صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ]
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: { نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين } [ الشعراء : 193 ، 194 ].
وقال أبو جعفر الرازي (1) ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: إن روح عيسى، عليه السلام، من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم، وهو الذي تمثل لها بشرا سويا، أي: روح عيسى، فحملت الذي خاطبها وحل في فيها.
وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي.
{ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا } أي: لما تبدى لها الملك في صورة بشر، وهي (2) في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب، خافته وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت: { إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا } أي: إن كنت تخاف الله. تذكير (3) له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولا بالله، عز وجل.
قال ابن جرير: حدثني أبو كريب، حدثنا أبو بكر، عن عاصم قال: قال أبو وائل -وذكر قصة مريم-فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: { إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك } أي: فقال لها الملك مجيبا لها ومزيلا ما (4) حصل عندها من الخوف على نفسها: لست مما تظنين، ولكني رسول ربك، أي: بعثني إليك، ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقا (5) وعاد إلى هيئته وقال: "إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا".
[هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء. وقرأ الآخرون: { لأهب لك غلاما زكيا } ] (6) وكلا القراءتين له وجه حسن، ومعنى صحيح، وكل تستلزم (7) الأخرى.
{ قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا } أي: فتعجبت مريم من هذا وقالت: كيف يكون لي غلام؟ أي: على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور؛ ولهذا قالت: { ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا } والبغي: هي الزانية؛ ولهذا جاء في الحديث نهي عن مهر البغي.
{ قال كذلك قال ربك هو علي هين } أي: فقال لها الملك مجيبا لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلاما، وإن لم يكن لك بعل ولا توجد (8) منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر (9) ؛ ولهذا قال: { ولنجعله آية للناس } أي: دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع (10) في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه.
وقوله: { ورحمة منا } أي ونجعل (11) هذا الغلام رحمة من الله نبيا من الأنبياء يدعو إلى عبادة
__________
(1) في أ: "وقال أبو جعفر الرازي عن أبيه".
(2) في ت، ف، أ: "وهو".
(3) في أ: "تذكر".
(4) في أ: "لما".
(5) في ف، أ: "فزعا".
(6) زيادة من ف، أ.
(7) في أ: "يستلزم".
(8) في ت، ف، أ: "ولا يوجد".
(9) في أ: "قدير".
(10) في ت، ف، أ: "تنوع".
(11) في ت، ف، أ: "ويجعل".

(5/220)


فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23)

الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: { إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين } [ آل عمران : 45 ، 46 ] أي: يدعو إلى عبادة الله ربه في مهده (1) وكهولته.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم -دحيم-حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي، عن مجاهد قال: قالت مريم، عليها السلام: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر.
وقوله: { وكان أمرا مقضيا } يحتمل أن هذا من كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته. ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: { ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا } [ التحريم : 12 ] وقال { والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا } [ الأنبياء : 91 ]
قال محمد بن إسحاق: { وكان أمرا مقضيا } أي: أن الله قد عزم على هذا، فليس منه بد، واختار هذا أيضا ابن جرير في تفسيره، ولم يحك غيره، والله أعلم.
{ فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) }
يقول تعالى مخبرا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، أنها استسلمت لقضاء الله تعالى (2) فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك -وهو جبريل عليه السلام-عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى. فلما حملت به ضاقت ذرعا به (3) ولم تدر ماذا تقول (4) للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا. وذلك أن زكريا عليه السلام، كان قد سأل الله الولد، فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها، وقالت: أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضا أني حبلى؟ وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت (5) مريم تجد الذي في جوفها (6) يسجد للذي في بطن مريم، أي: يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعا، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن تسجد (7) لآدم، عليه السلام، ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلا لتعظيم جلال الرب تعالى.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك رحمه الله: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن
__________
(1) في ت، أ: "المهد".
(2) في ت: "الله عز وجل".
(3) في أ: "بهما".
(4) في ت: "يقول".
(5) في أ: "وجهت".
(6) في ف: "بطنها".
(7) في ف، أ: "يسجدوا".

(5/221)


زكريا ابنا خالة، وكان حملهما جميعا معا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام؛ لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص.
ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. وقال عكرمة: ثمانية أشهر -قال: ولهذا لا يعيش ولد لثمانية أشهر.
وقال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان (1) بن عبد الله الثقفي، سمع ابن عباس وسئل عن حبل مريم، قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت (2) .
وهذا غريب، وكأنه أخذه من ظاهر قوله تعالى: { فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة } فالفاء وإن كانت للتعقيب، ولكن تعقيب (3) كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما } [ المؤمنون : 12 -14 ] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها. وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل صفتين أربعين يوما (4) وقال تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة } [ الحج : 63 ] فالمشهور الظاهر -والله على كل شيء قدير-أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن؛ ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس، يقال له: يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما (5) يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره، لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرض لها في القول، فقال: يا مريم، إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر (6) من غير حب؟ وهل يكون زرع من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم -فهمت (7) ما أشار إليه-أما قولك: "هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر؟" فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب، ولا بذر "وهل خلق يكون من غير أب؟" (8) فإن الله قد خلق آدم من غير أب ولا أم. فصدقها، وسلم لها حالها.
ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم مكانا قصيا، أي: قاصيا منهم بعيدا عنهم؛ لئلا تراهم ولا يروها.
قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قلتها (9) ورجعت، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والترحم وتغير اللون، حتى فطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: "إنما صاحبها يوسف"، ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس، واتخذت من دونهم حجابا، فلا (10) يراها أحد ولا
__________
(1) في أ: "بن عتبة".
(2) في ت، أ: "وضعت".
(3) في أ: "تعقب".
(4) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وسيأتي عند تفسير الآية: 5 من سورة الحج.
(5) في ف: "لما".
(6) في ف: "شجر قط".
(7) في أ: "وفهمت".
(8) في أ: "وهل يكون ولد من غير أب".
(9) في أ: "قلبها".
(10) في ف، أ: "فلم".

(5/222)


فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25)

تراه.
وقوله: { فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة } [أي: فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة] (1) وهي نخلة في المكان الذي تنحت إليه.
وقد اختلفوا فيه، فقال السدي: كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس.
وقال وهب بن منبه: ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر، ضربها الطلق. وفي رواية عن وهب: كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس، في قرية هناك يقال لها: "بيت لحم".
قلت: وقد تقدم في حديث (2) الإسراء، من رواية النسائي عن أنس، رضي الله عنه، والبيهقي عن شداد بن أوس، رضي الله عنه: أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقد تلقاه الناس. وقد ورد به الحديث إن صح.
وقوله تعالى إخبارا عنها: { قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا } فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: { يا ليتني مت قبل هذا } أي قبل هذا الحال، { وكنت نسيا منسيا } أي لم أخلق ولم أك شيئا. قاله ابن عباس.
وقال السدي: قالت وهي تطلق من الحبل -استحياء من الناس: يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بعل { وكنت نسيا منسيا } نسي فترك طلبه، كخرق الحيض إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر. وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي.
وقال قتادة: { وكنت نسيا منسيا } أي: شيئا لا يعرف، ولا يذكر، ولا يدرى من أنا.
وقال الربيع بن أنس: { وكنت نسيا منسيا } وهو (3) السقط.
وقال ابن زيد: لم أكن شيئا قط.
وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة، عند قوله: { توفني مسلما وألحقني بالصالحين } [ يوسف : 101 ]
{ فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) }
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ت، ف: "أحاديث"
(3) في ف، أ: "أي".

(5/223)


فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26)

{ فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) }

(5/223)


.
قرأ بعضهم { من تحتها } بمعنى (1) الذي تحتها. وقرأ آخرون: { من تحتها } على أنه حرف جر.
واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره، عن ابن عباس: { فناداها من تحتها } جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وعمرو بن ميمون، والسدي، وقتادة: إنه الملك جبريل عليه الصلاة والسلام، أي: ناداها من أسفل الوادي.
وقال مجاهد: { فناداها من تحتها } قال: عيسى ابن مريم، وكذا قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها. وهو إحدى (2) الروايتين عن سعيد بن جبير: أنه ابنها، قال: أولم (3) تسمع الله يقول: { فأشارت إليه } [ مريم : 29 ] ؟ واختاره ابن زيد، وابن جرير في تفسيره (4)
وقوله: { ألا تحزني } أي: ناداها قائلا لا تحزني، { قد جعل ربك تحتك سريا } قال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: { قد جعل ربك تحتك سريا } قال: الجدول. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السري: النهر. وبه قال عمرو بن ميمون: نهر تشرب منه.
وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية.
وقال سعيد بن جبير: السري: النهر الصغير بالنبطية.
وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية.
وقال إبراهيم النخعي: هو النهر الصغير.
وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز.
وقال وهب بن منبه: السري: هو ربيع الماء.
وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني:
حدثنا أبو شعيب الحراني: حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي (5) حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن السري الذي قال الله لمريم: { قد جعل ربك تحتك سريا } نهر أخرجه الله لتشرب منه" (6) وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي (7) قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث.
__________
(1) في أ: "أي".
(2) في ت: "أحد".
(3) في ت، أ: "ولم".
(4) تفسير الطبري (16/52).
(5) في أ: "يحيى بن عبد النابلتي".
(6) المعجم الكبير (12/346).
(7) في أ: "الحلبي".

(5/224)


وقال آخرون: المراد بالسري: عيسى، عليه السلام، وبه قال الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عباد بن جعفر. وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر؛ ولهذا قال بعده: { وهزي إليك بجذع النخلة } أي: وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس. وقيل: مثمرة. قال مجاهد: كانت عجوة. وقال الثوري، عن أبي داود (1) نفيع الأعمى: كانت صرفانة (2)
والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه؛ ولهذا امتن عليها بذلك، أن جعل عندها طعاما وشرابا، فقال: { تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا } أي: طيبي نفسا؛ ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي (3) حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، وليس من الشجر شيء (4) يلقح غيرها". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أطعموا نساءكم الولد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجرة شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران".
هذا حديث منكر جدا، ورواه أبو يعلى، عن شيبان، به (5)
وقرأ بعضهم قوله: "تساقط" بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها، وقرأ أبو نهيك: { تساقط عليك رطبا جنيا } وروى أبو إسحاق عن البراء: أنه قرأها: "تساقط" (6) أي: الجذع. والكل متقارب.
وقوله: { فإما ترين من البشر أحدا } أي: مهما رأيت من أحد، { فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } المراد بهذا القول: الإشارة إليه بذلك. لا أن (7) المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: { فلن أكلم اليوم إنسيا }
قال أنس بن مالك في قوله: { إني نذرت للرحمن صوما } أي: صمتا (8) وكذا قال ابن عباس، والضحاك. وفي رواية عن أنس: "صوما وصمتا"، وكذا قال قتادة وغيرهما.
والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي،
__________
(1) في ت: "عن أبي الأسود".
(2) في ف، أ: "صوفانة".
(3) في ت: "التيمي".
(4) في ف: "وليس شيء من الشجر".
(5) مسند أبي يعلى (1/353) ورواه أبو نعيم ف الحلية (6/123) وابن عدي في الكامل (6/431) من طريق مسرور بن سعد التميمي به، وقد ذكر له ابن عدي ثلاث علل:
1- تفرد به مسرور عن الأوزاعي فهو منكر.
2- أنه منقطع بين عروة بن رويم وعلي بن أبي طالب.
3- أن مسور بن سعيد غير معروف. قلت: وضعفه ابن حبان والعقيلي.
(6) في أ: "يساقط".
(7) في ت: "لأن".
(8) في أ: "صوتا".

(5/225)


فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33)

وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد.
وقال أبو إسحاق، عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود: كلم الناس وسلم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج. يعني بذلك مريم، عليها السلام؛ ليكون عذرا لها إذا سئلت. ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، رحمهما الله.
وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم: { ألا تحزني } قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي؟! لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام: { فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه. وكذا قال وهب.
{ فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) } .
يقول تعالى مخبرا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وألا تكلم أحدا من البشر فإنها (1) ستكفى أمرها ويقام بحجتها (2) فسلمت لأمر الله، عز وجل، واستسلمت لقضائه، وأخذت ولدها { فأتت به قومها تحمله } فلما رأوها كذلك، أعظموا أمرها واستنكروه جدا، وقالوا: { يا مريم لقد جئت شيئا فريا } أي: أمرا عظيما. قاله مجاهد، وقتادة والسدي، وغير واحد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار (3) حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن نوف البكالي قال: وخرج قومها في طلبها، وكانت من أهل بيت نبوة وشرف. فلم يحسوا (4) منها شيئا، فرأوا (5) راعي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها؟ قال: لا ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها (6) سجدا نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن أبي زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نورا ساطعا. فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها، { قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا } أمرا عظيما. { يا أخت هارون } أي: يا شبيهة هارون في العبادة { ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح
__________
(1) في ف، أ: "فإنه".
(2) في ف: "وتقام حجتها".
(3) في ت: "سفيان"، وفي أ: "شيبان".
(4) في ت: "يحسبوا".
(5) في أ: "فلقوا".
(6) في ف، أ: "رأيتها الليلة".

(5/226)


والعبادة والزهادة (1) ، فكيف صدر هذا منك؟
قال علي بن أبي طلحة (2) ، والسدي: قيل لها: { يا أخت هارون } أي: أخي موسى، وكانت من نسله (3) كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر.
وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس (4) به في العبادة، والزهادة.
وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم. يقال له: هارون. ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.
وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم.
حدثنا علي بن الحسين الهسنجاني (5) حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل بن فضالة، حدثنا أبو صخر، عن القرظي في قول الله عز وجل: { يا أخت هارون } قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى، { فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون } [ القصص : 11]
وهذا القول خطأ محض، فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثا وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليه (6) ؛ ولهذا ثبت في الصحيح عند البخاري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي (7) صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا أولى الناس بابن مريم؛ إلا أنه (8) ليس بيني وبينه نبي" ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرا عن الرسل سوى محمد. ولكان قبل سليمان و (9) داود؛ فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى، عليهما السلام في قوله تعالى: { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله} [ البقرة : 246 ] فذكر القصة إلى أن قال: { وقتل داود جالوت } الآية [ البقرة : 251 ]، والذي جرأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين، تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى. وهي (10) هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء (11) أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره (12) عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرءون: { يا أخت هارون }
__________
(1) في ت: "والزهاد".
(2) في أ: "طالب".
(3) في ت: "قبيلته".
(4) في ت، ف: "+تقاسي".
(5) في +: "الححستاني".
(6) في ف: عليه وسلامه".
(7) في ف، أ: "عن رسول الله".
(8) في أ: "إن أولى الناس بابن مريم لأنا إن".
(9) في أ: "بن".
(10) في ف، أ: "وهذه".
(11) في ف، أ: "باسم".
(12) في أ: "يذكر".

(5/227)


، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون (1) بالأنبياء والصالحين قبلهم؟".
انفرد بإخراجه مسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن سماك، به (2) ، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين قال نبئت أن كعبا قال: إن قوله: { يا أخت هارون } : ليس بهارون أخي موسى. قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال (3) يا أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله، فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. قال: فسكتت (4) وفي هذا التاريخ نظر.
وقال ابن جرير أيضا: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: { يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، [ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد] (5) ويتوالدون به. وكان هارون مصلحا محببا، في عشيرته، وليس بهارون أخي (6) موسى، ولكنه هارون آخر، قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفا، كلهم يسمى هارون، من بني إسرائيل.
وقوله: { فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا } أي: إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها (7) ، وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة، صامتة فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: { كيف نكلم من كان في المهد صبيا } ؟
قال ميمون بن مهران: { فأشارت [إليه] } (8) ، قالت: كلموه. فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيا!
وقال السدي: لما أشارت إليه غضبوا، وقالوا: لسخريتها (9) بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها.
{ قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا } أي: من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ قال: { إني عبد الله } أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى (10) وبرأ الله عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه.
وقوله: { آتاني الكتاب وجعلني نبيا } : تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة.
__________
(1) في ف ، أ: "يسمون".
(2) المسند (4/252) وصحيح مسلم برقم (2135) وسنن الترمذي برقم (3155) وسنن النسائي الكبرى برقم (11315).
(3) في ف، أ: "فقال".
(4) تفسير الطبري (16/58).
(5) زيادة من ف، أ، والطبري.
(6) في أ: "وليس أخي بهارون".
(7) في ف، أ: "قصتها".
(8) زيادة من ف، أ.
(9) في أ: "لسخرتها".
(10) في ف، أ: "عز وجل".

(5/228)


قال نوف البكالي: لما قالوا لأمه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر، وقال: { إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا } إلى قوله: { ما دمت حيا }
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت البناني: رفع إصبعه السبابة فوق منكبه، وهو يقول: { إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا } الآية.
وقال عكرمة: { آتاني الكتاب } أي: قضى أنه (1) يؤتيني الكتاب فيما قضى.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد (2) عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإنجيل وأحكمه (3) في بطن أمه فذلك قوله: { إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا } .
يحيى بن سعيد العطار الحمصي: متروك.
وقوله: { وجعلني مباركا أين ما كنت } قال مجاهد، وعمرو بن قيس، والثوري: وجعلني معلما للخير. وفي رواية عن مجاهد: نفاعا.
وقال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد (4) بن خنيس المخزومي، سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالم عالما هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: { وجعلني مباركا أين ما كنت } ، وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أينما كان.
وقوله: { وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } [ الحجر : 99].
وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس في قوله: { وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت (5) ، ما أثبتها لأهل القدر.
وقوله: { وبرا بوالدتي } أي: وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه؛ لأن الله تعالى كثيرا ما يقرن (6) بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } [ الإسراء : 23 ] وقال { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } [ لقمان : 14 ].
وقوله: { ولم يجعلني جبارا شقيا } أي: ولم يجعلني جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.
قال سفيان الثوري: الجبار الشقي: الذي يقبل (7) على الغضب.
__________
(1) في ف، أ: "أن".
(2) في أ: "يحيى بن سعيد العطار".
(3) في أ: "وأحكمها".
(4) في أ: "زيد".
(5) في أ: "أمره حتى يموت".
(6) في أ: "قرن كثيرا".
(7) في ف: "يقتل".

(5/229)


ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37)

وقال بعض السلف: لا تجد أحدا عاقا لوالديه إلا وجدته جبارا شقيا، ثم قرأ: { وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا } ، قال: ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورا، ثم قرأ: { وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } [ النساء : 36 ]
وقال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهن، وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك وللثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى، عليه السلام، يجيبها: طوبى لمن تلا كلام (1) الله، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا.
وقوله: { والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } : إثبات منه لعبوديته لله عز وجل، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا (2) ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد، [صلوات الله وسلامه عليه] (3)
{ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) } .
يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: عليه ذلك الذي قصصنا (4) عليك من خبر عيسى، { قول الحق الذي فيه يمترون } أي: يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به؛ ولهذا قرأ الأكثرون: "قول الحق" برفع قول. وقرأ عاصم، وعبد الله بن عامر: { قول الحق } .
وعن ابن مسعود أنه قرأ: "ذلك عيسى ابن مريم قال الحق"، والرفع أظهر إعرابا، ويشهد له قوله تعالى: { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } [ آل عمران : 59 ، 60 ].
ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبدا نبيا، نزه نفسه المقدسة فقال: { ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه } أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علوا كبيرا، { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } أي: إذا أراد شيئا فإنما يأمر به، فيصير (5) كما يشاء، كما قال تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين } [ آل عمران : 59 ، 60 ]
وقوله: { وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم } أي: ومما (6) أمر عيسى به (7) قومه وهو في مهده، أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربهم وربه (8) ، وأمرهم بعبادته، فقال: { فاعبدوه هذا صراط مستقيم }
__________
(1) في أ: "كتاب".
(2) في أ: "يحيي ويميت".
(3) زيادة من أ.
(4) في ف: "قصصناه".
(5) في ت: "فتصير".
(6) في ت: "ربما".
(7) في ت، ف، أ: "به عيسى".
(8) في ت، ف: "ربه وربهم".

(5/230)


أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى.
وقوله: { فاختلف الأحزاب من بينهم } أي: اختلفت (1) أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده (2) ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة -وهم جمهور اليهود، عليهم لعائن الله -على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم (3) الله. وقال آخرون: هو ابن الله، وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو قول الحق، الذي أرشد الله إليه (4) المؤمنين. وقد روي [نحو هذا] (5) عن عمرو بن ميمون، وابن جريج، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.
قال عبد الرزاق: أخبرنا (6) معمر، عن قتادة في قوله: { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون } ، قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا (7) في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء -وهم اليعقوبية. فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل (8) أنت فيه، قال: هو ابن الله -وهم النسطورية. فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله -وهم الإسرائيلية ملوك (9) النصارى، عليهم لعائن الله. قال الرابع: كذبت، بل هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته، وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فظهر على المسلمين، وذلك قول الله تعالى: { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } [ آل عمران : 21 ] وقال (10) قتادة: وهم الذين قال الله: { فاختلف الأحزاب من بينهم } قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزابا (11)
وقد روى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير، وعن بعض أهل العلم، قريبا من ذلك. وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم: أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة (12) منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا، فاختلفوا في عيسى ابن مريم، عليه السلام، اختلافا متباينا، فقالت كل شرذمة فيه قولا فمائة تقول فيه قولا (13) وسبعون تقول (14) فيه قولا آخر، وخمسون تقول (15) فيه شيئا آخر، ومائة وستون تقول شيئا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصمموا عليه (16) ومال (17) إليهم الملك، وكان فيلسوفا، فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين، وشرعوا له أشياء (18)
__________
(1) في أ: "اختلف".
(2) في ت: "عبد الله".
(3) في ف، أ: "يكلم".
(4) في ت: "فيه".
(5) زيادة من أ.
(6) في ت: "حدثنا".
(7) في أ: "فامتتروا".
(8) في أ: "قلت".
(9) في ت: "ملك".
(10) في ت، ف، أ: "قال".
(11) تفسير عبد الرزاق (2/9).
(12) في ت: "الأساومة".
(13) في أ: "شيئا".
(14) في ف، أ: "يقولون".
(15) في ف، أ: "يقولون".
(16) في ت: "عليهم".
(17) في ف، أ: "فمال".
(18) في أ: "شيئا".

(5/231)


أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38)

وابتدعوا بدعا كثيرة، وحرفوا دين المسيح، وغيروه، فابتنى حينئذ لهم (1) الكنائس الكبار في مملكته كلها: بلاد الشام، والجزيرة، والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشرة (2) ألف كنيسة، وبنت أمه هيلانة قمامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب (3) الذي تزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا، بل رفعه الله إلى السماء.
وقوله: { فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم } تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله، وافترى، وزعم أن له ولدا. ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة وأجلهم حلما وثقة بقدرته عليهم؛ فإنه الذي لا يعجل على من عصاه، كما جاء في الصحيحين: "إن الله ليملي (4) للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } [ هود : 102 ] وفي الصحيحين أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه (5) من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم" (6) . وقد قال الله تعالى: { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير } [ الحج : 48 ] وقال تعالى: { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار } [ إبراهيم : 42 ] ولهذا قال هاهنا: { فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم } أي: يوم القيامة، وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته، عن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله [ورسوله] (7) وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" (8)
{ أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) }
__________
(1) في ت، ف، أ: "فابتنى لهم حينئذ".
(2) في أ: "اثنى عشر"، وهو خطأ والصواب ما بالأصل.
(3) في ت: "المصلون".
(4) في ت: "إنه ليملي".
(5) في ت: "يسمعه".
(6) صحيح البخاري برقم (6099) وصحيح مسلم برقم (2804).
(7) زيادة من ف، أ، والبخاري ومسلم.
(8) صحيح البخاري برقم (3435) وصحيح مسلم برقم (29).

(5/232)


وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40)

{ وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) } .
يقول تعالى مخبرا عن الكفار [يوم القيامة] (1) أنهم أسمع شيء وأبصره كما قال تعالى: { ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون } [ السجدة :12 ] أي: يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي (2) عنهم شيئا، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب، لكان نافعا لهم ومنقذا من عذاب الله، ولهذا قال: { أسمع بهم وأبصر } (3) أي: ما أسمعهم وأبصرهم { يوم يأتوننا } يعني: يوم القيامة { لكن الظالمون اليوم } أي: في الدنيا { في ضلال مبين } أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك.
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ت: "يجزي".
(3) في أ: "به".

(5/232)


ثم قال تعالى: { وأنذرهم يوم الحسرة } أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة، { إذ قضي الأمر } أي: فصل بين أهل الجنة وأهل النار، ودخل كل إلى ما صار إليه مخلدا فيه، { وهم } أي: اليوم { في غفلة } عما أنذروا به { وهم لا يؤمنون } أي: لا يصدقون به.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد [الخدري] (1) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ قال: "فيشرئبون [فينظرون] (2) ويقولون: نعم هذا الموت". قال: "فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت" قال: "فيؤمر به (3) فيذبح" قال: "ويقال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت" قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة } وأشار بيده (4) قال: "أهل الدنيا في غفلة الدنيا".
هكذا رواه الإمام أحمد وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث الأعمش، به (5) . ولفظهما قريب من ذلك. وقد روى هذا الحديث الحسن بن عرفة: حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا، مثله. وفي سنن ابن ماجه وغيره، من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه (6) وهو في الصحيحين عن ابن عمر (7) . ورواه ابن جريج قال: قال ابن عباس: فذكر من قبله نحوه (8) . ورواه أيضا عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة، فيذبح والناس ينظرون (9) وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله -هو ابن مسعود-في قصة ذكرها، قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، وهو يوم الحسرة. [فيرى أهل النار البيت الذي الذي كان قد أعده الله لهم لو آمنوا، فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحا، كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة، فتأخذهم الحسرة] (10) قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن من الله عليكم... (11)
وقال السدي، عن زياد، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود في قوله: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر } قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح، حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادى: يا أهل
__________
(1) زيادة من ف.
(2) زيادة من ف، أ، والمسند.
(3) في ت: "فيؤتى بهم".
(4) المسند (3/9).
(5) صحيح البخاري برقم (4730) وصحيح مسلم برقم (2849).
(6) سنن ابن ماجه برقم (4327).
(7) صحيح البخاري برقم (6548) وصحيح مسلم برقم (2850).
(8) أخرجه الطبري في تفسيره (16/66).
(9) أخرجه الطبري في تفسيره (16/67).
(10) زيادة من ف، أ، والطبري.
(11) رواه الطبري في تفسيره (16/66).

(5/233)


واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45)

النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم، إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى: يا أهل الجنة، هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار، هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتا من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتا من شهقة ماتوا فذلك قوله: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر } يقول: إذا ذبح الموت. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: { وأنذرهم يوم الحسرة } من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: { وأنذرهم يوم الحسرة } قال: يوم القيامة، وقرأ: { أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } [ الزمر : 56 ]
وقوله: { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون } يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو، تعالى وتقدس ولا أحد يدعي ملكا ولا تصرفا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئا ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة.
قال ابن أبي حاتم: ذكر هدبة بن خالد القيسي: حدثنا حزم بن أبي حزم القطعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة: أما بعد، فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على خلقه: أنه يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون.
{ واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) } .
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (1) : واذكر في الكتاب إبراهيم واتله على قومك، هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن الذين (2) هم من ذريته، ويدعون أنهم على ملته، وهو (3) كان صديقا نبيا -مع أبيه-كيف نهاه عن عبادة الأصنام فقال، { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررا.
{ يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك } : يقول: فإن كنت من صلبك وترى أني أصغر منك، لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك بعد، { فاتبعني أهدك صراطا سويا } أي: طريقا مستقيما موصلا إلى نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب.
__________
(1) في ف: "صلوات الله وسلامه عليه".
(2) في ف، ت: "الذي".
(3) في: "وقد".

(5/234)


قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48)

{ يا أبت لا تعبد الشيطان } أي: لا تطعه (1) في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به، كما قال تعالى: { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان } [ يس : 60 ] وقال: { إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا } [ النساء : 117 ]
وقوله: { إن الشيطان كان للرحمن عصيا } أي: مخالفا مستكبرا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تصر مثله.
{ يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن } أي: على شركك وعصيانك لما آمرك به، { فتكون للشيطان وليا } (2) يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصرا ولا مغيثا إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: { تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم } [ النحل : 63 ] .
{ قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) } .
يقول تعالى مخبرا عن جواب أبي إبراهيم [لولده إبراهيم] (3) فيما دعاه إليه أنه قال: { أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم } يعني: [إن كنت لا] (4) تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو (5) قوله: { لأرجمنك } ، قاله ابن عباس، والسدي، وابن جريج، والضحاك، وغيرهم.
وقوله: { واهجرني مليا } : قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق: يعني دهرا.
وقال الحسن البصري: زمانا طويلا. وقال السدي: { واهجرني مليا } قال: أبدا.
وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس: { واهجرني مليا } قال: سويا سالما، قبل أن تصيبك مني عقوبة. وكذا قال الضحاك، وقتادة وعطية الجدلي و[أبو] (6) مالك، وغيرهم، واختاره ابن جرير.
فعندها قال إبراهيم لأبيه: { سلام عليك } كما قال تعالى في صفة المؤمنين: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } [ الفرقان : 63 ] وقال تعالى: { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } [ القصص : 55].
__________
(1) في أ: "لا تطيعه" وهو خطأ، والصواب ما بالأصل.
(2) في ت: "فيكون".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) زيادة من ف، أ، وفي هـ: "أما".
(5) في أ: "وهي".
(6) زيادة من ف، أ.

(5/235)


فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50)

ومعنى قول إبراهيم لأبيه: { سلام عليك } يعني: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة، { سأستغفر لك ربي } أي: ولكن سأسال الله تعالى فيك أن يهديك ويغفر ذنبك، { إنه كان بي حفيا } قال ابن عباس وغيره: لطيفا، أي: في أن هداني لعبادته والإخلاص له. وقال مجاهد وقتادة، وغيرهما: { إنه كان بي حفيا } قال (1) : [و] (2) عوده الإجابة.
وقال السدي: "الحفي": الذي يهتم بأمره.
وقد استغفر إبراهيم لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق، عليهما السلام، في قوله: { ربنا (3) اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } [ إبراهيم : 41 ].
وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل الله تعالى: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء } الآية [ الممتحنة : 4 ]، يعني إلا في هذا القول، فلا (4) تتأسوا به. ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك، ورجع عنه، فقال (5) تعالى: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } [ التوبة : 113 ، 114 ].
وقوله: { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي } أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها [من دون الله] (6) ، { وأدعو ربي } أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له، { عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا } و "عسى" هذه موجبة لا محالة، فإنه عليه السلام، سيد الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه سلم.
{ فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) } .
يقول: فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، ووهب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: { ويعقوب نافلة } [ الأنبياء : 72 ]، وقال: { ومن وراء إسحاق يعقوب } [ هود : 71 ] .
ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب، وهو نص القرآن في سورة البقرة: { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [ البقرة : 133 ]. ولهذا إنما ذكر هاهنا إسحاق ويعقوب، أي: جعلنا له نسلا وعقبا أنبياء، أقر الله بهم
__________
(1) في أ: "قالوا".
(2) زيادة من ت .
(3) في ت، ف، أ: "رب".
(4) في ت: "ولا".
(5) في ت: "وقال".
(6) زيادة من ف، أ.

(5/236)


واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51)

عينه في حياته؛ ولهذا قال: { وكلا جعلنا نبيا } ، فلو لم يكن يعقوب قد نبئ في حياة إبراهيم، لما اقتصر عليه، ولذكر ولده يوسف، فإنه نبي أيضا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته، حين سئل عن خير الناس، فقال: "يوسف نبي الله، ابن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله" (1) وفي اللفظ الآخر: "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" (2)
وقوله: { ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا } : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني الثناء الحسن. وكذا قال السدي، ومالك بن أنس.
وقال ابن جرير: إنما قال: { عليا } ؛ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
{ واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) }
__________
(1) صحيح البخاري برقم (3374) وصحيح مسلم برقم (2378).
(2) صحيح البخاري برقم (4688).

(5/237)


وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53)

{ وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) } .
لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم، فقال: { واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا } قرأ بعضهم بكسر اللام، من الإخلاص في العبادة.
قال الثوري (1) ، عن عبد العزيز بن رفيع (2) ، عن أبي لبابة (3) قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن المخلص لله. قال: الذي يعمل لله، لا يحب أن يحمده الناس.
وقرأ الآخرون (4) بفتحها، بمعنى أنه كان مصطفى، كما قال تعالى: { إني اصطفيتك على الناس } [ الأعراف : 144 ].
{ وكان رسولا نبيا } ، جمع له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي (5) العزم الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر الأنبياء أجمعين.
وقوله: { وناديناه من جانب الطور } أي: الجبل { الأيمن } أي: من جانبه الأيمن من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة، رآها تلوح فقصدها، فوجدها في جانب الطور الأيمن منه (6) ، عند شاطئ الوادي. فكلمه الله تعالى، ناداه وقربه وناجاه (7) . قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار (8) ، حدثنا يحيى -هو القطان-حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب (9) ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { وقربناه نجيا } قال: أدني حتى سمع (10) صريف القلم.
__________
(1) في أ: "قال العوفي".
(2) في ت: "نفيع".
(3) في ت: "تمامة".
(4) في أ: "قرأ آخرون".
(5) في ت: "وأولي".
(6) في ت، ف، أ: "منه غربية".
(7) في ت: "ناداه أو قربه فناجاه".
(8) في ت: "ابن يسار".
(9) في ت: "ابن يساري"، وفي أ: "ابن يسار".
(10) في ت: "يسمع".

(5/237)


واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55)

وهكذا قال مجاهد، وأبو العالية، وغيرهم. يعنون صريف القلم بكتابة التوراة.
وقال السدي: { وقربناه نجيا } قال: أدخل في السماء فكلم، وعن مجاهد نحوه.
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: { وقربناه نجيا } قال: نجا بصدقه (1)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الجبار بن عاصم، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، عن أبي الوصل، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن معد يكرب قال: لما قرب الله موسى نجيا بطور سيناء، قال: يا موسى، إذا خلقت لك قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن عنك من الخير شيئا، ومن أخزن عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئا.
وقوله: { ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا } أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبيا، كما قال في الآية الأخرى: { وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون } [ القصص : 34 ]، وقال (2) : { قد أوتيت سؤلك يا موسى } [ طه : 36 ]، وقال: { فأرسل إلى هارون . ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون } [ الشعراء : 13 ، 14 ]؛ ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيا، قال الله تعالى: { ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا } .
قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قوله: { ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا } ، قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد: وهب له نبوته.
وقد ذكره ابن أبي حاتم معلقا، عن يعقوب وهو ابن إبراهيم الدورقي، به.
{ واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) } .
هذا (3) ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهما السلام، وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه { كان صادق الوعد }
قال (4) ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها، يعني: ما التزم قط عبادة (5) بنذر إلا قام بها، ووفاها حقها.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن سهل بن عقيل حدثه، أن إسماعيل النبي، عليه السلام، وعد رجلا مكانا أن يأتيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من هاهنا؟ قال: لا. قال: إني نسيت. قال: لم أكن لأبرح حتى تأتيني. فلذلك { كان صادق الوعد } .
__________
(1) في ت: "لصدقه".
(2) في ت، ف: "إلى أن قال".
(3) في أ: "وهذا".
(4) في ت: "قالت".
(5) في ف، أ: "عبادة قط".

(5/238)


وقال سفيان الثوري: بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولا حتى جاءه.
وقال ابن (1) شوذب: بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع سكنا.
وقد روى أبو داود في سننه، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه "مكارم الأخلاق" من طريق إبراهيم بن طهمان، عن عبد الله (2) بن ميسرة، عن عبد الكريم -يعني: ابن عبد الله بن شقيق-عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فبقيت له علي بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت (3) يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: "يا فتى، لقد شققت (4) علي، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك" لفظ الخرائطي (5) ، وساق آثارا حسنة في ذلك.
ورواه ابن منده أبو عبد الله في كتاب "معرفة الصحابة" ، بإسناده (6) عن إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الكريم، به (7) .
وقال بعضهم: إنما قيل له: { صادق الوعد } ؛ لأنه قال لأبيه: { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } [ الصافات : 102 ]، فصدق في ذلك.
فصدق الوعد من الصفات الحميدة، كما أن خلفه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } [ الصف : 2 ، 3 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (8)
ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق الوعد أيضا، لا يعد أحدا شيئا إلا وفى له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب، فقال: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي" (9) . ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم قال الخليفة أبو بكر الصديق: من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأتني أنجز له، فجاءه (10) جابر بن عبد الله، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قال: "لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا"، يعني: ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرا، فغرف بيديه من المال، ثم أمره بعده، فإذا هو خمسمائة درهم، فأعطاه مثليها معها (11)
وقوله: { وكان رسولا نبيا } في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما
__________
(1) في ت: "أبو".
(2) في سنن أبي داود: "بديل".
(3) في ت: "نسيت".
(4) في ت: "لو أشفقت".
(5) سنن أبي داود برقم (4996) ومكارم الأخلاق برقم (177).
(6) في ت، أ: "إنه بإسناده".
(7) ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (3/113) بإسناده إلى إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة مثله.
(8) رواه البخاري في صحيحه برقم (33) ومسلم في صحيحه برقم (59) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(9) رواه البخاري في صحيحه برقم (3729) ومسلم في صحيحه برقم (2449) من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه.
(10) في أ: "فجاء".
(11) رواه البخاري في صحيحه برقم (2683) ومسلم في صحيحه برقم (2314).

(5/239)


واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا عليا (57)

وصف (1) بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف (2) بالنبوة والرسالة. وقد ثبت في صحيح مسلم (3) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل..." وذكر تمام الحديث، فدل على صحة ما قلناه.
وقوله: { وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا } : هذا أيضا من الثناء الجميل، والصفة الحميدة، والخلة السديدة (4) ، حيث كان مثابرا على طاعة ربه آمرا بها لأهله (5) ، كما قال تعالى لرسوله: { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } [ طه : 132 ]، وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد } الآية [ التحريم : 6 ] أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملا فتأكلهم النار يوم القيامة، وقد جاء في الحديث، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت (6) في وجهه الماء" أخرجه أبو داود، وابن ماجه (7) .
وعن أبي سعيد، وأبي هريرة، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته، فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات". رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، واللفظ له (8) .
{ واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا عليا (57) } .
وهذا (9) ذكر إدريس، عليه السلام، بالثناء عليه، بأنه (10) كان صديقا نبيا، وأن الله رفعه مكانا عليا. وقد تقدم في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة.
وقد روى ابن جرير هاهنا أثرا غريبا عجيبا، فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبا، وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله -عز وجل-لإدريس: { ورفعناه مكانا عليا } فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملا (11) فأتاه خليل له من الملائكة فقال: إن الله أوحى إلي كذا وكذا، فكلم لي (12) ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه، حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري. قال ملك الموت: فالعجب! بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس
__________
(1) في ف: "وصفه".
(2) في ف: "وصفه".
(3) لفظه عند مسلم في صحيحه برقم (2276): "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا"، والله أعلم.
(4) في ت: "الشديدة".
(5) في ف: "أهله".
(6) في ت: "فنضحت".
(7) سنن أبي داود برقم (1450) وسنن ابن ماجه برقم (1336).
(8) سنن أبي داود برقم (1451) وسنن النسائي الكبرى برقم (11406) وسنن ابن ماجه برقم (1335).
(9) في ت: "وهكذا".
(10) في أ: "فإنه".
(11) في ف، أ: "تزداد علما".
(12) في ت: "له".

(5/240)


أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58)

في السماء الرابعة". فجعلت أقول: كيف (1) أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك (2) قول الله: { ورفعناه مكانا عليا } (3) .
هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم.
وقد رواه (4) ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس: أنه سأل كعبا، فذكر نحو ما تقدم، غير أنه قال لذلك الملك: هل لك أن تسأله -يعني: ملك الموت-كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل وذكر باقيه (5) ، وفيه: أنه لما سأله عما بقي من أجله، قال (6) : لا أدري حتى أنظر، ثم نظر، قال: إنك تسألني (7) عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك (8) تحت جناحه إلى إدريس، فإذا (9) هو قد قبض، عليه السلام، وهو لا يشعر به.
ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس: أن إدريس كان خياطا، فكان (10) لا يغرز إبرة إلا قال: "سبحان الله"، فكان يمسي حين يمسي (11) وليس في الأرض أحد أفضل عملا منه. وذكر بقيته كالذي قبله، أو نحوه.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ورفعناه مكانا عليا } قال: إدريس رفع ولم يمت، كما رفع عيسى.
وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: { ورفعناه مكانا عليا } قال: [رفع إلى] (12) السماء الرابعة.
وقال العوفي عن ابن عباس: { ورفعناه مكانا عليا } قال: رفع إلى السماء السادسة فمات بها. وهكذا قال الضحاك بن مزاحم.
وقال الحسن، وغيره، في قوله: { ورفعناه مكانا عليا } قال: الجنة.
{ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58) }
يقول تعالى هؤلاء النبيون -وليس المراد [هؤلاء] (13) المذكورين في هذه السورة فقط، بل جنس الأنبياء عليهم السلام، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس -{ الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم } الآية.
__________
(1) في ف: "فكيف".
(2) في ف: "فهذا".
(3) تفسير الطبري (16/72).
(4) في أ: "وقد روى".
(5) في أ: "وذكر ما فيه".
(6) في ف، أ: "فقال".
(7) في ف، أ: "لتسألني".
(8) في أ: "ملك الموت".
(9) في ت: "قال".
(10) في ف: "وكان".
(11) في أ: "وكان يمشي حين يمشي".
(12) زيادة من ف، أ.
(13) زيادة من ف، أ.

(5/241)


قال السدي وابن جرير، رحمه الله: [فالذي عنى به من ذرية آدم: إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح: إبراهيم] (1) والذي عنى به من ذرية إبراهيم: إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى، وهارون، وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم.
قال ابن جرير: ولذلك (2) فرق أنسابهم، وإن كان يجمع جميعهم آدم؛ لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة، وهو إدريس، فإنه جد نوح.
قلت: هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح، عليهما السلام. وقد قيل: إنه من أنبياء بني إسرائيل، أخذا من حديث الإسراء، حيث قال في سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم: "مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح"، ولم يقل: "والولد الصالح"، كما قال آدم وإبراهيم (3) ، عليهما السلام.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن محمد (4) أن إدريس أقدم من نوح بعثه الله إلى قومه، فأمرهم أن يقولوا: "لا إله إلا الله"، ويعملوا (5) ما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله عز وجل.
[ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء، أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء] (6) إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم } إلى أن قال: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين } [ الأنعام 83-90 ] وقال تعالى: { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك (7) } [ غافر : 78 ] . وفي صحيح البخاري، عن مجاهد: أنه سأل ابن عباس: أفي "ص" سجدة؟ قال (8) نعم، ثم تلا هذه الآية: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ، فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم، قال: وهو منهم، يعني داود (9) .
وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: { إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا } أي: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعا واستكانة، وحمدا وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة.
"والبكي": جمع باك، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا، اقتداء بهم، واتباعا لمنوالهم (10)
قال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر قال: قرأ عمر بن الخطاب، رضي
__________
(1) زيادة من ت.
(2) في أ: "وكذلك".
(3) في ت: "إبراهيم وآدم".
(4) في ف، أ: "بن عمر".
(5) في ف، أ: "ويعملون" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه.
(6) زيادة من ت ، ف ، أ .
(7) في ت، ف، أ: "عليك وكلم الله موسى تكليما".
(8) في ف، أ: "فقال".
(9) صحيح البخاري برقم (4807).
(10) في ف، أ: "لمواليهم".

(5/242)


فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60)

الله عنه، سورة مريم، فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكى؟ يريد البكاء.
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وسقط من روايته ذكر "أبي معمر" فيما رأيت (1) ، والله (2) أعلم.
{ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) } .
لما ذكر تعالى حزب السعداء، وهم الأنبياء، عليهم السلام، ومن اتبعهم، من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله، التاركين لزواجره -ذكر أنه { خلف من بعدهم خلف } أي: قرون أخر، { أضاعوا الصلاة } -وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد-وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيا، أي: خسارا يوم القيامة.
وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا، فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية، قاله محمد بن كعب القرظي، وابن زيد بن أسلم، والسدي، واختاره ابن جرير. ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة، للحديث (3) : " بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة" (4) ، والحديث الآخر: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (5) . وليس هذا محل بسط هذه المسألة.
وقال الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة في قوله: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة } ، قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركا كان كفرا.
وقال وكيع، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، والحسن بن سعد، عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن: { الذين هم عن صلاتهم ساهون } و { على صلاتهم دائمون } و { على صلاتهم يحافظون } ؟ قال ابن مسعود: على مواقيتها. قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك؟ قال: ذاك (6) الكفر.
[و] (7) قال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس، فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن: إضاعتهن عن وقتهن.
وقال الأوزاعي، عن إبراهيم بن يزيد (8) : أن عمر بن عبد العزيز قرأ: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } ، ثم قال: لم تكن (9) إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت.
__________
(1) تفسير الطبري (16/73).
(2) في ف، أ: "فالله".
(3) في أ: "الحديث".
(4) رواه مسلم في صحيحه برقم (82) من حديث جابر رضي الله عنه.
(5) رواه الترمذي في السنن برقم (2621) والنسائي في السنن (1/231) من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
(6) في ت، ف، أ: "ذلك".
(7) زيادة من ت، ف.
(8) في أ: "زيد".
(9) في ت، ف، أ: "يكن".

(5/243)


وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات } قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة، وكذا روى ابن جريج، عن مجاهد، مثله (1) .
وروى جابر الجعفي، عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح: أنهم من هذه الأمة، يعنون في آخر الزمان.
وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات } ، قال: هم في هذه الأمة (2) ، يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حيوة، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني: أن الوليد بن قيس حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا. ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم. ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر". قال بشير (3) : قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به، والفاجر يأكل به.
وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن، المقرئ (4) ، به (5)
وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا عيسى بن يونس، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب (6) ، عن مالك، عن (7) أبي الرجال، أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربريا ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هم الخلف الذين قال الله تعالى: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة } . هذا حديث غريب (8) .
وقال أيضا: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك، حدثنا الوليد، حدثنا حريز (9) ، عن شيخ من أهل المدينة؛ أنه سمع محمد بن كعب القرظي يقول في قوله (10) : { فخلف من بعدهم خلف } الآية، قال: هم أهل الغرب (11) ، يملكون وهم شر من ملك.
__________
(1) في ت: "منكم".
(2) في ت، ف: "الآية".
(3) في ف، أ: "بشر".
(4) في ف، أ: "المقبري".
(5) المسند (3/38).
(6) في ف، أ: "ابن وهب".
(7) في ف: "ابن".
(8) ورواه الحاكم في المستدرك (2/244) من طريق الحسن بن علي عن إبراهيم بن موسى به.
وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي بقوله: "عبيد الله مختلف في توثيقه، ومالك لا أعرفه ثم هو منقطع".
(9) في ت، ف، أ: "ابن جرير".
(10) في ف: "قول الله عز وجل".
(11) في ت: "القرى"، وفي أ: "المغرب".

(5/244)


وقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله عز وجل: شرابين للقهوات تراكين (1) للصلوات، لعابين بالكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للجمعات (2) قال: ثم تلا هذه الآية: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } .
وقال الحسن البصري: عطلوا المساجد، ولزموا الضيعات.
وقال أبو الأشهب العطاردي: أوحى الله -تعالى-إلى داود: يا داود، حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات؛ فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته على (3) أن أحرمه طاعتي.
وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب حدثنا أبو [السمح] (4) التميمي، عن أبي قبيل (5) ، أنه سمع عقبة (6) بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن [واللبن، أما اللبن] (7) فيتبعون الريف، ويتبعون الشهوات ويتركون الصلوات، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون، فيجادلون به المؤمنين" (8) .
ورواه عن حسن بن موسى، عن ابن (9) لهيعة، حدثنا أبو قبيل، عن عقبة، به مرفوعا بنحوه تفرد به (10) .
وقوله: { فسوف يلقون غيا } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { فسوف يلقون غيا } أي: خسرانا. وقال قتادة: شرا.
وقال سفيان الثوري، وشعبة، ومحمد بن إسحاق، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود: { فسوف يلقون غيا } قال: واد في جهنم، بعيد القعر، خبيث الطعم.
وقال الأعمش، عن زياد، عن أبي عياض في قوله: { فسوف يلقون غيا } قال: واد في جهنم من قيح ودم.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني عباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن زياد بن زيان، حدثنا شرقي بن قطامي، عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة صدي بن (11) عجلان الباهلي فقلت: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فدعا بطعام، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن صخرة زنة عشر (12) أواق قذف بها من شفير جهنم، ما بلغت قعرها خمسين خريفا،
__________
(1) في أ: "تاركين".
(2) في أ: "للجماعات".
(3) في أ: "عليه".
(4) زيادة من ف، أ، والمسند.
(5) في أ: "عن ابن قنبل".
(6) في ت: "عبد الله".
(7) في هـ، ، ت ف، أ: "الكنى، وأما الكنى" والمثبت في المسند.
(8) المسند (4/156) والمراد باللبن كما قال الحربي: "أظنه أراد يتباعدون عن الأمصار وعن صلاة الجماعة، ويطلبون مواضع اللبن في المراعي والبوادي".
(9) في ت: "أبي".
(10) المسند (4/146).
(11) في ت: "حدثني".
(12) في ف: "عشر عشر"، وفي أ: "عشر عشراوات".

(5/245)


جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63)

ثم تنتهي إلى غي وآثام". قال: قلت: وما غي وآثام؟ قال: "بئران في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان (1) ذكر الله في كتابه: { أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } وقوله في الفرقان: { ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما } (2) هذا حديث غريب ورفعه منكر.
وقوله: { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا } ، أي: إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات، فإن الله يقبل توبته، ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم؛ ولهذا قال: { فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا } وذلك؛ لأن التوبة تجب ما قبلها، وفي الحديث الآخر: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (3) ؛ ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئا، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص (4) لهم مما عملوه بعدها؛ لأن ذلك ذهب هدرا وترك نسيا، وذهب مجانا، من كرم الكريم، وحلم الحليم.
وهذا الاستثناء هاهنا كقوله في سورة الفرقان: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } [ الفرقان : 68 -70 ]
{ جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) } .
يقول تعالى: الجنات التي يدخلها (5) التائبون من ذنوبهم، هي { جنات عدن } أي: إقامة { التي وعد الرحمن عباده } بظهر الغيب، أي: هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه؛ وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم.
وقوله: { إنه كان وعده مأتيا } تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره؛ فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: { كان وعده مفعولا } [ المزمل : 18 ] (6) أي: كائنا لا محالة.
وقوله هاهنا: { مأتيا } أي: العباد صائرون إليه، وسيأتونه.
ومنهم من قال: { مأتيا } بمعنى: آتيا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول العرب: أتت علي خمسون سنة، وأتيت على خمسين سنة، كلاهما بمعنى [واحد] (7)
__________
(1) في ف: "اللذان".
(2) تفسير الطبري (16/75).
(3) جاء من حديث أنس بن مالك، وابن مسعود، وأبو سعيد الأنصاري، وابن عباس، رضي الله عنهم، وأجودها حديث ابن مسعود، أخرجه ابن ماجه في السنن برقم (4250) لكنه فيه انقطاع.
(4) في ف: "فنقص".
(5) في ت: "يدخل إليها".
(6) في ت: "إنه كان" وهو خطأ، وفي أ: "كان وعده مفعولا" وهو الصواب.
(7) زيادة من ف، أ.

(5/246)


وقوله: { لا يسمعون فيها لغوا } أي: هذه (1) الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له، كما قد يوجد في الدنيا.
وقوله: { إلا سلاما } استثناء منقطع، كقوله: { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما } [ الواقعة : 25 ، 26 ] (2)
وقوله: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } أي: في مثل وقت البكرات ووقت العشيات، لا أن (3) هناك ليلا أو نهارا (4) ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يتمخطون (5) فيها، ولا يتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم (6) الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقيهما (7) من وراء اللحم؛ من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا".
أخرجاه في الصحيحين من حديث معمر به (8)
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن (9) ابن إسحاق، حدثني الحارث بن (10) فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا" (11) تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } قال: مقادير الليل والنهار.
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهم، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد، عن قول الله تعالى: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وبفتح (12) الأبواب.
وبهذا الإسناد عن الوليد بن مسلم، عن خليد، عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة، فقال: أبواب (13) يرى ظاهرها من باطنها، فتكلم وتكلم، فتهمهم (14) انفتحي انغلقي، فتفعل.
__________
(1) في ت، ف: "أي: في هذه".
(2) في ت: "تأثيم".
(3) في ت: "إلا أن".
(4) في ف: "ونهارا".
(5) في ف: "يمتخطون".
(6) في أ: "ومجامرهم من".
(7) في ف: "ساقها".
(8) المسند (2/316) وصحيح البخاري برقم (3225) وصحيح مسلم برقم (2834).
(9) في ت: "عن موسى بن إسحاق".
(10) في ت: "ثم".
(11) المسند (1/266) وقال الهيثمي في المجمع (5/294): "إسناد رجاله ثقات".
(12) في ت، ف: "فتح".
(13) في ت: "أبواب الجنة".
(14) في ت: "فيفهمهم"، وفي ف، أ: "فتفهم".

(5/247)


وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64)

وقال قتادة في قوله: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } : فيها ساعتان: بكرة وعشي: ليس ثم (1) ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور.
وقال مجاهد ليس [فيها] (2) بكرة ولا عشي، ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا.
وقال الحسن، وقتادة، وغيرهما: كانت العرب، الأنعم فيهم، من يتغدى ويتعشى، ونزل (3) القرآن على ما في أنفسهم (4) من النعيم، فقال تعالى: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا }
وقال ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } قال: البكور يرد على العشي، والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سليم (5) بن منصور بن عمار، حدثني أبي، حدثنا محمد بن زياد قاضي أهل شمشاط (6) عن عبد الله بن جرير (7) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من غداة من غدوات الجنة، وكل الجنة غدوات، إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين، أدناهن التي خلقت من الزعفران" (8)
قال أبو محمد: هذا حديث منكر.
[وقوله تعالى] (9) { تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا } أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله -عز وجل-في السراء والضراء، والكاظمون (10) الغيظ والعافون (11) عن الناس، وكما قال تعالى في أول سورة المؤمنين: { قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون } إلى أن قال: { أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } [ المؤمنون : 1-11]
{ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) }
__________
(1) في أ: "ثمت".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في أ: "فنزل".
(4) في ف: "نفوسهم".
(5) في جميع النسخ: "سليمان" والمثبت من الجرح والتعديل 4/1/176.
(6) في أ: "شمياط".
(7) في ت، ف، أ: "جدير".
(8) ورواه ابن عدي في الكامل (6/394) من طريق سليم بن منصور بن عمار به وقال: "ولا يعرف هذا إلا لمنصور بهذا الإسناد". ومنصور بن عمار ضعفه العقيلي وقال أبو حاتم: ليس بالقوي.
(9) زيادة من ت، وفي أ: "وقوله".
(10) في ت، ف: "والكاظمين".
(11) في ت، ف: "والعافين".

(5/248)


رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65)

{ رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65) } .
قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى ووكيع قالا حدثنا عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟" قال: فنزلت { وما نتنزل إلا بأمر ربك } إلى آخر الآية.
انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عند تفسير هذه الآية عن أبي نعيم، عن عمر بن ذر به. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير، من حديث عمر بن ذر به (1) وعندهما زيادة في آخر الحديث، فكان
__________
(1) المسند (1/231)، (1/233) وصحيح البخاري برقم (4731) وتفسير الطبري (16/78).

(5/248)


ذلك الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وقال العوفي عن ابن عباس: احتبس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وحزن، فأتاه جبريل وقال: يا محمد، { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا }
وقال مجاهد: لبث جبريل عن محمد صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة ليلة، ويقولون [قلي] (1) فلما جاءه قال: يا جبريل لقد رثت علي حتى ظن المشركون كل ظن. فنزلت: { وما نتنزل إلا بأمر ربك [له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك] (2) وما كان ربك نسيا } قال: وهذه الآية كالتي في الضحى.
وكذلك قال الضحاك بن مزاحم، وقتادة، والسدي، وغير واحد: إنها نزلت في احتباس جبريل.
وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: أبطأ جبريل النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما، ثم نزل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما نزلت حتى اشتقت إليك" فقال له جبريل: بل أنا كنت إليك أشوق، ولكني مأمور، فأوحي إلى جبريل أن قل له: { وما نتنزل إلا بأمر ربك } الآية. رواه ابن أبي حاتم، رحمه الله، وهو غريب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد قال: أبطأت الرسل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه جبريل فقال له: ما حبسك يا جبريل؟ فقال له جبريل: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم، ولا تستاكون؟ ثم قرأ: { وما نتنزل إلا بأمر ربك } إلى آخر الآية.
وقد قال الطبراني: حدثنا أبو عامر النحوي، حدثنا محمد بن إبراهيم الصوري، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن [الدمشقي] (3) حدثنا إسماعيل بن عياش، أخبرني ثعلبة بن مسلم، عن أبي كعب مولى ابن عباس، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن جبريل أبطأ عليه، فذكر ذلك له فقال: وكيف وأنتم لا تستنون، ولا تقلمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون رواجبكم.
وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي اليمان، عن إسماعيل بن عياش، به نحوه (4) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا المغيرة بن حبيب -[ختن] (5) مالك بن دينار-حدثني شيخ من أهل المدينة، عن أم سلمة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصلحي لنا المجلس، فإنه ينزل (6) ملك إلى الأرض، لم ينزل إليها قط" (7)
وقوله: { له ما بين أيدينا وما خلفنا } قيل: المراد ما بين أيدينا: أمر الدنيا، وما خلفنا: أمر الآخرة، { وما بين ذلك } ما بين النفختين. هذا قول أبي العالية، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن
__________
(1) زيادة من ت، ف، أ.
(2) في ت، ف، أ: "إلى قوله".
(3) زيادة من ت، ف، أ.
(4) المعجم الكبير (11/431) والمسند (1/243) وفي إسناده أبو كعب مولى ابن عباس، قال أبو زرعة: "لا يسمى ولا يعرف إلا في هذا الحديث".
(5) في هـ، ت، ف: "عن"، والمثبت من أ، والمسند.
(6) في ف، أ: "يتنزل".
(7) المسند (6/296).

(5/249)


ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70)

جبير. وقتادة، في رواية عنهما، والسدي، والربيع بن أنس.
وقيل: { ما بين أيدينا } ما نستقبل من أمر الآخرة، { وما خلفنا } أي: ما مضى من الدنيا، { وما بين ذلك } أي: ما بين الدنيا والآخرة. يروى نحوه عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، والثوري. واختاره ابن جرير أيضا، والله أعلم.
وقوله: { وما كان ربك نسيا } قال مجاهد [والسدي] (1) معناه: ما نسيك ربك.
وقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله: { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى } [ الضحى : 1-3 ]
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي، حدثنا محمد بن عثمان (2) -يعني أبا الجماهر (3) -حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء يرفعه قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت [عنه] (4) فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى (5) شيئا" ثم تلا هذه الآية: { وما كان ربك نسيا } (6)
وقوله: { رب السماوات والأرض وما بينهما } [أي: خالق ذلك ومدبره، والحاكم فيه والمتصرف الذي لا معقب لحكمه، { فاعبده واصطبر لعبادته] (7) هل تعلم له سميا } : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هل تعلم للرب مثلا أو شبها.
وكذلك قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن جريج وغيرهم.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: ليس أحد يسمى الرحمن غيره تبارك وتعالى، وتقدس اسمه.
{ ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) } .
يخبر تعالى عن الإنسان أنه يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته، كما قال تعالى: { وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد } [ الرعد : 5 ]،
__________
(1) زيادة من ت، ف.
(2) في ت: "ابن عباس".
(3) في أ: "أبا الجماهير".
(4) زيادة من ت، ف، أ.
(5) في أ: "لينسنا".
(6) ورواه البزار في مسنده برقم (123) من طريق سليمان بن عبد الرحمن عن إسماعيل بن عياش به وقال: "إسناده صالح".
ورواه الحاكم في المستدرك (2/375) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (10/12) عن طريق أبي نعيم الفضل بن دكين عن عاصم بن رجاء عن أبيه به وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وله شاهد من حديث سلمان رضي الله عنه.
(7) زيادة من ت، ف، أ.

(5/250)


وقال: { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } [ يس : 77-79 ]، وقال هاهنا: { ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا * أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } يستدل، تعالى، بالبداءة على الإعادة، يعني أنه، تعالى [قد] (1) خلق الإنسان ولم يك شيئا، أفلا يعيده وقد صار شيئا، كما قال تعالى: { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } [ الروم : 27 ]، وفي الصحيح: "يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد (2) ولم يكن له (3) كفوا أحد" (4) .
وقوله: { فوربك لنحشرنهم والشياطين } أقسم الرب، تبارك وتعالى، بنفسه الكريمة، أنه لا بد أن يحشرهم جميعا وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله، { ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا } .
قال العوفي، عن ابن عباس: يعني: قعودا كقوله: { وترى كل أمة جاثية } [ الجاثية : 28 ].
وقال السدي في قوله: { ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا } : يعني: قياما، وروي عن مرة، عن ابن مسعود [مثله] (5) .
وقوله: { ثم لننزعن من كل شيعة } يعني: من كل أمة قاله مجاهد، { أيهم أشد على الرحمن عتيا } .
قال الثوري، عن [علي بن الأقمر] (6) ، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة (7) ، أتاهم جميعا، ثم بدأ بالأكابر، فالأكابر جرما، وهو قوله: { ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا } .
وقال قتادة: { ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا } قال: ثم لننزعن من أهل كل (8) دين قادتهم [ورؤساءهم] (9) في الشر. وكذا قال ابن جريج، وغير واحد من السلف. وهذا كقوله تعالى: { حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } [ الأعراف : 38 ، 39 ]
وقوله: { ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا } ثم" هاهنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلد فيها، وبمن (10) يستحق تضعيف
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ت، ف، أ: "ألد ولم أولد".
(3) في ف، أ: "لي".
(4) صحيح البخاري برقم (4975).
(5) زيادة من ف، أ.
(6) زيادة من ت، ف، أ، وفي هـ: "أبي" والمثبت من الطبري.
(7) في ت: "المغيرة".
(8) في ت، ف: "من كل أهل".
(9) زيادة من ت، ف، أ.
(10) في ت، ف، أ: "ومن".

(5/251)


وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72)

العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: { قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون }
{ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) } .
قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا خالد بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعا، ثم ينجي الله الذين اتقوا. فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال: يردونها جميعا -وقال سليمان مرة (1) يدخلونها جميعا-وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتا، إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن (2) بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيا" (3) غريب ولم يخرجوه.
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن بكار بن (4) أبي مروان، عن خالد بن معدان قال: قال أهل الجنة بعدما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة.
وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: كان عبد الله بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته، فبكى، فبكت امرأته فقال (5) ما يبكيك؟ فقالت: (6) رأيتك تبكي فبكيت. قال: إني ذكرت قول الله عز وجل: { وإن منكم (7) إلا واردها } ، فلا أدري أنجو منها أم لا؟ (8) وفي رواية: وكان مريضا.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق: كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني ثم يبكي، فقيل: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا أنا واردوها، ولم نخبر أنا صادرون عنها (9) .
وقال عبد الله بن المبارك، عن الحسن البصري قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم. قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك؟ [قال فما رئي ضاحكا حتى لحق بالله] (10) .
__________
(1) في أ: "سليمان بن مرة".
(2) في ف: "المؤمنين".
(3) المسند (3/328) وقال المنذري في الترغيب (2/306): "رجاله ثقات".
(4) في ف: "عن".
(5) في ف: "قال".
(6) في أ: قالت".
(7) في ت: "وما منكم".
(8) تفسير عبد الرزاق (2/11).
(9) تفسير الطبري (16/82).
(10) زيادة من ف، أ، والطبري.

(5/252)


وقال عبد الرزاق أيضا: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود (1) الدخول؟ فقال نافع: لا فقرأ ابن عباس: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون } [ الأنبياء : 98 ] وردوا أم لا؟ وقال: { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار } [ هود : 98 ] أورد هو (2) أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك فضحك نافع (3) .
وروى ابن جريج، عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري -وهو نافع بن الأزرق-: { لا يسمعون حسيسها } [ الأنبياء : 102] فقال ابن عباس: ويلك: أمجنون أنت؟ أين قوله: { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار } [ هود : 98 ]، { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } [ مريم : 86 ]، { وإن منكم إلا واردها } ؟ والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما، وأدخلني الجنة غانما (4) .
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أسباط، عن عبد الملك، عن عبيد الله، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل يقال له: أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس، أرأيت قول الله: { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا } ؟ قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر: هل نصدر عنها أم لا (5) .
وقال أبو داود الطيالسي: قال شعبة، أخبرني عبد الله بن السائب، عمن سمع ابن عباس يقرؤها [كذلك] (6) : "وإن منهم إلا واردها" يعني: الكفار (7)
وهكذا روى عمرو بن الوليد الشني (8) ، أنه سمع عكرمة يقرؤها كذلك: "وإن منهم إلا واردها"، قال: وهم الظلمة. كذلك كنا نقرؤها. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا } يعني: البر والفاجر، ألا تسمع إلى قول الله لفرعون: { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود } { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } ، فسمى الورود في النار دخولا وليس بصادر.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله -هو ابن مسعود-{ وإن منكم إلا واردها } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرد الناس [النار] (9) كلهم، ثم يصدرون عنها بأعمالهم".
__________
(1) في ت: "المورود".
(2) في ت: "أوردهم"، وفي أ: "أوردوها".
(3) تفسير عبد الرزاق (2/11).
(4) رواه الطبري في تفسيره (16/82).
(5) تفسير الطبري (16/84).
(6) زيادة من ت، ف، أ
(7) رواه الطبري في تفسيره (16/83).
(8) في أ: "السني".
(9) زيادة من ت، ف، أ، والمسند.

(5/253)


ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي به (1) . ورواه من طريق شعبة، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفا (2) (3) .
هكذا وقع هذا الحديث هاهنا مرفوعا. وقد رواه أسباط، عن السدي، عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال: يرد الناس جميعا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق (4) ، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مرا رجل نوره على موضعي (5) إبهامي قدميه، يمر يتكفأ (6) به الصراط، والصراط دحض مزلة، عليه حسك كحسك القتاد، حافتاه ملائكة، معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس. وذكر تمام الحديث. رواه (7) ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، حدثنا إسرائيل، أخبرنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص (8) عن عبد الله: قوله: { وإن منكم إلا واردها } قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم.
ولهذا شواهد في الصحيحين وغيرهما، من رواية أنس، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وجابر، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم (9) .
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن الجريري، عن [أبي السليل] (10) عن غنيم بن قيس قال: ذكروا ورود النار، فقال كعب: تمسك النار للناس (11) كأنها متن (12) إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق، برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد: أن امسكي أصحابك، ودعي أصحابي، قال: فتخسف بكل ولي لها، ولهي أعلم بهم (13) من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية ثيابهم. قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود ذو شعبتين (14) ، يدفع به الدفع فيصرع به في النار سبعمائة ألف (15) .
__________
(1) المسند (1/434) وسنن الترمذي برقم (3159) وقال: "حديث حسن، ورواه شعبة عن السدي فلم يرفعه".
(2) في ت، ف: "مرفوعا".
(3) سنن الترمذي برقم (3160).
(4) في ف، أ: "البرق الخاطف".
(5) في أ: "موضع".
(6) في أ: "فيمر فيكفأ".
(7) في ت، ف: "ورواه".
(8) في ت: "مولى الأحوص".
(9) أما حديث أنس فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (367) وضعف إسناده.
وأما حديث أبي هريرة فهو في صحيح البخاري برقم (6573) وصحيح مسلم برقم (182).
وأما حديث أبي سعيد فهو في صحيح البخاري برقم (6574) وصحيح مسلم برقم (183).
(10) في هـ: "ابن أبي ليلى" والمثبت من ت، ف، أ، والطبري.
(11) في ف، أ: "الناس".
(12) في أ "بين".
(13) في أ: "فتخسف بكل وليها وهي أعلم بهم".
(14) في ت، ف، أ: "عمود وشعبتين".
(15) تفسير الطبري (16/82).

(5/254)


وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان (1) ، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو ألا يدخل النار -إن شاء الله-أحد شهد بدرا والحديبية" قالت (2) فقلت: أليس الله يقول { وإن منكم إلا واردها } ؟ قالت (3) : فسمعته يقول: { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } (4) .
وقال [الإمام] (5) أحمد أيضا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان (6) ، عن جابر، عن أم مبشر -امرأة زيد بن حارثة-قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فقال: "لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية" قالت حفصة: أليس الله يقول: { وإن منكم إلا واردها } ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ثم ننجي الذين اتقوا } (7) .
وفي الصحيحين، من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار، إلا تحلة القسم". (8)
وقال عبد الرزاق: قال معمر: أخبرني الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلة القسم" يعني الورود (9) .
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا زمعة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، تمسه النار إلا تحلة القسم". قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية: { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا } (10) .
وقال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي (11) ، حدثنا أبو المغيرة (12) ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلا من أصحابه وعكا، وأنا معه، ثم قال: "إن الله تعالى يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن؛ لتكون حظه من النار في الآخرة" غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه (13) .
وحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: "وإن منكم إلا واردها".
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ: { قل هو الله أحد } حتى يختمها عشر
__________
(1) في ت : "شقيق".
(2) في ت: "قال".
(3) في أ: "قال".
(4) المسند (6/285).
(5) زيادة من ت.
(6) في ت : "شقيق".
(7) المسند (6/362).
(8) صحيح البخاري برقم (6656) وصحيح مسلم برقم (2632).
(9) تفسير عبد الرزاق (2/11).
(10) مسند الطيالسي برقم (2304).
(11) في ت: "الخلاعي".
(12) في ت: "أبو شعبة".
(13) تفسير الطبري (6/831) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (3/382) من طريق محمد بن يحيى عن أبي المغيرة به.

(5/255)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية