صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
المؤلف : الملا على القاري
المصدر : موقع المشكاة الإسلامية
www.almeshkat.net/books/index.php

ورجع ولم يفتح له وأصاب الناس يومئذ شدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني دافع غدا إلي رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح عليه فبتنا طيبة أنفسنا أن الفتح غدا فلما أصبح صلى الله عليه وسلم قام قائما فدعا باللواء والناس على مصافهم فدعا عليا وهو أرمد فتفل في عينه ودفع اللواء إليه ففتح له قال بريدة وأنا ممن تطاول لها أخرجه أحمد في المناقب وعن سلمة بن الأكوع قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق برايته وكانت بيضاء إلى بعض حصون خيبر فقاتل ورجع ولم يكن فتح وقد جهد ثم بعث الغد عمر بن الخطاب فقاتل ولم يكن فتح وقد جهد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وهو أرمد فتفل في عينيه ثم قال خذ هذه الراية فامض حتى يفتح الله عليك قال سلمة فخرج والله بها يهرول هرولة وأنا خلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال من أنت قال أنا علي بن أبي طالب قال اليهودي علوتم وما أنزل على موسى أو كما قال فما رجع حتى فتح الله على يديه أخرجه ابن إسحاق وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من اليهود وطرح ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به نفسه فلم يزل بيده حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في نفر مع سبعة إناثا منهم نجتهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه أخرجه أحمد في المناقب وعن جابر بن عبد الله أن علي بن أبي طالب حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها وبعد ذلك لم يحمله أربعون رجلا وفي طريق ضعيف ثم اجتمع عليه سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب أخرجهما الحاكمي

(17/430)


في الأربعين وعن علي قال ما رمدت بعد تفل النبي صلى الله عليه وسلم في عين أخرجه أحمد وأخرج أحمد أيضا عن عبد الرحمن بن أبي يعلى قال كان أبي يسمر مع علي وكان علي يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف فقيل له لو سألته فسأله فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلي وأنا أرمد العين يوم خيبر فقلت يا رسول الله إني أرمد العين قال فتفل في عيني وقال اللهم أذهب عنه الحر والبرد فما وجدت حرا ولا بردا منذ يومئذ وقال لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار فتشرف لها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأعطانيها وذكر حديث البراء قال لعلي أنت مني وأنا منك في باب بلوغ الصغير أي لما كان له تعلق بالحضانة والحديث هناك مشتمل على فضل علي وجعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم أجمعين

$الفصل الثاني

(17/431)


عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن عليا مني وأنا منه أي في النسب والمصاهرة والمسابقة والمحبة وغير ذلك من المزايا لا في محض القرابة وإلا فغيره مشارك له فيها وهو ولي كل مؤمن أي حبيبه كما قاله ابن الملك أو ناصره أو متولي أمره قال الطيبي هو إشارة إلى قوله تعالى وإنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون المائدة وفي الكشاف قيل نزلت في علي رضي الله عنه فإن قلت كيف يصح أن يكون لعلي واللفظ لفظ جماعة قلت جيء به ترغيبا للناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوابه وليبنه على أن سجية المؤمن يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان قال البيضاوي قوله وهم راكعون أي متخشعون في صلاتهم وزكاتهم وقيل هو حال مخصوصة بيؤتون أي يؤتون الزكاة في حال ركوعهم في الصلاة حرصا على الإحسان ومسارعة إليه فإنها نزلت في علي كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه انتهى والحديث رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه بروايات مختلفة قال القاضي واستدل به الشيعة على إمامته زاعمين أن المراد بالولي المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيهم والظاهر ما ذكرناه من أنه تعالى لما نهى عن موالاة الكفرة ذكر عقيبه من هو حقيق بها وإنما لم يقل أولياؤكم للتنبيه على أن الولاية لله على الأصالة ولرسوله وللمؤمنين على التبع مع أن حمل الجمع على الواحد أيضا خلاف الظاهر قال السيد معين الدين الصفوي ما قبل الآية ينادي على أن المراد من الولاية ليس التولي للأمور والمستحق للتصرف كما قالت الشيعة بل ذكره بلفظ الجمع تحريضا على المبادرة على ا لصدقة فيدخل فيه كل من يبادر فلا يستدل بهذه الآية على إمامة علي رضي الله عنه انتهى والحاصل أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لا سيما واللفظ بصيغة الجمع فيدخل علي كرم الله وجهه فيه دخولا أوليا لا أن الأمر محصور فيه حقيقيا رواه

(17/432)


الترمذي وفي الرياض عن عمران بن حصين قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليها عليا قال فمضى على السرية فأصاب جارية فأنكروا عليه وتعاقد أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إذا لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه بما صنع علي فقال عمران وكان المسلمون إذا قدموا من سفر بدؤوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليه ثم انصرفوا إلى رحالهم فلما قدمت السرية سلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أحد

(17/433)


الأربعة فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تر أن عليا صنع كذا وكذا فأعرض عنه ثم قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والغضب يعرف في وجهه فقال ما تريدون من علي ثلاثا إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي أخرجه الترمذي وقال حسن غريب وأخرجه أحمد وقال فيه فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأربع وقد تغير وجهه فقال دعوا عليا علي مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن من بعدي وله طريق آخر عن بريدة وأصله في صحيح البخاري وأخرجه أحمد في المناقب عن أبي رافع قال لما قتل علي أصحاب الألوية يوم أحد قال جبريل يا رسول الله إن هذه لهي المواساة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنه مني وأنا منه فقال جبريل وأنا منكما يا رسول الله وعن زيد بن أرقم ذكره تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كنت مولاه فعلي مولاه قيل معناه من كنت أتولاه فعلي يتولاه من الولي ضد العدو أي من كنت أحبه فعلي يحبه وقيل معناه من يتولاني فعلي يتولاه كذا ذكره شارح من علمائنا وفي النهاية المولى يقع على جماعة كثيرة كالرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمعتق والمنعم عليه وأكثرها قد جاءت في الأحاديث فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه وقوله من كنت مولاه يحمل على أكثر هذه الأسماء المذكورة قال الشافعي يعني بذلك ولاء الإسلام كقوله تعالى ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم محمد وقول عمر لعلي أصبحت مولى كل مؤمن أي والي كل مؤمن وقيل سبب ذلك أن أسامة قال لعلي لست مولاي إنما مولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم من كنت مولاه فعلي مولاه وفي شرح المصابيح للقاضي قالت الشيعة هو المتصرف وقالوا معنى

(17/434)


الحديث أن عليا رضي الله عنه يستحق التصرف في كل ما يستحق الرسول صلى الله عليه وسلم التصرف فيه ومن ذلك أمور المؤمنين فيكون إمامهم قال الطيبي لا يستقيم أن تحمل الولاية على الإمامة التي هي التصرف في أمور المؤمنين لأن المتصرف المستقل في حياته صلى الله عليه وسلم هو هو لا غيره فجيب أن يحمل على المحبة وولاء الإسلام ونحوهما اه وقيل سبب ورود هذا الحديث كما نقله الحافظ شمس الدين الجزري عن ابن إسحاق أن عليا تكلم بعض من كان معه باليمن فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم حجة خطب بها تنبيها على قدره وردا على من تكلم فيه كبريدة كما في البخاري وسبب ذلك كما رواه الذهبي وصححه أنه خرج معه إلى اليمن فرأى منه جفوة نقصه للنبي صلى الله عليه وسلم فجعل يتغير ووجهه عليه السلام ويقول يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول

(17/435)


الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه رواه أحمد والترمذي وفي الجامع رواه أحمد وابن ماجه عن البراء وأحمد عن بريدة والترمذي والنسائي والضياء عن زيد بن أرقم ففي إسناد المصنف الحديث عن زيد بن أرقم إلى أحمد والترمذي مسامحة لا تخفى وفي رواية لأحمد والنسائي والحاكم عن بريدة بلفظ من كنت وليه فعلي وليه وروى المحاملي في أماليه عن ابن عباس ولفظه علي بن أبي طالب مولى من كن مولاه والحاصل أن هذا حديث صحيح لا مرية فيه بل بعض الحفاظ عده متواترا إذ في رواية أحمد أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعليل لما نوزع أيام خلافته وسيأتي زيادة تحقيق في الفصل الثالث عند حديث البراء وعن حبشي بضم حاء وسكون موحدة فكسر فتشديد تحتية ابن جنادة بضم الجيم قال المؤلف رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وله صحبة عداده في أهل الكوفة روى عنه جماعة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم علي مني وأنا من علي مر معناه ولا يؤدي عني أي نبذ العهد إلا أنا وعلي كان الظاهر أن يقال لا يؤدي عني إلا علي فأدخل أنا تأكيدا لمعنى الاتصال في قوله علي مني وأنا منه قال التوربشتي كان من دأب العرب إذا كان بينهم مقاولة في نقض وإبرام وصلح ونبذ عهد أن لا يؤدي ذلك إلا سيد القوم أو من يليه من ذوي قرابته القريبة ولا يقبلون ممن سواهم فلما كان العام الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أن يحج بالناس رأى بعد خروجه أن يبعث عليا كرم الله وجهه خلفه لينبذ إلى المشركين عهدهم ويقرأ عليهم سورة براءة وفيها إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا التوبة إلى غير ذلك من الأحكام فقال قوله هذا تكريما له بذلك قلت واعتذارا لأبي بكر في مقامه هنالك ولذا قال الصديق لعلي حين لحقه من ورائه أمير أو مأمور فقال بل مأمور وفيه إيماء إلى أن إمارته إنما تكون متأخرة عن خلافة الصديق كما لا يخفى على ذوي

(17/436)


التحقيق رواه الترمذي وكذا أحمد والنسائي وابن ماجه عن حبشي على ما في الجامع ورواه أحمد عن أبي جنادة فلعل أحمد له روايتان ولم يذكر المؤلف أبا جنادة في أسمائه
وعن ابن عمر قال آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمد الهمزة أي جعل المؤاخاة في الدين بين أصحابه أي اثنين اثنين كأبي الدرداء وسلمان فجاء علي تدمع عيناه أي فسئل مالك فقال وفي رواية يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بالهمز ويجوز إبداله واوا بيني وبين أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي جبرا له بما كان خيرا له أنت أخي في الدنيا والآخرة رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وأخرجه أحمد في المناقب عن عمر ابن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين الناس وترك عليا حتى بقي آخرهم لا يرى له أخا فقال يا رسول الله آخيت بين الناس وتركتني قال ولم تراني تركتك تركتك لنفسي أنت أخي وأنا أخوك فإن ذكرك أحد فقل أنا عبد الله وأخو رسوله لا يدعيها بعد إلا كذاب وعن أنس قال كان عند النبي صلى الله عليه وسلم طير أي مشوي أو مطبوخ أهدي إليه صلى الله عليه وسلم وفي رواية أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طيرين بين رغيفين فقدمت إليه فقال اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وفي رواية وإلى رسولك يأكل بالرفع وفي نسخة بالجزم معي هذا الطير فجاءه علي فأكل معه رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب أي إسنادا أو متنا ولا منع من الجمع قال ابن الجوزي موضوع وقال الحاكم ليس بموضوع وفي المختصر قال له طرق كثيرة كلها ضعيفة وفي الرياض رواه أحمد في المناقب قال الإمام التوربشتي نحن وإن كنا نجهل بحمد الله فضل علي رضي الله عنه وقدمه وسوابقه في الإسلام واختصاصه برسول الله صلى الله عليه وسلم لقرابته القريبة ومؤاخاته إياه في الدين ونتمسك من حبه بأقوى وأولى مما يدعيه الغالون فيه فلسنا نرى أن نضرب عن تقرير أمثال هذه الأحاديث في نصابها صفحا لما

(17/437)


يخشى فيه من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وهذا باب أمر بمحافظته وجيء أمر بالذب عنه فحقيق علينا أن ننصر فيه الحق ونقدم فيه الصدق وهذا حديث تدلس به المبتدع شأنه ويوصل به المنتحل جناحه ليتخذه ذريعة إلى الطعن في خلافة
أبي بكر رضي الله عنه التي هي أول حكم أجمع عليه المسلمون في هذه الأمة وأقوم عماد أقيم به الدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول وبالله التوفيق هذا الحديث لا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر والقول بخيريته من الأخبار الصحاح منضما إليها إجماع الصحابة لمكان سنده فإن فيه لأهل النقل مقالا ولا يجوز حمل أمثاله على ما يخالف الإجماع لا سيما والصحابي الذي يرويه ممن دخل في هذا الإجماع واستقام عليه مدة عمره ولم ينقل عنه خلافه فلو ثبت عنه هذا الحديث فالسبيل أن يؤول على وجه لا ينقض عليه ما اعتقده ولا يخالف ما هو أصح منه متنا وإسنادا وهو أن يقال يحمل قوله بأحب خلقك على أن المراد منه ائتني بمن هو من أحب خلقك إليك فيشاركه فيه غيره وهم المفضلون بإجماع الأمة وهذا مثل قولهم فلان أعقل الناس وأفضلهم أي من أعقلهم وأفضلهم ومما يبين لك أن حمله على العموم غير جائز هو أن النبي صلى الله عليه وسلم من جملة خلق الله ولا جائز أن يكون علي أحب إلى الله منه فإن قيل ذلك شيء عرف بأصل الشرع قلنا والذي نحن فيه عرف أيضا بالنصوص الصحيحة وإجماع الأمة فيؤول هذا الحديث على الوجه الذي ذكرناه أو على أنه أراد به أحب خلقه إليه من بني عمه وذويه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلق القول وهو يريد تقييده ويعم به ويريد تخصيصه فيعرفه ذوو الفهم بالنظر إلى الحال أو الوقت أو الأمر الذي هو فيه قال الطيبي والوجه الذي يقتضيه المقام هو الوجه الثاني لأنه صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يأكل وحده لأنه ليس من شيمة أهل المروءات فطلب من الله تعالى أن يؤتى له من يؤاكله وكان ذلك برا وإحسانا منه إليه وأبر المبرات

(17/438)


بذوي الرحم وصلته كأنه قال بأحب خلقك إليك من ذوي القرابة القريبة ومن هو أولى بإحساني وبري إليه اه وفيه أن لا شك أن العم أولى من ابنه وكذا البنت وأولادها في أمر البر والإحسان على أن قول الطيبي هذا إنما يتم إذا لم يكن أحد هناك ممن يؤاكله ولا شك في وجوده لا سيما وأنس حاضر وهو خادمه ولم يكن من عادته أنه لا يأكل معه فالوجه الأول هو المعول ونظيره ما ورد أحاديث بلفظ أفضل الأعمال في أمور لا يمكن جمعها إلا أن يقال في بعضها أن التقدير من أفضلها وعن علي رضي الله عنه قال كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي طلبت شيئا أعطاني أي المسؤول أو جوابه وإذا سكت ابتدأني أي بالتكلم أو الاعطاء ففيه إشعار بأن حسن الأدب هو السكوت وتفويض الأمر الموجب للتعظيم المتفرع عليه الإقبال المنتج للإعطاء أولا ويؤيده حديث من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ومما يدل على كرمه وزهده ما ذكره أصحاب المناقب عن علي قال لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع وإن صدقتي اليوم أربعون ألفا وفي رواية وأن

(17/439)


صدقة مالي لتبلغ أربعين ألف دينار أخرجهما أحمد وربما يتوهم متوهم أن مال علي تبلغ زكاته هذا القدر وليس كذلك فإنه كان أزهد الناس فقيل معناه أن الذي تصدقت به منذ كان لي مال إلى اليوم كذا وكذا ألفا ثم ذكره لذلك إنما هو في معرض الشكر على هذه الخلة وعدم الاكتراث بما خرج لله تعالى وإن إخراجه أبلغ في الزهد من عدمه وأبعد من قال ويحتمل أن يكون في معرض التوبيخ لنفسه تنتقل الحال إلى مثل هذا بعد ذلك الحال وعن سهل بن سعد أن علي بن أبي طالب دخل على فاطمة والحسن والحسين يبكيان فقال ما يبكيهما قالت الجوع فخرج علي فوجد دينارا في السوق فجاء إلى فاطمة فأخبرها فقالت اذهب إلى فلان اليهودي فخذ لنا به دقيقا فجاء إلى اليهودي فاشترى به دقيقا فقال اليهودي أنت ختن هذا الذي يزعم أنه رسول الله قال نعم قال فخذ دينارك ولك الدقيق فخرج علي حتى جاء به فاطمة فأخبرها فقالت اذهب إلى فلان الجزار فخذ لنا بدرهم لحما فذهب فرهن الدينار بدرهم على لحم فجاء به فعجنت ونصبت وخبزت فأرسلت إلى أبيها فجاءهم فقالت يا رسول الله أذكر لك فإن رأيته حلالا أكلنا وأكلت من شأنه كذا قال كلوا باسم الله فأكلوا فبينما هم مكانهم إذا غلام ينشد الله والإسلام للدينار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعي له فسأله فقال سقط مني في السوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا علي اذهب إلى الجزار فقل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك أرسل إلي بالدينار ودرهمك علي فأرسل به فدفع إليه أخرجه أبو داود ومما يدل على تواضعه ما أخرجه البغوي في معجمه عن أبي صالح بياع الأكسية عن جده قال رأيت عليا اشترى تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقيل يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك قال أبو العيال أحق بحمله وعن زيد بن وهب أن الجعد بن نعجة من الخوارج عاتب عليا في لباسه فقال مالي وللباس هذا هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدي به المسلم أخرجه أحمد وصاحب الصفوة ومما يدل على ورعه ما

(17/440)


أخرجه أحمد عن عبد الله بن رزين قال دخلت على علي يوم الأضحى فقرب إلينا حريرة فقلت أصلحك الله لو قربت إلينا من هذا البط يعني الأوز فإن الله قد أكثر الخبز فقال يا ابن رزين سمعت رسول الله يقول لا يحل لخليفة من مال الله إلا قصعتان قصعة يأكلها هو وأهله وقصعة يضعها بين أيدي الناس وعن علي ابن أبي ربيعة أن علي بن أبي طالب جاءه ابن التياح فقال يا أمير المؤمنين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء قال الله أكبر فقام متوكئا على ابن التياح حتى قام وأمر فنودي في الناس

(17/441)


فأعطي جميع ما في بيت مال المسلمين وهو يقول يا صفراء يا بيضاء غري غيري ها وها حتى ما بقي منه دينار ولا درهم ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين أخرجه أحمد في المناقب وفي رواية عند أحمد فصلى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة وعن علي قال جعت بالمدينة جوعا شديدا فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرا فظننتها تريد بله فأتيتها فعاطيتها كل دلو بتمرة فعددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يدي ثم أتيتها فقلت بكلتي يدي هكذا بين يديها وبسط إسماعيل راوي الحديث يديه جميعا فعدت لي ستة عشر تمرة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأكل معي منها وقال لي خيرا ودعا لي أخرجه أحمد في المناقب وصاحب الصفوة والفضائلي رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وأخرج ابن سعد عن علي أنه قيل له مالك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني كنت إذا سألته آتاني وإذا سكت ابتدأني وعنه أي عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا دار الحكمة وفي رواية أنا مدينة العلم وفي رواية المصابيح أنا دار العلم وعلي بابها باب من أبواب وفي رواية زيادة فمن أراد العلم فليأته من بابه والمعنى على باب من أبوابها ولكن التخصيص يفيد نوعا من التعظيم وهو كذلك لأنه بالنسبة إلى بعض الصحابة أعظمهم وأعلمهم ومما يدل على أن جميع الأصحاب بمنزلة الأبواب قوله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم مع الإيماء إلى اختلاف مراتب أنوارها في الاهتداء ومما يحقق ذلك أن التابعين أخذوا أنواع العلوم الشرعية من القراءة والتفسير والحديث والفقه من سائر الصحابة غير علي رضي الله عنه أيضا فعلم عدم انحصار البابية في حقه اللهم إلا أن يختص بباب القضاء فإنه ورد في شأنه إنه أقضاكم كما أنه جاء في حق أبي أنه أقرؤكم وفي حق زيد بن ثابت إنه أفرضكم وفي حق معاذ بن جبل إنه أعلمكم بالحلال والحرام ومما يدل على جزالة علمه ما في الرياض عن معقل

(17/442)


بن يسار قال وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل لك في فاطمة تعودها فقلت نعم فقام متوكئا علي فقال إنه سيحمل ثقلها غيرك ويكون أجرها لك قال فكأنه لم يكن علي شيء حتى دخلنا على فاطمة فقلنا كيف تجدينك قالت لقد اشتد حزني
واشتدت فاقتي وطال سقمي قال عبد الله بن أحمد بن حنبل وجدت بخط أبي في هذا الحديث قال أو ما ترضين أن زوجك أقدمهم سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما أخرجه أحمد وعن ابن عباس وقد سأله الناس فقالوا أي رجل كان عليا قال كان قد ملىء جوفه حكما وعلما وبأسا ونجدة مع قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمد في المناقب وعن سعيد بن المسيب قال عمر كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن أخرجه أحمد قال سعيد بن المسيب قال عمر كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن أخرجه أحمد قال الطيبي لعل الشيعة تتمسك بهذا التمثيل أن أخذ العلم والحكمة منه مختص به لا يتجاوزه إلى غيره إلا بواسطته رضي الله عنه لأن الدار إنما يدخل من بابها وقد قال تعالى وأتوا البيوت من أبوابها البقرة ولا حجة لهم فيه إذ ليس دار الجنة بأوسع من دار الحكمة ولها ثمانية أبواب رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب أي إسنادا وقال أي الترمذي روى بعضهم هذا الحديث عن شريك وهو شريك بن عبد الله قاضي بغداد ذكره شارح ولم يذكروا أي ذلك البعض فيه أي في إسناد هذا الحديث عن الصنابحي بضم صاد وكسر موحدة ومهملة ولا نعرف أي نحن هذا الحديث عن أحد من الثقاث غير شريك بالنصب على الاستثناء وفي نسخة بالجر على أنه بدل من أحد قيل وفي بعض نسخ الترمذي عن شريك بدل غير شريك والله أعلم ثم أعلم أن حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها رواه الحاكم في المناقب من مستدركه من حديث ابن عباس وقال صحيح وتعقبه الذهبي فقال بل هو موضوع وقال أبو زرعة كم خلق افتضحوا فيه وقال يحيى بن معين لا أصل له كذا قال أبو حاتم ويحيى بن سعيد وقال الدارقطني ثابت ورواه الترمذي في المناقب من

(17/443)


جامعه وقال إنه منكر وكذا قال البخاري إنه ليس له وجه صحيح وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال ابن دقيق العيد هذا الحديث لم يثبتوه وقيل إنه باطل لكن قال الحافظ أبو سعيد العلائي الصواب أنه حسن باعتبار طرقه لا صحيح ولا ضعيف فضلا عن أن يكون موضوعا ذكره الزركشي وسئل الحافظ العسقلاني عنه فقال إنه حسن لا صحيح كما قال الحاكم ولا موضوع كما قال ابن الجوزي قال السيوطي وقد بسطت كلام العلائي والعسقلاني في التعقبات التي على الموضوعات اه وفي خبر الفردوس أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها وشذ بعضهم فأجاب إن معنى وعلي بابها أنه فعيل من العلو على حد قراءة صراط علي مستقيم برفع علي وتنوينه كما قرأ به يعقوب

(17/444)


وعن جابر قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا يوم الطائف قال شارح أي يوم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى الطائف فانتجاه من باب الافتعال من النجوى أي فساره وقال له نجوى فقال الناس أي المنافقون أو عوام الصحابة لقد طال نجواه مع ابن عمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتجيته أي ما خصصته بالنجوى أنا ولكن الله انتجاه بتشديد لكن ويخفف والمعنى أني بلغته عن الله ما أمرني أن أبلغه إياه على سبيل النجوى فحينئذ انتجاه الله لا انتجيته فهو نظير قوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى الأنفال قال الطيبي رحمه الله كان ذلك أسرارا إلهية وأمورا غيبية جعله من خزانها اه وفيه أن الظاهر أن الأمر المتناجي به من الأسرار الدنيوية المتعلقة بالأخبار الدينية من أمر الغزو ونحوه إذ ثبت في صحيح البخاري أنه سئل علي كرم الله وجهه هل عندكم شيء ليس في القرآن فقال والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطاه رجل في كتابه وما في الصحيفة قيل وما في الصحيفة فقال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر ثم هذا التناجي يحتمل أنه بعد نزول آية يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة المجادلة واختلفوا في أمره للندب أو للوجوب لكنه منسوخ بقوله أأشفقتم وهو وإن اتصل به تلاوة لم يتصل به نزولا حتى يمكن العمل به وعن علي رضي الله عنه إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم رواه الترمذي وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي يا علي لا يحل لأحد يجنب بضم أوله وكسر نونه قال الطيبي ظاهره أن يجنب يكون فاعلا لقوله لا يحل وقوله في هذا المسجد ظرف ليجنب وفيه إشكال ولذلك أوله ضرار بن صرد صفة لأحد غيري وغيرك بالنصب على الاستثناء وفي كثير من النسخ بالرفع ولا يظهر له وجه إلا أن يقال خبر مبتدأ محذوف أي هو

(17/445)


غيري وغيرك قال علي بن المنذر قال المؤلف هو كوفي عرف
بالطريقي روى عن ابن عيينة والوليد بن مسلم وعنه الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم قال ابن أبي حاتم سمعت منه مع أبي وهو ثقة صدوق وقال النسائي شيعي محض ثقة مات سنة ست وخمسين ومائتين فقلت لضرار بكسر الضاد المعجمة ابن صرد بضم ففتح فتنوين يكنى أبا نعيم الكوفي الطحان سمع المعتمر بن سليمان وغيره وروى عنه علي بن المنذر ما معنى هذا الحديث قال لا يحل لأحد يتسطرقه جنبا غيري وغيرك قال القاضي ذكره في شرحه أنه لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري وغيرك وهذا إنما يستقيم إذا جعل يجنب صفة لأحد ومتعلق الجار محذوفا فيكون تقدير الكلام لا يحل لأحد تصيبه الجنابة يمر في هذا المسجد غيري وغيرك وكان ممر دارهما خاصة في المسجد قال الطيبي والإشارة في هذا المسجد مشعرة بأن له اختصاصا بهذا الحكم ليس لغيره من المساجد وليس ذلك إلا لأن باب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح إلى المسجد وكذا باب علي ويؤيده حديث ابن عباس في الفصل الثالث أمر بسد الأبواب إلا باب علي رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وقال الجزري هذا الحديث ضعيف باتفاقهم اه وسيأتي بحث وارد هنا في الفصل الثالث عند قوله أمر بسد الأبواب إلا باب علي وعن أم عطية قال المؤلف هي نسيبة بضم النون وفتح السين المهملة وسكون الياء وفتح الباء الموحدة بنت كعب وقيل بنت الحارث الأنصارية بايعت النبي صلى الله عليه وسلم فتمرض المرضى وتداوي الجرحى قالت بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا فيهم علي قالت فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رافع يديه يقول أي حين إرساله أو عند توقع إقباله اللهم لا تمتني بضم فكسر أي لا تقبض روحي حتى تريني بضم فكسر أي تبصرني عليا أي رجوعه بالسلامة رواه الترمذي وعن الحسن أنه قال حين قتل علي لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون بعلمه ولا أدركه الآخرون كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه بالسرية

(17/446)


وجبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله لا ينصرف حتى يفتح عليه أخرجه أحمد

$الفصل الثالث
عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن أي كامل رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب إسنادا وقد سبق ما يؤيده وعنها أي عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سب عليا أي من جهة النسب فقد سبني أي من شتم عليا فكأنه شتمني فمقتضاه أن يكون سب علي كفرا أو هو محمول على التهديد والوعيد أو مبني على الاستحلال والله أعلم بالحال رواه أحمد وكذا الحاكم وروى الطبراني عن ابن عباس من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وفي رواية للطبراني عن علي من سب الأنبياء قتل ومن سب أصحابي جلد وفي الرياض عن عمرو بن شاش الأسلمي وكان من أصحاب الحديبية قال خرجت مع علي إلى اليمن فجافاني في سفري فوجدت في نفسي عليه فلما قدمت المدينة أظهرت شكايته في المسجد حتى بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه فلما رآني أمد بي عينيه يقول حدد إلى النظر حتى إذا جلست قال يا عمرو والله لقد آذيتني قلت أعوذ بالله أن أؤذيك يا رسول الله فقال بلى من آذى عليا فقد آذاني أخرجه أحمد وعن ابن عباس رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب فقال له أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة من أحبك فقد أحبني وحبيبك حبيبي وحبيبي حبيب الله وعدوك عدوي وعدوي عدو الله الويل لمن أبغضك أخرجه أحمد في المناقب وعن ابن عباس أيضا لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله عز وجل أكبه الله على منخره أخرجه أبو عبد الله الجلالي وعن أم سلمة قالت

(17/447)


سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سب عليا فقد سبني أخرجه أحمد وعن عروة بن الزبير أن رجلا وقع في علي بن أبي طالب بمحضر من عمر فقال له عمر أتعرف صاحب هذا القبر هذا القبر صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمد في المناقب وعن أبي سعيد الخدري قال اشتكى الناس عليا يوما فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فسمعته يقول يا أيها الناس لا تشكوا عليا فو الله إنه لأحسن في ذات الله أو قال في سبيل الله أخرجه أحمد وعن علي رضي الله تعالى عنه قال قال لي أي مخصوصا به النبي صلى الله عليه وسلم فيك مثل أي في حقك شبه من عيسى أي من وجهين متعارضين لقومين متخالفين أبغضته اليهود أي بغضا مفرطا حتى بهتوا أمه من بهته كمنعه قال عليه ما لم يفعل والمعنى أنهم افتروا عليها بأن نسبوها إلى الزنا وأحبته النصارى أي حبا بليغا حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست له أي مع اختلاف لهم في تلك المنزلة ثم قال أي علي موقوفا يهلك في أي يضل في حقي رجلان أي أحدهما رافضي والآخر خارجي محب مفرط بضم فسكون أي مبالغ عن الحد يقرظني بكسر الراء المشددة أي يمدحني بما ليس في أي بتفضيلي على جميع الصحابة أو على الأنبياء أو بإثبات الألوهية كطائفة النصيرية ومبغض وإنما لم يقل هنا مفرط لأن البغض بأصله ممنوع بخلاف اصل الحب فإنه ممدوح يحمله أي بعثه ويكسبه شنآني بفتحتين ويسكن الثاني وحكي ترك الهمز أي عداوتي على أن يبهتني أي يتكلم علي بالبهتان وينسب إلى الزور والعصيان رواه أحمد أي في المسند وعنه قال ليحبني أقوام حتى يدخلوا النار في حبي ويبغضي أقوام حتى يدخلوا النار في بغضي رواه أحمد في المناقب وعن السدي قال قال علي اللهم العن كل مبغض لنا وكل لنا غال أخرجه أحمد في المناقب وعن البراء بن عازب وزيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل أي في مرجعه

(17/448)


من حجة الوداع في حال كمال أصحابه من الاجتماع بغدير خم بضم خاء وتشديد ميم اسم لغيضة على ثلاثة أميال من الجحفة عندها غدير مشهور يضاف إلى الغيضة أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين أي بجنسهم من أنفسهم وفيه إيماء إلى قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم الأحزاب قالوا بلى قال ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن أي بخصوصه من نفسه أي فضلا عن بقية أهله قالوا بلى فقال اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وفي رواية وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار فلقيه عمر رضي الله عنه بعد ذلك فقال له هنيئا أي طوبى لك أوعش عيشا هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت أي صرت في كل وقت مولى كل مؤمن ومؤمنة تمسكت الشيعة أنه من النص المصرح بخلافة علي رضي الله عنه حيث قالوا معنى المولى الأولى بالإمامة وإلا لما احتاج إلى جمعهم كذلك وهذه من أقوى شبههم ودفعها علماء أهل السنة بأن المولى بمعنى المحبوب وهو علي كرم الله وجهه سيدنا وحبيبنا وله معان أخر تقدمت ومنه الناصر وأمثاله فخرج عن كونه نصا فضلا عن أن يكون صريحا ولو سلم أنه بمعنى الأولى بالإمامة فالمراد به المآل وإلا لزم أن يكون هو الإمام مع وجوده عليه السلام فتعين أن يكون المقصود منه حين يوجد عقد البيعة له فلا ينافيه تقديم الأئمة الثلاثة عليه لانعقاد اجماع من يعتد به حتى من علي ثم سكوته عن الاحتجاج به إلى أيام خلافته قاض على أن من له أدنى مسكة بأنه علم منه أنه لا نص فيه على خلافته عقب وفاته عليه السلام مع أن عليا كرم الله وجهه صرح نفسه بأنه صلى الله عليه وسلم لم ينص عليه ولا على غيره ثم هذا الحديث مع كونه آحادا مختلف في صحته فكيف ساغ للشيعة أن يخالفوا ما اتفقوا عليه من اشتراط التواتر في أحاديث الإمامة هذا إلا تناقض صريح وتعارض قبيح رواه أحمد أي في مسنده وأقل مرتبته

(17/449)


أن يكون حسنا فلا التفات لمن قدح في ثبوت هذا الحديث وأبعد من رده بأن عليا كان باليمن لثبوت رجوعه منها وإدراكه الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم ولعل سبب قول هذا القائل أنه وهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا القول عند وصوله من المدينة إلى غدير خم ثم قول بعضهم إن زيادة اللهم وال من والاه موضوعة مردودة فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيرا منها والله أعلم وفي الرياض عن رباح بن الحارث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا السلام عليك يا مولانا فقال كيف أكون مولاكم وأنتم عرب قالوا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه قال رباح بن الحارث فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو

(17/450)


أيوب الأنصاري أخرجه أحمد وعن بريدة قال غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير فقال يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه أخرجه أحمد وعن بريدة قال خطب أبو بكر وعمر فاطمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها صغيرة وفي رواية فسكت ولعلها محمولة على مرة أخرى ثم خطبها علي فزوجها منه يوهم أنه مما يدل على أفضلية علي عليهما وليس كذلك أو يحتمل أنها كانت صغيرة عند خطبتهما ثم بعد مدة حين كبرت ودخلت في خمسة عشر خطبها علي أو المراد أنها صغيرة بالنسبة إليهما لكبر سنهما وزوجها من علي لمناسبة سنة لها أو لوحي نزل بتزويجها له ويؤيده ما في الرياض أنه قال لأبي بكر وعمر وغيرهما ممن خطبها لم ينزل القضاء بعد فارتفع الإشكال واندفع الاستدلال رواه النسائي وأخرج أبو الخير القزويني الحاكمي عن أنس بن مالك قال خطب أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة فقال صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر لم ينزل القضاء ثم خطبها عمر مع عدة من قريش كلهم يقول له مثل قوله لأبي بكر فقيل لعلي لو خطبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة عسى أن يزوجكها قال وكيف وخطبها أشراف قريش فلم يزوجها فخطبها فقال صلى الله عليه وسلم قد أمرني ربي بذلك قال أنس ثم دعاني النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام فقال لي يا أنس اخرج وادع لي أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير وبعدة من الأنصار قال فدعوتهم فلما اجتمعوا عنده صلى الله عليه وسلم وأخذوا مجالسهم وكان علي غائبا في حاجة النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المرهوب من عذابه وسطوته النافذ أمره في سمائه وأرضه الذي

(17/451)


خلق الخلق بقدرته وميزهم بأحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إن الله تبارك وتعالى اسمه وعظمته جعل المصاهرة سببا لاحقا وأمرا مفترضا او شج به الأرحام وألزمه للأنام فقال عز من قائل وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا الفرقان فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري إلى قدره ولكل قضاء قدر ولكل قدر أجل ولكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة بنت خديجة من علي بن أبي طالب ثم دعا بطبق من بسر فوضعه بين أيدينا ثم قال انهبوا فنهبنا فبينا نحن ننهب إذ دخل علي على النبي صلى الله عليه وسلم فتبسم

(17/452)


النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه ثم قال إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت بذلك فقال قد رضيت بذلك يا رسول الله قال أنس فقال النبي صلى الله عليه وسلم جمع الله شملكما وأسعد جدكما وبارك عليكما وأخرج منكما كثيرا طيبا قال أنس فو الله لقد أخرج منهما كثيرا طيبا وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بسد الأبواب أي المفتوحة في المسجد إلا باب علي ولذا قال لا يحل لأحد في هذا المسجد غيري وغيرك قيل ولا يشكل هذا الحديث بما مر في مناقب أبي بكر من أمره بسد الخوخ جميعها إلا خوخة أبي بكر لأن ذاك فيه التصريح أن أمرهم بالسد كان حال مرض موته وهذا ليس فيه ذلك فيحمل هذا على أمر متقدم على المرض وبذلك يتضح قول العلماء أن ذلك فيه إشارة إلى خلافة أبي بكر على أن ذلك الحديث أصح من هذا واشهر فإنه حديث متفق عليه وهذا كما قال المؤلف رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب أي متنا وإسنادا أو معا لكن قد أخرج أحمد والضياء عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي ففي الرياض أخرجه أحمد عن زيد بن أرقم قال كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواب شارعة في المسجد قال فقال يوما سدوا هذه الأبواب إلا باب علي قال فتكلم فيه ناس فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله واثنى عليه ثم قال أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي فقال فيه قائلكم وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته وعن ابن عمر قال لقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته وولدت له وسد الأبواب إلا بابه في المسجد وأعطاه الراية يوم خيبر أخرجه أحمد وعن عبد الله بن شريك عن عبد الله بن أرقم الكناني قال خرجنا إلى المدينة زمن الجمل فلقينا سعد بن مالك فقال أمر رسول الله صلى

(17/453)


الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي أخرجه أحمد قال السعدي عبد الله بن شريك كذاب وقال ابن حبان كان غاليا في التشيع وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس وجابر ولا يصح وإنما الصحيح ما أخرج في الصحيحين عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يبقى باب في المسجد إلا سد إلا باب أبي بكر وإن صح الحديث في علي أيضا حمل ذلك أيضا على حالين مختلفين توفيقا بين الحديثين والله أعلم
وعن علي رضي الله عنه قال كانت لي منزلة أي مرتبة قرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من الخلائق فيه مبالغة لا تخفى حيث عبر عن الصحابة بجميع الخلائق التي لا تحصى آتية بالمد استئناف بيان لتلك المنزلة أي أجيئه بأعلى سحر أي بأول أوقاته وهو السدس الأخير على ما ذكره الكشاف فأقول السلام عليك يا رسول الله أي سلام استئذان فإن تنحنح أي مع جواب بالسلام أو بدونه بناء على أن سلام الاستئذان هل له جواب واجب أولا انصرفت إلى أهلي أي رجعت إلى أهل بيتي عالما بأن هناك مانعا شرعيا أو عرفيا وإلا أي وإن لم يتنحنح دخلت عليه أي وتشرفت بالحضور لديه ومطالعة النظر إليه رواه النسائي وعنه أي عن علي قال كنت شاكيا أي مريضا فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ذاهبا أوعائدا وأنا أقول اللهم إن كان أجلي أي انتهاء عمري قد حضر أي وقته فأرحني أي بالموت من الإراحة وهي إعطاء الراحة بنوع إزاحة للبلية وإن كان أي أجلي متأخرا فارفغني بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة أي وسع لي في المعيشة بإعطاء الصحة فإن عافيتك أوسع وفي نسخة صحيحة بالعين المهملة ويؤيد الأول ما في النهاية في حديث علي ارفغ لكم المعاش أي أوسع وعيش رافغ أي واسع ذكره الطيبي وهو مشعر بأن أرفغني من باب الأفعال والله أعلم بالحال وفي القاموس الرفغ السعة والخصب وزاد في الصحاح يقال رفغ عيشه رفاغه أي اتسع فهو عيش رافغ ورفيغ أ ي واسع طيب وترفغ الرجل توسع في رفاغته

(17/454)


من العيش قال ميرك والظاهر أن رفغ لازم فقول الطيبي في الحديث أي وسع لي عيشي لا يخلو عن تأويل قلت يعني به الحذف والإيصال ثم قال والذي صحح في اصل سماعنا فأرفعني بالعين المهملة من الرفع ومعناه ظاهر وهو الأنسب بالمقام كما لا يخفى على المتأمل قلت إذا وقع حق التأمل في المقام يظهر أنه غير ملائم للمرام لأن الرفع المتعدي بمعنى القبض ومنه قوله تعالى ورافعك إلي نعم إن صحت الرواية فيقال التقدير فارفع أي المرض عني وإن كان عطف على أن كان الأول فتأمل والمعنى وإن كان المرض بلاء أي مما قدرت له قضاء فصبرني بتشديد الموحدة المكسورة أي أعطني

(17/455)


الصبر عليه ولا تجعلني من أهلا الجزع لديه وفيه إيماء إلى قوله تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله النحل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت فأعاد أي علي عليه ما قال أي أولا فضر به برجله أي ليتنبه عن غفلة أمره وينتهي عن شكاية حاله وتتصل إليه بركة قدمه وليحصل له كمال متابعته في أثره وقال اللهم عافه بهاء الضمير وفي نسخة بهاء السكت وكذا في قوله أو اشفه شك الراوي هذا كلام أحد الرواة المتأخرة وفيه تنبيه نبيه على أن عليا ونحوه ينبغي أن يقول في مرضه اللهم عافني أو اشفني من غير تردد فإن الله تعالى لا مستكره له قال أي علي فما اشتكيت وجعي أي هذاك بعد أي بعد دعائه صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح قال المؤلف هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب القرشي يكنى أبا الحسن وأبا تراب وهو أول من أسلم من الذكور في أكثر الأقوال وقد اختلف في سنه يومئذ فقيل كان له خمس عشرة سنة وقيل ثمان سنين وقيل عشر سنين شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها غير تبوك فإنه خلفه في أهله وفيها قال له ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى كان آدم شديد الأدمة عظيم العينين أقرب إلى القصر من الطول ذا بطن كثير الشعر عريض اللحية أصلع أي الرأس واللحية استخلف يوم قتل عثمان وهو يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي بالكوفة صبيحة الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربعين ومات بعد ثلاث ليال من ضربته وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن ودفن سحرا وله من العمر ثلاث وستون سنة وقيل خمس وستون وقيل سبعون وقيل ثمان وخمسون وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأياما روى عنه بنوه الحسن والحسين ومحمد وخلائق من الصحابة والتابعين اه ولا يخفى أنه كان مقتضى ما سبق من ترتيب الأبواب أن يذكر هنا بابا في مناقب هؤلاء الأربعة ولعله اكتفى بما يذكرون في ضمن العشرة المبشرة وسيأتي في حديث علي في حق الأربعة بخصوصهم في أواخر الفصل الثاني

(17/456)


باب مناقب العشرة المبشرة رضي الله عنهم
أراد بذكرهم أعم من أن يكونوا مجتمعين في حديث واحد أو متفرقين في أحاديث وفيه إيماء إلى أن أفضل الصحابة بعد الخلفاء الأربعة بقية العشرة على ما صرح به السيوطي في النقاية

$الفصل الأول
عن عمر رضي الله عنه أي موقوفا قال أي قرب موته يوم الشورى ما أحد أحق بهذا الأمر أي أمر الخلافة من هؤلاء النفر وهو من ثلاثة إلى عشرة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض أي في كمال الرضا بحيث إنه كان معلوما لكل أحد بلا شبهة أو المراد بالرضا الرضا المخصوص وهو الذي يستحقون به الخلافة قال الطيبي علل الأحقية بقوله ورسول الله عنهم راض والحال أنه صلى الله عليه وسلم كان راضيا عن الصحابة كلهم فيحمل رضاه عنهم على الزيادة لكونهم من العشرة المبشرة بالجنة وكلهم من قريش والأئمة منهم فسمي عليا أي فعده وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن أي فهم أفضل الناس في ذلك الزمان فلما دفن عمر أجمعوا على خلافة عثمان وسيأتي ترجمة الأربعة عند ذكر كل منهم منفردا إن شاء الله تعالى ثم أعلم أن اقتصار عمر على الستة من العشرة لا إشكال فيه لأنه منهم وكذلك أبو بكر ومنهم أبو عبيدة وقد مات قبل ذلك وأما سعيد بن زيد فهو ابن عم عمر فلم يسمه عمر فيهم مبالغة في التبري وقد صح من رواية المدائني بأسانيده أن عمر عد سعيد بن زيد فيمن مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض إلا أنه استثناه من أهل الشورى لقرابته منه رواه البخاري وفي الرياض عن عمرو بن ميمون أنهم قالوا لعمر بن الخطاب لما طعنه أبو لؤلؤة أوص يا أمير المؤمنين واستخلف قال ما أرى أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فسمي عليا وطلحة وعثمان والزبير وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص قال ويشهد عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصاب الأمر سعدا فهو ذاك وإلا

(17/458)


فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة فلما توفي وفرغ من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن وقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان فخلا هؤلاء الثلاثة علي وعثمان وعبد الرحمن فقال عبد الرحمن للآخرين أيكما يتبرأ من هذا الأمر ويجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن إلى أفضلهم في نفسه وليحرصن على صلاح الأمة قال فأسكت الشيخان علي وعثمان فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو على أفضلكم

(17/459)


قالا نعم فأخذ بيد علي فقال إن لك من القدم والإسلام والقرابة ما قد علمت الله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بعثمان فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال لعثمان ارفع يدك فبايعه ثم بايعه علي ثم ولج أهل الدار فبايعوه أخرجه البخاري وأبو حاتم وفي رواية ذكرها ابن الجوزي في كتاب منهاج أهل الإصابة في محبة الصحابة أن عبد الرحمن لما قال لعلي وعثمان أفتجعلونه إلي قالا نعم قال لعلي أبايعك على سيرة أبي بكر وعمر فقال علي واجتهاد رأيي فخاف أن يترخص من المباح مالا يحتمله من ألف ذلك التشدد من سيرة الشيخين فقال لعثمان أبايعك على سيرة ابي بكر وعمر فقال نعم فبايعه فسار سيرة أبي بكر وعمر مدة ثم ترخص في مباحات ولم يتحملوها حتى أنكروا عليه وأخرج أبو الخير القزويني الحاكمي عن أسامة بن زيد عن رجل منهم إنه كان يعني عبد الرحمن بن عوف كلما دعا رجلا منهم يعني من أهل الشورى تلك الليلة وذكر مناقبه وقال إنك لها أهل فإن أخطأتك فمن يقول إن أخطأتني فعثمان أه والحكمة الخفيفة في ترتيب الأربعة ما قاله بعض العارفين من أنه أراد الله أن يتشرف كل منهم بمنصب الخلافة وكان أمر الله قدرا مقدورا وكان ذلك في الكتاب مسطورا وقد أجاب محمد بن جرير الطبري لما قيل له أن العباس مع جلالته وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزلته لم لم يدخله في الشورى فقال إنها لما جعلها في أهل السبق من المهاجرين البدريين والعباس لم يكن مهاجرا ولا سابقا ولا بدريا وسيأتي أن عثمان وطلحة وسعيدا في حكم أهل بدر حيث أعطي لهم من سهمها وأجرها ثم اعلم أن الإمامة تثبت إما بعقدها من أهل العقد والحل لمن عقدت له من المفضول مع وجود من هو أفضل منه بإجماع العلماء بعد الخلفاء الراشدين على إمامة بعض من قريش مع وجود أفضل منه منهم ولأن عمر جعل الخلافة بين ستة منهم عثمان وعلي وهما أفضل زمانهما بعد عمر فلو تعين الأفضل لعين عمر عثمان أو

(17/460)


عليا فدل عدم تعينه أنه يجوز نصب غيرهما مع وجودهما إذ غير الأفضل قد يكون أقدر منه على القيام بمصالح الدين وأعرف بتدبير الملك وأوفق لانتظام حال الرعية وأوثق في اندفاع الفتنة وأما اشتراط العصمة في الإمام وكونه هاشميا وظهور معجزة على يديه يعلم بها صدقه فمن خرافات الشيعة وجهالاتهم وتوطئة وتمهيد لهم على ضلالالتهم من بطلان خلافة غير علي مع انتفاء ذلك في علي كرم الله وجهه وعن قيس بن أبي حازم قال المؤلف بجلي أدرك زمن الجاهلية وأسلم وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه فوجده قد توفي يعد في تابعي الكوفة روى عن العشرة إلا عن عبد

(17/461)


الرحمن بن عوف وعن جماعة كثيرة سواهم من الصحابة وليس في التابعين من روى عن تسعة من العشرة إلا هو وروى عنه جماعة كثيرة من التابعين شهد النهروان مع علي بن أبي طالب وطال عمره حتى جاوز المائة ومات سنة ثمان وتسعين قال رأيت يد طلحة شلاء بتشديد اللام فعلاء من الشلل وهو نقص في الكف وبطلان العمل وليس معناه القطع كما زعم بعضهم وقى استئناف بيان علة بها أي حفظ بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد أي جعل يده وقاية له يومئذ فحصل لها ما حصل بسببه من طعنة وقعت عليها رواه البخاري قال المؤلف هو طلحة بن عبيد الله يكنى أبا محمد القرشي أسلم قديما وشهد المشاهد كلها غير بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعثه مع سعيد بن زيد يتعرفان خبر العير التي كانت لقريش مع أبي سفيان بن حرب فعادا يوم اللقاء ببدر وجرح يوم أحد أربعة وعشرين جراحة قيل كانت فيه خمس وسبعون بين طعنة وضربة ورمية وكان آدم كثير الشعر حسن الوجه قتل في وقعة يوم الجمل يوم الخميس لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة وله أربع وستون سنة وعن جابر قال قال النبي وفي نسخة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأتيني بإثبات الياء التي هي لام الفعل فإن من هنا موصولة وفي نسخة صحيحة بحذفها تخفيفا أو على أن من شرطية محذوفة الجواب والمعنى من يجيئني بخير القوم أي قوم الكفار يوم الأحزاب وهو يوم الخندق قال الزبير أنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن لكل نبي حواريا بتشديد الياء ويجوز تخفيفها أي ناصرا مخلصا وحواري بتشديد الياء المفتوحة وفي نسخة بكسرها وفي نسخة وحواريي الزبير وفي شرح مسلم قال القاضي عياض ضبط جماعة من المحققين بفتح الياء المشددة وضبط أكثرهم بكسرها اه ولا يخفى أن الأخير يحتمل أن يكون بعد الياء المشددة ياء الإضافة مفتوحة على وفق القراءة المتواترة في قوله تعالى إن وليي الله الذي نزل الكتاب الأعراف ويحتمل أن يكون ياء الإضافة ساكنة

(17/462)


تحذف وصلا وتثبت وقفا ويحتمل أن يكون بالياء المشددة المكسورة فقط كما روي عن السوسي في أن ولي الله بكسر الياء المشددة ثم لا يخفى أنه على تقدير الياء المشددة المفتوحة أو المكسورة بلا ياء الإضافة ينبغي أن يكون مرسوما بياء واحدة كما وجدناه في بعض النسخ المصححة ومنها نسخة الجزري وهو الظاهر من نقل النووي والموافق للرسم القرآني ثم توجيهه المشددة بلا ياء
بعدها هو أنه جاء الحواري بتخفيف الياء وقد قرىء قال الحواريون بالتخفيف شاذا فالثانية ياء إضافة وهي قد تكون مفتوحة وقد تكون ساكنة وتكسر لالتقاء الساكنين هذا وفي شرح السنة المراد منه الناصر وحواري عيسى عليه السلام أنصاره سموا به لأنهم كانوا يغسلون الثياب فيحورونها أي يبيضونها قال المؤلف هو الزبير بن العوام أبو عبد الله القرشي وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم أسلم قديما وهو ابن ست عشرة سنة فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام فلم يفعل وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو أول من سل السيف في سبيل الله وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد كان أبيض طويلا يميل إلى الخفة في اللحم قتله عمرو بن جرموز بسفوان بفتح السين والفاء من أرض البصرة سنة ست وثلاثين وله أربع وستون سنة ودفن بوادي السباع ثم حول إلى البصرة وقبره مشهور بها وروى عنه ابناه عبد الله وعروة وغيرهما متفق عليه وفي الجامع إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير رواه البخاري والترمذي عن جابر والترم ي والحاكم عن علي وفي الرياض عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير أخرجه البخاري والترمذي والحاكم بزيادة ولفظه ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكل نبي حواري وحواري الزبير وأخرجه الترمذي عن علي وقال حسن صحيح وأخرجه أحمد عن عبد

(17/463)


الله بن الزبير بزيادة ولفظه لكل نبي حواري والزبير حواري وابن عمتي وعن الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأتي بني قريظة أي من يذهب إليهم وهم طائفة من اليهود من سكان حوالي المدينة فيأتيني بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه أي في الفداء فقال فداك أبي وأمي بفتح الفاء وقد يكسر وفي هذه التفدية تعظيم لقدره واعتداد بعمله واعتبار بأمره وذلك لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيبذل نفسه أو أعز أهله له وقال صاحب النهاية في الحديث فاغفر فداء لك ما اقتفينا إطلاق هذا اللفظ مع الله تعالى محمول على المجاز والاستعارة لأنه إنما يفدي من المكاره من يلحقه فيكون المراد بالفداء التعظيم متفق عليه وأخرجه الترمذي وقال حديث

(17/464)


حسن وهذا القول لمن ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب لغيره وأخرج أحمد عنه قال جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أحد والمشهور في ذلك اليوم أنه كان لسعد ويحتمل أن يكون جمعهما لهما أو اشتهر في سعد لكثرة ترديد القول له بذلك وقد روي عنه أنه قال جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه مرتين في أحد وفي قريظة وعن عروة قال أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحة الجمل فقال يا بني ما من عضو إلا وقد جرح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى ذلك إلى الوجه أخرجه الترمذي وقال حسن غريب وعن عبد الله بن الزبير قال قلت للزبير ما يمنعك أن تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث عنه أصحابه قال أما والله لم أفارقه منذ أسلمت ولكني سمعته يقول من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار أخرجه البخاري وعن علي رضي الله عنه قال ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه أي في الفداء لأحد أي من الصحابة إلا لسعد بن مالك فإني سمعته يقول يوم أحد يا سعد أرم فداك أبي وأمي قيل الجمع بينه وبين خبر الزبير أن عليا لم يطلع على ذلك أو أراد بذلك تقييده بيوم أحد أه والظاهر الإطلاق المقيد بنفي السماع بلا واسطة وهو لا ينافي أنه اطلع على تفدية الزبير بواسطة الغير قال المؤلف سعد بن أبي وقاص يكنى أبا إسحاق واسم أبي وقاص مالك بن وهيب الزهري القرشي اسلم قديما وهو ابن سبع عشرة سنة وقال كنت ثالث الإسلام وأنا أول من رمى بسهم في سبيل الله شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مجاب الدعوة مشهورا بذلك تخاف دعوته وترجى لاشتهار إجابتها عندهم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه اللهم سدد سهمه وأجب دعوته وجمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم وللزبير أبويه فقال لكل واحد منهما فداك أبي وأمي ولم يقل ذلك لأحد غيرهما وكان آدم شديد أشعر الجسد مات في قصره بالعقيق قريبا من المدينة

(17/465)


فحمل على رقاب الرجال إلى المدينة وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين وله بضع وسبعون سنة وهو آخر العشرة موتا ولاه عمر وعثمان الكوفة روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين متفق عليه
وعن سعد بن أبي وقاص قال إني لأول العرب التعريف فيه للجنس وقوله رمى بسهم في سبيل الله صفة له فهو كقوله ولقد أمر على اللئيم يسبني ذكره الطيبي وخلاصته إن رمى صفة أول عربي رمى واللام في العرب للجنس المحمول على العهد الذهني متفق عليه وتمامه على ما في الرياض ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر حتى أن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط أخرجه الشيخان وعن عامر بن سعد قال بينا سعد في إبله فجاء ابنه عمر فلما رآه سعد قال أعوذ بالله من شر الراكب فقال له نزلت في إبلك وتركت بنيك يتنازعون الملك بينهم فضرب سعد صدره وقال اسكت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي أخرجه مسلم قال ابن قتيبة كان آخر العشرة موتا وقال الفضائلي بل كان آخر المهاجرين وفاة وعن عائشة قالت سهر كفرح أي لم ينم وفي رواية أرق رسول الله مقدمه أي وقت قدومه المدينة ليلة وفي رواية ذات ليلة قال الطيبي قوله مقدمه مصدر ميمي ليس بظرف لعمله في المدينة ونصبه على الظرفية على تقدير مضاف وهو الوقت أو الزمان وليلة بدل البعض من المقدر أي سهر ليلة من الليالي وقت قدومه المدينة من بعض الغزوات فقال ليت رجلا صالحا وفي رواية من أصحابي يحرسني بضم الراء وفي رواية الليلة أي يحفظني بقية الليلة لأنام مستريح الخاطر مطمئن القلب إذ سمعنا وفي رواية فسمعنا صوت سلاح بكسر أوله وفي رواية خشخشة السلاح فقال من هذا قال أنا سعد قال ما جاء بك قال وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت

(17/466)


أحرسه وفي رواية أحرسك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام وفي رواية حتى سمعنا غطيطه متفق عليه وفي الرياض أخرجه مسلم والترمذي وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أمة وفي رواية إن لكل أمة أمين أي ثقة ومعتمد ومرضي وأمين هذه الأمة وفي رواية وإن أمين أيتها الأمة أبو عبيدة ابن الجراح بتشديد الراء وإنما خصه بالأمانة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة لغلبتها فيه بالنسبة إليهم وقيل لكونها غالبة بالنسبة إلى سائر صفاته وأخرج أبو حذيفة في فتوح الشام أن أبا بكر لما توفي وخالد على الشام واليا واستخلف عمر كتب إلى أبي عبيدة بالولاية على الجماعة وعزل خالدا فكتم أبو عبيدة الكتاب من خالد وغيره حتى انقضت الحرب وكتب خالد الأمان لأهل دمشق وأبو عبيدة الأمير وهم لا يدرون ثم لما علم خالد بذلك بعد مضي نحو من عشرين ليلة دخل على أبي عبيدة وقال يغفر الله لك جاءك كتاب أمير المؤمنين بالولاية فلم تعلمني وتصلي خلفي والسلطان سلطانك فقال له أبو عبيدة ويغفر الله لك ما كنت لأعلمك حتى تعلمه من غيري وما كنت لأكسر عليك حربك حتى ينقضي ذلك كله وقد كنت أعلمك إن شاء الله تعالى وما سلطان الدنيا أريد ولا للدنيا أعمل وإن ما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع وإنما نحن إخوان وقوام بأمر الله عز وجل وما يضر الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه ولا دنياه بل يعلم أن الوالي يكاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة وأوقعهما في الحطة لما تعرض من الهلكة إلا من عصم الله عز وجل وقليل ما هم فدفع أبو عبيدة عند ذلك الكتاب إلى خالد وتوفي رضي الله عنه بالأردن بضم الهمزة وتشديد النون كورة بأعلى الشام سنة ثمان عشرة في خلافه عمر وهو ابن ثمان وخمسين متفق عليه وروى أحمد عن عمر مرفوعا إن لكل نبي أمينا وأميني أبو عبيدة بن الجراح وعن حذيفة جاء السيد والعاقب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله ابعث معنا أمينك فقال سأبعث معكم

(17/467)


أمينا حق أمين فتشرفت لها الناس فبعث أبا عبيدة أخرجه الشيخان وعن أبي مسعود قال لما جاء
العاقب والسيد صاحبا نجران أراد أن يلاعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما لصاحبه لا تلاعنه فو الله لئن كان نبيا ولا عناه لا نفلح نحن ولا عقبنا أبدا قال فأتياه فقالا لا نلاعنك ولكنا نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سأبعث رجلا أمينا حق أمين قال فاستشرف لها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال قم يا أبا عبيدة بن الجراح فلما قفي قال هذا أمين هذه الأمة أخرجه أحمد وأخرجه الترمذي وقال فبعث أبا عبيدة مكان قم يا أبا عبيدة ولم يذكر ما بعده ومن كلامه بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحادثات والأرب مبيض لثيابه مدنس لدينه والأرب مكرم لنفسه وهو لها مهين قال المؤلف هو عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري القرشي اسلم مع عثمان بن مظعون وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم وثبت معه يوم أحد ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد من حلق المغفر فوقعت ثنيتاه كان طوالا معروق الوجه خفيف اللحية مات في طاعون عمواس بفتح العين بالأردن سنة ثمان عشرة ودفن ببنيان وصلى عليه معاذ بن جبل وهو ابن ثمان وخمسين سنة يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في فهر بن مالك روى عنه جماعة من الصحابة وعن ابن أبي مليكة بالتصغير قال المؤلف هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله التميمي القرشي الأحول من مشاهير التابعين وعلمائهم وكان قاضيا على عهد عبد الله بن الزبير سمع ابن عباس وابن الزبير وعائشة روى عنه ابن جريج وخلق كثير سواه مات سنة سبع عشرة ومائة قال سمعت عائشة وسئلت أي والحال أنها سئلت من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفا أي جاعلا خليفة له لو استخلفه أي صريحا على الفرض قالت أبو بكر فقيل ثم

(17/468)


من بفتح الميم أي الذي بعد أبي بكر قالت عمر قيل من بعد عمر قالت أبو عبيدة بن الجراح ففيه أن اعتقاد عائشة على أن أبا عبيدة كان أولى بالخلافة بعد الشيخين من بقية أصحاب الشورى رواه مسلم وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء بكسر الحاء منصرفا وقد لا
ينصرف هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله وفي نسخة النبي صلى الله عليه وسلم اهدأ بفتح الدال وسكون الهمز أي اسكن فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد يريد به الجنس لأن المذكور في الحديث بعد الصديق كلهم شهداء ثم أو للتنويع أو بمعنى الواو وقال النووي في الحديث معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم لإخباره أن هؤلاء شهداء فقتل عمر وعثمان وعلي مشهور وقتل الزبير بوادي السباع بقرب البصرة منصرفا تاركا للقتال وكذلك طلحة اعتزل الناس تاركا للقتال فأصابه سهم فقتله وقد ثبت أن من قتل ظلما فهو شهيد وفيه بيان فضيلة هؤلاء وفيه إثبات التمييز في الحجارة وجواز التزكية اه وأغرب السيد جمال الدين حيث قال في كون من أصابه سهم مقتولا ظلما تأمل وزاد بعضهم أي في الحديث قوله وسعد بن أبي وقاص ولم يذكر أي ذلك البعض عليا فقوله زاد فيه مسامحة إذ فيه معاوضة ومبادلة ثم إن سعدا مات في قصره بالعقيق فتوجيه هذه الرواية أن يكون بالتغليب أو كما قال السيد جمال الدين إنه ينبغي أن يقال كان موته بمرض من الأمراض التي تورث حكم الشهادة اه ومع هذا فيه نوع تغليب كما لا يخفى رواه مسلم وعن عبد الله بن سالم عن سعيد بن زيد قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء فتحرك فقال اثبت حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد قيل من هم يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن مالك وعبد الرحمن بن عوف قال قيل فمن العاشر قال أنا أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وفي الرياض أنه مات بالمدينة على

(17/469)


فراشه فوجه شهادته أنه شهيد حكمي كسعد وعبد الرحمن حيث ماتا على فراشهما أيضا أو دخلوا في صفة الصديقية ولا بعد فيه فإنه قال تعالى والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ( الحديد )
$الفصل الثاني
عن عبد الرحمن بن عوف قال المؤلف يكنى أبا محمد الزهري القرشي أسلم قديما على يد أبي بكر الصديق وهاجر إلى الحشبة الهجرتين وشهد المشاهد كلها مع
النبي الله وثبت يوم أحد وصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلفه في غزوة تبوك وأتم ما فاته كان طويلا رقيق البشرة أبيض مشربا بالحمرة ضخم الكفين أقنى أصيب يوم أحد عشرين جراحة أو أكثر فأصابه بعضها في رجله فعرج ولد بعد الفيل بعشر سنين ومات سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع وله اثنتان وسبعون سنة روى عنه ابن عباس وغيره وفي الرياض كان اسمه في الجاهلية قيل عبد الكعبة فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن ووصفه بأنه الصادق البار ذكره الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة الظاهر أن هذا الترتيب هو المذكور على لسانه صلى الله عليه وسلم كما يشعر إليه ذكر اسم الراوي بين الأسماء وإلا كان مقتضى التواضع أن يذكره في آخرهم فينبغي أن يعتمد عليه في ترتيب البقية من العشرة رواه الترمذي أي عن عبد الرحمن رواه ابن ماجه وكذا أحمد والضياء والدار قطني عن سعيد بن زيد قال المؤلف يكنى سعيد بن زيد أبا الأعور العدوي أسلم قديما وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم غير بدر فإنه كان مع طلحة يطلبان خبر عبر قريش وضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم وكانت فاطمة أخت عمر تحته وبسببها كان إسلام عمر كان آدم طويلا أشعر مات بالعقيق فحمل إلى المدينة ودفن بالبقيع سنة

(17/470)


إحدى وخمسين وله بضع وسبعون سنة روى عنه جماعة اه ولم يذكر المؤلف حديثا يدل على مناقبه منفردا اكتفاء بما سبق عنه في باب الكرامات وفي الرياض عن عمر بن الخطاب ابن عم أبيه كان أبوه زيد يطلب دين الحنيفية دين إبراهيم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يذبح للأنصاب ولا يأكل الميتة ولا الذم وخرج يطلب الدين هو وورقة بن نوفل فتنصر ورقة وأبى هو التنصر فقال له الراهب إنك تطلب دينا ما هو على وجه الأرض اليوم قال وما هو قال دين إبراهيم كان يعبد الله لا يشرك به شيئا ويصلي إلى الكعبة وكان زيد على ذلك حتى مات وعن سعيد بن زيد قال خرج ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو يطلبان الدين حتى مرا بالشام فأما ورقة فتنصر وأما زيد فقيل له إن الذي تطلب أمامك قال فانطلق حتى أتى الموصل فإذا هو براهب قال ما تطلب قال الدين فعرض عليه النصرانية فقال لا حاجة لي فيها وأبي أن يقبلها فقال إن الذي تطلب سيظهر بأرضك فأقبل وهو يقول لبيك حقا حقا تعبدا ورقا مهما يجشمني أي يحملني ويكلفني فإني جاشم عذت بما عاذ به إبراهيم قال ومر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو سفيان بن الحرث يأكلان من سفرة لهما فدعواه

(17/471)


إلى الغداء فقال يا ابن أخي إني لا آكل مما ذبح على النصب قال فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك يأكل مما ذبح على النصب حتى بعث صلى الله عليه وسلم قال فأتاه سعيد بن زيد فقال إن زيدا كان كما قد رأيت وبلغك أستغفر له فقال نعم فاستغفر له وقال إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده أخرجه ابن عمر وعن أسماء قالت رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري وكان يحي المؤودة ويقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته لا تقتلها وأنا أكفيك مؤونتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها أخرجه البخاري وعن أبي سعيد عن أبيه قال في قوله تعالى والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها الزمر نزلت في ثلاثة نفر كانوا يوحدون الله عز وجل زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي أخرجه الواحدي وأبو الفرج في أسباب النزول وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أرحم أمتي أي أكثرهم رحمة بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله أي أقواهم في دين الله كما في رواية عمر وأصدقهم حياء عثمان وأفرضهم أي أكثرهم علما بالفرائض زيد بن ثابت أي الأنصاري كاتب النبي صلى الله عليه وسلم وكان حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم له إحدى عشرة سنة وكان أحد فقهاء الصحابة الأجلة القائم بالفرائض وهو أحد من جمع القرآن وكتبه في خلافة أبي بكر ونقله من المصحف في زمن عثمان روى عنه خلق كثير مات بالمدينة سنة خمس وأربعين وله ست وخمسون سنة وأقرؤهم أي أعلمهم بقراءة القرآن أبي بن كعب أي الأنصاري الخزرجي كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكناه أبا المنذر وعمر أبا الطفيل وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنصار وعمر سيد المؤمنين مات بالمدينة سنة تسع عشرة روى عنه خلق

(17/472)


كثير وأعلمهم بالحلال والحرام وفي نسخة بالحرام والحلال معاذ بن جبل يكنى أبا عبد الله الأنصاري الخزرجي وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد وبعثه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا ومعلما روى عنه عمر وابن عمر وابن عباس وخلق سواهم وأسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة في قول بعضهم واستعمله عمر على الشام بعد أبي عبيدة بن الجراح فمات في عامه ذاك من طاعون عمواس سنة ثمان عشرة وله ثمان وثلاثون سنة وقيل غير ذلك ولكل أمة أمين أي مبالغ في الأمانة وأمين هذه الأمة أبو

(17/473)


عبيدة بن الجراح ومما يدل على كما زهده ما ذكره في الرياض عن عروة بن الزبير قال لما قدم عمر بن الخطاب من الشام تلقاه أمراء الأجناد وعظماء الأرض فقال عمر أين أخي قالوا من قال أبو عبيدة قالوا يأتيك الآن فلما أتاه نزل فأعتقه ثم دخل عليه بيته فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله فقال عمر ألا اتخذت ما اتخذ أصحابك فقال يا أمير المؤمنين هذا يبلغني المقيل أخرجه صاحب الصفوة والفضائلي وزاد بعد قوله ويأتيك الآن فجاء على ناقة مخطومة بحبل وفي رواية أن عمر قال له اذهب بنا إلى منزلك قال فدخل منزله فلم ير شيئا قال أين متاعك ما أرى إلا لبدا وصحفة وسيفا وأنت أمير أعندك طعام فقام أبو عبيدة إلى جزنة فأخذ منها كسرات فبكى عمر وقال غرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وروي بصيغة المجهول أي الحديث عن عمر عن قتادة مرسلا أي بحذف الصحابي وفيه أي في هذا المروي وأقضاهم علي أي أعلمهم بأحكام الشرع قاله شارح والأظهر أن معناه أعلم بأحكام الخصومة المحتاجة إلى القضاء قال النووي في فتاويه قوله أقضاكم علي لا يقتضي أنه أقضى من أبي بكر وعمر لأنه لم يثبت كونهما من المخاطبين وإن ثبت فلا يلزم من كون واحد أقضى من جماعة كونه أقضى من كل واحد يعني لاحتمال التساوي مع بعضهم ولا يلزم من كون واحد أقضى أن يكون أعلم من غيره ولا يلزم من كونه أعلم كونه أفضل يعني لا يلزم من كونه أكثر فضيلة كونه أكثر مثوبة كذا في الأزهار وفيه بحث لأن المدار عندنا على الظاهر إذ لا نطلع نحن على السرائر وقد قال صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وأما حديث ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه فقد ذكره الغزالي بلفظ ما فضل أبو بكر الناس بكثرة صلاة ولا بكثرة صوم وقال العراقي لم أجده مرفوعا وهو عند الحكيم الترمذي من قول بكر بن عبد الله المزني نعم لو لوحظ اعتبار الأسبقية في

(17/474)


أكثرية الثواب الأخروية مع المشاركة في سائر الأبواب لكان له وجه وجيه إلى صوب الصواب فقد قالوا المعتبر في السبق هو إيمان أبي بكر وإن شاركه علي وخديجة وزيد إذ إيمان الصغير والمرأة والمولى لا سيما وهم من الأتباع ليس له شأن عند الأعداء ولهذا قوي الإيمان بحمزة وعز بإسلام عمر كما قال عز وجل فعززنا بثالث ه يس والحاصل أن الأحاديث متعارضة والأدلة متناقضة فالعبرة بما اتفق عليه جمهور الصحابة وبما أجمع عليه أئمة أهل السنة ومع هذا فالمسألة ظنية لا يقينية خلافا لمن خالف وقد صرح شيخ الشيوخ شهاب الدين السهروردي حيث قال في علم

(17/475)


الهدي فإن قبلت النصح فأمسك عن التصرف في أمرهم واجعل محبتك للكل على السواء من غير أن ترجح محبة أحدهم على الآخر وأمسك عن التفضيل والغلو وإن خامر باطنك فضل أحدهم على الآخر فاجعل ذلك من جملة أسرارك فلا يلزمك إظهاره ولا يلزمك أن تحب أحدهم أكثر من الآخر أو تعتقد فضله أكثر من الآخر بل يلزمك محبة الجميع والاعتراف بفضل الجميع ويكفيك في العقيدة السليمة أن تعتقد صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ثم تعلم أن عليا ومعاوية كانا على القتال والخصام وكان الطائفتان يسب بعضهم بعضا وما حكم أحد منهم بكفر الآخرين وإنما كانت ذنوبا لهم فلا تكفر أحدا بما ترى منه من الجهل والسب واعتقد أن أمير المؤمنين عليا اجتهد في الخلافة وأصاب في الاجتهاد وكان أحق الناس بالخلافة إذ ذاك وأن معاوية اجتهد في ذلك وأخطأ في الاجتهاد ولم يكن مستحقا لها مع علي رضي الله عنه والله تعالى ينفعنا بمحبتهم ويحشرنا في زمرتهم وعن الزبير قال كان على النبي صلى الله عليه وسلم درعان يوم أحد أي مبالغة في امتثال قوله تعالى خذوا حذركم النساء وقوله وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الأنفال فإنها تشمل الدرع وإن فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بأقوى أفرادها حيث قال ألا إن القوة الرمي فنهض أي فقام منتبها أو متوجها إلى الصخرة أي التي كانت هناك ليستوي عليها وينظر إلى الكفار ويشرف على الأبرار ويظهر للفرار والكرار وفي رواية فذهب لينهض على صخرة فلم يستطع أي لثقل درعيه فقعد طلحة تحته أي وجعل نفسه تحته وبهذا رفع قدره وفي رواية فبرك طلحة تحته حتى استوى أي النبي وفي رواية فصعد على الصخرة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أوجب طلحة أي الجنة كما في رواية والمعنى أنه أثبتها لنفسه بعمله هذا أو بما فعل في ذلك اليوم فإنه خاطر بنفسه يوم أحد وفدى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها وقاية له حتى طعن ببدنه وجرح جميع جسده حتى شلت يده وجرح ببضع وثمانين

(17/476)


جراحة رواه الترمذي وكذا أحمد وقال الترمذي حسن صحيح وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فكسر رباعيته اليمنى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته وأن ابن قميئة جرح وجنته فدخل حلقتان من حلق الدرع في وجنته ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون فأخذ علي بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما ومص مالك بن سنان أبو سعيد الخدري الدم من وجه رسول

(17/477)


الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم من مس دمه دمي لم تمسه النار أخرجه ابن إسحاق وعن جابر قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طلحة بن عبيد الله قال استئناف أو حال من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضى نحبه أي نذره والمراد به الموت أي مات وإن كان حيا فلينظر إلى هذا قال السيوطي في مختصر النهاية النحب النذر كأنه ألزم نفسه أن يصدق أعداء الله في الحرب فوفى به وقيل الموت كأنه ألزم نفسه أن تقاتل حتى تموت وقال التوربشتي النذر والنحب المدة والوقت ومنه يقال قضى فلان نحبه إذا مات وعلى المعنيين يحمل قوله سبحانه فمنهم من قضى نحبه الأحزاب فعلى النذر أي نذره فيما عاهد الله عليه من الصق في مواطن القتال والنصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الموت أي مات في سبيل الله وذلك أنهم عاهدوا الله أن يبذلوا نفوسهم في سبيله فأخبر أن طلحة ممن وفى بنفسه أو ممن ذاق الموت في سبيله وإن كان حيا ويدل عليه قوله وفي رواية من سره أي أحبه وأعجبه وأفرحه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله وكان طلحة قد جعل نفسه يوم أحد وقاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول عقرت يومئذ في سائر جسدي حتى عقرت في ذكري وكانت الصحابة رضي الله عنهم إذا ذكروا يوم أحد قالوا ذاك يوم كان كله لطلحة وأقول الرواية الثانية يحتمل أن تكون إيماء إلى حصول الشهادة في مآله الدالة على حسن خاتمته وكماله وفي شرح الطيبي قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي إن هذا ليس على سبيل المجاز مغيابه التعبير بالحال عن المآل بل هو ظاهر في معناه جلي من حيث فحواه إذ الموت عبارة عن الغيبوبة عن عالم الشهادة وقد كان هذا حاله من الانجذاب بكليته إلى عالم الملكوت وهذا إنما يثبت بعد إحكام المقدمات من كمال التقوى والزهد في الدنيا والخروج من الارتهان بنظر الخلق وامتطاء صهوة الإخلاص وكمال الشغل بالله عز وجل

(17/478)


بتناوب أعمال القلب والقالب وصدق العزيمة في العزلة واغتنام الوحدة والفرار عن مساكنة الإنس بالجلساء والإخوان رواه الترمذي ووافقه الحاكم في الرواية الثانية بلفظ من أحب بدل من سره وروى ابن ماجه عن جابر وابن عساكر عن أبي هريرة وأبي سعيد طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض
وروى الترمذي وابن ماجه عن معاوية وابن عساكر عن عائشة طلحة ممن قضى نحبه وفي الرياض عن موسى بن طلحة قال دخلت على معاوية فقال ألا أبشرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول طلحة ممن قضى نحبه أخرجه الترمذي وقال غريب وعن طلحة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل سله عمن قضى نحبه من هو وكانوا لا يجترؤون على مساءلته يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم قال أين السائل عمن قضى نحبه قال الأعرابي أنا يا رسول الله قال هذا ممن قضى نحبه أخرجه الترمذي وقال حسن غريب وفي الرياض أن محمدا ولده وهو السجاد سمي به لكثرة عبادته ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسموه محمدا وكنوه أبا القاسم فقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم سماه محمدا وكناه أبا سليمان وقال لا أجمع بين اسمي وكنيتي أخرجه الدارقطني وروي أن عليا مر به قتيلا فقال هذا السجاد قتله بره بأبيه رواه الدارقطني وعن علي رضي الله عنه قال سمعت أذني بضم الذال ويسكن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم أي من فمه وقوله أذني للمبالغة على طريق رأيت بعيني يقول وفي رواية وهو يقول طلحة والزبير جاراي في الجنة وهو كناية عن كمال قربهما له رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب وكذا رواه الحاكم وعن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ يعني يوم أحد هذا تفسير من روى بعد سعد اللهم اشدد بضم الدال الأولى أي قو رميته بفتح فسكون أي رميه وفي رواية سدد سهمه وأجب دعوته رواه أي

(17/479)


البغوي في شرح السنة وعنه أي عن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم استجب أي الدعاء لسعد
أي ابن أبي وقاص على ما يفهم من الترمذي إذ دعاك أي كلما دعاك رواه الترمذي وأخرجه أيضا عن قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحديث وعن علي رضي الله عنه قال ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وأمه أي في التفدية وفي رواية أبويه لأحد إلا لسعد أي يوم أحد أو بناء على سماعه ويؤيد الأول قوله قال له أي لا لغيره يوم أحد ارم فداك أبي وأمي بفتح الفاء وقد يكسر وقال له أي أيضا ارم أيها الغلام أي الشاب القوي الحزور بفتح الحاء المهملة والزاي والواو المشددة وفي نسخة بسكون الزاي وتخفيف الواو ولد الأسد ذكره شارح وفي النهاية وهو الذي قارب البلوغ والجمع الخزاورة ذكره الطيبي قال السيد جمال الدين هذا اصل معناه ولكن المراد هنا الشاب لأن سعدا جاوز البلوغ يومئذ اه وقد سبق أنه أسلم وهو ابن سبع عشرة سنة فليحمل على أنه قارب بلوغ كمال الرجولية في الشجاعة ففي القاموس الحزور كعملس الغلام القوي والرجل القوي رواه الترمذي وفي رواية غير سعد بن مالك فإنه جعل يقول له يوم أحد ارم فداك أبي وأمي رواه مسلم والترمذي وقال حسن صحيح وأخرجه من طريق آخر ولفظه ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحدا بأبويه الحديث وقال حسن صحيح وأخرجه من طريق آخر ولفظه ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أفدى رجلا غير سعد فإنه قال يوم أحد ويوم حنين ارم فداك أبي وأمي أخرجه الملأ في سيرته وعنه قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم له أبويه يوم أحد قال كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ارم فداك أبي وأمي قال فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جبينه فسقط وانكشفت عورته فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه أخرجه الشيخان وأخرج الترمذي منه جمع أبويه يوم أحد وفي بعض طرقه نثل لي رسول الله صلى

(17/480)


الله عليه وسلم كنانته يوم أحد وقال ارم فداك أبي وأمي أخرجه الشيخان وفي الرياض أن سعدا كان ممن لزم بيته في الفتنة وأمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجتمع الأمة على الإمام وعن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده عام حجة الوداع بمكة من مرض أشفى فيه فقال سعد يا رسول الله قد خفت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها فقال صلى الله عليه وسلم اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا وفيه ذكر الوصية وقوله والثلث كثير وفيه أن صدقتك من مالك صدقة وأن نفقتك
على عيالك صدقة وان ما تأكل امرأتك من مالك صدقة أخرجه الشيخان وعن جابر قال أقبل سعد أي إلى المجلس الأسعد فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا خالي أي من قوم أمي فليرني بضم ياء وكسر راء فليبصرني امرؤ أي كل امرىء بمعنى شخص خاله أي ليظهر أن ليس لأحد خال مثل خالي ز رواه الترمذي وقال غريب وقال أي الترمذي وكان سعد من بني زهرة بضم الزاي حي من قريش وكانت أم النبي صلى الله عليه وسلم من بني زهرة وزهرة اسم امرأة كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب فلذلك أي لما ذكر من الكونين قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا خالي وفي المصابيح فليكرمن أمر غائب من الإكرام مؤكدا بدل فليرني قال ابن حجر هو تصحيف قلت بل هو تحريف فقد قال الطيبي الفاء فيه على تقدير الشرط في الكلام فإن الإشارة بهذا لمزيد التمييز وكمال التعيين فهو كالإكرام له أي أنا أكرم خالي هذا وإذا كان كذلك فليتبع كل سنتي فليكرمن من كل أحد خاله وعلى رواية الكتاب كما في رواية الترمذي والجامع تقديره أنا أميز خالي كمال تمييز وتعيين لأباهي به الناس فليرني كل امرىء خاله مثل خالي ونحوه في التمييز قول الشاعر أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
$الفصل الثالث
عن قيس بن أبي حازم قال سمعت سعد بن أبي وقاص يقول إني لأول رجل

(17/481)


من العرب رمى بسهم في سبيل الله سبق معناه مع تحقيق مبناه وهذا القدر من الحديث أخرجه الشيخان ورأيتنا أي جمعا من الصحابة نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الحبلة بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة ثمر السمر يشبه اللوبيا قاله ابن الأعرابي وقيل ثمر العضاه وورق السمر بفتح السين المهملة وضم الميم شجر معروف واحدتها سمرة وبها سموا كذا في القاموس وإن مخففة من الثقيلة كان أحدنا ليضع واللام لام الفارقة والمعنى يخرج منه كما تضع الشاة أي من البعر والمعنى أن نجوهم يخرج بعرا ليبسه وعدم الغذاء المألوف ما له خلط بكسر الخاء المعجمة أي لا يختلط بعضه ببعضه لجفافه ويبسه ثم أصبحت أي صارت بنو أسد أي قبيلتهم تعزرني بتشديد الزاي أي توبخني على الإسلام أي على الصلاة لأنها عماد الإسلام أو على عمدة شرائعه والمراد أنهم كانوا يؤدبوني ويعلموني الصلاة ويعيروني بأني لا أحسنها لقد خبت بكسر الخاء المعجمة وسكون الموحدة أي خسرت إذا بالتنوين أي إذا لم أحسن الصلاة وأفتقر إلى تعليم بني أسد إياي وضل عملي أي جميع طاعاتي ومجاهداتي ومسابقتي في الإسلام وصدق قدمي في الدين وكانوا أي بنو أسد حين ولاه عمر العراق وشوا بفتح الشين المخففة أي نموا وسعوا به أي بعيبه على زعمهم إلى عمر رضي الله عنه أي بالرسالة أو الكتابة وقالوا لا يحسن أي سعد الصلاة أي أركانها أو شرائطها أو سننها ومراعاة أحوالها هذا وفي النهاية التعزيز الإعانة والتوقير والنصرة مرة بعد مرة قلت ومنه قوله تعالى وتعزروه وتوقروه الفتح وقال وأصل التعزير المنع والرد وكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد تعزيز لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب فهو من الأضداد ومنه حديث سعد أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام أي توقفني عليه وقيل توبخني على التقصير فيه قال الطيبي عبر عن الصلاة بالإسلام كما عبر عنها بالإيمان في قوله

(17/482)


تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم البقرة إيذانا بأنها عماد الدين ورأس الإسلام متفق عليه وعن جابر بن سمرة قال شكا أهل الكوفة سعد بن مالك إلى عمر فقالوا لا يحسن الصلاة قال سعد أما أنا فكنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمد في الأوليين وأخفف في الآخريين فقال عمر ذاك الظن بك أبا إسحاق قال فبعث رجالا يسألون عنه في مساجد الكوفة قال فلا يأتون مسجدا من مساجد الكوفة إلا أثنوا عليه خيرا وقالوا معروفا حتى أتوا مسجد من مساجد بني عبس قال فقال رجل يقال له أبا سعدة

(17/483)


اللهم إنه كان لا يسير بالسرية ولا يعدل في القضية ولا يقسم بالسوية قال فقال سعد أما والله لأدعون بثلاث اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن فكان بعد ذلك يقول إذا سئل شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد قال جابر بن سمرة فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وإنه يتعرض للجواري في الطريق فيغمزهن وفي رواية وأما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الآخريين ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر صدقت ذلك الظن بك أو ظني بك أبا إسحاق أخرجه البخاري وأخرجه البرقاني على شرطه بنحوهما وقال فقال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك وإذا قيل له كيف أنت يا أبا سعدة قال كبير مفتون أصابتني دعوة سعد وعنده اللهم إن كان كاذبا فأعم بصره وأطل عمره ثم ذكر ما بعده وعن سعد قال رأيتني وأنا ثالث الإسلام والآخران أبو بكر وخديجة ذكره السيوطي وهذا يدل على أن إيمان علي متأخر ويمكن دفعه بأن الكلام في البلغاء أو في الأجانب وما أسلم أحد أي ممن أسلم قبلي إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ولقد مكثت بفتح الكاف وضمها أي لبثت سبعة أيام أي على ما كنت عليه من الإسلام ثم أسلم بعد ذلك من أسلم والمعنى مكثت سبعة أيام على هذه الحالة وهي قوله وإني لثلث الإسلام بضم اللام ويسكن قال أبو عبد الله معنى ثلث الإسلام يعني أنه ثالث ثلاثة حين أسلم قال بعض المحققين الجمع بينه وبين خبر عمار رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر بأن يحمل قول سعد على الأحرار البالغين ليخرج الأعبد المذكورون وعلي أو لم يكن اطلع على أولئك رواه البخاري وأخرجه البغوي في معجمه وقال ما أسلم أحد قبلي وقال ستة أيام وعن جابر بن سعد عن أبيه قال لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام أخرجه البخاري وفي رواية الفضائلي إن الاثنين أبو بكر وعلي وعن عائشة وفي الرياض عن أبي سلمة بن

(17/484)


عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لنسائه إن أمركن أي شأنكن مما يهمني بفتح الياء وضم الهاء وتشديد
الميم وفي نسخة بضم فكسر أي مما يوقعني في الهم وفي رواية لهما يهمني من بعدي أي من بعد وفاتي حيث لم يترك لهن ميراثا وهن قد آثرن الحياة الآخرة على الدنيا حين خيرن ولن يصبر عليكن أي على بلاء مؤونتكن إلا الصابرون أي على مخالفة النفس من اختيار القلة وإعطاء الزيادة والصديقون أي كثيرو الصدق في البذل والسخاوة قالت عائشة يعني أي يريد بهم المتصدقين ثم قالت عائشة لأبي سلمة بن عبد الرحمن أي ابن عوف قال المؤلف أبو سلمة روى عن عمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه في المدينة في قول ومن مشاهير التابعين وأعلامهم ويقال إن اسمه كنيته وهو كثير الحديث سمع ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر وغيرهم روى عنه الزهري ويحي بن أبي كثير والشعبي وغيرهم مات سنة سبع وتسعين وله اثنتان وسبعون سنة اه ولا يخفى أنه مخالف لأصل الحديث سقى الله أباك من سلسبيل الجنة وهي عين في الجنة سميت لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها في الباطن ومنه قوله تعالى يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا الإنسان يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية ودلت على غاية السلاسة وقيل المعنى سل سبيلا إليها وكان ابن عوف من كلام الراوي حال من عائشة والعامل قالت كذا قاله الطيبي ولا يبعد أن يكون من قول عائشة بيانا لتصدقه وتبيانا لقولها يعني المتصدقين قد تصدق على أمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعين ألفا أي من درهم أو دينار رواه الترمذي وفي رواية وقد رصد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بمال بيع بأربعين ألفا أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف أخرجه الترمذي

(17/485)


وقال حسن غريب وعن الزهري قال تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر ماله أربعة آلاف ثم تصدق بأربعين ألف دينار ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله وكان عامة ماله من التجارة أخرجه في الصفوة وعن عروة بن الزبير أنه قال أوصى عبد الرحمن بن عوف بخمسين ألف دينار في سبيل الله أخرجه الفضائلي وعن ابن عباس قال مرض عبد الرحمن بن عوف فأوصى بثلث ماله فصح فتصدق بذلك بيد نفسه ثم قال يا أصحاب رسول الله كل من كان من أهل بدر له علي أربعمائة دينار فقام عثمان وذهب مع الناس فقيل له يا أبا عمرو ألست غنيا قال هذه موصلة من عبد الرحمن لا صدقة وهو من مال حلال فتصدق عليهم في ذلك اليوم مائة

(17/486)


وخمسين ألف دينار فلما جن عليه الليل جلس في بيته وكتب جريدة بتفريق جميع المال على المهاجرين والأنصار حتى كتب أن قميصه الذي على بدنه لفلان وعمامته لفلان ولم يترك شيئا من ماله إلا كتبه للفقراء فلما صلى الصبح خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم هبط جبريل وقال يا محمد إن الله تعالى يقول أقرىء مني على عبد الرحمن السلام وأقبل منه الجريد ة ثم ردها عليه وقل له قد قبل الله صدقتك وهو وكيل الله ووكيل رسوله فليصنع في ماله ما شاء وليتصرف فيه كما كان يتصرف قبل ولا حساب عليه وبشره بالجنة أخرجه الملأ في سيرته وعن جعفر بن برقان قال بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألفا أخرجه صاحب الصفوة وعن محمد أن عبد الرحمن بن عوف توفي وكان فيما خلفه ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه وترك أربع نسوة فأصاب كل امرأة ثمانون ألفا أخرجه في الصفوة وعن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن قال صالحنا امرأة عبد الرحمن التي طلقها في مرضه من ثلث الثمن بثلاثة وثلاثين ألفا وفي رواية من ربع الثمن أخرجه أبو عمرو قال الطائي قسم ميراثه على ست عشر سهما فبلغ نصيب كل امرأة مائتي ألف درهم وعن أم سلمة وهي إحدى أمهات المؤمنين قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأزواجه إن الذي يحثو أي يجود وينثر عليكن أي ما تنفقن بعدي أي بعد موتي هو الصادق أي الصادق الإيمان البار بتشديد الراء أي صاحب الإحسان اللهم اسق بوصل الهمزة وقطعها عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة وهذا دعاء له قبل أن يصدر عنه ما صدر من الحثي كأنه صنع الصنيعة فشكره ودعا له ومن هنا دعت الصديقة له بهذا الدعاء حين تصدق على أمهات المؤمنين بالحديقة رواه أحمد وفيه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ذكره الطيبي ولا يبعد أن يكون الدعاء هنا أيضا من كلامها رضي الله عنها وعن حذيفة أي ابن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبق ذكره قال جاء أهل نجران بفتح

(17/487)


نون فسكون جيم موضع باليمن فتح سنة عشر سمي بنجران بن زيدان ابن سبأ وموضع بحوران قرب دمشق وموضع بين الكوفة وواسطة الكل من القاموس والمراد به الأول على ما هو الظاهر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول
الله ابعث أي أرسل إلينا رجلا أمينا أي ليكون أميرا أو قاضيا أو معلما لنا فقال لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين بالنصب على أنه مفعول مطلق نحو قولهم قدمت خير مقدم أي أمينا صادق الأمن وثابته ومستحقا أن يقال له الأمين قال الطيبي فيه توكيد ولذا أضافه نحو إن زيدا لعالم حق عالم وجد عالم أي عالم حقا وجدا يعني عالم يبالغ في العلم جدا ولا يترك من الجد المستطاع منه شيئا ومنه قوله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده الحج أي جهادا فيه حقا خالصا لوجهه فعكس وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة فاستشرف أي طمع لها أي للإمارة وتوقعها الناس أي حرصا بهم على تحصيل صفة الأمانة لا على الولاية من حيث هي قال أي حذيفة فبعث أبا عبيدة بن الجراح متفق عليه وعن علي رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من نؤمر بضم نون وفتح همزة وكسر ميم مشددة فراء أي من نجعله أميرا علينا بعدك أي بعد موتك وفي نسخة صحيحة بالتاء الفوقية بدل النون أي من تجعله أميرا علينا بعدك ويؤيد الأول قوله قال إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا أي دينا لا يحكم إلا بالأمانة وعلى وجه العدالة زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة في إشعار إلى أن الخليفة ينبغي أن يكون بهذه الصفة ليتم الإخلاص الموجب للخلاص وفي رواية تجدوه مسلما أمينا وفي رواية تجدوه قويا في أمر الله ضعيفا في نفسه وأن تؤمروا عمر تجدوه قويا أي قادرا على حمل ثقل أعبار الإمارة أمينا أي لا تجيء منه الخيانة لا يخاف في الله لومة لائم أي لا يراعي أحدا في أمر الدين والمعنى أنه صلب في الدين إذا شرع في أمر من أموره لا يخاف إنكار منكر ومضى فيه كالمسمار المحمي لا يزعه قول قائل ولا اعتراض معترض

(17/488)


ولا لومة لائم يشق عليه جده واللومة المرة من اللوم وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل لا يخاف شيئا قط من لوم أحد من اللوام وفي رواية تجدوه قويا في أمر الله قويا في نفسه وأن تؤمروا عليا ولا أراكم بضم الهمز أي والحال أني لا أظنكم فاعلين أي التأمير له بلا خلاف حال خلافته تجدوه هاديا أي مرشدا مكملا مهديا بفتح ميم وتشديد تحتية أي مهتديا كاملا يأخذ بكم الطريق المستقيم قال الطيبي رحمه الله يعني الأمر مفوض إليكم أيها الأمة لأنكم أمناء مجتهدون مصيبون في الاجتهاد

(17/489)


ولا تجتمعون إلا على الحق الصرف وهؤلاء المذكورون كالحلقة المفرغة لا يدري أيهم أكمل فيما يدلي إليه مما يستحق به الإمارة قيل وفي تقديم أبي بكر إيماء إلى تقدمه ولم يذكر عثمان صريحا لكن في قوله ولا أراكم إشارة إلى أنه المتقدم على علي ثم أبعد من قال قوله ولا أراكم فاعلين متعلق بإمارة عمر وعلي رضي الله عنهما نعم يمكن أن يقال المعنى لا أراكم فاعلين تأمير علي مقدما على كلهم لما علم من قضاء الله وقدره أن عمر علي أطول من أعمارهم فلو قدم لفاتهم الخلافة مع أنه كتب لهم الخلافة أيضا فيتعين أنكم غير فاعلين فالظن بمعنى اليقين والله أعلم وهو الموفق والمعين رواه أحمد وعن حذيفة قال قالوا يا رسول الله ألا تستخلف قال إلا إني إن استخلفت عليكم فعصيتم خليفتي نزل العذاب قالوا ألا نستخلف أبا بكر قال إن تستخلفوه تجدوه قويا في أمر الله ضعيفا في نفسه قالوا الا نستخلف عمر قال إن تستخلفوه تجدوه قويا في أمر الله قويا في بدنه قالوا ألا نستخلف عليا قال إن تستخلفوه تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم الطريق المستقيم خرجه ابن السمان وعنه أي عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله أبا بكر فيه جواز الدعاء بالرحمة للأحياء زوجني ابنته بهمزة وصل والجملة استئناف تعليل وهذا تواضع منه صلى الله عليه وسلم وإلا فله صنيع عليه من جهة تزوجها وحملني إلى دار الهجرة أي على بعيره ولو على قبول ثمنه وصحبني في الغار أي حين هجرني الأغيار وأعتق بلالا من ماله أي وجعله خادما لي في مآله رحم الله عمر يقول الحق أي الصرف أو القول الحق وإن كان أي ولو كان الحق الصرف أو القول الحق مرا أي صعبا على الخلق تركه الحق استئناف بيان وماله من صديق جملة حالية أي صيره قول الحق بهذه الصفة أو خلاه بهذه الحالة وهي أنه لا صديق له اكتفاء برضا الله ورسوله والمعنى من صديق تكون صداقته للمراعاة والمداراة لا مطلقا وإلا فلا شك أن الصديق كان صديقا له قال

(17/490)


الطيبي قوله تركه الخ جملة مبينة لقوله يقول الحق وإن كان مرا لأن تمثيل الحق بالمرارة يؤذن باستبشاع الناس من سماع الحق استبشاع من يذوق العلقم فيقل لذلك صديقه وقوله وما له من صديق حال من المفعول إذا جعل ترك بمعنى خلى وإذا ضمن معنى صير كان هذا مفعولا ثانيا والواو فيه داخلة على المفعول الثاني كما في بعض الأشعار رحم الله عثمان تستحيي منه الملائكة رحم الله عليا اللهم أدر الحق أمر من الإدارة أي اجعل الحق دائرا وسائرا معه حيث دار أي علي أو الحق رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب

(17/491)


باب مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم
وفي نسخة صحيحة زيادة ورضي الله عنهم
$الفصل الأول
عن سعد بن أبي وقاص قال لما نزلت هذه الآية أي المسماة بآية المباهلة ندع أبناءنا وأبناءكم أولها فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم آل عمران دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فنزله منزلة نفسه لما بينهما من القرابة والأخوة وفاطمة أي لأنها أخص النساء من أقاربه وحسنا وحسينا فنزلهما منزلة ابنيه صلى الله عليه وسلم فقال اللهم هؤلاء أهل بيتي أي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا رواه مسلم وعن عائشة قالت خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة أي صباحا وفي رواية ذات

(17/492)


غداة وعليه مرط بكسر ميم وسكون راء كساء يكون من خز وصوف فيه علم مرحل بفتح الحاء المهملة المشددة ضرب من برود اليمن لما عليه من تصاوير الرجل كذا ذكره شارح وروي بجيم وهم ما عليه صورة المراجل بمعنى القدور من شعر بفتح عين ويسكن أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله أي تحت المرط بالأمر أو الفعل وفي رواية فأدخله فيه ثم جاء الحسين فدخل معه أي بإدخال أو بغيره لصغره وفي رواية فأدخله فيه ثم جاءت فاطمة فأدخلها أي فيه كما في رواية ثم جاء علي فأدخله أي فيه كما في رواية ثم قال أي قرأ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أي الإثم وكل ما يستقذر مروءة أهل البيت نصب على الغداء أو المدح وفيه دليل على أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته أيضا لأنه مسبوق بقوله يا نساء النبي لستن كأحد من النساء الأحزاب وملحوق بقوله واذكرن ما يتلى في بيوتكن الأحزاب فضمير الجمع إما للتعظيم أو لتغليب ذكور أهل البيت على ما يستفاد من الحديث ويطهركم تطهيرا من التلوث بالأرجاس والأدناس المبتلى بها أكثر الناس قال الطيبي استعار للذنب الرجس وللتقوى الطهر لأن غرض المقترف للمقبحات أن يلتوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس وأما المحسنات فالغرض منها نقي مصون كالثوب الطاهر وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كره الله لعباده وينهاهم عنه ويرغبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به وسيأتي تراجم الحسنين وأمهما في محالها المختصة بهم رواه مسلم وأخرجه أحمد عن واثلة وزاد في آخره اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق وفي الرياض عن سعد قال أمر معاوية سعدا أن يسب أبا تراب فقال أما ما ذكرت ثلاثا فالهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه لأن يكون في واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وخلفه في بعض مغازيه فقال علي تخلفني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من

(17/493)


موسى إلا أنه لا نبي بعدي وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية وذكر القصة ولما نزلت هذه الآية تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم آل عمران دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي مسلم والترمذي وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وفي رواية للترمذي قالت أم سلمة وأنا معهم يا

(17/494)


رسول الله قال أنت على مكانك وأنت على خير وعن أم سلمة قالت بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يوما إذ قالت الخادم أن عليا وفاطمة بالسد أي الباب قالت فقال لي قومي فتنحي لي عن أهل بيتي قالت فقمت فتنحيت في البيت قريا فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين وهما صبيان صغيران فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة بالأخرى وقبل فاطمة وقبل عليا وأغدف أي أرسل عليهم خميصة سوداء ثم قال اللهم إليك لا إلى الغار أنا وأهل بيتي قالت قلت وأنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك قال وأنت أخرجه أحمد والظاهر أن هذا الفعل تكرر منه صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة والمنع وقع من دخولها معهم فيما جللهم به وعليها يحمل قولها في الحديثين الأولين وأنا معهم أي أدخل معهم لا أنها ليست من أهل البيت بل هي منهم ولذلك لما قالت في الحديث الآخر وأنا ولم تقل معهم أي أنا أيضا إلى الله لا إلى النار قال وأنت إلى الله لا إلى النار وكذا لما قالت وأنا من أهل البيت وفي رواية قال وأنت من أهل البيت وأثبتك أيضا على أنه قد ورد أنه صلى الله عليه وسلم أذن لها في الدخول معهم في الكساء وعن أبي سعيد الخدري في قوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا الأحزاب قال نزلت في خمسة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخرجه أحمد في المناقب وأخرجه الطبراني وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا رواه أحمد وعن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة أنا وإياك وهذين يعني حسنا وحسينا وهذا الراقد يعني عليا في مكان واحد يوم القيامة أخرجه أحمد وعن ابن عباس قال لما نزلت قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى الشورى قالوا يا رسول الله

(17/495)


من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال علي وفاطمة وابناهما أخرجه أحمد في المناقب وعن البراء قال لما توفي إبراهيم أي ابن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية سريته ولد بالمدينة في ذي الحجة سنة ثمان ومات وله ستة عشر شهرا وقيل ثمانية عشر ودفن بالبقيع عند عثمان بن مظعون عمه الرضاعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن له مرضعا بضم الميم وكسر الضاد أي من يكمل رضاعه وفي نسخة صحيحة بفتحهما أي موضع رضاع كامل

(17/496)


في الجنة فيه دلالة ظاهرة أن أرباب الكمال يدخلون الجنة في الحال عقيب الانتقال وأن الجنة الموعودة مخلوقة موجودة قال الخطابي هذا يروى على وجهين أحدهما مرضعا بفتح الميم أي رضاعا والآخر مضمومة الميم أي من يتم رضاعه يقال امرأة مرضع بلا هاء وأرضعت المرضعة فهي مرضعة إذا أنيب الاسم من الفعل قال التوربشتي أصوب الروايتين الفتح لأن العرب إذا أرادوا الفعل ألحقوا به هاء التأنيث وإذا أرادوا أنها ذات رضيع أسقطوا الهاء فقالوا امرأة مرضع بلا هاء ولما كان المراد من هذا اللفظ أن الله يقيم له من لذات الجنة وزوجها ما يقع منه موقع الرضاع فإنه كان رضيعا لم يستكمل مدة الرضاع كان المصدر فيه أقوم وأصوب ولو كان على ما ذكره من الرواية لكان من حقه أن يلحق به هاء التأنيث قال الطيبي هذا إذا أريد تصوير حالة الإرضاع وإلقام المرضعة الثدي في الصبي في مشاهدة السامع كأنه ينظر إليها وإلا فلا الكشاف في قوله تعالى تذهل كل مرضعة عما أرضعت الحج فإن قيل لم قيل مرضعة دون مرضع قلت المرضعة التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة عما أرضعت أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل ووجهه القاضي في شرحه مجيبا عنه بقوله أو أن له من يقوم مقام المرضعة في المحافظة والأنس اه ولا يخفى أن ارتكاب المجاز غير جائز مع إمكان الحقيقة بل لأجل المبالغة في تحقيق الإرضاع عبر عن المرضع بالمرضعة إيماء إلى أن حالة إرضاعه أمر مشاهد له صلى الله عليه وسلم رواه البخاري وعن عائشة قالت كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نصبه على النداء على سبيل الاختصاص أو تفسير للضمير المبهم على تقدير أعني وخبر كان قولها عنده أي جالسين أو مجتمعين وفي رواية لم تغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة روي أنما

(17/497)


سميت بها لأن الله فطمها وذريتها ومحبيها عن النار وفي رواية فأقبلت فاطمة تمشي ما تخفى أي ما تمتاز وفي رواية ما تخطئ مشيتها بكسر الميم لأن المراد هيئتها من مشية رسول الله وفي نسخة من مشية النبي صلى الله عليه وسلم أي شيئا كما في رواية فما للنفي والمعنى مشيتها كمشية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هذا قرب مرض موته فلما رآها قال مرحبا بابنتي ثم أجلسها أي أمرها
بالجلوس عنده أي قريبا منه وفي رواية عن يمينه أو عن شماله ثم سارها بتشديد الراء وفي رواية فسارها أي كلمها سرا فبكت بكاء شديدا فلما رأى حزنها بضم فسكون وفي نسخة بفتحتين أي شدة حزنها وكثرة بكائها وفي رواية جزعها سارها الثانية فإذا هي أي فاطمة تضحك أي تتبسم وتنبسط وتنشرح وفي رواية فضحكت فقلت لها خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم أي لطهارة أو صلاة سألتها عما سارك الظاهر عما سارها على أن ما موصولة لكن التقدير سألتها قائلة عم سارك فما استفهامية وفي رواية سألتها ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ما كنت لأفشي من الإفشاء أي أذيع وأظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره بكسر السين أي ما أخفاه لأنه لو أراد إفشاءه لما أسره فلما توفي قلت عزمت أي أقسمت عليك بما لي عليك من الحق أي من نسبة الأمومية الثانية أو الأخوة أو المحبة الصادقة والمودة السابقة فما موصولة لما بفتح لام وتشديد ميم أي ألا أخبرتني وفي نسخة بإشباع التاء وفي رواية لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الطيبي يعني ما أطلب منك إلا إخبارك إياي بما سارك ونحوه أنشدك بالله ألا فعلت قالت أما الآن فنعم أي أخبرك وتفصيله هذا أما حين سارني في الأمر الأول أي الموجب للحزن وفي رواية في المرة الأولى فإنه أخبرني أن جبريل كان يعارضني وفي رواية يعارضه القرآن كل سنة مرة أي يدارسني جميع ما نزل

(17/498)


من القرآن من المعارضة المقابلة ومنه عارضت الكتاب بالكتاب أي قابلته كذا في النهاية ولعل سبب المقابلة إبقاء المحافظة وليظهر الناسخ والمنسوخ من المقابلة وفيه إشارة إلى استحباب المدارسة وإنه بكسر الهمزة وفي نسخة بالفتح عارضني به العام أي هذه السنة وفي رواية إنه عارضه الآن مرتين فيه إيماء إلى أن هذا الحديث بعد رمضان الآخر من عمره ولا أرى بضم الهمز وفتح الراء أي ولا أظن وفي رواية وإني لا أرى الأجل أي انتهاءه إلا قد اقترب فاتقي الله أي دومي على التقوى أو زيدي فيها ما استطعت واصبري أي على الطاعة وعن المعصية وفي البلية لا سيما على مفارقتي فإني وفي رواية فإنه نعم السلف أي الفرط أنا لك أي على الخصوص والجملة بتأويل مقول في حقي خبر لأن في

(17/499)


إني قال الطيبي أنا مخصوص بالمدح ولك بيان كأنه لما قيل نعم السلف أنا قيل لمن قيل لك فبكيت وفي رواية قالت فبكيت للذي رأيت فلما رأى جزعي أي قلة صبري سارني الثانية قال وفي رواية فقال يا فاطمة ألا ترضين وفي رواية أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أي جميعها أو مخصوصة بهذه الأمة وفي رواية سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين شك من الراوي والحديث بظاهره يدل على أنها أفضل النساء مطلقا حتى من خديجة وعائشة ومريم وآسية وقد تقدم الخلاف والله أعلم وفي رواية فسارني فأخبرني أنه يقبض أي يموت في وجعه فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه بفتح فسكون ففتح وفي نسخة بتشديد التاء الفوقية وكسر الموحدة أي ألحقه فضحكت وتوضيحه ما في الذخائر أنه قال وفي رواية بعد قول عائشة حتى إذا قبض سألتها فقالت إنه حدثني أنه كان جبريل يعارضه القرآن كل عام مرة وأنه عارضني به في هذا العام مرتين ولا أرى إلا قد حضر أجلي وإنك أول أهلي لحوقا بي ونعم السلف أنا لك ثم سارني وذكر مثل الأول أخرجهما مسلم وعن عائشة قالت ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا وحديثا برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وكانت إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت له فقبلته وأجلسته في مجلسها فلما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتت فاطمة وأكبت عليه فقبلته ثم رفعت رأسها فبكت ثم أكبت عليه ثم رفعت رأسها فضحكت فقلت إن كنت لأظن أن هذه من أعقل نسائنا فإذا هي من النساء فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لها رأيت حين أكبيت على النبي صلى الله عليه وسلم ورفعت رأسك فبكيت ثم أكبيت عليه فرفعت رأسك فضحكت ما حملك على ذلك قالت إني إذا لبذرة أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت ثم أخبرني أني أسرع أهله لحوقا

(17/500)


به فذلك حين ضحكت أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي وقال الترمذي حسن غريب وفي الذخائر عن ثوبان قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر آخر عهده إتيان فاطمة وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة أخرجه أحمد وعن أبي ثعلبة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم أتى فاطمة ثم أتى أزواجه أخرجه أبو عمرو قال المؤلف هي فاطمة الكبرى بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمها خديجة وهي أصغر بناته في قول وهي سيدة نساء العالمين تزوجها علي بن أبي طالب في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان وبنى عليها في ذي الحجة فولدت له الحسن والحسين

(18/1)


والمحسن وزينب وأم كلثوم ورقية وماتت بالمدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر وقيل بثلاثة أشهر ولها ثمان وعشرون سنة وغسلها علي وصلى عليها ودفنت ليلا روى عنها علي وابناها الحسن والحسين وجماعة سواهم قالت عائشة ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة غير أبيها متفق عليه وروى الحاكم عن أبي سعيد فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران وعن المسور بن مخرمة سبق ذكره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاطمة وفي رواية إن فاطمة بضعة بفتح موحدة أي قطعة لحم مني وقد تكسر الباء على ما في النهاية وفي القاموس البضعة بفتح الموحدة وحكي ضمها وكسرها وسكون المعجمة قطعة من اللحم والمعنى أنها جزء مني كما أن القطعة جزء من اللحم ونعم ما قال الإمام مالك ولا أفضل أحدا على بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أغضبها أغضبني أي فكأنه أغضبني ففيه نوع من التشبيه البليغ فاندفع ما استدل به السهيلي على أن من سبها يكفر إذ لا يخفى أن مثل هذا الكلام محمول على المبالغة في مقام المرام ومنه قوله عليه السلام على ما رواه ابن عساكر عن علي من آذى مسلما فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومنه ما رواه أحمد والبخاري في تاريخه عن معاوية وابن حبان عن البراء من أحب الأنصار فقد أحبه الله ومن أبغض الأنصار أبغضه الله ومنه ما رواه الطبراني في الأوسط عن أنس مرفوعا حب قريش أيمان وبغضهم كفر وحب العرب إيمان وبغضهم كفر فمن أحب العرب فقد أحبني ومن أبغض العرب فقد أبغضني وفي رواية أي بعد قوله فقد أغضبني أو زيادة عليه يريبني من الإرابة بالموحدة أي يقلقني في الظاهر ما أرابها ويؤذيني أي في الباطن ما آذاها في شرح السنة رابني الشيء وأرابني بمعنى شككني وأدهمني ما أستيقنه قال الطيبي بغير ألف معناه يسوءني ما يسوءها ويزعجني ما أزعجها قلت الظاهر أنهما لغتان والمزيد له مزية ومناسبة لقوله ما أرابها ويؤيده اتفاق النسخ على الضم والله أعلم ثم

(18/2)


أول الحديث قال مسور
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا علي بن أبي طالب ولا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني الحديث وفي شرح مسلم قالوا في الحديث تحريم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بكل حال وعلى كل وجه وإن تولد الإيذاء مما كان أصله مباحا وهو من خواصه صلوات الله وسلامه عليه وهو لوجهين أحدهما أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة فيتأذى حينئذ النبي صلى الله عليه وسلم فيهلك علي رضي الله عنه من أذاه فنهى عن ذلك لمكان شفقته على علي و ثانيهما أنه خاف الفتنة عليها بسبب الغيرة وقيل ليس المراد بقوله لا آذن النهي عن جمعهما بل معناه أنه صلى الله عليه وسلم علم من فضل الله تعالى أنهما لا يجتمعان كما قال أنس بن النضر والله لا تكسر ثنيتها متفق عليه وفي لفظ الذخائر عن المسور بن مخرمة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها أخرجه الشيخان والترمذي وصححه وعن المسور أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكح ابنة أبي جهل قال المسور فقام النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد ثم قال أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وأن فاطمة بضعة مني وإنما أكره أن يفتنوها وإنه والله لا تجتع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحدا أبدا قال فترك علي الخطبة وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب

(18/3)


على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال إن فاطمة مني وإني أخاف أن تفتن في دينها ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن قال حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكانا واحدا أبدا وعن يحيى بن سعيد القطان قال ذاكرت عبد الله بن داود قول النبي صلى الله عليه وسلم لا آذن إلا أن يحب على أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم قال ابن داود حرم الله على علي أن ينكح على فاطمة في حياتها لقوله عز وجل وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر قال فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا آذن لم يكن يحل لعلي أن ينكح على فاطمة إلا أن يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت عمر بن داود يقول لما قال النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها حرم الله على علي أن ينكح على فاطمة ويؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله الأحزاب أخرجهما الحافظ أبو القاسم الدمشقي وعن المسور بن مخرمة أنه بعث إليه حسن بن الحسن يخطب ابنته فقال له فليأتني في العتمة

(18/4)


فلقيه فحمد المسور الله عز وجل وأثنى عليه وقال أما بعد فما من نسب ولا سبب ولا صهر أحب إلي من نسبكم وصهركم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع إلا نسبي وسببي وصهري وعندك ابنته ولو زوجتك لقبضها ذلك فانطلق عاذرا أخرجه أحمد وفيه دليل على أن الميت يراعي منه ما يراعي في الحي وقد ذكر الشيخ أبو علي السنجي في شحر التلخيص إنه يحرم التزوج على بنات النبي صلى الله عليه وسلم ولعله يريد من ينتسب إليه بالبنوة ويكون هذا دليلة وفي الجامع فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري رواه أحمد والحاكم وعن المسور فاطمة أحب إلي منك وأنت أعز علي منها قاله لعلي رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة وفي الصواعق روي عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد على الصراط فتمر مع سبعين ألف جارية من الحور العين كمر البرق وعن زيد بن أرقم قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء أي بموضع فيه ماء يدعى أي يسمى ذلك الماء أو ذلك المكان خما بضم فتشديد وهو موضع بالجحفة بين مكة والمدينة وتقدم أنه كان حين رجوعه من مكة وتوجهه إلى المدينة عام حجة الوداع فحمد الله أي شكره وأثنى عليه أي بعلي ذاته وجلى صفاته ووعظ أي نصحهم بما نفعهم وذكر بتشديد الكاف أي نبههم من نوم غفلتهم ثم قال أما بعد أي بعد الحمد والثناء ألا بتخفيف اللام للتنبيه زيادة في الاهتمام على التوجيه أيها الناس إنما أنا بشر أي مثلكم لكن امتيازي عنكم بأنه يوحى إلي يوشك أي يقرب أن يأتيني رسول ربي أي جبريل ومعه عزرائيل أو المراد به ملك الموت فأجيبه بالنصب وأنا تارك فيكم الثقلين بفتحتين أي الأمرين

(18/5)


العظيمين سمي كتاب الله وأهل بيته بهما لعظم قدرهما ولأن العمل بهما ثقيل على تابعهما قال صاحب الفائق الثقل المتاع المحمول على الدابة وإنما قيل للجن والإنس الثقلان لأنهما ثقال الأرض فكأنهما ثقلاها وقد شبه بهما الكتاب والعترة في أن الدين يستصلح بهما ويعمر كما عمرت الدنيا بالثقلين وفي شرح السنة سماهما ثقلين لأن الأخذ والعمل بهما ثقيل وقيل في تفسير قوله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا المزمل
أي أوامر الله ونواهيه لأنه لا يؤدي إلا بتكلف ما يثقل وقيل قولا ثقيلا أي له وزن وسمي الجن والإنس ثقلين لأنهما فضلا بالتمييز على سائر الحيوان وكل شيء له وزن وقدر متنافس فيه فهو ثقيل أولهما كتاب الله فيه الهدى أي الهداية عن الضلالة والنور أي نور القلب للاستقامة أو سبب ظهور النور يوم القيامة فخذوا بكتاب الله أي استنباطا وحفظا وعلما واستمسكوا به أي وتمسكوا به اعتقادا وعملا ومن جملة كتاب الله العمل بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله سبحانه وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر ومن يطع الرسول فقد أطاع الله النساء وقل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران وفي رواية فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به فحث بتشديد المثلثة أي فحرض أصحابه على كتاب الله أي على محافظته ومراعاة مبانيه ومعانيه والعمل بما فيه ورغب فيه بتشديد الغين المعجمة أي ذكر المرغبات من حصول الدرجات في حقه ثم يمكن أنه رهب وخوف بالعقوبات لمن ترك متابعة الآيات فيكون حذفه من باب الاكتفاء ويمكن أنه اقتصر على البشارة إيماء إلى سعة رحمة الله تعالى وأن رحمته للعالمين وأمته أمة مرحومة ثم قال أي النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيتي أي وثانيهما أهل بيتي أذكركم الله بكسر الكاف المشددة أي أحذركموه في أهل بيتي وضع الظاهر موضع المضمر اهتماما بشأنهم وإشعارا بالعلة والمعنى أنبهكم حق الله في محافظتهم ومراعاتهم واحترامهم وإكرامهم

(18/6)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية