صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : بحر العلوم
المؤلف : السمرقندي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

« وإياي ولكن الله عز وجل أعانني عليه فأسلم ، فلا يأمرني إلا بخير » وعن الربيع ، عن أنس ، قال : سألت أبا العالية عن قوله عز وجل : { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } [ الزمر : 31 ] وهاهنا يقول : { لا تختصموا لدى } فقال : لا تختصموا لدي في أهل النار ، والأخرى في المؤمنين في المظالم ، فيما بينهم ، وقال مجاهد : { ما يبدل القول لدى ومآ أنا بظلام للعبيد } [ ق : 29 ] يعني : لقد قضيت ما أنا قاض قوله عز وجل : { يوم نقول لجهنم } قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر { يقول } بالياء يعني : يقول الله تعالى ، قرأ الباقون بالنون ، ومعناه كذلك يوم صار نصبا على معنى ما يبدل القول لدي في ذلك اليوم ، ويقال على معنى أنذرهم يوم ، كقوله : { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الامر وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون } [ مريم : 39 ] ثم قال { هل امتلات } يعني : هل أوفيتك ما وعدتك ، وهو قوله لأملأن جهنم { فتقول } النار { هل من مزيد } يعني : هل من زيادة وقال عطية : هل من موضع ، ويقال معناه هل امتلأت ، أي قد امتلأت ، فليس من مزيد ، ويقال : أنا طلبت الزيادة تغيظا لمن فيها ، وروى وكيع بإسناده عن أبي هريرة قال : « لا تزال جهنم تسأل الزيادة حتى يضع الله فيها قدمه فتقول جهنم يا رب قط قط » أي حسبي حسبي ، وقال في رواية الكلبي نحو هذا ، ويقال تضيق بأهلها حتى لا يكون فيها مدخل لرجل واحد . قال أبو الليث : قد تكلم الناس في مثل هذا الخبر قال بعضهم : نؤمن به ولا نفسره ، وقال بعضهم : نفسره على ما جاء بظاهر لفظه ، وتأوله بعضهم وقال : معنى الخبر بكسر القاف يضع قدمه وهم أقوام سالفة فتمتلىء بذلك .

(4/189)


وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (31) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (35) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص (36)

قوله عز وجل : { وأزلفت الجنة } يعني : قربت وأدنيت الجنة { للمتقين } الذين يتقون الشرك والكبائر ، ويقال زينت الجنة .
ثم قال عز وجل : { غير بعيد } يعني : ينظرون إليها قبل دخولها ، ويقال غير بعيد ، يعني : دخولهم غير بعيد ، فيقال لهم { هذا ما توعدون } في الدنيا { لكل أواب حفيظ } أي مقبل إلى طاعة الله ، حفيظ لأمر الله تعالى في الخلوات وغيرها ، ويقال : الأواب الحفيظ الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها ، وروى مجاهد عن عبيد بن عمير مثل هذا قوله عز وجل : { من خشى الرحمن بالغيب } يعني : يخاف الله عز وجل ، فيعمل بما أمره الله ، وانتهى عما نهاه ، وهو في غيب منه { وجاء بقلب منيب } يعني : مقبلا إلى طاعة الله مخلصا ويقال لهم : { ادخلوها بسلام } ذكر في أول الآية بلفظ الواحدان ، وهو قوله وجاء بقلب منيب ، ثم ذكر بلفظ الجماعة وهو قوله : { ادخلوها } لأن لفظه من اسم جنس ، يقع على الواحد ، وعلى الجماعة ، مرة تكون عبارة عن الجماعة ، ومرة تكون عن الواحدان { ادخلوها بسلام } يعني : بسلامة من العذاب والموت والأمراض والآفات { ذلك يوم الخلود } أي لا خروج منه قوله عز وجل : { لهم ما يشآءون فيها } يعني : يتمنون فيها { ولدينا مزيد } يعني : زيادة على ما يتمنون من التحف والكرامات ، ويقال هو الرؤية وكقوله : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } [ يونس : 26 ] ثم قال عز وجل : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } يعني : قبل أهل مكة { هم أشد منهم بطشا } يعني : أشد من أهل مكة { فنقبوا فى البلاد } يعني : طافوا وتقلبوا في أسفارهم وتجاراتهم ، ويقال : تغربوا في البلاد { هل من محيص } يعني : هل من فرار ، وهل من ملجأ من عذاب الله .

(4/190)


إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (38) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39) ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير (43) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (45)

قوله عز وجل : { إن فى ذلك لذكرى } يعني : فيما صنع لقومك { لمن كان له قلب } يعني : عقل لأنه يعقل بالقلب فكني عنه { أو ألقى السمع } يعني : استمع إلى القرآن { وهو شهيد } يعني : قلبه حاضر غير غائب عنه ، وقال القتبي : وهو شهيد ، يعني : استمع كتاب الله ، وهو شاهد القلب والفهم ، ليس بغافل ، ولا ساه ، وروى معمر عن قتادة قال : لمن كان له قلب من هذه الأمة ، أو ألقى السمع . قال رجل من أهل الكتاب : استمع إلى القرآن ، وهو شهيد على ما في يديه من كتاب الله تعالى ، وروي عن عمر أنه قرأ : { فنقبوا } بالتخفيف ، يعني : فتبينوا ونظروا وذكروا ، ومنه قيل للعريف نقيب القوم ، لأنه يتعرف أمرهم ، ويبحث عنهم .
وقرأ يحيى بن يعمر { فنقبوا } بضم النون ، وكسر القاف ، يعني : تبينوا ، وقرأ الباقون بالتشديد يعني : طوفوا ، وقوله : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا فى البلاد هل من محيص } [ ق : 36 ] يعني : هل من ملجأ من الموت ، قوله عز وجل : { ولقد خلقنا السموات والارض } وذلك أن اليهود قالوا : لما خلق الله السموات والأرض وفرغ منهما ، استراح في يوم السبت فنزل قوله : { ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب } يعني : ما أصابنا من إعياء ، وإنما يستريح من يعيى .
قوله عز وجل : { فاصبر على ما يقولون } من المنكر ، وهو قولهم : استراح ، ويقال : فاصبر على ما يقولون من التكذيب ، وقال في رواية الكلبي : نزلت في المستهزئين من قريش ، وفي أذاهم للنبي صلى الله عليه وسلم { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } يعني : صل لربك صلاة الفجر ، وصلاة الظهر ، وصلاة العصر { ومن اليل } يعني : المغرب والعشاء { فسبحه } يعني : صل له وهو المغرب والعشاء { وأدبار السجود } يعني : ركعتي المغرب ، قرأ ابن كثير ، ونافع ، وحمزة { وأدبار } بكسر الألف ، والباقون بالنصب ، فهو جمع الدبر ، ومن قرأ بالكسر فعلى مصدر أدبر يدبر إدبارا ، قال أبو عبيدة : هكذا نقرأ يعني : بالنصب ، لأنه جمع الدبر ، وإنما الإدبار ، هو المصدر كقولك : أدبر ، يدبر ، إدبارا ، ولا إدبار للسجود ، وإنما ذلك للنجوم .
قوله عز وجل : { واستمع يوم يناد المناد } قرأ أبو عمرو ، ونافع ، وابن كثير : المنادي بالياء في الوصل ، وهو الأصل في اللغة ، والباقون بغير ياء ، لأن الكسر يدل عليه فاكتفى به ، ومعنى الآية اعمل واجتهد ، واستعد ليوم القيامة ، يعني : استمع صوت إسرافيل { من مكان قريب } يعني : من صخرة بيت المقدس { يوم يسمعون الصيحة بالحق } يعني : نفخة إسرافيل بالحق أنها كائنة ، وقال مقاتل : في قوله : { من مكان قريب } قال صخرة : بيت المقدس ، وهي أقرب الأرض من السماء ، بثمانية عشر ميلا ، وقال الكلبي : باثني عشر ميلا { ذلك يوم الخروج } من قبورهم إلى المحاسبة ، ثم إلى إحدى الدارين ، إما إلى الجنة ، وإما إلى النار ، وقال أبو عبيدة : يوم الخروج اسم من أسماء يوم القيامة ، واستشهد بقول العجاج أليس يوم سميت خروجا أعظم يوما سميت عروجا ، قوله تعالى : { إنا نحن نحى ونميت } يعني : نحيي في الآخرة ، ونميت في الدنيا الأحياء ، ويقال : إنا نحن نحيي الموتى ونميت الأحياء { وإلينا المصير } يعني : المرجع في الآخرة ، يعني : مصير الخلائق كلهم .

(4/191)


قوله عز وجل : { يوم تشقق الارض عنهم سراعا } يعني : تصدع الأرض عنهم ، قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر { تشقق } بتشديد الشين ، والباقون بالتخفيف ، لأنه لما حذف إحدى التاءين ترك الشين على حالها ، ثم قال : { سراعا } يعني : خروجهم من القبور سراعا { ذلك حشر علينا يسير } يعني : جمع الخلائق علينا هين { نحن أعلم بما يقولون } في البعث من التكذيب { وما أنت عليهم بجبار } يعني : بمسلط ، يعني : لم تبعث لتجبرهم على الإسلام ، وإنما بعثت بشيرا ونذيرا ، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال .
ثم قال : { فذكر بالقرءان } يعني : فعظ بالقرآن بما وعد الله فيه { من يخاف وعيد } يعني : من يخاف عقوبتي وعذابي والله أعلم .

(4/192)


والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات أمرا (4) إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والسماء ذات الحبك (7) إنكم لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9)

قوله تعالى : { والذريات ذروا } أقسم الله عز وجل ، بالرياح إذا أذرت ذروا ، وروى يعلى بن عطاء ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : الرياح ثمانية : أربعة منها رحمة ، وأربعة منها عذاب ، فالرحمة منها : الناشرات ، والمبشرات ، والذاريات ، والمرسلات ، وأما العذاب : العاصف والقاصف والصرصر والعقيم ، وعن أبي الطفيل قال : شهدت عليا رضي الله عنه وهو يخطب ويقول : سلوني عن كتاب الله عز وجل ، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بالليل ، أم بالنهار فسأله ابن الكواء فقال له : ما { والذريات ذروا } قال : الرياح . قال { فالحاملات وقرا } ؟ قال : السحاب قال : فما { فالجاريات يسرا } قال : السفن جرت بالتسيير على الماء . { فالمقسمات أمرا } ؟ قال : الملائكة .
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : والذاريات الرياح ، قال : ما ذرت الريح ، فالحاملات وقرأ يعني : السحاب الثقال ، الموقرة من الماء ، فالجاريات يسرا ، يعني : السفن جرت بالتسيير على الماء ، فالمقسمات أمرا ، يعني : أربعة من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، لكل واحد منهم أمر مقسوم ، وهم المدبرات أمرا ، أقسم الله تعالى بهذه الآية : { إنما توعدون } يعني : الذي توعدون من قيام الساعة { لصادق } يعني : لكائن ويقال : في الآية مضمر ، فأقسم الله تعالى برب الذاريات ، يعني : ورب الرياح الذاريات ، ورب السحاب الحاملات ، ورب السفن الجاريات ، ورب الملائكة المقسمات ، إنما توعدون لصادق . { وإن الدين لواقع } يعني : المجازات على أعمالهم لواقع ، ثم بين في آخر الآية ما لكل فريق من الجزاء ، فبين جزاء أهل النار أنهم يفتنون ، وبين جزاء المتقين أنهم في جنات وعيون .
ثم قال عز وجل : { والسماء ذات الحبك } أقسم بالسماء ذات الحسن والجمال ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعني : ذات الخلق الحسن . وقال مجاهد : المتقن من البنيان ، يعني : البناء المحكم . ويقال : الحبك يعني : ذات الطرائق ويقال للماء القائم إذا ضربته الريح ، فصارت فيه الطرائق له حبك ، وكذلك الرمل إذا هبت عليه الريح ، فرأيت فيه كالطرائق فبذلك حبك .
قوله تعالى : { إنكم لفى قول مختلف } يعني : متناقض مرة قالوا ساحرا ، ومرة قالوا مجنون ، والساحر عندهم من كان عالما غاية في العلم ، والمجنون من كان جاحدا غاية في الجهل ، فتحيروا ، فقالوا : مرة مجنون ، ومرة ساحر ، ويقال : إنكم لفي قول مختلف ، يعني : مصدقا ومكذبا ، يعني : يؤمن به بعضهم . ويكفر به بعضهم .
ثم قال عز وجل : { يؤفك عنه من أفك } يعني : يصرف عنه من صرف ، وذلك إن أهل مكة أقاموا رجالا على عقاب مكة ، يصرفون الناس ، فمنهم من يأخذ بقولهم ويرجع ، ومنهم من لا يرجع ، فقال : يصرف عنه من قد صرفه الله عن الإيمان وخذله ، ويقال : يصرف عنه من قد صرفه يوم الميثاق ، ويقال يصرف عنه من كان مخذولا لم يكن من أهل الإيمان .

(4/193)


الذين هم في غمرة ساهون (11) يسألون أيان يوم الدين (12) يوم هم على النار يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون (14) إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون (18) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء رزقكم وما توعدون (22)

ثم قال عز وجل : { قتل الخرصون } يعني : لعن الكاذبون { الذين هم فى غمرة ساهون } يعني : في جهالة وعمي وغفلة عن أمر الآخرة ، ساهون يعني : لاهين عن الإيمان ، وعن أمر الله تعالى { يسئلون أيان يوم الدين } يعني : أي أوان يوم الحساب استهزاء منهم به ، فأخبر الله تعالى عن ذلك اليوم فقال : { يوم هم على النار يفتنون } يعني : بالنار يحرقون ، ويعذبون . ويقول لهم الخزنة : { ذوقوا فتنتكم هذا الذى كنتم به تستعجلون } يعني : هذا العذاب الذي كنتم به تستهزئون . يعني : تستعجلون على وجه الاستهزاء .
ثم بين ثواب المتقين فقال عز وجل : { إن المتقين فى جنات وعيون } يعني : في بساتين ، وأنهار .
قوله تعالى : { ءاخذين ما ءاتاهم ربهم } يعني : قابضين ما أعطاهم ربهم من الثواب { إنهم كانوا قبل ذلك } في الدنيا { محسنين } بأعمالهم . قرأ عاصم : { ءاخذين } نصب على الحال ، ومعنى { فى جنات وعيون } في حال آخذين ما آتاهم ربهم .
ثم قال : { كانوا قليلا من اليل ما يهجعون } يعني : قليل من الليل ما ينامون . وقال بعضهم : كانوا قليلا . ثم الكلام يعني : مثل هؤلاء المتقين { كانوا قليلا } . ثم أخبر عن أعمالهم ، فقال : { من اليل ما يهجعون } يعني : لا ينامون بالليل ، كقوله : { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } [ الفرقان : 64 ] . وقال الضحاك : كانوا من النائمين . وقال الحسن : لا ينامون إلا قليلا . وقال الربيع بن أنس : لا ينامون بالليل إلا قليلا { وبالاسحار هم يستغفرون } يعني : يصلون عند السحر . ويقال : يصلون بالليل ، ويستغفرون عند السحر عن ذنوبهم { وفى أموالهم حق } يعني : نصيب للفقراء { للسائل والمحروم } السائل : المسكين الذي يسأل الناس . والمحروم المتعفف الذي لا يسأل الناس . ويقال : المحروم المحترف الذي لا يبلغ عيشه . وقال الشعبي : أعياني أن أعلم من المحروم . روى سفيان عن ابن إسحاق ، عن قيس ، قال : سألت ابن عباس : من السائل والمحروم؟ فقال : السائل : الذي يسأل . والمحروم : المحارب الذي ليس له سهم في الغنيمة ، وهكذا قال إبراهيم النخعي ، ومجاهد ، والربيع بن أنس . وروى عكرمة عن ابن عباس قال : المحروم : الفقير الذي إذا خرج إلى الناس استعف ، ولم يعرف مكانه ، ولا يسأل الناس فيعطونه . وقال الزجاج : المحروم الذي لا ينمو له مال . ويقال : هي بالفارسية بي دولة يعني : لا إقبال له .
قوله : { وفى الارض ءايات للموقنين } يعني : فيمن أهلك قبلهم ، لهم عبرة . ويقال : فيها علامة وحدانية الله تعالى ، كأنه قال جعلت جميع الأشياء مرآتك ، لتنظر إليها ، وترى ما فيها ، ومراد النظر في المرآة ، رؤية من لم ير فكأنه قال : وانظر في آيات صنعي ، لتعلم أفي صانع كمل الأشياء؟ فإذا نظرت إلى النقش ، والنقش يدل إلى نقاشه وإذا نظرت إلى النفس وعجائب تركيبها يدل على خالقها ، وإذا نظرت في الأرض فمختلف الأشياء عليها يدل إلى ربها ، وهي البحار ، والجبال ، والأنهار ، والأثمار . { وفى أنفسكم } يعني : وعلامة وحدانيته في أنفسكم { أفلا تبصرون } يعني : تتفكرون في خلق أنفسكم ، كيف خلقكم وهو قادر على أن يبعثكم .
قوله عز وجل : { وفى السماء رزقكم } يعني : من السماء يأتي سبب رزقكم ، وهو المطر . ويقال : وعلى خالق السماء رزقكم { وما توعدون } يعني : ما توعدون من الثواب ، والعقاب ، والخير ، والشر . قال مجاهد : { وما توعدون } يعني : الجنة ، والنار . وهكذا قال الضحاك .

(4/194)


فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23) هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28) فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (30) قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (37)

ثم قال عز وجل : { فورب السماء والارض } أقسم الرب بنفسه { إنه لحق } يعني : ما قسمت من الرزق لكائن { مثل ما أنكم تنطقون } يعني : كما تقولون لا إله إلا الله ، أو يعني : كما أن قولكم لا إله إلا الله حق ، كذلك قولي سأرزقكم حق . ويقال : معناه كما أن الشهادة واجبة عليكم ، فكذلك رزقكم واجب علي . ويقال : معناه هو الذي ذكر في أمر الآيات ، والرزق حق . يعين : صدق مثل ما أنكم تنطقون . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أبى ابن آدم أن يصدق ربه حتى أقسم له ، فورب السماء والأرض إنه لحق » . قرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم ، في رواية أبي بكر { مثل ما أنكم تنطقون } بضم اللام . والباقون : بالنصب . فمن قرأ بالضم ، فهو نعت بالحق ، وصفه له . ومن قرأ بالنصب ، فهو على التوكيد على معنى أنه لحق حقا مثل نطقكم .
قوله عز وجل : { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } يعني : جاء جبريل مع أحد عشر ملكا عليهم السلام المكرمين ، أكرمهم الله تعالى ، وقال : أكرمهم إبراهيم ، وأحسن عليهم القيام ، { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما } فسلموا عليه ، فرد عليهم السلام { قال سلام } قرأ حمزة ، والكسائي ، قال : سلم أي : أمري سلم . والباقون { سلام } أي : أمري { سلام } أي : صلح .
ثم قال : { قوم منكرون } يعني : أنكرهم ، ولم يعرفهم . وقال كانوا لا يسلمون في ذلك الوقت ، فلما سمع منهم السلام أنكرهم . { فراغ إلى أهله } يعني : عهد إلى أهله . ويقال : عدل ، ومال إلى أهله . ويقال : عدل من حيث لا يعلمون لأي شيء عدل . يقال : راغ فلان عنا ، إذا عدل عنهم من حيث لا يعلمون .
{ فجاء بعجل سمين } قال بعضهم : كان لبن البقرة كله سمنا ، فلهذا كان العجل سمينا { فقربه إليهم } فلم يأكلوا { فقال ألا تأكلون } فقالوا : نحن لا نأكل بغير ثمن . فقال إبراهيم : كلوا ، فاعطوا الثمن . قالوا : وما ثمنه؟ فقال : إذا أكلتم ، فقولوا بسم الله . وإذا فرغتم ، فقولوا : الحمد لله ، فتعجبت الملائكة عليهم السلام لقوله ، فلما رآهم لا يأكلون { فأوجس منهم خيفة } يعني : أظهر في نفسه خيفة . ويقال : ملأ عنهم خيفة ، فلما رأوه يخاف { قالوا لا تخف } منا يعني : لا تخشى منا { وبشروه بغلام عليم } يعني : إسحاق { فأقبلت امرأته فى صرة } يعني : أخذت امرأته في صيحة { فصكت وجهها } يعني : ضربت بيديها ، خديها تعجبا { وقالت عجوز عقيم } يعني : عجوزا عاقرا لم تلد قط ، كيف يكون لها ولد؟ فقال لها جبريل : { قالوا كذلك قال ربك إنه } يكون لك ولد { هو الحكيم } في أمره .

(4/195)


حكم بالولد بعد الكبر { العليم } عليم بخلقه . ويقال : عليم بوقت الولادة . فلما رآهم أنهم الملائكة { قال } لهم { فما خطبكم أيها المرسلون } يعني : ما أمركم ، وما شأنكم ، ولماذا جئتم أيها المرسلون؟ { قالوا إنآ أرسلنآ } يعني : قال جبريل أرسلنا الله تعالى { إلى قوم مجرمين } يعني : قوم كفار مشركين { لنرسل عليهم } يعني : لكي نرسل عليهم { حجارة من طين } مطبوخ ، كما يطبخ الآجر { مسومة عند ربك للمسرفين } يعني : معلمة . وقال : مخططة بسواد ، وحمرة . ويقال : مكتوب على كل واحد اسم صاحب الذي يصيبه .
ثم قال : { عند ربك } يعني : جاءت الحجارة من عند ربك للمشركين ، فاغتم إبراهيم لأجل لوط .
قال الله تعالى : { فأخرجنا من كان فيها } أي : في قريات لوط { من المؤمنين } يعني : من المصدقين { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } يعني : غير بيت لوط .
قوله عز وجل : { وتركنا فيها ءاية } يعني : أبقينا في قريات لوط آية . يعني : عبرة في هلاكهم من بعدهم .
ثم قال : { للذين يخافون العذاب الاليم } يعني : العذاب الشديد .

(4/196)


وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42) وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46) والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48) ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52) أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53)

ثم قال : { وفى موسى } عطف على قوله { وفى أنفسكم أفلا تبصرون } [ الذاريات : 21 ] { وفى موسى } { إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين } يعني : حجة بينة ، وهي اليد ، والعصا { فتولى بركنه } يعني : أعرض عنه فرعون بجموعه . يعني : مع جموعه وجنوده . ويقال : { فتولى بركنه } يعني : أعرض بجانبه { وقال ساحر أو مجنون فأخذناه وجنوده } يعني : عاقبناه ، وجموعه { فنبذناهم فى اليم } قال الكلبي يعني : أغرقناهم في البحر وقال مقاتل يعني : في النيل { وهو مليم } يعني : يلوم نفسه ، ويلومه الناس . وقال : { مليم } أي : مذنب . وقال أهل اللغة : ألام الرجل ، إذا أتى بذنب يلام عليه .
ثم قال : { وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } يعني : سلطنا عليهم الريح الشديد ، وإنما سميت عقيما ، لأنها لا تأتي على شيء إلا جعلته كالرميم لا خير فيه . ويقال : سميت عقيما لأنها لا تلقح الأشجار ، ولا تثير السحاب ، وهي الدبور . وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما أنزل الله قطرة من ماء إلا بمثقال ، ولا أنزل سفرة من ريح إلا بمكيال ، إلا قوم نوح طغى على خزانة الماء ، فلم يكن لهم عليه سبيل ، وعتت الريح يوم عاد على خزانها ، فلم يكن لهم عليها سبيل وروى عكرمة عن ابن عباس قال : العقيم الذي لا منفعة لها .
ثم قال : { ما تذر من شىء } يعني : ما تترك من شيء هو لهم ، ولا منهم ، { أتت عليهم إلا جعلته كالرميم } يعني : مرت عليه إلا جعلته كالرماد . ويقال : الرميم : الورق الجاف ، المتحطم ، مثل الهشيم المحتظر ، كما قال كهشيم المحتظر ، بعد ما كانوا كنخل متقصر . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ما أرسل على عاد من الريح ، إلا مثل خاتمي هذا . يعني : إن الريح العقيم تحت الأرض ، فأخرج منها مثل ما يخرج من ثقب الخاتم ، فأهلكهم .
ثم قال : { وفى ثمود } يعني : قوم صالح { إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } يعني : قال لهم نبيهم صالح عليه السلام عيشوا إلى منتهى آجالكم ، ولا تعصوا أمر الله { فعتوا عن أمر ربهم } يعني : تركوا طاعة ربهم { فأخذتهم الصاعقة } يعني : العذاب . قرأ الكسائي : { فأخذتهم الصاعقة } بغير ألف ، وجزم العين . والباقون : بألف . وهي الصيحة التي أهلكتهم بالصعقة ، قوله من قولك : صعقتهم الصاعقة . يعني : أهلكتهم . وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قرأ صعقة مثل الكسائي . { وهم ينظرون } يعني : ظهرت النار من تحت أرجلهم ، وهم يرونها بأعينهم . ويقال : سمعوا الصيحة ، وهم ينظرون متحيرون . { فما استطاعوا من قيام } يعني : ما استطاعوا أن يقوموا لعذاب الله تعالى ، حتى أهلكوا .

(4/197)


{ وما كانوا منتصرين } يعني : ممتنعين من العذاب .
ثم قال : { وقوم نوح } وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وقوم نوح : بكسر الميم . يعني : في قوم نوح كما قال : وفي ثمود . والباقون : بالنصب . يعني : وأهلكنا قوم نوح . ويقال : معناه فأخذناه ، وأخذنا { من قبل } هؤلاء الذين سميناهم { إنهم كانوا قوما فاسقين } يعني : قوم نوح من قبل . يعني : عاصين .
قوله عز وجل : { والسماء بنيناها بأيد } يعني : خلقناها بقوة ، وقدرة { وإنا لموسعون } يعني : نحن قادرون على أن نوسعها كما نريد . ويقال : { والسماء } صار نصبا لنزع الخافض . ومعناه و { وهو الذى فى السمآء إله وفى الارض إله وهو الحكيم العليم } [ الزخرف : 84 ] آية .
ثم قال : { والارض فرشناها } يعني : وفي الأرض آية ، بسطناها مسيرة خمسمائة عام من تحت الكعبة { فنعم الماهدون } يعني : نعم الماهدون نحن . ويقال : في قوله : { وإنا لموسعون } يعني : نحن جعلنا بينهما ، وبين الأرض سعة .
ثم قال عز وجل : { ومن كل شىء خلقنا زوجين } يعني : صنفين ، الذكر والأنثى ، والأحمر والأبيض ، والليل والنهار ، والدنيا والآخرة ، والشمس والقمر ، والشتاء والصيف . { لعلكم تذكرون } يعني : تتعظون فيما خلق الله ، فتوحدوه .
قوله عز وجل : { ففروا إلى الله } يعني : توبوا إلى الله من ذنوبكم . ويقال : معناه { ففروا } من الله { إلى الله } أو { ففروا } من عذاب الله ، إلى رحمة الله ، أو { ففروا } من معصيته ، إلى طاعته . ومن الذنوب إلى التوبة . { إنى لكم منه نذير مبين } يعني : مخوفا من عذاب الله تعالى بالنار { ولا تجعلوا مع الله إلها ءاخر } يعني : لا تقولوا له شريكا ، وولدا { إنى لكم نذير مبين } يعني : فإن فعلتم ، فإني لكم مخوف من عذابه ، فلم يقبلوا قوله ، وقالوا : هذا { ساحر أو مجنون } .
يقول الله تعالى تعزية لنبيه صلى الله عليه وسلم : { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول } يعني : هكذا ما أتى في الأمم الخالية من رسول ، { إلا قالوا ساحر أو مجنون } كقول كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم { أتواصوا به } يعني : توافقوا ، وتواطؤوا فيما بينهم . وأوصى الأول الآخر أن يقولوا ذلك . ويقال : توافقوا ، وتواطؤوا به كل قوم ، وجعلوا كلمتهم واحدة أن يقولوا { ساحر أو مجنون } .
قال الله عز وجل : { بل هم قوم طاغون } يعني : عاتين في معصية الله تعالى .

(4/198)


فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60)

ثم قال : { فتول عنهم } يعني : فأعرض عنهم يا محمد ، بعد ما بلغت الرسالة ، وأعذرت ، { فما أنت بملوم } يعني : لا تلام على ذلك ، لأنك قد فعلت ما عليك { وذكر } يعني : عظ أصحابك بالقرآن { فإن الذكرى تنفع المؤمنين } يعني : المصدقين تنفعهم العظة . ويقال : فعظ أهل مكة ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين . يعني : من قدر لهم الإيمان .
ثم قال عز وجل : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } يعني : ما خلقتهم ، إلا أمرتهم بالعبادة ، فلو أنهم خلقوا للعبادة لما عصوا طرفة عين . وقال مجاهد : يعني ما خلقتهم إلا لآمرهم ، وأنهاهم . ويقال : { إلا ليعبدون } يعني : إلا ليوحدون ، وهم المؤمنون ، وهم خلقوا للتوحيد والعبادة ، وخلق بعضهم لجهنم ، كما قال : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بهآ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } [ الأعراف : 179 ] فقد خلق كل صنف للأمر ، والنهي الذي يصلح له .
ثم قال : { ما أريد منهم من رزق } يعني : ما خلقتهم ، لأن يرزقوا أنفسهم { وما أريد أن يطعمون } يعني : لا أكلفهم أن يطعموا أحدا من خلقي . وأصل هذا أن الخلق عباد الله ، وعياله . فمن أطعم عيال رجل ورزقهم ، فقد رزقه إذا كان رزقهم عليه .
ثم قال : { إن الله هو الرزاق } يعني : { الرزاق } لجميع خلقه { ذو القوة المتين } يعني : { ذو القوة } على أعدائه ، الشديد العقوبة لهم ، والمتين في اللغة : الشديد القوي قرأ الأعمش : { ذو القوة المتين } بكسر النون ، جعله من نعت القوة . وقراءة العامة بالضم ، ومعناه : { إن الله هو الرزاق } وهو { ذو القوة المتين } .
قوله عز وجل : { فإن للذين ظلموا } يعني : أشركوا وهم مشركو مكة { ذنوبا } يعني : نصيبا من العذاب { مثل ذنوب أصحابهم } يعني : مثل نصيب أصحاب من عذاب الذين مضوا ، وأصل الذنوب في اللغة هو الدلو الكبير ، فكيف عنه ، لأنه تتابع . يعني : مثل عذاب الذين أهلكوا نحو قوم عاد ، وثمود ، وغيرهم . { فلا يستعجلون } يعني : بالعذاب ، لأن النضر بن الحارث كان يستعجل بالعذاب ، فأمهله إلى يوم بدر ، ثم قتل في ذلك اليوم ، وصار إلى النار .
قوله عز وجل : { فويل للذين كفروا من يومهم الذى يوعدون } يعني : من عذاب يوم القيامة . والويل : الشدة من العذاب . يقال : الويل واد في جهنم .

(4/199)


والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) والبيت المعمور (4) والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من دافع (8) يوم تمور السماء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون (12) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (16)

قوله تعالى : { والطور } أقسم الله تعالى بالجبل وكل جبل فهو طور بلغة النبط . ويقال : بلغة السريانية . ولكن عني به الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام بمدين .
ثم قال : { وكتاب مسطور } يعني : في اللوح المحفوظ . ويقال : أعمال بني آدم { فى رق منشور } يعني : في صحيفة منشورة ، كما قال : { وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } [ الإسراء : 13 ] يعني : مفتوحا يقرؤونه . ويقال : { كتاب *** مسطور } يعني : القرآن . { فى رق منشور } يعني : المصاحف . ويقال : في اللوح المحفوظ .
ثم قال : { والبيت المعمور } وهو في السماء السابعة . ويقال : في السماء السادسة ويقال : في السماء الرابعة . وروى وكيع بإسناده عن علي ، وابن عباس في قوله : { والبيت المعمور } قالا : هو بيت في السماء حيال الكعبة ، يزوره كل يوم سبعون ألف ملك ، ولا يعودون إليه إلى يوم القيامة . قال بعضهم : بناه الملائكة قبل أن يخلق آدم عليه السلام وقال بعضهم : هو البيت الذي بناه آدم بمكة ، فرفعه الله تعالى في أيام الطوفان إلى السماء بحيال الكعبة . وقال بعضهم : أنزل الله بيتا من ياقوتة في زمان آدم عليه السلام ووضع بمكة ، فكان آدم يطوف به وذريته من بعده إلى زمن الطوفان ، فرفع إلى السماء ، وهو { البيت * المعمور } طوله كما بين السماء والأرض .
ثم قال : { والسقف المرفوع } يعني : السماء المرتفعة من الأرض مقدار خمسمائة عام { والبحر المسجور } يعني : البحر الممتلىء تحت العرش ، وهو بحر مكفوف . يقال له : الحيوان يحمي الله به الموتى يوم القيامة ، فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء . ويقال : أقسم بخالق هذه الأشياء { إن عذاب ربك لواقع } يعني : العذاب الذي أوقع الكفار فهو كائن { ما له من دافع } يعني : لا يقدر أحد أن يرفع عنهم العذاب .
ثم بين أن ذلك العذاب في أي يوم يكون فقال : { يوم تمور السماء مورا } يعني : تدور السماء بأهلها دورا ، وتموج بعضهم في بعض من الخوف . صار اليوم نصبا لنزع الخافض . ومعناه : أن عذاب ربك لواقع في { يوم تمور السماء مورا } يعني : في يوم القيامة { وتسير الجبال سيرا } يعني : { ***تسير } على وجه الأرض { الجبال سيرا } مثل السحاب حتى تستوي بالأرض { فويل } الشدة من العذاب { يومئذ } يعني : يوم القيامة { للمكذبين } بيوم القيامة .
ثم نعتهم فقال : { الذين هم فى خوض يلعبون } يعني : في باطل يلهون ، ويستهزئون .
قوله عز وجل : { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } يعني : تدفعهم خزنة جهنم . ويقال : { يدعون } يعني : يزعجون إليها إزعاجا شديدا ، ويدفعون دفعا عنيفا .

(4/200)


ومنه قوله تعالى : { فذلك الذى يدع اليتيم } [ الماعون : 2 ] أي : يدفع عما يجب . ويقال : دعا يعني : دفعا على وجوههم يجرون ، فإذا دنوا منها ، قالت لهم الخزنة : { هذه النار التى كنتم بها تكذبون } يعني : لم تصدقوا بها ، ولم تأمنوا بها في الدنيا . { أفسحر هذا } العذاب الذي ترون لأنفسكم ، لأنكم قلتم في الدنيا للرسول ساحرا ، ومجنون . { أم أنتم لا تبصرون } النار . ويقال : بل أنتم لا تعقلون .
ثم قال لهم : { اصلوها } يعني : ادخلوا فيها { فاصبروا أو لا تصبروا } يعني : فإن صبرتم ، أو لم تصبروا ، فهو { سواء عليكم } اللفظ لفظ الأمر ، المراد به الخبر . يعني : إن صبرتم أو لم تصبروا ، فلا تنجون منها أبدا { إنما تجزون ما كنتم تعملون } في الدنيا من الكفر والتكذيب .

(4/201)


إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (23) ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25) قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28)

ثم بين حال المتقين فقال : { إن المتقين فى جنات } يعني : الذين يتقون الشرك ، والفواحش في بساتين { ونعيم فاكهين } يعني : معجبين . ويقال : ناعمين . ويقال : فرحين . { بما ءاتاهم ربهم } في الجنة من الكرامة { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } يعني : دفع عنهم عذاب النار . ويقول لهم الخزنة : { كلوا واشربوا } يعني : كلوا من ألوان الطعام ، والثمار ، واشربوا من ألوان الشراب ، { هنيئا } يعني : لا داء ، ولا غائلة فيه ، ولا يخاف في الأكل ، والشرب ، من الآفات ما يكون في الدنيا ، { بما كنتم تعملون } يعني : هذا الثواب لأعمالكم التي عملتم في الدنيا .
ثم قال : { متكئين على سرر } يعني : نائمين على سرر { مصفوفة } قد صف بعضها إلى بعض ، فكانوا على سرر ، وكل من كان ، اشتاق إلى صديقه يلتقيان .
قوله تعالى : { وزوجناهم بحور عين } يعني : بيض الوجوه . العين : حسان الأعين .
قوله تعالى : { والذين ءامنوا } يعني : صدقوا بالله ، ورسوله ، وصدقوا بالبعث { واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } يعني : ألحقناهم ذرياتهم . قرأ أبو عمرو : { وأتبعناهم } { ألحقنا بهم } الثلاثة كلها بالألف . وقرأ نافع : اثنان بغير ألف ، والآخر : بالألف . وقرأ ابن عامر الأول : بغير ألف . والآخران : بالألف . والباقون : كلها ألف . فمن قرأ : { اتبعناهم } معناه : ألحقناهم . يعني : الذين آمنوا ، وجعلنا ذريتهم مؤمنين ، ألحقنا بهم ذريتهم في الجنة في درجتهم . ومن قرأ : { ءامنوا واتبعتهم } بغير ألف ، يعني : ذريتهم معهم . ومن قرأ { ذرياتهم } بالألف ، فهو جمع الذرية . ومن قرأ : بغير ألف ، فهو عبارة عن الجنس ، ويقع على الجماعة أيضا . وقال مقاتل : معناه الذين أدركوا مع آبائهم ، وعملوا خيرا في الجنة ، ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا العمل ، فهم معهم في الجنة . ويقال : إن أحدهم إذا كان أسفل منه ، يلحق بهم ، لكي تقر عينه . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : يرفع الله المسلم ذريته وإن كانوا دونه في العمل ، لتقر بهم عينه .
ثم قال : { ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شىء } يعني : ما نقصناهم من عمل الآباء إذا كانوا مع الأبناء ، حتى يبلغ بهم ذريتهم ، من غير أن ينقص من أجر أولئك شيئا ، ولا من ذريتهم . { كل امرىء بما كسب رهين } يعني : كل نفس مرتهنة بعملها يوم القيامة .
ثم رجع إلى صفة المتقين في التقديم ، وكرامتهم ، قوله تعالى : { وأمددناهم بفاكهة } يعني : أعطيناهم من ألوان الفاكهة { ولحم مما يشتهون } يعني : يتمنون . قرأ ابن كثير : { ألتناهم } بكسر اللام ، وهي لغة لبعض العرب . واللغة الظاهرة : بالفتح ، وهي من آلت يألت وهو النقصان .
قوله عز وجل : { يتنازعون فيها كأسا } يعني : يتعاطون في الجنة .

(4/202)


تعطيهم الخدم قدح الشراب ، ولا يكون كأسا إلا مع الشراب ، { لا لغو فيها } يعني : لا باطل في الجنة { ولا تأثيم } يعني : لا إثم في شرب الخمر . ويقال : { لا تأثيم } يعني : لا تكذيب فيما بينهم . قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : { لا لغوا فيها } بنصب الواو ، { ولا تأثيما } بنصب الميم . والباقون : بالضم مع التنوين . فمن قرأ : بالنصب ، فهو على التبرئة . ومن قرأ : بالضم ، فهو على معنى الخبر . يعني : ليس فيها لغو ولا تأثيم ، كما قال : { لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون } [ الصافات : 47 ] .
ثم قال عز وجل : { ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون } يعني : في الحسن ، والبياض ، مثل اللؤلؤ في الصدف لم تمسه الأيدي ، ولم تره الأعين . وروى سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلا قال : يا نبي الله هذا الخادم ، فكيف المخدوم؟ فقال : والذي نفسي بيده ، إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر ، على سائر الكواكب .
ثم قال : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يعني : يتحدثون ، ويتساءلون في الجنة عن أحوالهم التي كانت في الدنيا . ثم يقول : صرت إلى هذه المنزلة الرفيعة .
قوله تعالى : { قالوا إنا كنا قبل } يعني : في الدنيا { فى أهلنا مشفقين } يعني : خائفين من العذاب .
ثم قال : { فمن الله علينا } يعني : من علينا بالمغفرة ، والرحمة . { ووقانا عذاب السموم } يعني : دفع عنا عذاب النار .
قوله عز وجل : { إنا كنا من قبل ندعوه } يعني : في الدنيا ندعو الرب { إنه هو البر } الصادق في قوله ، وفيما وعد لأوليائه . ويقال : { البر } بمعنى النار { الرحيم } قرأ نافع ، والكسائي : أنه بالنصب . ومعناه : إنا كنا من قبل ندعوه بأنه هو البر . وقرأ الباقون : بالكسر على معنى الاستئناف .
ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يعظ الناس ولا يبالي في قولهم .

(4/203)


فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38)

فقال عز وجل : { فذكر } يعني : فعظ بالقرآن { فما أنت بنعمة ربك } يعني : برحمة ربك . ويقال : هو كقوله : ما أنت بحمد الله مجنون . وقال أبو سهل : متعظ بالقرآن ، ولست أنت والحمد لله { بكاهن ولا مجنون } ويقال : فذكر . يعني : ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين المتقين ، وبما أعتدنا للضالين الكافرين { فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون } يعني : لست تقول بقول الكهنة ، ولا تنطق إلا بالوحي .
ثم قال : { أم يقولون شاعر } يعني : أيقولون هو شاعر يأتي من قبل نفسه ، وهو قول الوليد بن المغيرة ، وأبي جهل ، وأصحابهما . { نتربص به ريب المنون } يعني : أوجاع الموت ، وحوادثه . قال قتادة : { ريب المنون } الموت . وقال مجاهد : { ريب المنون } حوادث الدهر . وقال القتبي : حوادث الدهر ، وأوجاعه ، ومصايبه . ويقال : إنهم كانوا يقولون : قد مات أبوه شابا ، وهم ينتظرون موته { قل تربصوا } يعني : انتظروا هلاكي { فإنى معكم من المتربصين } وذكر في التفسير ، أن الذين قالوا هكذا ماتوا كلهم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى : { أم تأمرهم أحلامهم بهذا } يعني : أتأمرهم عقولهم ، وتدلهم على التكذيب ، والإيذاء بمحمد صلى الله عليه وسلم . { أم هم قوم طاغون } يعني : بل هم قوم عاتون في معصية الله تعالى . { أم يقولون تقوله } يعني : أيقولون أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول من ذات نفسه . واللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الزجر والوعيد .
ثم قال : { بل لا يؤمنون } يعني : لا يصدقون بالرسول ، والكتاب ، عنادا وحسدا منهم .
قوله عز وجل : { فليأتوا بحديث مثله } يعني : إن قلتم إن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول : من ذات نفسه ، فأتوا بمثل هذا القرآن كما جاء به { إن كانوا صادقين } في قولهم .
ثم قال : { أم خلقوا من غير شىء } يعني : من غير رب . كانوا هكذا خلقا من غير شيء . ومعناه : كيف لا يعتبرون بأن الله تعالى خلقهم ، فيوحدونه ، ويعبدونه . ويقال : { أم خلقوا من غير شىء } يعني : لغير شيء . ومعناه : أخلقوا باطلا لا يحاسبون ، ولا يؤمرون ، ولا ينهون .
ثم قال : { أم هم الخالقون } يعني : أهم خلقوا الخلق؟ أم الله تعالى؟ ومعناه : أن الله تعالى خلق الخلق ، وهو الذي يبعثهم يوم القيامة .
ثم قال : { أم خلقوا السموات والارض } يعني : بل الله تعالى خلقهم { بل لا يوقنون } بتوحيد الله الذي خلقهما ، أنه واحد لا شريك له .
ثم قال { أم عندهم خزائن ربك } يعني : مفاتيح رزق ربك . ويقال : مفاتيح ربك الرسالة ، فيضعونها حيث شاؤوا ، ولكن الله يختار من يشاء ، كقولهم : { أءلقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر } [ القمر : 25 ] .
ثم قال : { أم هم المسيطرون } يعني : أهم المسلطون عليهم ، يحملونهم حيث شاؤوا على الناس ، فيجبرونهم بما شاؤوا . قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، والكسائي ، في إحدى الروايتين : { المسيطرون } بالسين . والباقون : بالصاد . وقرأ حمزة : { المزيطرون } بإشمام الزاء . وقال الزجاج : تسيطر علينا ، وتصيطر . وأصله السين ، وكل سين بعدها طاء ، يجوز أن تقلب صادا ، مثل مسيطر ، ويبسط .
ثم قالوا : { المسيطرون أم لهم سلم } يعني : سببا إلى السماء { يستمعون فيه } يعني : يرتقون عليه ، فيستمعون القول من رب العالمين { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } أي : بحجة بينة .

(4/204)


أم له البنات ولكم البنون (39) أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون (46) وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49)

ثم قال عز وجل : { أم له البنات ولكم البنون } .
ثم بين جهلهم ، وقلة أحلامهم ، أنهم يجعلون لله ما يكرهون لأنفسهم .
قال عز وجل : { أم تسئلهم أجرا } ومعناه : أن الحجة واجبة عليهم من كل وجه ، لأنك قد أتيتهم بالبيان والبرهان ، ولم تسألهم على ذلك أجرا . فقال : { أم تسئلهم } يعني : أتطلب منهم { أجرا } بما تعلمهم من الأحكام ، والشرائع . { فهم من مغرم مثقلون } يعني : من أجل المغرم ، يمتنعون عن الإيمان . يعني : لا حجة لهم في الامتناع ، لأنك لا تسأل منهم أجرا ، فيثقل عليهم لأجل الأجر .
قوله عز وجل : { أم عندهم الغيب } يعني : عندهم الغيب بأن الله لا يبعثهم { فهم يكتبون } يعني : أمعهم كتاب يكتبون بما شاؤوا؟ يعني : ما في اللوح المحفوظ ، فهذا كله لفظ الاستفهام ، والمراد به : الزجر .
ثم قال عز وجل : { أم يريدون كيدا } بل يريدون وعيدا بالنبي صلى الله عليه وسلم { فالذين كفروا هم المكيدون } يعني : بل هم المعذبون ، الهالكون .
قوله عز وجل : { أم لهم إله غير الله } يعني : ألهم خالق غير الله يخلق ، ويرزق ، ويمنعهم من عذابنا { سبحان الله عما يشركون } يعني : تنزيها لله تعالى عما يصفون من الشريك ، والولد .
ثم ذكر قسوة قلوبهم فقال : { وإن يروا كسفا من السماء ساقطا } يعني : جانبا من السماء ساقطا عليهم { يقولوا } يعني : لقالوا من تكذيبهم { سحاب مركوم } يعني : متراكما بعضه على بعض ، لأنهم كانوا يقولون : لا نؤمن بك حتى تسقط علينا كسفا .
ثم قال الله تعالى : لو فعلنا ذلك ، لم يؤمنوا ، ولا ينفعهم من قسوة قلوبهم .
ثم قال : { فذرهم } يعني : فتخل عنهم يا محمد { حتى يلاقوا يومهم } يعني : يعاينوا يومهم { الذى فيه يصعقون } يعني : يموتون . ويقال : يعذبون . قرأ عاصم ، وابن عامر ، { يصعقون } بضم الياء والباقون . { يصعقون } بنصب الياء ، وكلاهما واحد ، وهما لغتان .
ثم وصف حالهم في ذلك اليوم فقال : { يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا } يعني : لا ينفعهم صنيعهم شيئا { ولا هم ينصرون } يعني : لا يمنعون مما نزل بهم من العذاب .
ثم قال عز وجل : { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } يعني : من قبل عذاب النار قد روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : عذاب القبر وقال معمر عن قتادة : قال : عذاب القبر في القرآن .
ثم قرأ { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } ويقال { عذابا دون ذلك } يعني : القتل . ويقال : الشدائد ، والعقوبات في الدنيا . { ولكن أكثرهم لا يعلمون } يعني : لا يصدقون بالعذاب .
ثم عزى نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على أذاهم فقال : { واصبر لحكم ربك } يعني : لما أمرك ربك ، ونهاك عنه .

(4/205)


ويقال : واصبر على تكذيبهم ، وأذاهم . { فإنك بأعيننا } يعني : فإنك بمنظر منا ، والله تعالى يرى أحوالك ، ولا يخفى عليه شيء . وقال الزجاج : { فإنك بأعيننا } بمعنى فإنك بحيث نراك ، ونحفظك ، ولا يصلون إلى مكرك . ويقال : نرى ما يصنع بك . { وسبح بحمد ربك حين تقوم } يعني : صل بأمر ربك قبل طلوع الشمس . يعني : صلاة الفجر وقبل الغروب . يعني : صلاة العصر . { ومن اليل فسبحه } يعني : صل صلاة المغرب والعشاء ويقال : حين تقوم صلاة الفجر ، والظهر ، والعصر . ومعناه : صل صلاة النهار ، وصلاة الليل . ويقال : { سبح بحمد ربك حين تقوم } يعني : قل سبحانك اللهم وبحمدك إذا قمت إلى الصلاة وهذا قول ربيع بن أنس .
{ وإدبار النجوم } يعني : ركعتي الفجر . وروى سعيد بن جبير ، عن زاذان ، عن عمر رضي الله عنه : لا صلاة بعد طلوع الفجر ، إلا ركعتي الفجر ، وهما إدبار النجوم . وروى أبو إسحاق ، عن الحارث ، عن علي رضي الله عنه قال : { والركع السجود } الركعتان بعد المغرب ، { وإدبار النجوم } الركعتان قبل الفجر . وروى وكيع عن ابن عباس أنه قال : بت ذات ليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى ركعتي الفجر ، ثم خرج إلى الصلاة . فقال ابن عباس : الركعتان اللتان قبل الفجر ، { فى النجوم } واللاتي بعد المغرب { والركع السجود } وفي الآية ، دليل على أن تأخير صلاة الفجر أفضل ، لأنه أمر بركعتي الفجر بعد ما أدبرت النجوم ، وإنما أدبرت النجوم بعد ما أسفر ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(4/206)


والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9)

قوله تعالى : { والنجم إذا هوى } قال ابن عباس رضي الله عنه : أقسم الله تعالى بالقرآن ، إذا نزل نجوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتا بعد وقت . الآية ، والآيتان ، والسورة ، والسورتان ، وكان بين أوله وآخره إحدى وعشرون سنة . قال مجاهد : أقسم الله بالثريا إذا غابت ، وسقطت . والعرب تسمي الثريا : نجما . ويقال : أقسم بالكواكب المضيئة . ويقال : أقسم بجميع الكواكب . { ما ضل صاحبكم } وذلك أن قريشا قالوا له : قد تركت دين آبائك ، وخرجت من الطريق؛ وتقول شيئا من ذات نفسك فنزل : { والنجم إذا هوى } { ما ضل صاحبكم } يعني : ما ترك دين أبيه إبراهيم { وما غوى } يعني : لم يضل قوما . والغاوي والضال واحد . يقال : الضلال : قبل البيان . والفساد؛ بعد البيان . قرأ حمزة والكسائي : { إذا هوى } { وما غوى } كله بالإمالة في جميع السورة . وقرأ نافع وأبو عمرو : بين الإمالة ، والفتح في جميع السورة . والباقون : بالتخفيف . وكل ذلك جائز في اللغة .
ثم قال : { وما ينطق عن الهوى } يعني : ما ينطق بهذا القرآن بهوى نفسه ، والعرب تجعل عن مكان الباء . تقول : رميت عن القوس ، أي : بالقوس { وما ينطق عن الهوى } أي : بالهوى { إن هو إلا وحى يوحى } يعني : ما هذا القرآن إلا وحي يوحى إليه { علمه شديد القوى } يعني : أتاه جبريل عليه السلام ، وعلمه ، وهو { شديد القوى } وأصله في اللغة ، من قوى الجبل ، وهو طاقاته ، والواحد قوة . ويقال : { علمه شديد القوى } يعني : الله تعالى يعلمه بالوحي وهو ذو القوة المتين .
قوله عز وجل : { ذو مرة } يعني : ذي قوة . وأصل المرة : القتل ، فيعبر به عن القوة . ومنه الحديث : « لاتحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي » .
ثم قال عز وجل : { فاستوى } يعني : جبريل عليه السلام . ويقال : { فاستوى } يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم { وهو بالافق الاعلى } يعني : من قبل مطلع الشمس جبريل ، فرآه على صورته ، وله جناحان ، أحدهما بالمشرق ، والآخر بالمغرب .
{ ثم دنا فتدلى } إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكل ما دنا منه ، انتقص حتى إذا قرب منه مقدار قوسين ، رآه كما في سائر الأوقات ، حتى لا يشك جبريل { فكان قاب قوسين } يعني : في القرب مقدار قوسين . وقال بعضهم : ليلة المعراج ، دنا من العرش مقدار قوسين ، وإنما ذكر القوسين لأن القرآن نزل بلغة العرب ، والعرب تجعل مساحة الأشياء بالقوس . ويقال : { فكان قاب قوسين } يعني : قدر ذراعين ، وإنما سمي الذراع قوسا ، لأنه تقاس به الأشياء . { أو أدنى } يعني : بل أدنى . ويقال : أو بمعنى واو العطف . يعني : مقدار قوسين أو أقرب من ذلك .

(4/207)


فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11) أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18)

قوله تعالى : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } يعني : أوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقرأ عليه جبريل ما قرأ . ويقال : تكلم مع عبده ليلة المعراج ما تكلم . ويقال : أمر عبده بما أمر .
ثم قال : { ما كذب الفؤاد ما رأى } يعني : ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رأى بصره من أمر ربه في رؤية جبريل عليه السلام . ويقال : في رؤية الله تعالى بقلبه . قال محمد بن كعب القرظي ، والربيع بن أنس ، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل رأيت ربك : فقال : رأيته بفؤادي . ولم أره بعيني ، قرأ الحسن ما كذب بتشديد الذال وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ومعناه لم يجعل الفؤاد رؤية العين كذبا . والباقون : بالتخفيف . يعني : ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم فيما رأى .
ثم قال عز وجل : { أفتمارونه على ما يرى } قرأ حمزة : { أفتمارونه } بنصب التاء ، وجزم الميم بغير ألف . وهكذا روي عن ابن مسعود ، وابن عباس رضي الله عنهما ، ومعناه : أفتجحدونه فيما رأى . والباقون : { أفتمارونه } يعني : أفتجادلونه لأنه رأى من آيات ربه الكبرى .
ثم قال : { ولقد رءاه نزلة أخرى } يعني : لقد رأى جبريل مرة أخرى . وروي عن كعب الأحبار أنه قال : رأى ربه مرة ، فقال : إن الله كلم موسى مرتين ، ورأى محمدا مرتين ، فبلغ ذلك إلى عائشة رضي الله عنها ، وعن أبيها ، فقالت : قد اقشعر جلدي من هيبة هذا الكلام؛ فقيل لها : يا أم المؤمنين أليس يقول الله تعالى : { ولقد رءاه نزلة أخرى } فقالت : أنا سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : رأيت جبريل نازلا في الأفق على خلقته ، وصورته . ويقال : { ولقد رءاه نزلة أخرى } يعني : رآه بفؤاده وأكثر المفسرين يقولون : إن المراد به جبريل . يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم لما رجع من عند ربه ليلة أسري به ، رأى جبريل . { عند سدرة المنتهى } فقال مقاتل : السدرة هي شجرة طوبى ، ولو أن رجلا ركب نجيبه ، وطاف على ساقها حتى أدركه الهرم ، لما وصل إلى المكان الذي ركب منه ، تحمل لأهل الجنة الحلي والحلل ، وجميع ألوان الثمار . ويقال : هي شجرة غير شجرة طوبى ، وهي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة ، تخرج أنهار الجنة من أصل تلك الشجرة . وإنما سميت { سدرة المنتهى } لأن أرواح المؤمنين تنتهي إليها . ويقال : أرواح الشهداء تنتهي إليها . ويقال : الملائكة ينتهون إليها ، ولا يجاوزنها . ويقال : لأن علم كل واحد ينتهي إليها ، ولا يتجاوزنها ، ولا يدري ما فوق ذلك . وروي عن طلحة بن مطرف ، عن مرة ، عن عبد الله قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى ، وإليها ينتهي ما عرف من تحتها ، وإليها ينتهي ما هبط من فوقها ، وهي النهاية التي ينتهي إليها من فوق ، ومن تحت ، ولا يتجاوز عن ذلك .

(4/208)


ثم قال عز وجل : { عندها جنة المأوى } وإنما سميت المأوى لأنه يأوي إليها أرواح الشهداء . قرأ سعد بن أبي وقاص ، وعائشة رضي الله عنهما : { جنة المأوى } بالتاء . وقيل لسعد : إن فلانا يقرأ عندها { جنة المأوى } بالهاء . قال سعد : ما له أجنه الله . وعن أبي العالية قال : سألني ابن عباس : كيف تقرأها يا أبي العالية؟ قال : قلت له جنة . قال : صدقت هي مثل قوله : { جنات المأوى } . وقراءة العامة { جنة } وهي من جنات .
ثم قال : { إذ يغشى السدرة ما يغشى } يعني : يغشاها من الملائكة ما يغشى . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل ماذا يغشى؟ قال : جراد من ذهب . ويقال : فراش من ذهب . وقال الحسن : يغشاها نور مثل الجراد من ذهب .
ثم قال : { ما زاغ البصر } يعني : ما مال ، وما عدل بصر محمد صلى الله عليه وسلم عما رأى { وما طغى } وما تعدى ، وما جاوز إلى غيره . ويقال : { وما طغى } يعني : وما ظلم صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما رأى تلك الليلة التي عرج به إلى السماء { لقد رأى من ءايات ربه الكبرى } وهو الرفرف الأخضر ، قد غطى الأفق ، فجلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وجاوز سدرة المنتهى . وقال ابن مسعود : رأى جبريل وله ستمائة جناح ، وهم { من ءايات ربه الكبرى } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر برؤية جبريل ، تعجبوا منه ، وأنكروا ، فأخبر الله تعالى أنه قد رآه مرة أخرى ، وأنه قد { لقد رأى من ءايات ربه } .

(4/209)


أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23) أم للإنسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (26) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27)

ثم قال عز وجل : { أفرءيتم اللات والعزى } قرأ مجاهد : { اللات } بتشديد التاء . يقال : كان رجلا يلت السويق بالزيت ، ويطعم الناس . وقال السدي : كان رجلا يقوم على آلهتهم ، ويلت السويق لهم . ويقال : كانت حجارة يعبدونها ، وينزل عندها رجل يبيع السويق ، ويلته ، فسميت تلك الحجارة باللات . وقرأه العامة بغير تشديد . قال مقاتل : وإنما سمي { اللات والعزى } لأنهم قالوا : هكذا أسماء الملائكة ، وهم بناته فنزل { ألكم الذكر وله والانثى } وقال قتادة : { اللات } كان لأهل الطائف ، { والعزى } لقريش ، ومناة للأنصار . ويقال : إن المشركين أرادوا أن يجعلوا من آلهتهم من أسماء الحسنى ، فأرادوا أن يسموا الواحد منها الله ، فجرى على لسانهم { اللات } وأرادوا أن يسموا الواحد منها العزيز ، فجرى على لسانهم العزى ، وأرادون أن يسموا الواحد منها المنان فجرى على لسانهم مناة . ويقال : إن العزى كانت نخلة بالطائف يعبدونها ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حتى قطع تلك النخلة ، فخرجت منها امرأة تجر شعرها على الأرض ، فأتبعها بفأس ، فقتلها ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : « تلك العزى قتلها فلا تعبد العزى أبدا » . ويقال : أول الأصنام كانت اللات ، ثم العزى ثم مناة . وهو قوله : { أفرءيتم اللات والعزى } { ومناة الثالثة الاخرى } يعني : أفرأيتم عبادتها تنفعهم في الآخرة .
ثم قال : { ألكم الذكر وله الانثى } يعني بني مدلج ، ويعبدون الملائكة ، ويقولون : هم بناته فيشفعوا لنا { تلك إذا قسمة ضيزى } أي : جائرة معوجة . قرأ ابن كثير : بهمز الألف ، والمد . والباقون : بغير همز ، ومعناهما واحد ، وهو اسم الصنم . وقرأ ابن كثير : { ضئزى } بالهمزة . والباقون : بغير همزة ، ومعناهما واحد . يقال : ضازه ، يضيزه ، إذا نقصه حقه . يقال : ضزت في الحكم أي جرت .
ثم قال : { ضيزى إن هى إلا أسماء سميتموها } يعني : الأصنام ، { أنتم وءاباؤكم } بالتقليد { ما أنزل الله بها من سلطان } يعني : من عذر ، وحجة لكم بما تقولون { إن يتبعون إلا الظن } يعني : ما يعبدون ، وما يتبعون إلا الظن ، ولا تعرفونها أنها يقينا آلهة ، { وما تهوى الانفس } يعني : يتبعون ما تشتهي أنفسهم ، وعبدوه ، وتركوا دين الله ، { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } يعني : أتاهم الكتاب ، والرسول ، وبين لهم طريق الهدى .
ثم قال عز وجل : { أم للإنسان ما تمنى } يعني : ما يتمنى بأن الملائكة تشفع له ، فيكون الأمر بتمنيه ، { فلله الاخرة والاولى } يعني : ثواب الآخرة والأولى . ويقال : أهل السموات ، وأهل الأرض كلهم عبيده ويقال : له نفاذ الأمر في الآخرة ، والأولى . ويقال : جميع ما فيها يدل على وحدانيته .
ثم قال : { وكم من ملك فى السموات ا تغنى شفاعتهم شيئا } يعني : لا تنقطع شفاعتهم ، ردا لقولهم : إنهم يشفعون لنا .
ثم استثنى فقال : { إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } يعني : من كان معه التوحيد ، فيشفع له بإذن الله تعالى .
ثم قال : { إن الذين لا يؤمنون بالاخرة } يعني : لا يصدقون بالبعث { ليسمون الملائكة تسمية الانثى } باسم البنات ، وفيه تنبيه للمؤمنين ، لكي لا تقولوا مثل مقالتهم ، وزجرا للكافرين عن تلك المقالة .

(4/210)


وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32)

قال عز وجل : { وما لهم به من علم } يعني : ليس لهم حجة على مقالتهم { إن يتبعون إلا الظن } يعني : ما يتبعون إلا الظن يعني : على غير يقين { وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا } يعني : لا يمنعهم من عذاب الله شيئا { فأعرض من تولى عن ذكرنا } يعني : اترك من أعرض عن القرآن ، ولا يؤمن به . { ولم يرد إلا الحياة الدنيا } يعني : لم يرد بعلمه الدار الآخرة ، إنما يريد به منفعة الدنيا { ذلك مبلغهم من العلم } يعني : غاية علمهم الحياة الدنيا . ويقال : ذلك منتهى علمهم ، لا يعلمون من أمر الآخرة شيئا ، وهذا كقوله : { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة غافلون } .
ثم قال عز وجل : { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } يعني : هو أعلم بمن ترك طريق الهدى { وهو أعلم بمن اهتدى } يعني : من تمسك بدين الإسلام ، ومعناه : فأعرض عنهم ، ولا تعاقبهم ، فإن الله عليم بعقوبة المشركين ، وبثواب المؤمنين ، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال .
ثم عظم نفسه بأنه غني عن عبادتهم فقال : { ولله ما فى السموات وما في الارض } من الخلق { ليجزى الذين فينبئهم بما عملوا } يعني : ليعاقب في الآخرة الذين أشركوا ، وعملوا المعاصي { ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } يعني : ويثيب الذين آمنوا ، وأدوا الفرائض الخمسة بإحسانهم .
ثم نعت المحسنين فقال : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } قرأ حمزة والكسائي : { كبير الإثم } بلفظ الوحدان ، والمراد به : الجنس . والباقون : { يجتنبون كبائر الإثم } بلفظ الجماعة . قال بعضهم : { كبائر الإثم } يعني : الشرك بالله ، { والفواحش } يعني : المعاصي . وقال بعضهم : { كبائر الإثم والفواحش } بمعنى واحد ، لأن كل فاحشة كبيرة ، وكل كبيرة فاحشة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « الكبائر أربعة : الشرك بالله ، واليأس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله » . وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : الكبائر سبعة . فبلغ ذلك إلى عبد الله بن عباس ، فقال : هي إلى السبعين أقرب . ويقال : كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة . وقيل : كل ما أصر العبد عليه فهو كبيرة ، كما روي عن بعضهم أنه قال : لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الإصرار .
قال : { إلا اللمم } وقال بعضهم : { اللمم } هو الصغائر من الذنوب . يعني : إذا اجتنبت الكبائر ، يغفر الله صغار الذنوب من الصلاة إلى الصلاة ، ومن الجمعة إلى الجمعة ، وهو كقوله تعالى : { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } [ النساء : 31 ] قال مقاتل : نزلت في شأن نبهان التمار ، وذلك أن امرأة أتت لتشتري التمر ، فقال لها : ادخلي الحانوت ، فعانقها ، وقبلها ، فقالت المرأة : خنت أخاك ولم تصب حاجتك ، فندم ، وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(4/211)


وروى مسروق عن ابن مسعود : قال زنى العينين النظر ، وزنى اليدين البطش ، وزنى الرجلين المشي ، وإنما يصدق ذلك الفرج ، أو يكذبه . فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما . وقال عكرمة : { اللمم } النظر ، وحديث النفس ، ونحو ذلك . وروى طاوس ، عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى . فزنى العينين نظر الناظر ، وزنى اللسان النطق ، والنفس تتمنى ، وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه » . وقال عبد الله بن الزبير : { اللمم } القبلة ، واللمس باليد . وقال بعضهم : { اللمم } كل ذنب يتوب عنه ولا يصر عليه . وروى منصور ، عن مجاهد قال : في قوله : { إلا اللمم } هو الرجل يذنب الذنب ، ثم ينزع عنه . وروي عن أبي هريرة : قال : { اللمم } النكاح . وذكر ذلك لزيد بن أسلم فقال : صدق إنما اللمم لمم أهل الجاهلية . يقول الله تعالى في كتابه { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسآئكم اللاتى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنآئكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما } [ النساء : 23 ] . وروي عن الحسن أنه قال : { اللمم } هو أن يصيب النظرة من المرأة ، والشربة من الخمر . ثم ينزع عنه . وروي عن مجاهد أنه قال : الذي يلم بالذنب ، ثم يدعه . وقد قال الشاعر
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لله لا ألما
وقال بعضهم : { إلا اللمم } ومعناه : ولا اللمم . ومعناه : أن تجتنبوا صغائر الذنوب ، وكبائرها ، كما قال القائل : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير ، والعيش . يعني : ولا اليعافير ، ولا العيس . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إياكم والمحقرات من الذنوب » . وسئل زيد بن ثابت عن قوله : { إلا اللمم } قال : حرم الله الفواحش ما ظهر منها ، وما بطن .
ثم قال : { إن ربك واسع المغفرة } يعني : واسع الفضل ، غافر الذنوب للذين يتوبون . ويقال : معناه رحمته واسعة على الذين يجتنبون الكبائر .
ثم قال : { هو أعلم بكم } يعني : هو أعلم بحالكم منكم { إذ أنشأكم من الارض } يعني : إذ هو خلقكم من الأرض . يعني : خلق آدم من تراب ، وأنتم من ذريته . { وإذ أنتم أجنة } يعني : كنتم صغارا { فى بطون أمهاتكم } كان هو أعلم بحالكم منكم في ذلك كله ، { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم } يعني : لا تبرؤوا أنفسكم من الذنوب ، ولا تمدحوها .

(4/212)


ويقال : { ولا تزكوا أنفسكم } يعني : لا يمدح بعضكم بعضا . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب » . والمدح على ثلاثة أوجه : أوله أن يمدحه في وجهه ، فهو الذي نهي عنه . والثاني : أن يمدحه بغير حضرته ، ويعلم أنه يبلغه ، فهو أيضا منهي عنه . والثالث : أن يمدحه في حال غيبته ، وهو لا يبالي بلغه أو لم يبلغه ، ويمدحه بما هو فيه ، فلا بأس بهذا . ويقال : { فلا تزكوا أنفسكم } يعني : لا تطهروا أنفسكم من العيوب . وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الناس كإبل مائة لم يكن فيها راحلة » . { بمن اتقى } يعني : من يستحق المدح ، ومن لا يستحق المدح .

(4/213)


أفرأيت الذي تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) وأن إلى ربك المنتهى (42)

ثم قال : { أفرأيت الذى تولى } يعني : أعرض عن الحق ، وهو الوليد بن المغيرة ، ومن كان في مثل حاله { وأعطى قليلا } يعني : وأنفق قليلا من ماله { وأكدى } يعني : هو أمسك عن النفقة . قال مقاتل : أنفق الوليد بن المغيرة على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نفقة قليلة ، ثم انتهى عن ذلك . وقال القتبي : { وأكدى } أصله من كديه الدكية وهي الصلابة فيها . فإذا بلغها الحافر ، يبس حفرها ، فقطع الحفرة . يعني : تركها . فقيل : لمن طلب شيئا ، ولم يدرك أخره ، وأعطى شيئا ، ولم يتم وأكدى .
ثم قال عز وجل : { علم الغيب فهو يرى أم } يعني : أعنده علم الآخرة { فهو يرى } صنيعه . وقيل : يعلم ما في اللوح المحفوظ ، فيرى صنيعه . { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى } يعني : ألم يخبر بما بين الله تعالى في صحف موسى . قال بعضهم : { صحف موسى } يعني : التوراة . وقال بعضهم : هو كتاب أنزل عليه قبل التوراة { وإبراهيم الذى وفى } يعني : في كتاب إبراهيم { الذى وفى } يعني : بلغ الرسالة . ويقال : { وفى } بمعنى عمل ما أمر به . وذلك أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال لعثمان : إنك تنفق مالك ، فعن قريب تفتقر . فقال عثمان : إن لي ذنوبا . فقال الوليد : ادفع إلي بعض المال حتى أدفع ذنوبك ، فدفع إليه ، فأنزل الله تعالى { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى } يعني : ألم يبين الله تعالى في كتاب موسى ، وكتاب إبراهيم ، { ألا تزر وازرة وزر أخرى } يعني : لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى . ويقال : { وإبراهيم الذى وفى } يعني : بما ابتلاه الله تعالى بعشر كلمات . ويقال : بذبح الولد . ويقال : كان يصلي كل غداة أربع ركعات ، صلاة الضحى فسماه وفيا .
ثم قال عز وجل : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } يعني : ليس للإنسان في الآخرة إلا ما عمل في الدنيا من خير أو شر { وأن سعيه سوف يرى } يعني : يرى ثواب عمله في الآخرة .
قوله عز وجل { ثم يجزاه الجزاء الاوفى } يعني : يعطى ثوابه كاملا { وأن إلى ربك المنتهى } يعني : إليه ينتهي أعمال العباد ، وإليه يرجع الخلق كلهم ، فهذا كله في مصحف موسى ، وإبراهيم .

(4/214)


وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا (44) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) وأن عليه النشأة الأخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى (54) فبأي آلاء ربك تتمارى (55) هذا نذير من النذر الأولى (56) أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة (58)

ثم قال : { وأنه هو أضحك وأبكى } يعني : { أضحك } أهل الجنة في الجنة . قال : { وأبكى } أهل النار في النار . ويقال : { أضحك } في الدنيا أهل النعمة ، { وأبكى } أهل الشدة ، والمعصية . { وأنه هو أمات وأحيا } يعني : يميت في الدنيا ، ويحيي في الآخرة للبعث { وأنه خلق الزوجين } يعني : اللونين ، والصنفين ، { الذكر والانثى من نطفة إذا تمنى } يعني : تهراق في رحم الأنثى . وقال القتبي : { من نطفة إذا تمنى } يعني : تقدر ، وتخلق . ويقال : ما تدري ما يمني لك الماني . يعني : ما يقدر لك المقدر .
ثم قال عز وجل : { وأن عليه النشأة الاخرى } يعني : البعث بعد الموت . يعني : ذلك إليه ، وبيده ، وهو قادر على ذلك ، فاستدل عليهم بالفعل الآخر بالفعل الأول ، أنه خلقهم في الابتداء من النطفة ، وهو الذي يحييهم بعد الموت { وأنه هو أغنى وأقنى } يعني : حول وأعطى المال . { وأقنى } يعني : أفقر . ويقال : { أغنى } يعني : يعطي { وأقنى } يعني : يرضي بما يعطي . ويقال : { أغنى } نفسه عن الخلق { وأقنى } يعني : أفقر الخلق إلى نفسه . وروى السدي عن أبي صالح : { أغنى } بالمال ، { وأقنى } يعني : بالقنية . وقال الضحاك : { أغنى } بالذهب ، وبالفضة ، والثياب ، والمسكن ، { وأقنى } بالإبل ، والبقر ، والغنم ، والدواب . وقال عكرمة : { أغنى } يعني : أرضى { وأقنى } يعني : وأقنع .
ثم قال : { وأنه هو رب الشعرى } يعني : وأن الله هو خالق الشعرى . قال ابن عباس : هو كوكب تعبده خزاعة يطلع بعد الجوزاء ، يقول الله تعالى وأنا ربها ، وأنا خلقتها ، فاعبدوني .
ثم خوفهم فقال عز وجل : { وأنه أهلك عادا الاولى } بالعذاب ، وهم قوم هود عليه السلام ، وكان بعدهم عاد آخر سواهم ، فلهذا سماهم عاد الأولى { وثمود فما أبقى } يعني : قوم صالح عليه السلام ، فأهلكهم الله ، وما بقي منهم أحد . قرأ نافع ، وأبو عمرو { عاد الاولى } بحذف الهمزة ، وإدغام التنوين . والباقون : { عادا } بالتنوين الأولى ، بالهمزة . وكلاهما جائز عند العرب . وقرأ حمزة ، وعاصم ، رواية حفص : { وثمود } بغير تنوين . والباقون : { ثمودا } بالتنوين . قال أبو عبيد نقرأ بالتنوين مكان الألف الثانية في المصحف .
ثم قال : { منتصرين وقوم نوح من قبل } يعني : أهلكنا قوم نوح من قبل عاد وثمود { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } يعني : أشد في كفرهم ، وطغيانهم ، لأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، فدعاهم ، فلم يجيبوا ، وكان الآباء يوصون الأبناء بتكذيبه .
ثم قال عز وجل : { والمؤتفكة أهوى } يعني : مدينة قوم لوط . وسماها مؤتفكة لأنها ائتفكت . أي : انقلبت { أهوى } أي : أسقط . ويقال : { المؤتفكة } يعني : المكذبة { والمؤتفكة أهوى } يعني : أهوى من السماء إلى الأرض ، وذلك أن جبريل عليه السلام حيث قلع تلك المدائن ، فرفعها إلى قريب من السماء ، ثم قلبها ، وأهواها إلى الأرض .

(4/215)


{ فغشاها ما غشى } يعني : فغشاها من الحجارة { ما غشى } كقوله : { فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } [ الحجر : 74 ] .
ثم قال : { فبأى الاء ربك تتمارى } يعني : بأي نعمة من نعماء ربك تتجاحد أيها الإنسان ، بأنها ليست من الله تعالى .
قوله عز وجل : { هذا نذير من النذر الاولى } يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم { نذير } مثل { النذر الاولى } يعني : رسولا مثل الرسل الأولى ، ثم نوح ، وهود ، وصالح صلوات الله عليهم ، وقد خوفهم الله ليحذروا معصيته ، ويتبعوا ما أمرهم الله تعالى ، ورسوله صلى الله عليه وسلم .
ثم قال : { أزفت الازفة } يعني : دنت القيامة { ليس لها من دون الله كاشفة } يعني : ليس للساعة من دون الله { كاشفة } عن علم قيامها ، وهذا كقوله : { يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا هو ثقلت فى السماوات والارض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفى عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [ الأعراف : 187 ] .

(4/216)


أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62)

ثم قال عز وجل : { أفمن هذا الحديث تعجبون } يعني : من القرآن تعجبون تكذيبا { وتضحكون } استهزاء . { ولا تبكون } مما فيه من الوعد { وأنتم سامدون } يعني : لاهين عن القرآن . روي عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال : هو الغناء . كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ، ولعبوا ، وهي بلغة أهل اليمن . وقال قتادة { سامدون } يعني : غافلون .
ثم قال عز وجل : { فاسجدوا لله } يعني : صلوا لله . ويقال : اخضعوا لله { واعبدوا } يعني : أطيعوا . ويقال : { فاسجدوا لله } في الصلاة { واعبدوا } يعني : وحدوه . ويقال : هو سجدة التلاوة بعينها . وروي عن الشعبي أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في النجم ، وسجد معه المؤمنون ، والمشركون ، والجن ، والإنس .

(4/217)


اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4)

قوله تعالى : { اقتربت الساعة } يعني : دنا قيام الساعة ، لأن خروج النبي صلى الله عليه وسلم كان من علامات الساعة { وانشق القمر } وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علامة لنبوته ، فانشق القمر نصفين . وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : فانشق القمر نصفين ، فرأيت حراء بين فلقتي القمر ، أي : شقتي القمر . وعن جبير بن مطعم قال : انشق القمر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة . وروى قتادة ، عن أنس قال : سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة . وقال بعضهم : { اقتربت الساعة وانشق القمر } يعني : تقوم الساعة ، وينشق القمر يوم القيامة . وأكثر المفسرين قالوا : إن هذا قد مضى . وقال عبد الله بن مسعود : ما وعد الله ورسوله من أشراط الساعة كلها قد مضى ، إلا أربعة طلوع الشمس من مغربها ، ودابة الأرض ، وخروج الدجال ، وخروج يأجوج ومأجوج .
ثم قال : { وإن يروا ءاية يعرضوا } يعني : إذا رأوا آية من آيات الله مثل انشقاق القمر ، يعرضوا عنها ، ولا يتفكروا فيها . { ويقولوا سحر مستمر } يعني : مصنوعا . سيذهب . ويقال : معناه ذاهبا يذهب ، ثم التئام القمر . وقال القتبي : { سحر مستمر } يعني : شديد القوى ، وهو من المرة ، وهو القتل . وقال الزجاج : في مستمر قولان : قول ذاهب ، وقول دائم . وقال الضحاك : لما رأى أهل مكة انشقاق القمر . وقال أبو جهل : هذا سحر مستمر فابعثوا إلى أهل الآفاق ، حتى ينظروا إذا رأوا القمر منشقا أم لا . فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقا ، قالوا : هذا سحر مستمر يعني : استمر سحره في الآفاق .
قوله عز وجل : { وكذبوا } يعني : كذبوا بالآية ، وبقيام الساعة . { واتبعوا أهواءهم } في عبادة الأصنام { وكل أمر مستقر } يعني : كل قول من الله له حقيقة منه في الدنيا سيظهر ، وما كان منه في الآخرة سيعرف . يعني : ما وعد لهم من العقوبة . ويقال : معناه مستقر لأهل النار عملهم ، ولأهل الجنة عملهم . يعني : يعطي لكل فريق جزاء أعمالهم .
ثم قال : { ولقد جاءهم من الانباء } يعني : جاء لأهل مكة من الأخبار عن الأمم الخالية { ما فيه مزدجر } يعني : ما فيه موعظة لهم ، وزجر عن الشرك ، والمعاصي .

(4/218)


حكمة بالغة فما تغن النذر (5) فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14)

قوله تعالى : { حكمة بالغة } يعني : جاءهم كلمة بالغة ، وهو القرآن يعني : حكمة وثيقة { فما تغنى النذر } يعني : لا تنفعهم النذر إن لم يؤمنوا ، كقوله : { قل انظروا ماذا فى السماوات والارض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } [ يونس : 101 ] ويقال : { فما تغنى النذر } لم تنفعهم الرسل إذا نزل بهم العذاب إن لم يؤمنوا .
قوله تعالى : { فتول عنهم } يعني : اتركهم ، وأعرض عنهم ، بعدما أقمت عليهم الحجة . { يوم يدعو الداع } يعني : يدعو إسرافيل على صخرة بيت المقدس { إلى شىء نكر } يعني : إلى أمر فظيع ، شديد ، منكر { خشعا } يعني : ذليلة { أبصارهم } خاشعا ، نصب على الحال يعني : يخرجون ، خاشعا . قرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو عمرو { خاشعا } بالألف مع النصب . والباقون : خشعا بضم الخاء ، بغير ألف ، وتشديد الشين بلفظ الجمع ، لأنه نعت للجماعة . ومن قرأ : بلفظ الواحد ، فلأجل تقديم النعت . وقرأ ابن مسعود : { خاشعة } بلفظ التأنيث . وقرأ ابن كثير : { إلى شىء نكر } بجزم الكاف . والباقون : بالضم ، وهما لغتان .
ثم قال عز وجل : { يخرجون من الاجداث } يعني : من القبور ، { كأنهم جراد منتشر } يعني : انتشروا عن معدنهم ، ويجول بعضهم في بعض .
قوله تعالى : { مهطعين إلى الداع } يعني : مقبلين إلى صوت إسرافيل { يقول الكافرون هذا يوم عسر } يعني : شديد عسر عليه . وروي في الخبر : « أنهم إذا خرجوا من قبورهم ، يمكثون واقفين أربعين سنة » ويقال : مائة سنة ، حتى يقولوا أرحنا من هذا ، ولو إلى النار ، ثم يؤمرون بالحساب .
ثم عزى نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على أذى قومه كما لقي الرسل من قومهم فقال : { كذبت قبلهم } يعني : قبل قومك يا محمد { قوم نوح } حين أتاهم بالرسالة { فكذبوا عبدنا } نوحا { وقالوا مجنون } يعني : قالوا لنوح : إنك مجنون { وازدجر } يعني : أوعد بالوعيد . ويقال : صاحوا به حتى غشي عليه . وقال القتبي : { وازدجر } أي : زجر . وهو افتعل من ذلك ، فلما ضاق صدره { فدعا ربه أنى مغلوب } يعني : مقهور فيما بينهم { فانتصر } يعني : أعني عليهم بالعذاب ، فأجابه الله كما في سورة الصافات : { ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون } [ الصافات : 75 ] .
قوله عز وجل : { ففتحنا أبواب السماء } يعني : طرق السماء { بماء منهمر } يعني : منصبا كثيرا . وقال القتبي : { بماء منهمر } أي : كثير ، سريع الانصباب . ومنه يقال : همر للرجل إذا كثر من الكلام ، وأسرع فيه . قرأ ابن عامر : { ففتحنا } بتشديد التاء على تكثير الفعل . وقرأ الباقون : بالتخفيف ، لأنها فتحت فتحا واحدا .
قوله عز وجل : { وفجرنا الارض عيونا } يعني : أخرجنا من الأرض عيونا مثل الأنهار الجارية { فالتقى الماء } يعني : ماء السماء ، وماء الأرض ، { على أمر قد قدر } يعني : على وقت قد قضى { وحملناه } يعني : حملنا نوحا { على ذات ألواح } يعني : على سفينة قد اتخذت بألواح { ودسر } يعني : سفينة قد شدت بالمسامير .

(4/219)


وقال بعضهم : كانت سفينة نوح من صاج . وقال بعضهم : من خشب شمشار . ويقال : من الجوز . وقال القتبي : الدسر المسامير ، واحدها دسار ، وهي أيضا الشريط الذي يشد بها السفينة .
ثم قال : { تجرى بأعيننا } يعني : تسير السفينة بمنظر منا ، وأمرنا . ويقال : بمراد وحفظ منا . وقال الزجاج في قوله : { فالتقى الماء } ولم يقل الماءان ، لأن الماء اسم لجميع ماء السماء ، وماء الأرض . فلو قال : ماءان لكان جائزا ، لكنه لم يقل .
ثم قال : { جزاء لمن كان كفر } يعني : الحمل على السفينة ، ثواب لنوح الذي كفر به قومه . وقرأ بعضهم : { جزاء لمن كان كفر } بالنصب يعني : الفرق عقوبة لمن كذب بالله تعالى ، وبنوح .

(4/220)


ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20)

قوله تعالى : { ولقد تركناها ءاية } أي : سفينة نوح أبقيناها عبرة للخلق . وقال بعضهم : يعني : تلك السفينة بعينها كانت باقية على الجبل إلى قريب من خروج النبي صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : يعني : جنس السفينة صارت عبرة ، لأن الناس لم يعرفوا قبل ذلك سفينة ، فاتخذت الناس السفن بعد ذلك في البحر ، فلذلك كانت آية للناس .
ثم قال : { فهل من مدكر } يعني : هل من معتبر يعتبر بما صنع الله تعالى بقوم نوح ، فيترك المعصية . ويقال : فهل من مذكر يتعظ بأنه حق ، ويؤمن به . وقال أهل اللغة : أصل مدكر ، مفتعل من الذكر ، مذتكر ، فأدغمت الذال في التاء ، ثم قلبت دالا مشددة .
ثم قال : { فكيف كان عذابى ونذر } يعني : كيف رأيت عذابي ، وإنذاري لمن أنذرهم الرسل ، فلم يؤمنوا ، والنذر بمعنى الإنذار .
قوله عز وجل : { ولقد يسرنا القرءان } يعني : هونا القرآن { للذكر } يعني : للحفظ . ويقال : هونا قراءاته . وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لولا قول الله تعالى : { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } { ما ألقى معاذيره } { لا تحرك به } ويقال : هوناه لكي يذكروا به ثم قال : { فهل من مدكر } يعني : متعظ ، يتعظ بما هون من قراءة القرآن . وروى الأسود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم { فهل من مدكر } بالدال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «فهل من مذكر " يعني : بالذال .
قوله تعالى : { كذبت عاد } يعني : كذبوا رسولهم هود { فكيف كان عذابى ونذر } يعني : أليس وجوده حقا ، ونذر جمع نذير قال القتبي : النذر جمع النذير ، والنذير بمعنى الإنذار ، مثل التنكير بمعنى الإنكار . يعني : كيف كان عذابي ، وإنكاري .
ثم بين عذابه فقال عز وجل : { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } يعني : سلطنا عليهم ريحا باردة { فى يوم نحس مستمر } يعني : شديدة استمرت عليهم ، لا تفتر عنهم سبع ليال ، وثمانية أيام ، حسوما دائمة { تنزع الناس } يعني : تنزع أرواحهم من أجسادهم ، وهذا قول مقاتل . ويقال : { فى يوم نحس } يعني : يوم مشؤوم عليهم : { مستمر } يعني : استمر عليهم بالنحوسة . وقال القتبي : الصرصر ريح شديدة ذات صوت تنزع الناس . يعني : تقلعهم من مواضعهم . { كأنهم أعجاز نخل منقعر } يعني : صرعهم ، فكبهم على وجوههم كأنهم أصول نخل منقلعة من الأرض ، فشبههم لطولهم بالنخيل الساقطة . وقال مقاتل : كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعا . وقال في رواية الكلبي : كان طول كل واحد منهم سبعين ذراعا ، فاستهزؤوا حين ذكر لهم الريح ، فخرجوا إلى الفضاء ، فضربوا بأرجلهم ، وغيبوها في الأرض إلى قريب من ركبهم ، فقالوا : قل للريح حتى ترفعنا ، فجاءت الريح فدخلت تحت الأرض ، وجعلت ترفع كل اثنين ، وتضرب أحدهما على الآخر بعدما ترفعهما في الهواء ، ثم تلقيه في الأرض ، والباقون ينظرون إليهم حتى رفعتهم كلهم ، ثم رمت بالرمل والتراب عليهم ، وكان يسمع أنينهم من تحت التراب كذا وكذا يوما .

(4/221)


فكيف كان عذابي ونذر (21) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر (24) أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر (31)

قال الله تعالى : { فكيف كان عذابى ونذر ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } وقد ذكرناه { كذبت ثمود بالنذر } يعني : صالحا حين أتاهم { فقالوا أبشرا منا واحدا } يعني : خلقا مثلنا { نتبعه } في أمره { إنا إذا لفى ضلال وسعر } يعني : إنا إذا فعلنا ذلك { لفى } خطأ وعناء . وقال الزجاج : يعني : إنا إذا فعلنا ذلك { لفى ضلال } وجنون . وهذا كما يقال : ناقة مسعورة إذا كان بها جنون . ويجوز أن يكون { وسعر } جمع في معنى العذاب .
ثم قال عز وجل : { الذكر عليه من بيننا بل } يعني : اختص بالنبوة ، والرسالة من بيننا ، { بل هو كذاب أشر } يعني : كاذبا على الله { أشر } يعني : بطرا متكبرا .
قوله عز وجل : حدثنا { سيعلمون غدا } قرأ ابن عامر ، وحمزة { ستعلمون } بالتاء على معنى المخاطبة . يعني : أن صالحا قال لهم { ذلك غدا } والباقون : بالياء على معنى الخبر عنهم من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم أنهم يعلمون غدا يعني : يوم القيامة { من الكذاب الاشر } أهم ، أم صالح؟ ومعناه : أنه يتبين لهم أنهم هم الكاذبون ، وكان صالحا صادقا في مقالته .
ثم قال : { إنا مرسلوا } يعني : نخرج لهم { الناقة } وذلك حين سألوا صالحا بأن يخرج لهم ناقة من الحجر ، فدعا صالح ربه ، فأوحى الله تعالى إليه أني مخرج الناقة { فتنة } يعني : بلية { لهم فارتقبهم } يعني : انتظر هلاكهم { واصطبر } على الإيذاء .
قوله تعالى : { ونبئهم } يعني : وأخبرهم { أن الماء قسمة بينهم } يوم للناقة ، ويوم لأهل القرية { كل شرب محتضر } يعني : إذا كان يوم الناقة تحضر الناقة ، ولا يحضرون ، وإذا كان يومهم لا تحضر الناقة ، وكل فريق يحضر في نوبته { فنادوا صاحبهم } يعني : مصدع أو قذار { فتعاطى فعقر } يتناول الناقة بالسهم يعقرها { فكيف كان عذابى ونذر إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة } يعني : صيحة جبريل عليه السلام { فكانوا كهشيم المحتظر } قال قتادة : يعني : كرماد محترق . وقال الزجاج : الهشيم ما يبس من الورق ، وتحطم ، وتكسر قرأ بعضهم : { كهشيم المحتظر } بنصب الظاء . وقراءة العامة : بالكسر : فمن قرأ بالنصب فهو اسم الحظيرة ، ومعناه : كهشيم المكان الذي يحضر فيه الهشيم . ومن قرأ بالكسر : فهو صاحب الحظيرة ، يعني : يجمع الحشيش في الحظيرة ، لغنمه فداسته الغنم .

(4/222)


ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (40)

ثم قال عز وجل : { ولقد يسرنا القرءان للذكر } يعني : سهلناه للحفظ ، لأن كتب الأولين يقرؤها أهلها نظرا ، ولا يكادون يحفظون من أولها إلى آخرها ، كما يحفظ القرآن { فهل من مدكر } يعني : متعظ به .
قوله تعالى : { كذبت قوم لوط بالنذر } يعني : بالرسل ، لأن لوطا عليه السلام يدعوهم إلى الإيمان بجميع الرسل ، فكذبوهم ، ولم يؤمنوا ، فأهلكهم الله تعالى .
وهو قوله : { إنا أرسلنا عليهم حاصبا } يعني : حجارة من فوقهم { إلا ال لوط نجيناهم بسحر } يعني : وقت السحر .
قوله تعالى : { نعمة من عندنا } يعني : رحمة من عندنا على آل لوط . صار نعمة نصبا لأنه مفعول . ومعناه : ونجيناهم بالإنعام عليهم { كذلك نجزى من شكر } يعني : هكذا يجزي الله تعالى من شكر نعمته ، ولم يكفرها . ويقال : { من شكر } يعني : من وحد الله تعالى ، لم يعذبه في الآخرة مع المشركين ، فكما أنجاهم في الدنيا ينجيهم في الآخرة ، ولا يجعلهم مع المشركين .
قوله عز وجل : { ولقد أنذرهم بطشتنا } يعني : خوفهم لوط عقوبتنا { فتماروا بالنذر } يعني : شكوا بالرسل ، فكذبوا ، يعني : لوط . ويقال : معناه شكوا بالعذاب الذي أخبرهم به الرسل أنه نازل بهم .
قوله تعالى : { ولقد راودوه عن ضيفه } يعني : طلبوا منه الضيافة ، وكانت أضيافه جبريل مع الملائكة ، فمسح جبريل بجناحه على أعينهم ، فذهب أبصارهم ، وذلك قوله : { فطمسنا أعينهم } يعني : أذهبنا أعينهم ، وأبصارهم ، { فذوقوا عذابى ونذر } اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الخبر . يعني : فذوقوا عذاب الله تعالى ، أي : عقوبة الله ما أخبر الله تعالى .
ثم قال : { ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر } يعني : أخذهم وقت الصبح عذاب دائم . يعني : عذاب الدنيا موصولة بعذاب الآخرة { فذوقوا عذابى ونذر } يقال لهم : ذوقوا عذاب الله تعالى ، وإنذاره .
ثم قال : { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } وقد ذكرناها .

(4/223)


ولقد جاء آل فرعون النذر (41) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (42) أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) أم يقولون نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48)

قوله تعالى : { ولقد جاء ءال فرعون النذر } يعني : الرسل وهو موسى ، وهارون ، { كذبوا بئاياتنا كلها } يعني : بالآيات التسع { فأخذناهم } يعني : عاقبناهم عند التكذيب ، { أخذ عزيز مقتدر } يعني : عقوبة منيع بالنقمة على عقوبة الكفار ، مقتدرا يعني : قادرا على عقوبتهم ، وهلاكهم .
ثم خوف كفار مكة فقال : { أكفاركم خير من أولئكم } يعني : أكفاركم أقوى في النذر من الذين ذكرناهم ، فأهلكهم الله تعالى ، وهو قادر على إهلاكهم { أم لكم براءة فى الزبر } يعني : براءة في الكتب من العذاب . اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الزجر . يعني : ليس لكم براءة ، ونجاة من العذاب .
ثم قال عز وجل : { أم يقولون نحن جميع منتصر } يعني : ممتنع من العذاب يقول الله تعالى : { سيهزم الجمع } يعني : سيهزم جمع أهل مكة في الحرب { ويولون الدبر } يعني : ينصرفون من الحرب ، منهزمين . يعني : به : يوم بدر ، وفي هذا علامة من علامات النبوة ، لأن هذه الآية نزلت بمكة ، وأخبرهم أنهم سيهزمون في الحرب ، فكان كما قال . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، أن عمر رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فكنت لم أعلم ما هي ، وكنت أقول : أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر ، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثبت في الدرع ، ويقول : «سيهزم الجمع ويولون الدبر» وقال الزجاج : «ويولون الدبر» يعني : الإدبار ، كقوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون } [ آل عمران : 111 ] لأن اسم الواحد يدل على الجمع ، وكذلك قوله تعالى : { إن المتقين فى جنات ونهر } [ القمر : 54 ] أي : أنهار . وذكر عن الفراء أنه قال : إنما وحد لأنه رأس آية تقابل بالتوحيد رؤوس الآي . وكذلك في الدبر ، لموافقته رؤوس الآي .
ثم قال : { بل الساعة موعدهم } يعني : مجمعهم { والساعة أدهى وأمر } يعني : عذاب الساعة أعظم وأشد من عذاب الدنيا .
ثم وصف عذاب الآخرة فقال : { إن المجرمين فى ضلال وسعر } يعني : المشركين في الدنيا في ضلالة ، وخطأ ، وخلاف ، وفي سعير في الآخرة . والسعر جماعة السعير . ويقال : { السعر } يعني : في عناء .
ثم أخبرهم بمستقرهم فقال عز وجل : { وسعر يوم يسحبون فى النار على وجوههم } يعني : يجرون في النار على وجوههم ، ويقول لهم الخزنة : { ذوقوا مس سقر } يعني : عذاب النار .

(4/224)


إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55)

ثم قال : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } يعني : خلقنا لكل شيء شكله مما يوافقه . وروي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : هذه الآية نزلت في أهل القدر { يوم يسحبون فى النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شىء خلقناه بقدر } وقال محمد بن كعب القرظي : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } نزلت تعبيرا لأهل القدر . قال أبو الليث : حدثنا أبو جعفر . قال : حدثنا أبو القاسم ، حدثنا محمد بن الحسن ، حدثنا سفيان عن وكيع ، عن زياد بن إسماعيل ، عن محمد بن عبادة ، عن أبي هريرة قال : جاء مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر ، فنزلت الآية { يوم يسحبون فى النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شىء خلقناه بقدر } وروى الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } قال : خلق لكل شيء من خلقه ما يصلحهم من رزق ، ومن الدواب ، وخلق لدواب البر ، ولغيرها من الرزق ما يصلحها ، وكذلك لسائر خلقه .
قوله عز وجل : { وما أمرنا إلا واحدة } يعني : وما أمرنا بقيام الساعة إلا مرة واحدة { كلمح بالبصر } يعني : كرجع البصر . ومعناه : إذا أمرنا بقيام الساعة واحدة ، فنقول : كن فيكون أقرب من طرف البصر .
ثم قال : { ولقد أهلكنا أشياعكم } يعني : عذبنا أشباهكم ، وأهل ملتكم . ويقال : إخوانكم حين كذبوا رسلهم { فهل من مدكر } يعني : معتبر يعتبر فيكم ، فيعلم أن ذلك حق ، ويخاف عقوبة الله .
ثم قال عز وجل : { وكل شىء فعلوه فى الزبر } يعني : وكل شيء عملوه في الكتاب يحصى عليهم { وكل صغير وكبير مستطر } يعني : مكتوبا في اللوح المحفوظ .
ثم قال : { إن المتقين } يعني : الذين يتقون الشرك ، والفواحش ، { فى جنات ونهر } يعني : في بساتين ، وأنهار جارية ، { فى مقعد صدق } يعني : في أرض كريمة . ويقال في مجلس حسن ، وهي أرض ( الجنة ) { عند مليك مقتدر } يعني : في جوار مليك ، قادر على الثواب ، قادر على خلقه ، مثيب ، ومعاقب . وقال القتبي : النهر الضياء ، والسعة ، من قولك انهرت الطعنة إذا وسعتها . [ قال أبي بن كعب رضي الله عنه : من قرأ سورة اقتربت الساعة في كل غب بعثه الله تعالى ووجهه مثل القمر ليلة البدر ، وإن قرأ بها في كل ليلة كان أفضل ] . والله أعلم بالصواب .

(4/225)


الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11)

قوله تبارك وتعالى : { الرحمن علم القرءان } وذلك أنه لما نزل قوله تعالى : { اسجدوا للرحمن } قال كفار مكة : وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ وقالوا : ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب . فأنزل الله تعالى : { الرحمن } فأخبر عن نفسه ، وذكر صفة توحيده ، فقال : { الرحمن } يعني : الرحمن الذي أنكروه { علم القرءان } يعني : أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ليقرأ عليه جبريل عليه السلام ، ويعلمه ، { خلق الإنسان } يعني : الذي خلق آدم من أديم الأرض . ويقال : خلق محمدا . ويقال : { خلق الإنسان } أراد به جنس الإنسان . يعني : جعله مخبرا ، مميزا ، حتى يميز الإنسان من جميع الحيوان { علمه البيان } يعني : الكلام . ويقال : يعني : الفصاحة . ويقال : الفهم .
ثم قال : { الشمس والقمر بحسبان } يعني : بحساب ، ومنازل ، ولا يتعدانها . ويقال : { بحسبان } يعني : يدلان على عدد الشهور ، والأوقات ، ويعرف منها الحساب { والنجم والشجر يسجدان } { والنجم } كل نبات ينبسط على وجه الأرض ليس له ساق ، مثل الكرم ، والقرع ، ونحو ذلك ، { أو الشجر } كل نبات له ساق { يسجدان } يعني : ظلهما يسجدان لله تعالى في أول النهار ، وآخره ويقال : { يسجدان } يعني : يسبحان الله تعالى كما قال : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ويقال : خلقهما على خلقه ، فيها دليل لربوبيته ، ويدل الخلق على سجوده . وروى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : { والنجم والشجر يسجدان } قال : نجوم السماء ، وأشجار الأرض ، يسجدان بكرة وعشيا .
ثم قال عز وجل : { والسماء رفعها } يعني : من الأرض مسيرة خمسمائة عام { ووضع الميزان } يعني : أنزل الميزان للخلق ، يوزن به ، وإنما أنزل في زمان نوح عليه السلام ، ولم يكن قبل ذلك ميزان { ألا تطغوا فى الميزان } يعني : لكي لا تظلموا في الميزان . ويقال : ووضع الميزان . يعني : أنزل العدل في الأرض ألا تطغوا في الميزان . يعني : لكي لا تميلوا عن العدل { وأقيموا الوزن بالقسط } يعني : اعدلوا في الوزن { ولا تخسروا الميزان } يعني : لا تنقصوا حقوق الناس في الوزن . ويقال : { وأقيموا الوزن } يعني : أقيموا اللسان بالقول ، { ولا تخسروا الميزان } يعني : لا تقولوا بغير حق . { والارض وضعها للانام } يعني : بسط الأرض للخلق { فيها فاكهة } يعني : وخلق من الأرض ، من ألوان الفاكهة ، { والنخل ذات الاكمام } يعني : ذات النخيل الطويل ، الموقرة بالطلع ، ذات الخلق ، وإنما العجائب في خلقه ، وما يتولد منه لأنه يتولد من النخيل ، من المنافع ما لا يحصى . وقال القتبي : { ذات الاكمام } يعني : ذات الكوى قبل أن تتفتق ، وغلاف كل شيء أكمه { ذات الاكمام } يعني : ذات الغلاف .

(4/226)


والحب ذو العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما تكذبان (18)

ثم قال : { والحب ذو العصف } يعني : ذو الورق { والريحان } يعني : ثمره . وقال مجاهد : { العصف } يعني : ورق الحنطة { والريحان } الرزق . وقال الضحاك : الحب ، الحنطة ، والشعير ، { والعصف } : التبن وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : { ذو العصف } الزرع { والريحان } الورق بلسان حمير . ويقال : { العصف } السنبل { والريحان } ثمرته ، وما ينتفع به . ويقال : { ***الريحان } يعني : الرياحين ، جمع الريحان وهو نبت لا ساق له . قرأ ابن عامر : { الاكمام والحب ذو العصف } بنصب الباء ، وإنما نصبه لأنه عطف على قوله : { الارض وضعها للانام } { والحب } يعني : وخلق الحب ذا العصف { والريحان } . وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم : { والحب ذو العصف والريحان } بضم النون والباء ، لأنه عطف على قوله : { فيها فاكهة } وقرأ حمزة ، والكسائي ، هكذا إلا أنهما كسرا النون في قوله : { والريحان } عطفا على { العصف } على وجه المجاورة .
وقد ذكر الله تعالى من أول السورة نعماءه ، ثم خاطب الإنس والجن فقال : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } وإن لم يسبق ذكرهما ، لأن في الكلام دليلا ، وقد ذكرهما من بعده ، وهو قوله : { وما خلقت الجن والإنس } وقال : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني : فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس { تكذبان } يعني : تتجاحدان بأنها ليست من الله تعالى . قال بعضهم : { الله لعلكم } ونعماء الله واحد . إلا أن الآلاء أعم ، والنعماء أخص . ويقال : الآلاء النعمة الظاهرة وهو التوحيد ، والنعماء : النعمة الباطنة وهو المعرفة بالقلب ، كقوله : { ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الارض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } [ لقمان : 20 ] وقال بعضهم : { ***الآلاء } إيصال النعم ، والنعماء رفع البلايا . مثاله أن رجلا لو كانت له يد شلاء فله الآلاء وليست النعماء . وكذلك لسان الأخرس ، ورجل مقعد ، فله الآلاء ، وليست له النعماء . وأكثر المفسرين لم يفصلوا بينهما ، وقد ذكر في هذه السورة دفع البلية ، وإيصال النعمة . فكل ذلك سماه الآلاء . وروى محمد بن المنذر ، عن جابر ، بن عبد الله ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على أصحابه سورة الرحمن ، فسكت القوم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « الجن كانوا أحسن ردا منكم ، ما قرأت عليهم { والريحان فبأى ءالاء ربكما تكذبان } إلا قالوا : ولا بواحدة منها فلك الحمد » . وفي رواية أخرى : أنه قال : « ما قرأت عليهم إلا قالوا ولا بواحدة منها فلك الحمد » .
ثم قال : { خلق الإنسان } يعني : آدم { من صلصال } يعني : الطين اليابس الذي يتصلصل أي : يصوت ، كما يصوت الفخار .

(4/227)


ويقال : الصلصال الطين الجيد الذي ذهب عنه الماء ، وتشقق . { كالفخار } يعني : الطين الذي يصنع به الفخار . وقال في موضع آخر : { ياأيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر فى الارحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الارض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج } [ الحج : 5 ] وقال في موضع آخر : { الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين } [ السجدة : 7 ] وقال في موضع آخر : { من صلصال } فهذا كله قد كان حالا بعد حال .
{ وخلق الجان } يعني : أبا الجن . ثم قال هو إبليس : { من مارج من نار } يعني : من لهب من نار ، وليس لها دخان . وقال بعضهم : خلق من نار جهنم . وقال بعضهم : من النار التي بين الكلة الرقيقة بين السماء ، ومنها يكون البرق ، ولا يرى السماء إلا من وراء تلك الكلة .
ثم قال : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني : فبأي نعمة أنتم . يعني : خلقكم أيها الإنس من نفس واحدة ، وخلقكم أيها الجن من نفس واحدة . فكيف تنكرون هذه النعمة أنها ليست من الله تعالى؟ .
ثم قال : { رب المشرقين ورب المغربين } يعني : هو { رب المشرقين } مشرق الشمس ، ومشرق القمر . وقيل : مشرق الشتاء ، ومشرق الصيف { ورب المغربين } يعني : مغرب الشتاء ، والصيف .
ثم قال : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني : نعمة أنتم من نعمائه أيها الجن والإنس تتجاحدان؟ ومعناه : أنتم حيث ما كنتم من مشارق الأرض ومغاربها في ملك الله تعالى ، وتأكلون رزقه ، وهو عالم حيث ما كنتم ، وهو حافظكم ، وناصركم ، فكيف تنكرون هذه النعم .

(4/228)


مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأي آلاء ربكما تكذبان (21) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما تكذبان (23) وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) فبأي آلاء ربكما تكذبان (25) كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) فبأي آلاء ربكما تكذبان (28) يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) فبأي آلاء ربكما تكذبان (30) سنفرغ لكم أيها الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما تكذبان (32)

قوله عز وجل : { مرج البحرين يلتقيان } يعني : أرسل البحرين . ويقال : خلى البحرين . ويقال : خلق البحرين { يلتقيان } يعني : مالح ، وعذب ، { بينهما برزخ } يعني : حاجز { لا يبغيان } يعني : لا يختلطان فيغير طعمه . وأصل البغي : التطاول ، والجور ، والظلم . وقال بعضهم : بينهما حاجز لطيف لا يراه الخلق ، وإنما العبرة في ذلك أنه لا يرى . ويقال : بعضهم ليس هناك شيء ، وإنما تمنعهما من الاختلاط قدرة الله تعالى . ويقال : { يلتقيان } أي : يتقابلان أحدهما بحر الروم ، والآخر بحر فارس . وقيل : بحر الهند { وبينهما برزخ لا يبغيان } أي : لا يختلطان { بينهما برزخ } . بلطف الله تعالى أي : باللطف تمنع عن الامتزاج ، وهما بحر واحد ، لن يمس أحدهما بالآخر . وقال الزجاج : البرزخ الحاجز ، فهما من دموع العين مختلطان ، وفي قدرة الله منفصلان . وقيل : { بينهما برزخ } أي : جزيرة العرب . وقيل : بحر السماء ، والأرض ، كقوله تعالى : { ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر وفجرنا الارض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر } [ القمر : 11 ، 12 ] وبينهما برزخ الهواء ، والأرض ، وسكان الأرض .
ثم قال : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني : خلق البحرين لمنفعة الخلق ، وبين لكم العبرة ، وقدرته ، ولطفه ، لتعتبروا به ، وتوحدوه ، فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست من الله تعالى؟ .
ثم قال : { يخرج منهما اللؤلؤ } يعني : من بحر مالح اللؤلؤ { والمرجان } ما صغر منه . ويقال : اللؤلؤ يعني : الصغار { والمرجان } يعني : العظام .
وقرأ نافع وأبو عمرو { يخرج } بضم الياء ونصب الراء على فعل ما لم يسم فاعله . وقرأ الباقون : بنصب الياء ، وضم الراء . وقرأ بعضهم : بكسر الراء . يعني : يخرج الله تعالى ، ونصب اللؤلؤ ، والمرجان لأنه مفعول به .
ثم قال : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني : خلق في البحر اللؤلؤ لمنفعة الخلق ، ولصلاحهم ، ولكي تعتبروا به ، فكيف تنكرون هذه النعمة .
ثم قال عز وجل : { وله الجوار * لتجرى فى البحر } يعني : السفن التي تجري في الماء { كالاعلام } يعني : كالجبال فشبه السفن في البحر بالجبال في البر . وقرأ حمزة { المنشآت } بكسر الشين . والباقون : بالنصب . فمن قرأ : بالكسر يعني : المبتدئات في السير .
ثم قال : { والريحان فبأى ءالاء ربكما تكذبان } أنه جعل السفن في البحر لمنفعة الخلق ، فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست من الله تعالى .
ثم قال عز وجل : { كل من عليها فان } يعني : كل شيء على وجه الأرض يفنى { ويبقى وجه ربك } يعني : ذو الملك ، والعظمة ، والإكرام ، { ذو الجلال والإكرام } يعني : ذو الملك ، والعظمة ، والإكرام ، يعني : ذو الكرم ، والتجاوز ، فلما نزلت هذه الآية ، قالت الملائكة : هلكت بنو آدم ، فلما نزل { كل نفس ذائقة الموت } أيقنوا بهلاك أنفسهم ، وهذا من النعم ، لأنه يحذرهم ، وبين لهم ليتهيؤوا لذلك .

(4/229)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية