صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تفسير المنتخب
المؤلف : لجنة من علماء الأزهر
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135)

134- ولو عاجل الله هؤلاء الكافرين بالإهلاك قبل أن يرسل إليهم محمدا لاعتذروا يوم القيامة قائلين : يا ربنا لم ترسل إلينا رسولا فى الدنيا مؤيدا بالآيات لنتبعه قبل أن ينزل بنا العذاب والخزى فى الآخرة . ولكن لا عذر لهم الآن بعد إرسال الرسول .
135- قل - أيها الرسول - لهؤلاء المعاندين : إننا جميعا منتظرون لما يؤول إليه أمرنا وأمركم ، وستعلمون حقا أى الفريقين صاحب الدين الحق والمهتدى بهدى الله؟ .

(2/37)


اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2)

1- دنا للمشركين وقت حسابهم يوم القيامة ، وهم غافلون عن هوله ، معرضون عن الإيمان به .
2- ما يأتيهم قرآن من ربهم مجدد نزوله ، مذكر لهم بما ينفعهم ، إلا استمعوه وهم مشغولون عنه بما لا نفع فيه ، يلعبون كما يلعب الأطفال .

(2/38)


لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9)

3- لاهية قلوبهم عن التأمل فيه ، وبالغوا فى إخفاء تآمرهم على النبى وعلى القرآن ، قائلين فيما بينهم : ما محمد إلا بشر مثلكم ، والرسول لا يكون إلا ملكا . أتصدقون محمدا فتحضرون مجلس السحر وأنتم تشاهدون أنه سحر؟!
4- قال الرسول لهم - وقد أطلعه الله على حديثهم الذى أسروه - : ربى يعلم كل ما يقال فى السماء والأرض ، وهو الذى يسمع كل ما يسمع ، ويعلم كل ما يقع .
5- بل قالوا : إنه أخلاط أحلام رآها فى المنام ، بل اختلقه ونسبه كذبا إلى الله . ثم أعرضوا عن ذلك ، وقالوا : بل هو شاعر يستولى على نفوس سامعيه ، فليأتنا بمعجزة مادية دالة على صدقه ، كما أرسل الأنبياء الأولون مؤيدون بالمعجزات .
6- لم تؤمن قبلهم أمة من الأمم التى أهلكناها بعد أن كذبت بالمعجزات المادية ، فهل يؤمن هؤلاء إذا جاءهم ما يطلبون؟! .
7- وما أرسلنا إلى الناس قبلك - أيها النبى - إلا رجالا من البشر ، نوحى إليهم الدين ليبلغوه الناس ، فاسألوا - أيها المنكرون - أهل العلم بالكتب المنزلة إن كنتم لا تعلمون ذلك .
8- وما جعلنا الرسل أجسادا تخالف أجساد البشر يعيشون دون طعام ، وما كانوا باقين مخلدين .
9- ثم صدقناهم ، وحققنا لهم الوعد ، فأنجيناهم وأنجينا معهم من أردنا نجاتهم من المؤمنين ، وأهلكنا الكافرين المسرفين فى تكذيبهم وكفرهم برسالة أنبيائهم .

(2/39)


لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17)

10- لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه تذكير لكم إذا علمتموه وعملتم بما فيه ، فكيف تعرضون وتكفرون به؟! أيبلغ بكم العناد والحمق إلى ما أنتم عليه فلا تعقلون ما ينفعكم فتسارعون إليه؟
11- وكثير من أهل القرى أهلكناهم بسبب كفرهم وتكذيبهم لأنبيائهم ، وأنشأنا بعد كل قوم منهم قوما غيرهم أحسن منهم حالا ومآلا .
12- فلما أردنا إهلاكهم ، وأحسوا بما يقع عليهم من شدة عذابنا وقدرتنا على إنزاله؛ سارعوا إلى الهرب والتماس النجاة بما يشبه عمل الدواب .
13- لا تسرعوا - أيها المنكرون - فلن يعصمكم من عذاب الله شئ ، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من نعيمكم ومساكنكم ، لعل خدمكم وأشياعكم يسألونكم المعونة والرأى كما كان شأنكم ، وأنى تستطيعون؟ .
14- قالوا - وقد سمعوا الاستهزاء بهم منادين هلاكهم موقنين به - : إنا كنا ظالمين حين أعرضنا عما ينفعنا ، ولم نؤمن بآيات ربنا .
15- فما زالت هذه الكلمات يرددونها ويصيحون بها ، حتى جعلناهم - بالعذاب - كالزرع المحصود خامدين لا حياة فيهم .
16- وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما - بهذا النظام المحكم والصنع البديع - نلعب بها ، بل جعلناها لحكم عالية يدركها المتأملون .
17- لو أردنا أن نتخذ ما نلهو به لما أمكن أن نتخذه إلا من ملكنا الذى ليس فى الوجود ملك غيره ، إن كنا ممن يفعل ذلك ، ولسنا ممن يفعله لاستحالته فى حقنا .

(2/40)


بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (23)

18- بل أمرنا الذى يليق بنا هو أن نقذف الحق فى وجه الباطل فيذهبه ، ولكم - أيها الكافرون - الهلاك بسبب افترائكم على الله ورسوله .
19- ولله - وحده - كل من فى السموات والأرض خلقا وملكا ، فمن حقه - وحده - أن يعبد ، والمقربون إليه من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته والخضوع له ، ولا يشعرون بالإعياء والملل من طول عبادته بالليل والنهار .
20- ينزهونه جل شأنه عما لا يليق به ، لا يتخلل تنزيههم هذا فتور ، بل هو تنزيه دائم لا يشغلهم عنه شاغل .
21- لم يفعل المشركون ما يفعله المقربون من إخلاص العبادة لله ، بل عبدوا غيره ، واتخذوا من الأرض آلهة لا تستحق أن تعبد ، وكيف يعبد من دون الله من لا يستطيع إعادة الحياة؟! .
22- لو كان فى السماء والأرض آلهة غير الله تدبر أمرهما لاختل النظام الذى قام عليه خلقهما ، ولما بلغ غاية الدقة والإحكام ، فتنزيها لله صاحب الملك عما ينسبه إليه المشركون .
23- لا يحاسب - سبحانه - ولا يسأل عما يفعل ، لأنه الواحد المتفرد بالعزة والسلطان ، الحكيم العليم ، فلا يخطئ فى فعل أى شئ ، وهم يحاسبون ويسألون عما يفعلون؛ لأنهم يخطئون لضعفهم وجهلهم وغلبة الشهوة عليهم .

(2/41)


أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29)

24- لم يعرفوا حق الله عليهم ، بل اتخذوا من غيره آلهة يعبدونها دون دليل معقول أو برهان صادق . قل - أيها النبى - هاتوا برهانكم على أن لله شريكا فى الملك يبرر إشراكه فى العبادة . هذا القرآن الذى جاء مذكرا لأمتى بما يجب عليها ، وهذه كتب الأنبياء التى جاءت لتذكر الأمم قبلى تقوم كلها على توحيد الله . بل أكثرهم لا يعلمون ما جاء فى هذه الكتب ، لأنهم لم يهتموا بالتأمل فيها ، فهم معرضون عن الإيمان بالله .
25- وما أرسلنا إلى الناس قبلك - أيها النبى - رسولا ما ، إلا أوحينا إليه أن يبلغ أمته أنه لا يستحق العبادة غيرى ، فأخلصوا لى العبادة .
26- وقال بعض كفار العرب : اتخذ الرحمن ولدا بزعمهم أن الملائكة بناته . تنزه عن أن يكون له ولد . بل الملائكة عباد مكرمون عنده بالقرب منه ، والعبادة له .
27- لا يسبقون الله بكلمة يقولونها ، قبل أن يأذن لهم بها ، وهم بأمره - دون غيره - يعملون ، ولا يتعدون حدود ما يأمرهم به .
28- يعلم الله كل أحوالهم وأعمالهم - ما قدموه وما أخروه - ولا يشفعون عنده إلا لمن رضى الله عنه ، وهم من شدة خوفهم من الله تعالى وتعظيمهم له فى حذر دائم .
29- ومن يقل من الملائكة : إنى إله يعبد من دون الله فذلك نجزيه جهنم . مثل هذا الجزاء نجزى كل الذين يتجاوزون حدود الحق ، ويظلمون أنفسهم بالشرك وادعاء الربوبية .

(2/42)


أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30)

30- أعمى الذين كفروا ولم يبصروا أن السموات والأرض كانتا فى بدء خلقهما ملتصقتين ، فبقدرتنا فصلنا كلا منهما عن الأخرى ، وجعلنا من الماء الذى لا حياة فيه كل شئ حى؟! فهل بعد كل هذا يعرضون ، فلا يؤمنون بأنه لا إله غيرنا؟

(2/43)


وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31)

31- ومن دلائل قدرتنا أنا جعلنا فى الأرض جبالا ثوابت ، لئلا تضطرب بهم ، وجعلنا فيها طرقا فسيحة ، ومسالك واسعة ، لكى يهتدوا بها فى سيرهم إلى أغراضهم .

(2/44)


وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33)

32- وجعلنا السماء فوقهم كالسقف المرفوع ، وحفظناها من أن تقع أو يقع ما فيها عليهم . وهم مع ذلك منصرفون عن النظر والاعتبار بآياتنا الدالة على قدرتنا ، وحكمتنا ، ورحمتنا .
33- والله هو الذى خلق الليل والنهار ، والشمس والقمر ، كل يجرى فى مجاله الذى قدره الله له ، ويسبح فى فلكه لا يحيد عنه .

(2/45)


وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38)

34- وما جعلنا لأحد من البشر قبلك - أيها النبى - الخلود فى هذه الحياة حتى يتربص بك الكفار الموت . فكيف ينتظرون موتك ليشمتوا بك وهم سيموتون كما تموت؟! أفإن مت يبقى هؤلاء أحياء دون غيرهم من سائر البشر؟ .
35- كل نفس لا بد أن تذوق الموت ، ونعاملكم فى هذه الحياة معاملة المختبر بما يصيبكم من نفع وضر ، ليتميز الشاكر للخير والصابر على البلاء من الجاحد للنعم والجازع عند المصيبة . وإلينا ترجعون فنحاسبكم على أعمالكم .
36- وإذا رآك - أيها النبى - الذين كفروا بالله وبما جئت به لا يضعونك إلا فى موضع السخرية والاستهزاء . يقول بعضهم لبعض : أهذا الذى يذكر آلهتكم بالعيب؟ وهم بذكر الله الذى يعمهم برحمته لا يصدقون .
37- وإذا كانوا يطلبون التعجيل بالعذاب فإن طبيعة الإنسان التعجل ، سأريكم - أيها المستعجلون - نعمتى فى الدنيا ، وعذابى فى الآخرة فلا تشغلوا أنفسكم باستعجال ما لابد منه .
38- ويقول الكافرون مستعجلين العذاب مستبعدين وقوعه : متى يقع هذا الذى تتوعدوننا به - أيها المؤمنون - إن كنتم صادقين فيما تقولون؟ .

(2/46)


لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (41) قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43)

39- لو يعلم الذين كفروا بالله حالهم - حين لا يستطيعون أن يدفعوا عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ، ولا يجدون من ينصرهم بدفعها؛ ما قالوا هذا الذى يقولونه .
40- لا تأتيهم القيامة على انتظار وتوقع ، بل تأتيهم فجأة فتحيرهم فلا يستطيعون ردها ، ولا هم يمهلون ليتوبوا ويعتذروا عما قدموا .
41- ولقد حدث للرسل قبلك أن استهزأ بهم الكفار من أممهم ، فحل بالذين كفروا وسخروا من رسلهم العذاب الذى جعلوه مثال السخرية والاستهزاء .
42- قل - أيها النبى - لهم : من يحفظكم فى الليل والنهار من نقمته ويرحمكم وينعم عليكم؟ لا أحد يستطيع ذلك ، بل هم منصرفون عن القرآن - الذى يذكرهم بما ينفعهم ويدفع العذاب عنهم .
43- ألهم آلهة تمنع العذاب من دوننا؟ كلا : إنهم لا يستطيعون أن يعينوا أنفسهم حتى يعينوا غيرهم . ولا أحد يستطيع أن يحفظ واحدا منهم فى جواره وصحبته إذا أردنا بهم العذاب والهلاك .

(2/47)


بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47)

44- لم نعجل عقاب هؤلاء بكفرهم ، بل استدرجناهم ومتعناهم فى الحياة الدنيا كما متعنا آباءهم قبلهم حتى طال عليهم العمر . أيتعامون عما حولهم فلا يرون أنا نقصد الأرض فننقصها من أطرافها بالفتح ونصر المؤمنين؟! أفهم الغالبون ، أم المؤمنون الذين وعدهم الله بالنصر والتأييد؟ .
45- قل - أيها النبى - : لا أحذركم بكلام من عندى ، وإنما أحذركم بالوحى الصادر عن الله لى - وهو حق وصدق - وهم لطول إعراضهم عن صوت الحق ختم الله على سمعهم حتى صاروا كالصم ، ولا يسمع الصم الدعاء حين يخوفون بالعذاب .
46- وتأكد أنهم إن أصابتهم إصابة خفيفة من العذاب الذى يسخرون منه يصيحون من الهول قائلين : يا ويلنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا وغيرنا ، إذ كفرنا بما أخبرنا به .
47- ونضع الموازين التى تقيم العدل يوم القيامة ، فلا تظلم نفس بنقص شئ من حسناتها أو زيادة شئ فى سيئاتها ، ولو كان وزن حبة صغيرة أتينا بها وحاسبنا عليها ، وكفى أن نكون الحاسبين فلا تظلم نفس شيئا .

(2/48)


ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55)

48- ولقد أعطينا موسى وهارون التوراة التى تفرق بين الحق والباطل ، والحلال والحرام ، وهى إلى ذلك نور يهدى إلى طرق الخير والرشاد ، وتذكير ينتفع به المتقون .
49- الذين يخافون خالقهم ومالك أمرهم - حال بعد الناس عنهم - لا يراءون أحدا ، وهم من أهوال يوم القيامة فى خوف دائم .
50- وهذا القرآن تذكير كثير للخير ، أنزلناه لكم كما أنزلنا الذكر على موسى ، فكيف يكون منكم إنكاره وأنتم أولى الناس بالإيمان به؟!
51- ولقد أعطينا إبراهيم الرشد والتفكير فى طلب الحق مخلصا من قبل موسى وهارون ، وكنا بأحواله وفضائله التى تؤهله لحمل الرسالة عالمين .
52- واذكر - أيها النبى - حين قال إبراهيم لأبيه وقومه مستخفا بالأصنام التى كانوا يعظمونها ويعكفون على عبادتها : ما هذه التماثيل التى أنتم مقيمون على عبادتها؟
53- قالوا : وجدنا آباءنا يعظمونها ويخصونها بعبادتهم ، فاتبعناهم .
54- قال : لقد كنتم فى هذه العبادة وكان آباؤكم من قبلكم فى بعد واضح عن الحق .
55- قالوا : أجئتنا فى هذا الذى تقوله بما تعتقد أنه الحق ، أم أنت بهذا الكلام من الذين يلهون ويلعبون غير متحملين أى تبعة؟

(2/49)


قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63)

56- قال : لا هزل فيما قلته ، بل ربكم الذى يستحق - دون غيره - التعظيم والخشوع والعبادة هو الذى خلق السموات والأرض ، وأوجدهن على غير مثال سابق . فحقه - وحده - أن يعبد ، وأنا على ذلك الذى أقوله من المتحققين الذين يقولون ما يشاهدونه ويعلمونه .
57- وقال فى نفسه : أقسم بالله لأدبرن تدبيرا أكسر به أصنامكم بعد أن تبتعدوا عنها ، ليظهر لكم ضلال ما أنتم عليه .
58- ذهب إبراهيم بعد انصرافهم إلى الأصنام فحطمها وجعلها قطعا ، إلا صنما كبيرا تركه ليرجعوا إليه ويسألوه عما وقع لآلهتهم فلا يجيبهم فيظهر لهم بطلان عبادتهم .
59- قالوا بعد أن رأوا ما حصل لأصنامهم : من فعل هذا بآلهتنا؟ إنه دون شك من الذين ظلموا أنفسهم بتعريضها للعقاب .
60- قال بعضهم : سمعنا شابا يذكرهم بالسب يدعى إبراهيم .
61- قال كبارهم : اذهبوا إليه فأحضروه ليحاسب على مرأى من الناس ، لعلهم يشهدون بما فعل ويشاهدون العقوبة التى سننزلها به .
62- قالوا بعد أن أحضروه : أأنت الذى فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ .
63- قال منبها لهم على ضلالهم متهكما بهم : بل فعله كبيرهم هذا ، فاسألوا الآلهة عمن فعل بها هذا إن كانوا يستطيعون أن يردوا جواب سؤالكم؟ .

(2/50)


فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72)

64- فعادوا إلى أنفسهم يفكرون فيما هم عليه من عبادة ما لا ينفع غيره ، ولا يدفع عن نفسه الشر ، فاستبان لهم خطؤهم ، وقال بعضهم : ليس إبراهيم من الظالمين ، بل أنتم - بعبادة ما لا يستحق العبادة - الظالمون .
65- ثم انقلبوا من الرشاد الطارئ إلى الضلال ، وقالوا لإبراهيم : إنك قد علمت أن هؤلاء الذين نعبدهم لا ينطقون ، فكيف تطلب منا أن نسألهم؟
66- قال : أيكون هذا حالهم من العجز ، ويكون هذا حالكم معهم ، فتعبدون من غير الله ما لا ينفعكم أقل نفع إن عبدتموه ، ولا يضركم إن أهملتموه؟! .
67- قبحا لكم ولآلهتكم ، أتعطلون تفكيركم وتهملون الاعتبار بما تدركون؟ إن هذه الأصنام لا تستحق العبادة .
68- قال بعضهم لبعض : أحرقوه بالنار وانصروا آلهتكم عليه بهذا العقاب ، إن كنتم تريدون أن تفعلوا ما تنصرون به آلهتكم .
69- فجعلنا النار باردة وسلاما لا ضرر فيها على إبراهيم .
70- وأرادوا أن يبطشوا به فأنجيناه وجعلناهم أشد الناس خسرانا .
71- ونجيناه ولوطا من كيد الكائدين ، فاتجها إلى الأرض التى أكثرنا فيها الخير للناس جميعا ، وأرسلنا فيها كثيرا من الأنبياء .
72- ووهبنا له إسحاق ، ومن إسحاق يعقوب هبة زائدة على ما طلب ، وكلا من إسحاق ويعقوب جعلناه أهل صلاح .

(2/51)


وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77) وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78)

73- وجعلناهم أنبياء يدعون الناس ويهدونهم إلى الخير بأمرنا لهم أن يكونوا مرشدين ، وألهمناهم فعل الخيرات وإدامة القيام بالصلاة على وجهها ، وإعطاء الزكاة ، وكانوا لنا - دون غيرنا - خاضعين مخلصين .
74- وآتينا لوطا القول الفصل والسداد فى الحكم والعلم النافع ، ونجيناه من القرية التى كان أهلها يعملون الأعمال الشاذة الخبيثة ، إنهم كانوا قوما يأتون الذكران - وهى فاحشة - ما سبقهم بها أحد من العالمين .
75- وسلكناه فى أهل رحمتنا ، إنه من الصالحين الذين يشملهم الله برحمته ويمدهم بنصره .
76- ولنذكر هنا نوحا من قبل إبراهيم ولوط ، حين دعا ربه أن يطهر الأرض من الفاسقين . فاستجبنا دعاءه ونجيناه هو ومن آمن من أهله من كرب الطوفان العظيم .
77- ومنعناه بنصرنا من كيد قومه الذين كذبوا بآياتنا الدالة على رسالته؛ إنهم كانوا أصحاب شر فأغرقناهم أجمعين .
78- واذكر - أيها النبى - داود وسليمان حين كانا يحكمان فى الزرع ، إذ انتشرت فيه غنم القوم من غير أصحابه وأكلته ليلا ، وكنا لحكمهما فى القضية المتعلقة به عالمين .

(2/52)


ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84)

79- ففهمنا الفتوى سليمان ، وكلا منهما أعطيناه حكمة وعلما بالحياة وشئونها ، وسخرنا مع داود الجبال ينزهن الله كما ينزهه داود عن كل ما لا يليق به ، وسخرنا الطير كذلك يسبحن الله معه ، وكنا فاعلين ذلك بقدرتنا التى لا تعجز .
80- وعلمنا داود صنعة نسج الدروع ، لتكون لباسا يمنعكم من شدة بأس بعضكم لبعض ، فاشكروا الله على هذه النعم التى أنعم بها عليكم .
81- وسخرنا لسليمان الريح قوية شديدة الهبوب ، تجرى بحسب رغبته وأمره إلى الأرض التى زدنا فيها الخير ، وكنا بكل شئ عالمين ، لا تغيب عنا كبيرة ولا صغيرة .
82- وسخرنا له من الشياطين من يغوصون فى الماء إلى أعماق البحار ، ليستخرجوا اللؤلؤ والمرجان ، ويعملوا عملا غير ذلك ، كبناء الحصون والقصور ، وكنا لهم مراقبين لأعمالهم ، فلا ينالون أحدا بسوء ، ولا يتمردون على أمر سليمان .
83- واذكر - أيها النبى - أيوب حين دعا ربه - وقد أضناه المرض - وقال : يا رب ، إنى قد أصابنى الضر وآلمنى ، وأنت أرحم الراحمين .
84- فأجبناه إلى ما كان يرجوه ، فرفعنا عنه الضر ، وأعطيناه أولادا بقدر من مات من أولاده ، وزدناه مثلهم رحمة به من فضلنا ، وتذكيرا لغيره ممن يعبدوننا ليصبروا كما صبر ، ويطمعوا فى رحمة الله كما طمع .

(2/53)


وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90)

85- واذكر - أيها النبى - لقومك إسماعيل وإدريس وذا الكفل ، كل منهم من الصابرين على احتمال التكاليف والشدائد .
86- وجعلناهم من أهل رحمتنا ، إنهم من عبادنا الصالحين .
87- واذكر - أيها النبى - قصة يونس صاحب الحوت إذ ضاق بإعراض قومه عن دعوته ، فهجرهم ورحل عنهم بعيدا غاضبا عليهم ، ظانا أن الله أباح له أن يهجرهم ، فظن أن الله لن يقدر عليه ، فابتلعه الحوت ، وعاش وهو فى ظلمات البحر ، ونادى ربه ضارعا إليه معترفا بما كان منه قائلا : يا رب ، لا معبود بحق إلا أنت ، أنزهك عن كل ما لا يليق بك ، أعترف أنى كنت من الظالمين لنفسى بعمل ما لا يرضيك .
88- فأجبناه إلى ما كان يرجوه ، ونجيناه من الغم الذى كان فيه ، ومثل هذا الإنجاء من البلاء ننجى المؤمنين الذين يعترفون بأخطائهم ويدعوننا مخلصين .
89- واذكر قصة زكريا ، حين نادى ربه بعد أن رأى من قدرته سبحانه ما بعث فى نفسه الأمل فى رحمته ، فقال : يا رب ، لا تتركنى وحيدا دون وارث ، وأنت خير الذين يرثون غيرهم ، فإنك الباقى بعد فناء الخلق .
90- فحققنا رجاءه ، وأجبنا دعاءه ، ووهبنا له على الكبر ابنه يحيى ، وجعلنا زوجه العقيم صالحة للولد إن هؤلاء الأصفياء الأنبياء كانوا يسارعون فى عمل كل خير ندعوهم إليه ، ويدعوننا طمعا فى رحمتنا وخوفا من عذابنا ، وكانوا لا يعظمون ولا يهابون أحدا غيرنا .

(2/54)


والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (91) إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97)

91- واذكر مع هؤلاء قصة مريم التى صانت فرجها ، فألقينا فيها سرا من أسرارنا ، وجعلناها تحمل دون زوج ، وجعلنا ابنها دون أب ، فكانت هى وابنها دليلا ظاهرا على قدرتنا فى تغيير الأسباب والمسببات ، وإننا قادرون على كل شئ .
92- إن هذه الملة - التى هى الإسلام - هى ملتكم الصحيحة التى يجب أن تحافظوا عليها ، حال كونها ملة واحدة متجانسة لا تنافر بين أحكامها ، فلا تتفرقوا فيها شيعا وأحزابا ، وأنا خالقكم ومالك أمركم ، فأخلصوا لى العبادة ولا تشركوا معى غيرى .
93- ومع هذا الإرشاد ، تفرق أكثر الناس بحسب شهواتهم ، جاعلين أمر دينهم قطعا ، فصاروا به فرقا مختلفة ، وكل فريق منهم راجع إلينا يحاسب على أعماله .
94- فمن يعمل عمله من الأعمال الصالحة وهو يؤمن بالله وبدينه الذى ارتضاه فلا نقص لشئ من سعيه ، بل سيوفى جزاءه كاملا ، وإنا لهذا السعى كاتبون ، فلا يضيع شئ منه .
95- وممتنع على أهل كل قرية أهلكناهم بسبب ظلمهم أنهم لا يرجعون إلينا يوم القيامة ، بل لابد من رجوعهم وحسابهم على سوء أعمالهم .
96- حتى إذا فتحت أبواب الشر والفساد ، وأخذ أبناء يأجوج ومأجوج يسرعون خفافا من كل مرتفع فى الجبال والطرق بعوامل الفوضى والقلق .
97- واقترب الموعود به الذى لابد من تحققه وهو يوم القيامة ، فيفاجأ الذين كفروا بأبصارهم لا تغمض أبدا من شدة الهول ، فيصيحون قائلين : يا خوفنا من هلاكنا ، ويا حسرتنا على ما قدمنا ، قد كنا فى غفلة من هذا اليوم ، بل كنا ظالمين لأنفسنا بالكفر والعناد .

(2/55)


إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105)

98- ويقال لهؤلاء الكفار : إنكم والآلهة التى عبدتموها من غير الله وقود نار جهنم ، أنتم داخلون فيها معذبون بها .
99- لو كان هؤلاء - الذين عبدتموهم من دون الله - آلهة تستحق أن تعبد ما دخلوها معكم ، وكل من العابدين والمعبودين باقون فى النار .
100- لهم فيها نفس يخرج من الصدور بصوت مخنوق ، لما يلاقونه من الضيق ، وهم فيها لا يسمعون شيئا يسرهم .
101- إن الذين وفقناهم لاتباع الحق وعمل الخير ، ووعدناهم بالعاقبة الحسنة ، أولئك من جهنم وعذابها مبعدون .
102- لا يسمعون صوت فوران نارها ، وهم فيما تشتهيه أنفسهم خالدون .
103- لا يحزنهم الهول الأكبر الذى يفزع منه الكفار ، وتستقبلهم الملائكة بالتهنئة ، يقولون : هذا يومكم الذى وعدكم ربكم النعيم فيه .
104- يوم نطوى السماء كما تطوى الورقة فى الكتاب ، ونعيد الخلق إلى الحساب والجزاء ، لا تعجزنا إعادتهم ، فقد بدأنا خلقهم ، وكما بدأناهم نعيدهم ، وعدنا بذلك وعدا حقا ، إنا كنا فاعلين دائما ما نعد به .
105- ولقد كتبنا فى الزبور - وهو كتاب داود - من بعد التوراة أن الأرض يرثها عبادى الصالحون لعمارتها ، وتيسير أسباب الحياة الطيبة فيها .

(2/56)


إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112)

106- إن فى هذا الذى ذكرناه من أخبار الأنبياء مع أقوامهم ، وأخبار الجنة والنار لكفاية فى التذكير والاعتبار ، لقوم مهيئين لعبادة الله - وحده - لا تفتنهم زخارف الدنيا .
107- وما أرسلناك - أيها النبى - إلا لتكون رحمة عامة للعالمين .
108- قل - أيها النبى - للناس كافة : إن لب الذى أوحى الله به إلى هو : أنه لا إله لكم إلا هو ، وأن بقية ما يوحى به بعد ذلك تابع لهذا الأصل ، وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن تستسلموا وتخضعوا لله وحده .
109- فإن أعرضوا عن دعوتك ، فقل لهم : لقد أعلمتكم جميعا بما أمرنى به ربى ، وبذلك استوينا فى العلم ، ولا أدرى ما توعدون به من البعث والحساب ، أهو قريب أم بعيد؟
110- إن الله يعلم كل ما يقال مما تجهرون به ، وما تكتمون فى أنفسكم .
111- وما أدرى لعل إمهالكم وتأخير العذاب عنكم اختبار يمتحنكم الله به ، ويمتعكم فيه بلذائذ الحياة إلى حين قدره الله بحسب حكمته .
112- قل - أيها النبى - : يا رب احكم بينى وبين من بلغتهم الوحى بالعدل حتى لا يستوى المؤمنون والكافرون ، وربنا المنعم بجلائل النعم ، المستحق للحمد والشكر ، وهو المستعان به على إبطال ما تفترونه أيها الكافرون .

(2/57)


يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2)

1- يا أيها الناس : احذروا عقاب ربكم ، وتذكروا دائما يوم القيامة ، لأن الاضطراب الذى يحدث فيه شديد مزعج ترتجف منه الخلائق .
2- يوم تشاهدون القيامة ترون هولا يبلغ من شدته أنه لو كانت هناك مرضعة ثديها فى فم رضيعها لذهلت عنه وتركته . ولو كانت هناك امرأة ذات حمل أسقط جنينها فى غير أوانه فزعا ورعبا ، وتشاهد - أيها الناظر - حال الناس فى ذلك اليوم من نظراتهم الذاهلة ، وخطواتهم المترنحة فتظنهم سكارى وما بهم من سكر ، ولكن الهول الذى شاهدوه ، والخوف من عذاب الله الشديد هو الذى أفقدهم توازنهم .

(2/58)


ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5)

3- ومع هذا التحذير الشديد الصادق ، فإن بعض الناس دفعه العناد - أو التقليد - إلى الجدل فى الله وصفاته فأثبت له الشركاء ، أو أنكر قدرته على البعث ومجازاة الناس على أعمالهم ، غير مستند فى جدله وإنكاره إلى علم صحيح أو حجة صادقة ، ولكنه يقلد ويتبع خطوات كل شيطان متمرد على ربه بعيد عن هديه .
4- قضى الله أن كل من اتبعه واتخذه وليا وهاديا أضله عن طريق الحق ، ووجهه إلى الباطل المفضى به إلى عذاب النار المسعرة المتأججة .
5- يا أيها الناس إن كنتم فى شك من بعثنا لكم بعد الموت ففى خلقكم الدليل على قدرتنا على البعث ، فقد خلقنا أصلكم من تراب ، ثم جعلنا منه نطفة حولناها بعد مدة إلى قطعة دم متجمدة ، ثم جعلناها قطعة من اللحم مصورة فيها معالم الإنسان ، أو غير مصورة لنبين لكم قدرتنا على الإبداع والتدرج فى التكوين ، والتغيير من حال إلى حال ، ونسقط من الأرحام ما نشاء ، ونقر فيها ما نشاء ، حتى تكمل مدة الحمل ، ثم نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا ، ثم نرعاكم لتبلغوا تمام العقل والقوة ، ومنكم بعد ذلك من يتوفاه الله ، ومنكم من يمد له عمره حتى يصير إلى الهرم والخوف فيتوقف علمه وإدراكه للأشياء ، ومن بدأ خلقكم بهذه الصورة لا تعجزه إعادتكم . وأمر آخر يدلك على قدرة الله على البعث : أنك ترى الأرض قاحلة يابسة ، فإذا أنزلنا عليها الماء دبت فيها الحياة وتحركت وزادت وارتفع سطحها بما تخلله من الماء والهواء ، وأظهرت من أصناف النباتات ما يروق منظره ، ويبهر حسنه ، ويبتهج لمرآه .

(2/59)


ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11)

6 ، 7- ذلك الذى تقدم من خلق الإنسان وإنبات الزرع شاهد بأن الله هو الإله الحق ، وأنه الذى يحيى الموتى عند بعثهم كما بدأهم ، وأنه القادر على كل شئ ، وأن القيامة آتية لا شك فيها تحقيقا لوعده ، وأن الله يحيى من فى القبور ببعثهم للحساب والجزاء .
8- ومع ما تقدم ، فبعض الناس يجادل فى الله وقدرته ، وينكر البعث على غير أساس علمى أو إلهام صادق ، أو كتاب منزل من الله يستبصر به . فجداله لمجرد الهوى والعناد .
9- وهو مع ذلك يلوى جانبه تكبرا وإعراضا عن قبول الحق . وهذا الصنف من الناس سيصيبه خزى وهوان فى الدنيا بنصر كلمة الحق ، ويوم القيامة يعذبه الله بالنار المحرقة .
10- ويقال له : ذلك الذى تلقاه من خزى وعذاب إنما كان بسبب افترائك وتكبرك ، لأن الله عادل لا يظلم ، ولا يسوى بين المؤمن والكافر ، والصالح والفاجر ، بل يجازى كلا منهم بعمله .
11- ومن الناس صنف ثالث لم يتمكن الإيمان من قلبه ، بل هو مزعزع العقيدة ، تتحكم مصالحه فى إيمانه ، إن أصابه خير فرح به واطمأن ، وإن أصابته شدة فى نفسه أو ماله أو ولده ارتد إلى الكفر ، فخسر فى الدنيا راحة الاطمئنان إلى قضاء الله ونصره ، كما خسر فى الآخرة النعيم الذى وعده الله للمؤمنين الثابتين الصابرين ، ذلك الخسران المزدوج هو الخسران الحقيقى الواضح .

(2/60)


يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17)

12- يعبد هذا الخاسر من دون الله أصناما لا تضره إن لم يعبدها ، ولا تنفعه إن عبدها ، ذلك الفعل منه هو الضلال البعيد عن الحق والصواب .
13- يدعو من دون الله من ضره بإفساد العقول وسيطرة الأوهام أقرب للنفس من اعتقاد مناصرته ، فلبئس ذلك المعبود نصيرا ، ولبئس ذلك المعبود عشيرا .
14- إن المؤمنين بالله ورسله إيمانا اقترن بالعمل الصالح يدخلهم ربهم يوم القيامة جنات تجرى من تحت أشجارها الأنهار ، إن الله يفعل ما يريد من معاقبة المفسد وإثابة المصلح .
15- من كان من الكفار يظن أن الله لا ينصر نبيه فليمدد بحبل إلى سقف بيته ، ثم ليختنق به وليقدر فى نفسه وينظر ، هل يذهب فعله ذلك ما يغيظه من نصر الله لرسوله؟ .
16- ومثل ما بينا حجتنا واضحة فيما سبق أن أنزلنا على الرسل ، أنزلنا القرآن كله على محمد آيات واضحات لتقوم الحجة على الناس ، وأن الله يهدى من أراد هدايته لسلامة فطرته وبعده عن العناد وأسبابه .
17- إن الذين آمنوا بالله وبرسله جميعا ، واليهود المنتسبين إلى موسى ، وعباد النجوم ، والملائكة ، والنصارى المنتسبين إلى عيسى ، والمجوس عباد النار ، والمشركين عباد الأوثان . إن هؤلاء جميعا سيفصل الله بينهم يوم القيامة بإظهار المحق من المبطل منهم ، لأنه مطلع على كل شئ ، عالم بأعمال خلقه ، وسيجازيهم على أعمالهم .

(2/61)


ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23)

18- ألم تعلم - أيها العاقل - أن الله يخضع لتصريفه من فى السموات ومن فى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ، وكثير من الناس يؤمن بالله ويخضع لتعاليمه فاستحقوا بذلك الجنة ، وكثير منهم لم يؤمن به ولم ينفذ تعاليمه فاستحقوا بذلك العذاب والإهانة ، ومن يطرده الله من رحمته ويهنه لا يقدر أحد على إكرامه ، إن الله قادر على كل شئ ، فهو يفعل ما يريد .
19- هذان فريقان من الناس تنازعوا فى أمر ربهم ، وما يليق به ، وما لا يليق ، فآمن به فريق ، وكفر فريق ، فالذين كفروا أعد الله لهم يوم القيامة نارا تحيط بهم من كل جانب ، كما يحيط الثوب بالجسد ، ولزيادة تعذيبهم تصب الملائكة على رءوسهم الماء الشديد الحرارة .
20- فينفذ إلى ما فى بطونهم فيذيبها كما يذيب جلودهم .
21- وأعدت لهم أعمدة من حديد .
22- كلما حاولوا الخروج من النار من شدة الغم والكرب ضربتهم الملائكة بها وردتهم حيث كانوا ، وقالت لهم : ذوقوا عذاب النار المحرقة جزاء كفركم .
23- أما الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة فإن الله يدخلهم جنات تجرى من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ، ينعمون فيها صنوف النعيم ، وتزينهم الملائكة بأساور الذهب وباللؤلؤ ، أما لباسهم المعتاد فمن حرير .

(2/62)


وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28)

24- وزيادة فى تنعيمهم بالجنة ألهمهم الله فيها الطيب من القول ، والحميد من الفعل ، فيسبحون الله ويقدسونه ويشكرونه ، ويعاشر بعضهم بعضا بمحبة وسلام .
25- إن الذين كفروا بالله ورسله واعتادوا مع ذلك منع الناس من الدخول فى الإسلام ، ومنع المؤمنين من دخول المسجد الحرام فى مكة - وقد جعله الله حرما آمنا للناس جميعا المقيم والزائر - يجازيهم على ذلك بالعذاب الشديد ، وكذلك كل من ينحرف عن الحق ، ويرتكب أى ظلم فى الحرم عذبه عذابا أليما .
26- واذكر - أيها النبى - لهؤلاء المشركين الذين يدعون اتباع إبراهيم - عليه السلام - ويتخذون من البيت الحرام مكانا لأصنامهم ، اذكر لهم قصة إبراهيم والبيت الحرام حين أرشدناه إلى مكانه ، وأمرناه ببنائه وقلنا له : لا تشرك بى شيئا ما فى العبادة ، وطهر بيتى من الأصنام والأقذار ، ليكون معدا لمن يطوف به ، ويقيم بجواره ، ويتعبد عنده .
27- وأعلم الناس - أيها النبى - أن الله فرض على المستطيعين منهم أن يقصدوا هذا البيت فيلبوا نداءك ، ويأتون إليه مشاة وركبانا على إبل يضمرها السفر من كل مكان بعيد .
28- ليحصلوا على منافع دينية لهم بأداء فريضة الحج ، ومنافع دنيوية بالتعارف مع إخوانهم المسلمين ، والتشاور معهم فيما ينفعهم فى دينهم ودنياهم ، وليذكروا اسم الله فى يوم عيد النحر والأيام الثلاثة بعده على ذبح ما رزقهم ويسر لهم من الإبل والبقر والغنم ، فكلوا منها ما شئتم وأطعموا الذى أصابه .

(2/63)


ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33)

29- ثم عليهم بعد ذلك أن يزيلوا من أجسامهم ما علق بها أثناء الإحرام ، من آثار العرق وطول السفر ، ويصرفوا ما نذروه لله إن كانوا قد نذروا شيئا ، ويطوفوا بأقدم بيت بنى لعبادة الله فى الأرض .
30- ومن يلتزم أوامر الله ونواهيه فى حجه تعظيما لها فى نفسه كان ذلك خيرا له فى دنياه وآخرته ، وقد أحل الله لكم أكل لحوم الإبل والبقر والغنم إلا فى حالات تعرفونها مما يتلى عليكم فى القرآن كالميتة وغيرها ، فاجتنبوا عبادة الأوثان لأن عبادتها قذارة عقلية ونفسية لا تليق بالإنسان ، واجتنبوا قول الزور على الله وعلى الناس .
31- وكونوا مخلصين لله حريصين على اتباع الحق غير متخذين أى شريك لله فى العبادة ، فإن من يشرك بالله فقد سقط من حصن الإيمان ، وتنازعته الضلالات ، وعرض نفسه لأبشع صورة من صور الهلاك ، وكان حاله حينئذ كحال الذى سقط من السماء فتمزق قطعا تخاطفتها الطيور فلم يبق له أثر ، أو عصفت به الريح العاتية فشتتت أجزاءه ، وهوت بكل جزء منه فى مكان بعيد .
32- إن من يعظم دين الله وفرائض الحج وأعماله والهدايا التى يسوقها إلى فقراء الحرم ، فيختارها عظيمة سمانا صحاحا لا عيب فيها فقد اتقى الله ، لأن تعظيمها أثر من آثار تقوى القلوب المؤمنة ، وعلامة من علامات الإخلاص .
33- لكم فى هذه الهدايا منافع دنيوية ، فتركبونها وتشربون لبنها إلى وقت ذبحها ، ثم لكم منافعها الدينية كذلك حينما تذبحونها عند البيت الحرام تقربا إلى الله .

(2/64)


ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36)

34- ليست هذه الفرائض التى تتعلق بالحج خاصة بكم ، فقد جعلنا لكل جماعة مؤمنة قرابين يتقربون بها إلى الله ، ويذكرون اسمه ويعظمونه عند ذبحها شكرا له على ما أنعم عليهم ، ويسره لهم من بهائم الإبل والبقر والغنم ، والله الذى شرع لكم ولهم إله واحد ، فأسلموا له - وحده - أمركم وأخلصوا له عملكم ، ولا تشركوا معه أحدا ، وبشر - أيها النبى - بالجنة والثواب الجزيل المخلصين لله من عباده .
35- الذين إذا ذكر الله اضطربت قلوبهم من خشيته وخشعت لذكره ، والذين صبروا على ما أصابهم من المكاره والمتاعب استسلاما لأمره وقضائه ، وأقاموا الصلاة على أكمل وجوهها ، وأنفقوا بعض أموالهم التى رزقهم الله إياها فى سبيل الخير .
36- وقد جعلنا ذبح الإبل والبقر فى الحج من أعلام الدين ومظاهره ، وإنكم تتقربون بها إلى الناس ، ولكم فيها خير كثير فى الدنيا بركوبها وشرب لبنها ، وفى الآخرة بالأجر والثواب على ذبحها وإطعام الفقراء منها ، فاذكروا اسم الله عليها حال كونها مصطفة معدة للذبح خالية من العيب . فإذا تم لكم ذبحها فكلوا بعضها إن أردتم ، وأطعموا الفقير القانع المتعفف عن السؤال ، والذى دفعته حاجته إلى ذل السؤال ، وكما سخرنا كل شئ لما نريده منه سخرناها لنفعكم ، وذللناها لإرادتكم لتشكرونا على نعمنا الكثيرة عليكم .

(2/65)


لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39)

37- واعلموا أن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ، ولا يريد منكم مجرد التظاهر بالذبح وإراقة الدماء ، ولكنه يريد منكم القلب الخاشع ، فلن ينال رضاه من وزع تلك اللحوم ولا الدماء ، ولكن الذى ينال رضاه هو تقواكم وإخلاص نواياكم . مثل هذا التسخير سخرناها لتنفعكم فتعظموا الله على ما هداكم إليه من إتمام مناسك الحج . وبشر - أيها النبى - المحسنين الذين أحسنوا أعمالهم ونواياهم بثواب عظيم .
38- إن الله يدافع عن المؤمنين ويحميهم وينصرهم بإيمانهم ، لأنه لا يحب الخائنين لأمانتهم ، المبالغين فى كفرهم بربهم ، ومن لا يحبه الله لا ينصره .
39- أذن الله للمؤمنين الذين قاتلهم المشركون أن يردوا اعتداءهم عليهم بسبب ما نالهم من ظلم صبروا عليه طويلا ، وإن الله لقدير على نصر أوليائه المؤمنين .

(2/66)


الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41) وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43)

40- الذين ظلمهم الكفار وأرغموهم على ترك وطنهم مكة والهجرة منها وما كان لهم من ذنب عندهم إلا أنهم عرفوا الله فعبدوه - وحده - ولولا أن الله سخر للحق أعوانا ينصرونه ويدفعون عنه طغيان الظالمين لساد الباطل ، وتمادى الطغاة فى طغيانهم ، وأخمدوا صوت الحق ، ولم يتركوا للنصارى كنائس ، ولا لرهبانهم صوامع ، ولا لليهود معابد ، ولا للمسلمين مساجد يذكر فيها اسم الله ذكرا كثيرا ، وقد أخذ الله العهد الأكيد على نفسه أن ينصر كل من نصر دينه ، وأن يعز كل من أعز كلمة الحق فى الأرض . ووعد الله لا يتخلف ، لأنه قوى على تنفيذ ما يريد عزيز لا يغلبه غالب .
41- هؤلاء المؤمنون الذين وعدنا بنصرهم ، هم الذين إن مكنا سلطانهم فى الأرض حافظوا على حسن صلتهم بالله وبالناس ، فيؤدون الصلاة على أتم وجوهها ، ويعطون زكاة أموالهم لمستحقيها ، ويأمرون بكل ما فيه خير ، وينهون عن كل ما فيه شر . ولله - وحده - مصير الأمور كلها ، فيعز من يشاء ، ويذل من يشاء حسب حكمته .
42- وإذا كنت تلاقى - أيها النبى - تكذيبا وإيذاء من قومك فلا تحزن ، وتأمل فى تاريخ المرسلين قبلك تجد أنك لست أول رسول كذبه قومه وآذوه ، فمن قبل هؤلاء الذين كذبوك كذبت قوم نوح رسولهم نوحا وكذبت قوم عاد رسولهم هودا ، وكذبت ثمود رسولهم صالحا .
43- وكذب قوم إبراهيم رسولهم إبراهيم ، وقوم لوط رسولهم لوطا .

(2/67)


وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45) أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47)

44- وكذب أهل مدين رسولهم شعيبا ، وكذب فرعون وقومه رسول الله - موسى - . لقى هؤلاء المرسلون الكثير من الإنكار والتكذيب ، وقد أمهلت المكذبين لعلهم يثوبون إلى رشدهم ويستجيبون لدعوة الحق ، ولكنهم افتروا وتمادوا فى تكذيب رسلهم وإيذائهم ، وازدادوا إثما على آثامهم فعاقبتهم بأشد أنواع العقاب ، فانظر فى تاريخهم تجد كيف كان عقابى لهم شديدا ، حيث أبدلتهم بالنعمة نقمة ، وبالعافية هلاكا ، وبالعمران خرابا .
45- فأهلكنا كثيرا من أهل القرى الذين يعمرونها بسبب ظلمهم وتكذيبهم لرسلهم فأصبحت ساقطة سقوفها على جدرانها ، خالية من سكانها ، كأن لم تكن موجودة بالأمس ، فكم من بئر تعطلت من روادها واختفى ماؤها ، وقصر عظيم مشيد مطلى بالجص خلا من سكانه .
46- أيقولون ما يقولون ويستعجلون العذاب ولم يسيروا فى الأرض ليشاهدوا بأعينهم مصرع هؤلاء الظالمين المكذبين؟ فربما تستيقظ قلوبهم من غفلتها ، وتعقل ما يجب عليهم نحو دعوة الحق التى تدعوهم إليها ، وتسمع آذانهم أخبار مصارع هؤلاء الكفار فيعتبرون بها ، ولكن من البعيد أن يعتبروا بما شاهدوا أو سمعوا ما دامت قلوبهم متحجرة ، إذ ليس العمى الحقيقى عمى الأبصار ، ولكنه فى القلوب والبصائر .
47- ويأخذ الغرور كفار مكة فلا يبالون مع قيام هذه العبر ، فيستعجلونك - أيها النبى - بوقوع ما توعدتهم به من العذاب تحديا واستهزاء ، وهو لا محالة واقع بهم ، ولكن فى موعد قدره الله فى الدنيا أو فى الآخرة ، ولن يخلف وعده بحال ولو طالت السنون ، فإن يوما واحدا عنده يماثل ألف سنة مما تقدرون وتحسبون .

(2/68)


وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (51) وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52)

48- وكثير من أهل القرى كانوا مثلهم ظالمين ، فأمهلتهم ولم أعاجلهم بالعقاب ، ثم أنزلته بهم ، وإلى - وحدى - مرجع الجميع يوم القيامة فأجازيهم بما يستحقون ، فلا تغتروا - أيها الكفار - بتأخير العذاب عنكم .
49- قل - أيها النبى - لهؤلاء المكذبين الذين يطلبون منك التعجيل بعذابهم : ليس من مهمتى أن أجازيكم على أعمالكم ، وإنما أنا محذر من عقاب الله تحذيرا واضحا ، والله هو الذى يتولى حسابكم ومجازاتكم .
50- فالذين آمنوا بالله وبرسوله وعملوا الأعمال الصالحة لهم مغفرة من الله لذنوبهم التى وقعوا فيها ، كما أن لهم رزقا كريما فى الدنيا والآخرة .
51- والذين أجهدوا أنفسهم فى محاربة القرآن مسابقين المؤمنين معارضين لهم ، شاقين زاعمين - خطأ - أنهم بذلك يبلغون ما يريدون ، أولئك يخلدون فى عذاب الجحيم .
52- لا تحزن - أيها النبى - من محاولات هؤلاء الكفار ، فقد جرت الحوادث من قبلك مع كل رسول من رسلنا ونبى من أنبيائنا أنه كلما قرأ عليهم شيئا يدعوهم به إلى الحق تصدى له شياطين الإنس المتمردون لإبطال دعوته وتشكيك الناس فيما يتلوه عليهم لكى يحولوا بين النبى وبين أمنيته فى إجابة دعوته ، فيزيل الله ما يدبرون ، ثم تكون الغلبة فى النهاية للحق؛ حيث يثبت الله شريعته ، وينصر رسوله ، وهو عليم بأحوال الناس ومكائدهم ، حكيم فى أفعاله يضع كل شئ فى موضعه .

(2/69)


ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55) الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59)

53- وإنما مكن الله المتمردين على الحق من إلقاء الشبه والعراقيل فى سبيل الدعوة ليكون فى ذلك امتحان واختبار للناس ، فالكفار الذين تحجرت قلوبهم ، والمنافقون ومرضى القلوب يزدادون ضلالا بترويج هذه الشبه ومناصرتها ، ولا عجب فى أن يقف هؤلاء الظالمون هذا الموقف فإنهم لجوا فى الضلال ، وأوغلوا فى العناد والشقاق .
54- وليزداد الذين أوتوا علم الشرع والإيمان به إيمانا وعلما ، بأن ما يقوله الرسل والأنبياء إنما هو الحق المنزل من عند الله ، وإن الله ليتولى المؤمنين دائما بعنايته فى المشاكل التى تمر بهم ، فيهديهم إلى معرفة الطريق المستقيم فيتبعونه .
55- والذين كفروا لا يوفقون فيستمرون على شكهم فى القرآن حتى يأتيهم الموت ، أو يأتيهم عذاب يوم لا خير لهم فيه ولا رحمة ، وهو يوم القيامة .
56- حيث يكون السلطان القاهر والتصرف المطلق لله - وحده - فى هذا اليوم الذى يحكم فيه بين عباده ، فالذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة يخلدون فى جنات تتوافر لهم فيها كل صنوف النعيم .
57- والذين كفروا وكذبوا بآيات القرآن التى أنزلناها على محمد ، أولئك لهم عذاب يلقون فيه الذل والهوان .
58- والذين تركوا أوطانهم لإعلاء شأن دينهم يبتغون رضا الله ، ثم قتلوا فى ميدان الجهاد ، أو ماتوا على فراشهم ، يجزيهم الله أحسن الجزاء ، وإن الله لهو خير من يعطى الثواب الجزيل .
59- ولينزلنهم فى الجنة درجات يرضونها ويسعدون بها ، وإن الله لعليم بأحوالهم فيجزيهم الجزاء الحسن ، حليم يتجاوز عن هفواتهم .

(2/70)


ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60) ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (61) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير (62) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير (63) له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64)

60- ذلك شأننا فى مجازاة الناس : لا نظلمهم ، والمؤمن الذى يقتص ممن جنى عليه ، ويجازيه بمثل اعتدائه دون زيادة ، ثم يتمادى الجانى فى الاعتداء عليه بعد ذلك ، فإن الله يعطى عهدا مؤكدا بنصره على من تعدى عليه ، وإن الله لكثير العفو عمن جازى بمثل ما وقع عليه ، فلا يؤاخذه به ، كثير المغفرة فيستر هفوات عبده الطائع ولا يفضحه يوم القيامة .
61- ذلك النصر هين على الله لأنه قادر على كل شئ ، من آيات قدرته البارزة أمامكم هيمنته على العالم فيداول بين الليل والنهار بأن يزيد فى أحدهما ما ينقصه من الآخر ، فتسير بعض ظلمة الليل مكان بعض ضوء النهار وينعكس ذلك ، وهو سبحانه مع تمام قدرته سميع لقول المظلوم ، بصير بفعل الظالم ، فينتقم منه .
62- ذلك النصر من الله للمظلومين ، وتصرفه المطلق فى الكون كما تلمسون مرجعه أنه هو الإله الحق الذى لا إله معه غيره ، وأن ما يعبده المشركون من الأصنام هو الباطل الذى لا حقيقة له ، وأن الله - وحده - هو العلى على ما عداه شأنا ، الكبير سلطانا .
63- ألا تعتبر - أيها العاقل - بما ترى حولك من مظاهر قدرة الله فتعبده وحده؟ فهو الذى أنزل ماء الأمطار من السحاب فأصبحت الأرض به مخضرة بما ينبت فيها من النبات ، بعد أن كانت مجدبة ، إن الله كثير اللطف بعباده ، خبير بما ينفعهم فيهيئه لهم بقدرته .
64- كل ما فى السموات وما فى الأرض ملك له ، وعبيد له وحده ، ويتصرف فيه كما يشاء ، وهو الغنى عن عباده ، وهم المفتقرون إليه ، وهو الحقيق وحده بالحمد والثناء عليه من جميع خلقه .

(2/71)


ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم (65) وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66)

65- ألا تنظر - أيها العاقل - إلى مظاهر قدرة الله فتراه ييسر للناس جميعا الانتفاع بالأرض وما فيها ، وهيأ لهم البحر تسير فيه السفن بمشيئته ، وأمسك الكواكب فى الفضاء بقدرته حتى لا يختل نظامها ، أو تقع على الأرض إلا إذا اقتضت إرادته ذلك ، إن الله سبحانه شديد الرأفة والرحمة بعباده فيهيئ كل سبل الحياة الطيبة لهم ، كيف بعد ذلك كله لا يخلصون فى شكره وعبادته؟ .
66- وهو الذى أوجد فيكم الحياة ، ثم يميتكم حين تنقضى آجالكم ، ثم يحييكم يوم القيامة للحساب والجزاء ، إن الإنسان مع كل هذه النعم والدلائل لشديد الجحود بالله وبنعمه عليه .

(2/72)


لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (70) ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير (71)

67- وقد جعلنا لكل أمة من أصحاب الشرائع السابقة شريعة خاصة بهم لائقة بعصرهم ، يعبدون الله عليها إلى أن ينسخها ما يأتى بعدها . ومن أجل هذا جعلنا لأمتك - أيها النبى - شريعة يعبد الله عليها إلى يوم القيامة ، وإذا كان هذا هو أمرنا ووضعنا ، فلا يجوز أن يشتد فى منازعتك فيه هؤلاء المتعبدون بأديانهم السابقة عليك ، فقد نسخت شريعتك شرائعهم ، فلا تلتفت لمجادلتهم ، واستمر فى الدعوة إلى ربك حسبما يوحى إليك ، إنك لتسير على هدى ربك المستقيم .
68- وإن أصروا على الاستمرار فى مجادلتك فأعرض عنهم وقل لهم : الله أعلم بأعمالكم ، وبما تستحقون عليها من الجزاء .
69- الله يحكم بينى وبينكم يوم القيامة فيما كنتم تختلفون فيه معى ، فيثيب المهتدى ويعاقب الضال .
70- واعلم - أيها العاقل - أن علم الله محيط بكل ما فى السماء وما فى الأرض ، فلا يخفى عليه شئ من أعمال هؤلاء المجادلين ، فكل ذلك ثابت عند الله فى لوح محفوظ ، لأن إحاطته بذلك وإثباته وحفظه يسير عليه كل اليسر .
71- ويعبد المشركون من دون الله أوثانا وأشخاصا لم ينزل بعبادتها حجة فى كتاب سماوى ، وليس لديهم عليها دليل عقلى ، ولكن لمجرد الهوى والتقليد ، وليس لهؤلاء المشركين الذين ظلموا وامتهنوا عقولهم نصير ينصرهم ويدفع عنهم عذاب النار يوم القيامة كما يزعمون .

(2/73)


وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72) يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75)

72- هؤلاء المشركون إذا تلا أحد عليهم آياتنا الواضحات ، وفيها الدليل على صحة ما تدعو إليه - أيها النبى - وفساد عبادتهم ، تلحظ فى وجوههم الحنق والغيظ الذى يستبد بهم ، حتى ليكاد يدفعهم إلى الفتنة بالذين يتلون عليهم هذه الآيات . قل لهم - أيها النبى - تبكيتا وإنذارا : هل تستمعو إلى فأخبركم بشئ هو أشد عليكم شرا من الغيظ الذى يحرق نفوسكم؟ إنه هو النار التى توعد الله بها الذين كفروا أمثالكم يوم القيامة ، وما أسوأها مصيرا ومقاما .
73- يا أيها الناس : إنا نبرز أمامكم حقيقة عجيبة فى شأنها ، فاستمعوا إليها وتدبروها : إن هذه الأصنام لن تستطيع أبدا خلق شئ مهما يكن تافها حقيرا كالذباب ، وإن تضافروا جميعا على خلقه ، بل إن هذا المخلوق التافه ، لو سلب من الأصنام شيئا من القرابين التى تقدم إليها ، فإنها لا تستطيع بحال من الأحوال أن تمنعه عنه أو تسترده منه ، وما أضعف الذى يهزم أمام الذباب عن استرداد ما سلبه منه ، وما أضعف نفس الذباب ، كلاهما شديد الضعف ، بل الأصنام كما ترون أشد ضعفا ، فكيف يليق بإنسان عاقل أن يعبدها ويلتمس النفع منها؟ .
74- هؤلاء المشركون ما عرفوا الله حق معرفته ، ولا عظموه حق تعظيمه حين أشركوا به العبادة أعجز الأشياء ، مع أن الله هو القادر على كل شئ ، العزيز الذى لا يغلبه غالب .
75- وقد اقتضت إرادة الله وحكمته أن يختار من الملائكة رسلا ، ويختار من البشر كذلك رسلا ، ليبلغوا شرعه إلى خلقه ، فكيف تعترضون على من اختاره رسولا إليكم؟ إن الله سميع لأقوال عباده ، بصير بما يفعلون ومجازيهم عليه .

(2/74)


يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78)

76- وهو سبحانه يعلم أحوالهم الظاهرة والباطنة ، لا تخفى عليه منهم خافية ، وإليه - وحده - مرجع الأمور كلها .
77- يا أيها الذين آمنوا لا تلتفتوا إلى تضليل الكفار ، واستمروا على أداء صلاتكم تامة وافية راكعين ساجدين ، واعبدوا ربكم الذى خلقكم ورزقكم ، ولا تشركوا به أحدا ، واعملوا كل ما فيه خير ونفع ، كى تكونوا من المصلحين السعداء فى أخراكم ودنياكم .
78- وجاهدوا فى سبيل إعلاء كلمة الله وابتغاء مرضاته حتى تنتصروا على أعدائكم وشهواتكم ، لأنه سبحانه قربكم إليه ، واختاركم لنصرة دينه ، وجعلكم أمة وسطا ، ولم يكلفكم فيما شرعه لكم ما فيه مشقة عليكم لا تحتملونها ، ويسر عليكم ما يعترضكم من مشقة لا تطيقونها . بما فرضه لكم من أنواع الرخص ، فالزموا دين أبيكم إبراهيم فى مبادئه وأسسه ، وهو سبحانه الذى سماكم المسلمين فى الكتب المنزلة السابقة ، وبإذعانكم لما شرعه الله لكم ، تكونون كما سماكم الله ، فتكون عاقبتكم أن يشهد رسولكم بأنه بلغكم ، وعلمتم بما بلغكم به ، فتسعدوا ، وتكونوا شهداء على الأمم السابقة بما جاء فى القرآن من أن رسلها بلغتها ، وإذا كان الله قد خصكم بهذه الميزات كلها ، فمن الواجب عليكم أن تقابلوها بالشكر والطاعة له ، فتقيموا الصلاة على أتم وجوهها ، وتعطوا الزكاة لمستحقيها ، وتتوكلوا على الله فى كل أموركم ، وتستمدوا منه العون . فهو معينكم وناصركم . فنعم المولى ونعم النصير .

(2/75)


قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن اللغو معرضون (3)

1- تحقق الفلاح للمؤمنين بالله وبما جاءت به الرسل ، وفازوا بأمانيهم .
2- الذين ضموا إلى إيمانهم العمل الصالح ، هم فى صلاتهم متوجهون إلى الله بقلوبهم ، خائفون منه ، متذللون له ، يحسون بالخضوع المطلق له .
3- هم مؤثرون للجد ، معرضون عما لا خير فيه من قول وعمل .

(2/76)


والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم لفروجهم حافظون (5)

4- وهم محافظون على أداء الزكاة إلى مستحقيها ، وبذلك يجمعون بين العبادات البدنية والعبادات المالية ، وبين تطهير النفس وتطهير المال .
5- وهم يحافظون على أنفسهم من أن تكون لها علاقة بالنساء .

(2/77)


إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13)

6- إلا بطريق الزواج الشرعى أو بملكية الجوارى فلا مؤاخذة عليهم فيه .
7- فمن أراد الاتصال بالمرأة عن غير هذين الطريقين فهو متعد للحدود المشروعة غاية التعدى .
8- وهم محافظون على كل ما ائتمنوا عليه من مال ، أو قول ، أو عمل ، أو غير ذلك ، وعلى كل عهد بينهم وبين الله أو بينهم وبين الناس ، فلا يخونون الأمانات ولا ينقضون العهود .
9- وهم مداومون على أداء الصلاة فى أوقاتها ، محققون لأركانها وخشوعها ، حتى تؤدى إلى المقصود منها ، وهو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر .
10- هؤلاء الموصوفون هم الذين يرثون الخير كله ، وينالونه يوم القيامة .
11- هم الذين يتفضل الله عليهم بالفردوس ، أعلى مكان فى الجنة ، يتمتعون فيه دون غيرهم .
12- وأن على الناس أن ينظروا إلى أصل تكوينهم ، فإنه من دلائل قدرتنا الموجبة للإيمان بالله وبالبعث ، فإننا خلقنا الإنسان من خلاصة الطين .
13- ثم خلقنا نسله فجعلناه نطفة - أى ماء فيه كل عناصر الحياة الأولى - تستقر فى الرحم ، وهو مكان مستقر حصين .

(2/78)


ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (18)

14- ثم صيرنا هذه النطفة بعد تلقيح البويضة والإخصاب دما ، ثم صيرنا الدم بعد ذلك قطعة لحم ، ثم صيرناها هيكلا عظميا ، ثم كسونا العظام باللحم ، ثم أتممنا خلقه فصار فى النهاية بعد نفخ الروح فيه خلقا مغايرا لمبدأ تكوينه ، فتعالى شأن الله فى عظمته وقدرته ، فهو لا يشبه أحد فى خلقته وتصويره وإبداعه .
15- ثم إنكم - يا بنى آدم - بعد ذلك الذى ذكرناه من أمركم صائرون إلى الموت لا محالة .
16- ثم إنكم تبعثون يوم القيامة للحساب والجزاء .
17- وإننا قد خلقنا سبع سموات مرتفعة فوقكم ، فيها مخلوقات لم نغفل عنها فحفظناها ودبرناها ، ونحن لا نغفل عن جميع المخلوقات ، بل نحفظها كلها من الزوال والاختلال ، وندبر كل أمورها بالحكمة .
18- وأنزلنا من السماء مطرا بحكمة وتقدير فى تكوينه وإنزاله ، وتيسيرا للانتفاع به جعلناه مستقرا فى الأرض على ظهرها وفى جوفها ، وإنا لقادرون على إزالته وعدم تمكينكم من الانتفاع به ، ولكنا لم نفعل رحمة بكم ، فآمنوا بخالقه واشكروه .

(2/79)


فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون (21)

19- فخلقنا لكم بهذا الماء حدائق من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ، ومنها تأكلون .
20- وخلقنا لكم شجرة الزيتون التى تنبت فى منطقة طور سيناء ، وفى ثمارها زيت تنتفعون به ، وهو إدام للآكلين .
21- وإن لكم فى الأنعام - وهى الإبل والبقر والغنم - ما يدل على قدرتنا وتفضلنا عليكم بالنعم ، نسقيكم لبنا مستخرجا مما فى بطونها خالصا سائغا سهلا للشاربين ، ولكم فيها سوى اللبن منافع كثيرة كاللحوم والأصواف والأوبار ، ومنها تعيشون وترزقون .

(2/80)


وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) قال رب انصرني بما كذبون (26) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27)

22- وعلى هذه الأنعام وعلى السفن تركبون وتحملون الأثقال ، فخلقنا لكم وسائل الانتقال والحمل فى البر والبحر ، وبها يكون الاتصال بينكم .
23- وفى قصص الأولين عبرة لكم لتؤمنوا ، فقد أرسلنا نوحا إلى قومه ، فقال لهم : يا قوم اعبدوا الله وحده ، فليس لكم إله يستحق العبادة غيره ، ألا تخافون عقابه ، وزوال نعمه إن عصيتم .
24- فقال الكبراء من قومه الذين كفروا منكرين لدعوته صادين العامة عن اتباعه : لا فرق بين نوح وبينكم ، فهو مثلكم فى البشرية ، ولكنه يريد أن يتميز عليكم بهذه الدعوة ، ولو كان هناك رسل من الله - كما يزعم - لأرسلهم ملائكة ، ما سمعنا فى تاريخ آبائنا السابقين بهذه الدعوة ، ولا بإرسال بشر رسولا .
25- ما هو إلا رجل به جنون ، ولذلك قالوا : فانتظروا واصبروا عليه حتى ينكشف جنونه ، أو يحين هلاكه .
26- دعا نوح ربه بعد ما يئس من إيمانهم ، فقال : يا رب انصرنى عليهم ، وانتقم منهم بسبب تكذيبهم لدعوتى .
27- فقلنا له عن طريق الوحى : اصنع السفينة وعنايتنا ترعاك ، فتدفع عنك شرهم ونرشدك فى عملك ، فإذا حل ميعاد عذابهم ، ورأيت التنور يفور ماء بأمرنا ، فأدخل فى السفينة من كل نوع من الكائنات الحية ذكرا وأنثى ، وأدخل أهلك أيضا إلا من تقرر تعذيبهم لعدم إيمانهم ، ولا تسألنى نجاة الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم بالكفر والطغيان ، فإنى حكمت بإغراقهم لظلمهم بالإشراك والعصيان .

(2/81)


فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (28) وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30)

28- فإذا ركبت واستقررت أنت ومن معك فى السفينة فقل شاكرا ربك : الحمد لله الذى نجانا من شر القوم الكافرين الطاغين .
29- وقل : يا رب مكنى من النزول فى منزل مبارك تطيب الإقامة فيه عند النزول إلى الأرض ، وهب لى الأمن فيه ، فأنت - وحدك - الذى تنزل فى مكان الخير والأمن والسلام .
30- إن فى هذه القصة عبرا ومواعظ ، وإنا نختبر العباد بالخير وبالشر ، وفى أنفسهم الاستعداد لكل منها .

(2/82)


ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (32) وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38)

31- ثم خلقنا من بعد نوح طبقة من الناس غيرهم وهم عاد .
32- فأرسلنا إليهم هودا وهو منهم ، وقلنا لهم على لسانه : اعبدوا الله - وحده - فليس لكم إله يستحق العبادة غيره ، وهو - وحده - الجدير بأن تخافوه ، فهلا خفتم عقابه إن عصيتموه؟ .
33- وقال الكبراء من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الله وما فى الآخرة من حساب وجزاء ، وأعطيناهم أكبر حظ من الترف والنعيم ، قالوا منكرين عليه دعوته ، صادين العامة عن اتباعه : لا فرق بين هود وبينكم ، فما هو إلا بشر مماثل لكم فى البشرية ، يأكل من جنس ما تأكلون منه ، ويشرب من جنس ما تشربون ، ومثل هذا لا يكون رسولا لعدم تميزه عنكم .
34- وحذروهم فى قوة وتأكيد ، فقالوا : إن أطعتم رجلا يماثلكم فى البشرية ، فأنتم حقا خاسرون لعدم انتفاعكم بطاعته .
35- وقالوا لهم أيضا منكرين للبعث : أيعدكم - هود - أنكم تبعثون من قبوركم بعد أن تموتوا وتصيروا ترابا وعظاما مجردة من اللحوم والأعصاب؟
36- إن ما وعدكم به بعيد جدا ، ولن يكون أبدا .
37- ليس هناك إلا حياة واحدة هى هذه الحياة الدنيا التى نجد فيها الموت والحياة يتواردان علينا ، فمولود يولد وحى يموت ، ولن نبعث بعد الموت أبدا .
38- ما هو إلا رجل كذب على الله ، وادعى أن الله أرسله ، وكذب فيما يدعو إليه ، ولن نصدقه أبدا .

(2/83)


قال رب انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن نادمين (40) فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41) ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43) ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45)

39- قال هود بعد ما يئس من إيمانهم : يا رب انصرنى عليهم وانتقم منهم ، بسبب تكذيبهم لدعوتى .
40- قال الله له مؤكدا وعده : سيندمون بعد قليل من الزمن على ما فعلوا عندما يحل بهم العذاب .
41- فأخذتهم صيحة شديدة أهلكتهم لاستحقاقهم ذلك الهلاك ، وجعلناهم فى الحقارة والضعف كالشئ الذى يجرفه السيل أمامه من أعواد الشجر وأوراقه . هلاكا وبعدا عن الرحمة للظالمين بكفرهم وطغيانهم .
42- ثم خلقنا من بعدهم أقواما غيرهم ، كقوم صالح ولوط وشعيب .
43- لكل أمة زمنها المعين لها ، لا تتقدم عنه ولا تتأخر .
44- ثم أرسلنا رسلنا متتابعين كلا إلى قومه ، وكلما جاء رسول إلى قومه كذبوه فى دعوته ، فأهلكناهم متتابعين ، وجعلنا أخبارهم أحاديث يرددها الناس ويعجبون منها ، فبعدا عن الرحمة وهلاكا لقوم لا يصدقون الحق ولا يذعنون له .
45- ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بالدلائل القاطعة الدالة على صدقهما ، وبحجة واضحة تبين أنهما قد أرسلا من عندنا .

(2/84)


إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50) يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53)

46- أرسلناهما إلى فرعون وقومه فامتنعوا فى تكبر عن الإيمان ، وهم قوم موصوفون بالكبر والتعالى والقهر .
47- وقالوا فى تعجب وإنكار : أنؤمن بدعوة رجلين مماثلين لنا فى البشرية ، وقومها - بنو إسرائيل - خاضعون لنا ومطيعون كالعبيد؟ .
48- فكذبوهما فى دعوتهما فكانوا من المهلكين بالغرق .
49- ولقد أوحينا إلى موسى بالتوراة ، ليهتدى قومه بما فيها من إرشادات إلى الأحكام وأسباب السعادة .
50- وجعلنا عيسى ابن مريم وأمه - فى حملها به من غير أن يمسها بشر وولادته من غير أب - دلالة قاطعة على قدرتنا البالغة ، وأنزلناها فى أرض مرتفعة منبسطة تستقر فيها الإقامة ويتوافر الماء الذى هو دعامة العيش الرغيد .
51- وقلنا للرسل ليبلغوا أقوامهم : كلوا من أنواع الحلال الطيب ، وتمتعوا واشكروا نعمتى بعمل الصالحات ، إنى عليم بما تعملون ومجاز لكم عليه .
52- وقلنا لهم ليبلغوا أقوامهم : إن هذا الدين الذى أرسلتكم به دين واحد فى العقائد وأصول الشرائع ، وإنكم أمة واحدة فى كل الأجيال ، منهم المهتدى ومنهم الضال ، وأنا ربكم الذى أمرتكم باتباعه فخافوا عقابى إن عصيتم .
53- فقطع الناس أمر دينهم ، فمنهم المهتدون ومنهم الضالون الذين اتبعوا أهواءهم ، فتفرقوا بسبب ذلك جماعات مختلفة متعادية ، كل جماعة فرحة بما هى عليه ، ظانة أنه - وحده - الصواب .

(2/85)


فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56) إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62)

54- فاترك الكافرين - يا محمد - فى جهالتهم وغفلتهم ما دمت قد نصحتهم حتى يقضى الله فيهم بالعذاب بعد حين .
55- أيظن هؤلاء العاصون أنا إذ نتركهم يتمتعون بما أعطيناهم من المال والبنين .
56- نكون قد رضينا عنهم ، فتفيض عليهم الخيرات بسرعة وكثرة ، إنهم كالبهائم لا يشعرون لعدم استخدامهم عقولهم ، إننى غير راض عنهم ، وإن هذه النعم استدراج منا لهم .
57- إن الذين هم يخشون الله ويهابونه وقد تربت فيهم المخافة منه سبحانه .
58- والذين هم يؤمنون بآيات ربهم الموجودة فى الكون ، والمتلوة فى الكتب المنزلة .
59- والذين هم لا يشركون بالله أحدا .
60- والذين يعطون مما رزقهم الله ، ويؤدون عملهم وهم خائفون من التقصير ، لأنهم راجعون إلى الله بالبعث ومحاسبون .
61- أولئك يسارعون بأعمالهم إلى نيل الخيرات ، وهم سابقون غيرهم فى نيلها .
62- ونحن لا نكلف أحدا إلا بما يستطيع أن يؤديه ، لأنه داخل فى طاقته ، وكل عمل من أعمال العباد مسجل عندنا فى كتاب ، وسنخبرهم به كما هو ، وهم لا يظلمون بزيادة عقاب أو نقص ثواب .

(2/86)


بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (63) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) مستكبرين به سامرا تهجرون (67) أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70)

63- لكن الكافرين بسبب عنادهم وتعصبهم غافلون عن عمل الخير والتكليف بالمستطاع ودقة الحساب ، وإلى جانب ذلك لهم أعمال أخرى خبيثة مداومون عليها .
64- فإذا أوقعنا العذاب بالأغنياء المترفين ضجوا وصرخوا مستغيثين .
65- فنقول لهم : لا تصرخوا ولا تستغيثوا الآن ، فلن تفلتوا من عذابنا ، ولن ينفعكم صراخكم شيئا .
66- لا عذر لكم ، فقد كانت آياتى الموحى بها تقرأ عليكم ، فكنتم تعرضون عنها إعراضا يقلب أحوالكم ، ولا تصدقونها ولا تعملون بها .
67- وكنتم فى إعراضكم متكبرين مستهزئين ، تصفون الوحى بالأوصاف القبيحة عندما تجتمعون للسمر .
68- أجهل هؤلاء المعرضون فلم يتدبروا القرآن ليعلموا أنه حق؟ أم كانت دعوة محمد لهم غريبة عن الدعوات التى جاء بها الرسل إلى الأقوام السابقين الذين أدركهم آباؤهم؟ .
69- أم لم يعرفوا رسولهم - محمدا - الذى نشأ بينهم فى أخلاقه العالية التى لا يعهد معها الكذب ، فهم ينكرون دعوته الآن بغيا وحسدا؟ .
70- أم يقولون : إنه مجنون؟ كلا : إنه جاءهم بالدين الحق ، وأكثرهم كارهون للحق ، لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم فلا يؤمنون به .

(2/87)


ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76)

71- ولو كان الحق تابعا لأهوائهم لشاع الفساد فى الأرض ولتنازعت الأهواء ، ولكنا أرسلنا إليهم القرآن الذى يذكرهم بالحق الذى يجب أن يجتمع عليه الجميع ، ومع ذلك هم معرضون عنه .
72- بل أتطلب منهم - أيها النبى - أجرا على أداء الرسالة؟ لم يكن ذلك ، فإن أجر ربك خير مما عندهم ، وهو خير المعطين .
73- وإنك - يا محمد - لتدعوهم إلى الدين الذى هو الطريق المستقيم الموصل إلى السعادة .
74- وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من نعيم أو جحيم يعدلون عن الطريق المستقيم الذى يأمن السائر فيه من السير إلى طريق الحيرة والاضطراب والفساد .
75- ولو رحمناهم وأزلنا عنهم ما نزل بهم من ضرر فى أبدانهم وقحط فى أموالهم ونحو ذلك ، لزادوا كفرا ، وتمادوا فى الطغيان .
76- ولقد عذبناهم بعذاب أصابهم كالقتل أو الجوع فما خضعوا بعده لربهم ، بل أقاموا على عتوهم واستكبارهم بمجرد زواله .

(2/88)


حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81)

77- سيستمرون على إعراضهم حتى إذا عذبناهم عذابا شديدا بالجوع أو القتل فى الدنيا صاروا حيارى يائسين من كل خير ، لا يجدون مخلصا .
78- وكيف تكفرون بالله وهو الذى أنشأ لكم السمع لتسمعوا الحق ، والأبصار لتروا الكون وما فيه ، والعقول لتدركوا عظمته فتؤمنوا؟ . إنكم لم تشكروا خالقها بالإيمان والطاعة إلا قليلا أى قلة .
79- وهو الذى خلقكم فى الأرض ، وإليه - وحده - تجمعون للجزاء يوم القيامة .
80- وهو الذى يحيى ويميت ، وبأمره وقوانينه تعاقب الليل والنهار واختلافهما طولا وقصرا ، ألا تعقلون دلالة ذلك على قدرته ووجوب الإيمان به ، وبالبعث؟ .
81- لم يفعلوا ذلك ، بل قلدوا السابقين المكذبين ، فقالوا : مثل قولهم .

(2/89)


قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85)

82- قالوا منكرين للبعث : أنبعث بعد الموت وبعد أن نصير ترابا وعظاما؟ .
83- لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبلنا بذلك ، وما هذا الوعد إلا أكاذيب السابقين التى سطروها .
84- قل لهم يا محمد : من الذى ملك الأرض ومن فيها من الناس وسائر المخلوقات؟ إن كان لكم علم فأجيبونى .
85- سيقرون بأن الأرض لله ، قل لهم إذن : فلم تشركون به؟ ألا تذكرون أن من يملك ذلك جدير بأن يعبد وحده؟

(2/90)


قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (92) قل رب إما تريني ما يوعدون (93)

86- قل لهم أيضا : من رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟
87- سيقرون بأنه هو الله . قل لهم إذن : ألا تخافون عاقبة الشرك والكفر والعصيان لصاحب هذا الخلق العظيم؟
88- قل لهم أيضا : من بيده ملك كل شئ ، ومن له الحكم المطلق فى كل شئ ، وهو يحمى بقدرته من يشاء ، ولا يمكن لأحد أن يحمى أحدا من عذابه؟ إن كنتم تعلمون جوابا فأجيبوا .
89- سيقرون بأنه هو الله ، قل لهم : إذن كيف تخدعون بالهوى ووحى الشياطين ، وتنصرفون عن طاعة الله .
90- لقد بينا لهم الحق على لسان الرسل ، وإنهم لكاذبون فى كل ما يخالف هذا الحق .
91- ما اتخذ الله له ولدا ، وقد تنزه عن ذلك ، وما كان له شريك . إذ لو كان له شريك لاستبد كل بما خلق ، وصار له ملكه ، ولتناحر بعضهم مع بعض كما يرى بين الملوك ، ولفسد الكون بهذا التنازع ، فتنزه الله عما يقوله المشركون مما يخالف الحق .
92- هو محيط بكل شئ علما ، يعلم ما يغيب عنا وما يظهر لنا ، فتنزه الله عما ينسبه الكافرون إليه من وجود الشريك له .
93- قل - يا أيها النبى - : يا رب ، إن أنزلت بهم ما أوعدتهم من العذاب فى الدنيا ، وأنا موجود بينهم .

(2/91)


رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100) فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102)

94- فأتوسل إليك ألا تجعلنى معذبا مع القوم الكافرين الطاغين .
95- ونحن قادرون تماما على أن نريك ما أوعدناهم به من العذاب نازلا بهم ، فاطمئن لنصرنا .
96- استمر فى دعوتك وقابل إساءتهم بالعمل الذى هو أحسن من العفو أو غيره ، ونحن عالمون تماما بما يصفونك به ، ويصفون دعوتك من سوء وافتراء ، وسنجازيهم عليه .
97- وقل : يا رب أستعيذ بك من أثر وساوس الشياطين على نفسى بعملى ما لا يرضيك .
98- وأستعيذ بك يا رب ، أن يكونوا معى فى أى عمل من الأعمال ، ليكون سليما خالصا لوجهك الكريم .
99- سيستمرون على تكذيبهم ، حتى إذا حل موعد موت أحدهم ندم ، وقال : يا رب ردنى إلى الدنيا .
100- لأعمل عملا صالحا فيما تركته من مالى أو حياتى وعمرى ، ولن يجاب إلى طلبه ، فهذا كلام يقوله دون فائدة لا يقبل منه ، ولو استجيب له لم يعمل به ، ومع ذلك فلن يعود أبدا ، فالموت حاجز بينهم وبين ما يتمنون إلى أن يبعثهم الله .
101- فإذا جاء موعد البعث بعثناهم بدعوتهم إلى الخروج من مقابرهم ، وذلك بما يشبه النفخ فى البوق فيجيئون متفرقين ، لا تنفع أحدا قرابة أحد ، ولا يسأل بعضهم بعضا شيئا ينفعه ، فلكل منهم يومئذ ما يشغله .
102- فالعمل هو ميزان التقدير ، فمن كانت لهم عقائد سليمة وأعمال صالحة لها وزن فى ميزان الله ، فأولئك هم الفائزون .

(2/92)


ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال اخسئوا فيها ولا تكلمون (108) إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110)

103- ومن لم يكن لهم حسنات أو أعمال لها وزن عند الله ، فأولئك هم الذين خسروا أنفسهم ببيعها للشيطان ، وهم معذبون فى النار ، خالدون فيها .
104- تحرق النار وجوههم ، وهم فيها عابسون من سوء مصيرهم .
105- يؤنبهم الله ويقول لهم : قد كانت آياتى المنزلة تقرأ عليكم فى الدنيا ، فكنتم تكذبون بما فيها .
106- قالوا مقرين بخطئهم : ربنا كثرت معاصينا التى أورثتنا الشقاء ، وكنا بذلك ضالين عن طريق الصواب .
107- وقالوا : ربنا ، أخرجنا من النار وأعدنا إلى الدنيا ، فإن عدنا إلى الكفر والعصيان كنا ظالمين لأنفسنا .
108- قال الله لهم تحقيرا : اسكتوا أذلاء مهانين ، ولا تكلمونى مطلقا .
109- ما ظلمتكم بل ظلمتم أنفسكم ، إذ كان المؤمنون الصالحون من عبادى يقولون فى الدنيا : ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين .
110- فكنتم تسخرون منهم دائما ، حتى أنساكم الاشتغال بالسخرية منهم ذكرى وعبادتى فلم تؤمنوا وتطيعوا ، وكنتم منهم تضحكون استهزاء .

(2/93)


إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين (113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (117) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118)

111- إنى جزيتهم اليوم بالفلاح ، لأنهم صبروا على سخريتكم وإيذائكم .
112- قال الله للكافرين : كم سنة عشتموها فى الدنيا؟ .
113- قالوا - استقصارا لمدة معيشتهم بالنسبة لطول مكثهم فى العذاب - : عشنا يوما أو بعض يوم ، فاسأل من يتمكنون من العد ، لأنا مشغولون بالعذاب .
114- فيقول الله لهم : ما عشتم فى الدنيا إلا زمنا قليلا . ولو أنكم كنتم تعلمون عاقبة الكفر والعصيان وأن متاع الدنيا قليل ، لآمنتم وأطعتم .
115- أظننتم أننا خلقناكم بغير حكمة فأفسدتم فى الأرض ، وظننتم أنكم لا تبعثون لمجازاتكم؟ كلا .
116- العظمة لله - وحده - هو مالك الملك كله ، لا معبود بحق سواه ، هو صاحب العرش العظيم .
117- ومن يعبد مع الله إلها آخر لا دليل له على استحقاقه العبودية . فإن الله يعاقبه على شركه لا محالة ، إن الكافرين لا يفلحون ، وإنما الذى يفلح هم المؤمنون .
118- وقل - يا أيها النبى - داعيا الله ضارعا إليه - : يا رب اغفر لى ذنبى ، وارحمنى فأنت خير الراحمين ، لأن رحمتك واسعة وقريبة من المحسنين .

(2/94)


سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (2)

1- هذه سورة أوحينا بها وأوجبنا أحكامها . ونزلنا فيها دلائل واضحة على قدرة الله ووحدانيته . وعلى أن هذا الكتاب من عند الله ، لتتعظوا بها .
2- ومن تلك الأحكام حكم الزانية والزانى فاضربوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولا يمنعكم شئ من الرأفة بهما عن تنفيذ الحكم ، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . لأن مقتضى الإيمان إيثار رضا الله على رضا الناس ، وليحضر تنفيذ الحكم فيهما جماعة من المؤمنين . ليكون العقاب فيه ردع لغيرهما .

(2/95)


الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3) والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5)

3- الخبيث الذى من دأبه الزنا ، لا يرغب إلا فى نكاح خبيثة عرفت الزنا أو الشرك ، والخبيثة التى من دأبها الزنا لا يرغب فى نكاحها إلا خبيث عرف بالزنا أو الشرك . ولا يليق هذا النكاح بالمؤمنين لما فيه من التشبه بالفسق . والتعرض للتهم .
4- والذين يتهمون العفيفات النزيهات بالزنا ، ثم لم يأتوا بأربعة شهود يثبتون صدق الاتهام ، فعاقبوهم بالضرب ثمانين جلدة وبعدم قبول شهادتهم على أى شئ كان مدى الحياة ، فهؤلاء هم الجديرون باسم الخارجين خروجا شنيعا على حدود الدين .
5- لكن من تاب منهم فندم على هذه المعصية ، وعزم على الطاعة وظهر صدق توبته بصدق سلوكه ، فإن الله يتجاوز عن عقابه .

(2/96)


والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين (7) ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10)

6- والذين يتهمون زوجاتهم بالزنا ، ولم يكن هناك عدد يشهد بصدق اتهامهم ، فيطالب الواحد منهم ليدفع عن نفسه الحد والعقوبة بأن يشهد بالله أربع مرات أنه صادق فى هذا الاتهام .
7- ويذكر فى المرة الخامسة أنه يستحق الطرد من رحمة الله إن كان من الكاذبين فى ذلك .
8- ولو سكتت الزوجة بعد ذلك أقيم عليها عقوبة الزنا ، ولكى تدفع عنها العقوبة يجب عليها أن تشهد بالله أربع مرات أن الزوج كاذب فى اتهامه إياها بالزنا .
9- وتذكر فى المرة الخامسة أنها تستحق أن ينزل بها غضب الله ، إن كان من الصادقين فى هذا الاتهام .
10- ولولا تفضل الله عليكم ورحمته بكم - وإنه كثير قبول التوبة من عباده ، وحكيم فى كل أفعاله - لما شرع لكم هذه الأحكام ، ولعجل عقوبتكم فى الدنيا على المعصية .

(2/97)


إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون (13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15)

11- إن الذين اخترعوا الكذب الصارف عن كل هداية بالنسبة لعائشة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - إذ أشاعوا حولها الإفك والكذب - هم جماعة ممن يعيشون معكم ، لا تظنوا هذه الحادثة شرا لكم بل هى خير لكم ، لأنها ميزت المنافقين من المؤمنين الخالصين ، وأظهرت كرامة المبرئين منها ، والمتألمين ، ولكل شخص من هذه الجماعة المتهمة جزاؤه على مقدار اشتراكه فى هذا الاتهام ، ورأس هذه الجماعة له عذاب عظيم لعظم جرمه .
12- كان مقتضى الإيمان أنكم عند سماع خبر التهمة؛ أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا من العفاف والطهر ، وأن يقولوا فى إنكار : هذا كذب واضح البطلان ، لتعلقه بأكرم المرسلين وأكرم الصديقات .
13- هلا أحضر القائمون بالاتهام أربعة شهود يشهدون على ما قالوا؟ إنهم لم يفعلوا ذلك . وإذ لم يفعلوا فأولئك فى حكم الله هم الكاذبون .
14- ولولا تفضل الله عليكم ببيان الأحكام ، ورحمته لكم فى الدنيا بعدم التعجيل بالعقوبة وفى الآخرة بالمغفرة لنزل بكم عذاب عظيم بسبب الخوض فى هذه التهمة .
15- فقد تناقلتم الخبر بألسنتكم وأشعتموه بينكم ، ولم يكن عندكم علم بصحته ، وتظنون أن هذا العمل هين ، لا يعاقب الله عليه ، أو يكون عقابه يسيرا مع أنه خطير يعاقب الله عليه أشد العقاب .

(2/98)


ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم (20) يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21)

16- وكان ينبغى عند سماع هذا القول الباطل أن تنصحوا بعدم الخوض فيه ، لأنه غير لائق بكم ، وأن تتعجبوا من اختراع هذا النوع القبيح الخطير من الكذب .
17- وأن الله ينهاكم أن تعودوا لمثل هذه المعصية البتة إن كنتم مؤمنين حقا ، لأن وصف الإيمان يتنافى معها .
18- وينزل الله لكم الآيات الدالة على الأحكام واضحة جلية . والله واسع العلم لا يغيب عنه شئ من أعمالكم ، وهو الحكيم فى كل ما يشرع ويخلق ، فكل شرعه وخلقه على مقتضى الحكمة .
19- إن الذين يحبون أن يفشوا ذكر القبائح ، فيفشوا معه القبائح نفسها بين المؤمنين ، لهم عذاب مؤلم فى الدنيا بالعقوبة المقررة ، وفى الآخرة بالنار إن لم يتوبوا . والله عليم بجميع أحوالكم الظاهرة والباطنة ، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه .
20- ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم ، وأنه شديد الرأفة واسع الرحمة ، لما بين لكم الأحكام ، ولعجل عقوبتكم فى الدنيا بالمعصية .
21- يا أيها الذين آمنوا حصنوا أنفسكم بالإيمان ، ولا تسيروا وراء الشيطان الذى يجركم إلى إشاعة الفاحشة والمعاصى بينكم . ومن يتبع الشيطان فقد عصى ، لأنه يأمر بكبائر الذنوب وقبائح المعاصى ، ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم ببيان الأحكام وقبول توبة العصاة ما طهر أحد منكم من دنس العصيان . ولكن الله يطهر من يتجه إلى ذلك بتوفيقه للبعد عن المعصية ، أو مغفرتها له بالتوبة ، والله سميع لكل قول ، عليم بكل شئ ، ومجازيكم عليه .

(2/99)


ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22) إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25)

22- ولا يحلف الصالحون وذوو اليسار منكم على أن يمنعوا إحسانهم ممن يستحقونه من الأقارب والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وغيرهم لسبب من الأسباب الشخصية ، كإساءتهم إليهم ، ولكن ينبغى أن يسامحوهم ويعرضوا عن مجازاتهم ، وإذا كنتم تحبون أن يعفو الله عن سيئاتكم فافعلوا مع المسئ إليكم مثل ما تحبون أن يفعل بكم ربكم ، وتأدبوا بأدبه فهو واسع المغفرة والرحمة .
23- إن الذين يتهمون بالزنا المؤمنات العفيفات الطاهرات ، اللاتى لا يظن فيهن ذلك ، بل هن لفرط انصرافهن إلى الله غافلات عما يقال عنهن ، يبعدهم الله عن رحمته فى الدنيا والآخرة ، ولهم عذاب عظيم إن لم يتوبوا .
24- ذلك العذاب يكون يوم القيامة حيث لا سبيل للإنكار ، بل يثبت عليهم ما ارتكبوا إذ تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بجميع ما ارتكبوا من آثام ، وذلك بظهور آثار مما عملوه عليها ، أو بأن ينطقها الله الذى أنطق كل شئ .
25- فى ذلك اليوم يعاقبهم الله العقاب المقرر لهم كاملا غير منقوص ، وهنا يعلمون علم اليقين ألوهية الله وأحكام شريعته ، وصدق وعده ووعيده ، لأن كل ذلك واضح دون خفاء .

(2/100)


الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (30)

26- الخبيثات من النساء يكن للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال يكونون للخبيثات من النساء ، وكذلك الطيبات من النساء يكن للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال يكونون للطيبات من النساء ، فكيف يتصور السوء فى الطيبة المصونة زوج الأمين ، والرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وهؤلاء الطيبون مبرأون من التهم التى يصفهم بها الخبيثون ، ولهم مغفرة من الله على مما لا يخلو منه البشر من صغار الذنوب ، وإكرام عظيم بنعيم الجنة ، وطيباتها .
27- يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا ليست لكم إلا بعد أن تطلبوا الإذن من ساكنيها ويسمح لكم بالدخول ، وبعد أن تلقوا تحية السلام على ساكنيها . ذلك الاستئذان والسلام خير لكم من الدخول بدونهما ، وشرعه الله لكم لتتعظوا وتعملوا به .
28- فإن لم تجدوا فى هذه البيوت أحدا يأذن لكم ، فلا تدخلوا حتى يجئ من يسمح لكم به . وإن لم يسمح لكم وطلب منكم الرجوع فارجعوا ، ولا تلحوا فى طلب السماح بالدخول ، فإن الرجوع أكرم بكم وأطهر لنفوسكم ، والله مطلع على كل أحوالكم ومجازيكم عليها فلا تخالفوا إرشاداته .
29- وإذا أردتم دخول بيوت عامة غير مسكونة بقوم مخصوصين ، ولكم فيها حاجة كالحوانيت والفنادق ودور العبادة فلا حرج عليكم إن دخلتم بدون استئذان ، والله عالم أتم العلم بجميع أعمالكم الظاهرة والباطنة فاتقوا مخالفته .
30- قل - يا أيها النبى - للمؤمنين - محذرا لهم مما يوصل إلى الزنا ويعرض للتهم - : إنهم مأمورون ألا ينظروا إلى ما يحرم النظر إليه من عورات النساء ومواطن الزينة منهن ، وأن يصونوا فروجهم بسترها وبعدم الاتصال غير المشروع ، ذلك الأدب أكرم بهم وأطهر لهم وأبعد عن الوقوع فى المعصية والتهم . إن الله عالم أتم العلم بجميع ما يعملون ومجازيهم على ذلك .

(2/101)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية