صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الكشف والبيان / للثعلبى

روى السري بن يحيى عن محمد بن سيرين قال : ذكر رجال على عهد عمر بن الخطاب فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر،
قال : فبلغ ذلك عمر فقال : والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر،
وليوم من أبي بكر خير من آل عمر،
لقد خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه حتى وصل رسول {صلى الله عليه وسلم} فقال : يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي فقال : يارسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك،
فقال : يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟
قال : نعم والذي بعثك بالحق.
فلما أتيا إلى الغار قال أبو بكر ح : مكانك يارسول الله حتى أستبرئ الغار،
فدخل فاستبرأ حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الحجر،
فقال مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الحجر فدخل فاستبرأ ثم قال : انزل يارسول الله فنزل،
فقال عمر : والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر.
أبو عوانة عن فراس عن الشعبي قال : لقد عاتب الله أهل الأرض جميعا غير أبي بكر ح في هذه الآية،
وقال أبو بكر :
قال النبي ولم يجزع يوقرني
ونحن في شدة من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا
وقد توكل لي منه بإظهار
وإنما كيد من تخشى بوادره
كيد الشياطين كادته لكفار
والله مهلكهم طرا بما كسبوا
وجاعل المنتهى منها إلى النار

(6/146)


{فأنزل الله سكينته} سكونه وطمأنينته {عليه} أي على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال ابن عباس : على أبي بكر،
فأما النبي {صلى الله عليه وسلم} فكانت السكينة عليه قبل ذلك {وأيده} قرأ مجاهد : وأيده بالمد {بجنود لم تروها} وهم الملائكة {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} أي المقهورة المغلوبة {وكلمة الله} رفع على مبتدأ وقرأ يعقوب : وكلمة الله على النصب على العطف {هى العليا} العالية.

قال ابن عباس : الكلمة السفلى : كلمة الشرك،
والعليا : لا إله إلا الله {والله عزيز حكيم انفروا خفافا وثقالا} قال أبو الضحى : أول آية نزلت من براءة هذه الآية وقال مقاتل : قالوا : فينا الثقيل وذو الحاجة والضيعة،
والشغل والمنتشر أمره،
فأنزل الله عز وجل هذه الآية،
وأبى أن يعذرهم.
واختلفوا في معنى الخفاف والثقال،
فقال أنس والحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة وشمر بن عطية ومقاتل بن حيان : مشاغيل،
وقال الحكم : مشاغيل وغير مشاغيل. الحسن : مشاغيل،
وقال أبو صالح : خفافا من المال،
أي فقراء وثقالا منه أي أغنياء،
وقال ابن زيد : الثقيل الذي له الضيعة فهو ثقيل يكبره بأن يضع ضيعته من الخفيف الذي لا ضيعة له.l قال : نشاط وغير نشاط،
وقال عطية العوفي : ركبانا ومشاة،
وقال مرة الهمذاني : أصحاء ومرضى،
وقال يمان بن رباب : عزابا ومتأهلين.
وقيل : خفافا مسرعين غير خارجين ساعة اتباع النفير. قال : خف الرجل خفوفا إذا مشى مسرعا،
وثقالا أي بعد التروية فيه والاستعداد له.
وقيل : خفافا من السلاح أي مقلين منه وثقالا مستكثرين منه،
فالعرب تسمي الأعزل مخفا.

(6/147)


وقيل : خفافا من ماشيتكم وأبنائكم وثقالا متكثرين بهم {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون} علي بن زيد عن أنس : إن أبا طلحة قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية {انفروا خفافا وثقا} فقال : أي بني جهزوني جهزوني. فقال بنوه : يرحمك الله قد غزوت مع النبي {صلى الله عليه وسلم} حتى مات،
ومع أبي بكر وعمر ذ حتى ماتا،
فنحن نغزو عنك،
فقال : جهزوني،
فغزا البحر فمات في البحر فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها فلم يتغير.
وقال الزهري : خرج سعيد بن المسيب إلى الغزوة وقد ذهبت إحدى عينيه،
فقيل له : إنك عليل،
صاحب ضر فقال استنفر له الخفيف والثقيل،
فإن لم يمكنني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.

(6/148)


{لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا تبعوك ولاكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون * عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين * يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين * إنما يست ذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم فى ريبهم يترددون * ولو أرادوا الخروج عدوا له عدة ولاكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين * لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبا ووضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين * لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جآء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون * ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}
ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين {لو كان} اسمه مضمر أي لو كان ما يدعوهم إليه {عرضا قريبا} غنيمة حاضرة {وسفرا قاصدا} وموضعا قريبا.

(6/149)


قال المبرد : قاصدا أي ذا قصد نحو تامر ولابن،
وقيل : هو طريق مقصود فجعلت صفته على (فاعلة بمعنى مفعولة) كقوله {عيشة راضية} أي مرضية. {لا تبعوك ولاكن بعدت عليهم الشقة} يعني المسافة وقال الكسائي : هي الغزاة التي يخرجون إليها،
وقال قطرب : هي السفر البعيد سميت شقة لأنها تشق على الانسان،
والقراءة بضم الشين وهي اللغة الغالبة،
وقرأ عبيد ابن عمير بكسر الشين وهي لغة قيس.

[التوبة : ]
{وسيحلفون بالله لو استطعنا} قرأ الأعمش بضم الواو لأن أصل الواو الضمة،
وقرأ الحسن بفتح الواو لأن الفتح أخف الحركات،
وقرأ الباقون بالكسر لأن الجزم يحرك بالكسر {لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم} بالحلف الكاذب {والله يعلم إنهم لكاذبون} في أيمانهم (واعتلالهم) {عفا الله عنك} قدم العفو على القتل.
قال قتادة وعمرو بن ميمون : شيئان فعلهما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولم يؤمر بهما : إذنه للمنافقين وأخذه من الأسارى الفدية فعاتبه الله كما تسمعون.
وقال بعضهم : إن الله عز وجل وقره ورفع محله (فهو افتتاح) الكلام بالدعاء له،
كما يقول الرجل لمخاطبه إن كان كريما عنده : عفا الله عنك ماصنعت في حاجتي ورضي الله عنك إلا زرتني،
وقيل : معناه : أدام الله لك العفو.

(6/150)


{لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا} في أعذارهم {وتعلم الكاذبين} فيها {يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر} إلى قوله تعالى {وارتابت قلوبهم} شكت ونافقت قلوبهم {فهم فى ريبهم يترددون} متحيرين،
ولو أرادوا الخروج إلى الغزو {عدوا} لهيأوا {له عدة} وهي المتاع والكراع {ولاكن كره الله} لم يرد الله {انبعاثهم} (خروجهم) {فثبطهم} فمنعهم وحبسهم {وقيل اقعدوا} في بيوتكم {مع القاعدين} يعني المرضى والزمنى،
وقيل : النساء والصبيان.

[التوبة : ]
{لو خرجوا فيكم} الآية،
وذلك أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمر الناس بالجهاد لغزوة تبوك،
فلما خرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هو وعسكره على ثنية الوداع،
ولم يكن بأقل العسكرين،
فلما سار رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب،
فأنزل الله تعالى (يعزي) نبيه {صلى الله عليه وسلم} لو خرجوا فيكم يعني المنافقين {ما زادوكم إلا خبا} فسادا،
وقال الكلبي : شرا وقيل : غدرا ومكرا {ووضعوا خلالكم} يعني ولأوضعوا ركابهم بينكم،
يقال : وضعت الناقة تضع وضعا ووضوعا إذا أسرعت السير،
وأوضعها أيضاعا أي جد بها فأسرع،
قال الراجز :
يا ليتني فيها جذع
أخب فيها وأضع
وقال : أقصر فإنك طالما
أوضعت في إعجالها

(6/151)


قال محمد بن إسحاق يعني : أسرع الفرار في أوساطكم وأصل الخلال من الخلل وهو الفرجة بين الشيئين وبين القوم في الصفوف وغيرها،
ومنه قول النبي {صلى الله عليه وسلم} «تراصوا في الصفوف لايخللكم الشيطان كأولاد الحذف».
{يبغونكم الفتنة} أي يبغون لكم،
يقول : يطلبون لكم ماتفتنون به،
يقولون : لقد جمع (العدو) لكم فعل وفعل،
يخبلونكم.
وقال الكلبي : يبغونكم الفتنة يعني الغيب والسر،
وقال الضحاك : يعني الكفر،
يقال فيه : بغيته أبغيه بغاء إذا التمسته بمعنى بغيت له،
ومثله عكمتك إن عكمت لك فيها،
وإذا أرادوا أعنتك عليه قالوا : أبغيتك وأحلبتك وأعمكمتك.
{وفيكم سماعون لهم} قال مجاهد وابن زيد بينكم عيون لهم عليكم (يوصلون) مايسمعون منكم،
وقال قتادة وابن يسار : وفيكم من يسمع كلامهم ويطبعهم {والله عليم بالظالمين لقد ابتغوا الفتنة من قبل} أي عملوا بها لصد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر بتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم،
كفعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه {وقلبوا لك امور} أجالوا فيك وفي إبطال دينك الرأي بالتخذيل عنك وتشتت أصحابك.

[التوبة : ]
{حتى جآء الحق} أي النصر والظفر {وظهر أمر الله} دين الله {وهم كارهون ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} الآية.

(6/152)


نزلت في جد بن قيس المنافق وذلك أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما تجهز لغزوة تبوك،
قال له : يا أبا وهب،
هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم وصفاء،
قيل : وإنما أمر بذلك لأن الحبش غلبت على ناحية الروم فولدت لهم بنات قد أنجبت من بياض الروم وسواد الحبشة فكن صفر اللعس،
فلما قال له ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال جد : يارسول الله لقد عرفت قومي أني رجل مغرم بالنساء وأني أخشى إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن فلا تفتني بهن وائذن لي في القعود وأعينك بمالي،
فأعرض عنه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال : قد أذنت لك،
فأنزل الله (ومنهم) يعني ومن المنافقين (من يقول أئذن لي) في التخلف (ولا تفتني) ببنات الأصفر،
قال قتادة : ولا تأتمني {ألا فى الفتنة سقطوا} ألا في الإثم والشرك وقعوا بخيانتهم وخلافهم أمر الله ورسوله {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} مطيقة بهم وجامعتهم فيها،
فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لبني سلمة وكان منهم : من سيدكم؟
قالوا : جد بن قيس غير أنه نحيل جبان،
فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} وأي داء أدوى من البخل،
بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد بشر بن البراء بن معرور،
فقال فيه حسان :
وقال رسول الله والقول لاحق
بمن قال منا من تعدون سيدا
فقلنا له جد بن قيس على الذي
نبخله فينا وإن كان أنكدا
فقال وأي الداء أدوى من الذي
رميتم به جدا وعالى بها يدا
وسود بشر بن البراء لجوده
وحق لبشر ذي الندى أن يسودا
إذا ما أتاه الوفد أنهب ماله
وقال خذوه إنه عائد غدا

(6/153)


{إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنآ أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون * قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون * قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون * قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين * وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أن هم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون * فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون * ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولاكنهم قوم يفرقون * لو يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون * ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منهآ إذا هم يسخطون * ولو أنهم رضوا مآ ءاتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ إلى الله راغبون}

(6/154)


{إن تصبك حسنة} نصر وغنيمة {تسؤهم} (يعني) بهم المنافقين {وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنآ أمرنا} عذرنا وأخذنا الجزم في القعود وترك الغزو {من قبل} من قبل هذه المصيبة.
{قل} لهم يا محمد {لن يصيبنآ} وفي مصحف عبد الله : قل هل يصيبنا،
وبه قرأ طلحة ابن مصرف {إلا ما كتب الله لنا} في اللوح المحفوظ،
ثم قضاه علينا {هو مولانا} ولينا وناصرنا وحافظنا،
وقال الكلبي : هو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة {وعلى الله فليتوكل المؤمنون قل هل تتربصون} تنتظرون {بنآ} أيها المنافقون {إلا إحدى الحسنيين} أما النصر والفتح مع الأجر الكبير،
وأما القتل والشهادة وفيه الفوز الكبير.

أخبرنا أبو القاسم الحبيبي قال : حدثنا جعفر بن محمد العدل،
حدثنا أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم العبدي،
حدثنا أبو بكر أمية بن بسطام،
أخبرنا يزيد بن بزيع عن بكر بن القاسم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يضمن الله لمن خرج في سبيله ألا يخرج إيمانا بالله وتصديقا برسوله أن (يرزقه) الشهادة،
أو يرده إلى أهله مغفورا له مع ما نال من أجر وغنيمة.

(6/155)


{ونحن نتربص بكم} إحدى الحسنيين {أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} فيهلكهم الله كما أهلك الامم الخالية. قال ابن عباس : يعني الصواعق،
قال ابن جريج يعني الموت (والعقوبة) بالقتل بأيدينا كما أصاب الامم الخالية من قبلنا {فتربصوا} هلاكنا {إنا معكم متربصون} وقال الحسن : فتربصوا مواعيد الشيطان إنا معكم متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه،
وكان الشيطان يمني لهم بموت النبي ( {صلى الله عليه وسلم} ).
{قل أنفقوا طوعا أو كرها} نزلت في منجد بن قيس حين أستاذن النبي {صلى الله عليه وسلم} في القعود عن الغزوة،
وقال : هذا مالي اعينك به،
وظاهر الآية أمر معناه خبر وجزاء تقديره : إن أنفقتم طوعا أو كرها فليس بمقبول منكم كقول الله عز وجل : {واستغفر لهم} الآية. قال الشاعر :
أسيئي بنا أو أحسني لا ملامة
لدينا ولا مقلية إن تفلت
{إنكم كنتم قوما فاسقين} منافقين {وما منعهم أن تقبل منهم} قرأ نافع وعاصم ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي : (أن يقبل) بالياء لنعتهم الفعل،
الباقون بالتاء {نفقاتهم} صدقاتهم {إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} الاولى في موضع نصب،
و«أن» الثانية في محل رفع تقديره : ومامنعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم {ولا يأ تون الصلاة إلا وهم كسالى} مستاؤون لأنهم لا يرجون بأدائها ثوابا،
ولايخافون بتركها عقابا {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} لأنهم يتخذونها مغرما ومنعها مغنما.

[التوبة : ]

(6/156)


{فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} لأن العبد إذا كان من الله تعالى في استدراج (..........) {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله} قال مجاهد وقتادة والسدي : في الآية تقديم وتأخير تقديرها : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.
وقال الحسن : إنما يريد الله أن يعذبهم في الحياة الدنيا بالزكاة والنفقة في سبيل الله،
وقال ابن زيد : بالمصائب فيها،
وقيل التعب في جمعه،
والوجل في حفظه وحبه. {وتزهق أنفسهم} أي تخرج وتذهب أنفسهم على الكفر : يقال : زهقت الخيول أي خرجت عن الحلبة،
وزهق السهم إذا خرج عن الهدف،
وزهق الباطل أي اضمحل،
قال المبرد : وفيه لغتان : زهق يزهق وزهيق يزهق.
{ويحلفون بالله إنهم لمنكم} على دينكم {وما هم منكم ولاكنهم قوم يفرقون} يخافون {لو يجدون ملجأ} يعني حرزا وحصنا ومعقلا،
وقال عطاء مهربا،
وقال ابن كيسان : قوما يأمنون فيهم {أو مغارات} غيرانا في الجبال،
وقال عطاء : سرادب،
وقال الاخفش : كل ما غرت فيه فغبت فهو مغارة،
وهي مفعلة من غار الرجل في الشيء يغور فيه إذا دخل،
ومنه غار الماء وغارت العين إذا دخلت في الحدقة،
ومنه غور تهامة،
والغور : ما انخفض من الأرض،
وقرأ عبد الرحمن بن عوف مغارات بضم الميم جعله مفعلا من أغار يغير إذا أسرع ومعناه موضع فرارا،
قال الشاعر :
فعد طلابها وتعد عنها
بحرف قد تغير إذ تبوع

(6/157)


{أو مدخ} موضع دخول،
وهو مفتعل من تدخل يتدخل متدخل،
وقال مجاهد : مدخلا : محرزا. قتادة : سردابا،
وقال الكلبي وابن زيد : نفقا كنفق اليربوع،
وقال الضحاك : مأوى يأوون إليه،
وقال الحسن : وجها يدخلونه على خلاف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال ابن كيسان : دخلا من مدخلا لاينالهم منكم مايخافون (منه) وقرأ الحسن : أو مدخلا،
مفتوحة الميم خفيفة الدال من دخل يدخل،
وقرأ مسلمة بن محارب مدخلا بضم الميم وتخفيف الدال من دخل يدخل،
وقرأه أبي مندخلا،
منفعل من اندخل. كما قال :

فلا يدي في حميت السكن تندخل
وقرأ الأعرج بتشديد الدال والخاء (............) جعله متفعلا ثم أدغم التاء في الدال كالمزمل والمدثر {لولوا إليه} لأدبروا إليه هربا منكم،
وفي حرف أبي : لولوا وجوههم إليه،
وقرأ الأعمش والعقيلي : لوالوا إليه بالألف من الموالاة أي تابعوا وسارعوا.
وروى معاوية بن نوفل عن أبيه عن جده وكانت له صحبة لولوا إليه بتخفيف اللام لأنها من التولية يقال : ولي إليه بنفسه إذا انصرف ولولوا إليه من المولي {وهم يجمحون} يسرعون في الفرار (لا يردهم شيء). قال الشاعر أبان بن ثعلب :
سبوحا جموحا وإحضارها
كمعمعة السعف الموقد
وقيل : إن الجماح مشي بين مشيين وهو مثل (الصماح). قال مهلهل :
لقد جمحت جماحا في دمائهم
حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا
وقرأ الأعمش : وهم يجمزون أي يسرعون ويشدون {ومنهم} يعني من المنافقين {من يلمزك في الصدقات} .
الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري،
قال : بينا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقسم قسما قال ابن عباس كانت غنائم هوازن يوم حنين جاء ابن ذي الخريصر التميمي وهو حرقوص بن زهير اصل الخوارج فقال : اعدل يارسول الله،
فقال : ويلك ومن يعدل أن لم أعدل.

(6/158)


فقال عمر : يارسول الله ائذن لي فأضرب عنقه،
فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} دعه فأن له أصحابا يحتقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم،
يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء،
ثم ينظر فلا يوجد فيه شيء،
وقد سبق الفرث والدم،
أشبههم برجل أسود في إحدى يديه،
أو قال : أحدى ثدييه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر،
يخرجون على فترة من الناس،
وفي غير هذا الحديث : وإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم،
ثم إذا اخرجوا فاقتلوهم. فنزل،
{ومنهم من يلمزك في الصدقات} أي يعيبك في أمرها،
ويطعن عليك فيها يقال : همزة لمزة. قال الشاعر :
إذا لقيتك عن شحط تكاشرني

وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة
وقال مجاهد : يهمزك : يطعنك،
وقال عطاء : يغتابك،
وقال الحسن والأعرج وأبو رجاء وسلام ويعقوب : يلمزك بضم الميم،
وروى عوف بن كثير يلمزك بكسر الميم خفيفة {فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منهآ إذا هم يسخطون} وقرأ (إياد بن لقيط) : ساخطون. قال ابن زيد : هؤلاء المنافقون قالوا : والله لا يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثر بها إلا هواه.
{ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله} إلى قوله {راغبون} في أن يوسع علينا من فضله فيغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس،
وقال ابن عباس : راغبون إليه فيما يعطينا من الثواب،
ويصرف عنا من العقاب.

(6/159)


{إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم * ومنهم الذين يؤذون النبى ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين ءامنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم * يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين * ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزى العظيم * يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون * ول ن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وءاياته ورسوله كنتم تستهزءون * تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طآفة منكم نعذب طآفة بأنهم كانوا مجرمين * المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون * وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هى حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم * كالذين من

(6/160)


قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولائك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولائك هم الخاسرون}
ثم بين (لمن) الصدقات فقال عز من قال {إنما الصدقات للفقرآء والمساكين}
لا للمنافقين،
واختلف العلماء في صفة الفقر والمسكين.

وقال ابن عباس والحسن وجابر بن زيد والزهري ومجاهد وابن زيد : الفقير : المتعفف عن المسألة،
والمسكين : المحتاج السائل،
وقال قتادة : الفقير : المؤمن المحتاج (الذي به زمانة) والمسكين : (الذي لا زمانة به)،
وقال الضحاك وإبراهيم النخعي : الفقراء فقراء المهاجرين،
والمساكين من لم يهاجروا من المسلمين المحتاجين،
وروى ابن سلمة عن ابن علية عن ابن سيرين عن عمر بن الخطاب ح قال : ليس الفقير الذي لا مال له ولكن الفقير الأخلق الكسب قال ابن علية : الأخلق المحارف عندنا،
وقال عكرمة : الفقراء فقراء المسلمين،
والمساكين من أهل الكتاب.
وقال أبو بكر العبسي : رأى عمر بن الخطاب ذميما مكفوفا مطروحا على باب المدينة فقال له عمر : مالك؟
قال : استكروني في هذه الجزيرة حتى إذا كف بصري تركوني فليس لي أحد يعود علي بشيء،
فقال : ما أنصفت إذا،
فأمر له بقوته وما يصلحه،
ثم قال : هذا من الذين قال الله تعالى : {إنما الصدقات للفقرآء} وهم زمنى أهل الكتاب،
وقال ابن عباس : المساكين : (الطوافون)،
والفقراء،
من المسلمين.

(6/161)


أخبرنا عبد الله بن حامد. أخبرنا محمد بن جعفر. حدثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد المؤدب. حدثنا عبد الرزاق،
أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليس المسكين هذا الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان،
إنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يسأل الناس،
ولا يفطن له فيتصدق عليه.
قال الفراء : الفقراء أهل الصفة لم يكن لهم عشائر ولا مال،
كانوا يلتمسون الفضل ثم يأوون إلى مسجد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمساكين : الطوافون على الأبواب،
وقال عبد الله بن الحسن : المسكين الذي يخشع ويستكين وإن لم يسأل،
والفقير الذي يحتمل ويقبل الشيء سرا ولا يخشع وقال (ابن السكيت والقتيبي ويونس) الفقير الذي له البلغة من العيش والمسكين الذي لا شيء له،
واحتج بقول الشاعر :
إن الفقير الذي كانت حلوبته
وفق العيال فلم يترك له سبد
فجعل له حلوبة وجعلها وقفا لعياله أي قوتا لا فضل فيه،
يدل عليه ماروي عن عبد الرحمن بن أبزي قال : كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحج عليها ويغزو فنسبهم الله تعالى إلى أنهم فقراء وجعل لهم سهما في الزكاة.
وقال محمد بن مسلمة : الفقير الذي له مسكن يسكنه،
والخادم إلى (......) لأن ذلك المسكين الذي لا ملك له. قالوا : وكل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيا من غيره،
قال الله تعالى : {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} ،
والمسكين المحتاج إلى كل شيء،
ألا ترى كيف حض على إطعامه وجعل الكفارة من الاطعمة له،
ولا فاقة أعظم من (......) في شدة الجوعة.

[الكهف : ]

(6/162)


أما قوله : {أما السفينة فكانت لمساكين} وإن مسكنتهم هاهنا مساكين على جهه الرحمة والاستعفاف لا بملكهم السفينة كما قيل لمن امتحن بنكبة أو دفع إلى بلية : مسكين،
وفي الحديث : «مساكين أهل النار» وقال الشاعر :
مساكين أهل الحب حتى قبورهم
(عليها) تراب الذل بين المقابر
{والعاملين عليها} يعني سقاتها وجباتها الذين يتولون قبضها من أهلها ووضعها في حقها ويعملون عليها يعطون ذلك بالسعاية،
أغنياء كانوا أو فقراء.
واختفلوا في قدر مايعطون،
فقال الضحاك : يعطون : الثمن من الصدقة،
وقال مجاهد : يأكل العمال من السهم الثامن،
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : يعطون على قدر عمالتهم،
وهو قول الشافعي وأبي يعفور قالا : يعطون بقدر أجور أمثالهم،
وإن كان أكثر من الثمن،
يدل عليه قول عبد الرحمن بن زيد قال : لم يكن عمر ولا أولئك يعطون العامل الثمن إنما يفرضون له بقدر عمله،
وقال مالك وأهل العراق : إنما ذلك إلى الامام وإجتهاده،
يعطيهم الامام على قدر مايرى.
{والمؤلفة قلوبهم} ،
قال قتادة : هم ناس من الأعراب وغيرهم كان النبي {صلى الله عليه وسلم} يألفهم بالعطية كيما يؤمنوا،
وقال معقل بن عبد الله : سألت الزهري عن المؤلفة قلوبهم،
قال : من أسلم من يهودي أو نصراني،
قلت : وإن كان غنيا؟
قال : وإن كان غنيا،
وقال ابن عباس : هم قوم قد أسلموا،
كانوا يأتون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يرضخ لهم من الصدقات،
فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا منها خيرا قالوا : هذا دين صالح،
فإن كان غير ذلك عابوه وتركوه.!

(6/163)


وقال ابن كيسان : هم قوم من أهل الحرب كان النبي {صلى الله عليه وسلم} يتألفهم بالصدقات ليكفوا عن حربه،
وقال الكلبي ويحيى بن أبي كثير وغيرهم : ذوو الشرف من الأحياء،
كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يعطيهم في الإسلام يتألفهم وهم الذين قسم بينهم يوم حنين الإبل،
وهم : من بني مخزوم الحرث ابن هشام،
وعبد الرحمن بن يربوع،
ومن بني أمية أبو سفيان بن حرب ومنهم من بني جمح صفوان بن أمية،
ومن بني عامر بن لؤي سهيل بن عمرو،
وحويطب بن عبد العزى،
ومن بني أسد بن عبد العزى حكيم بن خزام،
ومن بني هاشم أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب،
ومن بني فزارة عيينة بن حصين،
وحذيفة بن بدر،
ومن بني تميم الاقرع بن حابس،
ومن بني النضر مالك بن عوف بن مالك ومن بني سليم العباس بن مرادس،
ومن بني ثقيف العلاء بن خارجة،
أعطى النبي {صلى الله عليه وسلم} كل رجل منهم مائة ناقة إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى،
قال وفي رواية أخرى : مخرمة بن نوفل،
وعمير بن وهيب وهشام بن عمرو.

وزاد الكلبي : أبا البعائل بن يعكل وجد بن قيس السهمي وعمرو بن مرداس وهشام بن عمرو. قال : أعطى كل واحد منهم خمسين ناقة،
فقال العباس بن مرادس في ذلك للنبي {صلى الله عليه وسلم}
فأصبح نهبي ونهب العبيد
بين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولاحابس
يفوقان مرداس في المجمع
وقد كنت في الحرب ذا (قوة)
فلم أعط شيئا ولم أمنع
الا أفائل أعطيتها
عديد قوائمه الأربع
وكانت نهابا تلافيتها
بكري على المهر في الأجرع
وايقاظي القوم أن يرقدوا
إذا هجع الناس لم أهجع
وما كنت دون أمرئ منهما
ومن تضع اليوم لا يرفع

(6/164)


فأعطاه النبي {صلى الله عليه وسلم} مائة ناقة،
وأعطى حكيم بن حزام سبعين ناقة فقال : يارسول الله ما كنت أدري أن أحدا أحق بعطائك مني فزاده عشرة أبكار،
ثم زاده عشرة أبكار حتى أتمها له مائة،
فقال حكيم : يارسول الله أعطيتك التي رغبت عنها خير أم هذه التي زادت؟
قال : لا،
بل هذه التي رغبت فيها. فقال : لا آخذ غيرها،
فأخذ السبعين،
فمات حكيم وهو أكثر قريش مالا.
فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} «أعطي رجلا وأترك الآخر،
والذي أترك أحب إلي من الذي أعطي،
ولكني أتألف هذا بالعطية،
وأوكل المؤمن إلى إيمانه».
وقال صفوان بن أمية : لقد أعطاني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما أعطاني وإنه لأبغض الناس الي فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي.
ثم اختلفوا في وجود المؤلفة اليوم وهل يعطون من الصدقة وغيرها أم لا؟
،
فقال الحسن : أما المؤلفة قلوبهم فليس اليوم،
وقال الشعبي : إنه لم يبق في الناس اليوم من المؤلفة قلوبهم،
إنما كانوا على عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما ولي أبو بكر انقطعت الرشى،
وهذا تأويل أهل القرآن،
يدل عليه حديث عمر بن الخطاب حين جاءه عيينة بن حصين،
فقال {الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر} إن الإسلام أجل من أن يرشى عليه،
أي ليس اليوم مؤلفة.
وروى أبو عوانة عن مهاجر أبي الحسن،
قال : أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة وهما على بيت المال فأخذاها،
ثم جئت مرة أخرى فوجدت أبا وائل وحده فقال ردها فضعها في مواضعها،
قلت : فما أصنع بنصيب المؤلفة قلوبهم؟
فقال رده على الآخرين.
وقال أبو جعفر محمد بن علي : (في الناس) اليوم المؤلفة قلوبهم ثابتة،
وهو قول أبي ثور قال : لهم سهم يعطيهم الامام قدر مايرى.

(6/165)


وقال الشافعي : المؤلفة قلوبهم ضربان : ضرب مشركون فلا يعطون،
وضرب مسلمون (إذا اعطاهم الإمام كفوا شرهم عن المسلمين)،
فأرى أن يعطيهم من سهم النبي وهو خمس الخمس ما يتألفون به سوى سهمهم مع المسلمين،
يدل عليه أن النبي {صلى الله عليه وسلم} أعطى المؤلفة قلوبهم بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وأعز أهله،
وأما سهمهم من الزكاة فأرى أن يصرف في تقوية الدين وفي سد خلة الإسلام ولايعطى مشرك تألف على الإسلام،
ألا إن الله تعالى يغني دينه عن ذلك،
والله أعلم.
{وفى الرقاب} مختصر أي في فك الرقاب من الرق،
واختلفوا فيهم،
فقال أكثر الفقهاء : هم المكاتبون،
وهو قول الشافعي والليث بن سعد،
ويروى أن مكاتبا قام إلى أبي موسى الاشعري وهو يخطب الناس يوم الجمعة فقال له : أيها الأمير حث الناس علي،
فحث أبو موسى،
فألقى الناس ملاءة وعمامة وخاتما حتى ألقوا عليه سوادا كثيرا،
فلما رأى أبو موسى ما ألقى الناس،
قال أبو موسى : أجمعوه فجمع،
ثم أمر به فبيع فأعطى المكاتب مكاتبته،
ثم أعطى الفضل في الرقاب ولم يرده على الناس،
وقال إنما أعطى الناس في الرقاب.
وقال الحسن وابن عباس : يعتق منه الرقاب وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور،
وقال سعيد بن جبير والنخعي،
لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة لكن يعطي منها في ميقات رقبة مكاتب،
وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
قال الزهري : سهم الرقاب نصفان : نصف لكل مكاتب ممن يدعي الإسلام،
والنصف الثاني لمن يشتري به رقاب ممن صلى وصام وقدم إسلامه من ذكر وأنثى يعتقون لله.
{والغارمين} قتادة : هم قوم غرقتهم الديون في غير إملاق ولا تبذير ولا فساد.

(6/166)


وقال مجاهد : من احترق بيته وذهب السيل بماله،
وأدان على عياله،
وقال أبو جعفر الباقر : الغارمون صنفان : صنف استدانوا في مصلحتهم أو معروف أو غير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد فيعطون في غرمهم،
وصنف استدانوا في جمالات وصلاح ذات بين ومعروف ولهم عروض إن بيعت أضر بهم فيعطى هؤلاء قدر عروضهم.
وذلك إذا كان دينهم في غير فسق ولا تبذير ولا معصية،
وأما من ادان في معصية الله فلا أرى أن يعطى،
وأصل الغرم الخسران والنقصان،
ومنه الحديث في الرحمن له غنمه وعليه غرمه،
ومن ذلك قيل للعذاب غرام،
قال الله تعالى {إن عذابها كان غراما} وفلان مغرم بالنساء أي مهلك بهن،
وما أشد غرامه وإغرامه بالنساء.

[التوبة : ]
{وفى سبيل الله} فيهم الغزاة والمرابطون والمحتاجون.
فأما إذا كانوا أغنياء فاختلفوا فيه،
فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : لايعطى الغازي إلا أن يكون منقطعا مفلسا،
وقال مالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور : يعطى الغازي منها وإن كان غنيا،
يدل عليه قول النبي {صلى الله عليه وسلم} «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : رجل عمل عليها أو رجل اشتراها بماله،
أو في سبيل الله أو ابن السبيل،
أو رجل كان له جار تصدق عليه فأهداها له».
{وابن السبيل} المسافر المجتاز،
سمي ابن السبيل للزومه إياه،
كقول الشاعر :
أيا ابن الحرب رجعني وليدا
إلى أن شبت فاكتملت لداتي
قال مجاهد والزهري : لابن السبيل حق من الزكاة وإن كان غنيا إذا كان منتفعا به،
وقال مالك وفقهاء العراق : هو الحاج المنقطع،
وقال الشافعي : ابن السبيل من (جيران) الصدقة الذين يريدون السفر في غير معصية فيعجزون من بلوغ سفرهم إلا بمعونة،
وقال قتادة : هو الضيف.

(6/167)


{فريضة} واجبة {من الله} وهو نصب على القطع في قول الكسائي،
وعلى المصدر في قول سيبويه أي : فرض الله هذه الأشياء فريضة،
وقال إبراهيم بن أبي عبلة : رفع فريضة فجعلها خبرا كما تقول : إنما يزيد خارج {والله عليم حكيم} .
واختلف العلماء في كيفية قسم الصدقات المذكورة في هذه الآية،
(وهل) يجب لكل صنف من هؤلاء الأصناف الثمنية فيها حق،
أو ذلك إلى رب المال ومن يتولى قسمها في أن له أن يعطي جميع ذلك من شاء من الاصناف الثمنية،
فقال بعضهم : له قسمها ووضعها في أي الأصناف يشاء وإنما سمى الله تعالى الاصناف الثمنيه في الآية إعلاما منه إن الصدقة لاتخرج من هذه الأصناف إلى غيرها لا إيجاد القسمة بينهم،
وهو قول عمر بن الخطاب وحذيفة وابن عباس وابن (جبير) وعطاء وأبي العالية وميمون بن مهران وأبي حنيفة.
أخبرنا عبد الله بن حامد. أخبرنا أبو بكر الطبري. حدثنا علي بن حرب،
أخبرنا ابن فضيل،
حدثنا عطاء عن سعيد {إنما الصدقات للفقرآء} الآية،
أي هذه الأصناف وجدت أجزاك أن تعطيه صدقتك،
ويقول أبو حنيفة : يجوز الاقتصار على رجل واحد من الفقراء،
وقال مالك يخص بأمسهم حاجة.

كان الشافعي يجري الآية على ظاهرها ويقول : إذا تولى رب المال قسمتها فإن عليه وضعه في ثلاثة أصناف لأن سهم المؤلفة ساقط،
وسهم العاملين يبطل بقسمته إياها،
فإذا تولى الإمام قسمتها فإن عليه أن يقسمها على سبعة أصناف،
يجزيه أن يعطي من كل صنف منهم أقل من ثلاثة أنفس ولايصرف السهم ولا شيئا منه عن أهله أحد يستحقه،
ولا يخرج من بلد وفيه أحد يرد حقه ممن لم يوجد من أهل السهام على من وجد منهم،
وهذا قول عمر بن عبد العزيز،
وعكرمة والزهري.

(6/168)


ثم رجع إلى ذكر المنافقين وقال : {ومنهم} يعني من المنافقين {الذين يؤذون النبى ويقولون هو أذن} نزلت في حزام بن خالد،
والجلاس بن سويد،
وإياس بن قيس،
ومخشي بن خويلد،
وسماك بن يزيد،
وعبيد بن هلال ورفاعة بن المقداد،
وعبيدة بن مالك،
ورفاعة بن زيد،
كانوا يؤذون النبي {صلى الله عليه وسلم} ويقولون مالا ينبغي،
فقال بعضهم : لا تفعلوا مايقولون فيقع بنا،
فقال الجلاس : بل نقول ماشئنا،
ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول : فإنما محمد أذن سامعة فأنزل الله هذه الآية.
وقال محمد بن إسحاق عن يسار وغيرة نزلت في رجل من المنافقين يقال له : نهشل بن الحرث،
وكان حاسر الرأس أحمر العينين أسفح الخدين مشوه الخلقة،
وهو الذي قال النبي {صلى الله عليه وسلم} «من أراد أن ينظر الى الشيطان فلينظر إلى نهشل بن الحرث»،
وكان ينم حديث النبي {صلى الله عليه وسلم} إلى المنافقين فقيل له : لا تفعل،
فقال : إنما محمد أذن،
من حدثه شيئا يقبل،
نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له ويصدقنا عليه،
فأنزل : {الذين يؤذون النبى ويقولون هو أذن} يسمع من كل واحد ويقبل ما يقال له ومثله أذنة على وزن فعلة ويستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع،
وأصله : أذن يأذن أذنا إذا استمع،
ومنه قول النبي {صلى الله عليه وسلم} ما اذن الله لشيء كأذنه لنبي بمعنى القرآن،
وقال عدي بن زيد :
أيها القلب تعلل بددن
إن همي في سماع وأذن
وقال الأعشى :
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به
وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
وكان أستاذنا أبو القاسم الجبيبي يحكي عن أبي زكريا العنبري عن ابن العباس الازهري عن أبي حاتم السجستاني أنه قال : هو أذن أي ذو أذن سامعة.

[التوبة : ]

(6/169)


{قل أذن خير لكم} قراءة العامة بالإضافة أي أذن خير لا أذن شر،
وقرأ الحسن والأشهب العقيلي : والأعمش والبرجمي : أذن خير لكم مرفوعا من المنافقين ومعناه : إن كان محمدا كما تزعمون بأن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم.
ثم كذبهم فقال {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} يعلمهم،
وقيل : يقال أمنتك وأمنت لك بمعنى صدقتك كقوله : {الذين هم بآيات ربهم يؤمنون} أي (............) ربهم {ورحمة} قرأ الحسن وطلحة والأعمش وحمزة : (ورحمة) عطفا على معنى أذن خير وأذن شر في قول عبد الله وأبي،
وقرأ الباقون : (ورحمة) بالرفع أي : هو أذن خير،
وهو رحمة،
جعل الله تعالى محمدا {صلى الله عليه وسلم} مفتاح الرحمة ومصباح الظلمة وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم.
{والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم يحلفون بالله لكم ليرضوكم} قال قتادة والسدي : (اجتمع نفر) من المنافقين منهم جلاس بن سويد وذريعة بن ثابت فوقعوا في النبي {صلى الله عليه وسلم} وقالوا : لئن كان مايقول محمد حق لنحن شر من الحمير،
وكان سمعهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن قيس،
فحقروه وقالوا هذه المقالة،
فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقوله محمد حق وأنتم شر من الحمير،
ثم أتى النبي {صلى الله عليه وسلم} فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا إن عامرا كذاب،
وحلف عامر أنهم كذبة،
فصدقهم النبي {صلى الله عليه وسلم} فجعل عامر يقول : اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب،
وقد كان قال بعضهم في ذلك : يا معشر المنافقين والله إني شر خلق الله،
لوددت أني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا،
فأنزل الله عز وجل هذه الآية.

(6/170)


وقال مقاتل والكلبي : نزلت هذه الآية في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك،
فلما رجع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من تبوك أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلفهم،
ويطلبون ويحلفون،
فأنزل الله {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه} وقد كان حقه يرضوهما وقد مضت هذه المسألة،
قال الشاعر :
ما كان حبك والشقاء لتنتهي

حتى يجازونك في مغار محصد
أي الحبل.
{ألم يعلموا} وقراءة العامة بالياء على الخبر،
وقرأ السلمي بالتاء على الخطاب {أنه من يحادد الله ورسوله} إلى قوله {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم} ،
قال مجاهد : كانوا يقولون القول بينهم ثم يقولون : عسى الله أن لا يفشي سرنا فقال الله لنبيه متهددا {قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون} قال قتادة : كانت تسمى هذه السورة الفاضحة والمثيرة والمبعثرة،
أثارت مخازيهم ومثالبهم. قال الحسن : كان المسلمون يسمون هذه السورة الحفارة،
حفرت مافي قلوب المنافقين فأظهرته.
قال ابن كيسان نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا حلأها،
ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه وتنكروا له في ليلة مظلمة فأخبر جبرئيل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ماقدموا له،
وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم،
وعمار بن ياسر يقود برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وحذيفة يسوق به.

(6/171)


فقال لحذيفة : اضرب بها وجوه رواحلهم،
فضربها حتى نحاهم،
فلما نزل قال لحذيفة : هل عرفت من القوم؟
قال : لم أعرف منهم أحدا،
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنهم فلان وفلان حتى عدهم كلهم،
فقال حذيفة ألا تبعث إليهم فتقتلهم،
قال : «أكره أن يقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم،
بل يكفيكم الله الدبيلة» قيل : يا رسول الله وما الدبيلة؟
قال : «شهاب من جهنم يوضع على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه فكان كذلك».
{ولئن سأ لتهم ليقولن إنما كنا نخوض} الآية،
قال ابن عمر وقتادة وزيد بن أسلم ومحمد ابن كعب : قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك : ما رأيت مثل (قرائنا) هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء،
يعني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه،
فقال له عوف بن مالك : كذبت ولكنك منافق،
لأخبرن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذهب عوف إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليخبره فوجد القرآن قد سبقه،
فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد ارتحل وركب ناقة فقال : يارسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث بحديث الركب يقطع به عنا الطريق.
قال ابن عمر : كأني أنظر إليه متعلقا بحقب ناقة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والحجارة تنكبه وهو ويقول : إنا كنا نخوض ونعلب. فيقول له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون} فالتفت إليه وما يزيده عليه.

وقال قتادة : بينما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه،
فقالوا أيظن هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها،
هيهات هيهات،
فأطلع الله نبيه على ذلك فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} احبسوا علي الركب،
فدعاهم فقال لهم : قلتم كذا وكذا،
فقالوا يانبي الله أنما كنا نخوض ونلعب،
وحلفوا على ذلك،
فأنزل الله عز وجل هذه الآية.

(6/172)


وقال مجاهد : قال رجل من المنافقين : يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا وما يدريه ما الغيب،
فأنزل الله هذه الآية،
وقال ابن كيسان : نزلت في وديعة بن ثابت وهو الذي قال هذه المقالة،
وقال الضحاك : نزلت في عبد الله بن أبي ورهطه كانوا يقولون في رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه مالا ينبغي،
فإذا بلغ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذلك قالوا : إنما كنا نخوض ونلعب قال الله عز وجل : {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون}.
{تعتذروا قد كفرتم} بقولكم هذا {بعد إيمانكم} إقراركم {إن نعف عن طآفة منكم نعذب طآفة} قراءة العامة بضم الياء والتاء على غير تسمية الفاعل،
وقرأ عاصم : إن نعف بنون مفتوحة وفاء مضمومة،
نعذب بالنون وكسر الذال طائفة بالنصب،
والطائفة في هذه الآية رجل يقال له مخشي بن حمير الأشجعي،
أنكر عليهم بعدما سمع ولم يمالئهم عليه وجعل يسير مجانبا لهم،
فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه وقال : اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ أعنى بها،
تقشعر منها الجلود وتجل وتجب فيها القلوب،
اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك،
لا يقول أحد : أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت،
فأصيب يوم اليمامة فيمن قتل فما أحد من المسلمين الا وجدوه وعرف مصرعه غيره.

(6/173)


وقيل : معناه إن يتب على طائفة منكم فيعفو الله عنهم ليعذب طائفة بترك التوبة {بأنهم كانوا مجرمين المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} أي شكل بعض وعلى دين بعض،
يعني إنهم صنف واحد وعلى أمر واحد،
ثم ذكر أمرهم فقال {يأمرون بالمنكر} بالكفر والمعصية {وينهون عن المعروف} عن الإيمان والطاعة {ويقبضون أيديهم} يمسكونها ويكفونها عن الصدقة والنفقة في الحق ولايبسطونها بالخير،
وأصله : إن المعطي يمد يده ويبسطها بالخير،
فقيل : لمن بخل ومنع قد قبض يده،
ومنه قوله : {وقالت اليهود يد الله مغلولة} أي ممسكة عن النفقة.

[التوبة : ]
{نسوا الله فنسيهم} تركوا طاعة الله فتركهم الله من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته المنجية من عذابه وناره في العقبى {إن المنافقين هم الفاسقون وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم} كافيتهم عذابا وجزاء على كفرهم {ولعنهم الله} طردهم وأبعدهم من رحمته ولهم عذاب مقيم {كالذين من قبلكم} يعني فعلتم كفعل الذين كانوا من قبلكم ولعنتم وعذبتم كما لعن الذين كانوا من قبلكم من كفار الأمم الخالية {كانوا أشد منكم قوة} بطشا ومنعة {وأكثر أموا وأولادا فاستمتعوا} وتمتعوا وانتفعوا {بخلاقهم} بنصيبهم من الدنيا ورضوا به عوضا من الآخرة.

(6/174)


قال أبو هريرة : الخلاق : الدين {فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم} في الباطل والكذب على الله وتكذيب رسله والاستهزاء بالمؤمنين {كالذي خاضوا} أراد كالذين خاضوا وذلك أن (الذي) اسم ناقص مثل (ما) و(من) يعبر بها عن الواحد والجميع نظير قوله : {مثله كمثل الذي استوقد} ثم قال : {ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات} قال الشاعر :
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم
هم القوم كل القوم يا أم خالد
وأن شئت جعلت (الذي) إشارة إلى ضمير،
وقوله : خضتم كالخوض الذي خاضوا فيه إلى قوله الخاسرون.
روى أبو هريرة عن النبي {صلى الله عليه وسلم} لتأخذن كما أخذت الامم من قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع،
حتى لو أن أحد من ثم أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه،
قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة} الآية،
قالوا : يارسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب،
قال : «وهل الناس إلا هم».

قال ابن عباس في هذه الآية : ما اشبه الليلة بالبارحة،
هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم،
وقال ابن مسعود : أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا،
تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا.
وقال حذيفة : المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذي كانوا على عهد النبي {صلى الله عليه وسلم} قلنا : وكيف؟
قال : أولئك كانوا يخفون نفاقهم وهؤلاء أعلنوه.l

(6/175)


{ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون * والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولائك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم * وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم}

(6/176)


{ألم يأتهم} يعني المنافقين والكافرين {نبأ} خبر {الذين من قبلهم} حين عصوا رسلنا وخالفوا أمرنا كيف أهلكناهم وعذبناهم ثم ذكرهم. فقال {قوم نوح} بالمعنى بدلا من الذين أهلكوا بالطوفان {وعاد} أهلكوا بالريح {وثمود} أهلكوا بالرجفة {وقوم إبراهيم} بسلب النعمة وهلاك نمرود {وأصحاب مدين} يعني قوم شعيب بعذاب يوم الظلة {والمؤتفكات} المنقلبات التي جعلت عاليها سافلها،
وهم قوم لوط {أتتهم رسلهم بالبينات} فكذبوهم وعصوهم كما فعلتم يامعشر الكفار فاحذروا بتعجيل النقمة {فما كان الله ليظلمهم} إلى قوله {بعضهم أوليآء بعض} في الدين والملة والعون والنصرة والمحبة والرحمة. قال جرير بن عبد الله سمعت النبي {صلى الله عليه وسلم} يقول : «المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة»،
والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف،
بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة»،
{يأمرون بالمعروف} بالإيمان والخير {وينهون عن المنكر} مالا يعرف في شريعة ولا سنة.

قال أبو العالية كلما ذكر الله تعالى في كتابة من الأمر بالمعروف فهو رجوع من الشرك إلى الإسلام،
والنهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الاوثان والشيطان {ويقيمون الصلاة} المفروضة {ويطيعون الله ورسوله أولائك} إلى قوله {ومساكن طيبة} ومنازل طيبة.

(6/177)


قال الحسن : سألت أبا هريرة وعمران بن حصين عن قول الله {ومساكن طيبة فى جنات عدن} . قالا : على الخبير سقطت،
سألنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن ذلك فقال : «قصر في الجنة من لؤلؤ فيه سبعون دار من ياقوتة حمراء،
في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء،
في كل بيت سبعون سريرا،
على كل سرير سبعون فراشا،
على كل فراش زوجة من الحور العين،
وفي كل بيت مائدة وعلى كل مائدة سبعون لونا من الطعام،
وفي كل بيت وصيفة،
ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة مايأتي على ذلك أجمع».
{فى جنات عدن} في بساتين ظلال وإقامة،
يقال : عدن بالمكان إذا أقام به،
ومنه المعدن،
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر،
لايسكنها غير ثلاثة من النبيين والصديقين والشهداء،
يقول الله : طوبى لمن دخلك».
وقال عبد الله بن مسعود : هي بطنان الجنة أي وسطها،
وقال ابن عباس : سألت كعبا عن جنات عدن فقال : هي الكروم والأعناب بالسريانية،
وقال عبد الله بن عمر : إن في الجنة قصرا يقال له عدن،
حوله البروج والمروج،
له خمسة آلاف باب،
على كل باب (حبرة) لايدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد.
قال الحسن : جنات عدن،
وما أدراك ما جنات عدن،
قصر من ذهب لايدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل،
ورفع به صوته. (في حديث آخر قصر) في الجنة يقال له : عدن،
حوله البروج والمروج له خمسون ألف باب،
وقال الضحاك : هي مدينة الجنة فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى،
والناس حولهم بعد،
والجنان حولها.

(6/178)


وقال عطاء بن السايب : عدن نهر في الجنة جناته على حافتيه،
وقال مقاتل والكلبي : أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم،
والجنان حولها محدقة بها وهي مغطاة من يوم خلقها الله عز وجل حتى ينزلها أهلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ومن شاء الله،
وفيها قصور الدرة والياقوت والذهب،
فتهب الريح الطيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأحلى،
وقال عطاء الخراساني في قوله : {ومساكن طيبة فى جنات عدن} قال : قصر من الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام في جنات عدن،
وهي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن.

[التوبة : ]
{ورضوان من الله أكبر} رفع على الابتداء،
أي رضا الله عنهم أكبر من ذلك كله.
روى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري،
قال : قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة،
فيقولون : لبيك ربنا وسعديك،
فيقول : هل رضيتم فيقولون : ومالنا لانرضى وقد أعطيتنا مالم تعط أحدا من رضاك؟
فيقول : ألا أعلمكم أفضل من ذلك؟
قالوا : وأي شيء أفضل من ذلك؟
قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا».
{ ذلك هو الفوز العظيم} .

(6/179)


{يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير * يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما فى الدنيا والآخرة وما لهم فى الأرض من ولي ولا نصير}
{يا أيها النبي جاهد الكفار} بالسيف والقتال {والمنافقين} .
اختلفوا في صفة جهاد المنافقين،
قال ابن مسعود : بيده فإن لم يستطع فبلسانه،
فإن لم يستطع فبقلبه،
فإن لم يستطع فاكفهر في وجهه. قال ابن عباس : باللسان وشدة الزجر بتغليظ الكلام،
قال الحسن وقتادة : بإقامة الحدود عليهم،
ثم قال {ومأواهم} في الآخرة {جهنم وبئس المصير} قال (ابن مسعود وابن عباس) وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو (والصلح) والصفح.
{يحلفون بالله ما قالوا} قال ابن عباس : كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} جالسا في ظل شجرة فقال : إنه سيأتيكم إنسان ينظر اليكم بعيني شيطان،
إذا جاء فلا تكلموه،
فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال : علام تشتمني أنت وأصحابك؟
فانطلق الرجل فجاء بأصحابه،
فحلفوا بالله ماقالوا،
فأنزل الله تعالى هذه الآية.

(6/180)


وقال الضحاك : خرج المنافقون مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى تبوك،
وكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه وطعنوا في الدين،
فنقل ماقالوا حذيفة إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال النبي : «يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟
» فحلفوا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما قالوا بشيء من ذلك،
فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لهم.
وقال الكلبي : نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت (لأن) رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خطب ذات يوم بتبوك وذكر المنافقين فسماهم رجسا وعابهم،
فقال الجلاس : والله إن كان محمد صادقا فيما يقول فنحن شر من الحمير فسمعه عامر بن قيس،
فقال : أجل والله إن محمدا لصادق مصدق وأنتم شر من الحمير.

فلما انصرف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس،
فقال الجلاس : كذب يا رسول الله علي،
ما قلت شيئا من ذلك،
فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يحلفا عند المنبر بعد العصر،
فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله،
وإنه كذب علي عامر،
ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قاله وما كذبت عليه،
ثم رفع عامر بيديه إلى السماء فقال : اللهم أنزل على نبيك الصادق منا المصدق،
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والمؤمنون : آمين،
فنزل جبرئيل على النبي {صلى الله عليه وسلم} قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ {فإن يتوبوا يك خيرا لهم} فقام الجلاس،
فقال : يارسول الله أسمع الله قد عرض علي التوبة،
صدق عامر بن قيس في ذلك،
لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه،
فقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذلك منه ثم تاب فحسن توبته.

(6/181)


قال قتادة : ذكر لنا أن رجلين اقتتلا : رجلا من جهينة،
ورجلا من غفار،
وكانت جهينة حلفاء الأنصار،
وظفر الغفاري على الجهيني،
فنادى عبد الله بن أبي : أيها الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك.
ثم قال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل،
فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأرسل {صلى الله عليه وسلم} إليه،
فجعل يحلف بالله ما قال،
فأنزل الله عز وجل : يحلفون بالله ما قالوا {ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} .
قال مجاهد : هم المنافقون بنقل المؤمن الذي يقول لنحن شر من الحمير لكي لا يفشيه عليه.
قال السدي : قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجا يباهي به (............) إليه.
وقال الكلبي : هم خمسة عشر رجلا منهم عبد الله بن أبي،
وعبد الله بن سعد بن أبي سرح،
وطعمة بن أبيرق والجلاس بن سويد وعامر بن النعمان وأبو الاحوص،
هموا بقتل النبي {صلى الله عليه وسلم} في غزوة تبوك فأخبر جبرائيل بذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقيل : إنهم من قريش هموا في قتل النبي {صلى الله عليه وسلم} فمنعه الله عز وجل.
جابر عن مجاهد عن ابن عباس ح في هذه الآية قال : هم رجل من قريش يقال له الاسود بقتل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} {وما نقموا} منه،
ما أنكروا منه ولا (ينقمون) {إلا أن أغن اهم الله ورسوله من فضله} (ويقال : إن القتيل) مولى الجلاس قتل،
فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بديته اثني عشر ألفا فاستغنى،
وقال الكلبي : كانوا قبل قدوم النبي {صلى الله عليه وسلم} في ضنك من عيشهم،
لايركبون الخيل ولايحوزون الغنيمة،
فلما قدم النبي {صلى الله عليه وسلم} استغنوا بالغنائم،
وهذا مثل مشهور : اتق شر من أحسنت إليه.

(6/182)


[التوبة : ]
ثم قال الله عز وجل {فإن يتوبوا} من نفاقهم وكفرهم {يكن خيرا لهم وإن يتولوا} يعرضوا عن الإيمان {يعذبهم الله عذابا أليما فى الدنيا} بالقتل والخزي {والآخرة} بالنار {وما لهم فى الأرض من ولي ولا نصير} .

{ومنهم من عاهد الله لئن ءاتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلمآ ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون * ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب}
{ومنهم من عاهد الله} الآية.
روى القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي قال : جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال : يارسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه» ثم أتاه بعد ذلك. فقال : يارسول الله أدع الله أن يرزقني مالا،
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «و{لكم فى رسول الله أسوة حسنة} ،
والذي نفسي بيده لو أردت أن تصير الجبال معي ذهبا وفضة لصارت» ثم أتاه بعد ذلك فقال : يارسول الله ادع الله أن يرزقني مالا،
والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه،
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «اللهم ارزق ثعلبة مالا».

(6/183)


قال : فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها،
فنزل واديا من أوديتها وهي تنمو كما تنمو الدود،
وكان يصلي مع النبي {صلى الله عليه وسلم} الظهر،
ويصلي في غنمه ساير الصلوات،
ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لايشهد إلا الجمعة،
ثم كثرت ونمت فتباعد حتى كان لايشهد جمعة ولا جماعة،
فكان إذا كان يوم الجمعة يمر على الناس يسألهم عن الأخبار،
فذكره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وسأل ذات يوم فقال : مافعل ثعلبة؟
قالوا يارسول الله اتخذ ثعلبة غنما مايسعها واد.
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «يا ويح ثعلبة،
ياويح ثعلبة،
ياويح ثعلبة» وأنزل الله تعالى آية الصدقة فبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجلا من بني سليم ورجل من جهينة وكتب لهما إتيان الصدقة وكيف يأخذان وقال لهما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «مرا بثعلبة بن حاطب ورجل من بني سليم فخذا صدقاتهما».

(6/184)


فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وقرءا له كتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال : ما هذه إلا جزية،
ما هذه إلا أخت الجزية،
انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي،
فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان ابله،
فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما زادها قالا : ما هذا عليك،
قال : خذاه فإن نفسي بذلك طيبة،
فمرا على الناس وأخذا الصدقات،
ثم رجعا إلى ثعلبة فقال : أروني كتابكما فقرأه ثم قال : ما هذه إلا جزية،
ما هذه الا أخت الجزية،
إذهبا حتى أرى رأيي،
قال : فأقبلا فلما رآهما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قبل أن يتكلما قال : «ياويح ثعلبة،
ياويح ثعلبة،
ياويح ثعلبة» ثم دعا للسلمي بخير فأخبراه بالذي صنع ثعلبة،
فأنزل الله فيه {ومنهم من عاهد الله ل ن ءاتانا من فضله لنصدقن} إلى قوله {وبما كانوا يكذبون} وعند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجل من أقارب ثعلبة فسمع قوله فخرج حتى أتاه فقال : ويحك ياثعلبة قد أنزل الله عز وجل فيك كذا وكذا،
فخرج ثعلبة حتى أتى النبي {صلى الله عليه وسلم} فسأله أن يقبل منه الصدقة.

(6/185)


فقال : «إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقتك» فجعل يحثي على رأسه التراب،
فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني» فلما نهى أن يقبض رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجع إلى منزله وقبض رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولم يقبض ولم يقبل منه شيئا ثم أتى أبا بكر (ح) حين استخلف فقال : قد علمت منزلتي من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} موضعي من الأنصار فاقبل صدقتي،
فقال أبو بكر : لم يقبلها منك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأنا أقبلها؟
فلم يقبل،
وقبض أبو بكر فلم يقبلها،
فلما ولي عمر (ح) أتاه فقال : يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي،
فقال : لم يقبلها منك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولا أبو بكر،
أنا لا أقبلها،
فقبض عمر ولم يقبلها،
ثم ولي عثمان فأتاه فسأله أن يقبل صدقته فقال : لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر،
أنا لا أقبلها منك،
فلم يقبلها منه وهلك في خلافة عثمان.
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة : أتى ثعلبة مجلسا من الأنصار فأشهدهم فقال : لئن آتاني الله من فضله أتيت منه كل ذي حق حقه،
وتصدقت منه،
ووصلت القرابة،
فمات ابن عم له فورثه مالا فلم يوف بما قال،
فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال مقاتل : مر ثعلبة على الأنصار وهو محتاج،
فقال : لئن آتاني الله من فضله لأصدقن ولأكونن من الصالحين فآتاه الله من فضله وذلك أن مولى لعمر بن الخطاب قتل رجلا من المنافقين خطأ فدفع النبي {صلى الله عليه وسلم} ديته إلى ثعلبة،
وكان قرابة المقتول فبخل ومنع حق الله فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
وقال الحسن ومجاهد : نزلت هذه الآية في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشيو وهما رجلان من بني عمرو بن عوف خرجا على ملأ قعود فقالا : والله لئن رزقنا الله لنصدقن،
فلما رزقهما الله تعالى بخلا.

(6/186)


وقال الضحاك : نزلت في رجال من المنافقين (نبتل) بن الحرث وجد بن قيس وثعلبة بن حاطب،
ومعتب بن قشير قالوا : لئن آتانا الله من فضله لنصدقن،
فلما آتاهم الله من فضله وبسط لهم الدنيا بخلوا به ومنعوا الزكاة.
وقال الكلبي : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة،
كان له مال بالشام فجهد لذلك جهدا شديدا فحلف بالله : لئن آتانا الله من فضله من رزقه يعني المال الذي بالشام لأصدقن منه ولأصلن ولآتين حق الله منه،
فآتاه الله ذلك المال فلم يفعل ما قال،
فأنزل الله عز وجل {ومنهم} يعني من المنافقين {من عاهدوا الله لئن آتانا الله من فضله لنصدقن} ولنوفين حق الله منه {ولنكونن من الصالحين} أي نعمل ما يعمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة الرحم والنفقة في الخير {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم} فأتبعهم،
وقيل فجازاهم ببخلهم. قال النابغة :

فمن أطاعك فانفعه بطاعته
كما أطاعك وادلله على الرشد
{نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه} حرمهم الله التوبة {بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} قال معبد بن ثابت : إنما هو (شيء) ظاهر في أنفسهم ولم يتكلموا به،
ألم تسمع قول الله عز وجل {ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجو اهم وأن الله علام الغيوب} ؟

عن مسروق عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا،
ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب،
وإذا وعد أخلف،
وإذا عاهد غدر،
وإذا خصم فجر».

(6/187)


الأشعث عن الحسن قال : قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن. إذا حدث كذب،
وإذا وعد أخلف،
إذا أؤتمن خان».
وقال عبد الله بن مسعود اعتبروا المنافق ثلاث : إذا حدث كذب،
وإذا وعد أخلف،
وإذا عاهد غدر،
أنزل الله تصديق ذلك في كتابه {ومنهم من عاهد الله} إلى قوله {كانوا يكذبون} ،
وهذا خبر صعب الظاهر. فمن لم يعلم تأويله عظم خطؤه وتفسيره.
أخبرني شيخي الحسن بن محمد بن الحسن بن جعفر،
قال : أخبرني أبي عن جدي الحسين بن جعفر،
قال : حدثنا محمد بن يزيد السلمي،
قال : حدثنا عمار بن قيراط عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال : كنت على قضاء سمرقند فقرأت يوما حديث المقبري عن أبي هريرة عن النبي {صلى الله عليه وسلم} «ثلاث من كن فيه فهو منافق : إذا حدث كذب،
وإذا أؤتمن خان،
وإذا وعد أخلف».
فتوزع فيه فكري وانقسم قلبي وخفت على نفسي وعلى جميع الناس وقلت من ينجو من هذه الخصال؟
(فأخللت) بالقضاء وأتيت بخارى وسألت علماءها فلم أجد فرجا،
فأتيت مرو فلم أجد فرجا،
فأتيت نيشابور فلم أجد عند علمائها فرجا،
فبلغني أن شهر بن حوشب بجرجان فأتيته وعرضت عليه قصتي وسألت عن الخبر،
فقال لي : لم (أكن) أنا (حين) سمعت هذا الخبر كالحبة على المقلاة خوفا فأدرك سعيد بن جبير فأنه متولد بالري فاطلبه وسله لعلك تجد لي ولك،
وسمعت أن عنده فرجا،
فأتيت الري وطلبت سعيدا فأتيته وعرضت عليه القصة وسألته عن معنى الخبر.

(6/188)


فقال : أنا كذلك خائف على نفسي منذ بلغني هذا الخبر،
وأنا خائف عليك وعلى نفسي من هذه الخصال : ولقد قاسيت وعانيت سفرا طويلا وبلايا فعليك بالحسن البصري فإني أرجو أنك تجد عنده لي ولك وللمسلمين فرجا،
فأتيت البصرة وطلبت الحسن وقصصت عليه القصة بطولها،
فقال رحم الله شهرا قد بلغها النصف من الخبر ولم يبلغهما النصف،
أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لما قال هذا الخبر شغل قلوب أصحابه (وهابوا) أن يسألوه،
فأتوا فاطمة وذكروا لها شغل قلوبهم بالخبر،
فأتت فاطمة خ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبرته شغل قلوب أصحابه،
فأمر سلمان فنادى الصلاة جامعة،
فلما اجتمعوا صعد المنبر فقال : «يا أيها الناس أما إني كنت قلت : ثلاث من كن فيه فهو منافق : إذا حدث كذب،
وإذا أؤتمن خان،
وإذا وعد أخلف،
ما عنيتكم بها،
إنما عنيت بها المنافقين،
إنما قولي : إذا حدث كذب فإن المنافقين أتوني وقالوا لي : والله إن إيماننا كإيمانك وتصديق قلوبنا كتصديق قلبك،
فأنزل الله عز وجل : {إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} الآية،
وأما قولي : إذا أؤتمن خان : فإن الأمانة الصلاة والدين كله أمانة،
قال الله تعالى : {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} وفيهم قال : {فويل للمصلين الذين هم عن صلوتهم ساهون} وأما قولي : إذا وعد أخلف،
فإن ثعلبة بن حاطب أتاني فقال : إني فقير ولي غنيمات فادع الله أن يبارك فيهن،
فدعوت الله فنمت وزادت حتى ضاقت الفجاج بها،
فسألته الصدقات فأبى علي وبخل بها،
فأنزل الله عز وجل {ومنهم من عاهد الله} إلى قوله {بمآ أخلفوا الله ما وعدوه} ».

(6/189)


فسر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكبروا وتصدقوا بمال عظيم.
وروى القاسم بن بشر عن أسامة عن محمد (المخرمي) قال : سمعت الحسن يقول : قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم : (من) إذا حدث كذب،
وإذا وعد أخلف،
وإذا ائتمن خان»

فقال الحسن : يا أبا سعيد والله لئن كان لرجل علي دين فلقيني فتقاضاني وليس عندي فخفت أن يحبسني ويهلكني فوعدته أن أقضيه رأس الهلال فلم أفعل أمنافق أنا ؟
هكذا جاء الحديث.
ثم حدث عن عبد الله بن عمرو أن أباه لما حضره الموت قال : زوجوا فلانا فإني وعدته أن أزوجه،
لا ألقى الله بثلث النفاق،
قال : قلت : يا أبا سعيد ويكون ثلث الرجل منافقا وثلثاه مؤمنا؟
قال : هكذا جاء الحديث.
قال محمد : فحججت فلقيت عطاء بن أبي رباح فأخبرته بالحديث الذي سمعته من الحسن وما الذي قلت له عن المنافق وما قال لي : فقال لي أعجزت أن تقول له : أخبرني عن إخوة يوسف ألم يعدوا أباهم فأخلفوه وحدثوه فكذبوه وائتمنهم فخانوه أفمنافقين كانوا ألم يكونوا أنبياء،
أبوهم نبي وجدهم نبي؟

(6/190)


فقلت لعطاء : يا أبا محمد حدثني بأصل هذا الحديث،
فقال : حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنما قال هذا الحديث في المنافقين خاصة الذين حدثوا النبي {صلى الله عليه وسلم} فكذبوه وائتمنهم على سره فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه،
قال : فخرج أبو سفيان من مكة فأتى جبريل فقال : إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا،
فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} «إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا» فكتب رجل من المنافقين إليه : إن محمدا يريد بعثكم فأنزل الله عز وجل {لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} وأنزل في المنافقين {ومنهم من عاهد الله لن ءاتانا} إلى قوله تعالى : {بما كانوا يكذبون} .قال : إذا أتيت الحسن فاقرأه مني السلام فأخبره أصل هذا الحديث وبما قلت لك.
فقدمت على الحسن وقلت : يا أبا سعيد إن أخاك محمدا يقرئك السلام،
فأخبرته بالحديث الذي حدث. فأخذ الحسن يدي فأحالها وقال : يا أهل العراق أعجزتم أن تكونوا مثل هذا،
سمع منا حديثا فلم يقبله حتى استنبط أصله،
صدق عطاء هكذا الحديث في المنافقين خاصة.

(6/191)


{الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم * استغفر لهم أو تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين * فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله وقالوا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون * فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزآء بما كانوا يكسبون * فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاست ذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين * ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون * ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها فى الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون * وإذآ أنزلت سورة أن ءامنوا بالله وجاهدوا مع رسوله است ذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين * رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم يفقهون * لاكن الرسول والذين ءامنوا معه

(6/192)


جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولائك لهم الخيرات وأولائك هم المفلحون * أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم * وجآء المعذرون من اعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم * ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم}

[التوبة : ]
{الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات}
قال أهل التفسير : حث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال : يا رسول الله مالي ثمانية آلاف فجئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله،
فأمسكت أربعة آلاف لعيالي. فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت».

(6/193)


فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى مات وعنده امرأتين يوم مات فبلغ ثمن مالهما مائة وستون ألف درهم لكل واحدة منهما ثمانون ألفا،
وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وستين وسقا من تمر،
وجاء أبو عقيل الأنصاري واسمه الحباب بصاع من تمر وقال : يا رسول الله بت ليلتي أجر بالجرير أحبلا حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن ينثره في الصدقات،
فلمزهم المنافقون،
وقالوا : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء،
ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع أبي عقيل،
ولكنه أحب أن يزكي نفسه ليعطي الصدقة فأنزل الله عز وجل : {الذين يلمزون} أي يعيبون ويغتابون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات.
وقال النضر بن شميل : هو الطيب نفسه في الصدقة يعني عبد الرحمن وعاصم.
{والذين يجدون إلا جهدهم} طاقتهم يعني أبا عقيل. قرأ عطاء والأعرج : جهدهم بفتح الجيم،
وهما لغتان مثل الجهد والجهيد،
والضم لغة أهل الحجاز،
والفتح لغة أهل نجد.
وكان الشعبي يفرق بينهما فيقول الجهد : في العمل والجهد في القوة،
وقال القتيبي في الجهد : الطاقة والجهد المشقة {فيسخرون منهم سخر الله منهم} أو جازاهم {ولهم عذاب أليم} .

(6/194)


روى ابن علية عن الحريري عن أبي العليل قال : وقف على الحجر رجل فقال : حدثني أبي أو عمي قال : شهدت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يقول : «من يصدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة». قال : وعلي عمامة لي فنزعت منها لوثا أو لوثين لأتصدق بها ثم أدركني بما يدرك ابن آدم فعصبت بها رأسي،
قال : فجاء رجل لا أرى بالبقيع رجلا أقصر قامة ولا أشد سواد ولا أدم منه يقود ناقة لم أر بالبقيع ناقة أحسن ولا أجمل منها. فقال : هي وما في بطنها صدقة يا رسول الله،
فألقى إليه بخطامها قال : فلمزه رجل جالس فقال : والله لم يتصدق بها ولهي خير منه. فنظر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال : «بل هو خير منك ومنها»،
يقول ذلك مليا فأنزل الله عزوجل هذه الآية ثم قال {استغفر لهم} يعني لهؤلاء المنافقين {أولا تستغفر لهم} لفظه (أمر ومعناه) جزاء تقديره : إن أستغفرت لهم أو لم تستغفر لهم {لن يغفر الله لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} والسبعون عند العرب غاية تستقصا بالسبعة،
والأعضاء،
والسبعة تتمة عدد الخلق،
كالسموات والأرض والبحار والأقاليم.

ورأيت في بعض التفاسير : إن تستغفر لهم سبعين مرة بأزاء صلواتك على (قبر) حمزة لن يغفر الله لهم.
قال الضحاك : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «إن الله قد رخص لي فسأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم».
فأنزل الله عز وجل : {سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} .

(6/195)


وذكر عروة بن الزبير أن هذه الآيات نزلت في عبد الله بن أبي حين قال لأصحابه : لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله،
ثم قال : {ل ن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن اعز منها اذل} . فأنزل الله تعالى {استغفر لهم} . فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} «لأزيدن على السبعين» فأنزل الله : {سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} فأبى الله أن يغفر لهم {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا لا يهدي القوم الفاسقين فرح المخلفون} عن غزوة تبوك {بمقعدهم} بقعودهم {خلاف رسول الله} قال قطرب والمؤرخ : يعني مخالفة لرسول الله حين سار وأقاموا،
وقال أبو عبيدة : يعني بعد رسول الله ( {صلى الله عليه وسلم} ).
وأنشد الحرث بن خالد :
عقب الربيع خلافهم فكأنما
بسط الشواطب بينهن حصيرا
أي بعدهم،
ويدل على هذا التأويل قراءة عمرو بن ميمون : خلف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} {وقالوا تنفروا فى الحر} وكانت غزوة تبوك في شدة الحر {قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} يعلمون ذلك،
هو في مصحف عبد الله {فليضحكوا قليلا} في الدنيا {وليبكوا كثيرا جزآء بما كانوا يكسبون} قال أبو موسى الأشعري : إن أهل النار ليبكون الدموع في النار حتى لو أجريت السفن من دموعهم لجرت،
ثم إنهم ليبكون الدم بعد الدموع ولمثل ماهم فيه فليبكي.

وقال ابن عباس : إن أهل النفاق ليبكون في النار عمر الدنيا فلا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.

(6/196)


شعبة عن قتادة عن أنس قال : قال أنس : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا كثيرا {فإن رجعك الله} رجعك الله من غزوة تبوك {إلى طآئفة منهم} يعني من المخلفين فإنما قال طائفة منهم لأنه ليس كل من تخلف عن تبوك كان منافقا {فاست ذنوك} في أن يكونوا في غزاة أخرى {فقل} لهم {لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا} عقوبة لهم على تخلفهم {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} بمعنى تخلفوا عن غزوة تبوك {فاقعدوا مع الخالفين} قال ابن عباس : الرجال الذين تخلفوا بغير عذر.
الضحاك : النساء والصبيان والمرضى والزمنى،
وقيل : مع الخالفين. قال الفراء : يقال : عبد خالف وتخالف إذ كان مخالفا،
وقيل : (ضعفاء) الناس ويقال : خلاف أهله إذ كان ذويهم،
وقيل مع أهل الفساد من قولهم : خلف الرجل على أهله يخلف خلوفا إذ فسد،
ونبيذ خالف أي فاسد (من قولك) : خلف اللبن خلوفا إذا حمض من طول وضعه في السقاء،
وخلف فم الصائم إذا تغيرت ريحه،
ومنه خلف سوء،
وقرأ مالك بن دينار : مع المخالفين.

(6/197)


{ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} قال المفسرون بروايات مختلفة : بعث عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو مريض فلما دخل عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال له : أهلكك يهود،
فقال : يارسول الله إني لم أبعث اليك لتؤنبني ولكن بعثت اليك لتستغفر لي وسأله أن يكفنه في قميصه ويصلي عليه،
فلما مات عبد الله بن أبي إنطلق ابنه إلى النبي (عليه السلام) ودعاه إلى جنازة أبيه فقال له النبي {صلى الله عليه وسلم} ما اسمك؟
قال : الحباب بن عبد الله فقال {صلى الله عليه وسلم} «أنت عبد الله بن عبد الله،
فإن الحباب هو الشيطان». ثم انطلق رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما قام قال له عمر بن الخطاب (ح) : يا رسول الله تصلي على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا وكذا،
وجعل يعد أيامه ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} يبتسم حتى إذا أكثر عليه قال : عني يا عمر إنما خيرني الله فاخترت،
قيل لي {استغفر لهم أو تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} هو أعلم فإن زدت على السبعين غفر له؟
؟
ثم شهده وكفنه في قميصه ونفث في جنازته ودلاه في قبره.

قال عمر (ح) : فعجبت من جرأتي على رسول الله ( {صلى الله عليه وسلم} ). فما لبث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلا يسيرا حتى نزلت {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} {ولا تقم على قبره} أي لا تصلي على قبره بمحل لا تتول دفنه : من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره.

(6/198)


{إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} فما صلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض،
وعير رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه».
قال الزجاج : فأسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الإستغفار بثوب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وذكروا أن النبي {صلى الله عليه وسلم} أسر إلى حذيفة أثني عشر رجلا من المنافقين فقال ستة يكفيهم الله بألف مائة شهاب من نار تأخذ كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره،
وستة يموتون موتا. فسأل عمر حذيفة عنهم فقال : ما أنا بمخبرك أحد منهم ما كان حيا. فقال عمر : يا حذيفة أمنهم أنا؟
قال : لا. قال : أفي أصحابي منهم أحد. فقال : رجل واحد. قال : قال : فكأنما دل عليهم عمر حتى نزعه من غير أن يخبره به.
{ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها} الآية {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم} الغني منهم جد بن قيس ومعتب بن قشير وأمثالهما {وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين} ورحالهم {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} يعني النساء {وطبع على قلوبهم وهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات} يعني الحسنات.
وقال المبرد : يعني الجواري الفاضلات. قال الله تعالى : {فيهن خيرات حسان} واحدها الخيرة وهي الفاضلة من كل شيء. قال الشاعر :

ولقد طعنت مجامع الربلات
ربلات هند خير الملكات

(6/199)


{وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم} الآية {وجآء المعذرون} قرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن والضحاك وحميد ويعقوب ومجاهد وقتيبة : المعذرون خفيفة،
ومنهم المجتهدون المبالغون في العذرة،
وقال الضحاك : هم رهط عامر بن الطفيل تخلفوا عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم تبوك خوفا على أنفسهم فقالوا : يا رسول الله إن نحن غزونا معك تغير أعراب طي على حلائلنا وأولادنا ومواشينا،
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لهم : «قد أنبأني الله من أخباركم وسيغنيني الله عنكم».
قال ابن عباس : هم الذين تخلفوا بغير إذن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأن الميم لا تدغم في العين،
وقرأ مسلمة : المعذرون بتشديد العين والذال ولا وجه لها لأن الميم لا يدغم في العين لبعد مخرجيهما،
وقرأ الباقون : بتشديد الذال،
وهم المقصرون.
يقال : أعذر في الأمر بالمعذرة وعذر إذا قصر.
وقال الفراء : أصله المعتذر فأدغمت التاء في الذال وقلبت حركة التاء إلى العين.
{وقعد الذين كذبوا الله} قراءة العامة بتخفيف الذال يعنون المنافقين،
وقرأ أبي والحسن : كذبوا الله بالتشديد {سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم} ثم ذكر أهل العذر فقال {ليس على الضعفآء} قال ابن عباس : يعني الزمنى والمشايخ والعجزة {ولا على المرضى ولا على الذين يجدون ما ينفقون} يعني الفقراء {حرج} إثم {إذا نصحوا الله ورسوله} في مغيبهم {ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم} .

(6/200)


{ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون * إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنيآء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم يعلمون * يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون * سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزآء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله يرضى عن القوم الفاسقين * اعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم * ومن اعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوآر عليهم دآئرة السوء والله سميع عليم * ومن اعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلات الرسول ألا إن ها قربة لهم سيدخلهم الله فى رحمته إن الله غفور رحيم * والسابقون الأولون من المهاجرين وانصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله

(6/201)


عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم * وممن حولكم من اعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم * وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وءاخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم * خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم * ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم * وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}

(6/202)


قال قتادة نزلت في عايد بن عمرو وأصحابه،
وقال الضحاك : في عبد الله بن زايد وهو ابن أم مكتوم وكان ضرير البصر فقال : يا نبي الله إني شيخ ضرير البصر خفيف الحال نحيف الجسم وليس لي فائدة هل لي رخصة في التخلف عن الجهاد؟

فسكت النبي {صلى الله عليه وسلم} فأنزل الله تعالى هذه الآية {ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم} نزلت في البكائين وكانوا سبعة : معقل بن يسار وصخر بن خنساء وهو الذي واقع امرأته في رمضان فأخبره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يكفر وعبد الله بن كعب الأنصاري وعلبة بن زيد الأنصاري وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن معقل أتوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال : يا نبي الله إن الله عز وجل قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزوا معك،
فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} {أجد مآ أحملكم عليه} فتولوا وهم يبكون فذلك قوله تعالى : {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} قال مجاهد : نزلت هذه الآية (في عبد الله وعبد الرحمن وعقيل والنعمان وسويد وسنان) {إنما السبيل على الذين يستأذوك} الآية {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم} أن نصدقكم {قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله} فيما بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} من المحسن والمسيء {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم} انصرفتم {إليهم} عندهم {لتعرضوا عنهم} (لتصفحوا عن

(6/203)


جرمهم ولا) تردونهم ولا تؤنبونهم
{فأعرضوا عنهم} ودعوهم وما اختاروا لأنفسهم من الشأن والمعصية {إنهم رجس} نجس،
قال عطاء : أن عملهم نجس {ومأواهم} في الآخرة {جهنم جزآء بما كانوا يكسبون} قال ابن عباس : نزلت في جد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين رجلا من المنافقين فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} «إذا قدموا المدينة لا تجالسوهم ولا تكلموهم».

وقال مقاتل : نزلت في عبد الله بن أبي حلف النبي {صلى الله عليه وسلم} بالذي لا إله إلا هو أن لا يرضى عنهم بعدها،
وليكون معه على عدوه وطلب إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} أن يرضى عنه فأنزل الله عز وجل هذه الآية {يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين الأعراب} يعني أهل البدو {أشد كفرا ونفاقا} من أهل الحضر {وأجدر} أحرى وأولى {ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم} قال قتادة : هم أقل علما بالسنن.

(6/204)


وروى الأعمش عن إبراهيم قال : جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو مع أصحابه وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند فقال الأعرابي : والله ما أدري إن حديثك ليعجبني وإن يدك لترعبني فقال : أي يد من يدي إنها الشمال،
فقال الأعرابي : والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال؟
فقال زيد بن صوحان : صدق الله {اعراب أشد كفرا ونفاقا} الآية {ومن اعراب من يتخذ ما ينفق مغرما} قال عطاء : لا يرجو على إعطائه ثوابا ولا يخاف على إمساكه لها إنما ينفق خوفا رياء {ويتربص بكم الدوآر} يعني صروف الزمان التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر. قال : أن متى ينقلب الزمان عليكم فيموت الرسول ويظهر المشركون {عليهم دآئرة السوء} قرأ ابن كثير وابن محصن ومجاهد وأبو عمرو بضم السين ههنا وفي سورة الفتح،
ومعناه الشر والضر والبلاء والمكروه،
وقرأ الباقون على الفتح بالمصدر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم في هذه الآية {من اعراب} أسد وغطفان وتميم واعراب حاضري المدينة ثم استثنى فقال {ومن اعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر} مجاهد : هم بنو مقرن من مزينة وقال الضحاك : يعني عبد الله ذا النجادين ورهطه.

[التوبة : ]

(6/205)


وقال الكلبي أسلم وغفار بنو جهينة {ويتخذ ما ينفق قربات عند الله} جمع قرابة {وصلات الرسول} يعني دعاءه واستغفاره {ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم،
والسابقون الأولون من المهاجرين} الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا منازلهم وأوطانهم {وانصار} الذين نصروا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على أعدائه من أهل المدينة وأيدوا أصحابه وقد كانوا آمنوا قبل أن يهاجروا إليهم بحولين {والذين اتبعوهم بإحسان} يعني الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة.
وقال عطاء : هم الذين يذكرون المهاجرين بالوفاء والترحم والدعاء ويذكرون مجاورتهم ويسألون الله أن يجمع بينهم.

(6/206)


وروي أن عمر بن الخطاب (ح) قرأ : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان برفع الواو وحذف الواو من الذين،
قال له أبي بن كعب : إنما هو والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وإنه قد كررها مرارا ثلاثة،
فقال له : إني والله لقد قرأتها على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والذين اتبعوهم بإحسان،
وإنك يومئذ شيخ تسكن ببقيع الغرقد،
قال : حفظتم ونسينا وتفرغتم وشغلنا وشهدتم وغبنا ثم قال عمر لأبي : أفيهم الأنصار؟
قال : نعم ولم يستأ من الخطاب ومن ثم قال عمر : قد كنت أظن إنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا فقال أبي : بلى،
تصديق ذلك أول سورة الجمعة وأواسط سورة الحشر وآخر سورة الأنفال. قوله : {وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم} إلى آخره وقوله تعالى : {والذين جآءو من بعدهم} إلى آخر الآية،
وقوله : {والذين آمنوا من بعده وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} ،
وقرأ الحسن وسلام ويعقوب : {وانصار} رفعا عطفا على السابقين ولم يجعلوهم منهم وجعلوا السبق للمهاجرين خاصة والمقاسة على الخبر نسقا على المهاجرين.
واختلف العلماء في السابقين الأولين من هم. فقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين : هم الذين صلوا القبلتين جميعا.
وقال عطاء بن أبي رباح : هم الذين شهدوا بدرا.
وقال الشعبي : هم الذين شهدوا حجة الرضوان.
واختلفوا أيضا في أول من آمن برسول الله {صلى الله عليه وسلم} بعد امرأته خديجة بنت خويلد مع اتفاقهم أنها أول من آمن بالنبي {صلى الله عليه وسلم} وصدقته. فقال بعضهم : أول ذكر آمن برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وصلى معه علي بن أبي طالب (ح) وهو قول ابن عباس وجابر وزيد بن أرقم ومحمد بن المنكدر وربيعة الرأي وأبي حازم المدني.

(6/207)


وقال الكلبي : أسلم علي وهو ابن تسع سنين،
وقال مجاهد وابن إسحاق : أسلم وهو ابن عشر سنين.
وقال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال : كان نعمة الله على علي ابن أبي طالب (ح) وما صنع الله له وأراد به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله للعباس وكانا من أيسر بني هاشم : «يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفيهما عنه».
فقال العباس : نعم،
فانطلقا حتى أتيا أبا طالب (فقالا : إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب) : إن تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عليا كرم الله وجهه فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا يضمه إليه فلم يزل علي (ح) مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي (ح).
فآمن به وصدقه ولم يزل جعفر مع العباس ذ حتى أسلم واستغنى عنه().

(6/208)


وروى إسماعيل بن أياس بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف قال : كنت أمرءا تاجرا فقدمت مكة أيام الحج فنزلت على العباس بن عبد المطلب وكان العباس لي صديقا وكان يختلف إلى اليمن يشتري القطن فيبيعه أيام الموسم،
فبينما أنا والعباس بمنى إذ جاء رجل شاب حين حلقت الشمس في السماء فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فلبث مستقبلها،
حتى جاء غلام فقام عن يمينه فلم يلبث أن جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب وركع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه فرفع فرفع الغلام والمرأة فقلت : يا عباس أمر عظيم فقال : أمر عظيم. فقلت : ويحك ما هذا؟
فقال : هذا ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يزعم أن الله تعالى بعثه رسولا وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه،
وهذا الغلام ابن أخي علي بن أبي طالب،
وهذه المرأة خديجة بنت خويلد زوجة محمد قد تابعاه على دينه،
ما على ظهر الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء.

قال عبد الله الكندي بعدما رسخ الإسلام في قلبه : ليتني كنت رابعا. فيروي أن أبا طالب قال لعلي (ح) : أي بني ما هذا الذي أنت عليه قال : آمنت بالله ورسوله وصدقته فيما جاء وصليت معه لله. فقال له : أما أن محمدا لا يدعو إلا إلى خير فالزمه.
وروى عبد الله بن موسى عن العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله قال : سمعت عليا يقول : أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر،
صليت قبل الناس بسبع سنين.
وقال بعضهم : أول من أسلم بعد خديجة أبو بكر (ح) وهو قول إبراهيم النخعي وجماعة يدل عليه ما روى أبو أمامة الباهلي عن عمرو بن عنبسة قال : أتيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو نازل بعكاظ،
قلت : يا رسول الله من تبعك في هذا الأمر؟
قال {صلى الله عليه وسلم} «اتبعني رجلان حر وعبد أبو بكر وبلال» فأسلمت عند ذلك،
فلقد رأيتي إذ ذاك ربع الإسلام.v

(6/209)


قال : وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول : سمعت أبا الحسن علي بن عبد الله البدخشي يقول سمعت أبا هريرة مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي يقول : سمعت غياث بن معاذ يقول : سمعت وكيع بن الجراح يقول : عن إسماعيل بن خالد عن الشفهي قال : قال رجل لابن عباس : من أول الناس إسلاما قال : أبو بكر (ح) أما سمعت قول حسان بن ثابت :
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة
فاذكر أخاك أبابكر بما فعلا
خير البرية أزكاها وأعدلها
بعد النبي وأوفاها بما حملا
الثاني التالي المحمود مشهده
وأول الناس منهم صدق الرسلا
قال بعضهم : أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة،
وهو قول الزهري وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس،
وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي جمع بين الأخبار فيقول : أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة.
قال ابن إسحاق : فلما أسلم أبو بكر الصديق (ح) أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله. قال : وكان أبو بكر رجلا مؤالفا لقومه محبا سهلا وكان أنسب قريش لقريش،
وأعلم قريش بها وبما كان منها من خير أو شر،
وكان رجلا (ناجيا) ذا خلق ومعروف،
وكان رجال قومه يهابونه ويأتونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته،
فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه،
فأسلم على يديه فيما بلغني عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبد الله،
فجاء بهم إلى رسول الله (ح) حين استجابوا له فأسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الاسلام من المهاجرين.

(6/210)


فأما سباق الأنصار فأهل بيعة العقبة الأولى فكانوا سبعة،
والثانية كانوا سبعين،
والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد الدار فعلمهم القرآن،
فهو أول من جمع الصلاة بالمدينة وكانت الأنصار تحبه فأسلم معه سعد بن معاذ وعمرو بن الجموح وبنو عبد الأشهل كلهم وخلق من النساء والصبيان،
وكان مصعب بن عمير صاحب راية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم بدر ويوم أحد وكان وقى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بنفسه يوم أحد حيث انهزم الناس،
وبقي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى نفذت المشاقص في جوفه،
فاستشهد يومئذ فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «عند الله أحتسبه ما رأيت قط أشرف منه لقد رأيته بمكة وإن عليه بردين ما يدري ما قيمتهما وإن شراك نعليه من ذهب،
وإن عن يمينه غلامين وعن يساره غلامين بيد كل واحد منهما (جفنة) من (طعام) يأكل ويطعم الناس،
فآثره الله بالشهادة».

(6/211)


وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا (أهديت إليه طرفة حناها) لمصعب بن عمير فأنزل الله تعالى فيه : {وأما من خاف مقام ربه} الآية،
وأخذ أخوه يوم بدر أسيرا فقال : أنا أبو غدير بن عمير أخو مصعب فلم يشدد من الوثاق مع الأسرى وقالوا : هذا الطريق فاذهب حيث شئت،
فقال : إني أخاف أن تقتلني قريش فذهبوا به إلى (...) فيمد يده بالخبز والتمر وكان يمد يده إلى التمر ويدع الخبز،
والخبز عند أهل المدينة أعز من التمر،
والتمر عند أهل مكة أعز من الخبز فلما أصبحوا حدثوا مصعب بن عمير وقالوا له : أخوك عندنا وأخبروه بما فعلوا به. فقال : ما هو لي بأخ ولا كرامة،
فشدوا وثاقه فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليا فأرسلت أمه في طلبه ثم أقبل يوم أحد فلما رأى أخاه مصعب بن عمير. قال في نفسه : والله لا يقتلك غيري فما زال حتى قتله وفيه أنزل الله تعالى : {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى} ثم جمعهم في الثواب فقال {ج ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} وقرأ أهل مكة : من تحتها الأنهار (وكذا هو في مصاحفهم) {خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم} .
قال الحسن بن الفضل : والفرق بينهما أن قوله {تجري من تحتها الأنهار} معناه تجري من تحت الأشجار،
وقوله : تجري من تحتها أي ينبع الماء من تحتها ثم تجري من تحت الأشجار.

(6/212)


وروي في هذه الآية أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لمعاذ بن جبل : «أين السابقون؟
» قال معاذ : قد مضى ناس فقال : السابقون المستهترون بذكر الله من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله تعالى {وممن حولكم من اعراب منافقون} نزلت في مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار وكانت منازلهم حول المدينة {ومن أهل المدينة} فيه اختصار وإضمار تقديره ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق،
أي مرنوا وتربوا عليه يقال : تمرد فلان على ربه ومرد على معصيته أي مرن وثبت عليها واعتادها ومنه : تمريد ومارد وفي المثل : تمرد مارد وعز الإباق،
وقال ابن إسحاق : لجوا فيه وأبوا غيره،
وقال ابن زيد وابان بن تغلب : أقاموا عليه ولم يتوبوا كما تاب الآخرون،
وأنشد الشاعر :
مرد القوم على حيهم
أهل بغي وضلال وأشر
{تعلمهم} أنت يا محمد {نحن نعملهم} قال قتادة في هذه الآية : ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون فلان في الجنة وفلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال : لا أدري أخبرني أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه الأنبياء قبلك قال نبي الله نوح (عليه السلام) : {وما علمى بما كانوا يعملون} وقال نبي الله شعيب (عليه السلام) : {ومآ أنا عليكم بحفيظ} وقال الله لنبيه عليه السلام : {تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين} واختلفوا في هذين العذابين وروي عن أبي مالك عن ابن عباس قال : قام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خطيبا يوم الجمعة فقال : «أخرج يا فلان فإنك منافق. اخرج يا فلان فإنك منافق».
فأخرج من المسجد ناسا وفضحهم فهذا العذاب الأول،
والثاني عذاب القبر.

(6/213)


وقال مجاهد : بالجوع وعذاب القبر،
وعنه أيضا : بالجوع والقتل وعنه بالجوع مرتين،
وعنه : بالخوف والقتل.
وقال قتادة : عذاب الدنيا وعذاب القبر،
وفيه قصة الأثني عشر في حديث حذيفة.

وقال ابن زيد : المرة الأولى المصائب في الأموال والأولاد،
والمرة الأخرى في جهنم.
وقال ابن عباس : إن المرة الأولى إقامة الحدود عليهم والثاني عذاب القبر.
قال الحسن : إحدى المرتين أخذ الزكاة من أموالهم والأخرى عذاب القبر،
فيقول تفسيره في سورة النحل {ثم يردون إلى عذاب عظيم} .
وقال ابن إسحاق : هو ما يدخل عليهم في الإسلام،
ودخولهم من غير حسبة ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها ثم العذاب العظيم في الآخرة والخلد فيه.
وفي بعض التفاسير : الاولى ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم والأخرى عذاب القبر.
وقيل : تفسيره في سورة النحل {زدناهم عذابا فوق العذاب} .
وقال مقاتل بن حيان : الأول بالسيف يوم بدر والثاني عند الموت.
معمر عن الزهري عن الحسن قال : عذاب النبي وعذاب الله. يعني بعذاب النبي {صلى الله عليه وسلم} قوله تعالى : {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} . قال عطاء : الأمراض في الدنيا والآخرة فإن من مرض من المؤمنين كفر الله سيئاته ومحض ذنوبه فأبدله لحما من لحمه ودما كثيرا من دمه وأعقبه ثوابا عظيما،
ومن مرض من المنافقين زاده الله نفاقا وإثما وضعفا كما قال في هذه السورة : {أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام} يريد أنهم يمرضون في كل عام مرة أو مرتين فيردون إلى عذاب عظيم شديد فظيع.
وقال الربيع : بلايا الدنيا وعذاب الآخرة ثم يردون الى عذاب عظيم عذاب جهنم.
وقال إسماعيل بن زياد : أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار،
والثاني عند البعث يوكل بهم عتق من النار.

(6/214)


وقال الضحاك : مرة في القبر ومرة في النار،
وقيل : المرة الاولى بإحراق مسجدهم مسجد ضرار والثانية بإحراقهم بنار جهنم،
وقيل : مرة بإنفاق أموالهم ومرة بقتلهم بالسيف إن أظهروا مافي قلوبهم.
{وءاخرون} يعني ومن أهل المدينة آخرون أو من الأعراب وليس براجع إلى المنافقين {اعترفوا} أقروا بك وبربهم {خلطوا عملا صالحا} وهو إقرارهم وتوبتهم {وءاخر سيئا} أي بعمل سيء وضع الواو موضع الياء فكما يقال : إستوى الماء والخبث أي بالخبث وخلطت الماء واللبن أي باللبن فالعمل السيء تخلفهم عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وتركهم الجهاد {عسى الله أن يتوب عليهم} وعسى ولعل من الله واجب وهما حرف ترج.

[التوبة : ]
{إن الله غفور رحيم} نزلت هذه الآية في قوم كانوا تخلفوا عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في غزوة تبوك ثم ندموا عليه وتذمموا،
وقالوا : نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الجهاد والله لنوثقن أنفسنا بالقيود في أيدينا حتى يكون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هو الذي يطلقنا أو يعذبنا،
وبقوا أنفسهم بسواري المسجد فلما رجع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مر بهم فرآهم فقال : من هؤلاء؟
قالوا : تخلفوا عنك فعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وتعذرهم،
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم،
رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين» فأنزل الله تعالى هذه الآية،
فلما نزلت أرسل إليهم النبي {صلى الله عليه وسلم} فأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا.

(6/215)


فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» فأنزل الله عزوجل : {خذ من أموالهم صدقة} الآية.
واختلفوا في أعداد هؤلاء الناس وأسمائهم فروى علي بن ابي طلحة عن ابن عباس قال : كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة،
وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم أبو (منية) : منهم هلال وأبو لبابة وكردم ومرداس وأبو قيس،
وقال قتادة والضحاك : كانوا سبعة منهم جد بن قيس وأبو لبابة وجدام وأوس،
كلهم من الانصار.
وقال عطية عن ابن عباس : كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة،
وقال آخرون : نزلت في أبي لبابة واختلفوا في ذنبه. فقال مجاهد : نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين قال لقريظة : إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى رقبته،
وقد مضت القصة في سورة الأنفال. فندم وتاب فأقر بذنبه فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
قال الزهري : نزلت في تخلفه عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية فقال : والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي. فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه فأنزل الله تعالى {وءاخرون اعترفوا بذنوبهم} الآية فقيل له : قد تيب عليك يا أبا لبابة فقال : والله لا أحل نفسي منها حتى يكون رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هو الذي يحلني،
فجاء النبي {صلى الله عليه وسلم} فحله بيده،
ثم قال أبو لبابة : يا رسول الله إن من توبتي أن أبر دار قومي التي أصبت بها الذنب وأن انخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله،
فقال : «يجزيك يا أبا لبابة الثلث».

قالوا جميعا : وأخذ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} منهم ثلث أموالهم وترك الاثنين لأن الله عز وجل قال : {خذ من أموالهم} ولم يقل : أموالهم،
فلذلك لم يأخذ كلها.

(6/216)


وقال الحسن وقتادة : هؤلاء سوى الثلاثة الذين تخلفوا
{تطهرهم بها} من ذنوبهم والقراءة بالرفع حالا لاجوابا،
أي خذ من أموالهم صدقة مطهرة ومزكية كقول الحطيئة :
متى تأته تعشو الى ضوء ناره
تجد خير نار عندها خير موقف
وقرأ مسلمة بن محارب : تطهرهم وتزكيهم بالجزم على الجواب،
وقرأ الحسن : تطهرهم خفيفة من أطهر تطهير {وتزكيهم} أي تطهرهم،
وقيل : تصلحهم،
وقيل : ترفعهم من منازل المنافقين الى منازل المخلصين،
وقيل : هي أموالهم.
{وصل عليهم} أي استغفر لهم وادع لهم،
وقيل : هو قول الوالي إذا أخذ الصدقة : آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت،
والصلاة في اللغة الدعاء ومنه قول النبي {صلى الله عليه وسلم} «إذا دعي أحدكم الى طعام فليجبه فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل» أي فليدع،
وقال الأعشى :
وقابلها الريح في دنها
وصلي على دنهاوارتسم
أي دعا لها بالسلامة والبركة.
وقال أيضا :
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا
يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي
نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
{إن صلاتك} قرأ أهل الكوفة : صلاتك على الواحد هاهنا وفي سورة هود والمؤمنين بإضماره.
أبو عبيد قال : لأن الصلاة هي من الصلوات،
وروى ذلك عن ابن عباس،
ألا تسمع الله يقول : {وأن أقيموا} فهذه صلاة الأبد،
والصلوات للجمع كقوله : صليت صلوات أربع وخمس صلوات،
وقرأ الباقون كلها بالجمع واختاره أبو حاتم،
قال : ومن زعم أن الصلوات من الصلاة لأن الجمع بالتاء قليل فقد غلط،
لأن الله تعالى قال : {مانفدت كلمات الله} {وصدقت بكلمات ربها} لم يرد القليل.

[التوبة : ]
{سكن لهم} قال ابن عباس : رحمة لهم،
وقال قتادة : وقار لهم،
وقال الكلبي : طمأنينة لهم إن الله قد قبل منهم،
وقال معاذ : تزكية لهم منك،
أبو عبيدة : تثبيت.

(6/217)


{والله سميع عليم} شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن أبي أوفى،
وكان من أصحاب الشجرة : أن النبي {صلى الله عليه وسلم} إذا أتاه قوم بصدقاتهم قال : «اللهم صل عليهم»،
فأتيته بصدقتي فقال : «اللهم صل على أبي أوفى» قال ابن عباس : ليس هذا صدقة الفرض،
إنما هو كصدقة كفارة اليمين،
وقال عكرمة : هو صدقة الفرض. فلما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يذنبوا متخلفين : هؤلاء كانوا بالأمس معنا لايكلمون ولايجالسون فما لهم؟
فقال الله عز وجل : {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} الآية ومعنى أخذ الصدقات. قبولها.
الشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال : سمعت أبا القاسم {صلى الله عليه وسلم} قال : «والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب قوته ولا يقبل الله (عمله) ولا يصعد الى السماء إلا طيب إلا كان إنما يضعها في يدي الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى أن (اللقمة) لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم». ثم قرأ : {أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} ،
وتصديق ذلك في كتاب الله المنزل {يمحق الله الربواا ويربى الصدقات} إلى قوله {بما كنتم تعملون} .
وقال مجاهد : هذا وعيد لهم،
وفي الخبر : لو أتى عبد الله في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله الى الناس كائنا ما كان.

[التوبة : ]
{سكن لهم} قال ابن عباس : رحمة لهم،
وقال قتادة : وقار لهم،
وقال الكلبي : طمأنينة لهم إن الله قد قبل منهم،
وقال معاذ : تزكية لهم منك،
أبو عبيدة : تثبيت.

(6/218)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية