صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ التمهيد - ابن عبد البر ]
الكتاب : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
المؤلف : أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري
الناشر : وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب ، 1387
تحقيق : مصطفى بن أحمد العلوي ,‏محمد عبد الكبير البكري
عدد الأجزاء : 22

أخبرني أحمد بن عبد الله حدثنا أبي حدثنا أحمد بن خالد حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت لما مات رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا أين ندفنه قال أبو بكر في المكان الذي مات فيه قالت وكان في المدينة قباران أحدهما يلحد والآخر يشق ويضرح فبعثوا إليهما وقالوا اللهم خر لرسولك فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه و سلم يقال إن الذي يلحد أبو طلحة والذي كان يشق أبو عبيدة فالله اعلم وفي هذا الحديث من المعاني أن اللحد إن شاء الله أفضل من الشق لأنه الذي أختاره الله لنبيه صلى الله عليه و سلم وفيه على أن الشق واللحد مباح ذلك كله ومما يدل على فضل اللحد قوله صلى الله عليه و سلم اللحد لنا والشق لغيرنا حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال حدثنا حكام ابن سلم الرازي قال سمعت علي بن عبد الأعلى يذكر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللحد لنا والشق لغيرنا وذكره أبو داود عن إسحاق بن إسماعيل عن حكام بن سلم بإسناده مثله حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن أبي اليقظان عن زاذان عن جرير عن النبي صلى الله عليه و سلم قل اللحد لنا والشق لغيرنا

(22/297)


وقد روي من حديث عائشة وابن عمر وسعد وجابر أن النبي صلى الله عليه و سلم ألحد له لحدا وأنه قال اللحد لنا والشق لغيرنا وروى عثمان بن زفر قال سمعت جعفر بن محمد يحدث عن أبيه أنه قال الذي ألحد قبر رسول الله صلى الله عليه و سلم أبو طلحة الأنصاري والذي ألقى المنطقة تحته شقران مولاه قال جعفر وأخبرني ابن أبي رافع قال سمعت شقران يقول أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صلى الله عليه و سلم في القبر
حديث تاسع وأربعون لهشام بن عروة مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقيل له يا رسول الله إن ناسا من أهل البادية يأتوننا بلحمان ولا ندري هل سموا الله عليها أم لا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم سموا الله عليها ثم كلوا لم يختلف عن مالك فيما علمت في إرسال هذا الحديث وقد أسنده جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا محمد بن عبيد الله قال حدثنا أسامة بن حفص المدني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال سموا الله ثم كلوا قال وكانوا حديثي العهد بالكفر قال البخاري تابعه علي عن الدراوردي وتابعه أبو خالد والطفاوي

(22/298)


قال أبو عمر روى هذا الحديث مرسلا كما رواه مالك جماعة منهم ابن عيينة ويحيى بن سعيد القطان ورواه مسندا جماعة منهم هؤلاء الذين ذكر البخاري وغيرهم حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أن قوما قالوا يا رسول الله إن قوما ياتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا قال سموا أنتم عليه وكلوا وكانوا حديث عهد بالكفر وحدثنا محمد بن إبراهيم وإبراهيم بن شاكر قالا حدثنا محمد بن أحمد ابن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا حوثرة بن محمد قال حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكره في هذا الحديث من الفقه أن ما ذبحه المسلم ولم يعرف هل سمى الله عليه أم لا أنه لا بأس بأكله وهو محمول على أنه قد سمى والمؤمن لا يظن به إلا الخير وذبيحته وصيده أبدا محمول على السلامة حتى يصح فيه غير ذلك من تعمد ترك التسمية ونحوه وقد قيل في معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم إنما أمرهم بأكلها في أول الإسلام قبل أن ينزل عليه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وهذا قول ضعيف لا دليل على صحته ولا يعرف وجه ما قال قائله وفي الحديث نفسه ما يرده لأنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه ومما يدل

(22/299)


أيضا على بطلان ذلك القول أن هذا الحديث كان بالمدينة وأن أهل باديتها إليهم أشير بالذكر في ذلك الحديث ولا يختلف العلماء أنه قوله عز و جل ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه نزل في سورة الأنعام بمكة وأن الأنعام مكية فهذا يوضح لك أن الآية قد كانت نزلت عليه بخلاف ظن من ظن ذلك والله أعلم وقد أجمع العلماء على أن التسمية على الأكل إنما معناها التبرك لا مدخل فيه للذكاة بوجه من الوجوه لأن الميت لا تدركه ذكاة وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ليست بواجبة بهذا الحديث وقالوا لو كانت التسمية واجبة فرضا على الذبيحة لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بأكل لحم ذبحته الأعراب بالبادية إذ ممكن أن يسموا وممكن أن لا يسموا الله لجهلهم ولو كان الأصل ألا يؤكل من ذبائح المسلمين إلا ما صحت التسمية عليه لم يجز استباحة شيء من ذلك إلا بيقين من التسمية إذ الفرائض لا تؤدي إلا بيقين وإذ الشك والإمكان لا يستباح به المحرمات قالوا وأما قول الله عز و جل ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه فإنما خرج على تحريم الميتة وتحريم ما ذبح للنصب وأهل به لغير الله وفي ذلك نزلت الآية حين خاصم المشركون النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن غالب التمتام قال حدثنا أمية بن بسطام العيشي وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان ابن أبي شيبة قال حدثنا عمران بن عيينة قال حدثنا عطاء بن السائب عن

(22/300)


سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه و سلم قالوا نأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتل الله فأنزل الله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه هكذا في هذا الحديث خاصمته اليهود وإنما هو خاصمه المشركون لأن اليهود لا يأكلون الميتة أخبرنا عبد الله بن محمد بن اسد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا سفيان قال حدثني هارون بن أبي وكيع عن ابيه عن ابن عباس في قوله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه قال خاصمهم المشركون فقالوا ما ذبح الله لا تأكلوه وما ذبحتم أنتم أكلتموه قال أبو عمر المخاصمة التي ذكر ابن عباس هي التي قال الله تعالى وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم يريد قولهم ما قتل الله لستم تأكلونه واختلف العلماء فيمن ترك التسمية على الذبيحة والصيد ناسيا أو عامدا فقال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي إن تركها عمدا لم تؤكل الذبيحة ولا الصيد فإن نسي التسمية عند الذبيحة وعند الإرسال على الصيد أكلت وهو قول إسحاق ورواية عن أحمد بن حنبل ومن حجة من ذهب إلى ذلك أن تارك التسمية عمدا متلاعب بإخراج النفس على غير شريطتها وقد أجمعوا أن من شرائط الذبيحة والصيد التسمية فمن استباح ذلك على غير شريطته عامدا دخل في الفسق الذي قال الله وإنه لفسق

(22/301)


هذا معنى ما احتجوا به وقال الشافعي وأصحابه تؤكل الذبيحة والصيد في الوجهين جميعا تعمد ذلك أو نسيه وهو قول ابن عباس وأبي هريرة وروي عن ابن عباس وأبي وائل قالا إنما ذبحت بدينك واحتج من ذهب هذا المذهب بأن قال لما كان المجوسي لا ينتفع بتسميته إن سمى وتعمد ذلك وقصد إليه فكذلك لا يضر المسلم ترك التسمية لأنه إنما ذبح بدينه وقال أبو ثور وداود بن علي من ترك التسمية عامدا او ناسيا لم تؤكل ذبيحته ولا صيده قال أبو عمر ما أعلم أحدا من السلف روي عنه هذا المذهب إلا محمد بن سيرين والشعبي ونافعا مولى ابن عمر وأما جمهور العلماء فعلى قول مالك والثوري وأبي حنيفة وعلى قول الشافعي على هذين القولين الناس وقد روي عن الشعبي خلاف ما حكيناه عنه ذكر بقي قال حدثنا يحيى ابن عبد الحميد قال حدثنا خالد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عامر في رجل ذبح ونسي أن يسمي قال يأكل وعن يحيى بن عبد الحميد الجماني عن ابن المبارك عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن في رجل ذبح ونسي أن يسمي الله قالا يأكل وروى إسماعيل بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن قالا إذا نسي الرجل أن يسمي عن ذبح فليأكل وليذكر اسم الله في قلبه وهذا هو الصحيح عن الحسن وسعيد بن المسيب وروى أشعث بن سوار وعمرو بن عبيد عن الحسن قال من نسي التسمية إذا ذبح فليأكل من تركها متعمدا فلا يأكل وسفيان عن مغيرة عن إبراهيم مثله

(22/302)


وروى ابن أبي غنية ومسعد عن الحكم بن عتبة عن عبد الرحمان بن أبي ليلى قال إذا ذبح ونسي أن يسمي فكل فإما ذبح بملته وإنا هي الملة ذكاة كل قوم ملتهم ألا ترى أن المجوسي لو ذبح فسمى الله لم يأكل وذكر وكيع عن سفيان عن سلمة بن كميل عن أبي مالك في الرجل يذبح وينسى أن يسمي قال لا بأس به قلت فأين قول الله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه قال إنما ذبحت بدينك وإنما هذا في ذبائح المشركين وعن ابن عباس من طرق شتى مثل ذلك
حديث موفي خمسين لهشام بن عروة مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الصلاة بمنى ركعتين وأن أبا بكر صلاها بمنى ركعتين وأن عمر صلاها بمنى ركعتين وأن عثمان صلاها بمنى ركعتين شطر إمارته ثم أتمها بعد وهذا لم يختلف في إرساله في الموطأ وهو مسند صحيح من حديث ابن عمر وابن مسعود ومعاوية أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى بمنى ركعتين فحديث ابن عمر رواه سالم ونافع وحديث ابن مسعود رواه أبو إسحاق السبيعي وإبراهيم النخعي عن عبد الرحمان بن يزيد عن ابن مسعود وحديث معاوية رواه ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن معاوية

(22/303)


وفي حديث مالك هذا من الفقه قصر الصلاة في السفر وفيه أن الإمام المسافر لا يتم بمنى وهذا إذا لم ينو إقامة فإن نوى إقامة لزمه الإتمام وهذا عندنا إذا نوى إقامة أربع فما عدا وفيه أن عثمان أتم بعد تقصيره وعلمه بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبا بكر وعمر قصروا في مثل ما أتم هو فيه فدل ذلك على إباحة القصر والتمام عنده وقد تأول قوم على عثمان في إتمامه ذلك تأويلات منها أنه نوى الإقامة واتخذ دارا بمكة وأهلا وهذا لا يعرف بل المعروف بأنه لم يكن له فيها أهل ولا مال وقيل كان قد اتخذ أهلا بالطائف وقيل لأنه كان أمير المؤمنين فكانت أعماله كأنها داره وهذا عله لا يصح في نظر ولا يثبت في خبر وقد كان المقام بمكة بعد تمام الحج عند عثمان مكروها على ذلك جماعة من أهل العلم لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يقم فيما بعد تمام حجته ولا أبو بكر ولا عمر ولهذا قال ( من قال ) من السلف ا لجوار بمكة بدعة وقد ذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن عثمان بن عفان كان إذا اعتمر ربما لم يحطط عن راحلته حتى يرجع وهذا يدلك على أنه لم يتخذ بمكة أهلا قط والله أعلم ومنها أنه إنما فعل ذلك من أجل أعرابي صلى معه فقصر العام كله في أهله ثم أخبره من قابل بما صنع فعز على عثمان فعله ذلك فأتم وهذا أيضا ضعيف من التأويل ومنها أنه أخذ بالإباحة في ذلك وهذا أصح ما فيه والله أعلم وقد مضى القول في قصر الصلاة في السفر وفي أحكامها واختلاف العلماء فيها بمنى وغيرها ممهدا مبسوطا بعلل كل فرقة ووجوه قولها في باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن اسيد من هذا الكتاب وفي باب صالح بن كيسان أيضا فلا معنى لتكرير ذلك ههنا

(22/304)


حدثنا عبد الرحمان بن مروان قال حدثنا الحسن بن يحيى بالقلزم قال حدثنا عبد الله بن الجارود قال حدثنا عبد الله بن هاشم قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله قال أخبرني نافع عن ابن عمر قال صليت مع النبي صلى الله عليه و سلم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ومع عثمان ركعتين صدرا من إمارته ثم أتمها عثمان وأخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا البخاري قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى حدثنا عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر قال صليت مع النبي صلى الله عليه و سلم بمنى ركعتين ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان صدرا من إمارته ثم أتمها قال البخاري وقد روى حفص بن عاصم عن ابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك قال أبو عمر حديث حفص بن عاصم هذا عن ابن عمر حدثناه عبد الرحمان بن يحيى قال حدثنا عمر بن محمد الجمحي بمكة قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا القعنبي قال حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال صحبت ابن عمر بطريق مكة فصلى بها الظهر ركعتين ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله فجلس وجلسنا معه فحانت منه التفاته نحو الموضع حيث صلى فرأى ناسا قياما فقال ما يصنع هؤلاء

(22/305)


فقلت يتمون فقال يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى الله عليه و سلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ثم صحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عمر بن الخطاب فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وقد قال الله عز و جل لقد كان لكم فيهم إسوة حسنة في هذا الحديث أن عثمان لم يتم في سفره حتى مات وهذا يعارض رواية من روى أنه أتم شطر إمارته وتلك الرواية أولى من جهة الأثر ومن جهة النظر لأنها زيادة وفيه دليل على أن القصر سنة مسنونة ولو كان فرضا ما تركهم ابن عمر والإتمام ولغير ذلك عليهم وأمرهم بالإعادة لإفسادهم صلاتهم ولو كان كذلك ما وسعه السكوت عليه ولكن لما عرف أن القصر أفضل وأن الأخذ بالسنة أولى ندبهم إلى التأسي برسول الله صلى الله عليه و سلم لما في ذلك من الفضل وسواء كان القصر رخصة او لم يكن هو أفضل لأنه سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وروينا عن ابن مسعود نحو هذا المعنى الذي جاء عن ابن عمر فيما ذكرنا حدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال حدثنا بشر بن عمر قال شعبة قال أخبرني سليمان عن عمارة بن عمير وإبراهيم عن عبد الرحمان بن يزيد عن عبد الله قال صلينا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ومع أبي بكر ومع عمر ركعتين فليت حظنا من أربع ركعتين متقبلتين وهذا يدل على الإباحة أيضا

(22/306)


حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا إسماعيل ابن إبراهيم قال حدثنا علي بن زيد بن جذعان عن أبي نضرة قال مر عمران بن حصين فجلسنا فقام إليه فتى من القوم وسأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم في الغزو والحج والعمرة فجاء فوقف علينا فقال إن هذا سألني عن أمر فأردت أن تسمعوه أو كما قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة وحججت معه فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ثم يقول لأهل البلد صلوا أربعا فإنا على سفر واعتمرت معه ثلاث عمر لايصلي إلا ركعتين وحججت مع أبي بكر الصديق وغزوت فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة وحججت مع عمر بن الخطاب حجات فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة وحج عثمان سبع سنين من إمارته لا يصلي إلا ركعتين ثم صلاها بمنى أربعا قال الطحاوي في هذا الحديث معنى لا يوجد في غيره وهو قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لأهل البلد الذين صلى بهم فيه هذه الصلاة صلوا أربعا فإنا على سفر وهي سنة يتفق أهل العلم عليها ولم نجدها في غير هذا الحديث وهذه السنة مما تفرد به أهل البصرة دون من سواهم
حديث حاد وخمسون لهشام بن عروة مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن الاستطابة فقال أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار

(22/307)


هكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة الرواة مرسلا إلا ما ذكره سحنون في رواية بعض الشيوخ عنه عن ابن القاسم عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة وقد روي عن ابن بكير أيضا في الموطأ هكذا عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة وهذا غلط فاحش ولم يروه أحد كذلك لا من أصحاب هشام ولا من أصحاب مالك ولا رواه أحد عن عروة عن أبي هريرة وإنما رواه بعض أصحاب عروة عن عروة عن عائشة وهو مسلم بن قرط وأما هشام بن عروة فاختلف عليه فيه فطائفة ترويه عنه عن أبيه مرسلا كما رواه مالك وطائفة ترويه عنه عن عمرو بن خزيمة المدني عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن خزيمة بن ثابت وطائفة ترويه عنه عن أبي وجرة عن عمارة بن خزيمة عن أبيه خزيمة بن ثابت حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمان ومحمد بن إبراهيم قالا حدثنا أحمد ابن مطرف حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا أحمد بن عبد الله بن حدثنا حسين بن علي الجعفي حدثنا زائدة عن هشام بن عروة عن عمرو بن صالح خزيمة المدني عن عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ثلاثة أحجار ليس ( فيهن ) رجيع يعني الاستطابة وفي إسناد هذا ا لحديث اضطراب ( كثير ) حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن خزيمة بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في الاستطابة ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع

(22/308)


وكذلك رواه أبو معاوية وابن نمير وابو أسامة عن هشام بن عروة بمثل هذا الإسناد ورواه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبي وجرة عن خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله ورواه إبراهيم بن المنذر الخزامي عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبي وجرة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله ورواه الحميدي عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم مرسلا مثل رواية مالك وكذلك رواه ابن جريج عن هشام عن أبيه مرسلا مثل رواية مالك ورواه معمر عن هشام بن عروة عن رجل من مزينة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال في الاستطابة ثلاثة أحجار عند الخلاء ليس منهن رجيع والرجيع الذي ينتن ورواه الفضل بن فضالة عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة أخبرنا عبد الرحمان بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن زبان قال حدثنا زكرياء بن يحيى بن صالح قال حدثنا المفضل بن فضالة عن هشام بن عروة أن عمرو بن خزيمة المزني أخبره أن عمارة بن خزيمة الأنصاري أخبره عن أبيه خزيمة بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع يعني في الاستطابة وروى ابن المبارك عن هشام بن عروة الحديثين جميعا فدل على أنهما حديثان وبان به ذلك والحمد لله قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا ابن المبارك

(22/309)


قال أخبرنا هشام بن عروة يعني الحجر مرتين قال ابن المبارك وأخبرنا هشام بن عروة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار قال أبو عمر جود ابن المبارك هذا الحديث بالإسنادين وما زال مجودا رضي الله عنه وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة الحديثين جميعا عن هشام عن أبيه مرسلا وعن هشام عن أبي وجرة عن خزيمة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أبو عمر قوله صلى الله عليه و سلم ليس فيها رجيع يرد قول الطبري حيث قال كل طاهر وكل نجس أزال النجو أجزأ ويرده أيضا حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم إذ رمى بالروثة وقال هي رجس أو ركس والذي عليه جمهور الفقهاء أنه لا يجوز الاستنجاء بغير الطاهر من الأحجار وما قام مقامها وقد مضى في باب ابن شهاب ما للعلماء في هذا الباب كله من التنازع واختلاف المذاهب والحمد لله وأما رواية مسلم بن قرط عن عروة في هذا الحديث فأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة قال حدثنا ابو داود قال حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا حدثنا يعقوب بن عبد الرحمان عن أبي حازم عن مسلم بن قرط عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بها فإنها تجزئ عنه

(22/310)


وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني قتيبة بن سعيد قال حدثنا يعقوب بن عبد الرحمان وعبد العزيز بن أبي حازم عن أبي حازم عن مسلم بن قرط عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله قال أبو عمر روى في هذا الباب جماعة من الصحابة فيهم أبو أيوب وسليمان وأبو هريرة وأثبتها حديث أبي هريرة وسلمان وكلها حسان قال الأخفش الاستطابة الاستنجاء بالأحجار يقال منه استطاب الرجل وأطاب إذا استنجى ويقال رجل مطيب إذا فعل ذلك قال الشاعر وهو الأعشى ... يا رخما قاظ على مصلوب ... ... يعجل كف الخاري المطيب ... ( وأما قوله قاظ فإنه أراد قام عليه في القيظ في اليوم الصائف ) قال أبو عمر الاستطابة والاستنجاء والاستجمار معنى هذه الثلاثة الفاظ واحد وقد فسرنا معنى الاستجمار في اللغة والفقه وما للعلماء في الاستنجاء من المذاهب في اصول مسائله وفروعها مبسوطا ممهدا في باب ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني فلا وجه لتكرير ذلك ها هنا حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الفوارس أحمد بن محمد السندي قال حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا بشر بن بكر قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني عثمان بن أبي سودة قال حدثني أبو شعيب الحضرمي

(22/311)


قال سمعت أبا أيوب الأنصاري الذي نزل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا تغوط أحدكم فليستنج بثلاثة أحجار فإن ذلك طهوره وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا بكير بن الحسن الرازي قال حدثنا بكار بن قتيبة القاضي قال حدثنا صفوان بن عيسى قال حدثنا محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها وإذا استطاب فلا يستطيب بيمينه وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا هدبة بن خالد قال حدثنا حماد بن الجعد حدثنا قتادة حدثني خالد بن السائب الجهني عن أبيه السائب أن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال إذا دخل أحدكم الخلاء فليتمسح بثلاثة أحجار قال أبو عمر هذه الآثار كلها المرسل منها والمسند وهي صحاح كلها يوجب الاقتصار على ثلاثة أحجار في الاستنجاء دون تقصير عن هذا العدد وهذا موضع اختلف فيه العلماء فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أنه جائز الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار إذا ذهب النجو هذا هو المشهور من مذهب مالك لقوله صلى الله عليه و سلم من استجمر فليوتر والوتر قد يكون واحدا وثلاثة وخمسة وأكثر من ذلك

(22/312)


وقال الشافعي وأحمد بن حنبل وجماعة لا يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار في الاستنجاء وذكر أبو الفرج أنه مذهب مالك واحتج له بحديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب وحديث سلمان حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبدالرحمن بن بزيد عن سلمان قال له رجل إن صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة قال أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو نستنجي بأيماننا أو نكتفي بأقل ثلاثة أحجار قال أبو عمر تحصيل مذهب مالك عند أصحابه أن الاستنجاء بثلاثة أحجار حسن والوتر فيها حسن لما روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من أوتر يعني في ذلك فقد أحسن ومن لا فلا حرج وجائز عندهم الاقتصار على أقل من ثلاثة احجار لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتي بحجرين وروثه فأخذ الحجرين ورمى الروثة ولم يدع بالبدل منها ومذهب أبي حنيفة في الاستنجاء نحو مذهب مالك سواء قال أصحابه يستنجي بثلاثة أحجار فإن لم ينق زاد حتى ينقي وأن أنقى حجر واحد اجزى وكذلك غسله بالماء ( إن أنقى بغسلة واحدة أجزأه في المخرج وما عدا المخرج فإنما يغسل بالماء ) وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما فيما عدا المخرج من النجو أنه لا يطهره إلا الماء وقد ذكرنا أحكام الاستنجاء وكثيرا من مسائله مستوعبة مجودة في باب ابن شهاب عن أبي إدريس من هذا الكتاب والحمد لله

(22/313)


حديث ثان وخمسون لهشام بن عروة مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لبس خميصة لها علم ثم أعطاها أبا جهم وأخذ من أبي جهم أنبجانية له فقال يا رسول الله ولم فقال إني نظرت إلى علمها في الصلاة وهذا أيضا مرسل عند جميع الرواة عن مالك إلا معن بن عيسى فإنه رواه عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة مسندا وكذلك يرويه جماعة أصحاب هشام عن هشام مسندا عن أبيه عن عائشة وقد يستند من رواية مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة وقد ذكرناه في باب علقمة من هذا الكتاب وقد رواه الزهري عن عروة عن عائشة فأما حديث هشام فحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كانت له خميصة لها علم فكان يتشاغل بها في الصلاة فأعطاها أبا جهم وأخذ كساءله انبجانيا وأما حديث الزهري فحدثنا عبد الرحمان بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي قال حدثنا عبد الحميد بن صبيح وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى في خميصة لها علم فلما قضى صلاته قال شغلتني أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم وتوني

(22/314)


بانبجانية والخميصة كساء رقيق يصبغ بالحمرة أو بالسواد أو الصفرة وكانت الخمائص من لباس أشراف الناس والانبجاني كساء غليظ كاللبد ومنهم من يقول لا تكون الخميصة إلا معلمة ومنهم من يقول تكون بعلم وبغير علم وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب علقمة من هذا الكتاب والحمد لله
حديث ثالث وخمسون لهشام بن عروة مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج في مرضه فأتى فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس فاستأخر أبو بكر فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن كما أنت فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان الناس يصلون بصلاة ابي بكر لم يختلف عن مالك فيما علمت في إرسال هذا الحديث وقد اسنده جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة منهم حماد بن سلمة وابن نمير وأبو أسامة وفي هذا الحديث نسخ لقوله صلى الله عليه و سلم في الإمام إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه الصلاة صلى جالسا وأبو بكر إلى جنبه قائما يصلي بصلاته ويقتدى به والناس يصلون ويقتدون بأبي بكر قياما ومعلوم أن صلاته هذه في مرضه الذي توفي منه وأن قوله إذا صلى الإمام جالسا فصلوا جلوسا كان في حين سقط من فرسه فجحش شقه

(22/315)


قبل هذا الوقت والآخر من فعله ينسخ الأول لأنه كان جالسا في هذه الصلاة وأبو بكر قائم خلفه والنسا فلم يأمر أبا بكر بالجلوس ولا أحد وهذا بين غير مشكل والحمد لله ومع هذا فإن النظر يعضد هذا الحديث لأن القيام فرض في الصلاة بإجماع المسلمين على كل من قدر على القيام وأظن ذلك أيضا لقول الله عز و جل وقوموا لله قانتين وإذا كان القيام فرضا في الصلاة على كل أحد في خاصته فمحال أن يسقط عنه فرض قد وجب عليه لضعف غيره عنه وهو قوي عليه إلا أن يسقط بكتاب أو سنة أو إجماع وذلك معدوم في هذه المسألة ألا ترى أنه لا يحمل عنه ركوعا ولا سجودا فإن احتج محتج بأن الآثار متواترة عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال في الإمام إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا رواها أنس وعائشة وأبو هريرة وجابر وابن عمر قيل له لسنا ندفع ثبوت تلك الآثار ولكنا نقول إن الآخر من فعله صلى الله عليه و سلم ينسخ ذلك فإن قيل له إنه قد اختلف عن عائشة في صلاته تلك فروي عنها أن أبا بكر كان المقدم قيل له ليس هذا باختلاف لأنه قد يجوز أن يكون أبو بكر هو المقدم في وقت ورسول الله صلى الله عليه و سلم المقدم في وقت آخر وقد روى الثقات الحفاظ أن أبا بكر كان خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي بصلاته والناس قيام يصلون بصلاة أبي بكر فهذه زيادة حافظ وصف الحال وأتى بالحديث على وجهه حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه وكان يصلي بهم

(22/316)


قال عروة فوجد رسول الله صلى الله عليه و سلم من نفسه خفة فخرج وإذا أبو بكر يؤم الناس فلما رآه أبو بكر استأخر فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن كما أنت فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم حذاء أبي بكر إلى جنبه فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت لما ثقل رسول الله صلى الله عليه و سلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت فلما دخل أبو بكر في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه و سلم خفة فقام يهادي بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض حتى أتى المسجد ( قالت ) فلما دخل المسجد وجد أبو بكر حسه فذهب يتأخر فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن قم كما أنت فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما يقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم والناس يقتدون بصلاة أبي بكر فإن قيل إن شعبة روى عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم ( صلى ) خلف أبي بكر قيل له ليس هذا بخلاف لأنه يمكن أن يكون رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى خلف أبي بكر في غير تلك الصلاة في مرضه ذلك وليس بين المسلمين تنازع في جواز صلاة الجالس المريض خلف الإمام القائم الصحيح لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته وإنما التنازع بينهم في الصحيح القادر على القيام هل يجوز له أن يصلي جالسا خلف إمام مريض جالس في صلاته أم لا فقال قوم ذلك جائز

(22/317)


لقوله صلى الله عليه و سلم فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا وممن ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قالا جائز أن يصلي الإمام بالناس جالسا من علة ويصلون رواءه قعودا وهم قادرون على القيام واحتجوا بقوله صلى الله عليه و سلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا قال أحمد بن حنبل وفعله أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم جابر وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن فهد قال أبو بكر الأثرم قيل لأحمد فمن احتج بحديث عائشة آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو جالس وأبو بكر قائم يأتم به والناس قائمون يأتمون بأبي بكر فقال قد كان الشافعي يحتج بهذا وليس في هذا حجة لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة قائما بقيام قال أبو عمر فهذا قول وقال آخرون منهم ا لشافعي وأبو ثور وأبو حنيفة وأبو يوسف وزفر والأوزاعي جائز أن يقتدي القائم بالقاعد في صلاة الفريضة وغيرها وهو قول داود وقالوا لا يجوز لأحد أن يصلي جالسا وهو قادر على القيام إماما كان أو ماموما قالوا وجائز أن يصلي الإمام لعلة تمنعه من القيام وهو جالس بقوم قيام لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته

(22/318)


وحجة قائلي هذه المقالة أن أبا بكر كان واقفا خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو جالس يقتدي به والناس قيام يصلون بصلاة أبي بكر في صلاة واحدة وروى الوليد بن مسلم عن مالك أنه أجاز للإمام المريض أن يصلي بالناس جالسا وهم قيام قال وأحب إلي أن يكون إلى جنبه من يعلم بصلاته ونحو هذا مذهب الشافعي ( 496 وروى جماعة أصحاب مالك عن مالك وهو المشهور من مذهبه أن ليس لأحد أن يؤم جالسا وهو مريض بقوم أصحاء ومن قعل ذلك فصلاته فاسدة وعليهم الاعادة منهم من قال في الوقت ومنهم من قال أبدا وبعضهم قال لا يعيد الإمام المريض وبعضهم قال يعيد كما ذكرنا كل ذلك قاله أصحاب مالك وقد ذكرنا الحجة لمالك ومن قال بقوله في هذه المسألة مستوعبة في باب ابن شهاب عن أنس من هذا الكتاب والحمد لله وقال أبو حنيفة وأكثر أصحابه في مريض صلى قاعدا يركع ويسجد فائتم به قوم فصلوا خلفه قياما قال يجزيه ويجزيهم قالوا وإن كان الإمام يومئ إيماء أو كان ( 497 ) مضطجعا والقوم يصلون خلفه قياما لم يجزهم ويجزيه هو وقال محمد بن الحسن ومالك والحسن بن حي والثوري في قائم اقتدى بجالس أو جماعة صلوا قياما خلف إمام جالس مريض أنه يجزيه ولا يجزيهم

(22/319)


وذكر ابن خواز بنداد عن مالك قال لا يؤم قاعد قياما فإن فعلوا أعادوا في الوقت وقال عبد الملك بن عبد العزيز ومطرف يعيدون أبدا وقال سحنون اختلف في ذلك قول مالك واتفق أبو حنيفة وابو يوسف ( ومحمد أنه لا يقتدي من يركع ويسجد قائما أو قاعدا بالمومئ وقال زفر يقتدي به إذا زال العذر في الصلاة واتفق الشافعي وأبو حنيفة وابو يوسف ( 498 ) وزفر والأوزاعي وأبو ثور على جواز اقتداء القائم الصحيح بالقاعد المريض وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا يقتدي القائم بالمضطجع ولا يالمومئ قال أبو حنيفة وأبو يوسف وإنما يقتدي بالقاعد وقال محمد بن الحسن ولا بالقاعد وهو قول مالك في غير رواية الوليد بن مسلم واحتج محمد بن الحسن لمذهبه في هذا الباب بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا يؤمن أحد بعدي جالسا وهذا حديث مرسل ضعيف لا يرى أحد من أهل العلم كتابه ولا روايته وهو حديث انفرد به جابر الجعفي فرواه عن الشعبي عن النبي عليه السلام وجابر قد تكلم فيه ابن عيينة ومراسل الشعبي ليست عندهم بشيء فإن قيل قد روى شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه و سلم خلفه فالجواب في ذلك كالجواب في حديث شعبة عن الأعمش وقد مضى في هذا الباب وقد حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن سليمان الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت من الناس من يقول كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم في الصف ومنهم من يقول كان النبي صلى الله عليه و سلم المقدم بين يدي أبي بكر

(22/320)


قال أبو عمر فاكثر أحوال حديث عائشة هذا عند المخالف أن يجعل متعارضا فلا يوجب حكما وإذا كان ذلك كذلك كانت رواية ابن عباس تقضي على ذلك فكيف ورواية من روى أن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر فيها بيان وزيادة يجب قبولها وهي مفسرة ورواية من روى أن أبا بكر كان المقدم مجملة محتملة للتاويل لأنه جائز أن تكون صلاة أخرى ولو صح أنها كانت صلاة واحدة كان في رواية من روى عن عائشة وغيرها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان المقدم زيادة بيان لأنه قد أثبت ما قال غيره من تقدم ابي بكر وزاد تأخره وتقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن روى أن أبا بكر كان المقدم لم يحفظ قصة تأخره وتقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم وتقدير ذلك أن تكون جماعتهم رأوا أبا بكر في حال دخوله في الصلاة فلما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم وانتهى إلى الصف الأول والصفوف كثيرة علم من قرب تغير حال أبي بكر وانتقال الإمامة إلى النبي صلى الله عليه و سلم ولم يعلم ذلك من بعد فلهذا قلنا إن من نقل انتقال الإمامة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم علم ما خفي على من قال إن الإمام كان أبا بكر وقد يحتمل وجها آخر وذلك أن يكون أراد القائل أن أبا بكر كان الإمام يعني كان إماما في أول الصلاة وزاد القائل بأن النبي صلى الله عليه و سلم كان إماما يعني أنه كان إماما في آخر تلك الصلاة هذا لو صح أنها كانت صلاة واحدة ولو جاز أن يكون رواية عائشة متعارضة لكانت رواية ابن عباس التي لم يختلف فيها قاضية في هذا الباب على حديث عائشة المختلف فيه وذلك أن ابن عباس قال إن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ويقتدي به والناس يصلون بصلاة أبي بكر كما قال هشام بن عروة عن أبيه في حديث عائشة فبان برواية ابن عباس أن الصحيح في حديث عائشة الوجه الموافق لقوله وبالله التوفيق لأنه يعضده ويشهد له

(22/321)


وأما حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمان فمنقطع لا حجة فيه وقد تكلمنا على معناه في تقديم أبي بكر وقول ربيعة فيه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من أمته فليس فيه ما يدل على أن أبا بكر المقدم لأنه قد صلى صلى الله عليه و سلم خلف عبد الرحمان بن عوف في السفر وقول ربيعة لا يتصل ولا يحتج به أحد له أدنى فهم بالحديث اليوم وكذلك ليس في قول من قال لعله نسخ لأنه لم يفعله أبو بكر ولا من بعده ما يشتغل به أخرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا عبد الله بن رجاء قال أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أرقم بن شرحبيل قال سافرت مع ابن عباس من المدينة إلى الشام فسألته أكان رسول الله صلى الله عليه و سلم أوصى فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما مرض مرضه الذي مات فيه فذكر حديثا طويلا وفيه قال ليصل للناس أبو بكر فتقدم أبو بكر فصلى بالناس ورأى رسول الله صلى الله عليه و سلم من نفسه خفة فخرج يهادي بين رجلين فلما أحس به الناس سبحوا فذهب أبو بكر يتأخر فأشار إليه بيده مكانك فاستفتح رسول الله صلى الله عليه و سلم من حيث انتهى أبو بكر من القراءة وأبو بكر قائم ورسول الله صلى الله عليه و سلم جالس فائتم أبو بكر برسول الله صلى الله عليه و سلم وائتم الناس بأبي بكر فهذا حديث صحيح عن ابن عباس يعضد ما رواه عروة وغيره عن عائشة ولو انفرد لكان فيه كفاية وغنى عن غيره والحمد لله وأرقم بن شرحبيل ( هذا ) هو أخو هذيل بن شرحبيل وأخو عمرو بن شرحبيل أبي ميسرة ثقة جليل ذكر العقيلي عن محمد بن إسماعيل الصائغ عن

(22/322)


الحسن بن علي الحلواني عن أبي أسامة عن إسرائيل عن أبي إسحاق قال كان أرقم بن شرحبيل أخو أبي ميسرة من اشراف الناس وخيارهم قال العقيلي وحدثنا محمد بن إسماعيل قال أخبرنا الفضل بن زياد الواسطي قال حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم انتهى إلى أبي بكر وهو يؤم الناس فجلس إلى جنب أبي بكر عن يمينه وأخذ من الآية التي انتهى إليها أبو بكر فجعل أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه و سلم والناس يأتمون بأبي بكر قال أبو عمر قد قال أبو إسحاق المروزي من جعل أبا بكر المقدم وأنكر تقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم في تلك الصلاة زعم أن تقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم خلاف سنته صلى الله عليه و سلم وأن قيام أبي بكر إلى جنبه كذلك أيضا ليس معروفا من سنته ولا معنى له قال أبو إسحاق وهذا خطأ من قائله لأن قيام أبي بكر إلى جنب النبي صلى الله عليه و سلم له معنى حسن وهو أن الإمام يحتاج إلى أن يسمع الناس تكبيرة ويحتاج إلى أن تظهر لهم أفعاله ويرى قيامه وركوعه ليقتدوا به فلما ضعف النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك أقام أبا بكر إلى جنبه لينوب عن النبي صلى الله عليه و سلم في إسماعهم تكبيره ورؤيتهم لخفضه ورفعه ليعلموا أنه يفعل ذلك بفعل النبي صلى الله عليه و سلم كما يفعل في مساجد الجماعات أن يقام فيها من يرفع صوته بالتكبير لعجز الإمام عن اسماع جماعتهم فهذا المعنى في قيام أبي بكر خلف النبي صلى الله عليه و سلم وقد مضى القول في خلافة أبي بكر فيما تقدم من حديث هشام بن عروة في هذا الكتاب والحمد لله

(22/323)


حديث رابع وخمسون لهشام بن عروة مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال نزلت عبس وتولى في عبد الله بن أم مكثوم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعل يقول يا محمد استدنني وعند النبي صلى الله عليه و سلم رجل من عظماء المشركين فجعل النبي عليه السلام يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول يا فلان هل ترى بما أقول بأسا فيقول لا والدمى ما أرى بما تقول بأسا فأنزلت عبس وتولى أن جاءه الأعمى وهذا الحديث لم يختلف الرواة عن مالك في إرساله وهو يستند من حديث عائشة من رواية يحيى بن سعيد الأموي ويزيد بن سنان الزهاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ومالك أثبت من هؤلاء ورواه ابن جريج عن هشام بن عروة ( بمثل حديث مالك وروى وكيع عن هشام عن أبيه ) عن أبيه عروة في قوله عز و جل عبس وتولى أن جاءه الأعمى قال نزلت في ابن أم مكتوم وقال معمر عن قتادة قال جاء ابن أم مكتوم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يكلم يومئذ أبي بن خلف فأعرض عنه فنزلت الآية عبس وتولى فكان بعد ذلك يكرمه

(22/324)


وأخبرنا يحيى بن يوسف حدثنا يوسف بن أحمد حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن عيسى الترمذي حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد قال حدثنا أبي قال مما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت أنزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعل يقول يا رسول الله استدنني وعند رسول الله صلى الله عليه و سلم رجل من عظماء المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول أترى بما أقول بأسا فيقول لا ففي هذا أنزلت عبس وتولى وأخبرنا عثمان بن أحمد قال حدثنا محمد بن علي قال حدثنا الحسن ابن إبراهيم قال حدثنا أبو عيسى محمد بن عيسى فذكره وأخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد الخصيب القاضي بمصر قال حدثنا أبو محمد الهيثم بن خلف ابن عبد الرحمان بن مجاهد الغطوطي الدوري قال حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال حدثنا أحمد بن بشير حدثنا أبو البلاد عن مسلم بن صحيح عن مسروق قال دخلت على عائشة وعندها رجل مكفوف تقطع له الأترج وتطعمه إياه بالعسل فقلت من هذا يا أم المؤمنين فقالت ابن أم مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيه صلى الله عليه و سلم أتى النبي صلى الله عليه و سلم وعنده عقبة وشيبة فأقبل عليهم فنزلت عبس وتولى أن جاءه الأعمى وذكر حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس جاءه ابن أم مكتوم وعنده رجال من قريش فقال له علمني مما علمك الله فأعرض عنه وعبس في وجهه وأقبل على القوم يدعوهم إلى الإسلام فأنزلت عبس وتولى أن جاءه الأعمى فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا نظر إليه بعد ذلك مقبلا بسط رداءه حتى يجلسه عليه وكان إذا خرج من المدينة استخلفه يصلي بالناس حتى

(22/325)


يرجع وقال ابن جريج عن مجاهد في قوله أما من استغنى قال عتبة وشيبة ابنا ربيعة فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى قال ابن جريج ابن أم مكتوم كلا إنها تذكره قال ابن جريج قال ابن عباس تذكرة الغني والفقير قال سنيد وقال غير ابن جريج أما من استغنى فأنت له تصدى قال تقبل عليه بوجهك وما عليك ألا يزكى قال ألا يصلح وأما من جاءك يسعى بعمل من الخير وهو يخشى الله فأنت عنه تلهى قال تعرض ثم وعظه فقال كلا لا تقبل على من استغنى وتعرض عن من يخشى إنها تذكرة قال موعظة فمن شاء ذكره قال القرآن من شاء فهم القرآن وتدبره واتعظ به قال أبو عمر فيما أوردنا في هذا الباب عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم ما يفسر معنى هذا الحديث ويغنينا عن القول فيه وأما قوله لا والدمى بضم الدال فالمعنى الأصنام التي كانوا يعبدون ويعظمون واحدتها الدمية وطائفة روت عنه لا والدماء بكسر الدال والمعنى دماء الهدايا التي كانوا يذبحون بمنى لآلهتهم

(22/326)


قال الشاعر وهو توبة بن الحمير ... علي دماء البدن إن كان بعلها ... يرى لي ذنبا غير أني أزورها ... وقال آخر ... ... أما ودماء المزجيات إلى منى ... ... لقد كفرت أسماء غير كفور ...
حديث خامس وخمسون لهشام بن عروة مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب وهذا أيضا لم يختلف عن مالك في إرساله وقد رواه أيوب بن صالح عن مالك عن هشام عن أبيه ولم يتابع عليه عن مالك وأيوب بن صالح هذا ليس بالمشهور بحمل العلم ولا ممن يحتج به وحديثه هذا حدثناه خلف بن القاسم حدثنا عبد المطلب بن العباس بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم حدثنا أبو المنذر سفيان ابن المنذر القرشي حدثنا أيوب بن صالح حدثنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان حتى تبرز فإذا برز حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب

(22/327)


وقد رواه جماعة من الحفاظ عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر وهو حديث محفوظ عن ابن عمر من وجوه منها حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا يتحر أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها وهو مذهب ابن عمر المشهور عنه كان لا يكره الصلاة بعد العصر ولا بعد الصبح إلا عند طلوع الشمس وعند غروبها فقط وقد ذكرنا مذهبه ومذهب سائر العلماء في هذا الباب في مواضع من هذا الكتاب ومنها حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن الصنابحي ومنها حديث محمد بن يحيى بن حبان وحديث نافع حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال سمعت عبيد الله بن عمر غير مرة قال سمعت نافعا يقول سمعت ابن عمر يقول لست أنهى أحدا صلى أي ساعة من ليل ولا من نهار ولكني أفعل كما رأيت أصحابي يفعلون وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها قيل لسفيان هذا يروى عن هشام قال ما سمعت هشاما ذكر هذا قط قال ابو عمر إن كان لم يسمعه فقد سمعه غيره ذكر البزار قال حدثنا عبيد بن إسماعيل الهباري قال حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن

(22/328)


عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا عروبها حدث محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد ابن شعيب قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا هشام بن عروة قال أخبرني أبي قال أخبرني ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع على قرني شيطان قال وأخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا هشام بن عروة قال أخبرني أبي قال أخبرني ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تشرق وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب وهذا أثبت ما يكون من

(22/329)


الأسانيد وأصحها مسندا وهما حديثان ومعناهما واحد وقد مضى ما في حديث هذا الباب من المعاني في غير موضع من هذا الكتاب والحمد لله وبه التوفيق
حديث سادس وخمسون لهشام بن عروة مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم طلع له أحد فقال هذا جبل يحبنا ونحبه وهذا مرسل في الموطأ عند جماعة الرواة وهو مسند عن مالك من حديثه عن عمرو بن أبي عمرو بن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم وهو محفوظ من حديث أنس ومن حديث سويد بن النعمان الأنصاري حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا عبيد الله بن محمد العيشي قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن جميل بن عبد الله عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أحد جبل يحبنا ونحبه وأنه لعلى ترعة من ترع الجنة وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبد الرحمان بن عبد الله بن عمر بن راشد بدمشق قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال أخبرني عقبة بن سويد الأنصاري

(22/330)


أن أباه أخبره أنهم قفلوا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم من غزوة تبوك فلما قدمنا المدينة بدا لنا أحد فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا جبل يحبنا ونحبه قال أبو عمر ذهب جماعة من أهل العلم إلى حمل هذا القول على الحقيقة وقالوا جائز أن يحبهم الجبل كما يحبونه وعلى هذا حملوا كل ما جاء في القرآن وفي الحديث من مثل هذا نحو قوله عز و جل فما بكت عليهم السماء والأرض و قالتا أتينا طائعين و يا جبال أوبي معه والطير أي سبحي معه و جدارا يريد أن ينقض ومثله في القرآن كثير وأما الحديث ففيه ما لا يحصى من مثل هذا نحو ما روي أن البقاع لتتزين للمصلي وأن البقاع لينادي بعضها بعضا هل مر بك اليوم ذاكرا لله وقال آخرون هذا مجاز يريد أنه جبل يحبنا أهله ونحبهم وأضيف الحب إلى الجبل لمعرفة المراد في ذلك عند المخاطبين مثل قوله وسئل القرية يريد أهلها وقد ذكرنا هذا المعنى بدلائل المجاز فيه وما للعلماء من المذاهب في ذلك عند قوله صلى الله عليه و سلم اشتكت النار إلى ربها في باب عبد الله بن يزيد وباب زيد ين أسلم والحمد لله

(22/331)


حديث سابع وخمسون لهشام بن عروة مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إجعلوا من صلاتكم في بيوتكم وهذا مرسل في الموطأ عند جميعهم وقد رواه عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم واختلف في معنى هذا الحديث فقيل من صلاتكم يريد المكتوبة وقيل النافلة ومن قال إنها المكتوبة فلقوله صلى الله عليه و سلم أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة فكيف يأمرهم بما قد أخبرهم أن غيره أفضل منه ومعروف أن حرف من حقيقته التبعيض لما في ذلك من تعليم الأهل حدود الصلاة معاينة وهو أثبت أحيانا من التعليم بالقول وقيل أراد بقول هذا النافلة على أن معنى قوله اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم أي اجعلوا صلاتكم في بيوتكم يعني النافلة وتكون من زائدة كقولهم ما جاءني من أحد وأما ما جاء في الموطأ من حديث هشام بن عروة موقوفا وهو مرفوع مسند في غير الموطأ عند جماعة من العلماء فمن ذلك حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل من المهاجرين لم ير به بأسا أنه قال سألت عبد الله بن عمرو بن العاصي أأصلي في أعطان الابل قال لا ولكن صل في مراح الغنم ومثل هذا من الفرق بين الغنم والإبل لا يدرك بالرأي والعطن موضع بروك الإبل بين الشربتين لأنها في سقيها ترد الماء مرتين طائفة بعد أخرى

(22/332)


وقد روى هذا الحديث يونس بن بكير عن هشام بن عرنة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال صلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل ويونس بن بكير ليس ممن يحتج به عن هشام بن عروة فيما خالفه فيه مالك لأنه ليس ممن يقاس بمالك وليس بالحافظ عندهم والصحيح في إسناد هشام ما قاله مالك وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم هذا المعنى من حديث أبي هريرة والبراء وجابر بن سمرة وعبد الله بن مغفل وكلها بأسانيد حسان وأكثرها تواترا وأحسنها حديث البراء وحديث عبد الله بن مغفل رواه نحو خمسة عشر رجلا عن الحسن وسماع الحسن من عبد الله بن مغفل صحيح وفي هذا الحديث دليل على أن ما يخرج من مخرجي الحيوان المأكول لحمه ليس بنجس وأصح ما قيل في الفرق بين مراح الغنم وعطن الإبل أن الإبل لا تكاد تهدأ ولا تقر في العطن بل تثور فربما قطعت على المصلي صلاته وجاء في الحديث الثابت أنها جن خلقت من جن فبين العلة في ذلك وقد قيل إنما كان يستتر بها عند الخلاء وهذا لا يعرف في الأحاديث المسندة وفي الأحاديث المسندة غير ذلك حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمان بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الصلاة في مبارك الإبل فقال لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين وسئل عن الصلاة في مراح الغنم فقال صلوا فيها فإنها بركة

(22/333)


حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا يونس عن الحسن عن عبد الله بن مغفل المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين وفي بعض هذه الآثار فإنها جن خلقت من جن وهذا كله يشهد لما اخترناه من التأويل في ذلك والحمد لله وأما حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت ما أبالي في الحجر صليت أم في البيت فهذا يستند من حديث علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة ذكره أحمد بن شعيب النسائي قال حدثنا إسحاق ابن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثنا علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة قالت أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بيدي فأدخلني الحجر وقال إذا أردت دخول البيت فصلي ههنا فإنه قطعة من البيت وقد ذكرنا بنيان الكعبة فيما تقدم من حديث ابن شهاب والحمد لله التمهيد

(22/334)


باب الواو وهب بن كيسان أبو نعيم لمالك عنه حديثان قد غلبت عليه كنيته فأهل المدينة يقولون وهب بن كيسان وغيرهم يقول وهب بن أبي مغيث وهو وهب بن كيسان مولى عبد الله بن الزبير بن العوام ويقال مولى آل الزبير
قال الواقدي كان محدثا ثقة ولقي عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم منهم سعد بن أبي وقاص وابن عمر وجابر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري ولم تكن له فتوى وكان من سكان مو المدينة وبها كانت وفاته سنة سبع وعشرين ومائة
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن وهب بن كيسان قال رأيت سعد بن مالك وأبا هريرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك يلبسون الخز
قال أحمد بن زهير حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا بكر بن مضر عن ابن عجلان عن وهب بن كيسان وكان قد أدرك ابن عمر

(23/9)


أخبرني أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا أحمد بن العباس قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا أشهب عن مالك قال كان وهب بن كيسان يقعد إلينا ولا يقوم أبدا حتى يقول لنا اعلموا أنه لا يصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلح أوله
قلت يريد ماذا قال يريد في بادىء الإسلام أو قال يريد التقوى

(23/10)


حديث أول لوهب بن كيسان
196 - مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله أنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثا قبل الساحل فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة قال وأنا فيهم قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد فأمر أبو عبيدة ابن الجراح بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر فكان يقوتناه كل يوم قليلا قليلا حتى فني ولم تصبنا إلا تمرة تمرة فقلت وما تغني تمرة فقال لقد وجدنا فقدها حين فنيت قال ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب فأكل منه الجيش ثمان عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبتا ثم أمر براحلة فرحلت ( ثم مرت ) تحتهما فلم تصبهما
قال ملك الظرب الجبيل

(23/11)


قال أبو عمر هذا حديث صحيح مجتمع على صحته وفيه من الفقه إرسال الخلفاء السرايا إلى أرض العدو والتأمير على السرية أوثق أهلها
وفيه أن المواساة واجبة بين المسلمين بعضهم على بعض إذا خيف على البعض التلف فواجب أن يرمقه صاحبه بما يرد مهجته ويشاركه فيما بيده ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أدخل على من ملك زادا في زاده أن يشرك معه فيه غيره في حديث سويد بن النعمان وهو عندي ضرب من القضاء بذلك ولوجوب المواساة عند الشدة ارتفع عند أهل العلم قطع السارق إذا سرق شيئا من الطعام في عام سنة والله أعلم وفي مجمع الأزواد بركة وخير
وقد ذكرنا في معنى الزاد في السفر ما فيه مقنع في باب يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار وفيه أكل ميتة البحر من دوابه وغيرها لأن دوابه إذا جاز أكلها ميتة فسمكه أولى بذلك لأن السمك لم يختلف في أكله
واختلف في أكل الدواب منه فكان أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي يقولون لا يؤكل من حيوان البحر شيء إلا السمك ما لم يكن طافيا فإذا كان طافيا لم يؤكل أيضا
وقال ابن أبي ليلى ومالك والأوزاعي والليث والشافعي لا بأس بأكل كل ما في البحر سمكا كان أو دابة وهو أحد قولي الثوري

(23/12)


وروى أبو إسحاق الفزاري عن الثوري أنه لا يؤكل من صيد البحر إلا السمك
وقال الشافعي ما يعيش في الماء حل أكله وأخذه ذكاته ولا يحتاج إلى ذكاته
وقد ذكرنا هذه المسألة مجودة ممهدة في باب صفوان بن سليم وأتينا فيها من أقاويل العلماء بأكثر مما ذكرنا ههنا والصحيح في هذا الباب أنه لا بأس بأكل ما في البحر من دابة وحوت وسواء ميتة وحية في ذلك بدليل هذا الحديث المذكور في هذا الباب وبدليل قوله صلى الله عليه و سلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته
ولا وجه لقول من قال إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا مضطرين ذلك الوقت إلى الميتة فمن هناك جاز لهم أكل تلك الدابة وهذا ليس بشيء لأن أكلهم لم يكن على وجه ما تؤكل عليه الميتة للضرورة وذلك أنهم أقاموا عليها أياما يأكلون منها ومن اضطر إلى الميتة ليس يباح له المقام عليها بل يقال له خذ منها ما تحتاج وانتقل منها إلى طلب المباح من القوت وقد ذكرنا في باب صفوان بن سليم من صحيح الأثر ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أباح ذلك لغير المضطر
وفي قوله صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته ما يكفي ويغني عن قول كل قائل والحمد لله
وقد احتج بهذا الحديث من أجاز أكل اللحم الذكي إذا صل وأنتن وليس في هذا الحديث بيان ذلك بما يرفع الإشكال

(23/13)


وقد روي عن مالك أنه قال لا بأس بأكل الطافي من السمك ما لم ينتن وهو قول جمهور العلماء وفي حديث أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له في الصيد الذي يغيب عن صاحبه يأكله ما لم ينتن وعلى أن هذا الخبر في أكل هذه الدابة قد تأول فيه قوم الضرورة كما ذكرته لك
وحديث أبي ثعلبة هذا حدثناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم حدثنا ابن وضاح حدثنا موسى بن معاوية حدثنا معن بن عيسى القزاز عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كلوا الصيد وإن وجدتموه بعد ثلاثة أيام ما لم ينتن
وحدثناه سعيد بن سيد حدثنا عبد الله بن محمد الباجي حدثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن حدثنا ابن وضاح حدثنا موسى بن معاوية فذكره بإسناده سواء
وأما حديث جابر هذا فقد روي من وجوه كثيرة كلها ثابتة صحيحة وقد رواه هشام بن عروة عن وهب بن كيسان حدثنا خلف ابن القاسم قال حدثنا أحمد بن محمد ابن أبي الموت المكي قال حدثنا أحمد بن زيد بن هارون قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي

(23/14)


قال حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال خرجنا في سرية بعثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن ثلاثمائة رجل فقلت أزوادنا حتى ما كان يصيب كل رجل منا إلا تمرة فجئنا البحر فإذا نحن بحوت ألقاه البحر ميتا فأقمنا عليه فمكثنا اثنتي عشرة ليلة نأكل منه ثم قدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرناه فقال نعم الجار البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته
وقد رواه أبو الزبير عن جابر حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن عمر بن يحيى قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال بعثنا النبي صلى الله عليه و سلم في سرية مع أبي عبيدة فألقى لنا البحر حوتا فأكلنا منه نصف شهر وايتدمنا منه وأدهنا بودكه حتى ثابت أجسامنا
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي الزبير عن مولى لأبي بكر عن أبي بكر قال كل ما في البحر من دابة قد ذبحها الله لك فكلها
قال وأخبرنا الثوري عن عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال أشهد على أبي بكر أنه قال السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها
وهذا الباب فيه زيادات في باب صفوان بن سليم من هذا الكتاب

(23/15)


حديث ثان لأبي نعيم وهب بن كيسان
296 - مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان قال أتي رسول الله صلى الله عليه و سلم بطعام ومعه ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم سم الله وكل مما يليك
هذا الحديث عند مالك ظاهره الانقطاع في الموطأ وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له سم الله وكل مما يليك
وهو حديث مسند متصل لأن أبا نعيم سمعه من عمر بن أبي سلمة
وقد لقي في الصحابة من هو أكبر من عمر بن أبي سلمة
قال يحيى بن معين وهب بن كيسان أكبر من الزهري وقد سمع من ابن عمر وابن الزبير
قال أبو عمر قد ذكرنا جماعة من الصحابة سمع منهم أبو نعيم هذا منهم ابن عمر ومنهم سعد بن أبي وقاص وكان بدريا فكيف ينكر سماعه من عمر بن أبي سلمة
حدثنا أحمد بن فتح حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قالا

(23/16)


حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الوليد ابن كثير عن أبي نعيم وهب بن كيسان سمعه من عمر بن أبي سلمة قال كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك
وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا الوليد بن كثير أنه سمع أبا نعيم وهب بن كيسان يقول سمعت عمر بن أبي سلمة يقول كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي النبي صلى الله عليه و سلم يا غلام إذا أكلت فسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك
فما زالت تلك طعمتي بعد
قال أبو عمر وقد سمع أبو وجزة السعدي هذا الحديث من عمر بن أبي سلمة وأبو وجزة أصغر سنا من أبي نعيم وهب بن كيسان وأقل لقاء
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم قال حدثنا موسى بن داود قال حدثنا

(23/17)


سليمان بن بلال عن أبي وجزة السعدي قال أخبرني عمر بن أبي سلمة قال دعاني النبي صلى الله عليه و سلم إلى طعام نأكله فقال ادن فسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك
وقد روى هذا الحديث هشام بن عروة فاختلف عليه فيه فمنهم من رواه عن هشام بن عروة عن أبي وجزة عن عمر بن أبي سلمة ومنهم من رواه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة هكذا رواه معمر وروح بن القاسم عن هشام بن عروة

(23/18)


85 - مالك عن الوليد بن عبد الله بن صياد
396 - مالك عن الوليد بن عبد الله بن صياد أن المطلب بن عبد الله بن حويطب المخزومي أخبره أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم ما الغيبة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تذكر من المرء ما كره أن يسمع فقال رجل يا رسول الله وإن كان حقا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قلت باطلا فذلك البهتان
هكذا قال يحيى المطلب بن عبد الله بن حويطب وإنما هو المطلب ابن عبد الله بن حنطب كذلك قال ابن وهب وابن القاسم وابن بكير ومطرف وابن نافع والقعنبي عن مالك في هذا الحديث حنطب لا حويطب وهو الصواب إن شاء الله
وهو المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب المخزومي عامة أحاديثه مراسيل ويرسل عن الصحابة يحدث عنهم ولم يسمع منهم وهو تابعي مدني ثقة يقولون أدرك جابرا واختلف في سماعه من عائشة وحدث عن ابن عامر وأبي هريرة وأبي قتادة وأم سلمة وأبي موسى وأبي رافع ولم يسمع من واحد منهم وليس هذا

(23/19)


الحديث عند القعنبي في الموطأ وهو عنده في الزيادات وهو آخر حديث في كتاب الجامع من موطأ ابن بكير وهو حديث مرسل وقد روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى حدثنا علي بن محمد حدثنا أحمد ابن داود قال حدثنا سحنون قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قيل يا رسول الله ما الغيبة فقال ذكرك أخاك بما يكره قال أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته
حدثنا يونس بن عبد الله بن مغيث قال حدثنا محمد بن معاوية ابن عبد الرحمن قال حدثنا جعفر بن محمد بن المستفاض قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة قال سمعت العلاء بن عبد الرحمن يحدث عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال هل تدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره
قال أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته

(23/20)


قال أبو عمر رواه جماعة عن العلاء كما رواه شعبة سواء وهذا حديث يخرج في التفسير المسند في قول الله عز و جل ولا يغتب بعضكم بعضا
فبين رسول الله صلى الله عليه و سلم الغيبة وكيف هي وما هي وهو المبين عن الله عز و جل
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن أسامة بن عبد الرحمن بن أبي السمح حدثنا أبي قال حدثنا هارون بن سعيد حدثنا عبد الله بن وهب حدثنا ابن زيد قال قال محمد بن المنكدر رأيت النبي صلى الله عليه و سلم في النوم خرج من هذا البيت فمر برجلين أعرفهما وأعرف أنسابهما فقال عليكما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فإنكما لا تؤمنان بالله ولا باليوم الآخر فقلت أجل يا رسول الله فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فما ذنبهما قال ذنبهما أنهما يأكلان لحوم الناس
قال أبو عمر يصحح هذا قوله صلى الله عليه و سلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت
وهذا وما كان مثله إنما معناه نقصان الإيمان وعدم كماله لا الكفر وقد بينا مثل هذا في غير موضع والحمد لله

(23/21)


أخبرنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة قال أخبرني سليمان بن كيسان قال كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر عنده رجل بفضل أو صلاح قال كيف هو إذا ذكر عنده إخوانه فإن قالوا إنه ينتقصهم وينال منهم قال عمر ليس هو كما تقولون وإن قالوا إنه يذكر منهم جميلا وخيرا ويحسن الثناء عليهم قال هو كما تقولون إن شاء الله
قال أبو عمر يكفي في ذم الغيبة قول الله عز و جل يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخية ميتا
وقال الشاعر احذر الغيبة فهي ال فسق لا رخصة فيه إنما المغتاب كالآ كل من لحم أخيه وروى ابن علية عن يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين قال ظلم لأخيك المسلم أن تقول أسوأ ما تعلم فيه
وعن الحسن البصري أنه سأله رجل فقال يا أبا سعيد اغتبت فلانا وأنا أريد أن أستحله فقال لم يكفك أن اغتبته حتى تريد أن تبهته

(23/22)


وعن قتيبة بن مسلم أنه سمع رجلا يغتاب آخر فقال أمسك عليك فوالله لقد مضغت مضغة طالما لفظها الكرام
وعن عتبة بن أبي سفيان أنه قال لابنه عمرو إياك واستماع الغيبة نزه سمعك عن الخنا كما تنزه لسانك عن البذا فإن المستمع شريك القائل وإنما نظر إلى أخبث ما يكون في وعائه فألقاها في وعائك ولقد أحسن القائل تحر في الطريق أوساطها وعد عن الموضع المشتبه وسمعك صن عن سماع القبي ح كصون اللسان عن القول به فإنك عند استماع القبي ح شريك لقائله فانتبه وهذا مأخوذ من قول كعب بن زهير والله أعلم فالسامع مع الذم شريك له ومطعم المأكول كالآكل وكان أبو حازم يقول أربح التجارة ذكر الله وأخسر التجارة ذكر الناس يعني بالشر وهذا باب يحتمل أن يفرد له كتاب وقد أكثر العلماء والحكماء من ذم الغيبة والمغتاب وذم النميمة وجاء عنهم في ذلك من نظم الكلام ونثره ما يطول ذكره ومن وفق كفاه من الحكمة يسيرها إذا استعملها وما توفيقي إلا بالله وقد ذكرنا في

(23/23)


بهجة المجالس في باب الغيبة من النظم والنثر ما فيه الكفاية والحمد لله
ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول القائل إن شر الناس من يشكر لي حين يلقاني وإن غبت شتم ويحييني إذا لاقيته وإذا يخلو له لحمي كدم وكلام سيء قد وقرت منه أذناي وما بي من صمم لا يراني راتعا في مجلس في لحوم الناس كالسبع الضرم أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي ببغداد إملاء يوم الجمعة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني قال حدثنا شبابة بن سوار قال حدثنا المغيرة بن مسلم عن يحيى البكاء قال كنت عند ابن عمر فجاءه رجل فوقع في الحجاج وشتمه فقال ابن عمر أرأيت لو كان شاهدا أكنت تقول هذا فقال لا فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم

(23/24)


باب الياء
86 - يزيد بن خصيفة ثلاثة أحاديث وهو يزيد بن خصيفة بن يزيد بن عبد الله الكندي ابن أخي السائب بن يزيد الكندي وكان ثقة مأمونا محدثا محسنا لا أقف له على وفاة روى عنه جماعة من أهل الحجاز
حديث أول ليزيد بن خصيفة
496 - مالك عن يزيد بن خصيفة عن عروة بن الزبير أنه قال سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم تقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يصيب المؤمن مصيبة حتى الشوكة إلا قص بها أو كفر بها من خطاياه لا يدري أيهما قال عروة

(23/25)


لم يختلف الرواة عن مالك في هذا الحديث في الموطأ وتفرد فيه ابن وهب فيه بإسناد آخر عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وسائر أصحاب مالك يروونه عنه عن يزيد بن خصيفة كما في الموطأ ورواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موقوفا هكذا حدث به عن هشام حماد بن سلمة والدراوردي ورواه يزيد بن الهادي عن أبي بكر بن حزم عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم مرفوعا وهو مرفوع صحيح وقد روي من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة مرفوعا وفيه دليل على أن الذنوب تكفرها المصائب والآلام والأمراض والأسقام وهذا أمر مجتمع عليه والحمد لله
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن عبد السلام قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن جامع بن شداد عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال إن لا يكتب به الأجر وكان إذا حدثنا شيئا لم نسأله حتى يفسره لنا قال فكبر ذلك علينا فقال ولكن تكفر به الخطيئة

(23/26)


حديث ثان ليزيد بن خصيفة
596 - مالك عن يزيد بن خصيفة أن السائب بن يزيد أخبره أنه سمع سفيان بن أبي زهير وهو من أزدشنؤة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يحدث ناسا معه عند باب المسجد فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط قال أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إي ورب هذا المسجد
في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلب للزرع والماشية وهو حديث ثابت وقد ثبت عنه أيضا صلى الله عليه و سلم إباحة اتخاذه للصيد فحصلت هذه الوجوه الثلاثة مباحة بالسنة الثابتة وما عداها فداخل في باب الحظر وقد أوضحنا ما في هذا الباب من المعاني في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله
قال أبو عمر احتج بهذا الحديث ومثله من ذهب إلى إجازة بيع الكلب المتخذ للزرع والماشية والصيد لأنه ينتفع به في ذلك قال وكل ما ينتفع به في ذلك قال وكل ما ينتف به فجائز شراؤه وبيعه ويلزم قاتله القيمة لأنه أتلف منفعة أخيه

(23/27)


وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في هذا الباب كله أيضا في باب ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن ثمن الكلب ولا معنى لتكرير ذلك ههنا

(23/28)


حديث حديث ثالث ليزيد بن خصيفة
696 - مالك عن يزيد بن خصيفة أن عمرو بن عبد الله بن كعب السلمي أخبره أن نافع بن جبير أخبره عن عثمان ابن أبي العاص أنه أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال عثمان وبي وجع قد كاد يهلكني قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم امسحه بيمينك سبع مرات وقل أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد قال فقلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر بذلك أهلي ومن أطاعني
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة وجمهورهم عن مالك وروته طائفة عن مالك عن يزيد بن خصيفة عن رجل أخبره أن نافع بن جبير بن مطعم أخبره أن عثمان بن أبي العاص أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم الحديث
في هذا الحديث دليل واضح على أن صفات الله غير مخلوقة لأن الاستعاذة لا تكون بمخلوق وفيه أن الرقي يدفع البلاء ويكشفه الله به وهو من أقوى معالجة الأوجاع لمن صحبه اليقين الصحيح والتوفيق الصريح وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش العظيم

(23/29)


أخبرنا عبد الرحمن حدثنا علي حدثنا أحمد حدثنا سحنون حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال أخبرني نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان ابن أبي العاص الثقفي أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر

(23/30)


مالك عن يزيد بن رومان أبي روح حديث واحد ويزيد بن رومان هذا مولى الزبير بن العوام كان أحد قراء أهل المدينة وكان عالما بالمغازي مغازي رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان ثقة سكن مو المدينة وبها كانت وفاته سنة ثلاثين ومائة
796 - ) مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه و سلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم صلى بهم

(23/31)


لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ومتنه ورواه أبو أويس عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن أبيه خوات بن جبير فذكر معناه
ورواه عبد الله بن عمر عن أخيه عبيد الله بن عمر عن القاسم ابن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه مختصرا بمعناه
ورواه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي خثمة مرفوعا ولم يختلف عن شعبة في إسناده هذا واختلف عنه في متنه على ما قد ذكرناه في باب نافع من هذا الكتاب وعند مالك فيه حديثه عن يحيى بن سعيد عن القاسم ابن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي خثمة موقوفا
وإلى حديث مالك عن يزيد بن رومان المذكور في هذا الباب ذهب الشافعي رحمه الله وأصحابه في صلاة الخوف وبه قال داود وهو قول مالك إلا أن ابن القاسم ذكر عنه أنه رجع ألى حديث القاسم بن محمد في ذلك والخلاف منه إنما هو في موضع واحد وذلك أن الإمام عنده لا ينتظر الطائفة الثانية إذا صلى بها ركعة ولكن يسلم ثم تقوم تلك الطائفة فتقضي لأنفسها ذهب في ذلك إلى حديثه عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل ابن أبي خثمة

(23/32)


قال ابن القاسم كان مالك يقول لا يسلم الإمام حتى تقوم الطائفة الثانية فتتم لأنفسها ثم يسلم بهم على حديث يزيد بن رومان ثم رجع إلى حديث القاسم بن محمد أن الإمام يسلم ثم تقوم الطائفة الثانية فيقضون
قال أبو عمر لأهل العلم أقاويل مختلفة ومذاهب متباينة في صلاة الخوف قد ذكرناها وذكرنا الآثار التي بها نزع كل فريق منهم ومنها قال وإليها ذهب وأوضحنا ذلك ومهدناه بحججه ووجوهه وعلله في باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله
وأما قوله يوم ذات الرقاع فهي غزاة معروفة عند جميع أهل العلم بالمغازي واختلف في المعنى الذي سميت به ذات الرقاع فذكر الأخفش عن أبي أسامة عن يزيد بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزاة فكنا نمشي على أقدامنا حتى نقبت فكنا نشدها بالخرق ونعصب عليها العصائب فسميت غزوة ذات الرقاع
قال أبو بردة فلما حدث أبو موسى بهذا الحديث ندم وقال ما كنا نصنع بذكر هذا كأنه كره أن يذكر شيئا من عمله الصالح

(23/33)


وقال غيره إنما سميت ذات الرقاع لأنهم رقعوا فيها راياتهم والرايات دون البنود وفوق الطرادات إلى البنود ما هي
وقيل كانت أرضا ذات ألوان وقيل إن ذات الرقاع شجرة نزلوا تحتها وانصرفوا يومئذ عن موادعة من غير قتال

(23/34)


يزيد بن الهادي وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي ابن أخي عبد الله بن شداد الهادي الليثي من أنفسهم ويكنى أبا عبد الله وكان أعرج وهو أحد ثقات المحدثين مو بالمدينة وتوفي بها في سنة تسع وثلاثين ومائة
روى عنه جماعة من الأئمة منهم مالك والليث
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال سئل يحيى بن معين عن يزيد بن الهادي فقال ثقة لمالك عنه من مرفوعات الموطأ ثلاثة أحاديث مسندة وبالله تعالى التوفيق

(23/35)


حديث أول ليزيد بن الهادي
896 - ملك عن يزيد بن عبد الله بن الهادي عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه قال خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله فكان فيما حدثته أن قلت قال رسول الله خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة وفيه خلق ءادم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين يصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه
قال كعب ذلك في كل سنة مرة
فقلت بل في كل جمعة فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله
قال أبو هريرة فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال من أين أقبلت فقلت من الطور فقال لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت سمعت رسول الله يقول لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام أو

(23/36)


إلى مسجدي هذا أو إلى مسجد إيليا أو بيت المقدس
يشك قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب وما حدثته في يوم الجمعة فقلت قال كعب ذلك في كل سنة مرة قال قال عبد الله بن سلام كذب كعب فقلت ثم قرأ كعب التوراة فقال بل هي في كل جمعة قال عبد الله بن سلام صدق كعب ثم قال عبد الله بن سلام قد علمت أية ساعة هي فقال أبو هريرة أخبرني بها ولا تضن علي فقال عبد الله بن سلام هي آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال عبد الله بن سلام ألم يقل رسول الله من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي قال أبو هريرة فقلت بلى قال فهو ذلك
قال أبو عمر لا أعلم أحدا ساق هذا الحديث أحسن سياقة من مالك عن يزيد بن الهادي ولا أتم معنى منه فيه إلا أنه قال فيه بصرة بن أبي بصرة ولم يتابعه أحد عليه وإنما الحديث معروف لأبي هريرة فلقيت أبا

(23/37)


بصرة الغفاري كذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي أسامة عن أبي هريرة كذلك رواه سعيد بن المسيب وسعيد المقبري عن أبي هريرة كلهم يقول فيه فلقيت أبا بصرة الغفاري ولم يقل واحد منهم فلقيت بصرة بن أبي بصرة كما في حديث مالك عن يزيد بن الهادي وأظن الوهم فيه جاء من قبل مالك أو من قبل يزيد بن الهادي والله أعلم
وفيه من الفقه والعلم ضروب فأما قوله خرجت إلى الطور فقد بان في الحديث أنه لم يخرج ألبتة إلا تبركا به ليصلي فيه ولهذا المعنى لا يجب الخروج إلا إلى الثلاثة المساجد المذكورة في هذا الحديث وعلى هذا جماعة العلماء فيمن نذر الصلاة في هذه الثلاثة المساجد أو في أحدها أنه يلزمه قصدها لذلك ومن نذر صلاة في مسجد سواها صلى في موضعه ومسجده ولا شيء عليه ولا يعرف العلماء غير الثلاثة المساجد المذكورة في هذا الحديث المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد بيت المقدس لا يجري عندهم مجراها شيء من المساجد سواها
وقد روى محمد بن خالد الجندي عن المثنى بن الصباح عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله تعمل الرحال إلى أربعة مساجد إلى المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى وإلى مسجد الجند

(23/38)


قال أبو عمر هذا حديث منكر لا أصل له ومحمد بن خالد الجندي والمثنى بن الصباح متروكان ولا يثبت من جهة النقل والجند باليمن بلد طاوس
قال أبو عمر من كانت له حاجة من حوائج دنياه إلى ناحية الطور فليس خروجه إلى ذلك من هذا في شيء
وأما قوله فلقيت كعب الأحبار فكعب الأحبار هو كعب بن ماتع يكنى أبا إسحاق من آل ذي رعين من حمير ذكر الغلابي عن ابن معين قال هو كعب بن ماتع من ذي هجر الحميري
قال أبو عمر قيل أسلم كعب الأحبار في زمن عمر بن الخطاب وقيل كان إسلامه قبل ذلك وهو من كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم وكان من أعلم الناس بأخبار التوراة وكان حبرا من أحبار اليهود ثم أسلم فحسن إسلامه وكان له فهم ودين وكان عمر يرضى عنه وربما سأله وتوفي في خلافة عثمان سنة أربع وثلاثين قبل أن يقتل عثمان بعام
وفيه الإباحة في الحديث عن التوراة لأهل العلم بها وسماع ذلك مباح ممن لا يتهم بالكذب إلا أن الحكم في الحديث عن أهل الكتاب ما

(23/39)


قد ذكرناه في آخر كتاب العلم فمن تأمل هذا المعنى هناك اكتفى إن شاء الله
وفيه أن خير الأيام يوم الجمعة وهذا على الإطلاق والعموم وفي ذلك دليل على أن الأيام بعضها أفضل من بعض ولكن الفضائل في ذلك لا تعلم إلا بتوقيف ولا تدرك بقياس
وذكر موسى بن معاوية عن أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن عبد الله بن ضمرة عن كعب الأحبار قال الصدقة يوم الجمعة تضاعف
قال حدثنا محمد بن فضيل عن حصين عن هلال بن يساف عن كعب الأحبار أنه قال في يوم الجمعة إنه لتفزع فيه الخلائق كلها إلا الجن والإنس وإنه لتضعف فيه الحسنة وإنه يوم القيامة
وفيه الخبر عن خلق آدم وهبوطه إلى الأرض وإنه قد تيب عليه من خطيئته وذلك والحمد لله ثابت بنص التنزيل الذي لا يجوز عليه التحريف والتبديل ولكن ليس في القرآن أن ذلك كان يوم الجمعة
وفيه دليل على إباحة الحديث عما يأتي ويكون وهذا من علم الغيب فما كان منه عن الأنبياء الذين يجوز عليهم إدراك بعضه من جهة الرسالة أو عمن أضاف إلى الله ذلك بخبر كتبه أو رسله فذلك جائز وقيام الساعة من الغيب الذي لم يطلع عليه أحد على حقيقة ونحن وإن علمنا أنها تقوم يوم جمعة بهذا الحديث فلسنا ندري

(23/40)


أي جمعة هي وقد سئل رسول الله عن الساعة وقيامها فقال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وقد سأل عنها جبريل فقال نحو ذلك وقال الله عز و جل قل إنما علمها عند ربي
وقد أخبر رسول الله عن شروط وعلامات تكون قبلها وقد ظهر أكثرها أو كثير منها وقال الله عز و جل لا تأتيكم إلا بغتة
وأما قوله وما من دابة إلا وهي مصيخة فالإصاخة الاستماع وهو ههنا استماع حذر وإشفاق وخشية الفجأة والبغتة وأما أصل الكلمة في اللغة فالاستماع قال أعرابي وحديثها كالقطر يسمعه راعي سنين تتابعت جدبا فأصاخ يرجو أن يكون حيا ويقول من فرح أيا ربا وقال آخر لم أرم حتى إذا أصاخا صرخت لو يسمع الصراخا وقال أمية بن أبي الصلت فهم عند رب ينظرون قضاءه يصيخون بالأسماع للوحي ركد

(23/41)


وقال غيره يصف ثورا بريا يستمع صوت قانص ويصيخ أحيانا كما استمع ال مضل لصوت ناشد والمضل الذي وقد ضل بغيره أو دابته أو شيئه يقال منه أضل الرجل دابته فهو مضل وضلت البهيمة فهي ضالة والناشد الطالب يقال منه قد نشدت ضالتي إذا ناديت فيها وطلبتها ومنه نشدتك الله أب سألتك بالله وأما المنشد فهو المعرف بالضالة
وقيل هو الدال عليها والمعنى واحد متقارب ومنه قوله في لقطة مكة لا تحل إلا لمنشد
فمن هنا يقال أنشدت كما يقال في الشعر أنشدت الشعر ومن الأول يقال نشدت هذا قول جماعة من أهل اللغة
وفي هذا الحديث دليل على أن الإنس والجن لا يعلمون من معنى الساعة ما يعرف غيرهم من الدواب وهذا أمر تقصر عنه أفهامنا ومن هذا الجنس من العلم لم يؤت الناس منه إلا قليلا
وأما قوله وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا آتاه الله إياه فقد اختلف في تلك الساعة على حسبما قدمنا ذكره في باب أبي الزناد من هذا الكتاب وقول عبد الله بن سلام فيها أثبت شيء إن شاء الله ألا ترى إلى رجوع أبي هريرة إلى قوله وسكوته عندما ألزمه من الإدخال والمعارضة بأن منتظر الصلاة في صلاة وهو قول أبي هريرة وكعب وقد روي بنحو قول عبد الله بن سلام أحاديث مرفوعة قد ذكرنا بعضها هناك ومنها ما

(23/42)


حدثناه خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا الصباحي قال حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا بكر بن بكار حدثنا محمد بن أبي حميد حدثنا موسى بن وردان عن أنس بن مالك قال قال رسول الله التمسوا الساعة التي في يوم الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس
حدثنا يونس بن عبد الله قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا عبد السلام بن حفص عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن الساعة التي يتحرى فيها الدعاء يوم الجمعة هي آخر ساعة من الجمعة
أخبرنا أحمد بن محمد قراءة مني عليه أن أحمد بن الفضل العباس حدثهم قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس وأسد بن عمرو والمحاربي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله إن في يوم الجمعة لساعة يقللها لا يوافقها عبد مسلم فيسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه
فقال عبد الله بن سلام قد علمت أي ساعة هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة
قال الله عز و جل خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون

(23/43)


حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير قال حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا ابن أبي فديك قال حدثني بن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن الرسول قال إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مؤمن يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه قال فقدم علينا كعب الأحبار فقال له أبو هريرة ذكر رسول الله ساعة في يوم الجمعة لا يوافقها مؤمن يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه
قال كعب صدق والذي أكرمه إنها الساعة التي خلق الله فيها ءدام والتي تقوم فيها الساعة
وحدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جرير حدثني عمرو بن محمد العثماني حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن الثقة عن صفوان ابن سليم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال قال النبي الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة بعد العصر إلى غروب الشمس
قال وحدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحرث عن الجلاح مولى عمر بن عبد العزيز أن أبا سلمة

(23/44)


حدثه عن جابر عن رسول الله أنه قال في الجمعة اثنتا عشر ساعة منها ساعة لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا إعطاه إياه التمسوها آخر ساعة بعد العصر
قال أبو عمر الصحيح في هذا ما جاء عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأما عن أبي سلمة عن أبي سعيد أو جابر فلا والله وأعلم
حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن الفضل حدثنا محمد بن جبير حدثنا ابن المثنى حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن إبراهيم بن ميسرة قال أخبرني من أرسله عمرو بن أوس إلى أبي هريرة يسأله عن الساعة التي في الجمعة فقال هي بعد العصر وشعبة عن الحكم عن ابن عباس قوله مثله وشعبة عن يونس بن حباب عن عطاء عن أبي هريرة مثله
وحدثنا أحمد حدثنا محمد حدثنا ابن حميد حدثنا هارون عن عبسة عن سالم عن سعيد بن جبير عن عباس قال الساعة التي تذكر يوم الجمعة ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس
وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر يوم الجمعة لم يتكلم إلى غروب الشمس

(23/45)


وذكر موسى بن معاوية عن جرير عن ليث عن مجاهد وطاوس عن أبي هريرة أنه قال الساعة التي في الجمعة بعد العصر حتى تغيب الشمس أو بعد الصبح حتى تطلع الشمس قال فكان طاوس إذا صلى العصر يوم الجمعة لم يكلم أحدا ولم يلتفت مشغولا بالدعاء والذكر حتى تغيب الشمس
وذكر سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال أخبرني إسماعيل بن كثير أن طاوسا أخبره أن الساعة من يوم الجمعة التي تقوم فيها الساعة والتي أنزل فيها آدم والتي لا يدعو فيها المسلم بدعوة صالحة إلا استجاب الله له من حين تصفر الشمس إلى حين تغيب
فهذا ما بلغنا من الأخبار في معنى قول عبد الله بن سلام في ساعة يوم الجمعة وذلك أثبت ما قيل في ذلك إن شاء الله
أما الآثار المخالفة لذلك والأقوال فقد مضى ذكرها في باب أبي الزناد والحمد لله
وأما قوله فقال كعب هي كل سنة مرة فقلت بل في كل جمعة ثم قرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله ففيه دليل على أن العالم قد يخطىء وأنه ربما قال على أكبر ظنه فأخطأ ظنه
وفيه أن سمع الخطأ وجب عليه إنكاره ورده على كل من سمعه منه إذا كان عنده في رده أصل صحيح كأصل أبي هريرة في إنكاره على كعب

(23/46)


وفيه أن على العالم إذا رد عليه قوله طلب التثبت فيه والوقوف على صحته حيث رجاه من مواضعه حتى تصح له أو يصح قول منكره فينصرف إليه
وفيه دليل على أن الواجب على كل من عرف الحق أن يذعن إليه فأما قول أبي هريرة فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري إلى آخر قصته معه فهكذا في الحديث من رواية مالك بصرة بن أبي بصرة لم يختلف عنه في ذلك ولا عن يزيد بن الهادي وإنما جاء ذلك من يزيد لا من مالك فيما أظن والله أعلم
وغير يزيد يقول في هذا الحديث فلقيت أبا بصرة الغفاري وأبو بصرة اسمه حميل بن بصرة وقد سماه زيد بن أسلم في حديثه هذا
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا زكرياء بن يحيى الناقد قال حدثنا سعيد بن سليمان عن محمد بن عبد الرحمن بن مجير قال حدثنا زيد بن أسلم عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه خرج إلى الطور ليصلي فيه ثم أقبل فلقي حميل الغفاري فقال له حميل من أين جئت قال من الطور قال أما إني لو لقيتك لم تأته قال لم قال لأني سمعت رسول الله يقول لا تضرب أكباد الإبل إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد بيت المقدس

(23/47)


وروى القعنبي قال حدثنا الدراوردي عن زيد بن أسلم عن المقبري عن أبي هريرة أنه خرج إلى الطور يصلي فيه ثم أقبل فلقيني حميل ابن بصرة الغفاري ثم ذكر مثله حرفا بحرف إلى آخره
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا إسماعيل بن علي اللخمي ببغداد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا عثمان بن عمر قال حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام قال بدأ الله خلق الأرض فخلق سبع أضين في يومين يوم الأحد ويوم الإثنين وقدر فيها أقواتها في يومين يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ثم استوى إلى السماء فخلقهن في يومين يوم الخميس وقضاهن في آخر يوم الجمعة وهي الساعة التي خلق الله فيها آدم على عجل والساعة التي تقوم فيه الساعة ما خلق الله عز و جل من دابة إلا هي تفزع من يوم الجمعة إلا الإنسان والشيطان
وحدثنا عبد الله حدثنا إسماعيل حدثنا محمد بن عثمان قال حدثنا أبو بلال الأشعري قال حدثنا الفضيل بن سليمان قال أخبرنا محمد بن زيد قال حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن قال اجتمع أبو هريرة وعبد الله بن سلام فذكروا عن النبي الساعات التي في

(23/48)


يوم الجمعة وذكر أنه قالها فقال عبد الله بن سلام أنا أعلم أية ساعة هي بدأ الله عز و جل في خلق السماوات والأرض يوم الأحد وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فهي آخر ساعة من يوم الجمعة وفي قول عبد الله بن سلام كذب كعب ثم قوله صدق كعب دليل على ما كان القوم عليه من إنكار ما يجب إنكاره والإذعان إلى الحق والرجوع إليه إذا بان لهم
ومعنى قوله كذب كعب يريد غلط كعب وقد تضع العرب أحيانا هذه اللفظة بمعنى الغلط وقد فسرنا ذلك بالشاهد عليه في باب ابن شهاب عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمرو
وفي قول عبد الله بن سلام قد علمت أية ساعة هي دليل على أن للعالم أن يقول أنا أعلم كذا وقد علمت كذا وأنا أعلم بكذا إذا لم يكن ذلك على سبيل الفخر والسمعة وفي قول أبي هريرة أخبرني بها ولا تضن علي أي لا تبخل علي دليل على ما كان القوم عليه من الحرص على العلم والبحث عنه وفي مراجعة أبي هريرة لعبد الله بن سلام حين قال هيب آخر ساعة من يوم الجمعة واعتراضه عليه بأنها ساعة لا يصلى فيها ورسول الله قد قال لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه أدل دليل على إثبات المناظرة والمعارضة وطلب الحجة ومواضع الصواب وفي إدخال عبد الله بن سلام عليه قول رسول الله من انتظر صلاة فهو في صلاة وإذعان أبي هريرة إلى ذلك دليل بين على ما كان القوم

(23/49)


عليه من البصر بالاحتجاج والاعتراضات والإدخال والإلزامات في المناظرة وهذا سبيل أهل الفقه أجمع إلا طائفة لا تعد من العلماء أعرقوا في التقليد وأزاحوا أنفسهم من المناظرة والتفهم وسموا المذاكرة مناظرة جهلا منهم بالأصول التي منها ينزع أهل النظر وإليها يفزع أولوا البصر والله المستعان
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام قال قال النبي من انتظر الصلاة فهو في الصلاة حتى يصلي قال أنت سمعته قلت نعم قال فهو كذلك
وأخبرنا أحمد بن عبد الله حدثنا الحسن بن إسماعيل حدثنا عبد الملك بن يحيى حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا سنيد حدثنا الحجاج عن ابن جريج قال قال عطاء عن بعض أهل العلم لا أعلمه إلا ابن عباس أنه قال في الساعة المستجاب فيها يوم الجمعة هي بعد العصر فقيل له لا صلاة بعد العصر قال بلى ولكن ما كان في مصلاه لم يقم منه فهو في الصلاة

(23/50)


حديث ثان ليزيد بن الهادي
996 - مالك عن يزيد بن الهادي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري أنه قال كان رسول الله يعتكف العشر الوسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من صبحتها من اعتكافه قال من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد رأيتني أسجد من صبحتها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر
قال أبو سعيد فأمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد قال أبو سعيد فأبصرت عيناي رسول الله انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين
قال أبو عمر في هذا الحديث وهو من أصح حديث يروى في هذا الباب دليل على أن الاعتكاف في رمضان سنة مسنونة لأن رسول الله كان

(23/51)


يعتكف في رمضان ويواظب على ذلك وما واظب عليه فهو سنة لأمته والدليل على أنه كان يعتكف في كل رمضان قوله كان رسول الله يعتكف العشر الوسط من رمضان فاعتكف عاما ثم ساق القصة وهذا يدل على أنه كان يعتكف كل رمضان والله أعلم
وأجمع علماء المسلمين على أن الاعتكاف ليس بواجب وأن فاعله محمود عليه مأجور فيه وهكذا سبيل السنن كلها ليست بواجبة فرضا ألا ترى إلى إجماعهم على قولهم هذا فرض وهذا سنة أي هذا واجب وهذا مندوب إليه وهذه فريضة وهذه فضيلة
وأما قوله حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من صحبتها من اعتكافه فهكذا رواية يحيى من صبحتها وتابعه على ذلك جماعة منهم ابن بكير والشافعي وأما القعنبي وابن وهب وابن القاسم وجماعة أيضا فقالوا في هذا الحديث عن مالك وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه
لم يقولوا من صبحتها
وقال يحيى بن يحيى وابن بكير والشافعي من صبحتها
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثنا الميمون بن حمزة قال حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا مالك بن أنس عن يزيد عبد الله بن الهادي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن

(23/52)


عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله يعتكف العشر الوسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي كان يخرج من صبحتها من اعتكافه وذكر الحديث إلى آخره حرفا بحرف كرواية يحيى إلا أنه قال في موضع وقد رأيت هذه الليلة وقال أريت هذه الليلة ثم أنسيتها وقال رأيتني أسجد فجعل في موضع وقد قال في الموضعين وقد أريت في موضع رأيت وقال فأمطرت السماء من تلك الليلة فزاد من
وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا يحيى ين أيوب وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطرف بن عبد الرحمن قالا حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن مالك عن يزيد بن الهادي عن محمد بن إبراهيم بم الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري أنه قال كان رسول الله يعتكف العشر الوسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبحتها من اعتكافه وساق الحديث كرواية يحيى حرفا بحرف إلى آخره هكذا قال ابن بكير يخرج من صبحتها وقال يحيى يخرج فيها من صبحتها وقال الشافعي

(23/53)


يخرج من صبحتها وقال القعنبي وابن القاسم وطائفة يخرج فيها ولم يقولوا من صبحها ولا من صحبتها وروى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك قال ولا بأس بالاعتكاف في أول الشهر ووسطه وآخره فمن اعتكف في أوله أو وسطه فليخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه وإن اعتكف في آخر الشهر فلينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد مع المسلمين ويبيت ليلة الفطر في معتكفه ويرجع من المصلى إلى أهله قال وكذلك بلغني عن النبي
وقال ابن القاسم فأن خرج ليلة الفطر فلا قضاء عليه
وقال ابن الماجشون وسحنون يفسد اعتكافه لأنه السنة المجتمع عليها أنه يبيت في معتكفه حتى يصبح
قال أبو عمر لم يقل بقولهما أحد من أهل العلم فيما علمت ولا وجه له في القياس لأن ليلة الفطر ليست بموضع اعتكاف ولا صيام ولا من شهر رمضان ولا يصح فيها عن النبي شيء
وقد روى ابن القاسم عن مالك في المستخرجة في المعتكف يخرج ليلة الفطر من اعتكافه لا إعادة عليه
وقال مالك في الموطأ أنه رأى أهل الفضل إذا اعتكفوا العشر الأواخر من رمضان لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا العيد مع الناس

(23/54)


وقال الشافعي إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل قبل الغروب فإذا أهل هلال شوال فقد أتم العشر وهو قول أبي حنيفة وأصحابه
قال أبو عمر قد أجمعوا في المعتكف العشر الأول أو الوسط من رمضان أنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه وفي إجماعهم على ذلك ما يوهن رواية من روى يخرج من صبحتها أو في صبحتها واختلفوا في العشر الأواخر وما أجمعوا عليه يقضي على ما اختلفوا فيه من ذلك ويدل والله أعلم على تصويب رواية من روى يخرج فيها من اعتكافه يعني بعد الغروب والله أعلم والصحيح في تحصيل مذهب مالك أن مقام المعتكف ليلة الفطر في معتكفه وخروجه منه إلى العيد استحباب وفضل لا إيجاب وليس مع من أوجب ذلك حجة من جهة النظر ولا صحيح الأثر بالله التوفيق
واختلف العلماء أيضا في المعتكف متى يدخل المسجد الذي يريد الاعتكاف فيه فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس
قال مالك وكذلك من أراد أن يعتكف يوما أو أكثر دخل معتكفه قبل

(23/55)


غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم وقال الشافعي إذا قال لله علي اعتكاف يوم دخل قبل طلوع الفجر وخرج بعد غروب الشمس خلاف قوله في الشهر
وقال زفر والليث بن سعد يدخل في الشهر وفي اليوم قبل طلوع الفجر وهو قول أبي يوسف ولم يفرقوا بين الشهر واليوم
قال أبو عمر ذهب هؤلاء إلى أن الليل لا مدخل له في الاعتكاف إلا أن يتقدمه ويتصل به اعتكاف نهار وذهب أولئك إلى أن الليلة تبع لليوم في كل أصل فوجب اعتبار ذلك
وروى يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة أن النبي كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل المكان الذي يعتكف فيه
قال أبو عمر قد ذكرنا معاني الاعتكاف وأصول مسائله وأمهات أحكامه في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب وأجمع العلماء على أن رمضان كله موضع للاعتكاف وأن الدهر كله موضع للاعتكاف إلا الأيام التي لا يجوز صيامها وقد ذكرنا ما لهم من التنازع في الاعتكاف بغير صوم في باب ابن شهاب عن عروة وذكرنا اختلافهم في صيام أيام التشريق في غير موضع من هذا الكتاب والحمد لله

(23/56)


وأما قوله في ليلة القدر إني رأيتها ثم أنسيتها ورأيتني أسجد من صبحتها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر
فعلى هذا أكثر العلماء أنها عندهم في الوتر من العشر الأواخر وقد ذكرنا ما في ليلة القدر من المذاهب والآثار والاعتبار والاختيار في باب حميد الطويل من كتابنا هذا فلا معنى لتكرير ذلك ههنا
وقد روي من حديث جابر بن سمرة أن رسول الله قال التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان فإني قد رأيتها ونسيتها وهي ليلة مطر وريح وهذا نحو معنى حديث أبي سعيد الخدري في هذا الباب
أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا أحمد بن منظور قال حدثنا عبد الرحمن بن شريك عن أبيه عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان فإني قد رأيتها فنسيتها وهي ليلة مطر وريح أو قال قطر وريح
قال البزار ولا نعلم أحدا روى هذا اللفظ بهذا الحديث إلا عبد الرحمن بن شريك
وحدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا عبد الرحمن بن شريك عن أبيه عن سماك عن جابر بن سمرة عن النبي في ليلة القدر أنها ليلة ريح ومطر

(23/57)


قال أبو عمر هذا معناه في ذلك العلم وذلك الوقت والله أعلم وأما قوله وكان المسجد على عريش فإنه أراد أن سقفه كان معرشا بالجريد من غير طين فوكف المسجد يعني هطل فصار من ذلك في المسجد ماء وطين فانصرف رسول الله وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من سجوده على ذلك قال الشاعر في معنى وكف كأن أسطارها في بطن مهرقها نور يضاحك دمع الواكف الهطل وقد اختلف قول مالك في الصلاة في الطين فمرة قال لا يجزيه إلا أن ينزل بالأرض ويسجد عليها على قدر ما يمكنه ومرة قال يجزيه أن يوميء إيماء ويجعل سجوده أخفض من ركوعه إذا كان الماء قد أحاط به
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن عمر ابن يحيى قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد أنه أومأ في ماء وطين
قال عمرو وما رأيت أعلم من جابر بن زيد قال عمرو وأخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول لو نزل أهل البصرة عند قول جابر ابن زيد لأوسعهم علما عما في كتاب الله وبه عن سفيان عن أبي بكر الهذلي قال ذكرت لقتادة الحسن ونفرا من نحوه فقال ما ذكرت أحدا إلا والحسن أفقه منه إلا جابر بن زيد

(23/58)


أخبرنا أبو عثمان سعيد بن نصر وسعيد بن عثمان قالا حدثنا أبو عمر أحمد بن دحيم بن خليل قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا عمرو بن الرماح قاضي بلخ قال أخبرني كثير بن زياد أبو سهل عن عمرو بن عثمان بن يعلى عن أبيه عن جده قال كان النبي في سفر فأصابتنا السماء فكانت البلة من تحتنا والسماء من فوقنا وكان في مضيق فحضرت الصلاة فأمر رسول الله بلالا فأذن وأقام ثم تقدم رسول الله فصلى على راحلته والقوم على رواحلهم يوميء إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوارق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أحمد بن محمد بن هاني الأثرم قال حدثنا شريح بن النعمان قال حدثنا ابن الرماح عن أبي سهل كثير بن زياد البصري عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن أمية عن أبيه عن جده أن رسول الله انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم البلة من أسفل منهم وحضرت الصلاة فأمر رسول الله المؤذن فأذن أو أقام فتقدمهم رسول الله فصلى بهم على راحلته وهم على رواحلهم يوميء إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع أو قال يجعل سجوده أخفض من ركوعه

(23/59)


قال وحدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا أبان قال حدثنا أنس ابن سيرين قال أقبلت مع أنس بن مالك من الشام حتى أتينا سواء ببط وحضرت الصلاة والأرض كلها غدير فصلى على حمار يوميء إيماء
قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن جابر بن زيد في الذي تحضره الصلاة وهو في ماء وطين قال يوميء إيماء
قال وحدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا ابن لهيعة عن عمار بن غزية في الرجل تدركه الصلاة وهو في ماء وطين قال يصلي قائما متوجها إلى القبلة يوميء برأسه
قال وحدثنا منجاب بن الحارث قال أخبرنا شريك عن ليث عن طاوس قال إذا كان ردع أو مطر فصل على الدابة
قال وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن الصلاة المكتوبة على الراحلة فقال لا يصلى على الراحلة في الأمن إلا في موضعين إما في طين وإما في تطوع قال وصلاة الخوف
وذكر أبو عبد الله حديث يعلى بن أمية الذي ذكرناه في هذا الباب
وسئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل مرة أخرى عن الصلاة على الراحلة فقال أما في الطين فنعم يعني المكتوبة
قال أبو عمر من أتى من الصلاة على الراحلة أو على قدميه بالإيماء من أجل الطين والماء احتج بحديث هذا الباب عن أبي سعيد الخدري قوله

(23/60)


فأبصرت عيناي رسول الله انصرف وعلى جبهته وأنفه ويروي على جبينه وأنفه أثر الماء والطين قالوا فلو حاز الإيماء في ذلك ما كان رسول الله ليضع أنفه وجبهته في الطين وهذا حديث صحيح وحديث يعلى بن أمية ليس إسناده بشيء
قال أبو عمر أما إذا كان الطين والماء مما يمكن السجود عليه وليس فيه كبير تلويث وفساد للثياب وجاز تمكين الجبهة والأنف من الأرض فهذا موضع لا تجوز فيه الصلاة على الراحلة ولا على الأقدام بالإيماء لأن الله عز و جل قد افترض الركوع والسجود على كل من قدر على ذلك كيفما قدر وأما إذا كان الطين والوحل والماء الكثير قد أحاط بالمسجون أو المسافر الذي لا يرجو الانفكاك منه ولا الخروج منه قبل خروج الوقت وكان ماء معينا غرقا وطينا قبيحا وحلا فجائز لمن كان في هذه الحال أن يصلي بالإيماء على ما جاء في ذلك عن العلماء من الصحابة والتابعين فالله أعلم بالعذر وليس بالله حاجة إلى تلويث وجهه وثيابه وليس في ذلك طاعة إنما الطاعة الخشية والعمل بما في الطاقة
وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على أن السجود على الأنف والجبهة جميعا وأجمع العلماء على أنه إن سجد على جبهته وأنفه فقد أدى فرض الله في سجوده واختلفوا فيمن سجد على أنفه دون جبهته أو

(23/61)


جبهته دون أنفه فقال مالك يسجد على جبهته وأنفه فإن سجد على أنفه دون جبهته لم يجزه وإن سجد على جبهته دون أنفه كره ذلك وأجزأ عنه
وقال الشافعي لا يجزيه حتى يسجد على أنفه وجبهته وهو قول الحسن بن حي
وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم الأحوال عن عكرمة أن رسول الله قال من لم يضع أنفه بالأرض فلا صلاة له
وقال أبو حنيفة إذا سجد على جبهته أو ذقنه أو أنفه أجزأه وحجته حديث ابن عباس عن النبي أمرت أن أسجد على سبعة أرادب ذكر منها الوجه قال فأي شيء وضع من الوجه أجزأه وهذا ليس بشيء لأن هذا الحديث قد ذكر فيه جماعة الأنف والجبهة
وأما قوله وذلك صبيحة ليلة إحدى وعشرين فذلك يدل على أن تلك الليلة كانت ليلة القدر لا محالة والله أعلم لأن رسول الله قال إني رأيتها ثم أنسيتها ورأيتني أسجد من صبحتها في ماء وطين فكان كما رأى في نوم ومعلوم أن ليلة القدر جائز أن تكون ليلة إحدى وعشرين وفي كل وتر من العشر الأواخر أيضا وقد قيل في غير الوتر وفي غير العشر الأواخر أيضا إذا كان في شهر

(23/62)


رمضان وقد قدمنا ذكر ذلك كله في باب حميد الطويل من هذا الكتاب
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ليلة القدر في كل رمضان ليلة إحدى وعشرين وذهب آخرون إلى أنها ليلة ثلاث وعشرين في كل رمضان وذهب آخرون إلى أنها ليلة سبع وعشرين في كل رمضان وذهب آخرون إلى أنها تنتقل في كل وتر من العشر الأواخر وهذا عندنا هو الصحيح إن شاء الله
وقد ذكرنا القائلين بهذه الأقاويل وما روي في ذلك كله من الأثر في باب حميد الطويل والحمد لله وذكرنا في باب أبي النضر من هذا الكتاب ما قيل في ليلة ثلاثة وعشرين ومن قطع بأنها ليلة ثلاث وعشرين أبدا وهي عندنا تنتقل وبهذا يصح استعمال الآثار المرفوعة وغيرها وبالله التوفيق
ذكر عبد الرزاق عن الأسلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا كان يتحرى ليلة القدر تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين
وعن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال قال عبد الله بن مسعود تحروا ليلة القدر سبع عشرة صباحة بدر أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين

(23/63)


وعن الأسلمي عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال ليلة القدر في كل رمضان تأتي
ومن حديث أبي ذر أن رسول الله قال هي في كل رمضان
وعن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في كل وتر
قال أبو عمر هذا أصح لأن ابن عمر روى عن رسول الله أنه قال التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر وهي التسع الأواخر وفي التسع الأواخر في كل وتر
وقد روي ذلك من حديث عمر عن النبي حدثنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير حدثنا عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس عن عمر أن النبي ذكر ليلة القدر فقال التمسوها في العشر الأواخر في وتر منها

(23/64)


وروي مثل ذلك من حديث أبي سعيد الخدري وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم
وقد روى الدراوردي حديث أبي سعيد عن يزيد بن الهادي بإسناده وساقه سياقة حسنة وذكر فيه أن رسول الله كان ينصرف إذا اعتكف العشر الأوسط ليلة إحدى وعشرين وهذا يدل على أن ذلك كان ليلا وهذا يرد رواية من روى عن مالك في هذا الحديث وهي الليلة التي كان يخرج من صبحتها من اعتكافه ويصحح رواية من روى هي الليلة التي كان يخرج فيها من اعتكافه
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قراءة مني عليه أن الميمون بن حمزة الحسني حدثهم قال حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر فإذا كان يمسي من عشرين ليلة تمضي وتستقبل إحدى وعشرين يرجع إلى مسكنه ويرجع من كان يجاور معه ثم أقام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس وأمرهم بما شاء الله عز و جل فقال إني كنت أجاوز هذه العشر ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه وقد رأيت هذه

(23/65)


الليلة ثم أنسيتها فابتغوها في العشر الأواخر وابتغوها في كل وتر وقد رأيتني صبيحتها أسجد في طين وماء
قال أبو سعيد فاشتملت السماء في تلك الليلة فأمطرت فوكف المسجد في مصلى رسول الله ليلة إحدى وعشرين بصر عيني نظرت إليه انصرف من صلاة الصبح وجبينه ممتلىء طينا وماء

(23/66)


حديث ثالث ليزيد بن الهادي
7007007 007 - مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهادي عن أبي مرة مولى أم هانىء عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه دخل على أبيه عمرو بن العاصي فوجده يأكل قال فدعاني قال فقلت له إني صائم فقال هذه الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن صيامهن وأمرنا بفطرهن
قال مالك وهي أيام التشريق
هكذا يقول يحيى في هذا الحديث عن أبي مرة مولى أم هانىء عن عبد الله بن عمرو وأنه أخبره أنه دخل على أبيه عمرو بن العاصي فجعل الحديث عن أبي مرة عن عبد الله بن عمرو عن أبيه لم يذكر سماع أبي مرة من عمرو بن العاصي وقال يحيى أيضا مولى أم هانىء امرأة عقيل وهو خطأ فاحش أدركه عليه ابن وضاح وأمر بطرحه قال وللصواب أنها أخته لا امرأته وقال سائر الرواة عن مالك منهم القعنبي وابن القاسم وابن وهب وابن بكير وأبو مصعب ومعن والشافعي وروح بن عبادة ومحمد بن الحسن وغيرهم في هذا الحديث عن يزيد بن الهادي عن أبي مرة مولى أم هانىء أنه دخل مع عبد الله بن عمرو بن العاصي وروى ابن وهب وغيره عن مخرمة بن بكير بن الأشبح عن أبيه قال سمعت أبا مرة

(23/67)


يحدث عن أبي رافع مولى ابن العجماء عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال دخلت على عمرو بن العاصي الغد من يوم النحر وعبد الله صائم فقال اقترب فكل فقلت إني صائم فقال عمرو فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ينهى عن صيام هذه الأيام ذكره أبو الحسن الدارقطني حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا أحمد بن عبد الله محمد بن وهب حدثنا عمي عبد الله بن وهب فذكره
ورواية مخرمة بن بكير هذه تشهد لرواية يحيى بن يحيى عن مالك بأن أبا مرة لم يسمع الحديث من عمرو بن العاصي والله أعلم
وقال ابن أخي ابن وهب والربيع بن سليمان المرادي عن ابن وهب أخبرني ابن لهيمة عن مالك عن ابن الهادي عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب أنه قال دخلت مع عبد الله بن عمرو على أبيه
هكذا يقول يزيد في هذا الحديث عن أبي مرة مولى أم هانىء وأكثرهم يقولون مولى عقيل بن أبي طالب واسمه يزيد بن مرة
وقال القعنبي في هذا الحديث عن مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهادي عن أبي مرة مولى أم هانىء أنه دخل مع عبد الله بن عمرو بن العاصي على أبيه عمرو بن العاصي وكذلك قال روح بن عبادة عن مالك وكذلك قال الليث عن يزيد بن الهادي عن أبي مرة مولى عقيل أنه دخل هو وعبد الله بن عمرو بن العاصي على عمرو بن العاصي وذكر مثل حديث مالك

(23/68)


حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد ابن الجهم السمري حدثنا روح بن عبادة عن مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهادي عن أبي مرة مولى أم هانىء أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاصي يقرب إليه طعاما قال كل قال إني صائم فقال عمرو كل فهذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمرنا بفطرها وينهانا عن صيامها قال مالك وهي أيام التشريق
وقد روي هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه و سلم وإنما هو عن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم وأحسن أسانيد حديث عمرو بن العاصي هذا إسناد مالك هذا عن يزيد بن الهادي عن أبي مرة عن عبد الله بن عمرو عن أبيه
وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه نهى عن صيام أيام التشريق جماعة من الصحابة منهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن حذافة وبشر ابن سحيم وعمرو بن العاصي وعقبة بن عامر
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا موسى بن علي وحدثنا عبد الله ابن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن موسى بن علي والأخبار في حديث بن

(23/69)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية