صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
المؤلف : الملا على القاري
المصدر : موقع المشكاة الإسلامية
www.almeshkat.net/books/index.php

في بستانها ابن صياد فطفق بكسر الفاء أي شرع رسول الله يتقي أي يستر نفسه بجذوع النخل أي ويتخبأ عن ابن صياد ليأخذه على غرة وغفلة فإن تلك الحالة أدل على بطلان الرهبان وهو أي النبي يختل بسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية من الختل وهو طلب الشيء بحيلة والمفعول محذوف أي يخدع ابن صياد أن يسمع أي ليسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه أي يعلم هو وأصحابه حاله في أنه كاهن أم ساحر ونحوهما قال النووي رحمه الله وفيه جواز كشف أحوال ما يخاف مفسدته وكشف الأمور المبهمة بنفسه وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة أي دثار مخمل وقيل لحاف صغير له فيها زمزمة قال

(16/46)


النووي رحمه الله هو في معظم نسخ مسلم بزاءين معجمتين وفي بعضها براءين مهملتين ووقع في البخاري بالوجهين وهو صوت خفي لا يكاد يفهم أو لا يفهم قال شارح هي صوت لا يفهم منه شيء وهو في الأصل صوت الرعد فرأت أم ابن صياد النبي وهو يتقي بجذوع النخل فقالت أي للنداء صاف بالضم وفي نسخة بالكسر على أن أصله صافي فحذف الياء واكتفى بالكسرة ويؤيد الأول ظاهر قوله وهو اسمه ويمكن أن يكون الاسم بمعنى الوصف فإنه قد يستعمل بالمعنى الأعم من نحو اللقب والعلم هذا أي وراءك محمد أو جاءك فتنبه له فتناهى ابن صياد أي انتهى عما كان فيه من الزمزمة وسكت قال رسول الله لو تركته أي أمه بين أي أظهر ما في نفسه كذا في شرح السنة وقال النووي رحمه الله أي بين لكم باختلاف كلامه ما يهون عليكم شأنه قال عبد الله بن عمر الظاهر أن ما سيأتي حديث آخر ذكره استطرادا ولذا لم يأت بعاطفة وقال قام رسول الله في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني أنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذر قومه أي بعد نوح لقد أنذر نوح قومه أي قبل الأنبياء ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون خبر بمعنى الأمر أي اعلموا أنه أعور وأن الله بالفتح للعطف وبالكسر على أن الجملة حالية ليس بأعور أي بالأمر البديهي في التنزيه الإلهي قال التوربشتي رحمه الله يحتمل أن أحدا من الأنبياء لم يكاشف أو لم يخبر بأنه أعور ويحتمل أنه أخبر ولم يقدر له أن يخبر عنه كرامة لنبينا حتى يكون هو الذي يبين بهذا الوصف دحوض حجته الداحضة ويبصر بأمره جهال العوام فضلا عن ذوي الألباب والأفهام وفي شرح مسلم للنووي قالوا قصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال أم غيره ولا شك أنه دجال من الدجاجلة قالوا وظاهر الأحاديث أنه لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره وإنما أوحي إليه بصفات الدجال وكان لابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره ولهذا

(16/47)


قال لعمر رضي الله تعالى عنه لا يولد للدجال وقد ولد له وأن لا يدخل مكة والمدينة وابن صياد قد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة فلا دلالة فيه لأنه إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض قال الخطابي واختلف السلف في أمره بعد كبره فروي عنه أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى يراه الناس وقيل لهم اشهدوا قال وكان ابن عمر وجابر يحلفان أن ابن صياد هو الدجال لا يشكان فيه فقيل لجابر إنه أسلم فقال وإن أسلم فقيل إنه دخل مكة وكان بالمدينة فقال وإن دخل وروى أبو داود بإسناد

(16/48)


صحيح عن جابر قال فقدنا ابن صياد يوم الحرة وهذا يبطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلي عليه وقد روى مسلم في هذه الأحاديث أن جابرا حلف بالله تعالى أن ابن صياد هو الدجال وأنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يحلف ذلك عند النبي ولم ينكره قال البيهقي في كتاب البعث والنشور اختلفوا في أمر ابن صياد اختلافا كثيرا هل هو الدجال أم لا فمن ذهب إلى أنه غيره احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة ويجوز أن يتوافق صفة ابن صياد وصفة الدجال كما ثبت في الصحيح إن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن وليس هو هو قال وكان أمر ابن صياد فتنة ابتلى الله بها عباده فعصم الله تعالى منها المسلمين ووقاهم شرها قال وليس في حديث تميم هذا كلام البيهقي فقد اختار أنه غيره وقدمنا أنه صح عن ابن عمر وجابر أنه الدجال فإن قيل لم لم يقتله النبي مع أنه ادعى بحضرته النبوة فالجواب من وجهين ذكرهما البيهقي وغيره أحدهما أنه كان غير بالغ واختار القاضي عياض رحمه الله هذا الجواب والثاني أنه كان في أيام مهادنة اليهود وحلفائهم وجزم الخطابي بالجواب الثاني قال لأن النبي بعد قدومه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتاب الصلح على أن يتركوا على حالهم وكان ابن صياد منهم أو دخيلا فيهم قال الخطابي وأما امتحان النبي بما خبأه له من آية الدخان فلأنه كان يبلغه ما يدعيه من الكهانة ويتعاطاه من الكلام في الغيب فامتحنه ليعلم حقيقة حاله ويظهر إبطال حاله للصحابة فإنه كاهن ساحر يأتيه الشيطان فيلقي على لسانه ما يلقيه الشياطين إلى الكهنة فامتحنه ثم قال فلن تعدو قدرك أي لا تتجاوز قدرك وقدر أمثالك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء الشيطان كلمة واحدة من جملة كثيرة بخلاف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنه يوحي الله تعالى إليهم من علم الغيب ما يوحي فيكون واضحا جليا كاملا وبخلاف ما يلهم الله الأولياء من الكرامات والله تعالى أعلم متفق عليه ورواه أبو داود

(16/49)


والترمذي وعن أبي سعيد الخدري قال لقيه رسول الله وأبو بكر وعمر يعني أي يريد أبو سعيد بالضمير البارز ابن صياد والمعنى لقوه في بعض طرق المدينة فقال له رسول الله أتشهد أني رسول الله فقال هو أي ابن صياد وهو تأكيد للضمير المستكن في
فقال أتشهد أني رسول الله فقال رسول الله آمنت بالله وملائكته ورسله تقدم ما يتعلق به ماذا ترى قال أرى عرشا على الماء فقال رسول الله ترى عرش إبليس على البحر أقول قد جرى لبعض المكاشفين من هذه الأمة وقد قدمنا بيانه وما ترى أي غير هذا قال أرى صادقين وكاذبا أو كاذبين وصادقا أي يأتيني شخصان يخبراني بما هو صدق وشخص يخبرني بما هو كذب والشك من ابن الصياد في عدد الصادق والكاذب يدل على افترائه إذ المؤيد من عند الله لا يكون كذلك فقال رسول الله أي لأصحابه لبس بضم لام وكسر موحدة مخففة ولو شدد لأفاد التأكيد والتكثير أي خلط عليه الأمر في كهانته فدعوه أي فاتركوه فإنه لا يحدث بشيء يصلح أن يعول عليه رواه مسلم وعنه أي عن أبي سعيد أن ابن صياد سأل النبي عن تربة الجنة أي ما ترابها فقال درمكة في القاموس الدرمك كجعفر دقيق الحواري والتراب الناعم بيضاء صفة مؤكدة مسك خالص خبر ثان وفي النهاية الدرمكة الدقيق الحواري شبه تربة الجنة بها لبياضها ونعومتها وبالمسك لطيبها انتهى ويقال دقيق حواري بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء هو ما حور أي بيض من الطعام رواه مسلم وعن نافع قال لقي ابن عمر ابن صياد أي رآه في بعض طرق المدينة فقال أي ابن عمر له قولا أغضبه أي القول مجازا أو ابن عمر فانتفخ أي صار ذا نفخ من الغضب حتى ملأ أي جسده المنتفخ السكة بكسر فتشديد أي الطريق فدخل ابن عمر على حفصة وهي أخته أم المؤمنين وقد بلغها أي وقد وصل إليها ما جرى بينهما فقالت له أي

(16/50)


لأخيها رحمك الله جملة دعائية دالة على جواز مثلها للأحياء وإن كان العرف الآن على خلاف ذلك ما أردت ما استفهام مفعول أردت أي أي شيء قصدت من ابن صياد أي حيث أغضبته في الكلام أما علمت أن رسول الله قال إنما يخرج أي الدجال حين يخرج من غضبة بسكون الضاد المعجمة أي من مرة واحدة من الغضب يغضبها الجملة في موضع الجر والضمير في موضع النصب أي أنه يغضب غضبة فيخرج بسبب غضبه فيدعي النبوة فلا تغضبه يا عبد الله ولا تتكلم معه كيلا يخرج فتظهر الفتن ذكره الطيبي رحمه الله وقال المظهر يعني إنما يخرج الدجال حين يغضب رواه مسلم وعن أبي سعيد الخدري قال صحبت ابن صياد إلى مكة أي متوجهين إليها فقال لي ما لقيت ما استفهام تعجيب أي شيئا عظيما لقيت من الناس أي من كلامهم ثم بينه بقوله يزعمون أني الدجال أي ولست إياه وقال بعضهم قوله يزعمون استئناف كأنه لما قال ما لقيت أي أي شيء لقيت من الناس قيل له ماذا تشكو منهم فقال يزعمون أو حال من فاعل لقيت أي أي شيء لقيت من الناس وإنهم يزعمون كذا أي يترددون في أمري ويشكون فيه أنت تعلم أن الأمر على خلاف ذلك ألست سمعت رسول الله يقول لا يولد له وقد ولد لي أليس قد قال هو كافر وأنا مسلم أو ليس قد قال لا يدخل المدينة ولا مكة وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة وقد سبق تأويلات الجمل المذكورة ثم قال لي في آخر قوله أما والله إني لأعلم أي لأعرف مولده أي زمان ولادة الدجال ومكانه أي حينئذ وأين هو أي الآن وأعرف أباه وأمه فيه أنه يحتمل أن يكون كاذبا وصادقا فيه قال أي أبو سعيد فلبسني بتخفيف الموحدة المفتوحة قال النووي رحمه الله هو بالتخفيف أي جعلني ألتبس على أمره وأشك فيه يعني حيث قال أولا اعلم أنا مسلم ثم ادعى الغيب بقوله إني لأعلم ومن ادعى علم الغيب فقد كفر فالتبس علي إسلامه وكفره وقال ابن الملك فلبسني من التلبيس أي التخليط حيث لم يبين مولده وموضعه بل

(16/51)


تركه ملتبسا فلبس علي أو معناه أوقعني في الشك بقوله ولد لي وبدخوله المدينة ومكة وكان يظن أنه الدجال قال أي أبو سعيد قلت له أي لابن صياد تبا بتشديد الموحدة أي هلاكا وخسرانا لك سائر اليوم أي جميع اليوم أو باقيه أي ما تقدم من اليوم قد خسرت فيه فكذا في باقيه قال أي أبو سعيد وقيل له أي لابن صياد أيسرك أي أيوقعك في السرور ويفرحك ويعجبك أنك ذلك الرجل أي أن تكون الدجال قال أي أبو سعيد فقال أي ابن صياد لو عرض علي بصيغة المجهول أي لو عرض علي ما جبل في الدجال من الإغواء والخديعة والتلبيس على ما كرهت أي بل قبلت والحاصل رضاه بكونه الدجال وهذا دليل واضع على كفره كذا ذكره المظهر وغيره من الشراح رواه مسلم وعن ابن عمر قال لقيته أي ابن صياد وقد نفرت بفتح الفاء أي ورمت عينه كأن الجلد ينفر من اللحم الحادث بينهما قال شارح وروي بالقاف على بناء المجهول أي استخرجت قال النووي هو بفتح النون والقاف أي ورمت ونتأت وذكر القاضي عياض رحمه الله وجوها أخر والظاهر أنها تصحيف قلت متى فعلت عينك أسند الفعل إلى العين مجازا والمراد غيره والمعنى متى فعل الله بعينك ما أرى أي الذي أراه فيها من الورم وكأنه لبس على ابن صياد يختبره أو يوافقه أو يخالفه قال لا أدري قلت لا تدري بتقدير الاستفهام الإنكاري وهي في رأسك جملة حالية وهذا استبعاد بحسب العادة وإلا فمن الإمكان بل من أبدع ما كان أنه يحدث في عينه شيء ولا يدري فإنه إذا جاء القدر عمي البصر لا سيما وكل أحد أعمى في عيب نفسه بصير بعيوب غيره يرى القذى في عين الناس ولا يرى الجذع في باصرته قال إن شاء الله خلقها أي هذه العلة أو هذه العين المعيبة في عصاك أي بحيث لا تدري بها وهي أقرب شيء إليك قال القاضي رحمه الله قول ابن صياد إن شاء الله خلقها في عصاك في جواب قوله لا تدري وهي في رأسك إشارة إلى أنه يمكن أن تكون العين بحال لا يكون له شعور بحالها فلم يجوز أن يكون الإنسان مستغرقا

(16/52)


في أفكاره بحيث يشغله عن الإحساس بها والتذكر لأحوالها قلت ونظيره قطع عضو مأكوله من بعض العارفين حالة كونه من المصلين مستغرقا في بلوغ مدارج مشاهدة المقربين وطلوع معراج مناجاة رب العالمين وكما يشاهد من آحاد الناس أنه لا يحس بألم الجوع فرحا أو حزنا
وغير ذلك قال أي ابن عمر فنخر أي ابن صياد وهو بفتح النون والخاء المعجمة أي صوت صوتا منكرا كأشد نخير حمار قال شارح هو صوت الأنف يعني مد النفس في الخيشوم سمعت بالضم أي سمعت منه صوتا منكرا فإن أنكر الأصوات لصوت الحمير قال الطيبي رحمه الله كأشد نخير صفة مصدر محذوف أي نخر نخرة إلى آخره رواه مسلم وعن محمد بن المنكدر تابعي كبير روى عنه الثوري ومالك وغيرهما وهو ممن جمع بين العلم والزهد والعبادة قال رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله إن ابن الصياد بكسر الهمز وتعريف الصياد في الأصول الدجال أي هو الدجال قلت تحلف بالله أي أتحلف مع أنه أمر مظنون غير مجزوم به قال إني سمعت عمر يحلف على ذلك أي على أن ابن الصياد الدجال عند النبي فلم ينكره النبي أي ولو لم يكن مقطوعا لأنكره أي ولم يجز اليمين على ما يغلب به الظن لما سكت عنه قيل لعل عمر أراد بذلك أن ابن الصياد من الدجالين الذين يخرجون فيدعون النبوة أو يضلون الناس ويلبسون الأمر عليهم لا أنه المسيح الدجال لأن النبي تردد حيث قال إن يكن هو وإن لم يكن هو ولكن فيه أن الظاهر المتبادر من إطلاق الدجال هو الفرد الأكمل فالوجه حمل يمينه على الجواز عند غلبة الظن والله تعالى أعلم ثم رأيت شارحا قال فلم ينكره لأن النبي عرف أنه من جملة من حذر الناس عنه من الدجالين بقوله يخرج في أمتي دجالون كذابون قريبا من ثلاثين وابن صياد لم يكن خارجا من جملتهم لأنه ادعى النبوة بمحضر من النبي فلم يكن حلف عمر رضي الله تعالى عنه مخالفا للحقيقة أو يريد أن فيه صفة الدجال والله تعالى أعلم بالحال متفق عليه
$الفصل الثاني

(16/53)


عن نافع قال كان ابن عمر يقول والله ما أشك أي لا أتردد أن المسيح
الدجال ابن صياد أي هو هو وفي نسخة باللام رواه أبو داود أي في سننه بسند صحيح والبيهقي في كتاب البعث والنشور وعن جابر قال قد فقدنا ابن صياد وفي نسخة قد فقد بصيغة المجهول وضم ابن صياد يوم الحرة هو يوم غلبة يزيد بن معاوية على أهل المدينة ومحاربته إياهم قيل هذا يخالف رواية من روى أنه مات بالمدينة وليس بمخالف ذكره الطيبي رحمه الله وهو مخالف إذ يلزم من فقده المحتمل موته بها وبغيرها وكذا بقاؤه في الدنيا إلى حين خروجه عدم جزم موته بالمدينة رواه أبو داود أي بسند صحيح وعن أبي بكرة بالتاء قال قال رسول الله يمكث أبو الدجال أي والداه ثلاثين عاما ولعل المراد به أحد الدجالين فلا ينافيه ما سبق ولا ما يأتي من الكلام لا يولد لهما ولد ثم يولد لهما غلام أعور أضرس أي عظيم الضرس وهو السن والمراد به الناب لما سيأتي وأقله أي وأقل غلام منفعة والمعنى لا غلام أقل منه نفعا قال الجزري قوله أضرس كذا في نسخ المصابيح أي عظيم الضرس أو الذي يولد وضرسه معه ولا شك عندي أنه تصحيف أضر شيء وكذا هو في كتاب الترمذي الذي أخذه المؤلف منه وبهذا يصح عطف وأقله منفعة عليه من غير تعسف ولا تكلف تقدير ويكون الضمير عائد إلى شيء أي أقل شيء منفعة قلت ويؤيده أنه أورد الحافظ ابن حجر في شرح البخاري حديث أبي بكرة ناقلا عن أبي داود وفيه غلام أعور أضر شيء وأقله نفعا تنام عيناه ولا ينام قلبه قال القاضي رحمه الله أي لا تنقطع أفكاره الفاسدة عنه عند النوم لكثرة وساوسه وتخيلاته وتواتر ما يلقي الشيطان إليه كما لم يكن ينام قلب النبي من أفكاره الصالحة بسبب ما تواتر عليه من الوحي والإلهام ثم نعت لنا رسول الله أبويه فقال أي النبي أبوه طوال بضم الطاء وتخفيف الواو مبالغة طويل والمشدد أكثر مبالغة لكن الأول هو الرواية ضرب اللحم أي خفيفه وفي النهاية هو الخفيف اللحم المستدق وفي صفة

(16/54)


موسى عليه الصلاة والسلام أنه ضرب من الرجال كأن بتشديد النون أنفه منقار بكسر الميم أي في أنفه طول بحيث
يشبه منقار طائر وأمه امرأة فرضاخية بكسر الفاء وتشديد التحتية أي ضخمة عظيمة ذكره القاضي وفي الفائق هي صفة بالضخم وقيل بالطول والياء مزيدة فيه للمبالغة كأحمري وفي القاموس رجل فرضاخ ضخم عريض أو طويل وهي بهاء وامرأة فرضاخة أو فرضاخية عظيمة الثديين وفي النهاية فرضاخية ضخمة عظيمة الثديين طويلة اليدين أي بالإضافة إلى عادة نسائها أو بالنسبة إلى سائر أعضائها فقال أبو بكرة فسمعنا بمولود في اليهود بالمدينة فذهبت أنا والزبير بن العوام بالرفع أو النصب حتى دخلنا على أبويه فإذا نعت رسول الله أي وصفه فيهما فقلنا هل لكما ولد بالرفع أي ولد ولد فقالا مكثنا بفتح الكاف وضمها أي لبثنا ثلاثين عاما لا يولد لنا ولد ثم ولد لنا غلام أعور أضرس فيه ما تقدم وأقله منفعة تنام عينه ولا ينام قلبه ولعله كان يظهر بعض آثار قلبه على صفحة قالبه أو هو أخبرهما عن بعض مدركات قلبه حال نومه قال أي أبو بكرة فخرجنا من عندهما فإذا هو أي الغلام منجدل بكسر الدال أي ملقى على وجه الأرض قال الطيبي رحمه الله أي ملقى على الجدالة وهي الأرض ومنه الحديث أنا خاتم الأنبياء في أم الكتاب وآدم لمنجدل في طينته قلت ففيه تجريد أو تأكيد والمعنى أنه ساقط أو واقع في الشمس في قطيفة أي دثار مخمل على ما في القاموس وله همهمة أي زمزمة وقال شارح أي كلام غير مفهوم منه شيء وهي في الأصل ترديد الصوت في الصدر أي كما هو مشاهد في الفرس عند جريانه وفي النهاية وأصل الهمهمة صوت البقر فكشف أي ابن صياد عن رأسه أي غطاءه فقال ما قلتما فكأنه وقع كلام بينهما فيه أو في غيره قلنا وهل سمعت ما قلنا قال نعم تنام عيناي ولا ينام قلبي رواه الترمذي وكذا أبو داود وعن جابر أن امرأة من اليهود بالمدينة ولدت غلاما ممسوحة عينه أي اليمنى وقيل اليسرى طالعة نابه هكذا هو في شرح

(16/55)


السنة والظاهر طالعا نابه إلا أن يراد به الجنس
والتعدد فيه على التحمل ذكره الطيبي رحمه الله فالمعنى طالعة أنيابه وفي القاموس الناب السن خلف الرباعية مؤنث فالتعدد باعتبار الطرفين والجمع باعتبار أن الأقل يكون لاثنين وهذا الحديث يقوي رواية أضرس فيما تقدم والله تعالى أعلم فأشفق أي خاف رسول الله أي على أمته أن يكون أي هو الدجال فوجده تحت قطيفة يهمهم أي يتكلم بكلام غير مفهوم فآذنته بالمد أي أعلمته أمه أي بمأتى النبي إياه فقالت يا عبد الله يحتمل العلمية والوصفية هذا أبو القاسم أي حاضرا وحضر فتنبه له وتهيأ لكلامه فخرج من القطيفة فقال رسول الله ما لها ما للاستفهام مبتدأ ولها خبره أي أي شيء لها قاتلها الله دعاء عليها زجرا لها لو تركته لبين أي لأظهر ما في ضميره فذكر أي جابر مثل معنى حديث ابن عمر أي الحديث الأول من باب قصة ابن صياد فقال عمر بن الخطاب ائذن لي أمر من الإذن أي أعطني الإجازة يا رسول الله فأقتله بالنصب على جواب الأمر فقال رسول الله إن يكن هو أي ابن الصياد الدجال فلست صاحبه أي صاحب قتله ومباشرة هلاكه إنما صاحبه عيسى ابن مريم وإن لم يكن استعمال لا أولى هنا من قولهم في مثل هذا المقام وإن لم يكن فليس لك أن تقتل رجلا من أهل العهد أي من الذمة والجزية فلم يزل رسول الله مشفقا أي خائفا على أمته أنه أي ابن الصياد هو الدجال رواه أي البغوي في شرح السنة بإسناده قال بعض المحققين الوجه في الأحاديث الواردة في ابن صياد مع ما فيها من الاختلاف والتضاد أن يقال إنه حسبه الدجال قبل التحقيق بخبر المسيح الدجال فلما أخبر بما أخبر به من شأن قصته في حديث تميم الداري ووافق ذلك ما عنده تبين له أن ابن الصياد ليس بالذي ظنه ويؤيده ما ذكره أبو سعيد حين صحبه إلى مكة وأما توافق النعوت في أبوي الدجال وأبوي ابن صياد فليس مما يقطع به قولا فإن اتفاق الوصفين لا يلزم منه اتحاد الموصوفين وكذا حلف عمر وابنه مع عدم

(16/56)


إنكاره من أنه الدجال فإن كل ذلك قبل تبين الحال وقد كان للدجال في بعض علاماته ما أورث ذلك فيه إشفاقا منه

(16/57)


باب نزول عيسى عليه الصلاة والسلام

$الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما بفتحتين أي حاكما عدلا أي عادلا فيكسر بالرفع وقيل بالنصب والفاء فيه تفصيلية لقوله حكما عدلا أو تفريعية أي يهدم ويقطع الصليب قال في شرح السنة وغيره أي فيبطل النصرانية ويحكم بالملة الحنيفية وقال ابن الملك الصليب في اصطلاح النصارى خشبة مثلثة يدعون أن عيسى عليه الصلاة والسلام صلب على خشبة مثلثة على تلك الصورة وقد يكون فيه صورة المسيح ويقتل الخنزير أي يحرم اقتناءه وأكله ويبيح قتله في شرح السنة وفيه بيان أن أعيانها نجسة لأن عيسى عليه الصلاة والسلام إنما يقتلها على حكم شرع الإسلام والشيء الظاهر المنتفع به لا يباح إتلافه انتهى وفيه أنه قد يباح لمصلحة دينية أو دنيوية مع أن في كون الخنزير نجس العين بجميع أجزائه خلافا للعلماء ويضع الجزية أي عن أهل الكتاب ويحملهم على الإسلام ولا يقبل منهم غير دين الحق وقيل يضع الجزية عنهم لأنه لا يوجد محتاج يقبل الجزية منهم لكثرة المال وقلة أهل الحرص والآمال ويؤيده قوله ويفيض بفتح أوله من فاض الماء يفيض إذا كثر حتى سال كالوادي على ما في القاموس أي يكثر المال حتى لا يقبله أحد أي من الرجال حتى تكون السجدة أي الواحدة لما فيها من لذة العبادة والمراد بالسجدة نفسها أو الصلاة بكمالها لتضمنها لها خيرا من الدنيا وما فيها قال الطيبي رحمه الله تعالى حتى الأولى متعلقة بقوله ويفيض المال والثانية غاية لمفهوم قوله فيكسر الصليب الخ أقول والأظهر أن الثانية بدل من الأولى أو غاية لما قبلها قائمة مقام العلة لها قال التوربشتي رحمه الله لم تزل السجدة الواحدة في الحقيقة كذلك وإنما أراد بذلك أن الناس يرغبون

(16/58)


في أمر الله ويزهدون عن الدنيا حتى تكون السجدة الواحدة أحب إليهم من الدنيا وما فيها ثم يقول أبو هريرة فاقرؤوا إن شئتم وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته الآية بالنصب ويجوز رفعها وخفضها وقدمنا وجهها قال الطيبي رحمه الله استدل بالآية على نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان مصداقا للحديث وتحريره أن الضميرين في به وقبل موته لعيسى والمعنى وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله فتكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام انتهى وقيل المعنى ليس أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد عند المعاينة قبل خروج الروح وهو لا ينفع فضمير به راجع إلى نبينا وضمير موته للكتابي وقيل كل منهم يؤمن عند الموت بعيسى وأنه عبد الله وابن أمته ولا ينفع وقيل ضمير به لله سبحانه أي كل منهم يؤمن به تعالى عند الموت ولا ينفع والأولى مذهب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الآية متفق عليه وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا وفي نسخة عدلا وهو أبلغ فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية أي ليحكم بما ذكر وليتركن القلاص بصيغة الفاعل وفي نسخة بالمفعول وهو الملائم لقوله فلا يسعى عليها أي لا يعمل على القلاص وهو بكسر القاف جمع القلوص بفتحها وهي الناقة الشابة على ما في النهاية والمعنى إنه يترك العمل عليها استغناء عنها لكثرة غيرها أو معناه لا يأمر أحدا بأن يسعى على أخذها وتحصيلها للزكاة لعدم من يقبلها ففي النهاية أي يترك زكاتها فلا يكون لها ساع وقيل لا يكون معها راع يسعى ففي الصحاح كل من ولي أمر قوم فهو ساع عليهم وقال المظهر يعني ليتركن عيسى عليه الصلاة والسلام إبل الصدقة ولا يأمر أحدا أن يسعى عليها ويأخذها لأنه لا يجد من يقبلها لاستغناء الناس عنها والمراد بالسعي العمل قال الطيبي رحمه الله ويجوز أن يكون ذلك كناية عن

(16/59)


ترك التجارات والضرب في الأرض لطلب المال وتحصيل ما يحتاج إليه لإستغنائهم ولتذهبن أي ولتزولن الشحناء بفتح أوله أي العداوة التي تشحن القلب وتملؤه من الغضب
والتباغض أي الذي هو سبب العداوة والتحاسد أي الذي هو باعث التباغض وكلها نتيجة حب الدنيا فتزول كل هذه العيوب بزوال محبة الدنيا عن القلوب وقال الأشرف إنما تذهب الشحناء والتباغض والتحاسد يومئذ لأن جميع الخلق يكونون يومئذ على ملة واحدة وهي الإسلام وأعلى أسباب التباغض وأكثرها هو اختلاف الأديان قلت اليوم كثير من البلدان متفقون على ملة الإسلام وفيهم علماء الأعلام ومشايخ الكرام مع كثرة التباغض والتحاسد والعداوة بل المقاتلة والمحاربة بين الحكام وليس السبب الباعث عليها إلا حب الجاه بين الأنام والميل إلى المال الحرام وليدعون ضبط في نسخة بضم الواو ونسب إلى النووي رحمه الله تعالى ولا وجه له فالصواب ما في الأصول المعتمدة من أنه بفتح الواو وتشديد النون وفاعله ضمير عيسى عليه الصلاة والسلام والمعنى ليدعون الناس إلى المال أي أخذه وقبوله فلا يقبله أحد أي استغناء بعطاء الأحد رواه مسلم وفي رواية لهما أي لمسلم والبخاري بقرينة ذكر مسلم فإن الغالب أن يكون قرينا له ففيه نوع تغليب للحاضر على الغائب قال أي النبي كيف أنتم أي حالكم ومآلكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم أي من أهل دينكم وقيل من قريش وهو المهدي والحاصل أن إمامكم واحد منكم دون عيسى فإنه بمنزلة الخليفة وقيل فيه دليل على أن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يكون من أمة محمد عليه الصلاة والسلام بل مقررا لملته ومعينا لأمته عليهما السلام وفي شرح السنة قال معمر وإنكم وإمامكم منكم وقال ابن أبي ذئب عن ابن شهاب فإمامكم منكم قال ابن أبي ذئب في معناه فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم قال الطيبي رحمه الله فالضمير في أمكم لعيسى ومنكم حال أي يؤمكم عيسى حال كونه من دينكم ويحتمل أن يكون معنى أمامكم منكم كيف حالكم

(16/60)


وأنتم مكرمون عند الله تعالى والحال أن عيسى ينزل فيكم وإمامكم منكم عيسى يقتدي بإمامكم تكرمة لدينكم ويشهد له الحديث الآتي اه وسيأتي بقية الكلام عليه فيه وهو قوله وعن جابر قال قال رسول الله لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق أما مقاتلة حسية أو معنوية على ظهور الحق أو حال كونهم على الحق ظاهرين أي غالبين
أي على أعدائهم قال تعالى إلا أن حزب الله هم الغالبون إلى يوم القيامة أي إلى قرب قيام الساعة قال أي النبي فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم أي المهدي تعال بفتح اللام أي أحضر وتقدم صل بدل أو استئناف بيان والمعنى أم لنا أي في صلاتنا فإن الأولى بالإمامة هو الأفضل وأنت النبي لرسول الكمل وفي رواية تعال فصل لنا فيقول لا أي لا أصير إماما لكم لئلا يتوهم بإمامتي لكم نسخ دينكم وقيل تعلل بأن هذه الصلاة أقيمت لإمامكم فهو أولى بها لكن يؤيد الأول إطلاق قوله إن بعضكم على بعض أمراء أي دينية أو دنيوية وأن على الإعانة المعية تكرمة الله هذه الأمة أي إكراما منه سبحانه لهذه الجماعة المكرمة قال القاضي رحمه الله تكرمة الله نصب على المفعول لأجله والعامل محذوف والمعنى شرع الله أن يكون إمام المسلمين منهم وأميرهم من عدادهم تكرمة لهم وتفخيما لشأنهم أو على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي قبله قال التفتازاني في شرح العقائد الأصح أن عيسى عليه الصلاة والسلام يصلي بالناس ويؤمهم ويقتدي به المهدي لأنه أفضل وإمامته أولى قال ابن أبي شريف هذا يوافق ما في مسلم من قوله وإمامكم منكم لكنه فيه ما يخالفه وهو حديث جابر ويمكن الجمع بينهما بأن يكون صلى بهم أول نزوله تنبيها على أنه نزل مقتدى به في الحكم على شريعتهم ثم دعي إلى الصلاة فأشار بأن يؤمهم المهدي إظهارا لاكرام الله به هذه الأمة قلت ويمكن الجمع بالعكس أيضا وربما يدعي أنه الأولى على أن قوله إمامكم منكم ظاهر في أن المهدي هو الإمام والله تعالى أعلم بالمرام قال وأما

(16/61)


كونه أفضل فلا يلزم منه بطلان الاقتداء بغيره وأما الأولوية بالأفضلية فيعارضها اظهار تكرمة الله تعالى هذه الأمة بدوام شريعته كما نطق به الحديث رواه مسلم وهذا الباب خال عن الفصل الثاني يعني عن الأحاديث الموصوفة بالحسان على اصطلاح البغوي المعبر عنها بالفصل الثاني على مصطلح صاحب المشكاة
$الفصل الثالث
أي الموضوع في الأحاديث الزائدة لصاحب المشكاة على المصابيح المناسبة للباب وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ينزل عيسى ابن مريم

(16/62)


إلى الأرض فيتزوج ويولد له ويمكث خمسا وأربعين سنة وهذا بظاهره يخالف قول من قال إن عيسى رفع به إلى السماء وعمره ثلاث وثلاثون ويمكث في الأرض بعد نزوله سبع سنين فيكون مجموع العدد أربعين لكن حديث مكثه سبعا رواه مسلم فيتعين الجمع بما ذكر أو ترجيح ما في الصحيح ولعل عدد الخمس ساقط من الاعتبار لإلغاء الكسر ثم يموت فيدفن معي أي مصاحبا لي في قبري أي في مقبرتي وعبر عنها بالقبر لقرب قبره بقبره فكأنهما في قبر واحد فأقوم أنا وعيسى في قبر واحد أي من مقبرة واحدة ففي القاموس إن في تأتي بمعنى من وكذا في المغني بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أي حال كوننا قائمين واقفين بين أبي بكر وعمر فأحدهما عن يمينهما إيماء إلى تيمنه بالإيمان وأن الإيمان يمان والظاهر أنه أبو بكر والآخر عن يسارهما ليسر الإسلام وعزه به وهو عمر وسيأتي في فضائل سيد المرسلين عن عبد الله بن سلام برواية الترمذي عنه قال مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى ابن مريم يدفن معه قال أبو داود وقد بقي في البيت موضع قبر أقول والظاهر اللائق بمقام عيسى عليه الصلاة والسلام أن يكون بين النبي وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه لكن سيأتي في كلام الجزري أنه يدفن بعد عمر ولعله نظر إلى تأخر الدفن باعتبار تأخر زمن الموت أو تكرمة لهذه الأمة وتعظيما للصحابيين الكريمين أن يكونا بين النبيين العظيمين والله سبحانه وتعالى أعلم رواه ابن الجوزي في كتاب الوفاء

(16/63)


باب قرب الساعة وأن من مات فقد قامت قيامته
وفي نسخة القيامة وأطلق الساعة عليها لأنها تكون بغتة وفجأة فوقوعها في أدنى ما يطلق عليه اسم الزمان وإن كانت بالنسبة إلى انتهائها مديدة وقيل أطلقت عليها لطولها كما يسمى الزنجي بالكافور تسمية بالضد وأن من مات فقد قامت قيامته عطف على قرب الساعة لا على الساعة لفساد المعنى قال التوربشتي رحمه الله الساعة جزء من أجزاء الزمان ويعبر بها عن القيامة وقد ورد في كتاب الله وسنة رسوله على أقسام ثلاثة الكبرى وهي بعث الناس للجزاء والقيامة الوسطى وهي انقراض القرن الواحد بالموت والقيامة الصغرى وهي موت الإنسان والمراد هنا هذه أي الأخيرة والظاهر أن المراد بالساعة هي الكبرى سواء أريد بها النفخة الأولى لقوله لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس أو الثانية وهي الطامة الكبرى المعروفة في الكتاب والسنة ومن أحاديث الباب قوله عليه الصلاة والسلام بعثت أنا والساعة كهاتين يحتملهما نعم حديث عائشة الآتي يدل على القيامة الوسطى وأما في كتاب الله فما أظن أن الساعة وردت بهذا المعنى ولا ما يدل على القيامة الصغرى إلا ما رواه الديلمي عن أنس مرفوعا بلفظ إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته وهو المعنون في الباب مع عدم إيراد حديث يلائمه وهذا كما ترى لم يرد بلفظ الساعة وأريد بها القيامة الصغرى بل ولا ورد بمعنى القيامة الوسطى إلا بالإضافة فالأولى أن يقال إن الساعة منقسمة إلى ثلاثة كبرى وهي الطامة الجامعة ووسطى وهي النفخة للإماتة العامة وصغرى وهي إماتة الجماعة والقيامة تطلق على الثلاثة وعلى من مات وحده أيضا والله سبحانه وتعالى أعلم

(16/64)


$الفصل الأول
عن شعبة أحد رواة الحديث عن قتادة تابعي جليل عن أنس قال قال رسول الله بعثت أنا والساعة بالرفع في بعض وفي بعض النسخ بالنصب قال النووي رحمه الله وروي بنصب الساعة ورفعها قال شارح من علمائنا الساعة مرفوعة رواية ويجوز النصب على أن الواو بمعنى مع كهاتين قال القاضي رحمه الله معناه أن نسبة تقدم بعثته على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الإصبعين على الأخرى انتهى وهو المعنى بما قيل كفضل الوسطى على السبابة في السبق ويدل عليه ما سيأتي من حديث ابن شداد والأظهر أن يقال كفصل إحداهما عن الأخرى بالصاد المهملة لما بينهما من قليل الانفصال ويؤيده ما في النهاية ويحتمل وجها آخر أن يكون المراد منه ارتباط دعوته بالساعة لا تفترق إحداهما عن الأخرى كما أن السبابة لا تفترق عن الوسطى ولم يوجد بينهما ما ليس منهما وقال شارح آخر يريد أن دينه متصل بقيام الساعة لا يفصله عنه دين آخر ولا يفرق بينهما دعوة أخرى كما لا يفصل شيء بين السبابة والوسطى قال الطيبي رحمه الله ويؤيد الوجه الأول الحديث الآتي للمستورد بن شداد قلت فيه نظر لأن في كل حديث روعي معنى لم يراع في

(16/65)


الآخر إذ التأسيس أولى من التأكيد على أنه لا مانع من أن يلاحظ في هذا الحديث كلا المعنيين إذ لا تدافع فيما بينهما في رأي العينين نعم يفهم من المعنى الأول إغراق في التشبيه القربي ما لا يفهم من الثاني ولذا اختاره بعضهم ويؤيده موافقته لتفسير الراوي قال شعبة وسمعت قتادة يقول في قصصه بفتح القاف مصدر قص يقص بمعنى يعظ أو يحكي القصة أو يحدث ويروي ومنه قوله تعالى نحن نقص عليك أحسن القصص يوسف وفي نسخة بكسر القاف وهي جمع قصة والمعنى في قصص قتادة أي تحديثه أو تفسير حديثه كفضل إحداهما أي إحدى الإصبعين على الأخرى قال الطيبي رحمه الله قوله كفضل إحداهما بدل من قوله كهاتين موضح له وهو يؤيد الوجه الأول والرفع على العطف والمعنى بعثت أنا والساعة بعثا متفاضلا مثل فضل إحداهما ومعنى النصب لا يستقيم على هذا يعني لا بد على قصد المعية لكن يمكن ادعاؤها على طريق المبالغة كما عبر عنه في الحديث الآتي بقوله بعثت في نفس الساعة بفتحتين أي في قربها فلا أدري أذكره أي قتادة عن أنس أي مرفوعا أو موقوفا أو قاله قتادة أي من عند نفسه وتلقاء رأيه وهو الأظهر حتى يثبت الآخر متفق عليه ورواه أحمد والترمذي عن أنس وكذا روى أحمد والشيخان عن سهل بن سعد وعن جابر قال سمعت النبي يقول قبل أن يموت بشهر تسألوني بتشديد النون وتخفيفه على صيغة الخطاب للأصحاب وهمزة الإنكار مقدرة أي أتسألوني عن الساعة أي القيامة وهي النفخة الأولى أو الثانية وإنما علمها عند الله أي لا يعلمها إلا هو وقال الطيبي رحمه الله حال مقررة لجهة الإشكال أنكر عليهم سؤالهم وأكده بقوله وإنما علمها عند الله وقوله وأقسم بالله مقرر له يعني تسألونني عن القيامة الكبرى وعلمها عند الله وما أعلمه هو القيامة الصغرى انتهى وهو يؤيد تقسيمنا المتقدم في الساعة ما على الأرض ما نافية ومن في قوله من نفس زائدة للاستغراق وقوله منفوسة صفة نفس وكذا ما يأتي والمعنى ما من نفس مولودة اليوم

(16/66)


يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ يقال نفست المرأة غلاما بالكسر ونفست على البناء للمفعول إذا ولدت نفسا فهي نافس ونفساء والولد منفوس قال الشاعر
كما سقط المنفوس بين القوابل قال الأشرف معناه ما تبقى نفس مولودة اليوم مائة سنة أراد به موت الصحابة رضي الله عنهم وقال هذا على الغالب وإلا فقد عاش بعض الصحابة أكثر من مائة سنة انتهى ومنهم أنس بن مالك وسلمان وغيرهما والأظهر أن المعنى لا تعيش نفس مائة سنة بعد هذا القول كما يدل عليه الحديث الآتي فلا حاجة إلى اعتبار الغالب فلعل المولودين في ذلك الزمان انقرضوا قبل تمام المائة من زمان ورود الحديث ومما يؤيد هذا المعنى استدلال المحققين من المحدثين وغيرهم من المتكلمين على بطلان دعوى بابارتن الهندي وغيره ممن ادعى الصحبة وزعم أنه من المعمرين إلى المائتين والزيادة بقي أن الحديث بظاهره يدل على عدم حياة الخضر وإلياس وقد قال البغوي رحمه الله في معالم التنزيل أربعة من الأنبياء في الحياة إثنان في الأرض الخضر وإلياس وإثنان في السماء عيسى وإدريس عليهم الصلاة والسلام فالحديث مخصوص بغيرهم أو المراد ما من نفس منفوسة من أمتي والنبي عليه الصلاة والسلام لا يكون من أمته نبي آخر وقيل قيد الأرض يخرج الخضر وإلياس فإنهما كانا على البحر حينئذ والله تعالى أعلم رواه مسلم وعن أبي سعيد عن النبي قال لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة والجملة حالية اليوم هو ظرف منفوسة ذكره الطيبي رحمه الله قال ابن الملك إشارة إلى زمنه رواه مسلم وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان رجال من الأعراب أي أهل البدو يأتون النبي فيسألونه عن الساعة الظاهر أن سؤالهم عن الساعة الكبرى فالجواب الآتي على أسلوب الحكيم فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول إن يعش هذا لا يدركه بالرفع وقيل بالجزم أي لا يلحقه الهرم بفتحتين وهو الكبر حتى تقوم عليكم ساعتكم أي قيامتكم

(16/67)


وهي الساعة الصغرى عندي والوسطى عند بعض الشراح والمراد موت جميعهم وهو الظاهر أو أكثرهم وهو الغالب قال القاضي رحمه الله أراد بالساعة انقراض القرن الذين هم من عدادهم ولذلك أضاف إليهم وقال بعضهم أراد موت كل واحد منهم متفق عليه
$الفصل الثاني
عن المستورد بن شداد يقال إنه كان غلاما يوم قبض النبي ولكنه سمع منه وروى عنه جماعة عن النبي قال بعثت في نفس الساعة بفتح النون والفاء لا غير أراد به قربها أي حين تنفست وتنفسها ظهور اشراطها ومنه قوله تعالى والصبح إذا تنفس التكوير أي ظهر آثار طلوعه وبعثة النبي من أول أشراطها هذا معنى كلام التوربشتي رحمه الله والأظهر أن معناه بعثت أنا والساعة في نفس واحد من كمال الاتصال وعدم الاعتبار بقليل من الانفصال ويؤيده قوله فسبقتها أي الساعة في الوجود كما سبقت هذه أي السبابة هذه أي الوسطى أي وجودا أو حسابا باعتبار الابتداء من جانب الابهام وعدل عن الابهام لطول الفصل بينه وبين المسبحة ثم بين الاشارتين الراوي بقوله وأشار أي النبي بإصبعه السبابة أي المسبحة والوسطى على طريق اللف والنشر المرتب رواه الترمذي وروى البيهقي عن سهل بن سعد مرفوعا مثلي ومثل الساعة كفرسي رهان مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه أتيتم أتيتم أنا ذاك أنا ذاك وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي قال إني لأرجو أن لا تعجز أمتي بكسر الجيم ويجوز ضمها وهو مفعول أرجو أي أرجو عدم عجز أمتي عند ربها من كمال قربها أن يؤخرهم نصف يوم يوم بدل من أن لا تعجز واختاره ابن الملك أو متعلق به بحذف عن كما اقتصر عليه الطيبي ثم قال وعدم العجز هنا كناية عن التمكن من القربة

(16/68)


والمكانة عند الله تعالى مثال ذلك قول المقرب عند السلطان إني لا أعجز أن يوليني الملك كذا وكذا يعني به أن لي عنده مكانة وقربة يحصل بها كل ما أرجوه عنده فالمعنى إني أرجو أن يكون لأمتي عند الله مكانة ومنزلة يمهلهم من زماني هذا إلى انتهاء خمسمائة سنة بحيث لا يكون أقل من ذلك إلى قيام الساعة قيل لسعد وكم نصف يوم قال خمسمائة سنة إنما فسر الراوي نصف اليوم بخمسمائة نظرا إلى قوله تعالى وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون الحج وقوله تعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة السجدة وإنما عبر رسول الله عن خمسمائة سنة بنصف يوم تقليلا لبغيتهم ورفعا لمنزلتهم أي لا يناقشهم في هذا المقدار القليل بل يزيدهم من فضله وقد وهم بعضهم ونزل الحديث على أمر القيامة وحمل اليوم على يوم المحشر فهب أنه غفل عما حققناه ونبهنا عليه فهلا انتبه لمكان الحديث وأنه في أي باب من أبواب الكتاب فإنه مكتوب في باب قرب الساعة فأين هو منه ذكره الطيبي رحمه الله ولعله أراد بالخمسمائة أن يكون بعد الألف السابع فإن اليوم نحن في سابع سنة من الألف الثامن وفيه إشارة إلى أنه لا يتعدى عن الخمسمائة فيوافق حديث عمر الدنيا سبعة آلاف سنة فالكسر الزائد يلغى ونهايته إلى النصف وأما ما بعده فيعد ألفا ثامنا بإلغاء الكسر الناقص وقيل أراد بقاء دينه ونظام ملته في الدنيا مدة خمسمائة سنة فقوله أن يؤخرهم أي عن أن يؤخرهم الله سالمين عن العيوب من ارتكاب الذنوب والشدائد الناشئة من الكروب والله تعالى أعلم رواه أبو داود
$الفصل الثالث

(16/69)


عن أنس قال قال رسول الله مثل هذه الدنيا أي وقلة بقائها مثل توب شق بضم أوله أي قطع من أوله إلى آخره أي إلى قريب منه أو هو من قبيل أن الغاية فيه لا تكون داخلة تحت البغية كقوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل البقرة فبقي متعلقا بخيط في آخره الضميران للثوب فيوشك ذلك الخيط وهو عبارة عن زمان قليل يكون فيه الدين المحمدي أن ينقطع أي فتنقطع الدنيا وتنفصل عن وجودها وتذهب وتأتي الأخرى فتبقى على أبد الآباد فيسعد أهلها أو يشقى رواه البيهقي في شعب الإيمان

(16/70)


باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس
روي بتنوين باب وبالإضافة إلى الجملة واقتصر على الأول أصل السيد والطيبي على الثاني حيث قال هذه الجملة محكية مضاف إليها ترجمة الباب وهو من باب تسمية الشيء بالحمل على سبيل الحكاية كما سموا بتأبط شرا وبرق نحره وشاب قرناها كما لو سمي بزيد منطلق أو بيت شعر

$الفصل الأول
عن أنس أن رسول الله قال لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله بالرفع فيهما وكرر للتأكيد وقيل تكريره عبارة عن تكثير ذكره وقيل معناه الله حسبي أو هو المعبود فالأول مبتدأ والثاني خبر وفي نسخة بنصبهما قال شارح قوله الله الله بالرفع مبتدأ وخبر أي الله هو المستحق للعبادة لا غير وإن رويا بالنصب فعلى التحذير أي اتقوا الله واعبدوه فعلى هذا معناه لا تقوم الساعة حتى لا يبقى في الأرض مسلم لم يحذر الناس من الله وقيل أي لا يذكر الله فلا يبقى حكمة في بقاء الناس ومن هذا يعرف أن بقاء العالم ببركة العلماء العاملين والعباد الصالحين وعموم المؤمنين وهو المراد بما قاله الطيبي رحمه الله معنى حتى لا يقال حتى لا يذكر اسم الله ولا يعبد وإليه ينظر قوله تعالى ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا آل عمران يعني ما خلقته خلقا باطلا بغير حكمة بل خلقته لأذكر وأعبد فإذا لم يذكر ولم يعبد فبالحري أن يخرب وتقوم الساعة وقال المظهر هذا دليل على أن بركة العلماء والصلحاء تصل إلى من في العالم من الجن والإنس وغيرهما من الحيوانات والجمادات والنباتات وفي رواية لا

(16/71)


تقوم الساعة على أحد يقول الله الله بالوجهين فيهما رواه مسلم وكذا أحمد والترمذي وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق بكسر الشين جمع الشر قال الطيبي رحمه الله فإن قيل ما وجه التوفيق بين هذا الحديث والحديث السابق لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قلنا السابق مستغرق للأزمنة عام فيها والثاني مخصص رواه مسلم وروى أبو يعلى في مسنده والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد مرفوعا لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت وروى السجزي عن ابن عمر رفعه لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن والقرآن وعن أبي هريرة قال قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى تضطرب أي تتحرك أليات نساء دوس بفتح فسكون قبيلة من اليمن والأليات بفتحتين جمع آلية بفتح فسكون وهي في الأصل اللحمة التي تكون في أصل العضو وقيل هي اللحمة المشرفة على الظهر والفخذ وهي لحم المقعد والمعنى حتى يرتدوا فتطوف نساؤهم حول ذي الخلصة بفتح الخاء المعجمة واللام وذو الخلصة طاغية دوس أي صنمهم وقال شارح أي أصنامهم التي كانوا أي دوس يعبدون أي يعبدونها في الجاهلية أي قبل الملة الحنيفية والظاهر أن هذا تفسير من أبي هريرة أو غيره من الرواة وفي النهاية هو بيت كان فيه صنم لدوس وخثعم وبجيلة وغيرهم وقيل ذو الخلصة الكعبة اليمانية التي كانت باليمن فأنفذ إليها رسول الله جرير بن عبد الله فخربها وقيل ذو الخلصة اسم الصنم نفسه وفيه نظر لأن ذو لا يضاف إلا إلى اسم الجنس والمعنى أنهم يرتدون إلى جاهليتهم في عبادة الأوثان

(16/72)


فتسعى نساء بني دوس طائفات حول ذي الخلصة فترتج أعجازهن مضطربة ألياتهن كما كانت عادتهن في الجاهلية متفق عليه وعن عائشة قالت سمعت رسول الله يقول لا يذهب الليل والنهار أي لا تقوم الساعة حتى يعبد بالتذكير وجوز تأنيثه اللات صنم لثقيف والعزى بضم عين فتشديد زاي صنم لغطفان فقلت يا رسول الله إن كنت لأظن إن هي المخففة من المثقلة واللام هي الفارقة قال المظهر تقديره إنه كنت لأظن يعني أن الشأن كنت لأحسب حين أنزل الله هو الذي أرسل رسوله بالهدى أي بالتوحيد ودين الحق أي وبالشريعة الثابتة ولما كان مؤداهما واحدا أفرد الضمير في قوله ليظهره أي ليعليه ويغلبه على الدين كله أي على الأديان جميعها باطلها بردها وحقها بنسخها ولو كره المشركون أي ما عليه الموحدون المخلصون أن ذلك بفتح الهمزة مفعول لأظن وحين أنزل الله ظرف له أي كنت أظن حين إنزال تلك الآية أن ذلك الحكم المذكور المستفاد منها يكون تاما أي عاما كاملا شاملا للأزمنة كلها فنصبه بالكون المقدر وفي نسخة صحيحة تام بالرفع والمعنى أن ما ذكر من عبادة الأصنام قد تم واختتم وغدا ولا يكون بعد ذلك أبدا قال أي النبي إنه أي الشأن سيكون من ذلك أي بعض ما ذكر من تمام الدين ونقصان الكفر وأغرب شارح حيث قال من ذلك أي من عبادة الأصنام ما شاء الله أي مدة مشيئته وبين ذلك بقوله ثم يبعث الله ريحا طيبة أي يشم منها رائحة الوصال فتوفي بصيغة المجهول أي فقبض كل من كان في قلبه وفي نسخة بصيغة الفاعل على أنه حذف منه إحدى التاءين أي تتوفى على إسناد التوفي إلى الريح مجازا فيكون كل منصوبا على المفعولية والمعنى تميت كل من كان في قلبه مثقال حبة أي مقدار خردل فقوله من خردل بيان لحبة وقوله من إيمان بيان لمثقال والمراد منه أن يكون في قلبه من العقائد الدينية أقل ما يجب عليه من التصديق القلبي واليقين بالأمور الإجمالية فليس فيه دلالة على تصور الزيادة والنقصان في نفس الإيمان وحقيقة

(16/73)


الإيقان كما لا يخفى على أهل العرفان فيبقى من لا خير فيه أي لا إسلام ولا إيمان ولا قرآن ولا حج ولا سائر الأركان ولا علماء الأعيان فيرجعون إلى دين
آبائهم أي الأولين من المشركين الجاهلين الضالين المضلين فروعي لفظ من في ضمير فيه ومعناه في قوله فيرجعون كما في قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين البقرة هذا وقال الطيبي رحمه الله قوله تاما هو بالرفع في الحميدي على أنه خبر أن وفي صحيح مسلم وشرح النسائي بالنصب فعلى هذا هو إما حال والعامل اسم الإشارة والخبر محذوف أو خبر لكان المقدر أي ظننت من مفهوم الآية أن ملة الإسلام ظاهرة على الأديان كلها غالبة عليها غير مغلوبة فكيف يعبد اللات والعزي وجوابه بقوله فتوفي كل من كان في قلبه نظير قوله إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا الحديث رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو بالواو قال قال رسول الله يخرج الدجال فيمكث أربعين وأبهمه لحكمة في ترك التمييز أو نسيه الراوي ولذا قال لا أدري أربعين يوما أو شهرا أو عاما قال التوربشتي رحمه الله لا أدري إلى قوله فيبعث الله من قول الصحابي أي لم يزدني النبي على أربعين شيئا يبين المراد منها فلا أدري أيا أراد بهذه الثلاثة فيبعث الله عيسى بن مريم أي فينزل من السماء كأنه أي في الصورة عروة بن مسعود أي الثقفي شهد صلح الحديبية كافرا وقدم على النبي سنة تسع بعد عوده من الطائف وأسلم ثم عاد إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فقتلوه وقيل هو أخو عبد الله بن مسعود وليس بشيء فيطلبه أي عيسى الدجال فيهلكه أي بحربة ثم يمكث في الناس سبع سنين تقدم ما ورد خلافه ليس بين اثنين عداوة يحتمل أن يكون قيدا للعدد فلا ينافيه ما سبق من الزيادة ويؤيده التراخي المفهوم من قوله ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام بكسر ففتح أي جانبه فلا يبقى

(16/74)


على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان الظاهر أن أو للشك ويحتمل أن يكون للتخيير في التعبير إلا قبضته إلا أخذت روحه تلك الريح حتى لو أن أحدكم دخل أي فرضا وتقديرا على طريق المبالغة في كبد جبل أي وسطه وجوفه ومنه كبد السماء وسطها لدخلته أي كبد الجبل عليه أي على أحدكم حتى تقبضه
قال فيبقى شرار الناس في خفة الطير بكسر الخاء المعجمة وتشديد الفاء قال القاضي رحمه الله المراد بخفة الطير اضطرابها وتنفرها بأدنى توهم شبه حال الأشرار في تهتكهم وعدم وقارهم وثباتهم واختلال رأيهم وميلهم إلى الفجور والفساد بحال الطير وأحلام السباع أي وفي عقولها الناقصة جمع حلم بالضم أو جمع حلم بالكسر ففيه إيماء إلى أنهم خالين عن العلم والحلم بل الغالب عليهم الطيش والغضب والوحشة والإتلاف والإهلال وقلة الرحمة لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا بل يعكسون فيما يفعلون فيتمثل لهم الشيطان أي يتصور لهم بصورة إنسان فكأن التشكل أقوى على التسلط في الضلالة من طريق الوسوسة ولذا قدم الله سبحانه شياطين الإنس في قوله وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن الأنعام فيقول ألا تستحيون أي من الله في ترك عبادته والتوسل إلى مقام قربته فيقولون فماذا تأمرنا أي به نمتثله فما موصولة أو استفهامية فالمعنى فأي شيء تأمرنا لنطيعك فيه فيأمرهم بعبادة الأوثان أي توسلا إلى رضا الرحمان كما قال تعالى مخبرا عنهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى الزمر ويقولون هؤلاء شفعاؤها عند الله يونس زين لهم سوء أعمالهم التوبة وهم في ذلك أي والحال أنهم فيما ذكر من الأوصاف الردية والعبادات الوثنية دار بتشديد الراء أي كثير رزقهم حسن عيشهم فالأول إشارة إلى الكمية والثاني إلى الكيفية أو الأول إيماء إلى كثرة الأمطار وما يترتب عليه من الأنهار وأثمار الأشجار والثاني من جهة الأمن وعدم الظلم وكثرة الصحة والغنى بالمال والجاه ثم ينفخ في الصور بصيغة

(16/75)


المجهول والنافخ هو إسرافيل عليه الصلاة والسلام فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا بكسر اللام قال التوربشتي رحمه الله أي أمال صفحة عنقه خوفا ودهشة ورفع ليتا والمراد منه هنا أن السامع يصعق فيصغى ليتا ويرفع ليتا أي يصير رأسه هكذا وكذلك شأن من يصيبه صيحة فيشق قلبه فأول ما يظهر منه سقوط رأسه إلى أحد الشقين فأسند الاصغاء إليه اسناد الفعل الاختياري قال وأول من يسمعه رجل يلوط أي يطين ويصلح حوض إبله فيصعق أي يموت هو أولا ويصعق الناس أي معه ثم يرسل الله مطرا كأنه الطل بفتح الطاء وتشديد اللام أي المطر الضعيف الصغير القطر فينبت منه أي من أجله وسببه أجساد الناس أي النخرة في قبورهم ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وبين النفختين أربعون عاما على ما سيأتي ثم يقال يا أيها الناس هلم في القاموس هلم يقال مركبة من هاء التنبيه ومن لم أي ضم نفسك إلينا يستوي فيه الواحد والجمع

(16/76)


والتذكير والتأنيث عند الحجازيين فالمعنى تعالوا أو ارجعوا أو أسرعوا إلى ربكم قفوهم وفي نسخة صحيحة وقفوهم بالعاطفة قال الطيبي عطف على قوله يقال على سبيل التقدير أي يقال للناس هلم ويقال للملائكة قفوهم وفي بعض النسخ بدون العاطف فهو على الاستئناف انتهى وهو أمر مخاطب والخطاب للملائكة والضمير للناس يقال وقفت الدابة ووقفتها يتعدى ولا يتعدى والمعنى احبسوهم إنهم مسؤولون استئاف تعليل فيقال اخرجوا أمر للملائكة أي ميزوا مما بين الخلائق بعث النار أي مبعوثها بمعنى من يبعث إليها فيقال من كم كم أي سأل المخاطبون من كمية العدد المبعوث إلى النار فيقولون كم عددا نخرجه من كم عدد ذكره الطيبي رحمه الله فكم الأولى خبر مقدم وكم الثانية مبتدأ وهما مفعولا نخرج الذي للمتكلم فيقال من كل ألف تسعمائة بالنصب أي اخرجوا النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين قيل هم الذين يستوجبون النار بذنوبهم يتركون فيها بقدر ذنوبهم ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة ذكره ابن الملك رحمه الله ويجوز أن يخلصوا منها بعد دخولها بالشفاعة لكن الظاهر أن المراد بهم الكفار الذي يستحقون عذاب النار بلا حساب ولا كتاب فهم مخلدون في العقاب والله تعالى أعلم بالصواب فذلك أي الوقت يوم أو فذاك الحكم وقت يجعل أي يصير فيه الولدان أي الصبيان جمع وليد شيبا بكسر أوله جمع أشيب كأبيض وبيض والمعنى أنه يصير الأطفال شيبا في الحال فالمعنى لو أن وليدا شاب من واقعة عظيمة لكان ذلك اليوم هذا ويوم مرفوع منون في أكثر النسخ وفي نسخة بالفتح مضافا قال الطيبي رحمه الله يحتمل أن يكون اليوم مرفوعا ويجعل الولدان صفة له فيكون الاسناد مجازيا وأن يكون مضافا مفتوحا فيكون الاسناد حينئذ حقيقيا والأول أبلغ وأوفق لما ورد في التنزيل يعني قوله تعالى يوما يجعل الولدان شيبا وذلك أي أيضا يوم يكشف في كثير من النسخ برفع يوم منونا وفي بعضها بالفتح مضافا وهو أوفق لما في القرآن يوم

(16/77)


يكشف عن ساق أي شدة عظيمة يقال كشفت الحرب عن الساق إذا اشتد فيها وكان أصله أن الولد يموت في بطن الناقة فيدخل المدمر يده في رحمها فيأخذ ساقه فجعل لكل أمر عظيم وخطب جسيم قال الخطابي هذا مما هاب القول فيه شيوخنا فأجروه على ظاهر لفظه ولم يكشفوا عن باطن معناه على نحو مذهبهم في التوقف عن تفسير كل ما لا يحيظ العلم بكنهه من هذا الباب أما من تأوله فقال ذلك يوم يكشف عن شدة عظيمة وبلية فظيعة وهو اقبال الآخرة وظهورها وذهاب الدنيا وادبارها ويقال للأمر إذا اشتد وتفاقم وظهر وزال خفاؤه كشف عن ساقه وهذا جائز في اللغة وإن لم يكن للأمر ساق رواه مسلم وذكر حديث معاوية لا تنقطع الهجرة أي حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى
تطلع الشمس من مغربها وقد ثبت لا هجرة بعد الفتح فالمراد بالهجرة التي هي غير منقطعة هي الهجرة من المعصية إلى الطاعة أو من ديار البدعة إلى ديار السنة أو من بلاد الشر إلى بلاد الخير في باب التوبة وفيه اعتراض فعلي منضم إلى بيان قولي وهو أن الحديث أنسب بذلك الباب والله تعالى أعلم بالصواب

(16/78)


كتاب صفة القيامة والجنة والنار

باب نفخ الصور
بضم أوله وهو قرن ينفخ فيه والمراد به النفخة الثانية ففي النهاية هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه الصلاة والسلام عند بعث الموتى إلى المحشر
$الفصل الأول
عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما بين النفختين أي نفخة الصعق وهي الإماتة ونفخة النشور وهي الإحياء أربعون أبهم في الحديث وبين في غيره أنه أربعون عاما ولعل اختيار الإبهام لما فيه من الإيهام قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما باستفهام مقدر قال أبيت أي امتنعت عن الجواب لأني لا أدري ما هو الصواب أو عن السؤال من صاحب المقال فلا أدري ما الحال قالوا أربعون شهرا قال أبيت قالوا أربعون سنة قال أبيت قال القاضي رحمه الله أي لا أدري أن الأربعين الفاصل بين النفختين أي شيء أياما أو شهورا أو أعواما وأمتنع عن الكذب على الرسول والإخبار عما لا أعلم قال كذا في نسخة والظاهر أن ضميره إليه ويحتمل أن يكون إلى أبي هريرة فيكون موقوفا أو التقدير راويا عنه وناقلا منه وليس في الجامع لفظ قال فيه ولا فيما بعده ثم ينزل الله من

(16/79)


السماء ماء أي مطرا كالطل على ما سبق فينبتون أي فينبت أجساد الخلق منه كما ينبت البقل أي من المطر والظاهر أن هذا قبل النفخة الثانية كما فهم من الرواية الماضية فتعبيره بثم هنا للتراخي الرتبي أي بعد ما علمت ما سبق فاعلم هذا فإنه أمر محقق قال وليس من الإنسان شيء أي جزء من أجزائه لا يبلى أي لا يخلق ولا يرم ممن يبلى جسده فإن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل من أجساد الأنبياء وكذا من في معناهم من الشهداء والأولياء بل قيل ومنهم المؤذنون المحتسبون فإنهم في قبورهم أحياء أو كالأحياء إلا عظما واحدا ولفظ الجامع إلا عظم واحد بالرفع على البدلية من شيء وهو واضح وقيل منصوب لأنه استثناء من موجب لأن قوله ليس شيء من الإنسان لا يبلى إلا عظما نفي النفي ونفي النفي إثبات فيكون تقديره كل شيء منه يبلى إلا عظما فإنه لا يبلى ويحتمل أن يكون منصوبا على أنه خبر ليس لأن اسمه موصوف كقولك ليس زيد إلا قائما فمن الإنسان حال من شيء وهو عجب الذنب بفتح العين المهملة وسكون الجيم وحكى اللحياني تثليث العين مع الباء والميم ففيه ست لغات وهو العظم بين الأليتين الذي في أسفل الصلب قال بعض علمائنا من الشراح المراد طول بقائه تحت التراب لا أنه لا يفنى أصلا فإنه خلاف المحسوس وجاء في حديث آخر إنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ومعنى الحديثين واحد وقال بعضهم الحكمة فيه أنه قاعدة بدن الإنسان وأسه الذي يبنى عليه فبالحري أن يكون أصلب من الجميع كقاعدة الجدار وأسه واذا كان أصلب كان أطول بقاء أقول التحقيق والله ولي التدقيق إن عجب الذنب يبلى آخرا كما شهد به حديث لكن لا بالكلية كما يدل عليه هذا الحديث وهو الحديث المتفق عليه ولا عبرة بالمحسوس كما حقق في باب عذاب القبر على أن الجزء القليل منه المخلوط بالتراب غير قابل لأن يتميز بالحس كما لا يخفى على أرباب الحس ومنه يركب بتشديد الكاف المفتوحة الخلق أي سائر الأعضاء المخلوقات من الحيوانات يوم

(16/80)


القيامة أي كما خلق أولا في الإيجاد كذلك خلق أولا في الإعادة أو أبقي حتى يركب عليه الخلق ثانيا قال تعالى كما بدأنا أول خلق نعيده الأنبياء وقال سبحانه كما بدأكم تعودون الأعراف متفق عليه ورواه النسائي وفي رواية لمسلم وكذا للبخاري ذكره السيد وفي الجامع رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة قال أي النبي كل ابن آدم بالرفع وفي نسخة بالنصب أي كل أعضاء بدن الإنسان وكذا سائر الحيوان يأكله التراب إلا عجب الذنب أي فإنه لا يأكله كله أو بعضه منه أي من عجب الذنب خلق بصيغة المجهول أي ابتدىء منه خلق الإنسان أولا وفيه وفي نسخة منه وهو رواية الجامع

(16/81)


وسبق أن في تأتي مرادفة لمن يركب أي ثانيا قال النووي رحمه الله هذا مخصوص فيخص منه الأنبياء فإن الله حرم على الأرض أجسادهم وهو كما صرح به في الحديث وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء ولعل المراد بهما إبدالهما كما قال تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات إبراهيم بيمينه أي بقوته أو قدرته أو بيمينه الصادر عنه أنه يفعله أو بقبض الملائكة وطيهم الكائنين بيمين عرشه قال القاضي عبر به عن إفناء الله تعالى هذه المظلة وهذه المقلة ورفعهما من البين وإخراجهما من أن يكونا مأوى ومنزلا لبني آدم بقدرته الباهرة التي تهون عليها الأفعال العظام التي يتضاءل دونها القوى والقدر ويتحير فيها الافهام والفكر على طريقة التمثيل والتخييل وأضاف في الحديث الذي يليه طي السموات وقبضها إلى اليمين وطي الأرض إلى الشمال تنبيها وتخييلا لما بين المقبوضين من التفاوت والتفاضل وقال بعضهم اعلم أن الله تعالى منزه عن الحدوث وصفة الأجسام وكل ما ورد في القرآن والأحاديث في صفاته مما ينبىء عن الجهة والفوقية والاستقرار والإتيان والنزول فلا نخوض في تأويله بل نؤمن بما هو مدلول تلك الألفاظ على المعنى الذي أراد سبحانه مع التنزيه عما يوهم الجهة والجسمية ثم يقول أنا الملك أي لا ملك إلا لي وأنا ملك الملوك والأملاك وفيه تنبيه على أن الملك أبلغ من المالك مع أن المفسرين اختلفوا في قوله تعالى ملك يوم الدين و مالك يوم الدين الفاتحة إن أي القراءتين أبلغ كما أشار إليه الشاطبي بقوله ومالك يوم الدين راويه ناصر ومجمل الكلام في البيضاوي مذكور والتفصيل في غيره مسطور أين ملوك الأرض أي الذين كانوا يزعمون أن الملك لهم استقلالا أو دواما لا يرون به زوالا أو الذين كانوا يدعون الألوهية في الجهة السفلية وقيد بها لأن الملأ الأعلى هم معصومون عن أفعال أهل السفلى متفق عليه ورواه النسائي وابن ماجه وعن عبد الله

(16/82)


بن عمر قال قال رسول الله يطوي الله
السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أي الطلمة القهارون أين المتكبرون أي بمالهم وجاههم وخيلهم وحشمهم لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة حفاة عراة غرلا ثم يطوي الأرضين بفتح الراء وتسكن بشماله وفي رواية يأخذهن أي بدل يطوي فالتقدير ثم يأخذهن بيده الأخرى وهذه الرواية أوفق بحديث وكلتا يديه يمين وضميرهن إلى الأرضين بقرينة ذكر السموات ويحتمل أن المصنف نقل بالمعنى وأن لفظ الرواية ثم يأخذ الأرضين بيده الأخرى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون فينظر في الأصول لطلب الأخرى قال أصحاب التأويل المراد باليد اليمنى والشمال المقدرة والمراد من الطي التسخير التام والقهر الكامل وهو كذلك الآن أيضا ولكن في القيامة يكون أظهر ونسب طي السموات إلى اليمين وطي الأرضين إلى الشمال تنبيها لما بينهما من المقبوضين من التفاوت بعد أن نزه ذاته سبحانه من نسبة الشمال إليه بقوله وكلتا يديه يمين لأن الشمال ناقص في القوة عادة والله منزه عن النقصان وعن سائر صفات الحدثان رواه مسلم وعن عبد الله بن مسعود قال جاء حبر بفتح الحاء ويكسر مفرد الأحبار أي عالم من اليهود أي من جملتهم أو من أحبارهم إلى النبي فقال إن الله يمسك السموات يوم القيامة على إصبع بكسر الهمزة وفتح الموحدة وفي القاموس بتثليث الهمزة والباء ففيه تسع لغات والأرضين على إصبع والجبال والشجر أي جنسه على إصبع والماء والثرى أي التراب الندي يعني الماء وما تحته من الثرى على إصبع وسائر الخلق أي باقيه على إصبع وهذا الحديث بظاهره يخالف ما سبق من أن طي العلوي بيمينه والسفلي بالأخرى وأيضا ظاهر تقسيم الأشياء على الأصابع موهم لإرادة تحقق الجارحة المشتملة على الأصابع الخمسة كما هو مذهب المجسمة من اليهود وسائر أهل البدع ولكنه لما قرره حيث لم ينكره لزم إما التأويل وهو مذهب الخلف وهو أعلم أو

(16/83)


التسليم والتفويض مع
الاتفاق على التنزيه وهو مذهب السلف وهو أسلم والله تعالى أعلم فقال شارح والمعنى يهون على الله إمساكها وحفظها كما يقال في العرف فلان يحمل بإصبعه لقوته وقال التوربشتي السبيل في هذا الحديث أن يحمل على نوع من المجاز أو ضرب من التمثيل والمراد منه تصوير عظمته والتوفيق على جلالة شأنه وأنه سبحانه يتصرف في المخلوقات تصرف قوي قادر على أدنى مقدور تقول العرب في سهولة المطلب وقرب التناول ووفور القدرة وسعة الاستطاعة هو مني على حبل الذراع وإني أعالج ذلك ببعض كفي واستقله بفرد إصبع ونحو ذلك من الألفاظ استهانة بالشيء واستظهارا في القدرة عليه والمتورع عن الخوض في تأويل أمثال هذا الحديث في فسحة من دينه إذ لم ينزلها في ساحة الصدر منزلة مسميات الجنس ثم يهزهن الضمير للأصابع والمعنى يحركهن فيقول أنا الملك أي القادر القوي القاهر أنا الله أي المعبود بالحق المستحق للمعبودية والعبادة في الباطن والظاهر فضحك رسول الله تعجبا مما قال الحبر تصديقا له علة العلة قال صاحب الكشاف إنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة ولا ترى بابا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع وأهون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء فإن أكثره تخيلات قد زلت فيها الأقدام قديما ثم قرأ أي النبي اعتضادا ويحتمل أن يكون القارىء هو ابن مسعود استشهادا وما قدروا الله حق قدره أي ما عرفوه حق معرفته أو ما عظموه حق تعظيمه والأرض الواو للحال أي والحال أن جنس الأرض وهو الأرضين السبع جميعا قبضته أي مقبوضته وفي ملكه وتصرفه يوم القيامة يتصرف فيه كيف يشاء بلا مزاحم مع سهولة والمعنى أنهن بعظمتهن بالنسبة إلى قدرته

(16/84)


ليست إلا قبضة واحدة والسموات مطويات بيمينه أي مجموعات بقدرته أو مغيبات بقسمه لأنه تعالى أقسم بعزته وجلاله أنه يفنيهما سبحانه وتعالى عما يشركون بنسبة الولد والشريك إليه متفق عليه ورواه الترمذي والنسائي وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سألت رسول الله عن قوله
أي سبحانه وتعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض أي يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غير هذه المعروفة والسموات أي كذلك قال صاحب الكواشي إنها تبدل بخبزة بيضاء فيأكل المؤمنون من تحت أقدامهم حتى يفرغ الحساب وسيأتي في أول باب الحشر ما يؤيد هذا المعنى وروي عن الضحاك أنه يبدلها أرضا من فضة بيضاء كالصحائف وكذا عن علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه وفي شرح السنة التبديل تغيير الشيء عن حاله والإبدال جعل الشيء مكان آخر وقال الطيبي رحمه الله قد يكون التبديل في الذوات كقولك بدلت الدراهم دنانير وفي الأوصاف كقولك بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها وسويتها خاتما واختلف في تبديل الأرض والسموات فقيل تبدل أوصافهما فتسير على الأرض جبالها وتفجر بحارها وتجعل مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا وتبدل السموات بانتشار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وقيل يخلق بدلها أرض وسموات أخر وعن ابن مسعود وأنس يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة والظاهر من التبديل تغيير الذات كما يدل عليه السؤال والجواب حيث قالت فأين يكون الناس يومئذ قال على الصراط المعهود عند الناس أو جنس الصراط والله تعالى أعلم رواه مسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله الشمس والقمر مكوران بتشديد الواو المفتوحة وتذكيره لتغليب القمر لأنه المذكر أو باعتبار الكوكبين النيرين وقوله يوم القيامة ظرف له والتكوير معناه اللف ومنه تكوير العمامة وقال تعالى يكور الليل على النهار الزمر وهو معنى الجمع في قوله تعالى وجمع الشمس والقمر القيامة قال التوربشتي يحتمل أنه من التكوير الذي هو بمعنى

(16/85)


اللف والجمع أي يلف صورهما لنا فيذهب انبساطهما في الآفاق ويحتمل أن يراد به رفعهما لأن الثوب إذا طوي رفع ويحتمل أن يكون من قولهم طعنة مكورة من كوره إذا ألقاه أي ملقيان من فلكهما وهذا التفسير أشبه بنسق الحديث لما في بعض طرقه مكوران في النار فيكون تكويرهما فيها ليعذب بهما أهل النار لا سيما عباد الأنوار ولا يعذبان في النار فإنهما بمعزل عن التكليف بل سبيلهما في النار سبيل النار نفسها وسبيل الملائكة الموكلين بها رواه البخاري وروى ابن مردويه عن أنس الشمس والقمر ثوران عقيران في النار إن شاء أخرجهما وإن شاء تركهما والعقير الزمن

$الفصل الثاني

(16/86)


عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله كيف أنعم أي أفرح وأتنعم من نعم عيشة كفرح اتسع ولأن كذا في المصباح وفي النهاية هو من النعمة بالفتح وهي المسرة والفرح والترفه وصاحب الصور قد التقمه أي وضع طرف الصور في فمه وأصغى سمعه أي أمال أذنه وحنى جبهته أي أمالها وهو كناية عن المبالغة في التوجه لإصغاء السمع وإلقاء الأذن ينتظر متى يؤمر بالنفخ والظاهر أن كلا من الالتقام والإصغاء وما بعده على الحقيقة وأنه عبادة لصاحبه بل هو مكلف به وقال القاضي رحمه الله معناه كيف يطيب عيشي وقد قرب أن ينفخ في الصور فكني عن ذلك بأن صاحب الصور وضع رأس الصور في فمه وهو مترصد مترقب لأن يؤمر فينفخ فيه فقالوا يا رسول الله وما تأمرنا أي أن نقول الآن أو حينئذ أو مطلقا عند الشدائد قالوا قولوا حسبنا الله مبتدأ وخبر أي كافينا الله ونعم الوكيل فعيل بمعنى المفعول والمخصوص بالمدح محذوف أي نعم الموكول إليه الله رواه الترمذي وكذا الحاكم وصححه عنه وعن ابن عباس قال ميرك عن ابن عباس قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار وقالها محمد حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم آل عمران الآية رواه البخاري والنسائي وعن عبد الله بن عمرو بالواو عن النبي قال الصور قرن قيل دائرة رأسه كعرض السموات والأرض ينفخ فيه بصيغة المجهول أي ينفخ فيه إسرافيل النفختين رواه الترمذي وأبو داود والدارمي وكذا أحمد والنسائي والحاكم

$الفصل الثالث

(16/87)


عن ابن عباس قال في قوله تعالى فإذا نقر أي نفخ في الناقور الصور بالجر على التفسير وفي نسخة بالرفع على تقدير هو الصور قال أي ابن عباس أيضا والراجفة أي في قوله تعالى يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة النازعات النفخة الأولى لأنها ترجف الأرض والجبال عندها أي تضطرب وتتحرك وتتزلزل لها والرادفة الثانية أي لأنها تقع عقيبها وقال الطيبي الراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى وصفت بما يحدث بحدوثها والرادفة الواقعة التي تردف الأولى وهي النفخة الثانية رواه البخاري في ترجمة باب بفتح التاء والجيم أي في عنوانه تعليقا لكن وصله في موضع آخر منه وعن أبي سعيد قال ذكر رسول الله صاحب الصور أي إسرافيل وقال عن يمينه جبريل بكسر الجيم وتفتح فكسر راء فسكون ياء وبفتحهما وبهمزة بعدها تحتية وتحذف أربع لغات كلهن متواترات وعن يساره ميكائيل بهمزة وتحتية وتحذف وبوزن مفعال ثلاث قراءات لكن في شرح الشاطبية للجعبري قال أبو عبيدة هما ممدودان في الحديث انتهى وهو يحتمل أن مراده المدة الطبيعية أو حرف المد ويحتمل أنه أراد جبرئيل بالألف الممدودة على الشذوذ واختير لمشاكلة ميكائيل والله تعالى أعلم وعن أبي رزين بفتح الراء وكسر الزاي العقيلي مصغرا ولم يذكره المؤلف في أسمائه قال قلت يا رسول الله كيف يعيد الله الخلق وما آية ذلك أي علامته في خلقه أي مخلوقاته الموجودين قال أما مررت بوادي قومك جدبا بفتح الجيم وسكون

(16/88)


الدال كذا في النهاية والقاموس وفي المقدمة بفتح أوله وكسر ثانيه وقد تسكن ضد الخصب ثم مررت به يهتز بتشديد الزاي يتحرك خضرا بفتح فكسر قال الطيبي رحمه الله يهتز جملة حالية وخضرا نصب على التمييز استعار الاهتزاز لأشجار الوادي تصويرا لحسنها ويقال اهتز فلان فرحا أي خف له وكل من خف لأمر وارتاح له فقد اهتز له قلت نعم قال فتلك آية الله أي علامة قدرته في خلقه أي وفي إعادته والعود أحمد قال تعالى وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه الروم كذلك يحيي الله الموتى الظاهر أن هذا استشهاد بالآية أو اقتباس منها قال الطيبي رحمه الله أي ليس فرق بين إنشاء خلق وإعادته والتشبيه في قوله تعالى كذلك يحيي الله الموتى بيان للتسوية نحو قوله تعالى قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم يس أي بكل من الإنشاء والاعادة عليم ونظر هذا الحديث في الدلالة قوله تعالى فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير الروم يعني أن ذلك القادر الذي يحيي الأرض بعد موتها هو الذي يحيي الناس بعد موتهم وهو على كل شيء من المقدورات قادر وهذا من جملة المقدورات بدليل الإنشاء رواهما أي الحديثين رزين قال المؤلف رحمه الله هو أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري الحافظ صاحب كتاب التجريد في الجمع بين الصحاح مات بعد العشرين والخمسمائة

(16/89)


باب الحشر
في المغرب الحشر الجمع قلت وهو ضد النشر
$الفصل الأول
عن سهل بن سعد سبق ذكره قال قال رسول الله يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء أي غير شديدة البياض والعفرة لون الأرض وقيل المعنى لا يخلص بياضها بل يضرب إلى الحمرة كقرصة النقي بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء وهو الدقيق المنخول المنظف الذي يتخذ منه الحواري والقرصة بالضم الرغيف والتاء للوحدة والتشبيه بها في اللون والشكل دون القدر ليس فيها علم بفتحتين أي علامة لأحد يريد به الأبنية ومعناه أنها تكون قاعا لا بناء فيها ذكره القاضي رحمه الله وقال الطيبي رحمه الله لعل الظاهر أن ذلك تعريض بأرض الدنيا وتخصيص كل من ملاكها بقطع منها أعلم عليها على نحو قوله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار غافر متفق عليه وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة أي كخبزة واحدة فهو تشبيه بليغ أو التقدير تصير خبزة واحدة وهو الظاهر على ما سيأتي يتكفؤها بالهمزة بعد تشديد الفاء قال التوربشتي رحمه الله هذه رواية كتاب البخاري ورواية كتاب مسلم يكفؤها بسكون الكاف والهمز من كفأت الإناء أي قلبته وهو الصواب والمعنى يقلبها الجبار أي الواحد القهار بيده أي من يد إلى يد وكلتا يديه يمين ولعل المراد بهما القدرة والإرادة فإنه سبحانه منزه عن الجارحة كما يتكفأ أحدكم خبزته أي عجينته فهي تسمية بالمآل كقوله تعالى إني أراني أعصر خمرا يوسف في السفر بفتحتين وقيل بضم أوله جمع سفرة فالأول ظرف الزمان والثاني مكان البيان والمعنى كما يفعل بالعجينة إذا أريد به ترقيقها واستواؤها حتى تلقى على الملة في السفر استعجالا نزلا بضمتين ويسكن الثاني ذكره ابن الملك أي إضافة لأهل الجنة وهو ما يستعجل للضيف من الطعام قال النووي رحمه الله يتكفؤها بالهمز أي يقلبها ويميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي لأنها ليست مبسوطة كالرقاقة ونحوها

(16/90)


وفي نسخة مسلم ويكفؤها بالهمز والخبزة هي الظلمة التي توضع في الملة والمعنى أن الله تعالى يجعل الأرض كالطلمة والرغيف العظيم يكون ذلك طعاما نزلا لأهل الجنة والله على كل شيء قدير قال التوربشتي رحمه الله أرى الحديث مشكلا جدا غير مستنكر شيئا من صنع الل
تعالى وعجائب فطرته بل لعدم التوفيق الذي يكون موجبا للعلم في قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول مع ما ورد في الآثار المنقولة إن هذه الأرض برها وبحرها تمتلىء نارا في النشأة الثانية وتنضم إلى جهنم فنرى الوجه فيه أن نقول معنى قوله خبزة واحدة أي كخبزة واحدة من نعتها كذا وكذا هو مثل ما في حديث سهل بن سعد كقرصة النقي وإنما ضرب المثل بقرصة النقي لإستدارتها وبياضها على ما ذكرنا وفي هذا الحديث ضرب المثل بخبزة تشبه الأرض هيئة وشكلا ومساحة فاشتمل الحديث على معنيين أحدهما بيان الهيئة التي تكون الأرض عليها يومئذ والآخر بيان الخبزة التي يهيئها الله تعالى نزلا لأهل الجنة وبيان عظم مقدارها ابداعا واختراعا من القادر الحكيم الذي لا يعجزه أمر ولا يعوزه شيء اه وأطنب الطيبي رحمه الله هنا بما لا طائل تحته فأعرضت عن ذكره وقيل الحديث مشكل لا من جهة إنكار قدرته بل من جهة عدم التوفيق بينه وبين حديث إن هذه الأرض تصير يوم القيامة نارا وأجيب بأنه شبه أرض الحشر بالخبزة في الاستواء والبياض كما في حديث سهل وشبه أرض الجنة كما في حديث أبي سعيد في كونها نزلا لأهلها تكرمة لهم بعجالة الراكب زادا يقنع به في سفره لكن آخر هذا الحديث يشعر بأن كون الأرض خبزة على التجوز والأولى الحمل على الحقيقة مهما أمكن وقدرته تعالى صالحة لذلك بل اعتقاد كونه حقيقة أبلغ بأن يقلب الله تعالى بقدرته الكاملة طبع الأرض حتى يأكلوا منها تحت أقدامهم ما شاء الله بغير كلفة ولا علاج وبهذا يتبين ضعف ما قاله القاضي من أنه لم يرد بذلك أن جرم الأرض ينقلب خبزة في الشكل والطبع وإنما

(16/91)


أراد به أنها تكون حينئذ بالنسبة إلى ما أعد الله لأهل الجنة كقرصة نقي يستعجل المضيف بها نزلا للضيف ثم تعريف الأرض في الحديث كتعريفها في قوله تعالى ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون الأنبياء قال ابن عباس هي أرض الجنة هذا ومما يؤيد الحمل على الحقيقة قول الراوي فأتى رجل من اليهود أي من أحبارهم فقال بارك الرحمان عليك دعا له بنزول كثرة الرحمة عليه أو إخبار عنه يا أبا القاسم كناه تعظيما ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة فقال بلى قال تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي فنظر النبي إلينا أي نظر التفات وتعجب وتنبيه ثم ضحك أي فرحا للمطابقة والموافقة حتى بدت نواجذه أي ظهرت آخر أضراسه وهو كناية عن المبالغة ثم قال أي اليهودي كما في نسخة ألا أخبرك بإدامهم أي بما يأتدم أهل الجنة الخبزة به بالام أي هو بالام وهو على وزن فاعال أي ثور والنون أي السمك قالوا أي الصحابة وما هذا أي ما معنى الذي ذكرته قال

(16/92)


ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا قال النووي رحمه الله أما النون فهو الحوت باتفاق العلماء وأما بالام فبباء موحدة مفتوحة وتخفيف لام وميم منونة مرفوعة وفي معناه أقوال والصحيح منها ما اختاره المحققون من أنها لفظة عبرانية معناها بالعربية الثور وفسر اليهودي به ولو كانت عربية لعرفها الصحابة ولم يحتاجوا إلى سؤاله عنها وأما قوله يأكل منها سبعون ألفا فقال القاضي عياض رحمه الله إنهم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب فخصوا بأطيب النزل ويحتمل أنه عبر به عن العدد الكثير ولم يرد الحصر في ذلك القدر وهذا معروف في كلام العرب والله تعالى أعلم متفق عليه وعن أبي هريرة قال قال رسول الله يحشر الناس أي بعد البعث على ثلاث طرائق أي فرق وأصناف الركبان على طريقة واحدة من تلك الثلاث والبقية تتناول الطريقتين الأخيرتين وهما المشاة والذين على وجوههم كما سيأتي في الفصل الثاني راغبين أي في الجنة لما فيها من لقاء ربهم وهو بدل عن ثلاث وهو و أحد الفرق وهم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون راهبين أي من النار وهم الذين يخافون ولكن ينجون منها وهم الفرقة الثانية ففيه تنبيه نبيه على أن طاعة الله تعالى على الرجاء أولى من عبادته على الخوف ولذا سمي الأولون الطيارين والآخرون السيارين وتحقيقه في كتب التصوف ويعرفه أهل التعرف وجملة الكلام أن المراد بالراغبين من غلب عليهم الرجاء وبالراهبين من غلب عليهم الخوف قال تعالى يدعون ربهم خوفا وطمعا السجدة وإنما قدم الخوف في الآية لأنه أنسب بعموم العامة لا سيما في البداية واثنان على بعير أي اعتقابا أو اجتماعا وهو الأظهر وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير فعلى مقدار مراتبهم يستريحون على مراكبهم والباقون يمشون على أقدامهم على قدر أقدامهم قال ابن الملك قوله واثنان على بعير الواو فيه للحال وصفة المبتدأ محذوف أي إثنان منهم وكذا الحكم فيما بعده وهذه الأعداد

(16/93)


تفصيل لمراتبهم على سبيل الكناية والتمثيل فمن كان أعلى مرتبة كان أقل شركة وأشد سرعة وأكثر سباقا فإن قلت كون الإثنين وإخواته على البعير بطريق الاجتماع أم الاعتقاب قلنا قال شارح السنة بطريق الاعتقاب لكن الأولى أن يحمل على الاجتماع إذ في الاعتقاب لا يكون الاثنان والثلاثة على بعير حقيقة وإنما اقتصر على ذكر العشر إشارة إلى أنه غاية عدد الراكبين على ذلك البعير المحتمل للعشرة من بدائع فطرة الله تعالى كناقة صالح حيث

(16/94)


قوي ما لا يقوى من البعران وإنما لم يذكر الخمسة والستة وغيرهما إلى العشرة للإيجاز ويحشر بقيتهم أي تجمعهم النار تقيل بفتح أوله من القيلولة وفاعله النار والمراد أنها تكون معهم في النهار حيث قالوا أي كانوا أو استراحوا وتبيت أي النار معهم حيث باتوا أي كانوا في الليل وتصبح معهم حيث أصبحوا أي دخلوا في الصباح وتمسي معهم حيث أمسوا والمقصود أن النار تلزمهم بحيث لا تفارقهم أبدا هذا مجمل الكلام في تحصيل المرام وأما تفصيله فقال الخطابي الحشر المذكور في هذا الحديث إنما يكون قبل قيام الساعة يحشر الناس أحياء إلى الشام فأما الحشر بعد البعث من القبور فإنه على خلاف هذه الصورة من ركوب الإبل والمعاقبة عليها وإنما هو على ما ورد في الحديث إنم يبعثون حفاة عراة وفسر ثلاثة على بعير وأربعة على بعير على أنهم يعتقبون البعير الواحد يركب بعضهم ويمشي بعضهم قال التوربشتي رحمه الله قول من يحمل الحشر على الحشر الذي هو بعد البعث من القبور أشد وأقوى وأشبه بسياق الحديث من وجوه أحدها أن الحشر على الإطلاق في متعارف الشرع لا يراد منه إلا الحشر الذي بعد قيام الساعة إلا أن يخص بنوع من الدليل ولم نجد ههنا والآخر أن التقسيم الذي ذكر في هذا الحديث لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام لأن المهاجر إليها لا بد وأن يكون راغبا راهبا أو راغبا أو راهبا فأما أن لا يكون راغبا وراهبا وتكون هذه طريقة واحدة لا ثاني لها من جنسها فلا والثالث أن حشر النار بقيد الطائفتين على ما ذكره في هذا الحديث إلى أرض الشام والتزامها لهم حتى لا تفارقهم في مقيل ولا مبيت ولا صباح ولا مساء قول لم يرد به التوقيف ولم يكن لنا أن نقول بتسليط النار على أولي الشقاوة في هذه الدار من غير توقيف والرابع وهو أقوى الدلائل وأوثقها ما روي عن أبي هريرة وهو في الحسان من هذا الباب يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف الحديث وأما ما ذكر من بعث الناس حفاة عراة فلا تضاد بين

(16/95)


القضيتين لأن إحداهما حالة البعث من النشر وأخرى حالة السوق إلى المحشر ونرى التقسيم الذي جاء به الحديث التقسيم الذي جاء به التنزيل قال الله تعالى إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة الواقعة و و و الآيات فقوله راغبين راهبين يريد به عوام المؤمنين وهم ذوو الهنات الذين يترددون بين الخوف والرجاء بعد زوال التكليف فتارة يرجون رحمة الله لإيمانهم وتارة يخافون عذابه لما اجترحوا من السيئات وهم أصحاب الميمنة في كتاب الله على ما في الحديث الذي رواه أيضا أبو هريرة وهو في الحسان من هذا الباب وقوله واثنان على بعير فالمراد منه أولو السابقة من أفاضل المؤمنين وهم السابقون وقوله ويحشر بقيتهم النار يريد أصحاب المشأمة فهذه ثلاث طرائق فإن قيل فلم لم يذكر من السابقين من يتفرد بفرد مركب لا يشاركه فيه أحد قلنا لأنه عرف أن ذلك مجعول لمن فوقهم

(16/96)


في المرتبة من أنبياء الله ليقع الامتياز بين النبيين والصديقين في المراكب كما وقع في المراتب اه وعارضه الطيبي رحمه الله بما لا طائل تحته فحذفنا بحثه متفق عليه وعن ابن عباس عن النبي قال إنكم محشورون أي ستبعثون حفاة بضم الحاء جمع حاف وهو الذي لا نعل له عراة بضم العين جمع عار وهو من لا ستر له غرلا بضم الغين المعجمة وسكون الراء جمع الأغرل وهو الأقلف أي غير مختونين قال العلماء في قوله غرلا إشارة إلى أن البعث يكون بعد رد تمام الأجزاء والأعضاء الزائلة في الدنيا إلى البدن وفيه تأكيد لذلك فإن القلفة كانت واجبة الإزالة في الدنيا فغيرها من الأشعار والأظفار والأسنان ونحوها أولى وذلك لغاية تعلق علم الله تعالى بالكليات والجزئيات ونهاية قدرته بالأشياء الممكنات ثم قرأ أي استشهادا واعتضادا وقوله تعالى كما بدأنا أول خلق نعيده الكاف متعلق بمحذوف دل عليه نعيده أي نعيد الخلق إعادة مثل الأول والمعنى بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذا نعيدهم يوم القيامة وعدا علينا أي لازما ما لا يجوز الخلف فيه إنا كنا فاعلين أي ما وعدناه وأخبرنا به لا محالة قال الطيبي رحمه الله فإن قلت سياق الآية في إثبات الحشر والنشر لأن المعنى نوجدكم من العدم كما أوجدناكم أولا عن العدم فكيف يستشهد بها للمعنى المذكور قلت دل سياق الآية وعبارتها على إثبات الحشر وإشارتها على المعنى المراد من الحديث فهو من باب الإدماج قلت الظاهر أن الآية بعبارتها تدل على المعنيين وإن كان سياق الآية مختصا لأحدهما فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ثم في قوله نوجدكم من العدم مسامحة والله تعالى أعلم وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه الصلاة والسلام قيل لأنه أول من كسا الفقراء وقيل لأنه أول من عري في ذات الله حين ألقي في النار لا لأنه أفضل من نبينا أو لكونه أباه فقدمه لعزة الأبوة على أنه قيل إن نبينا يخرج في الناس من قبره في ثيابه التي دفن

(16/97)


فيها وعندي والله تعالى أعلم أن الأنبياء بل الأولياء يقومون من قبورهم حفاة عراة لكن يلبسون أكفانهم بحيث لا تكشف عوراتهم على أحد ولا على أنفسهم وهو المناسب لقوله أخرج من قبري وأبو بكر عن يميني وعمر عن يساري وآت
البقيع الحديث ثم يركبون النوق ونحوها ويحضرون المحشر فيكون هذا الإلباس محمولا على الخلع الإلهية والحلل الجنية على الطائفة الاصطفائية وأولية إبراهيم عليه الصلاة والسلام يحتمل أن تكون حقيقية أو إضافية والله سبحانه وتعالى أعلم ثم رأيت في الجامع الصغير حديث أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري رواه الترمذي عن أبي هريرة ورواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي ثم أنتظر أهل مكة وقال التوربشتي رحمه الله نرى أن التقديم بهذه الفضيلة إنما وقع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنه أول من عري في ذات الله حين أرادوا إلقاءه في النار فإن قيل أو ليس نبينا هو المحكوم له بالفضل على سائر الأنبياء وتأخره في ذلك موهم أن الفضل للسابق قلنا إذا استأثر الله سبحانه عبدا بفضيلة على آخر واستأثر المستأثر عليه على المستأثر بتلك الواحدة بعشر أمثالها أو أفضل كانت السابقة له ولا يقدح استئثار صاحبه عليه بفضيلة واحدة في فضله ولا خفاء بأن الشفاعة حيث لا يؤذن لأحد في الكلام لم تبق سابقة لأولي السابقة ولا فضيلة لذوي الفضائل إلا أتت عليها وكم له من فضائل مختصة به لم يسبق إليها ولم يشارك فيها وأن ناسا من أصحابي أي جماعة منهم والتنكير للتقليل يؤخذ بهم ذات الشمال أي إلى النار مع أصحاب المشأمة فأقول أصيحابي بالتصغير للتقليل أي هؤلاء أصحابي أصيحابي كرره تأكيدا ويمكن أن يكون إشارة إلى جماعتين فيقول أي قائل أو مجيب إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم قال القاضي رحمه الله

(16/98)


يريد بهم من ارتد من الأعراب الذين أسلموا في أيامه كأصحاب مسيلمة والأسود واضرابهم فإن أصحابه وإن شاع عرفا فيمن يلازمه من المهاجرين والأنصار شاع استعماله لغة في كل من تبعه أو أدرك حضرته ووفد عليه ولو مرة قلت الأول اصطلاح أصول الفقه والثاني مصطلح أهل الحديث وقيل أراد بالارتداد إساءة السيرة والرجوع عما كانوا عليه من الإخلاص وصدق النية والإعراض عن الدنيا أقول هذا بالإشارات الصوفية أنسب وأقرب وإلا فعبارة الارتداد غير مستقيمة على هذا المعنى أصلا ولا موافقة لقوله عليه الصلاة والسلام فأقول كما قال العبد الصالح وهو عيسى عليه الصلاة والسلام وكنت عليهم أي على أمتي شهيدا أي مطلعا رقيبا حافظا ما دمت فيهم أي موجودا فيما بينهم إلى قوله العزيز الحكيم وهو قوله فلما توفيتني كنت أن

(16/99)


الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم المائدة متفق عليه ورواه الترمذي وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سمعت رسول الله يقول يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا قلت يا رسول الله الرجال بتقدير الاستفهام ويمكن أن يقرأ بالمد والتسهيل أيضا على ما تقرر في قوله تعالى قل آلله أذن لكم يونس والنساء عطف على الرجال وهما مبتدأ وقوله جميعا أي مجتمعين حال منهما على ما جوزه البعض فالخبر قوله ينظر بعضهم إلى بعض وهو محط الاستفهام التعجبي قال الطيبي رحمه الله الرجال والنساء مبتدأ وجميعا حال سد مسد الخبر أي مختلطون جميعا ويجوز أن يكون الخبر ينظر بعضهم إلى بعض وهو العامل في الحال قدم اهتماما كما في قوله تعالى والأرض جميعا قبضته الزمر وفيه معنى الاستفهام ولذلك أجاب فقال يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض أي أمر القيامة أصعب من أن يقدر أحد على النظر إلى غيره عمدا أو سهوا لقوله تعالى لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه عبس متفق عليه وأخرج عبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس عن النبي قال يحشرون حفاة عراة غرلا فقالت زوجته أينظر بعضنا إلى عورة بعض فقال يا فلانة لكل أمرىء منهم يومئذ شأن يغنيه وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد نحوه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله فقالت كيف يحشر الناس قال حفاة عراة قالت واسوأتاه قال إنه قد نزل على آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا قالت وأي آية هي قال لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة نحوه وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة سمعت رسول الله يقول يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة قلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض فقال شغل الناس قلت ما شغلهم قال نش

(16/100)


الصحائف فمنها مثاقيل الذرة ومثاقيل الخردل وعن أنس أن رجلا قال يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ولكون الاستفهام مقدرا قال أليس أي الشأن الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا مبتدأ خبره قوله قادر على أن يمشيه بالتخفيف ويجوز تشديده على وجهه يوم القيامة متفق عليه وسيأتي حديث الترمذي في الفصل الثاني وحديث أبي ذر في الثالث وفي الدر المنثور أخرج أحمد والشيخان والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم قال الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم وأخرج ابن جرير عن الحسن قال قرأ رسول الله هذه الآية الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم الفرقان فقالوا يا نبي الله كيف يحشرون على وجوههم قال أرأيت الذي أمشاهم على أقدامهم أليس قادرا على أن يمشيهم على وجوههم وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال يلقى أي يرى إبراهيم أباه آزر بدل أو بيان يوم القيامة على وجه آزر وضع الظاهر موضع الضمير لئلا يتوهم رجعه إلى إبراهيم في ابتداء الحال قترة بفتحتين أي سواد من الكآبة والحزن وغبرة بفتحتين غبار معه سواد فذكرهما مبالغة والجملة حالية فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول له أبوه فاليوم ظرف مقدم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني أي لا تفضحني يوم يبعثون أي الخلائق فأي خزي في النهاية هو الهلاك والوقوع في بلية أخزى من أبي أي من خزي أبي الأبعد يريد البعد في المرتبة والالتحاق بأهل النار أو الهالك من البعد بمعنى الهلاك أو الأبعد من رحمة الله تعالى فإن الفاسق بعيد والكافر أبعد ورحمة الله قريب من المحسنين وإلى الأنبياء والأولياء أقرب قال الطيبي رحمه

(16/101)


الله هو من أفعل الذي قطع عن متعلقه للمبالغة فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال لإبراهيم ما تحت رجليك وفي نسخة انظر ما تحت رجليك وما استفهامية أو موصولة قال ابن الملك ما استفهام خبره تحت ويجوز كونه بمعنى الذي أي انظر إلى الذي تحت رجليك فينظر فإذا هو أي آزر بذيح بكسر الذال المعجمة فتحتية ساكنة فحاء معجمة وهو ذكر الضبع الكثير الشعر وفي نسخة بموحدة ساكنة وحاء مهملة وهو ما يذبح متلطخ إما برجيعه أو بدمه أو بالطين فيؤخذ بقوائمه جمع قائمة وهو ما يقوم به الدواب بمثابة الأرجل للإنسان كذا ذكره شارح ففيه تغليب إذ المراد أنه يؤخذ بيديه ورجليه فيلقى أي فيطرح في النار أي في مقام الكفار فغير صورته ليكون تسلية لإبراهيم حتى لا يخزيه لو رآه قد ألقي في النار على صورته فيكون خزيا وفضيحة على رؤوس الخلائق فغيره سترة لحاله في تقبيح مآله قيل هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أن عدو لله تبرأ منه التوبة وأجيب بأنه اختلف في الوقت الذي تبرأ إبراهيم فيه من أبيه فقيل كان ذلك في الدنيا لما مات آزر مشركا وقيل إنما تبرأ منه يوم القيامة لما أيس منه حين مسخ ويمكن الجمع بين القولين بأنه تبرأ منه لما مات مشركا فترك الاستغفار له لكن لما رآه يوم القيامة أدركته الرأفة فسأل منه فلما رآه مسخ أيس منه وتبرأ تبرؤا أبديا وقيل إن إبراهيم لم يتيقن بموته على الكفر لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم ويكون وقت تبرئه منه بعد الحال التي وقعت في هذا الحديث رواه البخاري وعنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يعرق بفتح الراء الناس أي جميعا والجن بالأولى فتركه من باب الاكتفاء والظاهر استثناء الأنبياء والأولياء يوم القيامة أي في ابتداء أمره حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا قيل سبب هذا العرق تراكم الأهوال وحصول الحياء

(16/102)


والخجالة والندامة والملامة وتزاحم حر الشمس والنار كما جاء في رواية إن جهنم تدير أهل المحشر فلا يكون إلى الجنة طريق إلا الصراط ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم أي يصل العرق إليها وهي بالمد جمع أذن قال شارح أي إلى أفواههم وسيأتي أن الناس مختلفون في أحوالهم على مراتب أعمالهم متفق عليه وروى الطبراني عن ابن مسعود مرفوعا إن الرجل ليلجمه
العرق يوم القيامة فيقول رب أرحني ولو إلى النار وعن المقداد قال سمعت رسول الله يقول تدنو الشمس أي تقرب يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم أي الشمس والمراد جرمها كمقدار ميل تقديره حتى يكون مقدار قرب الشمس منهم مثل مقدار ميل نظيره قوله تعالى فكان قاب قوسين النجم أي كان قرب رسول الله من جبريل أو من مكان القرب مثل مقدار قوسين وفي شرح السنة قال سليم لا أدري أي الميلين يعني مسافة الأرض أو الميل الذي يكحل به العين فيكون الناس على قدر أعمالهم أي السيئة في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه أي تقريبا فيقبل النقصان والزيادة ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه الحقو الخصر ومشد الإزار ومنهم من يلجمهم العرق إلجاما وأشار رسول الله بيده إلى فيه أي فمه قال ابن الملك إن قلت إذا كان العرق كالبحر يلجم البعض فكيف يصل إلى كعب الآخر قلنا يجوز أن يخلق الله تعالى ارتفاعا في الأرض تحت أقدام البعض أو يقال يمسك الله تعالى عرق كل انسان بحسب عمله فلا يصل إلى غيره منه شيء كما أمسك جرية البحر لموسى عليه الصلاة والسلام قلت المعتمد هو القول الأخير فإن أمر الآخرة كله على وفق خرق العادة ألا ترى أن شخصين في قبر واحد يعذب أحدهما وينعم الآخر ولا يدري أحدهما عن غيره ونظيره في الدنيا نائمان مختلفان في رؤياهما فيحزن أحدهما ويفرح الآخر بل شخصان قاعدان في مكان واحد أحدهما في عليين والآخر في أسفل سافلين أو أحدهما في صحة والآخر في وجع أو بلية رواه مسلم وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن

(16/103)


النبي قال يقول الله تعالى أي يوم القيامة كما في رواية البغوي يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير كله في يديك قال
أخرج بفتح الهمزة وكسر الراء أي أظهر وميز من بين أولادك بعث النار أي جمعا يستحقون البعث إليها قال وما بعث النار قيل عطف على مقدر أي سمعت وأطعت وما بعث النار أي وما مقدار مبعوث النار وقيل ما بمعنى كم العددية والأظهر أن الواو استئنافية تفيد الربط بين سابقها ولاحقها قال أي الله تعالى من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين قيل يخالفه ما في حديث أبي هريرة من كل مائة تسعة وتسعين وأجاب الكرماني بأن مفهوم العدد مما لا اعتبار له والمقصود منه تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين ويمكن حمل حديث أبي سعيد على جميع ذرية آذم فيكون من كل ألف عشرة ويقرب من ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة ويحتمل أن يكون الأول يتعلق بالخلق أجمعين والثاني بخصوص هذه الأمة وأن يكون المراد ببعث النار الكفار ومن يدخل النار من العصاة فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كافرا ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصيا وهذا هو الأظهر والله تعالى أعلم فعنده أي عند هذا الحكم يشيب الصغير أي من الحزن الكثير والهم الكبير وفي رواية البغوي فحينئذ يشيب المولود وظهور الشيب إما على الحقيقة أو على الفرض والتقدير وهذا هو الأظهر الملائم لقوله وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى أي من الخوف وما هم بسكارى أي من الخمر ولكن عذاب الله شديد ثم اعلم أن هذا الحديث مقتبس من قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم أي احذروا بطاعته عقابه حتى ترجوا ثوابه إن زلزلة الساعة شيء عظيم والزلزلة شدة الحركة على الحالة الهائلة واختلفوا فيها فقال علقمة والشعبي هي من أشراط الساعة قبل قيامها وقال الحسن والسدي هي تكون يوم القيامة وقال ابن عباس رضي الله عنهما زلزلة الساعة قيامها فتكون معها يوم ترونها أي الساعة أو الزلزلة تذهل كل مرضعة أي

(16/104)


تشغل عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها الحج أي تسقط ولدها من هول ذلك اليوم قال الحسن تذهل المرضع عن ولدها بغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها من غير تمام وهذا بظاهره يؤيد قول من قال إن هذه الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حبل ومن قال تكون في القيامة قال هذا على وجه التعظيم للأمر لا على حقيقته كقولهم أصابنا أمر يشيب فيه الوليد يريد به شدته قالوا يا رسول الله وأينا ذلك الواحد ولما استعظموا ذلك الأمر واستشعروا الخوف منه قال أي في جوابهم تسلية لفؤادهم أبشروا قال الطيبي رحمه الله لا يخلو هذا الاستفهام من أن يكون مجرى على حقيقته أو يكون استعظاما لذلك الحكم واستشعار خوف منه فالأول يستدعي أن يجاب بأن ذلك الواحد فلان أو متصف بالصفة الفلانية والثاني يستدعي أن يجاب بما يزيل ذلك الخوف رفقا للناس والثاني هو المراد لقوله

(16/105)


أبشروا وكأنه قال وأينا من أمة محمد ذلك الناجي المفلح من بين سائر بني آدم فقال أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج بالألف ويهمز فيهما ألف بالرفع في الأصول المصححة فالجملة حالية وقدم الجار لكون المبتدأ نكرة وفي نسخة السيد عفيف الدين ألفا بالنصب وهو الظاهر فإنه من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين والمجرور مقدم والمعنى سيوجد بعدد كل رجل منكم ألف من يأجوج ومأجوج فحينئذ يكثر أهل الجنة وفيه إشعار بأن أهل النار أكثر من أهل الجنة ولعل أهلها يكثرون بوجود الملائكة المقربين والحور العين فصح معنى الحديث القدسي غلبت رحمتي غضبي زاد البغوي قال فقال الناس الله أكبر ثم قال والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا أي أنتم أيها الصحابة أو أيها الأمة وهو الأظهر ربع أهل الجنة فكبرنا التكبير للعجب والفرح التام والاستبشار والاستعظام فقال أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا ولعله درج الأمر لئلا تنقطع قلوبهم بالفرح الكثير دفعة أو بالنظر إلى دخولهم في دفعات أو أوحي إليه وحيا بعد وحي فأخبر بما بشر فقال أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا قال الطيبي رحمه الله في الحديث تنبيه على أن يأجوج ومأجوج داخلون في هذا الوعيد ودل بقوله أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة أن غير يأجوج ومأجوج من الأمم السالفة الفائتة للحصر أيضا داخلون في الوعيد فإذا وزع نصف أمة محمد مع مثله من الأمم السالفة على هؤلاء يكون كالواحد من الألف يدل عليه رواية الراوي قال أي النبي وفي نسخة صحيحة فقال ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود الظاهر أن أو للتخيير في التعبير وتحتمل الشك قال الطيبي رحمه الله وقولهم الله أكبر مرارا ثلاثا متعجبين استبشار منهم واستعظام لهذه النعمة العظمى والمنحة الكبرى فيكون في هذا الاستعظام بعد ذلك الاستعظام إشارة إلى فوزهم بالبغية بعد اليأس منها اه ولعل ورود هذا الحديث قبل علمه

(16/106)


بأن أمته ثلثا أهل الجنة إذ قد ورد أن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون صفا أمته وأربعون سائر الأمم ويمكن أن يكونوا نصفا بالنسبة إلى الداخلين أولا والأظهر أن هذا الحديث وقع مختصرا على ما سيأتي الحديث بطوله متفق عليه ورواه النسائي وفي المعالم روي عن عمران بن الحصين وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أن
هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلا فنادى منادي رسول الله فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله فقرأها عليهم فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة فلما أصبحوا لم يحطوا السرج عن الدواب ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا قدرا والناس بين باك أو جالس حزين متفكرين فقال رسول الله أتدرون أي يوم ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال ذلك يوم يقول الله عز وجل يا آدم قم فابعث بعث النار من ولدك قال فيقول آدم من كل كم كم فيقول الله عز وجل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة قال فكبر ذلك على المسلمين وبكوا وقالوا فمن ينجو إذا يا رسول الله فقال رسول الله أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة وإن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون منها أمتي وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة بل كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ثم قال ويدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير حساب فقال عمر رضي الله تعالى عنه سبعون ألفا قال نعم ومع كل واحد سبعون ألفا فقام عكاشة بن محيصن فقال يا رسول الله ادع الله لي أن يجعلني منهم فقال رسول الله أنت منهم فقام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله ادع الله لي أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة وعنه أي عن أبي سعيد

(16/107)


رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول يكشف ربنا عن ساقه قال التوربشتي رحمه الله مذهب أهل السلامة من السلف التورع من التعرض للقول في مثل هذا الحديث وهو الأمثل والأحوط وقد تأوله جمع من العلماء بأن الكشف عن الساق مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب واستعماله فيها شائع ومنه قول الشاعر عجبت من نفسي ومن اشفاقها ومن طرادى الطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها ومنه قوله تعالى يوم يكشف عن ساق القلم أي عن شدة وتنكير الساق في الآية من دلائل هذا التأويل ووجه تعريف الساق في الحديث دون الآية أن يقال أضافها إلى الله تعالى تنبيها على أنها الشدة التي لا يجليها لوقتها إلا هو أو على أنها هي التي ذكرها في كتابه اه وعند الحاكم عن ابن عباس في الآية هو يوم كرب وشدة وقال الخطابي المعنى يكشف عن قدرته التي تكشف عن الشدة والكرب وقيل الأصل فيه أن يموت الولد في بطن الناقة فيدخل الرجل يده في رحمها فيأخذ بساقه ليخرجه فهذا هو الكشف عن

(16/108)


الساق ثم استعمل في كل أمر فظيع أقول ويمكن أن يكون استعارة وحاصله أن الله تعالى يأخذهم بالشدائد كمن يكشف عن ساقه بالتشمير عند دخوله في أمر خطير فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة أي من كمال الشدة يقعون في السجدة طالبين رفعها بتلك القربة وأخرج أبو يعلى بسند فيه ضعف عن أبي موسى مرفوعا في قوله تعالى يوم يكشف عن ساقها قال عن نور عظيم فيخرون له سجدا فهذا يشعر بأنه تعالى يتجلى للناس تجليا صوريا وبهذا ينحل الإشكال في كثير من أحاديث الصفات على ما قرره بعض مشايخنا والله تعالى أعلم ثم المراد بالمؤمن والمؤمنة الخلص منهما ولذا قال ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة أي نفاقا وشهرة فيذهب أي يقصد ويشرع ليسجد فيعود أي يصير ظهره طبقا واحدا أي عظما بلا مفصل بحيث لا ينثني عند الرفع والخفض فلا يقدر والطبق فقار الظهر واحده طبقة يعني صار فقاره واحدا فلا يقدر على الانحناء والمعنى أنه تعالى يكشف يوم القيامة عن شدة ترتفع دونها سواتر الامتحان فيتميز أهل الإخلاص والإيقان بالسجود عن أهل الريب والنفاق في اليوم الموعود وكما قال تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون القلم و متفق عليه وأخرج الإسماعيلي الحديث بلفظ يكشف عن ساق قال وهذا أصح لموافقة لفظ القرآن والله سبحانه وتعالى أعلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ليأتي الرجل العظيم أي جاها ومالا أو لحما وشحما فيكون قوله السمين عطف بيان له يوم القيامة لا يزن أي لا يعدل ولا يسوي عند الله جناح بعوضة أي لا يكون له عند الله قدر ومنزلة تقول العرب ما لفلان عندنا وزن أي قدر لخسته ومنه حديث لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقي كافرا منها شربة ماء وقال أي النبي أو أبو هريرة اقرؤوا أي استشهادا واعتضادا فلا نقيم لهم أي للكفار يوم القيامة وزنا قيل مقدارا وحسابا واعتبارا وقيل ميزانا

(16/109)


فالتقدير آلة الوزن إذ الكفار الخلص يدخلون النار بغير حساب وإنما الميزان للمؤمنين الكاملين والمرائين والمنافقين والله سبحانه وتعالى أعلم قال الطيبي رحمه الله فإن قلت
كيف وجه صحة الاستشهاد بالآية فإن المراد بالوزن في الحديث وزن الجثة ومقداره لقوله العظيم السمين وفي الآية إما وزن الأعمال لقوله تعالى فحبطت أعمالهم الكهف وإما مقدارهم والمعنى نزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار قلت الحديث من الوجه الثاني على سبيل الكفاية وذكر الجثة والعظم لا ينافي ارادة مقداره وتفخيمه قال تعالى وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة المنافقون متفق عليه
$الفصل الثاني
عن أبي هريرة قال قرأ رسول الله هذه الآية يومئذ تحدث أي الأرض أخبارها قال أتدرون ما أخبارها بفتح الهمزة جمع خبر وفي نسخة بكسرها على أنه مصدر أي تحديثها قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن أخبارها بالوجهين أن تشهد على كل عبد أو أمة أي ذكر وأنثى بما عمل بفتح أوله أي فعل كل واحد على ظهرها وفي نسخة بالضم على أن نائب الفاعل قوله على ظهرها أن تقول بدل بعض من أن تشهد أو بيان ويؤيده ما في رواية الجامع تقول بدون أن أو خبر مبتدأ محذوف أي هي يعني شهادتها أن تقول عمل أي فلان علي أي على ظهري كذا وكذا أي من الطاعة أو المعصية يوم كذا وكذا أي من شهر كذا وعام كذا قال فهذه أي الشهادات أو المذكورات أخبارها رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب وكذا رواه عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان

(16/110)


وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ما من أحد يموت إلا ندم أي فاغتنموا الحياة قبل الموت واستبقوا الخيرات قبل الفوت قالوا وما ندامته أي ما وجه تأسف كل أحد وملامته يا رسول الله قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد أي خيرا أو برا وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع أي كف نفسه عن الإساءة رواه الترمذي وعنه أي عن أبي هريرة قال قال رسول الله يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف وفي نسخة على ثلاثة أصناف ويؤيد الأول قوله صنفا مشاة بضم الميم جمع ماش وهم المؤمنون الذين خلطوا صالح أعمالهم بسيئها وصنفا ركبانا أي على النوق وهو بضم الراء جمع راكب وهم السابقون الكاملو الإيمان وإنما بدأ بالمشاة جبرا لخاطرهم كما قيل في قوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه فاطر وفي قوله سبحانه يهب لمن يشاء إناثا الشورى أو لأنهم المحتاجون إلى المغفرة أولا أو لإرادة الترقي وهو ظاهر وقال التوربشتي رحمه الله فإن قيل لم بدأ بالمشاة بالذكر قبل أولي السابقة قلنا لأنهم هم الأكثرون من أهل الإيمان وصنفا على وجوههم أي يمشون عليها وهم الكفار قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم أي والعادة أن يمشى على الأرجل قال إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم يعني وقد أخبر في كتابه بقوله الذين يحشرون على وجوههم الفرقان وإخباره حق ووعده صدق وهو على كل شيء قدير فلا ينبغي أن يستبعد مثل ذلك أما بالتخفيف للتنبيه إنهم أي الكفار يتقون أي يحترزون ويدفعون بوجوههم كل حدب أي مكان مرتفع وشوك أي ونحوه من أنواع ما يتأذى به والمعنى أن وجوههم واقية لأبدانهم من جميع الأذى لأجل أن غلت أيديهم وأرجلهم والأمر في الدنيا على عكس ذلك وإنما كان كذلك لأن الوجه الذي هو أعز الأعضاء لم يضعه ساجدا على التراب وعدل عنه تكبرا فجعل أمره على العكس قال القاضي رحمه الله قوله يتقون بوجوههم يريد به بيان هو أنهم واضطرارهم إلى حد جعلوا وجوههم مكان الأيدي

(16/111)


والأرج
في التوقي عن مؤذيات الطرق والمشي إلى المقصد لما لم يجعلوها ساجدة لمن خلقها وصورها ومما يناسب المقام ما يحكى أنه رؤي بعض الأغنياء أنه يسعى بين الصفا والمروة على بغلة بطريق الخيلاء ثم رؤي في بعض البادية والصحراء أنه يمشي فقيل له في ذلك فقال لما ركبنا في محل المشي عاقبنا الله بأن نمشي في محل الركوب هذا وقد قال تعالى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة الزمر وفسروا بأنه يلقى الكافر مقلوبا في النار فلا يقدر أن يدفع عن نفسه النار إلا بوجهه رواه الترمذي وكذا أبو داود وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث وحسنه الترمذي رحمهم الله وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله من سره أي أعجبه أن ينظر إلي يوم القيامة أي أحواله وأن يطلع في أهواله كأنه رأى عين أي فيترقى من علم اليقين إلى عين اليقين فليقرأ إذا الشمس كورت أي لفت وألقيت في النار وقال القاضي رحمه الله أي لفت بمعنى رفعت أو لف ضوؤها أو ألقيت عن فلكها في الدر عن ابن عباس أي أظلمت وعن أبي صالح نكست وإذا السماء انفطرت أي انشقت وإذا السماء انشقت أي انصدعت والمراد هذه السور فإنها مشتملة على ذكر أحوال يوم القيامة وأهواله رواه أحمد والترمذي وكذا ابن المنذر والطبراني وحسنه الترمذي والحاكم وصححه وابن مردويه
$الفصل الثالث
عن أبي ذر رضي الله عنه قال إن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون

(16/112)


ثلاثة أفواج قال الطيبي رحمه الله المراد بالحشر هنا ما في قوله أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وقوله ستخرج نار من نحو حضرموت تحشر الناس قلنا يا رسول الله فما تأمرنا قال عليكم بالشام فوجا وهم السابقون من المؤمنين الكاملين راكبين طاعمين كاسين قال الطيبي رحمه الله هو عبارة عن كونهم مرفهين لاستعدادهم ما يبلغهم إلى القصد من الزاد والراحلة وفوجا وهم الكفار يسحبهم بفتح الحاء أي يجرهم الملائكة على وجوههم وهو إما على حقيقته وإما كناية عن كمال هوانهم وذلهم والأول أظهر لدلالة السباق واللحاق وتحشر النار بنصب النار في أصل السيد وأكثر النسخ وفي نسخة برفعها وفي نسخة صحيحة وتحشرهم النار بالضمير مع نصب النار على نزع الخافض أي إليها ومع رفعها على الفاعلية قال الطيبي رحمه الله أي تحشر الملائكة لهم النار وتلزمهم إياها حتى لا تفارقهم أين باتوا وأين قالوا وأصبحوا ويصح أن ترفع النار أي وتحشرهم النار وفوجا وهم المؤمنون المذنبون يمشون ويسعون أي ويسرعون لا أنهم يمشون بسكينة وراحة ويلقي الله الآفة على الظهر أي على المركوب تسمية بما هو المقصود منه وتعبيرا عن الكل بالجزء فلا يبقى أي ظهر وفي نسخة بالتأنيث أي دابة وفي نسخة بضم أوله أي فلا تبقي الآفة دابة حتى أن الرجل لتكون له الحديقة أي البستان يعطيها بذات القتب أي بعوضها وبدلها وهو بفتح القاف والتاء للجمل كالأكتاف لغيره لا يقدر أي أحد عليها أي على ذات القتب لعزة وجودها وهذا صريح في أن المراد بالحشر في هذا الحديث ليس حشر القيامة قال الطيبي رحمه الله فبقي أن يقال لم ذكر المؤلف هذا الحديث في باب الحشر وهذا محل ذكره باب أشراط الساعة قلنا تأسيا بمحيي السنة والعجب أن محيي السنة حمل الحديث على ما ذهب إليه الخطابي حيث قال وهذا الحشر قبل قيام الساعة وإنما يكون ذلك إلى الشام أحياء فأما الحشر بعد البعث من القبور فعلى خلاف هذه الصفة من ركوب

(16/113)


الإبل والمعاقبة عليها وإنما هو كما أخبر أنهم يبعثون حفاة عراة وأورده في هذا الباب اه وتقدم الجواب على وجه الصواب في كلام التوربشتي رحمه الله في حديث أبي هريرة أول الباب والحاصل أن ركوب بعض الخواص من الأنبياء والأولياء ثابت في الحشر بعد البعث أيضا وأن حديث يبعثون حفاة عراة بناء على أكثر الخلق أو نظرا إلى ابتداء الأمر والله تعالى أعلم رواه النسائي وفي الدر المنثور أخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي ذر أنه تلا هذه الآية ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم الاسراء فقال حدثني الصادق المصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين وفوج يمشون ويسعون وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم اه فهذا الحديث صريح بأن الحشر حشر يوم القيامة لتصريحه في الآية والحديث بيوم القيامة ويؤيده سحب الملائكة إياهم على وجوههم فالوجه الوجيه ما اختاره شيخنا التوربشتي رحمه الله لا ما أخطأ الخطابي حيث لم يدركه هذا المدرك وإنما جاء الآفة من قول أبي ذر في هذا الحديث على رواية أصل الكتاب زيادة على ما في رواية الجامع ويلقي الله الآفة ويمكن دفعه بأن يقال هذا حديث آخر أدرجه معه وأدمجه فيه بأدنى مناسبة فينبغي أن يحمل على المسامحة والله تعالى أعلم

(16/114)


باب الحساب والقصاص والميزان
الحساب بمعنى المحاسبة والقصاص على ما في النهاية اسم من قصه الحاكم يقصه إذا مكنه من أخذ القصاص وهو أن يفعل به مثل ما فعله من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح
$الفصل الأول
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك أي على تقدير المناقشة والمراد بالهلاك العذاب قلت أو ليس يقول الله أي في حق أهل النجاة فسوف يحاسب حسابا يسيرا وتمامه وينقلب إلى أهله مسرورا الانشقاق فقال إنما ذلك العرض بكسر الكاف وجوز الفتح على خطاب العام أو تعظيما لها والمعنى إنما ذلك الحساب اليسير في قوله تعالى عرض عمله لا الحساب على وجه المناقشة ولكن من نوقش في الحساب يهلك بالرفع وفي نسخة بالجزم أي يعذب قال صاحب الفائق يقال ناقشه الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلا ولا كثيرا

(16/115)


وحاصله أن المراد بالمناقشة الاستقصاء في المحاسبة والاستيفاء بالمطالبة وترك المسامحة في الجليل والحقير والقليل والكثير ووجه المعارضة أن لفظ الحديث عام في تعذيب كل من حوسب ولفظ الآية دال على أن بعضهم لا يعذب وطريق الجمع أن المراد بالحساب في الآية إنما هو العرض وهو إبراز الأعمال وإظهارها فيقر صاحبها بذنوبه ثم يتجاوز عنها لإظهار الفضل كما أن المناقشة لبيان ظهور العدل متفق عليه ورواه أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن مردويه وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وابن عدي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ثلاث من كن فيه يحاسبه الله حسابا يسيرا وأدخله الجنة برحمته تعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وفي الجامع الصغير من نوقش في الحساب عذب رواه الشيخان عن عائشة مرفوعا ورواه الطبراني عن ابن الزبير ولفظه من نوقش المحاسبة هلك وعن عدي بن حاتم بكسر التاء قال قال رسول الله ما منكم من أحد من مزيدة لاستغراق النفي والخطاب للمؤمنين إلا سيكلمه ربه أي بلا واسطة والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال ليس بينه وبينه أي بين الرب والعبد ترجمان بفتح الفوقية وسكون الراء وضم الجيم ويجوز ضمه اتباعا على ما في نسخة وكزعفران على ما في القاموس أي مفسر للكلام بلغة عن لغة يقال ترجمت عنه والفعل يدل على أصالة التاء وفي التهذيب التاء أصلية وليست بزائدة والكلمة رباعية ولا حجاب أي حاجز وساتر ومانع بينه وبينه يحجبه أي يحجب ذلك العبد من ربه فينظر أي ذلك العبد أيمن منه أي من ذلك الموقف وقال شارح ضمير منه راجع إلى العبد قلت والمآل واحد والمعنى ينظر في الجانب الذي على يمينه فلا يرى إلا ما قدم من عمله أي عمله الصالح مصورا أو جزاءه مقدرا وينظر أشأم منه أي في الجانب الذي في شماله فلا يرى إلا ما قدم أي من عمله السيء والحاصل أن

(16/116)


النصب في أيمن وأشأم على الظرفية والمراد بهما اليمين والشمال فقيل نظر اليمين والشمال هنا كالمثل لأن الإنسان من شأنه إذا دهمه أمر أن يلتفت يمينا وشمالا لطلب الغوث وقال الحافظ العسقلاني ويحتمل أن يكون سبب الالتفات أنه يترجى أن يجد طريقا يذهب فيها لتحصل له النجاة من النار فلا يرى إلا ما يفضي إلى النار وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه أي في محاذاته وعليها الصراط فاتقوا النار أي إذا عرفتم ذلك فاحذروا منها ولا تظلموا أحدا ولو بشق تمرة أو فتصدقوا ولو بشق تمرة أي ولو بمقدار نصفها أو ببعضها والمعنى ولو بشيء يسير منها أو من غيرها فإنه حجاب وحاجز بينكم وبين النار فإن الصدقة جنة ووسيلة إلى الجنة متفق عليه وفي الجامع اتقوا النار ولو بشق تمرة رواه الشيخان والنسائي عن عدي بن حاتم وأحمد عن عائشة والبزار والطبراني في الأوسط والضياء عن أنس والبزار أيضا عن النعمان بن بشير وعن أبي هريرة والطبراني في الكبير عن ابن عباس وعن أبي أمامة ورواه أحمد والشيخان عن عدي مرفوعا اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله إن الله يدني المؤمن بضم الياء أي يقربه قرب كرامة لا قرب مسافة فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك والمؤمن في المعنى كالنكرة إذ لا عهد في الخارج ولا بعد أن يراد به الجنس فيضع عليه كنفه بفتحتين أي يحفظه مستعار من كنف الطائر وهو جناحه لأنه يحيط به نفسه ويصون به بيضته ويستره أي عن أهل الموقف كيلا يفتضح وقيل أي يظهر عنايته عليه ويصونه عن الخزي بين أهل الموقف كما يضع أحدكم كنف ثوبه أي طرفه على رجل إذا أراد صيانته وقصد حمايته وهذا تمثيل قيل هذا في عبد لم يغتب ولم يعب ولم يفضح أحدا ولم يشمت بفضيحة مسلم بل ستر على عباد الله الصالحين ولم يدع أحدا يهتك عرض أحد حي على ملأ من الناس فستره الله وجعله تحت كنف حمايته جزاء وفاقا من جنس عمله فيقول أتعرف ذنب

(16/117)


كذا أتعرف ذنب كذا في التكرير إشارة إلى التكثير وإيماء إلى أنه عالم بما في الضمير
فيقول نعم أي رب حتى قرره بذنوبه أي جعله مقرا بها بأن أظهرها له وألجأه إلى الإقرار بها ورأى في نفسه أي ظن المؤمن في باطنه أنه قد هلك أي مع الهالكين وليس له طريق مع الناجين وقال شارح أي علم الله في ذاته أنه هلك أي المؤمن ويجوز كون ضمير رأي للمؤمن والواو للحال قال أي الله تعالى سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطي كتاب حسناته أي بيمينه وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم بصيغة المجهول على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم أي بإثبات الشريك ونحوه ألا لعنة الله على الظالمين أي المشركين والمنافقين متفق عليه وعن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله إذا كان يوم القيامة بالرفع أي وقع وحصل وفي نسخة بالنصب أي إذا كان الزمان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم أي موصوف بالإسلام مذكرا كان أو مؤنثا يهوديا أو نصرانيا أي واحدا من أهل الكتاب فأو للتنويع فيقول أي الله تعالى هذا أي الكتابي فكاكك بفتح الفاء ويكسر أي خلاصك من النار قال التوربشتي رحمه الله فكاك الرهن ما يفك به ويخلص والكسر لغة فيه قال القاضي رحمه الله لما كان لكل مكلف مقعد من الجنة ومقعد من النار فمن آمن حق الإيمان بدل مقعده من النار بمقعد من الجنة ومن لم يؤمن فبالعكس كانت الكفرة كالخلف للمؤمنين في مقاعدهم من النار والنائب منابهم فيها وأيضا لما سبق القسم الإلهي بملء جهنم كان ملؤها من الكفار خلاصا للمؤمنين ونجاة لهم من النار فهم في ذلك للمؤمنين كالفداء والفكاك ولعل تخصيص اليهود والنصارى بالذكر لاشتهارهما بمضادة المسلمين ومقابلتهما إياهم في تصديق الرسول المقتضي لنجاتهم اه وقيل عبر عن ذلك بالفكاك تارة وبالفداء أخرى على وجه المجاز والاتساع إذ لم يرد به تعذيب الكتابي بذنب المسلم لقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى فاطر رواه مسلم وفي الجامع

(16/118)


رواه مسلم عن أبي موسى بلفظ إذا كان يوم القيامة أعطى الله تعالى كل رجل من هذه الأمة رجلا من الكفار فيقال له هذا فداؤك من النار ورواه الطبراني في الكبير والحاكم في الكنى عن أبي موس
ولفظه إذا كان يوم القيامة بعث الله تعالى إلى كل مؤمن ملكا معه كافر فيقول الملك للمؤمن يا مؤمن هاك هذا الكافر فهذا فداؤك من النار وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله يجاء أي يؤتى بنوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعم يا رب وهذا لا ينافي قوله تعالى يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب المائدة لأن الإجابة غير التبليغ وهي تحتاج إلى تفصيل لا يحيط بكنهه إلا علمه سبحانه بخلاف نفس التبليغ لأنه من العلوم الضرورية البديهية فتسأل أمته أي أمة الدعوة هل بلغكم أي نوح رسالتها فيقولون ما جاءنا من نذير أي منذر لا هو ولا غيره مبالغة في الإنكار توهما أنه ينفعهم الكذب في ذلك اليوم عن الخلاص من النار ونظيره قول جماعة من الكفار والله ربنا ما كنا مشركين الأنعام فيقال أي لنوح من شهودك وإنما طلب الله من نوح شهداء على تبليغه الرسالة أمته وهو أعلم به إقامة للحجة وإنافة لمنزلة أكابر هذه الأمة فيقول محمد وأمته والمعنى أن أمته شهداء وهو مزك لهم وقدم في الذكر للتعظيم ولا يبعد أنه يشهد لنوح عليه الصلاة والسلام أيضا لأنه محل النصرة وقد قال تعالى وإذا أخذ الله ميثاق النبيين إلى قوله لتؤمنن به ولتنصرنه آل عمران فقال رسول الله فيجاء بكم وفيه تنبيه نبيه أنه حاضر ناظر في ذلك العرض الأكبر فيؤتى بالرسل وأولهم نوح ويؤتى بشهوده وهم هذه الأمة فتشهدون أي أنتم أنه أي أن نوحا قد بلغ أي قومه رسالة ربه ونبيكم مزك لكم أو أنتم ونبيكم معكم تشهدون ففيه تغليب ثم قرأ رسول الله استشهادا بالآية الدالة على العموم في مادة الخصوص وكذلك جعلناكم أمة وسطا قيل أي عدولا وخيارا لأنهم لم يغلوا غلو النصارى ولا

(16/119)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية