صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ نيل الأوطار - الشوكاني ]
الكتاب : نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار
المؤلف : محمد بن علي بن محمد الشوكاني
الناشر : إدارة الطباعة المنيرية
عدد الأجزاء : 9
مع الكتاب : تعليقات يسيرة لمحمد منير الدمشقي
(الصفحات من بعد المجلد الرابع مرقمة آليا)

1 - وعن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال " ما كنت لاقيم حدا على أحد فيموت واجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسنه "
- متفق عليه وهو لأبي داود وابن ماجه وقالا فيه لم يسن فيه شيئا إنما قلناه نحن قلت ومعني لم يسنه يعني لم يقدره ويوقته بلفظه ونطقه

(7/188)


2 - وعن أبي سعيد " قال جلد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر بنعلين أربعين فلما كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطا "
- رواه أحمد

(7/188)


3 - وعن عبيد الله عدي بن الخيار أنه قال لعثمان " قد أكثر الناس في الوليد فقال سنأخذ منه بالحق إن شاء الله تعالى ثم دعا أمير المؤمنين عليا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين "
- مختصرا من البخاري وفي رواية له أربعين ويتوجه الجمع بينهما بما رواه أبو جعفر محمد بن علي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جلد الوليد بسوط له طرفان رواه الشافعي في مسنده

(7/188)


4 - وعن أبي سعيد قال " أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برجل نشوان فقال أني لم أشرب خمرا إنما شربت زبيبا وتمرا في دباءة قال فأمر به فنهز بالأيدي وخفق بالنعال ونهى عن الدباء ونهى عن الزبيب والتمر يعني أن يخلطا "
- رواه أحمد

(7/189)


5 - وعن السائب بن يزيد " أن عمر خرج عليهم فقال أني وجدت من فلان ريح شراب فزعم أنه شرب الطلاء وأني سائل عما شرب فإن كان مسكرا جلدته فجلده عمر الحد تاما "
- رواه النسائي والدارقطني

(7/189)


6 - وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في شرب الخمر قال " أنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي وإذا هذي افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة "
- رواه الدارقطني ومالك بمعناه

(7/189)


7 - وعن ابن شهاب أنه سئل عن حد العبد في الخمر فقال " بلغني أن عليه نصف حد الحر وإن عمر وعثمان وعبد الله ابن عمر جلدوا عبيدهم نصف الحد في الخمر "
- رواه مالك في الموطأ

(7/190)


- حديث أبي سعيد الأول أخرجه الترمذي وحسنه قال وفي الباب عن علي وعبد الرحمن بن ازهر وأبي هريرة والسائب وابن عباس وعقبة بن الحرث انتهى . وأثر أبي جعفر محمد بن علي فيه انقطاع . وحديث أبي سعيد الثاني أصله في صحيح مسلم وأخرج الشيخان عن جابر " ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا وأن ينبذ الرطب والبسر جميعا " وأخرج نحوه مسلم عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس واتفقا عليه من حديث أبي قتادة بلفظ " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجمع بين التمر والزهو والتمر والزبيب ولينبذ كل منهما على حدة والنهي عن الانتباه في الدباء " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لوفد عبد القيس أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير " المقير " وأخرج نحوه الشيخان من حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس ولهما أيضا عن أنس نهى عن الدباء والمزفت . وللبخاري عن ابن أبي أوفى نهى عن المزفت والحنتم والنقير . ولهما عن علي في النهى عن الدباء والمزفت . لعائشة عند مسلم نهى وفد عبد القيس أن ينتبذوا في الدباء والنقير والمزفب والحنتم انتهى والدباء هو القرع والحنتم الجرار الخضر والنقير هو أصل الجذع ينقر ويتخذ منه الأناء والمزفت هو المطلى بالزفت والمقير هو المطلى بالقار . وأثر عمر رواه النسائي من طريق الحرث ابن مسكين وهو ثقة عن ابن القاسم يعني عبد الرحمن صاحب مالك وهو ثقة أيضا عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن عمر والسائب له صحبة . وأثر على الآخر أخرجه أيضا الشافعي وهومن طريق ثور بن زبد الديلى ولكنه منقطع لأن ثورا لم يلحق عمر بلا خلاف ووصله النسائي والحاكم فروياه عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة ولم يذكر ابن عباس وقد أعل هذا بما تقدم في أول الباب ان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر قال في التلخيص ولا يقال يحتمل أن يكون علي وعبد الرحمن أشارا بذلك جميعا لما ثبت في صحيح مسلم عن علي في جلد الوليد بن عقبة أنه جلده أربعين وقال جلد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلى فلو كان هو المشير بالثمانين ما أضافها إلى عمر ولم يعمل لكن يمكن أن يقال أنه قال لعمر باجتهاد ثم تغير اجتهاده ولهذا الأثر طرق منها ما تقدم ومنها ما أخرجه الطبري والطحاوي والبيهقي وفيه أن رجلا من بني كلب يقال له ابن وبرة أخبره أن خالد بن الوليد بعثه إلى عمر وقال له إن الناس قد انهمكوا في الخمر واستخفوا العقوبة فقال عمر " لمن حوله ما ترون فقال على فذكر مثل تقدم " وأخرج نحوه عبد الرزاق عن عكرمة وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال شرب نفرمن أهل الشام الخمر وتأولوا الآية الكريمة فاستتشار فيهم فقلت أرى أن تستتيبهم فإن تابوا ضربتهم ثمانين وإلا ضربت أعناقهم لأنهم استحلوا ما حرم فاستتابهم فتابوا فضربهم ثمانين ثمانين . وأثر ابن شهاب فيه انقطاع النانية من حديث الباب بلفظ " قضى أن عقل أهل الكتابين " الخ مقيدة باليهود والنصارى والرواية الأولى منه مطلقة فيحمل المطلق على المقيد ويكون المراد بالحديث دية اليهود والنصارى دون المجوس لانا نقول لا نسلم صلاحية الرواية الثاينة للتقييد ولا للتخصيص لأن ذلك من التنصيص على بعض أفراد المطلق أو العام وما كان كذلك فلا يكون مقيدا لغيره ولا مخصصا له ويوضح ذلك أن غاية ما في قوله عقل أهل الكتابين أن يكون من عداهم بخلافهم لمفهوم اللقب وهو غير معمول به عند الجمهور وهو الحق فلا يصلح لتخصيص قوله صلى الله عليه وآله وسلم " عقل الكافر نصف دية المسلم " ولا لتقييده على فرض الإطلاق ولا سيما مخرج اللفظين واحد والرواي واحد فإن ذلك يفيد أن أحدهما من تصرف الراوي واللازم الأخذ بما هو مشتمل على زيادة فيكون المجوسي داخلا تحت ذلك العموم وكذلك كل من له ذمة من الكفار ولا يخرج عنه إلا من لا ذمة له ولا أمان ولا عهد من المسلمين لأنه مباح الدم ولو فرض عدم دخول المجوسي تحت ذلك اللفظ كان حكمه حكم اليهود والنصارى والجامع الذمة من المسلمين للجميع . ويؤيد ذلك حديث " سنوا بهم سنة أهل الكتاب "
واحتج القائلون بأن دية الذمي كدية المسلم بعموم قوله تعالى { وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله } قالوا وإطلاق الدية يفيد أنها الدية المعهودة وهي دية المسلم ويجاب عنه أولا بمنع كون المعهود ههنا هو دية المسلم لم لا يجوز أن يكون المراد بالدية الدية المتعارفة بين المسلمين لأهل الذمة والمعاهدين وثانيا بأن هذا الإطلاق مقيد بحديث الباب . واستدلوا ثانيا بما أخرجه الترمذي عن ابن عباس وقال غريب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودى العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري وكان لهما عهد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يشعر به عمرو بدية المسلمين . وبما أخرجه البيهقي عن الزهري أنها كانت دية اليهودي والنصراني في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل دية المسلم وفي زمن أبي بكر وعمر وعثمان فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف وألقى النصف في بيت المال قال ثم قضى عمر بن عبد العزيز بالنصف وألغى ما كان جعل معاوية . وبما أخرجه أيضا عن عكرمة عن ابن عباس قال " جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية فيه دليل على أنه لا يجوز الجمع بين الزبيب والتمر وجعلهما نبيذا وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى قوله فزعم أنه شرب الطلاء هي الخمرة اللذيذة على ما في القاموس
قوله : " إذا شرب سكر " الخ أعلم أن معنى هذا الأثر لا يتم إلا بعد تسليم إن كل شارب خمر يهذي بما هو افتراء وأن كل مفتر يجلد ثمانين جلدة والكل ممنوع فإن الهذيان إذا كان ملازما للسكر فلا يلازمه الافتراء لأنه نوع خاص من أنواع ما يهذو به الإنسان والجلد إنما يلزم من افترى افتراء خاصا وهو القذف لا كل مفتر وهذا مم لا خلاف فيه فكيف صح مثل هذا القياس فإن قال قائل أنه من باب الإخراج للكلام على الغالب فذلك أيضا ممنوع فإن أنواع الهذيان بالنسبة إلى الافتراء وأنواع الافتراء بالنسبة إلى القذف هي الغالبة بلا ريب وقد تقرر في علم المعاني أن أصل إذا الجزم بوقوع الشرط ومثل هذا الأمر النادر مما يبعد الجزم بوقوعه باعتبار كثرة الأفراد المشاركة له في ذلك الاسم وغلبتها وللقياس شروط مدونة في الأصول لا تنطبق على مثل هذا الكلام ولكن مثل أمير المؤمنين رضي الله عنه ومن بحضرته من الصحابة الأكابر هم أصل الخبرة بالأحكام الشرعية ومداركها
قوله : " بلغني أن عليه نصف حد الحر " قد ذهب إلى التنصيف للعبد في حد الزنا والقذف والشرب الأكثر من أهل العلم وذهب ابن مسعود والليث والزهري وعمر بن عبد العزيز إلى أه يستوي الحر والعبد في ذلك لعموم الأدلة ويجاب بأن القرآن مصرح في حد الزنا بالتنصيف قال الله تعالى { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } ويلحق بالأماء العبيد ويلحق بحد الزنا سائر الحدود وهذا قياس صحيح لا يختلف في صحته من أثبت العمل بالقياس

(7/190)


باب ما ورد في قتل الشارب في الرابعة وبيان نسخه

(7/190)


1 - عن عبد الله بن عمرو قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه قال عبد الله ائتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة فلكم علي أن أقتله "
- رواه أحمد

(7/191)


2 - وعن معاوية " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا شربوا الخمر فاجلدوهم ثم إذا شربوا فاجلدوهم ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم "
- رواه الخمسة إلا النسائي قال الترمذي إنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد ين المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد الرابعة فاقتلوه قال ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله "

(7/191)


3 - وعن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه فاتى برجل قد شرب فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده ورفع القتل وكانت رخصة "
- رواه أبو داود وذكره الترمذي بمعناه

(7/191)


4 - وعن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن سكر فاجلدوه ثم أن سكر فاجلدوه فأن عاد في الرابعة فاضربوه عنقه "
- رواه الخمسة إلا الترمذي وزاد أحمد قال الزهري " فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسكران في الرابعة فخلى سبيله "

(7/192)


- حديث ابن عمرو أخرجه أيضا الحرث بن أبي أسامة في مسنده من طريق الحسن البصري ورواه من طريقه ابن حزم والحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو فهو منقطع وقد جزم بعدم سماعه منه ابن المديني وغيره ووقع في نسخة من هذا الكتاب عبد الله بن عمر بدون واو والصواب إثباتها . وحديث معاوية قال البخاري هو أصح ما في هذا الباب وأخرجه أيضا الشافعي ولادارمي وابن المنذر وابن حبان وصححه من حديث أبي هريرة وأخرج ابن أبي شيبة من رواية أبي سعيد والمحفوظ أنه عن معاوية وأخرجه أبو داود من رواية ابان العطار وفيه فإن شربوا يعني بعد الرابعة فاقتلوهم . ورواه أيضا أبو داود من حديث ابن عمر قالوا واحسبه قال في الخامسة ثم إن شربها فاقتلوه قال وكذا في حديث غطيف في الخامسة . وحديث جابر أخرجه أيضا النسائي . وحديث قبيصة بن ذؤيب أخرجه أيضا الشافعي وعبد الرزاق وعلقه الترمذي
وأخرجه أيضا الخطيب عن ابن إسحاق عن الزهري بن المعتمر ومخول بن راشد فقال لهما كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة ولد عام الفتح وقيل انه ولد أول سنة من الهجرة ولم يذكر له سماع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعده الأئمة من التابعين وذكروا أنه سمع الصحابة قال المنذري وإذا ثبت أن مولده أول سنة من الهجرة أمكن أن يكون سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد قيل أنه أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو غلام يدعو له وذكر عن الزهري أنه كان إذا ذكر قبيصة بن ذؤيب قال كان من علماء هذه الأمة وأما أبوه ذؤيب بن حلحلة فله صحبة انتهى ورجال الحديث مع إرساله ثقات وأعله الطحاوي بما أخرجه من طريق الوزاعي أن الزهري رواية قال بلغني عن قبيصة ولم يذكر أنه سمع منه وعورض بأنه رواه ابن وهب عن يونس قال أخبرني الزهري أن قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويونس أحفظ لحديث الزهري من الأوزاعي وأخرج عبد الرزاق عن ابن المنكدر مثله
وأما حديث أبي هريرة فقد قدمنا من أخرجه ومن صححه وفي الباب عن الشريد بن أوس الثقفي عند أحمد والأربعة والدارمي والطبري وصححه الحاكم وعن شرحبيل الكندي عند أحمد والطبراني وابن منده ورجاله ثقات وعن أبي الرمداء براء مهملة مفتوحة وميم ساكنة ودال مهملة وبالمد عند الطبراني وابن منده وفي إسناده ابن لهيعة وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بضرب عنقه وأنه ضرب عنقه فأن ثبت هذا كان فيه رد على من يقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعمل به ( وقد أختلف العلماء ) هل يقتل الشارب بعد الرابعة أو لا فذهب بعض اهل الظاهر إلى أنه يقتل ونصره ابن حزم واحتج له ودفع دعوى الإجماع على عدم القتل وهذا هو طاهر ما في الباب عن ابن عمرو وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل الشارب وأن القتل منسوخ قال الشافعي والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره يعني حديث قبيصة ابن ذؤيب ثم ذكر أنه لا خلاف في ذلك بين أهل العلم
وقال الخطابي قد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به الفعل وإنما يقصد به الردع والتحذير وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبا ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل انتهى . وحكى المنذري عن بعض أهل العلم أنه قال أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر وأجمعوا على أنه لا يقتل إذا تكرر منه إلا طائفة شاذة قالت يقتل بعد حده أربع مرات للحديث وهو عند الكافة منسوخ انتهى
وقال الترمذي أنه لا يعلم في ذلك اختلافا بين أهل العلم في القديم والحديث وذكر أيضا في آخر كتابه الجامع في العلل أن جميع ما فيه معمول به عند البعض من أهل العلم إلا حديث إذا سكر فاجلدوه المذكور في البابز وحديث الجمع بين الصلاتين وقد احتج من أثبت القتل بأن حديث معاوية المذكور متأخر عن الأحاديث القاضية تعدم القتل لأن مسلام معاوية متأخر وأجيب عن ذلك بأن تأخر اسلام الرواي لا يستلزم تأخر المروى لجواز أن يروى ذلك عن غيره من الصحابة المتقدم اسلامهم على اسلامه وأيضا قد أخرج الخطيب في المتهمات عن ابن إسحاق عن الزهري عن قبيصة أنه قال في حديثه السابق فأتى برجل من الأنصار يقال له نعيمان فضربه أربع مرات فرأى المسلمون أن القتل عد أخر وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن سهل وفيه قال فحدثت به ابن المنكدر فقال قد ترك ذلك وقد أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بابن النعيمان فجلده ثلاثا ثم أني به الرابعة فجلده ولم يزده وقصة النعيمان أو ابن النعيمان كانت بعد الفتح لأن عقبة بن الحرث حضرها فهي إما بالمدينة ومعاوية أسلم قبل الفتح أو في الفتح على الخلاف وحضور عقبة كان بعد الفتح

(7/192)


باب من وجد منه سكر أو ريح خمر ولم يعترف

(7/192)


1 - عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقت في الخمر حدا وقال ابن عباس شرب رجل فسكر فلقي يميل في الفج فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما حاذى بدار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فضحك وقال أفعلها ولم يأمر فيه شيء "
- رواه أحمد وأبو داود وقال هذا مما تفرد به أهل المدينة

(7/193)


2 - وعن علقمة قال " كنت بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال لجل ما هكذا أنزلت فقال عبد الله والله لقرأتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أحسنت فبينما هو يكلمه إذ وجد منه ريح الخمر فقال أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب فضربه الحد "
- متفق عليه

(7/193)


- حديث ابن عباس أخرجه أيضا النسائي وقوي الحافظ اسناده
قوله : " لم يقت " من التوقيت أي لم يقدره بقدر ولا حده بحد وقد استدل بهذا الحديث من قال إن حد السكر غير واجب وأنه غير مقدر وإنما هو تعزير فقط كما تقدم وأجيب عن هذا بأنه قد وقع الإجماع من الصحابة على وجوبه . وحديث ابن عباس المذكور قد قيل أنه كان قبل أن يشرع الجلد ثم شرع الجلد والأولى أن يقال إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما لم يقم على ذلك الرجل الحد لكونه لم يقر لديه ولا قامت عليه بذلك الشهادة عنده وعلى هذا بوب المصنف فيكون في ذلك دليل على أنه لا يجب على الإمام أن يقيم الحد على شخص بمجرد اخبار الناس له أنه فعل ما يوجبه ولا يلزمه البحث بعد ذلك لما قدمنا من مشروعية الستر وأولوية ما يدرأ الحد على ما يوجبه وأثر ابن مسعود المذكور فيه متمسك لمن يجوز للإمام والحاكم ومن صلح أن يقيم الحدود إذا علم بذلك وإن لم يقع من فاعل ما يوجبها إقرار ولا قامت عليه البينة به وقد خالف في أصل حكم بما علم مطلقا شريح والشعبي وابن أبي ليلى والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق والشافعي في قول يه فقالوا لا يجوز له أن يقضي بما علم مطلقا
وقال الناصر والمؤيد في قول له والشافعي في قول له أيضا أنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في كل شيء من غير فرق بين الحد وغيره وذهبت العترة إلى أنه يحكم بعلمه في الأموال دون الحدود إلا في حد القذف فإنه يحكم فيه بعلمه ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري تعليقا أن عمر قال لعبد الرحمن لو رأيت رجلا على حد فقال أرى شهاتك شهادة رجل من المسلمين قال أصبت وصله البيهقي ويؤيده حديث " لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها " في قصة الملاعنة وقد تقدم فإن ذلك يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علم زناها

(7/193)


باب ما جاء في قدر التعزير والحبس في التهم

(7/194)


1 - عن أبي بردة بن نيار " أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى "
- رواه الجماعة إلا النسائي

(7/194)


2 - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حبس رجلا في تهمة ثم خلى عنه "
- رواه الخمسة إلا ابن ماجه

(7/194)


- حديث أبي بردة مع كونه متفقا عليه قد تكلم في اسناده ابن المنذر والأصيلى من جهة الاختلاف فيه وقال البيهقي قد أقام عمرو بن الحرث اسناده فلا يضره تقصير من قصر فيه وقال الغزالي صححه بعض الأئمة وتعقبه الرافعي في التذنيب فقال أراد بقوله بعض الأئمة صاحب التقريب ولكن الحديث أظهر من أن تضاف صحته إلي فرد من الأئمة فقد صححه البخاري ومسلم . وحديث بهز ابن حكيم حسنه الترمذي وقال الحاكم صحيح الاسناد ثم أخرج له شاهدا من حديث أبي هريرة وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حبس في تهمة يوما وليلة وقد تقدم الاختلاف في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده
قوله : " لا يجلد " روي بفتح الياء في أوله وكسر اللام وروي أيضا بضم الياء وفتح اللام وروي بصيغة النهى مجزوما وبصيغة النفي مرفوعا
قوله : " فوق عشرة أسواط " في رواية فوق عشرة ضربات
قوله : " إلا في حد " المراد به ما ورد عن الشارع مقدرا بعدد مخصوص كحد الزنا والقذف ونحوهما وقيل المراد بالحد هنا عقوبة المعصية مطلقا لا الأشياء المخصوصة . فإن ذلك التخصيص إنما هو من اصطلاح الفقهاء وعرف الشرع إطلاق الحد على كل عقوبة لمعصية من المعاصي كبيرة أو صغيرة ونسب ابن دقيق العيد هذه المقالة إلى بعض المعاصرين له وإليها ذهب ابن القيم وقال المراد بالنهي المذكور في التأديب للمصالح كتأديب الأب ابنه الصغير واعترض على ذلك بأنه قد ظهر أن الشارع يطلق الحدود على العقوبات المخصوصة ويؤيد ذلك قول عبد الرحمن بن عوف أن أخف الحدود ثمانون كما تقدم في كتاب حد شارب الخمر وقد ذهب إلى العمل بحديث الباب جماعة من أهل العلم منهم الليث وأحمد في المشهور عنه وإسحاق وبعض الشافعية وذهب أبو حنيفة والشافعي وزيد بن علي والمؤيد بالله والإمام يحيى إلى جواز الزيادة على عشرة أسواط ولكن لا يبلغ إلى أدنى الحدود . وذهب الهادي والقاسم والناصر وأبو طالب إلى أنه يكون في كل موجب للتعزير دون حد جنسه وإلى مثل ذلك ذهب الأوزاعي وهو مروي عن محمد بن الحسن الشيباني وقال أبو يوسف إنه ما يراه الحاكم بالغا ما بلغ وقال مالك وابن أبي ليلى أكثره خمسة وسبعون هكذا حكى صاحب البحر والذي حكاه النووي عن مالك وأصحابه وأبي ثور وأبي يوسف ومحمد أنه إلى رأى الإمام بالغا ما بلغ
وقال الرافعي الاظهر أنها تجوز الزيادة على العشرة وإنما المراعى النقصان عن الحد قال وأما الحديث المذكور فمنسوخ على ما ذكره بعضهم واحتج بعمل الصحابة بخلافه من غير انكار انتهى
وقال البيهقي عن الصحابة آثار مختلفة في مقدار التعزير وأحسن ما يصار إليه في هذا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ذكر حديث أبي بردة المذكور في الباب
قال الحافظ فتبين بما نقله البيهقي عن الصحابة أن لا اتفاق على عمل في ذلك فكيف يدعى نسخ الحديث الثابت ويصار إلى ما يخالفه من غير برهان وسبق إلى دعوى عمل الصحابة بخلافه الأصيلي وجماعة وعمدتهم كون عمر جلد في الخمر ثمانين وأن الحد الأصلي أربعون والباقية ضربها تعزيرا لكن حديث علي السابق يدل على أن عمر إنما ضرب ثمانين معتقدا أنه الحد وأما النسخ فلا يثبت إلا بدليل وذكر بعض المتأخرين أن الحديث محمول على التأديب الصادر من غير الولاة كالسيد يضرب عبده والزوج يضرب زوجته والأب ولده والحق العمل بما دل عليه الحديث الصحيح المذكور في الباب وليس لمن خالفه متمسك يصلح المعارضة وقد نقل القرطبي عن الجمهور أنهم قالو بما دل عليه وخالفه النووي فنقل عن الجمهور عدم القول به ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل فلا ينبغي لمنصف التعويل على قول أحد عند قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر
قوله " في تهمة " بضم التاء وسكون الهاء وقد تفتح في لغة وهي فعلة من الوهم والتاء بدل من الواو واتهمته إذا ظننت فيه ما نسب إليه وفيه دليل على أن الحبس كما يكون حبس ععقوبة يكون حبس استظهار في غير حق بل لينكشف به بعض ما وراءه وقد بوب أبو داودعلى هذا الحديث فقال باب في الحبس في الدين وغيره وذكر معه حديث عمرو بن الشريد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لي الواجد يحل عرضه وعقوبة " وقد تقدم وذكر أيضا حديث الهرماس ابن حبيب عن أبيه عن جده قال " أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغريم لي فقال لي الزمه ثم قال يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك " وأخرجه أيضا ابن ماجه قال في البحر مسألة وندب اتخاذ سجن للتأديب واستيفاء الحقوق لفعل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وعمر وعثمان ولم ينكر وكذلك الدرة والسوط لفعل عمر وعثمان ( فرع ) ويجب حبس من عليه الحق للإيفاء اجماعا أن طلب لحبسه صلى الله عليه وآله وسلم من أعتق شقصا في عبد حتى غرم لشريك قيمته وكذلك التقييد انتهى . الحديث الذي ذكره أخرجه البيهقي وهو منقطع

(7/195)


باب المحاربين وقطاع الطريق

(7/195)


1 - عن قتادة عن أنس " أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتكلموا بالإسلام فاستوخموا المدينة فأمر لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستاقوا الذود فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبعث الطلب في آثارهم فأمربهم فسمروا اعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم "
- رواه الجماعة . وزاد البخاري قال قتادة " بلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهي عن المثلة " وفي رواية لأحمد والبخاري وأبي داود قال قتادة فحدثني ابن سيرين " إن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود " وللبخاري وأبو داود في هذا الحديث " فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم ثم ألقوا في الحرة يستسقون فما سقوا حتى ماتوا " وفي رواية النسائي " فقطق أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وصلبهم "

(7/195)


2 - وعن سليمان التيمي عن أنس قال " إنما سمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة "
- رواه مسلم والنسائي والترمذي

(7/196)


3 - وعن أبي الزناد " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك فأنزل إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا " . الآية '
- رواه أبو داود والنسائي

(7/196)


4 - وعن ابن عباس في قطاع الطريق " إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض "
- رواه الشافعي في مسنده

(7/196)


- حديث أبي الزناد مرسل وقد سكت عنه أبو داود ولم يذكر المنذري له علة غير إرساله ورجال هذا المرسل رجال الصحيح وقد وصله أبو الزناد من طريق عبد الله بن عبيد الله بن عمر عن عمر كما في سنن أبي داود في الحدود ويؤيده ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس " إن ناسا أغاروا على إبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنا فبعث في آثارهم فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم قال فنزلت فيهم آية المحاربة " وعند البخاري وأبي داود عن أبي قلابة أنه قال في العرنيين فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله وهو يشير إلى أنهم سبب الآية
وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عمر أن الآية نزلت في العرنيين وأثر ابن عباس في اسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وهو ضعيف عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس واخرجه البيهقي من طريق محمد بن سعيد العوفي عن آبائه إلى ابن عباس في قوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله قال إذا حارب فقتل فعليه القتل إذا ظهر عليه قبل توبته فإذا حارب وأخذ المال وقتل فعليه الصلب وإن لم يقتل فعليه قطع اليد والرجل من خلاف وإذا حارب وأخاف السبيل فإنما فعليه النفي " ورواه أحمد بن حنبل في تفسيره عن أبي معاوية عن عطية به نحوه
وأخرج أبو داود والنسائي بإسناد حسن عن ابن عباس أنه قال إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفقوا من الأرض إلى غفور رحيم نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدروا عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال
قوله : " من عكل وعرينة " في رواية للبخاري من عكل أو عرينة بالشك ورواية الكتاب هي الصواب كما قال الحافظ ويؤيدها مارواه أبو عوانة والطبري من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس " قال كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل " وزعم الداودي وابن التين أن عرين هم عكل وهو غلط بل هما قبيلتان متغايرتان فعكل من عدنان وعرينة من قحطان . وعكل بضم العين المهملة واسكان الكاف قبيلة من تيم الرباب وعرينة بالعين والراء المهملتين والنون مصغرا حي من قضاعة وحي من بجيلة والمراد هنا الثاني كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي وكذا رواه الطبري من وجه آخر عن أنس ووقع عند عبد الرزاق من حديث أبي هريرة بإسناد ساقط أنهم من بني فزارة وهو غلط لأن بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكل ولا مع عرينة أصلا وذكر ابن إسحاق في المغازي أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وذكر الواقدي أنها كانت في شوال منها وتبعه ابن سعد وابن حبان وغيرهما
قوله : " فاستوخموا المدينة " في رواية " اجتووا المدينة " قال ابن فارس اجتويت المدينة إذا كرهت المقام فيها وإن كنت في نعمة وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة وهو المناسب لهذه القصة
وقال القزاز اجتووا أي لم يوافقهم طعامها
وقال ابن العربي الجوى داء يأخذ من الوباء ورواية استوخموا بمعنى هذه الرواية وللبخاري في الطب من رواية ثابت عن أنس " أن ناسا كان بهم سقم قالوا يا رسول الله آونا واطعنمنا فلما صحوا قالوا إن المدينة وخمة " والظاهر أنهم قدموا سقاما فلما صحوا من السقم كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها فأما السقم الذي كان بهم فهو الهزال الشديد والجهد من الجوع كما رواه أبو عوانة عن أنس أنه كان بهم هزال شديد وعنده من رواية أبي سعيد مصفرة ألوانهم وأما الوخم الذي شكوا منه بعد أن صحت أجسامهم فهو من حمي المدينة كما رواه أحمد عن أنس وذكر البخاري في الطب عن عائشة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا الله أن ينقلها إلى الجحفة "
قوله : " فأمر له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذود وراع " قد تقدم تفسير الذود في الزكاة
وفي رواية للبخاري وغيره فأمرهم بلقاح أي أمره أن يلحقوا بها وفي أخرى له فأمر لهم بلقاح واللقاح بكسر اللام وبعدها قاف وآخره مهملة النوق ذوات الألبان واحدتها لقحة بكسر اللام وإسكان القاف :
قوله " فليشربوا من أبوالها " استدل به من قال بطهارة أبوال الأبل وقاس سائر المأكولا ت عليها وقد تقدم الكلام على ذلك في أوائل الكتاب
قوله : " بناحية الحرة " هي أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة
قوله : " وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم " اسمه يسار بياء تحتانية ثم مهملة خفيفة كما ذكره الطباني وابن إسحاق في السيرة
وفي لفظ لمسلم أنهم قتلوا أحد الراعيين وجاء الآخر قد جزع فقال قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالأبل
قال الحافظ ولم أقف على اسم الراعي الآتي بالخبر والظاهر أنه راعي إبل الصدقة ولم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبعث الطلب في آثارهم ذكر ابن إسحاق عن سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث خيلا من المسلمين أميرهم كرز بن جابر الفهري وكرز بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي وفي رواية للنسائي " فبعث في طلبهم قافة " أي جمع قايف ولمسلم أنهم شباب من الأنصار قريب من عشرين رجلا وبعث معهم قائفا يقتص آثارهم
وفي مغازي موسى بن عقبة أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد وذكر غيره أنه سعد بن زيد الأشهلي والأول أنصاري ويمكن الجمع بأن كل واحد منهما أمير قومه وكرز أمير الجميع
وفي رواية للطبراني وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه في آثارهم واسناده ضعيف والمعروف أن جريرا تأخر اسلامه عن هذا الوقت بمدة
قوله : " فأمربهم " فيه حذف تقديره فأدركوا فأخذوا فجيء بهم فأمر بهم
وفي رواية للبخاري فلما ارتفع النهار جيء بهم
قوله : " فسمروا أعينهم " بالسين المهملة وتشديد الميم
وفي رواية للبخاري وسمرت أعينهم
وفي رواية لمسلم وسمل أعينهم بتخفيف الميم واللام قال الخطابي السمر لغة في السمل ومخرجها متقارب قال وقد يكون من المسمار يريد أنهم كحلوا باميال قد أحميت قال والسمل فقء العين بأي شيء كان قال أبو ذؤيب الهذلي
والعين بعدهم كأن حداقها ... سملت بشوك فهي عورا تدمع
وقد وقع التصريح بمعنى السمر في الرواية المذكورة في الباب بلفظ فأمر بمسامير الخ
قوله : " وما حسمهم " أي لم يكوما قطع منهم بالنار لينقطع الدم بل تركه ينزف
قوله : " يستسقون فما سقوا " في رواية للبخاري " ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا " وفي أخرى له " يعضون الحجارة " وفي أخرى له في الطب قال أنس فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت
وفي رواية لأبي عوانة من هذا الوجه يعض الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة
قوله : " وصلبهم " حكي في الفتح عن الواقدي أنهم صلبوا قال والروايات الصحيحة ترده لكن عند أبي عوانة عن أنس فصلب اثنين وقطع اثنين وسمل اثنين وهذا يدل على أنهم ستة فقط وقد تقدم ما يدل على أنهم سبعة : وفي البخاري في الجهاد عن أنس " أن رهطا من عكل ثمانية " قوله " لأنهم سملوا أعين الرعاة " فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما فعل ذلك بهم اقتصاصا لما فعله بالرعاة وإلى ذلك مال جماعة منهم ابن الجوزي وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المثلة وقعت في حقهم من جهات وليس في الحديث إلا السمل فيحتاج إلى ثبوت البقية وقد نقل أهل المغازي أنهم مثلوا بالراعي وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ
قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصين في النهى عن المثلة هذا الحديث ينسخ كل مثلة وتعقبه ابن الجوزي بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ ويجاب عن هذا التعقب بحديث أبي الزناد المذكور فإن معاتبة الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم تدل على أن ذلك الفعل غير جائز ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد في حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الاذن فيه . وقصة العرنيين قبل اسلام أبي هريرة وقد حضر الاذن ثم النهي عنه ويؤيده أيضا ما في الباب عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود وأصرح من الجميع ما في الباب عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك نهى عن المثلة وإلى هذا مال البخاري وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي واستشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا وقع منه نهي عن سقيهم انتهى . وتعقب بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اطلع على ذلك وسكت والسكوت كاف في ثبوت الحكم وأجاب النووي بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره وبدل عليه أن من معه ماء لطهارته فقط لا يسقي المرتد ويتيمم بل يستعمله ولو مات المرتد عطشا
وقال الخطابي إنما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهم ذلك لأنه أراد بهم الموت بذلك وقيل أن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي البان الأبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم
قوله : وعن ابن عباس في قطاع الطريق أي الحكم فيهم هو المذكور وقد حكى في البحر عن ابن عباس والمؤيد بالله وأبي طالب والحنفية والشافعية أن الآية أعني قوله تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } نزلت في قطاع الطريق المحاربين وعن ابن عمر والهادي أنها نزلت في العرنين ويدل على ذلك حديث أبي الزناد المذكور في الباب وحكى المؤيد بالله وأبو طالب عن قوم إنها نزلت في المشركين ورد ذلك بالإجماع على أنه لا يفعل بالمشركين كذلك ويدفع هذا الرد بما أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عباس إنها نزلت في المشركين وقد دعا له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعلم التأويل
وقد ذهب أكثر العترة والفقهاء إلى أن المحارب هو من أخاف السبيل في غير المصر لأخذ المال وسواء أخاف المسلمين أو الذميين قال الهادي وأبو حنيفة إن قاطع الطريق في المصر أو القرية ليس محاربا للحوق الغوث بل مختلسا أو منتهبا وفي رواية عن مالك إذا كانوا على ثلاثة أميال من المصر أو القرية فمحاربون لا دون ذلك إذ يلحقه الغوث وفي رواية أخرى عن مالك لا فرق بين المصر وغيره لأن الآية لم تفصل وبه قال الأوزاعي وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد والشافعي والناصر والإمام يحيى وإذا لم يكن قد أحدث المحارب غير الإخافة عزره الإمام فقط قال أبو طالب وأصحاب الشافعي ولا نفي مع التعزير وأثبته المؤيد بالله فإن وقع منه القتل فقط فذهبت العترة والشافعي إلى أنه يقتل فقط . وعن أبي حنيفة ليس بمحارب أن قتل بمثقل فإن قتل وأخذ المال فذهب الشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والهادي والمؤيد بالله وأبو طالب إلى أنه يقتل ويصلب ولا قطع لدخوله في القتل
وقال الناصر وأبو العباس بل يخير الإمام بين أن يصلب ويقتل أو يقتل ثم يصلب أو يقطع ثم يقتل أو يقطع ويقتل ويصلب لأن أو للتخيير وقال مالك إذا شهروا السلاح وأخافوا لزمهم ما في الآية
وقال الحسن البصري وابن المسيب ومجاهد إذا أخافوا خير الإمام بين أن يقتل فقط أو يقتل ويصلب أو يقطع الرجل واليد فقط أو يحبس فقط لأجل التخيير
وقال أبو الطيب بن سلمة من الشافعية وحصله صاحب الوافي للهادي أنهم إذا أخذوا المال وقتلوا قطعوا للمال ثم قتلوا للقتل ثم صلبوا للجمع بين الأخذ والقتل قال أبو حنيفة والهادوية فإن قتل وجرج قتل فقط لدخول الجرح في القتل وقال الشافعي بل يجرح ثم يقتل إذ هما جنايتان والنفي المذكور في الآية هو طرد سنة عند الهادي والشافعي وأحمد والمؤيد بالله وأبي طالب وقال الناصر وأبو حنيفة وأصحابه بل الحبس فقط إذا القصد دفع أذاء وإذا كان المحاربون جماعة واختلفت جناياتهم فذهبت العترة والشافعي إلى أنه يحد كل واحد منهم بقدر جنايته
وقال أبو حنيفة بل يستوون إذ المعين كالقاتل واختلفوا هل يقدم الصلب على القتل أو العكس فذهب الشافعي والناصر والإمام يحيى إلى أنه يقدم الصلب على القتل إذ المعنى يقتلون بالسيف أو بالصلب
وقال الهادي وأبو حنيفة وهو مروي عن الشافعي رحمه الله أنه لا صلب قبل القتل لأنه مثلة وجعل الهادي أو بمعنى الواو ولذلك قال بتقدم القتل على الصلب وقال بعض أصحاب الشافعي يصلب قبل القتل ثلاثا ثم ينزل فيقتل
وقال بعض أصحاب الشافعي أيضا يصلب حتى يموت جوعا وعطشا وقال أبو يوسف والكرخي يصلب قبل القتل ويطعن في لبته وتحت ثديه الأيسر ويخضخض حتى يموت وروى الرازي عن أبي بكر الكرخي أنه لا معنى للصلب بعد القتل واختلفوا في مقدار الصلب فقال الهادي حتى تنتثر عظامه وقال ابن أبي هريرة حتى يسيل صديده
وقال بعض أصحاب الشافعي ثلاثا في البلاد الباردة وفي الحارة ينزل قبل الثلاث وقال الناصر والشافعي ينزل بعد الثلاث ثم يقتل إن لم يمت ويغسل ويصلى عليه إن تاب وقد رجح صاحب البحر أن الآية للتخيير وتكون العقوبة بحسب الجنايات وأن التقدير أن يقتلوا إذا قتلوا ويصلبوا بعد القتل إذا قتلوا وأخذوا المال وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا فقط أو ينفوا من الأرض إذا أخافوا فقط إذ محاربة الله ورسوله بالفساد في الأرض متنوعة كذلك وهو مثل تفسير ابن عباس المذكور في الباب وقال صاحب المنار أن الآية تحتمل التخيير احتمالا مرجوحا قال والظاهر أن المراد حصر أنواع عقوبة المحاربة مثل ( إنما الصدقات للفقراء ) الآية
قال وهو مثل ما قاله صاحب البحر يعني في كلامه الذي ذكرناه قبل هذا ورجح صاحب ضوء النهار اختصاص أحكام المحارب بالكافر لتتم فوائد وتندفع مفاسد ثم ذكر ذلك وهو كلام رصين لولا أنه قصر للعام على السبب المختلف في كونه هو السبب وللعلماء في تفصيل أحكام المحاربين أقوال منتشرة مبسوطة في كتب الخلاف وقد أوردنا منها في هذا الشرح طرفا مفيدا
_________ -
[ خطأ في الكتاب ( صفحات محذوفة ) ؟ ؟ من الصفحة 338 حتى الصفحة 351 ضمنا ]
_________ -
نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم ونحوه ممن لا تصريح فيه بالجحود بعد أن فسروا الكفر بالجحود فإن احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك قلنا وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم ولو لم يعتقدوا تزكية من من كفروه علما قطعيا ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام اجمالا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك
قال الحافظ وممن جنح إلى بعض هذا المحب الطبري في تهذيبه فقال بعد إن سرد أحاديث الباب فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما فإنه مبطل لقوله في الحديث يقولون الحق ويقرؤن القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا لخطأ منهم فيما تأولوه من آى القرآن على غير المراد منه ويؤيد القول بالكفر ما تقدم من الأمر بقتالهم وقتلهم مع ما ثبت من حديث ابن مسعود أنه لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث وفيه التارك لدينه المفارق للجماعة كما تقدم
وقال القرطبي في المفهم يؤيد القول بتكفيرهم ما في الأحاديث من أنهم خرجوا من الإسلام ولم يتعلقوا منه بشيء كما خرج السهم من الرمية لسرعته وقوة رامية بحيث لم يتعلق من الرمية بشءي وقد أشار إلى ذلك بقوله سبق الفرث والدم . وحكي في الفتح عن صاحب الشفاء أنه قال فيه وكذا انقطع بكفر من قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة وحكاه صاحب الروضة في كتاب الردة عنه وأقره وذهب أكثر أهل الأصول من أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق وإن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام وإنما فسقوا بتكفير المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر والشك وقال الخطابي أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالته فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحاتهم وأكل ذبائحهم وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام
وقال عياض كادت هذه المسألة أن تكون أشد اشكالا عند المتكلمين من غيرها حتى سأل الفقيه عبد الحق الإمام أبا المعالي عنها فأعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين قال وقد توقف القاضي أبو بكر البلاقاتي قال ولم يصرح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالا تؤدي إلى الكفر وقال الغزالي في كتاب التفرقة من الإيمان والزندقة الذي ينبغي الأحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد قال ابن بطال ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين من جملة المسلمين قال وقد سئل علي عن أهل النهر وإن هل كفروا فقال من الكفر فروا
قال الحافظ وهذا أن ثبت عن على حمل على أنه لم يكن اطلع على معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم عند من كفرهم قال القرطبي في المفهم والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث قال فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون وتغنم أموالهم وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب قال وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئا

(7/197)


6 - وعن مروان بن الحكم قال " صرخ صارخ لعلي يوم الجمل لا يقتلن مدبر ولا يذفف على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن "
- رواه سعيد بن منصور

(7/197)


7 - وعن الزهري قال " هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوافرون فأجمعوا أن لا يقاد أحد ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه "
- ذكره أحمد في رواية الأثرم واحتج به

(7/197)


- أثر مروان اخرج نحوه أيضا ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي من طريق عبد خير عن علي بلفظ " نادى منادي علي يوم الجمل إلا لا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم " وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لابن مسعود يا ابن أم عبد ما حكم من بغى من أمتى قال الله ورسوله أعلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم وفي لفظ ولا يذفف على جريحهم وزاد ولا يغنم فيئهم سكت عنه الحاكم وقال ابن عدي هذا الحديث غير محفوظ وقال البيهقي ضعيف
قال الحافظ في بلوغ المرام وصححه الحاكم فوهم لان في إسناده كوثر بن حكيم وهو متروك قال وصح عن علي من طرق نحوه موقوفا أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم اه وكوثر المذكور قد صرح بتركه البخاري وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا وأخرج أيضا عن أبي فاختة أ عليا أتى بأسير يوم صفين فقال لا تقتلني صبرا فقال علي رضي الله عنه لا أقتلك صبرا أني أخاف الله رب العالمين ثم خلى سبيله ثم قال أفيك خير تبايع وأخرج أيضا أن عليا لم يقاتل أهل الجمل حتى دعا الناس ثلاثا حتى إذا كان يوم الثالث دخل عليه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر فقالوا قد أكثروا فينا الجراح فقال ما جهلت من أمرهم شيئا ثم توضأ وصلى ركعتين حتى إذا فرغ رفع يديه ودعا ربه وقال لهم أن ظفرتم على القوم فلا تطلبوا مدبرا ولا تجيزوا على جريح وانظروا إلى ما حضروا به الحرب من آلة فاقبضوه وما سوى ذلك فهو لورثتهم قال البيهقي هذا منقطع والصحيح أنه لم يأخذ شيئا ولم يسلب قتيلا وأخرج أيضا عن علي أنه كان لا يأخذ سلبا وأخرج أيضا عن عرقجة عن أبيه قال لما قتل علي أهل النهر وإن جال في عسكرهم فمن كان يعرف شيئا أخذه حتى بقيت قدر رأيتها أخذت بعد . وأثر الزهري أخرجه أيضا البيهقي بلفظ هاجت الفتنة الأولى فادركت يعني الفتنة رجالا ذوي عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممن شهد معه بدرا وبلغنا أنهم يرون أن هذا أمر الفتنة لا يقام فيها على رجل قاتل في تأويل القرآن قصاص فيمن قتل ولا حد في سباء امرأة سبيت ولا يرى عليها حد ولا بينها وبين زوجها ملاعنة ولا يرى أن يقذفها أحد الاجلد الحد ويرى أن ترد إلى زوجها الأول بعد أن تعتد عدتها من زوجها الآخر ويرى أن يرثها زوجها الأول
قوله : " ولا يذفف " بالذال المعجمة المفتوحة بعده فاء مشددة ثم فاء مخففة على صيغة البناء للمجهول وهو في معنى يجهز قال في القاموس ذف على الجريح ذفا وذفافا ككتاب وذففا محركة أجهز والاسم الذفاف كسحاب قال أيضا في مادة جهاز وجهز على الجريح كمنع وأجهز اثبت قتله وأسرعه وتمم عليه وموت مجهز وجهيز سريع انتهى . في الآثر المذكور دليل على أنه لا يجوز قتل من كان مدبرا من البغاة وكذلك يدل على ذلك الحديث المرفوع الذي ذكرناه وعلى أنه لا يجهز على جريحهم بل يترك على ما هو عليه إلا إذا كان المدبر أو الجريح ممن له فئة جاز قتله عند الهادوية وأبي حنيفة والمروزي من الشافعية
وقال الشافعي لا يجوز إذ القصد دفعهم في تلك الحال وقد وقع وهو الظتاهر من إطلاق النهي في الحديث ولكنه يدل على جواز القتل إذا كان للبغي المذكور فئة قوله تعالى { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله } والهارب والجريح لم يحصل منهما ذلك واجيب بأن المراد بالفيئة إلى الله ترك الصولة والاستطالة وقد حصل ذلك من الهارب الجريح الذي لا يقدر على القتال وأما ما روى عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه قال لا تتبعوا موليا ليس بنحاز إلى فئة فقد أجيب عن الاستدلال بمفهومه على جواز قتل من له فئة واتباعه بأ إمامة علي قطعية وإمامة غيره ظنية فلا يكون الحكم متحدا بل المتوجه الوقوف على ظاهر النهي المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو وإن كان فيه المقال السابق ولكنه يؤيده أن الأصل في دم المسلم تحريم سفكه والآية المذكورة فيها الأذن بالمقاتلة إلى حصول تلك الغاية وربما كان ذلك الهرب من مقدماتها إن لم يكن منها :
قوله " ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن " استدل به علي عدم جواز مقاتلة البغاة إذا كانوا في بيوتهم أو طلبوا منا الأمان لأنهم إذا أغلقوا على أنفسهم فليسوا ببغاة في ذلك الوقت واتصافهم بذلك الوصف شرط جواز مقاتلتهم كما في الآية وإذا طلبوا الأمان فقد فاؤا إلى أمر الله تعالى وهي الغاية التي أذن الله بالقتال إلى حصولها وقد حصلت
قوله : " فاجمعوا على أن لا يقاد أحد " ظاهره وقوع الإجماع منهم على عدم جواز الأقتصاص ممن وقع منه القتل لغيره في الفتنة سواء كان باغيا أو مبغيا عليه وقد ذهبت الشافعية والحنفية والإمام يحيى إلى أنهم لا يضمنون ما أتلفوا أي البغاى وحكى أبو جعفر عن الهادوية أنهم يضمنون
قوله : " لا يؤخذ مال على بأويل القرآن إلا ما وجد بعينه " فيه دليل على أنه لا يجوز أخذ أموال البغاة إلا ما كان منها موجودا عند القتال قال في البحر ولا يجوز سبيهم ولا اغتنام مالم يجلبوا به إجماعا لبقائهم على الملة . وحكي عن أكثر العترة أنه يجوز اغتنام ما اجلبوا به من مال وآلة حرب وحكي عن النفس الزكية والحنفية والشافعية أنه لا يغنم منهم شيء ويدل على ذلك ما تقدم في الحديث المرفوع بلفظ " ولا يغنم منهم " . واعلم أن قتال البغاة جائز إجماعا كما حكي ذلك في البحر ولا يبعد أن يكون واجبا لقوله تعالى { فقاتلوا التي تبغي } وقد حكي في البحر أيضا عن العترة جميعا أن جهادهم أفضل من جهاد الكفار إلى ديارهم إذ فعلهم في دار الإسلام كفعل الفاحشة في المسجد قال في البحر أيضا والبغي فسق إجماعا

(7/198)


باب الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والكف عن إقامة السيف

(7/198)


1 - عن ابن عباس قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية "
وفي لفظ " من كره من أميره شيئا فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية "

(7/198)


2 - وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " قال كانت بنو اسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول ثم أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم "
- متفق عليهن

(7/199)


- قوله " فليصبر " في رواية للبخاري " فليصبر عليه " قوله " من فارق الجماعة شبرا " بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة كناية عن معصية السلطان ومحاربته قال ابن أبي جمرة المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء فكنى عنها بمقدار الشبر لأن الأخذ في ذلك يؤل إلى سفك الدماء بغير حق
قوله : " فميتته جاهلية " في رواية للبخاري مات ميتة جاهلية
وفي رواية له أخرى فمات الامات ميتة جاهلية
وفي رواية لمسلم فميتته جاهلية وفي أخرى له من حديث ابن عمر " من خلع يدا من طاعة لقي الله ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " وفي الرواية الأخرى من حديث ابن عباس المذكور " فمات عليه الامات جاهلية " قال الكرماني الأستفهام هنا بمعنى الأستفهام الأنكاري أي مافارق الجماعة أحد إلا جرى له كذا أو حذف ما فهي مقدرة أو إلا زائدة أو عاطفة على رأي الكوفيين والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم أن يكون حاله في الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك وليس المراد أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وإن لم يكن جاهليا أو إن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير فظاهره غير مراد ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه ما أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وصححه من حديث الحرث بن الحرث الأشعري من حديث طويل وفيه " من فارق الجماعة شبرا فكأنما خلع رقبة الإسلام من عنقه " وأخرجه البزار والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس وفي سنده جليدين دعلج وفيه مقال وقال من رأسه يدل من عنقه
قوله : " فواببيعة الأول فالأول " فيه دليل على أنه يجب على الرعية الوفاء ببيعة الإمام الأول ثم الأول ولا يجوز لهم المبايعة للأمام الآخر قبل موت الأول
قوله : " ثم أعطوهم حقهم " أي ادفعوا إلى الأمراء حقهم الذي لهم المطالبة به وقبضه سواء كان يختص بهم أو يعم وذلك من الحقوق الواجبة في المال كالزكاة وفي الأنفس كالخروج إلى الجهاد وظاهر الحديث العموم في المخاطبين ونقل ابن التين عن الداودي أنه خاص بالأنصار وكأنه أخذه من كون المخاطب بذلك الأنصار كما في حديث عبد الله بن زيد ولا يلزم من مخاطبتهم بذلك أن يختص بهم فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين ويختص ببعض المهاجرين دون بعض فالمستأثر من يلي الأمر ومن عداه هو الذي يستأثر عليه ولما كان الأمر يختص بقريش ولاحظ للأنصار فيه خوطب الأنصار في بعض الأوقات وهو خطاب للجميع بالنسبة إلى من لا يلي الأمر وقد ورد ما يدل على التعميم ففي حديث يزيد بن سلمة الجعفي عند الطبراني أنه قال يا رسول الله إن كان علينا أمراء يأخذونا بالحق ويمنعونا الحق الذي لنا أنقاتلهم قال لا عليهم ماحملوا وعليكم ما حملتم
وأخرج مسلم من حديث أم سلمة مرفوعا " سيكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وبايع قالوا أفلا نقاتلهم قال لا ما صلوا " ونحوه حديث عوف بن مالك الآتي وفي مسند الإسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال " أتاني جبريل فقال إن أمتك مفتتنة من بعدك فقلت من أين قال من قبل أمرائهم وقرائهم يمنع الأمراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون ويتبع القراء الأمراء فيفتنون قلت فكيف يسلم من سلم منهم قال بالكف والصبر أن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه "

(7/199)


3 - وعن عوف بن مالك الأشجعي قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قال قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة إلا من ولى عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة "

(7/199)


4 - وعن حذيفة بن اليمان " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يكون بعدى أئمة لا يهتدون ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس قال قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع "

(7/200)


5 - وعن عرفجة الأشجعي قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه "
- رواهن أحمد ومسلم

(7/200)


6 - وعن عبادة بن الصامت قال " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثره علينا وأن لا تنازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان "
- متفق عليه

(7/200)


7 - وعن أبي ذر " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يا أبا ذر كيف بك عند ولاة يستأثرون عليك بهذا الفيء قال والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي وأضرب حتى ألحقك قال أولا أدلك على ما هو خير لك من ذلك تصبر حتى تلحقني "
- رواه أحمد

(7/201)


- حديث أبي ذر في اسناده خالد بن وهبان قال في التقريب مجهول من الثالثة وقال في التهذيب ذكره ابن حبان في الثقات
وقال أبو حاتم مجهول وفي الباب أحاديث غير هذه بعضها بقدم في باب براءة رب المال بالدفع إلى السلطان الجائر في كتاب الزكاة وبعضها مذكور في غير هذا الكتاب من ذلك حديث ابن عمر عند الحاكم بلفظ " من خرج من الجماعة فقد خلع ربقة الأسلام من عنقه حتى يراجعه ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن ميتته ميتة جاهلية " وقد قدمنا نحوه قريبا عن الحرث بن الحرث الأشعري ورواه الحاكم من حديث معاوية أيضا والبزار من حديث ابن عباس وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ " من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية " وأخرج أيضا مسلم نحوه عن ابن عمر وفيه قصة وأخرج الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري لفظ " من حمل علينا السلاح فليس منا " وأخرجاه أيضا من حديث ابن عمر وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وسلمة بن الأكوع وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي ذر " من فارق الجماعة قدر شبرفقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " وأخرج البخاري من حديث أنس " اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عبد حبشي رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله تعالى " وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني " وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث ابن عمر " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فأن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر " ألا أخبركم بخير أمرائكم وشرراهم خيارهم الذين تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم وشرار أمراؤكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم " وأخرج الترمذي من حديث أبي بكرة " من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله تعالى " والأحاديث في هذا الباب كثيرة وهذا طرف منها
قوله : " خيار أئمتكم " الخ فيه دليل على مشروعية محبة الأئمة والدعاء لهم وإن من كان من الأئمة محبا للرعية ومحبوبا لديهم وداعيا لهم ومدعوا له منهم فهو من خيار الأئمة ومن كان باغضا لرعيته مبغوضا عندهم يسبهم ويسبونه فهو من شرارهم وذلك لأنه إذا عدل فيهم وأحسن القول لهم أطاعوه وانقادوا له وأثنوا عليه فلما كان هو الذي يتسبب بالعدل وحسن القول إلى المحبة والطاعة والثناء منهم كان من خيار الأئمة ولما كان هو الذي يتسبب أيضا بالجور والشتم للرعية إلى معصيتهم له وسوء القالة منهم فيه كان من شرار الأئمة
قوله " لا ما أقاموا فيكم الصلاة " فيه دليل على أنه لا يجوز منابذة الأئمة بالسيف مهما كانوا مقيمين للصلاة ويدل ذلك بمفهومه على جواز المنابذة تركهم للصلاة . وحديث عبادة بن الصامت المذكور فيه دليل على أنها لا تجوز المنابذة إلا عند ظهور الكفر البواح وهو بموحدة فمهملة
قال الخطابي معنى قوله بواحا يريد ظاهرا باديا من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحا وبواحا إذا ادعاه وأظهره قال ويجوز بوحا بسكون الواو ويجوز بضم أوله ثم همزة ممدودة قال ومن رواه بالراء فهو قريب من هذا المعنى . وأصل البراح الأرض القفر التي لا أنيس فيها ولا بناء وقيل البراح البيان يقال برح الخفاء إذا ظهر
قال النووي هي في معظم النسخ من مسلم بالواو وفي بعضها بالراء
قال الحافظ ووقع عند الطبراني كفرا صراحا بصاد مهملة مضمومة ثم راء ووقع في رواية إلا أن تكون معصية لله بواحا
وفي رواية لأحمد ما لم يأمرك بائم بواحا وفي رواية له وللطبراني عن عبادة " سيلى أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله " وعند ابن أبي شيبة من حديث عبادة " سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون ويفعلون ما تنكرون فليس لاؤلئك عليكم طاعة "
قوله : " فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة " فيه دليل على أن من كره بقلبه ما يفعله السلطان من المعاصي كفاه ذلك ولا يجب عليه زيادة عليه
وفي الصحيح " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه " ويمكن حمل حديث لباب وما ورد في معناه على عدم القدرة على التغيير باليد واللسان ويمكن أن يجعل مختصا بالأمراء إذا فعلوا منكرا لما في الأحاديث الصحيحة من تحريم معصيتهم ومنابذتهم فكفى في الإنكار الكراهة بالقلب لأن في إنكار المنكر عليهم باليد واللسان تظهرا بالعصيان وربما كان ذلك وسيلة إلى المنابذة بالسيف قوله " في جثمان أنس " بضم الجيم وسكون المثلثة أي لهم قلوب كقلوب الشياطين وأجسام كأجسام الأنس
قوله : " وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع " فيه دليل على وجوب طاعة الأمراء وإن بلغوا في العسف والجور إلى ضرب الرعية وأخذ أموالهم فيكون هذا مخصصا لعموم قوله تعالى { من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما أعتدى عليكم } وقوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها }
قوله : " وعن عرفجة " بفتح العين المهملة وسكون الراء وفتح الفاء بعدها جيم هو ابن شريح بضم المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها حاء وقيل ابن ضريح بضم الضاد المعجمة وقيل ذريح بفتح الذال المعجمة وكسر الراء وقيل صريح بضم الصاد المهملة وقيل شراحيل وقيل سريج بضم السين المهملة وآخره جيم ويقال له الأشجعي ويقال الكندي ويقال الأسلمي
قوله : " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " بفتح العين ورسول فاعله
قوله : " في منشطنا " بفتح الميم والمعجمة وسكون النون التي بينهما أي في حال نشاطنا وحال كراهتنا وعجزنا عن العمل بما نؤمر به ونقل ابن التين عن الداودي أن المراد الأشياء التي يكرهونها
قال ابن التين والظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج ليطابق معنى منشطنا ويؤيده ما عند أحمد في حديث عبادة بلفظ في النشاط والكسل
قوله " وأثرة علينا " بفتح الهمزة والمثلثة والمراد أن طاعتهم لمن يتولى عليهم لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم بل عليهم الطاعة ولو منعهم حقهم
قوله : " وأن لا ننازع الأمر أهله " أي الملك والإمارة زاد أحمد في رواية وأن رأيت أن لك في الأمر حقا فلا تعمل بذلك الظن بل اسمع وأطع إلى أن يصل إليكم بغير خروج عن الطاعة
قوله : " إلا أن تروا كفرا بواحا " قد تقدم ضبطه وتفسيره
قوله : " عندكم فيه من الله برهان " أي نص آية أو خبر صريح لا يحتمل التأويل ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل
قال النووي المراد بالكفر هنا المعصية ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولا يتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم اه قال في الفتح
وقال غيره إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف ومحل ذلك إذا كان قادرا ونقل ابن التين عن الداودي قال الذي عليه العلماء في امراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب وإلا فالواجب الصبر وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء فأن أحدث جورا بعد أن كان عدلا فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه قال ابن بطال إن حديث ابن عباس المذكور في أول الباب حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار قال في الفتح وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وإن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء تسكين الدهماء ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث اه
وقد استدل القائلون بوجوب الخروج على الظلمة ومنابنتهم السيف ومكافحتهم بالقتال بعمومات من الكتاب والسنة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا شك ولا ريب أن الأحاديث التي ذكرها المصنف في هذا الباب وذكرناها أخص من تلك العمومات مطلقا وهي متواترة المعنى كما يعرف ذلك من له انسة بعلم السنة ولكنه لا ينبغي لمسلم أن يحط على من خرج من السيف الصالح من العترة وغيرهم على أئمة الجور فإنهم فعلوا ذلك باجتهاد منهم وهم أتقى لله وأطوع لسنة رسول الله من جماعة ممن جاء بعدهم من أهل العلم ولقد أفرط بعض أهل العلم كالكرامية ومن وافقهم في الجمود على أحاديث الباب حتى حكموا بأن الحسين السبط رضى الله عنه وأرضاه باغ على الخمير السكير الهاتك لحرم الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية لعنهم الله فيالله العجب من مقالات تقشعر منها الجلود ويتصدع من سماعها كل جلمود

(7/201)


باب ما جاء في حد الساحر وذم السحر والكهانة

(7/201)


1 - عن جندب قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حد الساحر ضربه بالسيف "
- رواه الترمذي الدارقطني وضعف الترمذي إسناده وقال الصحيح عن جندب موقوف

(7/202)


2 - وعن بجالة بن عبدة قال " كنت كاتبا لجزء ابن معاوية عم الأحنف بن قيس فأتى كتاب عمر قبل موته بشهر أن أقتلوا كل ساحر وساحرة وفرقوا بين كل ذي رحم محرم من المجوس وانهوهم عن الزمزمة فقتلنا ثلاث سواحر وجعلنا نفرق بين الرجل وحريمه في كتاب الله تعالى "
- رواه أحمد وأبو داود . وللبخاري منه التفريق بين ذوي المحارم

(7/202)


3 - وعن محمد بن عبد الرحمن ابن سعد بن زرارة " أنه بلغه أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتلت جارية لها سحرتها وكانت قد دبرتها فأمرت بها فقتلت "
- رواه مالك في الموطأ عنه

(7/202)


4 - وعن ابن شهاب " أنه سئل علي من سحر من أهل العهد قتل قال بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد صنع له ذلك فلم يقتل من صنعه وكان من أهل الكتاب "
- أخرجه البخاري

(7/203)


- حديث جندب في اسناده إسماعيل بن مسلم المكي
قال الترمذي بعد ذكره هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث من قبل حفظه وإسماعيل بن مسلم العبدي البصري قال وكيع هو ثقة ويروى عن الحسن أيضا والصحيح عن جندب موقوف قال والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم وهو قول مالك ابن أنس وقال الشافعي إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ الكفر فإذا عمل عملا دون الكفر فلم نر عليه قتلا اه وأخرج هذا الحديث الحاكم والبيهقي . وأثر عمر أخرجه أيضا البيهقي وعبد الرزاق . وأثر حفصة أخرجه أيضا عبد الرزاق وقد استدل بحديث جندب من قال إنه يقتل الساحر قال النووي في شرح مسلم عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع قال وقد يكون كفرا وقد لا يكون كفرا بل معصية كبيرة فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر وإلا فلا وأما تعلمه وتعليمه فحرام قال ولا يقتل عندنا يعني الساحر فإن تاب قبلت توبته
وقال مالك الساحر كافر بالسحر ولا يستتاب ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق لأن الساحر عند كافر كما ذكرنا وعندنا ليس بكافر وعتدنا تقبل توبة المنافق والزنديق
قال القاضي عياض وبقول مالك قال أحمد بن حنبل وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين قال أصحابنا إذا قتل الساحر بسحره إنسانا أو أعترف أنه مات بسحره وأنه يقتل غالبا لزمه القصاص وإن مات به ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا قصاص وتجب الدية والكفارة وتكون الدية في ماله لا عاقلته لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني قال أصحابنا ولا يتصور القتل بالسحر بالبينة وإنما يتصور باعتراف الساحر والله أعلم اه كلام النووي . وحكي في البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه أن السحر كفر وحكي أيضا عن العترة وأكثر الفقهاء أنه لاحقيقة له ولا تأثير لقوله تعالى { وما هم بضارين به من أحد إلا بأذن الله } وعن أبي جعفر الاستر باذى والمغربي من الشافعية أن له حقيقة وتأثيرا إذ قد يقتل السموم وقد يغير العقل وقد يكون بالقول فيفرق بين المرء وزوجه لقوله تعالى { ومن شر النفاثات في العقد } أراد الساحرات فلولا تأثيره لما استعاذ منه وقد يحصل به ابدال الحقائق من الحيوانات قلنا سماه الله خيالا ولاخيال لا حقيقة له فقال يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى قالوا روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سحر حتى كان لا يدري ما يقول قلنا رواية ضعيفة اه كلام البحر . ويجاب عنه بأن الحديث صحيح كما سيأتي ويأتي أيضا أن مذهب جمهور العلماء أن للسحر تأثيرا وهو الحق كما يأتي بيانه انتهى
قوله : " عن الزمزمة " بزايين معجمتين مفتوحتين بينهما ميم ساكنة قال في القاموس الزمزمة الصوت البعيد له دوي وتتابع الرعد وهو أحسنه صوتا واثبته مطرا وتراطن العلوج على أكلهم وهو صموت لا يستعملون لسانا ولا شفة لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها فيفهم بعضها عن بعض اه
قوله : " فلم يقتل من صنعه " الخ استدل به من قال إنه لا يقتل الساحر ويجاب عنه بما سيأتي قريبا وأيضا ليس في ذلك دليل لأن غايته جواز الترك لا عدم جواز الفعل فيمكن الجمع على فرض عدم علم التاريخ بأن القتل للساحر جائز لا واجب

(7/203)


5 - وعن عائشة قالت " سحر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعا ثم قال أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته قلت وما ذاك يا رسول الله قال جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ثم قال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال مطبوب قال ومن طبه قال لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق قال فيماذا قال في مشط ومشاط وجف طلعة ذكر قال فأين هو قال في بئر ذروان فذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل ثم رجع إلى عائشة فقال لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين قلت يا رسول الله أفاخرجته قال لا أما أنا فقد عافاني الله وشفاني وخشيت أن أثور على الناس منه شرا فأمر بها فدفنت "
- متفق عليه
وفي رواية لمسلم " قالت فقلت يا رسول الله أفلا أخرجته قال لا "

(7/203)


- قوله " حتى أنه ليخيل إليه " الخ قال الإمام المازري مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة إثبات السحر وإن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء خلافا لمن أنكر ذلك وأنكر حقيقة وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها وقد ذكره الله تعالى في كتابه وذكر أنه مما يتعلم وذكر ما فيه إشارة إلى أنه يكفر به وأن يفرق بين المرء وزوجه وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته وأنه أشياء دفنت وأخرجت وهذا كله يبطل ما قالوه فاحالة كونه من الحقائق محال ولا يستنكر في العقل أن الله سبحانه يخرق العادة عند النطق بكلام أو تركيب أجسام أو المزج بين قوي على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر وإذا شاهد الإنسان بعض الأجسام منها قاتلة كالسموم ومنها مسقمة كالأدوية الحادة ومنها مضرة كالأدوية المضادة للمرض لم يستبعد عقله أن ينفرد الساحر بعلم قوي قتالة أو كلام مهلك أو مؤد إلى التفرقة قال وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب آخر فزعم أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع قال وهذا الذي ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان مفضلا من أجلها وهو مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطيء وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام فلا يبعد تخيله ولا حقيقة له وقيل أنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحة ما تخيله فتكون اعتقاداته على السداد
قال القاضي عياض وقد جاءت روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده ويكون معنى قوله حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهم ويروى أنه يخيل إليه أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن فإذا دنا منهم أخذه السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه أنه فعل شيئا ولم يفعله ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر لا بخلل تطرق إلى العقل وليس في ذلك ما يدخل لبسا على الرسالة ولا طعنا لأهل الضلالة انتهى
قال المازري واختلف الناس في القدر الذي يقع به السحر وهم فيه اضطراب فقال بعضهم لا يزيد تأثيره على قدر التفرقة بين المرء وزوجه لأن الله تبارك وتعالى إنما ذكر ذلك تعظيما لما يكون عنده وتهويلا له فلو وقع به أعظم منه لذكره لأن المثل لا يضرب عند المبالغة إلا بأعلى أحوال المذكور قال ومذهب الأشعرية أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك قال وهذا هو الصحيح عقلا لأنه لا فاعل إلا الله تبارك وتعالى وما يقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى ولا تفترق الأفعال في ذلك وليس بعضها بأولى من بعض ولو ورد الشرع بقصره على مرتبة لوجب المصير إليه ولكن لا يوجد شرع قاطع يوجب الاقتصار على ما قاله القائل الأول وذكر التفرقة بين الزوجين في الآية ليس بنص في منع الزيادة وإنما النظر في أنه ظاهر أم لا قال فإن قيل إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يد الساحر فيماذا يتميز عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالجواب إن العادة تنخرق على يد النبي والولي والساحر ولكن النبي يتحدى بها الخلق ويستعجزهم عن مثلها ويخبر عن الله تعالى بخرق العادة له لتصديقه فلو كان كاذبا لم تنخرق العادة على يديه والولي والساحر لا يتحديان الخلق ولا يستدلان على نبوة ولو ادعيا شيئا من ذلك لم تنخرق العادة لهما
وأما الفرق بين الولي والساحر فمن وجهين أحدهما وهو المشهور إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق والكرامة لا تظهر على فاسق فإنما تظهر على ولي وبهذا جزم إمام الحرمين وأبو سعيد المتولي وغيرهما والثاني أن السحر قد يكون ناشئا بفعلها وبمزجها ومعاناة وعلاج والكرامة لا تفتقر إلى ذلك وفي كثير من الأوقات يقع مثل ذلك من غير أن يستدعيه أو يشعر به والله أعلم هكذا في شرح مسلم للنووي
قوله : " دعا الله ودعا " في رواية مسلم " دعا الله ثم دعا ثم دعا " وفي ذلك على استحباب الدعاء عند حصول الأمر المكروه وتكريره وحسن الالتجاء إلى الله سبحانه
قوله : " ما وجع الرجل قال مطبوب " بالطاء المهملة وبموحدتين اسم مفعول
قال ابن الأنباري الطب من الأضداد يقال لعلاج الداء طب وللسحر طب وهو من أعظم الأدواء ورجل طبيب أي حاذق سمي طبيبا لحذقه وفطنته
قال النووي كنوا بالطب عن السحر كما كنوا بالسليم عن اللديغ
قوله : " من بني زريق " بتقديم الزاي
قوله : " في مشط ومشاطة المشط بضم الميم والشين وبضم الميم واسكان الشن وبكسر الميم واسكان الشين وهو الآلة المعروفة التي يسرح بها الشعر والمشاطة بضم الميم وهي الشعر الذي يسقط من الرأس أو اللحية عند تسريحه بالمشط ووقع في رواية للبخاري ومشاقة بالقاف وهي المشاطة وقيل مشاقة الكتان
قوله : " وجف طلعة " بالجيم والفاء وهو وعاء طلع النخل أي الغشاء الذي يكون عليه ويطلق على الذكر والأنثى فلهذا قيده في الحديث
وفي رواية لمسلم وجب طلعة بضم الجيم وبالباء الموحدة
قال النووي هو في أكثر نسخ بلادنا كذلك والطلعة النخلة وهو بإضافة طلعة إلى ذكر
قوله : " في بئر ذروان " وهكذا في معظم نسخ البخاري
وفي جميع روايات مسلم في بئر ذي أروان قال النووي وكلاهما صحيح مشهور قال والذي في مسلم أجود وأصح وأدعى ابن قتيبة أنه الصواب وهو قول الأصمعي وهي بئر بالمدينة في بستان بني زريق
قوله : " نقاعة الحناء " بضم النون من نقاعة وهو الماء الذي تنقع فيه الحناء والحناء ممدود
قوله : " أفأخرجته " في الرواية الثانية " أفلا أخرجته " وفي رواية " أفلا أحرقته " قال النووي كلاهما صحيح وذلك بأن يقال طلبت منه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرجه ثم يحرقه وأخبر أن الله قد عفاه وإنه يخاف من إحراقه وأخرجه واشاعة هذا ضررا وشرا على المسلمين كتذكر السحر أو فعله والحديث فيه أو ايذاء فاعله فيحمله ذلك أو يحمل بعض أهله ومحبيه من المنافقين وغيرهم على سحر الناس وآذاهم وانتصابهم لمنابذة المسلمين بذلك وهذا من باب ترك مصلحة لخوف مفسدة أعظم منها وذلك من أهم قواعد الإسلام وبمثل هذا يجاب عن استدلال من استدل عل عدم جواز قتل الساحر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتل من سحره فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ترك اخراج ما سحر فيه من البئر لمخافة الفتنة فبالأولى تركه القتل الساحر فإن الفتنة في ذلك أعظم وأشد

(7/204)


6 - وعن أبي موسى " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر وقاطع رحم ومصدق بالسحر "

(7/204)


7 - وعن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم "
- رواهما أحمد ومسلم

(7/204)


8 - وعن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم يقبل الله له صلاة أربعين ليلة "
- رواه أحمد ومسلم

(7/205)


- قوله " لا يدخلون الجنة " فيه دليل على أن بعض أهل التوحيدلا يدخلون الجنة وهم من أقدم عل معصي صرح الشارع بأن فاعلها لا يدخل الجنة كهؤلاء الثلاثة ومن قتل نفسه ومن قتل معاهدا وغيرههم من العصاة الفاعلين لمعصية ورد النص بأنها مانعة من دخول الجنة فيكون حديث أبي موسى المذكور وما ورد في معناه مخصصا لعموم الأحاديث القاضية بخروج الموحدين من النار ودخولهم الجنة
قوله : " من أتى كاهنا " قال القاضي عياض كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب أحدها يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء وهذا القسم بطل من حين بعث الله تعالى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم والثاني أن يخبره بما طرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عبه ما قرب أو بعد وهذا لا يبعد وجوده ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما ولا استحالة في ذلك ولا بعد في وجوده لكنهم يصدقون ويكذبون ولانهي عن تصديقهم والسماع منهم عام . الثالث المنجمون وهذا الضرب يخلق الله فيه لبعض الناس قوة ما لكن الكذب فيه أغلب ومن هذا الفن العرافة وصاحبها عراف وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها وقد يعتضد بعض هذا الفن ببعض في ذلك كالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة وقد أكذبهم كلهم الشرع ونهى عن تصديقهم واتيانهم
قال الخطابي العراف هو الذي يتعاطى معرفة مكان الضالة ونحوهما قال في النهاية الكاهن يشمل العراف والمنجم
قوله : " فصدقه بما يقول " زاد الطبراني من رواية أنس " ومن أتاه غير مصدق له لم يقبل الله له صلاة أربعين ليلة " وظاهر هذا التصديق شرط في ثبوت كفر من أتى الكاهن والعراف
قوله : " فقد كفر " ظاهره أنه الكفر الحقيقي وقيل هو الكفر المجازي وقيل من اعتقد أن الكاهن والعراف يعرفان الغيب ويطلعان على الأسرار الألهية كان كافرا كفرا حقيقيا كمن اعتقد تأثير الكواكب وإلا فلا
قوله : " لم يقبل الله منه صلاة أربعين ليلة " قال النووي معناه أنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه ولا يحتاج معها إلى إعادة ونظير هذه الصلاة في الأرض المغصوبة فإنها مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لا ثواب فيها كذا جمهور أصحابنا قالوا فصلاة الفرض غيرها من الواجبات إذا أتى بها على وجهها الكامل ترتب عليها عليها شيئان سقوط الفرض عنه وحصول الثواب فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأول دون الثاني ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة فوجب تأويله والله أعلم اه

(7/205)


9 - وعن عائشة " قالت سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناس عن الكهانة فقالوا ليسوا بشيء فقالوا يا رسول الله إنهم يحدثونا أحيانا بشيء فيكون حقا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه يخلطون معها مائة كذبة "
- متفق عليه

(7/205)


10 - وعن عائشة قالت " كان لأبي بكر غلام يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري مما هذا قال وما هو قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه "
- أخرجه البخاري

(7/206)


11 - وعن ابن عباس قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد "
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

(7/206)


- حديث ابن عباس سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال اسناده ثقات
قوله : " ليسوا بشيء " معناه بطلان قولهم وأنه لا حقيقة له قال النووي وفيه جواز إطلاق هذا اللفظ على ما كان باطلا انتهى وذلك لأنه لعدم نفقه كالمعدوم الذي لا وجود له
قوله : " تلك الكلمة من الحق يخطفها " بفتح الطاء المهملة على المشهور وبه جاء القرآن وفي لغة قليلة كسرها ومعناه استرقه وأخذه بسرعة
قوله : " فيقرها " بفتح الباء التحتية وصم القاف وتشديد الراء قال أهل اللغة والغريب القر ترديدك الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه تقول قررته فيه أقره قرا
قال الخطابي وغيره معناه أن الجني يقذف الكلمة إلى وليه الكاهن فتسمعها الشياطين
وفي رواية للبخاري يقرها في أذنه كما تقر القارورة
وفي رواية لمسلم فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة بفتح القاف من قر والدجاجة بالدال هي الحيوان المعروف أي صوتها عند مجاوبتها لصواحبها
قال الخطابي وفيه وجه آخر وهو أن تكون الرواية قر الزجاجة بالزاي يدل عليه رواية البخاري المتقدمة بلفظ كما تقر القارورة فإن ذكر القارورة يدل على أن الرواية الزجاجة بالزاي
قال القاضي عياض أما مسلم فلم تختلف الرواية عنه أنها الدجاجة بالدال لكن رواية القارورة تصحح الزجاجة قال القابسي معناه يكون لما يلقيه إلى وليه حس كحس القارورة عند تحريكها على اليد أو على صفا
قوله : " يخلطون " في رواية لمسلم " يقرفون " بالراء قال النووي هذه اللفظة ضبطوها على وجهين أحدهما بالراء والثاني بالذال ووقع في رواية الأوزاعي وابن معقل بالراء باتفاق النسخ ومعناه يخلطون فيه الكذب وهو بمعنى يقذفون وفي رواية يونس يرقون قال القاضي عياض عن شيوخنا بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف قال ورواه بعضهم بفتح الياء واسكان الراء قال في المشارق
قال بعضهم صوابه بفتح الياء واسكان الراء وفتح القاف وكذا ذكره الخطابي قال ومعناه يزيدون يقال وفي فلان إلى الباطل بكسر القاف أي رفعه وأصله من الصعود أي يدعون فيها ما سمعوا قال القاضي عياض وقد تصح الرواية الأولى على تضعيف هذا الفعل وتكثيره
قوله : " فقاء كل شيء في بطنه " فيه متمسك لتحريم ما أخذه الكهان ممن يتكهنون له وإن دفع ذلك بطيبة من نفسه
قوله : " من اقتبس " أي تعلم يقال قبست العلم واعتبسته إذا تعلمته والقبس الشعلة من النار واقتباسها الأخذ منها
قوله : " اقتبس شعبة من السحر " أي قطعة فكما ان تعلم السحر والعمل به حرام فكذا تعلم علم النجوم والكلام فيه حرام . ( 1 ) قال رسلان في شرح السنن
_________ -
( 1 ) اتفق أهل النجوم في أن الخير والشر والإعطاء والمنع وما أشبه ذلك يكون في العالم بالكواكب وبحسب السعود منها والنحوس وعلى حسب كونها من الروح الموافقة والمنافرة لها وعلى حسب نظر بعضها إلى بعض من التسديس والتربيع والتثليث والمقابلة وعلى حسب محاسدة بعضها بعض وعلى حسب كونها في شرفها وهبوطها ووبالها ثم اختلفوا على أي وجه يكون ذلك فزعم قوم منهم أن فعلها بطبائعها وزعم آخرون أن ذلك ليس فعلالها لكنها تدل عليه بطبائعها وزعم آخرون أنها تفعل بالأختيار لا بالطبع إلا أن السعد منها لا يختار إلا الخير والنحس منها لا يختار إلا الشر . ولا شك أن هذا بعينه ليس للاختيار فإن حقيقة القادر المختاد القدرة على فعل أي الضدين شاء وترك أيها شاء . وللإمام أبي القاسم عيسى بن علي رسالة
والمنهى عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها وهذا تعاط لعلم استأثر الله بعلمه قال وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقى فغير داخل فيما نهى عنه ومن المنهى عنه التحدث بمجيء المطر ووقوع الثلج وهبوب الرياح وتغير الأسعار
قوله : " زاد مازاد " أي زاد من علم النجوم كمثل مازاد من السحر والمراد أنه إذا ازداد من علم النجوم فكأنه ازداد من علم السحر
وقد علم أن أصل علم السحر حرام والأزدياد منه أشد تحريما فكذا الأزدياد من علم التنجيم

(7/206)


12 - وعن معاوية بن الحكم السلمي قال " قلت يا رسول الله أنى حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام فإن منا رجالا يأتون الكهان قال فلا تأتيهم قال ومنا رجال يطيرون قال ذلك بشيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنكم قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك "
- رواه أحمد ومسلم

(7/207)


- هذا الحديث هو طويل حذف المصنف رمنه الله ما لا تعلق له بالمقام وقد تقدم في الصلاة طرف منه وفي العتق طرف آخر
قوله : " فلا تأتيهم " فيه النهي عن إتيان الكهان وقد تقدم الكلام على ذلك
قوله : " يطيرون "
_________
بليغة في الرد عليهم وأبداء تناقضهم كتبها لما بصره الله رشده وأراه ما عليه هؤلاء الضلال الجهال الفها نصيحة لبعض إخوانه
وقد ذكرها الإمام ابن القيم في كتابه المسمى مفتاح دار السعادة وعلق عليها فراجعها تهتدي والله أعلم
بفتح التحتية في أوله وتشديد الطاء المهملة وأصله يتطيرون أدغمت التاء الفوقية في الطاء والتطير التشؤم وأصله الشيء المكروه من قول أو فعل أو مرئي وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح فينفرون الظباء والطيور فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في سفرهم وحوائجهم وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم وتشاءموا فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم فنفي الشرف ذلك وأبطله ونهى عنه وأخبر أنه ليس له تأثير ينفع ولا يضر وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه ابن ماجه من حديث ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " قال الطيرة شرك ثلاث مرات وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل " قال الخطابي قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري كان سليمان بن حرب ينكر هذا ويقول هذا الحرف ليس قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكأنه قول ابن مسعود . وحكى الترمذي عن البخاري عن سليمان بن حرب نحو هذا وأن الذي أنكره هو وما منا قال المنذري الصواب ما قاله البخاري وغيره أن قوله وما منا الخ من كلام ابن مسعود
قال الحافظ أبو القاسم الأصبهاني والمنذري وغيرهما في الحديث اضمار أي وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك يعني قلوب أمته وقيل معناه ما منا إلا من يعتريه التطير وتسبق إلى قلبه الكراهية فحذف اختصارا واعتمادا على فهم السامع وهذا هو المعنى ما وقع في حديث الباب قال ذلك بشيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنكم
قال النووي في شرح معناه أن كراهة ذلك تقع في نفوسكم في العادة ولكن لا تلتفتوا إليه ولا ترجعوا عما كنتم عزمتم عليه قبل هذا انتهى . وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضررا إذا عملوا بموجبه فكأنهم أشركوا مع الله تعالى ومعنى إذهابه بالتوكل أن ابن آدم إذا تطير وعرض له خاطر من التطير أذهبه الله بالتوكل والتفويض إليه وعدم العمل بما خطر من ذلك فمن توكل سلم ولم يؤاخذه الله بما عرض له من التطير
وأخرج الشيخان وأبو داود من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا عدوى ولاطيرة ولا صفر ولا هامة فقال اعرابي ما بال الأبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها قال فمن أعدى الأول قال معمر قال الزهري فحدثني رجل عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا يوردن ممرض على مصح قال فراجعه الرجل فقال أليس قد حدثتنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا عدوى ولا صفر ولا هامة قال لم أحدثكموه " قال الزهري قال أبو سلمة قد حدث به وما سمعت أبا هريرة بشيء حدثنا قط غيره هذا لفظ أبي داود وقد أخرج حديث " لا عدوى " الخ مسلم وأبو داود من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وأخرجه أيضا أبو داود من طريق أبي صالح عن أبي هريرة وأخرج مسلم من طريق جابر قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاعدوى ولا طيرة ولاغول " وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح " والفأل الصالح الكلمة الحسنة
وأخرج أبو داود عن رجل عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمع كلمة فأعجبته فقال أخذنا فالك من فيك " وأخرج أبو داود عن عروة بن عامر القرشي قال " ذكرت الطيرة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أحسنها الفال ولا ترد مسلما فإن رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيآت إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك " قال أبو القاسم الدمشقي ولا صحبة لعروة القرشي تصح . وذكر البخاري وغيره أنه سمع من ابن عباس فعلى هذا يكون حديثه مرسلا وقال النووي في شرح مسلم وقد صح عن عروة بن عامر الصحابي رضي الله عنه ثم ذكر الحديث وقال في آخره رواه أبو داود بإسناد صحيح
وأخرج أبو داود والنسائي عن بريدة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يتطير من شيء وكان إذا بعث غلاما سأل عن أسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به وروى بشر ذلك في وجهه وإن كره اسمه رؤى كراهة ذلك في وجهه فإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإن أعجبه اسمها فرح به ورؤى بشر ذلك في وجهه وأن كره اسمها رؤى كراهة ذلك في وجهه " وأخرج أبو داود عن سعد بن مالك " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول لاهامة ولا عدوى ولا طيرة وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار " وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر قال " قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشؤم في الدار والمرأة والفرس " وفي رواية لمسلم " إنما الشؤم في ثلاث المرأة والفرس والدار " وفي رواية له " إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة " وفي رواية له أيضا " إن كان الشؤم في شيء ففي الربع والخادم والفرس " وأخرج أبو داود وصححه الحكم عن أنس " قال قال رجل يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا كثير فيها أموالنا فتحولنا إلى دار أخرى فقل فيها عددنا وقلت فيها أموالنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذروها ذميمة " وأخرج مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد " جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال فقال دعوها فإنها ذميمة " وله شاهد من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد أحد كبار التابعين أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح
قال النووي اختلف العلماء في حديث الشؤم في ثلاث فقال مالك رحمه الله هو على ظاهره وأن الدار قد يجعل الله تبارك وتعالى سكناها سببا للضرر أو الهلاك وكذا اتخاذ المرأة المعينة أو الفرس أو الخادم قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى وقال الخطابي قال كثيرون هو في معنى الأستثناء من الطيرة أي الطيرة منهى عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس أو خادم فليفارق الجميع بالبيع ونحوه وطلاق المرأة
وقال آخرون شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها وقيل حرانها وغلاء ثمنها . وشؤم الخادم سوء خلقه وقلة تعهده لما فوض إليه وقيل المراد بالشؤم هنا عدم الموافقة
قال القاضي عياض قال بعض العلماء لهذه الفصول السابقة في الأحاديث ثلاثة أقسام . أحدها ما لم يقع الضرر به ولا اطردت به عادة خاصة ولا عامة فهذا لا يلتفت إليه وأنكر الشرع الألتفات إليه وهو الطيرة والثاني ما يقع عنده الضرر عموما لا يخصه ونادرا لا يتكرر كالوباء فلا يقدم عليه ولا يخرج منه والثالث يخص ولا يعم كالدار والفرس والمرأة فهذا يباح الفرار منه اه والراجح ما قاله مالك وهو الذي يدل عليه حديث أنس الذي ذكرنا فيكون حديث الشؤم مخصصا لعموم حديث لا طيرة فهو في قوة لا طيرة إلا في هذه الثلاث وقد تقرر في الأصول أنه يبنى العام على الخاص مع جهل التاريخ وادعى بعضهم أنه إجماع والتاريخ في أحاديث الطيرة والشؤم مجهول وما حكاه القاضي عياض في كلامه السابق أن الوباء لا يخرج منه ولا يقدم عليه فلعله يتمسك بحديث النهي عن الخوارج من الأرض التي ظهر فيها الطاعون والنهي عن دخولها كما في حديث أسامة بن زيد عند البخاري ومسلم ومالك في الموطأ والترمذي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها "
وقد أخرج أبو داود عن يحيى بن عبد الله بن بحير قال " أخبرني من سمع فروة بن مسيك رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أرض عندنا يقال لها أرض ابين هي أرض ريفنا وميرتنا وأنها وبئة أو قال وباؤها شديد فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعها عنك فإن من القرف التلف " اه والقرف بفتح القاف والراء بعده فاء وهوملابسة الداء ومقاربة الوباء ومداناة المرضي وكل شيء قاربته فقد قارفته والتلف الهلاك يعني من قارب متلفا يتلف إذا لم يكن هواه تلك الأرض موافقا له فيتركها
قال ابن رسلان وليس هذا من باب العدوى بل هو من باب الطب فأن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام قال واعلم أن في المتع من الدخول إلى الأرض الوبئة حكما أحدهما تجنب الأسباب المؤذية والبعد منها . الثاني الأخذ بالعافية التي هي مادة مصالح المعاش والمعاد . الثالث أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن وفسد فيكون سببا للتلف . الرابع أن لا يجاور الذين قد مرضوا بذلك فيحصل له بمجاورتهم من جنس أمراضهم والحديث يدل على هذا اه
قال المنذري في مختصر السنن بعد أن ذكر حديث فروة المذكور ما لفظه في إسناده رجل مجهول قال ورواه عبد الله بن معاذ الصنعاني عن معمر بن راشد عن يحيى بن عبد الله بن بحير عن فروة وأسقط المجهول وعبد الله بن معاذ وثقه يحيى بن معين وغيره وكان عبد الرزاق يكذبه اه ورجال اساد هذا الحديث ثقات لانه رواه أبو داود عن مخلد بن خالد شيخ مسلم وعباس العنبري شيخ البخاري تعليقا ومسلم قالا حدثنا عبد الرزاق عن معمر وهما من رجال الصحيحين عن يحيى بن عبد الله ابن بحير ذكره ابن حبان في الثقات ومما ينبغي أن يجعل مخصصا لعموم حديث " لا عدوى ولا طيرة " ما أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي وابن ماجه في سننهما من حديث الشريد بن سويد الثقفي قال كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنا قد بايعناك فرجع
وأخرج البخاري في صحيحه تعليقا من حديث سعيد بن مسناء قال " سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاعدوى ولا طيرة ولا هام ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد " ومن ذلك حديث " لا يورد ممرض على مصح " الذي قدمناه قال القاضي عياض قد اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة المجذوم فثبت عنه الحديثان المذكوران أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل مع مجذوم وقال له كل ثقة بالله تبارك وتعالى وتوكلا عليه . وعن عائشة قالت كان لنا مولى مجذوم يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي
قال وقد ذهب عمر وغيره من السلف إلى الأكل معه ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ والصحيح الذي قاله الأكثرون ويتعين المصير إليه أنه لا نسخ بل يجب الجمع بين الحديثين وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الأستحباب والأحتياط وأما الأكل معه ففعله لبيان الجواز والله أعلم كذا في شرح مسلم للنووي . والحديث الذي فيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم أكل مع المجذوم أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من حديث يوسف بن محمد عن المفضل بن فضالة وهذا شيخ بصري والمفضل بن فضالة شيخ مصري أوثق من هذا وأشهر
وروى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن أبي بريدة أن عمر أخذ بيد مجذوم وحديث شعبة أشبه عندي وأصح قال الدارقطني تفرد به مفضل بن فضالة البصري أخو مبارك عن حبيب بن الشهيد عنه يعني عن ابن المنكدر
وقال ابن عدي الجرجاني لا أعلم يرويه عن حبيب بن الشهيد غير مفضل بن فضالة وقالوا تفرد بالرواية عنه يونس بن محمد اه . والمفضل بن فضالة البصري كنيته أبو مالك قال يحيى بن معين ليس بذاك
وقال النسائي ليس بالقوى
وقال أبو حاتم يكتب حديثه وذكره ابن حبان في الثقات
قال القاضي عياض قال بعض العلماء في هذا الحديث وما في معناه يعني حديث الفرار من المجذوم دليل على أنه يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح إذا وجدت زوجها مجذوما أو حدث به جذام
قال النووي واختلف أصحابنا وأصحاب مالك في أن أمته هل لها منع نفسها من استمتاعه إذا أرادها قال القاضي قالوا ويمنع من المسجد والأختلاط بالناس قال وكذلك اختلفوا في أنهم إذا كثروا هل يؤمرون أن يتخذوا لأنفسهم موضعا منفردا خارجا عن الناس ولا يمنعون من التصرف في منافعهم وعليه أكثر الناس أم لا يلزمهم التنحي قال ولم يختلفوا في القليل منهم يعني في أنهم لا يمنعون قال ولا يمنعون من صلاة الجمعة مع الناس ويمنعون من غيرها قال ولو استضر أهل قرية فيهم جذمي بمخالطتهم في الماء فإن قدروا على استنباط ماء بلا ضرر أمروا به وإلا استنبطه لهم الآخرون أو أقاموا من يستقي لهم وإلا فلا يمنعون
قال النووي في شرح مسلم في حديث لا يورد ممرض على مصح قال العلماء الممرض صاحب الأبل المراض والمصح صاحب الأبل الصحاح فمعنى الحديث لا يورد صاحب الأبل المراض ابله على إبل صاحب الأبل الصحاح لأنه ربما أصابها المرض بفعل الله تعالى وقدره الذي أجرى به العادة لا بطبعها فيحصل لصاحبها ضرر بمرضها وربما حصل له ضرر أعظم من ذلك باعتقاد العدوى بطبعها فيكفر والله أعلم انتهى . وأشار إلى نحو هذا الكلام ابن بطال . قيل النهي ليس للعدوى بل للتأذي بالرائحة الكريهة ونحوها حكاه ابن رسلان في شرح السنن وقال ابن الصلاح ووجه الجمع أن هذه الأمراض لا تعدى بطبعها لكن الله سبحانه جعل مخالطة المريض للصحيح سببا لاعدائه مرضه تم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب
قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة والأولى في الجمع أن يقال أن نفيه صلى الله عليه وآله وسلم للعدوى باق على عمومه وقد صح قوله لا يعدى شيء شيئا
قوله : صلى الله عليه وآله وسلم لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون بين الأبل الصحيحة فيخالطها فتجرب حيث رد عليه بقوله فمن أعدى الأول يعني أن الله سبحانه ابتدأ ذلك في الثاني كما ابتدأه في الأول قال وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع لئلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوى فيقع في الحرج فأمر بتجنبه حسما للمادة انتهى . والمناسب للعمل الأصولي في هذه الأحاديث المذكورة في الباب في ثلاث . وحديث فر من المجذوم . وحديث لا يورد ممرض مصح وما في معناها وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في جواب سؤال سميناه اتحاف المهرة بالكلام على حديث لا عدوى ولا طيرة ( 1 )
قوله : " ومنا رجال يخطون " قال ابن عباس في تفسير هذا الخط
_________ -
( 1 ) قال العلامة ابن القيم في حديث فرمن المجذوم وحديث لاعدوى ولاطيرة فالحديثان صحيحان ولا نسخ ولا تعارض بينهما بحمد الله بل كل منهما له وجه
وقد طعن أعداء السنة في أهل الحديث وقالوا يروون الأحاديث التي ينقض بعضها بعضا ثم يصححونها والأحاديث التي تخالف العقل فانتدب أنصار السنة للرد عليهم ونفي التعارض عن الأحاديث الصحيحة
هو الخط الذي يخطه الحازي . والحازي بالحاء المهملة والزاي هو الحزاء وهو الذي ينظر في المغيبات بظنه فيأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانا فيقول له أقعد حتى أخط لك وبين يدي الحازي غلام له معه مثل ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطا كثيرة في أربعة أسطر عجلا ثم يمحو منها على مهل خطين خطين فإن بقي خطان فهو علامة النجح وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة هكذا في شرح السنن لابن رسلان
قال وهذا علم معروف فيه للناس تصانيف كثيرة وهو معمول به إلى الآن ويستخرجون به الضمير
وقال الحربي الخط في الحديث هو أن يخط ثلاثة خطوط ثم يضرب عليهن ويقول يكون كذا وكذا وهو ضرب من الكهانة
قوله : " كان نبي من الأنبياء يخط " قيل هو ادريس عليه السلام حكى في تفسيره أن هذا النبي كان يخط بأصبعه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر
قوله : " فمن وافق خطه فذاك " بنصب الطاء على المفعولية والفاعل ضمير يعود إلى لفظ من
قال الخطابي هذا يحتمل الزجر عنه إذا كان علما لنبوته وقد انقطعت فنهينا عن التعاطي لذلك قال القاضي عياض الأظهر من اللفظ خلاف هذا
_________ -
وبيان موافقتها للعقل
قال الأمام أبو محمد بن قتيبة في كتابه بأويل مختلف الحديث
قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لا عدوى ولاطيرة وأنه قيل له النقبة تضع بمشفر البعير فتجرب لذلك فقال فمن أعدى الأول هذا أو معناه ثم رويتم في خلاف ذلك لا يورد ذو عاهة على مصح . وفر من المجذوم فرارك من الأسد . وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه البيعة وأمره بالإنصراف ولم يأذن له وقال الشؤم في المرأة الدار والدابة وقالوا هذا كله مختلف لا يشبه بعضه بعضا
قال أبو محمد ونحن نقول أنه ليس في هذا اختلاف ولكل واحد معنى في وقت وموضع فإذا وضع موضعه زال الأختلاف والله أعلم
وتصويب خط من يوافق خطه لكن من أين تعلم الموافقة والشرع منع من
ادعاء الغيب جملة وإنما معناه من وافق خطه فذاك الذي تجدون اصابته لا أنه لا يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم اه . ولو قيل إن قوله فذاك يدل على الجواز لكان جوازه مشروطا بالموافقة ولا طريق إليها مصتلة بذلك النبي فلا يجوز التعاطي

(7/207)


باب قتل من صرح بسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون من عرض

(7/207)


1 - عن الشعبي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه " أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذمتها "
- رواه أبو داود

(7/208)


2 - وعن ابن عباس " إن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتشتمه فأخذ المعول فجعله في بطنها واتكأ عليه فقتلها فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فجمع الناس فقال أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق الأقام فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتدلدل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر ولي منها إبنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المعول فوضعته في بطنها واتكأت عليه حتى قتلتها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألا أشهدوا أن دمها هدر "
- رواه أبو داود والنسائي واحتج به أحمد في رواية أبيه عبد الله

(7/208)


3 - وعن أنس قال " مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال السام عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتدرون ما يقول قال السام عليك قالوا يا رسول الله ألا تقتله قال لا إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم "
- رواه أحمد والبخاري
وقد سبق أن ذا الخويصرة قال يا رسول الله اعدل وأنه منع من قتله

(7/208)


- حديث الشعبي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه سكت عنه أبو داود وقال المنذري ذكر أن الشعبي سمع من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وقال غيره أنه رآه ورجال إسناد الحديث رجال الصحيح . وحديث ابن عباس سكت عنه أيضا أبو داود والمنذري
وقال الحافظ في بلوغ المرام أن رواته ثقات . والحديث الذي أشار إليه المصنف أعني قوله قال رسول الله أعدل قد تقدم في باب قتال الخوارج ( وفي الباب ) عن أبي برزة عند أبي داود والنسائي " قال كنت عند أبي بكر فتغيظ علي رجل فاشتد غضبه فقلت اتأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه فأذهبت كلمتي غضبه فقام فدخل فأرسل إلي فقال ما الذي قلت آنفا قلت أئذن لي أضرب عنقه قال أكنت فاعلا لو أمرتك قلت نعم قال لا والله ما كان لبشر بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم " وفي حديث ابن عباس وحديث الشعبي دليل على أنه يقتل من شتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد نقل ابن المنذر الأتفاق على أن من سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم صريحا وجب قتله ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أن من سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأن حد قذفه القتل وحد القذف لا يسقط بالتوبة وخالفه القفال فقال كفر بالسب فسقط القتل بالإسلام وقال الصيدلاني يزول القتل ويجب حد القذف
قال الخطابي لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما وقال ابن بطال اختلف العلماء فيمن سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك يقتل من سبه صلى الله عليه وآله وسلم منهم إلا أن يسلم وأما المسلم فيقتل بغير استتابة ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي واحمد وإسحاق مثله في حق اليهودي ونحوه
وروي عن الأوزاعي ومالك في المسلم أنها ردة بستتاب منها وعن الكوفيين إن كان ذميا عزر وإن كان مسلما فهي ردة وحكى عياض خلافا هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو لمصلحة التأليف ونقل عن بعض المالكية أنه لم يقتل اليهود الذين كانوا يقولون له السام عليك لأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهم بعلمه أنهم لما لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم وقيل أنه لم يحمل ذلك منهم على السب بل على الدعاء بالموت الذي لابد منه ولذلك قال في الرد عليهم أي الموت نازل علينا وعليكم فلا معنى للدعاء به أشار إلى ذلك القاضي عياض وطذا من قال السأم بالهمز بمعنى السآمة هو دعاء بأن يملوا الدين وليس بصريح في السب وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ذلك من ذمي أو معاهد فترك لمصلحة التأليف هل ينتقض بذلك عهده محل تأمل واحتج الطحاوي لأصحابه بحديث أنس المذكور في الباب وأيده بأن هذا الكلام لو صدر من مسلم لكانت ردة وأما صدوره من اليهود فالذي هم عليه من الكفر أشد فلذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعقب بأن دماءهم لم تحقن إلا بالعهد وليس في العهد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمن سبه منهم تعدى العهد فينتقض فيصير كافرا بلا عهد فيهدر دمه إلا ان يسلم ويؤيده أنه لو كان كل ما يعتقدونه لا يؤاخذون به لكانوا لو قتلوا مسلما لم يقتلوا لأن من معتقدهم حل دماء المسلمين ومع ذلك لو قتل منهم أحد مسلما قتل فإن قيل إنما يقتل بالمسلم قصاصا بدليل أنه يقتل به ولو أسلم ولو سب ثم أسلم لم يقتل قلنا الفرق بينهما أن قتل المسلم يتعلق بحق آدمي فلا يهدر وأما السب فإن وجوب القتل به يرجع إلى حق الدين فيهدمه الإسلام والذي يظهر أن ترك قتل اليهود إنما كان لمصلحة التأليف أو لكونهم لم يعلنوا به أو لهما جميعا وهو أولى كما قال الحافظ

(7/209)


[ الردة ]

(8/1)


أبواب أحكام الردة والإسلام ( 1 )

(8/1)


باب قتل المرتد

(8/1)


بسم الله الرحمن الرحيم
- 1 - عن عكرمة " قال أتى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تعذبوا بعذاب الله ولقتلهم لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بدل دينه فأقتلوه "
- رواه الجماعة إلا مسلما وليس لابن ماجه فيه سوي " من بدل دينه فأقتلوه " وفي حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له
أذهب إلى اليمن ثم اتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة وقال أنزل وإذا رجل عنده موثق قال ما هذا قال كان يهوديا فأسلم ثم تهود قال لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله "
_________
( 1 ) أي في بيان الأحاديث التي تستنبط منها أحكام الردة . والردة والارتداد كما قال الراغب الرجوع في الطريق الذي جاء منه لكن الردة تختص بالكفر والارتداد يستعمل فيه وفي عيره اه وقد أورد لكل منهما شاهدا من القرآن فقال قال أن الذي أرتدوا على أدبارهم
وقال يا أيها الذين أمنوا من يرتد منكم عن دينه وهو الرجوع من الإسلام إلى الكفر وكذلك ومن يرتد منكم عن دينه فيموت وهو كافر
وقال عز و جل فأرتد على آثارهما قصصا . إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى
وقال تعالى ويرد على أعقابنا وقوله تعالى ولا ترتدوا على أدباركم أي إذا تحققتم أمرا وعرفتم خيرا فلا ترجعوا عنه . وقوله عز و جل فلما أن جاء البشير القاه على وجهه فأرتد بصيرا أي عاد إليه البصير والله أعلم
_________
- متفق عليه
وفي رواية لأحمد " قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فأقتلوه " ولأبي داود في هذه القصة " فأتى أبو موسى برجل قد أرتد عن الإسلام فدعاه عشرين ليلة أو قريبا منها فجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه "

(8/2)


2 - وعن محمد بن عبد الله بن عبد القاري قال " قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى فسأله عن الناس فأخبره ثم قال هل من مغربة خبر قال نعم كفر رجل بعد إسلامه قال فما فعلتم به قال قربناه فضربنا عنقه فقال عمر هلا حبستموه ثلاثا وأطعمتوه لك يوم رغيفا و استتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله اللهم لم أحضر ولم أرض إذ بلغني "
- رواه الشافعي

(8/2)


- أثر عمر أخرجه أيضا مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن عبد القاري عن أبيه قال الشافعي من لا يتأنى بالمرتد زعموا أن هذا الأثر عن عمر ليس بمتصل ورواه البيهقي من حديث أنس قال لما نزلنا على تستر فذكر الحديث وفيه فقدمت على عمر رضي الله عنه فقال يا أنس ما فعل الستة الرهط من بكر ابن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بالمشركين قال يا أمير المؤمنين قتلوا بالمعركة فاسترجع عمر قلت وهل كان سبيلهم إلا القتل قال نعم قال كنت أعرض عليهم الإسلام فإن أبوا أودعتهم السجن ( وفي الباب ) عن جابر " أن امرأة أم رومان " وفي التلخيص أن الصواب أم مروان ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت . أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريقين وزاد في أحدهما فأبت أن تسلم فقتلت قال الحافظ وإسنادهما ضعيفان وأخرج البيهقي من وجه آخر ضعيف عن عائشة أن امراة أرتدت يوم أحد فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت . أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريقين وزاد في أحدهما فأبت أن تسلم فقتلت قال الحافظ وإسناده هما ضعيفان وأخرج البيهقي من وجه آخر ضعيف عن عائشة أن امرأة ارتدت يوم أحد فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت
وأخرج أبو الشيخ في كتال الحدود عن جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم استتاب رجلا أربع مرات
وفي إسناده العلاء بن هلال وهو متروك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر . ورواه البيهقي من وجه آخر من حديث عبد الله بن وهب عن الثوري عن رجل عن عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلا وسمى الرجل نبهان
وأخرج الدارقطني والبيهقي أن أبا بكر استتاب امرأة يقال لها أم قرفة كفرت بعد اسلامها فلم تتب فقتلها الحافظ وفي السير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل أم قرفة يوم فريظة وهي غير تلك
وفي الدلائل عن أبي نعيم أن زيد بن ثابت قتل أم قرفة في سريته إلى بني فزازة
قوله : " بزنادقة " بزاي ونون قاف جمع زنديق بكسر أوله وسكون ثانية
قال أبو حاتم السجستاني وغيره الزنديق فارسي معرب أصله زنده كرد أي يقول بدوام الدهر لأن زنده الحياة وكرد العمل ويطلق على من يكون دقيق النظر في الأمور وقال ثعلب ليس في كلام العرب زنديق وإنما يقال زندقي لمن يكون شديد التحيل وإذا أراد وأما العامة قالوا ملحد ودهري بفتح الدال أي يقول بدوام الدهر وإذا قالوها بالضم أرادوا كبر السن وقال الجوهري الزنديق من الثنوية وفسره بعض الشراح بأنه الذي يدعى مع الله إلها آخر وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك قال الحافظ والتحقيق ما ذكره من صنف في الملل والنحل أن أصل الزندقة اتباع ديصان ثم مانى ثم مزدك الأول بفتح الدال المهملة وسكون التحتية بعدها صاد مهملة والثاني بتشديد النون وقد تخفف والياء خفيفة والثالث بزاي ساكنة ودال مهملة مفتوحة ثم كاف ( وحاصل ) مقالتهم أن النور والظلمة قديمان وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النور وأنه يجب أن يسعى في تخليص النور من الظلمة فيلزم ازهاق كل نفس وكان بهرام جد كسرى تحيل على ماني حتى حضر عنده وأظهر له أنه قبل مقالته ثم قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك المذكور وقام الإسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل فهذا أصل الزندقة
وأطلق جماعة من الشافعية الزندقة على من يظهر الإسلام ويخفي الكفر مطلقا وقال النووي في الروضة الزنديق الذي لا ينتحل دينا
وقد أختلف الناس في الذين وقع لهم مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ما وقع وسيأتي
قوله : " لنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تعذبوا بعذاب الله " أي لنهيه عن القتل بالنار بقوله لا تعذبوا بعذاب الله وهذا يحتمل أن يكون مما سمعه ابن عباس من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة
وقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة حديثا وفيه " وإن النار لا يعذب بها إلا الله " ذكره البخاري في الجهاد
وأخرج أبو داود من حديث ابن مسعود في قصة بلفظ " وإنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار " قوله " من بدل دينه فأقتلوه " هذا ظاهره العموم في كل من وقع منه التبديل ولكنه عام يخص منهه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر فإنه تجري عليه أحكام الظاهر ويستثنى منه من بدل دينه في الظاهر ولكن مع الإكراه هكذا في الفتح قال فيه واستدل به على قتل المرتد كالمرتد وخصه الحنفية بالذكر وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء وحمل الجمهور النهي على الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء لما رأى امرأة مقتولة ما كانت هذه لتقاتل ثم نهى عن قتل النساء واحتجوا بأن من الشرطية لا تعم المؤنث وتعقب بأن ابن عباس راوي الخبر وقد قال بقتل المرتدة وقتل أبو بكر الصديق في خلافته امرأة أرتدت كما تقدم والصحابة متوافرون فلم ينكر عليه أحد ذلك واستدلوا أيضا بما وقع في حديث معاذ " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له أيما رجل أرتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه وأيما امرأة أرتدت عن الأسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها "
قال الحافظ وسنده حسن وهو نص في موضع النزاع فيجب المصير إليه ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها الزنى والسرقة وشرب الخمر والقذف ومن صور الزنا رجم المحصن حتى يموت فإن ذلك مستثنى من النهي عن قتل النساء فيستثنى قتل المرتدة مثله ( واستدل ) بالحديث بعض الشافعية على أنه يقتل من أنتقل من ملة من ملل الكفر إلى ملة أخرى وأجيب بأن الحديث متروك الظاهر فيمن كان كافرا ثم أسلم اتفاقا مع دخوله في عموم الخبر فيكون المراد من بدل دينه الذي هو دين الإسلام لأن الدين في الحقيقة هو دين الإسلام قال الله تعالى { إن الدين عند الله الإسلام } ويؤيده أن الكفر ملة واحدة فإذا انتقل الكافر من ملة كفرية إلى أخرى مثلها لم يخرج عن دين الكفر ويؤيده أيضا قوله تعالى { ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه }
وقد ورد في بعض طرق الحديث ما يدل على ذلك فأخرج الطبراني من وجه أخر عن ابن عباس رفعه " من خالف دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه " واستدل بالحديث المذكور في الباب على أنه يقتل الزنديق من غير استتابة وتعقب بأنه وقع في بعض طرق الحديث أن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه كما في الفتح من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال قيل لعلي أن هنا قوما على باب المسجد يزعمون أنك ربهم فدعاهم فقال لهم ويلكم ما تقولون قالوا أنت ربنا وخالقنا ورازقنا قال ويلكم إنما أنا عبد مثلكم أكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني فأتقوا الله وارجعوا فأبوا فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام فقال أدخلهم فقالوا كذلك فلما كان الثالث قال لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة فأبوا إلا ذلك فأمر علي أن يخدلهم أخدود بين باب المسجد والقصر وأمر بالحطب أن يطرح في الأخدود ويضرم بالنار ثم قال لهم إني طارحكم فيها أو ترجعوا فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم حتى إذا احترقوا قال
أني إذا رأيت أمرا منكرا أوقدت ناري ودعوت قنبرا
قال الحافظ إن اسناد هذا صحيح وزعم أبو مظفر الأسفرايني في الملل والنحل إن الذين أحقهم علي رضي الله عنه طائفة من الروافض ادعوا فيه الألهية وهم السبئية وكان كبيرهم عبد الله بن سبا يهوديا ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة وأما ما رواه ابن أبي شيبة أنهم أناس كانوا يعبدون الأصنام في السر فسنده منقطع فإن ثبت حمل على قصة أخرى وقد ذهب الشافعي إلى أنه يستتاب الزنديق كما يستتاب غيره . وعن أحمد وأبي حنيفة روايتان إحداهما لا يستتاب والأخرى أن تكرر منه لم تقبل توبته وهو قول الليث واسحاق . وحكي عن أبي اسحاق المروزي من أئمة الشافعية قال الحافظ ولا يثبت عنه بل قيل أنه تحريف من اسحاق بن راهوية والأول هو المشهور عن المالكية . وحكى عن مالك أنه جاء تائبا قبل وإلا فلا وبه قال أبو يوسف واختاره أبو اسحاق الأسفرايني وأبو منصور البغدادي وعن جماعة من الشافعية أن كان داعية لم يقبل وإلا قبل وحكي في البحر عن العترة وأبي حنيفة والشافعي ومحمد أنها تقبل توبة الزنديق لعموم أن ينتهوا . وعن مالك وأبي يوسف والجصاص لا تقبل إذ يعرف منهم التظهر تقية بخلاف ما ينطقون به قال المهدي فيرتفع الخلاف حينئذ فيرجع إلى القرائن لكن الأقرب العمل بالظاهر وإن التبس الباطن لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لمن يستأذنه في قتل منافق " أليس يشهد أن لا إله إلا الله " الخبر ونحوه اه
قال في الفتح واستدل من منع من قبول توبة الزنديق بقوله تعالى { إلا الذين تابوا واصلحوا " فقال الزنديق لا يطلع على إصلاحه لأن الفساد إنما أتى مما أسره فإذا أطلع عليه وأظهر الإقلاع عنه لم يرد على ما كان عليه ولقوله تعالى { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم } وأجيب بأن المراد من مات منهم على ذلك ما فسره ابن عباس أخرجه عنه ابن أي حاتم وغيره . واستدل لمن قال بالقبول بقوله تعالى { اتخذوا إيمانهم جنة } فدل على أن إظهار الإيمان يحصن من القتل قال الحافظ وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لا سامة " هلا شققت عن قلبه " وقال للذي ساره في قتل رجل " أليس يصلي قال نعم قال أولئك الذين نهيت عن قتلهم " وقال صلى الله عليه وآله وسلم لخالد لما استأذنه في قتل الذي أنكر القسمة " إني لم أومر بأن أنقب عن قلوب الناس " وهذه الأحاديث في الصحيح والأحاديث في هذا الباب كثيرة
قوله : " ثم أتبعه " بهمزة ثم مثناة ساكنة
قوله : " معاذ بن جبل " بالنصب أي بعثه بعده ظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجه ووقع في بعض النسخ وأتبعه بهمزة وصل وتشديد المثناة ومعاذ بالرفع
قوله : " فلما قد عليه " في البخاري في كتاب المغازي أن كلا منهما كان على عمل مستقل وأن كلا منهما كان إذا سار في أرضه بالقرب من صاحبه أحدث به عهدا وفي أخرى له فجعلا يتزاوران
قوله : " وسادة " هي ما تجعل تحت رأس النائم كذا قال النووي قال وكان من عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته مبالغة في إكرامه
قوله : " وإذا رجل عنده " الخ هي جملة حالية بين الأمر والجواب قال الحافظ ولم أقف على أسمه
قوله : " قضاء الله " خبر مبتدأ محذوف ويجوز النصب
قوله " فضرب عنقه " في رواية للطبراني فأبى بحطب فألهب فيه النار فكتفه وطرحه فيها ويمكن الجمع بأنه ضرب عنقه ثم ألقاه في النار قوله " هل من مغربة خبر " بضم الميم وسكون الغين المعجمة وكسر الراء وفتحها مع الإضافة فيهما معناه هل من خبر جديد من بلاد بعيدة شيوخ الموطأ فتحوا الغين وكسروا الراء وشددوها
قوله : " هلا حبستموه " الخ وكذلك قوله في الحديث الأول فدعاه عشرين ليلة الخ استدل بذلك من أوجب الاستتابة للمرتد قبل قتله وقد قدمنا في أول الباب ما في ذلك من الأدلة قال ابن بطال أختلفوا في استتابة المرتد فقيل يستتاب فإن تاب إلا قتل وهو قول الجمهور وقيل يجب قتله في الحال وإليه ذهب الحسن وطاوس وبه قال أهل الظاهر ونقله ابن المنذر عن معاذ وعبيد بن عمير وعليه يدل تصرف البخاري فإنه استظهر بالآيات التي لا ذكر فيها للاستتابة التي فيها أن التوبة لا تنفع وبعموم قوله " من بدل دينه فأقتلوه وبقصة معاذ المذكور ولم يذكر غير ذلك
قال الطحاوي ذهب هؤلاء إلى أن حكم من أرتد عن الإسلام حكم الحربي الذي بلغته الدعوى فإنه يقاتل من قبل أن يدعى وإنما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة فأما من خرج عن بصيرة فلا ثم نقل عن أبي يوسف موافقتهم لكن إن جاء مبادرا بالتوبة خلي سبيله ووكل أمره إلى الله . وعن ابن عباس إن كان أصله مسلما لم يستتب وإلا استتيب واستدل ابن القصار لقول الجمهور بالإجماع يعني السكوتي لأن عمر كتب في أمر المرتد هلا حبستموه ثلاثة أيام ثم ذكر الأثر المذكور في الباب ثم قال ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة كأنهم فهموا من قوله صلى الله عليه وآله وسلم من بدل دينه فأقتلوه أي إن لم يرجع وقد قال تعالى { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } . واختلف القائلون بالاستتابة هل يكتفي بالمرة أم لابد من ثلاث وهل الثلاث في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام ونقل ابن بطال عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه يستتاب شهرا وعن النخعي يستتاب أبدا

(8/2)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية