صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الخلفة من خلف كالركبة من ركب . وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر . والمعنى : جعلهما ذوي خلفة أي : ذوي عقبة أي يعقب هذا ذاك وذاك هذا . ويقال : الليل والنهار يختلفان كما يقال : يعتبان . ومنه قوله : " واختلاف الليل والنهار " البقرة : 164 ، آل عمران : 190 ، الجاثية : 5 ويقال : بفلان خلفه واختلاف . إذا اختلف كثيرا إى متبرزة . وقرئ : يذكر ويذكر . وعن أبي بن كعب رضي الله عنه : يتذكر . والمعنى لينظر في اختلافهما الناظر فيعلم أن لا بد لانتقالهما من حال إلى حال وتغيرهما من ناقل ومغير . ويستدل بذلك على عظم قدرته ويشكر الشاكر على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار كما قال عز وعلا : " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " القصص : 73 أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر . وعن الحسن رضي الله عنه : من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر . وعن الحسن رضي الله عنه : من فاته عمله م التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب . ومن فاته بالليل : كان له في النهار مستعتب
: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " " وعباد الرحمن " مبتدأ خبره في آخر السورة كأنه قيل : وعباد الرحمن الذين هذه صفاتهم أولئك يجزون الغرفة . ويجوز أن يكون خبره " الذين يمشون " وأضافهم إلى الرحمن تخصيصا وتفضيلا . وقرئ : وعباد الرحمن وقرئ : يمشون هونا حال أو صفة للمشي بمعنى : هينين . أو : مشيا هينا ؛ إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة . والهون : الرفق واللين . ومنه الحديث : أحبب حبيبك هونا ما وقوله : المؤمنون هينون لينون والمثل : إذا عز أخوك فهن . ومعناه : إذا عاسر فياسر . والمعنى : أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق ولقوله : " ويمشون في الأسواق " الفرقان : 20 . " سلاما " تسليما منكم لا نجاهلكم ومتاركة لا خير بيننا ولا شر أي نتسلم منكم تسليما فأقيم السلام مقام التسلم . وقيل : قالوا سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإثم . والمراد بالجهل : السفه وقلة الأدب وسوء الرعة من قوله :
ألا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وعن أبي العالية : نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ذلك لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة وأسلم للعرض والورع
" والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما " البيتوتة : خلاف الظلول وهو أن يدركك الليل نمت أو لم تنم وقالوا : من قرأ شيئا من القرآن في صلاته وإن قل فقد بات ساجدا وقائما . وقيل : هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو بأكثره . يقال : فلان يظل صائما يبيت قائما
" والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرا ومقاما " " غراما " هلاكا وخسرانا ملحا لازما قال :
ويوم النسار ويم الجفا ... ركبانا عذابا وكانا غراما
وقال :
إن يعاقب يكن غراما وإن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي
ومنه : الغريم : لإلحاحه ولزامه . وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذانا بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله تعالى في صرف العذاب عنهم كقوله تعالى : " والذين يؤتون ما آتوا قلوبهم وجلة " المؤمنون : 60 . " ساءت " في حكم بئست وفيها ضمير مبهم يفسره مستقرا والمخصوص بالذم محذوف ومعناه : ساءت مستقرا ومقاما هي . وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبرا لها . ويجوز أن يكون " ساءت " بمعنى : أحزنت . وفيها ضمير اسم إن و " مستقرا " حال أو تمييز والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين ومترادفين وأن يكونا من كلام الله وحكاية لقولهم
" والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما "

(1/869)


قرئ : يقتروا بكسر التاء وضمها . ويقتروا بتخفيف التاء وتشديدها . والقتر والإقتار والتقتير : التضييق الذي هو نقيض الإسراف . والإسراف : مجاوزة الحد في النفقة . ووصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير . وبمثله أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم " ولا تجعل بدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط الإسراء : 29 وقيل : افسراف إنما هو الإنفاق في المعاصي فأما في القرب فلا إسراف . وسمع رجل رجلا يقول : لا خير في الإسراف . فقال : لا إسراف في الخير وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه شكر عبد الملك بن مروان حين زوجه ابنته وأحسن إليه فقال : وصلت الرحم وفعلت وصنعت وجاء بكلام حسن فقال ابن لعبد الملك : إنما هو كلام أعده لهذا المقام فسكت عبد الملك فلما كان بعد أيام دخل عليه والأبن حاضر فسأله عن نفقته وأحواله فقال : الحسنة بين السيئتين فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه : يا بني أهذا مما أعده ؟ وقيل : أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم كانوا لا يأكلون طعاما للتنعيم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة ولكن كانوا ما يسد جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم ويلبسون ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحر والقر وقال عمر رضي الله عنه : كفى سرفا أن لا يشتهي رجل شيئا إلا اشتراه فأكله . والقوام : العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما . ونظير القوام من الاستقامة : السواء من الاستواء . وقرئ : قواما بالكسر وهو ما يقام به الشيء . يقال : أنت قوامنا بمعنى ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص والمنصوبان أعني " بين ذلك قواما " : جائز أن يكونا خبرين معا وأن يحتمل بين ذلك لغوا وقواما مستقرا . وأن يكون الظرف خبرا وقواما حالا مؤكدة . وزأجاز الفراء أن يكون " بين ذلك " اسم كان على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كقوله : لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت وهو من جهة الإعراب لا بأس به ولكن المعنى ليس بقوى : لأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة
" والذين لا يدعون مع الله إلاها ساخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنزن ومن يفعل ذلك يلق أثاما سضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وءامن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " " حرم الله " أي حرمها . المعنى : حرم قتلها . و " إلا بالحق " متعلق بهذا القتل المحذوف . أو ب لا يقتلون ونفي هذه المقبحات العظام عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل : والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه . والقتل بغير الحق : يدخل فيه الوأد وغيره . وعن ابن مسعود رضي الله عنه : قلت : يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا هو خلقك قلت ثم أي أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك قلت ثم أي قال : أن تزني حليلة جارك فأنزل الله تصديقه . وقرئ : يلق فيه أثاما . قرئ : يلقى بإثبات الألف وقد مر مثله . والآثام : جزاء الإثم بوزن الوبال والنكال ومعناهما قال :
جزى الله ابن عروة حيث أمسى ... عقوقا والعقوق له أثام
وقيل هو الإثم ومعناه : يلق جزاء اثام . وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه : أياما أي شدائد . يقال : يوم ذو أيام : لليوم العصيب . " يضاعف " بدل من يلق ؛ لأنهما في معنى واحد . كقوله :
متى تأتينا تلم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا

(1/870)


وقرئ : يضعف ونضعف له العذاب بالنون ونصب العذاب . وقرئ بالرفع على الاستئتاف أو على الحال كذلك " ويخلد " وقرئ : ويخلد على البناء للمفعول مخففا ومثقلا من الإخلاد والتخليد . وقرئ : وتخلد بالتاء على الالتفاف " يبدل مخفف ومثقل من الإخلاء والتخليد . وقرئ : وتخلد بالتاء على الالتفات " يبدل " مخفف ومثقل وكذلك سيئاتهم . فإن قلت : ما معنى مضاعفة العذاب وإبدال السيئات حسنات ؟ قلت : إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعا فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه . وإبدال السيئات حسنات : أنه يمحوها بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات : الإيمان والطاعة والتقوى . وقيل : يبدلهم بالشرك إيمانا . وبقتل المسلمين : قتل المشركين وبالزنا : عفة وإحصانا
" ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا " يريد : ومن يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل عليها ويدخل في العمل الصالح فإنه بذلك تائب إبلى الله " متابا " مرضيا عنده مكفرا للخطايا محصلا للثواب . أو فإنه تائب متابا إلى الله الذي يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يستوجبون والذي يحب التوابين ويحب المتطهرين . وفي كلام بعض العرب : لله أفراح بتوبة إلى الله تعالى وإلى ثوابه مرجعا حسنا وأي مرجع
" والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما " يحتمل أنهم ينفرون عن محاضرة الكاذبين ومجالس الخاطائين فلا يحضرونها ولا يقربونها تنزها عن مخالطة الشر وأهله وصيانة لدينهم لدينهم عما يثلمه : لأن مشاهدة الباطل شركة فيه ولذلك قيل في النظارة إلى كل ما لم تسوغه الشريعة : هم شركاء فاعلية في الإثم ؛ لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا به وسبب وجوده والزيادة فيه ؛ لأن الذي سلط على فعله هو استحسان النظرة ورغبتهم في النظر إليه وفي مواعظ عيسى بن مريم عليه السلام : إياكم ومجالسه الخاطئين . أنهم لا يشهدون شهادة الزور فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . وعن قتادة : مجالس الباطل . وعن ابن الحنفية : اللهو والغناء . وعن مجاهد : أعياد المشركين . " وإذا مروا باللغو مروا كراما " اللغو : كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح . والمعنى : وإذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به . مروا معرضين عنهم مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم والخوض معهم كقوله تعالى : " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلي " القصص : 55 وعن الحسن رضي الله عنه : لم تسفههم المعاصي . وقيل : إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا . وقيل : إذا ذكروا النكاح كنوا عنه
" والذين إذا ذكروا بءايات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا " " لم يخروا عليها " ليس بنفي للخرور . وإنما هو إثبات له ونفس للصمم والعمى كما تقول : لا يلقاني زيد مسلما هو نفي للسلام لا للقاء . والمعنى : أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها . وأقبلوا على المذكر بها وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذن واعية مبصورن بعيون راعية لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها مظهرين الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم العميان حيث لا يعونها ولا تبصرون ما فيها كالمنافقين وأشباههم
" والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما "

(1/871)


قرئ : ذريتنا وذرياتنا . وقرة أعين وقرات أعين . سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجا وأعقابا عمالا لله بسرون بمكانهم وتقر بهم عيونهم وهم محمد بن كعب : ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هو الولد إذا رآه يكتب الفقه . وقيل : سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم لهم سرورهم واجعلنا للمتقين إماما . أراد : أئمة فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كقوله تعالى : " ثم يخرجوكم طفلا " غافر : 67 أو أرادوا : اجعل كل واحد منا إماما . أو أراد جمع آم كصائم وصيام . أو أرادوا اجعلنا إماما واحدا لاتحادنا واتفاق كلمتنا . وعن بعضهم : في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها . وقيل : نزلت هذه الآيات في العشرة المبشرين بالجنة . فإن قلت : " من " في قوله : " من أزواجنا " ما هي ؟ قلت : يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل : هب لنا قرة أعين ثم بينت القرة وفسرت بقوله : من أزواجنا وذرياتنا . ومعناه : أن يجعلهم الله لهم قرة أعين وهو من وقلهم : رأيت منك أسدا أي : أنت أسد وأن تكون ابتدائية على معنى : هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وصلاح . فإن قلت : لم قال " قرة أعين " فنكر وقلل ؟ قلت : اا التنكير فلأجل تنكير القرة ؛ لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه كأنه قيل : هب لنا منهم سرورا وفرحا . وإنما قيل : " اعين " دون عيون ؛ لأنه أراد أعين المتقين . هي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم . قال الله تعالى : " وقليل من عبادي الشكور " سبأ : 13 ، ويجوز أن يقال في تنكير " أعين " أنها أعين خاصة وهي أعين المتقين
" أولئك يجزون الغرفة بما صبورا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما " المراد يجزون الغرفات وهي العلالي في الجنة فوحد اقتصارا على الواحد الدال على الجنس والدليل على ذلك قوله : " وهم في الغرفات آنوا " سبأ : 37 وقراءة من قرأ : في الغرفة " بما صبروا " بصبرهم على الطابعات وعن الشهوات وعن أذى الكفار ومجاهدتهم وعلى الفقر وغير ذلك . وغطلاقه لأجل الشياع في كل مصبور عليه . يلقون وقرئ : يلقون كقوله تعالى : " ولقاهم نضرة وسرورا " الإنسان : 11 ويلقون كقوله تعالى : " يلق أثاما " الفرقان : 68 . والتحية : دعاء بالتعمير . والسلام : دعاء بالسلامة يعني أن الملائكة يحيونهم ويسلمون عليهم . أو يحيى بعضهم بعضا ويسلم عليه أو يعطون التبقية والتخليد مع السلامة عليهم . أو يحيى بعضهم بعضا ويسلم عليه أو يعطون التبقية والتخليد مع السلامة عن كل آفة . اللهم وفقنا لطاعتك واجعلنا مع أهل رحمتك وارزقنا مما ترزقهم في دار رضوانك
" قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما "

(1/872)


لما وصف عبادةو العباد وعدد صالحاتهم وحسناتهم واثنى عليهم من أجلها ووعدهم الرفع من درجاتهم في الجنة : أتبع ذلك بيان أنه إنما اكترث لأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم ووعدهم ما وعدهم لأجل عبادتهم فأمر رسوله أن يصرخ للناس ويجزم لهم القول بأن الاكتراث لهم عند ربهم إنما هو للعبادة وحدها لا لمعنى آخر ولولا عبادتهم لم يكترث لهم البتة ولم يعتد بهم ولم يكونوا عنده شيء يبالي به . ولولا عبادتهم لم يكترث لهم البتة ولم يعتد بهم ولم يكونوا عنده شيء يبالي به والدعاء : العبادة . و " ما " متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر كأنه قيل : وأي عبء يعبأ بكم لولا دعائكم . يعني أنكم لا تستأهلون شيئا من العبء بكم لولا عبادتكم . وحقيقة قولهم ما عبأت به : ما اعتددت به من فوادح همومي ومما يكون عبئا علي كما تقول : ما اكترثت له أي : ما اعتددت به من كوارثي ومما يهمني . وقال الزجاج في تأويل " ما يعبؤا بكم ربي " : أي وزن يكون لكم عنده ؟ ويجوز أن تكون " ما " نافية " فقد كذبتم " يقول : إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتد بعبادي إلا عبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم في النار . ونظيره في الكلام أن يقول الملك لمن استعصى عليه : إن من عادتي أن عصيانك . وقيل : معناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام . وقيل : ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة فإن قلت : إلى من يتوجه هذا الخطاب ؟ قلت : ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة فإن قلت : إلى من يتوجه هذا الخطاب ؟ قلت : إلى الناس على ألإطلاق ومنهم مؤمنون عابدون ومكذبون عاصون فخوطبوا بما وجدوا في جنسهم م العبادة والتكذيب . وقرئ فقد كذب الكافرون وقبل يكون العذاب لزاما . وعن مجاهد رضي الله عنه : هو القتل يوم بدر أنه لوزم بين القتلى لزاما . وقرئ : لزاما بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت . والوجه أن ترك اسم كان غير منطوق به بعدما علم أنه مما توعد به لأجل الأبهام وتناول ما لا يكتنهه الوصف والله أعلم بالصواب
عن رسول الله صلى الله عليه و سلم : من قرأ الفرقان لقي الله يوم القيامة وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير نصب
سورة الشعراء
مكية وهي مائتان وسبع وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
" طسم تلك ءايات الكتاب المبين " " طسم " بتفخيم الألف وإمالتها وإظهار النون وإدغامها " الكتاب المبين " الظاهر إعجازه وصحة أنه م عند الله والمراد به السورة أو القرآن والمعنى : آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين
" لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين " ابخع : أي يبلغ بالذبح البخاع بالباء وهو عرق نستبطن الفقار وذلك أقصى حد الذبح ولعل للإشقاق يعني : أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك " ألا يكونوا مؤمنين " لئلا يؤمنوا او لامتناع إيمانهم أو خفية أن يؤمنوا . وعن قتادة رضي الله عنه : باخع نفسك على الإضافة
" إن نشأ تنزل عليهم من السماء ءاية فظلت أعناقهم لها خاضعون " أراد : آية ملجئة إلى الإيمان قاصرة عليه . " فظلت " معطوف على الجزاء الذي هو ننزل لأنه لو قيل : أنزلنا لكان صحيحا . ونظيره : فأصدق وأكن كأنه قيل : أصدق . وقد قرئ : لو شئنا لأنزلنا . وقرئ : فتظل أعناقهم فإن قلت : كيف صح مجئ خاضعين خبرا عن الأعناق قلت : أصل الكلام : فظلوا لها خاضعين فاقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الكلام على أصله كقولهم : ذهبت أهل اليمامة كأن الأهل غير مذكور . أو لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل : خاضعين كقوله تعالى : " لي ساجدين " يوسف : 4 . وقيل : أعناق الناس : رؤساؤهم ومقدماتهم شبهوا بالأعناق كما قيل لهم هم الرؤوس والنواصي والصدور . قال : في محفل من نواصي الناس مشهود وقيل : جماعات الناس . يقال : جاءنا عنق من الناس لفوج منهم . وقرئ : فظلت أعناقهم لها خاضعة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية . قال : ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة
" وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا يه يستهزءون "

(1/873)


أي : وما يجدد لهم الله بوحيه موعظة وتذكيرا إلا جددوا إعراضا عنه وكفرا به . فإن قلت : كيف خولف بين الألفاظ والغرض واحد وهي الإعراض والتكذيب والاستهزاء ؟ قلت : إنما خولف بينهما لاختلاف الأغراض كأنه قيل : حين أعرضوا عن الذكر فقد كذبوا به يوحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره وصار عرضه للإستهزاء والسخرية ؛ لأن من كان قابلا للحق مقبلا عليه كان مصدقا به لا محالة ولم يظن به التكذيب . ومن كان مصدقا به كان موقرا له " فسيأتيهم " وعيد لهم وإنذار بأنهم سيعلمون إذا مسهم عذاب الله بوم بدر أو يوم القيامة " ما " الشيء الذي كانوا يستهزؤون به وهو القرآن وسيأتيهم أنباؤه وأحواله التي كانت خافية عليهم
" أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم " وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم والكريمك صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه ويقال : وجه كريم إذا رضي في حسنه وجماله وكاب كريم : مرضي في معانيه وفوائده وقال : حتى يشق الصفوف من كرمه أي : من كونه مرضيا في شجاعنه وبأسه . والنبات الكريم : المرضي فيما يتعلق به من المنافع " إن في " إناب تلك الأصناف " لأية " على أن منيبها قادر على إجياء الموتى وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم غير مرجو إيمانهم " وإن ربك لهو العزيز " فيانتقامه من الكفرة " الرحيم " لمن تاب وآمن وعمل صالحا . فإن قلت : ما معنى الجمع بين كم وكل ولو قيل : : م أنبتنا فيها من زوج كريم ؟ قلت : قد دل " كل " على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل و " كم " على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة فهذا معنى الجمع بينهما وبه نبه على الكمال قدرته . فإن قلت : فما معنى وصف الزوج بالكريم ؟ قلت : يحتمل معنيين أحدهما : أن النبات على نوعين : نافع وضار فذكر كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وخلى ذكر الضار . الثاني : أن يعم جميع النبات نافعة وضاره . ويصفها جميعا بالكرم وينبه على أنه ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة لأن الحكيم لا يفعل فعلا إلا لغرض صحيح ولحكمة بالغة وإن غفل عنها الغافلون ولم يتوصل إلى معرفتها العاقلون . فإن قلت : فحين ذكر الأزواج ودل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكانت بحيث لا يحصيها إلا علم الغيب كيف قال : " إن في ذلك لآية " وهلا قال : آيات ؟ قلت : فيه وجهان : أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر أنبتنا فكأنه قال : إن في ألإنبات لآية أي آية . وأن يراد : أن في كل واحدة من تلك الأزواج لآية . وقد سبقت لهذا الوجه نظائر
" وإذ نادى ربك موسى أن أثت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون "

(1/874)


سجل عليهم بالظلم بأن قدم القوم الظالمين ثم عطفهم عليهم عطف البيان كأن معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون وكأنهما عبارتان تعقبان على مؤدى واحد : إن شاء ذاكرهم عبر عنهم بالقوم الظالمين وإن شاء عبر بقوم فرعون . وقد استحقوا هذا الاسم من جهتين : من جهة ظلمهم أنفسهم بالكفر وشرارتهم ومن جهة ظلمهم لبني إسرئيل باستبعادهم لهم . قرئ : ألا يتقون بكسر النون بمعنى : ألا يتقونني : فحذفت النون لاجتماع النونين والياء للكتفاء بالكسرة . فإن قلت : بما تعلق قوله : ألا يتقون ؟ قلت : هو كلام مستأنف أتبعه عز و جل إرساله إليهم للإنذار والتسجيل عليهم بالظلم . تعجيبا لموسى من حالهم التي شنعت في الظلم والعسف ومن أمنهم العواقب وقلة خوفهم وحذرهم من أيام الله . ويحتمل أن يكون " ألا يتقون " حالا من الضمير في الظالمين أي : يظلمون غير متقين الله وعقابه فأدخلت همزة الإنكار على الحال . وأما من قرأ : ألا تتقون . على الخطاب . فعلى طريقة الالتفاف إليهم وجبههم وضرب وجوههم بالإنكار والغضب عليهم كما ترى من يشكو من ركب جناية إلى بعض أخصائه والجاني حاضر فإذا اندفع في الشكاية وحر مزاجه وحمى غضبه قطع مباثة صاحبه وأقبل على الجاني يوبخه ويعنف به ويقول به : ألم تتق الله ألم تستح من الناس . فإذا قلت : فما فائدة هذا الإلتفات والخطاب مع موسى عليه الصلاة و السلام في وقت المناجاة والملتفت إليهم غيب لا يشعرون ؟ قلت : إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم لأنه مبلغه ومنهيه وناشره بن الناس وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبرا لها واعتبارا بموردها . وفي " ألا يتقون " بالياء وكسر النون وجه آخر وهو أن يكون المعنى : ألا يا ناس اتقون كقوله : " ألا يسجدوا " النمل : 25
" قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون " ويضيق وينطلق بالرفع ؛ لأنهما معطوفان على خبر إن وبالنصب لعطفهما على صلة أن . والفرق بينهما في المعنى : أن الرفع يفيد أن فيه ثلاث علل : خوف التكذيب ي وضيق الصدر وامتناع انطلاق اللسان والنصب على أن خوفه متعلق بهذه الثلاثة . فإن قلت : في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة وفي جملتها نفي انطلاق اللسان . وحقيقة الخوف إنما هي غم يلحق الإنسان لأمر سيقع وذلك كان واقعا فكيف جاز تعليق الخوف به ؟ قلت : قد علق الخوف بتكذيبهم بوما يحصل له بسببه من ضيق الصدر والحسبة في اللسان زائدة على ما كان به على أن تلك الحسبة التي كانت به قد زالت بدعوته . وقيل : بقيت منها بقية يشيرة . فإن قلت : أعتذارك هذا يرده الرفع لأن المعنى : إني خائف ضيق الصدر غير منطلق اللسام . قلت : يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي به ويجوز أن لا يكون مع حل العقدة من لسانه م الفصحاء المصاقع الذين أوتوا سلاطة الألسنة وبسطة في غير هذا الموضع وقد أحسن في الاختصار حيث قال : " فأرسل إلى هارون " فجاء بما يتضمن معنى الاسنباء ومثله في تقصير الطويلة والحسن قوله تعالى : " فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا " الفرقان : 36 حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أولها وآخرها وهما الإنذار والتدمير ودل بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها وهو أنهم قوم كذبوا بآيات الله فأراد الله إلزام الحجة عليهم فبعث إليهم رسولين فكذبوهما فأهلكهم . فإن قلت : كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يأمره الله بأمر فلا يتقبله بسمع وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل وقد علم أن الله من ورائه ؟ قلت : قد امتثل وتقبل ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه حتى يتعاونا على تنفيذ أمره وتبليغ رسالته فمهد قبل التماسه عذره فيما التمسه ثم التمس بعد ذلك وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر : ليس بتوقف في امتثال الأمر ولا بتعلل فيه ؛ وكفى بطلب الوعن دليلا على النقبل لا على التعلل
" ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون "

(1/875)


أراد بالذنب : قتله القبطي . وقيل : كان خباز فرعون واسمه فاتون . يعني : ولهم علي تبعة ذنب وهي قود ذلك القتل فأخاف أن يقتلوني به فحذف المضاف . أو سمي تبعية الذنب ذنبا كما سمى جزاء السيئة سيئة . فإن قلت : قد أبيت أن تكون تلك الثلاث عللا وجعلتها تمهيدا للعذر فيما التسمية فما قولك في هذه الرابعة ؟ قلت : هذه استدفاع ما جاء بعده من كلمة الردع والموعد بالكلاءة والدفع
" قال كلا فأذهبا بءاياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا م عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل " جمع الله له الاستجابتين معا في قوله : كلا فاذهبا " لأنه استدفعه بلاءهم فوعده الدفع بردعه عن الخوف والتمس منه الموازرة بأخيه فأجابه بقوله : " فاذهبا " أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هارون . فإن قلت : علام عطف قوله : " فاذهبا " ؟ قلت : على الفعل الذي يدل عليه " كلا " : انه قيل : ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون . وقوله : " معكم مستمعون " من مجاز الكلام يريد : أنا لكما ولعدوكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه . فأظهركما وأغلبكما وأكسر شوكته عنكما وأنكسه . ويجوز أن يكونا خبرين لأن أو يكون " مستمعون " مستقرا و " معكم " لغوا . فإن قلت : لم جعلت " مستمعون " قرينة " معكم " في كونه من باب المجاز والله تعالى يوصف على الحقيقة بأنه سميع وسامع ؟ قلت : ولكن لا يوصف بالمستمع على الحقيقة ؛ لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية . ومنه قوله تعالى : " قل أوحي إلي أنه استمع نفر م الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجيبا " الجن : 1 ويقال : استمع إلى حديثه أي : اصغى إليه وأدركه بحاسة السمع . ومنه قوله صلى الله عليه و سلم : من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه البرم . فإن قلت : هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله : " إنا رسولا ربك " طه : 47 ؟ قلت : الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة فجعل ثم بمعنى المرسل فلم يكن بد من تثنيته وجعل ههنا بمعنى الرسالة فجاز التسوية فيه - إذا وصف به - بين الواحد والتثنية والجمع كما يفعل بالصفة بالمصادر نحو : صوم وزور . قال :
ألكني إليها وخبر الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر
فجعله للجماعة . والشاهد في الرسول بمعنى الرسالة قوله :
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول

(1/876)


ويجوز أن يوحد لأن حكمهما لتساندهما واتفاقهما على شريعة واحدة واتحادهما لذلك وللأخوة كان حكما واحدا فكأنهما رسول واحد . أو أريد أن كل واحد منا " أن أرسل " بمعنى : أي أرسل ؛ لتضمن الرسول معنى الإرسال . وتقول : أرسلت إليك أن أفعل كذا لما في الإرسال من معنى القول كما في المناداة والكتابة ونحو ذلك . ومعنى هذا الإرسال : التخلية والإطلاق كقولك : أرسل البازي يريد : خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين وكانت مسكنها . ويروي أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب : إن ههنا إنساسا يزعم أنهخ رسول رب العالمين فقال : ائذن له لعلنا نضحك منه فأديا إليه الرسالة فعرف موسى فقال له : " ألم نربك " حذف : فأتيا فرعون فقالا له ذلك لأنه معلوم لا يشتبه . وهذا النوع من الاختصار كثير في التنزيل . الوليد : الصبي لقرب عهده من الولادة . ولبثت فينا من عمرك وفي رواية عن أبي عمرو : من عمرك بسكون الميم " سنين " قيل : مكث عندهم ثلاثين سنة . وقيل : وكز القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة وفر منهم على أثرها والله أعلم بصحيح ذلك . وعن الشعبي : فعلتك بالكسر وهي قتلة القبطي لأنه قتلة بالوكز وه ضرب من القتل . وأما الفعلة ؛ فلأنها كانت وكزة واحدة . عدد عليه نعمته من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه وعظم ذلك وفظعه بقوله : " وفعلت التي فعلت وأنت من الكافرين " يجوز أن يكون حالا أي : قتلته وأنت لذاك من الكافرين بنعمتي . أو أنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة وقد افترى عليه أو جهل أمره ؛ لأنه كان يعايشهم بالتقية فإن الله تعالى عاصم من يريد أن يستنبئه من كبيرة ومن بعض الصغائر فما بال الكفر . ويجوز أن يكون قوله : " وأت من الكافرين " حكما عليه بأنه من الكافرين بالنعم ومن كانت عادته كفران النعم لم يكن قتل خواص المنعم عليه بدعا منه . أو بأنه من الكافرين لفرعون وإلهته . أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم فقد كانت لهم آلهة يعبدونهم يشهد لذلك قوله تعالى : " ويذرك وآلهتك " الأعراف : 127 وقرئ : إلهتك فأجابه موسى بأن تلك الفعلة إنما فرطت منه وهو " من الضالين " أي الجاهلين . وقراءة ابن مسعود : من الجاهلين مفسرة . ولامعنى : من الفاعلين فعل أولى الجهل واسفه . كما اقل يوسف لإخوته : " هل علمتهم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون " يوسف : 89 أو المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل . أو الذاهبين عن الصواب . أو الناسين من قوله : " أن تضل إحدهما فتذكر إحداهما الأخرى " البقرة : 282 وكذب فرعون ودفع الوصف بالكفر عن نفسه وبرأ ساحته بأن وضع الضالين موضع الكافرين ربئا بمحل من رشح للنبوة عن تلك الصفة ثم كر على امتنانه عليه بالتربية فأبطله من أصله واستأصله من سنخه وأبي أن يسمى نعمته إلا نقمة . حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل ؛ لأن تعبيدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه إذا حققت وتعبيدهم : تذليلهم واتخاذهم عبيدا . يقال : عبدت الرجل وأعبدته إذا اتخذته عبدا . قال :
علام يعبدني قومي وقد كثرت ... فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان
فإن قلت : إذا جواب وجزاء معا والكلام وقع جوابا لفرعون فكيف وقع جزاء ؟ قلت : قول فرعون : " وفعلت فعلتك " فيه معنى : إنك جازيت نعمتي بما فعلت فقال به موسى : نعم فعلتها مجازيا لك تسليما لقوله لأن نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء . فإن قلت : لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله بدليل قوله : " إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك " القصص : 20 وأما الامتنان فمنه وحده . وكذلك التعبيد . فإن قلت : " تلك " إشارة إلى ماذا و " أن عبدت " ما محلها من الإعراب ؟ قلت : تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بتفسيرها وحل " أ عبدت " . ألرفع عطف بيسان لتلك ونظيره قوله تعالى " وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع " الحجر : 66 والمعنى : تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي . وقال الزجاج : ويجوز أن يكون " أن " في موضع نصب المعنى : إنما صارت نعمة علي لأن عبدت بني إسائيل ؛ أي : لو لم تفعل ذلك لكلفني أهلي ولم يلقوني في اليم
" قال فرعون وما رب العالمين "

(1/877)


لما قال له بوابه إن ههنا من يوعم أنه رسول رب العالمين قال له تد دخوله : " وما رب العالمين " يريد : أي شيء رب العالمين . وهذا السؤال لا يخلو : إما أن يريد به أي شيء هو من الأشياء التي شوهدت وعرفت أجناسها فأجاب بما يستدل به عليه من أفعاله الخاصة ليعرفه أنه ليس بشيء مما شوهد وعرف من الأجرام والأعراض وأنه شيء مخالف لجميع الأشياء " ليس كمثله شيء " الشورى : 11 وإما أن يريد به : أي شيء هو على الإطلاق تفتيشا عن حقيقته الخاصة ما هي فأجابه بأن الذي إليه سبيل وهو الكافي في معرفته معرفة ثباته بصفاته استدلالا بأفعاله الخاصة على ذلك . وأما التفتيش عن حقيقته الخاصة التي هي فوق فطر العقول فتفتيش عما لا سبيل إليه والسائل عنه متعنت غير طالب للحق . والذي يليق بحال فرعون ويدل عليه الكلام : أن يكون سؤاله هذا إنكارا لأن يكون للعالمين رب سواه لادعائه الإلهية فلما أجاب موسى بما أجاب عجب قومه من جوابه حيث نسب الربوبية إلى غيره فلما ثنى بتقرير قوله جننه إلى قومه وطنز به حيث سماه رسولهم . فلما ثلث بتقرير آخر : احتد واحتدم وقال : لئن أتخذت إلها غيري . وهذا يدل لعى صحة هذا الوجه الأخير
" قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين " فإن قلت : كيف قيل : " وما بينهما " على التثنية والمرجوع إليه مجموع ؟ قلت : أريد وما بين الجنسين فعل بالمضمر ما فعل بالظاهر من قال : في الهيجا جمالين فإن قلت : ما معنى قوله : " إن كنتم موقنين " وأين عن فرعون وملئه الإيقان ؟ قلت : معناه إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب وإلا لم ينفع أو أن كنتم موقنين بشيء قط فذا أولى ما توقنون به لطهوره وإنارة دليله
" قال لمن حوله ألا تستمون قال ربكم ورب ءابائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون " فإن قلت : ومن كان حوله ؟ قلت : أشراف قومه قيل : كانوا خمسمائة رجل عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة . فإن قلت : ذكر السموات والأرض وما بينهما قد استوعب به الخلائق كلها فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب ؟ قلت : قد عمم أولا ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم . لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع والناقل من هيئة إلى هيئة وحال إلى حال من وقت ميلاده إلى وقت وفاته ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما استدل به ؛ ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الله عن الاحتجاج بالاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمروذ بن كنعان فبهت الذي كفر . وقرئ : رب المشارق والمغارب . الذي أرسل إليكم بفتح الهمزة . فإن قلت : كيف قال اولا : " إن كنتم موقنين " وآخرا " إن كنتم تعقلون " ؟ قلت : لأين اولا فلما رأى منهم شدة الشكيمة في العناد قلة افصغاء إلى عرض الحجج خاشن وعارض : إن رسولكم لمجنون بقوله : " إن كنتم تعقلون "
" قال لئن اتخذت إلاه غيري لأجعلنك من المسجونين " فإن قلت : ألم يكن : لأسجننك أحضر من " لأجعلنك من المسجونين " ومؤديا مؤداه ؟ قلت : أما أخضر فنعم . وأما مؤد مؤداه فلا ؛ لأن معناه : لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني . وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة المعق فردا لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذك أشد من القتل وأشد
" قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين " الواو في قوله : " أولو جئتك " واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام . معناه : أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين أي : جائيا بالمعجزة . وفي قوله : " إن كنت من الصدقين " أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق في دعواه لأن المعجزة تصديق من الله لمدعي النبوة والحكيم لا يصدق الكاذب . ومن العجب - أن مثل فرعون لم يخف عليه وخفي على ناس من أهل القبلة حيث جوزوا القبيح على الله تعالى حتى لزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات وتقديره : إن كنت من الصادقين في دعواك أتيت به فحذف الجزاء لأن الأمر بالإتيان به يدل عليه
" فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين "

(1/878)


" ثعبان مبين " ظاهر الثعبانية لا شيء يشبه الثعبان كما تكون الأشياء المزورة بالشعوذة والسحر . وروي أنها انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون وجعلت تقول : يا موسى مرني بما شئت . ويقول فرعون : أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها فأخذها فعادت عصا " للناظرين " دليل على أن بياضها كان شيئا يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة وكان بياضا نوريا . روي أن فرعون لما أبصر الآية الأولى قال : فهل غيرها ؟ فأخرج يده فقال له : ما هذه ؟ قال : يدك فما فيها ؟ فأدخلها في إبطة ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشى الأبصار ويسد الأفق
" قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون " فإن قلت : ما العالم في " حوله " ؟ قلت : هو منصوب نصبين : نصب في اللفظ ونصب في المحل ؛ فالعامل في النصب اللفظي ما يقدرفي الظرف والعامل في النصب المحلي وهو النصب على الحال . قال : ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين وبقي لا يدري أي طرفيه أطول حتى زل عنه ذكر دعوى الإلهية وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية وارتعدت فرائصه وانتفخ سحره خوفا وفرقا ؛ وبلغت به الاستكانة لقومه الذيسن هم بزعمه عبيده وهو إلههم : أن طفق يؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه وتوقعه وأحسش به من جهة موسى عليه السلام وغلبته على ملكه وأرضه وقوله : " إن هذا الساحر عليم " قول باهت إذا غلب ومتمحمل إذا لزم " تأمرون " من المؤامرة وهي المشاورة . أو من ألأمر الذي هو ضد النهي : جعل العبيد آمرين وربهم مأمورا لما استولى عليه من فرط الدهش والحيرة . وماذا منصوب : إما لكونه في معنى المصدر وإما لأنه مفعول بهمن قوله : أمرتك الخير
" قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتون بكل سحار عليم " قرئ : أرجئه وأرجه : بالهمز والتخفيف وهما لغتان . يقال : أرجأته وأرجيته إذا أخرته . ومنه : المرجئة وهم الذين لا يقطعون بوعيد الفساق ويقولون : هم مرجئون لأمر الله . والمعنى : أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة . وقيل : احبسه " حاشرين " شرطا يحشرون السحرة وعارضوا قوله : إن هذا لساحر بقولهم : بكل سحار فجاؤوا بكلمة الإحاطة وصفة المبالغة ليطامنوا من نفسه ويسكنوا بعض قلقه . وقرأ الأعمش : بكل ساحر
" فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا تتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين " اليوم المعلوم : يوم الزينة . وميقاته : وقت الضحى ؛ لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى صلوات الله عليه من يوم الزينة في قوله : " موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى " طه : 59 والميقات : ما وقت به أي حدد من زمان أو مكان . ومنه : مواقيت الإحرام " هل أنتم مجتمعون " استبطاء لهم في الاجتماع والمراد منه : استعجالهم واستحاثهم كما يقول الرجل لغلامه : هل أنت منطلق : إذا اراد أن يحرك منه ويحثه على الانطلاق كأنما يخيل له أن الناس قد انطلقوا وهو واقف . ومنه قول تأبط شرا :
هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن مخراق
يريد : ابعثه إلينا سريعا ولا تبطئ به " لعلنا نتبع السحرة " أي في دينهم إن غلبوا موسى ولا نتبع موسى في دينه . وليس غرضهم اتباع السحرة وإنما الغرض الكلي : أن لا يتبعوا موسى فساقوا الكلام مساق الكناية ؛ لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبيعين لموسى عليه السلام
" فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين " وقرئ : نعم بالكسر وهما لغتان . ولما كان قوله : " أين لنا لأجرا " في معنى جزاء الشرط لدلالته عليهي وكان قوله : " وإنكم إذا لمن المقربين " معطوفا عليه ومدخلا في حكمه دخلت إذا قارة في مكانها الذي تقتضيه من الجواب والجزاء وعدهم أن يجمع لهم إلى الثواب على سحرهم الذي قدروا أنهم يغلبون به موسى : القربة عنده والزلفى
" قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا فرعون إنا لنحن الغالبون " أقسموا بعزة فرعون وهي من أيمان الجاهلية وهكذا كل حلف بغير الله ولا يصح في الإسلام إلا الحلف بالله معلقا ؟ ببعض أسمائه أو صفاته كقولك : بالله والرحمن وربي ورب العرش وعزة الله وقدرة الله وجلال الله وعظمة الله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :

(1/879)


لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالطواغيت ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا أنتم صادقون . ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم جاهلية نسيب لها الجاهلية الأولى وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها وصفاته على شيء : لم يقبل منه ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف
" فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فألقى السحرة ساجدين قالوا ءامنا برب العالمين رب موسى وهارون " " ما يأفكون " ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم ويزورونه فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى بالتمويه على الناظرين أو إفكهم : سمى تلك الأشياء إفكا مبالغة . روي أنهم قالوا : إن يك ما جاء به موسى سحرا فلن يغلب وإن كام من عند الله فلن يخفى علينا فلما قذف عصاه فتلقفت ما أتوا به علموا أنه من الله فآمنوا . وعن عكرمة رضي الله عنه : أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء . وإنما عبر عن الخرور بالإلقاء لأنه ذكر مع الإلقاءات فسلك به طريق المشاكلة . وفيه أيضا مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا . فإن قلت : فاعل الإلقاء مع هو لو صرح به ؟ قلت : هو الله عز وحل بما خولهم من التوفيق . أو إيمانهم . أو ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن تقدر فاعلا ؛ لأن " ألقوا " بمعنى خروا وسقطوا " رب موسى وهارون " عطف بيان لرب العالمين لأن فرعون لعنه الله عليه كان يدعي الربوبية فارادوا أن يعزلوه . ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام : أنه الذي يدعو إليه هذانن والذي أجرى على أيدهما ما أجرى
" قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين " " فلسوف تعلمون " أي وبال ما فعلتم
" قالوا لا ضير لنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين " الضر والضير والضور : واحد أرادوا : لا ضرر علينا في ذلك بل لنا فيه أعظم النفع لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله من تكفير الخطايا والثواب العظيم مع الأعواض الكثيرة . أو لا ضير علينا فيما تتوعدنا به من القتل أنه لا بد لنا من افنقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت . والقتل أهون أسبابه وأرجاها . أو ضير علينا في قتلك إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته ويرجو رحمته لما رزقنا من السبق إلى الإيمان وخبر " لا " مذوف . والمعنى : لاضير في ذلك أو علينا " أن كنا " معناه : لأن كنا وكانوا أول جماعة مؤمنين من أهل زمانهم أو من رعية فرعون أو من أهل المشهد . وقرئ إن كنا بالكسر وهو من الشرط الذي يجئ به المدل بأمره المتحقق لصحته وهم كانوا متحققين أنهم أول المؤمنين . ونظيره قول العامل لمن يؤخر جعله : إن كنت عملت لك فوفني حقي ومنه قوله تعالى : " إن كنتم رخجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي " الممتحنة : 1 مع علمه أنهم لم يخرجوا إلا لذلك
" وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون فأرسل فرعون في لامدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لغائظون وإنا لجميع خالدون "

(1/880)


قرئ : أسر بقطع الهمزة ووصلها . وسر : إنكم متبعون " علل الأمر بالأسراع باتباع فرعون وجنوده آثارهم . والمعنى : أني بنيت تدبير أمركم وأمرهم على أن تتقدموا ويتبعوكم حتى يدخلوا مدخلك ويسلكوا مسلككم من طريق البحر فأطلقه عليهم فأهلكهم . وروي : أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه وروي : أن الله عز و جل أوحى إلى موسى : أن اجمع بني إسرائيل يكل أربعة أبيات في بيت ثم اذبحوا الجداء . واضربوا بدمائهم على أبوابكم فإني سآمر الملائكة أن لا يدخلوا بيتا على بابه دم وسآمرهم بقتل أبكار القبط واخبزوا فطيرا فإنه أسرع لكم ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري فأرسل فرعون في جميع عظيم وكانت مقدمته سبعمائة ألف : كل رجل على حصات وعلى رأسه بيضة . وعن ابن عباس رض الله عنهما : خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث فلذلك استقل قوم موسى عليه السلام وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا وسماهم شرذمة قليلين " إن هؤلاء " محكي بعد قول مضمر . والشرمة : الطائفة القليلة . ومنها قولهم : ثوب شراذم للذي بلى وتقطع قطعا ذكرهم بالاسم الدال على القلة . ثم جعلهم قليلا بالوصف ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلا واختار جمع السلامة الذي هو للقلة وقد يجمع القليل على أقلة وقلل . ويجوز أن يريد بالقلة : الذلة والقماءة ولا يريد قلة العدد . والمعنى : أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده ؛ وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه . وقرئ : حذرون وحاذرون وحادرون بالدال غير المعجمة . فالحذر : اليقظ والحاذر : الذي يجدد حذره . وقيل : المؤدي في السلاح وإنما يفعل ذلك حذرا واحتياطا لنفسه . والحادر : السمين القوي . قال :
أحب الصبي السوء من أجل أمه ... وأبغضه من بغضها وهو حادر
أراد أنهم أقوياء أشداء . وقيل مدججون في السلاح قد كسبهم ذلك حدارة في أجسامهم
" فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل فأتبعوهم مشرقين " وعن مجاهد : سماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى . والمقام : المكان يريد : المنازل الحسنة والمجالس البهية . وعن الضحاك : المنابر . وقيل السر في الحجال " كذلك " يحتمل ثلاثة أوجه : النصب على أخرناهم مثل ذلك المقام الذي كان لهم . وصفناه . والجر على أنه وصف لمقام أي : مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم . والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي : الأمر كذلك . " فأتبعوهم " فلحقوهم . وقرئ : فاتبعوهم " مشرقين " داخلين في وقت الشروق من شرقت الشمس شروقا إذا طلعت
" فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدكورين قال كلا إن معي ربيي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطور العظيم وأزلفنا ثم الأخرين " " سيهدين " طريق النجاة من إدراكهم وإضرارهم . وقرئ فلما تراءت الفئتان إنا لمدركون بتشديد الدال وكسر الراء من أدراك الشيء إذا تتابع ففني . ومنه قوله تعالى : " بل ادراك علمهم في الآخرة " النمل : 66 قال الحسن : جهلوا علم الآخرة وفي معناه بيت الحماسة :
أبعد بني أمي الذين تتابعوا ... أرجى الحياة أم من الموت أجزع
والمعنى : إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد . الفرق : الجزء المتفرق منه . وقرئ : كل فلق والمعنى واحد . الطود : الجبل العظيم المنطاد في السماء " وأزلفنا ثم " حيث انفلق البحر " الأخرين " قوم فرعون أيك قربناهم من بني إسرائيل : أو أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد أو قدمناهم إلى البحر . وقرئ : وأزلفنا بالقاف أي : أزللنا أقدامهم . والمعنى : أذهبنا عزهم كقوله :
تداركتما عبسا وقد ثل عرشها ... وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل
ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على خلاف ما جلعه لبني إسرائيل يبسا فيزلقهم فيه
" وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الأخرين "

(1/881)


عن عطاء بن السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون فكان يقول لبني إسرائيل : لسيلحق آخركم بأولكم . ويستقبل القبط فيقول : رويدكم يلحق آخركم . فلما انتهى موسى عليه السلام إلى البحر قال له مؤمن آل فرعون - وكان بين يدي موسى : أين أمرت فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون ؟ قال : أمرت بالبحر ولا يدري موسى ما يصنع فأوحى الله تعالى إليه : أن اضرب بعصاك البحر فضربه فصار فيه اثنى عشر طريقا : لكل سبط طريق . وروي أن يوشع قال : يا كليم الله أين أمرت فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا ؟ قال موسى : ههنا . فخاض يوشع الماء وضرب موسى بعصاه البحر فدخلوا . وروي أن موسى قال عند ذلك : يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء . ويقال : هذا البحر هو بحر القلزم . وقيل : هو بحر من وراء مصر يقال له : أساف " إن في ذلك لأية " أية آية لا توصف وقد عاينها الناس وشاع أمرها فيهم
" إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم " وما تنبه عليها أكثرهم ولا آمن بالله . وبنو إسرائيل : الذين كانوا أصحاب موسى المخصوصين بالإنجاء قد شألوه بقرة يعبدونها واتخذوا العجل وطلبوا رؤية الله جهرة " وإن ربك لهو العزيز " المنتقم من أعدائه " الرحيم " بأوليائه
" واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين " كان إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة أصنام ؛ ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء كما تقول للتاجرة : ما مالك ؟ وأنت تعلم أن ماله الرقيق ثم تقول له : الرقيق جمال وليس بمال . فإن قلت : " ما تعبدون " سؤال عن المعبود فحسب فكان القياس أن يقولوا : أصناما كقوله تعالى : " ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو " البقرة : 219 ، " ماذا قال ربكم قالوا الحق " سبأ : 23 ، " ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا " النحل : 30 . قلت : هؤلاء قد جاءوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها والمفتخرين فاشتملت على جواب إبراهيم وعلى ما قصدوه من إظهار ما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار . ألا تراهم كيف عطفوا على قلوبهم نعبد " فنظل لها عاكفين " ولم يقتصروا على زيادة نعبد وحده . ومثاله أن تقول لبعض الشطار : ما تلبس في بلادك ؟ فيقول : ألبس البرد الأتحمى فأجر ذيله بين جواري الحي . وإنما قالوا : نظل لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل
" قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون " لا بد في " يسمعونكم " من تقدير حذف المضاف معناه : هل يسمعون دعاءكم . وقرأ قتادجة : يسمعونكم أي : هل يسمعونكم الجواب عن دعائكم ؟ وعل يقدرون على ذلك ؟ وجاء مضارعا مع إيقاعه في إذ على حكاية الحال الماضية . ومعناه : استحضروا الأحوال الماضية التي كنتم تدعونها فيها وقولوا هل سمعوا أو أسمعوا قط . وهذا أبلغ في التبكيت
" قالوا بل وجدنا ءاباءنا كذلك يفعلون قال أفرءيتم ما كنتم تعبدون أنتم وءاباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وغذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين "

(1/882)


لما أجابوه بجواب المقلدين لآبائهم قال لهم : رقوا أمر تقليدكم هذا إل أقصى غاياته وهي عبادة الأقدمين الأولين من آبائكم فإن التقدم واللية لا يكون برهانا على الصحة والباطل لا ينقلب حقا بالقدم وما عبادة من عبد هذه الأصنام إلا عبادة أعداء له ومعنى العداوة قوله تعالى : " كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا " مريم : 82 ولأن المغري على عبادتها أعدى أعداء الإنسان وهو الشيطان وإنما قال : " عدو لي " تصويرا للمسألة في نفسه على معنى : أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو فاجتنبتها وآثرت عبادة من الخير كله منه وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه أولا وبني عليها تدبير أمره لينظروا فيقولا : ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه وما أراد لنا إلا ما أراد لروحه ليكون ادعى لهم إلى القبول وأبعث على الاستماع منه . ولو قال : فإنه عدو لكم لم يكن بتلك المثابة ولأنه يتأمل فيه فربما قاده التأمل إلى التقبل . ومنه ما يحكى عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أن رجلا واجهه بشيء فقال : لو كنت بحيث أنت لا حتجت إلى أدب وسمع رجل ناسا يتحدثون في الحجر فقال : ما هو ببيتي ولا بيتكم . والعدو والصديق : يجيئان في معنى الوحدة والجماعة . قال :
وقوم علي ذوي مرة ... أراهم عدوا كانوا صديقا
ومنه قوله تعالى : " وهم لكم عدو " الكهف : 50 شبها بالمصادر للموازنة كالقبول والولوع والحنين والصهيل " إلا رب العالمين " استثناء منقطع كأنه قال : ولكن رب العالمين " فهو يهدين " يريد أنه حين أتم خلقه ونفخ فيه الروح عقب ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كل ما يصلحه ويعنيه وإلا فمن هداه إلى أن يغتدي بالدم في البطن امتصاصا ومن هداه إلى معرفة الثدي عند الولادة وإلى معرفة مكانه ومن هداه لكيفيته الارتضاع إلى غير ذلك من هدايات المعاش والمعاد وإنما قال : " مرضت " دون أمرضني لأن كثيرا من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك . ومن ثم قالت الحكماء : لو قيل لأكثر الموتى : ما سبب آجالكم ؟ لقالوا : التخم . وقرئ : خطاياي والمراد : ما يندر منه من بعض الصغائر ؛ لأن الأنبياء معصومون مختارون على العالمين . وقيل : هي قوله : " إني سقيم " الصافات : 89 وقوله : " بل فعله كبيرهم " الأنبياء : 63 وقوله لسارة : هي أختي . وما هي إلا معاريض كلام وتخيلات للكفرة وليست بخطايا يطلب بها الاستغفار . فإن قلت : إذا لم يندر منهم إلا الصغائر وهي تقع مكفرة فما له أثبت لنفسه خطيئته أو خطايا وطمع أن تغفر له ؟ قلت : الجواب ما سبق لي : أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم وهضم وليكون لطفا لهم في اجتناب المعاصي والحذر منها وطلب المغفرة مما يفرط منهم . فإن قلت : لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين وإنما تغفر في الدنيا ؟ قلت : ن أثرها يتبين يومئذ وهو الآن خفي لا يعلم
" رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الأخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سيم " الحكم : الحكمة أو الحكم بين الناس بالحق . وقيل : النبة ؛ لأن النبي ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله . والإلحاق بالصالحين : أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملتهم أو يجمع بينه وبينهم في الجنة . ولقد أجابه حيث قال : " وإنه في ألاخرة لمن الصالحين " البقرة : 130 ، النحل : 122 ، العنكبوت : 27 . والإخزاء : من الخزي وهو الهوان . ومن الخزاية وهي الحياء . وهذا أيضا من نحو استغفارهم مما علموا أنه مغفور وفي " يبعثون " ضمير العباد لأنه معلوم . أو ضمير الضالين . وأن يجعل من جملة الاستغفار لأبيه يعني : ولا تخزني يوم يعث الضالون وأبي فيهم " إلا من أن الله " إلا حال من أتى الله " بقلب سليم " وهو من قولهم : تحية بينهم ضرب وجيع

(1/883)


وما ثاوبه إلا السيف . وبيانه أن يقال لك : هل لزيد مال وبنون ؟ فتقول : ماله وبنوه : سلامة قلبه تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلا عن ذلك . وإن شئت حملت الكلام على المعنى وجعلت المال والبنين في معنى الغنى كأنه قيل : يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم ؛ لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه . ولك أن تجعل الاستثناء منقطعا . ولا بد لك مع ذلكم من تقدير المضاف وهو الحال والمراد بها سلامة القلب وليست هي من جنس المال والبنين حتى يؤول المعنى إلى أن المال والبنين لا ينفعان وإنما ينفع سلامة القلب . ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل للاستثناء معنى . وقد جعل " من " مفعولا لينفع أي " لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلا سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه في طاعة الله ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع . ويجوز على هذا " إلا من أتى الله بقلب سليم " من فتنة المال والبنين . ومعنى سلامة القلب : سلامته من آفات الكفر والمعاصي ومما أكرم الله تعالى به خليله ونبه على جلاله محله في الإخلاص : أن حكى استثناءه هذا حكاية راض بإصابته فيه . ثم جعله صفة له في قوله : " وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم " الصفات : 84 ومن بدع التفاسير : تفسير بعضهم السليم باللديغ من خشية الله . وقل آخر : هو الذي سلم وسلم وأسلم وسالم واستسلم . وما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السم كلامه مع المشركين حين سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع على تقليهم آباءهم الأقدمين فكسره وأخرجه من أن يكون شبية فضلا أن يكون حجة ثم صور المسألة في نفسه دونهم حى تخلص منها إلى ذكر الله عز وعلا فعظم شأنه وعدد نعمته من لدن خلقه وإنشائه إلى حينوفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته يوم القيامة وثواب الله وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمنى الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا
" وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاون وجنود غبليس أجمعون " الجنة تكون قريب من موقف السعداء ينظرون إليها ويغتبطون بأنهم المحشورون إليها والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم يتحسرون على أنهم المسوقون إليها : قال الله تعالى : " وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد " ق : 31 وقال : " فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا " الملك : 27 : يجمع عليهم الغموم كلها والحسرات فتجعل النار بمرأى منهم فيهلكون غما في كل لحظة ويوبخون على إشراكهم فيقال لهم : أين آلهتكم ؟ هل ينفعونكم بن بنصرتهم لكم . أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم : لأنهم وآلهتهم وقود النار وهو قوله : " فكبكبوا فيها هم " أي الآلهة " والغاون " وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم . والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها اللهم أجرنا منها يا خبر مستجار " وجنود إبليس " شياطينه أو متبعوه من عصاة الجن والإنس
" قالوا وهم فيها يختصمون تالله ان كنا لفى ضلال مبين اذ نسويكم برب العلمين وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من شفعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين أن فى ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم "

(1/884)


يجوز أن ينطق الله الاصنام حتى يصح التقاول والتخاصم ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين . والمراد بالمجرمين الذين أضلوهم : رؤساؤهم وكبراؤهم كقوله : " ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرإنا فإضلونا السبيلا " الاحزاب : 76 وعن السدي : الاولون الذين اقتدينا بهم . وعن ابن جريج : إبليس وابن آدم القاتل لانه أول من سن القتل وأنواع المعاصي " فما لنا من شفعين " كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين " ولا صديق " كما نرى لهم أصدقاء لانه لا يتصادق في الاخرة الا المؤمنون وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض قال الله تعالى : " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين " الزخرف : 76 أو : فمالنا من شافعين ولا صديق حميم من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس . أو أرادوا أنهم وقعوا في مهلكة علموا أن الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم فقصدوا بنفيهم نفي ما يتعلق بهم من النفع ؛ لأن ما لا ينفع : حكمه حكم المعدوم . والحميم من الاحتمام وهو الاهتمام وهو الذي يهمه ما يهمك . أو من الحامة بمعنى الخاصة وهو الصديق الخاص . فإن قلت : لم جمع الشافع ووحد الصديق ؟ قلت : لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق . ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة له وحسبه وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة . وأما الصديق وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك - فأعز من بيض الأنوق . وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال : اسم لا معنى له . ويجوز أن يريد بالصديق : الجمع . الكرة الرجعة إلى الدنيا . ولو في مثل هذا الموضع في معنى التمني كأنه قيل : فليت لنا كرة . وذلك لما بين معنى لو وليت من التلاقي في التقدير . ويجوز أن تكون على أصلها ويحذف الجواب وهو : لفعلنا كيت وكيت
" كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقونن إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعوا " القوم : مؤنثة وتصغيرها قويمة . ونظير قوله : " المرسلين " والمراد نوح عليه السلام : قولك : فلان يركب الدواب ويلبس البرود وماله إلا دابة وبرد . قيل : أخوهم ؛ لأنه كان منهم من قول العرب : يا أخا بني تميم يريدون : يا واحدا منهم . ومنه بيت الحماسة :
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
كان أمينا فيهم مشهورا بالأمانة كمحمد صلى الله عليه و سلم في قريش " وأطيعوا " في نصحي لكم وفيما أدعوكم إليه من الحق " عليه " على الأمر وعلى ما أنا فيه يعني : دعاءه ونصحه ومعنى : " فاتقة الله وأطيعون " فاتقوا الله في طاعتي وكرره ليؤكده عليهم ويقرره في نفوسهم مع تعليق كل واحدة منهما بعلة جعل علة الأول كونه أمينا فيما بينهم وفي الثاني حسم طعمه عنهم
" قالوا أتؤمن لك وأتبعك الأرذلون " وقرئ : وأتباعك جمع تابع كشاهد وأشهاد . أو جمع تبع كبطل وأبطال . والواو للحال . وحقها أن يضمير بعدها قد في : واتبعك . وقد جمع الأرذل على الصحة وعلى التكسير في قوله : " الذين هم أرذلنا " هود : 27 والرذالة والنذالة : الخسة والدناءة . وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا . وقيل كانوا من أهل الصناعات الدنية كالحياكة والحجامة . والصناعة لا تزري بالديانة وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وما زالت أتباع الأنبياء كذلك . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هم الغاغة . وعن عكرمة : الحاكة والآساكفة . وعن مقاتل : السفلة
" قال وما علمي بما كانوا يعلمون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين "

(1/885)


" وما علمي " وأي شيء علمي ؟ والمراد : انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله واطلاعه على سر أمرهم وباطنه . وإنما قال ذا لأنهم قد طعنوا - مع استرذالهم - في إيمانهم وأنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة وإنما آمنوا هوى وبديهة كما حكى الله عنهم في قوله : " الذين عن أرذلنا بادي الرأي " هود : 27 ويجوز أن يتغابى لهم من نوح عليه السلام . فيفسر قولهم الأرذلين بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقائد ولا يلتفت إلى ما هو الرذالة عندهم ثم يبني جوابه على ذلك فيقول : ما علي إلا اعتبار الظواهر دون التفتيش عن أسرارهم والشق عن قلوبهم وإن كان لهم عمل سيء فالله محاسبهم ومجازيهم عليه وما أنا إلا منذر لا محاسب ولا مجاز " لو تشعرون " ذلك ولكنكم تجهلون فتنساقون مع الجهل حيث سيركم وقصد بذلك رد اعتقادهم وإنكار أن يسمى المؤمن رذلا وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسبا فإن الغني غني الدين والنسب نسب التقوى " وما أنا يطارد المؤمنين " يريد ليس من شأني أن أتبع شهواتكم وأطيب تفوسكم بطرد المؤمنين الذين صح إيمانهم طعما في إيمانكم وما علي إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان الصحيح الذي يتميز به الحق من الباطل ثم أنتم أعلم بشأنكم
" قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المجرمين قال رب إن قومي كذبون فافتح بينى وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم " ليس هذا بإخبار بالتكذيب لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم ولكنه أراد أني لا أدعوك عليهم لما غاظوني وآذوني وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك فاحكم " بيني وبينهم " والفتاحة : الحكومة . والفتاح : الحاكم لأنه يفتح المستغلق كما سمي فيصلا لأنه يفصل بين الخصومات . الفلك : السفينة وجمعه فلك : قال الله تعالى : " وترى الفلك فيه مواخر " النحل : 14 ؛ فالواحد بوزن قفل والجمع بوزن أسد كسروا فعلا على فعل كما كسروا فعلا على فعل لأنهما أخوان في قولك : العرب والعرب والرشد والرشد . فقالوا : أسد وأسد وفلك وفلك . ونظيره : بعير هجان وإبل هجان ودرع جلاص ودروع دلاص فالواحد بوزن كناز والجمع بوزن كرام . والمشحون : المملوء . يقال : شحنها عليهم خيلا ورجالا
" كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتبنون بكل ربع ءاية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون " قرئ : بكل ريع بالكسر والفتح : وهو المكان المرتفع . قال المسيب بن عباس :
في الآل يرفعها ويخفضها ... ريع يلوح كأنه سحل
ومنه قولهم : كم ريع أرضك ؟ وهو ارتفاعها . والآية العلم وكانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم . فاتخذوا في طريقهم أعلاما طوالا فعبثوا بذلك لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم . وعن مجاهد : بنو بكل ريع بروج الحمام . والمصانع : مآخذ الماء وقيل : القصور المشيدة والحصون " لعلكم تخلدون " ترجون الخلود في الدنيا . أو تشبه حالكم حال من يخلد . وفي حرف أبي : كأنكم . وقرئ : تخلدون بضم التاء مخففا ومشددا " وإذا بطشتم " بسوط أو سيف كان ذلك ظلما وعلوا وقيل : الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب . وعن الحسن : تبادرون تعجيل العذاب لا تتثبتون متفكرين في العواقب
" واتقوا الذين أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون وإني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم " بالغ في تنبيههم على نعم الله حيث أجملها ثم فصلها مستشهدا بعلمهم وذلك أنه أيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حين قال : : " أمدكم بما تعلمون " ثم عددها عليهم وغرفهم المنعم بتعديد ما يعلمون من نعمته وأنه كما قدر أن يتفضل عليكم بهذه النعمة فهو قادر على الثواب والعقاب فاتقوه . ونحوه قوله تعالى : " ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد " آل عمران : 30 . فإن قلت : كيف قرن البنين بالأنعام ؟ قلت : هم الذين بعيونهم على حفظها والقيام عليها

(1/886)


" قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيزي الرحيم " فإن قلت : لو قيل : " أوعظت " أو لم تعظ كان أخصر . والمعنى واحد . قلت : ليس المعنى بواحد وبينهما فرق لأن المراد : سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أو لم تكن أصلا من أهله ومباشريه فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك : أم لم تعظ . من قرأ : خلق ألأولين بالفتح فمعناه : أن ما جئت به اختلاق الأولين وتخرصهم كما قالوا : أساطير الأولين . أو ما خلقنا هذا إلا خلق القرون الخالية نحيا كما حيوا ونموت كما ماتة ولا بعث ولا حساب . ومن قرأ : خلق بضمتين وبواحدة فمعناه . ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم كانوا يدينونه ويعتقدونه ونحن بهم مقتدون . أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة واموت إلا عادة لم يزل عليها الناس في قديم الدهر أو هذا او ما هذا الذي جئت به من الكذب إلا عادة الأولين كانوا يلفقون مثله ويسطرونه
" كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعو وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون في ما هاهناءامنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين بفسدون في الأرض ولا يصلحون " " أتتركون " يجوز أن يكون إنكارا لآن يتركوا مخلدين في نعيم لا يزالون عنه وأن يكون تذكيرا بالنعمة في تخلية الله إياهم وما يتنعمون فيه من الجنات وغير ذلك مع ألأمن والدعة " في ما هاهنا " في الذي استقر في هذا المكان من النعيم ثم فسره بقوله : " في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم " وهذا أيضا إجمال ثم تفصيل . فإن قلت : لم قال " ونخل ونخل طلعها هضيم " وهذا أيضا إجمال ثم تفصيل . فإن قلت : لم قال " ونخل " بعد قوله : في جنات والجنة تتناول النخل أول شيء كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى أنهم ليذكرون الجنة ولا يقصدون إلا النخيل ؛ كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل . قال زهير : تقي جنة سحقا قلت : فيه وجهان : أن يخص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر ؛ تنبيها على انفراده عنها بفضله عليها وأن يريد بالجنات : غيرها من الشجر ؛ لأن اللفظ يصلح لذل ثم يعطف عليها النخل . الطليعة : هي التي تطلع من النخلة كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو . والقنوت : اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه وشماريخه . والهضيم : الليطف الشامر من قولهم : كشح هضيم وطلع إناث النخل فيه لطف وفي طلع الفاحيل جفاء وكذلك طلع البرني ألطف من طلع اللون فذكرهم نعمة الله في أن وهب لهم أجود النخل وأنفعه . لأن الإناث ولادة التمر والبرني : أجود التمر وأطيبه ويجوز أن يريد أن مخيلهم أصابت جودة المنابت وسعة الماء وسلمت من العاهات فحملت الحمل الكثير وإذا كثر الحمل هضم وإذا قل جاء فاخرا . وقيل : الهضيم : اللين النضيج كأنه قال : ونخل قد أرطب ثمره . قرأ الحسن : وتنحتون بفتح الحاء . وقرئ : فرهين . الفراهة : الكيس وانشاط . ومنه : خيل فرهة استعير لامتثال الأمر وارتسامه طاعة الآمر المطاع . أو جعل الأمر مطاعا على المجاز الحكمي والمراد الآمر . ومنه قولهم : لك علي إمرة مطاعة . وقوله تعالى : " وأطيعوا أمري " طه : 90 . فإن قلت : ما فائدة قوله : " ولا يصلحون " ؟ قلت : فائدته أن فسادهم فساد مصمت ليس معه شيء من الصلاح كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح
" قالوا إنما أنت من المسحرين ما أنت إلا بشرا مثلنا فأت بءاية إن كنت من الصادقين " المسحر : الذي سحر كثيرا حتى غلب على عقله . وقيل : هو من السحر الرئة وأنه بشر
" قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم "

(1/887)


الشرب : النصيب من الماء نحو السقي والقيت للحظ من السقي والقوت وقرئ : بالضم . روي أنهم قالوا : نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد شقبا . فقعد صالح يتفكر فقال له جبريل عليه السلام : صل ركعتين وسل ربك الناقة ففعل فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت سقبا مثلها في العظم . وعن أبي موسى : رأيت مصدرها فإذا هو ستون ذراعا . وعن قتادة : إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ولهم شرب يوم لا تشرب فيه الماء " بسوء " بضرب أو عقر أو غير ذلك . فيأخذكم عذاب يوم ظيم عظم اليوم لحلول العذاب فيه ووصف اليوم به أبلغ من وصف العذاب لأن الوقت إذا عظم بسببه كام موقعه من العظم أشد
" فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم " وروي أن مسطعا ألجأها إلى مضيق في شعب فرماها بسهم فأصاب رجلها فسقطت : ثم شربها قدار . قدار . وروي أن عاقرها قال : لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولن : أترضين ؟ فتقول : نعم وكذلك صبيانهم . فإن قلت : لم أخذهم العذاب وقد ندموا ؟ قلت : لم يكن ندمهم ندم تائبين ولكن في غير وقت التوبة وذلك عند معاينة العذاب . وقال الله تعالى : " وليست التوبة للذين يعملون السيئات " الآية التوبة : 18 . وقيل : كانت ندامتهم على ترك الولد وهو بعيد . واللام في العذاب : إشارة إلى عذاب يوم عظيم " كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعوا وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتأتون الذاكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون " أراد بالعالمين : الناس : أي : أتأتون من بين أولاد آدم عليه السلام - على فرط كثرتهم وتفاوت أجناسهم وغلبة إناثهم على ذكورهم في الكثرة - ذكرانهم ؛ كأن الإناث قد أعوزتكم . أو أتأتون أنتم - من بين من عداكم من العالمين - الذاكران يعني أنكم يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة . والعالمون على هذا القول : كل ما ينكح من الحيوان " من أزواجكم " يصلح أن يكون تبيينا لما خلق وأن يكون للتبعيض ويراد بما خلق : العضو المباح منهن . وفي قارءة ابن مسعود : ما أصلح لكم ربكم من أزواجكم وكأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم . بل أنتم قوم عادون العادي : المتعدي في ظلمة المتجاوز فيه الحد ومعناه : أتركبون هذه المعصية على عظمها بل أنتم قوم عادون في جميع المعاصي فهذا من جملة ذاك أو بل أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة
" قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين " " لئن لم تنته " عن نهينا وتقبيح أمرنا " لتكونن " من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا وطردنا ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال : من تعنيف به واحتباس لأملاكه . وكما يكون حال الظلمة إذا أجلوا بعصض من يغضبون عليه وكما كان يفعل أهل مكة بمن يريد المهاجرة
" قال إني لعملكم من القالين رب نجني وأهلي مما يعلمون فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين إن في ذلك وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم "

(1/888)


و " من القالين " أبلغ من أن يقول : إني لعلكم قال : كما تقول : فلان من العملاء فيكون أبلغ من قولك : فلان عالم ؛ لأنك تشهد له بكونه معدودا في زمرتهم ومعرفة مساهمته لهم في العلم . ويجوز أن يريد : من الكاملين في قلاكم . والقلي : البغض الشديد كأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد . وفي هذا دليل على عظم المعصية والمراد : القلي من حيث الدين والتقوى وقد تقوى همة الدين في دين الله حتى تقرب كراهته للمعاصي من الكراهة الجبلية " مما يعملون " من عقوبة علمهم وهو الظاهر . ويحتمل أن يريد بالتنجية : العصمة . فإن قلت : فما معنى قوله : " فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا " ؟ قلت : معناه أنه عصمه وأهله من ذلك إلا العجوز فإنها كانت غير معصومة منه لكونها راضية به ومعينة عليه ومحرشة والراضي بالمعصية في حجكم العاصي . فإن قلت : كان أهله مؤمنين ولولا ذلك لما طلب لهم النجاة فكيف اسثنيت الكافرة منهم : قلت الاستثناء إنما وقع من الأهل وفي هذا الأسم لها معهم شركة بحق الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان . فإن قلت : " في الغابرين " صفة لها كأنه قيل : إلا عجوزا غابرة ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم قلت : معناه إلا عجوزا مقدرا غبورها . ومعنى الغابرين في العذاب والهلاك : غير الناجين . قيل : إنها هلكن مع من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة . والمراد بتدميرهم : الائتفاك بهم وأما الإمطار : فعن قتادة : أمطر الله على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكم . وعن ابن ويد : لم يرض بالائتفاك حتى أتبعه مطرا من حجارة وفاعل " فساء مطر المنذرين " ولم يرد بالمنذرين قوما بأعيانهم إنما هو للجنس والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم
" كذب أصحاب ليكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعوا يوما أسئلكم عليه من أجر إن أج - ري إلا على رب العالمين " قرئ : أصحاب الأيكة بالهمزة وبتخفيفها وبالجر على افضافة وهو الوجه . ومن قرأ بالنصب وزعم أن ليكة بوزن ليلة : اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف حيث وجدت مكتوبة في هذه السورة وفي سورة ص بغير ألف . وفي المصحف أشياء كتبت على خلاف قياس الخط المصطلح عليه وإنما كتبت في هاتين السورتين على حكم لفظ اللافظ كما يكتب أصحاب النحو لان ولوى : على هذه الصورة لبيان لفظ المخفف وقد كتبت في سائر القرآن على الأصل والقصة واحدة على أن ليكو اسم لا يعرف . وروي ن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف . وكان شجرهم الدوم . فإن قلت : هلا قيل : أخوهم شعيب . كما في سائر المواضع ؟ قلت : قالوا : إن شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة . وفي الحديث : أن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة
" أفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين " الكيل على ثلاث أضرب : واف وطفيف وزائد . فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف ولم يذكر الزائد وكأنه تركه عن الأمر والنهي : دليل على أنه إن فعله فقد أحسن وإن لم بفعله فلا عليه . قرئ : بالقسطاس مضموما ومكسورا وهو المسيزان وقيل : القرسطون فإن كان من القسط وهو العدل - وجعلت العين مكررة - فوزنه فعلاس وإلا فهو رباعي . وقيلك وهو بالرومية العدل . يقال : بخسته حقه إذا نقصته إياه . ومنه قيل للمكس : البخس وهو عام في كل حق ثبت لأحد أن لا يهضم وفي كل ملك أن يغضب عليه مالكه ولا يتحيف منه ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفا شرعيا . يقال : عثا في الأرض وعثى وعاث وذلك نحو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزروع وكانوا يفعلون ذلك مع توليهم أنواع الفساد فنهوا عن ذلك . وقرئ : الجبلة بوزن الأبلة . والجبلة بوزن الخلقة . ومعناهن واحد أي : ذوي الجبلة هو كقولك : الخلق الأولين
" قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين "

(1/889)


فإن قلت : هل اختلف المعنى بإدخال الواو ههنا وتركها في قصة ثمود ؟ قلت : إذا أدخلت الواو فقد قصد معنيان : كلاهما مناف للرسالة عندهم : التسحير والبشرية وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا ولا يجوز أن يكون بشرا وإذا تركت الواو فلم يقصد إلا معنى واحد وهو كونه مسحرا ثم قرر بكونه بشرا مثلهم فإن قلت : إن المخففة من الثقيلة ولا مها كيف تفرقتا على فعل الظن وثاني مفعولية ؟ قلت : أصلهما أن يتفرقا على المبتدأ والخبر كقولك : إن زيد لمطلق فلما كان البابان - أعني باب كان وباب ظننت - من جنس باب المبتدأ والخبر فعل ذلك في البابين فقيل : إن كان زيد لمنطلقا وإن ظننته لمنطلقا
" فأسقط علينا كسفال من السماء إن كنت من الصادقين " قرئ : كسفا بالسكون والحركة وكلاهما جمع كسفة نحو : قطع وسدر . وقيل : الكسف والكسفة كالريع والريعة وهي القطعة . وكسفه : قطعة . والسماء : السحاب أو المظلة . وما كان طلبهم ذلك إلا تصميمهم على الجحود والتكذيب . ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلا أن يطلبوه . والمعنى : إن كنت صادقا أنك نبي فادع الله أن يسقط علينا كسفا من السماء
" قال ربي أعلم بما تعلمون " " ربي أعلم بما تعلمون " يريد : أن الله أعلم بأعمالكم وبما تستجبون عليها من العقاب فإن أراد أن يعاقبكم بلإسقاط كسف من السماء فعل وإن أراد عقابا آخر فإليه الحكم والمشيئة
" فكذبوه فأخهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم " " فأخذهم " الله بنحو ما اقترحوا من عذاب الظلة إن أرادوا بالسماء السحاب وإن أرادوا المظلة فقد خالف بهم عن مقترحهم . يروى أنه حبس عنهم الريح سبعا وسلط عليهم الومد . فأخذ بأنفاسهم ولا ينفعهم ظل ولا ماء ولا سرب فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا . وروي أن شعيبا بعث إلى أمتين : أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلكت مدين بصيحة جبريل وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة . فإن قلت : كيف كرر في هذه السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرر ؟ قلت : كل قصة منها كتنزيل برأسه وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها وان تختتم بما اختتمت به ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس وتثبيتا لها في الصدور . ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا ترديد ما يراد تحفظه منها وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب وأرسخ في الفهم وأثبت للذكر وأبعد من النسيان ولأن هذه القصص طرقت بها آذان وقر عن الإنصات للحق وقلوب غلف عن تدبره فكوثرت بالوعظ والتذكيلا وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذنا أو يفتق ذهنا أو يصقل عقلا طال عهده بالصقل أو يجلو فهما قد غطى عليه تراكم الصدأ
" وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قبلك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين وإنه لفي زبر الأولين "

(1/890)


" وإنه " وإن هذا التنزيل يعني : ما نزل من هذه القصص والآيات . والمراد بالتنزيل : المنول . والباء في " نزل به الروح " ونزل به الروح على القراءتين للتعدية . ومعنى " نزل به الروح " جعل الله الروح نازلا به " على قلبك " أي : حفظكه وفهمك إياه وأثبته في قلبك غثبات مالا ينسى كقوله تعالى : " سنقرئك فلا تنسى " الأعلى : 6 " بلسان عربي " إما أن يتعلق بالمنذرين فيكون المعنى : لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة : هو وصالح وشعيب وإسمعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام . وإما أن يتعلق بنزل فيكون المعنى : نزله باللسان العربي لتنذر به ؛ نه لو نزله باللسان الأعجمي لتجافوا عنه اصلا ولقالوا : ما نصنع بمالا نفهمه فيتعذر الإنذار به وفي هذا الوجه : أن تنزيله بالعربية الني هي لستانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لانك تفهمه ويفهمه قومك . ولو كان أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك لانك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها و لا تعيها وقد يكون الرجل عارفا بعدة لغات فإذا كلم بلغته التي لقنها أولا ونشأ عليها وتطبع بها لم يكن قلبه إلا إلى معاني الكلام يتلقاها بقلبه و لا يكاد يفطن للالفاظ كيف جرت وإن كلم بغير تلك اللغة وإن كان ماهرا بمعرفتها كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها فهذا تقرير أنه نزل على قلبه لنزوله بلسان عربي مبين " وإنه " وإن القرآن - يعني ذكره مثبت في سائر الكتب السماوية . وقيل : إن معانيه فيها . وبه يحتج لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة على أن القرآن قرآن إذا ترجم بغير العربية حيث قيل : " وإنه لفي زبر الأولين " لكون معانيه فيها . وقيل : الضمير لرسول الله صلى الله عليه و سلم وكذلك في " أن يعلمه " وليس بواضح
" أولم يكن لهم ءاية أن يعلمه علمؤا بني إسرائيل " وقرئ : ( يكن ) بالتذكير . وآية بالنصب على أنها خبره و " أن يعلمه " هو الاسم . وقرئ : ( تكن ) بالتأنيث وجعلت " ءاية " اسما و " أن يعلمه " خبرا وليست كالأولى لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا وقد خرج لها وجه آخر لتخلص من ذلك فقيل : في " يكن " ضمير القصة و " ءاية أن يعلمه " جملة واقعة موقع الخبر . ويجوز على هذا أن يكون " لهم ءاية " هي جملة الشأن " أن يعلمه " بدلا عن آية . ويجوز مع نصب الآية تأنيث " يكن " كقوله تعالى : " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا " الأنعام : 23 ومنه بيت لبيد :
فمضى وقدمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت أقدامها
وقرئ : ( تعلمه ) بالتاء . " وعلماء بني اسرائيل " : عبد الله بن سلام وغيره . قال الله تعالى : " وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين " القصص : 53 . فإن قلت : كيف خط في المصحف " علمؤا " بواو قبل الألف ؟ قلت : خط على لغة من يميل الألف إلى الواو وعلى هذه اللغة كتبت الصلوة والزكوة والربوا
" ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروأ العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن منظرون أفبعذابنا يستعجلون أفرءيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى ما كانوا يمتعون " الأعجم : الذي لا يفصح وفي لسانه عجمة واستعجام . والأعجمي مثله . إلا أن فيه لزيادة ياء النسبة زيادة تأكيد . وقرأ الحسن : الأعجميين . ولما كان من يتكلم بلسان غير لسانهم لا يفقهون كلامه قالوا له : أعجم وأعجمي شبهوه بمن لا يفصح ولا يبين وقالوا لكل ذي صوت من البهائم والطيور وغيرها : أعجم قال حميد : ولا عربيا شاقه صوت أعجما

(1/891)


" سلكناه " أدخلناه ومكناه . والمعنى : إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي بلسان عربي مبين فسمعوا به وفهمهوه وعرفوا فصاحته وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتب المنزلة قبله على أن البشارة بإنزاله وتحليه المنزل عليه وصفته في كتبهم وقد تضمنت معانيه وقصصه وصح بذلك أنها من عند الله وليست بأساطير كما زعموا فلم يؤمنوا به وجحدوه وسموه شعرا تارة وسحرا أخرى وقالوا : هو من تلفيق محمد وافترائه " ولو نزلناه على بعض " الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلا أن يقدر على نظم مثله " فقرأ عليه " هكذا فصيحا معجزا منحدي به لكفروا به كما كفروا ولتمحوا لجحودهم عذرا ولسموه سحرا ثم قال : " كذلك شلكناه " أي مثل هذا السلك سلناه في قلوبكهم وهكذا مكناه وقررناه فيها وهى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها فكيفما مكناه وقررناه فيها وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها فكيفما فعل بهم وصنع وعلى أي وجه دبر أمرهم فلا سبيل أن يتغيروا عما هم عليه من جحود وإنكاره كما قال : ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين " الأنعام : 7 فإن قلت : كيف أسند السلك بصفة التكذيب إلى ذاته ؟ قلت : أراد به الدلالة على تمكنه مكذبا في قلوبهم أشد التمكن وأثبته فجعله بمنزلة أمر قد جبلوا عليه وفطروا . ألا ترى إلى قولهم : هو مجبول على الشح يريدون : تمكن الشح فيه ؛ لأن الأمور الخلقية أثبت من العارضة والدليل عليه أنه أسند ترك الإيمان به إليهم على عقبه وهو قوله : " لا يؤمنون به " فإن قلت : ما موقع " لا يؤمنون به " من قوله : " سلكناه في قلوب المجرمين " ؟ قلت : موقعه منه موقع الموضح والملخص ؛ لأنه مسوق لثباته مكذبا مجحودا في قلوبهم فأتبع ما يقرر هذا المعنى من أهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد . ويجوز أن يكون حالا أي : سلطناه فيها غير مؤمن به . وقرأ الحسن : فتأتيهم بالتاء يعني : الساعة . وبغتة بالتحريك . وفي حرف أبي : ويروه بغتة . فإن قلت : ما معنى التعقيب في قوله : " فيأتيهم بغتة... فيقولوا " ؟ قلت : ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كاه قيل : لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشد منها وهو لحوقة بهم مفاجأة فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة ومثال ذلك أن تقول لمن تعظه : إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله فإنك لا تقصد بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين وإنما قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسيء وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين فما هو أشد من مقتهم : وهو مقت الله وترى ثم يقع في هذا الأسلوب فيحل موقعه " أفبعذابنا يستعجلون " تبكيت لهم بإنكار وتهكم ومعناه : كيف يستعجل العذاب من هو معرض لعذاب يسأل فيه من جنس ما هو فيه اليوم من النظرة والإمهال طرفة عين فلا يجاب إليها . ويحتمل أن يكون هذا حكاية توبيخ يوبخون به عند استنظارهم يومئذ و " يستعجلون " على هذا الوجه حكاية حال ماضية . ووجه آخر متصل بما بعده وذلك أن استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم وأنهم ممتتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن فقال تعالى : أفبعذابنا يستعجلون أشرا وبطرا واستهزاء واتكالا على الأمل الطويل ثم قال : هب أن الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم . وعن ميمون بن مهران : أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له : عظني فلم يزده على تلاوة هذه الآية . فقال ميمون : لقد وعظت فأبلغت . وقرئ : يمتعون بالتخفيف

(1/892)


" وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين " " منذرون " رسل ينذرونهم " ذكرى " منصوبة بمعنى تذكرة . إما لأن أنذر وذكر متقاربان فكأنه قيل : مذكرون تذكرة . وإما لأنها حال من الضمير في " منذرون " أي ينذرونهم ذوي تذكرة . وإما لأنها مفعولبه ؛ على معنى : أنهم ينذرون لأجل الموعظة واتذكرة . أو مرفوعة على أنها خبر مبتدأ محذوفن بمعنى : هذه ذكرى . والجملة اعتراضية . أو صفة بمعنى : منذرون ذوو ذكر . أو جعلوا ذكرى لإمعانهم في التذكرة وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعدما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون غير ظالمين . وهذا الوجه عليه المعول . فإن قلت : كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في قوله : " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم " الحجر : 4 ؟ قلت : ألأصل : عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله : " سبعة وثامنهم كلبهم " الكهف : 22
" وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون " كانوا يقولون : إن محمدا كاهن وما يتنزل عليه من جنس ما يتنزل به الشياطين على الكهنة فكذبوا بأن ذلك مما لا يتسهل للشياطين ولا يقدرون عليه ؛ لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع كلام أهل السماء . وقرأ الحسن : الشياطون . ووجهه أنه رأى آخره كآخر يبرين وفلسطين فتخير بين أن يجري الإعراب على النون وبين أن هذه يبرون ويبرين وفلسطون وفلسطين . وحقه أن تشتقه من الشيطوطة وهي الهلاك كما قيل له الباطل . وعن الفراء : غلط الشيخ في قراءته الشياطون ظن أنها النون التي على هجاءين فقال النضر بن شميل : إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤبة فهلا جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه أ يريد : محمد بن السميع - مع أنا نعلم أنهما لم يقرأ به إلا وقد سمعا فيه
" فلا ندع مع الله إلاه ساخر فتكون من المعذبين وأنذر عشيرتك الأقربين قد علم أن ذلك لا يكون ولكنه أراد أن يحرك منه لازدياد الإخلاص والتقوى . وفيه لطف لسائر المكلفين كما قال : " ولو تقول علينا بعض الأقاويل " الحافة : 44 ، فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فيه وجهان : أحدهما أن يؤمر بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه ويبدأ في ذلك بمن هو أولى بالبداءة ثم يمن يليه : وأن يقدم إنذارهم على إنذار غيرهم كما روي عنه عليه السلام : أنه لما دخل مكة قال : كل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين وأول ما أضعه ربا العباس والثاني : أن يؤمر بأن لا يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة ولا يحابيهم في الإنذار والتخويف . وروي : أنه صعد الصفا - لما نزلت - فنادى الأقرب فالأقرب فخذا فخذا وقال : يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا ضفية عمة رسول الله أني لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم . وروي : أنه صلى الله عليه و سلم جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا : الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة وقعب من لبن فأكلوا وشرب كوت حتى صدروا ثم أنذرهم فقال : يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد وروي أنه قال : يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف افتدوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم شيئا ثم قال : يا عائشة بنت أبي بكر ويا حفصة بنت عمر ويا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة محمد اشترين أنفسكن من النار فإني لا أغني عنكن شيئا
" واخفض جناحك لمن أتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون " الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في يالوتاضع ولين الجانب ومنه قول بعضهم :
وأنت الشهير بخفض الجناح ... فلا تك في رفعة أجدلا

(1/893)


ينهاه عن التكبر بعد التواضع . فإن قلت : المتبعون للرسول هم المؤمنون والمؤمنون هم المتبعون للرسول فما معنى قوله : " لمن اتبعك من المؤمنين " ؟ قلت : فيه وجهان : أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك وأن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم وهم صنفان : صنف صدق واتبع رسول الله فيما جاء به وصنف ما وجد منه إلا التصديق فحسب ثم إما أن يكونوا منافقين أو فاسقين والمنافق والفاسق لا يخفض لهما الجناح . والمعنى : من المؤمنين من عشيرتك وغيرهم يعني : أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرحك بالله وغيره
وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم " " وتوكل " على الله يكفك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم . والتوكل : تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره . وقالوا : المتوكل من إن دهمه أمر يحاول دفعه عن نفسه بما هو معغصضية لله فعلى هذا إذا وقع انسان في محنه ثم سأل غيره خلاصه لم يخرج من حد التوكل ؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بنعصية الله . وفي مصاحف أهل المدينة والشام : فتوكل وبه قرأ نافع وابن عامر ولخ محملان في العطف : أن يعطف على فقل . أو ؛ فلا تدع . " على العزيز الرحيم " على الذين يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته . ثم ابتع كونه رحيما على رسوله ما هو من أسباب الرحمة : وهو ذكر ما كان بفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد وتقلبه في تصفح أحوال المتجهدين من أصحاب ؛ ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون ويستبطن سر أمرهم وكيف يعبدون الله وكيف يعملون لآخرتهم كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطابعات وتكثير الحسنات فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع منها من دندنتهم بذكر الله والتلاوة . والمراد بالساجدين : المصلون . وقيل : معناه يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة . وتقلبه في الساجدين : تصرفه فيما بينهم بقيامة وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم . وعن مقاتل : أنه سأل أبا حنيفة رحمه الله هل تحجد الصلاة في الجماعةو في القرآن ؟ فقال : لا يحضرني فتلا له هذه الآية . ويحتمل أنه : لا يخفى عليه " العليم " بما تنويه وتعلمه . وقيل : هو تقلب بصره فيمن يصلي خلفه من قوله صلى الله عليه و سلم : أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري إذا ركعتم وسجدتم وقرئ ويقلبك
" هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثهم كاذبون " " كل أفاك أثيم " هم الكهنة والمنبئة كشق وسطيح ومسيلمة وطليحة " يلقون السمع " هم الشياطين كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم يسمعون إلى الملأ الأعلى فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما أطلعوا عليه من الغيوب ثم يوحون به إلى أوليائهم من أولئك " وأكثرهم كاذبون " فيما يوحون به إليهم ؛ لأنهم يسمعون ما لم يسمعوا . وقيل : يلقون إلى أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة . وقيل : الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون وحيهم إليهم . أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم وترى أكثر ما يحكمون به باطلا وزورا . وفي الحديث : الكلمة يخفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة والقر : الصب . فإن قلت : كيف دخل حرف الجر على من المتضمنة لمعنى الاستفهام والاستفهام له صدر الكلام ؟ ألا ترى إلى قولك : أعلى زيد مررت ؟ ولا تقول : على أزيد مررت ؟ قلت : ليس معنى التضمن أن الاسم دل على معنيين معا : معنى الاسم ومعنى الجرف . وإنما معناه : أن الأصل أمن فحذف حرف الاستفهام واستمر الاستعمال على حذفه كما حذف من هل والأصل : أهل . قال ؛ : أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم

(1/894)


فإذا أدخلت حرف الجر على من فقدر الهمزة قبل حرف الجر في ضميرك كأنك تقول : أعلى من تنزل الشياطين كقولك : أعلى زيد مررت . فإن قلت : " يلقون " ما محله ؟ قلت : يجوز أن يكون في محل النصب على الحال أي : تنزل ملقين السمع وفي محل الجر صفة لكل أفاك ؛ لأنه في معنى الجمع وأن تنزل على الأفاكين ؟ فقيل : يفعلون كيت وكيت . فإن قلت : يستأنف كأن قائلا قال : لم تنزل على الأفاكين ؟ فقيل : يفعلون كيت وكيت . فإن قلت : كيف قيل : " وأكثرهم كاذبون " بعد ما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك ؟ قلت : الأفاكون هم الذين يكثرون اففك ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل م يصدق منهم فيما يحكي عن الجني ؛ وأكثرهم مفتر عليه . فإن قلت : " وإنه لتنزيل رب العالمين " الشعراء : 192 ، " وما تنزلت به الشياطين " الشعراء : 210 ، " هل أنبئكم على من تنزل الشياطين " لم فرق بينهن وهن أخوات ؟ قلت : أريد التفريق بينهن بآيات ليست في معناهن ليرجع إلى المجئ بهن وتطرية ذكر ما فيهن كرة بعد كرة : فيدل بذلك على أن المعنى الذي نزلن فيه من المعاني التي اشتدت كراهة الله لخلافها . ومثاله : أن يحدث الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل عناية فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه
" والشعراء يتبعهم الغاون " " والشعراء " مبتدأ . و " يتبعهم الغاون " خبره : ومعناه : أنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم ووفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء وتمزيق اعراض والقدح في الأنساب والنسيب بالحرم والغزل والابتهار ومدح من لا يستحق المدح ولا يستحسن ذلك منهم ولا يطرب على قولهم - إلا الغاوون والسفهاء والشطار . وقيل : الغاوون : الراوون . وقيل : الشياطين وقيل : هم شعراء قريش : عبد الله بن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب المخزومي ومسامع بن عبد مناف وأبو عزة الجمحي . ومن ثقيف : أمية ابن أبي الصلت . قالوا : نحن نقول مثل قول محمد - وكانوا يهجونه ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أشعارهم وأهاجيهم - وقرأ عيسى بن عمر : والشعراء بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر . قال أبو عبيد : كان الغالب عليه حب النصب . قرأ : " حمالة الحطب " المسد : 4 " والسارق والسارقة " المائدة : 38 و " سورة أنزلناهم " النور : 1 وقرئ : يتبعهم على التخفيف . ويتبعهم بسكون العين تشبيها لبعه بعضد
" ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون " ذكر الوادي والهيوم : فيه تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم وقلة مبادلاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة حد القصد فيه حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة وأشحم على حاتم وأن يبهتوا البري يويفسقوا التقي . وعن الفرزدق : أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله :
فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام
فقال : قد وجب عليك الحد فقال : يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد بقوله : " وأنهم يقولن ما لا يفعلون "
" إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر وإذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والآدب الحسنة ومدح رسول الله صلى الله عليه و سلم والصحابة وصلحاء الأمة وما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيهايي بذنب ولا يتلبسون بشائنة ولا منقصة وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهحجوهم . قال الله تعالى : " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " البقرة : 194 وعن عمرو بن عبيد : أن رجلا من العلوية قال له : إن صدري ليجيش بالشعر فقال : فما يمنعك منه فيما لا بأس به ؟ والقول فيه : أن الشعر باب من الكلام فحسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام . وقيل : المراد بالمستثنين : عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت والكعبان : كعب بن مالك وكعب بن زهير ؛ والذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ويكافحون هجاء قريش . وعن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له : ( اهجهم ؛ فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل ) وكان يقول لحسان :

(1/895)


( قل وروح القدس معك ) . ختم السورة بآية ناطقة بما لا شيء أهيب منه وأهول ولا أنكى لقلوب المتأملين ولا أصدع لأكباد المتدبرين وذلك قوله : " وسيعلم " وما فيه من الوعيد البليغ وقوله " الذين ظلموا " وإطلاقه . وقوله : " أي منقلب ينقلبون " وإبهامه وقد تلاها أبو بكر لعمر رضي الله عنهما حين عهد إليه : وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدتها . وتفسير الظلم بالكفر تعليل ولأن تخاف فتبلغ الأمن : خير من أن تأمن فتبلغ الخوف . وقرأ ابن عباس : ( أي منفلت ينفلتون ) ومعناها : إن الذين ظلموا يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة : اللهم اجعلنا ممن جعل هذه الآية بين عينيه فلم يغفل عنها ؛ وعلم أن من عمل سيئة فهو من الذين ظلموا والله أعلم بالصواب
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم وبعدد من كذب بعيسى وصدق بمحمد عليهم الصلاة والسلام )
سورة النمل
مكية وهي ثلاث وتسعون آية
وقيل أربع وتسعون
بسم الله الرحمن الرحيم
" طس تلك ءايات القرءان وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالأخرة هم يوقنون " " طس " قرئ : بالتفخيم والإمالة و " تلك " إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين : إما اللوح وإبانته : أنه قد خط فيه كل ما هو كائن فهو يبينه للناظرين فيه إبانة . وإما السورة . وإما القرآن وإبانتهما : أنهما يبينان ما أودعاه من العلوم والحكم والشرائع وأن إعجازهما ظاهر مكشوف وإضافة الآيات إلى القرآن والكتاب المبين : على سبيل التفخيم لها والتعظيم لأن المضاف إلى العظيم يعظم بالإضافة إليه . فإن قلت : لم نكر الكتاب المبين ؟ قلت : ليبهم بالتنكير فيكون أفخم له كقوله تعالى : " في مقعد صدق عند مليك مقتدر " القمر : 55 . فإن قلت : ما وجه عطفه على القرآن إذا أريد به القرآن ؟ قلت : كما تعطف إحدى الصفتين على الأخرى في نحو قولك : هذا فعل السخي والجواد الكريم لأن القرآن هو المنزل المبارك المصدق لما بين يديه فكان حكمه حكم الصفات المستقلة بالمدح فكأنه قيل : تلك الآيات آيات المنزل المبارك آي كتاب مبين . وقرأ ابن أبي عبلة : ( وكتاب مبين ) بالرفع على تقدير : وآيات كتاب مبين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . فإن قلت : ما الفرق بين هذا وبين قوله : " الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين " الحجر : 1 ؟ قلت : لا فرق بينهما إلا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من التقدم والتأخر وذلك على ضربين : ضرب جار مجرى التثنية لا يترجح فيه جانب على جانب وضرب فيه ترجح فالأول نحو قوله تعالى : " وقولوا حطة " البقرة : 58 ، الأعراف : 161 ، " وادخلوا الباب سجدا " البقرة : 58 ، الأعراف : 161 ومنه ما نحن بصدده . والثاني : نحو قوله تعالى : " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم " آل عمران : 18 ، " هدى وبشرى " في محل النصب أو الرفع فالنصب على الحال أي : هادية ومبشرة ؛ والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة والرفع على ثلاثة أوجه على : هي هدى وبشرى وعلى البدل من الآيات وعلى أن يكون خبرا بعد خبر أي : جمعت أنها آيات وأنها هدى وبشرى . والمعنى في كونها هدى للمؤمنين : أنها زائدة في هداهم . قال الله تعالى : " فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا " التوبة : 124 فإن قلت : " وهم بالأخرة هم يوقنون " كيف يتصل بما قبله ؟ قلت : يحتمل أن يكون من جملة صلة الموصول ويحتمل أن تتم الصلة عنده ويكون جملة اعتراضية كأنه قيل : وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة : هم الموقنون بالآخرة وهو الوجه . ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو " وهم " حتى صار معناها : وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق
إن الذين لا يؤمنون بالأخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الأخرة هم الأخسرون "

(1/896)


فإن قلت : كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته وقد أسنده إلى الشيطان في قوله : " وزين لهم الشيطان أعمالهم " النمل : 24 ، العنكبوت : 38 ؟ قلت : بين الإسنادين فرق وذلك أن إسناده إلى الشيطان حقيقة وإسناده إلى الله عز و جل مجاز وله طريقان في علم البيان . أحدهما : أن يكون من المجاز الذي يسمى الاستعارة . والثاني : أن يكون من المجاز الحكمي فالطريق الأول : أنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق . وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وبطرهم وإيثارهم الروح والترفة ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة والمشاق المتعبة فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم . وإليه أشارت الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم في قولهم : " ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر " الفرقان : 18 والطريق الثاني : أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين فأسند إليه لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات وقيل : هي أعمال الخير التي وجب عليهم أن يعملوها : زينها لهم الله فعمهوا عنها وضلوا وعزى إلى الحسن . والعمه : التحير والتردد كما يكون حال الضال عن الطريق . وعن بعض الأعراب : أنه دخل السوق وما أبصرها قط فقال : رأيت الناس مهمين أراد : مترددين في أعمالهم وأشغالهم " سوء العذاب " القتل والأسر يوم بدر . و " الأخسرون " أشد الناس خسرانا ؛ لأنهم لو آمنوا لكانوا من الشهداء على جميع الأمم فخسروا ذلك مع خسران النجاة وثواب الله
" وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم " " لتلقى القرءان " لتؤتاه وتلقنه " من " عند أي " حكيم " وأي " عليم " وهذا معنى مجيئها نكرتين . وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته ودقائق علمه
" إذ قال موسى لأهله إني ءانست نارا سئاتيكم منها بخبر أو ءاتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون " " إذ " منصوب بمضمر وهو اذكر كأنه قال على أثر ذلك : خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى . ويجوز أن ينتصب بعليم . وروي أنه لم يكن مع موسى ليه السلام غير امرأته وقد كنى الله عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله : " امكثوا " طه : 10 . الشهاب : الشعلة . والقبس : النار المقبوسة وأضاف الشهاب إلى القبس لأنه يكون قبسا وغير قبس . ومن قرأ بالتنوين : جعل القبس بدلا أو صفة لما فيه من معنى القبس . والخبر : ما يخبر به عن حال الطريق لأنه كان قد ضله . فإن قلت : سآتيكم منها بخبر ولعلي آتيكم منها بخبر : كالمتدافعين : لأن أحدهما ترج والآخر تيقن . قلت : قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه : سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة . فإن قلت : كيف جاء بسين التسويف ؟ قلت : عدة لأهلله أنه يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة . فإن قلت : فلم جاء بأو دون الواو ؟ قلت بني الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجيته جميعا لم يعدم واحدة منهما : إما هداية الطريق ؛ وإما أقتباس النار ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين جميعا وهما العزان : عز الدنيا وعز الآخرة
" فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين "

(1/897)


" أن " هي المفسرة : لأن النداء فيه معنى القول . والمعنى : قيل له بورك فإن قلت : هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة وتقديره : نودي بأنه بورك . والضمير ضمير الشأن ؟ قلت : لا لأنه لابد من ( قد ) . فإن قلت : فعلى إضمارها ؟ قلت : لا يصح ؛ لأنها علامة لا تحذف . ومعنى " بورك من في النار ومن حولها " بورك من في مكان النار ومن حول مكانها . ومكانها : البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى : " نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة " القصص : 30 وتدل عليه قراءة أبي . ( تباركت الأرض ومن حولها ) . وعنه : ( بوركت النار ) ؛ والذي بوركت له البقعة وبورك من فيها وحواليها حدوث أمر ديني فيها : وهو تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه ؛ ورب خير يتجدد في بعض البقاع فينشر الله بركة ذلك الخير في أقاصيها ويبث آثار يمنه في أباعدها فكيف بمثل ذلك الأمر العظيم الذي جرى في تلك البقعة . وقيل : المراد بالمبارك فيهم : موسى والملائكة الحاضرون . والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض وفي تلك الوادي وحواليهما من أرض الشام ولقد جعل الله أرض الشام بالبركات موسومة في قوله : " ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين " الأنبياء : 71 وحقت أن تكون كذلك فهي مبعث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ومهبط الوحي إليهم وكفاتهم أحياء وأمواتا . فإن قلت : فما معنى ابتداء خطاب الله موسى بذلك عند مجيئه ؟ قلت : هي بشارة له بأنه قد قضى أمر عظيم تنتشر منه في أرض الشام كلها البركة " وسبحان الله رب العالمين " تعجيب لموسى عليه السلام من ذلك وإيذان بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الشؤون
" يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم " الهاء في " إنه " يجوز أن يكون ضمير الشأن والشأن " أنا الله " مبتدا وخبر . و " العزيز الحكيم " صفتان للخبر . وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما قبله يعني : أن مكلمك أنا والله بيان لأنا . والعزيز الحكيم : صفتان للمبين وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة يريد : أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية الفاعل كل ما أفعله بحكمه وتدبير
" وألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جان ولي مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم " فإن قلت : علام عطف قوله : " وألق عصاك " ؟ قلت : على بورك ؛ لأن المعنى : نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك : كلاهما تفسير لنودي . والمعنى : قيل له بورك من في النار وقيل له : " وألق عصاك " . والدليل على ذلك قوله تعالى : " وأن ألق عصاك " لقصص : 31 بعد قوله : " أن يا موسى إني أنا الله " القصص : 30 على تكرير حرف التفسير كما تقول : كتبت إليك أن حج وأن اعتمر وإن شئت أن حج واعتمر . وقأ الحسن : ان على لغة من يجد في الهروب من التقاء الساكنين فيقول : شأبه ودأبه . ومنها قراءة عمرو بن عبيد ولا الضالين " ولم يعقب " لو يرجع يقال عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار . قال :
فما عقبوا إذ قيل عمرو من معقب ... ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا
وإنما رعب لظنه أن ذلك لأمر اريد به ويدل به ويدل عليه " إني لا يخاف لدي المرسلون " و " إلا " بمعنى لكن لأنه لما أطلق نفي الخوف عن الرسل كان ذلك مظنه لطرو الشبهة فاستدرك ذلك . والمعنى : ولكن من ظلم منهم أي فرطت منه صغيرة مما يجوز على الأنبياء كالذي فرط من آدم ويونس وداود وسليمات وإخوة يوسف ومن موسى بوكزة القبطي ويشك أن يقصد بهذا التريض بما وجد من موسى وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها . وسماه ظلما كما قال موسى : " رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي " القصص : 16 والحسن والسوء : حسن التوبة وقبح الذنب . وقرئ : ألا من ظلم بحرف التنبيه . وعن أبي عمرو في رواية عصمة : حسنا
" وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع ءايات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين " و " في تسع ءايات " كلام مستأنف وجرف الجر فيه يتعلق بمحذوف . والمعنى : اذهب في تسع آيات " إلى فرعون " ونحوه :
فقلت إلى الطعام فقال منهم ... فريق نحسد الإنس الطعاما

(1/898)


ويجوز أن يكون المعنى : وألق عصاك وأدخل يدك : في تسع آيات أي : في جملة تسع آيات وعدادهن . ولقائل أن يقول : كانت الآيات إحدى عشرة : ثنتان منها اليد والعصا والتسع : الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجذب في بواديهم والنقصان في مزارعهم
" فلما جاءتهم ءاياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين " المبصرة : الظاهرة البينة . جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمليها لأنهم لا بسوها وكانوا بسبب منها بنظرهم وتفكرهم فيها . ويجوز أن يراد بحقيقة الإبصار : كل ناظر فيها من كافة أولي العقل وأن يراد إبصار فرعون وملئه . لقوله : " واستيقنتها أنفسهم " النمل : 14 أو جعلت كأنها تبصر فتهدي لأن العمي لا تقدر على الاهتداء فضلا أن تهدي غيرها . ومنه قولهم : كلمة عيناء وكلمة عوراء لأن الكلمة الحسنة ترشد والشيئة تغوى . ونحوه قوله تعالى : " لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السمات والأرض بصائر " الإسراء : 102 فوصفها بالبصارة كما وصفها بالإبصار . وقرأ علي بن الحسين رضي الله عنهما وقتادة : مبصرة وهي نحو : مجبنة ومبخلة ومجفرة أي : مكانا يكثر فيه التبصير
وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين " الواو في " واستيقنتها " واو الحال وقد بعدها مضمرة والعلو : الكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى كقوله تعالى : " فاستكبروا وكانوا قوما عالين " المؤمنين : 46 ، " فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون " المؤمنون : 47 وقرئ : عليا وعليا بالضم والكسر كما قرئ : عتيا وعتيا وفائدة ذكر الأنفس : أنهم جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم والاستيقان أبلغ من الإيقان وقد قوبل بين المبصرة والمبين وأي ظلم أفحش من ظلم من اعتقد واستيقن أنها آيات بينة واضحة جاءت من عند الله ثم كابر بتسميتها سحرا بينا مكشوفا لا شبهة فيه
" ولقد ءاتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين " " علما " طائفة من العلم أو علما سنيا غزيرا . فإن قلت : أليس هذا موضع الفاء دون الواو كقولك : أعطيته فشكر ومنعته فصبر ؟ قلت : بلى ولكن عطفه بالواو إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيء من مواجبه فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد كأنه قال : ولقد آتيناهما علما فعملا به علماه وعرفا حق النعمة فيه والضيلة " وقالا الحمد الذي فضلنا " . والكثير المفضل عليه : من لم يؤت علما . أو من لم يؤت مثل علمهما . وفيه : أنهما فضلا على كثير . وفي الآية دليل على شرف العلم وإنافة محله وتقدم حملته وأهله وأن نعمة العلم من أجل النعم . وأجزل القسم وأن من أويته فقد أوتي فضلا على كثير من عباد الله كما قال : " والذين أوتوا العلم درجات " المجادلة : 11 ، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه و سلم : ورثة الأنبياء إلا لمداواتهم لهم في الشرف والمنزلة لأنهم القوام بما بعثوا من أجله . وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة لوازم منها : أن يحمدوا الله على ما أوتوه من فضلهم على غيرهم . وفيها التذكير بالتواضع وأن يعتقد العالم أنه وإن فضل على كثير فقد عليه مثلهم . وما أحسن قول عمر : كل الناس أفقه من عمر
" وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين "

(1/899)


ورث منه النبوة والملك دون شائر بنيه - وكانوا تسعة عشر - وكان داود أكثر تعبدا وسليمان أقضى وأشكر لنعمة الله " وقال يا أيها الناس " تشهيرا لنعمى الله وتنويها بها واعترافا بمكانها ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير وغير ذلك مما أوتيه من عظائم الأمور . والمنطق : كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد . وقد ترجم يعقوب بن السكيت كتابه بإصلاح المنطق وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم وقالت العرب : نطقت الطير : هو ما يفهم بعضه من بعض من معانيه وأغراضه . ويحكى أنه مر على بلبل في شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول ؟ الله ونبيه أعلم : قال يقول : أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء . وصاحت فاختة فأخبر أنها تقول : ليت ذا الخلق لم يخلقوا . وصاح طاووس فقال يقولك كما تدين تدان . وصاح هدهد فقال يقول : استغفروا الله يا مذنبين . وصاح يطوي فقال يقول : كل حي ميت وكل جديد بال . وصاح خطاف فقال يقول : قدموا خيرا تجدوه . وصاحت رخمة فقال تقول : سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه . وصاح قمري فأخبر أنه يقول : سبحان ربي الأعلى . وقال : الحدأ يقول كل شيء هالك إلا الله . يا غافلين . والنسر يقول : يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت . والعقاب يقول : في البعد من الناس أنس . والضفدع يقول : سبحان ربي القدوس . وأراد بقوله : " من كل شيء " كثرة ما أوتي كما تقول : فلان يقصده كل أحد قوله : " وأوتيت من كل شيء " النمل : 23 . " إن هذا لهو الفضل المبين " قول وارد على سبيل الشكر والمحمدة كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي : أقول هذا القول شكرا ولا أقوله فخرا . فإن قلت : كيف قال علمنا وأوتينا وهو من كلام المتكبرين ؟ قلت : فيه وجهان أحدهما : أن يريد نفسه وأباه . والثاني : أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع - وكان ملطا مطاعا - فكلم أهل طاعته على صفته وحاله التي كان عليها وليس التكبر من لوازم ذلك وقد يتعلق بتجمل الملك وتفخمه وإظهار آيينه وسياسته مصالح فيعود تكلف ذلك واجبا . وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يفعل نحوا من ذلك إذا وفد عليه وفد أو احتاج أن يرجح في عين عدو . ألا ترى كيف أمر العباس رضي الله عنه بأن يحبس أبا سفيان حتى تمر عليه الكتائب
" وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون " روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة : خمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للإنس وخمسة وعشرون للطير وخمسة وعشرون للوحش وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة . وسبعمائة سرية وقد نسجت له الجن يساطا من ذهب وإبرايسم فرسخا في فرسخ وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعملاء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين وتظله الطير بأجنحتها حتى لا يقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر . ويروي أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله ويأمر الرخاء تسيره فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض : إني قد زدت في ملكك لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك فيحكى أنه مر بحراث فقال : لقد أوتى آل داود ملكا عظيما فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحرث وقال : إنما مشيت إليك لئلا تتمنى مالا تقدر عليه ثم قال : لتسبيحه واحدة يقبلها الله خير مما أوتى آل داود " يوزعون " يحبس أولهم على آخرهم أي : توقف سلاف العسكر حتى تلحقهم التوالي فيكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد وذلك للكثرة العظيمة
" حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم شلينان وجنوده وهم لا يشعرون " قيل : هو واد بالشام كثير النمل . فإن قلت : لم عدي " أتوا " أعلى ؟ قلت : يتوجه على معنيين أحدهما ؛ أن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء كما قال أبو الطيب : ولشد ما قربت عليك الأنجم

(1/900)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية