صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : التفسير الميسر
المؤلف : عدد من أساتذة التفسير تحت إشراف الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5)

{ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون
(5) }
بل جحد الكفار القرآن فمن قائل: إنه أخلاط أحلام لا حقيقة لها، ومن قائل: إنه اختلاق وكذب وليس وحيا، ومن قائل: إن محمدا شاعر، وهذا الذي جاء به شعر، وإن أراد منا أن نصدقه فليجئنا بمعجزة محسوسة كناقة صالح، وآيات موسى وعيسى، وما جاء به الرسل من قبله.

(5/425)


ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6)

{ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) }
ما آمنت قبل كفار "مكة" من قرية طلب أهلها المعجزات من رسولهم وتحققت، بل كذبوا، فأهلكناهم، أفيؤمن كفار"مكة" إذا تحققت المعجزات التي طلبوها؟ كلا إنهم لا يؤمنون.

(5/426)


وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7)

{ وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) }
وما أرسلنا قبلك - أيها الرسول - إلا رجالا من البشر نوحي إليهم، ولم نرسل ملائكة، فاسألوا - يا كفار "مكة" - أهل العلم بالكتب المنزلة السابقة، إن كنتم تجهلون ذلك.

(5/427)


وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8)

{ وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) }
وما جعلنا أولئك المرسلين قبلك خارجين عن طباع البشر لا يحتاجون إلى طعام وشراب، وما كانوا خالدين لا يموتون.

(5/428)


ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9)

{ ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) }
ثم أنجزنا للأنبياء وأتباعم ما وعدناهم به من النصر والنجاة، وأهلكنا المسرفين على أنفسهم بكفرهم بربهم.

(5/429)


لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10)

{ لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) }
لقد أنزلنا إليكم هذا القرآن، فيه عزكم وشرفكم في الدنيا والآخرة إن تذكرتم به، أفلا تعقلون ما فضلتكم به على غيركم؟

(5/430)


وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11)

{ وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) }
وكثير من القرى كان أهلها ظالمين بكفرهم بما جاءتهم به رسلهم، فأهلكناهم بعذاب أبادهم جميعا، وأوجدنا بعدهم قوما آخرين سواهم.

(5/431)


فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12)

{ فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) }
فلما رأى هؤلاء الظالمون عذابنا الشديد نازلا بهم، وشاهدوا بوادره، إذا هم من قريتهم يسرعون هاربين.

(5/432)


لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون (13)

{ لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون (13) }
فنودوا في هذه الحال: لا تهربوا وارجعوا إلى لذاتكم وتنعمكم في دنياكم الملهية ومساكنكم المشيدة، لعلكم تسألون من دنياكم شيئا، وذلك على وجه السخرية والاستهزاء بهم.

(5/433)


قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14)

{ قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) }
فلم يكن لهم من جواب إلا اعترافهم بجرمهم وقولهم: يا هلاكنا، فقد ظلمنا أنفسنا بكفرنا.

(5/434)


فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15)

{ فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) }
فما زالت تلك المقالة - وهي الدعاء على أنفسهم بالهلاك، والاعتراف بالظلم - دعوتهم يرددونها حتى جعلناهم كالزرع المحصود، خامدين لا حياة فيهم. فاحذروا - أيها المخاطبون - أن تستمروا على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، فيحل بكم ما حل بالأمم قبلكم.

(5/435)


وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16)

{ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) }
وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما عبثا وباطلا بل لإقامة الحجة عليكم - أيها الناس - ولتعتبروا بذلك كله، فتعلموا أن الذي خلق ذلك لا يشبهه شيء، ولا تصلح العبادة إلا له.

(5/436)


لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17)

{ لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) }
لو أردنا أن نتخذ لهوا من الولد أو الصاحبة لاتخذناه من عندنا لا من عندكم، ما كنا فاعلين ذلك; لاستحالة أن يكون لنا ولد أو صاحبة.

(5/437)


بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18)

{ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) }
بل نقذف بالحق ونبينه، فيدحض الباطل، فإذا هو ذاهب مضمحل. ولكم العذاب في الآخرة - أيها المشركون - من وصفكم ربكم بغير صفته اللائقة به.

(5/438)


وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19)

{ وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) }
ولله سبحانه كل من في السموات والأرض، والذين عنده من الملائكة لا يأنفون عن عبادته ولا يملونها. فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه؟

(5/439)


يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20)

{ يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) }
يذكرون الله وينزهونه دائما، لا يضعفون ولا يسأمون.

(5/440)


أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21)

{ أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) }
كيف يصح للمشركين أن يتخذوا آلهة عاجزة من الأرض لا تقدر على إحياء الموتى؟

(5/441)


لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22)

{ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) }
لو كان في السموات والأرض آلهة غير الله سبحانه وتعالى تدبر شؤونهما، لاختل نظامهما، فتنزه الله رب العرش، وتقدس عما يصفه الجاحدون الكافرون، من الكذب والافتراء وكل نقص.

(5/442)


لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (23)

{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (23) }
إن من دلائل تفرده سبحانه بالخلق والعبادة أنه لا يسأل عن قضائه في خلقه، وجميع خلقه يسألون عن أفعالهم.

(5/443)


أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24)

{ أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) }
هل اتخذ هؤلاء المشركون من غير الله آلهة تنفع وتضر وتحيي وتميت؟ قل - أيها الرسول - لهم: هاتوا ما لديكم من البرهان على ما اتخذتموه آلهة، فليس في القرآن الذي جئت به ولا في الكتب السابقة دليل على ما ذهبتم إليه، وما أشركوا إلا جهلا وتقليدا، فهم معرضون عن الحق منكرون له.

(5/444)


وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25)

{ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) }
وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول - من رسول إلا نوحي إليه أنه لا معبود بحق إلا الله، فأخلصوا العبادة له وحده.

(5/445)


وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27)

{ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) }
وقال المشركون: اتخذ الرحمن ولدا بزعمهم أن الملائكة بنات الله. تنزه الله عن ذلك; فالملائكة عباد الله مقربون مخصصون بالفضائل، وهم في حسن طاعتهم لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يعملون عملا حتى يأذن لهم.

(5/446)


يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28)

{ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) }
وما من أعمال الملائكة عمل سابق أو لاحق إلا يعلمه الله سبحانه وتعالى، ويحصيه عليهم، ولا يتقدمون بالشفاعة إلا لمن ارتضى الله شفاعتهم له، وهم من خوف الله حذرون من مخالفة أمره ونهيه.

(5/447)


ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29)

{ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) }
ومن يدع من الملائكة أنه إله مع الله - على سبيل الفرض - فجزاؤه جهنم، مثل ذلك الجزاء نجزي كل ظالم مشرك.

(5/448)


أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30)

{ أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) }
أولم يعلم هؤلاء الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين لا فاصل بينهما، فلا مطر من السماء ولا نبات من الأرض، ففصلناهما بقدرتنا، وأنزلنا المطر من السماء، وأخرجنا النبات من الأرض، وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمن هؤلاء الجاحدون فيصدقوا بما يشاهدونه، ويخصوا الله بالعبادة؟

(5/449)


وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31)

{ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) }
وخلقنا في الأرض جبالا تثبتها حتى لا تضطرب، وجعلنا فيها طرقا واسعة; رجاء اهتداء الخلق إلى معايشهم، وتوحيد خالقهم.

(5/450)


وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32)

{ وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) }
وجعلنا السماء سقفا للأرض لا يرفعها عماد، وهي محفوظة لا تسقط، ولا تخترقها الشياطين، والكفار عن الاعتبار بآيات السماء(الشمس والقمر والنجوم)، غافلون لاهون عن التفكير فيها.

(5/451)


وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33)

{ وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) }
والله تعالى هو الذي خلق الليل; ليسكن الناس فيه، والنهار; ليطلبوا فيه المعايش، وخلق الشمس آية للنهار، والقمر آية لليل، ولكل منهما مدار يجري فيه ويسبح لا يحيد عنه.

(5/452)


وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34)

{ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) }
وما جعلنا لبشر من قبلك - أيها الرسول - دوام البقاء في الدنيا، أفإن مت فهم يؤملون الخلود بعدك؟ لا يكون هذا. وفي هذه الآية دليل على أن الخضر عليه السلام قد مات; لأنه بشر.

(5/453)


كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35)

{ كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) }
كل نفس ذائقة الموت لا محالة مهما عمرت في الدنيا. وما وجودها في الحياة إلا ابتلاء بالتكاليف أمرا ونهيا، وبتقلب الأحوال خيرا وشرا، ثم المآل والمرجع بعد ذلك إلى الله - وحده - للحساب والجزاء.

(5/454)


وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36)

{ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) }
وإذا رآك الكفار - أيها الرسول - أشاروا إليك ساخرين منك بقول بعضهم لبعض: أهذا الرجل الذي يسب آلهتكم؟ وجحدوا بالرحمن ونعمه، وبما أنزله من القرآن والهدى.

(5/455)


خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37)

{ خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) }
خلق الإنسان عجولا يبادر الأشياء ويستعجل وقوعها. وقد استعجلت قريش العذاب واستبطأته، فأنذرهم الله بأنه سيريهم ما يستعجلونه من العذاب، فلا يسألوا الله تعجيله وسرعته.

(5/456)


ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38)

{ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) }
ويقول الكفار - مستعجلين العذاب مستهزئين - : متى حصول ما تعدنا به يا محمد، إن كنت أنت ومن اتبعك من الصادقين؟

(5/457)


لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39)

{ لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) }
لو يعلم هؤلاء الكفار ما يلاقونه عندما لا يستطيعون أن يدفعوا عن وجوههم وظهورهم النار، ولا يجدون لهم ناصرا ينصرهم، لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا عذابهم.

(5/458)


بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40)

{ بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) }
ولسوف تأتيهم الساعة فجأة، فيتحيرون عند ذلك، ويخافون خوفا عظيما، ولا يستطيعون دفع العذاب عن أنفسهم، ولا يمهلون لاستدراك توبة واعتذار.

(5/459)


ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (41)

{ ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (41) }
ولقد استهزئ برسل من قبلك أيها الرسول، فحل بالذين كانوا يستهزئون العذاب الذي كان مثار سخريتهم واستهزائهم.

(5/460)


قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42)

{ قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) }
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المستعجلين بالعذاب: لا أحد يحفظكم ويحرسكم في ليلكم أو نهاركم، في نومكم أو يقظتكم، من بأس الرحمن إذا نزل بكم. بل هم عن القرآن ومواعظ ربهم لاهون غافلون.

(5/461)


أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43)

{ أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43) }
ألهم آلهة تمنعهم من عذابنا؟ إن آلهتهم لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم؟ وهم منا لا يجارون.

(5/462)


بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44)

{ بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) }
لقد اغتر الكفار وآباؤهم بالإمهال لما رأوه من الأموال والبنين وطول الأعمار، فأقاموا على كفرهم لا يبرحونه، وظنوا أنهم لا يعذبون وقد غفلوا عن سنة ماضية، فالله ينقص الأرض من جوانبها بما ينزله بالمشركين من بأس في كل ناحية ومن هزيمة، أيكون بوسع كفار "مكة" الخروج عن قدرة الله، أو الامتناع من الموت؟

(5/463)


قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45)

{ قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) }
قل - أيها الرسول - لمن أرسلت إليهم: ما أخوفكم من العذاب إلا بوحي من الله، وهو القرآن، ولكن الكفار لا يسمعون ما يلقى إليهم سماع تدبر إذا أنذورا، فلا ينتفعون به.

(5/464)


ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46)

{ ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) }
لو أصاب الكفار نصيب من عذاب الله لعلموا عاقبة تكذيبهم، وقابلوا ذلك بالدعاء على أنفسهم بالهلاك; بسبب ظلمهم لأنفسهم بعبادتهم غير الله.

(5/465)


ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47)

{ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) }
ويضع الله تعالى الميزان العادل للحساب في يوم القيامة، ولا يظلم هؤلاء ولا غيرهم شيئا، وإن كان هذا العمل قدر ذرة من خير أو شر اعتبرت في حساب صاحبها. وكفى بالله محصيا أعمال عباده، ومجازيا لهم عليها.

(5/466)


ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49)

{ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) }
ولقد آتينا موسى وهارون حجة ونصرا على عدوهما، وكتابا - وهو التوراة - فرقنا به بين الحق والباطل، ونورا يهتدي به المتقون الذين يخافون عقاب ربهم، وهم من الساعة التي تقوم فيها القيامة خائفون وجلون.

(5/467)


وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50)

{ وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) }
وهذا القرآن الذي أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ذكر لمن تذكر به، وعمل بأوامره واجتنب نواهيه، كثير الخير، عظيم النفع، أفتنكرونه وهو في غاية الجلاء والظهور؟

(5/468)


ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51)

{ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) }
ولقد آتينا إبراهيم هداه، الذي دعا الناس إليه من قبل موسى وهارون، وكنا عالمين أنه أهل لذلك.

(5/469)


إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52)

{ إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) }
حين قال لأبيه وقومه: ما هذه الأصنام التي صنعتموها، ثم أقمتم على عبادتها ملازمين لها؟

(5/470)


قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53)

{ قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) }
قالوا: وجدنا آباءنا عابدين لها، ونحن نعبدها اقتداء بهم.

(5/471)


قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54)

{ قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) }
قال لهم إبراهيم: لقد كنتم أنتم وآباؤكم في عبادتكم لهذه الأصنام في بعد واضح بين عن الحق.

(5/472)


قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55)

{ قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) }
قالوا: أهذا القول الذي جئتنا به حق وجد، أم كلامك لنا كلام لاعب مستهزئ لا يدري ما يقول؟

(5/473)


قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56)

{ قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) }
قال لهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام: بل ربكم الذي أدعوكم إلى عبادته هو رب السموات والأرض الذي خلقهن، وأنا من الشاهدين على ذلك.

(5/474)


وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57)

{ وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) }
وتالله لأمكرن بأصنامكم وأكسرها بعد أن تتولوا عنها ذاهبين.

(5/475)


فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58)

{ فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) }
فحطم إبراهيم الأصنام وجعلها قطعا صغيرة، وترك كبيرها; كي يرجع القوم إليه ويسألوه، فيتبين عجزهم وضلالهم، وتقوم الحجة عليهم.

(5/476)


قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59)

{ قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) }
ورجع القوم، ورأوا أصنامهم محطمة مهانة، فسأل بعضهم بعضا: من فعل هذا بآلهتنا؟ إنه لظالم في اجترائه على الآلهة المستحقة للتعظيم والتوقير.

(5/477)


قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60)

{ قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) }
قال من سمع إبراهيم يحلف بأنه سيكيد أصنامهم: سمعنا فتى يقال له إبراهيم، يذكر الأصنام بسوء.

(5/478)


قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61)

{ قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) }
قال رؤساؤهم: فأتوا بإبراهيم على مرأى من الناس; كي يشهدوا على اعترافه بما قال; ليكون ذلك حجة عليه.

(5/479)


قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62)

{ قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) }
وجيء بإبراهيم وسألوه منكرين: أأنت الذي كسرت آلهتنا؟ يعنون أصنامهم.

(5/480)


قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63)

{ قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63) }
وتم لإبراهيم ما أراد من إظهار سفههم على مرأى منهم. فقال محتجا عليهم معرضا بغباوتهم: بل الذي كسرها هذا الصنم الكبير، فاسألوا آلهتكم المزعومة عن ذلك، إن كانت تتكلم أو تحير جوابا.

(5/481)


فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64)

{ فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) }
فأسقط في أيديهم، وبدا لهم ضلالهم; كيف يعبدونها، وهي عاجزة عن أن تدفع عن نفسها شيئا أو أن تجيب سائلها؟ وأقروا على أنفسهم بالظلم والشرك.

(5/482)


ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65)

{ ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) }
وسرعان ما عاد إليهم عنادهم بعد إفحامهم، فانقلبوا إلى الباطل، واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: كيف نسألها، وقد علمت أنها لا تنطق؟

(5/483)


قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67)

{ قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) }
قال إبراهيم محقرا لشأن الأصنام: كيف تعبدون أصناما لا تنفع إذا عبدت، ولا تضر إذا تركت؟ قبحا لكم ولآلهتكم التي تعبدونها من دون الله تعالى، أفلا تعقلون فتدركون سوء ما أنتم عليه؟

(5/484)


قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69)

{ قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) }
لما بطلت حجتهم وظهر الحق عدلوا إلى استعمال سلطانهم، وقالوا: حرقوا إبراهيم بالنار; غضبا لآلهتكم إن كنتم ناصرين لها. فأشعلوا نارا عظيمة وألقوه فيها، فانتصر الله لرسوله وقال للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم، فلم ينله فيها أذى، ولم يصبه مكروه.

(5/485)


وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70)

{ وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين
(70) }
وأراد القوم بإبراهيم الهلاك فأبطل الله كيدهم، وجعلهم المغلوبين الأسفلين.

(5/486)


ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71)

{ ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) }
ونجينا إبراهيم ولوطا الذي آمن به من "العراق"، وأخرجناهما إلى أرض "الشام" التي باركنا فيها بكثرة الخيرات، وفيها أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

(5/487)


ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72)

{ ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) }
وأنعم الله على إبراهيم، فوهب له ابنه إسحاق حين دعاه، ووهب له من إسحاق يعقوب زيادة على ذلك، وكل من إبراهيم وإسحاق ويعقوب جعله الله صالحا مطيعا له.

(5/488)


وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73)

{ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) }
وجعلنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب قدوة للناس يدعونهم إلى عبادته وطاعته بإذنه تعالى، وأوحينا إليهم فعل الخيرات من العمل بشرائع الأنبياء، وإقام الصلاة على وجهها، وإيتاء الزكاة، فامتثلوا لذلك، وكانوا منقادين مطيعين لله وحده دون سواه.

(5/489)


ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74)

{ ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) }
وآتينا لوطا النبوة وفصل القضاء بين الخصوم وعلما بأمر الله ودينه، ونجيناه من قريته "سدوم" التي كان يعمل أهلها الخبائث. إنهم كانوا بسبب الخبائث والمنكرات التي يأتونها أهل سوء وقبح، خارجين عن طاعة الله.

(5/490)


وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75)

{ وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) }
وأتم الله عليه النعمة فأدخله في رحمته بإنجائه مما حل بقومه; لأنه كان من الذين يعملون بطاعة الله.

(5/491)


ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76)

{ ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) }
واذكر - أيها الرسول - نوحا حين نادى ربه من قبلك ومن قبل إبراهيم ولوط، فاستجبنا له دعاءه، فنجيناه وأهله المؤمنين به من الغم الشديد.

(5/492)


ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77)

{ ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77) }
ونصرناه من كيد القوم الذين كذبوا بآياتنا الدالة على صدقه، إنهم كانوا أهل قبح، فأغرقناهم بالطوفان أجمعين.

(5/493)


وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78)

{ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) }
واذكر - أيها الرسول - نبي الله داود وابنه سليمان، إذ يحكمان في قضية عرضها خصمان، عدت غنم أحدهما على زرع الآخر، وانتشرت فيه ليلا فأتلفت الزرع، فحكم داود بأن تكون الغنم لصاحب الزرع ملكا بما أتلفته، فقيمتهما سواء، وكنا لحكمهم شاهدين لم يغب عنا.

(5/494)


ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79)

{ ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) }
ففهمنا سليمان مراعاة مصلحة الطرفين مع العدل، فحكم على صاحب الغنم بإصلاح الزرع التالف في فترة يستفيد فيها صاحب الزرع بمنافع الغنم من لبن وصوف ونحوهما، ثم تعود الغنم إلى صاحبها والزرع إلى صاحبه; لمساواة قيمة ما تلف من الزرع لمنفعة الغنم، وكلا من داود وسليمان أعطيناه حكما وعلما، ومننا على داود بتطويع الجبال تسبح معه إذا سبح، وكذلك الطير تسبح، وكنا فاعلين ذلك.

(5/495)


وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80)

{ وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) }
واختص الله داود عليه السلام بأن علمه صناعة الدروع يعملها حلقا متشابكة، تسهل حركة الجسم; لتحمي المحاربين من وقع السلاح فيهم، فهل أنتم شاكرون نعمة الله عليكم حيث أجراها على يد عبده داود؟

(5/496)


ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81)

{ ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) }
وسخرنا لسليمان الريح شديدة الهبوب تحمله ومن معه، تجري بأمره إلى أرض "بيت المقدس" بـ "الشام" التي باركنا فيها بالخيرات الكثيرة، وقد أحاط علمنا بجميع الأشياء.

(5/497)


ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82)

{ ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) }
وسخرنا لسليمان من الشياطين شياطين يستخدمهم فيما يعجز عنه غيرهم، فكانوا يغوصون في البحر يستخرجون له اللآلئ والجواهر، وكانوا يعملون كذلك في صناعة ما يريده منهم، لا يقدرون على الامتناع مما يريده منهم، حفظهم الله له بقوته وعزه سبحانه وتعالى.

(5/498)


وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83)

{ وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) }
واذكر - أيها الرسول - عبدنا أيوب، إذ ابتليناه بضر وسقم عظيم في جسده، وفقد أهله وماله وولده، فصبر واحتسب، ونادى ربه عز وجل أني قد أصابني الضر، وأنت أرحم الراحمين، فاكشفه عني.

(5/499)


فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84)

{ فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84) }
فاستجبنا له دعاءه، ورفعنا عنه البلاء، ورددنا عليه ما فقده من أهل وولد ومال مضاعفا، فعلنا به ذلك رحمة منا، وليكون قدوة لكل صابر على البلاء، راج رحمة ربه، عابد له.

(5/500)


وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85)

{ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) }
واذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل، كل هؤلاء من الصابرين على طاعة الله سبحانه وتعالى، وعن معاصيه، وعلى أقداره، فاستحقوا الذكر بالثناء الجميل.

(6/1)


وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86)

{ وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) }
وأدخلناهم في رحمتنا، إنهم ممن صلح باطنه وظاهره، فأطاع الله وعمل بما أمره به.

(6/2)


وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87)

{ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) }
واذكر قصة صاحب الحوت، وهو يونس بن متى عليه السلام، أرسله الله إلى قومه فدعاهم فلم يؤمنوا، فتوعدهم بالعذاب فلم ينيبوا، ولم يصبر عليهم كما أمره الله، وخرج من بينهم غاضبا عليهم، ضائقا صدره بعصيانهم، وظن أن الله لن يضيق عليه ويؤاخذه بهذه المخالفة، فابتلاه الله بشدة الضيق والحبس، والتقمه الحوت في البحر، فنادى ربه في ظلمات الليل والبحر وبطن الحوت تائبا معترفا بظلمه; لتركه الصبر على قومه، قائلا: لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين.

(6/3)


فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88)

{ فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) }
فاستجبنا له دعاءه، وخلصناه من غم هذه الشدة، وكذلك ننجي المصدقين العاملين بشرعنا.

(6/4)


وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89)

{ وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) }
واذكر - أيها الرسول - قصة عبد الله زكريا حين دعا ربه أن يرزقه الذرية لما كبرت سنه قائلا رب لا تتركني وحيدا لا عقب لي، هب لي وارثا يقوم بأمر الدين في الناس من بعدي، وأنت خير الباقين وخير من خلفني بخير.

(6/5)


فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90)

{ فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) }
فاستجبنا له دعاءه ووهبنا له على الكبر ابنه يحيى، وجعلنا زوجته صالحة في أخلاقها وصالحة للحمل والولادة بعد أن كانت عاقرا، إنهم كانوا يبادرون إلى كل خير، ويدعوننا راغبين فيما عندنا، خائفين من عقوبتنا، وكانوا لنا خاضعين متواضعين.

(6/6)


والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (91)

{ والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (91) }
واذكر - أيها الرسول - قصة مريم ابنة عمران التي حفظت فرجها من الحرام، ولم تأت فاحشة في حياتها، فأرسل الله إليها جبريل عليه السلام، فنفخ في جيب قميصها، فوصلت النفخة إلى رحمها، فخلق الله بذلك النفخ المسيح عيسى عليه السلام، فحملت به من غير زوج، فكانت هي وابنها بذلك علامة على قدرة الله، وعبرة للخلق إلى قيام الساعة.

(6/7)


إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92)

{ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) }
هؤلاء الأنبياء جميعا دينهم واحد، الإسلام، وهو الاستسلام لله بالطاعة وإفراده بالعبادة، والله سبحانه وتعالى رب الخلق فاعبدوه - أيها الناس - وحده لا شريك له.

(6/8)


وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93)

{ وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) }
لكن الناس اختلفوا على رسلهم، وتفرق كثير من أتباعهم في الدين شيعا وأحزابا، فعبدوا المخلوقين والأهواء، وكلهم راجعون إلينا ومحاسبون على ما فعلوا.

(6/9)


فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94)

{ فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) }
فمن التزم الإيمان بالله ورسله، وعمل ما يستطيع من صالح الأعمال طاعة لله وعبادة له فلا يضيع الله عمله ولا يبطله، بل يضاعفه كله أضعافا كثيرة، وسيجد ما عمله في كتابه يوم يبعث بعد موته.

(6/10)


وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95)

{ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) }
وممتنع على أهل القرى التي أهلكناها بسبب كفرهم وظلمهم، رجوعهم إلى الدنيا قبل يوم القيامة; ليستدركوا ما فرطوا فيه.

(6/11)


حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97)

{ حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) }
فإذا فتح سد يأجوج ومأجوج، وانطلقوا من مرتفعات الأرض وانتشروا في جنباتها مسرعين، دنا يوم القيامة وبدت أهواله فإذا أبصار الكفار من شدة الفزع مفتوحة لا تكاد تطرف، يدعون على أنفسهم بالويل في حسرة: يا ويلنا قد كنا لاهين غافلين عن هذا اليوم وعن الإعداد له، وكنا بذلك ظالمين.

(6/12)


إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98)

{ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) }
إنكم - أيها الكفار - وما كنتم تعبدون من دون الله من الأصنام ومن رضي بعبادتكم إياه من الجن والإنس، وقود جهنم وحطبها، أنتم وهم فيها داخلون.

(6/13)


لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99)

{ لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) }
لو كان هؤلاء الذين عبدتموهم من دون الله تعالى آلهة تستحق العبادة ما دخلوا نار جهنم معكم أيها المشركون، إن كلا من العابدين والمعبودين خالدون في نار جهنم.

(6/14)


لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100)

{ لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) }
لهؤلاء المعذبين في النار آلام ينبئ عنها زفيرهم الذي تتردد فيه أنفاسهم، وهم في النار لا يسمعون; من هول عذابهم.

(6/15)


إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101)

{ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) }
إن الذين سبقت لهم منا سابقة السعادة الحسنة في علمنا بكونهم من أهل الجنة، أولئك عن النار مبعدون، فلا يدخلونها ولا يكونون قريبا منها.

(6/16)


لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102)

{ لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) }
لا يسمعون صوت لهيبها واحتراق الأجساد فيها فقد سكنوا منازلهم في الجنة، وأصبحوا فيما تشتهيه نفوسهم من نعيمها ولذاتها مقيمين إقامة دائمة.

(6/17)


لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104)

{ لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) }
لا يخيفهم الهول العظيم يوم القيامة، بل تبشرهم الملائكة: هذا يومكم الذي وعدتم فيه الكرامة من الله وجزيل الثواب. يوم نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما كتب فيها، ونبعث فيه الخلق على هيئة خلقنا لهم أول مرة كما ولدتهم أمهاتهم، ذلك وعد الله الذي لا يتخلف، وعدنا بذلك وعدا حقا علينا، إنا كنا فاعلين دائما ما نعد به.

(6/18)


ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105)

{ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) }
ولقد كتبنا في الكتب المنزلة من بعد ما كتب في اللوح المحفوظ: أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون الذين قاموا بما أمروا به، واجتنبوا ما نهوا عنه، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

(6/19)


إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106)

{ إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) }
إن في هذا المتلو من الموعظة لعبرة كافية لقوم عابدين الله بما شرعه لهم ورضيه منهم.

(6/20)


وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)

{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) }
وما أرسلناك - أيها الرسول - إلا رحمة لجميع الناس، فمن آمن بك سعد ونجا، ومن لم يؤمن خاب وخسر.

(6/21)


قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108)

{ قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) }
قل: إن الذي أوحي إلي وبعثت به: أن إلهكم الذي يستحق العبادة وحده هو الله، فأسلموا له، وانقادوا لعبادته.

(6/22)


فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109)

{ فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) }
فإن أعرض هؤلاء عن الإسلام فقل لهم: أبلغكم جميعا ما أوحاه الله تعالى إلي، فأنا وأنتم مستوون في العلم لما أنذرتكم وحذرتكم، ولست أعلم - بعد ذلك - متى يحل بكم ما وعدتم به من العذاب؟

(6/23)


إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110)

{ إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) }
إن الله يعلم ما تجهرون به من أقوالكم، وما تكتمونه في سرائركم، وسيحاسبكم عليه.

(6/24)


وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111)

{ وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) }
ولست أدري لعل تأخير العذاب الذي استعجلتموه استدراج لكم وابتلاء، وأن تتمتعوا في الدنيا إلى حين; لتزدادوا كفرا، ثم يكون أعظم لعقوبتكم.

(6/25)


قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112)

{ قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112) }
قال النبي صلى الله عليه وسلم: رب افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالقضاء الحق. ونسأل ربنا الرحمن، ونستعين به على ما تصفونه - أيها الكفار - من الشرك والتكذيب والافتراء عليه، وما تتوعدونا به من الظهور والغلبة .

(6/26)


{ سورة الحج }

(6/27)


يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1)

{ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) }
يا أيها الناس احذروا عقاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، إن ما يحدث عند قيام الساعة من أهوال وحركة شديدة للأرض، تتصدع منها كل جوانبها، شيء عظيم، لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه، ولا يعلم كيفيته إلا رب العالمين.

(6/28)


يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2)

{ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) }
يوم ترون قيام الساعة تنسى الوالدة رضيعها الذي ألقمته ثديها؛ لما نزل بها من الكرب، وتسقط الحامل حملها من الرعب، وتغيب عقول للناس، فهم كالسكارى من شدة الهول والفزع، وليسوا بسكارى من الخمر، ولكن شدة العذاب أفقدتهم عقولهم وإدراكهم.

(6/29)


ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3)

{ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) }
وبعض رؤوس الكفر من الناس يخاصمون ويشككون في قدرة الله على البعث; جهلا منهم بحقيقة هذه القدرة، واتباعا لأئمة الضلال من كل شيطان متمرد على الله ورسله.

(6/30)


كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4)

{ كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) }
قضى الله وقدر على هذا الشيطان أنه يضل كل من اتبعه، ولا يهديه إلى الحق، بل يسوقه إلى عذاب جهنم الموقدة جزاء اتباعه إياه.

(6/31)


يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5)

{ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) }
يا أيها الناس إن كنتم في شك من أن الله يحيي الموتى فإنا خلقنا أباكم آدم من تراب، ثم تناسلت ذريته من نطفة، هي المني يقذفه الرجل في رحم المرأة، فيتحول بقدرة الله إلى علقة، وهي الدم الأحمر الغليظ، ثم إلى مضغة، وهي قطعة لحم صغيرة قدر ما يمضغ، فتكون تارة مخلقة، أي تامة الخلق تنتهي إلى خروح الجنين حيا، وغير تامة الخلق تارة أخرى، فتسقط لغير تمام؛ لنبين لكم تمام قدرتنا بتصريف أطوار الخلق، ونبقي في الأرحام ما نشاء، وهو المخلق إلى وقت ولادته، وتكتمل الأطوار بولادة الأجنة أطفالا صغارا تكبر حتى تبلغ الأشد، وهو وقت الشباب والقوة واكتمال العقل، وبعض الأطفال قد يموت قبل ذلك، وبعضهم يكبر حتى يبلغ سن الهرم وضعف العقل; فلا يعلم هذا المعمر شيئا مما كان يعلمه قبل ذلك. وترى الأرض يابسة ميتة لا نبات فيها، فإذا أنزلنا عليها الماء تحركت بالنبات تتفتح عنه، وارتفعت وزادت لارتوائها، وأنبتت من كل نوع من أنواع النبات الحسن الذي يسر الناظرين.

(6/32)


ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6)

{ ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) }
ذلك المذكور مما تقدم من آيات قدرة الله تعالى، فيه دلالة قاطعة على أن الله سبحانه وتعالى هو الرب المعبود بحق، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وهو يحيي الموتى، وهو قادر على كل شيء.

(6/33)


وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7)

{ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) }
وأن ساعة البعث آتية، لا شك في ذلك، وأن الله يبعث الموتى من قبورهم لحسابهم وجزائهم.

(6/34)


ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9)

{ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9) }
ومن الكفار من يجادل بالباطل في الله وتوحيده واختياره رسوله صلى الله عليه وسلم وإنزاله القرآن، وذلك الجدال بغير علم، ولا بيان، ولا كتاب من الله فيه برهان وحجة واضحة، لاويا عنقه في تكبر، معرضا عن الحق ؛ ليصد غيره عن الدخول في دين الله، فسوف يلقى خزيا في الدنيا باندحاره وافتضاح أمره، ونحرقه يوم القيامة بالنار.

(6/35)


ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10)

{ ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) }
ويقال له: ذلك العذاب بسبب ما فعلت من المعاصي واكتسبت من الآثام، والله لا يعذب أحدا بغير ذنب.

(6/36)


ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13)

{ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) }
ومن الناس من يدخل في الإسلام على ضعف وشك، فيعبد الله على تردده، كالذي يقف على طرف جبل أو حائط لا يتماسك في وقفته، ويربط إيمانه بدنياه، فإن عاش في صحة وسعة استمر على عبادته، وإن حصل له ابتلاء بمكروه وشدة عزا شؤم ذلك إلى دينه، فرجع عنه كمن ينقلب على وجهه بعد استقامة، فهو بذلك قد خسر الدنيا؛ إذ لا يغير كفره ما قدر له في دنياه، وخسر الآخرة بدخوله النار، وذلك خسران بين واضح. يعبد ذلك الخاسر من دون الله ما لا يضره إن تركه، ولا ينفعه إذا عبده، ذلك هو الضلال البعيد عن الحق. يدعو من ضرره المحقق أقرب من نفعه، قبح ذلك المعبود نصيرا، وقبح عشيرا.

(6/37)


إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14)

{ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14) }
إن الله يدخل الذين آمنوا بالله ورسوله، وثبتوا على ذلك، وعملوا الصالحات، جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، إن الله يفعل ما يريد من ثواب أهل طاعته تفضلا وعقاب أهل معصيته عدلا.

(6/38)


من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15)

{ من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) }
من كان يعتقد أن الله تعالى لن يؤيد رسوله محمدا بالنصر في الدنيا بإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، وعذاب من كذبه، فليمدد حبلا إلى سقف بيته وليخنق به نفسه، ثم ليقطع ذلك الحبل، ثم لينظر: هل يذهبن ذلك ما يجد في نفسه من الغيظ؟ فإن الله تعالى ناصر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم لا محالة.

(6/39)


وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16)

{ وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) }
وكما أقام الله الحجة من دلائل قدرته على الكافرين بالبعث أنزل القرآن، آياته واضحة في لفظها ومعناها، يهدي بها الله من أراد هدايته؛ لأنه لا هادي سواه.

(6/40)


إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17)

{ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17) }
إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم واليهود والصابئين وهم:(قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه) والنصارى والمجوس(وهم عبدة النار) والذين أشركوا وهم: عبدة الأوثان، إن الله يفصل بينهم جميعا يوم القيامة فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكافرين النار، إن الله على كل شيء شهيد، شهد أعمال العباد كلها، وأحصاها وحفظها، وسيجازي كلا بما يستحق جزاء وفاقا للأعمال التي عملوها.

(6/41)


ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18)

{ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) }
ألم تعلم- أيها النبي- أن الله سبحانه يسجد له خاضعا منقادا من في السموات من الملائكة ومن في الأرض من المخلوقات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب؟ ولله يسجد طاعة واختيارا كثير من الناس، وهم المؤمنون، وكثير من الناس حق عليه العذاب فهو مهين، وأي إنسان يهنه الله فليس له أحد يكرمه. إن الله يفعل في خلقه ما يشاء وفق حكمته.

(6/42)


هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22)

{ هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) }
هذان فريقان اختلفوا في ربهم: أهل الإيمان وأهل الكفر، كل يدعي أنه محق، فالذين كفروا يحيط بهم العذاب في هيئة ثياب جعلت لهم من نار يلبسونها، فتشوي أجسادهم، ويصب على رؤوسهم الماء المتناهي في حره، وينزل إلى أجوافهم فيذيب ما فيها، حتى ينفذ إلى جلودهم فيشويها فتسقط، وتضربهم الملائكة على رؤوسهم بمطارق من حديد. كلما حاولوا الخروج من النار -لشدة غمهم وكربهم- أعيدوا للعذاب فيها، وقيل لهم: ذوقوا عذاب النار المحرق.

(6/43)


إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23)

{ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) }
إن الله تعالى يدخل أهل الإيمان والعمل الصالح جنات نعيمها دائم، تجري من تحت أشجارها الأنهار، يزينون فيها بأساور الذهب وباللؤلؤ، ولباسهم المعتاد في الجنة الحرير رجالا ونساء.

(6/44)


وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24)

{ وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) }
لقد هداهم الله في الدنيا إلى طيب القول: من كلمة التوحيد وحمد الله والثناء عليه، وفي الآخرة إلى حمده على حسن العاقبة، كما هداهم من قبل إلى طريق الإسلام المحمود الموصل إلى الجنة.

(6/45)


إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25)

{ إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) }
إن الذين كفروا بالله، وكذبوا بما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، ويمنعون غيرهم من الدخول في دين الله، ويصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في عام "الحديبية" عن المسجد الحرام، الذي جعلناه لجميع المؤمنين، سواء المقيم فيه والقادم إليه، لهم عذاب أليم موجع، ومن يرد في المسجد الحرام الميل عن الحق ظلما فيعص الله فيه، نذقه من عذاب أليم موجع.

(6/46)


وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26)

{ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26) }
واذكر- أيها النبي- إذ بينا لإبراهيم - عليه السلام- مكان البيت، وهيأناه له وقد كان غير معروف، وأمرناه ببنائه على تقوى من الله وتوحيده وتطهيره من الكفر والبدع والنجاسات ؛ ليكون رحابا للطائفين به، والقائمين المصلين عنده.

(6/47)


وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28)

{ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) }
وأعلم- يا إبراهيم- الناس بوجوب الحج عليهم يأتوك على مختلف أحوالهم مشاة وركبانا على كل ضامر من الإبل، وهو:(الخفيف اللحم من السير والأعمال لا من الهزال)، يأتين من كل طريق بعيد; ليحضروا منافع لهم من: مغفرة ذنوبهم، وثواب أداء نسكهم وطاعتهم، وتكسبهم في تجاراتهم، وغير ذلك؛ وليذكروا اسم الله على ذبح ما يتقربون به من الإبل والبقر والغنم في أيام معينة هي: عاشر ذي الحجة وثلاثة أيام بعده; شكرا لله على نعمه، وهم مأمورون أن يأكلوا من هذه الذبائح استحبابا، ويطعموا منها الفقير الذي اشتد فقره.

(6/48)


ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29)

{ ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) }
ثم ليكمل الحجاج ما بقي عليهم من النسك، بإحلالهم وخروجهم من إحرامهم، وذلك بإزالة ما تراكم من وسخ في أبدانهم، وقص أظفارهم، وحلق شعرهم، وليوفوا بما أوجبوه على أنفسهم من الحج والعمرة والهدايا، وليطوفوا بالبيت العتيق القديم، الذي أعتقه الله من تسلط الجبارين عليه، وهو الكعبة.

(6/49)


ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30)

{ ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) }
ذلك الذي أمر الله به من قضاء التفث والوفاء بالنذور والطواف بالبيت، هو ما أوجبه الله عليكم فعظموه، ومن يعظم حرمات الله، ومنها مناسكه بأدائها كاملة خالصة لله، فهو خير له في الدنيا والآخرة. وأحل الله لكم أكل الأنعام إلا ما حرمه فيما يتلى عليكم في القرآن من الميتة وغيرها فاجتنبوه، وفي ذلك إبطال ما كانت العرب تحرمه من بعض الأنعام، وابتعدوا عن القذارة التي هي الأوثان، وعن الكذب الذي هو الافتراء على الله.

(6/50)


حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31)

{ حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) }
مستقيمين لله على إخلاص العمل له، مقبلين عليه بعبادته وحده وإفراده بالطاعة، معرضين عما سواه بنبذ الشرك، فإنه من يشرك بالله شيئا، فمثله- في بعده عن الهدى، وفي هلاكه وسقوطه من رفيع الإيمان بل حضيض الكفر، وتخطف الشياطين له من كل جانب- كمثل من سقط من السماء: فإما أن تخطفه الطير فتقطع أعضاءه، وإما أن تأخذه عاصفة شديدة من الريح، فتقذفه في مكان بعيد.

(6/51)


ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32)

{ ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) }
ذلك ما أمر الله به من توحيده وإخلاص العبادة له. ومن يمتثل أمر الله ويعظم معالم الدين، ومنها أعمال الحج وأماكنه، والذبائح التي تذبح فيه، وذلك باستحسانها واستسمانها، فهذا التعظيم من أفعال أصحاب القلوب المتصفة بتقوى الله وخشيته.

(6/52)


لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33)

{ لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) }
لكم في هذه الهدايا منافع تنتفعون بها من الصوف واللبن والركوب، وغير ذلك مما لا يضرها إلى وقت ذبحها عند البيت العتيق، وهو الحرم كله.

(6/53)


ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34)

{ ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) }
ولكل جماعة مؤمنة سلفت، جعلنا لها مناسك من الذبح وإراقة الدماء؛ وذلك ليذكروا اسم الله تعالى عند ذبح ما رزقهم من هذه الأنعام ويشكروا له. فإلهكم -أيها الناس- إله واحد هو الله فانقادوا لأمره وأمر رسوله. وبشر - أيها النبي- المتواضعين الخاضعين لربهم بخيري الدنيا والآخرة.

(6/54)


الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35)

{ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) }
هؤلاء المتواضعون الخاشعون من صفاتهم أنهم إذا ذكر الله وحده خافوا عقابه، وحذروا مخالفته، وإذا أصابهم بأس وشدة صبروا على ذلك مؤملين الثواب من الله عز وجل، وأدوا الصلاة تامة، وهم مع ذلك ينفقون مما رزقهم الله في الواجب عليهم من زكاة ونفقة عيال، ومن وجبت عليهم نفقته، وفي سبيل الله، والنفقات المستحبة.

(6/55)


والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36)

{ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) }
وجعلنا لكم نحر البدن من شعائر الدين وأعلامه؛ لتتقربوا بها إلى الله، لكم فيها- أيها المتقربون -خير في منافعها من الأكل والصدقة والثواب والأجر، فقولوا عند ذبحها: بسم الله. وتنحر الإبل واقفة قد صفت ثلاث من قوائمها وقيدت الرابعة، فإذا سقطت على الأرض جنوبها فقد حل أكلها، فليأكل منها مقربوها تعبدا ويطعموا منها القانع -وهو الفقير الذي لم يسأل تعففا- والمعتر الذي يسأل لحاجته، هكذا سخر الله البدن لكم، لعلكم تشكرون الله على تسخيرها لكم.

(6/56)


لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37)

{ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) }
لن ينال الله من لحوم هذه الذبائح ولا من دمائها شيء، ولكن يناله الإخلاص فيها، وأن يكون القصد بها وجه الله وحده، كذلك ذللها لكم -أيها المتقربون-؛ لتعظموا الله، وتشكروا له على ما هداكم من الحق، فإنه أهل لذلك. وبشر- أيها النبي- المحسنين بعبادة الله وحده والمحسنين إلى خلقه بكل خير وفلاح.

(6/57)


إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38)

{ إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) }
إن الله تعالى يدفع عن المؤمنين عدوان الكفار، وكيد الأشرار; لأنه عز وجل لا يحب كل خوان لأمانة ربه، جحود لنعمته.

(6/58)


أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39)

{ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) }
(كان المسلمون في أول أمرهم ممنوعين من قتال الكفار، مأمورين بالصبر على أذاهم، فلما بلغ أذى المشركين مداه وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من "مكة" مهاجرا إلى "المدينة"، وأصبح للإسلام قوة) أذن الله للمسلمين في القتال؛ بسبب ما وقع عليهم من الظلم والعدوان، وإن الله تعالى قادر على نصرهم وإذلال عدوهم.

(6/59)


الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40)

{ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) }
الذين ألجئوا إلى الخروج من ديارهم، لا لشيء فعلوه إلا لأنهم أسلموا وقالوا: ربنا الله وحده. ولولا ما شرعه الله من دفع الظلم والباطل بالقتال لهزم الحق في كل أمة ولخربت الأرض، وهدمت فيها أماكن العبادة من صوامع الرهبان، وكنائس النصارى، ومعابد اليهود، ومساجد المسلمين التي يصلون فيها، ويذكرون اسم الله فيها كثيرا. ومن اجتهد في نصرة دين الله، فإن الله ناصره على عدوه. إن الله لقوي لا يغالب، عزيز لا يرام، قد قهر الخلائق وأخذ بنواصيهم.

(6/60)


الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41)

{ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41) }
الذين وعدناهم بنصرنا هم الذين إن مكناهم في الأرض، واستخلفناهم فيها بإظهارهم على عدوهم، أقاموا الصلاة بأدائها في أوقاتها بحدودها، وأخرجوا زكاة أموالهم إلى أهلها، وأمروا بكل ما أمر الله به من حقوقه وحقوق عباده، ونهوا عن كل ما نهى الله عنه ورسوله. ولله وحده مصير الأمور كلها، والعاقبة للتقوى.

(6/61)


وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44)

{ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) }
وإن يكذبك قومك- أيها الرسول- فقد سبقهم في تكذيب رسلهم قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب "مدين" الذين كذبوا شعيبا، وكذب فرعون وقومه موسى، فلم أعاجل هذه الأمم بالعقوبة، بل أمهلتها، ثم أخذت كلا منهم بالعذاب، فكيف كان إنكاري عليهم كفرهم وتكذيبهم، وتبديل ما كان بهم من نعمة بالعذاب والهلاك؟

(6/62)


فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45)

{ فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45) }
فكثيرا من القرى الظالمة بكفرها أهلكنا أهلها، فديارهم مهدمة خلت من سكانها، وآبارها لا يستقى منها، وقصورها العالية المزخرفة لم تدفع عن أهلها سوء العذاب.

(6/63)


أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46)

{ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) }
أفلم يسر المكذبون من قريش في الأرض ليشاهدوا آثار المهلكين، فيتفكروا بعقولهم، فيعتبروا، ويسمعوا أخبارهم سماع تدبر فيتعظوا؟ فإن العمى ليس عمى البصر، وإنما العمى المهلك هو عمى البصيرة عن إدراك الحق والاعتبار.

(6/64)


ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47)

{ ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) }
ويستعجلك- أيها الرسول- كفار قريش -لشدة جهلهم- بالعذاب الذي أنذرتهم به لما أصروا على الكفر، ولن يخلف الله ما وعدهم به من العذاب فلا بد من وقوعه، وقد عجل لهم في الدينا ذلك في يوم "بدر". وإن يوما من الأيام عند الله - وهو يوم القيامة- كألف سنة مما تعدون من سني الدنيا.

(6/65)


وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48)

{ وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) }
وكثير من القرى كانت ظالمة بإصرار أهلها على الكفر، فأمهلتهم ولم أعاجلهم بالعقوبة فاغتروا، ثم أخذتهم بعذابي في الدنيا، وإلي مرجعهم بعد هلاكهم، فأعذبهم بما يستحقون.

(6/66)


قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (51)

{ قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (51) }
قل - أيها الرسول - : يا أيها الناس ما أنا إلا منذر لكم مبلغ عن الله رسالته. فالذين آمنوا بالله ورسوله، واستقر ذلك في قلوبهم، وعملوا الأعمال الصالحة، لهم عند الله عفو عن ذنوبهم ومغفرة يستر بها ما صدر عنهم من معصية، ورزق حسن لا ينقطع وهو الجنة. والذين اجتهدوا في الكيد لإبطال آيات القرآن بالتكذيب مشاقين مغالبين، أولئك هم أهل النار الموقدة، يدخلونها ويبقون فيها أبدا.

(6/67)


وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52)

{ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) }
وما أرسلنا من قبلك- أيها الرسول - من رسول ولا نبي إلا إذا قرأ كتاب الله ألقى الشيطان في قراءته الوساوس والشبهات؛ ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه ويتلوه، لكن الله يبطل كيد الشيطان، فيزيل وساوسه، ويثبت آياته الواضحات. والله عليم بما كان ويكون، لا تخفى عليه خافية، حكيم في تقديره وأمره.

(6/68)


ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53)

{ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) }
وما كان هذا الفعل من الشيطان إلا ليجعله الله اختبارا للذين في قلوبهم شك ونفاق، ولقساة القلوب من المشركين الذين لا يؤثر فيهم زجر. وإن الظالمين من هؤلاء وأولئك في عداوة شديدة لله ورسوله وخلاف للحق بعيد عن الصواب.

(6/69)


وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54)

{ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) }
وليعلم أهل العلم الذين يفرقون بعلمهم بين الحق والباطل أن القرآن الكريم هو الحق النازل من عند الله عليك أيها الرسول، لا شبهة فيه، ولا سبيل للشيطان إليه، فيزداد به إيمانهم، وتخضع له قلوبهم. وإن الله لهادي الذين آمنوا به وبرسوله إلى طريق الحق الواضح، وهو الإسلام ينقذهم به من الضلال.

(6/70)


ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55)

{ ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55) }
ولا يزال الكافرون المكذبون في شك مما جئتهم به من القرآن إلى أن تأتيهم الساعة فجأة، وهم على تكذيبهم، أو يأتيهم عذاب يوم لا خير فيه، وهو يوم القيامة.

(6/71)


الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57)

{ الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) }
الملك والسلطان في هذا اليوم لله وحده، وهو سبحانه يقضي بين المؤمنين والكافرين. فالذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة، لهم النعيم الدائم في الجنات. والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وأنكروا آيات القرآن، فأولئك لهم عذاب يخزيهم ويهينهم في جهنم.

(6/72)


والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58)

{ والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) }
والذين خرجوا من ديارهم طلبا لرضا الله، ونصرة لدينه، من قتل منهم وهو يجاهد الكفار، ومن مات منهم من غير قتال، ليرزقنهم الله الجنة ونعيمها الذي لا ينقطع ولا يزول، وإن الله سبحانه وتعالى لهو خير الرازقين.

(6/73)


ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59)

{ ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) }
ليدخلنهم الله المدخل الذي يحبونه وهو الجنة. وإن الله لعليم بمن يخرج في سبيله، ومن يخرج طلبا للدنيا، حليم عمن عصاه، فلا يعاجلهم بالعقوبة.

(6/74)


ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60)

{ ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60) }
ذلك الأمر الذي قصصنا عليك من إدخال المهاجرين الجنة، ومن اعتدي عليه وظلم فقد أذن له أن يقابل الجاني بمثل فعلته، ولا حرج عليه، فإذا عاد الجاني إلى إيذائه وبغى، فإن الله ينصر المظلوم المعتدى عليه; إذ لا يجوز أن يعتدى عليه بسبب انتصافه لنفسه. إن الله لعفو غفور، يعفو عن المذنبين فلا يعاجلهم بالعقوبة، ويغفر ذنوبهم.

(6/75)


ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (61)

{ ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (61) }
ذلك الذي شرع لكم تلك الأحكام العادلة هو الحق، وهو القادر على ما يشاء، ومن قدرته أنه يدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار، ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، وأن الله سميع لكل صوت، بصير بكل فعل، لا يخفى عليه شيء.

(6/76)


ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير (62)

{ ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير (62) }
ذلك بأن الله هو الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأن ما يعبده المشركون من دونه من الأصنام والأنداد هو الباطل الذي لا ينفع ولا يضر، وأن الله هو العلي على خلقه ذاتا وقدرا وقهرا، المتعالي عن الأشباه والأنداد، الكبير في ذاته وأسمائه فهو أكبر من كل شيء.

(6/77)


ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير (63)

{ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير (63) }
ألم تر- أيها النبي- أن الله أنزل من السماء مطرا، فتصبح الأرض مخضرة بما ينبت فيها من النبات؟ إن الله لطيف بعباده باستخراج النبات من الأرض بذلك الماء، خبير بمصالحهم.

(6/78)


له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64)

{ له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64) }
لله سبحانه وتعالى ما في السموات والأرض خلقا وملكا وعبودية، كل محتاج إلى تدبيره وإفضاله. إن الله لهو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، المحمود في كل حال.

(6/79)


ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم (65)

{ ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم (65) }
ألم تر أن الله تعالى ذلل لكم ما في الأرض من الدواب والبهائم والزروع والثمار والجماد لركوبكم وطعامكم وكل منافعكم، كما ذلل لكم السفن تجري في البحر بقدرته وأمره فتحملكم مع أمتعتكم إلى حيث تشاؤون من البلاد والأماكن، وهو الذي يمسك السماء فيحفظها؛ حتى لا تقع على الأرض فيهلك من عليها إلا بإذنه سبحانه بذلك؟ إن الله بالناس لرؤوف رحيم فيما سخر لهم من هذه الأشياء وغيرها؛ تفضلا منه عليهم.

(6/80)


وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66)

{ وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66) }
وهو الله تعالى الذي أحياكم بأن أوجدكم من العدم، ثم يميتكم عند انقضاء أعماركم، ثم يحييكم بالبعث لمحاسبتكم على أعمالكم. إن الإنسان لجحود لما ظهر من الآيات الدالة على قدرة الله ووحدانيته.

(6/81)


لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67)

{ لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) }
لكل أمة من الأمم الماضية جعلنا شريعة وعبادة أمرناهم بها، فهم عاملون بها، فلا ينازعنك- أيها الرسول- مشركو قريش في شريعتك، وما أمرك الله به في المناسك وأنواع العبادات كلها، وادع إلى توحيد ربك وإخلاص العبادة له واتباع أمره، إنك لعلى دين قويم، لا اعوجاج فيه.

(6/82)


وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68)

{ وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) }
وإن أصروا على مجادلتك بالباطل فيما تدعوهم إليه فلا تجادلهم، بل قل لهم: الله أعلم بما تعملونه من الكفر والتكذيب، فهم معاندون مكابرون.

(6/83)


الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69)

{ الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) }
الله تعالى يحكم بين المسلمين والكافرين يوم القيامة في أمر اختلافهم في الدين. وفي هذه الآية أدب حسن في الرد على من جادل تعنتا واستكبارا.

(6/84)


ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (70)

{ ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (70) }
ألم تعلم- أيها النبي- أن الله يعلم ما في السماء والأرض علما كاملا قد أثبته في اللوح المحفوظ؟ إن ذلك العلم أمر سهل على الله، الذي لا يعجزه شيء.

(6/85)


ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير (71)

{ ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير (71) }
ويصر كفار قريش على الشرك بالله مع ظهور بطلان ما هم عليه، فهم يعبدون آلهة، لم ينزل في كتاب من كتب الله برهان بأنها تصلح للعبادة، ولا علم لهم فيما اختلقوه، وافتروه على الله، وإنما هو أمر اتبعوا فيه آباءهم بلا دليل. فإذا جاء وقت الحساب في الآخرة فليس للمشركين ناصر ينصرهم، أو يدفع عنهم العذاب.

(6/86)


وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72)

{ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72) }
وإذا تتلى آيات القرآن الواضحة على هؤلاء المشركين ترى الكراهة ظاهرة على وجوههم، يكادون يبطشون بالمؤمنين الذين يدعونهم إلى الله تعالى، ويتلون عليهم آياته. قل لهم -أيها الرسول-: أفلا أخبركم بما هو أشد كراهة إليكم من سماع الحق ورؤية الداعين إليه؟ النار أعدها الله للكافرين في الآخرة، وبئس المكان الذي يصيرون إليه.

(6/87)


يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73)

{ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) }
يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له وتدبروه: إن الأصنام والأنداد التي تعبدونها من دون الله لن تقدر مجتمعة على خلق ذبابة واحدة، فكيف بخلق ما هو أكبر؟ ولا تقدر أن تستخلص ما يسلبه الذباب منها، فهل بعد ذلك من عجز؟ فهما ضعيفان معا: ضعف الطالب الذي هو المعبود من دون الله أن يستنقذ ما أخذه الذباب منه، وضعف المطلوب الذي هو الذباب، فكيف تتخذ هذه الأصنام والأنداد آلهة، وهي بهذا الهوان؟

(6/88)


ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74)

{ ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) }
هؤلاء المشركون لم يعظموا الله حق تعظيمه، إذ جعلوا له شركاء، وهو القوي الذي خلق كل شيء، العزيز الذي لا يغالب.

(6/89)


الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76)

{ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) }
الله سبحانه وتعالى يختار من الملائكة رسلا إلى أنبيائه، ويختار من الناس رسلا لتبليغ رسالاته إلى الخلق، إن الله سميع لأقوال عباده، بصير بجميع الأشياء، وبمن يختاره للرسالة من خلقه. وهو سبحانه يعلم ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم، ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم. وإلى الله وحده ترجع الأمور.

(6/90)


يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78)

{ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) }
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم اركعوا واسجدوا في صلاتكم، واعبدوا ربكم وحده لا شريك له، وافعلوا الخير; لتفلحوا، وجاهدوا أنفسكم، وقوموا قياما تاما بأمر الله، وادعوا الخلق إلى سبيله، وجاهدوا بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، مخلصين فيه النية لله عز وجل، مسلمين له قلوبكم وجوارحكم، هو اصطفاكم لحمل هذا الدين، وقد من عليكم بأن جعل شريعتكم سمحة، ليس فيها تضييق ولا تشديد في تكاليفها وأحكامها، كما كان في بعض الأمم قبلكم، هذه الملة السمحة هي ملة أبيكم إبراهيم، وقد سماكم الله المسلمين من قبل في الكتب المنزلة السابقة، وفي هذا القرآن، وقد اختصكم بهذا الاختيار ; ليكون خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم شاهدا عليكم بأنه بلغكم رسالة ربه، وتكونوا شهداء على الأمم أن رسلهم قد بلغتهم بما أخبركم الله به في كتابه، فعليكم أن تعرفوا لهذه النعمة قدرها، فتشكروها، وتحافظوا على معالم دين الله بأداء الصلاة بأركانها وشروطها، وإخراج الزكاة المفروضة، وأن تلجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى، وتتوكلوا عليه، فهو نعم المولى لمن تولاه، ونعم النصير لمن استنصره.

(6/91)


{ سورة المؤمنون }

(6/92)


قد أفلح المؤمنون (1)

{ قد أفلح المؤمنون (1) }
قد فاز المصدقون بالله وبرسوله العاملون بشرعه.

(6/93)


الذين هم في صلاتهم خاشعون (2)

{ الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) }
الذين من صفاتهم أنهم في صلاتهم خاشعون، تفرغ لها قلوبهم، وتسكن جوارحهم.

(6/94)


والذين هم عن اللغو معرضون (3)

{ والذين هم عن اللغو معرضون (3) }
والذين هم تاركون لكل ما لا خير فيه من الأقوال والأفعال.

(6/95)


والذين هم للزكاة فاعلون (4)

{ والذين هم للزكاة فاعلون (4) }
والذين هم مطهرون لنفوسهم وأموالهم بأداء زكاة أموالهم على اختلاف أجناسها.

(6/96)


والذين هم لفروجهم حافظون (5)

{ والذين هم لفروجهم حافظون (5) }
والذين هم لفروجهم حافظون مما حرم الله من الزنى واللواط وكل الفواحش.

(6/97)


إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6)

{ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) }
إلا على زوجاتهم أو ما ملكت أيمانهم من الإماء، فلا لوم عليهم ولا حرج في جماعهن والاستمتاع بهن; لأن الله تعالى أحلهن.

(6/98)


فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7)

{ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) }
فمن طلب التمتع بغير زوجته أو أمته فهو من المجاوزين الحلال إلى الحرام، وقد عرض نفسه لعقاب الله وسخطه.

(6/99)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية