صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ نيل الأوطار - الشوكاني ]
الكتاب : نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار
المؤلف : محمد بن علي بن محمد الشوكاني
الناشر : إدارة الطباعة المنيرية
عدد الأجزاء : 9
مع الكتاب : تعليقات يسيرة لمحمد منير الدمشقي
(الصفحات من بعد المجلد الرابع مرقمة آليا)

باب تحريم القمار واللعب بالنرد وما في معنى ذلك

(8/173)


1 - عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من حلف فقال في حلفه باللات والعزي فليقل لا إله إلا اللع ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق "
- متفق عليه

(8/173)


2 - وعن بريدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من لعب بالنرد شير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه "
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود

(8/174)


3 - وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من لعب بالنرد فقد عصي الله ورسوله "
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ومالك في الموطأ

(8/174)


4 - وعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من لعب بالكعاب فقد عصي الله ورسوله "
- رواه أحمد

(8/174)


5 - وعن عبد الرحمن الخطمي قال سمعت أبي يقول " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي "
- رواه أحمد

(8/175)


- حدبث أبي موسى الأول رجال إسناده ثقات وأخرجه أيضا الحاكم والدارقطني والبيهقي . وحديث أبي موسى الثانيقال في مجمع الزوائد رواه الطبراني وفي إسناده علي بن زيد وهو متروك . وحديث عبد الرحمن الخطمي قال أحمد حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا الجعيد عن موسى بن عبد الرحمن فذكره وأورده الحافظ في التلخيص من كتاب الشهادات وسكت عنه وقال في مجمع الزوائد فيه موسى ابن عبد الرحمن الخطمي ولم أعرفه وبقية رجال الصحيح
قوله : " فليقل لا إله إلا الله " في الأمر لمن حلف باللات والعزى أن يتكلم بكلمة الشهادة دليل على أنه قد كفر بذلك وسيأتي تحقيق المسألة في كتاب الأيمان إن شاء الله
قوله : " فليتصدق " فيه دليل على المنع من المقامرة لأن الصدقة المأمور بها كفارة عن الذنب قال في القاموس وقامره مقامرة وقمارا فقمره كنصره وتقمره راهنة فغلبه وهو التقامر اه فالمراد بالقمار المذكور هنا الميسر ونحوه مما كانت تفعله العرب وهو المراد بقوله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر وكل مالا يخلوا اللاعب فيه من غنم أو غرم فهو ميسر وقد صرح القرآن بوجوب اجتنابه قال الله تعالى { إنما الخمر والميسر } الآية وقد صرحت بتحريمه السنة كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا
قوله : " من لعب بالنرد شير " قال النووي النرد شير هو النرد عجمي معرب وشير معناه حلو وكذا في النهاية وقيل هو خشية قصيرة ذات فصوص يلعب بها
وقيل إنما سمي بذلك الاسم لأن واضعه اردشير بن بابك من ملوك الفرس قال النووي وهذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد وقال أبو إسحاق المروزي يكره ولا يحرم قيل وسبب تحريمه أن وضعه على هيئة الفلك بصورة شمس وقمر وتأثيرات مختلفة تحدث عند اقترانات أوضاعه ليدل على أن أقضية الأمور الأمور مقدرة بقضاء الله ليس للكسب فيها مدخل ولهذا ينتظر اللاعب به ما يقضي له به والتمثيل بقوله فكأنما صبغ يده في لحم خنزير الخ في اشارة إلى التحريم لأن التلوث بالنجاسات من المحرمات . وقوله " فقد عصى الله ورسوله " تصريح بما يفيد التحريم
قوله : " من لعب بالكعاب " هي فصوص النرد وقد كرهها عامة الصحابة وروى أنه رخص فيها ابن مغفل وان المسيب على غير قمار واختلف في الشطرنج قال النووي مذهبنا أنه مكروه وليس بحرام وهو مروي عن جماعة من التابعين
وقال مالك وأحمد هو حرام قال مالك هو شر من النرد وألهى وروى ابن كثير في ارشاده أن أول ظهور الشطرنج في زمن الصحابة وضعه رجل هندي يقال له صصة قال وروى البيهقي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال في الشطرنج هو من الميسر قال ابن كثير وهو منقطع جيد وروى عن ابن عباس وابن عمر وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد وعائشة أنهم كرهوا ذلك وروى عن ابن عمر أنه شر من النرد كما قال مالك وحكى في ضوء النهار عن ابن عباس وأبي هريرة وابن سيرين وهشام بن عروة بن الزبير وسعيد ابن المسيب وابن جبير أنهم أباحوه وقد روى في تحريمه أحاديث أخرج الديلمي من حديث واثلة مرفوعا " إن لله في كل يوم ثلثمائة نظرة ولا ينظر فيها إلى صاحب الشاه " وفي لفظ " يرحم بها عباده ليس لأهل الشاه فيها نصيب " يعني الشطرنج وأخرج من حديث ابن عباس يرفعه " إلا أن أصحاب الشاه في النار الذين يقولون قتلت والله شاهك " وأخرج الديلمي أيضا عن أنس يرفعه ملعون من لعب بالشطرنج وأخرج ابن حزم وعبد أن ملعون من لعب الشطرنج والناظر إليهم كالآكل لحم الخنزير من حديث جميع بن مسلم وأخرج الديلمي عن علي مرفوعا يأتي على الناس زمان يلعبون بها ولا يلعب بها إلا كل جبار والجبار في النار
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي كرم الله وجهه أنه قال النرد والشطرنج من الميسر
وأخرج عنه عبد بن حميد أنه قال الشطرنج ميسر العجم وأخرج عنه ابن عساكر أنه قال لا يسلم على أصحاب النرد شير والشطرنج قال ابن كثير والأحاديث المروية فيه لا يصح منها شيء ويؤيد هذا ما تقدم من أن ظهوره كان في أيام الصحابة وأحسن ما روي فيه ما تقدم عن علي كرم الله وجهه وإذا كان بحيث لا يخلو أحد اللاعبين من غنم أو غرم فهو من القمار وعليه يحمل ما قاله علي أنه من الميسر والمجوزون له قالوا إن فيه فائدة وهي معرفة تدبير الحروب ومعرفة المكايد فأشبه السبق والرمى قالوا وإذا كان على عوض فهو كمال الرهان وقد تقدم حكمه ولا نزاع أنه نوع من اللهو الذي نهى الله عنه ولا ريب أنه يلزم ايغار الصدور وتتأثر عنه العداوات وتنشأ منه المخاصمات فطالب النجاة لنفسه لا يشتغل بما هذا شأنه وأقل أحواله أن يكون من المشتبهات والمؤمنون عند الشبهات
وفي الشفاء للأمير الحسين قبل آخر الكتاب بنحو ثلاث ورق عن علي عليه السلام أنه أمر بحرق رقعة الشطرنج وإقامة كل واحد ممن لعب بها معقولا على فرد رجل إلى صلاة الظهر ثم ذكر غير ذلك

(8/175)


باب ما جاء في آلة اللهو

(8/175)


1 - عن عبد الرحمن بن غنم قال " حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف "
- أخرجه البخاري
وفي لفظ " لشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير " . رواه ابن ماجه
وقال عن أبي مالك الأشعري ولم يشك والمعازف الملاهي قاله الجوهري وغيره

(8/176)


2 - وعن نافع " أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع اصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول يا نافع أتسمع فأقوله نعم فيمضي حتى قلت لا فرفع يده وعدل راحلته إلى الطريق وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمع زمارة راع فصنع مثل هذا "
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

(8/176)


3 - وعن عبد الله بن عمر " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وكل مسكر حرام "
- رواه أحمد وأبو داود
وفي لفظ " إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبة والقنين " . رواه أحمد

(8/176)


- حديث أبي مالك الأشعري باللفظ الذي ساقه ابن ماجه هو من طريق ابن محيريز عن ثابت بن السمط وأخرجه أبو داود وصححه ابن حبان وله شواهد وحديث ابن عمر الأول أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه قال أبو علي وهو اللؤلؤي سمعت أبا داود يقول وهو حديث منكر . وحديثه الثاني سكت عنه الحافظ في التلخيص أيضا وفي اسناده الوليد بن عبدة الراوي له عن ابن عمر قال أبو حاتم الرازي هو مجهول
وقال ابن يونس في تاريخ المصريين أنه روى عنه يزيد ابن أبي حبيب
وقال المنذري أن الحديث معلول ولكنه يشهد له ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقي من حديث ابن عباس بنحوه وسيأتي وأخرجه أحمد من حديث قيس بن سعد بن عبادة قوله " يستحلون " الحر ضبطه ابن ناصر بالحاء المهملة المكسورة والراء الخفيفة وهو الفرج
قال في الفتح وكذا هو في معظم الروايات من صحيح البخاري ولم يذكر عياض ومن تبعه غيره وأغرب ابن التين فقال أنه عند البخاري بالمعجمتين
وقال ابن العربي هو بالمعجمتين تصحيف وإنما رويناه بالمهملتين وهو الفرج والمعنى يستحلون الزنا
قال ابن التين يريد ارتكاب الفرج لغير حله وحكى عياض فيه تشديد الراء والتخفيف هو الصواب ويؤيد الرواية بالمهملتين ما أخرجه ابن المبارك في الزهد عن علي مرفوعا بلفظ " يوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير " ووقع عند الداودي بالمعجمتين ثم تعقبه بأنه ليس بمحفوظ لأن كثيرا من الصحابة لبسوه
وقال ابن الأثير المشهور في روايات هذا الحديث بالإعجام وهو ضرب من الابر يسم وقال ابن العربي الخز بالمعجمتين والتشديد مختلف فيه فالأقوى حمله وليس فيه وعيد ولا عقوبة بالإجماع وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب اللباس
قوله : " والمعازف " بالعين المهملة والزاي بعدها فاء جمع معزفة بفتح الزاي وهي آلات الملاهي ونقل القرطبي عن الجوهري إن المعازف الغناء والذي في صحاحه أنها اللهو وقيل صوت الملاهي وفي حواشي الدمياطي المعازف الدفوف وغيرها مما يضرب به ويطلق على الغناء عزف وعلى كل لعب عزف
قوله : " زمارة " قال في القاموس والزمارة كجبانة ما يرمز به كالمزمار
قوله : " فصنع مثل هذا فيه " دليل على أن المشروع لمن سمع الزمارة أن يصنع كذلك واستشكل إذن ابن عمر لنافع بالسماع ويمكن أنه إذ ذاك لم يبلغ الحلم وسيأتي بيان وجه الاستدلال به والجواب عليه
قوله : " والميسر " هو القمار وقد تقدم
قوله : " والكوبة " بضم الكاف وسكون الواو ثم باء موحدة قيل هي الطبل كما رواه البيهقي من حديث ابن عباس وبين أن هذا التفسير من كلام علي بن بذيمة قوله " والغبيراء " بضم الغين المعجمة قال في التلخيص اختلف في تفسيرها فقيل الطنبور وقيل العود وقيل البربط وقيل المزر يصنع من الذرة أو من القمح وبذلك فسره من النهاية
قوله : " والمزر بكسر الميم وهو نبيذ الشعير
قوله : " والقنين " هو لعبة للروم يقامرون بها وقيل هو الطنبور بالحبشية كذا في مختصر النهاية وقد استدل المصنف بهذه الأحاديث على ما ترجم به الباب وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى

(8/177)


4 - وعن ابن عباس " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة وكل مسكر حرام "
- رواه أحمد . والكوبة الطبل قاله سفيان عن علي بن بذيمة
قال وقال ابن الأعرابي الكوبة النرد وقيل البربط والقتين هو الطنبور بالحبشية والتقنين الضرب به قال ابن الإعراب

(8/177)


5 - وعن عمر أن بن حصين " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف فقال رجل من المسلمين يا رسول الله ومتى ذلك قال إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور "
- رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب

(8/177)


6 - وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا اتخذ الفيء دولا والأمانة معنما والزكاة مغرما وتعلم لغير الدين وأطاع الرجل إمرأته وعق أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد وساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وظهرت القيان والمعازف وشربت المور ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع بعضه بعضا "
- رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب

(8/178)


7 - وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " تبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب ثم يصبحون قردة وخنازير وتبعث على أحياء من أحيائهم ريح فتنسفهم كما نسف من كان قبلكم باستحلالهم الخمر وضربهم بالدفوف وإتخاذهم القينات "
- رواه أحمد في إسناده فرقد السبخي قال أحمد ليس بقوي وقال ابن معين هو ثقة
وقال الترمذي تكلم عنه يحيى بن سعيد وقد روى عنه الناس

(8/178)


8 - وعن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات يعني البرابط والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية "
- رواه أحمد قال البخاري عبيد الله بن زحر ثقة وعلي بن يزيد ضعيف والقاسم ابن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن ثقة وبهذا الإسناد " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام في مثل هذا أنزلت هذه الآية ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله على آخر الآية "
- رواه الترمذي . ولأحمد معناه ولم يذكر نزول الآية فيه ورواه الحميدي في مسنده ولفظه " لا يحل عن المغنية ولا بيعها ولاشراؤها ولا الأستماع إليها "

(8/178)


- حديث ابن عباس قد تقدم أنه أخرجه أيضا أبو داود وابن حبان والبيهقي وحديث عمران بن حصين قال الترمذي بعد أخراجه عن عباد بن يعقوب الكوفي حدثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمشي عن هلال بن يساف عن عمران ما لفظه وقد روى هذا الحديث عن الأعمش عن عبد الرحمن بن ساباط عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا وهذا حديث غريب . وحديث أبي هريرة قال الترمذي بعد أن أخرجه من طريق علي بن حجر حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن المسلم بن سعيد عن رميح الجذامي عنه ما لفظه وفي الباب عن علي وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وحديث علي هذا الذي أشار إليه هو ما أخرجه في سننه قبل حديث أبي هريرة عن علي بن أبي طالب قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء وفيه شربت الخمور وليس الحرير واتخذت القيان والمعازف " وقال بعد تعداد الخصال هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه ولا نعلم أحدا رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة والفرج بن فضالة قد تكلم فيه بعض الحديث وضعفه من قبل حفظه وقد روى وكيع وغير واحد من الأئمة انتهى . وحديث أبي أمامة الأول والثاني قد تكلم المصنف عليهما وحديثه الثالث قال الترمذي بعد أخراجه إنما يعرف مثل هذا من هذا الوجه وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه وهو شامي انتهى
وأخرجه أيضا ابن ماجه وسعيد بن منصور والواحدي وعبيد الله بن زحر قال أبو مسهر أنه صاحب كل معضلة وقال ابن معين ضعيف وقال مرة ليس بشيء وقال ابن المديني منكر الحديث وقال الدارقطني ليس بالقوي
وقال ابن حبان روى موضوعات عن الأثبات وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات ( وفي الباب ) وعن ابن مسعود عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال في قوله { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال هو والله الغناء
وأخرجه الحاكم والبيهقي وصححاه وأخرجه البيهقي أيضا عن ابن عباس بلفظ هو الغناء وأشباهه ( وفي الباب ) أيضا عن ابن مسعود عند أبي داود والبيهقي مرفوعا بلفظ " الغناء ينبت النفاق في القلب " وفيه شيخ لم يسم ورواه البيهقي موقوفا وأخرجه ابن عدي من حديث أبي هريرة وقال ابن طاهر أصح الأسانيد في ذلك أنه من قول إبراهيم
وأخرج أبو يعقوب محمد ابن إسحاق النيسابوري من حديث أنس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من قعد إلى قين يسمع صب في أذنه الآنك " وأخرج أيضا من حديث ابن مسعود " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع رجل يتغنى من الليل فقال لا صلاة له لا صلاة له لا صلاة له " وأخرج أيضا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " قال أستماع الملاهي معصية والجلوس عليها فسق والتلذذ بها كفر " وروى ابن غيلان عن علي " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال بعثت بكسر المزامير " وقال صلى الله عليه وآله وسلم كسب المغني والمغنية حرام وكذا رواه الطبراني من حديث عمر مرفوعا عن القينة سحت وغناؤها حرام
وأخرج القاسم بن سلام عن علي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ضرب الدف والطبل وصوت المزمار ( وفي الباب ) أحاديث كثيرة وقد وضع جماعة من أهل العلم في ذلك مصنفات ولكنه ضعفها جميعا بعض أهل العلم حتى قال ابن حزم أنه لا يصح في الباب حديث أبدا وكل ما فيه فموضوع . وزعم أن حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري المذكور في أول الباب منقطع فيما بين البخاري وهشام وقد وافقه على تضعيف أحاديث الباب من سيأتي قريبا
قال الحافظ في الفتح وأخطأ في ذلك يعني في دعوى الإنقطاع من وجوه والحديث الصحيح معروف الأتصال بشرط الصحيح والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر الحديث في موضع آخر من كتابه وأطال الكلام على ذلك بما يشفى
قوله : " الكبارات " جمع كبار قال في القاموس في مادة ك ب ر والطبل الجمع كبار أو أكبار انتهى . والبربط العود قال في القاموس البربط كجعفر معرب يربط أي صدر الأوز بأنه يشبهه انتهى
وقد اختلف في الغناء مع آلة من آلات الملاهي وبدونها فذهب الجمهور إلى التحريم مستدلين بما سلف . وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر وجماعة من الصوفية إلى الترخيص في السماع ولو مع العود واليراع وقد حكى الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء بأسا ويصوغ الألحان لجواريه ويسمعها منهن على أوتاره وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه . وحكى الاستاذ المذكور مثل ذلك أيضا عن القاضي شريح وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والزهري والشعبي
وقال امام الحرمين في النهاية وابن أبي الدم نقل الإثبات المؤرخين ان عبد الله بن الزبير كان له جوار عوادات وإن ابن عمر دخل عليه والي جنيه عوج فقال ماهذا يا صاحب رسول الله فناوله أياه فتأمله ابن عمر فقال هذا ميزان شامي قال ابن الزبير يوزن به العقول
وروى الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالته في السماع سنده إلى ابن سيرين قال أن رجلا أتى المدينة بجوار فنزل على عبد الله بن عمر وفيهن جارية تضرب فجاء رجل فساومه فلم يهو منهن شيئا قال انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعا من هذا قال من هو قال عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه فأمر جارية منهن فقال لها خذي العود فأخذته فغنت فبايعه ثم جاء إلي ابن عمر إلى آخر القصة
وروى صاحب العقد العلامة الأديب أبو عمر الأندلسي أن عبد الله بن عمر دخل على أبي جعفر فوجد عنده جارية في حجرها عود ثم قال لابن عمر هل ترى بذلك بأسا قال لابأس بهذا وحكى الماوردي عن معاوية وعمرو بن العاص أنهما سمعا العود عند ابن جعفر وروى أبو الفج الأصبهاني أن حسان ابن ثابت سمع من عزة الميلاء الغناء بالمزهر بشعر من شعره . وذكر أبو العباس المبرد نحو ذلك والمزهر عند أهل اللغة العود وذكر الأدفوي أن عمر بن عبد العزيز كان يسمع جواريه قبل الخلافة ونقل ابن السمعاني الترخيص عن طاوس ونقله ابن قتيبة وصاحب الأمتاع عن قاضي المدينة سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري من التابعين ونقله أبو يعلى الخليلي في الأرشاد عن عبد العزيز بن سلمة الماجشون مفتي المدينة
وحكى الروياني عن القفال أن مذهب مالك بن أنس أباحة الغناء بالمعازف وحكي الأستاذ أبو منصور الفوراني عن مالك جواز العود وذكر أبو طالب المكي في قوت القلوب عن شعبة أنه سمع طنبورا في بيت المنهال ابن عمر والمحدث المشهور . وحكي أبو الفضل بن طاهر في مؤلفه في السماع أنه لا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود
قال ابن النحوي في العمدة قال ابن طاهر هو إجماع أهل المدينة
قال ابن طاهر وإليه ذهبت الظاهرية قاطبة قال الأدفوى لم يختلف النقلة في نسبة الضرب إلى إبراهيم بن سعد المتقدم الذكر وهو ممن أخرج له الجماعة كلهم وحكى الماوردي أباحة العود عن بعض الشافعية وحكاه أبو الفضل ابن طاهر عن أبي إسحاق الشيرازي وحكاه الأسنوي في المهمات عن الروياني والماوردي ورواه ابن النحوي عن الأستاذ أبي منصور وحكاه ابن الملقن في العمدة عن ابن طاهر . وحكاه الأدفوي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام وحكاه صاحب الأمتاع عن أبي بكر بن العربي وجزم بالأباحة الأدفوي هؤلاء جميعا قالوا بتحليل السماع مع آلة من الآلات المعروفة وأما مجرد الغناء من غير آلة فقال الأدفوي في الأمتاع أن الغزالي في بعض تآليفه الفقهية نقل الأتفاق على حله ونقل ابن طاهر إجماع الصحابة والتابعين عليه ونقل التاج الفزاري وابن قتيبة إجماع أهل الحرمين عليه ونقل ابن طاهر وابن قتيبة أيضا إجماع أهل المدينة عليه وقال الماوردي لم يزل أهل الحجاز يرخصون فيه في أفضل أيام السنة المأمور فيه بالعبادة والذكر قال ابن النحوي في العمدة وقد روى الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين فمن الصحابة عمر كما رواه ابن عبد البر وغيره وعثمان كما نقله الماوردي وصاحب البيان والرافعي وعبد الرحمن بن عوف كما رواه ابن أبي شيبة وأبو عبيدة بن الجراح كما أخرجه البيهقي وسعد بن أبي وقاص كما أخرجه ابن قتيبة وأبو مسعود الأنصاري كما أخرجه البيهقي وبلال وعبد الله ابن الأرقم وأسامة بن زيد كما أخرجه البيهقي أيضا وحمزة كما في الصحيح وابن عمر كما أخرجه ابن طاهر والبراء بن مالك كما أخرجه أبو نعيم وعبد الله بن جعفر كما رواه ابن عبد البر
وعبد الله بن الزبير كما نقله أبو طالب المكي وحسان كما رواه أبو الفرج الأصبهاني وعبد الله بن عمر وكما رواه الزبير بن بكار وقرظة بن كعب كما رواه ابن قتيبة وخوات بن جبير ورباح المعترف كما أخرجه صاحب الأغاني والمغيرة بن شعبة كما حكاه أبو طالب المكي وعمرو بن العاص كما حكاه الماوردي وعائشة والربيع كما في صحيح البخاري وغيره
وأما التابعون فسعيد بن المسيب وسالم بن عمرو بن حسان وخارجة بن زيد وشريح القاضي وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبد الله بن أبي عتيق وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن شهاب الزهري وعمر بن عبد العزيز وسعد بن إبراهيم الزهري
وأما تابعوهم فخلق لا يحصون منهم الأئمة الأربعة وابن عيينة وجمهور الشافعية انتهى كلام ابن النحوي واختلف هؤلاء المجوزون فمنهم من قال بكراهته ومنهم من قال باستحبابه قالوا لكونه يرق القلب ويهيج الأحزان والشوق إلى الله قال المجوزون أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في معقولهما من القياس والاستدلال ما يقتضي تحريم مجرد سماع الأصوات الطيبة الموزونة مع آلة من الآلات وأما المانعون من ذلك فاستدلوا بأدلة . منها حديث أبي مالك وأبي عامر المذكور في أول الباب وأجاب المجوزون بأجوبة . الأول ما قاله ابن حزم وقد تقدم وتقدم جوابه الثاني أن في إسناده صجقة بن خالد وقد حكى ابن الجنيد عن يحيى بن معين أنه ليس بشيء
وروى المزي عن أحمد أنه ليس بمستقيم ويجاب عنه بأنه من رجال الصحيح . ثالثها أن الحديث مطرب سندا ومتنا أما الأسناد فللتردد من الراوي في اسم الصحابي كما تقدم وأما متنا فلان في بعض الألفاظ يستحلون وفي بعضها بدونه وعند أحمد وابن أبي شيبة بلفظ ليشربن أناس من أمتي الخمر
وفي رواية الحر بمهملتين وفي أخرى بمعجمتين كما سلف ويجاب عن دعوى الاضطراب في السند بأنه قد رواه أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي مالك بغير شك ورواه أبو داود من حديث أبي عامر وأبي مالك وهي رواية ابن داسة عن أبي داود ورواية ابن حبان أنه سمع أبا عامر وأبا مالك الأسعريين فتبين بذلك أنه من روايتهما جميعا وأما الاضطراب في المتن فيجاب بأن مثل ذلك غير قادح في الاستدلال لأن الراوي قد يترك بعض ألفاظ الحديث تارة ويذكرها أخرى
والرابع أن لفظة المعازف التي هي محل الاستدلال ليست عند أبي داود ويجاب بأنه قد ذكرها غيره وثبتت في الصحيح والزيادة من العدل مقبولة وأجاب المجوزون أيضا على الحديث المذكور من حيث دلالته فقالوا لانسلم دلالته على التحريم وأسندوا هذا المنع بوجوه أحدها أن لفظة يستحلون ليست نصا في التحريم فقد ذكر أبو بكر بن العربي لذلك معنيين أحدهما أن المعنى يعتقدون أن ذلك حلال الثاني أن يكون مجازا عن الأسترسال في استعمال تلك الأمور ويجاب بأن الوعيد على الاعتقاد يشعر بتحريم الملابسة بفحوى الخطاب وأما دعوى التجوز فالأصل الحقيقة ولا ملجئ إلى الخروج عنها وثانيها أن المعازف مختلف في مدلولها كما سلف وإذا كان اللفظ محتملا لأن يكون للآلة ولغير الآلة لم ينتهض للاستدلال لأنه أما أن يكون مشتركا والراجح التوقف فيه أو حقيقة ومجازا ولا يتعين المعنى الحقيقي ويجاب بأنه يدل على تحريم استعمال ما صدق عليه الاسم والظاهر الحقيقة في الكل من المعاني المنصوص عليها من أهل اللغة وليس من قبيل المشترك لأن اللفظ لم يوضع لكل واحد على حدة بل وضع للجميع على أن الراجح جواز استعمال المشترك في جميع معانيه مع عدم التضاد كما تقرر في الأصول وثالثها أنه يحتمل أن تكون المعازف المنصوص على تحريمها هي المقترنة بشرب الخمر كما ثبت في رواية بلفظ " يشربن أناس من أمتي الخمر تروح عليهم القيان وتغدو عليهم المعازف " ويجاب بأن الأقتران لا يدل على أن المحرم هو الجمع فقط والألزام أن الزنا المصرح به في الحديث لا يحرم إلا عند شرب الخمر واستعمال المعازف واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله وأيضا يلزم في مثل قوله تعالى { أنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين } أنه لا يحرم عدم الإيمان بالله إلا عند عدم الحض على طعام المسكين فإن قيل تحريم مثل هذه الأمور المذكورة في الإلزام قد علم من دليل أخر فيجاب بأن تحريم المعازف قد علم من دليل أخر أيضا كما سلف علي أنه لا ملجئ إلى ذلك حتى يصار إليه ورابعها أن يكون المراد يستحلون مجموع الأمور المذكورة فلا يدل على تحريم واحد منها على الإنفراد وقد تقرر أن النهي عن الأمور المتعددة أو الوعيد على مجموعها لا يدل على تحريم كل فرد منها ويجاب عنه بما تقدم في الذي قبله واستدلوا ثانيا بالأحاديث المذكورة في الباب التي أوردها المصنف رحمه الله تعالى وأجاب عنها المجوزون بما تقدم من الكلام في أسانيدهم ويجاب بأنها تنتهض بمجموعها ولا سيما وقد حسن بعضها فأقل أحوالها أن تكون من قسم الحسن لغيره ولا سيما أحاديث النهي عن بيع القينات المغنيات فإنها ثابتة من طرق كثيرة منها ما تقدم ومنها غيره قد أستوفيت ذلك في رسالة وكذلك حديث أن الغناء ينبت النفاق فإنه ثابت من طرق قد تقدم بعضها وبعضها لم يذكر منه عن ابن عباس عند ابن صصرى في أماليه ومنه عن جابر عند البيهقي ومنه عن أنس عند الديلمي وفي الباب عن عائشة وأنس عند البزار والمقدسي وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي بلفظ صوتان ملعونان في الدنيا والأخرى مزمار عند نعمة ورنة عند مصيبة
وأخرج ابن سعد في السنن عن جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة له ولعب ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة وخمش وجه وشق جيب ورنة شيطان
وأخرج الديلمي عن أبي أمامة مرفوعا أن الله يبغض صوت الخلخال كما يبغض الغناء والأحاديث في هذا كثيرة قد صنف في جمعها جماعة من العلماء كابن حزم وابن طاهر وابن أبي الدنيا وابن حمدان الأربلى والذهبي وغيرهم وقد أجاب المجوزون عنها بأنه قد ضعفها جماعة من الظاهرية والمالكية والحنابلة والشافعية وقد تقدم ما قاله ابن حزم ووافقه على ذلك أبو بكر بن العربي في كتابه الأحكام وقال لم يصح في التحريم شيء وكذلك قال الغزالي وابن النحو في العمدة وهكذا قال ابن طاهر أنه لم يصح منها حرف واحد والمراد ما هو مرفوع منها وإلا فحديث ابن مسعود في تفسير قوله تعالى { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } قد تقدم أنه صحيح وقد ذكر هذا الأستثاء ابن حزم فقال أنهم لو أسندوا حديثا واحدا فهو إلى غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا حجة في أحد دونه كما روى عن ابن عباس وابن مسعود في تفسير قوله تعالى { ومن الناس } الآية أنهما فسرا اللهو بالغناء قال ونص الآية يبطل أحتجاجهم لقوله تعالى { ليضل عن سبيل الله } وهذه صفة من فعلها كان كافرا ولو أن شخصا اشترى مصحفا ليضل به عن سبيل الله ويتخذها هزوا لكان كافرا فهذا هو الذي ذم الله تعالى وما ذم من اشترى لهو الحديث ليروح به نفسه لا يضل به عن سبيل الله انتهى
قال الفاكهاني لم أعلم في كتاب الله ولا في السنة حديثا صحيحا صريحا في تحريم الملاهي وإنما هي ظواهر وعمومات يتأنس لا أدلة قطعية واستدل ابن رشد بقوله تعالى { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } وأي دليل على ذلك في تحريم الملاهي والغناء والمفسرين فيها أربعة أقوال الأول أنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا فكان اليهود يلقونهم بالسب والشتم ويعرضون عنهم والثاني أن اليهود أسلموا فكانوا إذا سمعوا ما غيره اليهود من التوراة وبدلوا من نعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصفته أعرضوا عنه وذكروا الحق . الثالث أنهم مسلمون إذا سمعوا الباطل لم يلتفتوا إليه . الرابع أنهم ناس من أهل الكتاب لم يكونوا يهودا ولا نصارى وكانوا على دين الله كانوا ينتظرون بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلما سمعوا به بمكة أتوه فعرض عليهم القرآن فأسلموا وكان الكفار من قريش يقولون لهم أف لكم أتبعتم غلاما كرهه قومه وهم أعلم به منكم وهذا الأخير قاله ابن العربي في أحكامه وليت شعري كيف يقوم الدليل من هذه الآية انتهى . ويجاب بأن الأعتبار لعموم اللفظ لا بخصوص السبب واللغو عام وهو في اللغة الباطل من الكلام الذي لا فائدة فيه والآية خارجة مخرج المدح لمن فعل ذلك وليس فيها دلالة على الوجوب ومن جملة ما استدلوا به حديث كل لهو يلهو به المؤمن هو باطل إل ثلاثة ملاعبة الرجل أهله وتأديبه فرسه . ورميه عن قوسه
قال الغزالي قلنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو باطل لا يدل على التحريم بل يدل على عدم الفائدة انتهى
وهو جواب صحيح لأن ما لا فائدة فيه من قسم المباح على أن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت في الصحيح خارج عن تلك الأمور الثلاثة وأجاب المجوزون عن حديث ابن عمر المتقدم في زمارة الراعي بما تقدم من أنه حديث منكر وأيضا لو كان سماعه حراما لما أباحه صلى الله عليه وآله وسلم لابن عمر ولابن عمر لنافع وانهي عنه وأمر بكسر الآلة لآن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وأما سده صلى الله عليه وآله وسلم لسمعه فيحتمل أنه تجنبه كما كان يتجنب كثير من المباحات كما تجنب أن يبيت في بيته درهم أو دينار وأمثال ذلك لا يقال يحتمل أن تركه صلى الله عليه وآله وسلم للإنكار على الراعي إنما كان لعدم القدرة على التغيير لأنا نقول ابن عمر إنما صاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالمدينة بعد ظهور الإسلام وقوته فترك الإنكار فيه دليل على عدم التحريم وقد استدل المجوزون بأدلة منها قوله تعالى { ويحل لهم الطيبات ويحرك عليهم الخبائث } ووجهه التمسك أن الطيبات جمع محلى باللام فيشمل كل طيب والطيب يطلق بإذاء المستلذ وهو الأكثر المتبادر إلى الفهم عند التجرد عن القرائن ويطلق بإزاء الطاهر والحلال وصيغة العموم كلية تتناول كل فرد من أفراد العام فتدخل أفراد المعاني الثلاثة كلها ولو قصرنا العام على بعض أفراده لكان قصره على المتبادره الظاهرة وقد صرح ابن عبد السلام في دلائل الأحكام أن المراد في الآية بالطيبات المستلذات ومن جملة ما استدل به المجوزون ما سيأتي في الباب الذي بعد هذا وسيأتي الكلام عليه
ومن جملة ما قاله المجوزون أنا لو حكمنا بتحريم اللهو لكونه لهوا لكان جميع ما في الدنيا محرما لأنه لهو لقوله تعالى إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ويجاب بأنه لا حكم على جميع ما يصدق عليه مسمى اللهو لكونه لهوا بل الحكم بتحريم لهو خاص وهو لهو الحديث المنصوص عليه في القرآن لكنه لما علل في الآية بعلة الضلال عن سبيل الله لم ينتهض للاستدلال به على المطلوب وإذا تقرر جميع ما حررناه من حجج الفريقين فلا يخفى على الناظر أن محل النزاع إذا خرج عن دائرة الحرام لم يخرج عن دائرة الاشتباه والمؤمنون وقافةن عند الشبهات كما صرح به الحديث الصحيح ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن حال حول الحمى يوشك أن يقع فيه ولا سيما إذا كان مشتملا على ذكر القدود والخدودج والجمال والدلال والهجر والوصال ومعاقرة العقار وخلع العذار والوقار فإن سامع ما كان كذلك لا يخلو عن بلية وإن كان من تصلب في ذات الله على حد يقصر عنه الوصف وكم لهذه الوسيلة الشيطانية من قتيل دمه مطلول وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول نسأل الله السداد والثبات ومن أراد الاستيفاء للبحث في هذه المسالة فعليه بالرسالة التي سميتها أبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع

(8/179)


باب ضرب النساء بالدف لقدوم الغائب وما في معناه

(8/179)


1 - عن بريدة " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى قال لها إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل على وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت أستها ثم قعدت عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الشيطان ليخاف منك يا عمر إني كنت جالسا وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهس تضرب فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف "
- رواه أحمد والترمذي وصححه

(8/179)


- الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي في الباب عن عبد الله بن عمر وعند أبي داود . وعن عائشة عند الفاكهاني في تاريخ مكة بسند صحيح وقد استدل المصنف بحديث الباب على جواز ما دل عليه الحديث عند القدوم من الغيبة والقائلون بالتحريم يخصون مثل ذلك من عموم الأدلة الدالة على المنع وأما المجوزون فيستدلون به على مطلق الجواز لما سلف وقد دلت الأدلة على أنه لا نذر في معصية الله فالإذن منه صلى الله عليه وآله وسلم لهذه المرأة بالضرب يدل على أن ما فعلته ليس بمعصية في مثل ذلك الموطن وفي بعض ألفاظ الحديث أنه قال لها أوفي بنذرك ومن جملة مواطن التخصيص للهو في العرسات وقد تقدمت الأحاديث في ذلك في كتاب الوليمة من كتاب النكاح . ومن مواطن التخصيص أيضا في الأعياد لما في الصحيحين من حديث عائشة قالت " دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيانني بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر مزامير للشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك في يوم عيد فقال يا أبا بكر لكل قوم عيد وهذا عيدنا " وروى المبرد والبيهقي في المعرفة عن عمر أنه إذا كان داخلا في بيته ترنم بالبيت والبيتين . ورواه المعافي النهرواني في كتاب الجليس والأنيس وابن منده في المعرفة في ترجمة أسلم الحادي
وأخرج النسائي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لعبد الله بن رواحة حرك بالقوم فاندفع يرتجز

(8/180)


كتاب الأطعمة والصيد والذبائح

(8/180)


باب في أن الأصل في الأعيان والأشياء الإباحة إلى أن يرد منع أو إلزام

(8/180)


1 - عن سعد بن أبي وقاص " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته "

(8/181)


2 - وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ذرني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "
- متفق عليهما

(8/181)


3 - وعن سلمان الفارسي قال " سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا لكم "
- رواه ابن ماجه والترمذي

(8/181)


4 - وعن علي عليه السلام قال " لما نزلت ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا قالوا يا رسول الله في كل عام فسكت فقالوا يا رسول الله في كل عام قال لا ولو قلت نعم لوجبت فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم "
- رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن

(8/182)


- حديث سلمان قيل لم يوجد في سنن الترمذي ويدل على ذلك أنه روى صاحب جامع الإصول شطرا منه من قوله الحلال ما أحل الله الخ ولم ينسبه إلى الترمذي بل بيض له ولكنه قد عزاه الحافظ في الفتح في باب ما يكره من كثرة السؤال إلى الترمذيي كما فعلا لمصنف . والحديث أورده الترمذي في كتاب اللباس وبوب له باب ما جاء في باب لباس الفراء وأخرجه أيضا الحاكم في المستدرك وقد ساقه ابن ماجه بإسناد فيه سيف بن هرون البرجمي وهو ضعيف متروك . وحديث على أخرجه أيضا الحاكم وهو منقطع كما قال الحافظ . وصورة إسناده في الترمذي قال حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا منصور بن زاذان عن علي بن عبد الأعلى عن أبيه عن أبي البختري عن على فذكره قال أبو عيسى الترمذي حديث على حديث غريب واسم أبي البختري سعيد بن أبي عمران وهو سعيد بن فيروز انتهى
وفي الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وقد تقدما في أول كتاب الحج ( وفي الباب ) أحاديث ساقها البخاري في باب ما يكره من كثرة السؤال وأخرج البزار وقال سنده صالح والحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء رفعه بلفظ " ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يمن لينسى شيئا وتلا وما كان ربك نسيا " وأخرج الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها " وأخرج مسلم من حديث أنس وأصله في البخاري " قال كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء " الحديث وفي البخاري من حديث ابن عمر فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسائل وعابها
وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال لما نزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء } الآية كناقد اتقينا أن نساله صلى الله عليه وآله وسلم الحديث . والراجح في تفسير الآية أنها نزلت في النهي عن كثرة المسائل عما كان وعما لم يكن وقد أنكر ذلك جماعة من أهل العلم منهم القاضي أبو بكر ابن العربي فقال أعتقد قوما من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع تعلقا بهذه الآية وليس كذلك لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المساءة في جوابه ومسائل النوازل ليست كذلك قال الحافظ وهو كما قال إلا أن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي ويؤيده حديث سعد المذكور في أول الباب لأنه قد أمن من وقوع التحريم لأجل المسألة ولكن ليس الظاهر ما قاله ابن العربي من الاختصاص لأن المساءة مجوزة في السؤال عن كل أمر لم يقع مأما ما ثبت في الأحاديث من وقوع المسائل من الصحابة فيحتمل أن ذلك قبل نزول الآية ويحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه ما تقرر حكمه كبيان ما أجمل أو نحوه ذلك مما وقعت عنه المسائل وقد وردت عن الصحابة آثار كثيرة في المنع من ذلك ساقها الدارمي في أوائل مسنده . منها عن زيد بن ثابت إنه كان إذا سئل عن الشيء يقول هل كان هذا فإن قيل لا قال دعوه حتى يكون
قال في الفتح والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نص على قسمين أحدهما أن يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها فهذا مطلوب لا مكروه بل ربما كان فرضا على من تعين عليه من المجتهدين . ثانيهما أن يدقق النظر في وجوه الفرق فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع من وجود وصف الجمع أو بالعكس بأن يجمع بين مفترقين لوصف طردي مثلا فهذا الذي ذمه السلف وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه " هلك المتنطعون " أخرجه مسلم فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته ومثله الإكثار من التفريغ على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع وهي نادرة الوقوع جدا فيصرف فيها زمانا كان صرفه في غيرها أولى ولا سيما إذا لزم من ذلك المقال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه وأشد من ذلك في كثرة السؤال البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها
ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح وعن مدة هذه الأمة إلى امثال ذلك مما لا يعرف إلا النقل والكثير منه لم يثبت فيه شيء فيجب الإيمان به من غير بحث وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة كما صح من حديث أبي هريرة رفعه عند البخاري وغيره " لا يزال الناس يتساءلون هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله " قال الحافظ فمن سد باب المسائل حتى فاته كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها فإنه يقل فهمه وعلمه ومن توسع في تفريغ المسائل وتوليدها ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة فإنه يذم فعله وهو عين الذي كرهه السلف ومن أمعن البحث عن معاني كتاب الله تعالى محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن الصحابة الذين شاهدوا التنزيل وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك مقتصرا على ما يصلح للحجة فيها فإنه الذي يجمد وينفع وينتفع به وعلى ذلك يحمل عمل الفقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم حتى حدثت الطائفة الثانية فعارضتها الطائفة الأولى فكثر بينهم المراء والجدال وتولدت البغضاء وهم من أهل دين واحد والوسط هو المعتدل من كل شيء وإلى ذلك يشير قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المذكور في الباب " فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " فإن الاختلاف يجر إلى عدنم الإنقياد وهذ كله من حديث تقسيم المشتغلين بالعلم وأما العلم بما ورد في المتاب والسنة والتشاغل به فقد وقع الكلام في أيهما أولى يعني هل العلم أو العمل والإنصاف أن يقال كل ما زاد على ما هو في حق المكلف فرض عين فالناس فيه على قسمين من وجد من نفسه قوة على الفهم والتحرير فتشاغله ذلك أولى من إعراضه عنه وتشاغله بالعبادة لما فيه من النفع المتعدي ومن وجد من نفسه قصورا فإقباله على العبادة أولى به لعسر اجتماع الأمرين فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن يضيع بعض الأحكام بإعراضه والثاني لو أقبل على العلم وترك العبادة فإنه الأمران لعدم حصول الأول له وإعراضه عن الثاني انتهى
قوله : " إن أعظم المسلمين " الخ هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري " إن أعظم الناس جرما " قال الطيبي فيه من المبالغة أنه جعل عظيما ثم فسره بقوله جرما ليدل على أنه نفسه جرم قال وقوله في المسلمين أي في حقهم
قوله :
فحرم
بضم الحاء المهملة وتشديد الراء قال ابن بطال عن المهلب ظاهر الحديث يتمسك به القدرية في أن الله يفعل شيئا من أجل شيء وليس كذلك بل هو على كل شيء قدير فهو فاعل السبب والمسبب ولكن الجديث محمول على التحذير مما ذكره فمعظم جرم من فعل ذلك لكثرة الكارهين لفعله
وقال غيره أهل السنة لا ينكرون إمكان التعليل وإنما ينكرون وجوبه فلا يمتنع أن يكون الشيء الفلاني تتعلق به الحرمة إن سئل عنه فقد سبق القضاء بذلك إلا أن السؤال علة للتحريم
وقال ابن التين قيل الجرم اللاحق به الحاق المسلمين المضرة لسؤاله وهي منعهم التصرف فيما كان حلالا قبل مسألته وقل القاضي عياض المراد بالجزم هنا الحدث على المسلمين لا الذي هو بمعنى الإثم المعاقب عليه لأن السؤال كان مباحا ولهذا قال سلوني وتعقبه النووي فقال هذا الجواب ضعيف أو باطل والصواب الذي قاله الخطابي والتيمي وغيرهما أن المراد بالجرم الإثم والذنب وحملوه على من سأل تكلفا وتعنتا فيما لا حاجة له به إليه وسبب تخصيصه ثبوت الأمر بالسؤال عما يحتاج إليه لقوله تعالى { فاسألوا أهل الذكر } فمن سأل عن نازلة وقعت له لضورته إليها فهو معذور فلا إثم عليه ولا عتب فكل من الأمر بالسؤال والزجر عنه مخصوص بجهة غير الأخرى قال ويؤخذ منه أن من عمل شيئا أضر به غيره كان آثما وأورد الكرماني على الحديث سؤالا فقال السؤال ليس بجريم ولئن كان ليس بكبيرة ولئن كان فليس بأكبر الكبائر
وأجاب أن السؤال عن الشيء بحيث يصير سببا لتحريم شيء مباح هو أعظم الجرم لأنه صار سببا لتضييق الأمر على جميع المكلفين فالقتل مثلا كبيرة ولكن مضرته راجعة إلى المقتول راجعة إلى المقتول وحده أو إلى من هو منه بسبيل بخلاف صورة المسألة فضررها عام للجميع انتهى
وقد روى ما يدل على أنه قد وقع في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم من المسائل ما كان سببا لتحريم الحلال أخرج البزار عن سعد بن أبي وقاص قال كان الناس يتساءلون عن الشيء من الأمر فيسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو حلال فلا يزالون يسألونه على الشيء حتى يحرم عليهم
قوله : " ذروني " في رواية البخاري دعوني ومعناهما واحد
قوله : " ما تركتكم " أي مدة تركي إياكم بغير أمر بشيء ولا نهي عن شيء قال ابن فرج معناه لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظاهره ولو كان صالحة لغيره كما أن قوله حجوا وإن كان صالحا للتكرار فينبغي أن يكتفى بما يصدق عليه اللفظ وهو المرة فإن الأصل عدم الزيادة ولا يكثر التعنت عن ذلك فإنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني اسرائيل في البقرة
قوله : " واختلافهم " يجوز فيه الرفع والجر
قوله : " فإذا نهيتكم " وهذا النهي عام في جميع المناهي ويستثنى من ذلك ما يكره المكلف على فعله وإليه ذهب الجمهور وخالف قوم فتمسكوا بالعموم الإكراه على ارتكاب المعصية لا يبيحها
قوله : " وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " أي اجعلوه قدر استطاعتكم قال النووي هذا من جوامع الكلم وقواهد الإسلام ويدخل فيه كثير من الأحكام كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط فيأتي بالمقدور وكذا الوضوء وستر العورة وحفظ بعض الفاتحة وإخراج بعض زكاة الفطر لمن لم يقدر على الكل والإمساك في رمضان لمن أفطر بالعذر ثم قدر في أثناء النهار إلى غير ذلك من المسائل التي يطول شرحها واستدل به على أن من أمر بشيء فعجز عن بعضه ففعل المقدور إنه يسقط عنه ما عجز عنه وبذلك استدل المزني على أن ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه ومن ثم كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد
واستدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشارع بالمنهيات فةق اعتنائه بالمأمورات لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات ولو مع المشقة في الترك وقيد في المأمورات بالاستطاعة وهذا منقول عن الإمام أحمد ( فإن قيل ) أن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضا إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فجوابه أن الاستطاعة تطلق باعتبارين كذا قيل قال الحافظ والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدل على المدعى من الاعتبار بل هو من جهة الكف إذ كل واحد قادر على الكف لولا داعية الشهوة مثلا فلا يتصور عدم الاستطاعة من الكف بل كل مكلف قادر على الترك بخلاف الفعل فإن العجز عن تعاطيه محسوس فمن ثم قيد في الأمر بحسب الاستطاعة دون النهي
قال ابن فرج في شرح الأربعين أن الأمر بالاجتناب على إطلاقه حتى يوجد ما يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة وشرب الخمر عند الإكراه والأصل في ذلك جواز التلفظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنا بالإيمان كما نطق به القرآن
قال الحافظ والتحقيق أن المكلف في كل ذلك ليس منهيا في تلك الحال وقال الماوردي أن الكف عن المعاصي ترك وهو سهل وعمل الطاعة فعل وهو شاق فلذلك لم يبح ارتكاب المعصية ولو مع العذر لأنه ترك والترك لا يعجز المعذور عنه وادعى بعضهم أن قوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } يتناول امتثال المأمور واجتناب المنهى وقد قيد بالاستطاعة فاستويا فحينئذ تكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي أن العجز يكثر تصوره في الأمر بخلاف النهي فإن تصور العجز فيه محصور في الاضطرار وهو قوله تعالى { إلا ما اضطررتم إليه } وهو مضطر ولا يرد الإكراه لأنه مندرج في الاضطرار وزعم بعضهم أن قوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } نسخ بقوله تعالى { واتقوا الله حق تقاته } قال الحافظ والصحيح أنه لا نسخ بل المراد بحق تقاته امتثال أمره واجتناب نهيه مع القدرة لا مع العجز
قوله : " الفراء " بفتح الفاء مهموز حمار الوحش كذا في مختصر النهاية ولكن تبويب الترمذي الذي ذكرناه سابقا يدل على أن الففراء بكسر الفاء جمع فرو
قوله : " الحلال ما أحل الله في كتابه " الخ المراد من هذه العبارة وأمثالها مما يدل على حصر التحليل والتحريم على الكتاب العزيز هو باعتبار اشتماله على جميع الأحكام ولو بطريق العموم أو الإشارة أو باعتبار الأغلب لحديث " إني أوتيت القرآن ومثله معه " وهو حديث صحيح
قوله : " وعن علي " الخ قد تقدم الكلام على ما اشتمل عليه حديث علي في أول كتاب الحج

(8/182)


باب ما يباح من الحيوان الإنسي

(8/182)


1 - عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل "
- متفق عليه وهو للنسائي وأبو داود
وفي لفظ " أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر " رواه الترمذي وصححه
وفي لفظ " سافرنا يعني مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكنا نأكل لحوم الخيل ونشرب ألبانها " رواه الدارقطني

(8/183)


2 - وعن أسماء بنت أبي بكر قالت " ذبحنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرسا ونحن بالمدينة فأكلناها "

(8/183)


5 - متفق عليه . ولفظ أحمد " ذبحنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأكلناه نحن وأهل بيته " . وعن أبي موسى قال " رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأكل لحم دجاج " متفق عليه

(8/183)


- قوله " نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية " فيه دليل على تحريمها وسيأتي الكلام على ذلك
قوله : " وأذن في لحوم الخيل " استدل به القائلون بحل أكلها قال الطحاوي ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل وخالفه صاحباه وفيرهما واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر لما كان بين الخيل والحمر الأهلية فرق ولكن الآثار إذا صحت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى أن نقول بها مما يوجبه النظر ولا سيما وقد أخبر جاب أنه صلى الله عليه وآله وسلم أباح لهم لحوم الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر فدل ذلك على اختلاف حكمهما
قال الحافظ وقد نقل الحل بعض التابعين عن الصحابة من غير استثناء أحد فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح على شرط الشيخين عن عطاء أنه قال لبن جريح لم يزل سلفك يأكلون قال ابن جريح قلت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال نعم
وأما ما نقل في ذلك عن ابن عباس من كراهتها فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين وسيأتي في الباب الذي بعد هذا عن ابن عباس أنه استدل لحل الحمر الأهلية بقوله تعالى { قل لا أجد فيما أوحي إلي } الآية وذلك يقوي أنه من القائلين بالحل وأخرج الدارقطني عنه بسند قوي " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل " قال في الفتح وصح القول بالكراهية عن الحكم ابن عتيبة ومالك وبعض الحنفية وعن بعض المالكية والحنفية التحريم قال الفاكهاني المشهور عند المالكية الكراهية والصحيح عند المحققين منهم التحريم وقد صحح صاحب المحيط والهداية والذخيرة عن أبي حنيفة التحريم وإليه ذهبت العترة كما حكاه في البحر ولكنه حكى الحل عن زيد بن علي واستدل القائلون بالتحريم بما رواه الطحاوي وابن حزم من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن لحوم الحمر والخيل والبغال " قال الطحاوي أهل الحديث يضعفون عكرمة بن عمار قال الحافظ لا سيما في يحيى بن أبي كثير فإن عكرمة وإن كان مختلفا في توثيقه قد أخرج له مسلم لكن إنما أخرج له من غير روايته عن يحيى بن أبي كثير وقال يحيى بن سعيد القطان أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير ضعيفة وقال البخاري حديثه عن يحيى مضطرب وقال النسائي ليس به بأس إلا في يحيى وقال أحمد حديثه من غير اياس بن سلمة مضطرب . وعلى تقدير صحة هذه الطريق فقد اختلف على عكرمة فيها فإن الحديث عند أحمد والترمذي من طريقه ليس فيه للخيل ذكر وعلى تقدير أن يكون أظهر إتصالا وأتقن رجالا وأكثر عددا ومن أدلتهم ما رواه في السنن من حديث خالد ابن الوليد " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الخيل "
وتعقب بأنه شاذ منكر لأن في سياقه أنه شهد خيبر وهو خطأ لأنه لم يسلم إلا بعدها على الصحيح وقد روى الحديث من طريق أخرى عن خالد وفيها مجهول ولا يقال أن جابرا أيضا لم يشهد خيبر كما أعل الحديث بذلك بعض الحنفية لأنا نقول ذلك ليس بعلة مع عدم التصريح بحضوره فغايته أن يكون من مراسيل الصحابة
وأما الرواية الثانية عنه المذكورة في الباب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أطعمهم لحوم الخيل وفي الأخرى أنهم سافروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فليس في ذلك تصريح بأنه كان في خيبر فيمكن أن يكون في غيرها ولو فرضنا ثبوت حديث خالد وسلامته عن العلل لم ينتهض لمعارضة حديث جابر وأسماء المتفق عليهما مع أنه قد ضعف حديث خالد أحمد والبخاري وموسى بن هرون والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون . ومن جملة ما استدل به القائلون بالتحريم قوله تعالى { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } وقد تمسك بها أكثر القائلين بالتحريم وقرروا ذلك بأن اللام للتعليل فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر فإباحة أكلها تقتضي خلاف الظاهر من الآية وقرره أيضا بأن العطف يشعر بالاشتراك في الحكم وبأن الآية سيقت مساق الامتنان فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم وأجيب إجمالا بأن الآية مكية اتفاقا والإذن كان بعد الهجرة وأيضا ليست نصا في منع الأكل والحديث صريح في الحل وأجيب أيضا تفصيلا بأنا لو سلمنا أن اللام للعلة لم نسلم إفادته الحصر في الركوب والزينة فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما وفي غير الأكل اتفاقا ونظير ذلك حديث البقرة المذكور في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث فإنه مع كونه أصرح في الحصر لكونه بأنما مع اللام لا يستدل به على تحريم أكلها وإنما المراد الأغلب من المنافع وهو الركوب في الخيل والتزين بها والحرث في البقر وأيضا يلزم المستدل بالآية أنه لا يجوز حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل بها
وأما الاستدلال بالعطف فغايته دلالة اقتران وهي من الضعف بمكان
وأما الاستدلال بالامتنان فهو باعتبار غالب المنافع
قوله : " ذبحنا فرسا " لفظ البخاري نحرنا فرسنا وقد جمع بين الروايتين بحمل النحر على الذبح مجازا وقد وقع ذلك مرتين
قوله : " يأكل لحم دجاج " هو اسم جنس مثلث الدال ذكره المنذري وابن مالك وغيرهما ولم يحك النووي أن ذلك مثلث وقيل أن الضم ضعيف قال الجوهري دخلتها التاء للوحدة مثل الحمامة وقال إبراهيم الحربي أن الدجاجة بالكسر اسم للذكر دون الإناث والواحد منها ديك وبالفتح الإناث دون الذكر أن والواحدة دجاجة بالفتح أيضا
وفي القاموس والدجاجة معروف للذكر والأنثى وتثلث اه وقد تقدم نقله
وفي الحديث قصة وهو أن رجلا امتنع من أكل الدجاج وحلف على ذلك فأفتاه أبو موسى بأنه يكفر عن يمينه ويأكل وقص له الحديث

(8/184)


باب النهي عن الحمر الإنسية

(8/184)


1 - عن أبي ثعلبة الخشني قال " حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحوم الحمر الأهلية "
- متفق عليه وزاد أحمد ولحم كل ذي ناب من السباع

(8/184)


2 - وعن البراء بن عازب قال " نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية نضيجا ونيا "

(8/185)


3 - وعن ابن عمر قال " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية "
- متفق عليهما

(8/185)


4 - وعن ابن أبي أوفى قال " نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن لحوم الحمر "
- رواه أحمد والبخاري

(8/185)


5 - وعن زاهر الأسلمي وكان ممن شهد الشجرة قال " إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر إذ نادى مناد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهاكم عن لحوم الحمر "

(8/186)


6 - وعن عمرو بن دينار قال " قلت لجابر بن زيد يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الحمر الأهلية قال قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك البحر بن عباس وقرأ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما "
- رواهما البخاري

(8/186)


7 - وعن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع والمجثمة والحمار الإنسي "
- رواه أحمد والترمذي وصححه

(8/186)


8 - وعن ابن أبي أوفى قال " أصابتنا مجاعة ليالي خيبر فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أكفؤا القدور لا تأكلوا من لحوم الحمر سيئا فقال ناس إنما نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها لم تخمس وقال آخرون نهى عنها البتة "
- متفق عليه
وقد ثبت النهي من رواية علي وأنس وقد ذكرا

(8/187)


- قوله " الأنسية " قال في الفتح بكسر الهمزة وسكون النون منسوبة إلى الأنس ويقال فيه إنسية بفتحتين وزعم ابن الأثير أن في كلام أبي موسى المديني ما يقتضي أنها بالضم ثم السكون وقد صرح الجوهري أن الإنس بالفتحتين ضد الوحشة ولم يقع في شيء من روايات الحديث بضم ثم سكون مع احتمال جوازه نعم زيف أبو موسى الرواية بكسر أوله ثم السكون فقال ابن الأثير إن أراد من جهة الرواية وإلا فهو ثابت في اللغة والمراد بالإنسية الأهلية كما وقع في سائر الروايات ويؤخذ من التقييد بها جوازا أكل الحمر الوحشية ولعله يأتي البحث عنها إن شاء الله
قوله : " إذ نادى مناد " وقع عند مسلم أن الذي ناد بذلك أبو طلحة ووقع عند مسلم أيضا أن بلالا نادى بذلك وعند النسائي أن المنادي بذلك عبد الرحمن بن عوف ولعل عبد الرحمن نادى أولا بالنهي مطلقا ثم نادى أبو طلحة وبلال بزيادة على ذلك وهو قوله فإنها رجس
قوله : " وقرأ قل لا أجد " الآية هذا الاستدلال إنما يتم في الأشياء التي لم يرد النص بتحريمها وأما الحمر الإنسية فقد تواترت النصوص على ذلك والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القياس وأيضا الآية مكية وقد روى عن ابن عباس أنه قال إنما حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحمر الأهلية مخافة قلة الظهر . رواه ابن ماجه والطبراني وإسناده ضعيف وفي البخاري في المغازي أن ابن عباس تردد هل كان النهي لمعنى خاص أو للتأبيد وعن بعضهم إنما نهى عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنها كانت تأكل العذرة وفي حديث ابن أبي أو في المذكور في الباب فقال ناس إنما نهى عنها لأنها لم تخمس
قال الحافظ وقد أزال هذه الاحتمالات من كونها لم تخمس أو كانت جلالة أو غيرخما حديث أنس حيث جاء فيه فإنها رجس وكذلك الأمر بغسل الإناء في حديث سلمة اه والحديثان متفق عليهما وقد تقدما في أول الكتاب في باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذبح من كتاب الطهارة
قال القرطبي ظاهره أن الضمير في أنها رجس عائد على الحمر لأنها المتحدث عنها المأمور بإكفائها من القدور وغسلها وهذا حكم النجس فيستفاد منه تحريم أكلها لعينها لا لمعنى خارج وقال ابن دقيق العيد الأمر بإكفاء القدور ظاهر أنه سبب تحريم لحم الحمر
قال الحافظ وقد وردت علل أخر إن صح وفع شيء منها وجب المصير إليه لكن لا مانع أن يعلل الحكم بأكثر من علة . وحديث أبي ثعلبة صريح في التحريم فلا معدل عنه وأما التعليل بخشية قلة الظهر فأجاب عنه الطحاوي بالمعارضة بالخيل فإن في حديث جابر النهي عن الحمر والإذن في الخيل مقرونان فلو كانت العلة لأجل الحمولة لكانت الخيل أولى بالمنع لقلتها عندهم وعزتها وشدة حاجتهم إليها قال النووي قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا إلا عن ابن عباس وعنده الك ثلاث روايات ثالثها الكراهة
وقد أخرج أبو داود عن غالب بن أبجر قال أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي الأسمان حمر قأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت أنك حرمت لحوم الحمر الأهلية وقد أصابتنا سنة قال أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جوال القرية بفتح الجيم والواو وتشديد اللام مع جمع جالة مثل سوام جمع سامة بتشديد الميم وهوام جمع هامة يعني الجلالة وهي التي تأكل العذرة ( والحديث ) لا تقوم به حجة قال الحافظ إسناده ضعيف والمتن مخالف للأحاديث الصحيحة فلا اعتماد عليه
وقال المنذري اختلف في إسناده كثيرا وقال البيهقي إسناده مضطرب قال ابن عبد البر روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحريم الحمر الأهلية علي عليه السلام وعبد الله بن عمر وعبد الله عمرو وجابر البراء وعبد الله بن أبي أوفى وأنس وزاهر الأسلمي بأسانيد صحاح وحسان . وحديث غالب بن أبجر لا يعرج على مثله مع ما يعارضه ويحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص لهم في مجاعتهم وبين علة تحريمها المطلق بكونها تأكل العذرات
وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني عن أم نصر المحاربية أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحمر الأهلية فقال أليس ترعى الكلأ وتأكل الشجر قال نعم قال فاصب من لحومها
وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق رجل من بني مرة قال سألت فذكر نحوه فقال الحافظ في السندين مقال ولو ثبتا احتمل أن يكون قبل التحريم
قال الطحاوي لولا تواتر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتحريم الحمر الأهلية لكان النظر يقتضي حلها لأن كل ما حرم من الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا كالخنزير وقد أجمع على حل الوحشي فكان النظر يقتضي حل الحمار الأهلي
قال في الفتح وما أدعاه من الإجماع مردود فإن كثيرا من الحيوان الأهلي مختلف في نظيره من الحيوان الوحشي كالهر
قوله : " كل ذي ناب من السباع " سيأتي الكلام فيه
قوله : " المجثمة " بضم الميم وفتح الجيم وتشديد المثلثة على صيغة اسم المفعول وهي كل حيوان ينصب ويقتل إلا أنها قد كثرت في الطير والأرنب وما يجثم في الأرض أي يلزمها والجثم في الأصل لزوم المكان أو الوقوع على الصدر أو التلبد بالأرض كما في القاموس فالتجثيم نوع من المثلة

(8/187)


باب تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير

(8/187)


1 - عن أبي ثعلبة الخشنى " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال كل ذي ناب من السباع فأكله حرام "
- رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود

(8/188)


2 - وعن ابن عباس قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كل ذي ناب من السباع ولك ذي مخلب من الطير "
- رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي

(8/188)


3 - وعن جابر قال " حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني يوم خيبر لحوم الحمر الانسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع ولك ذي مخلب من الطير "
- رواه أحمد والترمذي

(8/188)


4 - وعن عرباض ابن سارية " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرم يوم خيبر كل ذي مخلب من الطير ولحوم الحمر الأهلية والخلسة والمجثمة "
- رواه أحمد والترمذي وقال نهى بدل لفظ التحريم وزاد في رواية قال أبو عاصم المجثمة أن ينصب الطير فيرمى . والخلسة الذئب أو السبع يدركه الرجل فيأخذ منه يعني الفريسة فتموت في يده قبل أن يذكيها

(8/189)


- حديث جابر أصله في الصحيحن كما سلف وهو بهذا اللفظ بسند لابأس به كما قال الحافظ في الفتح وكذلك حديث العرباض بن سارية لا بأس بأسناده قوله " كل ذي ناب " الناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب قال ابن سينا لا يجتمع في حيوان واحد ناب وقرن معا وذو الناب من السباع كالأسد والذئب والنمر والفيل والقرد وكل ماله ناب يتقوي به ويصطاد قال في النهاية وهو ما يفترض الحيوان ويأكل قسرا كالأسد والنمر والذئب ونحوها وقال في القاموس والسبع بضم الباء وفتحها المفترس من الحيوان اه ووقع الخلاف في جنس السباع الحرمة فقال أبو حنيفة كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضبع واليربوع والسنور وقال الشافعي يحرم من السباع ما يعدو على الناس كالأسد والنمر والذئب وأما الضبع والثعلب فيحلان عنده لأنهما لا يعدوان
قوله : " وكل ذي مخلب " المخلب بكسر الميم وفتح اللام قال أهل اللغة المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان
وفي الحديث دليل على تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وإلى ذلك ذهب الجمهور . وحكى ابن عبد الحكم وابن وهب عن مالك مثل قول الجمهور وقال ابن العربي المشهور عنه الكراهة قال ابن رسلان ومشهور مذهبه على إباحة ذلك وكذا قال القرطبي وقال ابن عبد البر اختلف فيه عن ابن عباس وعائشة وجاء عن ابن عمر من وجه ضعيف وهو قول الشعبي وسعيد بن جبير يعني عدم التحريم واحتجوا بقوله تعالى { قل لا أجد فيما أوحي إلي } الآية وأجيب بأنها مكية وحديث التحريم بعد الهجرة وأيضا هي عامة والأحاديث خاصة وقد تقدم الجواب عن الأحتجاج بالآية مفصلا وعن بعضهم أن آية الأنعام خاصة ببهيمة الأنعام لأنه تقدم قبلها حكاية عن الجاهلية أنهم كانوا يحرمون أشياء من الأزواج الثمانية بآرائهم فنزلت الآية { قل لا أجد } أي من المذكورات ويجاب عن هذا أن الأعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
قوله : " ولحوم البغال " فيه دليل على تحريمه وبه قال الأكثر وخالف في ذلك الحسن البصري كما حكاه عنه في البحر
قوله : " والخلسة " بضم الخاء وسكون اللام بعدها سين مهملة وهي ما وقع التفسير به في المتن
قوله : " والمجثمة " قد تقدم ضبطها وتفسيرها

(8/189)


باب ما جاء في الهر والقنفذ

(8/189)


1 - عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل الهر وأكل ثمنها "
- رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي

(8/190)


2 - وعن عيسى نميلة الفزاري عن أبيه قال " كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا هذه الآية { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } الآية فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر إن كان قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو كما قال "
- رواه أحمد وأبو داود

(8/190)


- حديث جابر في إسناده عمر بن زيد الصنعاني قال المنذري وابن حبان لا يحتج به
وقال ابن رسلان في شرح السنن لم يرو عنه غير عبد الرزاق وقد أخرج النهي عن أكل ثمن الكلب والسنور مسلم في صحيحه . وحديث عيسى بن نميلة قال الخطابي ليس إسناده بذاك وقال البيهقي إسناده غير قوي ورواه شيخ مجهول وقال في بلوغ المرام إسناده ضعيف
وقد استدل بالحديث الأول على تحريم أكل الهر وظاهره عدم الفرق بين الوحشي والأهلي ويؤيد التحريم أنه من ذوات الأنياب وللشافعية وجه في حل الهر الوحشي كحمار الوحش إذا كان وحشي الأصل لا إن كان أهليا ثم توحش
قوله : " عن عيسى بن نميلة " بضم النون وتخفيف الميم مصغر نملة ذكره ابن حبان في الثقات
قوله : " القنفذ " هو واحد القنافذ والأنثى الواحدة قنفذة وهو بضم القاف وسكون النون وضم الفاء وبالذال المعجمة وقد تفتح الفاء وهو نوعان قنفذ يكون بأرض مصر قدر الفار الكبير وأخر يكون بأرض الشام في قدر الكلب وهو مولع بأكل الأفاعي ولا يتألم بها كذا قال ابن رسلان في شرح السنن
وقد استدل بالحديث على تحريم القنفذ لأن الخبائث محرمة بنص القرآن وهو مخصص لعموم الآية الكريمة كما سلف في مثل ذلك
وقد حكى التحريم في البحر عن أبي طالب والإمام يحيى قال ابن رسلان راويا عن القفال أنه قال إن صح الخبر فهو حرام وإلا رجعنا إلى العرب والمنقول عنهم أنهم يستطيبونه وقال مالك وأبو حنيفة القنفذ مكروه ورخص فيه الشافعي والليث وأبو ثور اه وحكى الكراهة في البحر أيضا عن المؤيد بالله والراجح أن الأصل الحل حتى يقوم دليل ناهض ينقل عنه أو يتقرر أنه مستخبث في غالب الطباع ويؤيد القول بالحل ما أخرجه أبو داود عن ملقام بن تلب عن أبيه قال صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم أسمع لحشرات الأرض تحريما وهذا يؤيد الأصل وإن كان عدم السماع لا يستلزم عدم ورود دليل ولكن قال البيهقي إن إسناده غير قوي وقال النسائي ينبغي أن يكون ملقان بن التلب ليس بالمشهور قال ابن رسلان أن حشرات الأرض كالضب والقنفذ واليربوع وما أشبهها وأطال في ذلك

(8/190)


باب ما جاء في الضب

(8/191)


1 - عن ابن عباس عن خالد بن الوليد أنه أخبره أنه " دخل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ميمونة وهي خالته وخالة ابن عباس فوجد عندها ضبا محنوذا قدمت به أختها حفيدة بنت الحرث من نجد فقدمت الضب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأهوى بيده إلى الضب فقالت امرأة من النسوة الحضور أخبرن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما قدمتن له قلن هو الضب يا رسول الله فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده فقال خالد ابن الوليد أحرام الضل يا رسول الله قال لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال خالد فاجتررته فأكلته و رسول الله ينظر فلم ينهني "
- رواه الجماعة إلا الترمذي

(8/191)


2 - وعن ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الضب فقال لا أكله ولا أحرمه "
- متفق عليه
وفي رواية عنه " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان معه ناس فيهم سعد فأتوا بلحم ضب فنادت امرأة من نسائه إنه لحم ضب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلوا فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي " . رواه أحمد ومسلم

(8/191)


3 - وعن جابر " أن عمر بن الخطاب قال في الضب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحرمه وأن عمر قال إن الله لينفع به غير واحد وإنما طعام عامة الرعاة منه ولو كان عندي طعمته "
- رواه مسلم وابن ماجه

(8/192)


4 - وعن جابر قال " أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضب فأبى أن يأكل منه وقال لا أدري لعله من القرون التي مسخت "

(8/192)


5 - وعن أبي سعيد " أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال إني في غائط مضبة وأنه عامة طعام أهلي قال فلم يجبه فقلنا عاوده فعاوده فلم يجبه ثلاثة ثم ناداه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الثالثة يا أعرابي إن الله لعن أو غضب على سبط من بني اسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض ولا أدري لعل هذا منها فلم أكلها ولا أنهى عنها "
- رواهما أحمد ومسلم
وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن الممسوخ لا نسل له والظاهر أنه لم يعلم ذلك إلا بوحي وإن تردده في الضب كان قبل الوحي بذلك . والحديث يرويه ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت عنده القردة قال مسعر وأراه قال والخنازير قبل ذلك
وفي رواية أن رجل قال يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ الله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يهلك أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا " روى ذلك أحمد ومسلم

(8/192)


- قوله " فوجد عندها ضبا " هو دويبة تشبه الحرذون ولكنه أكبر منه قليلا ويقال للأنثى ضبة
قال ابن خالويه أنه يعيش سبعمائة سنة وأنه لا يشرب الماء ويبول في كل أربعين يوما قطرة ولا يسقط له سن ويقال بل أسنانه قطعة واحدة
قوله : " محنوذا " بحاء مهملة ونون مضمومة وآخره ذال معجمة أي مشويا بالحجارة المخماة ووقع في رواية بضب مشوي
قوله : " أختها حفيدة " بمهملة مضمومة بعدها فاء مصغرة قوله " لم يكن بأرض قومي " قال ابن العربي اعترض بعض الناس على هذه اللفظة وقال أن الضباب موجودة بأرض الحجاز فإن كان أراد تكذيب الخبر فقد كذب هو فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء وربما أنها حدثت بعد عصر النبوة وكذا أنكر ذلك ابن عبد البر ومن تبعه قال الحافظ ولا يحتاج إلى شيء من هذا بل المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم بأرض قومي قريش فقط فيختص النفي بمكة وما حولها ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز
قوله : " فأجدني أعافه " أي أكره أكله يقال عفت الشيء أعافه
قوله : " فاجتررته " بجيم وراءين مهملتين هذا هو المعروف في كتب الحديث وضبطه بعد شراح المهذب بزاي قبل الراء وقد غلطه النووي
قوله : " لا آكله ولا أحرمه " فيه جواز أكل الضب قال النووي وأجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا هو حرام وما أظنه يصح عن أحد فإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله اه قال الحافظ قد نقله ابن المنذر عن علي رضي الله عنه فاين يكون الإجماع مع مخالفته ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم
وقال الطحاوي في معاني الآثار كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن أكل لحم الضب أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن شبل
قال الحافظ في الفتح وإسناده حسن فإنه من رواية إسماعيل ابن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل . وحديث ابن عياش عن الشاميين قوي وهؤلاء شاميون ثقات ولا يغتر بقول الخطابي ليس إسناده بذاك . وقول ابن حزم فيه ضعفاء ومجهولون وقول البيهقي تفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة وقول ابن الجوري لا يصح ففي كل ذلك تساهل لا يخفى فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخاري وقد صحح الترمذي بعضها
وأخرج أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والطحاوي وسنده على شرط الشيخين من حديث عبد الرحمن بن حسنة نزلنا أرضا كثيرة الضباب الحديث وفيه أنهم طبخوا منها فقال صلى الله عليه وآله وسلم إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب فأخشى أن تكون هذه فأفؤها
ومثله حديث أبي سعيد المذكور في الباب
قال في الفتح والأحاديث وإن دلت على الحل تصريحا وتلويحا نصا وتقريرا فالجمع بيها وبين الحديث المذكور حمل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ . وحينئذ أمر بإكفاء القدور ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه . وحمل الإذن فيه على ثاني الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه وأكل على مائدته بإذنهفدل على الإباحة . وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره
وقد استدل على الكراهة بما أخرجه الطحاوي عن عائشة . أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ضب فلم ياكله فقام عليهم سائل فأرادت عائشة أن تعطيه فقال لها أتعطينه ما لا تأكلين
قال محمد بن الحسن دل ذلك على كراهته لنفسه ولغيره . وتعقبه الطحاوي باحتمال ان يكون ذلك من جنس ما قال الله تعالى { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } ثم ساق الأحاديث الدالة على كراهة التصدق بحشف التمر وكحديث البراء كانوا يحبون الصدقة باردأ تمرهم فنزلت { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } قال فلهذا المعنى كره لعائشة أن تصدق بالضب لا لكونه حراما . وهذا يدل على أن الطحاوي فهم عن محمد أن الكراهة فيه للتحريم . والمعروف عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه . وجنح بعضهم إلى التحريم
وقال اختلفت الأحاديث وتعذرت معرفة المتقدم فرجحنا جانب التحريم ودعوى التعذر ممنوعة بما تقدم
قوله : " في غائط مضبة " قال النووي فيه لغتان مشهورتان إحداهما فتح الميم والضاد والثانية ضم الميم وكسر الضاد والأول أشهر وأفصح . والمراد ذات ضباب كثيرة والغئط الأرض المطمئنة
قوله : " يدبون " بكسر الالدال
قوله " ولا أدري لعل هذا منها " قال القرطبي إنما كان ذلك ظنا منه من قبل أن يوحى إليه أن الله لم يجعل لمسخ نسلا فلما أوحى إليه بذلك زال التظنن وعلم أن الضب ليس مما مسخ كما في الحديث المذكوز في الباب . ومن العجيب أن ابن العربي قال أن قولهم الممسوخ لانسل له دعوى فإنه أمر لا يعرف بالفعل وإنما طريقه النقل وليس فيه أمر يعول إليه وكأنه لم يستحضره من صحيح مسلم ثم قال وعلى تقدير كون الضب ممسوخا فذلك لا يقتضي تحريم أكله لأن كونه آدميا قد زال حكمه ولم يبق له أثر أصلا وإنما كره النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأكل منه لما وقع عليه من سخط الله كما كره الشرب من مياه ثمود اه . ولا منافاة بين كونه صلى الله عليه وآله وسلم عاف الضب وبين ما ثبت أنه كان لا يعيب الطعام لأن عدم العيب إنما هو فيما صنعه الآدمي لئلا ينكسر خاطره وينسب إلى التقصير فيه وأما الذي خلق ذلك فليس نفور الطبع منه ممتنعا

(8/193)


باب ما جاء في الضبع والأرنب

(8/193)


1 - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة قال قلت لجابر " الضبع أصيد هي قال نعم قلت آكلها قال نعم قلت آكلها قال نعم قلت أقاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال نعم "
- رواه الخمسة وصححه الترمذي . ولفظ أبي داود عن جابر " سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الضبع فقال هي صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم "

(8/193)


2 - وعن أنس قال " أنفجنا أرنبا بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا وأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوركها وفخذها فقبله "
- رواه الجماعة . ولفظ أبي داود " صدت أرنبا فشويتها فبعث معي أبو طلحة بعجزها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتيته بها "

(8/194)


3 - وعن أبي هريرة قال " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأرنب قد شواها ومعها صنابها وأدمها فوضعها بين يديه فأمسك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يأكل وأمر أصحابه أن يأكلوا "
- رواه أحمد والنسائي

(8/194)


4 - وعن محمد بن صفوان " أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمره بأكلهما "
- رواه أحمد والنسائي وابن ماجه

(8/194)


- حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة أخرجه أيضا الشافعي والبيهقي وصححه أيضا البخاري وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي وأعله ابن عبد البر بعبد الله المذكور وهو وهم فإن وثقه أبو زرعة والنسائي ولم يتكلم فيه أحد ثم أنه لم ينفرد به . وحديث أبي هريرة قال في الفتح رجاله ثقات إلا أنه اختلف فيه علي موسى بن طلحة اختلافا كثيرا . وحديث محمد بن صفوان أخرجه أيضا بقية أصحاب السنن وابن حبان والحاكم
قوله : " الضبع " هو الواحد الذكر والأنثى ضبعان ولا يقال ضبعة . ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكرا وسنة أنثى فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بني آدم
قوله : " قال نعم " فيه دليل على جواز أكل الضبع . وإليه ذهب الشافعي وأحمد قال الشافعي ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير ولأن العرب تستطيبه وتمدحه . وذهب الجمهور إلى التحريم واستدلوا بما تقدم في تحريم كل ذي ناب من السباع . ويجاب بأن حديث الباب خاص فيقدم على حديث كل ذي ناب واستدلوا أيضا بما أخرجه الترنذي من حديث خزيمة بن جزء قال سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الضبع فقال أو يأكل الضبع أحد
وفي رواية ومن يأكل الضبع فيجاب بأن هذا الجديث ضعيف لأن في إسناده عبد الكريم بن أمية وهو متفق على ضعفه والراوي عنه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف قال ابن رسلان وقد قيل أن الضبع ليس لها ناب وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفيحة نعل الفرس فعلى هذا لا يدخل في عموم النهي اه
قوله : " ويجعل فيه كبش " فيه دليل على أن الكبش مثل الضبع
وفيه أن المعتبر في المثلية بالتقريب في الصورة لا بالقيمة ففي الضبع الكبش سواء كان مثله في القيمة أو أقل أو أكثر
قوله : " أنفجنا أرنبا " بنون ثم فاء مفتوحة وجيم ساكنة أي أثرنا . يقال نفخ لأرنب إذا ثار وأنقجته أي أثرته من موضعه ويقال الانتفاج الإقشعرار ووارتغاف الشعر وانتفاشه . والأرنب دويبة معروفة تشبه العناق ولكن في رجليها طول بخلاف يديها والأرنب اسم جنس للذكر والأنثى
قوله : " بمر الظهران " اسم موقع على مرحلة من مكة والراء من قوله بمر مشددة
قوله : " فلغبوا " بمعجمة وموحدة أي تعبوا وزنا ومعني
قوله : " صنابها " بالصاد المهملة بعدها نون
قال في القاموس الصناب ككتاب اه . وهو صبغ يتخذ من الخردل والزبيب ويؤتدم به فعلى هذا عطف أدمها عليه للتفسير . ويمكن أن يكون من عطف العام على الخاص
قوله : " بوركها " الورك بكسر الراء وبكسر الواو وسكون الراء وهما ركنان فوف الفخذين كالكتفين فوق العضدين كذا في المصباح
قوله : " وأمر أصحابه أن يأكلوا " في دليل على جواز أكل الأرنب
قال في الفتح وهو يقول العلماء كافة . إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمر بن العاص من الصحابة وعن عكرمة من التابعين وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء
واحتجوا بحديث خزيمة بن جزء قال قلت يا رسول الله قال نبئت أنها تدمي
قال الحافظ وسنده ضعيف ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة وله شاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ " جيء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يأكلها ولم ينه عنها وزعم أنها تحيض " أخرجه أبو داود وله شاهد أيضا عند إسحاق بن راهويه في مسنده وهذا يضا عند إسحاق بن راهويه في مسنده وهذا إذا صح الاحتجاج به على كراهة التنزيه لا على التحريم . والمحكى عن عبد الله بن عمر والتحريم كما شرح ابن رسلان للسنن . وحكى الرافعي عن أبي حنيفة أنه حرمها وغلطه النووي في النقل عنأبي حنيفة
وقد حكى في البحر عن العترة الكراهة يعني كراهة التنزيه وهو القول الراجح

(8/195)


باب ما جاء في الجلالة

(8/195)


1 - عن ابن عباس قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن شرب لبن الجلالة "
- رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي

(8/195)


2 - وفي رواية " نهى عن ركوب الجلالة "
- رواه أبو داود

(8/196)


3 - وعن ابن عمر قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل الجلالة وألبانها "
- رواه الخمسة إلا النسائي

(8/196)


4 - وفي رواية " ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها "
- رواه أبو داود

(8/196)


5 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة عن ركوبها وأكل لحومها "
- رواه أحمد والنسائي وأبو داود

(8/197)


- حديث ابن عباس أخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه أيضا ابن دقيق العيد ولفظه وعن أكل الجلالة وشرب ألبانها . وحديث ابن عمرحسنه الترمذي
وقد اختلف في حديث ابن عمر على ابن أبي نجيح فقيل عن مجاهد عنه وقيل عن مجاهدمرسلا وقيل عن مجاهد عن ابن عباس . وحديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا الحاكم والدارقطني والبيهقي
وفي الباب عن أبي هريرة مرفوعا وفيه النهي عن الجلالة وهي التي تأكل العذرة
قال في التلخيص إسناده قوي
قوله : " عن شرب لبن الجلالة " بفتح الجيم وتشديد اللام من أبنية المبالغة وهي الحيوان الذي يأكل العذرة والجلة بفتح الجيم هي البعرة
وقال في القاموس الجلة مثلثة البعر أو البعرة اه . وتجمع على جلالات على لفظ الواحدة وجوال كدابة ودواب يقال جلت الدابة الجلة وأجلتها فهي جالة وجلالة . وسواء في الجلالة البقر والغنم والإبل وغيرها كالدجاج والإوز وغيرهما . وادعى ابن حزم أنها لا تقع إلا على ذات الأربع خاصة ثم قيل أن كان أكثر علفها النجاسة فهي جلالة وإن كان أكثر علفها الطاهر فليست جلالة وجزم به النووي في تصحيح التنبيه
وقال في الروضة تبعا للرفاعي الصحيح أنه لا اعتداد بالكثرة بل بالرائحة والنتن فإن تغير ريح مرقها أو لحمها أو طعمها أو لونها فهي جلالة . والنهي حقيقة في التحريم . فأحاديث الباب ظاهرها تحريم أكل لحم الجلالة وشرب لبنها وركوبها
وقد ذهبت الشافعية إلى تحريم أكل الجلالة . وحكاه في البحر عن الثوري وأحمد بن حنبل
وقيل يكره فقط كما في اللحم المذكى إذا أنتن
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام لو غذى شاة عشر سنين بأكل حرام لم يحرم عليه أكلها ولا على غيره . وهذا أحد احتمالي البغوي ولإذا قلنا بالتحريم أو الكراهة فإن علفت طاهرا فطاب لحمها حل لأن علة النهي التغير وقد زالت
قال ابن رسلان ونقل الإمام فيه الاتفاق قال الخطابي كرهه أحمد وأصحاب الرأي والشافعي وقالوا لا تؤكل حتى تحبس أيامنا
وفي حديث أن البقر تعلف أربعين يوما ثم يؤكل لحمها . وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثا ولم ير بأكلها بأسا مالك من دون حبس اه
قال ابن رسلان في شرح السنن وليس للحبس مدة مقدرة . وعن بعضهم في الإبل والبقر أربعين يوما وفي الغنم سبعة أيام وفي الدجاج ثلاثة . واختاره في المهذب والتحرير
قال الإمام المهدي في البحر فإن لم تحبس وجب غسل أمعائها مالم يستحل ما فيه استحالة تامة
قوله : " نهى عن ركوب الجلالة " على النهي أن تعرق فتلوث ما عليها بعرقها وهذا ما لم تحبس فإذا حبست جاز ركوبها عند الجميع كذا في شرح السنن
وقد اختلف في طهارة لبن الجلالة فالجمهور على الطهارة لأن النجاسة تستحيل في باطنها فيطهر بالاستحالة كالدم يستحيل في أعضاء الحيوانات لحما ويصير لبنا

(8/197)


باب ما استفيد تحريمه من الأمر بقتله أو النهي عن قتله

(8/197)


1 - عن عائشة قالت " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمس فواسق يقتلن في الحل والحرام الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا "
- رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي

(8/198)


2 - وعن سعد بن أبي وقاص " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا "
- رواه أحمد ومسلم وللبخاري منه الأمر بقتله

(8/198)


3 - وعن أم شريك " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل الوزغ "
- متفق عليه زاد البخاري قال وكان ينفخ على إبراهيم عليه السلام

(8/198)


4 - وعن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قتل وزغا في أول ضربة كتب له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك "
- رواه أحمد ومسلم ولبن ماجه والترمذي معناه

(8/199)


5 - وعن ابن عل \ باس قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد "
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

(8/199)


6 - وعن عبد الرحمن بن عثمان قال " ذكر طبيب عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دواء وذكر الضفدع يجعل فيه فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الضفدع "
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي

(8/199)


7 - وعن أبي لبابة قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين فإنهما اللذان يخطفان البصر ويتبعان ما في بطون النساء "
- متفق عليه

(8/200)


8 - وعن أبي سعيد قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لبيوتكم عمار فحرجوا عليهن ثلاثا فإن بدا لكم بعد ذلك شيء فاقتلوه "
- رواه أحمد ومسلم والترمذي
وفي لفظ لمسلم " ثلاثة أيام "

(8/200)


- حديث ابن عباس قال الحافظ رجاله رجال الصحيح
وقال البيهقي هو أقوى ما ورد في هذا الباب . ثم رواه من حديث سهل بن سعد وزاد فيه والضفدع
وفيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد وهو ضعيف . وحديث عبد الرحم بن عثمان أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي قال البيهقي ما ورد في النهى ( 1 ) [ هكذا الأصل المطبوع ولعل فيه سقطا تقديره ما ورد في النهي عن الضفدع من الأحاديث ضعيف والله أعلم ] وروى البيهقي من حديث أبي هريرة النهي عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد وفي إسناده إبراهيم بن الفضل وهو متروك
وروى البيهقي أيضا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفا لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم
قال البيهقي إسناده صحيح
قال الحافظ وإن كان إسناده صحيحا لكن عبد الله بن عمرو كان يأخذ عن الإسرائيليات . ومن جملة ما نهى عن قتله الخطاف . أخرج أبو داود في المراسيل من طريق عباد بن إسحاق عن أبيه قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الخطاطيف " ورواه البيهقي معضلا أيضا من طريق ابن أبي الحويرث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عباس وفيه الأمر بقتل العنكبوت
وفيع عمرو بن جميع وهو كذاب
وقال البيهقي روى فيه حديث مسند وفيه حمزة النصيبي وكان يرمي بالوضع . ومن ذلك الرخمة أخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل الرخمة
وفي إسناده خارجة بن مصعب وهو ضعيف جدا ومن ذلك العصفور أخرج الشافعي وأبو داود والحاكم من حديث عبد الله بن عمر وقال صحيح الإسناد مرفوعا " ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقا إلا سأل الله عنها قال يا رسول الله وما حقها قال يذبحها ويأكلها ولا يقطع رأسها ويطرحها " وأعله ابن قطان بصهيب مولى ابن عباس الراوي عن عبد الله فقال لا يعرف حاله . ورواه الشافعي وأحمد والنسائي وابن حبان عن عمرو بن الشريد عن أبيه مرفوعا " من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله به يوم القيامة يقول يا رب أن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني منفعة " قوله " خمس فواسق " الخ هذا الحديث قد تقدم الكلام عليه في كتاب الحج
قوله " أمر بقتل الوزغ " قال أهل اللغة هي من الحشرات المؤذيات وجمعه أوزاغ وسام أبرص جنس منه وهو كباره وتسميته فويسقا كتسمية الخمس فواسق وأصل الفسق الخروج والوزغ والخمس المذكور خرجت عن خلق معظم الحشرات ونحوها بزيادة الضر والأذى
قوله : " وكان ينفخ على إبراهيم " أي في النار وذلك لما جبل عليه طبعها من عداوة نوع الأنسان
قوله : " في أول ضربة كتب له مائة حسنة " في رواية أخرى سبعون قال النووي مفهوم العدد لا يعمل به عند جمهور الأصوليين فذكر سبعين لا يمنع المائة فلا معارضة بينهما ويحتمل أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بالسبعين ثم تصدق الله بالزيادة إلى الماءة فأعلم بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أوحى إليه بعد ذلك . ويحتمل أن ذلك يختلف باختلاف قاتل الوزغ بحسب نياتهم وإخلاصهم وكمال أحوالهم ونقصها لتكون المائة للكامل منهم والسبعون لغيره
وأما سبب تكثير الثواب في قتله بأول ضربة ثم ما يليها فالمقصود به الحث على المبادرة بقتله والاعتناء به وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة فإنه إذا أراد أن يضربه ضربات ربما انفلت وفات قتله
قوله : " والصرد " هو طائر فوق العصفور . وأجاز مالك أكله
وقال ابن العربي إنما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتله لأن العرب كانت تشاءم به فنهى عن قتله ليزول ما في قلوبهم من اعتقاد التشاؤم
وفي قول للشافعي مثل مالك لأنه أوجب فيه الجزاء على المحرم إذا قتله
وأما النمل فلعله إجماع على المنع من قتله
قال الخطابي إن النهي الوارد في قتل النمل المراد به السليماني أي لانتفاء الأذى منه دون الصغير وكذا في شرح السنة
وأما النحلة فقد روى إباحة أكلها عن بعض السلف
وأما الهدهد فقد روى أيضا حل أكله وهو مأخوذ من قول الشافعي أنه يلزم في قتله الفدية
قوله : " فنهى عن قتل الضفدع " فيه دليل على تحريم أكلها بعد تسليم أن النهي عن القتل يستلزم تحريم الأكل
قال في القاموس الضفدع كزبرج وجندب ودرهم وهذا أقل أو مردود دابة نهرية
قوله : " ينهى عن قتل الجنان " هو بجيم مكسورة ونون مشددة وهي الحيات جمع جان وهي الحية الصغيرة
وقيل الدقيقة الخفيفة
وقيل الدقيقة البيضاء
قوله " إلا الأبتر " هو قصير الذنب
وقال النضر بن شميل هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها . وهو المراد من قوله " يتبعان ما في بطون النساء " أي يسقطان قوله " وذا الطفيتين " هو بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء وهما الخطان الأبيضان على ظهر الحية وأصل الطفية خوصة المقل وجمعها طفي شبه الخطين على ظهرها نحو صتي المقل
قوله : " يخطفان البصر " أي يطمسانه بمجرد نظرهما إليه لخاصية جعلها الله تعالى في بصرهما إذا وقع على بصر الإنسان
قال النووي قال العلماء وفي الحيات نوع يسمى الناظر إذا وقع بصره على عين إنسان مات من ساعته
قوله : " فحرجوا عليهن ثلاثا " بحاء مهملة ثم راء مشددة ثم جيم والمراد به الإنذار
قال المازري والقاضي لا تقتلوا حيات مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بإنذار كما جاء في هذه الأحاديث فإذا أنذرها ولم تنصرف قتلها وأما حيات غير المدينة في جميع الأرض والبيوت والدور فيندب قتلها من غير إنذار لعموم الأحاديث الصحيحة في الأمر بقتلها ففي الصحيح بلفظ " اقتلوا الحيات " ومن ذلك حديث الخمس الفواسق المذكورة في أول الباب
وفي حديث الحية الخارجة بمنى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتلها ولم يذكر إنذارا ولا نقل أنهم أنذروها فأخذ بهذه الحاديث في استحباب قتل الحيات مطلقا وخصت المدينة بالإنذار للحديث الوارد فيها وسببه ما صرح به في صحيح مسلم وغيره أنه أسلم طائفة من الجن بها وذهبت طائفة من العلماء إلى عموم النهي في حيات البيوت بكل بلد حتى تنذر
وأما ما ليس في البيوت فيقتل من غير إنذار قال مالك يقتل ما وجد منها في المساجد قال القاضي وقال بعض العلماء الأمر بقتل الحيات مطلقا مخصوص بالنهي عن حيات البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين فإنه يقتل على كل حال سواء كان في البيوت أم غيرها وإلا ما ظهر منها بعد الإنذار قالوا ويخص من النهي عن قتل حيات البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين اه وهذا هو الذي يقتضيه العمل الصولي في مثل أحاديث الباب فالمصير إليه أرجح
وأما صفة الاستئذان فقال القاضي روى ابن حبيب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يقول أنشدكن بالعهد الذي أخذه عليكن سليمان بن داود أن تؤذننا وإن تظهرن لنا وقال مالك يكفيه أن يقول أحرج عليك بالله واليوم الآخر أن تبدو لنا ولا تؤذننا ولعل مالكا أخذ لفظ التحريج من لفظ الحديث المذكور . وتبويب الكصنف في هذا الباب فيه إشارة إلى أن الأمر بالقتل والنهي عنه من أصول التحريم
قال المهدي في البحر أصول التحريم أما نص الكتاب أو السنة أو الأمر بقتله كالخمسة وما ضر من غيرها فمقيس عليها أو النهي عن قتله كالهدهد والخطاف والنحلة والوزغ والحرباء والجعلان وكالذباب والبعوض والزنبور والقمل والكتان والنامس والبق والبرغوث لقوله تعالى { يحرم عليهم الخبائث } وهي مستخبثة عندهم والقرآن نزل بلغتهم فكان استخباثهم طريق تحريم فإن استخبثه البعض اعتبر الأكثر والعبرة باستطابة هل السعة لا ذوي الفاقة اه . والحاصل أن الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المذكورة في أول الكتاب وغيرها قد دلت على أن الأصل الحل وأن التحريم لا يثبت إلا إذا ثبت الناقل عن الأصل النعلوم وهو أحد الأمور المذكورة فما لم يرد فيه ناقل صحيح فالحكم بحله هو الحق كائنا ما كان وكذلك إذا حصل التردد فالمتوجه الحكم بالحل لأن الناقل غير موجود مع التردد ومما يؤيد أصالة الحل بالأدلة الخاصة استصحاب البراءة الأصلية

(8/200)


[ تتمة كتاب الأطعمة والصيد والذبائح ]

(9/1)


أبواب الصيد

(9/1)


باب ما يجوز فيه اقتناء الكلب وقتل الكلب الأسود البهيم

(9/1)


بسم الله الرحمن الرحيم
- 1 - عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اتخذ كلبا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية انتقص من أجره كل يوم قيراط "
- رواه الجماعة

(9/2)


2 - وعن سفيان بن أبي زهير قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من اقتنى كلبا لا يغنى عنه زرعا ولا ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط "
- متفق عليه

(9/2)


3 - وعن ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية "
- رواه مسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه

(9/2)


4 - وعن عبد الله بن المغفل قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم "
- رواه الخمسة وصححه الترمذي

(9/3)


5 - وعن جابر قال " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتل كل الكلاب حتى أن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتلها وقال عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان "
- رواه أحمد ومسلم

(9/3)


- قوله " أو زرع " زيادة الزرع أنكرها ابن عمر كما في صحيح مسلم أنه قيل لبن عمر أن أبا هريرة يقول أو كلب زرع فقال ابن عمر إن لأبي هريرة زرعا ويقال إن ابن عمر أراد بذلك أن سبب حفظ أبي هريرة لهذه الرواية أنه صاحب زرع دونه زمن كان مشتغلا بشيء احتاج إلى تعرف أحكامه وهذا هو الذي ينبغي حمل الكلام عليه
وفي صحيح مسلم أيضا قال سالم وكان أبو هريرة يقول أو كلب حرث وكان صاحب الجرث
وقد وافق أبو هريرة على ذكر الزرع سفيان بن أبي زهير وعبد الله بن المغفل
قوله : " أو ماشية " أو للتنويع لا للتردد وهو ما يتخذ من الكلاب لحفظ الماشية عند رعيها . والمراد بقوله ولا ضرعا الماشية أيضا
قوله : " وقال عليكم بالأسود البهيم " أي الخالص السواد والنقتطان هما الكائنتان فوق العينين
قال ابن عبد البر في هذه الأحاديث إباحة اتخاذ الكلب للصيد والماشية وكذلك للزرع لأنها زيادة حافظة وكراهة اتخاذها لغير ذلك إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر إتخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياسا فتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة لما فيه من ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة إلى البيت الذي الكلاب فيهز والمراد بقوله " نقص من عمله " أي من أجر عمله
وقد استدل بهذا على جواز اتخاذها لغير ما ذكر وأنه ليس بمحرم لأن ما كان اتخاذه محرما امتنع اتخاذه على جواز اتخاذها لغير ما ذكر وأنه ليس بمحرم لأن ما كان اتخاذه محرما امتنع اتخاذه على كل حال سواء نقص الأجر أم لا . فدل ذلك على أن اتخاذها مكروه لا حرام
قال ابن عبد البر أيضا ووجه الحديث عندي أن المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعا لا يكاد يقوم بها المكلف ولا يتحفظ منها فربما دخل عليه باتخاذها ما ينقص أجره من ذلك
وروى أن المنصور بالله سال عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث فلم يعرفه فقال المنصور لأنه ينبح الضيف ويروع السائل اه
قال في الفتح وما أدعاه من عدم التحريم واستدل له بما ذكره ليس يلازم بل يحتمل أن تكون العقوبة تقع بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمله من الخير لو لم يتخذ كلبا ويحتمل أن يكون الإتخاذ حراما . والمراد بالنقص إذا الإثم الحاصل باتخاذه يوازن قدر قيراط أو قيراطين من أجر فينتقص من ثواب عمل المتخذ قدره ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه وهو قيراط أو قيراطان
وقيل سبب النقصان امتناع الملائكة من دخول بيته أو ما يلحق المارين من الأذى أو لأن بعضها شياطين أو عقوبة لمخالفة النهي أو لو لوغها في الأواني عند غفلة صاحبها فربما ينجس الطاهر منها فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر
وقال ابن التين المراد أنه لو لم يتخذه لكان عمله كاملا فإذا اقتناه نقص من ذلك العمل ولا يجوز أن ينقص من عمل مضي وإنما أراد أنه ليس في الكمال كعمل من لم يتخذ اه
قال في الفتح وما ادعاه من عدم الجواز منازع فيه . فقد حكى الروياني في البحر اختلافا في الأجر هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل وفي محل نقصان القيراطين خلاف : فقيل من عمل النهار قيراط ومن عمل الليل آخر
وقيل من الفرض قيراط ومن النفل آخر . واخختلفوا في اختلاف الروايتين في القيراطين كما في صحيح البخاري والقيراط كما في أحاديث الباب . فقيل الحكم للزائد لكونه حفظ ما لم يحفظ الآخر أو أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أولا بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول ثم أخبر ثانيا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد والتنفير من ذلك فسمع الراوي الثاني
وقيل ينزل على حالين فنقص القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها ونقص القيراط باعتبار قلته
وقيل يختص نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة والقيراط بما عداها
وقيل غير ذلك واختلف في القيراطين المذكورين هنا هل هما كالقيراطين المذكورين في الصلاة على الجنازة واتباعها فقيل بالتسوية
وقيل اللذان في الجنازة من باب الفضل واللذان هنا من باب العقوبة وباب الفضل أوسع من غيره والأصح عند الشافعية إباحة اتخاذ الكلب لحفظ الدروب الحاقا للمنصوص بما في معناه كما أشار إليه ابن عبد البر واتفقوا على أن المأذون في اتخاذه ما لم يحصل الاتفاق على قتله وهو الكلب العقور
وأما غير العقور فقد اختلف هل يجوز قتله مطلقا أم لا واستدل ( بأحاديث الباب ) على طهارة الكلب المأذون باتخاذه لأن في ملابسته مع الاحتراز عنه مشقة شديدة فالإذن باتخاذه إذن بمكملات مقصود كما أن المنع من اتخاذه مناسب للمنع منه وهو استدلال قوي كما قال الحافظ لا يعارضه إلا عموم الخبر في الأمر بغسل ما لوغ فيه الكلب من غير تفصيل وتخصيص العموم غير مستنكر إذا سوغه الدليل

(9/3)


باب ما جاء في صيد الكلب المعلم والبازي ونحوهما

(9/4)


1 - عن أبي ثعلبة الخشني قال " قلت يا رسول الله أنا بأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي المعلم وبكلبي الذي ليس بمعلم فما يصلح لي فقال ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل "

(9/4)


2 - وعن عدي بن حاتم قال " قلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي واذكر اسم الله قال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله علي فكل ما أمسك عليك قلت وإن قتلن قال وإن قتلن ما لم ما لم يشركها كلب ليس معها قلت له فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيد قال إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله "
وفي رواية " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاة "
- متفق عليهن . وهو دليل على الإباحة سواء قتله الكلب جرحا أو خنقا

(9/4)


3 - وعن عدي بن حاتم " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك قلت وإن قتل قال ولإن قتل ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك "
- رواه أحمد وأبو داود

(9/5)


- حديث عدي بن حاتم الآخر أخرجه أيضا البيهقي وهو من رواية مجالد عن الشعبي عنه قال البيهقي تفرد مجالد بذكر الباز فيه وخالف الحفاظ
قوله : " ما صدت بقوسك " سيأتي الكلام عن الصيد بالقوس
قوله : " وما صدت بكلبك المعلم " المراد بالمعلم الذي إذا أغراه صاحبه على الصيد طلبه وإذا زجره أنزجر وإذا أخذ الصيد حبسه على صاحبه وفي اشتراط الثالث خلاف . واختلف متى يعلم ذلك منها فقال البغوي في التهذيب أقله ثلاث مرات وعن أبي حنيفة وأحمد يكفي مرتين
وقال الرافعي لا تقدير لاضطراب العرف واختلاف طباع الجوارح فصار المرجع إلى العرف
قوله : " فذكرت اسم الله عليه " فيه اشتراط التسمية وسيأتي الكلام عليه . ( وأحاديث الباب ) تدل على إباحة الصيد بالكلاب المعلمة وإليه ذهب الجمهور من غير تقييد واستثنى أحمد وإسحاق الأسود وقالا لا يحل الصيد به لأنه شيطان . ونقل عن الحسن وإبراهيم وقتادة نحو ذلك
قوله : " فكل ما أمسك عليك " فيه جواز أكل ما أمسكه الكلب بالشروط المذكورة في الأحاديث وهو مجمع عليه
قوله : " ما لم يشركها كلب ليس معها " فيه دليل على أنه لا يحل أكل ما يشاركه كلب آخر في اصطياده ومحله ما إذا استرسل بنفسه أو أرسله من ليس من أهل الذكاة فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الذكاة حل ثم ينظر فإن كان أرسلهما معا فهو لهما وإلا فللأول ويؤخذ ذلك من التعليل في قوله " فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره " فإنه يفهم منه أن المرسل لو سمي على الكلب لحل ووقع في رواية بيان عن الشعبي وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فيؤخذ منه أنه لو وجده حيا وفيه حياة مستقرة فذكاه حل لأن الاعتماد في الإباحة على التذكية لا على إمساك الكلب ويؤيده ما في حديث الباب وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل
قوله : " بالمعراض " بكسر الميم وسكون المهملة وآخره معجمة
قال الخليل وتبعه جماعة هو سهم لا ريش له ولا نصل
وقال ابن دريد وتبعه ابن سيده هو سهم طويل له أربه قذذ رقاق فإذا رمي به اعترض
وقال الخطابي المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة وقيل عود رقيق الطرفين غليظ الوسط وقيل خشبة ثقيلة آخرها عصاة محدد رأسها وقد لا يحدد وقوى هذا الأخير النووي تبعا لعياض
وقال القرطبي أنه المشهور وقال ابن التين المعراض عصا في طرفها حديدة يرمي بها الصائد فما أصاب بحده فهو ذكي فيؤكل وما أصاب بغير حده فهو وقيذ
قوله : " فخزق " بفتح الخاء المعجمة والزاي بعدها قاف أي نفذ يقال سهم خازق أي نافذ ويقال بالسين المهملة بدل الزاي وقيل الخزق بالزاي زقدج تبدل سينا الخدش
قال في الفتح وحاصله أن السهم وما في معناه إذا أصاب الصيد حل وكانت تلك ذكاته وإذا أصاب بعرضه لم يحل لأنه في معتى الخشبة الثقيلة أو الحكر ونحو ذلك من المثقل
قوله : " بعرضه " بفتح العين المهملة أي بغير طرفه المحدد وهو حجة للجمهور في التفصيل المذكور وعن الأوزاعي وغيره من فقهاء الشام يحل مطلقا وسيأتي لهذا زيادة بسط إن شاء الله
قوله : " ولم يأكل منه " فيه دليل على تحريم ما أكل منه الكلب من الصيد ولو كان الكلب معلما وقد علل في الحديث بالخوف من أنه إنما أمسك على نفسه وهذا قول الجمهور وقال مالك وهو قول الشافعي في القديم ونقل عن بعض الصحابة أنه يحل
واحتجوا بما ورد في حديث عمر و بن شعيب عن أبيه عن جده " إن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها فقال كل مما أمسك عليك وإن أكل منه " أخرجه أبو داود قال الحافظ ولا بأس بإسناده وسيأتي هذا الحديث في الباب الذي بعد هذا
وقال سلك الناس في الجمع بين الحديثين طرقا منها للقائلين بالتحريم . الأولي حمل حديث الأعرابي على ما إذا قتله وخلاه ثم عاد فأكل منه والثانية الترجيح . فرواية عدي في الصحيحين ورواية الأعرابي في غير الصحيحين ومختلف في تضعيفها وأيضا فرواية عدي صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم وهو خوف الإمساك على نفسه متأيدة بأن الأصل في الميتة التحريم فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل ولطاهر القرآن أيضا وهو قوله تعالى { فكلوا مما أمسكن عليكم } فإن مقتضاه أن الذي تمسكه من غير إرسال لا يباح ويتقوى أيضا بالشواهد من حديث ابن عباس عند أحمد " إذا أرسلت الكلب فأكل الصيد فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه فإذا أرسلته فقتله ولم يأكل فكل فإنما أمسك على صاحبه " وأخرجه البزار من وجه آخر على ابن عباس وابن أبي شيبة من حديث أبي رافع نحوه بمعناه ولو كان مجرد الإمساك كافيا لما أحتيج إلى زيادة عليكم في الآية وأما القائلون بالإباحة فحملوا حديث عدي على كراهة التنزيه . وحديث الأعرابي على بيان الجواز قال بعضهم ومناسبة ذلك أن عديا كان موسرا فاختير له الحمل على الأولي بخلاف أبي ثعلبة فإنه كان بعكسه ولا يخفى ضعف هذا التمسك مع التصريح بالتعليل في الحديث لخوف الإمساك على نفسه
وقال ابن التين قال بعض أصحابنا هو عام فيحمل على الذي أدركه ميتا من شدة العدو أو من الصدمة فأكل منه لآنه صار على صفة لا يتعلق بها الإرسال والإمساك على صاحبه
قال ويحتمل أن يكون معنى قوله قان أكل فلا تأكل إن لا يوجد منه غير الأكل دون إرسال الصائد له وتكون هذه الجملة مقطوعة عما قبلها ولا يخفى تتعسف هذا وبعده وقال ابن القصار مجرد إرسالنا الكلب إمساك علينا لأن الكلب لا نية له وإنما يتصيد بالتعلم فإذا كان الاعتبار بأن يمسك علينا أو على نفسه واختلف الحكم في ذلك وجب أن يتميز ذلك بنية من له نية وهو مرسله فإذا أرسله فقد أمسك عليه وإذا لم يرسله فلم يمسك عليه كذا قال ولا يخفى بعده ومصادمته لسياق الحديث
وقد قال الجمهور إن معنى قوله أمسكن عليكم صدن لكم وقد جعل الشارع أكله منه علامة على أنه أمسك لنفسه لالصاحبه فلا يعدل عن ذلك وقد وقع في رواية لبن أبي شيبة إن شرب من دمه فلا تأكل فإنه لم يعلم ما علمته وفي هذا إشارة إلى أنه إذا شرع في أكله دجل على أنه ليس يعلم التعليم المشترط وسلك بعض المالكية الترجيح فقال هذه القطعة ذكرها الشعبي ولم يذكرها همام وعارضها حديث الأعرابي المعروف بأبي ثعلبة
قال الحافظ وهذا ترجيح مردود لما تقدم وتمسك بعضهم بأن الإجماع على جواز أكله إذا أخذه الكلب بفيه وهم بأكله فأدركه قبل أن يأكل منه يدل على أنه يحل ما أكل منه لآن تناوله بفيه وشروعه في أكله مثل الأكل في أن كل واحد منهما يدل على أنه إنما أمسكه على نفسه
قوله : " فإن أخذ الكلب ذكاة " فيه دليل على أن إمساك الكلب للصيد بمنزلة التذكية إذا لم يدركه الصائد إلا بعد الموت لا إذا أدركه قبل الموت فالتذكية واجبة لقوله في الحديث فإن أدركته حيا فاذبحه
قوله : " فكل ما أمسك عليك " استدل به على أنه لو أرسل كلبه على صيد فاصطاد غيره حل للعموم الذي في قوله " ما أمسك عليك " وهذا قول الجمهور وقال مالك لا يحل وهو رواية البويطي عن الشافعي

(9/5)


باب ما جاء فيما إذا أكل الكلب من الصيد

(9/5)


1 - عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه "
- متفق عليه

(9/6)


2 - وعن إبراهيم عن ابن عباس قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه فإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل فإنما أمسكه على صاحبه "
- رواه أحمد

(9/6)


3 - وعن أبي ثعلبة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صيد الكلب إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك "
- رواه أبو داود

(9/6)


4 - وعن عبد الله بن عمرو " أن أبا ثعلبة الخشني قال يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فافتني في صيدها قال إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت عليك فقال يا رسول الله ذكي وغير ذكي قال ذكي وغير ذكي قال وإن أكل منه قال يا رسول الله أفتني في قوسي قال كل مما أمسك عليك قوسك قال ذكي وغير ذكي قال ذكي وغير ذكي قال ف'ن تغيب عني قال وإن تغيب عنك ما لم يصل يعني يتغير أو تجد فيه أثر غير سهمك "
- رواه أحمد وأبو داود

(9/7)


- حديث ابن عباس قد تقدم في الباب الذي قبل هذا ذكر طرقه وما يشهد له . وحديث أبي ثعلبة الأول قد تقدم أن الحافظ قال لا بأس بإسناده انتهى
وفي إسناده داود بن عمر والأودي الدمشقي عامل واسط قال أحمد بن عبد الله العجلي ليس بالقوي وقال أبو زرعة الرازي هو شيخ وقال يحيى بن معين ثقة وقال أبو زرعة لا بأس به
وقال ابن عدي لا أرى برواياته بأسا قال ابن كثير وقد طعن في حديث أبي ثعلبة وأجيب بأنه صحيح لا شك فيه على أنه قد روى الثوري عن سماك بن حرب عن عدي عنه صلى الله عليه وآله وسلم مثل حديث أبي ثعلبة إذا كان الكلب ضاريا وروى عبد الملك بن حبيب حدثنا اسد بن موسى عم أبي زائدة عن الشعبي عن عدي بمثله فوجب حمل حديث عدي يعني على نحو ما تقدم في حديث الباب الأول . وحديث أبي ثعلبة الثاني أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه وأعله البيهقي وقد تقدم الكلام على حديث ابن عمر وابن شعيب عن أبيه عن جده
قوله : " إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل " قد تقدم البحث عن هذا وما عارضه من حديث أبي ثعلبة المذكور مبسوطا في الباب الذي قبل هذا فليرجع إليه
قوله : " وكل ما ردت عليه يدك " أي كل كل ما صدته بيدك لا بشيء من الجوارح ونحوها قوله " كلابا مكلبة " يحتمل أن يكون مشتقا من الكلب بسكون اللام اسم العين فيكون حجة لمن خص ما صاده الكلب بالحل لإذا وجد ميتا دون ما عداه من الوارح كما قيل في قوله تعالى { مكلبين } ويحتمل أن يكون مشتقا من الكلب بفتح العين وهو مصدر بمعنى التكليب وهو التضرية ويقوي هذا عموم قوله من الجوارح مكلبين فإن الجوارح المراد بها الكواسب على أهلها وهو عام
قوله : " ذكي وغير ذكي " فيه دليل على أنه يحل ما وجد ميتا من صيد الكلاب المعلمة فيما عداه من السباع كالفهد والنمر وغيرهما وكذلك الطيور فذهب مالك إلى أنها مثل الكلاب وحكاه ابن شعبان عن فقهاء الأمصار وهو مروي عن ابن عباس وقال جماعة ومنهم مجاهد لا يحل ما صادوه غير الكلب إلا بشرط إدراك ذكاته وبعضهم خص البازي بحل ما قتله لحديث ابن عباس المتقدم في الباب الأول
قوله : " وأن تغيب عنك " سيأتي الكلام عليه
قوله : " ما لم يصل " بفتح حرف المضارعة وكسر الصاد المهملة وتشديد اللام أي يتغير
قوله : " أو تجد فيه أثر غير سهمك " سيأتي أيضا الكلام عليه إن شاء الله تعالى

(9/7)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية