن حاتم قال : " كنت قاعدا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا إن الله تعالى علم ما في قلبي من حبي لقومي فبشرني فيهم فقال سبحانه : { وإنه لذكر لك ولقومك } الآية فجعل الذكر والشرف لقومي في كتابه " الحديث ، وفيه «فالحمد لله الذي جعل الصديق من قومي والشهيد من قومي إن الله تعالى قلب العباد ظهرا وبطنا فكان خير العرب قريش وهي الشجرة المباركة إلى أن قال عدى : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده قريش بخير قط إلا سره حتى يتبين ذلك السرور في وجهه للناس كلهم وكان عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يتلو هذه الآية { وإنه لذكر لك ولقومك } الخ ، وقيل هم العرب مطلقا لما أن القرآن نزل بلغتهم ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص منهم حتى يكون الشرف لقريش أكثر من غيرهم ثم لبني هاشم أكثر مما يكون لسائر قريش ، وفي رواية عن قتادة هم من اتبعه صلى الله عليه وسلم من أمته .
وقال الحسن : هم الأمة والمعنى وإنه لتذكرة وموعظة لك ولأمتك ، والأرجح عندي القول الأول .
{ وسوف تسئلون } يوم القيامة عنه وعن قيامكم بحقوقه ، وقال الحسن . والكلبي . والزجاج : تسألون عن شكر ما جعله الله تعالى لكم من الشرف ، قيل إن هذه الآية تدل على أن الإنسان يرغب في الثناء الحسن والذكر الجميل إذ لو لم يكن ذلك مرغوبا فيه ما أمتن الله تعالى به على رسوله صلى الله عليه وسلم والذكر الجميل قائم مقام الحياة ولذا قيل ذكر الفتى عمره الثاني ، وقال ابن دريد :
وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثا حسنا لمن وعى
وقال آخر :
إنما الدنيا محاسنها ... طيب ما يبقى من الخبر
ويحكى أن الطاغية هلاكو سأل أصحابه من الملك؟ فقالوا : له أنت الذي دوخت البلاد وملكت الأرض وطاعتك الملوك وكان المؤذن إذ ذاك يؤذن فقال لا الملك هذا الذي له أزيد من ستمائة سنة قد مات وهو يذكر على المآذن في كل يوم وليلة خمس مرات يريد محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(18/366)


واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45)

{ واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ءالهة يعبدون } أي هل حكمنا بعبادة غير الله سبحانه وهل جاءت في ملة من ملل المرسلين عليهم السلام والمراد الاستشهاد بإجماع المرسلين على التوحيد والتنبيه على أنه ليس ببدع ابتدعه صلى الله عليه وسلم ويكذب ويعادي له ، والكلام بتقدير مضاف أي واسأل أمم من أرسلنا أو على جعل سؤال الأمم بمنزلة سؤال المرسلين إليهم .
قال الفراء : هم إنما يخبرون عن كتب الرسل فإذا سألهم عليه الصلاة والسلام فكأنه سأل المرسلين عليهم السلام ، وعلى الوجهين المسؤول الأمم ، وروي ذلك عن الحسن . ومجاهد . وقتادة . والسدى . وعطاء وهو رواية عن ابن عباس أيضا .
وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال في بعض القراءات وأسأل من أرسلنا إليهم رسلنا قبلك .
وأخرج هو وسعيد بن منصور عن مجاهد قال : كان عبد الله يقرأ واسأل الذين ارسلنا إليهم قبلك من رسلنا ، وعن ابن مسعود أنه قرأ وأسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبل مؤمني أهل الكتاب ، وجعل بعضهم السؤال مجازا عن النظر والفحص عن ماللهم في سؤال الديار والاطلال ونحوها من قولهم : سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجني ثمارك .
وروي عن ابن عباس أيضا . وابن جبير . والزهري . وابن زيد أن الكلام على ظاهره وأنه عليه الصلاة والسلام قيل له ذلك ليلة الإسراء حين جمع له الأنبياء في البيت المقدس فامهم ولم يسألهم عليه الصلاة والسلام إذ لم يكن في شك . وفي بعض الآثار أن ميكال قال لجبريل عليهما السلام : هل سأل محمد صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال : هو أعظم يقينا وأوثق إيمانا من أن يسأل . وتعقب هذا القول بأن المراد بهذا السؤال الزام المشركين وهم منكرون الاسراء ، وللبحث فيه مجال ، والخطاب على جميع ما سمعت لنبينا عليه الصلاة والسلام .
وفي البحر الذي يظهر أنه خطاب للسامع الذي يريد أن يفحص عن الديانات قيل له اسأل أيها الناظر أتباع الرسل أجاءت رسلهم بعبادة غير الله عز وجل فانهم يخبرونك أن ذلك لم يقع ولا يمكن أن يأتوا به ولعمري أنه خلاف الظاهر جدا ، ومما يقضي منه العجب ما قيل : إن المعنى واسألني أو واسألنا عمن أرسلنا وعلق اسال فارتفع من وهو اسم استفهما على الابتداء وأرسلنا خبره والجملة في موضع نصب باسال بعد اسقاط الخافض كأن سؤاله من أرسلت يا رب قبلي من رسلك أجعلت في رسالته آلهة تعبد ثم ساق السؤال فحكى المعنى فرد الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { من قبلك } انتهى ، واسأل من قرأ أبا جاد أيرضى بهذا الكلام ويستحسن تفسير كلام الله تعالى المجيد بذلك :

(18/367)


ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين (46)

{ ولقد أرسلنا موسى بئاياتنا } متلبسا بها { إلى فرعون } أشراف قومه وخصوا بالذكر لأن غيرهم تبع { بعيد فقال } لهم { إنى رسول رب العالمين } اليكم . وأريد باقتصاص ذلك تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبطال قولهم : { لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } [ الزخرف : 31 ] لأن موسى عليه السلام مع عدم زخارف الدنيا لديه كان له مع فرعون وهو ملك جبار ما كان وقد أيده الله سبحانه بوحسه وما أنزل عليه ، والاستشهاد بدعوته عليه السلام إلى التوحيد أثر ما أشير إليه من إجماع جميع الرسل عليهم السلام عليه ويعلم من ذلك وجه مناسبة الآيات لما قبلها ، وقال أبو حيان : مناسبتها من وجهين : الأول أنه ذكر فيما قبل قول المشركين : { لولا نزل } [ الزخرف : 31 ] الخ وفيه زعم أن العظم باجلاه والمال وأشير في هذه الآيات إلى أن مثل ذلك سبق إليه فرعون في قوله : { أليس لى ملك مصر } [ الزخرف : 51 ] الخ فهو قدوتهم في ذلك وقد انتقم منه فكذلك ينتقم منهم ، الثاني أنه سبحانه لما قال : { واسئل } [ الزخرف : 45 ] الخ ذكر جل وعلا قصة موسى وعيسى عليهما السلام وهما أكثر اتباعا ممن سبق من الأنبياء وكل جاء بالتوحيد فلم يكن فيما جاءا به إباحة اتخاذ آلهة من دون الله تعالى كما اتخذت قريش فناسب ذكر قصتهما الآية التي قبلها .

(18/368)


فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47)

{ فلما جاءهم بئاياتنا إذا هم منها يضحكون } أي فاجأهم الضحك منها أي استهزؤا بها أول ما رأوها ولم يتأملوا فيها ، وفي الكشاف جاز أن تجاب لما باذا المفاجاة لأن فعل المفاجأة مقدر معها وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل : فلما جاءهم بآياتنا فاجؤوا وقت ضحكهم ، فالجواب عنده ذلك الفعل وهو العامل في لما ، وقدر ماضيا لأن المعروف في جوابها ، وإذا مفعول به لا ظرف ، وقال أبو حيان : لا نعلم نحو يا ذهب إلى ما ذهب إليه هذا الرجل من أن إذا الفجائية تكون منصوبة بفعل مقدر تقديره فاجأ بل المذاهب فيها ثلاثة . الأول أنها حرف فلا تحتاج إلى عامل . الثاني أنها ظرف مكان فان صرح بعد الاسم بعدها بخبر له كان ذلك الخبر عاملا فيها نحو خرجت فإذا زيد قائم فقائم هو الناصب لها والتقدير خرجت ففي المكان الذي خرجت فيه زيد قائم . الثالث أنها ظرف زمان والعامل فيها الخبر أيضا كأنه قيل : ففي الزمان الذي خرجت فيه زيد قائم : وإذا لم يذكر بعد الاسم خبر أو ذكر اسم منصوب على الحال كانت إذا خبرا للمبتدأ : فإن كان جئة وقلنا : إذا ظرف مكان كان الأمر واضحا وإن قلنا ظرف زمان كان الكلام على حذف مضاف أي ففي الزمان حضور زيد ثم أن المفاجأة التي ادعاها لا يدل المعنى على أنها تكون من الكلام السابق بل يدل على أنها تكون من الكلام التي هي فيه تقول خرجت فإذا الأسد فالمعنى ففاجأتي الأسد دون ففاجأت الأسد انتهى ، وقال الخفاجي ما قيل إن نصبها بفعل المفاجأة المقدر هكذا لم يقله أحد من النحاة لا يلتفت إليه وتفصيله في شورح المغني .

(18/369)


وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48)

{ وما نريهم من ءاية } من الآيات :
{ إلا هى أكبر من أختها } أي من أية مثلها في كونها آية دالة على النبوة واستشكل بأنه يلزم كون كل واحدة من الآيات فاضلة ومفضولة معا وهو يؤدي إلى التناقض وتفضيل الشيء على نفسه لعموم آية في النفي ، وأجيب بأن الغرض من هذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر لا يكدن يتفاوتن فيه على معنى أن كل واحدة لكمالها في نفسها إذا نظر إليها قيل هي أكبر من البواقي لاستقلالها لإفادة المقصود على التمام كما قال الحماسي :
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
وإذا لوحظ الكل توقف عن التفضيل بينهن ، ولقد فاضلت فاطمة بنت خرشب الأنمارية بين أولادها الكملة ربيعة الحفاظ . وعمارة الوهاب . وأنس الفوارس ثم قال : أبصرت مراتبهم متدانية قليلة التفاوت ثكلتهم أن كنت أعلم أيهم أفضل هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها ، وقال بعض الأجلة : المراد بأفعل الزيادة من وجه أي ما نريهم من آية الاهي مختصة بنوع من الاعجاز مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار ، ولا ضير في كون الشيء الواحد فاضلا ومفضولا باعتبارين ، وقد أطال الكلام في ذلك جلال الدين الدواني في حواشيه على الشرح الجديد للتجريد فليراجع ذلك من أراده ، وفي البحر قيل : كانت آياته عليه السلام من كبار الآيات وكانت كل واحدة أكبر من التي قبلها فعلى هذا يكون ثم صفة محذوفة أي من أختها السابقة عليها ولا يبقى في الكلام تعارض ، ولا كيون ذلك الحكم في الآية الأولى لأنه لم يسبقها شيء فتكون أكبر منه ، وذكر بعضهم في الأكبرية أن الأولى تقتضي علما والثانية تقتضي علما منضما إلى علم الأولى فيزداد الرجوع انتهى ، والأولى ما تقدم لشيوع ارادة ذلك المعنى من مثل هذا التركيب { وأخذناهم بالعذاب } كالسنين والجراد والقمل وغيرها :
/ { لعلهم يرجعون } لكي يرجعوا ويتوبوا عما هم عليه من الكفر .

(18/370)


وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49)

{ وقالوا يأيها * أيه * الساحر } قال الجمهور : وهو خطاب تعظيم فقد كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر لاستعظامهم على السحر ، وحكاه في مجمع البيان عن الكلبي . والجبائي ، وقيل : المعنى يا غالب السحرة من ساحره فسحره كخاصمه فخصمه فهو خطاب تعظيم أيضا ، وقيل : الساحر على المعنى المعروف فيه وقد تعودوا دعاءه عليه السلام بذلك قبل ، ومقتضى مقام طلب الدعاء منه عليه السلام أن لا يدعوه به إلا أنهم فرط حسرتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوا به ، وقيل : هو خطاب استهزاء وانتقاص دعاهم إليه شدة شكيمتهم ومزيد حماقتهم وروي ذلك عن الحسن .
ودفع الزمخشري المنافاة بين هذا الخطاب وقولهم الآتي : «أننا لمهتدون» بأن ذلك القول وعد منوى إخلافه وعهد معزوم على نكثه معلق بشرط أن يدعو لهم وينكشف عنهم العذاب وفيه أن الوعد وإن كان منوى الاخلاف لكن إظهار الاخلاف حال التضرع إليه عليه السلام ينافيه لأنهم في استلانة قلبه عليه السلام .
وقيل الأظهر أنهم قالوا يا موسى كما في الأعراف لكن حكى الله تعالى كلامهم هنا على حسب حالهم ووفق ما في قلوبهم تقبيحا لذلك وتسلية لحبيه صلى الله عليه وسلم ويكون ذلك على عكس قوله سبحانه : { إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } [ النساء : 157 ] وجعل على هذا قولهم الآتي مجمل ما فصل هنالك من الإيمان وآرسال بني إسرائيل فلا يحتاج إلى التزام كون القولين فيم جلسبن للجمع بين ما هنا وما هناك ، ولا يخلو عن بعد والالتزام المذكور لا أرى ضررا فيه . وقرىء يا أيه بضم الهاء { ادع لنا ربك } ليكشف عنا العذاب { بما عهد عندك } أي بعده عندك ، والمراد به النبوة وسميت عهدا إما لأن الله تعالى عاهد نبيه عليه السلام أن يكرمه بها وعاهد النبي ربه سبحانه على أن يستقل بأعبائها أو لما فيها من الكلفة بالقيام بأعبائها ومن الاختصاص كما بين المتواثقين أو لأن لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد أو من العهد الذي يكتب للولاة كأن النبوة منشور من الله تعالى بتولية من أكرمه بها والباء إما صلة لا دع أو متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير فيه أي متوسلا إليه تعالى بما عهد أو بمحذوف دل عليه التماسهم مثل اسعفنا إلى ما نطلب ، وإما أن تكون للقسم والجواب ما يأتي ، وهي على هذا للقسم حقيقة وعلى ما قبله للقسم الاستعطافي وعلى الوجه الأول للسببية ، وإذخال ذلك في الاستعطاف خروج عن الاصطلاح ، وجوز أن يراد بالعهد عهد استجابة الدعوة كأنه قيل : بما عاهدك الله تعالى مكرما لك من استجابة دعوتك أو عهد كشف العذاب عمن اهتدى ، وأكر الباب في الوجهين على ما مر؛ وأن يراد بالعهد الإيمان والطاعة أي بما عهد عندك فوفيت به على أنه من عهد إليه أن يفعل كذا أي أخذ منه العهد على فعله ومنه العهد الذي يكتب للولاة ، و { عندك } يغني عن ذكر الصلة مع إفادة أنه محفوظ مخزون عند المخاطب ، والأولى على هذا أن تكون ما موصولة ، وهذا الوجه فيه كما في الكشف نبو لفظا ومعنى وسيالقا على ما لا يخفى على الفطن .

(18/371)


{ إننا لمهتدون } لمؤمنون ثابتون على الإيمان وهو إما معلق بشرط كشف العذاب كما في قولهم المكحي في سورة الأعراف ( 134 ) { لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك } أو غير معلق وجيب حينئد أن يكون هذا منهم في مجلس آخر ، وإن قلنا : لم يصدر منهم طلب الدعاء إلا مرة أو أكثر منها لكن على طرز واحد قيل هنا : أرادوا من الاهتداء الإيمان وإرسال بني إسرائيل كما سمعت آنفا .

(18/372)


فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (50)

{ فلما كشفنا عنهم العذاب } أي بدعوته ففي الكلام حذف أي فدعانا بكشف العذاب فكشفناه فلما كشفناه عنهم { إذا هم ينكثون } فاجأهم نكث عهدهم بالاهتداء أو فاجؤوا وقت نكث عهدهم . وقرأ أبو حيوة { ينكثون } بكسر الكاف .

(18/373)


ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51)

{ ونادى فرعون فى قومه قال ياقوم * قوم *أليس لى ملك مصر وهذه الانهار تجرى من تحتى } أي رفع صوته بنفسه فيما بين قومه بذلك القول ، ولعله جمع عظماء القبط في محله الذي هو فيه بعد أن كشف العذاب فنادى فيما بينهم بذلك لتنتشر مقالته في جميع القبط ويعظم في نفوسهم مخافة أن يؤمنوا بموسى عليه السلام ويتركوه .
ويجوز أن يكون إسناد النداء إليه مجازا والمراد أمر بالنداء بذلك في الأسواق والأزقة ومجامع الناس وهذا كما يقال بنى الأمير المدينة ، { ونادى } قيل معطوف على فاجأ المقدر ونزل منزلة اللازم وعدى بفي كقوله :
يجرح في عراقيبها نصلى ... للدلالة على تمكين النداء فيهم ، وعنى بملك مصر ضبطها والتصرف فيها بالحكم ولم يرد مصر نفسها بل هي وما يتبعها وذلك من اسكندرية إلى أسوان كما في «البحر» ، والأنهار الخلجان التي تخرج من النيل المبارك كنهر الملك . ونهر دمياط . ونهر تنيس ولعل نهر طولون كان منها إذ ذاك لكنه اندرس فجدده أحمد بن طولون ملك مصر في الإسلام وأراد بقوله : { من تحتى } من تحت أمري .
وقال غير واحد كانت أنها تخرج من النيل وتجري من تحت قصره وهو مشرف عليها ، وقيل : كان له سرير عظيم مرتفع تجري من تحته أنهار أخرجها من النيل ، وقال قتادة : كانت له جنان وبساتين بين يديه تجري فيها الأنهار ، وفسر الضحاك الأنهار بالقواد والرؤساء الجبابرة ، ومعنى كونهم يجرون من تحته أنهم يسيرون تحت لوائه ويأتمرون بأمره ، وقد أبعد جدا وكذا من فسرها بالأموال ومن فسرها بالخليل وقال : كما يسمى الفرس بحرا يسمى نهرا بل التفاسير الثلاثة تقرب من تفاسير الباطنية فلا ينبغي أن يلتفت إليها ، والواو في { وهذه } الخ إما عاطفة لهذه الأنهار على الملك فجملة تجري حال منها أو للحال فهذه مبتدأ و { الانهار } صفة أو عطف بيان وجملة { تجرى } خبر للمبتدأ وجملة هذه الخ حال من ضمير المتكلم ، وجوز أن تكون للعطف { وهذه * تجرى } مبتدأ وخبر والجملة عطف على اسم ليس وخبرها ، وقوله : { أفلا تبصرون } على تقدير المفعول أي أفلا تبصرون ذلك أي ما ذكر ، ويجوز أن ينزل منزلة اللازم والمعنى أليس لكم بصر أو بصيرة ، وقرأ عيسى { تبصرون } بكسر النون فتكون الياء الواقعة مفعولا محذوفة ، وقرأ فهد بن الصقر { يبصرون } بياء الغيبة ذكره في الكامل للهزلي والساجي عن يعقوب ذكره ابن خالويه ، ولا يخفى ما بين افتخار اللعين بملك مصر ودعواه الربوبية من البعد البعيد ، وعن الرشيد أنه لما قرأ هذه الآية قال : لأولينها يعني مصر أخس عبيدي فولاها الخصيب وكان على وضوئه ، وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها فلما شارفها ووقع عليها بصره قال : هي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال : { أليس لى ملك مصر } والله لهي أقل عندي من أن أدخلها فثنى عنانه .

(18/374)


أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52)

{ أم أنا خير } مع هذه البسطة والسعة في الملك والمال { من هذا الذى هو مهين } أي ضعيف حقير أو مبتذل ذليل فهو من المهانة وهي القلة أو الذلة { ولا يكاد يبين } أي الكلام ، والجمهور أنه عليه السلام كان بلسانه بعض شيء من أثر الجمرة لكن اللعين بالغ .
ومن ذهب إلى أن الله تعالى كان أجاب سؤاله حل عقدة من لسانه فلم يبق فيه منها أثر قال : المعنى ولا يكاد يبين حجته الدالة على صدقه فيما يدعي لا أنه لا قدرة له على الإفصاح باللفظ وهو افتراء عليه عليه السلام ألا ترى إلى مناظرته له ورده عليه وإقحامه إياه ، وقيل : عابه بما كان به عليه السلام من الحبسة أيام كان عنده وأراد اللعين أنه عليه السلام ليس معه من العدد وآلات الملك والسياسة ما يعتضد به وهو في نفسه مخل بما ينعت به الرجال من اللسن وإبانة الكلام ، و { أم } على ما نقل عن سيبويه والخليل متصلة ، وقد نزل السبب بعدها منزلة المسبب على ما ذهب إليه الزمخشري ، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع { أم أنا خير } موضع أم تبصرون .
وإيضاح ذلك أن فرعون عليه اللعنة لما قدم أسباب البسطة والرياسة بقوله : { أليس لى } الخ وعقبه بقوله { أفلا تبصرون } [ الزخرف : 51 ] استقصارا لهم وتنبيها على أنه من الوضوح بمكان لا يخفى على ذي عينين قال في مقابله : { أم أنا خير } بمعنى أم تبصرون أني أنا المقدم المتبوع ، وفي العدول تنبيه على أن هذا الشق هو المسلم لا محالة عندكم فكأنه يحكيه عن لسانهم بعدما أبصروا وهو أسلوب عجيب وفن غريب ، وجعله الزمخشري من إنزال السبب مكان المسبب لأن كونه خيرا في نفسه أي محصلا له أسباب التقدم والملك سبب لأن يقال فيه أنت خير منه وقولهم : أنت خير سبب لكونهم بصراء وسبب السبب قد يقال له سبب فلا يرد ما يقال إن السبب قولهم : أنت خير لا قوله : أنا خير ، وقال القاضي البيضاوي : إنه من إنزال المسبب منزلة السبب لأن علمهم بأنه خير مستفاد من الإبصار ، وفيه أن المذكور أنا خير لا أم تعلمون أني خير ، وله أن يقول : ذلك يغني غناه لأنه جعله مسلما معلوما ما عندهم فقال : { أم أنا خير } لا أم تعلمون كما سلف ، ولا يخفى أن ما ذكره الزمخشري أظهر كذا في «الكشف» ، وقال العلامة الثاني في تقرير ذلك : إن قوله : أنا خير سبب لقولهم من جهة بعثه على النظر في أحواله واستعداده لما ادعاه وقولهم : أنت خير سبب لكونهم بصراء عنده فأنا خير سبب له بالواسطة لكن لا يخفى أنه سبب للعلم بذلك والحكم به ، وأما بحسب الوجود فالأمر بالعكس لأن إبصارهم سبب لقولهم أنت خير فتأمل ، وبالجملة إن ما بعد { أم } مؤول بجملة فعلية معلولة لفظا ومعنى هي ما سمعت ونحو ذلك من حيث التأويل

(18/375)


{ أدعوتموهم أم أنتم صامتون } [ الأعراف : 193 ] أي أم صمتم ، وقوله :
أمخدج اليدين أم أتمت ... أي أم متما ، وقيل : حذف المعادل لدلالة المعنى عليه ، والتقدير أفلا تبصرون أم تبصرون أنا خير الخ ، وتعقب بأن هذا لا يجوز إلا إذا كان بعد أم لا نحو أيقول زيد أم لا أي أم لا يقوم فأما حذفه دون لا فليس من كلامهم ، وجوز أن يكون في الكلام طي على نهج الاحتباك والمعنى أهو خير مني فلا تبصرون ما ذكرتكم به أم أنا خير منه لأنكم تبصرونه ، ولا ينبغي الالتفات إليه ، وجوز غير واحد كون { أم } منقطعة مقدرة ببل والهمزة التي للتقرير كأن اللعين قال أثر ما عدد أسباب فضله ومبادىء خيريته : أثبت عندكم واستقر لديكم أني خير وهذه حالي من هذا الخ ، ورجحه بعضهم لما فيه من عدم التكلف في أمر المعادل اللازم أولا لحسن في المتصلة ، وقال السدي . وأبو عبيدة : أم بمعنى بل فيكون قد انتقل من ذلك الكلام إلى إخباره بأنه خير كقول الشاعر :
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح
وقال أبو البقاء : إنها منقطعة لفظا متصلة معنى وأراد ما تقدم من التأويل ، وليس فيه مخالفة لما أجمع عليه النحاة كما توهم ، وجملة { لا يكادون * يبين } معطوفة على الصلة أو مستأنفة أو حالية . وقرىء { أما * أنا خير } بإدخال الهمزة على ما النافية ، وقرأ الباقر رضي الله تعالى عنه { يبين } بفتح التاء من بان إذا ظهر .

(18/376)


فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (53)

{ فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب } كناية عن تمليكه ، قال مجاهد : كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوارين وطوقوه بطوق من ذهب علامة لسودده ، فقال فرعون هلا ألقى رب موسى عليه أساور من ذهب إن كان صادقا ، وهذا من اللعين لزعمه أن الرياسة من لوازم الرسالة كما قال كفار قريش في عظيم القريتين ، والأسورة جمع سوار نحو خمار وأخمرة ، وقرأ الأعمش { أساور } ورويت عن أبي ، وعن أبي عمرو جمع أسورة فهو جمع الجمع ، وقرأ الجمهور { *أساورة } جمع أسوار بمعنى السوار والهاء عوض عن ياء أساوير فإنها تكون في الجمع المحذوف مدته للعوض عنها كما في زنادقة جمع زنديق .
وقد قرأ { *أساوير } عبد الله . وأبى في الرواية المشهورة ، وقرأ الضحاك ألقى مبنيا للفاعل أي الله تعالى أساورة بالنصب { ذهب أو جاء معه الملئكة مقترنين } من قرنته به فاقترن ، وفسر بمقرونين أي به لأنه لازم معناه بناء على هذا ، وفسر أيضا بمتقارنين من اقترن بمعنى تقارن والاقتران مجاز أو كناية عن الإعانة .
ولذا قال ابن عباس : يعينونه على من خالفه ، وقيل : عن التصديق ولولا ذلك لم يكن لذكره بعد قوله معه فائدة ، وهو على الأول حسي وعلى الثاني معنوي ، وقيل : متقارنين بمعنى مجتمعين كثيرين ، وعن قتادة متتابعين .

(18/377)


فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54)

{ فاستخف قومه } فطلب منهم الخفة في مطاوعته على أن السين للطلب على حقيقتها ، ومعنى الخفة السرعة لإجابته ومتابعته كما يقال هم خفوف إذا دعوا وهو مجاز مشهور وقال ابن الأعرابي استخف أحلامهم أي وجدهم خفيفة أحلامهم أي قليلة عقولهم فصيغة الاستفعال للوجدان كالأفعال كما يقال أحمدته وجدته محمودا وفي نسبته ذلك للقوم تجوز { فأطاعوه } فيما أمرهم به { إنهم كانوا قوما فاسقين } فلذلك سارعوا إلى طاعة ذلك الفاسق الغوي .

(18/378)


فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55)

{ فلما ءاسفونا } أي أسخطونا كما قال علي كرم تعالى وجهه . وفي معناه ما قيل أي أغضبونا أشد الغضب أي بأعمالهم . والغضب عند الخلف مجاز عن إرادة العقوبة فيكون صفة ذات أو عن العقوبة فيكون صفة فعل .
وقال أبو عبد الله الرضا رضي الله تعالى عنه : إن الله سبحانه لا يأسف كأسفنا ولكن له جل شأنه أولياء يأسفون ويرضون فجعل سبحانه رضاهم رضاه وغضبهم غضبة تعالى ، وعلى ذلك قال عز وجل : « من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة » وقال سبحانه : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } [ النساء : 80 ] وعليه قيل : المعنى فلما أسفوا موسى عليه السلام ومن معه ، والسلف لا يؤولون ويقولون : الغضب فينا انفعال نفساني وصفاته سبحانه ليست كصفاتنا بوجه من الوجوه ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير الأسف بالحزن وأنه قال هنا أي أحزنوا أولياءنا المؤمنين نحو السحرة وبني إسرائيل .
وذكر الراغب أن الأسف الحزن والغضب معا وقد يقال لكل منهما على الانفراد ، وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضبا ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنا ، ولذلك سئل ابن عباس عنهما فقال : مخرجهما واحد واللفظ مختلف من نازع من يقوى عليه أظهره غيظا وغضبا ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حزنا وجزعا ، وبهذا النظر قال الشاعر :
فحزن كل أخي حزن أخو الغضب ... انتهى ، وعلى جميع الأقوال آسف منقول بالهمزة من أسف .
{ انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين } في اليم .

(18/379)


فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56)

{ فجعلناهم سلفا } قال ابن عباس . وزيد بن أسلم . وقتادة أي متقدمين إلى النار .
وقال غير واحد : قدوة للكفار الذين بعدهم يقتدون بهم في استيجاب مثل عقابهم ونزوله بهم ، والكلام على الاستعارة لأن الخلف يقتدي بالسلف فلما اقتدوا بهم في الكفر جعلوا كأنهم اقتدوا بهم في معلول الغضب وهو مصدر نعت به ولذا يصح إطلاقه على القليل والكثير ، وقيل : جمع سالف كحارس وحرس وخادم وخدم وهذا يحتمل أن يراد بالجمع فيه ظاهره ويحتمل أن يراد به اسم الجمع فإن فعلا ليس من أبنية الجموع لغلبته في المفردات ، والمشهور في جمعه أسلاف وجاء سلاف أيضا .
وقرأ أبو عبد الله . وأصحابه . وسعيد بن عياش . والأعمش . والأعرج . وطلحة . وحمزة والكسائي { سلفا } بضمتين جمع سليف كفريق لفظا ومعنى ، سمع القاسم بن معن العرب تقول : مضى سليف من الناس يعنون فريقا ، منهم وقيل : جمع سلف كصبر جمع صابر أو جمع سلف كجنب .
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . ومجاهد . والأعرج . أيضا سلفا بضم ففتح إما على أنه أبدلت فيه ضمة اللام فتحة تخفيفا كما يقال في جدد بضم الدال جدد بفتحها أو على أنه جمع سلفة بمعنى الأمة والجماعة من الناس أي فجعلناهم أمة سلفت ، والسلف بالضم فالفتح في غير هذا ولد القبح والجمع سلفان كصردان ويضم .
{ ومثلا للاخرين } أي عظة لهم ، والمراد بهم الكفار بعدهم ، والجار متعلق على التنازع بسلفا ومثلا ، ويجوز أن يراد بالمثل القصة العجيبة التي تسير مسير الأمثال؛ ومعنى كونهم مثلا للكفار أن يقال لهم : مثلكم مثل قوم فرعون ، ويجوز تعلق الجار بالثاني وتعميم الآخرين بحيث يشمل المؤمنين ، وكونهم قصة عجيبة للجميع ظاهر .

(18/380)


ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57)

{ ولما ضرب ابن مريم مثلا } الخ بيان لعناد قريش بالباطل والرد عليهم ، فقد روي أن عبد الله بن الزبعري قبل إسلامه ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم وقد سمعه يقول : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } [ الأنبياء : 98 ] أليست النصارى يعبدون المسيح وأنت تقول كان نبيا وعبدا من عباد الله تعالى صالحا فإن كان في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه ففرح قريش وضحكوا وارتفعت أصواتهم وذلك قوله تعالى : { إذا قومك منه يصدون } فالمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى بن مريم مثلا وحاجك بعبادة النصارى إياه إذا قومك من ذلك ولأجله يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحا وجدلا ، والحجة لما كانت تسير مسير الأمثال شهرة قيل لها مثل أو المثل بمعنى المثال أي جعله مقياسا وشاهدا على إبطال قوله عليه الصلاة والسلام : إن آلهتهم من حصب جهنم ، وجعل عيسى عليه السلام نفسه مثلا من باب «الحج عرفة» .
وقرأ أبو جعفر . والأعرج . والنخعي . وأبو رجاء . وابن وثاب . وابن عامر . ونافع . والكسائي { يصدون } بضم الصاد من الصدود ، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه ، وأنكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذه القراءة وهو قبل بلوغه تواترها ، والمعنى عليها إذا قومك من أجل ذلك يعرضون عن الحق بالجدل بحجة داحضة واهية ، وقيل : المراد يثبتون على ما كانوا عليه من الإعراض .
وقال الكسائي . والفراء : يصدون بالكسر ويصدون بالضم لغتان بمعنى واحد مثل { يعرشون } و { يعرشون } [ الأعراف : 137 ] ومعناهما يضجون ، وجوز أن يكون يعرضون .

(18/381)


وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58)

{ وقالوا } تمهيدا لما بنوا عليه من الباطل المموه مما يغتر به السفهاء { ءالهتنا * خير أم هو } أي ظاهر عندك أن عيسى عليه السلام خير من آلهتنا فحيث كان هو في النار فلا بأس بكونها وأيانا فيها ، وحقق الكوفيون الهمزتين همزة الاستفهام والهمزة الأصلية؛ وسهل باقي السبعة الثانية بين بين ، وقرأ ورش في رواية أبي الأزهر بهمزة واحدة على مثال الخبر ، والظاهر أنه على حذف همزة الاستفهام ، وقوله تعالى : { ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } إبطال لباطلهم إجمالا اكتفاء بما فصل في قوله تعالى : { إن الذين سبقت } [ الأنبياء : 101 ] وتنبيها على أنه مما لا يذهب على ذي مسكة بطلانه فكيف على غيره ولكن العناد يعمى ويصم أي ما ضربوا لك ذلك إلا لأجل الجدال والخصام لا لطلب الحق فإنه في غاية البطلان بل هم قوم لد شداد الخصومة مجبولون على المحك أي سؤال الخلق واللجاج ، فجدلا منتصب على أنه مفعول لأجله ، وقيل : هو مصدر في موضع الحال أي مجادلين ، وقرأ ابن مقسم { *جدالا } بكسر الجيم وألف بعد الدال ، وقوله تعالى :

(18/382)


إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59)

{ أجر إن هو } أي ما عيسى ابن مريم { إلا عبد أنعمنا عليه } بالنبوة وروادفها فهو مرفوع المنزلة على القدر لكن ليس له من استحقاق المعبودية من نصيب ، كلام حكيم مشتمل على ما اشتمل عليه قوله تعالى : { إن الذين سبقت } [ الأنبياء : 101 ] ولكن على سبيل الرمز وعلى فساد رأي النصارى في إيثارهم عبادته عليه السلام تعريضا بمكان عبادة قريش غيره سبحانه وتعالى ، وقوله تعالى : { وجعلناه مثلا } أي أمرا عجيبا حقيقا بأن يسير ذكره كالأمثال السائرة { لبنى إسراءيل } حيث خلقناه من غير أب وجعلنا له من أحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ونحو ذلك ما لم نجعل لغيره في زمانه ، كلام أجمل فيه وجه الافتتان به وعليه ، ووجه دلالته على قدرة خالقه تعالى شأنه وبعد استحقاقه عليه السلام عما قرف به إفراطا وتفريطا ، وقوله سبحانه :

(18/383)


ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60)

{ ولو نشاء لجعلنا } الخ تذييل لوجه دلالته على القدرة وأن الافتتان من عدم التأمل وتضمين للإنكار على من اتخذ الملائكة آلهة كما اتخذ عيسى عليهم السلام أي ولو نشاء لقدرتنا على عجائب الأمور وبدائع الفطر لجعلنا بطريق التوليد ومآله لولدنا { منكم } يا رجال { ملئكة } كما ولدنا عيسى من غير أب { فى الارض يخلفون } أي يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم أو يكونون خلفا ونسلا لكم ليعرف تميزنا بالقدرة الباهرة وليعلم أن الملائكة ذوات ممكنة تخلق توليدا كما تخلق إبداعا فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إليه سبحانه وتعالى بالبنوة ، وجوز أن يكون معنى لجعلنا الخ لحولنا بعضكم ملائكة فمن ابتدائية أو تبعيضية و { ملئكة } مفعول ثان أو حال ، وقيل : من للبدل كما في قوله تعالى : { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } [ التوبة : 38 ] وقوله :
ولم تذق من البقول الفستقا ... أي ولو نشاء لجعلنا بدلكم ملائكة يكونون مكانكم بعد إذهابكم ، وإليه يشير كلام قتادة ومجاهد ، والمراد بيان كمال قدرته تعالى لا التوعد بالاستئصال وإن تضمنه فإنه غير ملائم للمقام ، وقيل : لا مانع من قصدهما معا نعم كثير من النحويين لا يثبتون لمن معنى البدلية ويتأولون ما ورد مما يوهم ذلك والأظهر ما قرر أولا .
وذكر العلامة الطيبي عليه الرحمة أن قوله تعالى : { إن هو إلا عبد } [ الزخرف : 59 ] الخ جواب عن جدل الكفرة في قوله سبحانه : { إنكم وما تعبدون } [ الأنبياء : 98 ] الخ وإن تقريره إن جدلكم هذا باطل لأنه عليه السلام ما دخل في ذلك النص الصريح لأن الكلام معكم أيها المشركون وأنتم المخاطبون به وإنما المراد بما تعبدون الأصنام التي تنحتونها بأيديكم وأما عيسى عليه السلام فما هو إلا عبد مكرم منعم عليه بالنبوة مرفوع المنزلة والذكر مشهور في بني إسرائيل كالمثل السائر فمن أين تدخل في قولنا : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } [ الأنبياء : 98 ] ثم لا اعتراض علينا أن نجعل قوما أهلا للنار وآخرين أهلا للجنة إذ لو نشاء لجعلنا منكم ومن أنفسكم أيها الكفرة ملائكة أي عبيدا مكرمون مهتدون وإلى الجنة صائرون كقوله تعالى : { ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها } [ السجدة : 13 ] اه .
وعلى ما ذكرنا أن الكلام في ابطال قد تم عند قوله تعالى : { خصمون } [ الزخرف : 58 ] وما بعد لما سمعت قبل وهو أدق وأولى مما ذكره بل ما أشار إليه من أن قوله تعالى : { ولو نشاء } الخ لنفي الاعتراض ليس بشيء . وروي أن ابن الزبعرى قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين سمع قوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله * لخزنة جهنم } [ الأنبياء : 98 ] أهذا لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه الصلاة والسلام : هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم فقال : خصمتك ورب الكعبة أليست النصارى يعبدون المسيح ، واليهود عزيرا ، وبنو مليح الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم ففرحوا وضحكوا وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى :

(18/384)


{ إن الذين سبقت } [ الأنبياء : 101 ] الآية أو نزلت هذه الآية ، وأنكر بعضهم السكوت ، وذكر أن ابن الزبعرى حين قال للنبي عليه الصلاة والسلام : خصمتك رد عليه صلى الله عليه وسلم بقوله ما أجهلك بلغة قومك أما فهمت أن ما لما لا يعقل ، وروى محيي السنة في المعالم أن ابن الزبعرى قال له عليه الصلاة والسلام : أنت قلت : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ؟ قال : نعم قال : أليست اليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد المسيح وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل هم يعبدون الشيطان فأنزل الله تعالى : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } [ الأنبياء : 101 ] وهذا أثبت من الخبر الذي قبله . وتعقب ما تقدم في الخبر السابق من سؤال ابن الزبعرى أهذا لنا الخ ، وقوله عليه الصلاة والسلام : هو لكم الخ بأنه ليس بثبت .
وذكر من أثبته أنه صلى الله عليه وسلم إنما لم يجب حين سئل عن الخصوص والعموم بالخصوص عملا بما تقتضيه كلمة { ما } لأن إخراج المعهودين عن الحكم عند المحاجة موهم للرخصة في عبادتهم في الجملة فعممه عليه الصلاة والسلام للكل لكن لا بطريق عبارة النص بل بطريق الدلالة بجامع الاشتراك في المعبودية من دون الله تعالى ثم بين أنهم بمعزل من أن يكونوا معبوديهم بما جاء في خبر محي السنة من قوله عليه الصلاة والسلام : بل هم يعبدون الشيطان كما نطق به قوله تعالى : { سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن } [ سبأ : 41 ] الآية ، وقد تقدم ما ينفعك تذكره فتذكر . وفي «الدر المنثور» أخرج الإمام أحمد . وابن أبي حاتم . والطبراني . وابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش : إنه ليس أحد يعبد من دون الله تعالى فيه خير فقالوا : ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله تعالى صالحا فإن كنت صادقا فإنه كآلهتنا فأنزل الله سبحانه : { ولما ضرب ابن مريم مثلا } [ الزخرف : 57 ] الخ ، والكلام في الآيات على هذه الرواية يعلم مما تقدم بأدنى التفات ، وقيل : إن المشركين لما سمعوا قوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب } [ آل عمران : 59 ] قالوا : نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آدميا ونحن نعبد الملائكة فنزلت ، فالمثل ما في قوله تعالى : { إن مثل عيسى } الآية والضارب هو تعالى شأنه أي ولما بين الله سبحانه حاله العجيبة اتخذه قومك ذريعة إلى ترويج ما هم فيه من الباطل بأنه مع كونه مخلوقا بشرا قد عبد فنحن أهدى حيث عبدنا ملائكة مطهرين مكرمين عليه وهو الذي عنوه بقولهم :

(18/385)


{ أآلهتنا خير أم هو } [ الزخرف : 58 ] فأبطل الله تعالى ذلك بأنه مقايسة باطل بباطل وأنهم في اتخاذهم العبد المنعم عليه إلها مبطلون مثلكم في اتخاذ الملائكة وهم عباد مكرمون ، ثم قوله سبحانه : { ولو نشاء لجعلنا منكم } دلالة على أن الملائكة عليهم السلام مخلوقون مثله وأنه سبحانه قادر على أعجب من خلق عيسى عليه السلام وأنه لا فرق في ذلك بين المخلوق توالدا وإبداعا فلا يصلح القسمان للإلهية . وفي رواية عن ابن عباس . وقتادة أنه لما نزل قوله تعالى : { إن مثل عيسى } الآية قالت قريش : ما أراد محمد صلى الله عليه وسلم من ذكر عيسى عليه السلام إلا أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى .
ومعنى { يصدون } [ الزخرف : 57 ] يضجون ويضجرون ، والضمير في { أم } [ الزخرف : 58 ] هو لنبينا عليه الصلاة والسلام ، وغرضهم بالموازنة بينه صلى الله عليه وسلم وبين آلهتهم الاستهزاء به عليه الصلاة والسلام ، وقوله تعالى : { ولو نشاء } الخ رد وتكذيب لهم في افترائهم عليه صلى الله عليه وسلم ببيان أن عيسى عليه السلام في الحقيقة وفيما أوحى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ليس إلا أنه عبد منعم عليه كما ذكر فكيف يرضى صلى الله عليه وسلم بمعبوديته أو كيف يتوهم الرضا بمعبودية نفسه ثم بين جل شأنه أن مثل عيسى ليس ببدع من قدرة الله تعالى وأنه قادر على أبدع منه وأبدع مع التنبيه على سقوط الملائكة عليهم السلام أيضا عن درجة المعبودية بقوله سبحانه : { ولو نشاء } الخ وفيه أن الدلالة على ذلك المعنى غير واضحة ، وكذلك رجوع الضمير إلى نبينا عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى : { أم هو } مع رجوعه إلى عيسى في قوله سبحانه : { إن هو إلا عبد } [ الزخرف : 59 ] وفيه من فك النظم ما يجب أن يصان الكتاب المعجز عنه ، ولا يكاد يقبل القول برجوع الضمير الثاني إليه صلى الله عليه وسلم ، ولعل الرواية عن الحبر غير ثابتة ، وجوز أن يكون مرادهم التنصل عما أنكر عليهم من قولهم : الملائكة عليهم السلام بنات الله سبحانه ومن عبادتهم إياهم كأنهم قالوا : ما قلنا بدعا من القول ولا فعلنا منكرا من الفعل فإن النصارى جعلوا المسيح ابن الله عز وجل فنحن أشف منهم قولا وفعلا حيث نسبنا إليه تعالى الملائكة عليهم السلام وهم نسبوا إليه الأناسي ، وقوله تعالى : { ولو نشاء } الخ عليه كما في الوجه الثاني .

(18/386)


وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61)

{ وأنه } أي عيسى عليه السلام { لعلم للساعة } أي أنه بنزوله شرط من أشراطها وبحدوثه بغير أب أو بإحيائه الموتى دليل على صحة البعث الذي هو معظم ما ينكره الكفرة من الأمور الواقعة في الساعة ، وأيا ما كان فعلم الساعة مجاز عما تعلم به والتعبير به للمبالغة .
وقرأ أبي { لذكر } وهو مجاز كذلك .
وقرأ ابن عباس . وأبو هريرة . وأبو مالك الغفاري . وزيد بن علي . وقتادة . ومجاهد . والضحاك . ومالك بن دينار . والأعمش . والكلبي قال ابن عطية . وأبو نصرة { لعلم } بفتح العين واللام أي لعلامة .
وقرأ عكرمة . قال ابن خالويه . وأبو نصرة { لا * لعلم } معرفا بفتحتين والحصر إضافي ، وقيل : باعتبار أنه أعظم العلامات ، وقد نطقت الأخبار بنزوله عليه السلام فقد أخرج البخاري . ومسلم . والترمذي . وأبو داود . وابن ماجه عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لينزلن ابن مريم حكما عدلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية وليتركن القلاص فلا يسقى عليها وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد " ، وفي رواية «وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ينزل بين ممصرتين كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فليقاتل الناس على الإسلام» وفيه «ويهلك المسيح الدجال» وفي أخرى قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " وفي رواية «فأمكم منكم قال ابن أبي ذئب : تدري ما أمكم منكم؟ قال : تخبرني قال : فأمكم بكتاب ربكم عز وجل وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، والمشهور نزوله عليه السلام بدمشق والناس في صلاة الصبح فيتأخر الإمام وهو المهدي فيقدمه عيسى عليه السلام ويصلي خلفه ويقول : إنما أقيمت لك .
وقيل بل يتقدم هو ويؤم الناس والأكثرون على اقتدائه بالمهدي في تلك الصلاة دفعا لتوهم نزوله ناسخا وأما في غيرها فيؤم هو الناس لأنه الأفضل والشيعة تأبى ذلك .
وفي بعض الروايات أنه عليه السلام ينزل على ثنية يقال لها أفيق بفاء وقاف بوزن أمير وهي هنا مكان بالقدس الشريف نفسه ويمكث في الأرض على ما جاء في رواية عن ابن عباس أربعين سنة وفي رواية سبع سنين قيل والأربعون إنما هي مدة مكثه قبل الرفع وبعده ثم يموت ويدفن في الحجرة الشريفة النبوية ، وتمام الكلام في البحور الزاخرة للسفاريني ، وعن الحسن . وقتادة . وابن جبير أن ضمير { أنه } للقرآن لما أن فيه الإعلام بالساعة فجعله عين العلم مبالغة أيضا ، وضعف بأنه لم يجر للقرآن ذكر هنا مع عدم مناسبة ذلك للسياق ، وقالت فرقة : يعود على النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال عليه الصلاة والسلام :

(18/387)


« بعثت أنا والساعة كهاتين » وفيه من البعد ما فيه .
وكأن هؤلاء يجعلون ضمير { أم هو } [ الزخرف : 58 ] وضمير { إن هو } [ الزخرف : 59 ] له صلى الله عليه وسلم أيضا وهو كما ترى { فلا تمترن بها } فلا تشكن في وقوعها { واتبعون } أي واتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي ، وقيل : هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا من جهته عز وجل فهو بتقدير القول أي وقل اتبعوني { هذا } أي الذي أدعوكم إليه أو القرآن على أن الضمير في { أنه } له { صراط مستقيم } موصل إلى الحق .

(18/388)


ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62)

{ ولا يصدنكم الشيطان } عن اتباعي { إنه لكم عدو مبين } أي بين العداوة أو مظهرها حيث أخرج أباكم من الجنة وعرضكم للبلية .

(18/389)


ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63)

{ ولما جاء عيسى بالبينات } بالأمور الواضحات وهي المعجزات أو آيات الإنجيل أو الشرائع ولا مانع من إرادة الجميع { قال } لبني إسرائيل { قد جئتكم بالحكمة } أي الإنجيل كما قال القشيري : والماوردي ، وقال السدي : بالنبوة ، وفي رواية أخرى عنه هي قضايا يحكم بها العقل ، وقال أبو حيان : أي بما تقتضيه الحكمة الإلهية من الشرائع ، وقال الضحاك : أي بالموعظة { ولابين لكم } متعلق بمقدر أي وجئتكم لأبين لكم ، ولم يترك العاطف ليتعلق بما قبله ليؤذن بالاهتمام بالعلة حيث جعلت كأنها كلام برأسه . وفي «الإرشاد» هو عطف على مقدر ينبىء عنه المجىء بالحكمة كأنه قيل قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها ولأبين لكم { بعض الذى تختلفون فيه } وهو أمر الديانات وما يتعلق بالتكليف دون الأمور التي لم يتعبدوا بمعرفتها ككيفية نضد الأفلاك وأسباب اختلاف تشكلات القمر مثلا فإن الأنبياء عليهم السلام لم يبعثوا لبيان ما يختلف فيه من ذلك ومثلها ما يتعلق بأمر الدنيا ككيفية الزراعة وما يصلح الزرع وما يفسده مثلا فإن الأنبياء عليهم السلام لم يبعثوا لبيانه أيضا كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير النخل " أنتم أعلم بأمور دنياكم "
وجوز أن يراد بهذا البعض بعض أمور الدين المكلف بها وأريد بالبيان البيان على سبيل التفصيل وهي لا يمكن بيان جميعها تفصيلا وبعضها مفوض للاجتهاد ، وقال أبو عبيدة : المراد بعض الذي حرم عليهم وقد أحل عليه السلام لهم لحوم الإبل والشحك من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت ، وقال مجاهد : بعض الذي يختلفون فيه من تبديل التوراة ، وقال قتادة : لأبين لكم اختلاف الذين تحزبوا في أمره عليه السلام { فاتقوا الله } من مخالفتي { وأطيعون } فيما أبلغه عنه تعالى .

(18/390)


إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64)

{ إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه } بيان لما أمرهم بالطاعة فيه وهو اعتقاد التوحيد والتعبد بالشرائع { هذا } أي هذا التوحيد والتعبد بالشرائع { صراط مستقيم } لا يضل سالكه ، وهو إما من تتمة كلام عيسى عليه السلام أو استئناف من الله تعالى مقرر لمقالة عيسى عليه السلام .

(18/391)


فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65)

{ فاختلف الاحزاب } الفرق المتحزبة { من بينهم } من بين من بعث إليهم وخاطبهم بما بما خاطبهم من اليهود والنصارى وهم أمة دعوته عليه السلام ، وقيل : المراد النصارى وهم أمة إجابته عليه السلام ، وقد اختلفوا فرقا ملكانية ونسطورية ويعقوبية { فويل للذين ظلموا } من المختلفين وهم الذين لم يقولوا : إنه عبد الله ورسوله { من عذاب يوم أليم } هو يوم القيامة وأليم صفة عذاب أو يوم على الإسناد المجازي .

(18/392)


هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66)

{ هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } الضمير لقريش ، وأن تأتيهم بدل من الساعة ، والاستثناء مفرغ ، وجوز جعل إلا بمعنى غير والاستفهام للإنكار وينظرون بمعنى ينتظرون أي ما ينتظرون شيئا إلا إتيان الساعة فجأة وهم غافلون عنها ، وفي ذلك تهكم بهم حيث جعل إتيان الساعة كالمنتظر الذي لا بد من وقوعه .
ولما جاز اجتماع الفجأة والشعور وجب أن يقيد ذلك بقوله سبحانه : { وهم لا يشعرون } لعدم إغناء الأول عنه فلا استدراك ، وقيل : يجوز أن يراد بلا يشعرون الإثبات لأن الكلام وارد على الإنكار كأنه قيل : هل يزعمون أنها تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون أي لا يكون ذلك بل تأتيهم وهم فطنون ، وفيه ما فيه ، وقيل : ضمير { ينظرون } للذين ظلموا ، وقيل : للناس مطلقا وأيد بما أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تقوم الساعة والرجلات يحلبان النعجة والرجلان يطويان الثوب ثم قرأ عليه الصلاة والسلام هل ينظرون إلا الساعة أن تؤتيهم بغتة وهم لا يشعرون } » .

(18/393)


الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67)

{ الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } الظرف متعلق بعدو والفصل لا يضر ، والمراد أن المحبات تنقطع يوم إذ تأتيهم الساعة ولا يبقى إلا محبة المتقين وهم المتصادقون في الله عز وجل لما أنهم يرون ثواب التحاب في الله تعالى ، واعتبار الانقطاع لأن الخل حال كونه خلا محال أن يصير عدوا . وقيل : المعنى الإخلاء تنقطع خلتهم ذلك اليوم إلا المجتنبين إخلاء السوء ، والفرق بين الوجهين أن المتقي في الأول : هو المحب لصاحبه في الله تعالى فاتقى الحب أن يشوبه غرض غير إلهي ، وفي الثاني : من اتقى صحبة الأشرار .
والاستثناء فيهما متصل ، وجوز أن يكون يومئذ متعلقا بالإخلاء والمراد به في الدنيا ومتعلق عدو مقدر أي في الآخرة والآية قيل نزلت في أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط .

(18/394)


يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68)

{ المتقين ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } حكاية لما ينادي به المتقون المتحابون في الله تعالى يومئذ فهو بتقدير قول أي فيقال لهم يا عبادي الخ أو فأقول : لهم بناء على أن المنادي هو الله عز وجل تشريفا لهم ، وعن المعتمر بن سليمان أن الناس حين يبعثون ليس منهم أحدا لا يفزع فينادي مناديا عباد الخ فيرجوها الناس كلهم فيتبعها قوله تعالى :

(18/395)


الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69)

{ الذين ءامنوا * الذين ءامنوا بئاياتنا } فييأس منها الكفار ، فيا عباد عام مخصوص إما بالآية السابقة وإما باللاحقة ، والأول أوفق من أوجه عديدة .
والموصول إما صفة للمنادي أو بدل أو مفعول لمقدر أي أمدح ونحوه ، وجملة { وكانوا مسلمين } حال من ضمير { ءامنوا } بتقدير قد أو بدونه ، وجوز عطفها على الصلة ، ورجحت الحالية بأن الكلام عليها أبلغ المراد بالإسلام هنا الانقياد والإخلاص ليفيد ذكره بعد الايمان فإذا جعل حالا أفاد بعد تلبسهم به في الماضي اتصاله بزمان الايمان ، وكان تدل على الاستمرار أيضا ومن هنا جاء التأكيد والأبلغية بخلاف العطف ، وكذا الحال المفردة بأن يقال : الذين آمنوا بآياتنا مخلصين ، وقرأ غير واحد من السبعة { فى عبادى } بالياء على الأصل ، والحذف كثير شائع وبه قرأ حفص . وحمزة . والكسائي ، وقرأ ابن محيصن { لا خوف } بالرفع من غير تنوين ، والحسن . والزهري . وابن أبي إسحق . وعيسى . وابن يعمر . ويعقوب . بفتحها من غير تنوين .

(18/396)


ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70)

{ ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم } نساؤكم المؤمنات فالإضافة للاختصاص التام فيخرج من لم يؤمن منهم { تحبرون } تسرون سرورا يظهر حباره أي أثره من النضرة والحسن على وجوهكم كقوله تعالى : { تعرف فى وجوههم نضرة النعيم } [ المطففين : 24 ] أو تزينون من الحبر بفتح الحاء وكسرها وهو الزينة وحسن الهيئة؛ وهذا متحد بما قبله معنى والفرق في المشتق منه ، وقال الزجاج : أي تكرمون إكراما يبالغ فيه ، والحبرة بالفتح المبالغة في الفعل الموصوف بأنه جميل ومنه الإكرام فهو في الأصل عام أريد به بعض أفراده هنا .

(18/397)


يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (71)

{ يطاف عليهم } بعد دخولهم الجنة حيثما أمروا به { بصحاف من ذهب وأكواب } كذلك ، والصحاف جمع صحفة قيل هي كالقصعة ، وقيل : أعظم أواني الأكل الجفنة ثم القصعة ثم الصحفة ثم الكيلة .
والأكواب جمع كوكب وهو كوز لا عروة له ، وهذا معنى قول مجاهد لا إذن له ، وهو على ما روى عن قتادة دون الإبريق ، وقال : بلغنا أنه مدور الرأس ولما كانت أواني المأكول أكثر بالنسبة لأواني المشروب عادة جمع الأول جمع كثرة والثاني جمع قلة ، وقد تظافرت الأخبار بكثرة الصحاف ، أخرج ابن المبارك . وابن أبي الدنيا في صفة الجنة . والطبراني في «الأوسط» بسند رجاله ثقات عن أنس قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل واحد صحفتان واحدة من ذهب والأخرى من فضة في كل واحدة لون ليس في الأخرى مثله يأكل من آخرها مثل ما يؤكل من أولها يجد لآخرها من الطيب واللذة مثل الذي يجد لأولها ثم يكون ذلك كرشح المسك الأذفر لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون إخوانا على سرر متقابلين " وفي حديث رواه عكرمة " إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة لرجل لا يدخل بعده أحد يفسح له في بصره مسيرة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ ليس فيها موضع شبر إلا معمور يغدي عليه كل يوم ويراح بسبعين ألف صحفة في كل صحفة لون ليس في الأخرى مثله شهوته في آخرها كشهوته في أولها لو نزل عليه جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطى لا ينقص ذلك مما أوتي شيئا " وروى ابن أبي شيبة هذا العدد عن كعب أيضا ، وإذا كان ذلك لودنى فما ظنك بالأعلى ، رزقنا الله تعالى ما يليق بجوده وكرمه .
وأمال أبو الحرث عن الكسائي كما ذكر ابن خالويه بصحاف { وفيها } أي في الجنة { ما تشتهيه } من فنو الملاذ { وتلذ الاعين } أي تستلذ وتقر بمشاهدته ، وذكر ذلك الشامل لكل لذة ونعيم بعد ذكر الطواف عليهم بأواني الذهب الذي هو بعض من التنعم والترفه تعميم بعد تخصيص كما أن ذكر لذة العين التي هي جاسوس النفس بعد اشتهاء النفس تخصيص بعد تعميم ، وقال بعض الأجلة : إن قوله تعالى : { يطاف عليهم } بصحاف دل على الأطعمة { وأكواب } على الأشربة ، ولا يبعد أن يحمل قوله سبحانه : { وفيها ما تشتهيه الانفس } على المنكح والملبس وما يتصل بهما ليتكامل جميع المشتهيات النفسانية فبقيت اللذة الكبرى وهي النظر إلى وجه الله تعالى الكريم فكنى عنه بقوله عز وجل : { وتلذ الاعين } ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي عن أنس :

(18/398)


" حبب إلى الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة " وقال قيس بن ملوح :
ولقد هممت بقتلها من حبها ... كيما تكون خصيمتي في المحشر
حتى يطول على الصراط وقوفنا ... وتلذ عيني من لذيذ المنظر
ويوافق هذا قول الإمام جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه : شتان بين ما تشتهي الأنفس وبين ما تلذ الأعين لأن جميع ما في الجنة من النعيم والشهوات في جنب ما تلذ الأعين كأصبع تغمس في البحر لأن شهوات الجنة لها حد ونهاية لأنها مخلوقة ولا تلذ عين في الدار الباقية إلا بالنظر إلى الباقي جل وعز ولا حد لذلك ولا صفة ولا نهاية انتهى ، ويعلم مما ذكر أن المعنى على اعتبار وفيها ما تلذ الأعين وعلى ذلك بني الزمخشري قوله : هذا حصر لأنواع النعم لأنها أما مشتهاة في القلوب أو مستلذة في الأعين ، وتعقبه في «الكشف» فقال : فيه نظر لانتقاضه بمستلذات سائر المشاعر الخمس ، فإن قيل : إنها من القسم الأول قلنا : مستلذ العين كذلك فالوجه أنه ذكر تعظيما لنعيمها بأنه مما يتوافق فيه القلب والعين وهو الغاية عندهم في المحبوب لأن العين مقدمة القلب؛ وهذا قول بأنه ليس في الجملة الثانية اعتبار موصول آخر بل هي والجملة قبلها صلتان لموصول واحد وهو المذكور ، وما تقدم هو الذي يقتضيه كلام الأكثرين ، وحذف الموصول في مثل ذلك شائع ، ولا مانع من إدخال النظر إلى وجهه تعالى الكريم فيما تلذ الأعين على ما ذكرناه أولا ، و { ءال } في الأنفس والأعين للاستغراق على ما قيل ، ولا فرق بين جمع القلة والكثرة .
ولعل من يقول : بأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع ويفرق بين الجمعين في المبدإ والمنتهى يقول : بأن استغراق جمع القلة أشمل من استغراق جمع الكثرة ، وقيل : هي للعهد ، وقيل : عوض عن المضاف إليه أي ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم ، وجمع النفس والعين الباصرة على أفعل في كلامهم أكثر من جمعهما على غيره بل ليس في القرآن الكريم جمع الباصرة إلا على ذلك ، وما أنسب هذا الجمع هنا لمكان { الاخلاء } [ الزخرف : 67 ] وحمل ما تشتهيه النفس على المنكح والملبس وما يتصل بهما خلاف الظاهر .
وفي الأخبار أيضا ما هو ظاهر في العموم ، أخرج ابن أبي شيبة . والترمذي . وابن مردويه عن بريدة قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هل في الجنة خيل فإنها تعجبني؟ قال : إن أحببت ذلك أتيت بفرس من ياقوتة حمراء فتطير بك في الجنة حيث شئت ، فقال له رجل : إن الإبل تعجبني فهل في الجنة من إبل؟ فقال : يا عبد الله إن أدخلت الجنة فلك فيها ما تشتهي نفسك ولذت عينك "

(18/399)


وأخرج أيضا نحوه عن عبد الرحمن بن سابط وقال : هو أصح من الأول ، وجاء نحوه أيضا في روايات أخر فلا يضره ما قيل من ضعف إسناده ، ولا يشكل على العموم أن اللواطة مثلا لا تكون في الجنة لأن ما لا يليق أن يكون فيها لا يشتهي بل قيل في خصوص اللواطة أنه لا يشتهيها في الدنيا الأنفس السليمة .
واختلف الناس هل يكون في الجنة حمل أم لا فذهب بعض إلى الأول ، فقد أخرج الإمام أحمد . وهناد . والدارمي . وعبد بن حميد . وابن ماجه . وابن حبان . والترمذي وحسنه . وابن المنذر . والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال : " قلنا يا رسول الله إن الولد من قرة العين وتمام السرور فهل يولد لأهل الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إن المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي "
/ وذهب طاوس . وإبراهيم النخعي . ومجاهد . وعطاء . وإسحق بن إبراهيم إلى الثاني . فقد روى عن أبي رزين العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أهل الجنة لا يكون لهم ولد " وفي حديث لقيط الطويل الذي رواه عبد الله بن الإمام أحمد . وأبو بكر بن عمرو . وأبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم . والطبراني . وابن حبان . ومحمد بن إسحق بن منده . وابن مردويه . وأبو نعيم . وجماعة من الحفاظ وتلقاه الأئمة بالقبول وقال فيه ابن منده : لا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة قلت : " يا رسول الله أو لنا فيها يعني الجنة أزواج أو منهن مصلحات؟ قال : المصلحات للمصلحين تلذذونهن ويلذذنكم مثل لذاتكم في الدنيا غير أن لا توالد "
وقال مجاهد . وعطاء قوله تعالى : { ولهم فيها أزواج مطهرة } [ البقرة : 25 ] أي مطهرة من الولد والحيض والغائط والبول ونحوها ، وقال إسحق بن إبراهيم في حديث أبي سعيد السابق : إنه على معنى إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي ولكن لا يشتهي ، وتعقب بأن { إذا } لمتحقق الوقوع ولو أريد ما ذكر لقيل . لو اشتهى ، وفي حادي الأرواح إسناد حديث أبي سعيد على شرط الصحيح فرجاله يحتج بهم فيه ولكنه غريب جدا .
وقال السفاريني في «البحور الزاخرة» حديث أبي سعيد أجود أسانيده إسناد الترمذي وقد حكم عليه بالغرابة وأنه لا يعرف إلا من حديث أبي الصديق التاجي وقد اضطرب لفظه فتارة يروى عنه إذا اشتهى الولد وتارة أنه يشتهي الولد وتارة أن الرجل ليولد له ، وإذا قد تستعمل لمجرد التعليق الأعم من المحقق وغيره ، ورجح القول بعدم الولادة بعشرة وجوه مذكورة فيها ، وأنا أختار القول بالولادة كما نطق بها حديث أبي سعيد وقد قال فيه الأستاذ أبو سهل فيما نقله الحاكم : إنه لا ينكره إلا أهل الزيغ ، وفيه غير إسناد ، وليس تكون الولد على الوجه المعهود في الدنيا بل يكون كما نطق به الحديث ومتى كان كذلك فلا يستبعد تكونه من نسيم يخرج وقت الجماع ، وزعم أن الولد إنما يخلق من المني فحيث لا مني في الجنة كما جاء في الاخبار لا خلق فيه تعجيز للقدرة ، ولا ينافي ذلك ما في خديث لقيط لأن المراد هناك نفي التوالد المعهود في الدنيا كما يشير إليه وقوع غير أن لا توالد بعد قوله عليه الصلاة والسلام :

(18/400)


" مثل لذاتكم في الدنيا " ، ويقال نحو ذلك في حديث أبي رزين جمعا بين الأخبار ، ثم إن التوالد ليس على سبيل الاستمرار بل هو تابع للاشتهاء ولا يلزم استمراره فالقول بأنه إن استمر لزم وجود أشخاص لا نهاية لها وإن انقطع لزم انقطاع نوع من لذة أهل الجنة ليس بشيء ، وما قيل : إنه قد ثبت في «الصحيح» أنه صلى الله عليه وسلم قال : " يبقى في الجنة فضل فينشى الله تعالى لها خلقا يسكنهم إياها " ولو كان في الجنة إيلاد لكان الفضل لأولادهم الملازمة فيه ممنوعة لجواز أن يقال من يشتهي الولد يشتهي أن يكون معه في منزله ، والقول بأن التوالد في الدنيا لحكمة بقاء النوع وهو باق في الجنة بدون توالد فيكون عبثا يرد عليه أنه ما المانع من أن يكون هناك للذة ونحوها كالأكل والشرب فإنهما في الدنيا لشيء وفي الجنة لشيء آخر ، وبالجملة ما ذكر لترجيح عدم الولادة من الوجوه مما لا يخفى حاله على من له ذهن وجيه .
وقرأ غير واحد من السبعة وغيرهم { ما تشتهى * الانفس وتلذ الاعين } بحذف الضمير العائد على { ما } من الجملتين المتعاطفتين ، وفي مصحف عبد الله { ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } بالضمير فيهما ، والقراءة به في الأول دون الثانية لأبي جعفر . وشيبة . ونافع . وابن عامر . وحفص { وأنتم فيها } أي في الجنة ، وقيل : في الملاذ المفهومة مما تقدم وهو كما ترى { خالدون } دائمون أبد الآبدين ، والجملة داخلة في حيز النداء وهي كالتأكيد لقوله تعالى : { لا خوف عليكم } [ الزخرف : 68 ] ونودوا بذلك إتماما للنعمة وإكمالا للسرور فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال ومستعقب للتحسر في ثاني الأحوال ، ولله تعالى در القائل :
وإذا نظرت فإن بؤسا زائلا ... للمرء خير من نعيم زائل
وعن النصرأباذي أنه إن كان خلودهم لشهوة الأنفس ولذة الأعين فالفناء خير من ذلك وإن كان لفناء الأوصاف والاتصاف بصفات الحق والمقام فيها على سرر الرضا والمشاهدة فأنتم إذا أنتم ، وأنت تعلم أن ما ذكره يدخل في عموم ما تقدم دخولا أوليا ، وذكر بعضهم هنا أن الخطاب هنا من باب الالتفات وأنه للتشريف .
وقال الطيبي : ذق مع طبعك المستقيم معنى الخطاب والالتفات وتقديم الظرف في { وأنتم فيها خالدون } لتقف على ما لا يكتنهه الوصف .

(18/401)


وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72)

{ وتلك الجنة } مبتدأ وخبر وقوله تعالى : { التى أورثتموها } صفة الجنة وقوله سبحانه : { بما كنتم تعملون } متعلق بأورثتموها ، وقيل : { تلك الجنة } مبتدأ وصفة و { التى أورثتموها } الخبر والجار بعده متعلق به ، وقيل : تلك مبتدأ والجنة صفتها والتي أورثتموها صفة الجنة وبما كنتم متعلق بمحذوف هو الخبر .
والإشارة على الوجه الأول إلى الجنة المذكورة في قوله تعالى : { ادخلوا الجنة } [ الزخرف : 70 ] وعلى الأخيرين إلى الجنة الواقعة صفة على ما قيل ، والباء للسببية أو للمقابلة ، وقد شبه ما استحقوه بأعمالهم الحسنة من الجنة ونعيمها الباقي لهم بما يخلفه المرء لوارثه من الأملاك والأرزاق ويلزمه تشبيه العمل نفسه بالمورث اسم فاعل فاستعير الميراث لما استحقوه ثم اشتق أورثتموها فيكون هناك استعارة تبعية ، وقال بعض : الاستعارة تمثيلية .
وجوز أن تكون مكنية ، وقيل : الإرث مجاز مرسل للنيل والأخذ ، وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار فالكافر يرث المؤمن منزله في النار والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة وذلك قوله تعالى : { وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون } » ولا يخلو الكلام عن مجاز عليه أيضا ، وأيا ما كان فسببية العمل لإيراث الجنة ونيلها ليس إلا بفضل الله تعالى ورحمته عز وجل ، والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم : « لن يدخل أحدكم الجنة عمله » ففي إدخال العمل الجنة على سبيل الاستقلال والسببية التامة فلا تعارض .
وأخرج هناد . وعبد بن حميد في الزهر عن ابن مسعود قال : تجوزون الصراط بعفو الله تعالى وتدخلون الجنة برحمة الله تعالى وتقتسمون المنازل بأعمالكم فتأمل . وقرىء { *ورثتموها } .

(18/402)


لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73)

{ كثيرة منها تأكلون } أي لا تأكلون إلا بعضها وأعقابها باقية في أشجارها فهي مزينة بالثمار أبدا موقرة بها لا ترى شجرة عريانة من ثمرها كما في الدنيا ، وفي الحديث « لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها ءلا نبت مكانها مثلاها » فمن تبعيضية وجوز كونها ابتدائية ، والتقديم للحصر الإضافي وقيل لرعاية الفاصلة .
ولعل تكرير ذكر المطاعم في القرآن العظيم مع أنها كلا شيء بالنسبة إلى سائر أنواع نعيم الجنة لما كان بأكثرهم في الدنيا من الشدة والفاقة فهو تسلية لهم ، وقيل : إن ذلك لكون أكثر المخاطبين عواما نظرهم مقصور على الأكل والشرب . وتعقب بأنه غير تام وللصوفية ، كلام سيأتي في مواضع إن شاء الله تعالى عز وجل :

(18/403)


إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74)

{ إن المجرمين } أي الراسخين في الأجرام الكاملين فيه وهم الكفار فكأنه قيل : إن الكفار { فى عذاب جهنم خالدون } وأيد إرادة ذلك بجعلهم قسيم المؤمنين بالآيات في قوله تعالى : { الذين ءامنوا بئاياتنا } [ الزخرف : 69 ] فلا تدل الآية على خلود عصاة المؤمنين كما ذهب إليه المعتزلية والخوارج ، ولا يضر عدم التعرض لبيان حكمهم بناء على أن المراد بالذين آمنوا المتقون لقوله تعالى : { ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } [ الزخرف : 68 ] والقول بأن الذين آمنوا شامل لهم لأن العلة إيمانهم وإسلامهم لا يخفى ما فيه . والظرف متعلق بخالدون وخالدون خبر إن ، وجوز أن يكون الظرف هو الخبر وخالدون فاعله لاعتماده .

(18/404)


لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75)

{ لا يفتر عنهم } أي لا يخفف عنهم من فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلا ، والمادة بأي صيغة كانت تدل على الضعف مطلقا { وهم فيه } أي في العذاب ، وقرأ عبد الله { فيها } أي في جهنم { مبلسون } حزينون من شدة البأس ، قال الراغب : الإبلاس الحزن المعترض من شدة البأس ومنه اشتق إبليس فيما قيل .
ولما كان المبلس كثيرا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه قيل أبلس فلان إذا سكت وانقطعت حجته انتهى ، وقد فسر الإبلاس هنا بالسكوت وانقطاع الحجة .

(18/405)


وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76)

{ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } لسوء اختيارهم ، و { هم } ضمير فصل فيفيد التخصيص ، وقرأ عبد الله . وأبو زيد { الظالمون } بالرفع على أن هم مبتدأ وهوخبره ، وذكر أبو عمر الجرمي أن لغة تميم جعل ما هو فصل عند غيرهم مبتدأ ويرفعون ما بعده على الخبر ، وقال أبو زيد : سمعتهم يقرؤن { تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم } [ المزمل : 20 ] برفع خير وأعظم ، وقال قيس بن ذريح :
تحن إلى ليلى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر
وقال سيبويه : بلغنا أن رؤبة كان يقول أظن زيدا هو خير منك يعني بالرفع .

(18/406)


ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77)

{ ونادوا } أي من شدة العذاب وفي بعض الآثار يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيقولون : ادعوا مالكا فيدعون { يامالك ليقض علينا ربك } أي ليمتنا من قضى عليه إذا أماته ، ومرادهم سل ربك أن يقضي علينا حتى نستريح ، وإضافتهم الرب إلى ضميره لحثه لا للإنكار ، وهذا لا ينافي الإبلاس على التفسير الأول لأنه صراخ وتمنى للموت من فرط الشدة ، وأما على التفسير الثاني أنه وإن نفاه لكن زمان كل غير زمان الآخر فإن أزمنة العذاب متطاولة وأحقابه ممتدة فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم وعلمهم أنه لا خاص لهم ولو بالموت ويغوثون أوقاتا لشدة ما بهم . وتعقب بأنه لا يناسب دوام الجملة الاسمية أعني وهم مبلسون وقيل إن نادوا معطوف بالواو وهي لا تقتضي ترتيبا ، ولا يخفى أن تلك الجملة حالية لا تنفك عن الخلود .
وقرأ عليه كرم الله تعالى وجهه . وابن مسعود . وابن وثاب . والأعمش { يامال } بالترخيم على لغة من ينتظر وقرأ أبو السوار { يامال } بالترخيم أيضا لكن على لغة من لم ينتظر .
قال ابن جني : وللترخيم في هذا الموضع سر وذلك أنهم لعظم ما هم فيه ضعفت قواهم وذلت أنفسهم فكان هذا من موضع الاختصار ضرورة وبهذا يجاب عن قول ابن عباس وقد حكيت له القراءة به على اللغة الأولى : ما أشغل أهل النار عن الترخيم مشيرا بذلك إلى إنكارها فإن ما للتعجب وفيها معنى الصد يعني أنهم في حالة تشغلهم عن الالتفات إلى الترخيم وترك النداء على الوجه الأكثر في الاستعمال وحاصل الجواب أن هذا الترخيم لم يصدر عنهم لقصد التصرف في الكلام والتفنن فيه كما في قوله :
يحيى رفات العظام بالية ... والحق يامال غير ما تصف
بل للعجز وضيق المجال عن الاتمام كما يشاهد في بعض المكر وبين { ولتنصرنه قال } أي مالك { إنكم ماكثون } مقيمون في العذاب أبدا لا خلاص لكم منه بموت ولا غيره ، وهذا تقنيط ونكاية لهم فوق ما هم فيه ولا يضر في ذلك علمه بيأسهم إن قلنا به .
وذكر بعض الأجلة أن فيه استهزاء لأنه أقام المكث مقام الخلود والمكث يشعر بالانقطاع لأنه كما قال الراغب ثبات مع انتظار ، ويمكن أن يكون وجه الاستهزاء التعبير بماكثون من حيث أنه يشعر بالاختيار وإجابتهم بذلك بعد مدة .
قال ابن عباس يجيبهم بعد مضي ألف سنة ، وقال نوف : بعد مائة ، وقيل ثمانين ، وقيل أربعين .

(18/407)


لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (78)

{ لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون } خطاب توبيخ وتقريع من جهته تعالى مقرر لجواب مالك ومبين لسبب مكثهم ، ولا مانع من خطابه سبحانه الكفرة تقريعا لهم ، وقيل : هو من كلام بعض الملائكة عليهم السلام وهو كما يقول أحد خدم الملك للرعية أعلمناكم وفعلنا بكم قيل لا يجوز أن يكون من قول مالك لا لأن ضمير الجمع ينافيه بل لأن مالكا لا يصح منه أن يقوله لأنه لا خدمة له غير خزنه للنار .
وفيه بحث ، وقيل : في { قال } ضميره تعالى فالكل مقوله عز وجل ، وقيل : إن قوله تعالى : { إنكم ماكثون } [ الزخرف : 77 ] خاتمة حال الفريقين ، وقوله سبحانه لقد الخ كلام آخر مع قريش والمراد عليه جئناكم في هذه السورة أو القرآن بالحق ، وعلى ما تقدم لقد جئناكم في الدنيا بالحق وهو التوحيد وسائر ما يجب الايمان به وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب ولكن أكثركم للحق أي حق كان كارهون لا يقبلونه وينفرون منه وفسر الحق بذلك دون الحق المعهود سواء كان الخطاب لأهل النار أو لقريش لمكان { أكثركم } فإن الحق المعهود كلهم كارهون له مشمئزون منه ، وقد يقال : الظاهر العهد وعبر بالأكثر لأن من الأتباع من يكفر تقليدا . وقرىء { لقد * جئتكم } وقوله تعالى :

(18/408)


أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79)

{ أم أبرموا أمرا } كلام مبتدأ ناع على المشركين ما فعلوا من الكيد برسول الله صلى الله عليه وسلم ، و { أم } منقطعة وما فيها معنى بل للانتقال من توبيخ أهل النار إلى حكاية جناية هؤلاء والهمزة للإنكار فإن أريد بالإبرام الأحكام حقيقة فهي لإنكار الوقوع واستبعاده ، وإن أريد الأحكام صورة فهي لإنكار الواقع واستقباحه أي بل أبرم مشركو مكة أمرا من كيدهم ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم { فإنا مبرمون } كيدنا حقيقة لا هم أو فإنا مبرمون كيدنا بهم حقيقة كما أبرموا كيدهم صورة كقوله تعالى : { أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون } [ الطور : 42 ] والآية إشارة إلى ما كان منهم من تدبير قتله عليه الصلاة والسلام في دار الندوة وإلى ما كان منه عز وجل من تدميرهم ، وقيل : هو من تتمية الكلام السابق ، والمعنى أم أبرموا في تكذيب الحق ورده ولم يقتصروا على كراهته فإنا مبرمون أمرا في مجازاتهم ، فإن كان ذاك خطابا لأهل النار فإبرام الأمر في مجازاتهم هو تخليدهم في النار معذبين؛ وإن كان خطابا لقريش فهو خذلانهم ونصر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم فكأنه قيل : فإنا مبرمون أمرا في مجازاتهم وإظهار أمرك ، وفيه إشارة إلى أن إبرامهم لا يفيدهم ، ولا يغني عنهم شيئا والعدول عن الخطاب في أكثركم إلى الغيبة في أبرموا على هذا القيل للاشعار بأن ذلك أسوأ من كراهتهم ويؤيده ما ذكر أولا على ما قيل قوله تعالى :

(18/409)


أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (80) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81)

{ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم } لأنه يدل على أن ما أبرموه كان أمرا قد أخفوه فيناسب الكيد دون تكذيب الحق لأن الكفرة مجاهرون فيه والمراد بالسر هنا حديث النفس أي بل أيحسبون أنا لا نسمع حديث أنفسهم بذلك الكيد { ونجواهم } أي تناجيهم وتحادثهم سرا .
وقال غير واحد : السر ما حدثوا به أنفسهم أو غيرهم في مكان خال والنجوي ما تكلموا به فيما بينهم بطريق التناجي { بلى } نسمعهما ونطلع عليهما { ورسلنا } الذين يحفظون عليهم أعمالهم { لديهم } ملازمون لهم { يكتبون } أي يكتبونهما أو يكتبون كل ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال التي من جملتها ما ذكر .
والمضارع للاستمرار التجددي ، وهو مع فاعله خبر و { لديهم } حال قدم للفاصلة أو خبر أيضا وجملة المبتدأ والخبر إما عطف على ما يترجم عنه بلى أو حال أي نسمع ذلك والحال أن رسلنا يكتبونه ، وإذا كان المراد بالسر حديث النفس فالآية ظاهرة في أن السر والكلام المخيل مسموع له تعالى ، وكذا هي ظاهرة في أن الحفظة تكتبه كغيره من أقوالهم وأفعالهم الظاهرة ، ولا يبعد ذلك بأن يطلعهم الله تعالى عليه بطريق من طرق الاطلاع فيكتبوه .
ومن خص كتابهم بالأمور الغير القلبية خص السر بما حدث به الغير في مكان خال؛ والظاهر أن حسبانهم ذلك حقيقة ولا يستبعد من الكفرة الجهلة ، فقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : بينا ثلاثة عند الكعبة وأستارها قرشيان وقفي أو ثقفيان وقرشي فقال واحد منهم ترون الله تعالى يسمع كلامنا فقال واحد : إذا جهرتم سمع وإذا أسررتم لم يسمع فنزلت { أم يحسبون * الاية } .
وقيل : إنهم نزلوا في إقدامهم على الباطل وعدم خوفهم من الله عز وجل منزلة من يحسب أن الله سبحانه لا يسمع سره ونجواه { قل } أي للكفرة تحقيقا للحق وتنبيها لهم على أن مخالفتك لهم بعدم عبادتك ما يعبدون من الملائكة عليهم السلام ليس لبغضك وعداوتك لهم أو لمعبوديهم بل إنما هو لجزمك باستحالة ما نسبوا إليهم وبنوا عليه عبادتهم من كونهم بنات الله سبحانه وتعالى { إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } أي لذلك الولد وكان بمعنى صح كما يقال ما كان لك أن تفعل كذا وهو أحد استعمالاتها ، و { أول } أفعل تفضيل والمفضل عليه المقول لهم ، وجوز اعتبار ذلك مطلقا ، والمراد إظهار الرغبة والمسارعة ، والمنساق إلى الذهن الأول .
ووجه الملازمة أنه عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بشؤنه تعالى وبما يجوز عليه وبما لا يجوز وأحرصهم على مراعاة حقوقه وما توجبه من تعظيم ولده سبحانه فإن حق الوالد على شخص يوجب عليه تعظيم ولده لما أن تعظيم الولد تعظيم الوالد ، فالمعنى إن كان للرحمن ولد وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فإنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لعظم أبيه ، وهذا نفي لكينونة ولد له سبحانه على أبلغ وجه وهو الطريق البرهاني والمذهب الكلامي ، فإنه في الحقيقة قياس استثنائي استدل فيه بنفي اللازم البين انتفاؤه وهو عبادته صلى الله عليه وسلم للولد على نفي الملزوم وهو كينونة الولد له سبحانه ، وذلك نظير قوله تعالى :

(18/410)


{ لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } [ الأنبياء : 22 ] لكنه جيء بأن دون لو لجعل ما في حيزها بمنزلة ما لا قطع بعدمه على طريق المساهلة وإرخاء العنان للتبكيت والإفحام .
/ وفي الكشف أن في الآية مبالغة من حيث أنه جعل الممكن في نفسه أعني عبادته عليه الصلاة والسلام لما يدعونه ولدا محالا فهو نفي لعبادة الولد على أبلغ وجه حيث جعل مسببا عن محال ثم نفي للولد كذلك من طريق آخر وهو أنه لما لم يعبد صلى الله عليه وسلم الولد مع كونه أولى بعبادته لو كان دل على نفيه ، ونحوها ذكر في الآية مرويا عن قتادة . والسدى . والطبري .
وأخرج عبد الرزاق . وعبد بن حميد . وابن جرير عن مجاهد أن المعنى قل إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول من عبد الله تعالى وحده وكذبكم بما تقولون فالمراد من كونه عليه الصلاة والسلام أول العابدين كونه صلى الله عليه وسلم من ينكر ذلك عليهم ، والملازمة في الشرطية باعتبار أن نسبتهم الولد له تعالى تقتضي أن يكذبهم النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون أول من ينكره لأنه صاحب الدعوة إلى التوحيد ، وقد خفى ذلك على الإمام فنفى صحة هذا الوجه ، وتكلف بعضهم فقال : إن تسبب الجزاء عن الشرط عليه باعتبار الأولية في العبادة والتوحيد من بينهم فإنهم إذا أطبقوا على ذلك الزعم يكون النبي صلى الله عليه وسلم أولهم في عبادة الله تعالى وحده لا محالة ، وقيل : إن السببية باعتبار الأخبار والذكر نحو أن تضربني فأنا لا أضربك وهو أولى مما قبله ، والإنصاف أن الارتباط خفي لا يظهر إلا لمجاهد ، وحكى أبو حاتم عن جماعة ولم يسم أحدا منهم أن { العابدين } من عبد يعبد كفرح يفرح إذا أنف من الشيء ، ومنه قوله :
وأعبد أن اهجو كليبا بدارم ... وقول الآخر :
متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله ... ويعبد عليه لا محالة ظالما
أي أن كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين من الولد أو من كونه لله سبحانه ونسبته له عز وجل . وروي نحو هذا عن ابن عباس أخرج الطستي عنه أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى : { فأنا أول العابدين } فقال : أنا أول من ينفر عن أن يكون لله تعالى ولد ، وأيد ذلك بقراءة السلمي .

(18/411)


واليماني { العابدين } جمع عبد كحذر وحذرين وهو المعروف في معنى أنف وقلما يقال فيه فابد ، ومن هنا ضعف ابن عرفة هذا الوجه لما فيه من استعمال ما قل استعماله في كلامهم ، وذكر الخليل في كتاب «العين» أنه قرىء { العابدين } بسكون الباء تخفيف العبدين بكسرها ، وقال أبو حاتم : العبد بكسر الباء الشديد الغضب ، وقال أبو عبيدة : العرب تقول عبدني حقي أي جحدني ، وروي عن الحسن . وابن زيد . وزهير بن محمد وهو رواية عن ابن عباس . وقتادة . والسدى أيضا أن { ءان } نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال ذلك وعبد ووحد ، و { كان } عليه للاستمرار والمقصود استمرار النفي لا نفي الاستمرار والفاء للسببية . وتعقب بأنه خلاف الظاهر مع خفاء وجه السببية أو حسنها ، وزعم مكي أنه لا يجوز لا يهامه نفي الولد فيما مضى وهو كما ترى .
وقرأ عبد الله . وابن وثاب . وطلحة . والأعمش . وحمزة . والكسائي كما قال القاضي { ولد } بضم الواو وسكون اللام جمع ولد بفتحهما .

(18/412)


سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82)

{ سبحان رب * السموات والارض * رب العرش عما يصفون } أي عن وصفهم أو الذي يصفونه به من كونه سبحانه له ولد ، وفي إضافة اسم الرب إلى أعظم الإجرام وأقواها تنبيه على أنها وما فيها من المخلوقات حيث كانت تحت ملكوته تعالى وربوبيته عز وجل كيف يتوهم أن يكون شيء منها جزأ منه سبحانه وهو ينافي وجوب الوجود ، وفي تكرير ذلك الاسم الجليل تفخيم لشأن العرش .

(18/413)


فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83)

{ فذرهم } فدعهم غير ملتفت إليهم حيث لم يذعنوا للحق بعد ما سمعوا هذا البرهان الجلي { يخوضوا } في أباطيلهم { ويلعبوا } في دنياهم فإن ما هم فيه من الأقوال والأفعال ليس إلا من باب الجهل ، والجزم لجواب الأمر { حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون } وهو يوم القيامة عند الأكثرين ، وعن عكرمة . وجماعة أنه يوم بدر وقد وعدوا الهلاك فيه ، وقريب منه تفسيره بيوم الموت ، وقيل : ينبغي تفسيره به دون يوم القيامة لأن الغاية للخوض واللعب إنما هو يوم الموت لانقطاعهما بالموت ، وانتصر للأكثرين بأن يوم القيامة هو الويم الموعود وبه سمي في لسان الشرع وتفسيره بذاك مخالف للمعروف ولما بعد من ذكر الساعة ، وما ذكر من أمر الانقطاع مدفوع بأن الموت وما بعده في حكم القيامة ولذا ورد من مات فقد قامت قيامته ومثله قد يراد به الدلالة على طول المدة مع قطع النظر عن الانتهاء فيقال : لا يزال في ضلالة إلى أن تقوم القيامة .
وقرأ أبو جعفر . وابن محيصن . وعبيد بن عقيل . عن أبي عمرو { يلاقوا } مضارع لقي ، والآية قيل منسوخة بآية السيف .

(18/414)


وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (84)

{ وهو الذى فى السماء إله وفى الارض إله } الظرفان متعلقان بإله لأنه صفة بمعنى معبود من أله بمعنى عبد وهو خبر مبتدأ محذوف أي هو إله وذلك عائد الموصول وحذف لطول الصلة بمتعلق الخبر والعطف عليه .
وقال غير واحد : الجار متعلق بإله باعتبار ما ينبىء عنه من معنى المعبودية بالحق بناء على اختصاصه بالمعبود بالحق وهذا كتعلق الجار بالعلم المشتهر بصفة نحو قولك : هو حاتم في طيء حاتم في تغلب ، وعلى هذا تخرج قراءة عمر . وعلي . وعبد الله . وأبي . والحكم بن أبي العالي . وبلال بن أبي بردة . وابن يعمر . وجابر . وابن زيد . وعمر بن عبد العزيز . وأبو شيخ الهنائي . وحميد . وابن مقسم . وابن السميقع { وهو الذى فى السماء * الله وفيكم * الارض * الله } فيعلق الجار بالاسم الجليل باعتبار الوصف المشتهر به ، واعتبر بعضهم معنى الاستحقاق للعبادة وعلل ذلك بأن العبادة بالفعل لا تلزم ، وجوز كون الجار والمجرور صلة الموصول ، و { إله } خبر مبتدأ محذوف أيضا على أن الجملة بيان للصلة وأن كونه سبحانه في السماء على سبيل الإلهية لا على معنى الاستقرار .
واختيار كون { إله } في هذا الوجه خبر مبتدأ محذوف على كونه خبرا آخر للمبتدأ المذكور أو بدلا من الموصول أو من ضميره بناء على تجويزه لأن إبدال النكرة الغير الموصوفة من المعرفة إذا أفادت ما لم يستفد أولا كما هنا جائز حسن على ما قال أبو علي في الحجة لأن البيان ههنا أتم وأهم فلذا رجح مع ما فيه من التقدير وحينئذ فلا فاصل أجنبي بين المتعاطفين ، ولا يجوز كون اجلار والمجرور خبر مقدما وإله مبتدى مؤخرا للزوم خلو الجملة عن العائد مع فساد المعنى ، وفي الآية نفي الآلهة السماوية والأرضية واختصاص الإلهية به عز جل لما فيها من تعريف طرفي الإسناد ، والموصول في مثل ذلك كالمعرف بالأداة وللاعتتاء بكل من إلهيته تعالى في السماء وإلهيته عز وجل في الأرض قيل دوهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } ولم يقل : وهو الذي في السماء وفي الأرض إله أو هو الذي في السماء والأرض إله ، وحديث الإعادة قيل مما لا يجري ههنا لأن القاعدة أغلبية كأكثر قواعد العربية .
وقال بعض الأفاضل : يجوز إجراء القاعدة فيه والمغايرة بين الشيئين أعم من أن تكون بالذات أو بالوصف والاعتبار والمراد هنا الثاني ولا شك أن طريق عبادة أهل السماء له تعالى غير طريق عبادة أهل الأرض على ما يشهد به تتبع الآثار فإذا كان إله بمعنى معبود كان معنى الآية أنه تعالى معبود في السماء على وجه ومعبود في الأرض على وجه آخر ، وإن كان بمعنى التحير فيه فالتحير في أهل السماء غير التحير في أهل الأرض فلا جرم تكون أطوارهم مخالفة لأطوار أهل الأرض ، ومن ذلك اختلاف علومهم فإن علوم أهل الأرض إن كانت ضرورية فأكثرها مستندة إلى الحس وإن كانت نظرية كانت مكتسبة من النظر فإذا انسد طريق النظر والحس عجزوا وتحيروا ولا كذلك أهل السماء لتنزههم عن الكسب والحسن فتحيرهم على نحو آخر ، أو نقول التحير في إدراك ذاته تعالى وصفاته إنما ينشأ من مشاهدة آثار عظمته وكمال قدرته سبحانه ولا شك أن تلك الآثار في السماء أعظم من الآثار في الأرض وعليه فيجوز أن يكون الإله بمعنى المتحير فيه ويكون مجازا عن عظيم الشأن من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم فيكون المعنى أنه تعالى عظيم الشأن في السماء على نحو وعظيم الشأن في الأرض على نحو آخر اه ، ولا يخلو عن شيء كما لا يخفى { وهو الحكيم العليم } كالدليل على النفي والاختصاص المشار إليهما فإن من لا يتصف بكمال الحكمة والعلم لا يستحق الإلهية .

(18/415)


وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (85)

{ وتبارك الذى له ملك * السموات والارض * وما بينهما } كالهواء ومخلوقات الجو المشاهدة وغيرها { وعنده علم الساعة } أي العلم بالساعة أي الزمان الذي تقوم القيامة فيه فالمصدر مضاف لمفعوله ، والساعة بمعناها اللغوي وهو مقدار قليل من الزمان ، ويجوز أن يراد بها معناها الشرعي وهو يوم القيامة ، والمحذور مندفع بأدنى تأمل ، وفي تقديم الخبر إشارة إلى استئثاره تعالى بعلم ذلك { وإليه ترجعون } للجزاء ، والالتفات إلى الخطاب للتهديد ، وقرأ الأكثر بياء الغيبة والفعل في القراءتين مبني للمفعول؛ وقرىء بفتح تاء الخطاب والبناء للفاعل ، وقرىء { تحشرون } بتاء الخطاب أيضا والبناء للمفعول .

(18/416)


ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86)

{ ولا يملك الذين يدعون } أي ولا يملك آلهتهم الذين يدعونهم { من دونه الشفاعة } كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله عز وجل ، وقرىء { تدعون } بتاء الخطاب والتخفيف؛ والسلمي . وابن وقاب بها وشد الدال { إلا من شهد بالحق } الذي هو الوتحيد { وهم يعلمون } أي يعلمونه ، والجملة في موضع الحال ، وقيد بها لأن الشهادة عن غير علم بالمشهود به لا يعول عليها ، وجمع الضمير باعتبار معنى من كما كما أن الافراد أولا باعتبار لفظه ، والمراد به الملائكة . وعيسى وعزيز . وأضرابهم صلاة الله تعالى وسلامه عليهم ، والاستثناء قيل : متصل إن أريد بالذين يدعون من دونه كل ما يعبد من دون الله عز وجل ومنفصل إن أريد بذلك الاصنام فقط ، وقيل : هو منفصل مطلقا وعلل بإن المراد نفي ملك الآلهة الباطلة السفاعة للكفرة ومن شهد بالحق منها لا يملك الشفاعة لهم أيضا وإنما يملك الشفاعة للمؤمنين فكأنه قيل على تقدير التعميم : ولا يملك الذين يدعونهم من دون الله تعالى كائنين ما كانوا السفاعة لهم لكن من شهد بالحق يملك الشفاعة لمن شاء الله سبحانه من المؤمنين؛ فالكلام نظير قولك ) ما جاء القوم إلى إلا زيدا جاء إلى عمرو فتأمل .
وقال مجاهد . وغيره : المراد بمن شهد بالحق المشفوع فيهم ، وجعل الاستثناء عليه متصلا والمستثنى منه محذوفا كأنه قيل : ولا يملك هؤلاء الملائكة واضرابهم الشفاعة في أحد إلا فيمن وحد عن إيقان وإخلاص ومثله في حذف المستثنى منه قوله :
نجا سالم والنفس منه بشرقة ... ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا
أي ولم ينج شيء إلا جفن سيف ، واستدل بالآية على أن العلم ما لا بد منه في الشهادة دون المشاهدة .

(18/417)


ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87)

{ ولئن سألتهم من خلقهم } أي سألت العابدين أو المعبودين { ليقولن الله } لتعذر المكابرة في ذلك من فرط ظهوره ووجه قول المعبودين ذلك أظهر من أن يخفى { فأنى يؤفكون } فكيف يصرفون عن عبادته تعالى إلى عبادة غيره سبحانه ويشركونه معه عز وجل مع إقرارهم بأنه تعالى خالقهم أو مع علمهم بإقرار آلهتهم بذلك ، والفاء جزائية أي إذا كان الأمر كذلك فإني الخ ، والمراد التعجب من اشراكهم مع ذلك ، وقيل : المعنى فكيف يكذبون بعد علمهم بذلك فهو تعجب من عبادة غيره تعالى وإنكارهم للتوحيد مع أنه مركوز في فطرتهم ، وأيا ما كان فهو متعلق بما قبله من التوحيد والإقرار بأنه تعالى هو الخالق ، وأما كون المعنى فكيف أو أين يصرفون عن التصديق بالبعث مع أن الإعادة أهون من الإبداء وجعله متعلقا بأمر الساعة كما قيل فيأباه السياق .
وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو { تؤفكون } بتاء الخطاب .

(18/418)


وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88)

{ وقيله يارب * رب إن *هؤلاء قوم لا يؤمنون } بجر { *قيله } وهي قراءة عاصم . وحمزة . والسلمي . وابن وثاب : والأعمش .
وقرأ الأعرج . وأبو قلابة . ومجاهد . والحسن . وقتادة . ومسلم بن جندب برفعه وهي قراءة شاذة .
وقرأ الجمهور بنصبه ، واختلف في التخريج فقيل الجر على عطفه على لفظ الساعة في قوله تعالى : { وعنده علم الساعة } [ الزخرف : 85 ] أي عنده علم قيله ، والنصب على عطفه على محلها لأنها في محل نصب بعلم المضاف إليها فإنه كما قدمنا مصدر مضاف لمفعوله فكأنه قيل : يعلم الساعة ويعلم قيله ، والرفع على عطفه على { علم الساعة } على حذف مضاف والأصل وعلم قيله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ونسب الوجه الأول لأبي علي والثالث لابن جنى وجميع الأوجه للزجاج وضمير { *قيله } عليها للرسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من قوله تعالى : { ولئن سألتهم } [ الزخرف : 87 ] والقيل والقال والقول مصادر جاءت بمعنى واحد ، والمنادي وما في حيزه مقول القول ، والكلام خارج مخرج التحسر والتحزن والتشكي من عدم إيمان أولئك القوم ، وفي الإشارة إليهم بهؤلاء دون قوله قومي ونحوه تحقير لهم وبتر منهم لسوء حالهم ، والمراد من أخباره تعالى بعلمه ذلك وعيده سبحانه إياهم ، وقيل : الجر على إضمار حرف القسم والنصب على حذفه وإيصال فعله إليه محذوفا والرفع على نحو لعمرك لأفعلن وإليه ذهب الزمخشري وجعل المقول يا رب وقوله سبحانه : { إن هؤلآء } الخ جواب القسم على الأوجه الثلاثة وضمير { *قيله } كما سبق ، والكلام اخبار منه تعالى أنهم لا يؤمنون وإقسامه سبحانه عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : يا رب لرفع شأنه عليه الصلاة والسلام وتعظيم دعائه والتجائه إليه تعالى ، والواو عنده للعطف أعني عطف الجملة القسمية على الجملة الشرطية لكن لما كان القسم بمنزلة الجملة الاعتراضية صارت الواو كالمضمحل عنها معنى العطف ، وفيه أن الحذف الذي تضمنه تخريجه من ألفاظ شاع استعمالها في القسم كعمرك وايمن الله واضح الوجه على الأوجه اللثلاثة ، وأما في غيرها كالقيل هنا فلا حكاه في البحر وهو كما ترى ، وقيل : النصب على العطف على مفعول يكتبون المحذوف أي يكتبون أقوالهم وأفعالهم وقيله يا رب الخ وليس بشيء ، وقيل : هو على العطف على مفعول { يعلمون } [ الزخرف : 86 ] أعني الحق أي يعلمون الحق وقيل الخ ، وهو قول لا يكاد يعقل ، وعن الأخفش أنه على العطف على { سرهم ونجواهم } [ الزخرف : 80 ] ورد بأنه ليس بقوى في المعنى مع وقوع الفصل بما لا يحسن اعتراضا ومع تنافر النظم . وتعقب أن ما ذكر من الفصل ظاهر وأما ضعف المعنى وتنافر النظم فغير مسلم لأن تقديره أم يحسبون أنه لا نسمع سرهم ونجواهم وانا لا نسمع قيله الخ وهو منتظم أتم انتظام ، وعنه أيضا أنه على اضمار فعل من القيل ناصب له على المصدرية والتقدير قال قيله ويؤيده قراءة ابن مسعود { وقال الرسول } والجملة معطوفة على ما قبلها .

(18/419)


ورد بأنه لا يظهر فيه ما يحسن عطفه على الجملة قبله وليس التأكيد بالمصدر في موقعه ولا ارتباط لقوله تعالى : { فاصفح } [ الزخرف : 89 ] به ، وقال العلامة الطيبي : في توجيهه إن قوله تعالى : { ولئن سألتهم } [ الزخرف : 87 ] تقديره وقلنا لك : ولئن سألتهم الخ وقلت : يا رب يأسا من إيمانهم وإنما جعل غائبا على طريق الالتفات لأنه كأنه صلى الله عليه وسلم فاقد نفسه للتحزن عليهم حيث لم ينفع فيهم سعيه واحتشاده ، وقيل : الواو على هذا الوجه للحال وقال بتقدير قد والجملة حالية أي فاني يؤفكون وقد قال الرسول يا رب الخ ، وحاصله فإني يؤفكون وقد شكا الرسول عليه الصلاة والسلام اصرارهم على الكفر وهو خلاف الظاهر ، وقيل : الرفع على الابتداء والخبر يا رب إلى لا يؤمنون أو هو محذوف أي مسمون أو متقبل فملة النداء وما بعده في موضع نصب بقيله والجملة حال أو معطوفة ، ولا يخفى ما في ذلك ، والأوجه عندي ما نسب إلى الزجاج ، والاعتراض عليه بالفصل هين ، وبضعف المعنى والتنافر غير مسلم ، ففي الكشف بعد ذكر تخريج الزجاج الجر أن الفاصل أعني من قوله تعالى : { وإليه ترجعون * إلى * يؤفكون } [ الزخرف : 85 87 ] يصلح اعتراضا لأن قوله سبحانه { وعنده علم الساعة } [ الزخرف : 85 ] مرتبط بقوله تعالى : { حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون } [ الزخرف : 83 ] على ما لا يخفى ، والكلام مسوق للوعيد البالغ بقوله تعالى : { وإليه ترجعون } إلى قوله عز وجل : { وهم يعلمون } [ الزخرف : 85 ، 68 ] متصل بقوله تعالى : { وعنده علم الساعة } [ الزخرف : 85 ] اتصال العصا بلحاها ، وقوله تعالى : { ولئن سألتهم } خطاب لمن يتأنى منه السؤال تتميم لذلك الكلام باستحقاقهم ما أوعدوه لعنادهم البالغ ، ومنه يظهر وقوع التعجب في قوله سبحانه : { فإني * يؤفكون } وعلى هذا ظهر ارتباط وعلم قيله بقوله تعالى : { وعنده علم الساعة } وأن الفاصل متصل بهما اتصالا يجل موقعه ، ومن هذا التقرير يلوح أن ما ذهب إليه الزجاج في الأوجه الثلاثة حسن ، ولك أن ترجحه على ما ذهب إليه الأخفش بتوافق القراءتين ، وأن حمل { ولئن سألتهم } على الخطاب المتروك إلى غير معين أوفق بالمقام من حمله على خطابه عليه الصلاة والسلام وسلامته من اضمار القول قبل قوله تعالى : { ولئن سألتهم } مع أن السياق غير ظاهر الدلالة عليه اه ، وهو أحسن ما رأيته للمفسرين في هذا المقام . وقرأ أبو قلابة { قالت رب } بفتح الباء ووجه ظاهر .

(18/420)


فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89)

{ فاصفح } فأعرض { عنهم } ولا تطمع في إيمانهم ، وأصل الصفح لي صفحة العنق فكنى به عن الإعراض .
{ وقل } لهم { سلام } أي امرى سلام تسلم منكم ومتاركة فليس ذلك أمرا بالسلام عليهم والتحية وإنما هو أمر بالمتاركة ، وحاصله إذا أبيتم القبول فأمري التسلم منكم ، و استدل بعضهم بذلك على جواز السلام على الكفار وابتدائهم بالتحية ، أخرج ابن أبي شيبة . عن شعيب بن الحبحاب قال : كنت مع علي بن عبد الله البارقي فمر علينا يهودي أو نصراني فسلم عليه قال شعيب : فقلت : إنه يهودي أو نصراني فقرأ على آخر سورة الزخرف { وقيله يارب } [ الزخرف : 88 ] إلى الآخر ، وأخرج ابن أبي شيبة أيضا عن عون بن عبد الله أنه قال قلت لعمر بن عبد العزيز كيف تقول أنت في ابتداء أهل الذمة بالسلام؟ فقال : ما أرى بأسا أن نبتدئهم قلت لم؟ قال : لقوله تعالى : { فاصفح عنهم وقل سلام } ومما ذكرنا يعلم ضعفه ، وقال السدى : المعنى قل خيرا بدلا من شرهم ، وقال مقاتل : اردد عليهم معروفا ، وحكى الماوردي أي قل ما تسلم به من شرهم والكل كما ترى والحق ما قدمنا { فسوف يعلمون } حالهم السيئة وإن تأخر ذلك وهو وعيد من الله سبحانه لهم وتسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وقرأ أبو جعفر . والحسن . والأعرج . ونافع . وهشام { تعلمون } بتاء الخطاب على أنه داخل في حيز { قل } وإن أريد من الآية الكف عن القتال فهي منسوخة وإن أريد الكف عن مقابلتهم بالكلام فليست بمنسوخة والله تعالى أعلم .

(18/421)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية