صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : أضواء البيان |
وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي ، أنبأ أبو عبد الهل محمد بن يعقوب الشيباني ثنا محمد بن عبد الوهاب؛ أنبأ جعفر بن عون ، أنبأ الأجلح عن الشعبي قال : « جيء بشراحة الهمدانية إلى علي رضي الله عنه فقال لها : ويلك لعل رجلا وقع عليك وأنت نائمة ، قالت : لا قال : لعلك استكرهك؟ قالت : لا . قال : لعل زوجك من عدونا هذا أتاك فأنت تكرهين أن تدلي عليه ، يلقنها لعلها تقول نعم ، قال : فأمر بها فحبست ، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فربها مائة ، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة فأحاط الناس بها؛ وأخذوا الحجارة فقال ليس هكذا الرجم إنما يصيب بعضكم بعضا صفوا كصف الصلاة صفا خلف صف؛ ثم قال : أيها الناس أيما امرأة جيء بها وبها حبل يعني أو اعترفت ، فالإمام أول من يرجم ، ثم الناس ، وأيما امرأة جيء بها أو رجل زان فشهد عليه أربعة بالزنا فالشهود أول من يرجم ، ثم الإمام ثم الناس . ثم أمرهم فرجم صف ثم صف ، ثم قال افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم » . (5/412)
قال الشيخ رحمه الله : قد ذكرنا أن جلد الثيب صار منسوخا ، وأن الأمر إلى الرجم فقط اه . من السنن الكبرى بلفظه ، وذلك يدل على أن المرجوم يغسل ويكفن ويصلى عليه ، وهو كذلك ، وقد جاءت النصوص بالصلاة على المرجوم كما هو معلوم .
وقال صاحب نصب الراية في أثر على هذا ما نصه : قلت : اخرجه البيهقي في سننه عن الأجلح عن الشعبي ، قال جيء بشراحة الهمدانية إلى علي رضي الله عنه إلى آخر ما ذكرنا ، عن البيهقي باللفظ الذي سقناه به ، والعجب من صاحب نصب الراية ، حيث اقتصر على رواية البيهقي للأثر المذكور من طريق الأجلح عن الشعبي؛ ولم يشر إلى الرواية الأولى التي سقناها التي الراوي فيها عن الشعبي أو حصين فاقتصاره على رواية الأجلح عن الشعبي وتركه للرواية التي ذكرنا أولا لا وجه له . والأجلح المذكور في إسناد المذكور : هو ابن عبد الله بن حجية بالمهملة والجيم مصغرا . ويقال : ابن معاوية يكنى أبا حجية الكندي؛ ويقال اسمه : يحيى . قال فيه ابن حجر في التقريب : صدوق شيعي . وقال عنه في تهذيب التهذيب قال القطان : نفسي منه شيء . وقال أيضا : ما كان يفصل بين الحسين بن علي بن الحسين . وقال أحمد : أجلح ومجالد متقاربان في الحديث . وقد روى الأجلح غير حديث منكر . وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه : ما أقرب الأجلح من فطر بن خليفة . وقال ابن معين : صالح ، وقال مرة : ثقة ، وقال مرة : ليس به بأس ، وقال العجلي : كوفي ثقة ، وقال أبو حاتم : ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به ، وقال النسائي : ضعيف ليس بذاك؛ وكان له رأي سوء ، وقال الجورجاني : مفتر : وقال ابن عدي : له أحاديث صالحة ، ويروي عنه الكوفيون وغيرهم ، ولم أر له حديثا منكرا مجاوزا للحد لا إسنادا ولا متنا إلا أنه يعد في شيعة الكوفة ، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق .
وقال شريك عن الأجلح : سمعنا أنه ما يسب أبا بكر وعمر أحد إلا مات قتلا أو فقيرا : وقال عمرو بن علي : مات سنة مائة وخمس وأربعين في أول السنة ، وهو رجل من يجلية مستقيم الحديث صدوق . (5/413)
قلت : ليس هو من بجيلة ، وقال أبو داود : ضعيف وقال مرة : زكريا أرفع منه بمائة درجة ، وقال ابن سعد : كان ضعيفا جداص . وقال العقيلي : روى عن الشعبي أحاديث مضطربة لا يتابع عليها . وقال يعقوب بن سفيان : ثقة ، حديثه لين . وقال ابن حبان : كان لا يدري ما يقول جعل أبا سفيان أبا الزبير . انتهى منه .
وقد رأيت كثرة الاختلاف في الأجلح المذكور إلا أن روايته لهذا الأثر عن الشعبي عن علي تعتضد برواية أبي الحصين له عن الشعبي ، عن علي . وأبو حصين المذكور ، هو بفتح الحاء ، وهو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي أخرج له الجميع . وقال فيه في التقريب : ثقة ثبت سني وربما دلس . اه .
وإذا علمت أقوال أهل العلم في بداءة الشهود والإمام بالرجم وما احتج به كل منهم .
فاعلم أن أظهر القولين هو قول من قال ببداءة الشهود أو الإمام كما ذكرنا . وقول الإمام مالك رحمه الله : إنه لم يعلم أحدا من الأئمة فعله يقتضي أنه لم يبلغه أثر علي رضي الله عنه المذكور ، ولو بلغه لعمل به ، والظاهر أن له حكم الرفع لأنه لا يظهر أنه يقال من جهة الرأي ، وإن كان الكلام الذي قدمنا عن صاحب المغني ، وصاحب تبيين الحقائق يقتضي أن مثله يقال بطريق الرأي للتعليل الذي عللوا به القول به . وقال صاحب نصب الراية بعد أن ذكر رواية البيهقي للأثر المذكور عن علي من طريق الأجلح ، عن الشعبي ما نصه : ورواه أحمد في مسنده ، عن يحيى بن سعيد ، عن مجالد عن الشعبي ثم ساق متن رواية الإمام أحمد بنحو ما قدمنا ، ثم قال ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن يزيد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عليا رضي الله عنه ثم ساق الأثر بنحو ما قدمنا . ثم قال : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن حجاج ، عن الحسن بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، عن علي ، ثم ساق الأثر المذكور بنحو ما قدمنا . اه .
وهذه الروايات يعضد بعضها بعضا وهي تدل على أن عليا كان يقول ببداءة الإمام في الإقرار وبداءة الشهود في البينة ، وإن كان له حكم الرفع فالأمر واضح ، وإن كان له حكم الوقف فهي فتوى وفعل من خليفة راشد ، ولم يعلم أن أحدا أنكر عليه ، ولهذا استظهرنا بداءة البينة والإمام في الرجم والعلم عند الله تعالى .
الفرع الخامس : اعلم أن المرجوم أذا هرب في أثناء الرجم عندما وجد ألم الضرب بالحجارة فإن كان زناه ثابتا ببينة ، فلا خلاف في أنهم يتبعونه ، حتى يدركوه ، فيرجموه لوجوب إقامة الحد عليه الذي هو الرجم بالبينة ، وإن كان زناه ثابتا بإقرار فقد اختلف أهل العلم فيه . (5/414)
قال النووي في شرح مسلم : اختلف العلماء في المحصن : إذا أقر بالزنا فشرعوا في رجمه ، ثم هرب هل يترك أم يتبع ليقام عليه الحد؟ فقال الشافعي وأحمد وغيرهما : يترك ، ولا يتبع لكي يقال له بعد ذلك ، فإن رجع عن الإقرار ترك ، وإن أعاد رجم .
وقال مالك في رواية وغيره : إنه يتبع ويرجم . واحتج الشافعي وموافقوه بما جاء في رواية أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ألا تركتموه حتى أنظر في شأنه؟ » وفي رواية « هل تركتموه فلعله يتوب الله عليه » واحتج الآخرون بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزمهم ذنبه ، مع أنهم قتلوه بعد هربه ، وأجاب الشافعي وموافقوه عن هذا بأنه لم يصرح بالرجوع ، وقد ثبت إقراره فلا يترك حتى يصرح بالرجوع قالوا : وأنما قلنا لا يتبع في هربه لعله يريد الرجوع . ولم نقل إنه سقط الرجم بمجرد الهرب . والله أعلم انتهى منه .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : أظهر القولين عندي أنه إن هرب في أثناء الرجم لا يتبع بل يمهل حتى ينظر في أمره ، فإن صرح بالرجوع ترك ، وإن تمادى على إقراره رجم . ويدل لهذا ما في رواية أبي داود التي أشار لها النووي والعلم عند الله تعالى .
المسألة الخامسة : اعلم أن البكر من الرجال والنساء ، إذا زنا وجب جلده مائة جلدة كما هو نص الآية الكريمة ، ولا خلاف فيه ، ولكن العلماء اختلفوا هل يغرب سنة مع جلده مائة أو لا يغرب؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أن البكر يغرب سنة مع الجلد . قال ابن قدامة في المغني : وهو قول الجمهور أهل العلم . روي ذلك عن الخلفاء الراشدين ، وبه قال أبي وابن مسعود ، وابن عمر رضي الله عنهم . وإليه ذهب عطاء ، وطاوس ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، والشافعي وإسحاق وأبو ثور : وقال مالك النووي والأوزاعي : يغرب الرجل دون المرأة . وقال أبو حنيفة ومحمد : لا يجب التغريب على ذكر أو أنثى . وقال النووي في شرح مسلم : قال الشافعي والجماهير ينفى سنة رجلا كان أو امرأة . وقال الحسن : لا يجب النفي . وقال مالك والأوزاعي : لا نفي على النساء ، وروي مثله عن علي رضي الله عنه إلى أن قال : وأما العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعي .
أحدها : يغرب كل واحد منهما سنة لظاهر الحديث . وبهذا قال سفيان الثوري ، وأبو ثور ، وداود ، وابن جرير . (5/415)
والثاني : يغرب نصف سنة لقوله تعالى : { فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } [ النساء : 25 ] وهذا أصح الأقوال عند اصحابنا ، وهذا الآية مخصصة لعموم الحديث والصحيح عند الأصوليين ، جواز تخصيص السنة بالكتاب ، لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب فتخصيص السنة به أولى .
والثالث : لا يغرب المملوك أصلا ، وبه قال الحسن البصري ، وحماد ، ومالك ، وأحمد وإسحاق لقوله صلى الله عليه وسلم في الأمة إذا زنت « فليجلدها » ولم يذكر النفي ، ولأن نفيه يضر سيده مع أنه لا جناية من سيده ، وأجاب أصحاب الشافعي عن حديث الأمة إذا زنت أنه ليس فيه تعرض للنفي ، والآية ظاهرة في وجوب النفي ، فوجب العمل بها ، وحمل الحديث على موافقتها والله أعلم . اه كلام النووي ، وقوله : إن الآية ظاهرة في وجوب النفي ليس بظاهر فانظره .
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة ، وأن الأئمة الثلاثة : مالكا ، والشافعي ، وأحمد ، متفقون على تغريب الزاني البكر الحر الذكر ، وإن وقع بينهم خلاف في تغريب الإناث والعبيد ، وعلمت أن أبا حنيفة ، ومن ذكرنا معه يقولون : بأنه لا يجب التغريب على الزاني مطلقا ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا فهذه تفاصيل أدلتهم .
أما الذين قالوا : يغرب البكر الزاني سنة ، فاحتجوا بأن ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا مطعن فيه ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وباقي الجماعة في حديث العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرا عنده ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله : الوليدة والغنم ، رد عليك وعلى ابنك ، جلد مائة وتغريب عام » الحديث وفيه التصرح من النبي صلى الله عليه وسلم برواية صحابيين جليلين أنه أقسم ليقضين بينهما بكتاب الله ، ثم صرح بأن من ذلك القضاء بكتاب الله جلد ذلك الزاني البكر مائة وتغريبه عاما ، وهذا أصح نص وأصرحه في محل النزاع . ومن ذلك ما أخرحه مسلم في صحيحه وغيره وهو حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي قدمناه ، وفيه « البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة » وهو أيضا نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في محل النزاع . واحتج الحنفية ومن وافقهم من الكوفيين على عدم التغريب بأدلة :
منها : أن التغريب سنة زيادة على قوله تعالى : { فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة } [ النور : 2 ] والمقرر في أصول الحنفية هو أن الزيادة على النص نسخ له ، وإذا كانت زيادة التغريب على الجلد في الآية تعتبر نسخا للآية فهم يقولون : إن الآية متواترة ، وأحاديث التغريب أخبار آحاد .
والمتواتر عندهم لا ينسخ بالآحاد ، وقد قدمنا في مواضع من هذا الكتاب المبارك أن كلا الأمرين ليس بمسلم ، أما الأول منهما وهو أن كل منهما وهو أن كل زيادنة على النص ، فهي ناسخة له ليس بصحيح ، لأن الزيادة على النص لا تكون ناسخة له على التحقيق؛ إلا إن كانت زيادة على النص ، فهي ناسخة له ليس بصحيح ، لأن الزيادة على النص لا تكون ناسخة له على التحقيق؛ إلا إن كانت مثبتة شيئا قد نفاه النص أو نافية شيئا أثبته النص ، أما إذا كانت زيادة شيء سكت عنه النص السابق ، ولم يتعرض لنفيه ، ولا لإثباته فالزيادة حينئذ إنما هي رافعة للبراءة الأصلية المعروفة في الأصول بالإباحة العقلية ، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي ، حتى يرد دليل ناقل عنه ، ورفع البراءة الأصلية ليس بنسخ ، وإنما النسخ رفع حكم شرعي كان ثابتا بدليل شرعي . (5/416)
وقد أوضحنا هذا المبحث في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى : { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا } [ الأنعام : 145 ] الآية .
وفي سورة الحج في مبحث اشتراط الطهارة للطواف في كلامنا الطويل على آيات الحج وغير ذلك من مواضع هذا الكتاب المبارك .
وأما الأمر الثاني : وهو أن المتواتر لا ينسخ بأخبار الآحاد؛ فقد قدمنا في سورة الأنعام في الكلام على آية الأنعام المذكورة آنفا؛ أنه غلط فيه جمهور الأصوليين غلطا لا شك فيه ، وأن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد إذا ثبت تأخرها عنه ، ولا منافاة بينهما أصلا ، حتى يرجح المتواتر على الآحاد ، لأنه لا تناقض مع اختلاف زمن الدليلين ، لأن كلا منهما حق في وقته؛ فلو قالت لك جماعة من العدول : إن أخاك المسافر لم يصل بيته إلى الآن؛ ثم بعد ذلك بقليل من الزمن أخبرك إنسان واحد أن أخاك وصل بيته ، فإن خبر هذا الإنسان الواحد أحق بالتصديق من خبر جماعة العدول المذكورة ، لأن أخاك وقت كونهم في بيته لم يقدم ، وبعد ذهابهم بزمن قليل قدم أخوك فأخبرك ذلك الإنسان بقدومه وهو صادق . وخبره لم يعارض خبر الجماعة الآخرين لاختلاف زمنهما كما أوضحناه في المحل المذكور؛ فالمتواتر في وقته قطعي؛ ولكن استمرار حكمه إلى الأبد ليس بقطعي؛ فنسخه بالآحاد إنما نفي استمرار حكمه؛ وقد عرفت أنه ليس بقطعي كما ترى .
ومن أدلتهم على عدم التغريب حديث سهل بن سعد الساعدي عند أبي داود وقد قدمناه : « أن رجلا أقر عنده صلى الله عليه وسلم أنه زنى بامرأة سماها فأنكرت أن تكون زنت؛ فجلده الحد؛ وتركها » . وما رواه أبو داود أيضا عن ابن عباس : « أن رجلا من بكر بن ليث أقر عند النبي صلى الله عليه وسلم أنه زنى بامرأة أربع مرات؛ وكان بكرا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة ، وسأله صلى الله عليه وسلم البينة على المرأة إذا كذبته ، فلم يأت بها؛ فجلده حد الفرية ثمانين جلدة »؛ قالوا ولو كان التغريب واجبا لما أخل به النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن أدلتهم أيضا : الحديث الصحيح « إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها » الحديث ، وهو متفق عليه ، ولم يذكر فيه التغريب مع الجلد ، فدل ذلك على أن التغريب منسوخ ، وهذا الاستدلال لا ينهض لمعارضة النصوص الصحيحة الصريحة التي فيها إقسامة صلى الله عليه وسلم أن الجمع بين جلد البكر ، ونفيه سنة قضاء منه صلى الله عليه وسلم بكتاب الله . (5/417)
وإيضاح ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب الله ، وهذا النص الصحيح بالغ من الصراحة في محل النزاع ، ما لم يبلغه شيء آخر يعارض به .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار : إن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين ، وقد أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب الله . قال : وخطب بذلك عمر رضي الله عنه على رؤوس المنابر؛ وعمل به الخلفاء الراشدون؛ ولم ينكره أحد فكان إجماعا . اه منه .
وذكر مرجحات أخرى متعددة لوجوب التغريب .
والحاصل : أن حديث أبي داود الذي استدلوا به من حديث سهل بن سعد وابن عباس ليس فيه ذكر التغريب؛ ولا التصريح بعدمه؛ ولم يعلم هل هو قبل حديث الإقسام : بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله أو بعده؟ فعلى أن المتأخر الإقسام المذكور فالأمر واضح؛ وعلى تقدير : أن الإقسام هو المتقدم . فذلك التصريح : بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله مع الإقسام على ذلك لا يصح رفعه بمحتمل؛ ولو تكررت الروايات به تكررا كثيرا . وعلى أنه لا يعرف المتقدم منهما كما هو الحق ، فالحديث المتفق عليه عن صحابيين جليلين هما : أبو هريرة ، وزيد بن خالد الجهني الذي فيه الإقسام بان الجمع بينهما قضاء بكتاب الله ، لا شك في تقديمه على حديث أبي داود الذي هو دونه في السند والمتن . أما كونه في السند : فظاهر ، وأما كونه في المتن : فلأن حديث ابي داود ليس فيه التصريح بنفي التغريب ، والصريح مقدم على غير الصريح كما هو معروف في الاصول ، وبه تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه جمع الجلد والتغريب .
وأما الاستدلال بحديث الأمة فليس بوجيه لاختلاف الأمة والأحرار في أحكام الحد ، فهي تجلد خمسين ، ولو محصنة ، ولا ترجم . والأحرار بخلاف ذلك ، فأحكام الأحرار والعبيد في الحدود قد تختلف .
وقد بينت آية النساء اختلاف الحرة والأمة في حكم حد الزنا من جهتين :
إحداهما : أنها صرحت بأنها إن كانت محصنة ، فعليها الجلد لا الرجم .
والثانية : أن عليها نصفة ، وذلك في قوله { فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } [ النساء : 25 ] فتأمل قول { فإذآ أحصن } وقوله : { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } يظهر لك ما ذكرنا . (5/418)
ومما ذكرنا تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه : هو وجوب تغريب البكر سنة مع جلده مائة لصراحة الأدلة الصحيحة في ذلك ، والعلم عند الله تعالى .
الفرع الأول : اعلم أن الذين قالوا بالتغريب ، وهم الجمهور اختلفوا في تغريب المرأة ، فقال جماعة من أهل العلم : تغرب المرأة سنة لعموم أدلة التغريب ، وممن قال به : الشافعي وأحمد ، وقال بعض أهل العلم : لا تغريب على النساء ، وممن قال به مالك والأوزاعي ، وروي مثله عن علي رضي الله عنه .
أما حجة من قال بتغريب النساء فهي عموم أدلة التغريب ، وظاهرها شمول الأنثى ، وأما الذين قالوا : لا تغريب على النساء ، فقد احتجوا بالأحاديث الصحيحة الواردة بنهي المرأة عن السفر ، إلا مع محرم أو زوج .
وقد قدمناها في سورة النساء في الكلام على مسافة القصر . قالوا : لا يجوز سفرها دون محرم ، ولا يكلف محرمها بالسفر معها ، لأنه لا ذنب له يكلف السفر بسببه ، قالوا : ولأن المرأة عورة وفي تغريبها تضييع لها ، وتعريض لها للفتنة ، ولذلك نهيت عن السفر إلا مع محرم او زوج ، قالوا : وغاية ما في الأمر ، أن عموم أحاديث التغريب بالنسبة إلى النساء خصصته أحاديث نهي المرأة عن السفر إلا مع محرم أو زوج ، وهذا لا إشكال فيه .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الذي يظهر لي أنها إن وجد لها محرم متبرع بالسفر معها إلى محل التغريب مع كون محل التغريب محل مأمن لا تخشى فيه فتنة ، مع تبرع المحرم المذكور بالرحوع معها إلى محلها ، بعد انتهاء السنة ، فإنها تغرب ، لأن العمل بعموم أحاديث التغريب لا معارض له في الحالة المذكورة . وأما إن لم تجد محرما متبرعا بالسفر معها ، فلا يجبر ، لأنه لا ذنب له ، ولا تكلف هي السفر بدون محرم ، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك .
وقد قدمنا مرارا أن النص الدال على النهي يقدم على الدال على الأمر على الأصح ، لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح ، وهذا التفصيل الذي استظهرنا لم نعلم أحدا ذهب إليه ، ولكنه هو الظاهر من الأدلة ، والعلم عند الله تعالى .
الفرع الثاني : اعلم أن العلماء اختلفوا في تغريب العبد والأمة ، وقد قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك .
وأظهر أقوالهم عندنا : أن المملوك لا يغرب ، لأنه مال ، وفي تغريبه إضرار بمالكه ، وهو لا ذنب له ويستأنس له بأنه لا يرجم ، ولو كان محصنا ، لأن أهلاكه بالرجم إضرار بمالكه . ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم
« إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها » الحديث ، ولم يذكر تغريبا ، وقد فهم البخاري رحمه الله عدم نفي الأمة من الحديث المذكور ، ولذا قال في ترجمته : باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى . (5/419)
وقد قدمنا اختلاف الأصوليين في العبيد هل يدخلون في عموم نصوص الشرع ، لأنهم من جملة المكلفين ، أو لا يدخلون في عموم النصوص ، إلا بدليل منفصل لكثرة خروجهم من عموم النصوص ، كما تقدم إيضاحه .
وقد قدمنا أن الصحيح هو دخولهم في عموم النصوص إلا ما أخرجهم منه دليل ، واعتمده صاحب مراقي السعود بقوله :
والعبد والموجود والذي كفر مشمولة له لدى ذوي النظر
وإخراجهم هنا من نصوص التغريب ، لأنه صلى الله عليه وسلم امر بجلد الأمة الزانية وبيعها ، ولم يذكر تغريبها ، ولأنهم مال ، وفي تغريبهم إضرار بالمالك . وفي الحديث « لا ضرر ولا ضرار » والعلم عند الله تعالى .
أظهر القولين عندي : أنه لا بد في التغريب من مسافة تقصر فيها الصلاة ، لأنه فيما دونها له حكم الحاضر بالبلد زنى فيه .
وأظهر القولين أيضا عندي أن المغرب لا يسجن في محل تغريبه ، لأن السجن عقوبة زائدة على التغريب ، فتحتاج إلى دليل ، ولا دليل عليها ، والعلم عند الله تعالى . والأظهر أن الغريب إذا زنى غرب من محل زناه إلى محل آخر غير وطنه الأصلي .
المسألة السادسة : اعلم أن من أقر بأنه أصاب حدا ، ولم يعين ذلك الحد ، فإنه لا يجب عليه الحد ، لعدم التعيين وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه ، لما ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال « كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاءة رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي ، قال : ولم يسأله عنه قال : وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ، قام إليه الرجل فقال : يا رسول الله : إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله ، قال : » أليس صليت معنا؟ « قال : نعم . قال : » فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال : حدك « هذا لفظ البخاري في صحيحه . والحديث متفق عليه . ولمسلم وأحمد من حديث أبي أمامة نحوه : وهو نص صحيح صريح في أن من أقر بحد ولم يسمه ، لا حد عليه كما ترى ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة الرابعة : في حكم رجوع الزاني المقر بالزنى أو رجوع البينة قبل إتمام إقامة الحد عليه .
أما الزاني المقر بزناه إذا رجع عن إقراره ، سقط عنه الحد ، ولو رجع في أثناء إقامة الحد من جلد أو رجم . هذا هو الظاهر .
قال ابن قدامة : وبه قال عطاء ويحيى بن يعمر ، والزهري ، وحماد ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف . وقد حكى ابن قدامة خلاف هذا عن جماعة وروايته عن مالك ضعيفة .
والظاهر لنا هو ما ذكرنا من سقوط الحد عنه برجوعه عن إقراره ، ولو في أثناء إقامة الحد لما قدمنا من حديث أبي داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لهم لما تبعوا ماعزا بعد هربه » ألا تركتموه؟ « وفي رواية » هلا تركتموه؟ فلعله يتوب فيتوب الله عليه « وفي ذلك دليل على قبول رجوعه ، وعليه أكثر أهل العلم ، وهو الحق إن شاء الله تعالى . وأما رجوع البينة أو بعضهم فلم أعلم فيه بخصوص نصا من كتاب ولا سنة ، والعلماء مختلفون فيه . (5/420)
واعلم أن له حالتين .
إحداهما : أن يكون رجوعهم ، أو رجوع بعضهم قبل إقامة الحد على الزاني بشهادتهم .
والثانية : أن يكون رجوعهم ، أو رجوع بعضهم بعد إقامة الحد عليه ، والحد المذكور قد يكون جلدا ، وقد يكون رجما ، فإذا رجعوا كلهم أو واحد منهم قبل إقامة الحد ، فقد قال في ذلك ابن قدامة في المغني : فإن رجعوا عن الشهادة ، أو واحد فعلى جميعهم الحد في أصح الروايتين ، وهو قول أبي حنيفة . والثانية : يحد الثلاثة دون الراجع ، وهو اختيار أبي بكر ، وابن حامد؛ لأنه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله : فسقط عنه الحد ، ولأن في درء الحد عنه تمكينا له من الرجوع الذي يحصل به مصلحة المشهود عليه . وفي إيجاب الحد زجر له عن الرجوع خوفا من الحد ، فتفوت تلك المصلحة ، وتتحقق المفسدة ، فناسب ذلك نفي الحد عنه . وقال الشافعي : يحد الراجع دون الثلاثة؛ لأنه مقر على نفسه بالكذب في قذفه . وأما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم ، وإنما سقط بعد وجوبه برجوع الراجع ، ومن وجب الحد بشهادته لم يكن قاذفا فلم يحد ، كما لو لم يرجع . ولنا أنه نقص العدد بالرجوع قبل إقامة الحد ، فلزمهم الحد كما لو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهاة ، وقولهم : وجب الحد بشهادتهم يبطل بما اذا رجعوا كلهم ، وبالراجع وحده ، فإن الحد وجب ، ثم سقط ، ووجب الحد عليهم بسقوطه ، ولأن الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه ، وإسقاط الحد عن المشهود عليه بعد وجوبه ، وإحيائه المشهود عليه بعد إشرافه على التلف فعلى غيره أولى . انتهى من المغني .
وحاصلة : أنهم إن رجعوا كلهم حدوا كلهم ، وإن رجع بعضهم ، ففي ذلك ثلاثة أقوال :
الأول : يحدون كلهم .
والثاني : يحد من لم يرجع دون من رجع .
والثالث : عكسه كما هو واضح من كلامه .
والأظهر : أنهم إن رجعوا بعد الحكم عليه بالرجم أو الجلد بشهادتهم أنه لا يقام عليه الحد ، لرجوع الشهود أو بعضهم . وقول بعض المالكية : إن الحكم ينفذ عليه ، ولو رجعوا كلهم أو بعضهم قبل التنفيذ خلاف التحقيق ، وإن كان المعروف في مذهب مالك أن الحكم إذا نفذ بشهادة البينة ، أنه لا ينقض برجوعهم وإنما ينقض بظهور كذبهم ، لأن هذا لم يعمموه في الشهادة المفضية إلى القتل لعظم شأنه ، والأظهر أنه لا يقتل بشهادة بينة كذبت أنفسها ، فيما شهدت عليه به كما لا يخفى .
وأما إن كان رجوع البينة بعد إقامة الحد ، فالأظهر أنه إن لم يظهر تعمدهم الكذب لزمتهم دية المرجوم ، وإن ظهر أنهم تعمدوا الكذب فقال بعض أهل العلم : تلزم الدية أيضا . وقال بعضهم : بالقصاص ، وهو قول أشهب من أصحاب مالك ، وله وجه من النظر ، لأنهم تسببوا في قتله بشهادة زور ، فقتلهم به له وجه ، والعلم عند الله تعالى . وإن كان رجوعهم أو رجوع بعضهم بعد جلد المشهود عليه بالزنى بشهادتهم ، فإن لم يظهر تعمدهم الكذب ، فالظاهر أنهم لا شيء عليهم ، لأنهم لم يقصدوا سوءا ، وإن ظهر تعمدهم الكذب وجب تعزيزهم بقدر ما يراه الإمام رادعا لهم ولأمثالهم ، لأنهم فعلوا معصيتين عظيمتين . (5/421)
الأولى : تعمدهم شهادة الزور .
والثانية : إضرارهم بالمشهود عليه بالجلد ، وهو أذى عظيم أوقعوه به بشهادة زور والعلم عند الله تعالى .
تنبيه
اعلم أنا قدمنا حكم من زنى ببهيمة في سورة الإسراء ، في الكلام على قوله تعالى { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } [ الإسراء : 33 ] وقدمنا حكم اللواط وأقوال أهل العلم وأدلتهم في ذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى { وما هي من الظالمين ببعيد } [ هود : 83 ] وقد قدمنا الكلام أيضا على أن من زنى مرات متعددة ، قبل أن يقام عليه الحد ، يكفي لجميع ذلك حد واحد في الكلام على آيات الحج . وقد أوضحنا أن الأمة تجلد خمسين ، سواء كانت محصنة أو غير محصنة ، لأن جلدها خمسين مع الإحصان منصوص في القرآن كما تقدم إيضاحه ، وجلدها مع عدم الإحصان ثابت في الصحيح .
وأظهر الأقوال عندنا : أن الأمة غير المحصنة تجلد خمسين ، وألحق أكثر أهل العلم العبد بالأمة .
والأظهر عندنا : أنه يجلد خمسين مطلقا أحصن أم لا . وقد تركنا الأقوال المخالفة لما ذكرنا لعدم اتجاهها عندنا مع أنا أوضحناها في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى { فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة } [ النساء : 25 ] الآية ولنكتف بما ذكرنا هنا من أحكام الزنى المتعلقة بهذه الآية التي نحن بصددها .
وعادتنا أن الآية إن كان يتعلق بها باب من أبواب الفقه أنا نذكر عيون مسائل ذلك الباب ، والمهم منه
وتبيين أقوال أهل العلم في ذلك ونناقشها ، ولا نستقصي جميع ما في الباب ، لأن استقصاء ذلك في كتب فروع المذاهب كما هو معلوم ، والعلم عند الله تعالى .
الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3)
قد قدمنا مرارا من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ، ويكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول ، ذكرنا هذا في ترجمة الكتاب وذكرنا فيما مضى من الكتاب أمثلة كثيرة لذلك ، ومن أمثلة ذلك هذه الآية الكريمة . (5/422)
وإيضاح ذلك : أن العلماء اختلفوا في المراد بالنكاح في هذه الآية ، فقال جماعة : المراد بالنكاح في هذه الآية : الوطء الذي هو نفس الزنى ، وقالت جماعة أخرى من أهل العلم : إن المراد بالنكاح في هذه الآية هو عقد النكاح . قالوا فلا يجوز لعفيف أن يتزوج زانية كعكسه ، وهذا القول الذي هو أن المراد بالنكاح في الآية : التزويج لا الوطء في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحته ، وتلك القرينة هي ذكر المشرك والمشركة في الآية ، لأن الزاني المسلم لا يحل له نكاح مشركة لقوله تعالى { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [ البقرة : 221 ] وقوله تعالى { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } [ الممتحنة : 10 ] وقوله تعالى { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } [ الممتحنة : 10 ] ، كذلك الزانية المسلمة لا يحل لها نكاح المشرك لقوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } [ البقرة : 221 ] فنكاح المشركة والمشرك لا يحل بحال . وذلك قرينة على أن المراد بالنكاح في الآية التي نحن بصددها الوطء؛ الذي هو الزنى؛ لا عقد النكاح ، لعدم ملاءمة عقد النكاح لذكر المشرك والمشركة ، والقول بأن نكاح الزاني للمشركة والزانية للمشرك ، منسوخ ظاهر السقوط ، لأن سورة النور مدنية؛ ولا دليل على أن ذلك أحل بالمدينة ، ثم نسخ . والنسخ لا بد له من دليل يجب الرجوع إليه .
مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة
اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز نكاح العفيف الزانية؛ ونكاح العفيفة الزاني ، فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية عند مالك وأصحابه؛ ومن وافقهم؛ واحتج أهل هذا القول بأدلة :
منها : عموم قوله تعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم } [ النساء : 24 ] وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة وعموم قوله تعالى { وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور : 32 ] الآية؛ وهو شامل بعمومه الزانية أيضا والعفيفة .
ومن أدلتهم على ذلك : حديث ابن عباس رضي الله عنهما « أن رجلا جاء إلى المدينة فقال : إن امرأتي لا ترد لامس : قال : » غربها « قال أخاف أن تتبعها نفسي؟ قال : » فاستمتع بها « ؛ قال ابن حجر في بلوغ المرام في هذا الحديث بعد أن ساقه باللفظ الذي ذكرنا : رواه ابو داود ، والترمذي ، والبزار ورجاله ثقات ، وأخرجه النسائي من وجه آخر ، عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ قال » طلقها ، قال لا أصبر عنها قال : فامسكها « اه من بلوغ المرام ، وفيه تصريح ابن حجر بأن رجاله ثقات ، وبه تعلم أن ذكر ابن الجوزي لهذا الحديث في الموضوعات فيه نظر؛ وقد ذكره في الموضوعات موسلا عن أبي الزبير قال : » أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي « .
الحديث؛ ورواه أيضا مرسلا عن عبيد بن عمير ، وحسان بن عطية كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : وقد حمله أبو بكر الخلال عل الفجور؛ ولا يجوز هذا؛ وإنما يحمل على تفريطها في المال لو صح الحديث . (5/423)
قال أحمد بن حنبل : « هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس له أصل . انتهى من موضوعات ابن الجوزي ، وكثرة اختلاف العلماء في تصحيح الحديث المذكور وتضعيفه معروفة » .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار : ولا ريب أن العرب تكنى بمثل هذه العبارة ، عن عدم العفة عن الزنى ، يعني بالعبارة المذكورة قول الرجل : إن امرأتي لا ترد يد لامس . اه . وما قاله الشوكاني وغيره هو الظاهر لأن لفظ : لا ترد يد لامس ، أظهر في عدم الامتناع ممن أراد منها ما لا يحل كما لا يخفى فحمله على تفريطها في المال غير ظاهر ، لأن إطلاق لفظ اللامس على أخذ المال ، ليس بظاهر كما ترى .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الحديث المذكور في المرأة التي ظهر عدم عفتها ، وهي تحت زوج . وكلامنا الآن في ابتداء النكاح لا في الدوام عليه وبين المسألتين فرق كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى .
ثم اعلم أن الذين قالوا بجواز تزويج الزانية والزاني أجابوا عن الاستدلال بالآية التي نحن بصددها ، وهي قوله تعالى { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } الآية من وجهين .
الأول : أن المراد بالنكاح في الآية هو الوطء الذي هو الزنى بعينه ، قالوا : والمراد بالآية تقبيح الزنى وشدة التنفير منه ، لأن الزاني لا يطاوعه في زناه من النساء إلا التي هي في غاية الخسة لكونها مشركة لا ترى حرمة الزنى أو زانية فاجرة خبيثة .
وعلى هذا القول فالإشارة في قوله تعالى { وحرم ذلك على المؤمنين } راجعة إلى الوطء الذي هو الزنى ، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه كعكسه ، وعلى هذا القول فلا إشكال في ذكر المشركة والمشرك .
الوجه الثاني : هو قولهم : إن المراد بالنكاح في الآية التزويج ، إلا أن هذه الآية التي هي قوله تعالى { الزاني لا ينكح إلا زانية } الآية منسوخة بقوله تعالى { وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور : 32 ] الآية ، وممن ذهب إلى نسخها بها : سعيد بن المسيب ، والشافعي . وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه : هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني ، لا يطأ إلا زانية ، أو مشركة : أي لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك ، وكذلك الزانية لا ينكحها إلا زان : أي عاص بزناه ، أو مشرك لا يعتقد تحريمه .
قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } قال : « ليس هذا بالنكاح إنما هو الجماع لا يزني بها ، إلا زان أو مشرك » ، وهذا إسناد صحيح عنه ، من غير وجه أيضا ، وقد روي عن مجاهد وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وعروة بن الزبير ، والضحاك ، ومكحول ، ومقاتل بن حيان ، وغير واحد نحو ذلك . انتهى محل الغرض منه بلفظه . (5/424)
فتراه صدر بأن المراد بالنكاح في الآية : الجماع ، لا التزويج . وذكر صحته عن ابن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم الله أن يعلمه تأويل القرآن . وعزاه لمن ذكر معه من أجلاء المفسرين ، وابن عباس رضي الله عنهما من أعلم الصحابة بتفسير القرآن العظيم ، ولا شك في علمه باللغة العربية .
فقوله في هذه الآية الكريمة بأن النكاح فيها هو الجماع لا العقد يدل على أن ذلك جار على الأسلوب العربي الفصيح . فدعوى أن هذا التفسير لا يصح في العربية ، وأنه قبيح ، يرده قول البحر ابن عباس كما ترى .
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية : وقد روي عن ابن عباس ، وأصحابه أن النكاح في هذه الآية : الوطء .
واعلم أن إنكار الزجاج لهذا القول في هذه الآية ، أعني القول بأن النكاح فيها الجماع . وقوله : إن النكاح لا يعرف في القرآن ، إلا بمعنى التزويج مردود من وجهين .
الأول : أن القرآن جاء فيه النكاح بمعنى الوطء ، وذلك في قوله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح } [ البقرة : 230 ] وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله : حتى تنكح زوجا غيره ، بأن معنى نكاحها له مجامعته لها حيث قال : « لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك » ومراده بذوق العسيلة : الجماع ، كما هو معلوم .
الوجه الثاني : أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم ، يطلقون النكاح على الوطء ، والتحقيق : أن النكاح في لغتهم الوطء . قال الجوهري في صحاحه . النكاح الوطء ، وقد يكون العقد اه . وإنما سموا عقد التزويج نكاحا ، لأنه سبب النكاح أي الوطء ، وإطلاق المسبب ، وإرادة سببه معروف في القرآن ، وفي كلام العرب ، وهو مما يسميه القائلون بالمجاز ، المجاز المرسل كما هو معوم عندهم في محله ، من إطلاق العرب النكاح على الوطء قول الفرزدق :
وذات حليل أنكحتها ... رماحنا حلال لمن يبني بها لم تطلق
لأن الإنكاح في البيت ليس المراد به : عقد التزويج ، إذ لا يعقد على المسيبات ، وإنما المراد به الوطء بملك اليمين والسبي مع الكفر . ومنه قوله أيضا :
وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن ... لها خاطب إلا السنان وعامله
فالمراد بالنكاح في هذا البيت هو الوطء بملك اليمين ، لا العقد كما صرح بذلك بقوله : ولم يكن لها خاطب إلا السنان وعامله . (5/425)
وقوله :
إذا سقى الله قوما صوب غاديه ... فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا
التاركين على طهر نساءهم ... والناكحين بشطى دجلة البقرا
ومعلوم أن نكاح البقر ليس معناه التزويج .
قالوا : ومما يدل على أن النكاح في الآية غير التزويج ، أنه لو كان معنى النكاح فيها التزويج لو وجب حد المتزوج بزانية ، لأن زان ، والزانية يجب حده . وقد أجمع العلماء على أن من تزوج زانية لا يحد حد الزنى ، ولو كان زانيا لحد حد الزنى فافهم ، هذا هو حاصل حجج من قالوا إن النكاح في الآية الوطء ، وأن تزويج العفيف الزانية ليس بحرام كعكسه .
وقالت جماعة أخرى من أهل العلم : لا يجوز التزويج الزاني لعفيفة ولا عكسه وهو مذهب الإمام أحمد ، وقد روي عن الحسن وقتادة ، واستدل أهل هذا القول بآيات وأحاديث .
فمن الآيات التي استدلوا بها هذه الآية نحن بصددها ، وهي قوله تعالى : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } قالوا : المراد بالنكاح في هذه الآية : التزويج ، وقد نص الله على تحريمه في قوله { وحرم ذلك على المؤمنين } قالوا : والإشارة بقوله . ذلك راجعة إلى تزويج الزاني بغير الزانية أو المشركة وهو نص قرآني في تحريم نكاح الزاني لعفيفة كعكسه .
ومن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى : { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان } [ المائدة : 5 ] قالوا : فقوله { محصنين غير مسافحين } أي أعفاء غير زناة . ويفهم من مفهوم مخالفة الآية : أنه لا يجوز نكاح المسافح الذي هو الزاني لمحصنة مؤمنة ، ولا محصنة عفيفة من أهل الكتاب ، وقوله تعالى { فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } [ النساء : 25 ] . فقوله : { محصنات غير مسافحات } [ النساء : 25 ] أي عفائف غير زانيات ، ويفهم من مفهوم مخالفة الآية ، أنهن لو كن مسافحات غير محصنات لما جاز تزوجهن .
من أدلة أهل هذا القول أن جميع الأحاديث الواردة في سبب نزول آية { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } الآية كلها في عقد النكاح وليس واحد منها في الوطء ، والمقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول . وأنه قد جاء في السنة ما يؤيد صحة ما قالوا في الآية ، من أن النكاح فيها التزويج ، وأن الزاني لا يتزوج إلا زانية مثله ، فقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله » وقال ابن حجر في بلوغ المرام في حديث أبي هريرة هذا : رواه أحمد ، وأبو داود ورجاله ثقات .
وأما الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية . (5/426)
فمنها : ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلا من المسلمين استاذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول ، كانت تسافح ، وتشترط له أن تنفق عليه قال : فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر له أمرها فقرأ عليه نبي الله : { والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك } رواه أحمد .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار في شرحه لهذا الحديث : وقد عزاه صاحب المنتقى لأحمد وحده ، وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أيضا الطبراني في الكبير والأوسط . قال في مجمع الزوائد : ورجال أحمد ثقات .
ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة ، وكانت بمكة بغي يقال لها عناق ، وكانت صديقته ، قال : فجئت النبي صلى الله عليه وسلم . فقلت : يا رسول الله أنكح عناقا قال : فسكت عني فنزلت { والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك } فدعاني فقرأها علي ، وقال : « لا تنكها . » رواه أبو داود ، والنسائي والترمذي .
قال الشوكاني في نيل الأوطار في كلامه على حديث عمرو بن شعيب هذا الذي ذكره صاحب المنتقى ، وعزاه لأبي داود والنسائي والترمذي وحديث عمرو بن شعيب حسنه الترمذي وساق ابن كثير في تفسير هذه الآية الأحاديث التي ذكرنا بأسانيدها وقال في حديث عمرو بن شعيب هذا . قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وقد رواه أبو داود ، والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس به .
قالوا : فهذه الأحاديث وأمثالها تدل على أن النكاح في قوله { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } أنه التزويج لا الوطء ، وصورة النزول قطعية الدخول ، كما تقرر في الأصول قالوا : وعلى أن المراد به التزويج ، فتحريم نكاح الزانية والزاني منصوص في قوله تعالى : { وحرم ذلك على المؤمنين }
وقال ابن القيم في زاد المعاد ، ما نصه : وأما نكاح الزانية فقد صرح الله سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة النور ، وأخبر أن من نكحها فهو إما زان أو مشرك ، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ، ويعتقد وجوبه عليه أو لا ، فإن لم يلتزمه ، ولم يعتقده فهو مشرك ، وإن التزمه واعتقد وجوبه ، وخالفه فهو زان ، ثم صرح بتحريمه فقال { وحرم ذلك على المؤمنين } ولا يخفى أن دعوى النسخ للآية بقوله { وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور : 32 ] من أضعف ما يقال ، وأضعف منه حمل النكاح على الزنى .
إذ يصير معنى الآية : الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة ، والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك ، وكلام الله ينبغي أن يصان عن مثل هذا ، وكذلك حمل الآية على امرأة بغي مشركة في غاية البعد عن لفظها ، وسياقها كيف ، وهو سبحانه إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرك الإحصان ، وهو العفة فقال
{ فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } [ النساء : 25 ] فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها ، وليس هذا من دلالة المفهوم ، فإن الابضاع في الأصل على التحريم ، فيقتصر في أباحتها على ما ورد به الشرع ، وما عداه فعلى أصل التحريم . انتهى محل الغرض من كلام ابن القيم . (5/427)
وهذه الأدلة التي ذكرنا هي حجج القائلين : بمنع تزويج الزاني العفيفة كعكسه ، وإذا عرفت أقوال أهل العلم ، وأدلتهم في مسألة نكاح الزانية والزاني فهذه مناقشة أدلتهم .
أما قول ابن القيم رحمه الله : إن حمل الزنا في الآية على الوطء ينبغي أن يصان عن مثله كتاب الله ، فيرده أن ابن عباس وهو هو في المعرفة باللغة العربية وبمعاني القرآن صح عنه حمل الزني في الآية على الوطء ولو كان ذلك ينبغي أن يصان عن مثله كتاب الله لصانه عنه ابن عباس ، ولم يقل به ولم يخف عليه أنه ينبغي أن يصان عن مثله .
وقال ابن العربي في تفسير ابن عباس للزني في الآية بالوطء هو معنى صحيح . انتهى منه بواسطة نقل القرطبي عنه .
وقول ابن القيم في كلامه هذا الذي ذكرنا عنه فإن لم يلتزمه ، ولم يعقتده فهو مشرك يقال فيه : نعم هو مشرك ، ولكن المشرك لا يجوز له نكاح الزانية المسلمة ، وظاهر كلامك جواز ذلك ، وهو ليس بجائز فيبقى إشكال ذكر المشرك والمشركة واردا على القول بأن النكاح في الآية التزويج كما ترى .
وقول ابن القيم رحمه الله في كلامه هذا : وليس هذا من باب دلالة المفهوم فإن الأبضاع في الأصل على التحريم فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع وما عداه فعلى أصل التحريم يقال فيه : إن تزويج الزانية وردت نصوص عامة تقتضي جوازه كقوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } [ النساء : 24 ] وهو شامل بعمومه للزانية والعفيفة والزاني والعفيف . وقوله { وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور : 32 ] فهو أيضا بعمومه لجميع من ذكرا ، ولذا قال سعيد بن المسيب : إن آية { وأنكحوا الأيامى } الآية ناسخة لقوله تعالى { الزاني لا ينكح إلا زانية } الآية . وقال الشافعي : القول في ذلك كما قال سعيد من نسخها بها .
وبما ذكرنا يتضح أن دلالة قوله { محصنات غير مسافحات } [ النساء : 25 ] على المقصود من البحث من باب دلالة المفهوم كما أوضحناه قريبا ، لأن العمومات المذكورة لا يصح تخصيص عمومها إلا بدليل منطوقا كان أو مفعوما كما تقدم إيضاحه .
وأما قول سعيد بن المسيب ، والشافعي ، بأن آية { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } منسوخة بقوله { وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور : 32 ] فهو مستبعد ، لأن المقرر في أصول الشافعي ومالك وأحمد هو أنه لا يصح نسخ الخاص بالعام ، وأن الخاص يقضي على العام مطلقا ، سواء تقدم نزوله عنه أو تأخر ، ومعلوم أن آية
{ وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور : 32 ] الآية أعلم مطلقا من آية { الزاني لا ينكح إلا زانية } الآية ، فالقول بنسخها لها ممنوع على المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين ، وإنما يجوز ذلك على المقرر في أصول أبي حنيفة رحمه الله ، كما قدمنا إيضاحه في سورة الأنعام ، وقد يجاب عن قول سعيد ، والشافعي بالنسخ بأنهما فهماه من قرينة في الآية ، وهي أنه لم يقيد الأيامة الأحرار بالصلاح ، وإنما قيد بالصلاح في أيامى العبيد والإماء ، ولذا قال بعد الآية { والصالحين من عبادكم وإمائكم } [ النور : 32 ] . (5/428)
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقا ، لأن حمل النكاح فيها على التزويج ، لا يلائم ذكر المشركة والمشرك ، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية ، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية : التزويج : ولا أعلم مخرجا واضحا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسف ، وهو أن أصح الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس بن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن ، وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على معنييه ، أو معانيه ، فيجوز أن تقول : عدا اللصوص البارحة على عين زيد ، وتعني بذلك أنهم عوروا عينه الباصرة وغوروا عينه الجارية . وسرقوا عينه التي هي أو فضته .
وإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج ، خلافا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما ، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقا ، وإذا جاز حمل المشترك على معنيه ، فيحمل النكاح في الآية على الوطء ، وعلى التزويج معا ، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد ، وهذا هو نوع التعسف الذي أشرنا له ، والعلم عند الله تعالى .
وأكثر أهل العلم على إباحة تزويج الزانية والمانعون لذلك أقل وقد عرفت أدلة الجميع .
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول : اعلم أن من تزوج امرأة يظنها عفيفة . ثم زنت وهي في عصمته أن أظهر القولين : أن نكاحها لا يفسخ ، ولا يحرم عليه الدوام على نكاحها ، وقد قال بهذا بعض من منع نكاح الزانية مفرقا بين الدوام على نكاحها ، وبين ابتدائه . واستدل من قال هذا بحديث عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه ، أةنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله ، وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال : « استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا » .
قال الشوكاني في حديث عمرو بن الأحوص هذا : أخرجه ابن ماجه والترمذي وصححه ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة عمرو بن الأحوص المذكور ، وحديثه في الخطبة صحيح اه .
وحديثه في الخطبة هو هذا الحديث بدليل قوله . فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ، وهذا التذكير والوعظ هو الخطبة كما هو معروف . (5/429)
ومن الأدلة على هذا الحديث المتقدم قريبا الذي فيه : أن الرجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال : « طلقها فقال : نفسي تتبعها فقال أمسكها » وبينا الكلام في سنده ، وأنه في الدوام على النكاح لا في ابتداء النكاح ، وأن بينهما فرقا ، وبه تعلم أن قول من قال : إن من زنت زوجته ، فسخ نكاحها وحرمت عليه خلاف التحقيقن والعلم عند الله تعالى .
الفرع الثاني : أعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي ، أنه لا يجوز نكاح المرأة الحامل من الزنا قبل وضع حملها بل لا يجوز نكاحها ، حتى تضع حملها . خلافا لجماعة من أهل العلم قالوا : يجوز نكاحها وهي حامل ، وهو مروي عن الشافعي وغيره ، وهو مذهب أبي حنيفة ، لأن نكاح الرجل امرأة حاملا من غيره فيه سقي الزرع بماء الغير ، وهو لا يجوز ويدل لذلك قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاتي لم يحضن { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } [ الطلاق : 4 ] ولا يخرج من عموم هذه الآية إلا ما أخرجه دليل يجب الرجوع إليه ، فلا يجوز نكلاح حامل حتى ينتهي أجل عدتها ، وقد صرح الله بأن الحوامل أجلهن أن يضعن حملهن ، فيجب استصحاب هذا العموم ، ولا يخرج منه إلا ما أخرجه دليل من كتاب أو سنة .
الفرع الثالث : أعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي أن الزانية إن تابا من الزنا وندما على ما كان منهما ونوبا أن لا يعودا إلى الذنب ، فإن نكاحهما جائز ، فيجوز له أن ينكحها بعد توبتهما ، ويجوز نكاح غيرهما لهما بعد التوبة ، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، ويدل لهذا قوله تعالى : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } [ الفرقان : 68 - 70 ] فقد صرح جل وعلا في هذه الآية أن الذين يزنون ومن ذكر معهم إن تابوا وآمنوا ، وعملوا عملا صالحا يبدل الله سيئاتهم حسنات ، وهو يدل على أن التوبة من الزنا ، تذهب أثره . فالذين قالوا : إن من زنا بامرأة ل تحل مطلقا ، ولو تابا وأصلحا فقولهم خلاف التحقيق ، وقد وردت آثار عن الصحابة بجواز تزويجه بمن زنى بها إن تابا ، وضرب له بعض الصحابة مثلا برجل سرق شيئا من بستان رجل آخر ، ثم بعد ذلك اشترى البستان فالذي سرقه منه حرام عليه ، والذي اشتراه منه حلال له ، فكذلك مانال من المرأة حراما فهو حرام عليه ، وما نال منها بعد التوبة والتزويج حلال له ، والعلم عند الله تعالى .
واعلم أن قول من رد الاستدلال بآية { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } [ الفرقان : 68 ] الآية . قائلا : إنها نزلت في الكفار لا في المسلمين يرد قوله : أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، كما أوضحنا أدلته من السنة الصحيحة مرارا . والعلم عند الله تعالى . (5/430)
الفرع الرابع : أعلم أن الذين قالوا بجواز نكاح العفيف الزنية ، لا يلزم من قولهم ان يكون زوج الزانية العفيف ديوثا ، لأنه إنما يتزوجها ليحفظها ، ويحرسها . ويمنعها من ارتكاب ما لا ينبغي منعا باتا بان يراقبها دائما ، وإذا خرج ترك الأبواب مقفلة دونها ، وأوصى بها من يحرسها بعده فهو يستمتع بها . مع شدة الغيرة والمحافظة عليها من الريبة ، وإن جرى منها شئ لا علم ل به مع اجتهاده في صيانتها وحفظها فلا شئ عليه فيه ، ولا يكون به ديوثا كما هو معلوم ، وقد علمت مما مر أن أكثر أهل العلم على جواز نكاح العفيف الزانية كعكسه ، وأن جماعة قالوا بمنع ذلك .
والأظهر لنا في هذه المسألة أن المسلم لا ينبغي له أن يتزوج إلا عفيفة صينة . للآيات التي ذكرنا والأحاديث ويؤيده حديث « فاظفر بذات الدين تربت يداك » والعلم عند الله تعالى .
والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5)
قوله تعالى في هذه الآية : يرمون معناه : يقذفون المحصنات بالزنا صريحا أو ما يستلزم الزنا كنفي نسب ولد المحصنة عن أبيه ، لأنه إن كان من زنى ، وهذا القذف هو الذي أوجب الله تعالى يه ثلاثة أحكام : (5/431)
الأول : جلد القاذف ثمانين جلدة .
والثاني : عدم قبول شهادته .
والثالث : الحكم عليه بالفسق .
فإن قيل : اين الدليل من القرآن على أن معنى يرمون المحصنات في هذه الآية : هو القذف بصريح الزنى ، أو بما يستلزمه كنفي النسب .
فالجواب : أنه دلت عليه قرينتان من القرآن :
الأولى قوله تعالى : { ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء } بعد قوله { يرمون المحصنات } ومعلوم أنه ليس شيء من القذف يتوقف إثباته على أربعة شهداء إلا الزنى . ومن قال : إن اللواط حكمه حكم الزنى أجرى أحكام هذه الآية على اللائط .
وقد قدمنا أحكام اللائط مستوفاة في سورة هود ، كما أشرنا له غير بعيد .
القرينة الثانية : هي ذكر المحصنات بعد ذكر الزواني في قوله تعالى { الزاني لا ينكح إلا زانية } [ النور : 3 ] الآية . وقوله تعالى : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة } [ النور : 2 ] فذكر المحصنات بعد ذكر الزواني ، يدل على إحصانهن أي عفتهن عن الزني ، وأن الذين يرمونهن إنما يرمونهن بالزنى ، وقد قدمنا جميع المعاني التي تراد بالمحصنات في القرآن ، ومثلنا لها كلها من القرآن في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى { والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم } [ النساء : 24 ] فذكرنا أن من المعاني التي تراد بالمحصنات كونهن عفائف غير زانيات ، كقوله { محصنات غير مسافحات } [ النساء : 25 ] أي عفائف معروف في كلام العرب . ومنه قول جرير :
فلا تأمنن الحي قيسا فانهم بنو محصنات لو تدنس حجورها
وإطلاق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح معروف في كلام العرب . ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي :
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن أجل الطوى رماني
فقوله رماني بأمر : يعني أنه رماه بالكلام القبيح ، وفي شعر امرئ القيس أو غيره :
وجرح اللسان كجرح اليد
واعلم أن هذه الآية الكريمة مبينة في الجملة من ثلاث جهات :
الجهة الأولى : هي القرينتان القرآنيتان الدالتان على أن المراد بالرمي في قوله : { يرمون المحصنات } هو الرمي بالزنى ، أو ما يستلزمه كنفي النسب ، كما أوضحناه قريبا .
الجهة الثانية : هي أن عموم هذه الآية ظاهر في شموله لزوج المرأة إذا رماها بالزنى ، ولكن الله جل وعلا بين أن زوج المرأة إذا قذفها بالزنى خارج من عموم هذه الآية ، وأنه إن لم يأت بالشهداء ، تلاعنا ، وذلك في قوله تعالى : { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم } [ النور : 6 ] الآية .
ومضمونها : أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنى ولم يكن له شاهد غير نفسه ، والمعنى أنه لم يقدر على الإتيان ببينة تشهد له على الزنى الذي رماها به ، فإنه يشهد شهادات يقول في كل واحدة منها : أشهد بالله إني لصادق فيما رميتها به من الزنى ، ثم يقول في الخامسة : علي لعنة الله إن كنت كاذبا عليها فيما رميتها به ، ويرتفع عند الجلد وعدم قبول الشهادة والفسق بهذه الشهادات .
وتشهد هي أربع شهادات بالله تقول في كل واحدة منها : أشهد بالله أنه لكاذب فيما رماني به من الزنى ، ثم تقول في الخامسة : غضب الله علي إن كان صادقا فيما رماني به من الزنى ، كما هو واضح من نص الآية . (5/432)
الجهة الثالثة : أن الله بين هنا حكم عقوبة من رمى المحصنات في الدنيا ، ولم يبين ما أعد له في الآخرة ، ولكنه بين في هذه السورة الكريمة ما أعد له في الدنيا والآخرة من عذاب الله ، وذلك في قوله [ النور : 23 2425 ] وقد زاد في هذه الآية الأخيرة كونهن مؤمنات غافلات لأيضاح صفاتهن الكريمة .
ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهن غافلات ثناء عليهن بأنهن سليمات الصدور نقيات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن لحسن سرائرهن ، ليس فيهن دهاء ولا مكر ، لأنهن لم يجربن الأمور فلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر والدهاء ، وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء ، وتطلق العرب على المتصفات به اسم البله مدحا لها لاذما ، ومنه قول حسان رضي الله عنه :
نفج الحقيبة بوصها متنضد ... بلهاء غير وشيكة الإقسام
وقول الآخر :
ولقد لهوت بطلفة ميالة ... بلهاء تطلعني على أسرارها
وقول الآخر :
عهدت بها هندا وهند غريرة ... عن الفحش بلهاء العشاء نؤم
رداح الضحى ميالة بحترية ... لها منطق يصبي الحليم رخيم
والظاهر أن قوله تعالى { لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } [ النور : 23 24 ] محله فيما إذا لم يتوبوا ويصلحوا ، فإن تابوا وأصحلوا ، لم ينلهم شيء من ذلك الوعيد ، ويدل له قوله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء } [ النور : 4 ] إلى قولى { إلا الذين تابوا } [ النور : 5 ] .
وعمومات نصوص الكتاب والسنة دالة على أن من تاب إلى الله من ذنبه توبة نصوحا تقبلها منه ، وكفر عنه ذنبه ولو من الكبائر ، وبه تعلم أن قول جماعة من أجلاء المفسرين إن آية { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء } التي جعل الله فيها التوبة بقوله { إلا الذين تابوا } عامة ، وأن آية { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة } [ النور : 23 ] الآية . خاصة بالذين رموا عائشة رضي الله عنها أو غيرها من خصوص أزواجه صلى الله عليه وسلم ، وأن من رماهن لا توبة له خلاف التحقيق . والعلم عند الله تعالى .
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى : لا يخفى أن الآية إنما نصت على قذف الذكور للإناث خاصة ، لأن ذلك هو صريح قوله { والذين يرمون المحصنات } وقد أجمع جميع المسلمين على أن قذف الذكور للذكور ، أو الإناث للإناث ، أو الإناث للذكور لا فرق بينه وبين ما نصت عليه الآية ، من قذف الذكور للإناث ، للجزم بنفي الفارق بين الجميع .
وقد قدمنا أيضاح هذا وإبطال قول الظاهرية فيه ، مع إيضاح كثير من نظائره في سورة الأنبياء في كلامنا الطويل على آية { وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث } [ الأنبياء : 78 ] الآية . (5/433)
المسألة الثانية : اعلم أن المقرر في أصول المالكية ، والشافعية الحنابلة أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات ، أو مفردات متعاطفات ، أنه لجميعها إلا لدليل من نقل أو عقل يخصصه ببعضها ، خلافا لأبي حنيفة القائل : برجوع الاستثناء للجملة الأخيرة فقط ، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله :
وكل ما يكون فيه العطف من قبل الاستثنا فكلا يقفو
دون دليل العقل أو ذي السمع والحق الافتراق دون الجمع
ولذ لو قال إنسان : هذه الدار وقف على الفقراء والمساكين ، وبني زهرة ، وبني تميم إلا الفاسق منهم ، فإنه يخرج من الوقف الفاسق من الجميع لرجوع الاستثناء للجميع ، خلافا لأبي حنيفة القائلك برجوعه للأخيرة ، فلا يخرج عنده إلا فاسق الأخيرة فقط ، ولأجل ذلك لا يرجع عنده الاستثناء في هذه الآية ، إلا للجملة الأخيرة التي هي { وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا } فقد زال عنهم الفسق ولا يقول : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم ، بل يقول : إن شهادة القاذف لا تقبل أبدا ، ولو تاب وأصلح ، وصار أعدل أهل زمانه لرجوع الاستثناء عنده للجملة الأخيرة .
وممن قال كقول أبي حنيفة من أهل العلم : القاضي شريح ، وإبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير ، ومكحول ، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر ، وقال الشعبي والضحاك : لا تقبل شهادته إلا إذا اعترف على نفسه بالكذب . قاله ابن كثير .
وقال جمهور أهل العلم ، منهم الأئمة الثلاثة : إن الاستثناء في الآية راجع أيضا لقوله { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } وأن القاذف إذا تاب وأصلح قبلت شهادته . أما قوله { فاجلدوهم ثمانين جلدة } فلا يرجع له الاستثناء ، لأن القاذف إذا تاب وأصلح ، لا يسقط عنه حد القذف بالتوبة .
فتحصل أن الجملة الأخيرة التي هي قوله { وأولئك هم الفاسقون } يرجع لها الاستثناء بلا خوف ، وأن الجلمة الأولى التي هي { فاجلدوهم ثمانين جلدة } لا يرجع له الاستثناء في قول عامة أهل العلم ، ولم يخالف إلا من شذ ، وأن الجملة الوسطى ، وهي قوله { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } يرجع لها الاستثناء في قول جمهور أهل العلم ، منهم الأئمة الثلاثة خلافا لأبي حنيفة ، وقد ذكرنا في كتابنا : دفع إيهام الاضطراب عن آية الكتاب ، أن الذي يظهر لنا في مسألة الاستثناء بعد جمل متعاطفات أو مفردات متعاطفات هو ما ذكره بعض المتأخرين ، كابن الحاجب من المالكية ، والغزالي من الشافعية ، والآمدي من الحنابلة من أن الحكم في الاستثناء ، الآتي بعد متعاطفات هو الوقف ، ولا يحكم برجوعه إلى الجميع ، ولا إلى الأخيرة إلا بدليل .
وإنما قلنا : إن هذا هو الأظهر لأن الله تعالى يقول : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } [ النساء : 59 ] الآية . (5/434)
وإذا رددنا النزاع في هذه المسألة إلى الله وجدنا القرآن دالا على ما ذكرنا أنه الأظهر عندنا ، وهو الوقف . وذلك لأن بعض الآيات لم يرجع فيها الاستثناء للأولى وبعضها لم يرجع فيه الاستثناء للأخيرة ، فدل ذلك على أن رجوعه لما قبله ليس شيئا مطردا .
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى { فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } [ النساء : 92 ] ، فالاستثناء في هذه الآية راجع للدية فقط ، لأن المطالبة بها تسقط بتصدق مستحقها بها ، ولا يرجع لتحرير الرقبة إجماعا ، لأن تصدق مستحقي الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ .
ومن أمثلة ذلك آية النور هذه ، لأن الاستثناء في قوله : { إلا الذين تابوا } لا يرجع لقوله : { فاجلدوهم ثمانين } كما ذكرنا آنفا .
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى { فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } [ النساء : 89-90 ] ، إذ لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار ، ولو وصلوا إلى قول بينكم وبينهم ميثاق ، وهذا لا خلاف فيه بل الاستثناء راجع إلى الجملتين الأوليين أعني قوله تعالى [ النساء : 89 ] ، أي فخذوهم بالأسر ، واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ، فليس لكم أخذهم بأسر ، ولا قتلهم ، لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم ، وقتلهم بينكم وبينهم ميثاق ، فليس لكم أخذهم بأسر ، ولا قتلهم ، لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم ، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن هذه الآية نزلت فيه ، وفي سراقة بن مالك المدلجي ، وفي بني جذيمة بن عامر . وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع إلى أقرب الجمل إليه في القرآن العظيم الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز ، تبين أنه لم يلزم رجوعه للجميع ، ولا إلى الأخيرة ، وأن الأظهر الوقف حتى يعلم ما يرجع إليه من المتعاطفات قبله بدليل ، ولا يبعد أنه إن تجرد من القرائن والأدلة ، كان ظاهرا في رجوعه للجميع .
وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ، ولذلك اختصرناه هنا . والعلم عند الله تعالى .
المسألة الثالثة : اعلم أن من قذف إنسانا بغير الزنى أو نفي النسب كأن يقول له : يا فاسق ، أو آكل الربى ، ونحو ذلك من أنواع السب يلزمه التعزير ، وذلك بما يراه الإمام رادعا له ، ولأمثاله من العقوبة من غير تحديد شيء في ذلك من جهة الشرع .
وقال بعض أهل العلم : لا يبلغ بالتعزير قثدر الحد . وقال بعض العلماء : إن التعزير بحسب اجتهاد الإمام فيما يراه رادعا مطلقا . والعلم عند الله تعالى . (5/435)
المسألة الرابعة : اعلم أن جمهور العلماء على أن العبد إذا قذف حرا أربعين ، لأنه حد يشترط بالرق كحد الزنى . قال القرطبي : وروي عن ابن مسعود ، وعمر بن عبد العزيز ، وقبيصة بن ذؤيب : يجلد ثمانين ، وجلد أبو بكر بن محمد عبدا قذف حرا ثمانين ، وبه قال الأوزاعي ، واحتج الجمهور بقوله تعالى { فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } [ النساء : 25 ] وقال الآخرون : فهمنا هناك أن حد الزنى لله ، وأنه ربما كان أخف فيمن قلت نعم الله عليه . وأفحش فيمن عظمت نعم الله عليه .
وأما حد القذف فهو حق للآدمي وجب للجناية على عرض المقذوف ، والجناية لا تختلف بالرق والحرية ، وربما قالوا لو كان يختلف لذكر كما في الزنى .
قال ابن المنذر : والذي عليه علماء الأمصار القول وبه أقول . انتهى كلام القرطبي .
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له : أظهر القولين عندي دليلا : أن العبد إذا قذف حرا جلد ثمانين لا أربعين ، وإن كان هذا مخالفا لجمهور أهل العلم ، وإنما استظهرنا جلده ثمانين ، لأن العبد داخل في عموم : { فاجلدوهم ثمانين جلدة } ولا يكمن إخراجه من هذا العموم ، إلا بدليل يخرج العبد من هذا العموم لا من كتاب ولا من سنة ، ولا من قياس ، وإنما ورد النص على تشطير الحد عن الأمة في حد الزنى وألحق العلماء بها العبد بجامع الرق ، والزنى غير القذف .
أما القذف فلم يرد فيه نص ولا قياس في خصوصه .
وأما قياس القذف على الزنى فهو قياس مع وجود الفارق ، لأن القذف جناية على عرض إنسان معين ، والردع عن الأعراض حق للآدمي فيردع العبد كما يردع الحر ، والعلم عند الله تعالى .
تنبيه
قد قدمنا في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى : [ المائدة : 32 ] الآية . أن الحر إذا قذف عبدا لا يحد له ، وذلك ثابت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من قذف عبده بالزنى أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال » اه . وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح : « أقيم عليه الحد يوم القيامة » يدل على أنه لا يقام عليه الحد في الدنيا وهو كذلك ، وهذا لا نزاع فيه بين من يعتد به من أهل العلم .
قال القرطبي : قال العلماء : وإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع الملك واستواء الشريف والوضيع والحر والعبد ، ولم يكن لأحد فضل إلا بالتقوى ، ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة ، واقتص لكل واحد من صاحبه إلا أن يعفو المظلوم انتهى محل الغرض من كلام القرطبي .
المسألة الخامسة : اعلم أن العلماء أجمعوا على أنه إذا صرح في قذفه له بالزنى كان قذفا ورميا موجبا للحد ، وأما إن عرض ولم يصرح بالقذف ، وكان تعريضه يفهم منه بالقرائن أنه يقصد قذفه ، كقوله : أما أنا فلست بزان ، ولا أمي بزانية ، أو ما أنت بزان ما يعرفك الناس بالزنى ، أو يا حلال بن الحلال ، أو نحو ذلك . (5/436)
فقد اختلف أهل العلم : هل يلزم حد القذف بالتعريض المفهم للقذف ، وإن لم يصرح أو لا يحد حتى يصرح بالقذف تصريحا واضحا لا احتمال فيه؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التعريض لا يوجب الحد ، ولو فهم منه إرادة القذف ، إلا أن يقر أنه أراد به القذف .
قال ابن قدامة في المغني : وهذا القول هو رواية حنبل عن الإمام أحمد ، وهو ظاهر كلام الخرقي ، واختيار أبي بكر ، وبه قال عطاء ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، والثوري ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ، وابن المنذر ، واحتج أهل هذا القول بكتاب وسنة .
أما الكتاب فقوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء } [ البقرة : 235 ] ، ففرق تعالى بين التصريح للمعتدة ، والتعريض قالوا : ولم يفرق الله بينهما في كتابه ، إلا لأن بينهما فرقا ، ولو كانا سواء لم يفرق بينهما في كتابه .
وأما السنة : فالحديث المتفق عليه ، الذي قدمناه مرارا في الرجل الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : إن امرأتي ولدت غلاما أسود وهو تعريض ينفيه ، ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا نفاقا ، ولم يدعهما للعان بل قال للرجل « ألك إبل؟ » قال نعم : قال : « فما ألوانها؟ » قال : حمر قال : « هل فيها من أورق؟ » قال : إن فيها لورقا قال : « ومن أين جاءها ذلك؟ » قال لعل عرقا نزعه قال : « وهذا الغلام الأسود لعل غرقا نزعه » قالوا : ولأن التعريض محتمل لمعنى آخر غير القذف ، وكل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفا هذا هو حاصل حجة من قالوا : بأن التعريض بالقذف ، لا يوجب الحد وإنما يجب الحد بالتصريح بالقذف .
وذهبت جماعة آخرون من أهل العلم : إلى أن التعريض بالقذف يجب به الحد ، وهو مذهب مالك وأصحابه ، وقال ابن قدامة في المغني : وروى الأثرم وغيره ، عن الإمام احمد أن عليه الحد يعني المعرض بالقذف ، قال : وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه ، وبه قال إسحاق إلى أن قال : وقال معمر : إن عمر كان يجلد الحد في التعريض . اه .
واحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما ذكره القرطبي ، قال : والدليل ما قاله مالك : هو أن موضوع الحد في القذف ، إنما هو لأزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف ، وإذا حصلت المعرة بالتعريض ، وجب أن يكون قذفا كالتصريح والمعول على الفهم ، وقد قال تعالى مخبرا عن قوم شعيب أنهم قالوا له :
{ إنك لأنت الحليم الرشيد } [ هود : 87 ] أي السفينه الضال ، فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات حسب ما تقدم في سورة هود ، وقال تعالى في أبي جهل { ذق إنك أنت العزيز الكريم } [ الدخان : 49 ] ، وقال تعالى في الذين قذفوا مريم : إنهم قالوا : { ياأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } فمدحوا أباها ، ونفوا عن أمها البغاء أي الزنى وعرضوا لمريم بذلك ولذلك قال تعالى : { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } [ النساء : 156 ] وكفرهم معروف والبهتان العظيم هو التعريض لها أي ما كان أبوك امرأ سوء ، وما كانت أمك بغيا : أي انت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد ، وقال تعالى : { قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } [ سبأ : 24 ] فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهدى ، ففهم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه اه . محل الغرض من كلام القرطبي مع تصرف قليل لأيضاح المراد . (5/437)
وحاصل كلام القرطبي المذكور : أن من أدلة القائلين بوجوب الحد بالتعريض آيات قرآنية ، وبين وجه دلالتها على ذلك كما رأيته ، وذكر أن من أدلتهم أن المعرة اللاحقة للمقذوف صريحا تلحقه بالتعريض له بالقذف ، ولذلك يلزم استواؤهما ، وذكر أن من أدلتهم أن المعول على الفهم ، والتعريض يفهم منه القذف فيلزم أن يكون كالصريح .
ومن أدلتهم على أن التعريض يجب به الحد بعض الآثار المروية عن بعض الخلفاء الراشدين . قال ابن قدامة في المغني : لأن عمر رضي الله عنه حين شاورهم في الذين قال لصاحبه : ما أنا بزان ، إن عمر كان يجلد الحد في التعريض . وروى الأثرم : أن عثمان رضي الله عنه جلد رجلا قال لآخر : يا ابن شامة الوذر يعرض له بزنى أمه ، والوذر : عذر اللحم يعرض له بكمر الرجال وانظر أسانيد هذه الآثار .
ومن أدلة أهل هذا القول أن الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها ، كالصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى ولذلك وقع الطلاق بالكناية ، فإن لم يكن ذلك في حال الخصومة ، ولا وجدت قرينة تصرف إلى القذف ، فلا شك في أنه لا يكون قذفا . انتهى من المغني .
ثم قال صاحب المغني : وذكر أبو بكر عبد العزيز : أن أبا عبد الله رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض ، يعني بأبي عبد الله الإمام أحمد رحمه الله . وقال القرطبي رحمه الله : وقد حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة لما قال :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
لأنه شبهه بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون ومثل هذا كثير ، ومنه قول الحطيئة أو النجاشي :
قبيلة لا يخفرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل (5/438)
فإنه يروى أن عمر لما سمع هذا الهجاء حمله على المدح ، وقال : ليت آل الخطاب كانوا كذلك ولما قال الشاعر بعد ذلك :
ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل
قال عمر أيضا : ليت آل الخطاب كانوا كذلك ، فظاهر هذا الشعر يشبه المدح ، ولذا ذكروا أن عمر تمنى ما فيه من الهجاء لأهل بيته ، لأن عنده مدح وصاحبه يريد الذم بلا نزاع ، ويدل على ذلك أول شعره وآخره ، لأن أول الأبيات قوله :
إذا الله عادى أهل لؤم وذلة ... فعادى بني العجلان وهط ابن مقبل
قبيلة لا يخفرون . . . ... وفي آخر شعره :
وما سمى العجلان إلا لقوله ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
وكون مثل هذا من التعريض بالذم لا شك فيه . وقول الحطيئة :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... يهجو به الزبرقان بن بدر التميمي ، كما ذكره بعض المؤرخين ، وما ذكره القرطبي رحمه الله في الكلام الذي نقلنا عنه من أن البهتان العظيم الذي قالوه على مريم : هو تعريضهم لها بقوله { ما كان أبوك امرأ سوء } [ مريم : 28 ] الآية لا يتعين بانفراده ، لأن الله جل وعلا ذكر عنهم أنهم قالوا لها غير ذلك وهو أقرب للتصريح بالفاحشة مما ذكره القرطبي وذلك في قوله تعالى : { فأتت به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا } [ مريم : 27 ] فقولهم لها { لقد جئت شيئا فريا } في وقت مجيئها بالولد تحمله ظاهرا جدا في إرادتهم قذفها كما ترى ، والكلام الذي ذكر ابن قدامة : أن عثمان جلد الحد فيه وهو قول الرجل لصاحبه : يا بن شامة الوذرة . قال فيه الجوهري في صحاحه : الوذرة بالتسكين الغدرة ، وهي القطعة من اللحم إذا كانت مجتمعة ، ومنه قولهم : يا بن شامة الوذرة وهي كلمة قذف وكانت العرب تتساب بها كما كانت تتساب بقولهم : يا بن ملقي أرحل الركبان ، أو يا بن ذات الرايات ونحوها ، والجمع وذر مثل تمرة وتمر . اه . من صحاح الجوهري .
والشامة بتشديد الميم اسم فاعل شمه . وقال صاحب اللسان : وفي حديث عثمان رضي الله عنه أنه رفع إليه رجل قال لرجل : يا ابن شامة الوذر ، فحده وهو من سباب العرب وذمهم ، وإنما أراد يا ابن شامة المذاكير يعنون الزنا ، كأنها كانت تشم كمرا مختلفة فكنى عنه ، والذكر قطعة من بدن صاحبه ، وقيل : أراد بها القلف جمع قلفة الذكر ، لأنها تقطع . انتهى محل الغرض من لسان العرب . وهذا لا يتضح منه قصد الزنا ولم أر من أوضح معنى شامة الوذر إيضاحا شافيا ، لأن شم كمر الرجال ليس من الأمر المهود الواضح .
والذي يظهر لي والله تعالى أعلم : أن قائل الكلام المذكور يشبه من يعرض لها بالزنا بسفاد الحيوانات ، لأن الذكر من غالب الحيوانات إذا أراد سفاد الأنثى شم فرجها ، واستنشق ريحه استنشاقا شديدا ، ثم بعد ذلك ينزوا عليها فيسافدها فكأنهم يزعمون أن المرأة تشم ذكر الرجل كما يشم الفحل من الحيوانات فرج أثناه ، وشمها لمذاكير الرجال كأنه مقدمة للمواقعة ، فكنوا عن المواقعة بشم المذاكير ، وعبروا عن ذكر الرجل بالوذرة ، لأنه قطعة من بدن صاحبه كقطعة اللحم ، ويحتمل أنهم أرادوا كثرة ملابستها لذلك الأمر ، حتى صارت كأنها تشم ريح ذلك الموضع والعلم عند الله تعالى .
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له : قد علمت مما ذكرنا أقوال أهل العلم ، وحججهم في التعريض بالقذف ، هل يلزم به الحد أو لا يلزم عند الله تعالى . (5/439)
وأظهر القولين عندي : أن التعريض إذا كان يفهم منه معنى القذف فهما واضحا من القرائن أن صاحبه يحد ، لأن الجناية على عرض المسلم تتحقق بكل ما يفهم منه ذلك فهما واضحا ، لئلا يتذرع بعض الناس لقذف بعضهم بألفاظ التعريض التي يفهم منها القذف بالزنا والظاهر أنه على قول من قال من اهل العلم : إن التعريض بالقذف لا يوجب الحد أنه لا بد من تعزير المعرض بالقذف للأذى الذي صدر منه لصاحبه بالتعريض . والعلم عند الله تعالى .
المسألة السادسة : قال القرطبي في تفسيره : الجمهور من العلماء على أنه لا حد على من قذف رجلا من أهل الكتاب أو امرأة منهم ، وقال الزهري ، وسعيد بن المسيب ، وابن أبي ليلى عليه الحد إذا كان لها ولد من مسلم ، وفيه قول ثالث : وهو أنه إذا قذف النصرانية تحت المسلم جلد الحد . قال ابن المنذر : وجل العلماء مجمعون وقائلون بالقول الأول ، ولم أدرك احدا ، ولا لقيته يخالف في ذلك ، وإذا قذف النصراني المسلم الحر فعليه ما على المسلم ثمانون جلدة . لا أعلم . في ذلك خلافا ، انتهى منه .
المسألة السابعة : اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي في مسألة ما لو قذف رجل رجلا فقال آخر : صدقت أن المصدق قاذف فتجب إقامة الحد عليه ، لأن تصديقه للقاذف قذف خلافا لزفر ومن وافقه .
وقال ابن قدامة في المغني : ولو قال أخبرني فلان أنك زنيت لم يكن قاذفا سواء كذبه المخبر عنه أو صدقه ، وبه قال الشافعي ، وأبو ثور وأصحاب الرأي . وقال أبو الخطاب فيه وجه آخر أنه يكون قاذفا إذا كذبه الآخر . وبه قال مالك ، وعطاء ونحوه عن الزهري ، لأنه أخبر بزناه . اه . منه .
وأظهر القولين عندي : أنه لا يكون قاذفا ولا يحد ، لأنه حكى عن غيره ولم يقل من تلقاء نفسه ، ويحتمل أن يكون صادقا ، وأن الذي أخبره أنكر بعد إخباره إياه كما لو شهد على رجل أنه قذف رجلا وأنكر المشهود عليه ، فلا يكون الشاهد قاذفا . والعلم عند الله تعالى .
المسألة الثامنة : أظهر قولي أهل العلم عندي فيمن قذف رجلا بالزنى ، ولم يقم عليه الحد حتى زنا المقذوف أن الحد يسقط عن قاذفه ، لأنه تحقق بزناه أنه غير محصن ، ولو كان ذلك لم يظهر إلا بعد لزوم الحد للقاذف ، لأنه قد ظهر أنه غير عفيف قبل إقامة الحد على من قذفه ، فلا يحد لغير عفيف اعبتارا بالحالة التي يراد أن يقام فيها الحد ، فإنه في ذلك الوقت ثبت عليه أنه غير عفيف .
وهذا الذي استظهرنا عزاه ابن قدامة ، لأبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي والقول بأنه يحد هو مذهب الإمام أحمد . (5/440)
قال صاحب المغني : وبه قال الثوري ، وأبو ثور ، والمزني ، وداود . واحتجوا بأن الحد قد وجب وتم بشروطه فلا يسقط بزوال شرط الوجوب .
والأظهر عندنا هو ما قدمنا ، لأنه تحقق أنه غير عفيف قبل إقامة الحد على قاذفه ، فلا يحد لمن تحقق أنه غير عفيف .
وإنما وجب الحد قبل هذا ، لأن عدم عفته كان مستورا ، ثم ظهر قبل إقامة الحد . والعلم عند الله تعالى .
المسألة التاسعة : أعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندنا فيمن قال لرجل : يا من وطئ بين الفخذين ، أنه ليس بقذف ، ولا يحد قائله ، لأنه رماه بفعل لا يعد زنا إجماعا ، خلافا لابن القاسم من أصحاب مالك القائل : بوجوب الحد زاعما أنه تعريض به . والعلم عند الله تعالى .
المسألة العاشرة : اعلم أن حد القذف لا يقام على القاذف إلا إذا طلب المقذوف إقامة الحد عليه ، لأنه حق له ، ولم يكن للقاذف بينه على ما ادعى من زنا المقذوف ، لأن الله يقول : { ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء } ومفهوم الآية : أن القاذف لو جاء بأربعة شهداء على الوجه المقبول شرعا أنه لا حد عليه ، وإنما يثبت بذلك حد الزنا لعى المقذوف ، لشهادة البينة ، ويشترط لذلك أيضا عدم إقرار المقذوف ، فإن أقر بالزنا ، فلا حد على القاذف . وإن كان القاذف زوجا اعتبر في حده حد القذف امتناعه من اللعان . قال ابن قدامة : ولا نعلم خلافا في هذا كله ثم قال : وتعتبر استدامة الطلب إلى إقامة الحد ، فلو طلب ثم عفا عن الحد سقط ، وبهذا قال الشافعي ، وأبو ثور . وقال الحسن وأصحاب الرأي : لا يسقط بعفوه لأنه حد فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود . فإنه لا يعتبر في إقامتها الطلب باستيفائها ، وحد السرقة إنما تعتبر فيه المطالبة بالمسروق لا باستيفاء الحد ، ولأنهم قالوا تصح دعواه ، ويستحلف فيه ، ويحكم الحاكم فيه بعلمه ، ولا يقبل رجوعه عنه بعد الاعتراف . فدل على أنه حق الآدمي . اه من المغني ، وكونه حقا لآدمي هو أحد أقوال فيه .
قال أبو عبد الله القرطبي : واختلف العلماء في حد القذف ، هل هو من حقوق الله ، أو من حقوق الآدميين أو فيه شائبة منهما؟
الأول : قول أبي حنيفة .
والثاني : قول مالك والشافعي .
والثالث : قاله بعض المتأخرين .
وفائدة الخلاف أنه إن كان حقا لله تعالى وبلغ الإمام اقامه وإن لم يطلب ذلك المقذوف ، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى ، ويتشطر فيه الحد بالرق كالزنا ، وإن كان حقا للآدمي ، فلا يقيمة الإمام إلا بمطالبة المقذوف ، ويسقط بعفوه ولم تنفع القاذف التوبة حتى يحلله المقذوف اه كلام القرطبي .
ومذهب مالك وأصحابه كأنه مبني على القول الثالث ، وهو أن الحد يسقط بعفو المقذوف قبل بلوغ الإمام ، فإن بلغ الإمام ، فلا يسقطه عفوه إلا إذا ادعى أنه يريد بالعفو الستر على نفسه . (5/441)
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الظاهر أن القذف حق للآدمي وكل حق للآدمي فيه حق الله .
وإيضاحه : أن حد القذف حق للآدمي من حيث كونه شرع للزجر عن عرضه ، ولدفع معرة القذف عنه . فإذا تجرأ عليه القاذف انتهك حرمة عرض المسلم ، فكان للمسلم عليه حق بانتهاك حرمة عرضه ، وانتهك أيضا حرمة نهى الله عن وقوعه في عرض مسلم ، فكان لله حق على القاذف بانتهاكه حرمة نهيه ، وعدم امتثاله ، فهو عاص الله مستحق لعقوبته ، فحق الله يسقط بالتوبة النصوح ، وحق المسلم يسقط بإقامة الحد ، أو بالتحلل منه .
والذي يظهر على هذا التفصيل أن المقذوف إذا عفا وسقط الحد بعفوه أن للإمام تعزير القاذف لحق الله . والله جل وعلا أعلم .
المسألة الحادية عشرة : قال القرطبي : إن تمت الشهادة على الزاني بالزنا ولكن الشهود لم يعدلوا ، فكان الحسن البصري ، والشعبي يريان ألا حد على الشهود ، ولا على المشهود عليه ، وبه قال أحمد ، والنعمان ، ومحمد بن الحسن .
وقال مالك : وإذا شهد عليه أربعة بالزنا وكان أحدكم مسخوطا عليه أو عبدا يجلدون جميعا . وقال سفيان الثوري ، وأحمد ، وإسحاق في أربعة عميان يشهدون على امرأة بالزنى : يضربون ، فإن رجع أحد الشهود ، وقد رجم المشهود عليه في الزنى ، فقالت طائفة : يغرم ربع الدية ، ولا شيء على الآخرين ، وكذلك قال قتادة ، وحماد ، وعكرمة ، وأبو هاشم ، ومالك ، وأحمد ، وأصحاب الرأي . وقال الشافعي : إن قال عمدت ليقتل ، فالأولياء بالخيار إن شاءوا قتلوا ، وإن شاءوا عفوا ، وأخذوا ربع الدية وعليه الحد . وقال الحسن البصري : يقتل وعلى الآخرين ثلاثة أرباع الدية . وقال ابن سيرين : إذا قال أخطأت ، وأردت غيره فعليه الدية كاملة ، وإن قال تعمدت قتل ، وبه قال ابن شبرمة اه كلام القرطبي . وقد قدمنا بعضه .
وأظهر الأقوال عندي : أنهم إن لم يعدلوا حدوا كلهم لأن من أتى بمجهول غير معروف العدالة كمن لم يأت بشيء وأنه إن أقر بأنه تعمد الشهادة عليه ، لأجل أن يقتل يقتص منه . وإن ادعى شبهة في رجوعه يغرم قسطه من الدية ، والقول بأنه يغرم الدية كاملة له وجه من النظر ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة الثانية عشرة : قال القرطبي : قال مالك ، والشافعي من قذف من يحسبه عهدا فإذا هو حر فعليه الحد ، وقاله الحسن البصري ، واختاره ابن المنذر ، ومن قذف أم الولد حد .
وروي عن ابن عمر . وهو قياس قول الشافعي ، وقال الحسن البصري : لا حد عليه . انتهى منه . (5/442)
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له : أما حده في قذف أم الولد ، فالظاهر أنه لا يكون إلا بعد موت سيدها ، وعتقها من رأس مال مستولدها ، أما قبل ذلك فلم تتحقق حريتها بالفعل ، ولا سيما على قول من يجيز بيعها من العلماء . والقاذف لا يحد بقذف من لم يكن حرا حرية كاملة فيما يظهر ، وكذلك لو قيل : إن من قذف من يظنه عبدا ، فإذا هو حر لا يجب عليه الحد لأنه لم ينو قذف حر ، وإنما نوى قذف عبد لكان له وجه من النظر؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ، ولأن المعرة تزول عن المقذوف بقول القاذف : ما قصدت قذفك ولا أقول : إنك زان ، وإنما قصدت بذلك من كنت أعتقده عبدا فأنت عفيف في نظري ، ولا أقول فيك إلا خيرا والعلم عند الله تعالى .
المسألة الثالثة عشرة : اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة أو بكلمات متعددة ، أو قذف واحدا مرات متعددة . وقد قدمنا خلاف أهل العلم ، فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة في الكلام على آيات الحج .
قال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي : وإذا قذف الجماعة بكلمة واحدة ، فحد واحد إذا طالبوا أو احد منهم ، ما نصه : وبهذا قال طاوس والشعبي : والزهري ، والنخعي ، وقتادة ، وحماد ، ومالك ، والثوري ، وأبو حنيفة وصاحباه ، وابن أبي ليلى وإسحاق . وقال الحسن وأبو ثور ، وابن المنذر : لكل واحد حد كامل ، وعن أحمد مثل ذلك ، وللشافعي قولان كالروايتين ، ووجه هذا أنه قذف كل واحد منهم ، فلزمه له حد كامل كما لو قذفهم بكلمات ، ولنا قول الله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون } : [ النور : 4 ] ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة ، ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة ، فلم يحدهم عمر إلا حدا واحدا ، ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد كما لو قذف واحدا ، ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف ، وتزول المعرة ، فوجب أن يكتفي به بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفا منفردا ، فإن كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في آخر ، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده للآخر فإذا ثبت هذا ، فإنهم إن طلبوه جملة حد لهم ، وإن طلبه واحد أقيم الحد ، لأن الحق ثابت لهم على سبيل البدل ، فأيهم طالب به استوفى ، وسقط فلم يكن لغيره الطلب به كحق المرأة على أوليائها في تزويجها ، إذا قام به واحد سقط عن الباقين ، وإن أسقطه أحدهم فلغيره المطالبة به ، واستيفاؤه لأن المعرة لم تزل عنه بعفو صاحبه ، وليس للعافي الطلب به ، لأنه قد أسقط حقه .
وروي عن أحمد رحمه الله رواية أخرى ، أنهم إن طلبوه دفعة واحدة فحد واحد ، وكذلك إن طلبوه واحدا بعد واحد إلا أنه لم يقم حتى طلبه الكل فحد واحد ، وإن طلبه واحد فأقيم له ، ثم طلبه آخر أقيم له ، وكذلك جميعهم وهذا قول عروة ، لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه ، وقع استيفاؤه لجميعهم . وإذا طلبه واحد منفردا كان استيفاؤه له وحده ، فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم ، سقاطهم ، وإن قدف الجماعة بكلمات فلكل واحد حد وبهذا قال عطاء والشعبي ، وقتادة ، وابن أبي ليلى ، وأبو حنيفة والشافعي . وقال حماد ومالك : لا يجب إلا حد واحد ، لأنها جناية توجب حدا ، فإذا تكررت كفى حد واحد ، كما لو سرق من جماعة أو زنى بنساء ، أو شرب أنواعا من المسكر ، ولنا أنها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديو والقصاص ، وفارق ما قاسوا عليه فإنه حق الله تعالى إلى أن قال : وإن قذف رجلا مرات فلم يحد فحد واحد رواية واحدة ، سواء قذفه بزنا واحد أو بزينات ، وإن قذفه فحد ثم أعاد قذفه نظرت ، فإن قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل العلم ، وحكي عن ابن القاسم : أنه أوجب حدا ثانيا ، وهذا يخالف إجماع الصحابه ، فإن أبا بكرة لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حدا ثانيا فروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال : شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر أنه زان ، فبلغ ذلك عمر فكبر عليه وقال شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة ، وجاء زياد فقال ما عندك؟ فلم يثبت فامر بجلدهم فجلدوا ، وقال شهود زور . فقال ابو بكرة : أليس ترضى أن أتاك رجل عندك يشهد رجمه؟ قال : نعم . والذي نفسي بيده فقال أبو بكرة : وأنا أشهد أنه زان ، فأراد أن يعيد عليه الحد فقال علي يا أمير المؤمنين : إنك إن أعدت عليه الحد ، أوجبت عليه الرجم . وفي الحديث آخر : فلا يعاد في فرية جلد مرتين . قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله قول علي : إن جلدته فأرجم صاحبك ، قال : كأنه جعل شهادته شهادة رجلين : قال أبو عبد الله : وكنت أنا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث فأعجبني ثم قال يقول : إذا جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهدا آخر ، فأما إن حد له وقذفه بزنا ثان نظرت ، فإن قذفه بعد طول الفصل فحد ثان ، لأنه لا يسقط حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف أبدا بحيث يمكن من قذفه بكل حال ، وإن قذفه عقيب حده ففيه روايتان . (5/443)
إحداهما : يحد أيضا لأنه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد ، فيلزم فيه حد كما لو طال الفصل ، ولأن سائر أسباب الحد ، وإذا تكررت بعد أن حد للأول ثبت للثاني حكمه ، كالزنا والسرقة وغيرهما من الأسباب . (5/444)
والثانية : لا يحد ، لأنه قد حد له مرة فلم يحد له بالقذف عقبه كما لو قذفه بالزنا الأول . انتهى من المغني ، وقد رأيت نقله لأقوال أهل العلم ، فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة او قذف واحدا مرات .
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له : هذه المسائل لم نعلم فيها نصا من كتاب ولا سنة .
والذي يظهر لنا فيها والله تعالى أعلم : أن من قذف جماعة بكلمة واحدة فعليه حد واحد ، لأنه يظهر به كذبه على الجميع وتزول به المعرة عن الجميع ، ويحصل شفاء الغيظ بحده للجميع .
والأظهر عندنا : أنه إن كرر القذف لرجل واحد قبل إقامة الحد عليه يكفي فيه حد واحد ، وأنه إن رماه بالزنا بعد حده للقذف الأول بعد طول حد أيضا ، وإن رماه قرب زمن حده بعين الزنا الذي حد له لا يعاد عليه الحد ، كما حكاه صاحب المغني في قصة أبي بكرة والمغيرة بن شعبة ، وإن كان القذف الثاني غير الأول . كأن قال في الأول : زينب بأمرأة بيضاء ، وفي الثاني قال : بامرأة سوداء ، فالظاهر تكرره والعلم عند الله تعالى .
وعن مالك رحمه الله في المدونة : إن قذف رجلا فلما ضرب أسواطا قذفه ثانيا أو آخر ابتدئ الحد عليه ثمانين من حين يقذفه ولا يعتد بما مضى من السياط .
المسألة الرابة عشرة : الظاهر أن من قال لجماعة : أحدكم زان أو ابن زانية لا حد عليه لأنه لم يعين واحدا فلم تلحق المعرة واحدا منهم ، فإن طلبوا إقامة الحد عليه جميعا لا يحد ، لأنه لم يرم واحدا منهم بعينه ، ولم يعر من أراد بكلامه . نقله المواق عن الباجي عن محمد بن المواز ، ووجهه ظاهر كما ترى . واقتصر عليه خليل في مختصرة في قوله عاطفا على ما لا حد فيه . أو قال لجماع : أحدكم زان .
وقال ابن قدامة في المغني : واذا قال من رماني فهو ابن الزانية فرماه رجل ، فلا حد عليه ، في قول أحد من أهل العلم . وكذلك إن اختلف رجلان في شيء فقال أحدهما الكاذب : هو ابن الزانية ، فلا حد عليه نص عليه أحمد ، لأنه لم يعين أحدا بالقذف ، وكذلك ما أشبه هذا ولو قذف جماعة لا يتصور صدقه في قذفهم ، مثل أن يقذف أهل بلدة كثيرة بالزنى كلهم ، لم يكن عليه حد ، لأنه لم يلحق العار بأحد غير نفسه للعلم بكذبه . انتهى منه .
المسألة الخامسة عشرة : اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندنا فيمن قال لرجل : أنت أزنى من فلان .
فهو قاذف لهما ، وعليه حدان ، لأن قوله أزنى صيغة تفضيل ، ت وهي تدل على اشتراك المفضل ، والمفضل عليه في أصل الفعل ، إلا أن المفضل أفضل فيه من صاحبه المشارك له فيه ، فمعنى كلامه بدلالة المطابقة في صيغة التفضيل : أنت وفلان زانيات ، ولكنك تفوقه في الزنى ، وكون هذا قذفا لهما واضح كما ترى ، وبه تعلم أن أحد الوجهين عند الحنابلة أن يحد للمخاطب فقط ، دون فلان المذكور ، لا ينبغي أن يعول عليه ، وكذلك ما عزاه ابن قدامة للشافعي ، وأصحاب الرأي من أنه ليس بقذف للأول ، والثاني إلا أن يعول عليه ، وكذلك ما عزاه ابن قدامة للشافعي ، وأصحاب الرأي من أنه ليس بقذف للأول ، وللثاني إلا أن يريد به القذف كل ذلك لا يصح ولا ينبغي التعويل عليه ، لأن صيغة أنت زانى من فلان قذف صريح لهما بعبارة واضحة ، لا إشكال فيها . (5/445)
وقال ابن قدامة في المغني محتجا للوجه الذي ذكرنا عن الحنابلة : أنه لا حد على الثاني : ما نصه : والثاني يكون قذفا للمخاطب خاصة لأن لفظه افعل قد تستعمل للمنفرد بالفعل ، كقول الله تعالى : { أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى } [ يونس : 35 ] وقال تعالى : { فأي الفريقين أحق بالأمن } [ الأنعام : 81 ] وقال لوط : { بناتي هن أطهر لكم } [ هود : 78 ] أي من أدبار الرجال ، ولا طهارة فيها لا ينبغي التعويل عليه كما أنه هو ساقه ، ولم يعول عليه .
وحاصل الاحتجاج المذكور : أن صيغة التغضيل قد ترد مرادا بها مطلق الوصف ، لا حصول التفضيل بين شيئين ، ومثل هو بكلمة : أحق أن يتبع وكلمة : أحق بالأمن ، وكلمة : أطهر لكم ، لأن صيغة التفضيل في الآيات المذكورة لمطلق الوصف لا للتفضيل .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : لا يخفى أن صيغة التفضيل قد ترد لمطلق الوصف كما هو معلوم ، ومن أمثلته الآيات التي ذكرها صاحب المغني ، ولكنها لا تحمل على غير التفضيل ، إلا بدليل خارج يقتضي ذلك والآيات التي ذكر معلوم أنها لا يمكن أن تكون للتفضيل ، لأن الأصنام لا نصيب لها من أحقية الاتباع أصلا في قوله : { أحق أن يتبع أمن لا يهدي } [ يونس : 35 ] ولأن الكفار لا نصيب لهم في الأحقية بالأمن ، ولأن أدبار الرجال لا نصيب لها في الطهارة .
ومن أمثلة ورود صيغة التفضيل لمطلق الوصف أيضا قوله تعالى : { وهو أهون عليه } [ الروم : 27 ] أي هين سهل عليه ، وقول الشنفري :
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل
أي لم أكن بالعجل منهم وقول الفرزدق :
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
أي عزيزة طويلة . وقول معن بن أوس :
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول
أي لوجل . وقول الأحوص بن محمد الأنصاري :
أني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل
أي لمائل . وقول الآخر :
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أي بواحد . وقال الآخر : (5/446)
لعمرك إن الزبر قان لباذل ... لمعروفه عند السنين وأفضل
أي وفاضل . إلى غير ذلك من الشواهد ، ولكن قدمنا أنها لا تحمل على مطلق الوصف ، إلا لدليل خارج ، أو قرينة واضحة تدل على ذلك .
وقوله له : أنت أزنى من فلان ليس هناك قرينة ، ولا دليل صارف لصيغة التفضيل ، عن أصلها ، فوجب إبقاؤها على أصلها ، وحد القاذف ، لكل واحد منهما والإتيان بلفظة من في قوله : أنت أزنى من فلان ، يوضح صراحة الصيغة في التفضيل ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة السادسة عشر : اعلم أنه لا يجوز رمي الملاعنة بالزنى ، ولا رمي ولدها بأنه ابن زنى ، ومن رمى أحدهما فعليه الحد ، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه ، لأنه لم يثبت عليها زنى ، ولا على ولدها أنه ابن زنى ، وإنما انتفى نسبه عن الزوج بلعانه .
وفي سنن أبي داود حدثنا الحسن بن علي ، ثنا يزيد بن هارون ، ثنا عباد بن منصور عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : جاء هلال بن أمية ، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم ، فجاء من أرضه عشيا فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينه وسمع بأذنه الحديث وفيه ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وقضى ألا يدعي ولدها لأب ، ولا ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد إلى آخر الحديث . وفي هذا الحديث : التصريح بأن من رماها أو رمى ولدها فعليه الحد .
واعلم أن ما نقله الشيخ الحطاب عن بعض علماء المالكية من أن من قال لابن ملاعنة : لست لأبيك الذي لاعن أمك ، فعليه الحد خلاف التحقيق ، لأن الزوج الملاعن ينتفي عنه نسب الولد باللعان ، فنفيه عنه حق مطابق للواقع ، ولذا لا يتوارثان ومن قال كلاما حقا ، فإنه لا يستوجب الحد بذلك ، كما لو قال له : يا من نفاه زوج أمه أو يابن ملاعنة أو يابن من لوعنت ، وإنما يجب الحد على قاذفه فيما لو قال له : أنت ابن زنى ونحوها من صريح القذف ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة السابعة عشرة : في حكم ما لو قال لرجل يا زانية بتاء الفرق ، أو قال لامرأة يا زاني بلا تاء . قال ابن قدامة في المغني . هو قذف صريح لكل منهما قال : واختار هذا أبو بكر ، وهو مذهب الشافعي ، واختار ابن حامد أنه ليس بقذف إلا أن يفسره ، وهو قول أبي حنيفة ، لأنه يحتمل أن يريد بقوله يا زانية أي يا علامة في الزنا . كما يقال للعالم : علامة ، ولكثير الرواية ولكثير الحفظ حفظةن ولنا أن ما كان قذفا لأحد الجنسين كان قذفا للآخر كقوله زنيت بفتح التاء وكسرها لهما جميعا ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنا ، وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها ، ولذلك لو قال للمرأة : يا شخصا زانيا ، وللرجل : يا نسمة زانية كان قاذفا .
وقولهم إنه يريد بذلك أنه علامة في الزنا لا يصح فإنما كان اسما للفعل ، إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة ، كقولهم : حفظة للمبالغ في الحفظ ورواية للمبالغ في الرواية ، وكذلك همزة لمزة وصرعة ، ولأن كثيرا من الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر ، ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادا باللفظ الصحيح . انتهى كلام صاحب المغني . (5/447)
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : أظهر القولين عندي فيمن قال الذكر : يا زانية بصيغة التأنيث ، أو قال لامرأة : يا زاني بصيغة التذكير ، أنه يلزمه الحد .
وإيضاحه أن القاذف بالعبارتين المذكورتين لا يخلو من أحد أمرين ، إما أن يكون عاميا ، لا يعرف العربية أو يكون له علم باللغة العربية ، فإن كان عاميا فقد يكون غير عالم بالفرق بين العبارتين ، ونداؤه للشخص بلفظ الزنى ظاهر في قصده قذفه ، وإن كان عالما باللغة ، فاللغة يكثر فيها إطلاق وصف الذكر على الأنثى باعتبار كونها شخصا .
وقد قدمنا بعض أمثلة ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله : { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } [ النحل : 14 ] ، ومما ذكرنا من الشواهد هناك قول حسان رضي الله عنه :
منع النوم بالعشاء الهموم ... وخيال إذا تغار النجوم
من حبيب أصاب قلبك منه ... سقم فهو داخل مكتوم
ومراده بالحبيب أنثى بدليل قوله بعده :
لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم
وقول كثير :
لئن كان يرد الماء هيمان صاديا ... إلى حبيا إنها لحبيب
ومن أمثلة ذلك قول مليح بن الحكم الهذلي :
ولكن ليلى أهلكتني بقولها ... نعم ثم ليلى الماطل المتبلح
يعني ليلى الشخص الماطل المتبلح :
وقول عمرة بن حزام العذري :
وعفراء أرجى الناس عندي مودة ... وعفراء عني المعرض المتواني
أي الشخص المعرض .
وإذا كثر في كلام العرب تذكير وصف الأنثى باعتبار الشخص كما رأيت أمثلته ، فكذلك لا مانع من تأنيثهم صفة الذكر باعتبار النسمة أو النفس ، وورود ذلك لتأنيث اللفظ مع تذكير المعنى معروف كقوله :
أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال
المسألة الثامنة عشرة : اعلم أن من رمى رجلا قد ثبت عليه الزنى سابقا أو امرأة ، قد ثبت عليها الزنى سابقا ببينة ، أو إقرار ، فلا حد عليه ، لأنه صادق ، ولأن إحصان المقذوف قد زال بالزنى ، ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله { والذين يرمون المحصنات } الآية . فهو يدل بمفهومه أن من رمى غير محصنة لا حد عليه ، وهو كذلك ، ولكنه يلزم تعزيره ، لأنه رماه بفاحشة ولم يثبتها ، ولا يترك عرض من ثبت عليه الزنى سابقا مباحا لكل من شاء أن يرميه بالزنى دون عقوبة رادعة كما ترى .
المسألة التاسعة عشرة : أعلم أن الإنسان إذا كان مشركا وزنى في شركة أو كان مجوسيا ، ونكح أمه أو ابنته مثلا في حال كونه مجوسيا ، ثم أسلم بعد ذلك فرماه أحد بالزنى بعد إسلامه فله ثلاث حالات :
الأولى : أن يقول له : يا من زنى في أيام شركة أو يا من نكح أمه مثلا في أيامه مجوسيا ، وهذه الصورة ل حد فيها لأن صاحبها أخبر بحق والإسلام يجب ما قبله .
الثانية : أن يقول له : يا من زنى بعد إسلامه أو نكح أمه بعد إسلامه ، فعليه الحد كما لا يخفى . (5/448)
الثالثة : أن يقول له : يا زاني ، ولم يتعرض لكون ذلك قبل إسلامه ، أو بعده فإن فسره بأنه أراد أنه زنى بعد إسلامه ، فعليه الحد ، وإن قال : أردت بذلك زناه في زمن شركه ، فهل يقبل منه هذا التفسير ، ويسقط عنه الحد ، أو لا يقبل ذلك منه ، ويقام عليه الحد . اختلف العلماء في ذلك ، وممن قال بأنه يحد ولا يلتفت إلى تفسيره ذلك : مالك وأصحابه ، وصرح به الخرقي من الحنابلة . وقال ابن قدامة في المغني : لا حد عليه ، وخالف في ذلك الخرقي في شرحه لقول الخرقي : ومن قذف من كان مشركا وقال : أردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله ، وحد القاذف إذا طلب المقذوف ، وكذلك من كان عبدا . انتهى .
المسألة العشرون : اعلم أن من قذف بنتا غير بالغ بالزنى ، أو قذف به ذكرا غير بالغ فقد اختلف أهل العلم ، هل يجب على القاذف الحد أو لا يجب عليه؟ وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير الآية التي نحن بصددها : إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قاذفا عند مالك . وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور : ليس بقذف ، لأنه ليس بزنى إذ لا حد عليها ويعزر . قال ابن العربي : والمسألة محتملة مشكلة لكن مالك غلب حماية عرض المقذوف ، وغيره راعى حماية ظهر القاذف ، وحماية عرض المقذوف أولى ، لأن القاذف كشف ستره بطرف فلزمه الحد . قال ابن المنذر : أحمد في الجارية بنت تسع ، يحد قاذفها ، وكذلك الصبي إذا بلغ عشرا ضرب قاذفه ، قال إسحاق : إذا قذف غلاما يطأ مثله؛ فعليه الحد ، والجارية إذا تسعا مثل ذلك قال ابن المنذر : لا يحد من قذف من لم يبلغ؛ لأن ذلك كذب ، ويعزر على الأذى . اه محل الغرض منه بلفظه .
وإذا عرفت مما ذكرنا أقوال أهل العلم في المسألة ، فاعلم أن أظهرها عندنا قول ابن المنذر : إنه لا يحد ولكن يعزر ، ووجه ذلك أن من لم يبلغ من الذكور والإناث مرفوع عنه القلم ، ولا معرة تلحقه بذنب ، لأنه غير مؤاخذ ، ولو جاء قاذف الصبي بإقامة القاذف البينة على زناه ، وإن خالف في هذا جمع من أجلاء العلماء ، ولكنه يعزر التعزير البالغ الرادع له ، ولغيره عن قذف من لم يبلغ . والعلم عند الله تعالى .
المسألة الحادية والعشرون : اعلم أن الظاهر فيما لو قال رجل لآخر زنأت بالهمزة أن القاذف إن كان عاميا لا يفرق بين المعتل والمهموز أنه يحد لظهور قصده لقذفه بالزنى .
إن كان عالما بالعربية ، وقال : إنما أردت بقولي : زنأت بالهمزة معناه اللغوي ، ومعنى زنأت بالهمزة : لجأت إلى شيء ، أو صعدب في جبل ، ومنه قول قيس بن عاصم المنقري يرقص ابنه حكيما وهو صغير : (5/449)
أشبه أبا أمك أو أشبه حمل ... ولا تكونن كهلوف وكل
يصبح في مضجعه قد انجدل ... وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل
ومحل الشاهد منه قوله : زنأ في الجبل أي صعودا فيه ، والهلوف الثقيل الجافي العظيم اللحية ، والوكل الذي يكل أمره إلى غيره ، وزعم الجوهري أن هذا الرجز لأم الصبي المذكور ترقصه به وهي منفوسة ابنة زيد الفوارس ، ورد ذلك على الجوهري أبو محمد بن بري . ورواه هو وغيره على ما ذكرنا ، قال : وقالت أمه ترد على أبيه :
أشبه أخى أو أشبهن أباكا أما أبي فلن تنال ذاكا
تقصر أن تناله يداكا
قاله في اللسان :
المسألة الثانية والعشرون : فيمن نفى رجلا عن جده أو عن أمه أو نسب إلى شعب غير شعبه ، أو قبيلة غير قبيلته . فذهب مالك : أنه إن نفاه عن أمه فلا حد عليه ، لأنه لم يدع عليها الزنا ، ولم ينف نسبه عن أبيه ، وإن نفاه عن جده لزمه الحد ، ولا حد عنده في نسبة جنس لغيره ، ولو أبيض لأسود . قال في المدونة : إن قال لفارسي : يا رومي أو يا حبشي ، أو نحو هذا لم يحد . وقال ابن القاسم : اختلف عن مالك في هذا ، وإني أرى ألا حد عليه إلا أن يقول : يا ابن الأسود ، فإن لم يكن في آبائه أسود فعليه الحد ، وأما إن نسبه إلى حبشي كأن قال : يا ابن الحبشي والرومي أو يا ابن الرومي ، فإنه لا يحد ، وكذلك عنه في كتاب محمد ، قال الشيخ المواق : هذا ما ينبغي أن تكون به الفتوى على طريقة ابن يونس فانظره أنت اه .
وهذا الذي ذكرنا من عدم حد من نسب جنسا إلى غيره هو مشهور مذهب مالك ، وقد نص عليه ي المدونة ، ومحل هذا عنده إن لم يكن من العرب .
قال مالك في المدونة : من قال لعربي : يا حبشين أو يا فارسي ، أو يا رومي فعليه الحد ، لأن العرب تنسب إلى آبائها وهذا نفي لها عن آبائها .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الفرق بين العربي وغيره المذكور عن مالك لا يتجه كل الاتجاه ، ووجه كون من قال لرومي : يا حبشي مثلا ، لا يحد . أن الظاهر أن مراده أنه يشبه الحبشي في بعض أخلاقه أو أفعاله ، وهو استعمال معروف في العربيةاه . ومذهب أبي حنيفة أنه إن نفاه عن جده لا حد عليه ، بأن قال له : لست ابن جدك أنه لا حد عليه ، لأنه صادق إذ هو ابن أبيه لأجده ، وكذلك لو نسب جنسيا إلى غيره كقوله لعربي : يا نبطي ، فلا حد عليه عنده على المشهور ، وكذلك عنده إذا نسبه لقبيلة أخرى غير قبيلته أو نفاه عن قبيلته ، لأنه يراد به التشبيه بتلك القبيلة التي نسبه لها في الأخلاق أو الأفعال ، أو عدم الفصاحة ، ونحو ذلك ، فلا يتعين قصد القذف .
قال صاحب تبيين الحقائق : وروي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل لرجل من قريش : يا نبطي ، فقال لا حد عليه اه . وكذلك لا يحد عند أبي حنيفة من قال لرجل : يا ابن ماء المساء أو نسبه إلى عمه أو خاله ، خلافا للمالكية ، ومن وافقهم القائلين بحد من نسبه لعمه ، ونحوه أو زوج أمه الذي هو ربيبه ، لأن العم والخال كلاهما كالأب في الشفقة ، وقد يريد التشبيه بالأب في المحبة والشفقة ، وقوله : ابن ماء الساء ، فإنه قد يراد به التشبيه في الجود والسماحة والصفاء ، قالوا : وكان عامر بن حارثة : يلقب بماء السماء لكرمه ، وأنه يقيم ماله في القحط مقام المطر . قالوا : وسميت أم المنذر بن امرئ القيس بماء السماء ، لحسنها وجمالها . وقيل لأولادها : بنو ماء السماء وهم ملوك العراق اه . وإن نسبه لجده فلا حد عليه عند أبي حنيفة ، ولا ينبغي أن يختلف في ذلك لصحة نسبته إلى جده كما هو واقع بكثرة على مر الأزمنة من غير نكير اه . ومذهب الإمام أحمد : أنه إن نفاه عن أمه فلا حد عليه . (5/450)
واختلف عنه فيمن نفى رجلا عن قبيلته أو نسب جنسا لغيره . قال ابن قدامة في المغني : وإذا نفى رجلا عن أبيه ، فعليه الحد نص عليه أحمد ، وكذلك إذا نفاه عن قبيلته وبهذا قال إبراهيم النخعي ، وإسحاق . وبه قال أبو حنيفة ، والثوري ، وحماد . اه
وقد علمت الخلاف عن أبي حنيفة والمشهور عنه بما ذكرناه قريبا ، ثم قال ابن قدامة في المغني : والقياس يقتضي ألا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته ، ولأن ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا ، فأشبه ما لو قال لأعجمي : إنك عربي ، لو قال للعربي : أنت نبطي أو فارسي فلا حد عليه ، وعليه التعزير نص عليه أحمد ، لأنه يحتمل أنك نبطي السان أو الطبع . وحكى عن أحمد رواية أخرى أن عليه الحد كما لو نفاه عن أبيه والأول أصح ، وبه قال مالك ، والشافعي ، لأنه يحتمل غير القذف كثيرا فلا يتعين صرفه إليه ، ومتى شيئا من ذلك بالقذف فهو قاذف اه . من المغني .
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذا فاعلم أن المسألة ليست فيها نصوص من الوحي ، والظاهر أن ما احتمل غير القذف من ذلك لا يجد صاحبه لأن الحدود تدرأ بالشبهات واحتمال الكلام غير القذف لا يقل عن شبهة قوية .
وقد ذكر ابن قدامة في المغني أن الأشعث بن قيس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول « لا أوتي برجل يقول : إن قريشا ليست من كنانة إلا جلدته » . اه . وانظر إسناده . (5/451)
المسألة الثالثة والعشرون : في أحكام كلمات متفرقة كمن قال لرجل : يا قرنان ، أو يا ديوث ، أو يا كشخان ، أو يا قرطبان ، أو يا معفوج ، أو يا قواد ، أو يا ابن منزلة الركبان ، أو يا ابن ذات الرايات ، أو يا مخنث . أو قال لامرأة : يا قحبة .
اعلم أن أهل العلم اختلفوا في هذه العبارات المذكورة فمذهب مالك : هو أن من قال لرجل يا قرنان لزمه حد القذف لزوجته أن طلبته ، لأن القرنان عند الناس زوج الفاعلة ، وكذلك من قال لامرأة : يا قحبة لزمه الحد عند المالكية ، وكذلك من قال : يا ابن منزلة الركبان ، أو يا ابن ذات الرايات . كل ذلك فيه حد القذف عند المالكية ، كما تقدمت الإشارة إليه ، قالوا لأن الزانية في الجاهلية كانت تنزل الركبان ، وتجعل على بابها راية ، وكذلك لو قال له : يا مخنث لزمه الحد ، إن لم يحلف أنه لم يرد قذفا فإن حلف أنه لم يرده أدب ، ولم يجد . قاله في المدونة ، وإن قال له : يا ابن الفاسقة أو يا ابن الفاجرة ، أو يا فاجر ، أو يا حمار ابن الحمار ، أو يا كلب ، أو يا ثور ، أو يا خنزير . ونحو ذلك فلا حد عليه ، ولكنه يعزر تعزيرا رادعا حسبما يراه الإمام ، ومذهب أبي حنيفة : أنه قال له يا فاسق ، يا كافر ، يا خبيث ، يا لص يا فاجر يا منافق ، يا لوطي يا من يلعب بالصبيان ، يا آكل الربا يا شارب الخمر ، يا ديوث ، يا مخنث ، يا ابن القحبة ، يا زنديق ، يا قرطبان ، يا مأوى الزواني أو اللصوص ، يا حرام . أنه لا حد عليه في شيء من هذه الألفاظ ، وعليه التعزير ، وآكد التعزير عند الحنفية تسعة وثلاثون سوطا ، وأما لو قال له : يا كلب ، يا تيس ، يا حمار ، يا خنزير ، يا بقر ، يا حية يا حجام ، يا ببغاء يا مؤاجر ، يا ولد الحرام ، يا عيار ، يا ناكس ، يا مكنوس ، يا سخرة يا ضحكة يا كشخان ، يا أبله ، يا مسوس ، فلا شيء عليه في شيء من هذه الألفاظ عند الحنفية ، ولا يعزر بها . قال صاحب تبيين الحقائق : لا يعزر بهذه الألفاظ كلها لأن من عادتهم إطلاق الحمار ونحوه بمعنى البلادة والحرص أو نحوه ذلك ، ولا يريدون به الشتيمة ، ألا ترى يسمون به ويقولون : عياض بن حمار ، وسفيان الثوري ، وأبو ثور وجمل ، ولأن المقذوف لا يلحفه شين بهذا الكلام ، وإنما يلحق القاذف .
وكل أحد يعلم أنه آدمي ، وليس بكلب ولا حمار وأن القذف كاذب في ذلك . وحكى الهندواني أنه يعزر في زماننا في مثل قوله : يا كلب يا خنزير ، لأنه يراد به الشتم في عرفنا . (5/452)
وقال شمس الآئمة السرخسي : الأصح عندي أنه لا يعزر . وقيل : إن كان المنسوب إليه من الأشراف كالفقهاء والعلوية يعزر ، لأنه يعد شيئا في حقه ، وتلحقه الوحشة بذلك ، وإن كان من العامة لا يعزر ، وهذا أحسن ما قيل فيه ، ومن الألفاظ التي لا توجب التعزير قوله : يا رستاقي ويا ابن الأسود ، ويا ابن الحجام ، وهو ليس كذلك . اه . من تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : أما الألفاظ التي ذكرنا عنهم أنها توجب التعزيير فوجوب التعزير بها كما ذكروا واضح لا إشكال فيه . وأما الألفاظ التي ذكرنا عنهم أنها لا تعزير فيها ، فالأظهر عندنا أنه يجب فيها التعزير ، لأنها كلها شتم وعيب ، ولا يخفى أن من قال لإنسان : يا كلب ، يا خنزير ، يا حمار ، يا تيس يا بقر إلى آخره ، أن هذا شتم واضح لاخفاء به وليس مراده أن الإنسان كلب أو خنزير ، ولكن مراده تشبيه الإنسان بالكلب والخنزير في الخسة والصفات الذميمة كما لا يخفى ، فهو من نوع التشبيه الذي يسميه البلاغيون تشبيها بليغا ولا شك أن عاقلا قيل له : يا كلب ، أو يا خنزير مثلا أن ذلك يؤذيه ، ولا يشك أنه شتم ، فهو أذى ظاهر وعليه فالظاهر التعزير في الألفاظ المذكورة . وكونهم يسمون الرجل حمارا أو كلبا لا ينافي ذلك لأن من الناس من يسم ابنه باسم قبيح لا يرضى غيره أن يعاب به . والظاهر أنه إن قال لرجل : يا ابن الأسود ، وليس أبوه لا أحد من أجداده بأسود ، أنه يلزمه الحد لأنه نفي لنسبه ، وكذلك قوله : يا ابن الحجام إن لم يكن أبوه ولا أحد من أجداده حجاما فهو قذف ، لأنه نفي لنسبه وإلصاق له بأسود أو حجام ليس بينه وبين نسب كما هو قول المالكية ومن وافقهم .
وقال صاحب تبين الحقائق : وتفسير القرطبان هو الذي يرى مع امرأته أو محرمه رجلا ، فيدعه خالياص بها . وقيل : هو السبب للجمع بين اثنين لمعنى غير ممدوح . وقيل : هو الذي يبعث امرأته مع غلام بالغ أو مع مزارعه إلى الضيعة ، أو يأذن لهما بالدخول عليها في غيبته اه منه .
وقال ابن قدامة في المغني : وإن قال لرجل : يا ديوث ، أو يا كشخان : فقال أحمد : يعزر ، وقال إبراهيم الحربي : الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته . وقال ثعلب : القرطبان الذي يرضى أن يدخل الرجال على امرأته . وقال : القرنان والكشخان لم أرهما في كلام العرب ، ومعناه عند العامة عند العامة مثل الديوث ، أو قريب منه ، فعلى القاذف به التعزير على قياس قوله في الديوث ، لأنه قذفه بما لا حد فيه .
وقال خالد بن يزيد ، عن أبيه في الرجل يقول للرجل : يا قرنان إذا كان له أخوات ، أو بنات في الإسلام ضرب الحد ، يعني أنه قاذف لهن . وقال خالد عن أبيه : القرنان عند العامة من له بنات والكشخان : من له أخوات يعني والله أعلم إذا كان يدخل الرجال عليهن ، والقواد عند العامة السمسار في الزنى والقذف بذلك كله يوجب التعزير ، لأنه قذف بما لا يوجب الحد اه . من المغني . وقال في المغني أيضا المنصوص عن أحمد فيمن قال : يا معفوج أن عليه الحد ، وظاهر كلام الخرقي يقتضي أن يرجع إلى تفسيره ، فإن فسر بغير الفاحشة مثل أن يقول : أردت يا مفلوج أو يا مصابا دون الفرج ونحو هذا ، فلا حد عليه ، لأنه فسره بما لا حد فيه . وإن فسره بعمل قوم لوط فعليه الحد كما لو صرح به ، وقال صاحب القاموس القرنان : الديوث المشارك في قرينته لزوجته اه . منه وقال في القاموس أيضا : القرطبان بالفتح الديوث ، والذي لا غيره له أو القواد اه . وقال في القاموس : والتديث القيادة ، وفي القاموس تحت الخط لا بين قوسين الكشخان ويكسر : الديوث وكشخه تكشيخا قال له : يا كشخان اه . منه وهو بالخاء المعجمة وقال الجوهري في صحاحه : والديوث وهو الذي لا غيره له اه . منه . (5/453)
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الذي يظهر أن التحقيق في جميع الألفاظ المذكورة التي ذكرنا كلام العلماء فيها أنها تتبع العرف الجاري في البلد الذي قيلت فيه ، فإن كان من عرفهم أن المراد بها الشتم بما لا يوجب الحد وجب التعزير ، لأجل الأذى ولا حد ، وإن كان عرفهم أنها يراد بها الشتم بالزنى ، أو نفي النسب ، وكان ذلك معروفا أنه هو المقصود عرفا ، وجب الحد ، لأن العرف متبع في نحو ذلك . والعلم عند الله تعالى .
المسألة الرابعة والعشرون : في حكم من قذف محصنا بعد موته ، ومذهب مالك في ذلك هو قوله في المدونة : من قذف ميتا فلولده ، وإن سفل وأبيه وإن علا القيام بذلك ، ومن قام منهم أخذه بحده ، وإن كان ثم من هو أقرب منه ، لأنه عيب ، وليس للأخوة ، وساتر العصبة مع هؤلاء قيام ، فإن لكم يكن من هؤلاء واحد فللعصبة القيام . اه بواسطة نقل المواق .
وحاصلة : أن الميت المقذوف يحد قاذفه بطلب من وجد من فروعه ، وإن سفلوا أو واحد من أصوله ، وإن علوا . ولا كلام في حال وجود الأصول أو الفروع لغيرهم من الأخوة والعصبة ، فإن لم يوجد من الأصول والفروع أحد ، فللأخوة والعصبة القيام ، ويحد للمقذوف بطلبهم . هذا حاصل مذهب مالك في المسألة ، وظاهره عدم الفرق بين كون المقذوف الميت أبا أو أما ، وبعض أهل العلم يفرق بين قذف الأب والأم ، لأن قذف الأم بالزنى فيه قدح في نسب ولدها ، لأن ابن الزانية قد يكون لغير أبيه من أجل زنا أمه .
وقال ابن قدامة في المغني : وإن قذف أمه وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة ، حد القاذف إذا طلب الابن وكان حرا مسلما ، أما إذا قذف وهي في الحياة ، فليس لولدها المطالبة لأن الحق لها ، فلا يطالب به غيرها ، ولا يقوم غيرها مقامها ، سواء كانت محجورا عليها أو غير محجور عليها ، لأنه حق يثبت للتشفي فلا يقوم فيه غير المستحق مقامه كالقصاص ، وتعتبر حصانتها حصانتها ، لأن الحق لها فتعتبر حصانتها كما لو لم يكن لها ولد . وأما إن قذفت وهي ميتة . فإن لولدها المطالبة ، لأنه قدح في نسبه ، ولأنه يقذف أمه بنسبته إلى أنه ابن زنى ، ولا يستحق ذلك بطريق الإرث ، ولذلك تعتبر الحصانة فيه ، ولا تعتبر الحصانة في أمه ، لأن القذف له . وقال أبو بكر : لا يجب الحد بقذف ميتة بحال ، وهو قول أصحاب الرأي ، لأنه قذف لمن لا تصح منه المطالبة ، فأشبه قذف المجنون . وقال الشافعي : إن كان الميت محصنا فلوليه المطالبة ، وينقسم بانقسام الميراث ، وإن لم يكن محصنا فلا حد على قاذفه ، لأنه ليس بمحصن ، فلا يجب الحد بقذفه كما لو كان حيا ، وأكثر أهل العلم لا يرون الحد على من يقذف من ليس محصنا حيا ولا ميتا ، لأنه إذا لم يحد بقذف غير المحصن إذا كان حيا فلأن لا يحد بقذفه ميتا أولى ، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الملاعنة ومن رمى ولدها فعليه الحد ، يعني من رماه بأنه ولد زنى ، وإذا وجب بقذف ولد الملاعنة بذلك ، فبقذف غيره أولى ، ولأن أصحاب الرأي أوجبوا الحد على من نفى رجلا عن أبيه إذا كان أبواه حرين مسلمين ، ولو كان ميتين ، والحد إنما وجب للولد ، لأن الحد لا يورث عندهم فأما إن قذفت أمه بعد موتها ، وهو مشرك أو عبد ، فلا حد عليه في ظاهر كلام الخرقي ، سواء كانت الأم حرة مسلمة أو لم تكن . وقال أبو ثور وأصحاب الرأي : إذا قال لكافر أو عبد : لست لأبيك وأبواه حران مسلمان فعليه الحد ، وإن قال لعبد أمه حرة وأبوه عبد : لست لأبيك فعليه الحد ، وإن كان العبد للقاذف عند أبي ثور وقال أصحاب الرأي : يصح أن يحد المولى لعبده ، واحتجوا بأن هذا قذف لأمه فيعتبر إحصانها دون إحصانه ، لأنها لو كانت حية كان القذف لها فكذلك إذا كانت ميتة ، ولأن معنى هذا : إن أمك زنت فأتت بك من الزنى ، فإذا كان من الزنى منسوبا إليها كانت هي المقذوفة دون ولدها . ولنا ما ذكرناه ، ولأنه لو كان القذف لها لم يجب الحد ، لأن الكافر لا يرث المسلم ، والعبد لا يرث الحر ، ولأنهم لا يوجبون الحد لقذف بحال ، فيثبت أن القذف له فيعتبر إحصانه . (5/454)
والله أعلم اه . بطوله من المغني . (5/455)
وقد رأيت في كلامه أقوال أهل العلم في رمي المرأة الميتة ، إن كان لها أولاد ، ورمي المرأة الحية التي لها أولاد ، وبه نعلم أن الحد يورث عند المالكية والشافعية إلا أنه عند المالكية ، لا يطلبه إلا الفروع والأصول ، ويحد بطلب كل منهم وأن كان يوجد منهم من هو أقرب من طالب الحد ، وأنه عند عدم الفروع والأصول يطالب به الأخوة والعصبة ، وكل ذلك يدل على أنهم ورثوا ذلك الحق في الجملة عن المقذوف الميت ، وأن الشافعية يقولون : إنه ينقسم بانقسام الميراث ، كما نقله عنهم صاحب المغني في كلامه المذكور ، وأن الحنفية يقولون : إن الحد لا يورث ، وهو ظاهر المذهب الحنبلي ، وأن بعض أهل العلم قال : لا يحد قذف ميتة بحال .
قال مقيده عفا الله وغفر له : الذي يظهر لي والله تعالى أعلم في هذه المسألة : أن قذف الأم إن كان يستلزم نفي نسب ولدها فلها القيام حية ، ولولدها القيام إذا لم تطالب هي لأنه مقذوف ، خلافا لما في كلام صاحب المغني ، وكذلك إن كانت ميتة فله القيام ، ويحد له القاذف . وقول صاحب المغني تعتبر حصانته هو دون حصانتها هي لم يظهر له معنى ، لأن نفي نسب إنسان لا تشترط فيه حصانة المنفي نسبه ، لأنا لو فرضنا أنها جاءت به من زنى ، فإنه هو لا ذنب له ، ولا يعتبر زانيا كما ترى .
والحاصل : أن قذف الأم إن كان يستلزم قذف ولدها ، فالأظهر إقامة الحد على القاذف بطلب الأم ، وبطلب الولد ، وإن كانت حية ، لأنه مقذوف وأحرى إن كانت ميتة ، وإن كانت الأم لا ولد لها أو لها ولد ولا يستلزم قذفها قذفه فهي مسألة : هل يحد من قذف ميتا أو لا؟ وقد رأيت خلاف العلماء فيها ، ولكل واحد من القولين وجه من النظر ، لأن الظاهر أن حرمة عرض الإنسان لا تسقط بالموت ، وهذا يقتضي حد من قذف ميتة ، ووجه الثاني : أن الميتة لا يصح منها الطلب ، فلا يحد بدون طلب ، لأن من مات لا يتأذى بكلام القاذف ، وإن كان كذبا بل يفرح به ، لأنه يكون لها فيه حسنات ، وإن كان حقا ما رماه به ، فلا حاجة له بحده بعد موته ، لأنه لم يقل إلا الحق وحده وهو صادق لا حاجة للميت فيه . اه .
وأقربهما عندي أنه تعزيرا رادعا ولا يقام عليه الحد .
واعلم أن الحي إذا قذفه آخر بالزنا ، وهو يعلم في نفسه أن القاذف صادق ، فقد قال بعض أهل العلم : إن له المطالبة بحده مع علمه بصدقه فيما رماه به ، وهو مذهب مالك ، ومن وافقه .