صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

والحكمة في غض الصوت المأمور به أنه أوفر للمتكلم وأبسط لنفس السامع وفهمه { إن أنكر الاصوات } أي أقبحها يقال وجه منكر أي قبيح قال في «البحر» : وهو أفعل بني من فعل المفعول كقولهم : أشغل من ذات النحيين وبناؤه من ذلك شاذ ، وقال بعض : أي أصعبها على السمع وأوحشها من نكر بالضم نكارة ومنه { يوم يدعو الداع إلى شىء نكر } [ القمر : 6 ] أي أمر صعب لا يعرف ، والمراد بالأصوات أصوات الحيوانات أي إن أنكر أصوات الحيوانات { لصوت الحمير } جمع حمار كما صرح به أهل اللغة ولم يخالف فيه غير السهيلي قال : أنه فعيل اسم جمع كالعبيد وقد يطلق على اسم الجمع الجمع عند اللغويين ، والجملة تعليل للأمر بالغض على أبلغ وجه وآكده حيث شبه الرافعون أصواتهمب الحمير وهم مثل في الذم البليغ والتشمية ومثلت أصواتهم بالنهاق الذي أوله زفير وآخره شهيق ثم أخلي الكلام من لفظ التشبيه وأخرج مخرج الاستعارة ، وفي ذلك من المبالغة في الذم والتهجين والإفراط في التثبيط عن رفع الصوت والترغيب عنه ما فيه ، وإفراد الصوت مع جمع ما أضيف هو إليه للإشارة إلى قوة تشابه أصوات الحمير حتى كأنها صوت واحد هو أنكر الأصوات ، وقال الزمخشري أن ذلك لما أن المراد ليس بيان حال صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع بل بيان صوت هذا الجنس من بين أصوات سائر الأجناس ، قيل : فعلى هذا كان المناسب لصوت الحمار بتوحيد المضاف إليه . وأجيب بأن المقصود من الجمع التتميم والمبالغة في التنفير فإن الصوت إذا توافقت عليه الحمير كان أنكر . وأورد عليه أنه يوهم أن الأنكرية في التوافق دون الانفراد وهو لا يناسب المقام ، وأجيب بأنه لا يلتفت إلى مثل هذا التوهم ، وقيل : لم يجمع الصوت المضاف لأنه مصدر وهو لا يثنى ولا يجمع ما لم تقصد الأنواع كما في { أنكر الاصوات } فتأمل ، والظاهر أن قوله تعالى : { إن أنكر الاصوات لصوت الحمير } من كلام لقمان لابنه تنفيرا له عن رفع الصوت ، وقيل : هو من كلام الله تعالى وانتهت وصية لقمان بقوله : { واغضض من صوتك } رد سبحانه به على المشركين الذين كانوا يتفاخرون بجهارة الصوت ورفعه مع أن ذلك يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة وربما يخرق الغشاء الذي هو داخل الأذن وبين عز وجل أن مثلهم في رفع أصواتهم مثل الحمير وأن مثل أصواتهم التي يرفعونها مثل نهاقها في الشدة مع القبح الموحش وهذا الذي يليق أن يجعل وجه شبه لا الخلو عن ذكر الله تعالى كما يتوهم بناء على ما أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري قال : صياح كل شيء تسبيحه إلا لحماء لما أن وجه الشبه ينبغي أن يكون صفة ظاهرة وخلو صوت الحمار عن الذكر ليس كذلك ، على أنا لا نسلم صحة هذا الخبر فإن فيه ما فيه ، ومثله ما شاع بين الجهلة من أن نهيق الحمار لعن للشيعة الذين لا يزالون ينهقون بسب الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومثل هذا من الخرافات التي يمجها السمع ما عدا سمع طويل الأذنين ، والظاهر أن المراد بالغض من الصوت الغض منه عند التكلم والمحاورة ، وقيل : الغض من الصوت مطلقا فيشمل الغض منه عند العطاس فلا ينبغي أن يرفع صوته عنده إن أمكنه عدم الرفع ، وروي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ما يقتضيه ثم أن الغض ممدوح أن لم يدع داع شرعي إلى خلافه ، وأردف الأمر بالقصد في المشي بالأمر بالغض من الصوت لما أنه كثيرا ما يتوصل إلى المطلوب بالصوت بعد العجز عن التوصل إليه بالمشي كذا قيل ، هذا وأبعد بعضهم في الكلام على هذين الأمرين فقال : إن الأول إشارة إلى التوسط في الأفعال والثاني إشارة إلى الاحتراز من فضول الكلام والتوسط في الأقوال ، وجعل قوله تعالى : { إن تك مثقال حبة من خردل } [ لقمان : 61 ] الخ إشارة إلى إصلاح الضمير وهو كما ترى .
وقرأ ابن أبي عبلة { لصوت الحمير } بالجمع بغير لام التأكيد .

(15/446)


ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (20)

{ ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى * السموات وما في الارض } رجوع إلى سنن ما سلف قبل قصة لقمان من خطاب المشركين وتوبيخ لهم على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد ، والتسخير على ما قال الراغب سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهرا ، وفي إرشاد العقل السليم المراد به إما جعل المسخر بحيث ينفع المسخر له أعم من أن يكون منقادا له يتصرف فيه كيف يشاء ويستعمله كيف يريد كعامة ما في الأرض من الأشياء المسخرة للإنسان المستعملة له من الجماد والحيوان أو لا يكون كذلك بل يكون سببا لحصول مراده من غير أن يكون له دخل في استعماله كجميع ما في السماوات من الأشياء التي نيطت بها مصالح العباد معاشا أو معادا ، وأما جعله منقادا للأمر مذللا على أن معنى { لكم } لأجلكم فإن جميع ما في السماوات والأرض من الكائنات مسخرة لله تعالى مستتعبة لمنافع الخلق وما يستعمله الإنسان حسبما يشاء وإن كان مسخرا له بحسب الظاهر فهو في الحقيقة مسخر لله عز وجل { وأسبغ } أي أتم وأوسع { عليكم نعمه } جمع نعمة وهي في الأصل الحالة المستلذة فإن بناء الفعلة كالجلسة والركبة للهيئة ثم استعملت فيما يلائم من الأمور الموجبة لتلك الحالة إطلاقا للمسبب على السبب ، وفي معنى ذلك قولهم : هي ما ينتفع به ويستلذ ومنهم من زاد ويحمل عاقبته ، وقال بعضهم : لا حاجة إلى هذه الزيادة لأن اللذة عند المحققين أمر تحمد عاقبته وعليه لا يكون لله عز وجل على كافر نعمة ، ونقل الطيبي عن الإمام أنه قال : النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ، ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير قالوا : وإنما زدنا قيد الحسنة لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر ، والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظورا لأن جهة الشكر كونه إحسانا وجهة استحقاق الذم والعقاب الحظر فأي امتناع في اجتماعهما ، ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر لإنعامه والذم لمعصية الله تعالى فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك ، أما قولنا : المنفعة فلأن المضرة المحضة لا تكون نعمة ، وقولنا : المفعولة على جهة الإحسان لأنه لو كان نفعا وقصد الفاعل به نفع نفسه لا نفع المفعول به لا يكون نعمة وذلك كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها اه ، ويعلم منه حكم زيادة ويحمد عاقبته { ظاهرة وباطنة } أي محسوسة ومعقولة معروفة لكم وغير معروفة ، وعن مجاهد النعمة الظاهرة ظهور الإسلام والنصرة على الأعداء والباطنة الإمداد من الملائكة عليهم السلام ، وعن الضحاك الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة ، وقيل : الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح والباطنة القلب والعقل والفهم ، وقيل : الظاهرة نعم الدنيا والباطنة نعم الآخرة ، وقيل : الظاهرة نحو إرسال الرسل وإنزال الكتب والتوفيق لقبول الإسلام والإتيان به والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية والباطنة ما أصاب الأرواح في عالم الذر من رشاش نور النور .

(15/447)


وأول الغيث قطر ثم ينسكب ... ونقل بعض الإمامية عن الباقر رضي الله تعالى عنه أنه قال : الظاهرة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من معرفة الله تعالى وتوحيده والباطنة ولا يتنا أهل البيت وعقد مودتنا ، والتعميم الذي أشرنا إليه أولا أولى ، لكن أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عطاء قال : سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى : { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } قال : هذه من كنوز علمي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما الظاهرة فما سوى من خلقك وأما الباطنة فما ستر من عورتك ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم .
وفي رواية أخرى رواها ابن مردويه . والديلمي . والبيهقي . وابن النجار عن ابن عباس أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : { وأسبغ } الخ قال : أما الظاهرة فالإسلام وما سوى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه وأما الباطنة فما ستر من مساوىء عملك فإن صح ما ذكر فلا يعدل عنه إلى التعميم إلا أن يقال : الغرض من تفسير الظاهرة والباطنة بما فسرنا به التمثيل وهو الظاهر لا التخصيص وإلا لتعارض الخبران .
ثم إن ظاهر هذين الخبرين يقتضي كون الذنب وهو المعبر عنه في الأول بما ستر من العورة وفي الثاني بما ستر من مساوىء العمل نعمة ولم نر في كلامهم التصريح بإطلاقها عليه ويلزمه أن من كثرت ذنوبه كثرت نعم الله تعالى عليه فكان المراد أن النعمة الباطنة هي ستر ما ستر من العورة ومساوىء العمل ولم يقل كذلك اعتمادا على وضوح الأمر ، وجاء في بعض الآثار ما يقتضي ذلك ، أخرج ابن أبي حاتم . والبيهقي . عن مقاتل أنه قال في الآية : { ظاهرة } الإسلام { وباطنة } ستره تعالى عليكم المعاصي ، بل جاء في بعض روايات الخبر الثاني وأما ما بطن فستر مساوىء عملك .
وجوز أن يكون { ما } في ما ستر في الخبرين مصدرية ومن صلة ستر لا بيان لما وقرأ . يحيى بن عمارة وأصبغ بالصاد وهي لغة بني كلب يبدلون من السين إذا اجتمعت مع أحد الحروف المستعلية الغين والخاء والقاف صادا فيقولون في سلخ صلخ وفي سقر صقر وفي سائغ صائغ ولا فرق في ذلك بين أني يفصل بينهما فاصل وأن لا يفصل ، وظاهر كلام بعضهم أنه لا فرق أيضا بين أن تتقدم السين على أحد تلك الأحرف وأن تتأخر ، واشترط آخر تقدم السين ، وذكر الخفاجي أنه إبدال مطرد .

(15/448)


وقرأ بعض السبعة . وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { نعمت } بالإفراد . وقرىء { نعمته } بالأفراد والإضافة ، ووجه الإفراد بإرادة الجنس كما قيل ذلك في قوله تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } [ إبراهيم : 4 3 ] وقال الزجاج من قرأ . { نعمت } فعلى معنى ما أعطاهم من التوحيد ومن قرأ نعمه بالجمع فعلى جميع ما أنعم به عليهم والأول أولى ، ونصب { ظاهرة وباطنة } في قراءة التعريف على الحالية وفي قراءة التنكير على الوصفية { ومن الناس من يجادل } من الجدال وهو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة ، وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله كان المتجادلين يفتل كل منهما صاحبه عن رأيه . وقيل : الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصلبة وكأن الجملة في موضع الحال من ضميره تعالى فيما قبل أي ألم تروا أن الله سبحانه فعل ما فعل من الأمور الدالة على وحدته سبحانه وقدرته عز وجل والحال من الناس من ينازع ويخاصم كالنضر بن الحرث وأبي ابن خلف كانا يجادلان النبي صلى الله عليه وسلم { فى الله } أي في توحيده عز وجل وصفاته جل شأنه كالمشركين المنكرين وحدته سبحانه وعموم قدرته جلت قدرته وشمولها للبعث ولم يقل فيه بدل في الله بإرجاع الضمير للاسم الجليل في قوله تعالى : { ألم تروا أن الله سخر لكم } تهويلا لأمر الجدال { بغير علم } مستفاد من دليل عقلي { ولا هدى } راجع إلى رسول مأخوذ منه ، وجوز جعل الهدى نفس الرسول مبالغة وفيه بعد { ولا كتاب } أنزله الله تعالى { منير } أي ذي نور ، والمراد به واضح الدلالة على المقصود ، وقيل : منقذ من ظلمة الجهل والضلال بل يجادلون بمجرد التقليد كما قال سبحانه :

(15/449)


وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21)

{ وإذا قيل لهم } أي لمن يجادل والجمع باعتبار المعنى { اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا } يريدون عبادة ما عبدوه من دون الله عز وجل ، وهذا ظاهر في منع التقليد في أصول الدين والمسألة خلافية فالذي ذهب إليه الأكثرون ورجحه الإمام الرازي والآمدي أنه لا يجوز التقليد في الأصول بل يجب النظر والذي ذهب إليه عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة الجواز وربما قال بعضهم : إنه الواجب على المكلف وإن النظر في ذلك والاجتهاد فيه حرام ، وعلى كل يصح عقائد المقلد المحق وإن كان آثما بترك النظر على الأول؛ وعن الأشعري أنه لا يصح إيمانه ، وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري : هذا مكذوب عليه لما يلزمه تكفير العوام وهم غالب المؤمنين ، والتحقيق أنه إن كان التقليد أخذا لقول الغير بغير حجة مع احتمال شك ووهم بأن لا يجزم المقلد فلا يكفي إيمانه قطعا لأنه لا إيمان مع أدنى تردد فيه وإن كان لكن جزما فيكفي عند الأشعري وغيره خلافا لأبي هاشم في قوله لا يكفي بل لا بد لصحة الإيمان من النظر ، وذكر الخفاجي أنه لا خلاف في امتناع تقليد من لم يعلم أنه مستند إلى دليل حق ، وظاهر ذم المجادلين بغير علم ولا هدى ولا كتاب أنه يكفي النظر الدليل النقلي الحق كما يكفي فيه الدليل العقلي .
{ أولو كان الشيطان يدعوهم } أي يدعو آباءهم لا أنفسهم كما قيل : فإن مدار إنكار الاستتباع كون المتبوعين تابعين للشياطين وينادي عليه قوله تعالى : { أو * لو كان * لا يعقلون شيئا ولا يهتدون * ومثل } بعد قوله سبحانه : { بل نتبع ما ألفينا عليه ءاباءنا } [ البقرة : 170 ] ويعلم منه حال رجوع الضمير إلى المجموع أي أولئك المجادلين وآباءهم { إلى عذاب السعير } أي إلى ما يؤول إليه أو يتسبب منه من الإشراك وإنكار شمول قدرته عز وجل للبعث ونحو ذلك من الضلالات ، وجوز بقاء { عذاب السعير } على حقيقته والاستفهام للإنكار ويفهم التعجيب من السايق أو للتعجيب ويفهم الإنكار من السياق والواو حالية والمعنى أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب ، وجوز كون الواو عاطفة على مقدر أي أيتبعونهم لو لم يكن الشيطان يدعوهم إلى العذاب ولو كان يدعوهم إليه ، وهما قولان مشهوران في الواو الداخلة على { لو } الوصلية ونحوها ، وكذا في احتياجها إلى الجواب قولان قول بالاحتياج وقول بعدمه لانسلاخها عن معنى الشرط ، ومن ذهب إلى الأول قدره هنا لا يتبعوهم وهو مما لا غبار عليه على تقدير كون الواو عاطفة ، وأما على تقدير كونها حالية فزعم بعضهم أنه لا يتسنى وفيه نظر ، وقد مر الكلام على نحو هذه الآية الكريمة فتذكر .

(15/450)


ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور (22)

{ ومن يسلم وجهه إلى الله } بأن فرض إليه تعالى جميع أموره وأقبل عليه سبحانه بقلبه وقالبه ، فالإسلام كالتسليم التفويض ، والوجه الذات ، والكلام كناية عما أشرنا إليه من تسليم الأمور جميعها إليه تعالى والإقبال التام عليه عز وجل وقد يعدى الإسلام باللام قصدا لمعنى الإخلاص .
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . والسلمي . وعبد الله بن مسلم بن يسار { يسلم } بتشديد اللام من التسليم وهو أشهر في معنى التفويض من الإسلام { وهو محسن } أي في أعماله والجملة في موضع الحال .
{ فقد استمسك بالعروة الوثقى } تعلق أتم تعلق بأوثق ما يتعلق به من الأسباب وهذا تشبيه تمثيلي مركب حيث شبه حال المتوكل على الله عز وجل المفوض إليه أموره كلها المحسن في أعماله بمن ترقى في جبل شاهق أو تدلى منه فتمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمور انقطاعه ، وجوز أن يكون هناك استعارة في المفرد وهو العروة الوثقى بأن يشبه التوكل النافع المحمود عاقبته بها فتستعار له { وإلى الله عاقبة الامور } أي هي صائرة إليه عز وجل لا إلى غيره جل جلاله فلا يكون لأحد سواه جل وعلا تصرف فيها بأمر ونهي وثواب وعقاب فيجازي سبحانه هذا المتوكل أحسن الجزاء ، وقيل : فيجازي كلا من هذا المتوكل وذاك المجادل بما يليق به بمقتضى الحكمة ، وأل في الأمور للاستغراق ، وقيل : تحتمل العهد على أن المراد الأمور المذكورة من المجادلة وما بعدها ، وتقديم { إلى الله } للحصر ردا على الكفرة في زعمهم مرجعية آلهتهم لبعض الأمور .
/ واختار بعضهم كونه إجلالا للجلالة ورعاية للفاصلة ظنا منه أن الاستغراق مغن عن الحصر وهو ليس كذلك .

(15/451)


ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23)

{ ومن كفر فلا يحزنك كفره } أي فلا يهمنك ذلك { إلينا } لا إلى غيرنا { مرجعهم } رجوعهم بالبعث يوم القيامة { فننبئهم بما عملوا } أي بعملهم أو بالذي عملوه في الدنيا من الكفر والمعاصي بالعذاب والعقاب ، وقيل : إلينا مرجعهم في الدارين فنجازيهم بالإهلاك والتعذيب والأول أظهر وأيا ما كان فالجملة في موضع التعليل كأنه قيل : لا يهمنك كفر من كفر لأنا ننتقم منه ونعاقبه على عمله أو الذي عمله والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الأول باعتبار لفظها ، وقرىء في السبع { ولا يحزنك } مضارع أحزن مزيد حزم اللام؛ وقدر اللزوم ليكون للنقل فائدة وحزن وأحزن لغتان ، قال اليزيدي : حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرىء بهما ، وذكر الزمخشري أن المستفيض في الاستعمال ماضي الأفعال ومضارع الثلاثي والعهدة في ذلك عليه { إن الله عليم بذات الصدور } تعليل للتنبئة المعبر بها عن المجازاة أن يجازيهم سبحانه لأنه عز وجل عليم بالضمائر فما ظنك بغيرها .

(15/452)


نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24)

{ نمتعهم قليلا } تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا فإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل { ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ } ثقيل عليهم ثقل الأجرام الغلاظ ، والمراد بالاضطرار أي الإلجاء إلزامهم ذلك العذاب الشديد الزام المضطر الذي لا يقدر على الانفكاك مما ألجىء إليه ، وفي الانتصاف تفسير هذا الاضطرار ما في الحديث من أنهم لشدة ما يكابدون من النار يطلبون البرد فيرسل عليهم الزمهرير فيكون أشد عليهم من اللهب فيتمنون عود اللهب اضطرارا فهو اختيار عن اضطرار وبأذيال هذه البلاغة تعلق الكندي حيث قال :
يرون الموت قداما وخلفا ... فيختارون والموت اضطرار
وقيل : المعنى نضم إلى الإحراق الضغط والتضييق فلا تغفل .

(15/453)


ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (25)

{ ولئن سألتهم من خلق * السموات والارض ليقولن الله } أي خلقهن الله تعالى ، وجوز أن يكون التقدير الله خلقهن والأول أولى كما فصل في محله وقولهم ذلك لغاية وضوح الأمر بحيث اضطروا إلى الاعتراف به { قل الحمد لله } على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان ما هم عليه من إشراك غيره تعالى به جل شأنه في العبادة التي لا يستحقها غير الخالق والمنعم الحقيقي .
وجوز جعل المحمود عليه جعل دلائل التوحيد بحيث لا ينكرها المكابر أيضا { بل أكثرهم لا يعلمون } أن ذلك يلزمهم قيل : وفيه إيغال حسن كأنه قال سبحانه : وإن جهلهم انتهى إلى أن لا يعلموا أن الحمد لله ما موقعه في هذا المقام ، وقد مر تمام الكلام في نظير الآية في العنكبوت فتذكر .

(15/454)


لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26)

{ لله ما فى * السموات والارض } خلقا وملكا وتصرفا ليس لأحد سواه عز وجل استقلالا ولا شركة فلا يستحق العبادة فيهما غيره سبحانه وتعالى بوجه من الوجوه ، وهذا إبطال لمعتقدهم من وجه آخر لأن المملوك لا يكون شريكا لمالكه فكيف يستحق ما هو حقه من العبادة وغيرها { إن الله هو الغنى } عن كل شيء { الحميد } المستحق للحمد وإن لم يحمده جل وعلا أحد أو المحمود بالفعل يحمده كل مخلوق بلسان الحال ، وكأن الجملة جواب عما يوشك أن يخطر ببعض الأذهان السقيمة من أنه هل اختصاص ما في السماوات والأرض به عز وجل لحاجته سبحانه إليه ، وهو جواب بنفي الحاجة على أبلغ وجه فقد كان يكفي في الجواب إن الله غني إلا أنه جىء بالجملة متضمنة للحصر للمبالغة وجىء بالحميد أيضا تأكيدا لما تفيده من نفي الحاجة بالإشارة إلى أنه تعالى منهم على من سواه سبحانه أو متصف بسائر صفات الكمال فتأمل جدا ، وقال الطيبي : إن قوله تعالى : { لله ما فى * السموات والارض } تهاون بهم وإبداء أنه تعالى مستغن عنهم وعن حمدهم وعبادتهم ولذلك علل بقوله سبحانه : { إن الله هو الغنى } أي عن حمد الحامدين { الحميد } أي المستحق للحمد وإن لم يحمدوه عز وجل .

(15/455)


ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27)

{ ولو أنما فى الارض من شجرة أقلام } أي لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاما فإن وما بعدها فاعل ثبت مقدر بقرينة كون { ءان } دالة على الثبوت والتحقق وإلى هذا ذهب المبرد ، وقال سيبويه : إن ذلك مبتدأ مستغن عن الخبر لذكر المسند والمسند إليه بعده ، وقيل : مبتدأ خبره مقدر قبله ، وقال ابن عصفور : بعده : و { ما فى الارض } اسم أن و { من شجرة } بيان لما أو للضمير العائد إليها في الظرف فهو في موضع الحال منها أو منه أي ولو ثبت أن الذي استقر في الأرض كائنا من شجرة ، و { أقلام } خبر أن قال أبو حيان : وفيه دليل دعوى الزمخشري وبعض العجم ممن ينصر قوله : إن خبر أن الجائة بعد لو لا يكون إسما جامدا ولا إسما مشتقا بل يجب أن يكون فعلا وهو باطل ولسان العرب طافح بخلافه ، قال الشاعر :
ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومة تدعو عبيدا وأزنما
وقال آخر :
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم
إلى غير ذلك ، وتعقب بأن اشتراط كون خبرها فعلا إنما هو إذا كان مشتقا فلا يرد { أقلام } هنا ولا ما ذكر في البيتين ، وأما قوله تعالى : { لو أنهم بادون } [ الأحزاب : 20 ] فلو فيه للتمني والكلام في خبر أن الواقعة بعد لو الشرطية ، والمراد بشجرة كل شجرة والنكرة قد تعم في الإثبات إذا اقتضى المقام ذلك كما في قوله تعالى : { علمت نفس ما أحضرت } [ التكوير : 4 1 ] وقول ابن عباس رضي الله عنهما لبعض أهل الشام وقد سأله عن المحرم إذا قتل جرادة أيتصدق بتمرة فدية لها؟ تمرة خير من جرادة على ما اختاره جمع ولا نسلم المنافاة بين هذا العموم وهذا التاء فكأنه قيل : ولو أن كل شجرة في الأرض أقلام الخ ، وكون كل شجرة أقلاما باعتبار الأجزاء أو الأغصان فيؤل المعنى إلى لو أن أجراء أو أغصان كل شجرة في الأرض أقلاما الخ ، ويحسن إرادة العموم في نحو ما نحن فيه كون الكلام الذي وقعت فيه النكرة شرطا بلو وللشرط . مطلقا قرب ما من النفي فما ظنك به إذا كان شرطا بها وإن كانت هنا ليست بمعناها المشهور من انتفاء الجواب لانتفاء الشرط أو العكس بل هي دالة على ثبوت الجواب أو حرف شرط في المستقبل على ما فصل في المغنى ، واختيار { شجرة } على أشجار أو شجر لأن الكلام عليه أبعد عن ابعتار التوزيع بأن تكون كل شجرة من الأشجار أو الشجر قلما المخل بمقتضى المقام من المبالغة بكثرة كلماته تعالى شأنه : وفي البحر أن هذا مما وقع فيه المفرد موقع الجمع والنكرة موقع المعرفة ، ونظيره

(15/456)


{ ما ننسخ من ءاية } [ البقرة : 6 10 ] { ما يفتح الله للناس من رحمة } [ فاطر : 2 ] { ولله يسجد ما فى * السموات * وما فى * والارض من دابة } [ النحل : 9 4 ] وقول العرب : هذا أول فارس وهذا أفضل عالم يراد من الآيات ومن الرحمات ومن الدواب وأول الفرسان وأفضل العلماء ذكر المفرد النكرة وأريد به معنى الجمع المعرف باللام وهو مهيع في كلام العرب معروف وكذلك يقدر هنا من الشجرات أو من الأشجار اه فلا تغفل .
وقال الزمخشري : إنه قال سبحانه { شجرة } على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر لأنه أريد تفصيل الشجر شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحد إلا وقد بريت أقلاما . وتعقب بأن إفادة المفرد التفصيل بدون تكرار غير معهود والمعهود إفادته ذلك بالتكرير نحو جاؤوني رجلا رجلا فتأمل ، واختيار جمع القلة في { أقلام } مع أن الأنسب للمقام جمع الكثرة لأنه لم يعهد للقلم جمع سواه وقلام غير متداول فلا يحسن استعماله { والبحر } أي المحيط فأل للعهد لأنه المتبادر ولأنه الفرد للكامل إذ قد يطلق على شعبه وعلى الإنهار العظام كدجلة والفرات ، وجوز إرادة الجنس ولعل الأول أبلع { يمده من بعده } أي من بعد نفاده وقيل من ورائه { سبعة أبحر } مفروضة كل منها مثله في السعة والإحاطة وكثرة الماء ، والمراد بالسبعة الكثرة بحيث تشمل المائة والألف مثلا لا خصوص العدد المعروف كما في قوله عليه الصلاة والسلام : «المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء» واختيرت لها لأنها عدد تام كما عرفت عند الكلام في قوله تعالى : { تلك عشرة كاملة } [ البقرة : 169 ] وكثير من المعدودات التي لها شأن كالسماوات والكواكب السيارة والأقاليم الحقيقة وأيام الأسبوع إلى غير ذلك منحصر في سبع فلعل في ذكرها هنا دون سبعين المتجوز به عن الكثرة أيضا رمزا إلى شأن كون تلك الأبحر عظيمة ذات شأن ولما لم تكن موضوعة في الأصل لذلك بل للعدد المعروف القليل جاء تمييزها أبحر بلفظ القلة دون بحور وإن كان لا يراد به إلا الكثرة ليناسب بين اللفظين فكما تجوز في السبعة واستعملت للتكثير تجوز في أبجر واستعمل فيه أيضا ، وكان الظاهر بعد جعل ما في الأرض من شجرة أقلام أن يقال : والبحر مداد لكن جيء بما في النظم الجليل لأن يمده يغنى عن ذكر المداد لأنه من قولك : مد الدواة وأمدها أي جعلها ذات مداد وزاد في مدادها ففيه دلالة على المداد مع ما يزيد في المبالغة وهو تصوير الإمداد المستمر حالا بعد حال كما تؤذن به صيغة المضارع فأفاد النظم الجليل جعل البحر المحيط بمنزلة الدواة وجعل أبحر سبعة مثله مملوءة مدادا فهي تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع ، ورفع { البحر } على ما استظهره أبو حيان فيه على الابتداء وجملة يمده خبره والواو للحال والجملة حال من الموصول أو الضمير الذي في صلته أي لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاما في حال كون البحر ممدودا بسبعة أبحر ، ولا يضر خلو الجملة عن ضمير ذي الحال فإن الواو يحصل بها من الربط ما لا يتقاعد عن الضمير لدلالتها على المقارنة ، وأشار الزمخشري إلى أن هذه الجملة وما أشبهها كقوله :

(15/457)


وقد اغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد فيد الأوابد هيكل
وجئت والجيش مصطف من الأحوال التي حكمها حكم الظروف لأنها في معناها إذ معنى جئت والجيش مصطف مثلا ومعنى جئت وقد اصطفاف الجيش واحد وحيث أن الظرف يربطه بما قبله تعلقه به وإن لم يكن فيه ضمير وهو إذا وقع حالا استقر فيه الضمير فما يشبهه كأنه فيه ضمير مستقر ، ولا يرد عليه اعتراض أبي حيان بأن الظرف إذا وقع حالا ففي العامل فيه ضمير ينتقل إلى الظرف ، والجملة الإسمية إذا كانت حالا بالواو فليس فيها ضمير منتقل فكيف يقال إنها في حكم الظرف . نعم الحق أن الربط بالواو كاف عن الضمير ولا يحتاج معه إلى تكلف هذه المؤنة ، وجوز أن تكون الجملة حالا من الأرض والعامل فيه معنى الاستقرار والرابط ما سمعت أو أل التي في { البحر } بناء على رأي الكوفيين من جواز كون أل عوضا عن الضمير كما في قوله تعالى : { جنات عدن مفتحة لهم الابواب } [ ص : 0 5 ] أي ولو ثبت كون الذي استقر في الأرض من شجرة أقلاما حال كون بحرها ممدودا بسبعة أبحر قال في الكشف : ولا بد أن يجعل { من شجرة } بيانا للضمير العائد إلى { ما } لئلا يلزم الفصل بين أجزاء الصلة بالأجنبي .
و { البحر } على تقدير جعل أل فيه عوضا عن المضاف إليه العائد إلى الأرض يحتمل أن يراد به المعهود وأن يراد به غيره ، وقال الطيبي : إن البحر على ذلك يعم جميع الأبحر لقرينة الإضافة ويفيد أن السبعة خارجة عن بحر الأرض وعلى ما سواه يحتمل الحصة المعهودة المعلومة عند المخاطب . ورد بأن لا فرق بينهما بل كون بحرها للعهد أظهر لأن العهد أصل الإضافة ولا ينافيه كون الأرض شاملة لجميع الأقطار لأن المعهود البحر المحيط وهو محيط بها كلها ، وجوز الزمخشري كون رفعه بالعطف على محل أن ومعمولها ، وجملة { يمده } حال على تقدير لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاما وثبت البحر ممدودا بسبعة أبحر ، وتعقب بأن الدال على الفعل المحذوف هو أن وخبره على ما قرر في بابه فإذن لا يمكن افضاء المحذوف إلى المعطوف دون ملاحظة دال وفي هذا العطف إخراج عن الملاحظة ، وأجيب بأنه يحتمل في التابع ما لا يحتمل في المتبوع ، ثم لا يخفى أن العطف على هذا من عطف المفرد على المفرد لا المفرد على الجملة كما قيل إذ الظاهر أن المعطوف عليه إنما هو المصدر الواقع فاعلا لثبت وهو مفرد لا جملة ، وجوز أن يكون العطف على ذلك أيضا بناء على رأي من يجعله مبتدأ ، وتعقب بأنه يلزم أن يلي لو الاسم الصريح الواقع مبتدأ إذ يصير التقدير ولو البحر وذلك على ما قال أبو حيان لا يجوز إلا في ضرورة شعر نحو قوله :

(15/458)


لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
وأجيب بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع كما في نحو رب رجل وأخيه يقولان ذلك ، وقال بعضهم : إنه يلزم على العطف السابق أن يلي لو الاسم الصريح وهو أيضا مخصوص بالضرورة وأجاب بما أجيب وفيه عندي تأمل ، وجوز كون الرفع على الابتداء ، وجملة { يمده } خبر المبتدأ والواو واو المعية وجملة المبتدأ وخبره في موضع المفعول معه بناء على أنه يكون جملة كما نقل عن ابن عشام ولا يخفى بعده ، وجوز كون الواو على ذلك للاستئناف وهو استئناف بياني كأنه؟ قيل : ما المداد حينئذ فقيل : والبحر الخ ، وتعقب بأن اقتران الجواب بالواو وإن كانت استئنافية غير معهود ، وما قيل : إنه يقترن بها إذا كان جوابا للسؤال على وجه المناقشة لا للإستعلام مما لا يعتمد عليه ، ومن هنا قيل : الظاهر على إرادة الاستئناف أن يكون نحويا ، وجوز في هذا التركيب غير ما ذكر من أوجه الأعراب أيضا .
وقرأ البصريان { والبحر } بالنصب على أنه معطوف على اسم أن و { *بمده } خبر له أي ولو أن البحر ممدود بسبعة أبحر .
قال ابن الحاجب في أماليه : ولا يستقيم أن يكون { والبحر يمده } حالا لأنه يؤدي إلى تقييد المبتدأ الجامد بالحال ولا يجوز لأنها لبيان الفاعل أو المفعول والمبتدأ ليس كذلك ويؤدي أيضا إلى كون المبتدأ لا خبر له ولا يستقيم أن يكون { أقلام } خبرا له لأنه خبر الأول اه ، ولم يذكر احتمال تقدير الخبر لظهور أنه خلاف الظاهر .
وجوز أن يكون منصوبا على شرطية التفسير عطفا على الفعل المحذوف أعني ثبت ودخول لو على المضارع جائز ، وجملة { يمده } الخ حينئذ لا محل لها من الإعراب .
وقرأ عبد الله { *وبحر } بالتنكير والرفع وخرج ذلك ابن جنى على أنه مبتدأ وخبره محذوف أي هناك بحر يمده الخ ، والواو واو الحال لا محالة ، ولا يجوز أن يعطف على { شجرة أقلام } لأن البحر وما فيه ليس من حديث الشجر والأقلام وإنما هو من حديث المداد .

(15/459)


وفي البحران الواو على هذه القراءة للحال أو للعطف على ما تقدم ، وإذا كانت للحال كان { بحر } مبتدأ وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة تقدم تلك الواو فقد عد من مسوغات الابتداء بالنكرة كما في قوله :
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوءه كل شارق
اه ولا يخفى أنه إذا عطف على فاعل ثبت فجملة { يمده } في موضع الصفة له لا حال منه؛ وجوز ذلك من جوز مجيء الحال من النكرة ، والظاهر على تقدير كونه مبتدأ جعل الجملة خبره ولا حاجة إلى جعل خبره محذوفا كما فعل ابن جنى .
وقرأ ابن مسعود . وأبي { *تمده } بتاء التأنيث من مد كالذي في قراءة الجمهور . وقرأ ابن مسعود أيضا . والحسن . وابن مصرف . وابن هرمز { والبحر يمده } بضم الياء التحتية من الأمداد . قال ابن الشيخ : يمد بفتح فضم ويمد بضم فكسر لغتان بمعنى . وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما { والبحر } أي ما يكتب به من الحبر ، وقال ابن عطية : هو مصدر { ما نفدت كلمات الله } جواب { لو } وفي الكلام اختصار يسمى حذف إيجاز ويدل على المحذوف السياق والتقدير ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله تعالى ما نفدت لعدم تناهيها ونفد تلك الأقلام والمداد لتناهيها ، ونظير ذلك في الاشتمال على إيجاز الحذف قوله تعالى : { أو به أذى من رأسه ففدية } [ البقرة : 196 ] أي فحلق رأسه لدفع ما به من الأذى ففدية ، والمراد بكلماته تعالى كلمات علمه سبحانه وحكمته جل شأنه وهو الذي يقتضيه سبب النزول على ما أخرج ابن جرير عن عكرمة قال : سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروم فأنزل سبحانه { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } [ الإسراء : 5 8 ] فقالوا : تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتنيا التوراة وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا فنزلت { ولو أن } الخ . وظاهر هذا أن اليهود قالوا : ذلك له عليه الصلاة والسلام مشافهة وهو ظاهر في أن الآية مدنية ، وقيل : إنهم أمروا وفد قريش أن يقولوا له صلى الله عليه وسلم ذلك وهذا القائل يقول : أنها مكية ، وحاصل الجواب أنه وإن كان ما أوتيتموه خيرا كثيرا لكونه حكمة إلا أنه قليل بالنسبة إلى حكمته عز وجل . وفي رواية أنه نزل بمكة قوله تعالى : { ويسئلونك } الخ فلما هاجر عليه الصلاة والسلام أتاه أحبار اليهود فقالوا بلغنا أنك تقول : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } أفعنيتنا أم قومك فقال صلى الله عليه وسلم :

(15/460)


« كلا عنيت » فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك إن أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فقال عليه الصلاة والتحية : « هي في علم الله تعالى قليل وقد أتاكم ما إن عملتم به نجوتم » قالوا : يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } [ البقرة : 9 26 ] فكيف يجتمع؟ فقال صلى الله عليه وسلم : « هذا علم قليل وخير كثير » فأنزل الله تعالى هذه الآية . وهذا نص في أن الآية مدنية ، وقيل : المراد بها مقدوراته جل وعلا وعجائبه عز وجل التي إذا أراد سبحانه شيئا منها قال تبارك وتعالى له : { كن فيكون } ( 117 ) ومن ذلك قوله تعالى في عيسى : { وكلمته ألقاها إلى مريم } [ النساء : 171 ] وإطلاق الكلمات على ما ذكر من اطلاق السبب على المسبب ، وعلى هذا وجه ربط الآية بما قبلها أظهر على ما قيل وهو أنه سبحانه لما قال : { لله ما فى * السموات والارض } [ لقمان : 26 ] وكان موهما لتناهي ملكه جل جلاله أردف سبحانه ذلك بما هو ظاهر بعدم التناهي وهذا ما اختاره الإمام في المراد بكلماته تعالى إلا أن في انطباقه على سبب النزول خفاء ، وعن أبي مسلم المراد بها ما وعد سبحانه به أهل طاعته من الثواب وما أوعد جل شأنه به أهل معصيته من العقاب ، وكأن الآية عليه بيان لأكثرية ما لم يظهر بعد من ملكه تعالى بعد بيان كثرة ما ظهر ، وقيل : المراد بها ما هو المتبادر منها بناء على ما أخرج عبد الرزاق . وابن جرير . وابن المنذر . وغيرهم عن قتادة قال : قال المشركون إنما هذا كلام يوشك أن ينفد فنزلت { ولو أنما فى الارض من شجرة أقلام } الآية ، وفي وجه ربط الآية عليه بما قبلها وكذا بما بعدها خفاء جدا إلا أنه لا يقتضي كونها مدنية ، وإيثار الجمع المؤنث السالم بناء على أنه كجمع المذكر جمع قلة لاشعاره وان اقترن بما قد يفيد معه الاستغراق والعموم من أل أو الإضافة نظرا لأصل وضعه وهو القلة بأن ذلك لا يفي بالقليل فكيف بالكثير . وقرأ الحسن . { ما نفدت } بغير تاء { كلام الله } بدل كلمات الله { أن الله عزيز } لا يعجزه جل شأنه شيء { حكيم } لا يخرج عن علمه تعالى وحكمته سبحانه شيء ، والجملة تعليل لعدم نفاد كلماته تبارك وتعالى .

(15/461)


ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28)

{ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } أي الا كخلقها وبعثها في سهولة التأتي بالنسبة إليه عز وجل إذ لا يشغله تعالى شأن عن شأن لأن مناط وجود الكل تعلق إرادته تعالى الواجبة أو قوله جل وعلا : كن مع قدرته سبحانه الذاتية وإمكان المتعلق ولا توقف لذلك على آلة ومباشرة تقتضي التعاقب ليختلف عنده تعالى الواحد والكثير كما يختلف ذلك عند العباد .
{ إن الله سميع } يسمع كل مسموع { بصير } يبصر كل مبصر في حالة واحدة لا يشغله إدراك بعضها عن إدراك بعض فكذا الخلق والبعث وحاصله كما أنه تعالى شأنه يبصر واحد يدرك سبحانه المبصرات وبسمع واحد يسمع جل وعلا المسموعات ولا يشغله بعض ذلك عن بعض كذلك فيما يرجع إلى القدرة والفعل فهو استشهاد بما سلموه فشبه المقدورات فيما يراد منها بالمدركات فيما يدرك منها كذا في الكشف . واستشكل كون ذلك مسلما بأنه قد كان بعضهم إذا طعنوا في الدين يقول : أسروا قولكم لئلا يسمع اله محمد صلى الله عليه وسلم فنزل : { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور } [ الملك : 3 1 ] .
وأجيب بأنه لا اعتداد بمثله من الحماقة بعد ما رد عليهم ما زعموا وأعلموا بما أسروا ، وقيل : إن الجملة تعليل لإثبات القدرة الكاملة بالعلم الواسع وأن شيئا من المقدورات لا يشغله سبحانه عن غيره لعلمه تعالى بتفاصيلها وجزئياتها فيتصرف فيها كما يشاء كما يقال : فلأن يجيد عمل كذا لمعرفته بدقائقه ومتمماته ، والمقصود من إبراد الوصفين إثبات الحشر والنشر لأنهما عمدتان فيه ألا ترى كيف عقب ذلك بما يدل على عظيم القدرة وشمول العلم .
وأيا ما كان يندفع توهم أن المناسب لما قبل أن يقال : إن الله قوي قدير أو نحو ذلك دون ما ذكر لأن الخلق والبعث ليسا من المسموعات والمبصرات ، وعن مقاتل أن كفار قريش قالوا : إن الله تعالى خلقنا أطوارا نطفة علقة مضغة لحما فكيف يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة فنزلت وذكر النقاش أنها نزلت في أبي بن خلف . وأبي الأسود ونبيه . ومنبه ابني الحجاج ، وذكر في سبب نزولها فيهم نحو ما ذكر ، وعلى كون سبب النزول ذلك قيل : المعنى أنه تعالى سميع بقولهم ذلك بصير بما يضمرونه وهو كما ترى .

(15/462)


ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29)

{ ألم تر } قيل : خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم وقيل : عام لكل من يصلح للخطاب وهو الأوفق لما سبق وما لحق أي ألم تعلم .
/ { ألم تر أن الله يولج اليل فى النهار ويولج * اليل } أي يدخل كل واحد منها في الآخر ويضيفه سبحانه إليه فيتفاوت بذلك حاله زيادة ونقصانا ، وعدل عن يولج أحد الملوين في الآخر مع أنه اخصر للدلالة على استقلال كل منهما في الدلالة على كمال القدرة ، وقدم الليل على النهار لمناسبته لعالم الإمكان المظلم من حيث إمكانه الذاتي ، وفي بعض الآثار كان العالم في ظلمة فرش الله تعالى عليهم من نوره ، وهذا الإيلاج إنما هو في هذا العالم ليس عند ربك صباح ولا مساء ، وقدم الشمس على القمر في قوله تعالى : { وسخر الشمس والقمر } مع تقديم الليل الذي فيه سلطان القمر على النهار الذي فيه سلطان الشمس لأنها كالمبدأ للقمر ولأن تسخيرها لغاية عظمها أعظم من تسخير القمر وأيضا آثار ذلك التسخير أعظم من آثار تسخيره وقال الإمام في تعليل تقديم كل على ما قدم عليه : لأن الأنفس تطلب سبب المقدم أكثر مما تطلب سبب المؤخر وبين ذلك بما بين ، ولعل ما ذكرناه أولى لا سيما إذا صح أن نور القمر مستفاد من ضياء الشمس وعطف قوله سبحانه : { سخر } على قوله تعالى : { يولج } والاختلاف بينهما صيغة لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد في كل حين وأما التسخير فأمر لا تعدد فيه ولا تجدد وإنما التعدد والتجدد في آثاره كما يشير إلى ذلك قوله تعالى : { كل } أي كل واحد من الشمس والقمر { يجرى } يسير سيرا سريعا مستمرا { إلى أجل } أي منتهى للجري { مسمى } سماه الله تعالى وقدره لذلك ، وهو كما قال الحسن يوم القيامة فإنه لا ينقطع جري النيرين وتبطل حركتهما إلا في ذلك اليوم ، والظاهر أن هذا الجري هو هذه الحركة التي يشاهدها كل ذي بصر من أهل المعمورة ، وهي عند الفلاسفة بواسطة الفلك الأعظم فإن حركته كذلك وبها حركة سائر الإفلاك وما فيها من الكواكب ويسمى حركة الكل والحركة اليومية والحركة السريعة والحركة الأولى والحركة على خلاف التوالي والحركة الشرقية ، وبعضهم يسميها الحركة الغربية ، وقيل : ما يعم هذه الحركة وحركتهما الخاصة بهما وهي حركتهما بواسطة فلكيهما على التوالي من المغرب إلى المشرق وهي للقمر أسرع منها للشمس ، وليس في العقل الصريح والنقل الصحيح ما يأبى إثبات هاتين الحركتين لكل من النيرين كما لا يخفى على المنصف العارف ، ومنتهى هذا الجري العام لهاتين الحركتين يوم القيامة أيضا ، والجملة على تقدير عموم الخطاب اعتراض بين المعطوفين لبيان الواقع بطريق الاستطراد ، وعلى تقدير اختصاصه به صلى الله عليه وسلم يجوز أن تكون حالا من الشمس والقمر فإن جريهما إلى يوم القيامة من جملة ما في حيز رؤيته عليه الصلاة والسلام ، وقيل جريهما عبارة عن حركتهما الخاصة بهما والأجل المسمى لجري اللشمس آخر السنة المسماة بالسنة الشمسية الحقيقية وهي زمان مفارقة الشمس أية نقطة تفرض من فلك البروج إلى عودها إليها بحركتها الخاصة ، وجعلوا ابتداءها من حين حلول الشمس رأس الحمل ومدتها عند بعض ثلثمائة وخمسة وستون يوما بليلته وربع يوم كذلك وعند بطليموس ثلثمائة وخمسة وستون يوما بليلته وخمس ساعات وخمس وخمسون دقيقة واثنتا عشرة ثانية ، وعند بعض المتأخرين ثلثمائة وخمسة وستون يوما وخمس ساعات وست وأربعون دقيقة وأربع وعشرون ثانية ، وعند الحكيم محيي الدين الكسر الزائد خمس ساعات ودقيقة ، وبالرصد الجديد الذي تولاه الطوسي بمراغة خمس ساعات وتسع وأربعون دقيقة ، ووجد برصد سمرقند أزيد من هذا بربع دقيقة ، وأما الاصطلاحية فاعتبرها بعض كالروم والأقدمين من الفرس ثلثمائة وهمسة وستون يوما بليلته وربع يوم كذلك وأخذ الكسر ربعا تاما إلا أن الروح يجعلون ثلاث سنين ثلثمائة وخمسة وستين ويكبسون في الرابعة بيوم والفرس كانوا يكسبون في مائة وعشرين سنة بشهر ، واعتبرها بعض آخر كالقبط والمستعملين لتاريخ الفرس من المحدثين وستين يوما بليلته وأسقط الكسر رأسا ولجرى القمر آخر الشهر القمري الحقيقي وهو زمان مفارقة القمر أي وضع يعرض له من الشمس إلى عوده إليه ، وجعلوا ابتداءه من اجتماع الشمس والقمر وزمان ما بين الاجتماعين المتتاليين { وأمرت لان } من الأيام ودقائقها ونوانيها تقريبا وأما الشهر الغير الحقيقي فالمعتبر فيه الهلال ويختلف زمان ما بين الهلالين كما هو معروف .

(15/463)


قيل : وعلى هذا فالجملة بيان لحكم تسخيرهما أو تنبيه على كيفية إيلاج أحد الملوين في الآخر ، وكون ذلك بحسب اختلاف جريان الشمس على مداراتها اليومية فكلما كان جريانها متوجها إلى سمت الرأس تزداد القوس التي فوق الأرض كبرا فيزداد النهار طولا بانضمام بعض أجزاء الليل إليه إلى أن يبلغ المدار الذي هو أقرب المدارات إلى سمت الرأس وذلك عند بلوغها إلى رأس السرطان ثم ترجع متوجهة إلى التباعد عن سمت الرأس فلا تزال القسى التي فوق الأرض تزداد صغرا فيزداد النهار قصرا بانضمام بعض أجزائه إلى الليل إلى أن يبلغ المدار الذي هو أبعد المدارات اليومية عن سمت الرأس وذلك عند بلوغها رأس الجدى .
وأنت تعلم أنه لا مدخل لجريان القمر في الإيلاج فالتعرض له في الآية الكريمة يبعد هذا الوجه ، ولعل الأظهر على تقدير جعل جريهما عبارة عن حركتهما الخاصة بهما أن يجعل الأجل المسمى عبارة عن يوم القيامة أو يجعل عبارة عن آخر السنة والشهر المعروفين عند العرب فتأمل ، وجرى يتعدى بإلى تارة وباللام أخرى وتعديته بالأول باعتبار كون المجرور غاية وبالثاني باعتبار كونه غرضا فتكون اللام لام تعليل أو عاقبة وجعلها الزمخشري للاختصاص ولكل وجه ، ولم يظهر لي وجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام ، وقال النيسابوري : وجه ذلك أن هذه الآية صدرت بالتعجيب فناسب التطويل وهو كما ترى فتدبر ، وقوله تعالى :
{ وأن الله بما تعملون خبير } عطف على قوله : { ألم تر أن الله } الخ داخل معه في حيز الرؤية على تقديري خصوص الخطاب وعمومه فإن من شاهد مثل ذلك الصنع الرائق والتدبير اللائق لا يكاد يغفل عن كون صانعه عز وجل محيطا بجلائل أعماله ودقائقها وقرأ عياش عن أبي عمرو . { بما يعملون } بياء الغيبة .

(15/464)


ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30)

{ ذلك } إشارة إلى ما تضمنته الآيات وأشارت إليه من سعة العلم وكمال القدرة واختصاص الباري تعالى شأنه بها { بأن الله هو الحق } أي بسبب أنه سبحانه وحده الثابت المتحقق في ذاته أي الواجب الوجود .
{ وأن ما يدعون من دونه } إلها { الباطل } المعدوم في حد ذاته وهو الممكن الذي لا يوجد إلا بغيره وهو الواجب تعالى شأنه { وأن الله هو العلى } على الأشياء { الكبير } عن أن يكون له سبحانه شريك أو يتصف جل وعلا بنقص لا بشيء أعلى منه تعالى شأنه شأنا وأكبر سلطاناف ، ووجه سببية الأول لما ذكر أن كونه تعالى وحده واجب الوجود في ذاته يستلزم أن يكون هو سبحانه وحده الموجد لسائر المصنوعات البديعة الشأن فيدل على كمال قدرته عز وجل وحده والايجاب قد أبطل في الأصول ومن صدرت عنه جميع هاتيك المصنوعات لا بد من أن يكون كامل العلم على ما بين في الكلام ، ووجه سببية الثالث لذلك أن كونه تعالى وحده عليا على جميع الأشياء متسلطا عليها متنزها عن أن يكون له سبحانه شريك أو يتصف بنقص عز وجل يستلزم كونه تعالى وحده واجب الوجود في ذاته وقد سمعت الكلام فيه ، وأما وجه سببية كون ما يدعونه من دونه إلها باطلا ممكنا في ذاته لذلك فهو أن إمكانه على علو شأنه عندهم على ما عداه مما لم يعتقدوا إلهيته يستلزم إمكان غيره مما سوى الله عز وجل لأن ما فيه مما يدل على إمكانه موجود في ذلك حذو القذف بالقذة ومتى كان ما يدعونه إلها من دونه تعالى وغيره مما سوى الله سبحانه وتعالى ممكنا انحصر وجوب الوجود في الله تعالى فيكون جل وعلا وحده واجب الوجود في ذاته وقد علمت إفادته للمطلوب وكأنه إنما قيل أن ما يدعون من دونه الباطل دون أن ما سواه الباطل مثلا نظير قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... تنصيصا على فظاعة ما هم عليه واستلزام ذلك إمكان ما سوى الله تعالى من الموجودات من باب أولى بناء على ما يزعم المشركون في آلهتهم من علو الشأن ولم يكتف في بيان السبب بقوله سبحانه : { بأن الله هو الحق } بل عطف عليه ما عطف مع أنه مما يعود إليه وتشعر تلك الجملة به إظهارا لكمال العناية بالمطلوب وبما يفيده منطوق المعطوف من بطلان الشريك وكونه تعالى هو العلي الكبير .
وقيل : أي ذلك الاتصاف بما تضمنته الآيات من عجائب القدرة والحكمة بسبب أن الله تعالى هو الإله الثابت إلهيته وإن من دونه سبحانه باطل الإلهية وإن الله تعالى هو العلي الشأن الكبير السلطان ومدار أمر السببية على كونه سبحانه هو الثابت الإلهية وبين ذلك الطيبي بأنه قد تقرر أن من كان إلها كان قادرا خالقا عالما إلى غير ذلك من صفات الكمال ثم قال إن قوله تعالى ذلك بأن الله هو الحق كالفذلكة لما تقدم من قوله تعالى :

(15/465)


{ ألم تروا أن الله سخر لكم } [ لقمان : 13 ] إلى { هذا } وقوله تعالى : { وأن الله هو العلى الكبير } كالفذلكة لتلك الفواصل المذكورة هنالك كلها .
ولعل ما قدمنا أولى بالاعتبار ، وقال العلامة أبو السعود في الاعتراض على ذلك : أنت خبير بأن حقيته تعالى وعوله وكبرياءه وإن كانت صالحة لمناطية ما ذكر من الصفات لكن بطلان إلهية الأصنام لا دخل له في المناطية قطعا فلا مساغ لنظمه في سلك الأسباب بل هو تعكيس للأمر ضرورة أن الصفات المذكورة هي المقتضية لبطلانها لا أن بطلانها يقتضيها انتهى ، وفيه تأمل والعجب منه أنه ذكر مثل ما اعترض عليه في نظير هذه الآية في سورة الحج ولم يتعقبه بشيء .
وجوز أن يكون المعنى ذلك أي ما تلى من الآيات الكريمة بسبب بيان أن الله هو الحق إلهيته فقط ولأجله لكونها ناطقة بحقية التوحيد ولأجل بيان بطلان إليهة ما يدعون من دونه لكونها شاهدة شهادة بينة لا ريب فيها ولأجل بيان أنه تعالى هو المرتفع على كل شيء المتسلط عليه فإن ما في تضاعيف تلك الآيات الكريمة مبين لاختصاص العلو والكبرياء به أي بيان وهو وجه لا تكلف فيه سوى اعتبار حذف مضاف كما لا يخفى وكأنه إنما قيل هنا : وأن ما يدعون من دونه الباطل بدون ضمير الفصل ، وفي سورة الحج ( 62 ) { وأن ما يدعون من دونه هو الباطل } بتوسيط ضمير الفصل لما أن الحط على المشركين وآلهتهم في هذه السورة دون الحط عليهم في تلك السورة .
وقال النيسابوري في ذلك أن آية الحج وقعت بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين فناسب ذلك توسيط الضمير بخلاف ما هنا ويمكن أن يقال تقدم في تلك السورة ذكر الشيطان مرات فلهذا ذكرت تلك المؤكدات بخلاف هذه السورة فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان فيها نحو ذكره هناك ، وقرأ نافع . وابن كثير . وابن عامر . وأبو بكر { تدعون } بتاء الخطاب .

(15/466)


ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31)

{ ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت الله } استشهاد أخر على باهر قدرته جل وعلا وغاية حكمته عز وجل وشمول انعامه تبارك وتعالى ، والمدار بنعمة الله تعالى إحسانه سبحانه في تهيئة أسباب الجري من الريح وتسخيرها فالباء للتعدية كما في مررت بزيد أو سببية متعلقة بتجري .
وجوز أن يراد بنعمته تعالى ما أنعم جل شأنه به مما تحمله الفلك من الطعام والمتاع ونحوه فالباء للملابسة والمصاحبة متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير الفلك أي جري مصحوبة بنعمته تعالى؛ وقرأ موسى بن الزبير { الفلك } بضم اللام ومثله معروف في فعل مضموم الفاء .
حكى عن عيسى بن عمر أنه قال : ما سمع فعل بضم الفاء وسكون العين إلا وقد سمع فيه فعل بضم العين .
وفي «الكشاف» كل فعل يجوز فيه فعل كما يجوز في كل فعل فعل ، وجعل ضم العين للاتباع وإسكانها للتخفيف .
وقرأ الأعرج . والأعمش . وابن يعمر { عبد الله } بكسر النون وسكون العين جمعا بالألف والتاء وهو جمع نعمة بكسر فسكون ، ويجوز كما قال غير واحد في كل جمع مثله تسكين العين على الأصل وكسرها اتباعا للفاء وفتحها تخفيفا .
وقرأ ابن أبي عبلة { عبد الله } بفتح النون وكسر العين جمعا لنعمة بفتح النون وهي اسم للتنعم ، وقيل : بمعنى النعمة بالكسر { ليريكم من ءاياته } أي بعض دلائل ألوهيته تعالى ووحدته سبحانه وقدرته جل شأنه وعلمه عز وجل ، وقوله تعالى : { إن فى ذلك * ءايات * لكل صبار شكور } تعليل لما قبله أي إن فيما ذكر لآيات عظيمة في ذاتها كثيرة في عدها لكل مبالغ في الصبر على بلائه سبحانه ومبالغ في الشكر على نعمائه جل شأنه .
و { صبار شكور } كناية عن المؤمن من باب حي مستوى القامة عريض الأظفار فإنه كناية عن الإنسان لأن هاتين الصفتين عمدتا الايمان لأنه وجميع ما يتوقف عليه إما ترك للمألوف غالبا وهو بالصبر أو فعل لما يتقرب به وهو شكر لعمومه فعل القلب والجوارح واللسان ، ولذا ورد " الايمان نصفان نصف صبر ونصف شكر " ، وذكر الوصفين بعد الفلك فيه أتم مناسبة لأن الراكب فيه لا يخلو عن الصبر والشكر ، وقيل : المراد بالصبار كثير الصبر على التعب في كسب الأدلة من الأنفس والآفاق وإلا فلا اختصاص للآيات بمن تعب مطلقا وكلا الوصفين بنيا بناء مبالغة ، وفعال على ما في «البحر» أبلغ من فعول لزيادة حروفه ، قيل : وإنما اختير زيادة المبالغة في الصبر إيماء إلى أن قليله لشدة مرارته وزيادة ثقله على النفس كثير .

(15/467)


وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32)

{ وإذا غشيهم موج } أي علاهم وغطاهم من الغشاء بمعنى الغطاء من فوق وهو المناسب هنا ، وقيل : أي أي أتاهم من الغشيان بمعنى الاتيان وضمير { غشيهم } أن اتحد بضمير المخاطبين قبله ففي الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة وإلا فلا التفات ، والموج ما يعلو من غوارب الماء وهو اسم جنس واحدة موجة وتنكيره للتعظيم والتكثير ، ولذا أفرد مع جمع المشبه به في قوله تعالى : { كالظلل } وهو جمع ظلة كغرفة وغرف وقربة وقرب ، والمراد بها ما أظل من سحاب أو جبل أو غيرهما .
وقرأ الراغب : الظلة السحابة تظل وأكثر ما يقال فيما يستوخم ويكره ، وفسر قتادة الظلل هنا بالسحاب ، وبعضهم بالجبال ، وقرأ محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه { *كالظلال } وهو جمع ظلة أيضا كعلبة وعلاب وجفرة وجفار ، وإذا ظرف لقوله تعالى : { أثقلت دعوا } أي دعوا { الله مخلصين له الدين } إذا غشيهم موج كالظلل وإنما فعلوا ذلك حينئذ لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد .
{ فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد } سالك القصد أي الطريق المستقيم لا يعدل عنه لغيره ، وأصله استقامة الطريق ثم أطلق عليه مبالغة ، والمراد بالطريق المستقيم التوحيد مجازا فكأنه قيل : فمنهم مقيم على التوحيد ، وقول الحسن : أي مؤمن يعرف حق الله تعالى في هذه النعمة يرجع إلى هذا ، وقيل : مقتصد من الاقتصاد بمعنى التوسط والاعتدال .
والمراد حينئذ على ماقيل متوسط في أقواله وأفعاله بين الخوف والرجاء موف بما عاهد عليه الله تعالى في البحر ، وتفسيره بموف بعهده مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويدخل في هذا البعض على هذا المعنى عكرمة بن أبي جهل فقد روى السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : لما كان فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يكفوا عن قتل أهلها إلا أربعة نفر منهم قال : اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة عكرمة بن أبي جهل . وعبد الله بن خطل . وقيس بن ضبابة . وعبد الله بن أبي سرح . فأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصفة فقال أهل السفينة : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ههنا فقال عكرمة : لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجني في البر غيره . اللهم إن لك على عهدا إن أنت عافيني مما أنا فيه أن آتي محمدا صلى الله عليه وسلم حتى أضع يدي في يده فلأجنده عفوا كريما فجاء وأسلم ، وقيل : متوسط في الكفر لانزجاره بما شاهد بعض الانزجار .
وقيل : متوسط في الإخلاص الذي كان عليه في «البحر» فإن الإخلاص الحادث عند الخوف قلما يبقى لأحد عند زوال الخوف .

(15/468)


وأيا ما كان فالظاهر أن المقابل لقسم المقتصد محذوف دل عليه قوله تعالى :
{ وما يجحد بئاياتنا إلا كل ختار } والآية دليل ابن مالك ومن وافقه على جواز دخول الفاء في جواب لما ومن لم يجوز قال : الجواب محذوف أي فلما نجاهم إلى البر انقسموا قسمين فمنهم مقتصد ومنهم جاحد ، والختار من الختر وهو أشد الغدر ومنه قولهم : إنك لا تمد لنا شبرا من غدر إلا مددنا لك باعا من غدر ، وبنحو ذلك فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لابن الأزرق وأنشد قول الشاعر :
لقد علمت واستيقنت ذات نفسها ... بأن لا تخاف الدهر صرمى ولاخترى
ونحوه قول عمرو بن معدي كرب :
وإنك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من غدر وختر
وفي «مفردات الراغب» الختر غدر يختر فيه الإنسان أي يضعف ويكسر لاجتهاده فيه أي وما يجحد بآياتنا ويكفر بها إلا كل غدار أشد الغدر لأن كفره نقض للعهد الفطري ، وقيل : لأنه نقض لما عاهد الله تعالى عليه في البحر من الإخلاص له عز وجل { كفور } مبالغ في كفران نعم الله تعالى ، و { ختار } مقابل لصبار لأن من غدر لم يصبر على العهد وكفور مقابل لشكور .

(15/469)


يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (33)

{ كفور ياأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده } أمر بالتقوى على سبيل الموعظة والتذكير بيوم عظيم بعد ذكر دلائل الوحدانية ، ويجزي من جزى بمعنى قضى ومنه قيل للمتقاضي المتجازي أي لا يقضي والد عن ولده شيئا .
وقرأ أبو السماء . وعامر بن عبد الله . وأبو السوار { لا } بضم الياء وكسر الزاي مهموزا ومعناه لا يغني والد عن ولده ولا يفيده شيئا من أجزأت عنك مجزأ فلان أي أغنيت .
وقرأ عكرمة { يوما لا يجزى } بضم الياء وفتح الزاي مبنيا للمفعول والجملة على القراءات صفة يوما والراجع إلى الموصوف محذوف أي فيه فأما أن يحذف برمته وأما على التدريج بأن يحذف حرف الجر فيعدي الفعل إلى الضمير ثم يحذف منصوبا ، وقوله تعالى : { ولا مولود } إما عطف على { والد } فهو فاعل { يجزى } وقوله تعالى : { هو جاز عن والده شيئا } في موضع الصفة له والمنفي عنه هو الجزاء في الآخرة والمثبت له الجزاء في الدنيا أو معنى هو جاز أي من شأنه الجزاء لعظيم حق الوالد أو المراد بلا يجزي لا يقبل منه ما هوجاز به ، وأما مبتدأ والمسوغ للابتداء به مع أنه نكرة تقدم النفي ، وذهل المهدوي عن ذلك فمنع صحة كونه مبتدأ وجملة { هو جاز } خبره و { شيئا } مفعول به أو منصوب على المصدرية لأنه صفة مصدر محذوف ، وعلى الوجهين قيل تنازعه { يجزى } واختيار ما لا يفيد التأكيد في الجملة الأولى وما يفيده في الجملة الثانية لأن أكثر المسلمين وأجلتهم حين الخطاب كان آباؤهم قد ماتوا على الكفر وعلى الدين الجاهلي فلما كان غناء الكافر عن المسلم بعيدا لم يحتج نفيه إلى التأكيد ، ولما كان غناء الملسم عن الكافر مما يقع في الأوهام أكد نفيه قاله الزمخشري .
وتعقبه ابن المنير بأنه يتوقف صحته على أن هذا الخطاب كان خاصا بالموجودين حينئذ والصحيح أنه عام لهم ولكل من ينطلق عليه اسم الناس ، ورده في «الكشف» بأن المتقدمتين فاسدتان ، أما الثانية فلما تقرر في أصول الفقه أن { يذهبكم أيها الناس } يتناول الموجودين ، وأما لغيرهم فبالإعلام أو بطريقه والمالكية موافقة ، وأما الأولى فعلى تقدير التسليم لا شك أن أجلة المؤمنين وأكابرهم إلى انقراض الدنيا هم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم ومعلوم أن أكثرهم قبض آباؤهم على الكفر فمن أين التوقيف اه .
واختار ابن المنير في وجه ذلك أن الله تعالى لما أكد الوصية بالآباء وقرن وجوب شكرهم بوجوب شكره عز وجل وأوجب على الولد أن يكفي والده ما يسوءه بحسب نهاية إمكانه قطع سبحانه ههنا وهم الوالد في أن يكون الولد في القيامة يجزيه حقه عليه ويكفيه ما يلقاه من أهوال يوم القيامة كما أوجب الله تعالى عليه في الدنيا ذلك في حقه فلما كان جزاء الولد عن الوالد مظنة الوقوع لأنه سبحانه حض عليه في الدنيا كان جديدا بتأكيد النفي لإزالة هذا الوهم ولا كذلك العكس وقريب منه ما قاله الإمام : إن الولد من شأنه أن يكون جازيا عن والده لما عليه من الحقوق والولد يجزي لما فيه من النفقة وليس ذلك بواجب عليه فلذا قال سبحانه في الوالد : { لا يجزى } وفي الولد { ولا مولود هو جاز عن والده } ألا ترى أنه يقال لمن يحيك وليست الحياكة صنعته هو يحيك ولمن يحيك وهي صنعته هو حائك ، وقيل إن التأكيد في الجملة الثانية الدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزى لأنه دون الوالد في الحنو والشفقة فلما كان أولى بهذا الحكم استحق التأكيد وفي القلب منه شيء ، وقد يقال : إن العرب كانوا يدخرون الأولاد لنفعهم ودفع الأذى عنهم وكفاية ما يهمهم ولعل أكثر الناس اليوم كذلك فأريد حسم توهم نفعهم ودفعهم الأذى وكفاية المهم في حق آبائهم يوم القيامة فأكدت الجملة المفيدة لنفي ذلك عنهم وعد من جملة المؤكدات التعبير بالمولود لأنه من ولد بغير واسطة بخلاف الولد فإنه عام يشمل ولد الولد فإذا أفادت الجملة أن الولد الأدنى لا يجزي عن والده علم أن من عداه من ولد الولد لا يجزى عن جده من باب أولى .

(15/470)


واعترض بأن هذه التفرقة بين الولد والمولود لم يثبتها أهل اللغة ، ورد بأن الزمخشري . والمطرزي ذكرا ذلك وكفى بهما حجة ، ثم إن في عموم الولد لولد الولد أيضا مقالا فقد ذهب جمع أنه خاص بالولد الصلبي حقيقة .
وقال صاحب المغرب يقال للصغير مولود وإن كان الكبير مولودا أيضا لقرب عهده من الولادة كما يقال لبن حليب ورطب جني للطري منهما ، ووجه أمر التأكيد عليه بأنه إذا كان الصغير لا يجزي حينئذ مع عدم اشتغاله بنفسه لعدم تكليفه في الدنيا فالكبير المشغول بنفسه من باب أولى وهو كما ترى ، وخصص بعضهم العموم بغير صبيان المسلمين لثبوت الأحاديث بشفاعتهم لوالديهم .
وتعقب بأن الشفاعة ليست بقضاء ولو سلم فلتوقفها على القبول يكون القضاء منه عز وجل حقيقة فتدبر .
{ إن وعد الله } قيل بالثواب والعقاب على تغليب الوعد على الوعيد أو هو بمعناه اللغوي { حق } ثابت متحقق لا يخلف وعدم إخلاف الوعد بالثواب مما لا كلام فيه وأما عدم إخلاف الوعد بالعقاب ففيه كلام والحق أنه لا يخلف أيضا ، وعدم تعذيب من يغفر له من العصاة المتوعدين فليس من إخلاف الوعيد في شيء لما أن الوعيد في حقهم كان معلقا بشرط لم يذكر ترهيبا وتخويفا ، والجملة على هذا تعليل لنفي الجزاء ، وقيل : المراد إن وعد الله بذلك اليوم حق ، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه لما قيل : يا أيها الناس اتقوا يوما الخ سأل سائل أن يكون ذلك اليوم؟ فقيل : إن وعد الله حق أي نعم يكون لا محالة لمكان الوعد به فهو جواب على أبلغ وجه ، وإليه يشير كلام الإمام { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } بأن تلهيكم بلذاتها عن الطاعات { ولا يغرنكم بالله الغرور } أي الشيطان كما روى عن ابن عباس .

(15/471)


وعكرمة . وقتادة . ومجاهد . والضحاك بأن يحملكم على المعاصي بتزيينها لكم ويرجيكم التوبة والمغفرة منه تعالى أو يذكر لكم أنها لا تضر من سبق في علم الله تعالى موته على الايمان وأن تركها لا ينفع من سبق في العلم موته على الكفر ، وعن أبي عبيدة كل شيء غرك حتى تعصى الله تعالى وتترك ما أمرك سبحانه به فهو غرور شيطانا أو غيره ، وإلى ذلك ذهب الراغب قال : الغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجهاه وشهوة وشيطان .
وقد فسر بالشيطان إذ هو أخبث الغارين وبالدنيا لما قيل : الدنيا تغر وتضر وتمر ، وأصل الغرور من غر فلانا إذا أصاب غرته أي غفلته ونال منه ما يريد والمراد به الخداع ، والظاهر أن { بالله } صلة { يغرنكم } أي لا يخدعنك بذكر شيء من شؤنه تعالى يجسركم على معاصيه سبحانه .
وجوز أن يكون قسما وفيه بعد ، وقرأ ابن أبي إسحاق . وابن أبي عبلة . ويعقوب { تغرنكم } بالنون الخفيفة .
/ وقرأ سمال بن حرب . وأبو حيوة { الغرور } بضم الغين وهو مصدر والكلام من باب جد جده ، ويمكن تفسيره بالشيطان بجعله نفس الغرور مبالغة .

(15/472)


إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34)

{ إن الله عنده علم الساعة } الخ ، أخرج ابن المنذر عن عكرمة أن رجلا يقال له الوارث بن عمرو جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد متى قيام الساعة؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب؟ وقد تركت امرأتي حبلى فما تلد؟ وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غدا؟ وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ فنلزت هذه الآية ، وذكر نحوه محيى السنة البغوي . والواحدي . والثعلبي فهو نظرا إلى سبب النزول جواب لسؤال محقق ونظرا إلى ما قبلها من الآية جواب لسؤال مقدر كأن قائلا يقول : متى هذا اليوم الذي ذكر من شأنه ما ذكر؟ فقيل : إن الله ، ولم يقل إن علم الساعة عند الله مع أنه أخصر لأن اسم الله سبحانه أحق بالتقديم ولأن تقديمه وبناء الخبر عليه يفيد الحصر كما قرره الطيبي مع ما فيه من مزية تكرر الإسناد ، وتقديم الظرف يفيد الاختصاص أيضا بل لفظ عند كذلك لأنها تفيد حفظه بحيث لا يوصل إليه فيفيد الكلام من أوجه اختصاص علم وقت القيامة بالله عز وجل ، وقوله تعالى : { وينزل الغيث } أي في إبانه من غير تقديم ولا تأخير في بلد لا يتجاوزه به وبمقدار تقتضيه الحكمة ، الظاهر أنه عطف على الجملة الظرفية المبنية على الاسم الجليل على عكس قوله تعالى : { نسقيكم مما فى بطونها ولكم فيها منافع } [ المؤمنون : 1 2 ] فيكون خبرا مبنيا على الاسم الجليل مثل المعطوف عليه فيفيد الكلام الاختصاص أيضا والمقصود تقييدات التنزيل الراجعة إلى العلم لا محض القدرة على التنزيل إذ لا شبهة فيه فيرجع الاختصاص إلى العلم بزمانه ومكانه ومقداره كما يشير إلى ذلك كلام الكشف ، وقال العلامة الطيبي في «شرح الكشاف» : دلالة هذه الجملة على علم الغيب من حيث دلالة المقدور المحكم المتفن على العلم الشامل؛ وقوله تعالى : { ويعلم ما فى الارحام } أي أذكر أم أنثى أتام أم ناقص وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال عطف على الجملة الظرفية أيضا نظير ما قبله ، وخولف بين { عنده علم الساعة } وبين هذا ليدل في الأول على مزيد الاختصاص اعتناء بأمر الساعة ودلالة على شدة خفائها ، وفي هذا على استمرار تجدد التعلقات بحسب تجدد المتعلقات مع الاختصاص ، ولم يراع هذا الأسلوب فيما قبله بأن يقال : ويعلم الغيث مثلا إشارة بإسناد التنزيل إلى الاسم الجليل صريحا عظم شأنه لما فيه من كثرة المنافع لأجناس الخلائق وشيوع الاستدلال بما يترتب عليه من إحياء الأرض على صحة البعث المشار إليه بالساعة في الكتاب العظيم قال تعالى : { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين * فانظر إلى ءاثار رحمة الله كيف يحى الارض بعد موتها إن ذلك لمحى }

(15/473)


[ الروم : 9 4 ، 0 5 ] وقال سبحانه : { ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون } [ الروم : 9 1 ] إلى غير ذلك ، وربما يقال : إن لتنزيل الغيب وإن لم يكن الغيث المعهود دخلا في المبعث بناء على ما ورد من حديث مطر السماء بعد النفخة الأولى مطرا كمني الرجال ، وقيل : الاختصاص راجع إلى التنزيل وما ترجع إليه تقييداته التي يقتضيها المقام من العلم ، وفي ذلك رد على القائلين مطرنا بنوء كذا وللاعتناء برد ذلك لما فيه من الشرك في الربوبية عدل عن يعلم إلى { ينزل } وهو كما ترى ، وقوله تعالى : { وما تدرى نفس } أي كل نفس برة كانت أو فاجرة كما يدل عليه وقوع النكرة في سياق النفي { ماذا تكسب غدا } أي في الزمان المستقبل من خير أو شر ، وقوله سبحانه : { وما تدرى نفس بأى أرض تموت } عطف على ما استظهره «صاحب الكشف» على قوله تعالى : { إن الله عنده علم الساعة } وأشار إلى أنه لما كان الكلام مسوقا للاختصاص لا لإفادة أصل العلم له تعالى فإنه غير منكر لزم من النفي على سبيل الاستغراق اختصاصه به عز وجل على سبيل الكناية على الوجه الأبلغ ، وفي العدول عن لفظ العلم إلى لفظ الدراية لما فيها من معنى الختل والحيلة لأن أصل دري رمي الدرية وهي الحلقة التي يقصد رميها الرماة وما يتعلم عليه الطعن والناقة التي يسيبها الصائد ليأنس بها الصيد فيستتر من ورائها فيرميه وفي كل حيلة ، ولكونها علما بضرب من الختل والحيلة لا تنسب إليه عز وجل إلا إذا أولت بمطلق العلم كما في خبر خمس { لا * أءلاه مع الله تعالى } وقيل : قد يقال الممنوع نسبتها إليه سبحانه بانفراده تعالى أما مع غيره تبارك اسمه تغليبا فلا ، ويفهم من كلام بعضهم صحة النسبة إليه جل وعلا على سبيل المشالكة كما في قوله :
لا هم لا أدري وأنت الداري ... فلا حاجة إلى ما قيل : إنه كلام إعرابي جلف لا يعرف ما يجوز إطلاقه على الله تعالى وما يمتنع فيكون المعنى لا تعرف كل نفس وإن أعملت حيلها ما يلصق بها ويختص ولا يتخطاها ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان من معرفة ما عداهما أبعد وأبعد ، وقد روعي في هذا الأسلوب الإدماج المذكور ولذا لم يقل : ويعلم ماذا تكسب كل نفس ويعلم أن كل نفس بأي أرض تموت . وجوز أن يكون أصل { وينزل الغيث } وأن ينزل الغيث فحذف إن وارتفع الفعل كما في قوله :
أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وكذا قوله سبحانه : { ويعلم ما فى الارحام } والعطف على { علم الساعة } فكأنه قيل : إن الله عنده علم الساعة وتنزيل الغيث وعلم ما في الأرحام ، ودلالة ذلك على اختصاص علم تنزيل الغيث به سبحانه ظاهر لظهور أن المراد بعنده تنزيل الغيث عنده علم تنزيله ، وإذا عطف { ينزل } على { الساعة } كان الاختصاص أظهر لانسحاب علم المضاف إلى الساعة إلى الانزال حينئذ فكأنه قيل : إن الله عنده علم الساعة وعلم تنزيل الغيث ، وهذا العطف لا يكاد يتسنى في { ويعلم } إذ يكون التقدير وعنده علم علم ما في الأرحام وليس ذاك بمراد أصلا .

(15/474)


وجعل الطيبي { وما تدرى نفس } الخ معطوفا على خبر إن من حيث المعنى بأن يجعل المنفي مثبتا بأن يقال : ويعلم ماذا تكسب كل نفس غدا ويعلم أن كل نفس بأي أرض تموت وقال : إن مثل ذلك جائز في الكلام إذا روعي نكتة كما في قوله تعالى : { أتل ما حرم ربكم عليكم * أن لا * تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } [ الأنعام : 151 ] فإن العطف فيه باعتبار رجوع التحريم إلى ضد الإحسان وهي الإساءة ، وذكر في بيان نكتة العدول عن المثبت إلى المنفي نحو ما ذكرنا آنفا . وتعقب ذلك «صاحب الكشف» بأن عنه مندوحة أي بما ذكر من عطفه على جملة { إن الله عنده علم الساعة } وقال الإمام : في وجه نظم الجمل الحق أنه تعالى لما قال : { واخشوا يوما } [ لقمان : 33 ] الخ وذكر سبحانه أنه كائن بقوله عز وجل قائلا : { إن وعد الله حق } [ لقمان : 33 ] فكأن قائلا يقول : فمتى هذا اليوم؟ فأجيب بأن هذا العلم مما لم يحصل لغيره تعالى وذلك قوله سبحانه : { إن الله عنده علم الساعة } ثم ذكر جل وعلا الدليلين اللذين ذكرا مرارا على البعث . أحدهما إحياء الأرض بعد موتها المشار إليه بقوله تعالى : { وينزل الغيث } والثاني الخلق ابتداء المشار إليه بقوله سبحانه : { ويعلم ما فى الارحام } فكأنه قال عز وجل : يا أيها السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة والله تعالى قادر عليها كما هو سبحانه قادر على إحياء الأرض وعلى الخلق في الأرحام ثم بعد جل شأنه له أن يعلم ذلك بقوله عز وجل وما تدري الخ فكأنه قال تعالى : يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها وإن من الأشياء ما هو أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فما تعلم ماذا تكسب غدا مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة متى يكون والله تعالى ما علمك كسب غدك ولا علمك أين تموت مع أن لك في ذلك فوائد شتى وإنما لم يعلمك لكي تكون في كل وقت بسبب الرزق راجعا إلى الله تعالى متوكلا عليه سبحانه ولكيلا تأمن الموت إذا كنت في غير الأرض التي أعلمك سبحانه أنك تموت فيها فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا حاجة لك إليه وهو وقت القيامة وإنما الحاجة إلى العلم بأنها تكون وقد أعلمك جل وعلا بذلك على ألسنة أنبيائه تعالى عليهم الصلاة والسلام انتهى ، ولا يخفى أن الظاهر على ما ذكره أن يقال : ويخلق ما في الأرحام كما قال سبحانه : { وينزل الغيث } ووجه العدول عن ذلك إلى ما في النظم الجليل غير ظاهر على أن كلامه بعد لا يخلو عن شيء ، وكون المراد اختصاص علم هذه الخمس به عز وجل الذي تدل عليه الأحاديث والآثار ، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة من حديث طويل :

(15/475)


" أنه صلى الله عليه وسلم سئل متى الساعة؟ فقال للسائل : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث } الآية " أي إلى آخر السورة كما في بعض الروايات ، وما وقع عند البخاري في «التفسير» من قوله : إلى الأرحام تقصير من بعض الرواة ، وأخرجا أيضا هما وغيرهما عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مفتاح وفي رواية مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى لا يعلم أحد ما يكون في غد ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت وما يدري أحد متى يجيء المطر "
وأخرج أحمد . والبزار . وابن مردويه . والروياني . والضياء بسند صحيح عن بريدة قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة الآية " وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن ما عدا هذه الخمس من المغيبات قد يعلمه غيره عز وجل وإليه ذهب من ذهب . أخرج حميد بن زنجويه عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل الظهور فأنكر عليه فقال : إنما الغيب خمس وتلا هذه الآية وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم ، وفي بعض الأخبار ما يدل على أن علم هذه الخمس لم يؤت للنبي صلى الله عليه وسلم ويلزمه أنه لم يؤت لغيره عليه الصلاة والسلام من باب أولى .
أخرج أحمد . والطبراني . عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس { إن الله عنده علم الساعة } الآية ، وأخرج أحمد .

(15/476)


وأبو يعلى . وابن جرير . وابن المنذر . وابن مردويه عن ابن مسعود قال : أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير الخمس { إن الله عنده علم الساعة } الآية .
وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : لم يغم على نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية في آخر لقمان إن الله عنده علم الساعة إلى آخر السورة ، وأخرج سعيد بن منصور . وأحمد . والبخاري في الأدب عن ربعي بن حراش قال : حدثني رجل من بني عامر أنه قال : يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لقد علمني الله تعالى خيرا وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله تعالى الخمس إن الله عنده علم الساعة الآية ، وصرح بعضهم باستئثار الله تعالى بهن ، أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم . عن قتادة أن قال في الآية : خمس من الغيب استأثر الله تعالى بهن فلم يطلع عليهن ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا إن الله عنده علم الساعة ولا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة ولا في أي شهر أليلا أم نهارا وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث أليلا أم نهارا ويعلم ما في الأرحام فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكرا أم أنثى أحمر أو أسود ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا أخيرا أم شرا وما تدري بأي أرض تموت ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض أفي بحر أم في بر في سهل أم في جبل ، والذي ينبغي أن يعلم أن كل غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل وليس المغيبات محصورة بهذه الخمس وإنما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها أو لأنها كثيرا ما تشتاق النفوس إلى العلم بها ، وقال القسطلاني : ذكر صلى الله عليه وسلم خمسا وإن كان الغيب لا يتناهى لأن العدد لا ينفي زائدا عليه ولأن هذه الخمسة هي التي كانوا يدعون علمها انتهى ، وفي التعليل الأخير نظر لا يخفى وأنه يجوز أن يطلع الله تعالى بعض أصفيائه على إحدى هذه الخمس ويرزقه عز وجل العلم بذلك في الجملة وعلمها الخاص به جل وعلا ما كان على وجه الإحاطة والشمول لأحوال كل منها وتفصيله على الوجه الأتم ، وفي «شرح المناوي الكبير للجامع الصغير» في الكلام على حديث بريدة السابق خمس لا يعلمهن إلا الله على وجه الاحاطة والشمول كليا وجزئيا فلا ينافيه اطلاع الله تعالى بعض خواصه على بعض المغيبات حتى من هذه الخمس لأنها جزئيات معدودة ، وإنكار المعتزلة لذلك مكابرة انتهى ، ويعلم مما ذكرنا وجه الجمع بين الأخبار الدالة على استئثار الله تعالى بعلم ذلك وبين ما يدل على خلافه كبعض إخباراته عليه الصلاة والسلام بالمغيبات التي هي من هذا القبيل يعلم ذلك من راجع نحو الشفاء والمواهب اللدنية مما ذكر فيه معجزاته صلى الله عليه وسلم وأخباره عليه الصلاة والسلام بالمغيبات ، وذكر القسطلاني أنه عز وجل إذا أمر بالغيث وسوقه إلى ما شاء من الأماكن علمته الملائكة الموكلون به ومن شاء سبحانه من خلقه عز وجل ، وكذا إذاأراد تبارك وتعالى خلق شخص في رحم يعلم سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد جل وعلا كما يدل عليه ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(15/477)


" إن الله تعالى وكل بالرحم ملكا يقول : يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فإذا أراد الله تعالى أن يقضي خلقه قال : أذكر أم أنثى شقي أم سعيد فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء الله تعالى من خلقه عز وجل " وهذا لا ينافي الاختصاص والاستئثار بعلم المذكورات بناء على ما سمعت منا من أن المراد بالعلم الذي استأثر سبحانه به العلم الكامل بأحوال كل على التفصيل فما يعلم به الملك ويطلع عليه بعض الخواص يجوز أن يكون دون ذلك العلم بل هو كذلك في الواقع بلا شبهة ، وقد يقال فيما يحصل للأولياء من العلم بشيء مما ذكر إنه ليس بعلم يقيني قال : على القاري في «شرح الشفا» : الأولياء وإن كان قد ينكشف لهم بعض الأشياء لكن علمهم لا يكون يقينيا والهامهم لا يفيد إلا أمرا ظنيا ومثل هذا عندي بل هو دونه بمراحل علم النجومي ونحوه بواسطة أمارات عنده بنزول الغيث وذكورة الحمل أو أنوثته أو نحو ذلك ولا أرى كفر من يدعي مثل هذا العلم فإنه ظن عن أمر عادي ، وقد نقل العسقلاني في فتح الباري عن القرطبي أنه قال : من ادعى علم شيء من الخمس غير مسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه وأما ظن الغيث فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم ، وعليه فقول القسطلاني من ادعى علم شيء منها فقد كفر بالقرآن العظيم ينبغي أن يحمل العلم فيه على نحو العلم الذي استأثر الله تعالى به دون مطلق العلم الشامل للظن وما يشبهه ، وبعد هذا كله إن أمر الساعة أخفى الأمور المذكورة وإن ما أطلع الله تعالى عليه نبيه صلى الله عليه وسلم من وقت قيامها في غاية الإجمال وإن كان أتم من علم غيره من البشر صلى الله عليه وسلم .
وقوله عليه الصلاة والسلام : " بعثت أنا والساعة كهاتين " لا يدل على أكثر من العلم الإجمالي بوقتها ولا أظن أن خواص الملائكة عليهم السلام أعلم منه صلى الله عليه وسلم بذلك ، ويؤيد ظني ما رواه الحميدي في نوادره بالسند عن الشعبي قال : سأل عيسى ابن مريم جبريل عليهما السلام عن الساعة فانتفض بأجنحته ، وقال : ما المسؤول بأعلم من السائل ، والمراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها على الوجه الأكمل ويرشد إلى العلم الإجمالي بها ذكر أشراطها كما لا يخفى ، ويجوز أن يكون الله تعالى قد أطلع حبيبه عليه الصلاة والسلام على وقت قيامها على وجه كامل لكن لا على وجه يحاكي علمه تعالى به إلا أنه سبحانه أوجب عليه صلى الله عليه وسلم كتمه لحكمة ويكون ذلك من خواصه عليه الصلاة والسلام ، وليس عندي ما يفيد الجزم بذلك ، هذا وخص سبحانه المكان في قوله تعالى : { وما تدرى نفس بأى أرض تموت } ليعرف الزمان من باب أولى فإن الأول في وسع النفس في الجملة بخلاف الثاني ، وأخرج أحمد وجماعة عن أبي غرة الهذلي قال :

(15/478)


" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أراد الله تعالى قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها ثم قرأ عليه الصلاة والسلام وما تدري نفس بأي أرض تموت " وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» عن خيثمة أن ملك الموت مر على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل : من هذا؟ قال : ملك الموت فقال : كأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل فقال الملك : كان دوام نظري إليه تعجبا منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك .
و { تدرى } في الموضعين معلقة فالجملة من قوله تعالى : { ماذا تكسب } في موضع المفعول ، ويجوز أن تكون { ماذا } كلها موصولا منصوب المحل بتدري كأنه قيل : وما تدري نفس الشيء الذي تكسبه غدا و { بأى } متعلق بتموت والباء ظرفية ، والجملة في موضع نصب بتدري .
وقرأ غير واحد من السبعة { ينزل } من الإنزال ، وقرأ موسى الإسواري . وابن أبي عبلة { بئاية * أرض } بتاء التأنيث لإضافتها إلى المؤنث وهي لغة قليلة فيها كما أن كلا إذا أضيفت إلى مؤنث قد تؤنث نادرا فيقال : كلتهن فعلن ذلك فليعلم والله عز وجل أعلم { إن الله عليم } مبالغ في العلم فلا يعزب عن علمه سبحانه شيء من الأشياء { خبير } يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها فالجمع بين الوصفين للإشارة إلى التسوية بين علم الظاهر والباطن عنده عز وجل والجملة على ما قيل في موضع التعليل لعلمه سبحانه بما ذكر ، وقيل : جواب سؤال نشأ من نفي دراية الأنفس ماذا تكسب غدا وبأي أرض تموت كأنه قيل : فمن يعلم ذلك فقيل : إن الله عليم خبير وهو جواب بأن الله تعالى يعلم ذلك وزيادة ، ولا يخفى أنه إذا كانت هذه الجملة من تتمة الجملتين اللتين قبلها كانت دلالة الكلام على انحصار العلم بالأمرين اللذين نفي العلم بهما عن كل نفس ظاهرة جدا فتأمل ذاك والله عز وجل يتولى هداك .

(15/479)


ومن باب الإشارة في السورة الكريمة : { الم } [ لقمان : 1 ] إشارة إلى آلائه تعالى ولطفه جل شأنه ومجده عز وجل { الذين يقيمون الصلاة } بحضور القلب والإعراض عن السوي وهي صلاة خواص الخواص ، وأما صلاة الخواص فبنفي الخطرات الردية والإرادات الدنيوية ولا يضر فيها طلب الجنة ونحوه ، وأما صلاة العوام فما يفعله أكثر الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم { ويؤتون الزكواة } [ لقمان : 4 ] ببذل الوجود للملك المعبود لنيل المقصود وهي زكاة الأخص ، وزكاة الخاصة ببذل المال كله لتصفية قلوبهم عن صدإ محبة الدنيا ، وزكاة العامة ببذل القدر المعروف من المال المعلوم على الوجه المشروع المشهور لتزكية نفوسهم عن نجاسة البخل { ومن الناس من يشترى لهو الحديث } [ لقمان : 6 ] هو ما يشغل عن الله تعالى ذكره ويحجب عنه عز وجل استماعه ، وأما الغناء فهو عند كثير منهم أقسام منها ما هو من لهو الحديث ، ونقل بعضهم عن الجنيد قدس سره أنه قال : السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم وعلى أصحابنا واجب لفناء حظوظهم ، وعن أبي بكر الكناني سماع العوام على متابعة الطبع وسماع المريدين رغبة ورهبة وسماع الأولياء رؤية الآلاء والنعم وسماع العارفين على المشاهدة وسماع أهل الحقيقة على الكشف والعيان ولكل من هؤلاء مصدر ومقام ، وذكروا أن من القوم من يسمع في الله ولله وبالله ومن الله جل وعلا ولا يسمع بالسمع الإنساني بل يسمع بالسمع الرباني كما في الحديث القدسي " كنت سمعه الذي يسمع به " وقالوا : إنما حرم اللهو لكونه لهوا فمن لا يكون لهوا بالنسبة إليه لا يحرم عليه إذ علة الحرمة في حقه منتفية والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما ، ويلزمهم القول بحل شرب المسكر لمن لا يسكره لا سيما لمن يزيده نشاطا للعبادة مع ذلك ، ومن زنادقة القلندرية من يقول بحل الخمر والحشيشة ونحوها من المسكرات المحرمة بلا خلاف زاعمين أن استعمال ذلك يفتح عليهم أبواب الكشوف ، وبعض الجهلة الذين لعب بهم الشيطان يطلبون منهم المدد في ذلك الحال قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } [ لقمان : 2 1 ] قيل : هي إدراك خطاب الحق بوصف الإلهام ، وذكروا أن الحكمة موهبة الأولياء كما أن الوحي موهبة الأنبياء عليهم السلام فكل ليس بكسبي إلا أن للكسب مدخلا ما في الحكمة ، فقد ورد «من أخلص لله تعالى أربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه» والحكمة التي يزعم الفلاسفة أنها حكمة ليست بحكمة إذ هي من نتائج الفكر ويؤتاها المؤمن والكافر وقلما تسلم من شوائب آفات الوهم ، ولهذا وقع الاختلاف العظيم بين أهلها وعدها بعض الصوفية من لهو الحديث ولم يبعد في ذلك عن الصواب ، وأشارت قصة لقمان إلى التوحيد ومقام جمع الجمع وعين الجمع واتباع سبيل الكاملين والإعراض عن السوي وتكميل الغير والصبر على الشدائد والتواضع للناس وحسن المماشاة والمعاملة والسيرة وترك التماوت في المشي وترك رفع الصوت ، وقيل : { الحمير } في قوله تعالى :

(15/480)


{ إن أنكر الاصوات لصوت الحمير } [ لقمان : 19 ] هم الصوفية الذين يتكلمون بلسان المعرفة قبل أن يؤذن لهم ، وطبق بعضهم جميع ما في القصة على ما في الأنفس { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } قال الجنيد : النعم الظاهرة حسن الأخلاق والنعم الباطنة أنواع المعارف ، وقيل : على قراءة الأفراد النعمة الظاهرة اتباع ظاهر العلم والباطنة طلب الحقيقة في الاتباع ، وقيل : النعمة الظاهر نفس بلا زلة والباطنة قلب بلا غفلة .
{ ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } [ لقمان : 0 2 ] يشير إلى أهل الجدل من الفلاسفة فإنهم يجادلون في ذات الله تعالى وصفاته عز وجل كذلك عند التحقيق لأنهم لا يعتبرون كلام الرسل عليهم الصلاة والسلام ولا الكتب المنزلة من السماء وأكثر علومهم مشوب بآفة الوهم ومع هذا فشؤون الله جل وعلا طور ما وراء طور العقل .
هيهات أن تصطاد عنقاء البقا ... بلعابهن عناكب الأفكار
وأبعد من محدب الفلك التاسع حصول علم بالله عز وجل وبصفاته جل شأنه يعتد به بدون نور إلهي يستضىء العقل به وعقولهم في ظلمات بعضها فوق بعض ، وقد سدت أبواب الوصول إلا على متبع للرسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعضهم مخاطبا لحضرة صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام :
وأنت باب الله أي امرىء ... أتاه من غيرك لا يدخل
/ { ذلك بأن الله هو الحق } إلى قوله سبحانه : { وأن الله هو العلى الكبير } [ لقمان : 30 ] فيه إشارة إلى أنه سبحانه تمام وفوق التمام ، والمراد بالأول من حصل له كل ما جاز له وإليه الإشارة بقوله تعالى : { هو الحق } والمراد بالثاني من حصل له ذلك وحصل لما عداه ما جاز له وإليه الإشارة بقوله تعالى : { هو العلى الكبير } ووراء هذين الشيئين ناقص وهو ما ليس له ما ينبغي كالصبي والمريض والأعمى ومكتف وهو من أعطى ما تندفع به حاجته في وقته كالإنسان الذي له من الآلات ما تندفع به حاجته في وقته لكنها في معرض التحلل والزوال { إن الله عنده علم الساعة } [ لقمان : 4 3 ] الآية ذكر غير واحد حكايات عن الأولياء متضمنة لإطلاع الله تعالى إياهم على ما عدا علم الساعة من الخمس وقد علمت الكلام في ذلك ، وأغرب ما رأيت ما ذكره الشعراني عن بعضهم أنه كان يبيع المطر فيمطر على أرض من يشتري منه متى شاء ، ومن له عقل مستقيم لا يقبل مثل هذه الحكاية ، وكم للقصاص أمثالها من رواية نسأل الله تعالى أن يحفظنا وإياكم من اعتقاد خرافات لا أصل لها وهو سبحانه ولي العصمة والتوفيق .

(15/481)


الم (1)

{ الم } إن جعل اسما للسورة أو القرآن فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا الم ، وقوله تعالى :

(15/482)


تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2)

{ تنزيل الكتاب } خبر بعد خبر على أنه مصدر باق على معناه لقصد المبالغة أو بتقدير مضاف أو هو مؤول باسم المفعول أي منزل وإضافته إلى الكتاب من إضافة الصفة إلى الموصوف أو بيانية بمعنى من ، وقوله سبحانه : { لا ريب فيه } خبر ثالث ، وقوله تعالى : { من رب العالمين } خبر رابع ، وجوز أن يكون { الم } مبتدأ وما بعده أخبار له أي المسمى بالم الكتاب المنزل لا ريب فيه كائن من رب العالمين ، وتعقب بأن ما يجعل عنوانا للموضوع حقه أن يكون قبل ذلك معلوم الانتساب إليه وإذ لا عهد بالنسبة قبل فحقها الإخبار بها .
وقال أبو البقاء : { الم } يجوز أن يكون مبتدأ و { تنزيل } بمعنى منزل خبره و { لا ريب فيه } حال من { الكتاب } والعامل فيها المضاف وهي حال مؤكدة و { من رب } متعلق بتنزيل ، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف هو حال من الضمير المجرور في { فيه } والعامل فيها الظرف { لا ريب } لأنه هنا مبني وفيه ما سمعت ، وهذا التعلق يجوز أيضا على تقدير أن يكون { الم } خبر مبتدأ محذوف وما بعده أخبارا لذلك المحذوف ، وإن جعل { الم } مسرودا على نمط التعديد فلا محل له من الإعراب ، وفي إعراب ما بعد عدة أوجه ، قال أبو البقاء : يجوز أن يكون { تنزيل } مبتدأ و { لا ريب فيه } الخبر و { من رب } حال كما تقدم ، ولا يجوز على هذا أن يتعلق بتنزيل لأن المصدر قد أخبر عنه ، ويجوز أن يكون الخبر { من رب } و { لا ريب } حالا من { الكتاب } وأن يكون خبرا بعد خبر انتهى .
ووجه منع التعلق بالمصدر بعدما أخبر عنه أنه عامل ضعيف فلا يتعدى عمله لما بعد الخبر وعن التزام حديث التوسع في الظرف سعة هنا أو أن المتعلق من تمامه والاسم لا يخبر عنه قبل تمامه ، وجوز ابن عطية تعلق { من رب } بريب وفيه أنه بعيد عن المعنى المقصود ، وجوز الحوفي كون { تنزيل } خبر مبتدأ محذوف أي المؤلف من جنس ما ذكر تنزيل الكتاب ، وقال أبو حيان : الذي اختاره أن يكون { تنزيل } مبتدأ { ولا * ريب فيه } اعتراض لا محل له من الإعراب و { من رب العالمين } الخبر وضمير { فيه } راجع لمضمون الجملة أعني كونه منزلا من رب العالمين لا للتنزيل ولا للكتاب كأنه قيل : لا ريب في ذلك أي في كونه منزلا من رب العالمين وهذا ما اعتمد عليه الزمخشري وذكر أنه الوجه ويشهد لوجاهته قوله تعالى :

(15/483)


أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3)

{ أم يقولون افتراه } فإن قولهم هذا مفترى إنكار لأن يكون من رب العالمين أي فالأنسب أن يكون نفي الريب عما أنكروه وهو كونه من رب العالمين جل شأنه ، وقيل : أي فلا بد من أن يكون مورده حكما مقصودا بالإفادة لا قيدا للحكم بنفي الريب عنه ، وفيه بحث ، وكذا قوله سبحانه : { بل هو الحق من ربك } فإنه تقرير لما قبله فيكون مثله في الشهادة ثم قال في نظم الكلام على ذلك : إنه أسلوب صحيح محكم أثبت سبحانه أولا أن تنزيله من رب العالمين وأن ذلك مما لا ريب فيه أي لا مدخل للريب في أنه تنزيل الله تعالى وهو أبعد شيء منه لأن نافي الريب ومميطه معه لا ينفك أصلا عنه وهو كونه معجزا للبشر ، ثم أضرب جل وعلا عن ذلك إلى قوله تعالى : { أم يقولون افتراه } لأن { أم } هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة إنكارا لقولهم وتعجيبا منه لظهور عجز بلغائهم عن مثل أقصر سورة منه فهو إما قول متعنت مكابر أو جاهل عميت منه النواظر ، ثم أضرب سبحانه عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك ، وفي «الكشف» أن الزمخشري بين وجاهة كون { تنزيل الكتاب } مبتدأ و { لا ريب فيه } اعتراضا و { من رب العالمين } خبرا بحسن موقع الاعتراض إذ ذاك ثم حسن الإنكار على الزاعم أنه مفترى مع وجود نافي الريب ومميطه ثم إثبات ما هو المقصود وعدم الالتفات إلى شغب هؤلاء المكابرة بعد التلخيص البليغ بقوله تعالى : { بل هو الحق من ربك } وما في إيثار لفظ { الحق } وتعريفه تعريف الجنس من الحسن؛ ويقرب عندي من هذا الوجه جعل { تنزيل } مبتدأ وجملة { لا ريب فيه } في موضع الحال من { الكتاب } و { من رب } خبرا فتدبر ولا تغفل ، وزعم أبو عبيدة أن { أم } بمعنى بل الانتقالية وقال : إن هذا خروج من حديث إلى حديث وليس بشيء .
والظاهر أن { من ربك } في موضع الحال أي كائنا من ربك ، وقيل : يجوز جعله خبرا ثانيا وإضافة الرب إلى العالمين أولا ثم إلى ضمير سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ثانيا بعدما فيه من حسن التخلص إلى إثبات النبوة وتعظيم شأنه علا شأنه فيه أنه عليه الصلاة والسلام العبد الجامع الذي جمع فيه ما فرق في العالم بالأسر ، ووروده على أسلوب الترقي دل على أن جمعيته صلى الله عليه وسلم أتم مما لكل العالم وحق له ذلك صلوات الله تعالى وسلامه عليه { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } بيان للمقصود من تنزيله فقيل لهو متعلق بتنزيل ، وقيل : بمحذوف أي أنزله لتنذر الخ ، وقيل : بما تعلق به { من ربك } { *وقوما } مفعول أول لتنذر والمفعول الثاني محذوف أي العقاب و { فى ما } نافية كما هو الظاهر و { من } الأولى صلة { ونذير } فاعل { ءاتاهم } ويطلق على الرسول وهو المشهور وعلى ما يعمه والعالم الذي ينذر عنه عز وجل قيل : وهو المراد هنا كما في قوله تعالى :

(15/484)


{ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } [ فاطر : 4 2 ] .
وجوز أن يكون النذير ههنا مصدرا بمعنى الإنذار و { من قبلك } أي من قبل إنذارك أو من قبل زمانك متعلق بأتى والجملة في موضع الصفة لقوما ، والمراد بهم قريش على ما ذهب إليه غير واحد ، قال في «الكشف» : الظاهر أنه لم يبعث إليهم رسول منهم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ملزمين بشرائع الرسل من قبل وإن كانوا مقصرين في البحث عنها لا سيما دين إبراهيم . وإسماعيل عليهما السلام إن قلنا : إن دعوتي موسى . وعيسى عليهما السلام لم تعما وهو الأظهر ، وقد تقدم لك القول بانقطاع حكم نبوة كل نبي ما عدا نبينا صلى الله عليه وسلم بعد موته فلا يكلف أحد مطلقا يجىء بعده باتباعه والقول بالانقطاع إلا بالنسبة لمن كان من ذريته ، والظاهر أن قريشا كانوا ملزمين بملة إبراهيم . وإسماعيل عليهما السلام وإنهم لم يزالوا على ذلك إلى أن فشت في العرب عبادة الأصنام التي أحدثها فيهم عمرو الخزاعي لعنه الله تعالى فلم يبق منهم على الملة الحنيفية إلا قليل بل أقل من القليل فهم داخلون في عموم قوله تعالى : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } [ فاطر : 4 2 ] فإنه عام للرسول وللعالم الذي ينذر كذا قيل . واستشكل مع ما هنا ، وأجيب بأن المراد هنا ما أتاهم نذير منهم من قبلك وإليه يشير كلام الكشف وهناك { إلا خلا فيها نذير } منها أو من غيرها أو يحمل النذير فيه على الرسول ، وفي تلك الآية على الأعم قال أبو حيان : في تفسير سورة الملائكة إن الدعاء إلى الله تعالى لم ينقطع عن كل أمة إما بمباشرة من أنبيائهم وإما بنقل إلى وقت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم والآيات التي تدل على أن قريشا ما جاءهم نذير معناها لم يباشرهم وآباءهم الأقربين وإما أن النذارة انقطعت فلا . نعم لما شرعت آثارها تندرس بعث محمد صلى الله عليه وسلم . وما ذكره أهل علم الكلام من حال أهل الفترات فإن ذلك على حسب الفرض لا أنه واقع فلا توجد أمة على وجه الأرض إلا وقد علمت الدعوة إلى الله عز وجل وعبادته انتهى .
وفي القلب منه شيء ، ومقتضاه أن المنفي ههنا إتيان نذير مباشر أي نبي من الأنبياء عليهم السلام قريشا الذين كانوا في عصره عليه الصلاة والسلام قبله صلى الله عليه وسلم وأنه كان فيهم من ينذرهم ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده بالنقل أي عن نبي كان يدعو إلى ذلك ، والأول : مما لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان بل لا ينبغي أن يتوقف فيه إنسان ، والثاني : مظنون التحقق في زيد بن عمرو بن نفيل العدوي والد سعيد أحد العشرة فإنه عاصر النبي صلى الله عليه وسلم واجتمع وآمن به قبل بعثته عليه الصلاة والسلام ولم يدركها إذ قد مات وقريش تبني الكعبة وكان ذلك قبل البعثة بخمس سنين ، وكان على ملة إبراهيم .

(15/485)


وإسماعيل عليهما السلام ، فقد صح عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت : لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول : يا معشر قريش والذي نفسي بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري ، وفي بعض طرق الخبر عنه أيضا بزيادة ، وكان يقول : اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم ثم يسجد على راحلته ، وذكر موسى بن عقبة في «المغازي» سمعت من أرضي يحدث أن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبحهم لغير الله تعالى وصح أنه لم يأكل من ذبائح المشركين التي أهل بها لغير الله ، وأخرج الطيالسي في مسنده عن ابنه سعيد أنه قال : " قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أبي كان كما رأيت وكما بلغك أفاستغفر له : قال ، نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده " ولا يبعد ممن كان هذا شأنه الإنذار والدعوة إلى عبادة الله تعالى بل من أنصف يرى تضمن كلامه الذي حكته أسماء وإنكاره على قريش الذبح لغير الله تعالى الذي ذكره الطيالسي الدعوة إلى دين إبراهيم عليه السلام وعبادة الله سبحانه وحده ، وكذا تضمن كلامه النقل أيضا ، ويعلم مما نقلناه أن الرجل رضي الله تعالى عنه لم يكن نبيا وهو ظاهر ، وزعم بعضهم أنه كان نبيا ، واستدل على ذلك بأنه كان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول : هلموا إلي فإنه لم يبق على دين الخليل غيري؛ وصحة ذلك ممنوعة ، وعلى فرض التسليم لا دليل فيه على المقصود كما لا يخفى على من له أدنى ذوق ، ومثل زيد رضي الله تعالى عنه قس بن ساعدة الأيادي فإنه رضي الله تعالى عنه كان مؤمنا بالله عز وجل داعيا إلى عبادته سبحانه وحده وعاصر النبي صلى الله عليه وسلم ومات قبل البعثة على الملة الحنيفية وكان من المعمرين ، ذكر السجستاني أنه عاش ثلاثمائة وثمانين سنة ، وقال المرزباني : ذكر كثير من أهل العلم أنه عاش ستمائة سنة وذكروا في شأنه أخبارا كثيرة لكن قال الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة قد أفرد بعض الرواة طريق قس وفيه شعره وخطبته وهو في الطوالات للطبراني وغيرها وطرقه كلها ضعيفة وعد منها ما عد فليراجع ، ثم إن الإشكال إنما يتوهم لو أريد بقريش جميع أولاد قصي أو فهر أو النضر أو الياس أو مضر أما إذا أريد من كان منهم حين بعث صلى الله عليه وسلم فلا كما لا يخفى على المتأمل فتأمل ، وقيل : المراد بهم العرب قريش وغيرهم ولم يأت المعاصرين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نذير من الأنبياء عليهم السلام غيره صلى الله عليه وسلم وكان فيهم من ينذر ويدعو إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده وليس بنبي على ما سمعت آنفا ، وأما العرب غير المعاصرين فلم يأتهم من عهد إسماعيل عليه السلام نبي منهم بل لم يرسل إليهم نبي مطلقا ، وموسى .

(15/486)


وعيسى . وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام لم يبعثوا إليهم على الأظهر ، وخالد بن سنان العبسي عند الأكثرين ليس بنبي ، وخبر ورود بنت له عجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وقوله صلى الله عليه وسلم لها : مرحبا بابنة نبي ضيعه قومه ونحوه من الإخبار مما للحفاظ فيه مقال لا يصلح معه للاستدلال ، وفي شروح الشفاء والإصابة للحافظ ابن حجر بعض الكلام في ذلك ، وقيل : المراد بهم أهل الفترة من العرب وغيرهم حتى أهل الكتاب ، والمعنى ما أتاهم نذير من قبلك بعد الضلال الذي حدث فيهم .
هذا وكأني بك تحمل النذير هنا على الرسول الذي ينذر عن الله عز وجل وكذا في قوله تعالى : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } [ فاطر : 4 2 ] ليوافق قوله تعالى : { ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله } [ النحل : 6 3 ] وأظن أنك تجعل التنوين في أمة للتعظيم أي وإن من أمة جليلة معتنى بأمرها إلا خلا فيها نذير ولقد بعثنا في كل أمة جليلة معتنى بأمرها رسولا أو تعتبر العرب أمة وبني إسرائيل أمة ونحو ذلك أمة دون أهل عصر واحد وتحمل من لم يأتهم نذير على جماعة من أمة لم يأتهم بخصوصهم نذير ، ومما يستأنس به في ذلك أنه حين ينفي إتيان النذير ينفي عن قوم ونحوه لا عن أمة فليتأمل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في هذا المقام ، وجوز كون { ما } موصولة وقعت مفعولا ثانيا لتنذر و { من نذير } عليه متعلق بأتاهم أي لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك أي على لسان نذير من قبلك واختاره أبو حيان ، وعليه لا مجال لتوهم الأشكال لكن لا يخفي أنه خلاف المتبادر الذي عليه أكثر المفسرين ، والاقتصار على الإنذار في بيان الحكمة لأنه الذي يقتضيه قولهم : { افتراه } دون التبشير { لعلهم يهتدون } أي لأجل أن يهتدوا بإنذارك إياهم أو راجيا لاهتدائهم ، وجعل الترجي مستعارا للإرادة منسوبا إليه عز وجل نزغة اعتزالية :

(15/487)


الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4)

{ الله الذى خلق * السموات والارض * وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش } مر بيانه فيما سلف على مذهبي السلف والخلف { ما لكم من دونه من * ولى ولا شفيع } أي ما لكم مجاوزين الله عز وجل أي رضاه سبحانه وطاعته تعالى ولي ولا شفيع أي لا ينفعكم هذان من الخلق عنده سبحانه دون رضاه جل جلاله فمن دونه حال من مجرور { لكم } والعامل الجار أو متعلقه ، وعلى هذا المعنى لا دليل في الخطاب على أنه تعالى شفيع دون غيره ليقال : كيف ذاك وتعالى جل شأنه أن يكون شفيعا ، وكفى في ذلك رده صلى الله عليه وسلم على الأعرابي حيث قال : إنا نستشفع بالله تعالى إليك ، وقد يقال : الممتنع إطلاق الشفيع عليه تعالى بمعناه الحقيقي وأما إطلاقه عليه سبحانه بمعنى الناصر مجازا فليس بممتنع ، ويجوز أن يعتبر ذلك هنا وحينئذ يجوز أن يكون { من دونه } حالا مما بعد قدم عليه لأنه نكرة ودون بمعنى غير ، والمعنى ما لكم ولي ولا ناصر غير الله تعالى ، ويجوز أن يكون حالا من المجرور كما في الوجه السابق ، والمعنى ما لكم إذا جاوزتم ولايته ونصرته جل وعلا ولي ولا ناصر ، ويظهر لي أن التعبير بالشفيع هنا من قبيل المشاكلة التقديرية لما أن المشركين المنذرين كثيرا ما كانوا يقولون في آلهتهم { هؤلاء شفعاؤنا } [ يونس : 18 ] ويزعمون أن كل واحد منها شفيع لهم { أفلا تتذكرون } أي ألا تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون بها أو أتسمعونها فلا تتذكرون بها ، فالإنكار على الأول : متوجه إلى عدم السماع وعدم التذكر معا ، وعلى الثاني : إلى عدم التذكر مع تحقق ما يوجبه من السماع .

(15/488)


يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5)

{ يدبر الامر } قيل : أي أمر الدنيا وشؤونها ، وأصل التدبير النظر في دابر الأمر والتفكر فيه ليجىء محمود العاقبة وهو في حقه عز وجل مجاز عن إرادة الشيء على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة والفعل مضمن معنى الإنزال والجاران في قوله تعالى : { من السماء إلى الارض } متعلقان به ومن ابتدائية وإلى انتهائية أي يريده تعالى على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة منزلا له من السماء إلى الأرض ، وإنزاله من السماء باعتبار أسبابه فإن أسبابه سماوية من الملائكة عليهم السلام وغيرهم { ثم يعرج } أي يصعد ويرتفع ذلك الأمر بعد تدبيره { إليه } عز وجل وهذا العروج مجاز عن ثبوته في علمه تعالى أي تعلق علمه سبحانه به تعلقا تنجيزيا بأن يعلمه جل وعلا موجودا بالفعل أو عن كتابته في صحف الملائكة عليهم السلام القائمين بأمره عز وجل موجودا كذلك { فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } أي في برهة متطاولة من الزمان فليس المراد حقيقة العدد ، وعبر عن المدة المتطاولة بالألف لأنها منتهى المراتب وأقصى الغايات وليس مرتبة فوقها إلا ما يتفرع منها من أعداد مراتبها ، والفعلان متنازعان في الجار والمجرور وقد أعمل الثاني منهما فيه فتفيد الآية طول امتداد الزمان بين تعلق إرادته سبحانه بوجود الحوادث في أوقاتها متقنة مراعي فيها الحكمة وبين وجودها كذلك ، وظاهرها يقتضي أن وجودها لا يتوقف على تعلق الإرادة مرة أخرى بل يكفي فيه التعلق السابق وقيل : { فى يوم } متعلق بيعرج وليس الفعلان متنازعين فيه ، والمراد بعروج الأمر إليه بعد تدبيره سبحانه إياه وصول خبر وجوده بالفعل كما دبر جل وعلا بواسطة الملك وعرضه ذلك في حضرة قد أعدها سبحانه للاختبار بما هو جل جلاله أعلم به إظهارا لكمال عظمته تبارك وتعالى وعظيم سلطنته جلت سلطنته؛ وهذا كعرض الملائكة عليهم السلام أعمال العباد الوارد في الأخبار ، وألف سنة على حقيقتها وهي مسافة ما بين الأرض ومحدب السماء الدنيا بالسير المعهود للبشر فإن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام وثخن السماء كذلك كما جاء في الأخبار الصحيحة والملك يقطع ذلك في زمان يسير فالكلام على التشبيه فكأنه قيل : يريد تعالى الأمر متقنا مراعي فيه الحكمة بأسباب سماوية نازلة آثارها وأحكامها إلى الأرض فيكون كما أراد سبحانه فيعرج ذلك الأمر مع الملك ويرتفع خبره إلى حضرته سبحانه في زمان هو كألف سنة مما تعدون ، وقيل : العروج إليه تعالى صعود خبر الأمر مع الملك إليه عز وجل كما هو مروى عن ابن عباس . وقتادة . ومجاهد . وعكرمة . والضحاك والفعلان متنازعان في { يوم } والمراد أنه زمان تدبير الأمر لو دبره البشر وزمان العروج لو كان منهم أيضا وإلا فزمان التدبير والعروج يسير ، وقيل : المعنى يدبر أمر الدنيا بإظهاره في «اللوح المحفوظ» فينزل الملك الموكل به من السماء إلى الأرض ثم يرجع الملك أو الأمر مع الملك إليه تعالى في زمان هو نظرا للنزول والعروج كألف سنة مما تعدون ، وأريد به مقدار ما بين الأرض ومقعر سماء الدنيا ذهابا وإيابا ، والظاهر أن { يدبر } عليه مضمن معنى الإنزال ، والجاران متعلقان به لا بفعل محذوف أي فينزل به الملك من السماء إلى الأرض كما قيل ، وزعم بعضهم أن ضمير { إليه } للسماء وهي قد تذكر كما في قوله تعالى :

(15/489)


{ السماء منفطر به } [ المزمل : 18 ] وقيل : المعنى يدبر سبحان أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من أيام الرب جل شأنه وهو ألف سنة كما قال سبحانه : { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } [ الحج : 7 4 ] ثم يصير إليه تعالى ويثبت عنده عز وجل ويكتب في صحف ملائكته جل وعلا كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل تحت الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها ثم يدبر أيضا ليوم آخر وهلم جرا إلى أن تقوم الساعة ، ويشير إلى هذا ما روى عن مجاهد قال : إنه تعالى يدبر ويلقى إلى الملائكة أمور ألف سنة من سنيننا وهو اليوم عنده تعالى فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها ، وعليه الأمر بمعنى الشأن والجاران متعلقان به أو بمحذوف حال منه ولا تضمين في { يدبر } والعروج إليه تعالى مجاز عن ثبوته وكتبه في صحف الملائكة و { ألف سنة } على ظاهره و { فى يوم } يتعلق بالفعلين واعمل الثاني كأنه قيل : { يدبر الأمر ليوم مقداره كذا ثم يعرج إليه تعالى فيه كما تقول : قصدت ونظرت في الكتاب أي قصدت إلى الكتاب ونظرت فيه ، ولا يمنع اختلاف الصلتين من التنازع ، وتكرار التدبير إلى يوم القيامة يدل عليه العدول إلى المضارع مع أن الأمر ماض كأنه قيل : يجدد هذا الأمر مستمرا؛ وقيل : المعنى يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة ثم يعرج إليه تعالى ذلك الأمر كله أي يصير إليه سبحانه ليحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة ، وعليه الأمر بمعنى الشأن والجاران متعلقان به أو بمحذوف حال منه كما في سابقه ، والعروج إليه تعالى الصيرورة إليه سبحانه لا ليثبت في صحف الملائكة بل ليحكم جل وعلا فيه .
و { في يوم } متعلق بالعروج ولا تنازع ، والمراد بيوم مقداره كذا يوم القيامة ، ولا ينافي هذا قوله تعالى : { كان مقداره خمسين ألف سنة } بناء على أحد الوجهين فيه لتفاوت الاستطالة على حسب الشدة أو لأن ثم خمسين موطنا كل موطن ألف سنة ، وقيل : المعنى ينزل الوحي مع جبريل عليه السلام من السماء إلى الأرض ثم يرجع إليه تعالى ما كان من قبوله أو رده مع جبريل عليه السلام في يوم مقدار مسافة السير فيه ألف سنة وهو ما بين السماء والأرض هبوطا وصعودا ، فالأمر عليه مراد به الوحي كما في قوله تعالى :

(15/490)


{ يلقى الروح من أمره } [ غافر : 15 ] والعروج إليه تعالى عبارة عن خبر القبول والرد مع عروج جبريل عليه السلام والتدبير والعروج في اليوم لكن على التوسع والتوزيع فالفعلان متنازعان في الظرف ولكن لا اختلاف في الصلة ولا تنافي الآية على هذا قوله تعالى شأنه : { تعرج الملئكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } [ المعارج : 4 ] بناء على الوجه الآخر فيه وستعرفهما إن شاء الله تعالى لأن العروج فيه إلى العرش وفيها إلى السماء الدنيا وكلاهما عروج إلى الله تعالى على التجوز .
وقيل : المراد بالأمر المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحات ، والمعنى ينزل سبحانه ذلك مدبرا من السماء إلى الأرض ثم لا يعمل به ولايصعد إليه تعالى ذلك المأمور به خالصا كما يرتضيه إلا في مدة متطاولة لقلة الخلص من العباد وعليه { يدبر } مضمن معنى الإنزال ومن وإلى متعلقان به ، ومعنى العروج الصعود كما في قوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب } [ فاطر : 0 1 ] والغرض من الألف استطالة المدة ، والمعنى استقلال عبادة الخلص واستطالة مدة ما بين التدبير والوقوع ، و { ثم } للاستبعاد ، واستدل لهذا المعنى بقوله تعالى إثر ذلك : { قليلا ما تشكرون } [ السجدة : 9 ] لأن الكلام بعضه مربوط بالبعض وقلة الشكر مع وجود تلك الإنعامات دالة على الاستقلال المذكور .
وقيل : المعنى يدبر أمر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض وزمان طلوعها إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع مقداره في المسافة ألف سنة وهي تقطع ذلك في يوم وليلة . هذا ما قالوه في الآية الكريمة في بيان المراد منها ، ولا يخفى على ذي لب تكلف أكثر هذه الأقوال ومخالفته للظاهر جدا وهي بين يديك فاختر لنفسك ما يحلو . ويظهر لي أن المراد بالسماء جهة العلو مثلها في قوله تعالى : { أأمنتم من فى السماء أن } [ الملك : 16 ] وبعروج الأمر إليه تعالى صعود خبره كما سمعت عن الجماعة و { فى يوم } متعلق بالعروج بلا تنازع ، وأقول : إن الآية من المتشابه وأعتقد أن الله تعالى يدبر أمور الدنيا وشؤونها ويريدها متقنة وهو سبحانه مستوى على عرشه وذلك هو التدبير من جهة العلو ثم يصعد خبر ذلك مع الملك إليه عز وجل إظهارا لمزيد عظمته جلت عظمته وعظيم سلطنته عظمت سلطنته إلى حكم هو جل وعلا أعلم بها وكل ذلك بمعنى لائق به تعالى مجامع للتنزيه مباين للتشبيه حسبما يقوله السلف في أمثاله ، وقول بعضهم : العرش موضع التدبير وما دون موضع التفصيل وما دون السماوات موضع التصريف فيه رائحة ما مما ذكرنا ، وأما تقدير يوم العروج هنا بألف سنة وفي آية أخرى بخمسين ألف سنة فقد كثر الكلام في توجيهه وقد تقدم لك بعض منه .

(15/491)


وأخرج عبد الرزاق . وسعيد بن منصور . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن الأنباري في المصاحف . والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة قال : دخلت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فسأله عن قوله تعالى : { يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة } فكأن ابن عباس اتهمه فقال : ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال : إنما سألتك لتخبرني فقال رضي الله تعالى عنه . هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله تعالى أعلم بهما وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب فسأله عنهما إنسان فلم يخبر ولم يدر فقلت : ألا أخبرك بما سمعت من ابن عباس؟ قال : بلى فأخبرته فقال للسائل : هذا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أبى أن يقول فيهما وهو أعلم مني .
وبعض المتصوفة يسمون اليوم المقدر بألف سنة باليوم الربوبي واليوم المقدر بخمسين ألف سنة باليوم الإلهي ، ومحيي الدين قدس سره يسمى الأول يوم الرب والثاني يوم المعارج ، وقد ذكر ذلك وأيا ما أخر كيوم الشأن ويوم المثل ويوم القمر ويوم الشمس ويوم زحل وأيام سائر السيارة ويوم الحمل وأيام سائر البروج في الفتوحات ، وقد سألت رئيس الطائفة الكشفية الحادثة في عصرنا في كربلاء عن مسألة فكتب في جوابها ما كتب واستطرد بيان إطلاقات اليوم وعد من ذلك أربعة وستين إطلاقا ، منها إطلاقه على اليوم الربوبي وإطلاقه على اليوم الإلهي وأطال الكلام في ذلك المقام ، ولعلنا إن شاء الله تعالى ننقل لك منه شيئا معتدا به في موضع آخر ، وسنذكر إن شاء الله تعالى أيضا تمام الكلام فيما يتعلق بالجمع بني هذه الآية وقوله سبحانه : { تعرج الملئكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } [ المعارج : 4 ] وقوله تعالى : { مما تعدون } صفة { ألف } أو صفة { سنة } .
وقرأ ابن أبي عبلة { يعرج } بالبناء للمفعول والأصل يعرج به فحذف الجار واستتر الضمير . وقرأ جناح بن حبيش { ما ننزل الملائكة } إليه بزيادة الملائكة قال أبو حيان : ولعله تفسير منه لسقوطه في سواد المصحف .
/ وقرأ السلمي . وابن وثاب . والأعمش . والحسن بخلاف عنه { يعدون } بياء الغيبة .

(15/492)


ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6)

{ ذلك } أي الذات الموصوف بتلك الصفات المقتضية للقدرة التامة والحكمة العامة { عالم الغيب } أي كل ما غاب عن الخلق { والشهادة } أي كل ما شاهده الخلق فيدبر سبحانه ذلك على وفق الحكمة ، وقيل : الغيب الآخرة والشهادة الدنيا { العزيز } الغالب على أمره { الرحيم } للعباد ، وفيه إيماء بأنه عز وجل متفضل فيما يفعل جل وعلا ، واسم الإشارة مبدأ والأوصاف الثلاثة بعده أخبار له ، ويجوز أن يكون الأول خبرا والأخير نعتان للأول .
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بخفض الأوصاف الثلاثة على أن ذلك إشارة إلى الأمر مرفوع المحل على أنه فاعل { يعرج } [ السجدة : 5 ] والأوصاف مجرورة على البدلية من ضمير { إليه } وقرأ أبو زيد النحوي بخفض الوصفين الأخيرين على أن { ذلك } إشارة إلى الله تعالى مرفوع المحل على الابتداء و { عالم } خبره والوصفان مجروران على البدلية من الضمير ، وقوله تعالى :

(15/493)


الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7)

{ الذى أحسن كل شىء خلقه } خبر رابع أو نعت ثالث أو نصب على المدح ، وجوز أبو البقاء كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي ، وكون { العزيز } مبتدأ و { الرحيم } صفته وهذا خبره وجملة { خلقه } في محل جر صفة { شىء } ويجوز أن تكون في محل نصب صفة { كل } واحتمال الاستئناف بعيد أي حسن سبحانه كل مخلوق من مخلوقاته لأنه ما من شيء منها إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة واستدعته المصلحة فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت في مراتب الحسن كما يشير إليه قوله تعالى : { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم } [ التين : 4 ] ونفي التفاوت في خلقه تعالى في قوله سبحانه : { ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت } [ الملك : 3 ] على معنى ستعرفه إن شاء الله تعالى غير مناف لما ذكر ، وجوز أن يكون المعنى علم كيف يخلقه من قوله . قيمة المرء ما يحسن وحقيقته يحسن معرفته أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإيقان ، ولا يخفى بعده .
وقرأ العربيان . وابن كثير { خلقه } بسكون اللام فقيل : هو بدل اشتمال من { كل } والضمير المضاف هو إليه له وهو باق على المعنى المصدري ، وقيل : هو بدل كل من كل أو بدل بعض من كل والضمير لله تعالى وهو بمعنى المخلوق ، وقيل : هو مفعول ثان لأحسن على تضمينه معنى أعطى أي أعطى سبحانه كل شيء خلقه اللائق به بطريق الإحسان والتفضل ، وقيل : هو المفعول الأول و { كل شىء } المفعول الثاني وضميره لله سبحانه على تضمين الإحسان والتفضل ، وقيل : هو المفعول الأول و { كل شىء } المفعول الثاني وضميره لله سبحانه على تضمين الإحسان معنى الإلهام كما قال الفراء أو التعريف كما قال أبو البقاء ، والمعنى الهم أو عرف خلقه كل شيء مما يحتاجون إليه فيؤول إلى معنى قوله تعالى : { أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } [ طه : 0 5 ] .
واختار أبو علي في الحجة ما ذكره سيبويه في الكتاب أنه مفعول مطلق لأحسن من معناه والضمير لله تعالى نحو قوله تعالى : { صنع الله } [ النمل : 88 ] و { وعد الله } [ النور : 55 ] { وبدأ خلق الإنسان } أي آدم عليه السلام { من طين } أو بدأ خلق هذا الجنس المعروف { من طين } حيث بدأ خلق آدم عليه السلام خلقا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس انطواء إجماليا منه ، وقرأ الزهري { بدأ } بالألف بدلا من الهمزة قال في «البحر» وليس القياس في هدأ هذا بإبدال الهمزة ألفا بل قياس هذه الهمزة التسهيل بين بين على أن الأخفش حكى في قرأت قريت قيل : وهي لغة الأنصار فهم يقولون في بدأ بدي بكسر عين الكلمة وياء بعدها ، وطيء يقولون في فعل هذا نحو بقي بقي كرمي فاحتمل أن تكون قراءة الزهري على هذه اللغة بأن يكون الأصل بدي ثم صار بدا ، وعلى لغة الأنصار قال ابن رواحة :
باسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا

(15/494)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية