صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ]
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم".
ورواه البخاري في صحيحه وأهل السنن إلا ابن ماجه، من حديث عبد الله بن المبارك، به (1)
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس [عن أنس] (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا يشرك به شيئا، فارقها والله عنه راض" -قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث، واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل، قال الله تعالى: { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } -قال: توبتهم خلع الأوثان، وعبادة ربهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } (3) [التوبة: 11]
ورواه ابن مردويه.
ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب "الصلاة" له: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا حكام بن سلم (4) حدثنا أبو جعفر الرازي، به سواء (5)
وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم: إنها نسخت كل عهد بين النبي (6) صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين، وكل عهد، وكل مدة.
وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة، منذ نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل (7) أربعة أشهر، من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سمي لهم من العقد والميثاق، وأذهب الشرط الأول.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: قال سفيان (8) قال
__________
(1) المسند (3/199) وصحيح البخاري برقم (392) وسنن أبي داود برقم (2641) وسنن الترمذي برقم (2608) وسنن النسائي (8/109).
(2) زيادة من ت، أ، والطبري.
(3) تفسير الطبري (14/135) ورواه ابن ماجة في السنن برقم (70) من طريق عبيد الله بن موسى بنحوه، وقال البوصيري في الزوائد (1/56): "هذا إسناد ضعيف، الربيع بن أنس ضعيف هنا".
(4) في ك: "سلمة".
(5) تعظيم قدر الصلاة برقم (1).
(6) في أ: "رسول الله".
(7) في ت، ك، أ: "تنزل براءة".
(8) في ت، ك، أ: "سفيان بن عيينة".

(4/112)


وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6)

علي بن أبي طالب: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف: سيف في المشركين من العرب (1) قال الله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [وخذوهم ] } (2)
هكذا رواه مختصرا، وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب في قوله: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } [التوبة:29] والسيف الثالث: قتال المنافقين في قوله: { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين [واغلظ عليهم] } [التوبة: 73 ، والتحريم:9] (3) والرابع: قتال الباغين في قوله: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } [الحجرات:9]
ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه، فقال الضحاك والسدي: هي منسوخة بقوله تعالى: { فإما منا بعد وإما فداء } [محمد:4] وقال قتادة بالعكس.
{ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) }
يقول تعالى لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه: { وإن أحد من المشركين } الذين أمرتك بقتالهم، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم، { استجارك } أي: استأمنك، فأجبه إلى طلبته { حتى يسمع كلام الله } أي: [القرآن] (4) تقرؤه عليه وتذكر له شيئا من [أمر] (5) الدين تقيم عليه به حجة الله، { ثم أبلغه مأمنه } أي: وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه، { ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } أي: إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله، وتنتشر دعوة الله في عباده.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في تفسير هذه الآية، قال: إنسان يأتيك يسمع ما تقول وما أنزل عليك، فهو آمن حتى يأتيك فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه، حيث جاء.
ومن هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الأمان لمن جاءه، مسترشدا أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، منهم: عروة بن مسعود، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو، وغيرهم واحدا بعد واحد، يترددون في القضية بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم فأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم.
__________
(1) في ت، د: "سيف في المشركين وسيف في العرب".
(2) زيادة من أ.
(3) زيادة من أ.
(4) زيادة من ت، د، ك، أ.
(5) زيادة من ت، د، ك، أ.

(4/113)


ولهذا أيضا لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "أتشهد (1) أن مسيلمة رسول الله؟" قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك" (2) وقد قيض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النواحة، ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: إنك الآن لست في رسالة، وأمر به فضربت عنقه، لا رحمه الله ولعنه.
والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة، أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، فطلب من الإمام أو نائبه أمانا، أعطي أمانا ما دام مترددا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه. لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما (3) زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان، عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء، رحمهم الله.
__________
(1) في ك: "أما تشهد".
(2) رواه أحمد في المسند (3/487) وأبو داود في السنن برقم (2761) من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم عن أبيه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه رسل مسيلمة، فذكر نحوه.
(3) في ت: "ما".

(4/114)


كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7)

{ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) }
يبين تعالى (1) حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا، فقال تعالى: { كيف يكون للمشركين عهد } وأمان ويتركون فيما هم فيه وهم مشركون بالله كافرون (2) به وبرسوله، { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } يعني يوم الحديبية، كما قال تعالى: { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله } الآية [الفتح: 25] ، { فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم } أي: مهما (3) تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين { فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين } وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك والمسلمون، استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست، إلى أن نقضت قريش العهد ومالئوا حلفاءهم بني بكر على خزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلوهم معهم في الحرم أيضا، فعند ذلك غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة ثمان، ففتح الله عليه البلد الحرام، ومكنه من نواصيهم، ولله الحمد والمنة، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم، فسموا الطلقاء، وكانوا قريبا من ألفين، ومن استمر على كفره وفر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر، يذهب حيث شاء: منهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام، والله المحمود على جميع ما يقدره ويفعله.
__________
(1) في ت: "يبين تعالى أن".
(2) في ت، ك، : "كافرين" وهو خطأ.
(3) في د: "فمهما".

(4/114)


كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون (11)

{ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) }
يقول تعالى محرضا للمؤمنين على معاداة المشركين والتبري منهم، ومبينا أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله وكفرهم برسول الله (1) ولو أنهم إذ ظهروا (2) على المسلمين وأديلوا عليهم، لم يبقوا ولم يذروا، ولا راقبوا فيهم إلا ولا ذمة.
قال علي بن أبي طلحة، وعكرمة، والعوفي عن ابن عباس: "الإل": القرابة، "والذمة": العهد. وكذا قال الضحاك والسدي، كما قال تميم بن مقبل:
أفسد الناس خلوف خلفوا ... قطعوا الإل وأعراق الرحم (3)
وقال حسان بن ثابت، رضي الله عنه:
وجدناهم كاذبا إلهم ... وذو الإل والعهد لا يكذب (4)
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { لا يرقبون في مؤمن إلا } قال: الله. وفي رواية: لا يرقبون الله ولا غيره.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سليمان، عن أبي مجلز في قوله تعالى: { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } مثل قوله: "جبرائيل" ، "ميكائيل" ، "إسرافيل"، [كأنه يقول: يضيف "جبر"، و"ميكا"، و"إسراف"، إلى "إيل"، يقول عبد الله: { لا يرقبون في مؤمن إلا } ] (5) كأنه يقول: لا يرقبون الله.
والقول الأول أشهر وأظهر، وعليه الأكثر.
وعن مجاهد أيضا: "الإل": العهد. وقال قتادة: "الإل": الحلف.
{ اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون (11) }
__________
(1) في د: "برسوله صلى الله عليه وسلم".
(2) في ت: "ظاهروا".
(3) البيت في تفسير الطبري (14/148).
(4) قال المعلق على طبعة الشعب: هكذا نسبه ابن كثير إلى حسان بن ثابت، ولم نجده في ديوانه. والبيت في تفسير الطبري غير منسوب 15/148 وأما بيت حسان الذي استشهد به الطبري فهو لعمرك إن إلك من قريش ... كإل الشقب من رأل النعام
وهذا البيت في ديوان حسان ص 336، واللسان، مادة "ألل".
(5) زيادة من الطبري (14/146).

(4/115)


وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12)

يقول تعالى ذما للمشركين وحثا للمؤمنين على قتالهم: { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا } يعني: أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة، { فصدوا عن سبيله } أي: منعوا المؤمنين من اتباع الحق، { إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } تقدم تفسيره، وكذا الآية التي بعدها: { فإن تابوا وأقاموا الصلاة } إلى آخرها، تقدمت.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته، لا يشرك (1) به، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، فارقها والله عنه راض، وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء". وتصديق ذلك في كتاب الله: { فإن تابوا } يقول: فإن خلعوا الأوثان وعبادتها { وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } وقال في آية أخرى: { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين }
ثم قال البزار: آخر الحديث عندي والله أعلم: "فارقها وهو عنه راض"، وباقيه عندي من كلام الربيع بن أنس (2)
{ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) }
يقول تعالى: وإن نكث هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة أيمانهم، أي: عهودهم ومواثيقهم، { وطعنوا في دينكم } أي: عابوه وانتقصوه. ومن هاهنا أخذ قتل من سب الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بتنقص؛ ولهذا قال: { فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } أي: يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال.
وقد قال قتادة وغيره: أئمة الكفر كأبي جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلف، وعدد رجالا.
وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: مر سعد برجل من الخوارج، فقال الخارجي: هذا من أئمة الكفر. فقال سعد: كذبت، بل أنا قاتلت أئمة الكفر. رواه ابن مردويه.
وقال الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة أنه قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.
__________
(1) في ت، ك: "لا شريك".
(2) ورواه الحاكم في المستدرك (2/331) من طريق أحمد بن مهران عن عبيد الله بن موسى بنحوه، ولم يفرق بين المرفوع والموقوف، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" وتعقبه الذهبي قلت: "صدر الحديث مرفوع وسائره مدرج فيما أرى".

(4/116)


ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13)

وروى عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، مثله.
والصحيح أن الآية عامة، وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم، والله أعلم.
وقال الوليد بن مسلم: حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: أنه كان في عهد أبي بكر، رضي الله عنه، إلى الناس حين وجههم إلى الشام، قال: إنكم ستجدون قوما محوقة رءوسهم، فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلا منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله يقول: { فقاتلوا أئمة الكفر } رواه ابن أبي حاتم.
{ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) }

(4/117)


قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15)

{ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) }
وهذا أيضا تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين لأيمانهم، الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } [الأنفال:30] .
وقال تعالى: { يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم [إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي] } (1) الآية [الممتحنة:1] وقال تعالى: { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا } [الإسراء:76]وقوله { وهم بدءوكم أول مرة } قيل: المراد بذلك يوم بدر، حين خرجوا لنصر عيرهم (2) فلما نجت وعلموا بذلك استمروا على وجوههم (3) طلبا للقتال، بغيا وتكبرا، كما تقدم بسط ذلك.
وقيل: المراد نقضهم العهد وقتالهم (4) مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى (5) سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وكان ما كان، ولله الحمد.
وقوله: { أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } (6) يقول تعالى: لا تخشوهم واخشون، فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي وعقوبتي، فبيدي الأمر، وما شئت كان، وما لم أشأ لم يكن.
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في د: "خرجوا لعيرهم".
(3) في ت، ك: "وجههم".
(4) في ت: "بقتالهم".
(5) في ت: "حين".
(6) في ك: "أتخشوهم" وهو خطأ.

(4/117)


أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16)

ثم قال تعالى عزيمة على المؤمنين، وبيانا لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد مع قدرته على إهلاك الأعداء بأمر من عنده: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين } وهذا عام في المؤمنين كلهم.
وقال مجاهد، وعكرمة، والسدي في هذه الآية: { ويشف صدور قوم مؤمنين } يعني: خزاعة.
وأعاد (1) الضمير في قوله: { ويذهب غيظ قلوبهم } عليهم أيضا.
وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة مؤذن لعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، عن مسلم بن يسار، عن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غضبت أخذ بأنفها، وقال: "يا عويش، قولي: اللهم، رب النبي محمد (2) اغفر ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن" .
ساقه من طريق أبي أحمد الحاكم، عن الباغندي، عن هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الجون، عنه (3)
{ ويتوب الله على من يشاء } أي: من عباده، { والله عليم } أي: بما يصلح عباده، { حكيم } في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية، فيفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبدا، ولا يضيع مثقال ذرة من خير وشر، بل يجازي عليه في الدنيا والآخرة.
{ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) }
يقول تعالى: { أم حسبتم } أيها المؤمنون أن نترككم مهملين، لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب؟ ولهذا قال: { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } أي: بطانة ودخيلة (4) بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله، فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر، كما قال الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني ...
وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: { [الم] أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } (5) [العنكبوت:1-3] وقال تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } [آل عمران: 142]
__________
(1) في ت، د، ك: "وأعادوا".
(2) في ك: "محمدا".
(3) تاريخ دمشق (19/335) "المخطوط") ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق أبي العميس عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة ومن طريق سلمة بن علي عن هشام بن عروة عن عائشة.
(4) في ت: "دخلة".
(5) زيادة من ت،أ.

(4/118)


ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18)

وقال تعالى: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب } [آل عمران: 179]
والحاصل أنه تعالى لما شرع الجهاد لعباده، بين أن له فيه حكمة، وهو اختبار (1) عبيده: من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ فيعلم الشيء قبل كونه، ومع كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولا راد لما قدره وأمضاه.
{ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18) }
يقول تعالى: ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له. ومن قرأ: "مسجد الله" فأراد به المسجد الحرام، أشرف المساجد في الأرض، الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له. وأسسه خليل الرحمن هذا، وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، أي: بحالهم وقالهم، كما قال السدي: لو سألت النصراني: ما دينك؟ لقال: نصراني، واليهودي: ما دينك؟ لقال يهودي، والصابئي، لقال: صابئي، والمشرك، لقال: مشرك.
{ أولئك حبطت أعمالهم } أي: بشركهم، { وفي النار هم خالدون } كما قال تعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون } [الأنفال:34] ؛ ولهذا قال: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر } فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا سريج (2) حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث؛ أن دراجا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد (3) فاشهدوا له بالإيمان؛ قال الله تعالى: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر }
ورواه الترمذي، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب، به (4)
وقال (5) عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني، عن ميمون بن سياه، وجعفر بن زيد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما عمار المساجد هم أهل الله" (6)
__________
(1) في ت، ك: "إخبار".
(2) في ك، أ: "شريح".
(3) في ت، أ: "المساجد"
(4) المسند (3/68) وسنن الترمذي برقم (3093) والمستدرك (2/332) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.
(5) في د: "وروى".
(6) فيه صالح المري وهو ضعيف، وقد اختلف عليه فيه كما سيأتي في رواية البزار.

(4/119)


ورواه الحافظ أبو بكر البزار، عن عبد الواحد بن غياث، عن صالح بن بشير المري، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما (1) عمار المساجد هم أهل الله" ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير صالح (2)
وقد روى الدارقطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار، عن أبيها، عن أخيه مالك بن دينار، عن أنس مرفوعا: "إذا أراد الله بقوم عاهة، نظر إلى أهل المساجد، فصرف عنهم" . ثم قال: غريب (3)
وروى الحافظ البهاء في المستقصى، عن أبيه بسنده إلى أبي أمية الطرسوسي: حدثنا منصور بن صقير، حدثنا صالح المرى، عن ثابت، عن أنس مرفوعا: "يقول الله: وعزتي وجلالي، إني لأهم بأهل الأرض عذابا، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين في، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفت ذلك عنهم". ثم قال ابن عساكر: حديث غريب (4)
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة، حدثنا العلاء بن زياد، عن معاذ بن جبل؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد" (5)
وقال عبد الرازق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها (6)
وقال المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ويأتي المسجد ويصلي، فلا صلاة له، وقد عصى الله ورسوله، قال الله تعالى: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر } الآية رواه ابن مردويه.
وقد روي مرفوعا من وجه آخر، وله شواهد من وجوه أخر ليس هذا موضع بسطها.
__________
(1) في ت، ك، أ: "إن".
(2) مسند البزار برقم (433) "كشف الأستار" ورواه البيهقي في السنن الكبرى (3/66) من طريق هاشم بن القاسم عن صالح المري به، وقال الهيثمي في المجمع (2/23): "فيه صالح المرى وهو ضعيف".
(3) لم أعثر عليه في الأطراف لابن القيسراني.
(4) وفيه منصور بن صقير، قال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال العقيلي: في حديثه بعض الوهم، ورواه ابن عدي في الكامل (4/61) من طريق سعيد بن أشعث عن صالح المري به نحوه، ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (9051) من طريق عبدان عن معاذ بن خالد بن شقيق عن صالح المري به نحوه، وصالح المرى ضعيف.
(5) المسند (5/232) وقال الهيثمي في المجمع (2/23): "العلاء بن زياد لم يسمع من معاذ".
(6) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (9052) من طريق أحمد بن منصور عن عبد الرزاق عن معمر عن رجل من قريش رفع الحديث، فذكر نحوه، وهو معضل.

(4/120)


أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20)

وقوله: { وأقام الصلاة } أي: التي هي أكبر عبادات البدن، { وآتى الزكاة } أي: التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق، { ولم يخش إلا الله } أي: ولم يخف إلا من الله تعالى، ولم يخش سواه، { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين }
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر } يقول: من وحد الله، وآمن باليوم الآخر يقول: من آمن بما أنزل الله، { وأقام الصلاة } يعني: الصلوات الخمس، { ولم يخش إلا الله } يقول: لم يعبد إلا الله -ثم قال: { فعسى أولئك [ أن يكونوا من المهتدين ] } (1) يقول: إن أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } [الإسراء:79] يقول: إن ربك سيبعثك مقاما محمودا وهي الشفاعة، وكل "عسى" في القرآن فهي واجبة.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار، رحمه الله: و"عسى" من الله حق.
{ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) }
__________
(1) زيادة من د.

(4/121)


يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24) لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27) يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (28) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29) وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33) يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين (37) يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (40) انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41) لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون (48) ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52) قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون (58) ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60) ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (61) يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (62) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم (63) يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون (64) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (70) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (71) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (73) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير (74) ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78) الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون (81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (84) ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم (89) وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (94) سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (96) الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم (97) ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم (99) والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100) وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (102) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم (103) ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم (104) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106) والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (107) لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم (110) إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم (111) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم (115) إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (116) لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم (117) وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (118) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (119) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121) وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين (123) وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128) فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129)

{ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24)}
أمر الله تعالى بمباينة الكفار به، وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إذا ( استحبوا ) أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك كما قال تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار } الآية [المجادلة: 22] .
وروى الحافظ [أبو بكر] (1) البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن
__________
(1) زيادة من ت، ك، أ.

(4/121)


لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22)

الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر } الآية [المجادلة: 22] (1)
ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر (2) أهله وقرابته وعشيرته على الله وعلى رسوله وجهاد في سبيله، فقال: ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ) أي: اكتسبتموها وحصلتموها ( وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ) أي: تحبونها لطيبها وحسنها، أي: إن كانت هذه الأشياء ( أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ) أي: فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم؛ ولهذا قال: ( حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين )
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن زهرة بن معبد، عن جده قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه". فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي. فقال رسول الله: "الآن يا عمر" (4)
انفرد بإخراجه (5) البخاري، فرواه عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن أبي عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع جده عبد الله بن هشام، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا (6)
وقد ثبت في الصحيح عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" (7)
وروى الإمام أحمد، وأبو داود -واللفظ له -من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني، عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (8)
وروى الإمام أحمد أيضا عن يزيد بن هارون، عن أبي جناب، عن شهر بن حوشب أنه سمع عبد الله ابن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك (9) وهذا شاهد للذي قبله، والله أعلم.
__________
(1) سنن البيهقي الكبرى (9/27) من طريق الربيع بن سليمان عن أسد بن موسى عن ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن شوذب، وقال البيهقي: "هذا منقطع".
(2) في ت، د: "أحب".
(3) في ت، ك: "النبي".
(4) المسند (4/336).
(5) في د: "انفرد به".
(6) صحيح البخاري برقم (6632).
(7) صحيح البخاري برقم (14) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(8) المسند (2/42) وسنن أبي داود برقم (3462).
(9) المسند (2/84).

(4/124)


لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26)

{ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26)}
قال ابن جريج، عن مجاهد: هذه أول آية نزلت من [سورة] (1) "براءة".
يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله (2) وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بعددهم ولا بعددهم ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أنزل [الله] (3) نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلا ليعلمهم (4) أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قل الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت يونس يحدث عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة".
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي (5) ثم قال: (6) هذا حديث حسن غريب، لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي عن الزهري، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.
وقد رواه ابن ماجه والبيهقي وغيره، عن أكثم بن الجون، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه (7) والله أعلم.
وقد كانت وقعة: "حنين" بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة، وذلك لما فرغ عليه السلام (8) من فتح مكة، وتمهدت أمورها، وأسلم عامة أهلها، وأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغه أن
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في ت: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(3) زيادة من ت، أ.
(4) في د: "ليعلم".
(5) المسند (1/294) وسنن أبي داود برقم (2611) وسنن الترمذي برقم (1555).
(6) في د: "وقال".
(7) سنن ابن ماجه برقم (2827) وسنن البيهقي الكبرى (9/263) من طريق أبي سلمة العاملي عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأكثم بن الجون، فذكر نحو حديث ابن عباس. وقال البوصيري في الزوائد (2/412): "هذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي سلمة العاملي الأزدي وعبد الملك بن محمد الصنعاني".
(8) في أ: "رسوله الله صلى الله عليه وسلم".

(4/125)


هوازن جمعوا له ليقاتلوه، وأن أميرهم مالك بن عوف النضري، ومعه ثقيف بكمالها، وبنو جشم وبنو سعد بن بكر، وأوزاع من بني هلال، وهم قليل، وناس من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وقد أقبلوا معهم النساء والولدان والشاء والنعم، وجاءوا بقضهم وقضيضهم فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيشه الذي جاء (1) معه للفتح، وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطلقاء في ألفين أيضا، فسار بهم إلى العدو، فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له "حنين"، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح، انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوازن، فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ثاوروهم (2) ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملة رجل واحد، كما أمرهم ملكهم. فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله، عز وجل (3) وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر، يثقلانها لئلا تسرع السير، وهو ينوه باسمه، عليه الصلاة والسلام، ويدعو المسلمين إلى الرجعة [ويقول] (4) :" أين يا عباد الله؟ إلي أنا رسول الله"، ويقول في تلك الحال:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب ...
وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، ومنهم من قال: ثمانون، فمنهم: أبو بكر، وعمر، رضي الله عنهما، والعباس وعلي، والفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، وأسامة بن زيد، وغيرهم، رضي الله عنهم ثم أمر صلى الله عليه وسلم عمه العباس -وكان جهير الصوت -أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة -يعني شجرة بيعة الرضوان، التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها، على ألا يفروا عنه -فجعل ينادي بهم: يا أصحاب السمرة (5) ويقول تارة: يا أصحاب سورة البقرة، فجعلوا يقولون: يا لبيك، يا لبيك، وانعطف الناس فجعلوا يتراجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع، لبس درعه، ثم انحدر عنه، وأرسله، ورجع بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رجعت (6) شرذمة منهم، أمرهم عليه السلام (7) أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من التراب بعدما دعا ربه واستنصره، وقال: "اللهم أنجز لي ما وعدتني" ثم رمى القوم بها، فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا، فاتبع (8) المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا والأسارى مجدلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار أبي همام، عن أبي عبد الرحمن الفهري -واسمه يزيد بن أسيد، ويقال: يزيد بن أنيس،
__________
(1) في ت، أ: "الذي جاءوا"، وفي د: "الذين جاءوا".
(2) في ت: "بادروهم".
(3) في ت: "الله تعالى".
(4) زيادة من ت، أ.
(5) في ت: "الشجرة".
(6) في د: "اجتمعت".
(7) في أ: "صلى الله عليه وسلم".
(8) في ت، د: "واتبع".

(4/126)


ويقال: كرز -قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، حان الرواح؟ فقال: "أجل". فقال: "يا بلال" فثار من تحت سمرة (1) كأن ظله ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك، وأنا فداؤك (2) فقال: "أسرج لي فرسي". فأخرج سرجا دفتاه من ليف، ليس فيهما أشر ولا بطر.
قال: فأسرج، فركب وركبنا، فصاففناهم عشيتنا وليلتنا، فتشامت الخيلان، فولى المسلمون مدبرين، كما قال الله، عز وجل: ( ثم وليتم مدبرين ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله"، ثم قال: " يا معشر المهاجرين، أنا عبد الله ورسوله". قال: ثم اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه (3) فأخذ كفا من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني: أنه ضرب به وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه". فهزمهم الله عز وجل. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم، عن آبائهم، أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض، كإمرار الحديد على الطست (4) الجديد.
وهكذا رواه الحافظ البيهقي في "دلائل النبوة" من حديث أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة به (5)
وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر عن عبد الله قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل، فاشتدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين، لا يقبل أحد عن أحد، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين يقول: "أيها الناس (6) هلموا إلي أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله" فلا شيء، وركبت الإبل بعضها بعضا (7) فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس قال: "يا عباس، اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة". فأجابوه: لبيك، لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه في عنقه، ويأخذ سيفه وقوسه، ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت آخرا بالخزرج (8) وكانوا صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه (9) فنظر إلى مجتلد القوم، فقال: "الآن حمي الوطيس": قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ملقون، فقتل الله منهم من قتل،
__________
(1) في ت: "شجرة".
(2) في ك: "فداك".
(3) في ت: "قرب".
(4) في ت: "الطشت".
(5) المسند (5/286) ودلائل النبوة (5/141).
(6) في ت: "يأيها الناس".
(7) في ك: "بعض".
(8) في ت: "بالخروج".
(9) في ك، أ: "ركابه".

(4/127)


وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم.
وفي الصحيحين من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، رضي الله عنهما، أنه قال له رجل: يا أبا عمارة، أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إن هوازن كانوا قوما رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وهو يقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب (1)
قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، هو مع ذلك (2) على بغلة وليست سريعة الجري، ولا تصلح لكر ولا لفر ولا لهرب، وهو مع هذا (3) أيضا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله، وتوكلا عليه، وعلما منه بأنه سينصره، ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان؛ ولهذا قال تعالى: ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله ) أي: طمأنينته وثباته على رسوله، ( وعلى المؤمنين ) أي: الذين معه، ( وأنزل جنودا لم تروها ) وهم الملائكة، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير:
[حدثنا القاسم قال] (4) حدثني الحسن بن عرفة قال: حدثني المعتمر بن سليمان، عن عوف -هو ابن أبي جميلة الأعرابي -قال: سمعت عبد الرحمن مولى ابن برثن، حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين (5) لم يقوموا لنا حلب شاة -قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا. قال: فانهزمنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إياها.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي (6) حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحارث بن حصيرة، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال ابن مسعود، رضي الله عنه: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس، وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار، قدمنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يمضي قدما، فحادت بغلته، فمال عن السرج، فقلت: ارتفع رفعك الله. قال: "ناولني كفا من التراب". فناولته، قال: فضرب به وجوههم، فامتلأت أعينهم ترابا، قال: "أين
__________
(1) صحيح البخاري برقم (2864)، وصحيح مسلم برقم (1776).
(2) في ت، د، ك: "وهو مع هذا".
(3) في ت، د، ك: "ذلك"
(4) زيادة من ت، أ، والطبري.
(5) في ت: "يوم حنين في آثارهم".
(6) في ك: "الجرمي".

(4/128)


المهاجرون (1) والأنصار؟" قلت: هم هناك. قال: "اهتف بهم". فهتفت بهم، فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم، كأنها (2) الشهب، وولى المشركون أدبارهم.
ورواه الإمام أحمد في مسنده عن عفان، به نحوه (3)
وقال الوليد بن مسلم: حدثني عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قد عرى، ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري منه -قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائما، عليه درع بيضاء كأنها فضة، يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله -قال: فجئته (4) عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله. فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف، إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه، كأنه برق، فخفت أن تمحشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقري، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "يا شيب، يا شيب (5) ادن مني (6) اللهم أذهب عنه الشيطان". قال: فرفعت إليه بصري، ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقال: "يا شيب (7) قاتل الكفار".
رواه البيهقي من حديث الوليد، فذكره (8) ثم روى من حديث أيوب بن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن شيبة عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكني أبيت أن تظهر هوازن على قريش، فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله، إني أرى خيلا بلقا، فقال: "يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافر". فضرب بيده في (9) صدري، ثم قال: "اللهم، اهد شيبة"، ثم ضربها الثانية، ثم قال: "اللهم، اهد شيبة"، ثم ضربها الثالثة ثم قال: "اللهم اهد شيبة". قال: فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلي منه، وذكر تمام الحديث، في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هزم الله المشركين (10)
قال محمد بن إسحاق: حدثني والدي إسحاق بن يسار، عمن حدثه، عن جبير بن مطعم، رضي الله عنه، قال: إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والناس يقتتلون، إذ نظرت إلى مثل البجاد الأسود يهوي من السماء، حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة.
__________
(1) في ت: "المهاجرين" وهو خطأ.
(2) في ت: "كأنهم".
(3) دلائل النبوة (5/142) والمسند (1/454).
(4) في أ: "ثم جئته".
(5) في أ: "يا شبيب يا شبيب".
(6) في د: "ادن مني يا شيب".
(7) في أ: "يا شبيب".
(8) دلائل النبوة للبيهقي (5/145).
(9) في ت، د، ك، أ: "يده على".
(10) دلائل النبوة للبيهقي (5/146).

(4/129)


وقال سعيد بن السائب بن يسار، عن أبيه قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي -وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد -فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين، فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست (1) فيطن، فيقول (2) كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.
وقد تقدم له شاهد من حديث يزيد بن أبي أسيد (3) فالله أعلم.
وفي صحيح مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق أنبأنا معمر، عن همام قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم" (4)
ولهذا قال تعالى: ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ) (5)
__________
(1) في ت: "الطشت".
(2) في ت: "ثم يقول".
(3) في ت: "أسد".
(4) صحيح مسلم برقم (523).
(5) في ك، أ: "فأنزل" وهو خطأ.

(4/130)


ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27)

{ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27) }
قال ابن جريج، عن مجاهد: هذه أول آية نزلت من [سورة] (1) "براءة".
يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله (2) وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بعددهم ولا بعددهم ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أنزل [الله] (3) نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلا ليعلمهم (4) أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قل الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت يونس يحدث عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة".
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي (5) ثم قال: (6) هذا حديث حسن غريب، لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي عن الزهري، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.
وقد رواه ابن ماجه والبيهقي وغيره، عن أكثم بن الجون، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه (7) والله أعلم.
وقد كانت وقعة: "حنين" بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة، وذلك لما فرغ عليه السلام (8) من فتح مكة، وتمهدت أمورها، وأسلم عامة أهلها، وأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغه أن
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في ت: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(3) زيادة من ت، أ.
(4) في د: "ليعلم".
(5) المسند (1/294) وسنن أبي داود برقم (2611) وسنن الترمذي برقم (1555).
(6) في د: "وقال".
(7) سنن ابن ماجه برقم (2827) وسنن البيهقي الكبرى (9/263) من طريق أبي سلمة العاملي عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأكثم بن الجون، فذكر نحو حديث ابن عباس. وقال البوصيري في الزوائد (2/412): "هذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي سلمة العاملي الأزدي وعبد الملك بن محمد الصنعاني".
(8) في أ: "رسوله الله صلى الله عليه وسلم".

(4/130)


هوازن جمعوا له ليقاتلوه، وأن أميرهم مالك بن عوف النضري، ومعه ثقيف بكمالها، وبنو جشم وبنو سعد بن بكر، وأوزاع من بني هلال، وهم قليل، وناس من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وقد أقبلوا معهم النساء والولدان والشاء والنعم، وجاءوا بقضهم وقضيضهم فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيشه الذي جاء (1) معه للفتح، وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطلقاء في ألفين أيضا، فسار بهم إلى العدو، فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له "حنين"، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح، انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوازن، فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ثاوروهم (2) ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملة رجل واحد، كما أمرهم ملكهم. فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله، عز وجل (3) وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر، يثقلانها لئلا تسرع السير، وهو ينوه باسمه، عليه الصلاة والسلام، ويدعو المسلمين إلى الرجعة [ويقول] (4) أين يا عباد الله؟ إلي أنا رسول الله"، ويقول في تلك الحال:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب ...
وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، ومنهم من قال: ثمانون، فمنهم: أبو بكر، وعمر، رضي الله عنهما، والعباس وعلي، والفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، وأسامة بن زيد، وغيرهم، رضي الله عنهم ثم أمر صلى الله عليه وسلم عمه العباس -وكان جهير الصوت -أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة -يعني شجرة بيعة الرضوان، التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها، على ألا يفروا عنه -فجعل ينادي بهم: يا أصحاب السمرة (5) ويقول تارة: يا أصحاب سورة البقرة، فجعلوا يقولون: يا لبيك، يا لبيك، وانعطف الناس فجعلوا يتراجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع، لبس درعه، ثم انحدر عنه، وأرسله، ورجع بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رجعت (6) شرذمة منهم، أمرهم عليه السلام (7) أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من التراب بعدما دعا ربه واستنصره، وقال: "اللهم أنجز لي ما وعدتني" ثم رمى القوم بها، فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا، فاتبع (8) المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا والأسارى مجدلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار أبي همام، عن أبي عبد الرحمن الفهري -واسمه يزيد بن أسيد، ويقال: يزيد بن أنيس،
__________
(1) في ت، أ: "الذي جاءوا"، وفي د: "الذين جاءوا".
(2) في ت: "بادروهم".
(3) في ت: "الله تعالى".
(4) زيادة من ت، أ.
(5) في ت: "الشجرة".
(6) في د: "اجتمعت".
(7) في أ: "صلى الله عليه وسلم".
(8) في ت، د: "واتبع".

(4/126)


ويقال: كرز -قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، حان الرواح؟ فقال: "أجل". فقال: "يا بلال" فثار من تحت سمرة (1) كأن ظله ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك، وأنا فداؤك (2) فقال: "أسرج لي فرسي". فأخرج سرجا دفتاه من ليف، ليس فيهما أشر ولا بطر.
قال: فأسرج، فركب وركبنا، فصاففناهم عشيتنا وليلتنا، فتشامت الخيلان، فولى المسلمون مدبرين، كما قال الله، عز وجل: { ثم وليتم مدبرين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله"، ثم قال: " يا معشر المهاجرين، أنا عبد الله ورسوله". قال: ثم اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه (3) فأخذ كفا من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني: أنه ضرب به وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه". فهزمهم الله عز وجل. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم، عن آبائهم، أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض، كإمرار الحديد على الطست (4) الجديد.
وهكذا رواه الحافظ البيهقي في "دلائل النبوة" من حديث أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة به (5)
وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر عن عبد الله قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل، فاشتدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين، لا يقبل أحد عن أحد، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين يقول: "أيها الناس (6) هلموا إلي أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله" فلا شيء، وركبت الإبل بعضها بعضا (7) فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس قال: "يا عباس، اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة". فأجابوه: لبيك، لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه في عنقه، ويأخذ سيفه وقوسه، ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت آخرا بالخزرج (8) وكانوا صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه (9) فنظر إلى مجتلد القوم، فقال: "الآن حمي الوطيس": قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ملقون، فقتل الله منهم من قتل،
__________
(1) في ت: "شجرة".
(2) في ك: "فداك".
(3) في ت: "قرب".
(4) في ت: "الطشت".
(5) المسند (5/286) ودلائل النبوة (5/141).
(6) في ت: "يأيها الناس".
(7) في ك: "بعض".
(8) في ت: "بالخروج".
(9) في ك، أ: "ركابه".

(4/127)


وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم.
وفي الصحيحين من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، رضي الله عنهما، أنه قال له رجل: يا أبا عمارة، أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إن هوازن كانوا قوما رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وهو يقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب (1)
قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، هو مع ذلك (2) على بغلة وليست سريعة الجري، ولا تصلح لكر ولا لفر ولا لهرب، وهو مع هذا (3) أيضا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله، وتوكلا عليه، وعلما منه بأنه سينصره، ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان؛ ولهذا قال تعالى: { ثم أنزل الله سكينته على رسوله } أي: طمأنينته وثباته على رسوله، { وعلى المؤمنين } أي: الذين معه، { وأنزل جنودا لم تروها } وهم الملائكة، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير:
[حدثنا القاسم قال] (4) حدثني الحسن بن عرفة قال: حدثني المعتمر بن سليمان، عن عوف -هو ابن أبي جميلة الأعرابي -قال: سمعت عبد الرحمن مولى ابن برثن، حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين (5) لم يقوموا لنا حلب شاة -قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا. قال: فانهزمنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إياها.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي (6) حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحارث بن حصيرة، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال ابن مسعود، رضي الله عنه: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس، وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار، قدمنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يمضي قدما، فحادت بغلته، فمال عن السرج، فقلت: ارتفع رفعك الله. قال: "ناولني كفا من التراب". فناولته، قال: فضرب به وجوههم، فامتلأت أعينهم ترابا، قال: "أين
__________
(1) صحيح البخاري برقم (2864)، وصحيح مسلم برقم (1776).
(2) في ت، د، ك: "وهو مع هذا".
(3) في ت، د، ك: "ذلك"
(4) زيادة من ت، أ، والطبري.
(5) في ت: "يوم حنين في آثارهم".
(6) في ك: "الجرمي".

(4/128)


المهاجرون (1) والأنصار؟" قلت: هم هناك. قال: "اهتف بهم". فهتفت بهم، فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم، كأنها (2) الشهب، وولى المشركون أدبارهم.
ورواه الإمام أحمد في مسنده عن عفان، به نحوه (3)
وقال الوليد بن مسلم: حدثني عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قد عرى، ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري منه -قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائما، عليه درع بيضاء كأنها فضة، يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله -قال: فجئته (4) عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله. فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف، إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه، كأنه برق، فخفت أن تمحشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقري، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "يا شيب، يا شيب (5) ادن مني (6) اللهم أذهب عنه الشيطان". قال: فرفعت إليه بصري، ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقال: "يا شيب (7) قاتل الكفار".
رواه البيهقي من حديث الوليد، فذكره (8) ثم روى من حديث أيوب بن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن شيبة عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكني أبيت أن تظهر هوازن على قريش، فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله، إني أرى خيلا بلقا، فقال: "يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافر". فضرب بيده في (9) صدري، ثم قال: "اللهم، اهد شيبة"، ثم ضربها الثانية، ثم قال: "اللهم، اهد شيبة"، ثم ضربها الثالثة ثم قال: "اللهم اهد شيبة". قال: فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلي منه، وذكر تمام الحديث، في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هزم الله المشركين (10)
قال محمد بن إسحاق: حدثني والدي إسحاق بن يسار، عمن حدثه، عن جبير بن مطعم، رضي الله عنه، قال: إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والناس يقتتلون، إذ نظرت إلى مثل البجاد الأسود يهوي من السماء، حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة.
__________
(1) في ت: "المهاجرين" وهو خطأ.
(2) في ت: "كأنهم".
(3) دلائل النبوة (5/142) والمسند (1/454).
(4) في أ: "ثم جئته".
(5) في أ: "يا شبيب يا شبيب".
(6) في د: "ادن مني يا شيب".
(7) في أ: "يا شبيب".
(8) دلائل النبوة للبيهقي (5/145).
(9) في ت، د، ك، أ: "يده على".
(10) دلائل النبوة للبيهقي (5/146).

(4/129)


يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (28) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29)

وقال سعيد بن السائب بن يسار، عن أبيه قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي -وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد -فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين، فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست (1) فيطن، فيقول (2) كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.
وقد تقدم له شاهد من حديث يزيد بن أبي أسيد (3) فالله أعلم.
وفي صحيح مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق أنبأنا معمر، عن همام قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم" (4)
ولهذا قال تعالى: { ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين } (5)
وقوله: { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم } قد تاب الله على بقية هوازن، وأسلموا وقدموا عليه مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوما، فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فرده عليهم، وقسم أموالهم بين الغانمين، ونفل أناسا من الطلقاء ليتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مائة مائة من الإبل، وكان من جملة من أعطي مائة مالك بن عوف النضري، واستعمله على قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في الناس كلهم بمثل محمد ...
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... ومتى تشأ يخبرك عما في غد ...
وإذا الكتيبة عردت أنيابها ... بالسمهري وضرب كل مهند ...
فكأنه ليث على أشباله ... وسط الهباءة (6) خادر في مرصد
{ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (28) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29) }
أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين، الذين هم نجس دينا، عن المسجد
__________
(1) في ت: "الطشت".
(2) في ت: "ثم يقول".
(3) في ت: "أسد".
(4) صحيح مسلم برقم (523).
(5) في ك، أ: "فأنزل" وهو خطأ.
(6) في ت، د: "المياه"، وفي أ: "المناة".

(4/130)


الحرام، وألا يقربوه بعد نزول هذه الآية. وكان نزولها في سنة تسع؛ ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا صحبة أبي بكر، رضي الله عنهما، عامئذ، وأمره أن ينادي في المشركين: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف (1) بالبيت عريان. فأتم الله ذلك، وحكم به شرعا وقدرا.
وقال عبد الرازق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } إلا أن يكون عبدا، أو أحدا من أهل الذمة (2)
وقد روي مرفوعا من وجه آخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا حسين (3) حدثنا شريك، عن الأشعث -يعني: ابن سوار -عن الحسن، عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك، إلا أهل العهد وخدمهم (4) " (5)
تفرد به أحمد مرفوعا، والموقوف أصح إسنادا.
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: كتب عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله: { إنما المشركون نجس }
وقال عطاء: الحرم كله مسجد، لقوله تعالى: { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } .
ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما دلت [على طهارة المؤمن، ولما] (6) ورد في [الحديث] (7) الصحيح: "المؤمن لا ينجس" (8) وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم.
وقال أشعث، عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ. رواه ابن جرير.
وقوله: { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } قال ابن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا: لتنقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن (9) التجارة وليذهبن ما كنا نصيب فيها من المرافق، فنزلت (10) { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } من وجه غير ذلك -{ إن شاء } إلى قوله: { وهم صاغرون } أي: إن هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، فعوضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك، ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب، من الجزية.
__________
(1) في ت، أ: "يطوفن".
(2) تفسير عبد الرزاق (1/245).
(3) في أ: "حسن".
(4) في ت، أ: "وخدمكم".
(5) المسند (3/392) وقال الهيثمي في المجمع (4/10): "فيه أشعث بن سوار وفيه ضعف وقد وثق".
(6) زيادة من ك، أ.
(7) زيادة من ك، أ.
(8) صحيح البخاري برقم (283) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: "إن المسلم لا ينجس".
(9) في ت: "وليمكن".
(10) في ك، أ: "فنزل".

(4/131)


وهكذا روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة والضحاك، وغيرهم.
{ إن الله عليم } أي: بما يصلحكم، { حكيم } أي: فيما يأمر به وينهى عنه؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره، تبارك وتعالى؛ ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة، فقال: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم (1) لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل، ولا بما جاءوا به، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله ودينه؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانا صحيحا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد، صلوات الله عليه، لأن جميع الأنبياء [الأقدمين] (2) بشروا به، وأمروا باتباعه، فلما جاء وكفروا (3) به، وهو أشرف الرسل، علم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند الله، بل لحظوظهم وأهوائهم، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء، وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم؛ ولهذا قال: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب } وهذه الآية الكريمة [نزلت] (4) أول الأمر بقتال أهل الكتاب، بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجا، فلما استقامت (5) جزيرة العرب أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع؛ ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم، فأوعبوا معه، واجتمع من المقاتلة (6) نحو [من] (7) ثلاثين ألفا، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم، وكان ذلك في عام جدب، ووقت قيظ وحر، وخرج، عليه السلام، يريد الشام لقتال الروم، فبلغ تبوك، فنزل بها وأقام على مائها (8) قريبا من عشرين يوما، ثم استخار الله في الرجوع، فرجع عامه ذلك لضيق الحال وضعف الناس، كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله.
وقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى أنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، أو من أشباههم كالمجوس، لما (9) صح فيهم الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر (10) وهذا مذهب الشافعي، وأحمد -في المشهور عنه -وقال أبو حنيفة، رحمه الله: بل تؤخذ من جميع الأعاجم، سواء كانوا (11) من أهل الكتاب أو من المشركين، ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب.
وقال الإمام مالك: بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار من كتابي، ومجوسي، ووثني،
__________
(1) في ك: "صلوات الله وسلامه عليه".
(2) زيادة من أ.
(3) في أ: "فلما جاءوا كفروا".
(4) زيادة من ت، أ.
(5) في جمع النسخ: "واستقامت"، وصوبناه ليستقيم النص.
(6) في ك: "القابلة".
(7) زيادة من ت، ك، أ.
(8) في د: "وأقام بها قريبا".
(9) في ت، د، ك: "كما".
(10) في هـ: "من هجر"، وفي أ: "من يهود هجر" والمثبت من ت، ك، أ.
(11) في ك: "سواء أن كانوا".

(4/132)


وغير ذلك، ولمأخذ هذه المذاهب وذكر أدلتها مكان غير هذا، والله أعلم.
وقوله: { حتى يعطوا الجزية } أي: إن لم يسلموا، { عن يد } أي: عن قهر لهم وغلبة، { وهم صاغرون } أي: ذليلون حقيرون مهانون. فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صغرة أشقياء، كما جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" (1)
ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم، وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ، من رواية (2) عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: كتبت لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين صالح نصارى من أهل الشام:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا (3) وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة، ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي منها ما كان خطط (4) المسلمين، وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ينزل من مر بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نأوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسا، ولا نكتم غشا للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركا، ولا ندعو إليه أحدا؛ ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم، في قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقاديم رءوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وألا نظهر الصليب على كنائسنا، وألا نظهر صلبنا ولا كتبنا (5) في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيا، وألا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانين ولا باعوثا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين، ولا نطلع عليهم في منازلهم.
__________
(1) صحيح مسلم برقم (2167).
(2) في ت، ك، أ: "حديث".
(3) في ت، أ: "وذرياتنا".
(4) في ت، أ: "ما كان في خطط".
(5) في أ: "صليبا ولا كساء".

(4/133)


وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31)

قال: فلما أتيت عمر بالكتاب، زاد فيه: ولا نضرب أحدا من المسلمين، شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.
{ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) }
وهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال المشركين الكفار من اليهود والنصارى، لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة، والفرية على الله تعالى، فأما اليهود فقالوا في العزير: "إنه ابن الله" ، تعالى [الله] (1) عن ذلك علوا كبيرا. وذكر السدي وغيره أن الشبهة التي حصلت لهم في ذلك، أن العمالقة لما غلبت على بني إسرائيل، فقتلوا علماءهم وسبوا كبارهم، بقي العزير يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم، حتى سقطت جفون عينيه، فبينا هو ذات يوم إذ مر على جبانة، وإذ (2) امرأة تبكي عند قبر وهي تقول: وامطعماه! واكاسياه! [فقال لها ويحك] (3) من كان يطعمك قبل هذا؟ قالت: الله. قال: فإن الله حي لا يموت! قالت: يا عزير فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي عليهم؟ فعرف أنه شيء قد وعظ به. ثم قيل له: اذهب إلى نهر كذا فاغتسل منه، وصل هناك ركعتين، فإنك ستلقى هناك شيخا، فما أطعمك فكله. فذهب ففعل ما أمر به، فإذا شيخ فقال له: افتح فمك. ففتح فمه. فألقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة، ثلاث مرات، فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة، فقال: يا بني إسرائيل، قد جئتكم بالتوراة. فقالوا: يا عزير، ما كنت كذابا. فعمد فربط على إصبع من أصابعه قلما، وكتب التوراة بإصبعه كلها، فلما تراجع الناس من عدوهم ورجع العلماء، وأخبروا بشأن عزير، فاستخرجوا النسخ التي كانوا أودعوها في الجبال، وقابلوها (4) بها، فوجدوا ما جاء به صحيحا، فقال بعض جهلتهم: إنما صنع هذا لأنه ابن الله.
وأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر؛ ولهذا كذب الله سبحانه الطائفتين فقال: { ذلك قولهم بأفواههم } أي: لا مستند لهم فيما ادعوه سوى افترائهم واختلاقهم، { يضاهئون } أي: يشابهون { قول الذين كفروا من قبل } أي: من قبلهم من الأمم، ضلوا كما ضل هؤلاء، { قاتلهم الله } وقال ابن عباس: لعنهم الله، { أنى يؤفكون } ؟ أي: كيف يضلون عن الحق، وهو ظاهر، ويعدلون إلى الباطل؟
__________
(1) زيادة من ت، ك.
(2) في ت، د: "وإذا".
(3) زيادة من ت، د، أ.
(4) في ت، د، ك: "وقابلوه".

(4/134)


[وقوله] (1) { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم } روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن جرير من طرق، عن عدي بن حاتم، رضي الله عنه، أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها، ورغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عدي المدينة، وكان رئيسا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: "بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا (2) لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم". وقال (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عدي، ما تقول؟ أيفرك (4) أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ما يفرك؟ أيفرك أن يقال (5) لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله إلا الله"؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم، وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال: "إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" (6)
وهكذا قال حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وغيرهما في تفسير: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا.
وقال السدي: استنصحوا الرجال، وتركوا (7) كتاب الله وراء ظهورهم.
ولهذا قال تعالى: { وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا } أي: الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله حل، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ.
{ لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } أي: تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في ت، د، ك: "وحللوا".
(3) في ت، د، ك: "وقال له".
(4) في أ: "أيسرك".
(5) في أ: "ما نقول أيسرك".
(6) سنن الترمذي برقم (3095) وتفسير الطبري (14/ 209 - 211) من طريق عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث".
(7) في د: "ونبذوا".

(4/135)


يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33)

{ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33) }

(4/135)


يقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب { أن يطفئوا نور الله } (1) أي: ما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل الله به رسوله لا بد أن يتم ويظهر؛ ولهذا قال تعالى مقابلا لهم فيما راموه وأرادوه: { ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون }
والكافر: هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ومنه سمي الليل "كافرا"؛ لأنه يستر الأشياء، والزارع كافرا؛ لأنه يغطي الحب في الأرض كما قال: { أعجب الكفار نباته } [الحديد: 20] (2)
ثم قال تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } فالهدى: هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة، والإيمان الصحيح، والعلم النافع -ودين الحق: هي الأعمال [الصالحة] (3) الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة.
{ ليظهره على الدين كله } أي: على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيح، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها" (4)
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن أبي يعقوب: سمعت شقيق بن حيان يحدث عن مسعود بن قبيصة -أو: قبيصة بن مسعود -يقول: صلى هذا الحي من "محارب" الصبح، فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه سيفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار، إلا من اتقى الله وأدى الأمانة" (5)
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا سليم بن عامر، عن تميم الداري، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر"، فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية (6)
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني ابن جابر، سمعت سليم بن عامر قال: سمعت المقداد بن الأسود يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز، أو بذل ذليل، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها" (7)
__________
(1) في ت، أ: "ليطفئوا" وهو خطأ.
(2) في جميع النسخ: "يعجب" والصواب ما أثبتناه.
(3) زيادة من ك.
(4) صحيح مسلم برقم (2889) من حديث ثوبان رضي الله عنه.
(5) المسند (5/366).
(6) المسند (4/103) وقال الهيثمي في المجمع (6/14): "رجال أحمد رجال الصحيح".
(7) المسند (6/4) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (1631) "موارد" من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم عن الوليد بن مسلم به.

(4/136)


يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35)

وفي المسند أيضا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي حذيفة، عن عدي بن حاتم سمعه (1) يقول: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عدي، أسلم تسلم". فقلت: إني من أهل دين. قال: "أنا أعلم بدينك منك". فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: "نعم، ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك؟". قلت: بلى. قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك". قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، قال: "أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟" قلت: لم أرها، وقد سمعت بها. قال: "فوالذي نفسي بيده، ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن (2) كنوز كسرى بن هرمز". قلت: كسرى بن هرمز؟. قال: "نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد". قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده، لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها (3) .
وقال مسلم: حدثنا أبو معن زيد بن يزيد الرقاشي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى". فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله، عز وجل: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } إلى قوله: { ولو كره المشركون } أن ذلك تام، قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، عز وجل، ثم يبعث الله ريحا طيبة [فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان] (4) فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" (5)
{ يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) }
قال السدي: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى.
وهو كما قال، فإن الأحبار هم علماء اليهود، كما قال تعالى: { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت } [المائدة: 63]
__________
(1) في ت، أ: "سمعته".
(2) في ت، أ: "وليفتحن".
(3) المسند (4/377 ، 378) وكأن الحافظ اختصره هنا.
(4) زيادة من ت، ك، أ، ومسلم.
(5) صحيح مسلم برقم (2907).

(4/137)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية