صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ]
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195)

لي استواء إن موالى استوا ... لي التواء إن تعادى التوا ...
وقال غيره:
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج ...
ومن رام تقويمي فإني مقوم ... ومن رام تعويجي فإني معوج ...
وقوله: { واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين } أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخبار بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.
{ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (195) }
قال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان قال: سمعت أبا وائل، عن حذيفة: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال: نزلت في النفقة (1) .
ورواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن أبي معاوية عن الأعمش، به مثله. قال: وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك.
وقال الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره، حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما. فنزل (2) فينا: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فكانت التهلكة [في] (3) الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد.
رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وعبد بن حميد في تفسيره، وابن أبي حاتم، وابن جرير (4) وابن مردويه، والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب، به (5) .
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا (6) بالقسطنطينية -وعلى أهل مصر عقبة بن عامر؛
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4516).
(2) في جـ: "فنقيم فيهم فنزلت".
(3) زيادة من و.
(4) في جـ: "وابن جرير وابن أبي حاتم".
(5) سنن أبي داود برقم (2512) وسنن الترمذي برقم (2972) وسنن النسائي الكبرى برقم (11029) وتفسير الطبري (3/590) وصحيح ابن حبان برقم (1667) "موارد" والمستدرك (2/275).
(6) في جـ: "إنا كنا".

(1/528)


وعلى أهل الشام رجل، يريد بن فضالة بن عبيد -فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم: ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه فقالوا: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، وإنا لما أعز الله دينه، وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها. فأنزل الله هذه الآية.
وقال أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال رجل للبراء بن عازب: إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا قال الله لرسوله: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } [النساء: 84]، إنما هذا في النفقة. رواه ابن مردويه وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، به. وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (1) . ورواه الثوري، وقيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن البراء -فذكره. وقال بعد قوله: { لا تكلف إلا نفسك } ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب، فيلقي بيده إلى التهلكة ولا يتوب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح -كاتب الليث -حدثني الليث، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره: أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فرده، وقال عمرو: قال الله: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }
وقال عطاء بن السائب (2) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ليس (3) ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله. ولا تلق بيدك إلى التهلكة.
وقال حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك بن أبي جبيرة (4) قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة، فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله فنزلت: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }
وقال الحسن البصري: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال: هو البخل.
وقال سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير في قوله: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أن يذنب الرجل الذنب، فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } رواه ابن مردويه.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيدة السلماني، والحسن، وابن سيرين، وأبي قلابة -نحو ذلك. يعني: نحو قول النعمان بن بشير: إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي: يستكثر من الذنوب فيهلك. ولهذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:
__________
(1) المستدرك (2/275).
(2) في أ: "عطاء بن أبي السائب".
(3) في جـ: "وليس".
(4) في أ: "بن أبي صبرة".

(1/529)


وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب (196)

التهلكة: عذاب الله.
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي: أنه كان يقول في هذه الآية: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال: كان القوم في سبيل الله، فيتزود الرجل. فكان أفضل زادا من الآخر، أنفق البائس (1) من زاده، حتى لا يبقى من زاده شيء، أحب أن يواسي صاحبه، فأنزل الله: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } (2) .
وقال (3) ابن وهب أيضا: أخبرني عبد الله بن عياش (4) عن زيد بن أسلم في قول الله: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } وذلك أن رجالا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بغير نفقة، فإما يقطع بهم، وإما كانوا عيالا فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع أو العطش أو من المشي . وقال لمن بيده فضل: { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين }
ومضمون الآية: الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة (5) صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار إن (6) لزمه واعتاده. ثم عطف بالأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال: { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين }
{ وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب (196) }
لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك، فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما (7) ؛ ولهذا قال بعده: { فإن أحصرتم } أي: صددتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما. ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء. وقد ذكرناهما
__________
(1) في جـ، ط، و: "أنفقوا الباقين".
(2) تفسير الطبري (3/584).
(3) في جـ، ط، أ: "وبه قال".
(4) في أ: "بن عباس".
(5) في جـ: "وحاصله".
(6) في جـ: "كمن"، وفي ط، أ: "لمن".
(7) في ط: "فيها".

(1/530)


بدلائلهما في كتابنا "الأحكام" مستقصى (1) ولله الحمد والمنة.
وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي: أنه قال في هذه الآية: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال: أن تحرم من دويرة أهلك.
وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس. وعن سفيان الثوري أنه قال في هذه الآية: إتمامهما (2) أن تحرم من أهلك، لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له، ولا تخرج لغيره.
وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعا من الميقات.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله (3) : { وأتموا الحج والعمرة لله } [قال] (4) : من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحج؛ إن الله تعالى يقول: { الحج أشهر معلومات } .
وقال هشيم عن ابن عون قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة (5) فقيل له: العمرة في المحرم؟ قال: كانوا يرونها تامة. وكذا روي عن قتادة بن دعامة، رحمهما الله.
وهذا القول فيه نظر؛ لأنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة: عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معا في ذي القعدة سنة عشر، ولا اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانئ (6) "عمرة في رمضان تعدل حجة معي" (7) . وما ذاك إلا لأنها [كانت] (8) قد عزمت على الحج معه، عليه السلام، فاعتاقت عن ذلك بسبب الطهر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها، والله أعلم.
وقال السدي في قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } أي: أقيموا الحج والعمرة. وقال علي بن أبي طلحة (9) عن ابن عباس في قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } يقول: من أحرم بالحج أو بالعمرة (10) فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام الحج يوم النحر، إذا رمى جمرة العقبة، وطاف (11) بالبيت، وبالصفا، والمروة، فقد حل.
وقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف. وكذا روى الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة في قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال: هي [في] (12) قراءة عبد الله:
__________
(1) في جـ: "المستقصى".
(2) في جـ: "تمامهما".
(3) في جـ: "في قوله".
(4) زيادة من جـ.
(5) في جـ: "تامة"، وفي أ: "بتمامها".
(6) في جـ، ط، أ: "ولكن قال لتلك المرأة".
(7) كذا وقع هنا أم هانئ وهو وهم، والصواب: أم سنان، والحديث في صحيح البخاري برقم (1863).
(8) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(9) في أ: "ابن أبي صالح".
(10) في جـ، ط: "بحج أو عمرة".
(11) في جـ، ط، و: "وزار".
(12) زيادة من أ.

(1/531)


"وأقيموا (1) الحج والعمرة إلى البيت" لا تجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد ابن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس.
وقال سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قال: "وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت" وكذا روى الثوري أيضا عن إبراهيم، عن منصور، عن إبراهيم أنه قرأ: "وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت".
وقرأ الشعبي: "وأتموا (2) الحج والعمرة لله" برفع العمرة، وقال: ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك.
وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة، عن أنس وجماعة من الصحابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: "من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة" (3) .
وقال في الصحيح أيضا: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة".
وقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثا غريبا فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن صفوان بن أمية أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرنى يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله: { وأتموا الحج والعمرة لله } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين السائل عن العمرة؟ " فقال: ها أنا ذا. فقال له: "ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل، واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك" (4) هذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين، عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاءه الوحي، ثم رفع رأسه فقال: "أين السائل؟ " فقال: ها أنا ذا، فقال: "أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك" (5) . ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق (6) ولا ذكر نزول الآية (7) ، وهو عن يعلى بن أمية، لا [عن] (8) صفوان بن أمية، والله أعلم.
وقوله: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست، أي عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة: أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة، وأن يتحللوا من
__________
(1) في أ، و: "وأتموا".
(2) في جـ: "وأقيموا".
(3) صحيح مسلم برقم (1236) من حديث أسماء رضي الله عنها.
(4) صحيح مسلم برقم (1218) من حديث جابر رضي الله عنه.
(5) ورواه ابن عبد البر في التمهيد (2/251) من طريق محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن صفوان بن أمية به.
(6) في جـ: "ولا الاستنشاق".
(7) في ط: "نزول الحق".
(8) زيادة من جـ، ط.

(1/532)


إحرامهم، فعند ذلك أمرهم عليه السلام بأن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا. فلم يفعلوا انتظارا للنسخ حتى خرج فحلق رأسه، ففعل الناس وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: "رحم الله المحلقين". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الثالثة: "والمقصرين" (1) . وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك، كل سبعة في بدنة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل: بل كانوا على طرف الحرم، فالله أعلم.
ولهذا اختلف العلماء هل يختص الحصر بالعدو، فلا يتحلل إلا من حصره عدو، لا مرض ولا غيره؟ على قولين:
فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، وابن أبي نجيح [ومجاهد] (2) عن ابن عباس، أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى: { فإذا أمنتم } فليس الأمن حصرا.
قال: وروي عن ابن عمر، وطاوس، والزهري، وزيد بن أسلم، نحو ذلك.
والقول الثاني: أن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال -وهو التوهان عن الطريق أو نحو ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حجاج بن الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو (3) الأنصاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى".
قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا صدق.
وأخرجه (4) أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير، به (5) . وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: من عرج أو كسر أو مرض -فذكر معناه. ورواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن علية، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف، به. ثم قال: وروي عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا: الإحصار من عدو، أو مرض، أو كسر.
وقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه. وثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال: "حجي واشترطي: أن محلي حيث حبستني" (6) . ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله (7) . فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث. وقد علق الإمام محمد بن إدريس
__________
(1) رواه مسلم في صحيحه برقم (1301) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
(2) زيادة من جـ، ط.
(3) في أ: "بن عمر".
(4) في جـ: "وقد أخرجه".
(5) المسند (3/450) وسنن أبي داود برقم (1862) وسنن الترمذي برقم (940) وسنن النسائي (5/ 198) وسنن ابن ماجة برقم (3078).
(6) صحيح البخاري برقم (5089) وصحيح مسلم برقم (1207).
(7) صحيح مسلم برقم (1208).

(1/533)


الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث. قال البيهقي وغيره من الحفاظ: فقد صح، ولله الحمد.
وقوله: { فما استيسر من الهدي } قال الإمام مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي ابن أبي طالب أنه كان يقول: { فما استيسر من الهدي } شاة. وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية: من الإبل والبقر والمعز والضأن.
وقال الثوري، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: { فما استيسر من الهدي } قال: شاة. وكذا قال عطاء، ومجاهد، وطاوس، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم مثل ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر.
قال: وروي عن سالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير -نحو ذلك.
قلت: والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قضية (1) الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذاك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر، ففي الصحيحين عن جابر قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة (2) .
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: { فما استيسر من الهدي } قال: بقدر يسارته (3) .
وقال العوفي، عن ابن عباس: إن كان موسرا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم. وقال هشام بن عروة، عن أبيه: { فما استيسر من الهدي } قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء.
والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار: أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي: مهما تيسر مما يسمى هديا، والهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قاله الحبر البحر (4) ترجمان القرآن وابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، قالت: أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مرة غنما (5) .
وقوله: { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } معطوف على قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } وليس معطوفا على قوله: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } كما زعمه ابن جرير، رحمه الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق { حتى يبلغ الهدي محله }
__________
(1) في جـ، أ: "قصة".
(2) صحيح مسلم برقم (1318).
(3) في أ: "يساره".
(4) في ط: "البحر الحبر".
(5) صحيح البخاري برقم (1701) وصحيح مسلم برقم (1321).

(1/534)


ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة، إن كان قارنا، أو من فعل أحدهما إن كان مفردا أو متمتعا، كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن (1) الناس حلوا من العمرة، ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر" (2) .
وقوله: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني: سمعت عبد الله بن معقل، قال: فعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -يعني مسجد الكوفة -فسألته عن { ففدية من صيام } فقال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي. فقال: "ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا! أما تجد شاة؟ " قلت: لا. قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك". فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة (3) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: أتى علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت قدر، والقمل يتناثر على وجهي -أو قال: حاجبي -فقال: "يؤذيك (4) هوام رأسك؟ ". قلت: نعم. قال: "فاحلقه، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة". قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ (5) .
وقال أحمد أيضا: حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر (6) عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية، ونحن محرمون وقد حصره المشركون (7) وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر بي رسول الله (8) صلى الله عليه وسلم فقال: "أيؤذيك هوام رأسك؟ " فأمره أن يحلق. قال: ونزلت هذه الآية: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } (9) .
وكذا رواه عفان، عن شعبة، عن أبي بشر، وهو جعفر بن إياس، به. وعن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، به (10) . وعن شعبة، عن داود، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة، نحوه.
ورواه الإمام مالك عن حميد بن قيس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب ابن عجرة -فذكر نحوه (11) .
وقال سعد (12) بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري: أنه
__________
(1) في جـ: "ما بال".
(2) صحيح البخاري برقم (1725) وصحيح مسلم برقم (1229).
(3) صحيح البخاري برقم (4517).
(4) في جـ: "أيؤذيك".
(5) المسند (4/241).
(6) في جـ: "حدثنا يونس".
(7) في جـ: "العدو".
(8) في جـ، ط، أ: "فمر بي النبي".
(9) المسند (4/241).
(10) رواه أحمد في المسند كما في أطرافه لابن حجر (5/219).
(11) الموطأ (1/417).
(12) في طـ، أ: "وقال سعيد".

(1/535)


سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة. رواه ابن مردويه. وروي أيضا من حديث عمر بن قيس، سندل -وهو ضعيف (1) -عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام (2) فرق، بين ستة" (3) .
وكذا روي عن علي، ومحمد بن كعب، وعكرمة (4) وإبراهيم [النخعي] (5) ومجاهد، وعطاء، والسدي، والربيع بن أنس.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد الله بن وهب: أن مالك بن أنس حدثه (6) عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب ابن عجرة: أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه، وقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، مدين مدين لكل إنسان، أو انسك شاة، أي ذلك فعلت أجزأ عنك" (7) .
وهكذا روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قال: إذا كان "أو" فأيه أخذت أجزأ عنك.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء، وطاوس، والحسن، وحميد الأعرج، وإبراهيم النخعي، والضحاك، نحو ذلك.
قلت: وهو مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء أنه يخير (8) في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدق بفرق، وهو ثلاثة آصع، لكل مسكين نصف صاع، وهو مدان، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء، أي ذلك فعل أجزأه. ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل، فالأفضل فقال: انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين أو صم ثلاثة أيام. فكل حسن في مقامه. ولله الحمد والمنة.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش قال: ذكر الأعمش قال: سأل إبراهيم سعيد بن جبير عن هذه الآية: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } فأجابه يقول: يحكم عليه طعام، فإن كان عنده اشترى شاة، وإن لم يكن قومت الشاة دراهم، وجعل مكانها طعام فتصدق، وإلا صام بكل نصف صاع يوما، قال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر. قال: لما قال لي سعيد بن جبير: من هذا؟ ما أظرفه! قال: قلت: هذا إبراهيم. فقال: ما أظرفه! كان يجالسنا. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، قال: فلما قلت: "يجالسنا" انتفض منها (9) .
__________
(1) في جـ: "سنده عنه ضعيف".
(2) في جـ: "والإطعام".
(3) ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/515) وعزاه لابن مردويه والواحدي.
(4) في جـ، ط، أ: "وعلقمة".
(5) زيادة من جـ، ط.
(6) في جـ: "حدثهم".
(7) الحديث في الموطأ (1/417).
(8) في جـ، ط: "مخيرا"، وفي و: "محير".
(9) تفسير الطبري (4/74).

(1/536)


وقال ابن جرير أيضا: حدثنا ابن أبي عمران، حدثنا عبيد الله (1) بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه، حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، كل مسكين مكوكين: مكوكا من تمر، ومكوكا من بر، والنسك شاة.
وقال قتادة، عن الحسن وعكرمة في قوله: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قال: إطعام عشرة مساكين.
وهذان القولان من سعيد بن جبير، وعلقمة، والحسن، وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر؛ لأنه قد ثبتت السنة في حديث كعب بن عجرة بصيام ثلاثة أيام، [لا عشرة و] (2) لا ستة، أو إطعام ستة مساكين أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دل عليه سياق القرآن. وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد، كما هو نص القرآن. وعليه أجمع الفقهاء هناك، بخلاف هذا، والله أعلم.
وقال هشيم: أخبرنا ليث، عن طاوس: أنه كان يقول: ما كان من دم أو طعام (3) فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء. وكذا قال عطاء، ومجاهد، والحسن.
وقال هشيم: أخبرنا حجاج وعبد الملك وغيرهما عن عطاء: أنه كان يقول: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء.
وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، أخبرنا أبو أسماء مولى ابن جعفر، قال: حج عثمان بن عفان، ومعه علي والحسين (4) بن علي، فارتحل عثمان. قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر، فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه، قال: فقلت: أيها النؤوم (5) . فاستيقظ، فإذا الحسين (6) بن علي. قال: فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا قال: فأرسل إلى علي ومعه أسماء بنت عميس. قال: فمرضناه نحوا من عشرين ليلة. قال: قال علي للحسين: ما الذي تجد؟ قال: فأومأ بيده إلى رأسه. قال: فأمر به علي فحلق رأسه، ثم دعا ببدنة فنحرها. فإن كانت هذه الناقة عن الحلق ففيه أنه نحرها دون مكة. وإن كانت عن (7) التحلل فواضح.
وقوله: { فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } أي: إذا تمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم متمتعا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولا فلما فرغ منها أحرم بالحج وهذا هو التمتع الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء. والتمتع العام يشمل القسمين، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح، فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وآخر يقول: قرن. ولا خلاف أنه ساق الهدي (8) .
وقال تعالى: { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } أي: فليذبح ما قدر عليه من الهدي، وأقله شاة، وله أن يذبح البقر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر. وقال الأوزاعي،
__________
(1) في جـ، أ: "عبد الله".
(2) زيادة من جـ، أ.
(3) في جـ: "أو إطعام".
(4) في جـ: "الحسن".
(5) في أ: "أيها النائم".
(6) في جـ: "الحسن".
(7) في أ: "من".
(8) في أ، و: "أنه ساق هديا".

(1/537)


عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة (1) عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح بقرة عن نسائه، وكن متمتعات. رواه أبو بكر بن مردويه (2) .
وفي هذا دليل على شرعية (3) التمتع، كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة (4) في كتاب الله، وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها، حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء (5) . قال البخاري: يقال: إنه عمر. وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحا به أن عمر، رضي الله عنه، كان ينهى الناس عن التمتع، ويقول: إن (6) نأخذ بكتاب الله فإن الله يأمر بالتمام. يعني قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } وفي نفس الأمر لم يكن عمر، رضي الله عنه، ينهى عنها محرما لها، إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين، كما قد صرح به، رضي الله عنه.
وقوله: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } يقول تعالى: فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج، أي: في أيام المناسك. قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر (7) ، قاله عطاء. أو من حين يحرم، قاله ابن عباس وغيره، لقوله: { في الحج } ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد. وجوز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وعطاء، وطاوس، والحكم، والحسن، وحماد، وإبراهيم، وأبو جعفر الباقر، والربيع، ومقاتل بن حيان. وقال العوفي، عن ابن عباس: إذا لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا رجع إلى أهله. وكذا روى أبو إسحاق عن وبرة، عن ابن عمر، قال: يصوم يوما قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. وكذا روى عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أيضا.
فلو لم يصمها أو بعضها قبل [يوم] (8) العيد فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء، وهما للإمام الشافعي أيضا، القديم منهما أنه يجوز له صيامها لقول عائشة وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن (9) إلا لمن لا يجد الهدي (10) . وكذا رواه مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وعن سالم، عن ابن عمر [إنما قالوا ذلك لعموم قوله: { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة } ] (11) . (12) وقد روي من غير وجه عنهما. ورواه سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام
__________
(1) في هـ: "أبي مسلم"، والصواب ما أثبتناه من جـ، أ.
(2) ورواه أبو داود في السنن برقم (1751) من طريق الوليد عن الأوزاعي به.
(3) في جـ: "على مشروعية".
(4) في أ: "آية التمتع".
(5) صحيح البخاري برقم (4518) وصحيح مسلم برقم (1226).
(6) في أ: "إنا".
(7) في أ: "في العشرة".
(8) زيادة من أ.
(9) في أ: "أن يصوم".
(10) صحيح البخاري برقم (1997).
(11) زيادة من جـ، أ.
(12) الموطأ: (1/426).

(1/538)


التشريق. وبهذا يقول عبيد بن عمير الليثي (1) وعكرمة، والحسن البصري، وعروة بن الزبير؛ وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: { فصيام ثلاثة أيام في الحج } والجديد من القولين: أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق، لما رواه مسلم عن نبيشة (2) الهذلي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله" (3) .
وقوله: { وسبعة إذا رجعتم } فيه قولان:
أحدهما: إذا رجعتم في الطريق. ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق. وكذا قال عطاء بن أبي رباح.
والقول الثاني: إذا رجعتم إلى أوطانكم؛ قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سالم، سمعت ابن عمر قال: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } قال: إذا رجع إلى أهله (4) ، وكذا روي عن سعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والزهري، والربيع بن أنس. وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإجماع.
وقد قال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج. فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل (5) ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله". وذكر تمام الحديث (6) .
قال الزهري: وأخبرني عروة، عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه والحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري، به (7) .
وقوله: { تلك عشرة كاملة } قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني وكتبت بيدي. وقال الله تعالى: { ولا طائر يطير بجناحيه } [الأنعام: 38] وقال: { ولا تخطه بيمينك } [العنكبوت: 48]، وقال: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة } [الأعراف: 142].
وقيل: معنى { كاملة } الأمر بإكمالها وإتمامها، اختاره ابن جرير. وقيل: معنى { كاملة } أي: مجزئة عن الهدي. قال (8) هشيم، عن عباد بن راشد، عن الحسن البصري، في قوله: { تلك عشرة كاملة } قال: من الهدي.
__________
(1) في جـ: "المكثي".
(2) في جـ: "عن ابن نبيشة".
(3) صحيح مسلم برقم (1141).
(4) تفسير عبد الرزاق (1/93).
(5) في جـ: "وليتحلل".
(6) صحيح البخاري برقم (1691).
(7) صحيح البخاري برقم (1692) وصحيح مسلم برقم (1228).
(8) في أ: "قاله".

(1/539)


وقوله: { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل فيمن عني بقوله: { لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عني بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم.
حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان -هو الثوري -قال: قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم. وكذا روى ابن المبارك، عن الثوري، وزاد: الجماعة عليه.
وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة، لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديا -أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديا (1) -ثم يهل بعمرة.
وقال عبد الرزاق: حدثنا (2) معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: المتعة للناس -لا لأهل مكة -من لم يكن أهله من الحرم. وذلك قول الله عز وجل: { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس.
وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل، عن عطاء، قال: من كان أهله دون المواقيت، فهو كأهل مكة، لا يتمتع (3) .
وقال عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول، في قوله: { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } قال: من كان دون الميقات.
وقال ابن جريج عن عطاء: { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } قال: عرفة، ومر، وعرنة، وضجنان، والرجيع (4) .
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، سمعت الزهري يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع. وفي رواية عنه: اليوم واليومين. واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا تقصر منها (5) الصلاة؛ لأن من كان كذلك يعد حاضرا لا مسافرا، والله أعلم.
وقوله: { واتقوا الله } أي: فيما أمركم (6) وما نهاكم { واعلموا أن الله شديد العقاب } أي: لمن خالف (7) أمره، وارتكب ما عنه زجره.
__________
(1) في ط: "واديا واديا".
(2) في ط: "أخبرنا".
(3) تفسير عبد الرزاق (1/ 93).
(4) في و: "الضجيع".
(5) في جـ، ط، أ، و: "فيها".
(6) في ط: "فيما أمركم به".
(7) في ط: "لمن خاف".

(1/540)


الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (197)

{ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (197) }
اختلف أهل العربية في قوله: { الحج أشهر معلومات } فقال بعضهم: [تقديره] (1) الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها، وإن كان ذاك صحيحا، والقول بصحة الإحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد
__________
(1) زيادة من جـ، أ، و.

(1/540)


بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وبه يقول إبراهيم النخعي، والثوري، والليث بن سعد. واحتج لهم بقوله تعالى: { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } [البقرة: 189] وبأنه أحد النسكين. فصح الإحرام به في جميع السنة كالعمرة.
وذهب الشافعي، رحمه الله، إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره (1) فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به، وهل ينعقد عمرة؟ فيه قولان عنه. والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس، وجابر، وبه يقول عطاء، وطاوس، ومجاهد، رحمهم الله، والدليل عليه قوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة، وهو أن: وقت الحج أشهر معلومات، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدل على أنه لا يصح قبلها، كميقات الصلاة.
قال الشافعي، رحمه الله: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور (2) الحج، من أجل قول الله: { الحج أشهر معلومات } وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، به. ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين، عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة (3) عن مقسم، عن ابن عباس: أنه قال: من السنة ألا يحرم [بالحج] (4) إلا في أشهر الحج.
وقال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج (5) . وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي: "من السنة كذا" في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول ابن عباس تفسيرا للقرآن، وهو ترجمانه.
وقد ورد فيه حديث مرفوع، قال (6) ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع (7) حدثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج".
وإسناده لا بأس به. لكن (8) رواه الشافعي، والبيهقي من طرق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا (9) .
وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذ مذهب صحابي، يتقوى بقول ابن عباس: "من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره". والله أعلم.
وقوله: { أشهر معلومات } قال البخاري: قال ابن عمر: هي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة (10) . وهذا الذي علقه البخاري عنه بصيغة الجزم رواه ابن جرير موصولا حدثنا أحمد بن
__________
(1) في جـ: "إلا في أشهر الحج".
(2) في أ: "في أشهر".
(3) في أ، و: "بن عيينة".
(4) زيادة من جـ.
(5) صحيح ابن خزيمة برقم (2596).
(6) في جـ: "وقال".
(7) في جـ: "بن نافع".
(8) في جـ: "ولكن".
(9) الأم للشافعي (2/136) والسنن الكبرى للبيهقي (4/343).
(10) صحيح البخاري (3/419) "فتح".

(1/541)


حازم بن أبي غرزة (1) حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: { الحج أشهر معلومات } قال: شوال، وذو القعدة وعشر من ذي الحجة (2) .
إسناد (3) صحيح، وقد رواه الحاكم أيضا في مستدركه، عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله (4) عن نافع، عن ابن عمر -فذكره وقال: على شرط الشيخين (5) .
قلت: وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومكحول، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان. وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وأبي يوسف، وأبي ثور، رحمهم الله. واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصح إطلاق الجمع (6) على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما تقول العرب: "زرته العام، ورأيته اليوم". وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم؛ قال الله تعالى: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } [البقرة: 203] وإنما تعجل في يوم ونصف.
وقال الإمام مالك بن أنس [والشافعي في القديم] (7) :هي (8) :شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله. وهو رواية عن ابن عمر أيضا؛ قال ابن جرير:
حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة.
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج؟ قال: نعم، كان عبد الله يسمي: "شوال وذو القعدة وذو الحجة". قال (9) ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب، وعطاء، وجابر بن عبد الله صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج. وقد حكي هذا أيضا عن طاوس، ومجاهد، وعروة بن الزبير، والربيع بن أنس، وقتادة. وجاء فيه حديث مرفوع، ولكنه موضوع، رواه الحافظ بن مردويه، من طريق حصين بن مخارق -وهو متهم بالوضع -عن يونس بن عبيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحج أشهر معلومات: شوال وذو القعدة وذو الحجة" (10) .
وهذا كما رأيت لا يصح رفعه، والله أعلم.
وفائدة مذهب مالك أنه إلى آخر ذي الحجة، بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية
__________
(1) في جـ: "بن أبي عزرة".
(2) تفسير الطبري (4/116).
(3) في جـ: "إسناده".
(4) في هـ، أ: "عبد الله"، والصواب ما أثبتناه من جـ، ط، و.
(5) المستدرك (2/276).
(6) في ط: "الجميع".
(7) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(8) في جـ: "هو".
(9) في جـ: "وقال".
(10) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (1693) "مجمع البحرين" من طريق محمد بن ثواب عن حصين بن مخارق به.

(1/542)


ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله: الحج أشهر معلومات، ليس فيها عمرة. وهذا إسناد صحيح.
قال ابن جرير: إنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج.
وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد، عن العمرة في أشهر الحج، فقال: كانوا لا يرونها تامة.
قلت: وقد ثبت عن عمر وعثمان، رضي الله عنهما، أنهما كانا يحبان (1) الاعتمار في غير أشهر الحج، وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم.
وقوله: { فمن فرض فيهن الحج } أي: أوجب بإحرامه حجا. فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه. قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض هاهنا الإيجاب والإلزام.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { فمن فرض فيهن الحج } يقول: من أحرم بحج أو عمرة. وقال عطاء: الفرض الإحرام. وكذا قال إبراهيم، والضحاك، وغيرهم.
وقال ابن جريج: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه قال { فمن فرض فيهن الحج } فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وسفيان الثوري، والزهري، ومقاتل بن حيان -نحو ذلك.
وقال طاوس، والقاسم بن محمد: هو التلبية.
وقوله: { فلا رفث } أي: من أحرم بالحج أو العمرة، فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } [البقرة: 187]، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذا التكلم به بحضرة النساء.
قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس: أن نافعا أخبره: أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك: الرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم.
قال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب، مثله.
قال ابن جرير: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس: أنه كان يحدو -وهو محرم -وهو يقول:
وهن يمشين بنا هميسا ... إن يصدق الطير ننل لميسا ...
قال أبو العالية فقلت: تكلم بالرفث وأنت محرم؟! قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (2) .
__________
(1) في أ: "يحثان".
(2) تفسير الطبري (4/126).

(1/543)


ورواه الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس، فذكره.
وقال ابن جرير أيضا: حدثنا ابن أبي عدي، عن عون (1) حدثني زياد بن حصين، حدثني أبي حصين بن قيس، قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاج، وكنت خليلا له، فلما كان بعد إحرامنا قال ابن عباس، فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه و[هو] (2) يرتجز، ويقول:
وهن يمشين بنا هميسا ... إن يصدق الطير ننل لميسا ...
قال: فقلت: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (3) .
وقال عبد الله بن طاوس، عن أبيه: سألت ابن عباس عن قول الله تعالى: { فلا رفث ولا فسوق } قال: الرفث التعريض بذكر الجماع، وهي العرابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث.
وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث: الجماع، وما دونه من قول الفحش، وكذا قال عمرو بن دينار. وقال عطاء: كانوا يكرهون العرابة، وهو التعريض بذكر الجماع وهو محرم.
وقال طاوس: هو أن تقول للمرأة: إذا حللت أصبتك. وكذا قال أبو العالية.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفث: غشيان النساء والقبل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش (4) من الكلام، ونحو ذلك.
وقال ابن عباس أيضا وابن عمر: الرفث: غشيان النساء. وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم، وأبو العالية، وعطاء، ومكحول، وعطاء بن يسار، وعطية، وإبراهيم النخعي، والربيع، والزهري، والسدي، ومالك بن أنس، ومقاتل بن حيان، وعبد الكريم بن مالك، والحسن، وقتادة والضحاك، وغيرهم.
وقوله: { ولا فسوق } قال مقسم وغير واحد، عن ابن عباس: هي المعاصي. وكذا قال عطاء، ومجاهد، وطاوس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والزهري، ومكحول، وابن أبان، والربيع بن أنس، وعطاء بن يسار، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان.
وقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر (5) قال: الفسوق: ما أصيب من معاصي الله به صيد أو غيره. وكذا روى ابن وهب، عن يونس، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم.
وقال آخرون: الفسوق هاهنا السباب، قاله ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ومجاهد، والسدي، وإبراهيم والحسن. وقد يتمسك لهؤلاء (6) بما ثبت في الصحيح (7) "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".
__________
(1) في جـ، ط، أ: "عن عوف".
(2) زيادة من جـ، ط، أ.
(3) تفسير الطبري (4/126).
(4) في جـ: "يعرض لها الفحشاء".
(5) في جـ: "أن عبد الله بن عمر".
(6) في جـ: "هؤلاء".
(7) في أ: "الصحيحين".

(1/544)


ولهذا رواه هاهنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم، رحمه الله، من حديث سفيان الثوري عن يزيد (1) عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (2) . وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه (3) ومن حديث أبي إسحاق عن محمد بن سعد عن أبيه (4) ] (5) .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق هاهنا: الذبح للأصنام. قال الله تعالى: { أو فسقا أهل لغير الله به } [الأنعام: 145].
وقال الضحاك: الفسوق: التنابز بالألقاب.
والذين قالوا: الفسوق هاهنا هو جميع المعاصي، معهم الصواب، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهيا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد؛ ولهذا قال: { منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم } [التوبة: 36]، وقال في الحرم: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } [الحج: 25] .
واختار ابن جرير أن الفسوق هاهنا: هو ارتكاب ما نهي عنه في الإحرام، من قتل الصيد، وحلق الشعر، وقلم الأظفار، ونحو ذلك، كما تقدم عن ابن عمر. وما ذكرناه أولى، والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (6) .
وقوله: { ولا جدال في الحج } فيه قولان:
أحدهما: ولا مجادلة في وقت الحج وفي مناسكه، وقد بينه الله أتم بيان ووضحه أكمل إيضاح. كما قال وكيع، عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهدا يقول: { ولا جدال في الحج } قد بين الله أشهر الحج، فليس فيه جدال بين الناس.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ولا جدال في الحج } قال: لا شهر ينسأ، ولا جدال في الحج، قد تبين، ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمهم الله به.
وقال الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد في قوله: { ولا جدال في الحج } قال: قد استقام الحج، فلا جدال فيه. وكذا قال السدي.
وقال هشيم: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس: { ولا جدال في الحج } قال: المراء في الحج.
__________
(1) في أ: "عن زيد"، وفي و: "عن زبيد".
(2) ورواه البخاري في صحيحه برقم (6044) ومسلم في صحيحه برقم (63) من طريق منصور بن المعتمر عن أبي وائل به.
(3) رواه الترمذي في السنن برقم (2634) والنسائي في السنن (7/ 122).
(4) رواه ابن ماجة في السنن برقم (3941).
(5) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(6) صحيح البخاري برقم (1521) وصحيح مسلم برقم (1350).

(1/545)


وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: { ولا جدال في الحج } فالجدال في الحج -والله أعلم -أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وكانت العرب، وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون، يقول هؤلاء: نحن أصوب. ويقول هؤلاء: نحن أصوب. فهذا فيما نرى، والله أعلم.
وقال ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم فقطعه الله حين أعلم نبيه بالمناسك.
وقال ابن وهب، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب، قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم. وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم.
وقال حماد بن سلمة عن جبر (1) بن حبيب، عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحج أن يقول بعضهم: الحج غدا. ويقول بعضهم: اليوم.
وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال، وهو قطع التنازع في مناسك الحج.
والقول الثاني: أن المراد بالجدال هاهنا: المخاصمة.
قال ابن جرير: حدثنا عبد الحميد بن بيان (2) حدثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -هو ابن مسعود -في قوله: { ولا جدال في الحج } قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.
وبهذا الإسناد إلى أبي إسحاق، عن التميمي: سألت ابن عباس عن "الجدال" قال: المراء، تماري صاحبك حتى تغضبه. وكذا روى مقسم والضحاك، عن ابن عباس. وكذا قال أبو العالية، وعطاء ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء الخراساني، ومكحول، وعمرو بن دينار، والسدي، والضحاك، والربيع بن أنس، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن يسار، والحسن، وقتادة، والزهري، ومقاتل بن حيان.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ولا جدال في الحج } قال الجدال: المراء والملاحاة، حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك.
وقال إبراهيم النخعي: { ولا جدال في الحج } قال: كانوا يكرهون الجدال. وقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الجدال: السباب والمنازعة. وكذا روى ابن وهب، عن يونس، عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج: السباب، والمراء، والخصومات، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن الزبير، والحسن، وإبراهيم، وطاوس، ومحمد بن كعب، قالوا: الجدال المراء.
وقال عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن بشر (3) عن عكرمة: { ولا جدال في الحج } والجدال الغضب، أن تغضب عليك مسلما، إلا أن تستعتب مملوكا فتغضبه من غير أن تضربه، فلا بأس عليك، إن شاء الله.
__________
(1) في جـ: "عن حسين"، وفي أ: "عن جبير".
(2) في جـ: "بن سنان".
(3) في أ: "بن بشير".

(1/546)


قلت: ولو ضربه لكان جائزا سائغا. والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه: أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجا، حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست عائشة إلى جنب رسول الله، وجلست إلى جنب أبي. وكانت (1) زمالة أبي بكر وزمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه، فأطلع وليس معه بعيره، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة. فقال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ فطفق يضربه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم ويقول: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع؟ ".
وهكذا أخرجه أبو داود، وابن ماجة، من حديث ابن إسحاق (2) . ومن هذا الحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال. ولكن يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع؟ " -كهيئة الإنكار اللطيف -أن الأولى ترك ذلك، والله أعلم.
وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة (3) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه (4) " (5) .
وقوله: { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعلا حثهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة.
وقوله: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } قال العوفي، عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست (6) معهم أزودة، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا.. فقال الله: تزودوا (7) ما يكف وجوهكم عن الناس.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة: قال: إن ناسا كانوا يحجون بغير زاد، فأنزل الله: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى }
وكذا رواه ابن جرير عن عمرو -وهو الفلاس (8) -عن ابن عيينة.
قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: وما يرويه عن ابن عيينة أصح.
__________
(1) في ط: "وكان".
(2) المسند (6/344) وسنن أبي داود برقم (1818) وسنن ابن ماجة برقم (2933).
(3) في جـ: "عن أخيه عن عبد الله".
(4) في جـ: "ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
(5) المنتخب لعبد بن حميد برقم (1148) وموسى بن عبيدة ضعيف.
(6) في جـ: "ليس".
(7) في أ: "وتزودوا".
(8) في جـ: "وهو ابن العلاء" وفي أ: "أبو الفلاس".

(1/547)


قلت: قد رواه النسائي، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس [قال] (1) كان ناس يحجون بغير زاد، فأنزل الله: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } (2) . وأما حديث ورقاء فأخرجه البخاري، عن (3) يحيى بن بشر، عن (4) شبابة (5) . وأخرجه أبو داود، عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي، ومحمد بن عبد الله المخرمي، عن شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون (6) . فأنزل الله: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } (7) .
ورواه عبد بن حميد في تفسيره، عن شبابة [به] (8) . ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة، به.
وروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار [عن محمد بن سوقة] (9) عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا إذا أحرموا -ومعهم أزوادهم -رموا بها، واستأنفوا زادا آخر (10) ؛ فأنزل الله تعالى: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق. وكذا قال ابن الزبير، وأبو العالية، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، وسالم بن عبد الله، وعطاء الخراساني، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان.
وقال سعيد بن جبير: فتزودوا (11) الدقيق والسويق والكعك (12) وقال وكيع [بن الجراح] (13) في تفسيره: حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة (14) عن سعيد بن جبير: { وتزودوا } قال: الخشكنانج والسويق. وقال وكيع أيضا: حدثنا إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر. وزاد فيه حماد بن سلمة، عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجوزة (15) .
وقوله: { فإن خير الزاد التقوى } لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: { وريشا ولباس التقوى ذلك خير } [الأعراف: 26]. لما ذكر اللباس الحسي نبه مرشدا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع، والطاعة (16) والتقوى، وذكر أنه خير من هذا، وأنفع.
قال عطاء الخراساني في قوله: { فإن خير الزاد التقوى } يعني: زاد الآخرة.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبدان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مروان بن
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) سنن النسائي الكبرى برقم (11033).
(3) في ط: "حدثنا".
(4) في أ: "بن بشير نبا".
(5) في ط: "شبابة قال".
(6) في ط: "نحن متوكلون".
(7) صحيح البخاري برقم (1523) وسنن أبي داود برقم (1730).
(8) زيادة من أ، و.
(9) زيادة من الطبري.
(10) تفسير الطبري (4/ 156).
(11) في جـ، ط، و: "يتزودوا" وفي أ: "تزودوا".
(12) في أ: "كما بينه".
(13) زيادة من أ.
(14) في جـ: "صوفة".
(15) في ط، أ، و: "الجودة".
(16) في أ: "الخشوع في الطاعة".

(1/548)


ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198)

معاوية، عن إسماعيل عن قيس، عن جرير بن عبد الله، عن النبي، صلى الله عليه وسلم [قال ] : (1) "من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة" (2) .
وقال مقاتل بن حيان: لما نزلت هذه الآية: { وتزودوا } قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله، ما نجد زادا نتزوده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تزود ما تكف به وجهك عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى". رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: { واتقون يا أولي الألباب } يقول: واتقوا عقابي، ونكالي، وعذابي، لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.
{ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) }
قال البخاري: حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة، وذو المجاز أسواق الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم (3) فنزلت: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } في مواسم الحج (4) .
وهكذا رواه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وغير واحد، عن سفيان بن عيينة، به (5) .
ولبعضهم: فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وكذلك (6) رواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ ومجنة وذو المجاز، فلما كان (7) الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت هذه الآية.
وروى أبو داود، وغيره، من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم، والحج، يقولون: أيام ذكر، فأنزل الله: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } (8) .
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه قال: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج".
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل
__________
(1) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(2) المعجم الكبير (2/305) وقال الهيثمي في المجمع (10/ 311): "رجاله رجال الصحيح".
(3) في جـ، ط: "في الموسم".
(4) صحيح البخاري برقم (4519).
(5) تفسير عبد الرزاق (1/65) وسنن سعيد بن منصور برقم (347).
(6) في ط: "وكذا".
(7) في جـ، ط: "فلما جاء".
(8) سنن أبي داود برقم (1731).

(1/549)


الإحرام وبعده. وهكذا روى العوفي، عن ابن عباس.
وقال وكيع: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج". [وقال عبد الرزاق: عن أبيه عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد: سمعت ابن الزبير يقول: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج" ] (1) .
ورواه عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن حماد بن زيد، عن عبيد الله (2) بن أبي يزيد، سمعت ابن الزبير يقرأ (3) -فذكر مثله سواء (4) . وهكذا فسرها مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومنصور بن المعتمر، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، وغيرهم.
وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا شعبة، عن أبي أميمة (5) قال: سمعت ابن عمر -وسئل عن الرجل يحج ومعه تجارة -فقرأ ابن عمر: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم }
وهذا موقوف، وهو قوي جيد (6) . وقد روي مرفوعا قال أحمد: حدثنا [أحمد بن] (7) أسباط، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا نكري، فهل لنا من حج، قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا (8) : بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "أنتم حجاج" (9) .
وقال (10) عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تيم الله قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنا قوم نكري، ويزعمون أنه ليس لنا حج. قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون؟ قال: بلى. قال: فأنت حاج (11) . ثم قال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عما سألت عنه، فنزلت هذه الآية: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } (12) .
ورواه عبد [بن حميد في تفسيره] (13) عن عبد الرزاق به. وهكذا روى هذا الحديث ابن (14)
__________
(1) زيادة من جـ، ط، و.
(2) في جـ: "عبد الله".
(3) في جـ: "يقول".
(4) في و: يقرأ: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج".
(5) في جـ، ط: "عن أبي أمامة".
(6) في أ: "جدا".
(7) زيادة من أ.
(8) في ط: "قال: قلت".
(9) المسند (2/155).
(10) في جـ، ط، أ، و: "وقد قال".
(11) في جـ: "فأنتم حجاج".
(12) ورواه الطبري في تفسيره (4/169) من طريق عبد الرزاق به.
(13) زيادة من و.
(14) في جـ، ط، أ، و: "أبو".

(1/550)


حذيفة، عن الثوري، مرفوعا. وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعا (1) .
وقال (2) ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عباد بن العوام، عن العلاء بن المسيب، عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة، وإن أناسا يزعمون أنه لا حج لنا، فهل ترى لنا حجا؟ قال: ألستم تحرمون، وتطوفون بالبيت، وتقفون (3) المناسك؟ قال: قلت: بلى. قال: فأنتم حجاج. ثم قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن [مثل] (4) الذي سألت، فلم يدر ما يعود عليه -أو قال: فلم يرد عليه شيئا -حتى نزلت: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } فدعا الرجل، فتلاها عليه، وقال: "أنتم حجاج" (5) .
وكذا رواه مسعود بن سعد، وعبد الواحد بن زياد، وشريك القاضي، عن العلاء بن المسيب به مرفوعا.
وقال ابن جرير: حدثني طليق (6) بن محمد الواسطي، حدثنا أسباط -هو ابن محمد -أخبرنا الحسن بن عمرو-هو الفقيمي -عن أبي أمامة التيمي. قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري، فهل لنا من حج؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قلنا: بلى. قال (7) جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يدر ما يقول له، حتى نزل جبريل، عليه السلام، بهذه الآية: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنتم حجاج" (8) .
وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا مندل، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمر، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج؟
وقوله تعالى: { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام }
إنما صرف "عرفات" وإن كان علما على مؤنث؛ لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سمي به بقعة معينة، فروعي فيه الأصل، فصرف. اختاره ابن جرير.
وعرفة: موضع الموقف (9) في الحج، وهي عمدة أفعال الحج؛ ولهذا روى الإمام أحمد، وأهل السنن، بإسناد صحيح، عن الثوري، عن بكير بن (10) عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي،
__________
(1) وانظر ذكر هذه الطرق في: حاشية الشيخ سعد الحميد على سنن سعيد بن منصور برقم (352) فقد أجاد وأفاد، ولولا خشية الإطالة لنقلته هاهنا.
(2) في جـ، ط، أ، و: "فقال".
(3) في جـ، ط، أ، و: "تقضون".
(4) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(5) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (3051) من طريق مروان بن معاوية عن العلاء بن المسيب به، ورواه أبو داود في السنن برقم (1733) من طريق عبد الواحد بن زياد عن العلاء بن المسيب به.
(6) في جـ: "طلق".
(7) في جـ، ط: "فقال".
(8) تفسير الطبري (4/164).
(9) في جـ، ط، و: "موضع الوقوف" وفي أ: "مواضع الوقوف".
(10) في جـ، ط، أ، و: "عن" والمثبت من أ.

(1/551)


قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحج عرفات -ثلاثا -فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك. وأيام منى ثلاثة (1) فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه" (2) .
ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" (3) .
وقال في هذا الحديث: "فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك" وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي رحمهم الله. وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة. واحتجوا بحديث الشعبي، عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام (4) الطائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة، حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبلي (5) طيئ، أكللت (6) راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه".
رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وصححه الترمذي (7) .
ثم قيل: إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل، عليه السلام، إلى إبراهيم، عليه السلام، فحج به، حتى إذا أتى عرفة قال: عرفت، وكان قد (8) أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة.
وقال ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: إنما سميت عرفة، أن جبريل كان يري إبراهيم المناسك، فيقول: عرفت عرفت. فسمي "عرفات". وروي نحوه عن ابن عباس، وابن عمر وأبي مجلز، فالله أعلم.
وتسمى عرفات المشعر الحلال، والمشعر (9) الأقصى، وإلال -على وزن هلال -ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة. قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له ... إلال إلى تلك الشراج القوابل (10)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة، حدثنا أبو عامر، عن زمعة -هو ابن
__________
(1) في أ: "ثلاث".
(2) المسند (4/335) وسنن أبي داود برقم (1949) وسنن الترمذي برقم (2975) وسنن النسائي (5/264) وسنن ابن ماجة برقم (3015).
(3) رواه مسلم في صحيحه برقم (1297) من حديث جابر رضي الله عنه.
(4) في جـ: "ابن الإمام".
(5) في جـ، ط، أ: :من جبل".
(6) في جـ: "أظللت".
(7) المسند (4/15) وسنن أبي داود برقم (1950) وسنن الترمذي برقم (891) وسنن النسائي (5/263) وسنن ابن ماجة برقم (3016).
(8) في جـ: "وقد كان".
(9) في ط: "المشعر الحرام".
(10) البيت في السيرة النبوية لابن هشام (1/274).

(1/552)


صالح -عن سلمة -هو ابن وهرام (1) -عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال، كأنها العمائم على رؤوس الرجال، دفعوا، فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس.
ورواه ابن مردويه، من حديث زمعة بن صالح، وزاد: ثم وقف بالمزدلفة، وصلى الفجر بغلس، حتى إذا أسفر (2) كل شيء وكان في الوقت الآخر، دفع. وهذا حسن الإسناد.
وقال ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: "أما بعد -وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد -فإن هذا اليوم الحج الأكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس، إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال، كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس، إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس، مخالفا هدينا هدي أهل الشرك".
هكذا رواه ابن مرديه وهذا لفظه، والحاكم في مستدركه، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي، عن عبد الوارث بن سعيد، عن ابن جريج، به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. قال: وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا كما يتوهمه رعاع أصحابنا أنه ممن له رؤية (3) بلا سماع (4) .
وقال وكيع، عن شعبة، عن إسماعيل بن رجاء [الزبيدي] (5) عن المعرور بن سويد، قال: رأيت عمر، رضي الله عنه، حين دفع من عرفة، كأني أنظر إليه رجلا أصلع على بعير له، يوضع (6) وهو يقول: إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع.
وفي حديث جابر بن عبد الله الطويل، الذي في صحيح مسلم، قال فيه: فلم يزل واقفا -يعني بعرفة -حتى غربت الشمس، وذهبت (7) الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس، السكينة السكينة". كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس (8) وفي الصحيح (9) عن أسامة بن زيد، أنه سئل كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دفع؟
__________
(1) في جـ: "هو ابن هشام".
(2) في أ: "إذا استقر".
(3) في جـ: "ممن له رواية".
(4) المستدرك (2/277).
(5) زيادة من و.
(6) في أ: "فوضع".
(7) في جـ، ط، أ، و: "وبدت".
(8) صحيح مسلم برقم (1218).
(9) في جـ، ط، أ، و: "وفي الصحيحين".

(1/553)


قال: "كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص" (1) . والعنق: هو انبساط السير، والنص، فوقه.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي، فيما كتب إلي، عن أبيه أو عمه، عن سفيان بن عيينة قوله: { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } وهي الصلاتين (2) جميعا.
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام، فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ هذا المشعر الحرام.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها (3) .
وقال هشيم، عن حجاج (4) عن نافع، عن ابن عمر: أنه سئل عن قوله: { فاذكروا الله عند المشعر الحرام } قال: فقال: هو الجبل وما حوله.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: رآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: علام يزدحم هؤلاء؟ كل ما هاهنا مشعر (5) .
وروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت (6) من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر. قال: وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة، ولكن مفاضاهما (7) . قال: فقف (8) بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تقف دون قزح، هلم إلينا من أجل طريق الناس.
قلت: والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام؛ لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف، وبعض أصحاب الشافعي، منهم: القفال، وابن خزيمة، لحديث عروة بن مضرس؟ أو واجب، كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم؟ أو مستحب لا يجب (9) بتركه شيء كما هو القول الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء، لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم.
__________
(1) صحيح البخاري برقم (1666 ، 4413) وصحيح مسلم برقم (1286).
(2) كذا في جـ، ط، وهو خطأ، والصواب: "الصلاتان".
(3) رواه الطبري في تفسيره (4/176) من طريق عبد الرزاق به.
(4) في جـ: "عن الحجاج".
(5) رواه الطبري في تفسيره (4/177، 178) من طريق عبد الرزاق به.
(6) في جـ، ط: "إذا أفضيت"، وفي أ: "إذا قضيت".
(7) في أ، و: "مقضاهما".
(8) في جـ: "فتقف".
(9) في جـ: "لا يجبره".

(1/554)


ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199)

وقال عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عرفة كلها موقف، وارفعوا عن عرنة (1) ، وجمع كلها موقف إلا محسرا" (2) .
هذا حديث مرسل. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني سليمان بن موسى، عن جبير بن مطعم (3) ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة (4) . وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح" (5) .
وهذا أيضا منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا -وهو الأشدق -لم يدرك جبير بن مطعم. ولكن رواه الوليد بن مسلم، وسويد بن عبد العزيز، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان، فقال الوليد: عن ابن لجبير (6) بن مطعم، عن أبيه. وقال سويد: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره، والله أعلم.
وقوله: { واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين } تنبيه لهم على ما أنعم به عليهم، من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه إبراهيم الخليل، عليه السلام؛ ولهذا قال: { وإن كنتم من قبله لمن الضالين } قيل: من قبل هذا الهدي، وقبل القرآن، وقبل الرسول، والكل متقارب، ومتلازم، وصحيح.
{ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) }
"ثم" هاهنا لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة، ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشا، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل (7) ، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته، وقطان بيته.
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن حازم، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان (8) سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض
__________
(1) في أ، و: "عن عرفة".
(2) رواه الطبري في التفسير (4/179) وقد جاء موصولا من حديث جابر رضي الله عنه، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (3012) وأصله في صحيح مسلم برقم (1218) أ. هـ مستفادا من حاشية الشيخ أحمد شاكر على تفسير الطبري.
(3) في ط: "عن جبير بن مطعم عن أبيه".
(4) في أ: "عرفات" وفي و: "عرنات".
(5) المسند (4/82).
(6) في أ: "عن جبير".
(7) في أ: "الجبل".
(8) في جـ، ط، أ: "وكانت".

(1/555)


منها، فذلك قوله: { من حيث أفاض الناس } (1) .
وكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، والسدي، وغيرهم. واختاره ابن جرير، وحكى عليه الإجماع، رحمهم الله.
وقال الإمام أحمد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أضللت بعيرا لي بعرفة، فذهبت أطلبه، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف، قلت: إن هذا من الحمس (2) ما شأنه هاهنا؟
أخرجاه في الصحيحين (3) . ثم روى البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة هاهنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار (4) . فالله أعلم. وحكاه ابن جرير، عن الضحاك بن مزاحم فقط. قال: والمراد بالناس: إبراهيم، عليه السلام. وفي رواية عنه: الإمام. قال ابن جرير (5) ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
وقوله: { واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات؛ ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثا. وفي الصحيحين أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير، ثلاثا وثلاثين، ثلاثا وثلاثين (6) .
وقد روى ابن جرير هاهنا حديث (7) ابن عباس (8) بن مرداس السلمي في استغفاره، عليه السلام، لأمته عشية عرفة، وقد أوردناه (9) في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة (10) .
وأورد ابن مردويه هاهنا الحديث الذي رواه البخاري، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4520).
(2) في أ: "الحميس".
(3) المسند (4/80) وصحيح البخاري برقم (1664) وصحيح مسلم برقم (1220).
(4) صحيح البخاري برقم (4521).
(5) في جـ: "ابن جريج".
(6) في جـ: "ثلاث وثلاثين وثلاث وثلاثين".
(7) في ط: "هاهنا حديثا حديث".
(8) في ط: "حديث العباس".
(9) في جـ: "أفردناه".
(10) قال الطبري في تفسيره (4/192): "حدثني إسماعيل بن سيف العجلي قال: حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي قال: حدثنا ابن كنانة - ويكنى أبا كنانة - عن أبيه، عن العباس بن مرداس السلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوت الله يوم عرفة أن يغفر لأمتي ذنوبها، فأجابني: أن قد غفرت، إلا ذنوبها بينها وبين خلقي، فأعدت الدعاء يومئذ، فلم أجب بشيء، فلما كان غداة المزدلفة قلت: يا رب، إنك قادر أن تعوض هذا المظلوم من ظلامته وتغفر لهذا الظالم، فأجابني: أن قد غفرت" قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقلنا: يا رسول الله، رأيناك تضحك في يوم لم تكن تضحك فيه !! قال: "ضحكت من عدو الله إبليس لما سمع بما سمع، إذ هو يدعو بالويل والثبور، ويضع التراب على رأسه".

(1/556)


فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202)

يومه فمات دخل الجنة" (1) .
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ فقال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم" (2) .
والأحاديث في الاستغفار كثيرة.
{ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) }
يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها.
وقوله: { كذكركم آباءكم } اختلفوا في معناه، فقال ابن جريج، عن عطاء: هو (3) كقول الصبي: "أبه أمه"، يعني: كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم، فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك. وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس. وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس -نحوه.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس [قال] (4) : كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم (5) فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات [ويحمل الديات] (6) . ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم. فأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: { فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا }
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أنس بن مالك، وأبي وائل، وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، وعكرمة في إحدى رواياته، ومجاهد، والسدي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك. وهكذا حكاه ابن جرير أيضا عن جماعة، والله أعلم.
والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله عز وجل؛ ولهذا كان انتصاب قوله: { أو أشد ذكرا } على التمييز، تقديره كذكركم آباءكم أو أشد منه ذكرا. و"أو" هاهنا لتحقيق المماثلة في الخبر، كقوله: { فهي كالحجارة أو أشد قسوة } [البقرة: 74]، وقوله: { يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية } [النساء: 77]،
__________
(1) صحيح البخاري برقم (6306).
(2) صحيح البخاري برقم (7378) وصحيح مسلم برقم (2705).
(3) في جـ: "وهو".
(4) زيادة من جـ، ط.
(5) في أ: "في المواسم".
(6) زيادة من أ، و.

(1/557)


{ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } [الصافات: 147]، { فكان قاب قوسين أو أدنى } [النجم: 9]. فليست هاهنا للشك قطعا، وإنما هي لتحقيق الخبر عنه بأنه كذلك أو أزيد منه. ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه، وهو معرض عن أخراه، فقال: { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق } أي: من نصيب ولا حظ. وتضمن هذا الذم التنفير عن التشبه (1) بمن هو كذلك. قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن. لا يذكرون (2) من أمر الآخرة شيئا، فأنزل الله فيهم: { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق } (3) وكان يجيء بعدهم آخرون [من المؤمنين] (4) فيقولون: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } فأنزل الله: { أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } ولهذا مدح من يسأله للدنيا والأخرى، فقال: { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن (5) من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام (6) .
وقال القاسم بن (7) عبد الرحمن: من أعطي قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وجسدا صابرا، فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار.
ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء. فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم ربنا، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (8) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس (9) قال: كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم [يقول] (10) : "اللهم ربنا، آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (11) .
__________
(1) في أ: "عن التشبيه".
(2) في جـ: "لا يذرون".
(3) في و: "فمن الناس من" وهو الصواب.
(4) زيادة من أ، و.
(5) في جـ: "وتوابع ذلك الأمن".
(6) في جـ: "في الحرام"، وفي أ: "واجتناب الحرام".
(7) في أ، و: "قال القاسم أبو".
(8) صحيح البخاري برقم (4522).
(9) في و: "حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سأل قتادة أنسا: أي دعوة كان أكثر يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم؟ ".
(10) زيادة من و.
(11) المسند (3/101).

(1/558)


[وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه] (1) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن شداد -يعني أبا طالوت -قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم. فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وتحدثوا ساعة حتى إذا أرادوا القيام، قال (2) : يا أبا حمزة، إن إخوانك يريدون القيام فادع لهم فقال: تريدون أن أشقق لكم الأمور، إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار فقد آتاكم الخير كله.
وقال أحمد أيضا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، [وعبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حميد] (3) عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تدعو (4) الله بشيء أو تسأله إياه؟ " قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله! لا تطيقه -أو لا تستطيعه -فهلا قلت: { ربنا (5) آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } ". قال: فدعا الله، فشفاه.
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي -به (6) .
وقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد -مولى السائب -عن أبيه، عن عبد الله بن السائب: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } (7) . ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك.
وروى ابن ماجة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو ذلك. وفي سنده ضعف (8) والله أعلم.
وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن سليمان، عن إبراهيم بن سليمان، عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكا يقول: آمين. فإذا مررتم عليه فقولوا: { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار }
__________
(1) زيادة من أ، و.
(2) في أ: "قالوا".
(3) زيادة من مسند الإمام أحمد (3/107).
(4) في جـ، ط: "هل كنت تدعو".
(5) في جـ، ط: "اللهم" وهو خطأ.
(6) المسند (3/107).
(7) ورواه البغوي في شرح السنة (7/128) من طريق الشافعي به، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (1001) "موارد" من طريق يحيى القطان عن ابن جريج به نحوه.
(8) سنن ابن ماجة برقم (2957).

(1/559)


وقال الحاكم في مستدركه: أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟ فقال: أنت من الذين قال الله [فيهم] (1) : { أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (2) .
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) المستدرك (2/277).

(1/560)


واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203)

{ واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) }
قال ابن عباس: "الأيام المعدودات" أيام التشريق، و"الأيام المعلومات" أيام العشر. وقال عكرمة: { واذكروا الله في أيام معدودات } يعني: التكبير أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر، الله أكبر.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب" (1) .
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله". رواه (2) مسلم أيضا (3) وتقدم حديث جبير بن مطعم: "عرفة كلها موقف، وأيام التشريق كلها ذبح". وتقدم [أيضا] (4) حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي (5) "وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه".
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم، قالا حدثنا هشيم، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيام التشريق أيام طعم وذكر (6) " (7) .
وحدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا روح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى: "لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب، وذكر الله، عز وجل" (8) .
__________
(1) المسند (4/153).
(2) في جـ، ط: "ورواه".
(3) المسند (5/75) وصحيح مسلم برقم (1141).
(4) زيادة من و.
(5) في أ: "معمر الديلمي".
(6) في جـ، ط، أ، و: "وذكر الله".
(7) تفسير الطبري (4/211).
(8) تفسير الطبري (4/211).

(1/560)


وحدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة، فنادى في أيام التشريق فقال: "إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صوم من هدي".
زيادة حسنة ولكن مرسلة. وبه قال هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشر بن سحيم، فنادى في أيام التشريق فقال: "إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله".
وقال هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق، قال: "هي أيام أكل وشرب وذكر الله".
وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحاكم الزرقي، عن أمه قالت: لكأني (1) أنظر إلى علي على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، حتى وقف (2) على شعب الأنصار وهو يقول: "يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر" (3) .
وقال مقسم عن ابن عباس: الأيام المعدودات: أيام التشريق، أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة [أيام] (4) بعده ، وروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وأبي موسى، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد ابن جبير، وأبي مالك، وإبراهيم النخعي، [ويحيى بن أبي كثير] (5) والحسن، وقتادة، والسدي، والزهري، والربيع بن أنس، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وعطاء الخراساني، ومالك بن أنس، وغيرهم -مثل ذلك.
وقال علي بن أبي طالب (6) :هي ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيهن شئت، وأفضلها أولها.
والقول الأول هو المشهور وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } فدل على ثلاثة بعد النحر.
ويتعلق بقوله: { واذكروا الله في أيام معدودات } ذكر الله على الأضاحي، وقد تقدم، وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي، رحمه الله، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق. ويتعلق به أيضا الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال. وفي وقته أقوال (7) للعلماء، وأشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النفر الآخر. وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني، ولكن لا يصح مرفوعا (8) والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق
__________
(1) في أ: "وكأني".
(2) في أ: "حتى وقفت".
(3) رواه الطبري في تفسيره (4/213) من طريق ابن علية عن ابن إسحاق به.
(4) زيادة من أ، و.
(5) زيادة من أ، و.
(6) في أ: "وقال علي بن أبي طلحة رضي الله عنه".
(7) في جـ: "وفيه أقوال".
(8) سنن الدارقطني (2/49، 50) من طرق عن جابر رضي الله عنه.

(1/561)


ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد (207)

بتكبيره، حتى ترتج منى تكبيرا.
ويتعلق بذلك أيضا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق. وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: "إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله عز وجل" (1) .
ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف، قال: { واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون } [أي: تجتمعون يوم القيامة] (2) ، كما قال: { وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون } [المؤمنون: 79].
{ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد (207) }
قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله }
وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم. وهذا قول قتادة، ومجاهد، والربيع ابن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف -وهو البكالي، وكان ممن يقرأ الكتب -قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس (3) مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى : فعلي يجترئون! وبي يغترون! حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها (4) حيران. قال القرظي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه } الآية.
وحدثني محمد بن أبي معشر، أخبرني أبي أبو معشر نجيح قال: سمعت سعيدا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن [لله] (5) عبادا ألسنتهم أحلى من
__________
(1) سنن أبي داود برقم (1888).
(2) زيادة من جـ.
(3) في جـ، ط، أ، و: "يلبسون لباس".
(4) في أ: "فيهم".
(5) زيادة من جـ، ط، أ، و.

(1/562)


العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين. قال الله تعالى: علي (1) تجترئون! وبي تغترون!. وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } الآية. فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعد. وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.
وأما قوله: { ويشهد الله على ما في قلبه } فقرأه ابن محيصن: "ويشهد الله" بفتح الياء، وضم الجلالة { على ما في قلبه } ومعناها: أن هذا وإن أظهر لكم الحيل (2) لكن الله يعلم من قلبه القبيح، كقوله تعالى: { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } [المنافقون: 1] .
وقراءة الجمهور بضم الياء، ونصب الجلالة { ويشهد الله على ما في قلبه } ومعناه: أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى: { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله } الآية [النساء: 108] هذا معنى ما رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن (3) عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم: أن الذي في قلبه موافق للسانه. وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير، وعزاه إلى ابن عباس، وحكاه عن مجاهد، والله أعلم.
وقوله: { وهو ألد الخصام } الألد في اللغة: [هو] (4) الأعوج، { وتنذر به قوما لدا } [مريم:97] أي: عوجا. وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب، ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
وقال البخاري: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ترفعه قال: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (5) .
قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان، حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (6) .
وهكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر في قوله: { وهو ألد الخصام } عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (7) .
__________
(1) في أ: "أعلي".
(2) في جـ، و: "الجميل".
(3) في جـ، ط: "أو".
(4) زيادة من جـ، ط.
(5) صحيح البخاري برقم (4523).
(6) صحيح البخاري برقم (4523).
(7) تفسير عبد الرزاق (1/97).

(1/563)


وقوله: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } أي: هو أعوج المقال، سيئ الفعال، فذلك قوله، وهذا فعله: كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة.
والسعي هاهنا هو: القصد. كما قال إخبارا عن فرعون: { ثم أدبر يسعى* فحشر فنادى* فقال أنا ربكم الأعلى* فأخذه الله نكال الآخرة والأولى* إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } [النازعات: 22-26]، وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } [الجمعة: 9] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار".
فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو: محل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو: نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما.
وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض فسادا، منع الله القطر، فهلك الحرث والنسل. { والله لا يحب الفساد } أي: لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك.
وقوله: { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق -امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير } [الحج: 72]، ولهذا قال في هذه الآية: { فحسبه جهنم ولبئس المهاد } أي: هي كافيته عقوبة في ذلك.
وقوله: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله } لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله }
قال ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر، فعل. فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة. فقالوا (1) : ربح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "ربح البيع صهيب، ربح البيع صهيب".
قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة، حدثنا سليمان ابن داود، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب، قدمت إلينا ولا مال لك،
__________
(1) في جـ، و: "فقالوا له".

(1/564)


يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209)

وتخرج أنت ومالك! والله لا يكون ذلك أبدا. فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم. فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ربح صهيب، ربح صهيب" مرتين (1) .
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته. ثم قال (2) يا معشر قريش، قد علمتم أني من أرماكم رجلا وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي كل سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي؟ قالوا: نعم. فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ربح البيع، ربح البيع". قال: ونزلت: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد }
وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم } [التوبة: 111] . ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين، أنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد }
{ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) }
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله: أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.
قال العوفي، عن ابن عباس، ومجاهد، وطاوس، والضحاك، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وابن زيد، في قوله: { ادخلوا في السلم } يعني: الإسلام.
وقال الضحاك، عن ابن عباس، وأبو العالية، والربيع بن أنس: { ادخلوا في السلم } يعني: الطاعة. وقال قتادة أيضا: الموادعة.
وقوله: { كافة } قال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، والربيع، والسدي، ومقاتل بن حيان، وقتادة والضحاك: جميعا، وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.
وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم، كعبد الله بن سلام، وثعلبة وأسد
__________
(1) ورواه ابن سعد في الطبقات (2/227) عن هوذة، عن عوف، عن أبي عثمان قال: بلغني أن صهيبا، فذكر نحوه، ورواه ابن سعد في الطبقات (2/228) وأبو نعيم في الحلية (1/151) من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، فذكر نحو القصة.
(2) في جـ: "وقال"، وفي أ، و: "كما قال".

(1/565)


هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210)

بن عبيد وطائفة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يسبتوا، وأن يقوموا بالتوراة ليلا. فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها. وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه، والتعويض عنه بأعياد الإسلام.
ومن المفسرين من يجعل قوله: { كافة } حالا من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم. والصحيح الأول، وهو أنهم أمروا [كلهم] (1) أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جدا ما استطاعوا منها. وقال (2) ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل بن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس: { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة } -كذا قرأها بالنصب -يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمر التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: { ادخلوا في السلم كافة } يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئا وحسبكم بالإيمان بالتوراة وما فيها.
وقوله: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي: اعملوا الطاعات (3) ، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ { إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [البقرة: 169]، و { إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } [فاطر: 6]؛ ولهذا قال: { إنه لكم عدو مبين } قال مطرف: أغش عباد الله لعبيد الله الشيطان.
وقوله: { فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات } أي: عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز [أي] (4) في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب. حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه؛ ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.
{ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210) }
يقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } يعني: يوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولهذا قال: { وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور } كما قال: { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا* وجاء ربك والملك صفا صفا* وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى } [الفجر: 21 -23]، وقال: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك } الآية [الأنعام: 158].
__________
(1) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(2) في جـ، ط: "كما قال".
(3) في أ: "اعملوا بالطاعات".
(4) زيادة من جـ، ط، أ، و.

(1/566)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية