صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ]
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ]

كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (180) فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم (181)

"من أصيب بقتل أو خبل (1) فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية؛ فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه. ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها" رواه (2) أحمد (3) .
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية -يعني: لا أقبل منه الدية -بل أقتله" (4) .
وقوله: { ولكم في القصاص حياة } يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم -وهو قتل القاتل -حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المهج وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس. وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل. فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ، وأوجز.
{ ولكم في القصاص حياة } قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل، فتمنعه مخافة أن يقتل.
وكذا روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، { يا أولي الألباب لعلكم تتقون } يقول: يا أولي العقول والأفهام والنهى، لعلكم تنزجرون فتتركون محارم الله ومآثمه، والتقوى: اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.
{ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (180) فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم (181) }
__________
(1) في أ: "أو ختل".
(2) في جـ: "ورواه".
(3) المسند (4/31).
(4) ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/421) وعزاه لسمويه في فوائده، وروى البيهقي في السنن الكبرى (8/54) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن مطر عن الحسن مرسلا بنحوه، وروى أبو داود في السنن برقم (4507) من طريق حماد عن مطر عن الحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعا بنحوه.

(1/492)


فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (182)

{ فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (182) }
اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين. وقد كان ذلك واجبا -على أصح القولين -قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ولا تحمل منة (1) الموصي، ولهذا جاء الحديث في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (2) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن
__________
(1) في و: "مآنة"، وفي أ: "مانة".
(2) سنن الترمذي برقم (2121) وسنن النسائي (6/247) وسنن ابن ماجة برقم (2712).

(1/492)


سيرين، قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى [على] (1) هذه الآية: { إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } فقال: نسخت هذه الآية.
وكذا رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن يونس، به. ورواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرطهما (2) .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: { الوصية للوالدين والأقربين } قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل الله آية الميراث (3) فبين ميراث الوالدين، وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: { الوصية للوالدين والأقربين } نسختها هذه الآية: { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا } [ النساء: 7].
ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر (4) وأبي موسى، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، وعكرمة، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، وطاوس، وإبراهيم النخعي، وشريح، والضحاك، والزهري: أن هذه الآية منسوخة نسختها آية الميراث.
والعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر (5) الرازي -رحمه الله -كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني (6) أن هذه الآية غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث (7) الوالدين والأقربين. من قوله: { يوصيكم الله في أولادكم } [ النساء: 11] قال: وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء. قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس، والحسن، ومسروق، وطاوس، والضحاك، ومسلم بن يسار، والعلاء بن زياد.
قلت: وبه قال أيضا سعيد بن جبير، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان. ولكن على قول هؤلاء (8) لا يسمى هذا نسخا في اصطلاحنا المتأخر؛ لأن آية الميراث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية، لأن "الأقربين" أعم ممن يرث ومن (9) لا يرث، فرفع حكم من يرث بما عين له، وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى. وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: أن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبا حتى نسخت. فأما من يقول: إنها كانت واجبة وهو الظاهر من
__________
(1) زيادة من جـ.
(2) سنن سعيد بن منصور برقم (252) بتحقيق االدكتور الحميد، والمستدرك (2/273).
(3) في أ: "المواريث".
(4) في جـ: "ابن أبي عمر".
(5) في جـ: "ابن أبي عمر".
(6) في أ: "الأصبهاني".
(7) في جـ: "من تواريث".
(8) في أ: "على قول هذا".
(9) في أ: "وممن".

(1/493)


سياق الآية -فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث، كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء؛ فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين [الوارثين] (1) منسوخ بالإجماع. بل منهي عنه للحديث المتقدم: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". فآية الميراث حكم مستقل، ووجوب من عند الله لأهل الفروض وللعصبات (2) ، رفع بها حكم هذه بالكلية. بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب له أن يوصى لهم من الثلث، استئناسا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده". قال ابن عمر ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي (3) .
والآيات والأحاديث بالأمر ببر الأقارب والإحسان إليهم، كثيرة جدا.
وقال عبد بن حميد في مسنده: أخبرنا عبيد الله، عن مبارك بن حسان، عن نافع قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم، ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبا في مالك حين أخذت بكظمك؛ لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك".
وقوله: { إن ترك خيرا } أي: مالا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وقتادة، وغيرهم.
ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قل المال أو كثر كالوراثة (4) ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالا جزيلا ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم:
حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قيل لعلي، رضي الله عنه: إن رجلا من قريش قد مات، وترك ثلاثمائة دينار أو أربعمائة (5) ولم يوص. قال: ليس بشيء، إنما قال الله: { إن ترك خيرا } .
قال: وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة -يعني ابن سليمان -عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عليا دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصي؟ فقال له علي: إنما قال الله تعالى: { إن ترك خيرا الوصية } إنما تركت شيئا يسيرا، فاتركه لولدك.
وقال الحكم (6) بن أبان: حدثني عن عكرمة، عن ابن عباس: { إن ترك خيرا } قال ابن عباس: من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا، قال الحكم (7) : قال طاوس: لم يترك خيرا من لم يترك ثمانين دينارا. وقال قتادة: كان يقال: ألفا فما فوقها.
وقوله: { بالمعروف } أي: بالرفق والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم:
__________
(1) زيادة من جـ، أ، و.
(2) في جـ: "والعصبات".
(3) صحيح البخاري برقم (2738) وصحيح مسلم برقم (1627).
(4) في أ: "كالوارثة".
(5) في أ، و: "أربعمائة دينار".
(6) في جـ: "الحاكم".
(7) في جـ: "الحاكم".

(1/494)


حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن يسار (1) ،حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور، عن الحسن، قوله: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } فقال: نعم، الوصية حق، على كل مسلم أن يوصي إذا حضره الموت بالمعروف غير المنكر.
والمراد بالمعروف: أن يوصي لأقربيه وصية لا تجحف بورثته، من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعدا قال: يا رسول الله، إن لي مالا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: "لا" قال: فبالشطر؟ قال: "لا" قال: فالثلث (2) ؟ قال: "الثلث، والثلث كثير؛ إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
وفي صحيح البخاري: أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الثلث، والثلث كثير" (3) .
وروى الإمام أحمد، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن ذيال بن عبيد بن حنظلة، سمعت حنظلة بن حذيم (4) بن حنيفة: أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشق ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل، كنا نسميها المطيبة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، "لا لا لا. الصدقة: خمس، وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن أكثرت فأربعون".
وذكر الحديث بطوله (5) .
وقوله: { فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه } يقول تعالى: فمن بدل الوصية وحرفها، فغير حكمها وزاد فيها أو نقص -ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى -{ فإنما إثمه على الذين يبدلونه } قال ابن عباس وغير واحد: وقد وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدلوا ذلك { إن الله سميع عليم } أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك، وبما بدله الموصى إليهم.
وقوله: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } قال ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي: الجنف: الخطأ. وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها، بأن زاد وارثا بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعه الشيء الفلاني محاباة، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئا غير عامد، بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمدا آثما في ذلك، فللوصي -والحالة هذه -أن يصلح القضية (6) ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي. ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به (7) جمعا بين مقصود الموصي
__________
(1) في أ، و: "بن بشار".
(2) في جـ: "فبالثلث".
(3) صحيح البخاري برقم (2743).
(4) في أ: "جديم"، وفي و: "جذيم".
(5) المسند (5/67).
(6) في أ: "القصة".
(7) في جـ: "المأمور به".

(1/495)


والطريق الشرعي. وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء. ولهذا عطف هذا -فبينه (1) -على النهي لذلك، ليعلم أن هذا ليس من ذلك بسبيل، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد، قراءة، أخبرني أبي، عن الأوزاعي، قال الزهري: حدثني عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "يرد من صدقة الحائف (2) في حياته ما يرد من وصية المجنف (3) عند موته" (4) .
وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه، من حديث العباس بن الوليد، به.
قال ابن أبي حاتم: وقد أخطأ فيه الوليد بن مزيد. وهذا الكلام إنما هو عن عروة فقط. وقد رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، فلم يجاوز به عروة.
وقال ابن مردويه أيضا: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحيف في الوصية من الكبائر" (5) .
وهذا في رفعه أيضا نظر (6) . وأحسن ما ورد في هذا الباب ما قال عبد الرزاق:
حدثنا معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة" (7) . قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: { تلك حدود الله فلا تعتدوها } [البقرة: 229] .
__________
(1) في أ: "فنبه".
(2) في أ: "الخائف".
(3) في أ: "المخيف".
(4) ورواه أبو داود في المراسيل برقم (194) من طريق عباس بن الوليد بن مزيد، عن أبيه، عن الأوزاعي، به. قال العباس: حدثنا به مرة، عن عروة، ومرة عن عروة، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رواه أبو داود برقم (195) عن عروة مرسلا، وبرقم (196) عن الزهري مرسلا.
(5) ورواه الدارقطني في السنن (4/151) والعقيلي في الضعفاء (3/189) والبيهقي في السنن الكبرى (6/271) من طريق عمر بن المغيرة به نحوه، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (6/271) من طريق هشيم عن داود به موقوفا، وقال: "هذا هو الصحيح موقوف، وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفا، وروى من وجه آخر مرفوعا، ورفعه ضعيف".
(6) في جـ: "وهذا أيضا في رفعه نظر".
(7) في جـ: "تقديم وتأخير في العبارتين".

(1/496)


يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184)

{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184) }
يقول تعالى مخاطبا للمؤمنين من هذه الأمة وآمرا لهم بالصيام، وهو: الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله (1) عز وجل، لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة. وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات } [المائدة: 48] ؛ ولهذا قال هاهنا: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان؛ ولهذا ثبت في الصحيحين: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (2) ثم بين مقدار الصوم، وأنه ليس في كل يوم، لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله (3) وأدائه، بل في أيام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان، كما سيأتي بيانه. وقد روي أن الصيام كان أولا كما كان عليه الأمم قبلنا، من كل شهر ثلاثة أيام -عن معاذ، وابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضحاك بن مزاحم. وزاد: لم يزل هذا مشروعا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.
وقال عباد بن منصور، عن الحسن البصري: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات } فقال: نعم، والله لقد كتب الصيام على كل أمة قد خلت كما كتب (4) علينا شهرا كاملا وأياما معدودات: عددا معلوما. وروي عن السدي، نحوه.
وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقري، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد، عن أبي الربيع، رجل من أهل المدينة، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم.." في حديث طويل اختصر منه ذلك (5) .
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عمن حدثه عن ابن عمر، قال أنزلت: { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم [لعلكم تتقون] (6) } كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة ونام حرم [الله] (7) عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس، وأبي العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني، نحو ذلك.
وقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس: { كما كتب على الذين من قبلكم } يعني بذلك: أهل الكتاب. وروي عن الشعبي والسدي (8) وعطاء الخراساني، مثله.
__________
(1) في جـ: "خالصة لوجه الله تعالى".
(2) صحيح البخاري برقم (5066) وصحيح مسلم برقم (1400) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(3) في أ: "ليشق على النفوس فتضعف عن حكمه".
(4) في أ: "كما كتبه الله".
(5) عزاه الحافظ ابن حجر في الفتح (8/178) لابن أبي حاتم وقال: "في إسناده مجهول".
(6) زيادة من جـ.
(7) زيادة من جـ.
(8) في جـ: "عن السدي والشعبي".

(1/497)


ثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فقال: { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر؛ لما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيام أخر. وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام، فقد كان مخيرا بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم، فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وطاوس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم من السلف؛ ولهذا قال تعالى: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون }
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي، حدثنا عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال؛ فأما أحوال الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، وهو يصلي (1) سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس، ثم إن الله عز وجل أنزل عليه: { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها } [البقرة: 144] فوجهه الله إلى مكة. هذا حول.
قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضا حتى نقسوا أو كادوا ينقسون. ثم إن رجلا من الأنصار، يقال له: عبد الله بن زيد، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم -ولو قلت: إني لم أكن نائما لصدقت -أني (2) بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله -مثنى حتى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة، ثم قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك: قد قامت الصلاة -مرتين -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علمها بلالا فليؤذن بها". فكان بلال أول من أذن بها. قال: وجاء عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، [إنه] (3) قد طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنه سبقني، فهذان حالان (4) .
قال: وكانوا يأتون الصلاة -قد سبقهم النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل إذا كم صلى، فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم. قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني. قال: فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها، قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقضى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه قد سن لكم معاذ، فهكذا فاصنعوا". فهذه ثلاثة أحوال (5) .
وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } .
__________
(1) في جـ: "فصلى".
(2) في جـ: "وأني".
(3) زيادة من جـ، أ، و.
(4) في جـ، أ، و: "حولان".
(5) المسند (5/246).

(1/498)


إلى قوله: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينا، فأجزأ ذلك عنه. ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } إلى قوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح (1) ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير (2) الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حالان (3) .
قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له: صرمة، كان يعمل صائما حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب، حتى أصبح فأصبح صائما، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهدا شديدا، فقال: ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا؟ قال: يا رسول الله، إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت فأصبحت حين أصبحت صائما. قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله عز وجل: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } إلى قوله: { ثم أتموا الصيام إلى الليل }
وأخرجه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث المسعودي، به (4) .
وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر (5) . وروى البخاري عن ابن عمر وابن مسعود، مثله (6) .
وقوله: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } كما قال معاذ: كان (7) في ابتداء الأمر: من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا. وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (8) .
وروي أيضا من حديث عبيد الله (9) عن نافع، عن ابن عمر، قال: هي منسوخة.
وقال السدي، عن مرة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } قال: يقول: { وعلى الذين يطيقونه } أي: يتجشمونه، قال عبد الله: فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا { فمن تطوع } قال: يقول: أطعم مسكينا آخر { فهو خير له وأن تصوموا خير لكم } فكانوا كذلك حتى نسختها: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه }
__________
(1) في جـ: "الصحيح المقيم".
(2) في جـ: "للنفر".
(3) في أ: "الحولان".
(4) سنن أبي داود برقم (506،507).
(5) صحيح البخاري برقم (4502) وصحيح مسلم برقم (1125).
(6) حديث ابن عمر في صحيح البخاري برقم (4501) وحديث ابن مسعود في صحيح البخاري برقم (4503).
(7) في جـ: "وكان".
(8) صحيح البخاري برقم (4507).
(9) في جـ: "عبد الله".

(1/499)


وقال البخاري أيضا: حدثنا إسحاق، أخبرنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ: " وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين " . قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا (1) .
وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم ، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس [قال] (2) نزلت هذه الآية: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم ضعف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينا.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا الحسين بن محمد بن بهرام المحرمي، حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد بن عبد الله، عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على عطاء في رمضان، وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا، ثم نزلت هذه الآية فنسخت الأولى، إلا الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر. فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، بقوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وأما الشيخ الفاني [الهرم] (3) الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] (4) أن يطعم عن (5) كل يوم مسكينا إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء، أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية كالصبي؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي. والثاني -وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء -: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: { وعلى الذين يطيقونه } أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس -بعد أن (6) كبر عاما أو عامين -كل يوم مسكينا خبزا ولحما، وأفطر (7) .
وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، فقال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة (8) قال: ضعف أنس [بن مالك] (9) عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم (10) .
ورواه عبد بن حميد، عن روح بن عبادة، عن عمران -وهو ابن حدير (11) -عن أيوب، به.
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4505).
(2) زيادة من أ، و.
(3) زيادة من جـ، أ، و.
(4) زيادة من جـ، أ، و.
(5) في أ: "في".
(6) في جـ: "بعد ما".
(7) صحيح البخاري (8/179) "فتح".
(8) في جـ، أ: "بن أبي تميم".
(9) زيادة من أ.
(10) مسند أبي يعلى (7/204) وقال الهيثمي في المجمع (3/164): "رجاله رجال الصحيح" لكنه منقطع.
(11) في و: "وهو ابن خدير".

(1/500)


شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185)

ورواه عبد أيضا، من حديث ستة من أصحاب أنس، عن أنس -بمعناه.
ومما يلتحق بهذا المعنى: الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان. وقيل: يفديان فقط، ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: يفطران، ولا فدية ولا قضاء. وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه (1) . ولله الحمد والمنة.
{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185) }
يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه، وكما اختصه بذلك، قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء.
قال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة -يعني ابن الأسقع-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان. وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان (2) وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان" (3) .
وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أن الزبور أنزل (4) لثنتي عشرة [ليلة] (5) خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم. رواه ابن مردويه.
أما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل -فنزل كل منها (6) على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } [القدر: 1]. وقال: { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } [الدخان: 3]، ثم نزل بعد مفرقا (7) بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم. هكذا روي من غير وجه، عن ابن عباس، كما قال إسرائيل، عن السدي، عن محمد بن أبي المجالد عن مقسم، عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود، فقال: وقع (8) في قلبي الشك من قول الله تعالى: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } وقوله: { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } وقوله: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } وقد (9) أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وصفر، وشهر ربيع. فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان، في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل (10) على مواقع النجوم ترتيلا (11) في الشهور والأيام. رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه، وهذا لفظه.
__________
(1) في أ: "الذي أوردناه".
(2) في"أ" بعدها: "وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان".
(3) المسند (4/107).
(4) في جـ: "نزلت"، وفي أ: "نزل".
(5) زيادة من أ.
(6) في جـ: "منهما".
(7) في و: "متفرقا".
(8) في و: "أوقع".
(9) في جـ: "وهذا".
(10) في جـ: "ثم نزل".
(11) في أ: "رسلا".

(1/501)


وفي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة لجواب كلام الناس.
وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا * ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } [الفرقان: 32، 33].
[قال فخر الدين: ويحتمل أنه كان ينزل في كل ليلة قدر ما يحتاج الناس إلى إنزاله إلى مثله من اللوح إلى سماء الدنيا، وتوقف، هل هذا أولى أو الأول؟ وهذا الذي جعله احتمالا نقله القرطبي عن مقاتل بن حيان، وحكى الإجماع على أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وحكى الرازي عن سفيان بن عيينة وغيره أن المراد بقوله: { الذي أنزل فيه القرآن } أي: في فضله أو وجوب صومه، وهذا غريب جدا] (1) .
وقوله: { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه { وبينات } أي: ودلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقا بين الحق والباطل، والحلال، والحرام.
وقد روي عن بعض السلف أنه كره أن يقال: إلا "شهر رمضان" ولا يقال: "رمضان"؛ قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، وسعيد -هو المقبري-عن أبي هريرة، قال: لا تقولوا: رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان.
قال (2) ابن أبي حاتم: وقد روي عن مجاهد، ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت.
قلت: أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام [في] (3) المغازي، والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعا، عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي (4) -وهو جدير بالإنكار-فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري، رحمه الله، في كتابه لهذا فقال: "باب يقال (5) رمضان" (6) وساق أحاديث في ذلك منها: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" ونحو ذلك.
__________
(1) زيادة من جـ، أ.
(2) في جـ: "قال لي".
(3) زيادة من جـ.
(4) الكامل لابن عدي (7/53).
(5) في جـ: "باب بأن يقال".
(6) الترجمة في الصحيح (4/112): "باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعا".

(1/502)


وقوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر -أي كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه -أن يصوم لا محالة. ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحا مقيما أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم، كما تقدم بيانه. ولما حتم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر في الإفطار، بشرط القضاء فقال: { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه، أو يؤذيه (1) أو كان على سفر أي في حال سفر -فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه بعدة ما أفطره في السفر من الأيام؛ ولهذا قال: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر، مع تحتمه في حق المقيم الصحيح، تيسيرا عليكم ورحمة بكم.
وهاهنا مسائل تتعلق بهذه الآية:
إحداها: أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر في أثنائه، فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه، لقوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر، وهذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى، عن جماعة من الصحابة والتابعين. وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم. فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار (2) حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، وأمر الناس بالفطر. أخرجه صاحبا الصحيح (3) .
الثانية: ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر، لقوله: { فعدة من أيام أخر } والصحيح قول الجمهور، أن الأمر في ذلك على التخيير، وليس بحتم؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان. قال: "فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (4) ". فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم (5) الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في مثل هذه الحالة صائما، لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء [قال] (6) خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [في شهر رمضان] (7) في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه [من شدة الحر] (8) وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة (9) .
الثالثة: قالت طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وقالت طائفة: بل الإفطار أفضل، أخذا بالرخصة، ولما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال: "من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه" (10) . وقال في حديث آخر:
__________
(1) في جـ: "أو يمتد به".
(2) في أ، و: "فصام".
(3) صحيح البخاري برقم (1948،4279) وصحيح مسلم برقم (1113).
(4) رواه مسلم في صحيحه برقم (1118) من حديث أنس رضي الله عنه.
(5) في أ: "عليهم في الصيام".
(6) زيادة من و.
(7) زيادة من جـ، أ، و.
(8) زيادة من جـ، أ، و.
(9) صحيح البخاري برقم (1945) وصحيح مسلم برقم (1122).
(10) هذا لفظ حديث حمزة بن عمرو الأسلمي في صحيح مسلم برقم (1121).

(1/503)


"عليكم برخصة الله التي رخص لكم" (1) وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة: أن حمرة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله، إني كثير الصيام، أفأصوم في السفر؟ فقال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". وهو في الصحيحين (2) . وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل لحديث جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: صائم، فقال: " ليس من البر الصيام في السفر". أخرجاه (3) . فأما إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار، ويحرم عليه الصيام، والحالة هذه، لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره، عن ابن عمر وجابر، وغيرهما: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة (4) .
الرابعة: القضاء، هل يجب متتابعا أو يجوز فيه التفريق؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يجب التتابع، لأن القضاء يحكي الأداء. والثاني: لا يجب التتابع، بل إن شاء فرق، وإن شاء تابع. وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل (5) ؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر. ولهذا قال تعالى: { فعدة من أيام أخر } ثم قال: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } قال الإمام أحمد:
حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا ابن (6) هلال، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة، عن الأعرابي الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره" (7) .
وقال أحمد أيضا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم بن هلال، حدثنا غاضرة بن عروة الفقيمي، حدثني أبي عروة، قال: كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فخرج رجلا (8) يقطر رأسه من وضوء أو غسل، فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن دين الله في يسر" ثلاثا يقولها (9) .
ورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عاصم بن هلال، به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو التياح، سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يسروا، ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا". أخرجاه في الصحيحين (10) . وفي الصحيحين أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: "بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا". وفي السنن والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) هذا لفظ حديث جابر وسيأتي.
(2) صحيح البخاري برقم (1943) وصحيح مسلم برقم (1121).
(3) صحيح البخاري برقم (1946) وصحيح مسلم برقم (1121).
(4) المسند (2/71).
(5) في جـ: "تثبت الأدلة".
(6) في أ، و: "حدثنا أبو".
(7) المسند (3/479).
(8) في أ، و: "فخرج رجل".
(9) المسند (5/69).
(10) صحيح البخاري برقم (69) وصحيح مسلم برقم(1734).

(1/504)


وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186)

قال: "بعثت بالحنيفية السمحة" (1) .
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى ابن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو مسعود الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن محجن بن الأدرع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي فتراءاه ببصره (2) ساعة، فقال: "أتراه يصلي صادقا؟" قال: قلت: يا رسول الله، هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسمعه فتهلكه". وقال: "إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر، ولم يرد بهم العسر" (3) .
ومعنى قوله: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة } أي: إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض (4) والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر، وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم.
وقوله: { ولتكبروا الله على ما هداكم } أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } [البقرة: 200] وقال: [ { فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم } ] (5) [ النساء: 103]، { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } [الجمعة: 10] وقال: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود } [ق: 39، 40]؛ ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح، والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات.
وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير؛ ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم } حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله { ولتكبروا الله على ما هداكم } وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة -رحمه الله -أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر. والباقون على استحبابه، على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم.
وقوله: { ولعلكم تشكرون } أي: إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.
{ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) }
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبدة بن أبي برزة السجستاني (6) عن الصلب (7) بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أن
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4341 ، 4342) وصحيح مسلم برقم (1733).
(2) في أ، و: "ببصره".
(3) ورواه أحمد في المسند (5/32) من طريق حماد عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق عن محجن نحوه.
(4) في أ: "للمريض".
(5) زيادة من جـ.
(6) في جـ، أ، و: "السختياني".
(7) في جـ: "الصلت".

(1/505)


أعرابيا قال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } (1) .
ورواه ابن مردويه، وأبو الشيخ الأصبهاني، من حديث محمد بن أبي حميد، عن جرير، به. وقال عبد الرزاق: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن، قال: سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [النبي صلى الله عليه وسلم] (2) : أين ربنا؟ فأنزل الله عز وجل: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } الآية (3) .
وقال ابن جريج عن عطاء: أنه بلغه لما نزلت: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } [غافر: 60] قال الناس: لو نعلم أي ساعة ندعو؟ فنزلت: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان }
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفا، ولا نعلو شرفا، ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير. قال: فدنا منا فقال: "يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته. يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله".
أخرجاه في الصحيحين، وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن بن مل (4) ، عنه، بنحوه (5) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني" (6) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن كريمة بنت الخشخاش المزنية، قالت: حدثنا أبو هريرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله: أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه" (7) .
قلت: وهذا كقوله تعالى: { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } [النحل: 128]، وكقوله لموسى وهارون، عليهما السلام: { إنني معكما أسمع وأرى } [طه: 46]. والمراد من هذا: أنه تعالى لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء. وفيه ترغيب في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه تعالى، كما قال الإمام أحمد:
__________
(1) ورواه الطبري في تفسيره (3/480) من طريق جرير به، وانظر حاشيته ففيها كلام جيد حول الصلب بن حكيم.
(2) زيادة من جـ، أ، و.
(3) ورواه الطبري في تفسيره (3/481) من طريق عبد الرزاق به.
(4) في جـ: "بن ملبك".
(5) المسند (4/402).
(6) المسند (3/210).
(7) المسند (2/540).

(1/506)


حدثنا يزيد، حدثنا رجل أنه سمع أبا عثمان -هو النهدي -يحدث عن سلمان -يعني الفارسي -رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله تعالى ليستحيي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرا فيردهما خائبتين".
قال يزيد: سموا لي هذا الرجل، فقالوا: جعفر بن ميمون (1) .
وقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة من حديث جعفر بن ميمون، صاحب الأنماط، به (2) . وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه بعضهم، ولم يرفعه.
وقال الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي، رحمه الله، في أطرافه: وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، به (3) .
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا أبو عامر، حدثنا علي بن دؤاد أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" قالوا: إذا نكثر. قال: "الله أكثر (4) " (5) .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، أن عبادة بن الصامت حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله، عز وجل، بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" (6) .
ورواه الترمذي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن ابن ثوبان -وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان -به (7) . وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وقال الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبيد -مولى ابن أزهر -عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي".
أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، به (8) . وهذا لفظ البخاري، رحمه الله، وأثابه الجنة.
وقال مسلم أيضا (9) : حدثني أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن ربيعة ابن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل". قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: "يقول: قد
__________
(1) المسند (5/438).
(2) سنن أبي داود برقم (1488) وسنن الترمذي برقم (1488) وسنن ابن ماجة برقم (3865).
(3) تحفة الأشراف (4/29).
(4) في جـ: "أكثروا".
(5) المسند (3/18).
(6) زوائد المسند (5/329).
(7) سنن الترمذي برقم (3573).
(8) الموطأ (1/213) وصحيح البخاري برقم (684).
(9) في جـ، أ: "وقال مسلم في صحيحه".

(1/507)


دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك، ويترك (1) الدعاء" (2) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا ابن (3) هلال، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل". قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: "يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي" (4) .
وقال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر: أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة فتذهب، حتى تعجل له في الدنيا أو تدخر له في الآخرة، إذا لم (5) يعجل أو يقنط. قال عروة: قلت: يا أماه (6) كيف عجلته وقنوطه؟ قالت: يقول: سألت فلم أعط، ودعوت فلم أجب.
قال ابن قسيط: وسمعت سعيد بن المسيب يقول كقول عائشة سواء.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل" (7) .
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي بن نافع ابن معد يكرب ببغداد، حدثني أبي بن نافع، حدثني أبي نافع بن معد يكرب، قال: كنت أنا وعائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية: { أجيب دعوة الداع إذا دعان } قال: "يا رب، مسألة عائشة". فهبط جبريل فقال: الله يقرؤك السلام، هذا عبدي الصالح (8) بالنية الصادقة، وقلبه نقي (9) يقول: يا رب، فأقول: لبيك. فأقضي حاجته.
هذا حديث غريب من هذا الوجه (10) .
وروى ابن مردويه من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: حدثني جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } الآية. فقال رسول
__________
(1) في جـ، أ، و: "ويدع".
(2) صحيح مسلم برقم (2735).
(3) في جـ: "حدثنا أبو".
(4) المسند (3/210).
(5) في جـ، أ: "إذا هو لم".
(6) في أ، و: "يا أمتاه".
(7) المسند (2/177).
(8) في جـ: "عبدي أصلح".
(9) في جـ: "وقلبه تقي".
(10) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة (4/530) وقال: "روى حديثه محمد بن إسحاق، عن إسحاق بن إبراهيم بن أبي بن نافع بن معد يكرب عن جده أبي، عن أبيه نافع بن معد يكرب أنه قال، فذكر مثله" ثم قال ابن الأثير: "أخرجه أبو موسى وقال: عند ابن إسحاق هذا، وعند غيره: عن إسحاق بن إبراهيم أحاديث".

(1/508)


الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أمرت بالدعاء، وتوكلت بالإجابة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك، أشهد أنك فرد أحد صمد لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا أحد، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور" (1) .
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسن بن يحيى الأرزي (2) ومحمد بن يحيى القطعي (3) قالا حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا صالح المري، عن الحسن، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم، واحدة لك وواحدة لي، وواحدة فيما بيني وبينك؛ فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك فما عملت من شيء وفيتكه (4) وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة" (5) .
وفي ذكره تعالى (6) هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده:
حدثنا أبو محمد المليكي، عن عمرو -هو ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة". فكان عبد الله بن عمرو إذ أفطر دعا أهله، وولده ودعا (7) .
وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه: حدثنا هشام بن عمار، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن إسحاق بن عبيد الله (8) المدني، عن عبد الله (9) بن أبي مليكة، عن (10) عبد الله بن عمرو، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد". قال عبد الله (11) بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي (12) .
وفي مسند الإمام أحمد، وسنن الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى (13) يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون (14) الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" (15) .
__________
(1) ورواه الديلمي في مسند الفردوس برقم (1798) وابن أبي الدنيا في الدعاء كما في الدر المنثور (1/474) وإسناده واه.
(2) في جـ: "الأزدي".
(3) في جـ: "المقطعي".
(4) في أ، و: "من شيء أو من عمل وفيتكه".
(5) مسند البزار برقم (19) "كشف الأستار" وقال البزار: "تفرد به صالح المري، وصالح المري ضعفه الأئمة".
(6) في جـ: "وفي ذكره تبارك وتعالى".
(7) مسند الطيالسي برقم (2262).
(8) في هـ: "عبد الله"، والصواب ما أثبتناه.
(9) في و: "عبيد الله".
(10) في جـ: "سمعت".
(11) في و : "عبيد الله".
(12) سنن ابن ماجة برقم (1753) وقال البوصيري في الزوائد (2/38): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات" وحسنه الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار".
(13) في و: "حين".
(14) في أ: "فوق".
(15) المسند (2/445) وسنن الترمذي برقم (3598) وسنن ابن ماجة برقم (1752)

(1/509)


أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187)

{ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) }

(1/509)


هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة. فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة. والرفث هنا هو: الجماع. قاله (1) ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطاوس، وسالم بن عبد الله ، وعمرو بن دينار (2) والحسن، وقتادة، والزهري، والضحاك، وإبراهيم النخعي، والسدي، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان.
وقوله: { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان: يعني هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن.
وقال الربيع بن أنس: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن.
وحاصله أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان، لئلا يشق ذلك عليهم، ويحرجوا، قال الشاعر (3) إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تداعت فكانت عليه لباسا ...
وكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدم في حديث معاذ الطويل، وقال أبو إسحاق عن البراء ابن عازب قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فنام قبل أن يفطر، لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة (4) الأنصاري كان صائما، وكان يومه ذاك يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك. فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائما قالت: خيبة لك! أنمت؟ فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } إلى قوله: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } ففرحوا بها فرحا شديدا (5) .
ولفظ البخاري هاهنا من طريق أبي إسحاق: سمعت البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا
__________
(1) في أ: "كما قال".
(2) في جـ: "بن يسار".
(3) هو النابغة الجعدي، والبيت في تفسير الطبري (3/490).
(4) في و: "قيس بن أبي صرمة".
(5) هذا اللفظ رواه الطبري في تفسيره (3/495).

(1/510)


يقربون النساء، رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم } (1) .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم (2) النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن } وكذا روى العوفي عن ابن عباس.
وقال موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم يأكلون ويشربون، ويحل لهم شأن النساء، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعدما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت. قال: "وماذا صنعت؟ " قال: إني سولت لي نفسي، فوقعت على أهلي بعد ما نمت وأنا أريد الصوم. فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما كنت خليقا أن تفعل". فنزل الكتاب: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم }
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قيس بن سعد (3) ، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة في قول الله تعالى (4) { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } إلى قوله: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وإن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، وأن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عينه بعد صلاة المغرب، فنام ولم يشبع من الطعام، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره (5) بذلك، فأنزل الله عند ذلك: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } يعني بالرفث: مجامعة النساء { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } يعني: تجامعون النساء، وتأكلون وتشربون بعد العشاء { فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن } يعني: جامعوهن { وابتغوا ما كتب الله لكم } يعني: الولد { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل } فكان ذلك عفوا من الله ورحمة.
وقال هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، إني أردت أهلي البارحة (6) على ما يريد الرجل أهله فقالت: إنها قد نامت، فظننتها تعتل، فواقعتها، فنزل في عمر: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم }
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4508).
(2) في جـ: "حرم الله عليهم".
(3) في جـ: "سعد بن قيس".
(4) في جـ: "في قوله تعالى".
(5) في جـ: "فأخبراه".
(6) في جـ: "البارحة أهلي".

(1/511)


وهكذا رواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، به (1) .
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، حدثني موسى بن جبير -مولى بني سلمة -أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت: إني قد نمت! فقال: ما نمت! ثم وقع بها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك. فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن } [الآية] (2) (3) .
وهكذا روي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والسدي، وقتادة، وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع، وفي صرمة بن قيس؛ فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقا.
وقوله: { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال أبو هريرة، وابن عباس (4) وأنس، وشريح القاضي، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والربيع بن أنس، والسدي، وزيد بن أسلم، والحكم بن عتبة (5) ومقاتل بن حيان، والحسن البصري، والضحاك، وقتادة، وغيرهم: يعني الولد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: { وابتغوا ما كتب الله لكم } يعني: الجماع.
وقال عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال: ليلة القدر. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر قال: قال قتادة: وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم. وقال سعيد عن قتادة: { وابتغوا ما كتب الله لكم } يقول: ما أحل الله لكم.
وقال عبد الرزاق أيضا: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية: { وابتغوا } أو: "اتبعوا" ؟ قال: أيتهما شئت: عليك بالقراءة الأولى.
واختار ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله.
وقوله: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل } أباح تعالى الأكل والشرب، مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: { من الفجر } كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثنا ابن أبي
__________
(1) رواه ابن مردويه في تفسيره من طريق عمرو بن عون، عن هشيم به. قال الحافظ ابن كثير في "مسند الفاروق" (2/566): "هذا إسناد جيد وابن أبي ليلى مختلف في سماعه من عمر، ولكن قد روي من وجه آخر عن ابن أبي ليلى عن معاذ بن جبل أن عمر فعل مثل هذا". ورواه الطبري في تفسيره (3/493) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة به.
(2) زيادة من جـ، أ، و.
(3) تفسير الطبري (3/496).
(4) في جـ: "قال الزهري عن ابن عباس".
(5) في أ: "عيينة"، وفي و: "عتيبة".

(1/512)


مريم، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: أنزلت: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } ولم ينزل { من الفجر } وكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد: { من الفجر } فعلموا أنما يعني: الليل والنهار (1) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } عمدت إلى عقالين، أحدهما أسود والآخر أبيض، قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما فلا تبين (2) لي الأسود من الأبيض، ولا الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت. فقال: "إن وسادك إذا لعريض، إنما ذلك بياض النهار وسواد (3) الليل" (4) .
أخرجاه في الصحيحين من غير وجه، عن عدي (5) . ومعنى قوله: "إن وسادك إذا لعريض" أي: إن كان يسع لوضع الخيط الأسود والخيط الأبيض المرادين من هذه الآية تحتها، فإنهما بياض النهار وسواد الليل. فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب.
وهكذا وقع في رواية البخاري مفسرا بهذا: أخبرنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن الشعبي، عن عدي قال: أخذ عدي عقالا أبيض وعقالا أسود، حتى كان بعض الليل نظر فلم يتبينا (6) . فلما أصبح قال: يا رسول الله، جعلت تحت وسادتي. قال: "إن وسادك إذا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك" (7) .
وجاء في بعض الألفاظ: إنك لعريض القفا. ففسره بعضهم بالبلادة، وهو ضعيف. بل يرجع إلى هذا؛ لأنه إذا كان وساده عريضا فقفاه أيضا عريض، والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضا:
حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: "إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين". ثم قال: "لا بل هو (8) سواد الليل وبياض النهار" (9) .
وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر، دليل على استحباب السحور؛ لأنه من باب الرخصة، والأخذ بها محبوب؛ ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحث على السحور [لأنه من باب الرخصة والأخذ بها] (10) ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسحروا فإن في السحور بركة" (11) . وفي صحيح مسلم، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: قال
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4511).
(2) في جـ: "فلما يتبين".
(3) في جـ: "من سواد".
(4) المسند (4/377).
(5) صحيح البخاري برقم (1916،4509) وصحيح مسلم برقم (1090).
(6) في أ، و: "فلم يستبينا".
(7) صحيح البخاري برقم (4509).
(8) في جـ: "بل هما".
(9) صحيح البخاري برقم (4510).
(10) زيادة من جـ.
(11) صحيح البخاري برقم (1923) وصحيح مسلم برقم (1095).

(1/513)


رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن فصل (1) ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر (2) " (3) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى (4) هو ابن الطباع، حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السحور أكله بركة؛ فلا تدعوه، ولو أن أحدكم يجرع جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" (5) .
وقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة من ماء، تشبها (6) بالآكلين. ويستحب تأخيره إلى قريب انفجار الفجر، كما جاء في الصحيحين، عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت، قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة. قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية (7) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان، عن سليمان (8) بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور" (9) . وقد ورد في أحاديث كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه الغداء المبارك، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجة من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة بن اليمان قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النهار إلا أن الشمس لم تطلع (10) . وهو حديث تفرد به عاصم بن أبي النجود، قاله النسائي، وحمله على أن المراد قرب النهار، كما قال تعالى: { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } [الطلاق: 2] أي: قاربن انقضاء العدة، فإما إمساك (11) أو ترك للفراق. وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه: أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر، حتى أن بعضهم ظن طلوعه وبعضهم لم يتحقق ذلك. وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف أنهم تسامحوا (12) في السحور عند مقاربة الفجر. روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت وعن طائفة كثيرة من التابعين، منهم: محمد بن علي بن الحسين، وأبو مجلز، وإبراهيم النخعي، وأبو الضحى، وأبو وائل، وغيره (13) من أصحاب ابن مسعود وعطاء، والحسن، والحكم بن عيينة (14) ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد. وإليه ذهب الأعمش معمر (15) بن راشد. وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب
__________
(1) في أ: "إن أفضل".
(2) في أ: "السحور".
(3) صحيح مسلم برقم (1096).
(4) في جـ: "بن إسحاق".
(5) المسند (3/44).
(6) في أ: "تشبيها".
(7) صحيح البخاري برقم (1921) وصحيح مسلم برقم (1097).
(8) في جـ: "عن سلمان".
(9) المسند (5/172).
(10) المسند (5/396) وسنن النسائي (4/142) وسنن ابن ماجة برقم (1695).
(11) في جـ: "إمساك بمعروف".
(12) في أ: "أنهم سامحوا".
(13) في أ: "وغيرهما".
(14) في جـ: "ابن قتيبة"، وفي و: "ابن عتيبة".
(15) في جـ، أ: "ومعمر".

(1/514)


الصيام المفرد، ولله الحمد.
وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره، عن بعضهم: أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها.
قلت: وهذا القول ما أظن أحدا من أهل العلم يستقر له قدم عليه، لمخالفته نص القرآن في قوله: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل } وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمنعكم (1) أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر". لفظ البخاري (2) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكنه المعترض الأحمر" (3) . ورواه أبو داود، والترمذي ولفظهما: "كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر" (4) .
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن شيخ من بني قشير: سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر الفجر، أو يطلع الفجر".
ثم رواه من حديث شعبة وغيره، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق" (5) .
قال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض، تعمدوا الصبح حين يستطير" (6) .
ورواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم -يعني (7) ابن علية -مثله سواء (8) .
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره -أو قال نداء بلال -فإن بلالا يؤذن -أو [قال] (9) ينادي -لينبه نائمكم وليرجع قائمكم، وليس الفجر أن يقول
__________
(1) في و: "لا يمنعنكم".
(2) صحيح البخاري برقم (1918،622) وصحيح مسلم برقم (1092) وقوله: "لا يمنعنكم أذان بلال عن سحوركم" لم يقع في البخاري من حديث عائشة وإنما من حديث عبد الله بن مسعود، هذا ما ظهر لي بعد البحث، والله أعلم.
(3) المسند (4/23).
(4) سنن أبي داود برقم (2348) وسنن الترمذي برقم (705).
(5) هذا الحديث لم أجده في تفسير الطبري المطبوع.
(6) في أ، و: "لعمود الصبح حتى يستطير".
(7) في و: "هو".
(8) صحيح مسلم برقم (1094).
(9) زيادة من و.

(1/515)


هكذا أوهكذا، حتى يقول هكذا".
ورواه من وجه آخر عن التيمي، به (1) .
وحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي، حدثنا أبو أسامة عن محمد بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الفجر فجران، فالذي كأنه ذنب السرحان لا يحرم شيئا، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام" (2) . وهذا مرسل جيد.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئا، ولكن الفجر الذي يستبين (3) على رؤوس الجبال، هو الذي يحرم الشراب. قال عطاء: فأما إذا سطع سطوعا في السماء، وسطوعه أن يذهب في السماء طولا فإنه لا يحرم به شراب لصيام ولا صلاة، ولا يفوت به حج (4) ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال، حرم الشراب للصيام وفات الحج.
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء، وهكذا روي عن غير واحد من السلف، رحمهم الله.
مسألة: ومن جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام، يستدل على أنه من أصبح جنبا فليغتسل، وليتم صومه، ولا حرج عليه. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفا وخلفا، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة، رضي الله عنهما، أنهما قالتا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم (5) . وفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي. وفي صحيح مسلم، عن عائشة: أن رجلا قال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم". فقال: لست مثلنا -يا رسول الله -قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" (6) . فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد:
حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا نودي للصلاة -صلاة الصبح -وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ" (7) فإنه حديث جيد الإسناد على شرط الشيخين، كما ترى (8) وهو في الصحيحين عن أبي هريرة، عن الفضل بن عباس عن النبي
__________
(1) لم أجد هذا الحديث في المطبوع من تفسير الطبري ورواه البخاري في صحيحه برقم (621، 5298) ومسلم في صحيحه برقم (1093) من طريق أبي عثمان النهدي به.
(2) تفسير الطبري (3/514).
(3) في أ: "حتى يستنير".
(4) في أ: "به الحج".
(5) صحيح البخاري برقم (1925 ، 1926) وصحيح مسلم برقم (1109).
(6) صحيح مسلم برقم (1109).
(7) المسند (2/314).
(8) في جـ: "كما ترى على شرط الشيخين".

(1/516)


صلى الله عليه وسلم (1) وفي سنن النسائي (2) عنه، عن أسامة بن زيد، والفضل بن عباس ولم يرفعه (3) . فمن العلماء من علل هذا الحديث بهذا، ومنهم من ذهب إليه، ويحكى هذا عن أبي هريرة، وسالم، وعطاء، وهشام بن عروة، والحسن البصري. ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنبا نائما فلا عليه، لحديث عائشة وأم سلمة، أو مختارا فلا صوم له، لحديث أبي هريرة. يحكى (4) هذا عن عروة، وطاوس، والحسن. ومنهم من فرق بين الفرض فيتمه ويقضيه وأما النفل فلا يضره. رواه الثوري، عن منصور، عن إبراهيم النخعي. وهو رواية عن الحسن البصري أيضا، ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديثي عائشة وأم سلمة، ولكن لا تاريخ معه.
وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية الكريمة، وهو بعيد أيضا، وأبعد؛ إذ لا تاريخ، بل الظاهر من التاريخ خلافه. ومنهم من حمل حديث أبي هريرة على نفي الكمال "فلا صوم له" لحديث عائشة وأم سلمة الدالين على الجواز. وهذا المسلك أقرب الأقوال وأجمعها، والله أعلم.
وقوله تعالى: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكما شرعيا، كما جاء في الصحيحين، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم" (5) .
وعن سهل بن سعد الساعدي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" أخرجاه أيضا (6) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله، عز وجل: إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا".
ورواه الترمذي من غير وجه، عن الأوزاعي، به (7) . وقال: هذا حديث حسن غريب.
وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا عبيد الله (8) بن إياد، سمعت إياد بن لقيط قال: سمعت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية، قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه. وقال: "يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا" (9) .
[وروى الحافظ ابن عساكر، حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا يحيى بن
__________
(1) صحيح البخاري برقم (1925) وصحيح مسلم برقم (1109).
(2) في أ: "وفي سنن أبي داود والنسائي".
(3) سنن النسائي الكبرى برقم (2933 ، 2934).
(4) في جـ: "ويحكي".
(5) صحيح البخاري برقم (1954) وصحيح مسلم برقم (1100).
(6) صحيح البخاري برقم (1957) وصحيح مسلم برقم (1098).
(7) المسند (2/238) وسنن الترمذي برقم (700 ، 701).
(8) في أ: "عبد الله".
(9) المسند (5/225).

(1/517)


حمزة، عن ثور بن يزيد، عن علي بن أبي طلحة، عن عبد الملك بن أبي ذر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واصل يومين وليلة؛ فأتاه جبريل فقال: إن الله قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك، وذلك بأن الله قال: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } فلا صيام بعد الليل، وأمرني بالوتر قبل الفجر، وهذا إسناد لا بأس به، أورده في ترجمة عبد الملك بن أبي ذر في تاريخه] (1) (2) .
ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال، وهو أن يصل صوم يوم بيوم آخر، ولا يأكل بينهما شيئا. قال الإمام أحمد:
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تواصلوا". قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل. قال: "فإني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني". قال: فلم ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين وليلتين، ثم رأوا الهلال، فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم" كالمنكل بهم (3) .
وأخرجاه في الصحيحين، من حديث الزهري به (4) . وكذلك أخرجا النهى عن الوصال من حديث أنس وابن عمر (5) .
وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل. قال: "إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني" (6) .
فقد ثبت النهي عنه من غير وجه، وثبت أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يقوى على ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويا لا حسيا، وإلا فلا يكون مواصلا مع الحسي، ولكن كما قال الشاعر:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد ...
وأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر". قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله. قال: "إني (7) لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني، وساق يسقيني". أخرجاه في الصحيحين أيضا (8) .
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو إسرائيل العبسي (9) عن أبي بكر ابن حفص، عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة: أنها مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر، فدعاها إلى الطعام. فقالت: إني صائمة. قال: وكيف تصومين؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "أين أنت من
__________
(1) زيادة من جـ أ، و.
(2) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (15/192).
(3) في جـ: "لهم".
(4) صحيح البخاري برقم (6851) وصحيح مسلم برقم (1105).
(5) حديث أنس في صحيح البخاري برقم (1961) وفي صحيح مسلم برقم (1104)، وحديث ابن عمر في صحيح البخاري برقم (1962) وفي صحيح مسلم برقم (1102).
(6) صحيح البخاري برقم (1964) وصحيح مسلم برقم (1105).
(7) في جـ: "فإني".
(8) صحيح البخاري برقم (1963) ولم أقع عليه في صحيح مسلم.
(9) في أ: "القيسي".

(1/518)


وصال آل محمد، من السحر إلى السحر" (1) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل من السحر إلى السحر (2) .
وقد روى ابن جرير، عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف، أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة [وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف] (3) وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم، لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة. والله أعلم. ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاد،[أي] (4) من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: "رحمة لهم"، فكان ابن الزبير وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه، لأنهم كانوا يجدون قوة عليه. وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون على السمن والصبر لئلا تتخرق الأمعاء بالطعام أولا. وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم. وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار فإذا جاء بالليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.
وقوله تعالى: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا ونهارا (5) حتى يقضي اعتكافه.
وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد، جامع إن شاء، فقال الله تعالى: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد (6) ولا في غيره. وكذا قال مجاهد، وقتادة وغير واحد إنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود، ومحمد بن كعب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، والضحاك والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل، قالوا: لا يقربها وهو معتكف. وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء: أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها فلا يحل له أن يتلبث (7) فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك، من قضاء الغائط، أو أكل، وليس له أن يقبل امرأته، ولا يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود المريض، لكن يسأل عنه وهو مار في طريقه.
وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابه، منها ما هو مجمع عليه بين العلماء، ومنها ما هو مختلف فيه (8) . وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد (9) .
ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف، اقتداء بالقرآن العظيم، فإنه نبه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم. وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على
__________
(1) تفسير الطبري (3/537 ، 538).
(2) المسند (1/91 ، 141).
(3) زيادة من جـ.
(4) زيادة من جـ.
(5) في جـ، أ: "أو نهارا".
(6) في أ: "في المساجد".
(7) في جـ: "أن يمكث".
(8) في أ: "فيها".
(9) في جـ: "ولله الحمد والمنة".

(1/519)


الاعتكاف في الصيام، أو في آخر (1) شهر الصيام، كما ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان، حتى توفاه الله، عز وجل. ثم اعتكف أزواجه من بعده. أخرجاه من حديث عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها (2) ، وفي الصحيحين أن صفية بنت حيي كانت (3) تزور النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت لترجع إلى منزلها -وكان ذلك ليلا -فقام النبي صلى الله عليه وسلم ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا -وفي رواية: تواريا-أي حياء من النبي صلى الله عليه وسلم لكون أهله معه (4) ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: "على رسلكما إنها صفية بنت حيي" أي: لا تسرعا، واعلما أنها صفية بنت حيي، أي: زوجتي. فقالا سبحان الله يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا" أو قال: "شرا" (5) .
قال الشافعي، رحمه الله: أراد، عليه السلام، أن يعلم أمته التبري من التهمة في محلها، لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى لله أن يظنا بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا. والله أعلم.
ثم المراد بالمباشرة: إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل، ومعانقة ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به؛ فقد ثبت في الصحيحين، عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت فما أسأل عنه إلا وأنا مارة (6) .
وقوله: { تلك حدود الله } أي: هذا الذي بيناه، وفرضناه، وحددناه من الصيام، وأحكامه، وما أبحنا فيه وما حرمنا، وذكر (7) غاياته ورخصه وعزائمه، حدود الله، أي: شرعها الله وبينها بنفسه { فلا تقربوها } أي: لا تجاوزوها، وتعتدوها (8) .
وكان الضحاك ومقاتل يقولان في قوله تعالى: { تلك حدود الله } أي: المباشرة في الاعتكاف.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني هذه الحدود الأربعة، ويقرأ (9) { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } حتى بلغ: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } قال: وكان أبي وغيره من مشيختنا (10) يقولون هذا ويتلونه علينا.
{ كذلك يبين الله آياته للناس } أي: كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم { للناس لعلهم يتقون } أي: يعرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون كما قال تعالى: { هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور [ وإن الله بكم لرءوف رحيم } ] (11) . [الحديد: 9].
__________
(1) في أ، و: "أو في أواخر".
(2) صحيح البخاري برقم (2033) وصحيح مسلم برقم (1172) واللفظ لمسلم.
(3) في جـ، أ: "جاءت".
(4) في جـ: "معه أهله".
(5) صحيح البخاري برقم (2035 ، 6219) وصحيح مسلم برقم (2175) من حديث صفية رضي الله عنها.
(6) صحيح البخاري برقم (2029) وصحيح مسلم برقم (297).
(7) في جـ: "وذكرنا".
(8) في جـ: "تتجاوزوها أو تعتدوها".
(9) في جـ: "ويقول".
(10) في أ: "من مشايخنا".
(11) زيادة من و، وفي جـ، ط، أ، هـ: "الآية".

(1/520)


ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون (189)

{ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) }
قال علي ابن أبي طلحة، وعن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل حرام.
وكذا روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. وقد ورد (1) في الصحيحين عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فليحملها، أو ليذرها" (2) . فدلت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو يلزم (3) في الظاهر، فإن طابق في (4) نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره؛ ولهذا قال تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا } [أي : طائفة] (5) { من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجون في كلامكم.
قال قتادة: اعلم -يا ابن آدم -أن قضاء القاضي لا يحل لك حراما، ولا يحق لك باطلا وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى (6) ويشهد به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا.
وقال أبو حنيفة: حكم الحاكم بطلاق الزوجة إذا شهد عنده شاهدا زور في نفس الأمر، ولكنهما عدلان عنده يحلها للأزواج حتى للشاهدين ويحرمها على زوجها الذي حكم بطلاقها منه، وقالوا: هذا كلعان المرأة، إنه يبينها من زوجها ويحرمها عليه، وإن كانت كاذبة في نفس الأمر، ولو علم الحاكم بكذبها لحدها ولما حرمها وهذا أولى.
مسألة: قال القرطبي: أجمع أهل السنة على أن من أكل مالا حراما ولو ما يصدق عليه اسم المال أنه يفسق، وقال بشر بن المعتمر في طائفة من المعتزلة: لا يفسق إلا بأكل مائتى درهم فما زاد، ولا يفسق بما دون ذلك، وقال الجبائي: يفسق بأكل درهم فما فوقه إلا بما دونه.
{ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون (189) }
__________
(1) في جـ: "وقد روي".
(2) صحيح البخاري برقم (2458 ، 6967) وصحيح مسلم برقم (1713) من حديث أم سلمة رضي الله عنها
(3) في جـ: "هو ملزم".
(4) في جـ: "ما في".
(5) زيادة من جـ، أ.
(6) في جـ: "على نحو ما ترى".

(1/521)


قال العوفي عن ابن عباس: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس [والحج] (1) } يعلمون بها حل دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم.
وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس } يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم، وعدة نسائهم، ومحل دينهم.
وكذا روي عن عطاء، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك.
وقال عبد الرزاق، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جعل الله الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما".
ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث ابن أبي رواد، به (2) . وقال: كان ثقة عابدا مجتهدا شريف النسب، فهو صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقال محمد بن جابر، عن قيس بن طلق؛ عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جعل الله الأهلة، فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (3) . وكذا روي من حديث أبي هريرة، ومن كلام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه (4) (5) .
وقوله: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها } قال البخاري: حدثنا عبيد الله (6) بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها } (7) .
وكذا رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفر لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذه الآية.
وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله
__________
(1) زيادة من أ.
(2) المستدرك (1/423).
(3) رواه أحمد في المسند (4/23) من طريق محمد بن جابر به.
(4) في جـ: "عنهم".
(5) حديث أبي هريرة رواه البخاري في صحيحه برقم (1909) ومسلم في صحيحه برقم (1081).
(6) في أ: "عبد الله".
(7) صحيح البخاري برقم (4512).

(1/522)


وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193)

صلى الله عليه وسلم في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله، إن قطبة ابن عامر رجل تاجر (1) وإنه خرج معك من الباب. فقال له: "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت. فقال: "إني [رجل] (2) أحمس". قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها } رواه ابن أبي حاتم. ورواه العوفي عن ابن عباس بنحوه. وكذا روي عن مجاهد، والزهري، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والسدي، والربيع بن أنس.
وقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوره من قبل ظهره، فقال (3) الله تعالى: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها [ولكن البر من اتقى] (4) } الآية.
وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله هذه الآية.
وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله تعالى: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها }
وقوله: { واتقوا الله لعلكم تفلحون } أي: اتقوا الله فافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه { لعلكم تفلحون } غدا إذا وقفتم بين يديه، فيجزيكم (5) بأعمالكم على التمام، والكمال.
{ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) }
قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال: هذه منسوخة بقوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة: 5] وفي هذا نظر؛ لأن قوله: { الذين يقاتلونكم } إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما
__________
(1) في جـ: "فاجر".
(2) زيادة من جـ، أ.
(3) في أ: "فأنزل".
(4) زيادة من جـ.
(5) في جـ، أ: "فيجازيكم".

(1/523)


يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } [التوبة: 36]؛ ولهذا قال في هذه الآية: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } أي: لتكن همتكم منبعثة على قتالهم، كما أن همتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها، قصاصا.
وقد حكى عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أن أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة، { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } الآية [الحج: 39] وهو الأشهر وبه ورد الحديث.
وقوله: { ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله الحسن البصري -من المثلة، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، ولا أصحاب الصوامع". رواه الإمام أحمد (1) .
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا بسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع". رواه الإمام أحمد (2) .
ولأبي داود، عن أنس مرفوعا، نحوه (3) . وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان (4) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي ابن حراش، قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالا واحدا، وثلاثة، وخمسة، وسبعة، وتسعة، وأحد عشر، فضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مثلا وترك سائرها، قال: "إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه" (5) .
هذا حديث حسن الإسناد. ومعناه: أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء، فاعتدوا عليهم واستعملوهم فيما لا يليق بهم، أسخطوا الله عليهم بسبب (6) هذا الاعتداء. والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا.
__________
(1) صحيح مسلم برقم (1731) والمسند (5/352).
(2) المسند (1/300).
(3) سنن أبي داود برقم (2614).
(4) صحيح البخاري برقم (3015) وصحيح مسلم برقم (1744).
(5) المسند (5/407).
(6) في جـ: "لسبب".

(1/524)


ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبه تعالى على أن ما هم مشتملون (1) عليه من
__________
(1) في جـ: "مقيمون".

(1/524)


الكفر بالله والشرك به والصد عن سبيله أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل؛ ولهذا قال: { والفتنة أشد من القتل } قال أبو مالك: أي: ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل.
وقال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع ابن أنس في قوله: { والفتنة أشد من القتل } يقول: الشرك أشد من القتل.
وقوله: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } كما جاء في الصحيحين: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" (1) .
يعني بذلك -صلوات الله وسلامه عليه -قتاله أهلها يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة، وقتلت رجال منهم عند الخندمة، وقيل: صلحا؛ لقوله: من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
[وقد حكى القرطبي: أن النهي عن القتال عند المسجد الحرام منسوخ. قال قتادة: نسخها قوله: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم } [التوبة: 5]. قال مقاتل بن حيان: نسخها قوله: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وفي هذا نظر] (2) .
وقوله: { حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين } يقول تعالى: لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعا للصيال (3) كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } [الفتح: 24]، ، وقال: { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } [الفتح: 25].
وقوله: { فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } أي: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة، فإن الله [غفور رحيم] (4) يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه.
ثم أمر تعالى بقتال الكفار: { حتى لا تكون فتنة } أي: شرك. قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، وزيد بن أسلم.
{ ويكون الدين لله } أي: يكون دين الله هو الظاهر [العالي] (5) على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيحين: عن أبي موسى الأشعري، قال: سئل النبي (6) صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو
__________
(1) صحيح البخاري برقم (1834) وصحيح مسلم برقم (1353) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) زيادة من جـ، أ.
(3) في أ: "للقتال".
(4) زيادة من جـ.
(5) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(6) في جـ، ط، : "سئل رسول الله".

(1/525)


الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194)

في سبيل الله" (1) . وفي الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (2) وقوله: { فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين } يقول: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين، فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يقاتل إلا من قاتل. أو يكون تقديره؛ فإن انتهوا فقد تخلصوا من الظلم، وهو الشرك. فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة والمقاتلة، كقوله: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وقوله: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } [الشورى: 40]، { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } [النحل: 126]. ولهذا قال عكرمة وقتادة: الظالم: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله.
وقال البخاري: قوله: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [ويكون الدين لله] (3) } الآية: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا (4) : إن الناس صنعوا (5) وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. قالا ألم يقل الله: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } ؟ قال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. زاد عثمان ابن صالح (6) عن ابن وهب قال: أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو المعافري (7) أن بكير بن عبد الله حدثه، عن نافع: أن رجلا أتى ابن عمر فقال [له] (8) يا أبا عبد الرحمن، ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر (9) عاما، وتترك الجهاد في سبيل الله، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي، بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } [الحجرات: 9]، { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } قال: فعلنا على عهد النبي (10) صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه: إما قتلوه أو عذبوه (11) حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا (12) عنه، وأما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، وأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون (13) .
{ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) }
__________
(1) صحيح البخاري برقم (2810 ، 3126) وصحيح مسلم برقم (1904).
(2) صحيح البخاري برقم (25) وصحيح مسلم برقم (22) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(3) زيادة من جـ، ط.
(4) في ط: "فقالوا".
(5) في و: "ضيعوا".
(6) في جـ: "عثمان بن أبي صالح".
(7) في أ: "المغافري".
(8) زيادة من جـ، ط، أ.
(9) في و: "وتقيم".
(10) في جـ: "رسول الله".
(11) في أ، و: "أو يعذبوه".
(12) في جـ: "يعفو".
(13) صحيح البخاري برقم (4513-4515).

(1/526)


قال عكرمة، عن ابن عباس، والضحاك، والسدي، ومقسم، والربيع بن أنس، وعطاء وغيرهم: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا في سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام، حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية، هو ومن كان [معه] (1) من المسلمين، وأقصه الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص }
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى ويغزوا (2) فإذا حضره أقام حتى ينسلخ (3) .
هذا إسناد صحيح؛ ولهذا لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم -وهو مخيم بالحديبية -أن عثمان قد قتل -وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين -بايع أصحابه، وكانوا ألفا وأربعمائة تحت الشجرة على قتال المشركين، فلما بلغه أن عثمان لم يقتل كف عن ذلك، وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان.
وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين وتحصن فلهم بالطائف، عدل إليها، فحاصرها ودخل ذو القعدة وهو محاصرها بالمنجنيق، واستمر عليها إلى كمال أربعين يوما، كما ثبت في الصحيحين عن أنس (4) . فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح، ثم كر راجعا إلى مكة واعتمر من الجعرانه، حيث قسم غنائم حنين. وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضا عام ثمان، صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } أمر بالعدل حتى في المشركين: كما قال: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } [النحل: 126]. وقال: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } [الشورى: 40] .
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن قوله: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية الجهاد (5) بالمدينة. وقد رد هذا القول ابن جرير، وقال: بل [هذه] (6) الآية مدنية بعد عمرة القضية، وعزا ذلك إلى مجاهد، رحمه الله.
وقد أطلق هاهنا الاعتداء على الاقتصاص، من باب المقابلة، كما قال عمرو بن أم كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا ...
وقال ابن دريد:
__________
(1) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(2) في جـ: "إلا يغزوا الغزو"، وفي أ: "إلا أن يقر ويقروا".
(3) المسند (3/345).
(4) الحديث بهذا المعنى في صحيح مسلم برقم (1059).
(5) في جـ، ط، أ، و: "بآية القتال".
(6) زيادة من جـ، ط، أ.

(1/527)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية