صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ التمهيد - ابن عبد البر ]
الكتاب : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
المؤلف : أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري
الناشر : وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب ، 1387
تحقيق : مصطفى بن أحمد العلوي ,‏محمد عبد الكبير البكري
عدد الأجزاء : 22

ونصفه وثلثه وقام المسلمون معه نحوا من حول حتى شق عليهم ذلك فأنزل الله عز و جل التوبة عليهم والتخفيف في ذلك ونسخه ( وحطه ) ( بقوله علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ما تيسر من القرآن فنسخ آخر السورة أولها ) فضلا منه ورحمة فلم تبق في الصلاة فريضة إلا لخمس ألا تروا إلى حديث طلحة بن عبيدالله في الأعرابي النجدي إذ سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عما عليه من الصلاة فقال له الصلوات الخمس فقال هل علي غيرها قال لا وذكر وكيع عن مسعر عن سماك الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول لما أنزلت يا أيها المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزلت آخرها وكان بين آخرها وأولها حول

(8/36)


وعن عائشة مثله بمعناه وقالت فجعل قيام الليل تطوعا بعد فريضة وعن الحسن مثله قال أنزلت الرخصة بعد حول - قال أبو عمر روى مالك بن مغول عن الزبير بن عدي عن طلحة بن مصرف عن مرة عن عبدالله بن مسعود قال لما أسرى برسول الله صلى الله عليه و سلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة وإليها ينتهي ما يعرج به من الأرواح فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها قال وأعطي رسول الله صلى الله عليه و سلم عندها ثلاثا الصلوات الخمس وخواتم سورة البقرة وغفر لمن مات من أمته لا يشرك به شيئا وأما حديث الإسراء فحدثنا عبدالله بن محمد بن أسد قال حدثنا سعيد بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري وحدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا

(8/37)


قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير وحدثنا أحمد بن عبدالله بن محمد أن أباه أخبره قال أخبرنا عبدالله بن يونس قال أخبرنا بقي بن مخلد قالوا جميعا حدثنا هدبة بن خالد قال حدثنا هشام قال حدثنا قتادة عن أنس بن مالك ( عن مالك ( 1 ) ) بن صعصعة قال البخاري وقال لي خليفة حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد وهشام قالا حدثنا قتادة قال حدثنا أنس بن مالك ( عن مالك ) بن صعصعة وقال بقي حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك ( عن مالك ( 3 ) ) بن صعصعة والألفاظ متقاربة والمعنى واحد أن نبي الله صلى الله عليه و سلم حدثهم عن ليلة أسري به قال بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر عند البيت مضطجعا بين النائم واليقظان إذ أتى آت فسمعت قائلا يقول أحد الثلاثة ( بين الرجلين ) فأخذني فشق من نحري إلى مراق بطني واستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملؤة حكمة وإيمانا فغسل قلبي وأتيت بدابة أبيض دون البغل وفوق الحمار وهو البراق فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتيت سماء الدنيا فاستفتح وساقوا الحديث بتمامه إلى قوله ثم فرضت علي الصلاة خمسون صلاة كل يوم فأقبلت فمررت على موسى فقال بم أمرت قلت أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني قد

(8/38)


أخبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشرا فجعلها أربعين ثم مثله ثم ثلاثين ثم مثله فجعلها عشرين ثم مثله فجعلها عشرا فأتيت موسى فقال مثله فجعلها خمسا فأتيت موسى فقال ما صنعت قلت ( جعلها ) خمسا فقال مثله فقلت سلمت وساق بقي بن مخلد الألفاظ بتمامها وترداد المسألة في ذلك ولم يقل ثم مثله ( ثم ( 4 ) مثله ) ثم قال هاهنا قد سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضى وأسلم فلما جاوزت نادى مناد وقال البخاري فنودي ثم اتفقا أن قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ورواه الليث عن يونس عن ابن شهاب عن أنس عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله وقتادة أحسن سياقة لهذا الحديث ورواه أبو ضمرة أنس بن عياض عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أنس عن أبي وليس بشيء وإنما هو عن أبي والله أعلم

(8/39)


- قال أبو عمر احتج من زعم أن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه و سلم في اليوم الذي يلي ليلة الإسراء مرة واحدة الصلوات كلها لا ( مرتين ) على ظاهر حديث مالك في ذلك ( بما ) حدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا هدبة بن خالد عن همام عن قتادة قال فحدثنا الحسن أنه ذكر له أنه لما كان عند صلاة الظهر نودي أن الصلاة جامعة ففزع الناس فاجتمعوا إلى نبيهم صلى الله عليه و سلم فصلى بهم الظهر أربع ركعات يؤم جبريل محمدا ويؤم محمد الناس يقتدي الناس بمحمد لا يسمعهم فيهن قراءة ثم سلم جبريل على محمد وسلم محمد على الناس فلما سقطت الشمس نودي ( أن ) الصلاة جامعة ففزع الناس واجتمعوا إلى نبيهم فصلى بهم العصر أربع ركعات لا يسمعهم فيهن قراءة وهي أخف يؤم جبريل محمدا ويؤم محمد الناس يقتدي محمد بجبريل ويقتدي الناس بمحمد ثم سلم جبريل على محمد وسلم محمد على الناس فلما غابت الشمس نودي الصلاة جامعة ففزع الناس واجتمعوا إلى نبيهم فصلى بهم ثلاث ركعات أسمعهم القراءة في ركعتين وسبح في الثالثة يعني به قام ( ولم ) يظهر القراءة يؤم جبريل محمدا ويؤم محمد الناس ويقتدي محمد بجبريل ويقتدي الناس

(8/40)


بمحمد صلى الله عليه و سلم ثم سلم جبريل على محمد وسلم محمد على الناس فلما بدت النجوم نودي أن الصلاة جامعة ففزع الناس واجتمعوا إلى نبيهم فصلى أربع ركعات أسمعهم القراءة في ركعتين وسبح في الاخريين يؤم جبريل محمدا ويؤم محمد الناس يقتدي محمد بجبريل ويقتدي الناس بمحمد ثم سلم جبريل على محمد وسلم محمد على الناس ثم رقدوا ولا يدرون أيزادون أم لا حتى إذا طلع الفجر نودي أن الصلاة جامعة ففزع الناس واجتمعوا إلى نبيهم فصلى بهم ركعتين أسمعهم فيها القراءة يؤم جبريل محمدا ويؤم محمد الناس ( يقتدي محمد بجبريل ويقتدي الناس بمحمد ( 5 ) ) ثم سلم جبريل على محمد وسلم محمد على الناس صلى الله على جبريل ومحمد وسلم ( تسليما ) كثيرا ففي هذا الخبر أن جبريل لم يصل الصلوات الخمس بالنبي صلى الله عليه و سلم إلا مرة واحدة وهو وإن كان مرسلا فإنه حديث حسن مهذب واحتجوا أيضا بما حدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير

(8/41)


وعبيد بن عبدالواحد قالا حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق عن عتبة بن مسلم مولى تيم عن نافع بن جبير قال وكان نافع كثير الرواية عن ابن عباس قال لما فرضت الصلاة وأصبح النبي صلى الله عليه و سلم وذكره عبدالرزاق عن ابن جريج قال لما أصبح النبي صلى الله عليه و سلم من الليلة التي أسرى به فيها لم يرعه إلا جبريل ( ينزل ) صلى الله عليه و سلم حين زاغت الشمس ولذلك سميت الأولى فأمر فصيح بأصحابه الصلاة جامعة فاجتمعوا فصلى جبريل صلى الله عليه و سلم بالنبي صلى الله عليه و سلم وصلى النبي صلى الله عليه و سلم بالناس طول الركعتين الأوليين ثم قصر الباقيتين سلم جبريل على النبي صلى الله عليه و سلم وسلم النبي على الناس ثم نزل في العصر على مثل ذلك ففعلوا كما فعلوا في الظهر ثم نزل في أول الليل فصيح الصلاة جامعة فصلى جبريل بالنبي عليه السلام وصلى النبي عليه السلام بالناس

(8/42)


طول في الأوليين وقصر في الثالثة ثم سلم ( جبريل ) على النبي صلى الله عليه و سلم وسلم النبي صلى الله عليه و سلم على الناس ثم لما ذهب ثلث الليل نزل فصيح الصلاة جامعة فاجتمعوا فصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه و سلم وصلى النبى صلى الله عليه و سلم بالناس فقرأ في الأوليين فطول وجهر وقصر في الثانيتين ثم سلم جبريل على النبي عليهما السلام وسلم النبي عليه السلام على الناس فلما طلع الفجر صيح الصلاة جامعة فصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه و سلم وصلى النبى صلى الله عليه و سلم بالناس فقرأ فيهما فجهر وطول ورفع صوته وسلم جبريل على النبي عليهما السلام وسلم النبي صلى الله عليه و سلم ( على الناس ( 6 ) ) - قال أبو عمر قولة الصلاة جامعة لأنه لم يكن يومئذ أذان وإنما كان الأذان بالمدينة بعد الهجرة بعام أو نحوه حين أريه عبدالله بن زيد في النوم فقال من ذكرنا قوله حديث نافع بن جبير هذا مثل حديث الحسن في أن جبريل لم يصل في وقت فرض الصلاة بالنبي صلى الله

(8/43)


عليه وسلم الصلوات الخمس إلا مرة واحدة وهو ظاهر حديث مالك والجواب عن ذلك ما تقدم ذكرنا له من الآثار الصحاح المتصلة في أمامة جبريل لوقتين وقوله ما بين هذين وقت وفيها زيادة يجب قبولها والعمل بها لنقل العدول لها وليس تقصير من قصر عن حفظ ذلك وإتقانه والإتيان به بحجة وإنما الحجة في شهادة من شهد لا في قول من قصر ( عن حفظ ذلك ( 3 ) ) وأجمل واختصر على أن هذه الآثار منقطعة وإنما ذكرناها لما وصفنا ولأن فيها ( أن ) الصلاة فرضت في الحضر أربعا لا ركعتين على خلاف ما زعمت عائشة وقال بذلك جماعة وردوا حديث عائشة وإن كان إسناده صحيحا بضروب من الاعتلال سنذكر ذلك كله أو بعضه في باب صالح بن كيسان من كتابنا هذا إن شاء الله فعنه روى مالك حديث عائشة أن الصلاة فرضت ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر ومن حجة من ذهب إلى أن الصلاة فرضت أربعا في الحضر وفي السفر ركعتين ولم يزد في شيء من ذلك ولا نقص ما حدثنا محمد بن إبرهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا عمرو بن علي قال أخبرنا يحيى وعبدالرحمن

(8/44)


قالا حدثنا أبو عوانة عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال فرضت الصلاة على ( لسان ) النبي صلى الله عليه و سلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة - قال أبو عمر يعني مع الإمام ثم يتمون بركعة أخرى والله أعلم وقد قيل أن ركعة تجزىء في الخوف وليس هذا موضع ذكر اختلافهم في صلاة الخوف وقالت طائفة فرضت الصلاة على حسب ما ( قد ) استقر عليه في إجماع المسلمين وقصر الصلاة في السفر كان بعد ذلك رخصة من الله عز و جل ( وصدقة ) وتوسعة ورحمة قالوا ولم يقصر رسول الله صلى الله عليه و سلم آمنا بعد نزول آية القصر في صلاة الخوف وكان نزولها بالمدينة وفرضت الصلاة بمكة واحتجوا بآثار سنذكرها في باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد

(8/45)


ابن أسيد إن شاء الله تعالى لأنه موضعها ومن حجتهم أيضا ما حدثناه أحمد بن فتح وعبدالرحمن بن يحيى قالا حدثنا عبدالعزيز بن محمد بن أبي رافع البغدادي بمصر قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق ( القاضي ) قال حدثنا مسلم بن إبرهيم قال حدثنا وهيب بن خالد قال حدثنا عبدالله بن سوادة القشيري عن أبيه عن أنس بن مالك رجل منهم أتى المدينة وأتى النبي صلى الله عليه و سلم وهو يتغدى فقال هلم إلى الغداء فقال يا نبي الله إني صائم فقال له النبي صلى الله عليه و سلم إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة قالوا ووضع لا يكون إلا من فرض متقدم والله أعلم

(8/46)


وروى هذا الحديث أيوب وأبو قلابة وأبو هلال الراسبي وجماعة من علماء البصرة مثله ولكنه حديث فيه من رواية أبي قلابة ( وأبي هلال ( 2 ) ) اضطراب كثير وأما قول الشعبي وميمون بن مهران وابن إسحاق الصلاة فرضت ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر فذكر ابن أبي شيبة قال حدثنا عبيدة بن حميد عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال أول ما ( فرضت الصلاة ( 4 ) ) فرضت ركعتين ركعتين فلما أتى النبي صلى الله عليه و سلم المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب - قال أبو عمر قول الشعبي هذا أصله من حديث عائشة وقد يمكن أن يأخذه عن الأسود ( أو ) مسروق عن عائشة فأكثر ما عنده عن عائشة هو عنهما وروى يونس بن بكير عن سالم مولى أبي المهاجر قال سمعت ميمون بن مهران يقول كان أول الصلاة مثنى ثم صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أربعا فصارت سنة وأقرت الركعتان للمسافر وهي تمام وهذا إسناد لا يحتج بمثله

(8/47)


وقوله فصارت سنة قول منكر وكذلك استثناء الشعبي المغرب وحدها ولم يذكر الصبح قول لا معنى له ومن قال بهذا من أهل السير قال إن الصلاة أتمت بالمدينة بعد الهجرة بشهر وأربعة أيام وقد أجمع المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر أربع إلا المغرب والصبح ولا يعرفون غير ذلك عملا ونقلا مستفيضا ولا يضرهم الاختلاف فيما كان أصل فرضها وإنما فائدة قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إن صح قولها إيجاب فرض القصر في السفر وسنبين اختلاف العلماء في ذلك ووجه الصواب فيه إن شاء الله في باب صالح بن كيسان من كتابنا هذا بحول الله وأجمعوا أن فرض الصلاة إنما كان في حين الإسراء واختلفوا في تاريخ الإسراء فقال أبو بكر محمد بن علي ( بن القاسم ) الذهبي في تاريخه ثم أسرى بالنبي صلى الله عليه و سلم من مكة إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا - قال أبو عمر لا أعلم أحدا من أهل السير قال ما حكاه الذهبي ولم يسند قوله إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم منهم ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم

(8/48)


وقال أبو إسحاق الحربي فلما كانت ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة أسرى برسول الله صلى الله عليه و سلم وفرض عليه خمسون صلاة ثم نقصت إلى خمس صلوات فأتاه جبريل فأمه عند البيت فصلى الظهر أربعا والعصر أربعا والمغرب ثلاثا والعشاء أربعا والفجر ركعتين كل ذلك نحو بيت المقدس فلما كان الموسم من هذه السنة لقيه الأنصار فبايعوه ثم انصرفوا وذكر ( قصة ) البراء بن معرور وصلاته إلى الكعبة وحده دون النبي صلى الله عليه و سلم ودون الناس وقصته مشهورة عند جميع أهل العلم بالسير والأثر وهكذا قال ( إن صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه و سلم كانت بمكة إلى بيت المقدس وهذا موضع قد خالفه ( 4 ) فيه من هو أكبر منه وروى ابن وهب عن موسى عن ابن شهاب أن عبدالرحمن بن كعب بن مالك أخبره أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما قدم المدينة مهاجرا صلى نحو بيت المقدس اثني عشر شهرا وقد ذكر ابن شهاب أن في صلاته بمكة اختلافا قيل كانت صلاته إلى الكعبة وقيل إلى بيت المقدس

(8/49)


وروى همام عن قتادة قال كانوا يصلون إلى بيت المقدس ورسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة قبل الهجرة وبعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وهكذا قال ) في الاسراء أنه كان قبل الهجرة بسنة وهو قول موسى بن عقبة واختلف في ذلك عن ابن شهاب فحدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا إبرهيم بن المنذر قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال ثم أسرى برسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة وفرض الله عليه الصلاة قال ( ابن شهاب ( 2 ) ) وزعم ناس والله أعلم أنه كان يسجد نحو بيت المقدس ( ويجعل ) وراء ظهره الكعبة وهو بمكة ويزعم ناس أنه لم يزل مستقبل الكعبة حتى خرج منها فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس قال فقد اختلف في ذلك والله أعلم - قال أبو عمر الاختلاف كما قال ابن شهاب في صلاته بمكة هل كانت إلى الكعبة أو إلى بيت المقدس وسنذكر ذلك بعد إن شاء الله - قال أبو عمر هكذا قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب أن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة

(8/50)


- قال أبو عمر وذلك بعد مبعثه بسبع سنين أو باثنتي عشرة سنة على حسب اختلافهم في مقامه بمكة بعد مبعثه على ما قدمنا ذكره في باب ربيعة وروى يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة قال ابن شهاب وذلك بعد مبعث النبي صلى الله عليه و سلم بسبعة أعوام وخالفه الوقاصي عن ابن شهاب فقال أسري به بعد مبعثه بخمس سنين قرأت على عبدالله بن محمد بن يوسف أن ( محمد بن أحمد بن يحيى حدثهم قال حدثنا أحمد بن ) محمد بن زياد قال حدثنا أحمد بن عبدالجبار العطاردي قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا عثمان بن عبدالرحمن عن الزهري قال فرضت الصلاة بمكة بعد ما أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه و سلم

(8/51)


بخمس سنين وفرض الصيام بالمدينة قبل بدر وفرضت الزكاة والحج بالمدينة وحرمت الخمر بعد أحد وقال ابن إسحاق أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس وقد فشا الإسلام بمكة وفي القبائل كلها قال يونس بن بكير وغيره عن ابن إسحاق ثم إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه و سلم حين افترضت عليه الصلاة يعني في الإسراء فهمز له بعقبه في الوادي فانفجرت عين ماء مزن فتوضأ جبريل ومحمد ينظر فوضأ وجهه واستنشق ومضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه ثم قام يصلي ركعتين وأربع سجدات فرجع رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله تعالى فأخذ بيد خديجة ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة ثم كان هو وخديجة يصليان سواء - قال أبو عمر هذا يدلك على أن الإسراء كان قبل الهجرة ( بأعوام ) لأن خديجة توفيت قبل الهجرة بخمس سنين وقد قيل بثلاثة أعوام وقيل بأربع سنين وقد ذكرنا القائلين بذلك في باب خديجة من كتاب الصحابة

(8/52)


وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب في الإسراء على أن ابن شهاب قد اختلف عنه في ذلك على ما ذكرنا من رواية ابن عقبة ورواية يونس ورواية الوقاصي وهي روايات مختلفات على ما نرى وحدثنا عبدالوارث حدثنا قاسم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت فتزوجني رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد متوفى خديجة وبعد تحويله إلى المدينة بسنتين أو ثلاث وأما صلاته إلى الكعبة فإن ابن جريج ذكر في تفسيره رواه عنه حجاج وغيره وذكره سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال صلى النبي صلى الله عليه و سلم أول ما صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس فصلت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه عليه السلام بثلاث حجج وصلى النبي صلى الله عليه و سلم بعد قدومه ستة عشر شهرا ثم وجهه الله إلى الكعبة البيت الحرام هكذا قال ابن جريج أن أول صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت إلى الكعبة وهذا أمر قد اختلف فيه وأحسن شيء روي في ذلك ما حدثناه خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الطيب وجيه بن الحسن بن يوسف قال حدثنا بكار بن قتيبة أبو

(8/53)


بكرة القاضي سنة سبعين ومائتين قال حدثنا يحيى بن حماد قال حدثنا أبو عوانة عن سليمان بن مجاهد عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي نحو بيت المقدس وهو بمكة والكعبة بين يديه وبعد ما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا ثم صرف إلى الكعبة وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال كان أول ما نسخ من القرآن القبلة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه و سلم بضعة عشر شهرا ثم انصرف إلى الكعبة وقد ذكرنا الخبر بهذا عن ابن عباس من وجوه في باب عبدالله بن دينار والحمد لله

(8/54)


ففي قول ابن عباس هذا من الفقه أن الصلاة لم ينسخ منها شيء قبل القبلة وفيه أنه كان يصلي بمكة إلى الكعبة وهو ظاهره أنه لم يصل إلى بيت المقدس إلا بالمدينة وقد يحتمل غيره وسنذكر الآثار في صلاته إلى بيت المقدس ( وتحويله بعد إلى الكعبة في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله وقال أبو إسحاق الحربي ثم قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة في ربيع الأول فصلى إلى بيت المقدس تمام سنة ) إحدى ( عشرة ) وصلى من سنة ثنتين ستة أشهر ثم حولت القبلة في رجب وقال موسى بن عقبة وإبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت في جمادى وقال الواقدي إنما صرفت صلاة الظهر يوم الثلاثاء في النصف من شعبان وأما قول ابن إسحاق أنه صلى حينئذ ركعتين وأربع سجدات فأظنه اخذه والله أعلم من قول عائشة وأما قوله أن رسول الله توضأ

(8/55)


حينئذ وأن جبريل نزل عليه يومئذ بالوضوء فإنما أخذه والله أعلم من حديث زيد بن حارثة حدثنا أحمد بن قاسم بن عبدالرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا الحسن بن موسى قال حدثنا عبدالله ( ابن ) لهيعة قال حدثنا عقيل بن خالد عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة أن النبي صلى الله عليه و سلم في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل عليه السلام فعلمه الوضوء ( فلما فرغ من الوضوء ( 2 ) ) أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه وأما قوله في الحديث أن عمر بن عبدالعزيز أخر الصلاة يوما فمعناه ( والله أعلم ) أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب المرغوب فيه ولم يؤخرها حتى غربت الشمس وقوله أخر الصلاة يوما الأغلب فيه والله أعلم وأنه لم يكن ذلك كثيرا منه ولو كان ذلك كثيرا ما قيل يوما وإن كانت ملوك بني أمية على تأخير الصلاة كان ذلك شأنهم قديما من زمن عثمان وقد كان الوليد بن عقبة يؤخرها في زمن عثمان وكان ابن مسعود ينكر ذلك عليه ومن أجله حدث ابن مسعود بالحديث في ذلك وكانت وفاة ابن مسعود في خلافة عثمان

(8/56)


أخبرنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي قال حدثنا أبو طالب الهروي قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال حدثنا عاصم ( قال زر ) قال عبدالله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلكم تدركون أقواما يؤخرون الصلاة فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم الوقت الذي تعرفون وصلوا معهم واجعلوها سبحة وبهذا الإسناد عن أبي بكر بن عياش عن عبدالعزيز بن رفيع عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه و سلم أخبرنا محمد بن زكريا قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا مروان بن عبدالملك قال حدثنا أبو سعيد الأشج قال حدثنا حفص بن غياث عن عبيدة يعني ابن معتب قال كنا نصلي مع الحجاج الجمعة ثم ننصرف فنبادر مسجد سماك نصلي المغرب وذكر عبدالرزاق عن معمر عن ( عبدالرحمن بن ( 6 ) )

(8/57)


عبدالله المسعودي عن القاسم بن عبدالرحمن قال أخر الوليد بن عقبة الصلاة مرة فأمر ابن مسعود المؤذن فثوب بالصلاة ثم تقدم فصلى بالناس فأرسل إليه الوليد ما صنعت أجاءك من أمير المؤمنين حدث أم ابتدعت فقال ابن مسعود كل ذلك لم يكن ولكن أبى الله ورسوله أن ننتظرك بصلاتنا وأنت في حاجتك وذكر معمر عن عبدالله بن عثمان بن خثيم عن القاسم بن عبدالرحمن عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له كيف بك يا أبا عبدالرحمن إذا كان عليك أمراء يطفون السنة ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها قال فكيف تأمرني يا رسول الله فقال النبي عليه السلام يسألني ابن أم عبد كيف يفعل لا طاعة لمخلوق في معصية الله فإن ظن ظان أن في هذا الخبر دليلا على أنهم كانوا يؤخرونها حتى يخرج الوقت كله ولهذا استحقوا اسم العصيان لله قيل له يحتمل أن يكون قوله خرج على جملة طاعة الله وعصيانه في سائر الأمور وعلى أنه لا يؤمن على من كان شأنه تأخيرها أبدا أن يفوته الوقت

(8/58)


وأما الآثار عنهم فتدل على ما ذكرنا وروى معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن ابن مسعود قال لأصحابه يوما أني لا ألوكم عن الوقت فصلى بهم الظهر حسبته قال حين زالت الشمس ثم قال أنه سيكون عليهم أمراء يؤخرون الصلاة فصلوا الصلاة لوقتها فإن أدركتكم معهم فصلوا ومعمر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال إنكم في زمان قليل خطباؤه كثير علماؤه يطيلون الصلاة ويقصرون الخطبة وإنه سيأتى عليكم زمان كثير خطباؤه قليل علماؤه يطيلون الخطبة ويؤخرون الصلاة حتى يقال هذا شرق الموتى قال له ما شرق الموتى قال إذا أصفرت الشمس جدا فمن أدرك ( ذلك ) فليصل الصلاة لوقتها فإن احتبس فليصل معهم وليجعل صلاته وحده الفريضة وصلاته معهم تطوعا

(8/59)


ومما يدل على ذلك أن الفقهاء في ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ويأمرون بذلك روى معمر عن رجل عن الحسن وعن الزهري وقتادة أنهم كانوا يصلون مع الأمراء وإن أخروا ومعمر عن ثابت قال خطب الحجاج يوم الجمعة فأخر الصلاة فجعل انسان يريد أن يثب إليه ويحبسه الناس وذكر عبدالرزاق عن ابن جريج قال قلت لعطاء أرأيت إماما يؤخر الصلاة حتى يصليها مفرطا فيها فقال صل معهم الجماعة أحب إلي قلت ( له ) فمالك لا تنتهي إلى قول ابن مسعود في ذلك قال الجماعة أحب إلي ما لم تفت قلت وإن اصفرت الشمس للغروب ولحقت برؤوس الجبال قال نعم ما لم تفت وعن الثوري عن الأعمش وعن النخعي وخيثمة أنهما كانا يصليان الظهر والعصر مع الحجاج وكان يمسي وعن ابن جريج عن عطاء قال أخر الوليد مرة الجمعة حتى أمسى قال فصليت الظهر قبل أن أجلس ثم صليت العصر وأنا جالس وهو يخطب قال اضع يدي على ركبتي وأومىء برأسي وعن الثوري عن محمد بن إسماعيل قال رأيت سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وأخر الوليد بن عبدالملك الصلاة فرأيتهما يومئان إيماء وهما قاعدان وعن الثوري عن الأعمش

(8/60)


عن أبي الضحى عن مسروق وأبي عبيدة أنهما كانا يصليان الظهر إذا حانت ( الظهر ) وإذا حانت العصر صليا العصر في المسجد مكانهما وكان ابن زياد يؤخر الظهر والعصر وعن إسرائيل عن عامر بن شقيق عن شقيق قال كان يأمرنا أن نصلي الجمعة في بيوتنا ثم نأتي المسجد وذلك أن الحجاج كان يؤخر الصلاة وذكر سنيد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح أبي الضحى قال رأيت مسروقا وأبا عبيدة بن عبدالله مع بعض الأمراء وأخر الوقت فأوميا في وقت الصلاة ثم جلسا حتى صليا معه تلك الصلاة قال فرأيتهما فعلا ذلك مرارا قال وحدثنا أبو معاوية عن محمد بن ( أبي ) إسماعيل قال رأيت سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وأخر الوليد بن عبدالملك الصلاة عن وقتها فرأيتهما يومئان في وقت الصلاة ثم جلسا حتى صليا معه

(8/61)


وروى محمد بن الصباح الدولابي قال حدثنا جرير عن أبي فروة عروة بن الحارث الهمداني عن إياس قال تذاكرنا الجمعة واجتمع قراء أهل الكوفة أن يدعوا الصلاة مع الحجاج لأنه كان يؤخرها حتى تكاد تغيب الشمس فتذاكروا ذلك وهموا أن يجمعوا عليه فقال شاب منهم ما أرى ما تفعلون شيئا ما للحجاج تصلون إنما تصلون لله عز و جل فاجتمع رأيهم على أن يصلوا معه - قال أبو عمر إنما صلى من صلى إيماء وقاعدا لخوف خروج الوقت وللخوف على نفسه القتل والضرب والله أعلم ومن كان شأنه التأخير لم يؤمن عليه فوات الوقت وخروجه عصمنا الله برحمته وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبدالرحمن بن عمر بن راشد بدمشق قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا أبو مسهر قال حدثنا سعيد بن عبدالعزيز قال كانوا يؤخرون الصلاة في أيام الوليد بن عبدالملك ويستحلفون الناس أنهما ما صلوا فأتى عبدالله بن أبي

(8/62)


زكرياء فاستحلف أنه ما صلى فحلف أنه ما صلى وقد كان صلى وأتى مكحول فقال ( فلم ) جئنا إذن فترك وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه و سلم في الأمراء المذكورين حديث صحيح ويقال أن أبا ذر لم يخرج من المدينة والشام إلا على إنكاره عليهم تأخير الصلاة ولا يصح عندي إخراجه من المدينة على ذلك والله أعلم حدثنا خلف بن سعيد حدثنا عبدالله بن محمد بن علي قال حدثنا أحمد بن خالد قال ( حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال ( 3 ) ) حدثنا عبدالرزاق قال حدثنا الثوري عن أيوب عن أبي العالية قال أخر عبيد الله بن زياد الصلاة ( فسألت عبدالله بن الصامت فضرب فخذي ثم قال سألت خليلي أبا ذر فضرب فخذي ثم قال سألت خليلي يعني النبي صلى الله عليه و سلم فضرب فخذي ثم قال صل الصلاة لوقتها فإن أدركتك ( 5 ) فصل معهم ولا تقولن أني قد صليت فلا أصلي وحدثنا أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا أحمد بن إسحاق قال

(8/63)


حدثنا وهيب قال حدثنا أيوب عن أبي العالية البراء قال أخرت الصلاة على عهد عبيدالله بن زياد فمر بي عبدالله ( بن الصامت فذكر نحوه بمعناه وقرأت على عبدالوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثتهم قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن أبي عمران الجويني عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم يا أبا ذر كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يمسون الصلاة أو قال يؤخرون الصلاة قال قلت يا رسول الله فما تأمرني قال صل الصلاة لوقتها فإذا أدركتها ( 3 ) معهم فصلها فإنها لك نافلة وقد روى هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه و سلم عبادة بن الصامت وعامر بن ربيعة وقبيصة بن وقاص ومعاذ بن جبل كما رواه أبو ذر وابن مسعود وهي ( أيضا ) آثار صحاح كلها ثابتة وإنما حمل العلماء والله أعلم على الصلاة معهم أمره صلى الله عليه و سلم بذلك وحضه على لزوم الجماعة

(8/64)


وروى عبدالرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عاصم بن عبيدالله بن عاصم قال أخبرني عبدالله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أنها ستكون بعدي أمراء يصلون الصلاة لوقتها ويؤخرونها عن وقتها فصلوا معهم ( فإن صلوها لوقتها وصليتموها معهم فلكم ولهم فإن أخروها عن وقتها فصلوها معهم ) فلكم وعليهم من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية ومن نكث العهد ومات ناكثا للعهد جاء يوم القيامة لا حجة له حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق وأحمد بن زهير قالا حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا أبو هاشم الزعفراني عمار بن عمارة قال حدثني صالح بن عبيد عن قبيصة بن وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يكون عليكم أمراء بعدي يؤخرون الصلاة فهي لكم

(8/65)


وعليهم فصلوها معهم ما صلوا بكم القبلة وفي قول رسول الله صلى الله عليه و سلم ( لأبي ذر ) كيف بك يا أبا ذر إذا كان عليك أمراء وقوله لكبار الصحابة الذين رووا هذا الحديث يكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة دليل على أن تأخير الصلاة عن وقتها قد كان قبل زمان الوليد بن عبدالملك لأن أبا ذر توفي في خلافة عثمان بالربذة ودفن بها على قارعة الطريق وصلى عليه ابن مسعود منصرفه من الكوفة إلى المدينة ومات ابن مسعود بعد ذلك بيسير بالمدينة وفي قول النبي صلى الله عليه و سلم في حديث أبي ذر وغيره سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ولم يقل خلفاء دليل على أن عثمان رحمه الله لم يكن ممن يؤخرون الصلاة ولا يظن ذلك به مسلم يعرفه ويعرف الله لأن عثمان من الخلفاء لا من الأمراء وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي وهم أبو بكر وعمر وعثمان

(8/66)


وعلي فسماهم خلفاء وقال الخلافة بعدي ثلاثون ( سنة ) ثم تكون امرة وملكا وجبروتا فتضمنت مدة الخلافة الأربعة المذكورين رضوان الله عليهم أجمعين ولعل جاهلا بأخبار الناس يقول أن عمر بن عبدالعزيز كان من الفضل والدين والتقدم ( في العلم ) والخير بحيث لا يظن به أحد أن يؤخر الصلاة عن أفضل وقتها كما كان يصنع بنو عمه فإن قيل ذلك فإن عمر رحمه الله كان كما ذكرنا وفوق ما ذكرنا إذ ولى الخلافة وأما وهو أمير على المدينة أيام عبدالملك والوليد فلم يكن كذلك وهذا أشهر عند العلماء من أن يحتاج فيه إلى إكثار أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا ( محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن سعد ( 8 ) قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثني ) ابن أبي سبرة عن

(8/67)


المنذر بن عبيد قال ولي عمر بن عبدالعزيز بعد صلاة الجمعة فأنكرت حاله في العصر وفي هذا الحديث أيضا ما كان عليه العلماء من صحبة للأمراء والدخول عليهم وإذا كان الأمير أو الخليفة يستديم صحبة العلماء فأجدر به أن يكون عدلا مأمونا وكان عمر رحمه الله يصحب جماعة من العلماء كابن شهاب وميمون بن مهران ورجاء بن حيوة وكان قبل ذلك يصحب عبيدالله بن عبدالله وعروة وطبقتهما ذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير قال دخلت على عمر بن عبدالعزيز فسألني عن الحسن كما يسأل الرجل عن ولده فقال كيف طعمه وهل رأيته يدخل على عدي بن أرطاة وأين مجلسه منه وهل رأيته يطعم عند عدي قال قلت نعم وليس بنكير أن يكون عمر بن عبدالعزيز خفى عليه حديث نزول جبريل على النبي صلى الله عليه و سلم بمواقيت الصلاة وقد خفي ذلك عن المغيرة بن شعبة وله صحبة وأخبار الآحاد عند العلماء من علم الخاصة لا ينكر على أحد جهل بعضها والإحاطة بها ممتنعة وما أعلم أحدا من أئمة الأمصار مع بحثهم وجمعهم

(8/68)


إلا وقد فاته شيء من السنن المروية من طريق الآحاد وحسبك بعمر بن الخطاب فقد فاته من هذا الضرب أحاديث فيها سنن ذوات عدد من رواية مالك في الموطأ ومن رواية غيره أيضا وليس ذلك بضار له ولا ناقص من منزلته وكذلك سائر الأئمة لا يقدح في أمانتهم ما فاتهم من إحصاء السنن إذ ذاك يسير في جنب كثير ولو لم يجز للعالم أن يفتي ولا أن يتكلم في العلم حتى يحيط بجميع السنن ما جاز ذلك لأحد أبدا وإذا علم العالم أعظم السنن وكان ذا فهم ومعرفة بالقرآن واختلاف من قبله من العلماء جاز له القول بالفتوى وبالله التوفيق فإن قال قائل إن جهل مواقيت الصلاة لا يسع أحدا فكيف جاز على عمر قيل له ليس في جهله بالسبب الموجب لعلم المواقيت ما يدل على جهله بالمواقيت وقد يكون ذلك عنده عملا واتفاقا وأخذا عن علماء عصره ولا يعرف أصل ذلك كيف كان النزول من جبريل بها على النبي صلى الله عليه و سلم أم بما سنه النبي صلى الله عليه و سلم كما سن غير ما شيء وفرضه في الصلاة والزكاة والحج مما لا يمكن أن يقول كل ذي علم أن جبريل نزل بذلك كله والأمر في هذا واضح يغني عن الإكثار وفي هذا الحديث دليل على أن وقت الصلاة من فرائضها وأنها لا

(8/69)


تجزىء قبل وقتها وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إلا شيئا روى عن أبي موسى الأشعري وعن بعض التابعين أجمع العلماء على خلافه فلم أر لذكره وجها لأنه لا يصح عنهم وقد صح عن أبي موسى خلافه مما وافق الجماعة فصار اتفاقا صحيحا وهذا حين آل بنا القول إلى ذكر مواقيت الصلاة وما أجمع عليه العلماء من ذلك وما اختلفوا فيه فهو أولى المواضع بذلك في كتابنا هذا - قال أبو عمر أجمع علماء المسلمين في كل عصر وفي كل مصر بلغنا عنهم أن أول وقت الظهر زوال الشمس عن كبد السماء ووسط الفلك إذا استوقن ذلك في الأرض بالتفقد والتأمل وذلك ابتداء زيادة الظل بعد تناهي نقصانه في الشتاء والصيف جميعا وإن كان الظل مخالفا في الصيف له في الشتاء وهذا إجماع من علماء المسلمين كلهم في أول وقت الظهر فإذا تبين زوال الشمس بما ذكرنا أو بغيره فقد حل وقت

(8/70)


الظهر وذلك ما لا خلاف فيه وذلك تفسير لقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ودلوكها ( ميلها ) عند أكثر العلماء ومنهم من قال دلوكها غروبها واللغة محتملة للقولين والأول أكثر وكان مالك يستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا بعد الزوال حتى يكون الفيء ذراعا على ما كتب به عمر بن الخطاب إلى عماله واختلفوا في وقت الجمعة فروى ابن القاسم عن مالك وقت الجمعة وقت الظهر لا تجب إلا بعد الزوال وتصلي إلى غروب الشمس قال ابن القاسم أن صلى من الجمعة ركعة ثم غربت الشمس صلى الركعة الأخرى بعد المغيب جمعة وقال أبو حنيفة والشافعي والحسن بن حي وقت الجمعة وقت الظهر فإن فات وقت الظهر بدخول وقت العصر ( لم تصل الجمعة قال أبو حنيفة وأصحابه أن دخل وقت العصر ( 7 ) ) وقد بقي من

(8/71)


الجمعة سجدة أو قعدة فسدت الجمعة ويستقبل الظهر وقال الشافعي إذا خرج الوقت قبل أن يسلم أتمها ظهرا وهو قول عبدالملك بن عبدالعزيز وكل هؤلاء يقول لا تجوز الجمعة قبل الزوال ولا يخطب لها إلا بعد الزوال وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة الفتوى وقد كان أحمد بن حنبل يقول من صلاها قبل الزوال لم أعبه وقال الأثرم قلت له يا أبا عبدالله ما ترى في صلاة الجمعة قبل زوال الشمس فقال فيها من الاختلاف ما قد علمت ( حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم حدثنا عبدالحميد بن زيد الأنصاري عن عقبة بن عبدالرحمن بن جابر عن جابر قال كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه و سلم الجمعة ثم نرجع فنقيل ( 4 ) ) وذكر أبو بكر الأثرم عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال وهو حديث يدور على عبدالله بن سيدان وعبدالله بن سيدان شامي أو

(8/72)


جزري روى عنه ثابت بن الحجاج وميمون بن مهران وحديثه هذا إنما يرويه جعفر بن برقان والله أعلم وذكر أيضا حديث حميد عن أنس كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعدها وحديث سهل بن سعد كنا نبكر إلى الجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم نرجع فنتغدى ونقيل وهو حديث في إسناده ضعف وذكر حديث شعبة عن عمرو بن دينار عن عبدالله بن سلمة قال كان عبدالله بن مسعود يصلي بنا الجمعة ضحى ويقول إنما عجلت بكم خشية الحر عليكم وعن مجاهد إنما هي صلاة عيد - قال أبو عمر قد روى مالك عن عمه أبي سهيل عن أبيه أن عمر كان يصلي الجمعة بعد الزوال بدليل غشيان الظل طنفسة عقيل ومن جهة النظر لما كانت الجمعة تمنع من الظهر دون غيرها من الصلوات ( دل ) على أن وقتها وقت الظهر وقد أجمعوا على أن من صلاها في وقت الظهر فقد صلاها في وقتها فدل ذلك على أنها ليست كصلاة العيد لأن العيد لا يصلى بعد الزوال واختلفوا في آخر وقت الظهر فقال مالك وأصحابه آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس

(8/73)


وهو أول وقت العصر بلا فصل وبذلك قال ابن المبارك وجماعة ويستحب مالك لمساجد الجماعات أن يؤخروا العصر بعد هذا المقدار قليلا ( ما دامت الشمس بيضاء نقية ( 1 ) ) وحجة من قال ذلك حديث ابن عباس وغيره في أمامة جبريل وأنه صلى بالنبي صلى الله عليه و سلم الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس ( من يومه ذلك ( 2 ) ) بلا فصل وقال الشافعي وأبو ثور وداود وأصحابهم آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله وبين آخر وقت الظهر وأول العصر فاصلة وهو أن يزيد الظل أدنى زيادة على المثل وحجة من قال بهذا القول حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة على من ( لم ) يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى وهذا عندهم فيما عدا صلاة الصبح للإجماع في الصبح أنها تفوت ويخرج وقتها بطلوع الشمس وحجتهم أيضا حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال وقت الظهر ما لم تحضر العصر وأما حديث أبي قتادة فقرأته على سعيد بن نصر أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا أبو عبدالله محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شبابة عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبدالله بن رباح عن أبي قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم

(8/74)


ليس في النوم تفريط ولكن التفريط على من لم يصل الصلاة حتى تجيىء الصلاة الأخرى وأخبرنا خلف بن القاسم وأصبغ بن عبدالله بن مسرة قالا حدثنا بكير بن الحسن بن عبدالله المرادي بمصر قال حدثنا أبو بكرة بكار بن قتيبة القاضي قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبدالله بن رباح عن أبي قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة إلى ( وقت ) أخرى وسنذكر حديث عبدالله بن عمرو من هذا الباب في موضعه وقال الثوري والحسن بن حي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله ثم يدخل وقت العصر لم يذكروا فاصلة إلا أن قولهم ثم يدخل وقت العصر يدل على فاصلة وقال أبو حنيفة آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثليه فخالف الآثار والناس لقوله بالمثلين في آخر وقت الظهر وخالفه

(8/75)


أصحابه وذكر الطحاوي رواية أخرى عن أبي حنيفة زعم أنه قال أخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله على قول الجماعة ولا يدخل في وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه فترك بين الظهر والعصر وقتا مفردا لا يصلح لأحدهما وأما أول وقت ( العصر ) فقد تبين من قول مالك فيه ما ذكرنا ومن قول الشافعي ومن تبعه ما وصفنا ومن قول سائر العلماء أيضا من مراعاة المثل ما قد بينا وهو كله أمر متقارب وقال أبو حنيفة أول وقت العصر من حين يصير الظل مثلين وهو خلاف الآثار وخلاف الجمهور واختلفوا في آخر وقت العصر فقال مالك آخر وقت العصر أن يكون ظل كل شيء مثليه بعد المثل الذي زالت عليه الشمس وهذا محمول عندنا من قوله على وقت الاختيار وما دامت الشمس بيضاء نقية فهو وقت مختار لصلاة العصر عنده وعند سائر العلماء والحمد لله وقد أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية لم تدخلها صغرة فقد صلاها في وقتها المختار وفي ذلك دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب وقد ذكرنا فيما سلف من كتابنا في وقت العصر في باب إسحاق بن أبي طلحة وغيره ما فيه كفاية

(8/76)


فنذكر هاهنا أقاويلهم في آخر وقت العصر فقال الثوري أن صلاها ولم تتغير الشمس فقد أجزأه وأحب إلى أن يصليها إذا كان ظله مثله إلى أن يكون مثليه وقال الشافعي أول وقتها في الصيف إذا جاوز ظل كل شيء مثله بشيء ما كان ومن آخر العصر حتى يجاوز ظل كل شيء مثليه في الصيف أو قد ذلك في الشتاء فقد فاته وقت الاختيار ولا يجوز أن يقال فاته وقت العصر مطلقا كما جاز على الذي أخر الظهر إلى أن جاوز ظل كل شيء مثله قال وإنما قلت ذلك لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها - قال أبو عمر إنما جعل الشافعي وقت الاختيار لحديث امامة جبريل وحديث العلاء عن أنس تلك صلاة المنافقين ونحوهما من الآثار ولم يقطع بخروج وقتها لحديث أبي هريرة الذي ذكره ومذهب مالك نحو هذا وقد كان يلزم الشافعي أن لا يشرك بين الظهر والعصر

(8/77)


في الوقت لأصحاب الضرورات لخروج وقت الظهر عنده بكمال المثل ولكن وقت الحضر عنده وقت رفاهية ( ومقام ) لا يتعدى ما جاء فيه وأما أصحاب الضرورات فأوقاتهم كأوقات المسافر لعذر السفر وضرورته والسفر عنده تشترك فيه صلاتا النهار وصلاتا الليل على ما نذكره في باب أبي الزبير إن شاء الله وأصحاب الضرورات الحائض تطهر والمغمى عليه يفيق والكافر يسلم والغلام يحتلم وقد ذكرنا أحكامهم وما للعلماء في ذلك من المذاهب في باب زيد بن أسلم والحمد لله وأما مالك فقد روى عنه ابن وهب وغيره أن الظهر والعصر آخر وقتهما غروب الشمس وهو قول ابن عباس وعكرمة مطلقا ورواية ابن وهب عن مالك لذلك محمولة عند أصحابه لأهل الضرورات كالمغمي عليه ومن أشبه على ما قد أوضحناه في باب زيد بن أسلم والحمد لله وروى ابن القاسم عن مالك آخر وقت العصر اصفرار الشمس وقال أبو يوسف ومحمد وقت العصر إذا كان ظل كل شيء ( قامته فيزيد على القامة إلى أن تتغير الشمس وقال أبو ثور أول وقتها إذا كان ظل كل شيء ( 5 ) مثله بعد الزوال وزاد على الظل زيادة تبين إلى أن تصفر الشمس وهو قول أحمد بن حنبل آخر وقت العصر ما لم تصفر

(8/78)


الشمس وحجة من قال بهذا ( القول ) حديث عبدالله بن عمرو عن النبي أنه قال وقت العصر ما لم تصفر الشمس رواه قتادة عن أبي أيوب الأزدي عنه وقال إسحاق بن راهويه آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب وهو قول داود لكل الناس معذور وغير معذور صاحب ضرورة وصاحب رفاهية إلا أن الأفضل عنده وعند إسحاق أيضا أول الوقت وقال الأوزاعي إن ركع ركعة قبل غروبها وركعة بعد غروبها فقد أدركها وحجتهم حديث أبي هريرة من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح واختلفوا في آخر وقت المغرب بعد إجماعهم على أن أول وقتها غروب الشمس والظاهر من قول مالك أن وقتها وقت واحد عند مغيب ( الشمس وبهذا تواترت الروايات عنه إلا أنه قال في الموطأ فإذا غاب ( 6 ) الشفق فقد خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء وبهذا القول قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والحسن بن حي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري

(8/79)


وحجة من قال بهذا ( القول ) وجعل للمغرب وقتين كسائر الصلوات ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أبو نعيم قال ( حدثنا بدر بن عثمان قال حدثنا أبو بكر بن أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أتاه سائل فسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا فأمر بلالا فأقام بالفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس والقائل يقول انتصف النهار أو لم فكان أعلم منهم ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول ( طلعت الشمس أو كادت ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من العصر ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول ) احمرت الشمس وأخر المغرب حتى كان سقوط الشفق ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل ثم أصبح فدعا بالسائل فقال الوقت فيما بين هذين وروى الثوري وغيره عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه جاءه رجل فسأله عن وقت الصلاة فقال أقم معنا هذين اليومين فأمر بلالا فأقام

(8/80)


عند الفجر فذكر الحديث بمعنى حديث أبي موسى سواء في المغرب وغيرها وقتين حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا عمرو بن هشام قال حدثنا مخلد بن يزيد عن سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم وحدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسحاق بن يوسف قال حدثنا سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم ( فذكره ) قالوا وهذه الآثار أولى من أخبار إمامة جبريل لأنها متأخرة بالمدينة وإمامة جبريل ( كانت ) بمكة والمتأخر أولى من فعله وأمره صلى الله عليه و سلم لأنه ناسخ لما قبله قالوا وقد روى سليمان بن موسى عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم في المغرب أيضا مثل رواية أبي موسى وبريدة وروى عبدالله بن عمرو بن العاص في المغرب مثل ذلك وكل هؤلاء إنما صحبه بالمدينة لأنها متقدمة بمكة والمصير إلى ما رووه أولى من المصير إلى أحاديث إمامة جبريل

(8/81)


وحديث عبدالله بن عمرو حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبدالله بن روح قال حدثنا عثمان بن عمر قال أنبأنا شعبة عن قتادة عن أبي أيوب عن عبدالله بن عمرو قال شعبة حدثني به ثلاث مرات مرتين لم يرفعه ومرة رفعه قال وقت الظهر ما لم تحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق ووقت العشاء ما لم ينتصف الليل ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه و سلم إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء وبقوله لا يصلين أحدكم بحضرة الطعام ولا وهو يدافع الأخبثين يعني البول والغائط ولأنه صلى الله عليه و سلم قرأ في المغرب بالطور وبالصافات وقد روى بالأعراف وهذا كله دل على أن وقت المغرب له سعة وأول وآخر كل هذا احتج به من ذكرنا قولهم

(8/82)


( أخبرنا محمد بن إبراهيم قراءة مني عليه قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا سويد بن نصر قال أخبرنا عبدالله عن معمر عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قرب العشاء ونودي بالصلاة فابدأوا بالعشاء وحدثنا محمد حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قرب العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء ومما احتجوا به أيضا حديث أبي بصرة الغفاري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه لما صلى العصر في حديث ذكره قال لا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد والشاهد النجم وقال الشافعي في وقت المغرب قولين أحدهما أنه ممدود إلى مغيب الشفق والآخر وهو المشهور عنه أن وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تجب الشمس قال وذلك بين في إمامة جبريل قال ولو جاز أن تقاس المواقيت قيل لا تفوت حتى يدخل أول وقت العشاء قبل أن تصلي منها ركعة كما قيل في العصر ولكن المواقيت لا توخذ

(8/83)


قياسا وقال الثوري ( وقت ) المغرب إذا غربت الشمس فإن حبسك عذر فأخرتها إلى أن يغيب الشفق في السفر فلا بأس وكانوا يكرهون تأخيرها - قال أبو عمر المشهور من مذهب مالك ما ذهب إليه الشافعي والثوري في وقت المغرب وقد ذكرنا ذلك والحجة لهم كل حديث ذكرناه في كتابنا هذا في إمامة جبريل على تواترها لم تختلف في أن للمغرب وقتا واحدا وقد روى مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم من حديث أبي هريرة وجابر بن عبدالله وعبدالله بن عمرو بن العاص وكلهم صحبه بالمدينة وحكى عنه صلاته بها كذلك على أن مثل هذا يؤخذ عملا لا ينفك منه ولا يجوز جهله ولا نسيانه وقد حكى أبو عبدالله بن خواز بنداد البصري في كتابه في الخلاف أن الأمصار كلها بأسرها لم يزل المسلمون فيها على تعجيل المغرب والمبادرة إليها في حين غروب الشمس ولا نعلم أحدا من المسلمين تأخر بإقامة المغرب في مسجد جماعة عن وقت غروب الشمس وفي هذا ما يكفي مع العمل بالمدينة في تعجيلها - قال أبو عمر لو كان وقتها واسعا لعمل المسلمون فيها كعملهم في العشاء الآخرة

(8/84)


وسائر الصلوات من أذان واحد من المؤذنين بعد واحد وغير ذلك من الاتساع في ذلك وفي هذا له دليل واضح ( على ) أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يزل يصليها وقتا واحدا إلى أن مات صلى الله عليه و سلم ولو وسع عليهم لتوسعوا لأن شأن العلماء الأخذ بالتوسعة إلا أن ضيق وقت المغرب ليس كالشيء الذي لا يتجزأ بل ذلك على قدر عرف الناس من إسباغ الوضوء ولبس الثوب والآذان والإقامة والمشي إلى ما لا يبعد من المساجد ونحو ذلك وأما الأحاديث في ذلك فمنها ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أحمد بن الحجاج قال حدثنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة الليثي عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم فصلى له صلاة الصبح حين طلع الفجر ثم صلى ( له ) الظهر حين زاغت الشمس ثم صلى له العصر حين كان الظل مثله ثم صلى له المغرب حين غروب الشمس وحل فطر الصائم ثم صلى للعشاء حين ذهب شفق النهار ( ثم صلى له من الغد فصلى له الصبح حين أسفر قليلا ( 6 ) ) ثم صلى له الظهر حين كان الظل مثله ثم صلى له العصر حين كان

(8/85)


الظل مثليه ثم صلى له المغرب لوقت واحد حين غروب الشمس وحل فطر الصائم ثم صلى العشاء حين ذهب ساعة من الليل ثم قال الصلاة ما بين صلاتك أمس وصلاتك اليوم فهذا من حديث أبي هريرة وإنما صحبه صلى الله عليه و سلم بعد عام خيبر بالمدينة متأخرا وفيه في وقت صلاة المغرب ما نرى من تعجيله في اليومين جميعا فإن قيل أن الأعمش روى عن أبي صالح عن أبي هريرة ( عن النبي صلى الله عليه و سلم ) حديث المواقيت وفيه أن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وآخرها حين يغيب الشفق قيل له هذا الحديث عند جميع أهل الحديث حديث منكر وهو خطأ لم يروه أحد عن الأعمش بهذا الإسناد إلا محمد بن فضيل وقد أنكروه عليه حدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال قال لنا محمد بن عبدالله بن نمير

(8/86)


هذا الحديث حديث محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في المواقيت خطأ ليس له أصل وقال عباس سمعت يحيى بن معين يقول حديث الأعمش ( عن أبي صالح ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أن للصلاة أولا وآخرا رواه الناس كلهم عن الأعمش عن مجاهد مرسلا ورواه محمد بن فضيل عن الأعمش فأخطأ فيه وهو حديث ضعيف ليس بشيء إنما هو عن الأعمش عن مجاهد مرسل وأما رواية سليمان بن موسى عن عطاء عن جابر فلم يتابع عليها سليمان بن موسى وقد روى ابن جريج وبرد بن سنان عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم الحديث ليس فيه للمغرب إلا وقت واحد وكذلك رواه كل من رواه عن جابر منهم وهب بن كيسان وبشير بن سليمان وغيرهم ومما يوضح ذلك أن جابرا سئل عن مواقيت الصلاة في زمن الحجاج وعن صلاة النبي صلى الله عليه و سلم فلم يذكر للمغرب إلا وقتا واحدا حدثنا سعيد بن نصر وعبدالوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو قلابة الرقاشي قال حدثنا وهب بن جرير بن حازم وعبدالصمد بن عبدالوارث قالا حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن محمد بن عمرو بن الحسن قال كان الحجاج يؤخر

(8/87)


الصلاة فسألت جابر بن عبدالله فقال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس والعصر والشمس بيضاء نقية والمغرب إذا غربت الشمس والعشاء إن رأى في الناس قلة أخر وإن رأى فيهم كثرة عجل وحدثنا عبدالوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد بن غالب قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن محمد بن عمرو بن حسن قال سألنا جابر بن عبدالله ( فقال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس والعصر والشمس بيضاء نقية والمغرب إذا غربت الشمس والعشاء إن رأى في الناس قلة أخر وإن رأى في الناس كثرة عجل ( 2 ) ) وحدثنا عبدالوارث قال حدثنا قاسم حدثنا محمد بن غالب قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن محمد بن عمرو بن حسن قال سألنا جابر بن عبدالله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر مثله ( وزاد ( 3 ) ) والصبح بغلس وفي لفظ حديث مسلم بن إبراهيم كان يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس حية ثم ذكره سواء ورواه يحيى القطان عن شعبة بإسناده مثله سواء إلا أنه قال وكان أو كانوا يصلون الصبح بغلس حدثناه عبدالوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بكر بن

(8/88)


حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى القطان فذكره وأما حديث قتادة عن أبي أيوب الأزدي عن عبدالله بن عمرو فقد جاء عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه و سلم خلافه وهو ما رواه حسان بن عطية عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه و سلم فذكر في المغرب وقتا واحدا وحدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ( قال حدثنا داود ) بن شعيب قال حدثنا حماد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه و سلم ثم نرمي فيرى أحدنا مواقع نبله وهذا على المداومة والتكرار ومثله ما حدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا ابن أخي جويرية بن أسماء عن عمه عن مالك بن أنس عن الزهري أن عبدالله بن كعب بن مالك أخبره أن رجلا من

(8/89)


أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أخبره أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي المغرب ثم ننصرف إلى أهلنا في بني سلمة فنبصر مواقع نبلنا وهذا حديث غريب من حديث مالك وقد رواه جماعة عن الزهري وروى جعفر بن برقان هذاالحديث عن الزهري فقال في آخره قلت للزهري وكم كانت منازلهم من المدينة قال على ثلثي ميل وهذا غاية في تعجيل المغرب وحدثنا عبدالوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا عبيد بن عبدالواحد قال حدثنا علي بن المديني وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر ( قال حدثنا ( 4 ) ) أبو داود قال حدثنا عمرو بن علي قالوا جميعا حدثنا صفوان بن عيسى قال حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس إذا سقط حاجبها وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبيدالله بن عمر قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبدالله

(8/90)


قال قدم علينا أبو أيوب غازيا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر فأخر المغرب فقام إليه أبو أيوب فقال ما هذه الصلاة يا عقبة فقال شغلنا فقال أما سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا تزال أمتي بخير أو قال على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم ومن حديث علي عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله قال لا تزال هذه الأمة بخير ما صلوا ( صلاة ) المغرب قبل اشتباك النجوم وليس في حديث القراءة بالأعراف وشبهها في المغرب حجة قاطعة في سعة وقتها لأن المراعاة في ذلك وقت الدخول فيها فإذا دخل المصلى فيها على ما أمر فله أن يمتد في ذلك ما لم يدخل وقت صلاة أخرى ( كما أن من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس كان له أن يمتد في الثانية وهذا كله على المتعارف من سنن الصلوات وبالله التوفيق ( 2 ) ) ( وكما ( 3 ) فعل أبو بكر رضي الله عنه إذ قرأ بالبقرة في صلاة الصبح وكان يغلس فلما سلم من صلاته قيل له كادت الشمس أن تطلع فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين يعني والله أعلم أنه دخل في الصلاة في أول وقتها ومد قراءتها ) وأجمعوا على أن وقت العشاء الآخرة للمقيم مغيب الشفق والشفق الحمرة التي تكون في المغرب تبقى في الأفق بعد مغيب الشمس هذا

(8/91)


قول ( مالك و ) الشافعي والثوري والأوزاعي وأكثر العلماء وروى ذلك عن جماعة من الصحابة منهم شداد بن أوس وعبادة وابن عمر وإليه ذهب داود وكان أبو حنيفة يقول الشفق البياض وإليه ذهب المزني وقال أحمد بن حنبل أما في الحضر فأحب إلى أن لا تصلى حتى يذهب البياض احتياطا وأما في السفر فيجزيه أن يصلي إذا ذهبت الحمرة واختلفوا في آخر وقتها فالمشهور من مذهب مالك في آخر وقت العشاء في السفر والحضر لغير أصحاب الضرورات ثلث الليل الأول ويستحب لأهل مساجد الجماعة ألا يعجلوا بها في أول وقتها إذا كان ذلك غير مضر بالناس وتأخيرها قليلا أفضل ( عنده ) وروى ابن وهب عن مالك قال وقتها من حين يغيب الشفق إلى أن يطلع الفجر وهو قول داود وقال الثوري والحسن بن حي أول وقت العشاء مغيب الشفق إلى ثلث الليل والنصف بعده آخره وقال أبو حنيفة وأصحابه المستحب في وقتها إلى ثلث الليل ويكره تأخيرها إلى بعد نصف الليل ولا تفوت إلا بطلوع الفجر وقال الشافعي آخر وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل فإذا مضى ثلث الليل فلا أراها إلا فائتة وقال أبو ثور وقتها من مغيب الشفق إلى نصف الليل - قال أبو عمر في أحاديث أمامة جبريل من رواية ابن عباس وجابر ثلث

(8/92)


الليل وكذلك في حديث أبي موسى الأشعري وفي حديث أبي مسعود الأنصاري وحديث أبي هريرة ساعة من الليل وفي حديث عبدالله بن عمرو نصف الليل وحديث علي مثله وحديث الحكم بن عتيبة عن نافع عن ابن عمر نحوه وروى أبو سعيد وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم لولا سقم السقيم وضعف الضعيف ولولا أن أشق على أمتي لأخرتها إلى شطر الليل وفي حديث عائشة حتى ذهب عامة الليل ثم قال أنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي وقال جابر بن سمرة كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يؤخر العشاء الآخرة وحدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو عوانة بن أبي بشر ( عن بشير بن ثابت ) عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال أنا أعلم ( الناس ) بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة كان رسول

(8/93)


الله صلى الله عليه و سلم يصليها لسقوط القمر لثالثة وذكر أبو داود عن مسدد بإسناده مثله ومن حجة مالك ومن قال بقوله وهو مذهب ابن عباس حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه و سلم إنما التفريط في اليقظة على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى وقياس على سائر الصلوات حاشا الصبح فإنها منفردة بوقتها ومن أشرك بين وقتي صلاتي النهار وصلاتي الليل لمن كانت به ضرورة حيض أو إغماء أو نحو ذلك فيلزمه المصير إلى قول مالك إلا أن يجعلوا وقت الضرورة قياسا على السفر فإن الوقت عند الشافعي في السفر له حكم غير حكم الحضر ولا يجوز عنده إشراك الوقت في الحضر لغير أصحاب الضرورات ألبتة وأجمعوا أن أول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر وانصداعه وهو البياض المعترض في أفق السماء وهو الفجر الثاني الذي ينتشر ويطير وأن آخر وقتها طلوع الشمس إلا أن ابن القاسم روى عن مالك أن آخر وقتها الأسفار وكذلك حكى ابن عبدالحكم عنه أن آخر وقتها الأسفار الأعلى وقال ابن وهب عن مالك آخر وقتها طلوع الشمس وهو قول الثوري والناس وقال الشافعي لا تفوت صلاة الفجر حتى تطلع الشمس قبل أن يدرك منها ركعة بسجودها فمن لم تكمل له ركعة قبل طلوع الشمس فقد فاتته وهو قول أبي ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود والطبري وأبي عبيد وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنهم

(8/94)


يفسدون صلاة من طلعت عليه الشمس وهو يصليها وقد ذكرنا قولهم وحجتهم في ذلك والحجة عليهم في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته هاهنا وأما اختيارهم من الأوقات فإن مالكا والليث بن سعد والشافعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل كانوا يقولون بالتغليس في صلاة الفجر في أول وقتها وذلك أفضل عندهم أن تصلى والنجوم ( بادية ) مشتبكة وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي بالأسفار في الفجر في كل الأزمان في الصيف والشتاء وذلك عندهم أفضل وقد ذكرنا حجة كل فريق منهم في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا ( فأغنى عن إعادته هاهنا ) وقال مالك يصلي الظهر إذا فاء الفيء ذراعا في الشتاء والصيف وهو أحب إليه في الجماعة وغيرها عند أكثر أصحابه ومنهم من قال إن هذا معناه في مساجد الجماعات وأما المنفرد الذي لا جماعة معه ينتظرها فإنه يصلي في أول الوقت وقال الليث والشافعي يصليها في أول الوقت قال الشافعي إلا في المساجد التي تنتاب من بعيد فإنها يبرد فيها بالظهر والصلوات كلها عند الليث والشافعي أوائل أوقاتها أفضل قال الشافعي إلا الإبراد في شدة الحر في المساجد التي تقصد من المواضع النائية وزعم أبو الفرج أن مذهب

(8/95)


مالك أن الصلوات كلها أوائل أوقاتها أفضل إلا الظهر في شدة الحر فإنها تؤخر قليلا في المساجد وغيرها وقال العراقيون تعجل الظهر في الشتاء في أول الوقت وتؤخر في الحر حتى يبرد وهو قول أحمد بن حنبل قال أول الأوقات أعجب إلي في الصلوات كلها إلا في صلاتين صلاة العشاء الآخرة وصلاة الظهر في الحر يبرد بها وتؤخر حتى يبرد وأما في الشتاء فيعجل بها ( قال ) وتؤخر العشاء ( أبدا ) ما لم يشق على الناس وهذا كله حكاية معنى رواية الأثرم عنه وكلهم قال يصلي العصر والشمس بيضاء نقية إلا ما قال جرير عن الثوري أنه كان يؤخر العصر وغيره عن الثوري كما ذكرنا وكلهم يستحب تعجيل المغرب إلا أن مالكا قال لا بأس للمسافر يمد الميل ونحوه ثم ينزل ويصلي واستحب العراقيون تأخير العشاء وقال الشافعي ومالك والليث أول وقتها أفضل وقد ذكرنا من الآثار ما منه قال كل فريق وبالله التوفيق وقال الأوزاعي كان عمر بن عبدالعزيز يصلي الظهر في الساعة الثامنة والعصر في الساعة العاشرة حين تدخل حدثني بذلك عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عنه

(8/96)


- قال أبو عمر ذكرنا قول عمر هذا وقد قدمنا عنه أنه لما حدثه عروة بن بشير بن أبي مسعود عن أبيه بالحديث المذكور في هذا الباب لم يزل يرتقب الأوقات وتكون عنده علامات الساعات وحسبك به اجتهادا في خلافته وعن حاله تلك حكى رجاء بن حيوة - قال أبو عمر أشبعنا القول في هذا الباب لأنه ركن من أركان الصلاة عظيم وأصل كبير وحديث مالك فيه مستغلق جدا فبسطناه ومهدناه بالآثار وأقاويل العلماء ليكون كتابنا مغنيا عما سواه كافيا شافيا فيما قصدناه وأما قول عروة ولقد حدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر فمعناه قبل أن يظهر الظل على الجدار يريد قبل أن يرتفع ظل حجرتها على جدرها وكل شيء علا شيئا فقد ظهر قال الله عز و جل فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا أي يعلوا عليه وقيل معناه أن يخرج الظل من قاعة حجرتها وكل شيء خرج فقد ظهر والحجرة الدار وكل ما أحاط به حائط فهو حجرة واصل الحجرة مأخوذ من التحجير تقول حجرت على نفسي إذا أحطت عليها بحائط

(8/97)


وفي هذا الحديث دليل على قصر بنيانهم واختصارهم فيه لأن الحديث إنما قصد به تعجيل العصر وذلك إنما يكون مع قصر الحيطان وإنما أرد بذلك عروة ليعلم عمر بن عبدالعزيز عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يصلي العصر قبل الوقت الذي أخرها إليه عمر ذكر الحسن بن علي الحلواني قال حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث قال حدثنا حريث بن السائب قال حدثنا الحسن قال كنت أدخل بيوت النبي صلى الله عليه و سلم وأنا محتلم وأنال سقفها بيدي وذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه حدثنا عبدالرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن حبيب بن زبان قال حدثنا محمد بن رمح قال حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء من حجرتها وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا الزهري عن عروة عن عائشة قالت كان رسول

(8/98)


الله صلى الله عليه و سلم يصلي العصر والشمس بيضاء نقية في حجرتي لم يظهر الفيء بعد - قال أبو عمر كل من ذكر الحديث من المصنفين إنما ذكره في باب تعجيل العصر وقد تقدم في وقت العصر وغيرها ما فيه كفاية لمن تدبر وفهم وفيه دليل على قبول خبر الواحد لأن عمر قبل قول عروة ( وحده ) فيما جهله من أمر دينه وهذا منا على التنبيه بأن قبول خبر الواحد مستفيض عند الناس مستعمل لا على سبيل الحجة لأنا لا نقول خبر الواحد حجة في خبر الواحد على من أنكره

(8/99)


حديث ثان لابن شهاب عن عروة مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة هكذا قال مالك في هذا الحديث وتابعه ابن عيينة والليث بن سعد على إسناده ومتنه إلا أنهما زادا فيه وكنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد وهذا اللفظ عند مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وروى هذا الحديث عن ابن شهاب معمر وابن جريج بمثل إسناد مالك إلا أنهما قالا كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد هو الفرق فأتيا بلفظ حديث مالك عن هشام بن عروة فذكرا فيه الفرق وليس في حديث هشام ذكر الفرق حدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير قال سمعت عائشة تقول كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يغتسل في القدح وهو الفرق وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد فأتى بحديثي مالك جميعا عن ابن شهاب وهشام في هذا الإسناد وكذلك رواه الليث

(8/100)


حدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا حمزة بن محمد قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يغتسل في القدح وهو الفرق وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا عبدالرزاق قال حدثنا معمر وابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد وهو قدر الفرق ورواه إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب فخالف جميعهم في إسناده وجعله عن القاسم ولم يجعله عن عروة حدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا إبراهيم بن سعد قال حدثنا ابن شهاب عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يغتسل من إناء هو الفرق قالت عائشة وكنت أغتسل معه في الإناء الواحد قال ابن شهاب وأظن الفرق يومئذ خمسة أقساط

(8/101)


- قال أبو عمر لا أدري ما أراد ابن شهاب بالقسط ولا ما كان مقداره عندهم وأما العرب فالقسط عندها الحصة والمقدار كذلك قال الخليل وقال الخليل الفرق مكيال وقال ابن وهب الفرق مكيال من خشب كان ابن شهاب يقول أنه يسع خمسة أقساط بأقساط بني أمية وفسر محمد بن عيسى الأعشى عن ابن كنانة الفرق أنه ثلاثة أصوع قال الأعشى والثلاثة أصوع خمسة أقساط وفي الخمسة أقساط اثنا عشر مدا بمد النبي صلى الله عليه و سلم وقال ابن مزين قال لي عيسى بن دينار قال لي ابن القاسم وسفيان بن عيينة في الفرق أنه كان يحمل ثلاثة أصوع وقال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل يقول الفرق ستة عشر رطلا وقال موسى الجهني عن مجاهد أنه أتى بقدح حزرته ثمانية أرطال فقال حدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يغتسل بمثل هذا وقال الأثرم سمعت أبا عبدالله يسأل عن الفرق كم هو قال ثلاثة أصوع - قال أبو عمر قول ابن شهاب وابن عيينة وابن القاسم والأعشى قريب من قريب في مقدار الفرق وكذلك قول أحمد بن حنبل وأما قول مجاهد فبعيد وقول أولئك أولى والله أعلم

(8/102)


وروى في الموطأ الفرق ( والفرق ) بتسكين الراء وتخفيفها وحركتها ورواية يحيى بالإسكان وتابعه قوم وأما قول عائشة كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد فرواه عبدالرحمن بن القاسم ( عن أبيه عن عائشة من حديث شعبة ( 3 ) ) وغيره عن عبدالرحمن ( ورواه إبراهيم عن الأسود عن عائشة ورواه هشام عن أبيه عن عائشة ( 4 ) ) وقد ذكرنا الاختلاف فيه على ابن شهاب وفيه من الفقه ترك التحديد فيما يكفي من الماء وأن فضل المرأة لا بأس بالوضوء منه وسنذكر الاختلاف في ذلك ووجه الصواب فيه إن شاء الله عند ذكر حديث نافع عن ابن عمر أن كان الرجال والنساء ليتوضؤن جميعا في زمان رسول الله صلى الله عليه و سلم لأن حديث هشام بن عروة هذا ليس من رواية مالك في الموطأ وإذا توضأ الاثنان وأكثر من إناء واحد ففي ذلك دليل على أنه لا تحديد ولا توقيف فيما يكفي المغتسل والمتوضىء من الماء وحسبه الاتيان بالماء على ما يغسل من الأعضاء غسلا وعلى ما يمسح مسحا وأما حديث ابن شهاب المذكور في هذا الباب ففيه من الفقه الاقتصار على أقل ما يكفي من الماء وأن الإسراف فيه مذموم وفي ذلك رد على الإباضية ومن ذهب مذهبهم في الاكثار من الماء وهذا ما

(8/103)


سيق هذا الحديث ( له ) والله أعلم إنكارا على أولئك ( الطائفة ) لأنه مذهب ظهر في زمن التابعين وسئل عنه الصحابة ونقل ( في ) ذلك من الحديث ما ترى وروى عبدالله بن المبارك عن شعبة عن عبدالله ( بن عبدالله ) بن جبر عن أنس بن مالك قال كان النبي صلى الله عليه و سلم يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكيك وقال الخليل الصاع طاس يشرب به والمكوك مكيال وقال أبو جعفر محمد بن علي تمارينا في الغسل عند جابر فقال جابر يكفي للغسل صاع من ماء قلنا ما يكفي صاع ولا صاعان فقال جابر قد كان يكفي من كان خيرا منكم وأكثر شعرا

(8/104)


وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من وجوه أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع وهي آثار مشهورة مستعملة عند قوم من الفقهاء وليست أسانيدها مما يحتج به والذي اعتمد عليه البخاري وأبو داود في باب ما يكفي الجنب من الماء حديث الفرق المذكور في هذا الباب وهذه الآثار كلها إنما رويت إنكارا على الإباضية وجملتها تدل على أن لا توقيت فيما يكفي من الماء والدليل على ذلك أنهم أجمعوا أن الماء لا يكال للوضوء ولا للغسل من قال منهم بحديث المد والصاع ومن قال بحديث الفرق لا يختلفون أنه لا يكال ( الماء ) لوضوء ولا لغسل لا أعلم في ذلك خلافا ولو كانت الآثار في ذلك على التحديد الذي لا يتجاوز استحبابا أو وجوبا ما كرهوا الكيل بل كانوا يستحبونه اقتداء وتأسيا برسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يكرهونه روى عبدالرزاق عن ابن جريج قال سمعت عبدالله بن عبيد بن عمير يقول صاع للغسل من ( غير ) أن يكال قال وأخبرني ابن جريج قال قلت لعطاء كم بلغك أنه يكفي الجنب قال صاع من ماء من غير أن يكال

(8/105)


حدثنا عبدالله بن محمد حدثنا عبدالحميد بن أحمد حدثنا الخضر بن داود حدثنا أبو بكر الأثرم حدثنا القعنبي قال حدثنا سليمان بن بلال عن عبدالرحمن بن عطاء أنه سمع سعيد بن المسيب ورجلا من أهل العراق يسأله عما يكفي الإنسان في غسل الجنابة فقال له سعيد أن لي تورا يسع مدين من ماء أو نحوهما واغتسل به فيكفيني ويفضل منه فضل فقال الرجل والله ( إني ) لاستنثر بمدين من ماء فقال سعيد بن المسيب فما تأمرني أن كان الشيطان يلعب بك فقال له الرجل وإن لم يكفني فإني رجل كما ترى عظيم فقال له سعيد ثلاثة ( أمداد ) فقال إن ثلاثة أمداد قليل فقال له سعيد فصاع قال عبدالرحمن وقال لي سعيد أن لي لركوة أو قدحا ما يسع إلا نصف المد ونحوه وإني لأتوضأ منه وربما فضل ( منه ) فضل قال عبدالرحمن فذكرت هذا الحديث الذي سمعت من سعيد بن المسيب لسليمان بن يسار فقال ( لي ) سليمان بن يسار وأنا يكفيني مثل ذلك قال عبدالرحمن فذكرت ذلك لأبي عبيدة ( بن

(8/106)


محمد ) بن عمار بن ياسر فقال أبو عبيدة هكذا سمعنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الأثرم وحدثنا أبو حذيفة قال حدثنا عكرمة بن عمار قال كنت مع القاسم بن محمد فدعا بوضوء فأتى بقدر نصف مد وزيادة قليل فتوضأ به قال وسألت أبا عبدالله يعني أحمد بن حنبل أيجزىء في الوضوء مد قال نعم إذا أحسن أن يتوضأ ( به ) قلت فإن الناس في الأسفار ربما ضاق عليهم الماء أفيجزىء الرجل أن يتوضأ بأقل من المد قال إذا أحسن أن يتوضأ به فإنه يجزيه ثم قال أبو عبدالله لا يمسح إنما هو الغسل قال الله عز و جل فاغسلوا وجوهكم وأيديكم فإنما هو الغسل ليس هو المسح فإذا أمكنه أن يغسل به غسلا فإن مدا أو أقل أجزاه - قال أبو عمر على هذا جماعة العلماء من أهل الفقه والأثر بالحجاز والعراق ولا يخالف ( في ) هذا إلا مبتدع ضال وبالله التوفيق

(8/107)


حديث ثالث لابن شهاب عن عروة مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى في المسجد ( ذات ليلة ) فصلى بصلاته ناس ثم صلى من ( الليلة ) القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما أصبح قال قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم وذلك في رمضان هذا حديث صحيح لم يختلف في إسناده ولا في متنه وفيه من الفقه الاجتماع في النافلة وإن النوافل إذا اجتمع في شيء منها على سنتها لم يكن لها أذان ولا إقامة لأنه لم يذكر الآذان في ذلك ولو كان لذكر ونقل وقد أجمع العلماء أن لا أذان ولا إقامة في النافلة فأغنى عن الكلام في ذلك وفيه أن قيام رمضان سنة من سنن النبي صلى الله عليه و سلم مندوب إليها مرغوب فيها ولم يسن منها عمر بن الخطاب إذ

(8/108)


أحياها إلا ما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحبه ويرضاه ولم يمنع من المواظبة عليه إلا خشية أن يفرض على أمته وكان بالمؤمنين رؤفا رحيما صلى الله عليه و سلم فلما علم ذلك عمر من رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلم أن الفرائض لا يزاد فيها ولا ينقص منها بعد موته عليه الصلاة و السلام أقامها للناس وأحياها وأمر بها وذلك سنة أربع عشرة من الهجرة وذلك شيء ادخره الله له وفضله به ولم يلهم إليه أبا بكر وإن كان أفضل من عمر وأشد سبقا إلى كل خير بالجملة ولكل واحد منهم فضائل خص بها ليست لصاحبه الا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه و سلم ارحم أمتي بأمتي أبو بكر وأقواهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرأهم أبي بن كعب فجعل لكل واحد منهم خصلة أفرده بها لم يلحقه فيها صاحبه وكان علي بن أبي طالب يستحسن ما فعل عمر من ذلك ويفضله ويقول نور شهر الصوم وحدثني خلف بن القاسم قال حدثنا عبدالله بن جعفر قال حدثنا يحيى بن أيوب العلاف وعمرو بن أحمد بن عمرو

(8/109)


وأحمد بن حماد زغبة قالوا حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا نافع بن عبدالرحمن بن أبي نعيم القاري عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ورواه ابن وهب ( عن مالك ) عن نافع عن ابن عمر ( مثله ) عن النبي صلى الله عليه و سلم ( والضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم ( 3 ) ) مثله ورواه أبو ذر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أخبرنا محمد حدثنا علي بن عمر الحافظ حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار حدثنا أبو قلابة عبدالملك بن محمد الرقاشي حدثنا بشر بن عمر حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله عز و جل فرض عليكم صيام ( شهر ) رمضان وسننت لكم قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ( ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ( 5 ) ) قال أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني لم يذكره إلا أبو قلابة عن

(8/110)


بشر بن عمر وكذلك ( قوله ) ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غير محفوظ لمالك عن الزهري - قال أبو عمر أبو قلابة ثقة وبشر بن عمر ثقة والحديث غريب ومما يدل على أن قيام رمضان سنة من سنن النبي صلى الله عليه و سلم ما رواه عبدالله بن وهب قال أخبرني مسلم بن خالد عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم وإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد فقال من هؤلاء فقيل هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يصلي بهم وهم يصلون بصلاته فقال النبي صلى الله عليه و سلم أصابوا ونعم ما صنعوا فقد أقرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم على ذلك وما أقر عليه فقد رضيه وذلك سنة ومما يؤيد ذلك أيضا قول عائشة أن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود وحدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قالا جميعا حدثنا

(8/111)


مسدد حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا داود بن أبي هند عن الوليد بن عبدالرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال صمنا يعني رمضان فلم يقم بنا يعني النبي صلى الله عليه و سلم شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل قال فقال أن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة فلما كانت الرابعة لم يقم بنا فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قال قلت وما الفلاح قال السحور ثم لم يقم بنا بقية الشهر حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال حدثنا أحمد بن سليمان قال حدثنا زيد

(8/112)


ابن حباب قال أخبرني معاوية بن صالح قال حدثني نعيم بن زياد أبو طلحة قال سمعت النعمان بن بشير على منبر حمص يقول قمنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح وكانوا يسمونه السحور فهذه الآثار في معنى حديث مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة المذكور في هذا الباب وفيها تفسير له وعبارة عن معنى الليلة القابلة والليلة الثالثة والرابعة المذكرات فيه واختلف العلماء في عدد قيام رمضان فقال مالك تسع وثلاثون بالوتر ست وثلاثون والوتر ثلاث وزعم أنه الأمر القديم وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وداود ومن اتبعهم عشرون ركعة سوى الوتر لا يقام بأكثر منها استحبابا واحتجوا بحديث السائب بن يزيد أنهم كانوا يقومون في زمان عمر بن الخطاب بعشرين ركعة ذكر عبدالرزاق عن داود بن قيس وغيره عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب وعلى تميم الدارى على إحدى

(8/113)


وعشرين ركعة يقرؤون بالمئين وينصرفون في فروع الفجر روى مالك هذا الحديث عن محمد بن يوسف عن السائب بن زيد قال أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بأحدى عشرة ركعة قال وكان القارىء يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصى من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر هكذا قال مالك في هذا الحديث إحدى عشرة ركعة وغيره يقول فيه إحدى وعشرين وقد روى الحارث بن عبدالرحمن بن أبي ذباب عن السائب بن يزيد قال كنا ننصرف من القيام على عهد عمر ( بن الخطاب ) وقد دنا فروع الفجر وكان القيام على عهده بثلاث وعشرين ركعة وهذا محمول على أن الثلاث للوتر وذكر عبدالرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عمران بن موسى أن يزيد بن خصيفة أخبرهم عن السائب بن يزيد عن عمر قال جمع عمر الناس على أبي بن كعب وتميم الداري

(8/114)


فكان أبي ( بن كعب ) يوتر بثلاث ركعات وعن معمر عن قتادة عن الحسن قال كان أبي بن كعب يوتر بثلاث لا يسلم الا في الثالثة مثل المغرب وقد ذكرنا أحكام الوتر في باب نافع وما للعلماء فيه من المذاهب ممهدا والحمد لله وقد روى مالك عن يزيد بن رومان قال كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب ( في رمضان ) بثلاث وعشرين ركعة ( وقد روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر إلا أنه حديث يدور على أبي شيبة إبراهيم بن عثمان جد بني أبي شيبة وليس بالقوي حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا إبراهيم بن عثمان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر ( 4 ) ) وعن علي رضي الله عنه أنه أمر رجلا يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة وهذا أيضا سوى الوتر واختلفوا أيضا في الأفضل من القيام مع الناس أو الانفراد في شهر رمضان فقال مالك والشافعي صلاة المنفرد في بيته ( في رمضان )

(8/115)


أفضل قال مالك وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس قال مالك وأنا أفعل ذلك وما قام رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا في بيته واحتج الشافعي بحديث زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في قيام رمضان أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ( قال الشافعي ) ولا سيما مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في مسجده على ما كان في ذلك كله من الفضل وحديث زيد بن ثابت هذا حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا إبراهيم بن محمد ( بن إبراهيم ( 3 ) ) الديبلي قال حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ قال حدثنا محمد بن معاوية الجمحي قال حدثنا سليمان بن بلال عن إبراهيم بن أبي النضر عن أبيه عن بشر بن سعيد عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة وروينا عن ابن عمر وسالم والقاسم وإبراهيم ونافع أنهم كانوا

(8/116)


ينصرفون ولا يقومون مع الناس وقال الليث بن سعد لو أن الناس قاموا في رمضان لأنفسهم ولأهليهم ( كلهم ) حتى يترك المسجد لا يقوم فيه أحد لكان ينبغي أن يخرجوا من بيوتهم إلى المسجد حتى يقوموا فيه لأن قيام الناس في شهر رمضان من الأمر الذي لا ينبغي تركه وهو مما بين عمر بن الخطاب للمسلمين وجمعهم عليه قال الليث فأما إذا كانت الجماعة فلا بأس أن يقوم الرجل لنفسه في بيته ولأهل بيته وحجة من قال بقول الليث قوله صلى الله عليه و سلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي ولا يختلفون أن عمر منهم رضي الله عنهم وقال قوم من المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي فمن أصحاب أبي حنيفة عيسى بن أبان وبكار بن قتيبة وأحمد بن أبي عمران ومن أصحاب الشافعي إسماعيل بن يحيى المزني ومحمد بن عبدالله بن عبدالحكم كلهم قالوا الجماعة في المسجد في قيام رمضان أحب إلينا وأفضل من صلاة المرء في بيته واحتجوا بحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة وقد ذكرنا هذا الحديث فيما تقدم من هذا الباب وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل قال أبو بكر الأثرم كان أحمد بن حنبل يصلي مع

(8/117)


الناس التراويح كلها يعني الإشفاع إلى آخرها ويوتر معهم ويحتج بحديث أبي ذر قال أحمد بن حنبل كان جابر وعلي وعبدالله يصلونها في جماعة قال الأثرم وحدثنا عبدالله بن رجاء قال حدثنا إسرائيل عن أبي سنان عن سعيد بن جبير قال لأن أصلي مع إمام يقرأ بهل أتاك حديث الغاشية أحب إلي أن أقرأ مائة آية في صلاتي وحدي - قال أبو عمر هذا عندي لا حجة فيه لأنه يحتمل أن يكون أراد صلاة الفريضة قال الأثرم وسمعت أحمد بن حنبل يسأل عن الصلاة بين التراويح فكرهها فذكر له في ذلك رخصة عن بعض الصحابة فقال هذا باطل وإنما فيه رخصة عن الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم قال أحمد وفيه عن ثلاثة من الصحابة كراهيته عبادة بن الصامت وعقبة بن عامر وأبو الدرداء قال ( أبو بكر ) الأثرم وحدثنا أحمد بن حباب قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثنا ثور بن يزيد عن راشد بن سعد أن أبا الدرداء أبصر قوما يصلون بين التراويح فقال ما هذه

(8/118)


الصلاة أتصلي وإمامك قاعد بين يديك ليس منا من رغب عنا وقال من قلة فقه الرجل أن يرى أنه في المسجد وليس في صلاة أخبرنا عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن قال حدثنا عبدالحميد بن أحمد الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم فذكره بإسناده وذكر سائر كلام أحمد وكل ما في كتابي هذا عن الأثرم عن أحمد وغيره فبهذا الإسناد وحدثنا عبدالله قال حدثنا عبدالحميد قال حدثنا الخضر قال حدثنا أبو بكر قال حدثنا موسى بن داود قال حدثنا محمد بن صبيح عن إسماعيل بن زياد قال مر علي رضي الله عنه على المساجد وفيها القناديل في شهر رمضان فقال نور الله على عمر قبره كما نور علينا مساجدنا وقال أبو جعفر الطحاوي قيام رمضان واجب على الكفاية لأنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز للناس تعطيل المساجد عن قيام رمضان فمن فعله كان أفضل ممن انفرد كسائر الفروض التي هي على الكفاية قال وكل من اختار التفرد فينبغي أن يكون ذلك على أن لا يقطع معه القيام في المساجد فأما التفرد الذي يقطع معه القيام في المساجد فلا

(8/119)


- قال أبو عمر القيام في رمضان تطوع وكذلك قيام الليل كله وقد خشي رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يفرض على أمته فمن أوجبه فرضا أوقع ما خشيه رسول الله صلى الله عليه و سلم وخافه وكرهه على أمته وإذا صح أنه تطوع فقد علمنا ( بالسنة الثابت ) أن التطوع في البيوت أفضل إلا أن قيام رمضان ( لا بد أن يقام ) اتباعا لعمر واستدلالا بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك فإذا قامت الصلاة في المساجد فالأفضل عندي حينئذ حيث تصلح للمصلى نيته وخشوعه وإخباته وتدبر ما يتلوه في صلاته فحيث كان ذلك مع قيام سنة عمر فهو أفضل إن شاء الله وبالله التوفيق

(8/120)


حديث رابع لابن شهاب عن عروة مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن إلى هاهنا انتهت رواية يحيى في هذا الحديث وتابعه القعنبي وجماعة الرواة للموطأ وأما أصحاب ابن شهاب فرووا هذا الحديث عن ابن شهاب بإسناده هذا فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر لا بعد الوتر وذكر بعضهم فيه عن ابن شهاب أنه كان يسلم من كل ركعتين في الإحدى عشرة ركعة ومنهم من لم يذكر ذلك وكلهم ذكر اضطجاعه بعد ركعتي الفجر في هذا الحديث وزعم محمد بن يحيى وغيره أن ما ذكروا من ذلك هو الصواب دون ما قاله مالك - قال أبو عمر لا يدفع ما قاله ( مالك ) من ذلك لموضعه من الحفظ والاتقان وثبوته في ابن شهاب ( وعلمه بحديثه ) وقد وجدنا ( معنى ) ما قاله ملك في هذا الحديث ( منصوصا ) في حديثه عن

(8/121)


مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس حين بات عند ميمونة خالته قال فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فصلى ركعتين ثم ركعتين حتى انتهى إلى اثنتي عشرة ركعة قال ثم أوتر ثم اضجطع حتى أتاه المؤذن فصلى ركعتين ففي هذا الحديث أن اضطجاعه صلى الله عليه و سلم كان بعد الوتر وقبل ركعتي الفجر على ما ذكر مالك في حديث ابن شهاب ( هذا ) فغير نكير أن يكون ما قاله مالك في حديث ابن شهاب وإن لم يتابعه عليه أحد من أصحاب ابن شهاب وقال محمد بن يحيى الذهلي في حديث ابن شهاب هذا عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة فإذا انفجر الصبح صلى ركعتين خفيفتين قال هكذا رواه معمر وعقيل وشعيب بن أبي حمزة لم يقولوا ( في حديثهم ) يسلم من كل ركعتين ولا ذكروا يوتر بواحدة قال وذكر فيه يونس الأيلي وابن

(8/122)


أبي ذئب والأوزاعي يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة وذكر فيه مالك يوتر بواحدة ولم يذكر يسلم من كل ركعتين حدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدالرحمن بن إبراهيم دحيم ونصر بن عاصم الأنطاكي قال حدثنا الوليد قال حدثنا الأوزاعي وابن أبي ذئب عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى أن ينصدع الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل اثنتين ويوتر بواحدة ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه فإذا سكت المؤذن بالأول من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن وذكر ابن وهب في موطئه عن عمرو بن الحارث ويونس بن يزيد وابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة مثله وأخبرنا عبدالوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مطلب بن شعيب قال حدثنا عبدالله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم

(8/123)


يصلي إحدى عشرة ركعة فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر بالليل سوى ركعتي الفجر ويسجد قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه فإذا سكت المؤذن بالاول من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن وفي هذا الحديث من الفقه أن قيام الليل سنة مسنونة لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم فعله وواظب عليه ولفظ الحديث يدل على مداومته على ذلك صلى الله عليه و سلم وذلك معروف محفوظ يغني عن الإكثار فيه وقد كان عليه الصلاة و السلام يقوم حتى ترم قدماه فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال ألا أكون عبدا شكورا والوتر سنة وهو من صلاة الليل لأنه بها سمى وترا وإنما هو وتر لها وقد أوجبه بعض أهل الفقه فرضا وفي قول رسول الله صلى الله عليه و سلم للأعرابي أنه ليس عليه غير الخمس إلا أن يطوع ما يرد قوله وسنبين ذلك بحجته في موضع من كتابنا إن شاء الله وأوجب بعض التابعين قيام الليل فرضا ولو كقدر حلب شاة وهو قول شاذ

(8/124)


متروك لإجماع العلماء ( على ) أن قيام الليل منسوخ عن الناس بقوله عز و جل علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن والفرائض لا تثبت إلا بتقدير وتحصيل وللكلام في ذلك موضع غير هذا وأما الإحدى عشرة ركعة المذكورة في هذا الحديث فمحملها عندنا أنها كانت مثنى مثنى حاشى ركعة الوتر بدليل قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث ابن عمر صلاة الليل مثنى مثنى وأن ذلك قد ذكره في هذا الحديث جماعة من أصحاب ابن شهاب منهم الأوزاعي وابن أبي ذئب وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد وهذا موضع فيه اختلاف بين أهل العلم لاختلاف الآثار في ذلك وسنذكر ما قالوه فيه في باب نافع من هذا الكتاب ويأتي منه ذكر في باب سعيد بن أبي سعيد إن شاء الله وقد ذهب قوم إلى أن المصلي بالليل إذا ركع ركعتي الفجر كان عليه أن يضطجع على ما جاء في هذا الحديث وزعموا أن الاضطجاع سنة في هذا الموضع واحتجوا بحديث ابن شهاب هذا عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا ركع ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن هكذا قال كل من روى هذا الحديث عن ابن شهاب إلا مالك بن أنس فإنه جعل الاضطجاع ( في هذا الحديث ( 4 ) ) بعد الوتر واحتج أيضا من ذهب إلى الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مع ما ذكرنا بحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم

(8/125)


إذا صلى أحدكم ركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه الحديث حدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبدالواحد بن زياد قال حدثنا الأعمش فذكره بإسناده سواء وأبى جماعة من أهل العلم ذلك وقالوا ليس الاضطجاع بسنة وإنما كان ( ذلك ) راحة لطول قيامه واحتجوا بحديث أبي سلمة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت نائمة اضطجع وإن كنت مستيقظة حدثني ( وفي لفظ بعض الناقلين لهذا الحديث إن كنت مستيقظة حدثني ) وإلا اضطجع وقد قال ابن القاسم ورواه عن مالك أيضا أنه لا بأس بالضجعة بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح إن لم يرد بها أن يفصل بينهما وقال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يسئل عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر فقال ما أفعله أنا فإن فعله رجل ثم سكت كأنه لم يعبه إن فعله قيل له لم لم تأخذ به فقال ليس فيه حديث يثبت قلت له حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال رواه بعضهم مرسلا وذكر أبو بكر الأثرم من وجوه عن ابن عمر أنه أنكره وقال أنها بدعة وعن إبراهيم وأبي عبيدة وجابر بن زيد أنهم أنكروا ذلك

(8/126)


وفي هذا الحديث أيضا من الفقه في غير رواية مالك مما رواه أصحاب ابن شهاب عنه على ما ذكرناه في هذا الباب من اتخاذ مؤذن راتب للآذان وفيه أشعار المؤذن للإمام بدخول الوقت وإعلامه بذلك وفي ذلك ما يدل على أن على المؤذنين ارتقاب الأوقات وقد احتج بعض من لا يجيز الآذان للصبح قبل الفجر بحديث ابن شهاب هذا من رواية عقيل وغيره لأن فيه فإذا سكت المؤذن الأول من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قالوا فهذا يدل على أن الآذان لصلاة الفجر إنما كان بعد الفجر في حين يجوز فيه ركوع ركعتي الفجر لقوله المؤذن الأول وهذا التأويل قد عارضه نص قوله صلى الله عليه و سلم أن بلالا ينادي بليل وسيأتي القول فيه في باب ابن شهاب عن سالم إن شاء الله وفيه أن ركعتي الفجر خفيفتان وفيه دليل على أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان لا يترك ركعتي الفجر وأنه كان يواظب عليهما كما يواظب على الوتر واختلف العلماء في الأوكد منهما فقالت طائفة الوتر أوكد وكلاهما سنة ومن أصحابنا من يقول ( ركعتا الفجر ) ليستا بسنة ( وهما من الرغائب ( 3 ) ) والوتر سنة مؤكدة

(8/127)


وقال اخرون ركعتا الفجر سنة مؤكدة ( كالوتر وقال آخرون هما أوكد من الوتر لأن ) الوتر ليس بسنة إلا على أهل القرآن ولكل واحد من هذه الطوائف حجة من جهة الأثر سنذكرها في أولى المواضع بها من كتابنا هذا إن شاء الله وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ركعتا الفجر أحب إلي من الدنيا وما فيها وفاتتا عبدالله بن أبي ربيعة فأعتق رقبة واحتج بعض من ذهب إلى أن ركعتي الفجر أوكد من الوتر بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قضاهما ( حين نام عن الصلاة في سفره كما قضى الفريضة وأن الوتر لا يقضى بعد صلاة الصبح ) وأنه لا يقضي شيى من ( السنن ) والنوافل غيرها وبالله التوفيق

(8/128)


حديث خامس لابن شهاب عن عروة مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث قالت فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها هكذا في روايتنا ليحيى وأمسح عليه وتابعه قتيبة وغيرهما يقول فيه وأمسح عنه وفيه أثبات الرقى والرد على من أنكره من أهل الإسلام وفيه الرقى بالقرآن وفي معناه كل ذكر لله جائز الرقية به وفيه إباحة النفث في الرقى والتبرك به والنفث شبه البصق ولا يلقى النافث شيئا ( من البصاق ) وقيل كما ينفث أكل الزبيب وفيه المسح باليد عند الرقية وفي معناه المسح باليد على كل ما ترجى بركته وشفاؤه وخيره مثل المسح على رأس اليتيم وشبهه وفيه التبرك بإيمان الصالحين قياسا على ما صنعت عائشة بيد النبي صلى الله عليه و سلم وفيه التبرك باليمنى دون الشمال وتفضيلها عليها وفي ذلك معنى الفال وأما اختلاف الألفاظ في هذا الحديث عن مالك فحدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو علي الحسين بن أحمد بن محمد القطربلي بمكة

(8/129)


حدثنا إدريس بن عبدالكريم أبو الحسن الحداد حدثنا أحمد بن حاتم أبو جعفر الطويل حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذات وتفل أو قال نفث وحدثنا أبو القاسم عبدالوهاب بن محمد بن الحجاج النصيبي ومحمد بن أحمد بن موسى بن هارون الأنماطي بمكة وأبو الحسن علي ( بن علان وأبو يوسف يعقوب بن مسدد بن يعقوب وأبو الحسن علي ) بن فارس ( بن ( 2 ) طرخان وثوابة بن أحمد بن ثوابة قالوا حدثنا أحمد بن علي بن المثنى ( قال ) حدثنا أحمد بن حاتم ( قال ) حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة فذكر الحديث وحدثنا خلف قال حدثنا الحسن بن الخضر حدثنا أحمد بن شعيب وحدثنا خلف حدثنا عبدالله بن جعفر بن الورد حدثنا أحمد بن محمد بن عبيدالله التستري قالا أنبأنا علي بن خشرم أنبأنا عيسى بن يونس حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذات وينفث وحدثنا خلف حدثنا إبراهيم بن محمد بن ابراهيم الديبلي حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ حدثنا عبدالله بن عمر بن أبي الوزير

(8/130)


حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يرقى نفسه بالمعوذتين وينفث وحدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو قلابة عبدالملك بن محمد الرقاشي ( قال حدثنا بشر بن عمر ( 1 ) ) قال أنبأنا مالك قال حدثنا ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت لما اشتكى رسول الله صلى الله عليه و سلم شكاته التي توفي فيها كان يقرأ على نفسه بقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ويمسح بيده على جسده فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بهما وأمسح بيده رجاء بركة يده وحدثنا قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعد قال حدثنا محمد بن فطيس قال حدثنا نصر بن مرزوق قال حدثنا أبو صالح الحراني عبدالغفار بن داود قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثنا مالك ( بن أنس ) عن ابن شهاب عن عروة ( ابن الزبير ( 4 ) ) عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بقل هو الله أحد والمعوذتين فزاد عيسى بن يونس ذكر قل هو الله أحد وقد يحتمل أن يكون ذلك بمعنى ( رواية يحيى ( 5 ) ) بالمعوذات والله أعلم وحدثنا أحمد بن قاسم وعبدالوارث بن

(8/131)


سفيان قالا حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا ابن مهدي عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا مرض يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث رواه وكيع عن مالك فاختصره وكان كثيرا ما يختصر الأحاديث حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن مالك عن الزهري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان ينفث في الرقية وحدثنا خلف بن قاسم ( وعبدالرحمن بن يحيى قالا ) حدثنا الحسن بن الخضر حدثنا أحمد بن شعيب وحدثنا خلف حدثنا يوسف ( بن القاسم بن يوسف ) الميانجي حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم السراج قالا حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان ينفث ( وكذلك رواه زيد بن أبي الزرقاء عن مالك بإسناده هذا بلفظ وكيع سواء أن رسول الله صلى الله

(8/132)


عليه وسلم كان ينفث في الرقية ) ذكره النسائي عن عيسى عن زيد ( حدثناه خلف وعبدالرحمن عن الحسن بن الخضر عنه ) وأما رواية ابن بكير والقعنبي وقتيبة والتنيسي وابن القاسم وأبي المصعب وسائر رواة الموطأ فألفاظهم في هذا الحديث مثل لفظ يحيى سواء إلى آخره ( - قال أبو عمر أجاز أكثر العلماء النفث عند الرقي أخذا بهذا الحديث وما كان مثله وكرهته طائفة فيهم الأسود بن يزيد رواه جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود أنه كان يكره النفث ولا يرى بالنفخ بأسا وروى الثوري عن الأعمش عن إبراهيم قال إذا دعوت بما في القرآن فلا تنفث وهذا شيء لا يجب الالتفات إليه إلا أن من جهل الحديث ولم يسمع به وسبق إليه من الأصول ما نزع به فلا حرج عليه ولكنه لا يلتفت مع السنة إليه وأظن الشبهة التي لها كره النفث من كرهه ظاهر قوله الله عز و جل ومن شر النفاثات في العقد وهذا نفث سحر والسحر باطل محرم وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ففيه الخير والبركة وبالله التوفيق ( 4 ) )

(8/133)


حديث سادس لابن شهاب عن عروة مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت ما سبح رسول الله صلى الله عليه و سلم سبحة الضحى قط وإني لأسبحها وإن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به ( الناس ) فيفرض عليهم أما قولها ( ما ) سبح سبحة الضحى فمعناه ( ما ) صلى صلاة الضحى قال الله عز و جل فلولا أنه كان من المسبحين قال المفسرون من المصلين إلا أن أهل العلم لا يوقعون اسم سبحة الا على النافلة دون الفريضة ( لقوله صلى الله عليه و سلم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة أي نافلة ( 5 ) ) وفي هذا ( الحديث ( 6 ) ) من الفقه ( معرفة ( 7 ) )

(8/134)


رأفة رسول الله صلى الله عليه و سلم بأمته ورحمته بهم صلوات الله عليه وسلامه ( كما ) قال الله عز و جل لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم وأما قول عائشة ما سبح رسول الله صلى الله عليه و سلم سبحة الضحى قط فهو مما قلت لك أن من علم السنن علما ( خاصا ( 2 ) ) يوجد عند بعض أهل العلم دون بعض وليس أحد من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره والاحاطة ممتنعة وهذا ما لا يجهله إلا من لا عناية له بالعلم وإنما حصل المتأخرون على علم ذلك مذ صار العلم في الكتب لكنهم بذلك دخلت حفظهم داخلة فليسوا في الحفظ كالمتقدمين وإن كان قد حصل في كتب المقل منهم علم جماعة من العلماء والله ينور بالعلم قلب من يشاء وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم آثار ( كثيرة ) حسان في صلاة الضحى منها حديث أم هانىء وغيرها فحديث أم هانىء من رواية مالك سيأتي في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله وأما غير رواية مالك في حديث أم هانىء وغير إسناده فقرأت على سعيد بن نصر أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر

(8/135)


قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن عكرمة بن خالد عن أم هانىء ابنة أبي طالب أنها قالت قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم في الفتح فتح مكة فنزل بأعلى مكة فصلى ثماني ركعات فقلت يا رسول الله ما هذه الصلاة قال صلاة الضحى ( فحفظت أم هانىء ما جهلت عائشة ) ( وأين أم ) هانىء في الفقه والعلم من عائشة فبالأغلب ! من الأمور يقضي وعليه المدار وهو الأصل وقد روى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح عن أم هانىء قالت لما كان يوم الفتح اغتسل رسول الله صلى الله عليه و سلم وصلى ثماني ركعات فلم يره أحد صلاهن بعد هذه أم هانىء لم تعلم بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاهن بعد وروى شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى قال ما خبرنا أحد أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى ( صلاة ) الضحى غير أم هانىء فإنها ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم فتح مكة اغتسل في بيتها وصلى ثماني ركعات فلم يره أحد

(8/136)


صلاهن بعد وابن أبي ليلى من كبار التابعين وحدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا سعيد بن حفص الحراني قال حدثنا موسى بن أعين عن إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبدالله بن عبدالله بن الحارث عن أبيه قال سمعته يقول سألت وحرصت على أحد يحدثني أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي ( صلاة ) الضحى فلم أجد غير أم هانىء ( بنت أبي طالب ) فإنها ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل عليها يوم فتح مكة فأمر بماء فوضع له فاغتسل ثم صلى في بيتها ثماني ركعات تقول أم هانىء لا أدري أقيامه أطول أم ركوعه ولا أدري أركوعه أطول أم سجوده غير أن ذلك مقارب يشبه بعضه بعضا ورواه ابن عيينة عن عبدالكريم أبي أمية ويزيد بن أبي زياد عن عبدالله بن الحارث قال سألت عن صلاة الضحى ( في إمارة عثمان ) وأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم متوافرون فلم أحد أحدا أثبت لي صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم

(8/137)


الضحى إلا أم هانىء فذكر الحديث قال عبدالله بن الحارث حدثت به ابن عباس فقال إن كنت لأمر على هذه الآية يسبحن بالعشي والاشراق فهذه صلاة الاشراق قول ابن شهاب في هذا الحديث عن أبيه هو الصواب لا ما قال عبدالكريم ويزيد بن أبي زياد والله أعلم فهذه الآثار كلها حجة لعائشة في قولها ما سبح رسول الله صلى الله عليه و سلم سبحة الضحى قط لأن كثيرا من الصحابة قد شركها في جهل ذلك ومما يؤيد ذلك أيضا حديث جابر بن سمرة قال سماك بن حرب قلت لجابر بن سمرة أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه و سلم قال نعم كثيرا كان لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الغداة حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام وهذا حديث صحيح رواه الثوري وغيره جماعة عن سماك وأما الآثار المروية في صلاة الضحى فحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود وحدثنا عبدالوارث ( بن سفيان ) قال حدثنا قاسم ( بن أصبغ ) قال حدثنا بكر بن

(8/138)


حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن زيد عن واصل عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يصبح ابن آدم وعلى كل سلامي منه صدقة فإماطته الأذى عن الطريق صدقة وتسليمه على من لقى صدقة وأمره بالمعروف صدقة ونهيه عن المنكر صدقة ومجامعته أهله صدقة قالوا يا رسول الله صلى الله عليه و سلم أحدنا يضع شهوته فتكون له صدقة قال أرأيتم لو وضعها في غير حل ألم يكن يأثم ( ثم ) قال وركعتا الضحى يجزيان عن ذلك كله قال أبو داود وحدثنا وهب بن بقية قال حدثنا خالد ( عن ( 4 ) ) واصل عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي قال بينما نحن عند أبي ذر فذكر نحوه وفيه ذكر الصلاة والصوم والحج والتسبيح والتكبير والتحميد كل ذلك صدقة وقال فعد رسول الله صلى الله عليه و سلم من هذه الأعمال الصالحة ثم قال يجزىء أحدكم من ذلك ركعتا الضحى

(8/139)


وحدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن محمد البرتي قال حدثنا عاصم بن علي وحدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أنبأنا علي بن حجر قالا أنبأنا إسماعيل بن جعفر قال أخبرني محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار عن أبي ذر قال أوصاني حبي بثلاث لا أدعهن إن شاء الله أبدا أوصاني بصلاة الضحى وبالوتر قبل النوم وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله حدثني خلف بن القاسم قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحداد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم القرشي بدمشق قال حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد القرشي قال حدثنا خالد بن يزيد بن صالح بن صبيح عن العلاء عن مكحول عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا عويمر لا تبت إلا على وتر وصل ركعتي الضحى مقيما أو مسافرا وصم ثلاثة أيام من كل شهر تستكمل الزمان كله أو قال الدهر كله وروى أبو

(8/140)


هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله حدثنا عبدالوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن غالب حدثنا بكار بن محمد قال أنبأنا عبدالله بن عون عن محمد عن أبي هريرة قال أمرني رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر وأن لا أنام إلا على وتر وبركعتي الضحى وروى هذا عن أبي هريرة من وجوه فهذا أبو ذر وأبو الدرداء وأبو هريرة قد رووا عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أوصاهم بركعتي الضحى أو صلاة الضحى ذكر عبدالرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عطاء أن أبا هريرة قال ثلاث لا أدعهن حتى ألقى أبا القاسم صلى الله عليه و سلم أن أبيت على وتر وأن أصوم ( من ) كل شهر ثلاثة أيام وصلاة الضحى قال وأخبرنا عمر بن ذر قال سمعت مجاهدا يقول كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي الضحى ركعتين وأربعا وستا وثمانيا وهذا حديث مرسل وكان سعيد بن جبير ومجاهد يصليان الضحى ويرغبان فيها وروى ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن زبان

(8/141)


ابن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من قعد في مصلاه حين ينصرف من الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرا غفر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر وهذا الإسناد عندهم لين ضعيف ( إلا أن الفضائل يروونها عن كل من رواها ولا يردونها ) وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا الوليد عن سعيد بن عبدالعزيز عن مكحول عن كثير بن مرة عن نعيم بن همار ! قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول يا ابن آدم لا تعجزني عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره فهؤلاء كلهم قد عرفوا من صلاة الضحى ما جهله غيرهم وأخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبدالله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعيد بن عثمان وسعيد

(8/142)


ابن حمير قالا حدثنا أحمد بن عبدالله بن صالح قال حدثنا عثمان بن عمر قال حدثنا يونس عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى في بيته سبحة الضحى فقاموا وراءه فصلوا وهذا حديث إنما حدث به عثمان بن عمر بن فارس أو يونس بن يزيد على المعنى بتأويل تأوله وإنما الحديث على حسب ما رواه مالك وغيره عن ابن شهاب على ما مضى في هذا الكتاب في باب ابن شهاب عن محمود بن الربيع والدليل على أنه لا يعرف في هذا الحديث ذكر ( صلاة ) الضحى إنكار ابن شهاب لصلاة الضحى فقد كان الزهري يفتي بحديث عائشة هذا ويقول أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يصل الضحى قط ( قال ) وإنما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلونها بالهواجر أو قال بالهجير ولم يكن عبدالرحمن بن عوف وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عمر يصلون الضحى ولا يعرفونها وروى القاسم بن عوف الشيباني عن ( زيد بن أرقم أن رسول الله صلى

(8/143)


الله عليه وسلم قال صلاة الأوابين إذا رمضت ) الفصال وروى مطر الأعنق عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له يا أنس وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين والأول أثبت رواه مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا هشام الدستوائي حدثنا القاسم بن عوف وقال طاوس أول من صلاها الأعراب وذكر عبدالرزاق عن ابن عيينة عن إسماعيل عن الشعبي قال سمعت ابن عمر يقول ما صليت الضحى منذ أسلمت وروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها وما أحدث الناس شيئا أحب إلي منها وهذا نحو قول عائشة إني لأسبحها وقولها لو نشر لي أبواي ما تركتها أخبرنا محمد بن عبدالملك قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا سعيد بن نصر قال

(8/144)


حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر عن ابن رميثة عن أمه قالت دخلت على عائشة فصلت ثماني ركعات من الضحى فسألتها أمي أخبريني عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ( في هذه الصلاة ) بشيء ( قالت ما أنا بمخبرتك عن رسول الله فيها بشيء ) ولكن لو نشر لي أبي على ادعهن ما تركتهن وقد روي عن عائشة في صلاة الضحى حديث منكر رواه معمر عن قتادة عن معاذة العدوية عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي ( صلاة ) الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء وهذا عندي غير صحيح وهو مردود بحديث ابن شهاب المذكور في هذا الباب

(8/145)


حديث سابع لابن شهاب عن عروة مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت ما خير رسول الله صلى الله عليه و سلم في أمرين ( قط ) إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله صلى الله عليه و سلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة لله فينتقم لله بها في هذا الحديث دليل على أن المرء ينبغي له ترك ما عسر عليه من أمور الدنيا والآخرة وترك الإلحاح فيه إذا لم يضطر إليه والميل إلى اليسر أبدا فإن اليسر في الأمور كلها أحب إلى الله وإلى رسوله قال تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وفي معنى هذا الأخذ برخص الله تعالى ورخص رسوله صلى الله عليه و سلم والأخذ برخص العلماء ما لم يكن القول خطأ بينا وقد تقدم من

(8/146)


القول في هذا المعنى في باب الفطر في السفر في حديث حميد الطويل وفي باب القبلة للصائم في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا ما فيه كفاية روينا عن محمد بن يحيى بن سلام عن أبيه قال ينبغي للعالم أن يحمل الناس على الرخصة والسعة ما لم يخف المأثم وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا سعيد بن أحمد بن عبد ربه وأحمد بن مطرف قالا حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا يونس بن عبدالأعلى قال حدثنا سفيان بن عيينة عن معمر قال إنما العلم أن تسمع بالرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل واحد وفي هذا الحديث دليل على أن على العالم أن يتجافى عن الانتقام لنفسه ويعفو ويأخذ بالفضل أن أحب أن يتأسى بنبيه صلى الله عليه و سلم ( وإن لم يطق كلا فبعضا وكذلك السلطان قال الله عز

(8/147)


وجل لنبيه ) وإنك لعلى خلق عظيم قال المفسرون كان خلقه ما قال الله خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وعلى العالم أن يغضب عند المنكر ويغيره إذا لم يكن لنفسه وفي معنى هذا الحديث أن لا يقضي الإنسان لنفسه ولا يحكم لها ولا لمن في ولايته وهذا ما لا خلاف فيه والله أعلم وهذا الحديث مما رواه منصور بن المعتمر عن ابن شهاب أخبرني عبدالرحمن بن يحيى قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا عبدالملك بن بحر قال حدثنا موسى بن هرون قال حدثنا العباس بن الوليد قال حدثنا فضيل بن عياض عن منصور عن محمد بن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم منتصرا من ضلامة ظلمها قط إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فإذا انتهك من محارم الله شيء كان أشدهم في ذلك وما خير بين أمرين أمرين قط إلا اختار أيسرهما وحدثنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي قال حدثنا الفضيل بن عياض عن منصور بن المعتمر عن ابن شهاب عن

(8/148)


عروة عن عائشة قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم منتصرا من مظلمة قط ما لم ينتهك من محارم الله شيء فإذا انتهك من محارم الله شيء كان أشدهم في ذلك غضبا وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما وحدثنا عبدالوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أبو الأحوص محمد بن الهيثم قال حدثنا دحيم الدمشقي قال حدثنا مؤمل عن سفيان الثوري عن منصور عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ينتصر لنفسه من مظلمة ظلمها إلا أن تنتهك محارم الله فيكون لله ينتصر وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما وأما رواية ابن إسحاق فحدثنا عبدالوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا مضر بن محمد قال حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت ما خير رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أمرين ( قط ) إلا اختار أيسرهما ما لم يكن حراما فإن كان حراما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله صلى الله عليه و سلم لنفسه من شيء يصاب به إلا أن تصاب حرمة الله فينتقم لله ( بها ( 4 ) )

(8/149)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية