صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : كشف المشكل من حديث الصحيحين
النمؤلف / أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي،
دار النشر / دار الوطن - الرياض - 1418هـ - 1997م
عدد الأجزاء / 4
تحقيق : علي حسين البواب

15 وأما الطواف بالبيت راكبا من غير عذر أو من عذر فقد سبق بيان حكمه في الحديث السابع والتسعين من أفراد البخاري من هذا المسند 15 وأما السعي بين الصفا والمروة فإنه ركن في إحدى الروايتين عن أحمد وهو قول مالك والشافعي فعلى هذا حكمه حكم الطواف وفي الرواية الأخرى أنه سنة وقال أبو حنيفة هو واجب ينوب عنه الدم وأما أبو الطفيل فسيأتي ذكره في مسنده إن شاء الله 15 ويدعون بمعنى يدفعون ويكرهون يضطرون إلى التنحي عن المكان الذي هم فيه
991 1193 وفي الحديث الثاني آخر سورة نزلت من القرآن جمعيا ( إذا جاء نصر الله والفتح ) 15 قد روينا في حديث البراء أن آخر سورة نزلت ( براءة ) والذي يقوله ابن عباس أليق لأن ( براءة ) نزلت في سنة تسع وقد نزل بعدها أشياء
992 1194 وفي الحديث الثالث الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها 15 الأيم التي لا زوج لها والمراد بها هاهنا من فقدت زوجها
إما بطلاق أو بموت 15 قوله والبكر تستأذن في نفسها وجعل صمتها إذنا لموضع حيائها

(1/580)


993 1195 وفي الحديث الرابع أن أبا الصهباء قال لابن عباس هات من هناتك ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبي بكر واحدة فقال قد كان ذلك فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم وفي لفظ قال ابن عباس كان الطلاق على عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم 15 الهنات خصال سوء مكروهة قال ابن فارس ولا يقال في الخير ولعل أبا الصهباء قد سمع من ابن عباس أن الطلاق في الحيض لا يكره أو أن جمع الثلاث جائز فأراد الرد عليه والذي يظهر من معنى الحديث أن قوله كان طلاق الثلاث واحدة أن يوقع واحدة بعد واحدة وهذا طلاق السنة أن يوقع في كل طهر طلقة فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق - أي أسرعوا فيه ولم ينتظروا الطهر لإيقاعه أو جمعوا الثلاث بكلمة واحدة فأجازه - أي حكم بوقوعه 15 والتتايع - بالياء قبل العين - لا يكون إلا في الشر
15 وقوله قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة أي رفق وهو إيقاع الطقلة الواحدة في الطهر ثم ينتظر الطهر الثاني لإيقاع ثانية 15 فلو أمضيناه عليهم أي تركنا الإنكار عليهم في هذا لأنه مباح 15 وفي هذا الحديث لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت النفر من الحج الدفع والانطلاق والإشارة بالحديث إلى طواف الوداع ووهو عندنا واجب يلزم بتركه دم خلافا لمالك وأحد قولي الشافعي أنه ليس بواجب فإن طاف ولم يعقبه بالخروج لزمته الإعادة وقال أبو حنيفة لا تلزمه

(1/581)


994 1197 - وفي الحديث السادس العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا 15 العين نظر باستحسان يشوبه شيء من الحسد ويكون الناظر خبيث الطبع كذوات السموم فيؤثر في المنظور إليه ولولا هذا لكان كل عاشق يصيب معشوقه بالعين يقال عنت الرجل إذا أصبته بعينك فهو معين ومعيون والفاعل عائن ومعنى قوله العين حق أنها تصيب بلا شك عاجلا كأنها تسابق القدر 15 وقد أشكل إصابة العين على قوم فاعترضوا على هذا الحديث فقالوا كيف تعمل العين من بعد حتى تمرض والجواب أن طبائع الناس تختلف كما تختلف طبائع الهوام وقد بينا فيما تقدم من شرح قوله عليه السلام في الأبتر وذي الطفيتين أنهما يطمسان البصر ويسقطان الحبل أن ذلك يكون بسم فصل من أعينهما في الهواء حتى
أصاب من رأينه فكذلك الآدمي قال ابن السائب كان في المشركين رجل يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل يرفع جانب خبائه فتمر به النعم فيقول لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فما تذهب إلا قريبا حتى تسقط منها عدة وقال الأصمعي رأيت رجلا عيونا كان يقول إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني 15 وقد عرف أن الناس من تلسعه العقرب فتموت العقرب قال ابن قتيبة كان المتوكل قد جيء بأسود من بعض البوادي يأكل الأفاعي وهي أحياء ويتلقاها بالنهش من جهة رؤوسها ويأكل ابن عرس وهو حي ويتلقاه بالأكل من جهة رأسه وأتي بآخر يأكل الجمر كما يأكله الظليم وفقراء الأعراب الذين يبعدون عن الريف يأكلون الحيات وكل مادب ودرج من الحشرات فلا ينكر أن يكون من الناس ذو طبيعة ذات سم وضرر فإذا نظر إلى الشيء يعجبه فصل من عينه في الهواء شيء من السم فيصل إلى المرئي فيعله ومما يشبه هذا أن المرأة الطامث تدنو من إناء اللبن تسوطه فيفسد اللبن وليس ذلك إلا لشيء فصل عنها فوصل إلى اللبن وقد تدخل البستان فتضر بكثير من الغروس من غير أن تمسها ويفسد العجين إذا وضع في البيت الذي

(1/582)


فيه البطيخ وناقف الحنظل تدمع عيناه وكذلك قاطع البصل والناظر إلى العين المحمرة وقد يتثاءب الرجل فيثاءب غيره 15 وجاء في الحديث أن عامر بن ربيعة رأى سهل بن حنيف يغتسل فعانه وقال ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة فلبط به - أي صرع - حتى ما يعقل من شدة الوجع فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أتتهمون أحدا قالوا نعم عامر بن ربيعة فأخبروه بقوله فأمره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يغتسل له ففعل فراح مع الركب 15 وقد وصف الزهري الغسل فقال يؤتى العائن بقدح فيدخل كفه فيه فيمضمض ثم يمجه في القدح ثم يغسل وجهه في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر ثم يغسل داخل إزاره ولا يوضع القدح بالأرض ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب بالعين من خلفه صبة واحدة وقد اختلفوا في المراد بداخلة إزارة فقال أبو عبيد كان بعضهم يذهب وهمه إلى المذاكير وبعضهم إلى الأفخاذ والورك وليس كذلك إنما أراد بداخله إزاره طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده وهو يلي الجانب الأيمن من الرجل لأن المؤتزر إنما يبدأ إذا ائتزر بجانبه الأيمن فذلك الطرف يباشر جسده فهذا الذي يغسل
995 1198 وفي الحديث السابع صفة التشهد وقد ذكرناه في مسند ابن مسعود

(1/583)


996 1199 وفي الحديث الثامن أن ضباعة أتت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقالت إني امرأة ثقيلة وإني أريد الحج فما تأمرني قال أهلي بالحج واشترطي أن محلى حيث تحبسني 15 الإهلال بالحج التلبية ومعنى هذا الاشتراط أني أحل إذا حبسني المرض ولا خلاف أن المحصر بالعدو يتحلل فأما المحصر بالمرض فعند أبي حنيفة أنه كالمحصر بالعدو وعند الشافعي ومالك وأحمد لا يباح له التحلل إلا عند الشافعي وأحمد أنه إذا شرط في ابتداء إحرامه أنه إذا مرض تحلل جاز له التحلل عند وجود الشرط وعند أبي حنيفة ومالك أن اشتراطه لا تأثير له فأبو حنيفة يقول لا يحل له إلا بالهدي ومالك يقول لا يستفيد التحلل أصلا والحديث حجة جلية لأنه لو كان المرض يبيح لها التحلل لم يكن لاشتراطها معنى فإن قالوا فائدة هذا الشرط أن لا يلزمها الهدي فلنا الحكم المعلق على الشرط التحلل ولم يجر للهدي ذكر ثم عندكم إن وجود هذا الشرط كعدمه وإنه يجوز لها التحلل قبل الهدي فما قلتم به
977 1200 وفي الحديث التاسع قال ابن عباس في الإقعاء
على القدمين هو سنة 15 قال أبو سليمان الخطابي الإقعاء أن يضع أليته على عقبيه ويقعد مستوفزا غير مطمئن إلى الأرض وكذلك إقعاء السباع والكلاب إنما هو أن تقعد على مآخيرها وتنصب أفخاذها قال طاووس رأيت العبادلة ابن عمر وابن عباس وابن الزبير يفعلون ذلك وقال أحمد بن حنبل أهل مكة يستعملون الإقعاء وقد روي عن ابن عمر أنه قال لبنيه لا تقتدوا بي في الإقعاء فإني فعلته حين كبرت ويشبه أن يكون حديث ابن عباس منسوخا لأنه قد ثبت عن النبي {صلى الله عليه وسلم} من طرق أنه قعد بين السجدتين مفترشا قدمه اليسرى

(1/584)


988 1203 وفي الحديث الثاني عشر أن امرأة رفعت صبيا لها إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال ألهذا حج قال نعم ولك أجر 15 هذا الحديث صريح في صحة حج الصبي وعندنا أن إحرامه صحيح فإن كان مميزا صح إحرامه بإذن وليه وإن كان غير مميز أحرم عنه الولي وصار محرما بإحرام الولي وفعل عنه ما لا يتأتى فعله منه وهذا قول مالك والشافعي فأما نفقة حجه وما يلزمه من كفارة إذا ارتكب محظورا فهل هي في ماله أو في مال وليه فيه عن أحمد روايتان واختلف أصحاب أبي حنيفة فمنهم من قال لا يصح إحرامه ولا حجه بحال ومنهم من قال يصح ولكن لا يلزم
وفائدته أنه ارتكب محظورا لم تلزمه الكفارة ولا خلاف في وجوب الإعادة عند البلوغ
999 1204 - وفي الحديث الثالث عشر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خذ خاتمك انتفع به قال لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} 15 إنما جعل الخاتم جمرة لأنه محرم اللبس والحرام يئول بصاحبه إلى النار فهو كقوله تعالى ( إنما يأكلون في بطونهم نارا ) النساء 10 وقوله عليه السلام من شرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم 15 وربما نسب هذا الرجل بعض الجهال إلى التفريط في ترك انتفاعه بالخاتم وليس كذلك فإنه لا يخفى أن المحرم لبسه لا الانتفاع به غير أنه قد يتعلق الإبعاد بعين الشيء فخاف الرجل أن يكون هذا من ذاك الجنس مثل ما تقدم من حديث عمران بن حصين أن امرأة لعنت ناقتها فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة وكذلك لما ورد أرض ثمود فعجنوا من بئارها أمرهم بإلقاء العجين فلما جاز أن يكون للشرع في صورة الأمر سر كان الأولى
التمسك بظاهر اللفظ وفي هذا تنبيه على منع إخراج القيم في الزكاة لأنه ربما كان مراده نفس ما نص عليه وكذلك إزالة النجاسة بالماء

(1/585)


1000 1206 - وفي الحديث الخامس عشر قال كريب رأيت الهلال بالشام ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فأخبرت ابن عباس فقال لكنا رأيناه ليلة السبت قلت افلا تكتفي برؤية معاوية قال لا هكذا أمرنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} 15 اختلف الفقهاء فيما إذا رأى الهلال أهل بلد فهل يلزم جميع البلاد الصوم فقال الأكثرون يلزم وقال الشافعي لا يلزم إلا ما قارب ذلك البلد
1001 1207 - وفي الحديث السادس عشر فرض الله الصلاة على نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة 15 هذا يحتج به أبو حنيفة لأن عنده يتعين القصر على المسافر ولا يجوز له الإتمام ونحن نجيب عن هذا الحديث من وجهين أنه رأي ابن عباس واجتهاده لا روايته والثاني أن الصلاة في السفر ركعتين فرض من يختار القصر وعندنا أن المسافر مخير بين القصر والإتمام وهو قول الشافعي وللخصم على هذا اعتراض فإنهم يقولون أجمعنا على أن ما زاد على الركعتين لا يجب على المسافر

(1/586)


بدليل أنه يجوز له تركه ولا يجوز أن يقال الوجوب موقوف على إرادة العبد فإن اختار الإتمام وجب وإن لم يختره لم يجب لأن هذا يوجب تفويض الأحكام الشرعية إلى اختيار العبد والجواب إنما لم يجب ما زاد على الركعتين لأن الله تعالى تصدق على المسافر فإن قيل الصدقة تسقط عنه وإن لم يقبل وأتى به أتى بالواجب وصار كمن عليه أربعة دراهم فقال صاحب الدين قد تصدقت عليك بدرهمين فإن قبل وأدى درهمين كانت هي الواجب وإن لم يقبل وأدى الأربعة كانت الواجب وقولهم الوجوب لا يقف على اختيار العبد قلنا إنما خير في تعيين قدر دون قدر كما خير في كفارة اليمين ويدل على أن الاختيار إلى العبد قوله عليه السلام فاقبلوا صدقته والندب إلى القبول دليل على ارتباطه باختيار المكلف ومثل هذا إيجاب الشرع على المصلي أن يقف في الصلاة بقدر القراءة ثم لو مد القيام وقع الكل واجبا 15 وأما قوله صلاة الخوف ركعة فإنه أشار إلى ما يقتدي فيه المأموم لأنه يقتدي في ركعة ويتم أخرى ولولا هذا الحمل كان مخالفا للإجماع
1002 1208 وفي الحديث السابع عشر ( ولقد رآه نزلة أخرى ) النجم 11 قال رآه بقلبه وفي لفظ رآه بفؤاده مرتين 15 اعلم أن المفسرين اختلفوا في هاء الكناية في قوله ( ولقد رآه )
على قولين أحدهما أنها ترجع إلى الله عز وجل وعلى هذا قال ابن عباس وقوله بقلبه وفؤاده رأي من ابن عباس حمل فيه الحقيقة على المجاز لأن الرؤية إذا أطلقت فحقيقتها بالبصر وقد روى ابن عباس عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال رأيت ربي والثاني أنها ترجع إلى جبريل وهو قول ابن مسعود فلا يحتاج على هذا القول أن يقال رآه بقلبه ولا بفؤاده

(1/587)


1003 1209 وفي الحديث الثامن عشر لك الحمد ملء السموات وملء الأرض 15 فالجواب من وجهين أحدهما أنه أريد تكثير الحمد فضرب له مثل يقتضي الكثرة كقوله من لقيني بقراب الأرض خطايا لقيته بقرابها مغفرة والثاني أن يكون الحمد كما قيل كتب فملأ بالصحف السموات والأرض 15 وقوله أهل الثناء والمجد المجد الشرف 15 وقوله ولا ينفع ذا الجد منك الجد قال أبو عبيد لا ينفع ذا الغنى منك غناه وإنما ينفعه طاعتك والعمل بما يقربه منك
1004 1210 وفي الحديث التاسع عشر أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قضى بيمين وشاهد
15 هذا الحديث قد رواه عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عمر وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عمرو وسعد بن عبادة وجابر بن عبد الله وأبو سعيد وأبو هريرة وسهل بن سعد وعامر بن ربيعة والمغيرة وأنس ابن مالك وتميم الداري وعمارة بن حازم وعمرو بن حزم وسلمة بن قيس و بلال بن الحارث وسرق وزينب بنت ثعلبة العذري وهو مذهب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وشريح وسعيد بن المسيب وعروة والشعبي والقاسم بن محمد وأبي بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار وأبي سلمة ابن عبد الرحمن والزهري وعمر بن عبد العزيز وعبد الحميد بن عبد الرحمن ويحيى بن يعمر وسليمان بن حبيب ومكحول ومذهب مالك والشافعي وأحمد أنه يجوز الحكم بالشاهد واليمين في المال وما يقصد به المال خلافا لأبي حنيفة وهل يقضى بذلك في العتاق فيه عن أحمد روايتان ولا يقضى بامرأتين ويمين خلافا لمالك وإذا حكم الحاكم بالشاهد واليمين فرجع الشاهد عن شهادته غرم جميع المال وقال الشافعي يغرم النصف 15 1005 1211 وفي الحديث العشرين أهدى الصعب بن جثامة إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حمار وحش وفي لفظ رجل وحش فرده وقال لولا أنا محرمون لقبلناه منك 15 الرجل من أصل الفخذ والحديث محمول على أنه صاده لأجله خلافا لأبي حنيفة وفيه وجه آخر وهو أنه رد الصيد لأنه لا يجوز

(1/588)


للمحرم تملك الصيد لا بالهدية ولا بالشراء
1006 1213 وفي الحديث الثاني والعشرين من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به 15 سمع عمد ليسمع الناس عنه فعله الحسن سمع الله به أي أظهر عنه ما ينطوي عليه من قبح السريرة تقول سمعت بالشيء إذا أشعته ففشا في الأسماع وسمعت بالرجل إذا أشهرته وأفشيت القبيح عنه وعلى نحو هذا من راءى راءى الله به
1007 1215 وفي الحديث الرابع والعشرين لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا 15 الغرض المرمى
1008 1216 وفي الحديث الخامس والعشرين بينا جبريل قاعد عند النبي {صلى الله عليه وسلم} سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته

(1/589)


15 النقيض الصوت 15 قد يشكل هذا الحديث فيقال كأن سورة البقرة أوتيها نبي قبله أو آل عمران أو غير ذلك من القرآن فكيف خص الفاتحة وخواتيم البقرة والجواب أن المقصود ما فيهما فإن الفاتحة قد علمنا فيها سؤال الصراط المستقيم وقد وهب لأمتنا فيها ما لم يوهب لمتقدمي الأمم وسلمت من أوصاف المغضوب عليهم وهم اليهود والضالين وهم النصارى وآمنت بجميع كتب الله ورسوله ولم تفرق بين رسول ورسول كما فرقت الأمم قبلها في الإيمان بالرسل وقالت سمعنا وأطعنا وقد قال من قبلها وعصينا وعفي لها عن الخطأ والنسيان ولم يحمل عليها إصرا - وهو الثقل - كما حمل على من قبلها ولا مالا طاقة لها به 15 فإن قال قائل فقد قال افترقت أمة موسى وعيسى وستفترق أمتي فالجواب أن الفرقة الناجية من هذه الأمة أكثر من الفرق الضالة من غيرها فهذه الأمة إلى السلامة أقرب وإذا أردت اعتبار الأحوال فانظر إلى قوم موسى كيف عرضت لهم غزاة في العمر فقالوا ( اذهب أنت وربك فقاتلا ) وكان أصحاب نبينا عليه السلام يستجيبون له مع الجراح والقرح وأولئك يقولون لموسى ( اجعل لنا إلها ) وهؤلاء يتلو أطفالهم ( قل هو الله أحد ) وقد سبق في المتفق عليه من مسند ابن مسعود عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال والذي نفسي بيده إني
أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وقد روينا عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال أهل الجنة مائة وعشرون صفا أمتي منهم ثمانون

(1/590)


1009 1217 - وفي الحديث السادس والعشرين لما نزلت ( وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) البقرة 284 دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فأنزل الله تعالى ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) الآية البقرة 286 15 اعلم أن ابن عباس يشير إلى النسخ وقد صرح به في حديث آخر وقد ذهب آخرون إلى أنه لم ينسخ ثم انقسموا قسمين منهم من قال هو عام في جميع المخفيات ثم انقسم هؤلاء ثلاث فرق ففرقة قالت يؤاخذ به من يشاء ويغفره لمن يشاء وهو مذهب ابن عمر والحسن وفرقة قالت معنى المؤاخذة به اطلاع العبد على فعله السيء وقد روى هذا المعنى علي بن أبي طالب عن ابن عباس وفرقة قالت المؤاخذة به هو ما يصيب العبد في الدنيا من غم وحزن وأذى وهذا قول عائشة وأما القسم الثاني فإنهم قالوا بل هو خاص في نوع من المخفيات ولهم فيه قولان أحدهما أنه في الشهادة قال معنى إن تبدوا ما في أنفسكم من كتمان الشهادة أو تخفوه وهذا المعنى في رواية مقسم عن ابن عباس والثاني أنه الشك واليقين قاله مجاهد
1010 1218 وفي الحديث السابع والعشرين أن ضمادا سمع من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كلاما فقال لقد بلغ قاموس البحر 15 قال أبو عبيد قاموسه وسطه ولي في البحر موضع أبعد غورا منه ولا الماء أشد انغماسا منه في وسطه وأصل القمس الغوص وقد رواه قوم ناعوس البحر وهو تصحيف
1011 1219 وفي الحديث الثامن والعشرين قال أبو البختري تراءينا الهلال فقال بعض القوم هو ابن ثلاث وقال بعضهم هو ابن ليلتين فقال أي ليلة رأيتموه قلنا ليلة كذا وكذا فقال إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إن الله مده للرؤية 15 معنى الحديث لا تنظروا إلى كبر الهلال وصغره فإن تعليق الحكم على رؤيته فإن أغمي يعني ليلة رمضان فأكلموا العدة أي عدة شعبان هذا الظاهر لقولهم في أول الحديث أهللنا رمضان ويحتمل فإن أغمي في آخره فأكملوا عدة رمضان

(1/591)


1012 1220 وفي الحديث التاسع والعشرين حديث الرمي بالنجوم وقد تكلمنا عليه في الحديث التاسع والستين من هذا المسند
15 وفي هذا الحديث من الغريب يقرفون فيه أي يزيدون ويضيفون إليه ما ليس منه 15 ومنه حتى إذا فزع عن قلوبهم قال ابن قتيبة خفف عنها الفزع والإشارة إلى الملائكة يفزعون خوفا من أمر يطرأ عليهم من أمر الله عز وجل
1013 1222 وفي الحديث الحادي والثلاثين أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس هل كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يغزو بالنساء وهل كان يضرب لهن بسهم وهل كان يقتل الصبيان ومتى ينقضي يتم اليتيم وعن الخمس لمن هو فكتب إليه قد كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما سهم فلا يضرب لهن ولم يكن يقتل الصبيان وأما يتم اليتيم فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ ضعيف العطاء فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم وأما الخمس فإنا نقول هو لنا فأبى علينا قومنا ذلك وقال لولا أن يقع في أحموقة ما كتبت إليه 15 يحذين يعطين 15 وأما اليتم فإنه يرتفع بالبلوغ وإنما يقف تسليم ماله على إيناس الرشد 15 وأما الخمس فاعلم أن الغنيمة إذا حصلت عن القتال بدأ الإمام
بالأسلاب فأعطاها للمقاتلين ثم أخرج مؤنة الغنيمة وهي أجرة الذين حملوها وجمعوها وحفظوها ثم أخرج خمسها فقسمه على خمسة أسهم سهم لله تعالى ولرسوله يصرف في المصالح وسد الثغور وأزراق الجند وغيرها وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب وإلى هذا أشار ابن عباس فأبى علينا قومنا كأنه قال هو لبني هاشم فقال بنو المطلب ولنا وسهم لليتامى الفقراء وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل ثم يعطى النفل بعد ذلك ويرضخ لمن لاسهم له من العبيد والنساء والصبيان ثم يقسم باقي الغنيمة بين من شهد الوقعة 15 والأحموقة من الحماقة فكأنه خاف أن يفعل شيئا بجهل فعرفه الصواب

(1/592)


1014 1223 وفي الحديث الثاني والثلاثين فأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم 15 قمن مفتوحة الميم والمعنى جدير وحقيق وحري قال أبو عبيد يقال قمن ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث لأنه مصدر سمي به فإذا قلت قمن بكسر الميم ثنيت وجمعت وأنثت لأنه اسم ويقال قمين أيضا بمعنى قمن قال قيس بن الخطيم
إذا جاوز الاثنين سر فأنه
بنث وتكثير الوشاة قمين
1051 1234 وفي الحديث الثالث والثلاثين قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفي رواية قال ابن عباس إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما قلت هكذا كان محمد يصومه قال نعم 15 اعلم أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين قدم المدينة رأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فصامه وأمر بصيامه فلما نزلت فريضة رمضان لم يأمرهم بغيره فبقي ذلك اليوم يتطوع بصومه فأراد مخالفة اليهود في آخر عمره فمات {صلى الله عليه وسلم} 15 وفي قوله إذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع أربعة أوجه أحدها أن يكون أراد صوم التاسع عوضا عن العاشر ليخالف اليهود والثاني أن يكون أراد صوم التاسع والعاشر ليخالفهم والثالث أن يكون كره صوم يوم مفرد فأراد أن يصله بيوم آخر والرابع أن التاسع هو عاشوراء وهذا مذهب ابن عباس كما ذكرنا وإنما أخذه ابن عباس من أعشار أوراد الإبل والعشر عندهم تسعة أيام وذلك أنهم يحسبون في الأظماء الورد فإذا وردوا يوما وأقاموا في المرعى يومين ثم أوردوا اليوم الثالث قالوا أوردنا أربعا وإنما هو اليوم الثالث فإذا أقاموا في الرعي ثلاثا ووردوا اليوم الرابع قالوا أوردنا خمسا وعلى هذا الحساب فعاشوراء على هذا القياس إنما هو اليوم التاسع

(1/593)


1061 1235 وفي الحديث الرابع والثلاثين رأى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حمارا موسوم الوجه فأنكر ذلك وقال والله لا أسمه إلا في أقصى شيء من الوجه وأمر بحماره فكوي في جاعرتيه وهو أول من كوى الجاعرتين 15 قال الزجاج الجاعرتان موضع الرقمتين من عجز الحمار وكشف هذه غيره فقال الجاعرتان مضرب الحيوان بذنبه على فخذه
1017 1226 وفي الحديث الخامس والثلاثين ذكر الأنواء 15 وقد سبقت في مسند زيد بن خالد 15 وقوله ( فلا أقسم بمواقع النجوم ) الواقعة 75 وفي لا قولان أحدهما أنها صلة والثاني أنها على أصلها ثم فيها قولان أحدهما أنها للنهي والتقدير فلا تكذبوا ولا تجحدوا ما ذكرته من النعم والثاني أنها رد لما يقوله الكفار في القرآن إنه سحر وشعر ثم استأنف القسم 15 وفي النجوم قولان أحدهما نجوم السماء فعلى هذا في مواقعها ثلاثة أقوال أحدها انتشارها يوم القيامة قاله الحسن والثاني منازلها قاله عطاء والثالث مغيبها في المغرب قاله
أبو عبيدة والقول الثاني أنها نجوم القرآن قاله ابن عباس فعلى هذا سميت نجوما لنزولها متفرقة 15 وقوله ( مدهنون ) قال مجاهد ممالئون للكفار على الكفر به ( وتجعلون رزقكم ) أي شكر رزقكم ( أنكم تكذبون ) وذلك لقولهم مطرنا بنوء كذا فقد كفروا بالمنعم

(1/594)


1018 1227 وفي الحديث السادس والثلاثين قال ابن عباس كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي {صلى الله عليه وسلم} يا نبي الله ثلاثا أعطنيهن قال نعم قال عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال نعم قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم 15 قال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال نعم وفي هذا الحديث وهم من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راوي الحديث وقد ضعف أحاديثه يحيى ابن سعيد وقال ليست بصحاح وكذلك قال أحمد بن حنبل هي أحاديث ضعاف ولذلك لم يخرج عنه البخاري وإنما أخرج عنه مسلم لأنه قد قال يحيى بن معين هو ثقة 15 وإنما قلنا إن هذا وهم لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة
كانت عند عبد الله بن جحش وولدت له وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ثم تنصر وثبتت هي على دينها فبعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى النجاشي ليخطبها عليها فزوجه إياها واصدقها عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وذلك سنة سبع من الهجرة وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها فتلت بساط رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى لا يجلس عليه ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ولا نعرف أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمر أبا سفيان وقد أنبأنا ابن ناصر عن أبي عبد الله الحميدي قال حدثنا أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ قال هذا حديث موضوع لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة بن عمار ولم يختلف أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر 15 وأما كون المسلمين كانوا لا ينظرون إليه ولا يقاعدونه فلأجل مالقوا من محاربته ثم ما كانوا يثقون بإسلامه وهو معدود في المؤلفة قلوبهم ثم إن الله ثبت الإسلام في قلبه فقاتل المشركين وبالغ
1019 1228 وفي الحديث السابع والثلاثين كان المشركون يقولون لبيك لا شريك لك فيقول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويلكم قد قد أي حسبكم لأنه علم أنهم يقولون بعد هذا إلا شريكا هو لك

(1/595)


1020 1230 وفي الحديث التاسع والثلاثين إذ دبغ الإهاب فقد طهر
15 يحتج بهذا من يرى طهارة جلود الميتة وهذا لا يمكن العمل بإطلاقه إلا عند أبي يوسف وداود فإن الشافعي يستثني جلد الكلب والخنزير وأبا حنيفة جلد الخنزير فإذا لم يكن العمل عندهما بعمومه حملناه على غير الميتة ويكون معنى طهارته بالدبغ أن إزالة الأوساخ عنه بدبغه أجزأت عن الماء وإن قلنا هو منسوخ بحديث ابن عكيم فلا كلام 15 وقوله يؤتى بالسقاء يجعلون فيه الودك فنقول من الجائز أن يكون من المجوس من أسلم أو من أهل الكتاب فيحتمل من ذبح أولئك فينبغي قوله دباغه طهوره فيكون معناه ما ذكرنا
1021 1231 وفي الحديث الأربعين في ذكر الخمر إن الذي حرم شربها حرم بيعها ففتح المزادتين حتى ذهب ما فيها 15 الخمر نجسسة العين فلا يصح بيعها كالبول 15 والمزاد جلد مخروز على هيئة ما يحمل الماء كالقربة والراوية
1022 1233 وفي الحديث الثاني والأربعين انطلق سنان بن سلمة معتمرا وانطلق معه ببدنة يسوقها فأزحفت عليه بالطريق فعي بشأنها إن هي أبدعت كيف يأتي لها 15 أزحفت مفتوح الألف قال الزجاج ويقال زحف الصبي

(1/596)


وأزحف إذا لم يقدر على النهوض مهزولا كان أو سمينا 15 وقوله فعي بشأنها يقال عي فلان بكذا وعيي به إذا تحير فلم يدر كيف المخرج فيه 15 وأبدعت الناقة أي ظلعت وكلت فلم تنهض والظلع للإبل كالعرج للإنسان 15 وقوله لأستحفين أي لأستقصين في السؤال عنه والحفي بالشيء المعني به والمستقصي في البحث عنه 15 وقوله أصبحت يعني انقادت 15 والبطحاء المكان المتسع المنفسح وكذلك الأبطح والبطيحة 15 وقوله على الخبير سقطت أي على من يعلم باطن هذا الأمر وقعت 15 وقوله اصبغ نعلها في دمها أي اغمسه فيه والطخه به ثم اجعله على صفحتها ليكون ذلك علامة يعرف به الناظر أنها هدية فيأكلها الفقراء 15 وقوله ولا تأكل منها عندنا أنه لا يجوز الأكل من جميع الدماء الواجبة إلا من هدي التمتع والقران وعن أحمد يأكل من الجميع إلا النذر وجزاء الصيد وبه قال مالك وزاد وفدية الأذى وقال الشافعي لا يأكل من جميع الدماء الواجبة
1023 123 وفي الحديث الثالث والأربعين سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام قال ركعتين سنة أبي القاسم {صلى الله عليه وسلم} وعلى آله 15 الإشارة بهذا إلى قصر المسافر للصلاة وقد سبق البيان أنه إذا نوى إقامة تزيد على أربعة أتم وعن أحمد إذا نوى اثنتين وعشرين صلاة أتم وقد ذكرنا الخلاف في ذلك الحديث الثامن والسبعين من أفراد البخاري في هذا المسند

(1/597)


1024 1235 وفي الحديث الرابع والأربعين صلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج 15 قال أبو عبيد إشعار الحج أن تطعن في أسنمتها في أحد الجانبين بمبضع أو نحوه بقدر ما يسيل الدم وأصل الإشعار العلامة وإنما يفعل هذا بالهدي ليعلم أنه قد جعل هديا وإشعار الهدي وتقليدها سنة عند أكثر العلماء وقال أبو حنيفة يكره الإشعار وهذا الحديث حجة عليه فإن قيل هذا مثلة قلنا هذا اعتراض على الشرع فلا يقبل ثم إنما تكون المثلة بقطع عضو من الحيوان الحي وسبيل الإشعار سبيل الكي والوسم ليعرف بذلك المالك وكذلك الإشعار ليعلم أنها بدنة فتتميز وتصان
15 وفي صفة الإشعار لنا ثلاث روايات إحداهن أنه شق صفحة سنامها الأيمن وهو قول الشافعي والثانية شق سنامها الأيسر وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد والثالثة أنه مخير فيها 15 وقوله وسلت عنها الدم بيده أي أماطه بإصبعه وأصل السلت القطع يقال سلت الله أنفه أي جدعه 15 وأما التقليد فمسنون أيضا وعندنا أنه يميز تقليد الغنم أيضا خلافا لأبي حنيفة ومالك 15 وقوله فلما استوت به على البيداء أهل بالحج أي علت به فوق البيداء قال الخليل أتينا أبا ربيعة الأعرابي وهو فوق سطح فقال استووا واصعدوا 15 واختلف العلماء في أفضل وقت الإحرام فروي عن أحمد أن الأفضل أن يحرم عقيب ركعتين وعنه أن الإحرام عقيب الصلاة وحين تستوي به راحلته على البيداء سواء وقال مالك الأفضل حين تستوي به راحلته على البيداء وقال الشافعي قولين أحدهما كقولنا الأول والثاني إذا سارت به راحلته 15 وأما الإهلال فهو رفع الصوت بالتلبية
1025 1237 وفي الحديث السادس والأربعين نهى عن كل
ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير 15 المخلب للصائد من الطير وللسباع أيضا الظفر وسمي مخلبا لأنها تخلب به والخلب الشق والقطع

(1/598)


1026 1238 وقد سبق الكلام في الحديث السابع والثامن
1028 1239 إلا أن في الثامن أنه شرب من زبيب قد جعل في ماء يومه وليلته فلما أصبح أمر بما بقي منه فأهريق وهذا لأنه اشتد أو قارب 15 وفي رواية كان ينقع له الزبيب فيشربه اليوم وغدا وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى أو يراق وإنما هذا فيما لم يشتد ولم يتكامل له ثلاثة أيام فأما إذا تيقن اشتداده فإنه يراق ولا يسقى أحدا
1028 1240 وفي الحديث التاسع والأربعين فحطأني حطأة 15 الحطء الدفع قال ابن قتيبة المعنى ضربني بيده مبسوطة ومثله لطخني يقال حطأني أي دفعني وقول الراوي وقفدني وهو حطأني إلا أنه بالتواء رسغ الكف إلى الجانب الوحشي من الإنسان والجانب الوحشي الذي فيه الخنصر والإنسي الذي فيه الإبهام ورسغ الكف ملتقى الكف والذراع وهو الموضع الذي
ينثني بين الكف والذراع وكأن القفد على هذا ضرب باليد اليمنى إلى جهة اليمين
5 آخر ما في مسند ابن عباس من المشكل
( 76 ) كشف المشكل من مسند أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما
15 أسلم بمكة مع أبيه ولم يكن بالغا حينئذ وهاجر مع أبيه إلى المدينة وأول غزوة شهدها الخندق وجملة ما روى عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثا أخرج له منها في الصحيحين مائتا حديث وثمانون
1029 1241 فمن المشكل في الحديث الأول لا عدوى ولا طيرة كانت العرب تتوهم الفعل في الأسباب كما كانت تتوهم نزول المطر بفعل الأنواء فأبطل النبي {صلى الله عليه وسلم} ذلك بقوله لا عدوى وإنما أراد إضافة الأشياء إلى القدر ولهذا قال في حديث أبي هريرة فمن أعدى الأول ونهى عن الورود إلى بلد فيه الطاعون لئلا يقف الإنسان مع السبب وينسى المسبب وسيأتي في مسند أبي هريرة لا يورد

(1/599)


ممرض على مصح وفر من المجذوم فرارك من الأسد ثم قد يسقم الإنسان لمصاحبة السقيم من جهة أن الرائحة كانت سببا في المرض والله تعالى قد يعمل الأسباب وقد يبطلها وكذلك قوله ولا طيرة والطيرة من التطير وهو التشاؤم بالشيء تراه أو تسمعه وتتوهم وقوع المكروه به وقد بينا ذلك في مسند عمران بن حصين فأراد النبي {صلى الله عليه وسلم} إضافة الواقعات من الضرر والنفع إلى الله عز وجل 15 وأما قوله الشؤم في ثلاث فقد تكلمنا عليه في مسند سهل بن سعد 15 الإبل الهيم التي يصيبها داء يقال له الهيام يكسبها العطش فلا تروى من الماء وربما أداها ذلك إلى الموت والواحد أهيم وهيمان وناقة هيماء وربما أصاب غيرها من الإبل التي معها مثل ذلك فيظن أنه أعدى ولذلك قال لا عدوى
1030 1242 وفي الحديث الثاني من جاء منكم الجمعة فليغتسل 15 هذا مما كان واجبا فنسخ الوجوب وبقي مستحبا وناسخه حديث أنس وأبي هريرة عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال من توضأ فبها ونعمت ومن
اغتسل فالغسل أفضل ومذهب داود أنه باق على الوجوب وقد حكي عن مالك أيضا
1031 1243 وفي الحديث الثالث صلى لنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال أرأيتم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد 15 هذا علم غيب أطلعه الله عز وجل عليه وكان كما قال {صلى الله عليه وسلم} فإنه قد كان خلق يعمرون في ذلك الزمان كسلمان فإنه عاش مائتين وخمسين سنة إلا أنه لم يبق أحد بعد مائة سنة من ذلك اليوم تصديقا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفي هذا رد لقول من يزعم بقاء الخضر لأنه من بني آدم وهو على ظهر الأرض
1032 1244 وفي الحديث الرابع صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة 15 أكثر أصحاب ابن عمر رووا عنه صلاة الليل مثنى مثنى وهو المذكور في الصحيح وقد روى أبو داود في سننه من حديث علي بن عبد الله البارقي عن ابن عمر عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال صلاة الليل

(1/600)


والنهار مثنى مثنى وهذه زيادة من ثقة وهي مقبولة وعندنا أن الأفضل من النوافل أن يسلم في كل ركعتين بالليل والنهار وهذا قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة الأفضل أن يسلم من أربع وحكى القاضي أبو يعلى عن مذهب أبي حنيفة قال أما صلاة النهار فإن شاء أربعا وإن شاء ركعتين بسلام ولا يزيد على الأربع بسلام واحد وأما صلاة الليل فإن شاء ركعتين وإن شاء أربعا وإن شاء ستا وإن شاء ثمانيا لا يزيد على ذلك بتسليمة واحدة 15 وقوله وأوتر بواحدة نص على جواز الوتر بواحدة وهو قول أحمد والشافعي وقال أبو حنيفة ومالك أقل الوتر ثلاث إلا أن أبا حنيفة يقول بسلام واحد ومالك يقول بسلام عقيب الثانية 15 وقوله كأن الأذان بأذنيه قال حماد بن زيد يعني يصليهما مسرعا فعلى هذا يكون المراد بالأذان هاهنا الإقامة والمعنى أنه يخففهما كأنه قد سمع الإقامة وتسمى الإقامة أذانا لأن الأذان إعلام ويحتمل أنه كان يصليهما عقيب الأذان
1033 1245 وفي الحديث الخامس إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم 15 كان مؤذنو رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثلاثة بلال وهو أول من أذن له
وابن أم مكتوم الأعمى وقد سبق الخلاف في اسمه في مسند زيد بن ثابت وأبو محذورة الجمحي 15 وقد دل هذا الحديث على جواز الأذان للفجر قبل طلوع الفجر وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في مسند ابن مسعود
1034 1246 وفي الحديث السادس رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه 15 وقد سبق الكلام فيه في مسند مالك بن الحويرث
1035 1247 وفي الحديث السابع كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته 15 الراعي هاهنا الحافظ المؤتمن و هذا لأن الولاية على المولى عليه أمانة لأنه مأمور بحفظ ما استرعى فالسؤال عن حفظ الأمانة يقع
1036 1248 وفي الحديث الثامن سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يهل ملبدا لبيك اللهم لبيك 15 قد بينا معنى الإهلال والتلبيد في مسند ابن عباس وبينا معنى اللهم في مسند أبي بكر الصديق عليه السلام وفسرنا لبيك

(1/601)


وسعديك في مسند علي عليه السلام 15 وقوله إن الحمد كسر الألف أجود من فتحها قال ثعلب من كسر فقد عم ومن فتح فقد خص 15 ولا تستحب عندنا الزيادة على تلبية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأنه قد قال خذوا عني مناسككم وهذا قول الشافعي أيضا وقال أبو حنيفة يستحب والتلبية عندنا وعند الشافعي لا تجب إنما تدخل في الإحرام بمجرد النية وقال أبو حنيفة تجب في ابتداء الإحرام فإن لم يلب وقلد الهدي وساقه ونوى الإحرام صار محرما وقال مالك يجب بترك التلبية دم وإظهار التلبية عندنا مسنون في الصحاري دون الأمصار وقال أبو حنيفة والشافعي يستحب إظهارها في الأمصار وغيرها وقال مالك يكره إظهارها في المساجد 15 وأما الرغباء فالذي سمعناه من أشياخنا فتح الراء مع المد ومن الناس من يختار القصر مع فتح الراء كسكرى وشكوى ومنهم من يقصر مع ضم الراء قال أبو سليمان الخطابي فيها لغتان الرغباء بفتح الراء ممدود والرغبى بضم الراء مقصورة وتفسير الرغباء المسألة والمعنى والرغبة إليك والعمل لك
1037 1249 وفي الحديث التاسع رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين يقدم من مكة استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع 15 الخبب ضرب من العدو فوق المشي ودون الجري وهو الرمل وقد ذكرناه في الحديث التاسع والأربعين من مسند ابن عباس وبينا سببه والسعي إسراع المشي حتى يقارب العدو والأشواط جمع شوط والمراد به مقدار الطواف حول البيت مرة 15 وبطن المسيل يراد به الوادي وهو ما بين الصفا والمروة 15 والركعتان بعد الطواف سنة عندنا وقال أبو حنيفة ومالك واجبة وعن الشافعي كالمذهبين
1038 1250 وفي الحديث العاشر لم أر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يستلم إلا الركنين اليمانيين 15 الإستلام اللمس باليد وقد شرحنا هذا الحديث في مسند ابن عباس
1039 1251 وفي الحديث الحادي عشر كان ابن عمر يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام

(1/602)


15 وقد شرحنا هذا الحديث في الحديث التاسع والثلاثين من مسند ابن عباس والمشعر المعلم لمتعبد من المتعبدات
1040 1252 وفي الحديث الثاني عشر يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وفي لفظ مهل أهل المدينة من ذي الحليفة 15 الميم في المهل مضمومة وإنما يفتحها من لا يعرف والإهلال رفع الصوت بالتلبية 15 وقد سبق ذكر المواقيت في مسند ابن عباس
1041 1253 وفي الحديث الثالث عشر لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل 15 اعلم أن المحرم ممنوع من لبس المخيط وتغطية الرأس وفي تغطية وجهه روايتان عن أحمد 15 والورس نبت يصبغ به كالعصفر 15 ولا يجوز له لبس السراويل إلا أن يعدم الإزار ولا الخفين إلا عند عدم النعلين فيجوز له لبس السراويل من أن يفتفه ولبس الخفين من غير أن يقطعهما عملا بحديث ابن عباس الذي تقدم في مسنده وقد ذكرنا هناك عن أصحاب أبي حنيفة أنه لا يجوز له لبس السراويل حتى يفتقه أو يلبسه ويفتدي فأما الخفان فقال أبو حنيفة

(1/603)


لا يجوز له لبسهما إلا أن يقطعهما أسفل من الكعبين عملا بهذا الحديث ولأصحابه أن يقولوا إن كان حديث ابن عباس مطلقا في اللبس فحديث ابن عمر مقيد الجواز بشرط القطع فقد أجاب أصحابنا فقالوا قد روى حديث ابن مالك وعبيد الله بن عمر وأيوب في آخرين فوقفوه على ابن عمر وحديث ابن عباس أكثر رواة ولم يقفه أحد وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر عن النبي {صلى الله عليه وسلم} مثل حديث ابن عباس من غير اشتراط قطع ثم قد أخذ بحديثنا عمر وعلي وسعد وابن عباس وعائشة ثم إنا نحمل قوله وليقطعهما على الجواز من غير كراهة لأجل الإحرام وينهى عن ذلك في غير الإحرام لما فيه من الفساد فأما إذا لبس الخف المقطوع من أسفل الكعب مع وجود النعل فعندنا أنه لا يجوز ويجب عليه الفداء خلافا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي 15 فأما النقاب فهو ما كان على الأنف يستر ما تحته 15 وأما القفازان فقال أبو عبيد هما شيء يعمل لليدين ويحشى بقطن ويكون له أزرار يزر على الساعدين من البرد يلبسه النساء قلت وقد اختلف الفقهاء في لبس القفازين فقال أحمد لا يجوز للمحرمة لبسهما وقال أبو حنيفة يجوز وعن الشافعي كالمذهبين وقال أبو عبيد الناس على الرخصة في هذا لأن الإحرام إنما هو في الرأس والوجه
1042 1254 - وفي الحديث الرابع عشر ذكر التمتع وقد سبق الكلام فيه في مسند علي عليه السلام
1043 1255 - وفي الحديث الخامس عشر ذكر صلاة الخوف ذكرناها في مسند سهل بن أبي حثمة

(1/604)


1044 1256 - وفي الحديث السادس عشر كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومى ء برأسه 15 المراد بالتسبيح هاهنا صلاة النافلة ولا يشترط في ذلك مواجهة القبلة إلا أن يمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة فيلزمه ذلك ويتم الصلاة على حسب حاله وسواء كان ذلك في سفر طويل أو قصير وقال مالك لا يجوز إلا في السفر الطويل وعن أبي حنيفة روايتان إحداهما كقولنا والثانية يجوز أيضا خارج المصر وإن لم ينو سفرا وعندنا أنه يجوز التنفل في السفر للماشي أيضا خلافا لأبي حنيفة 15 وقوله يوتر عليها دليل على أن الوتر ليس بواجب وإنما يجري مجرى السنن إذ الواجب لا يجوز فعله على البعير وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وعن أحمد ما يدل على وجوب الوتر كأبي حنيفة والأول أصح
15 وقد قال ابن عقيل من أصحابنا الاستدلال بهذا الحديث مدخول لأنه قد صح أن الوتر كان واجبا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلا بد أن يقال كان ذلك لعذر عرض له قلت وقول ابن عقيل هو المدخول من ثلاثة أوجه أحدهما أن ابن عمر يقول كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوتر على البعير و كان إخبار عن دوام الفعل والثاني أن ابن عمر أفتى به فتوى عامة وفي المتفق عليه من حديث ابن عمر أن سعيد ابن يسار قال كنت أسير مع ابن عمر فنزلت فأوترت فقال أليس لك في رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أسوة حسنة قلت بلى قال إنه كان يوتر على البعير والثالث أنا لا نعلم حديثا صحيحا في تخصيص رسول الله بوجوب الوتر إنما ثم حديث يرويه أبو جناب الكلبي وقد ضعفه يحيى والنسائي والدارقطني وحمل عليه أحمد بن حنبل حملا شديدا وقال الفلاس هو متروك الحديث
1045 1257 وفي الحديث السابع عشر أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان يصلي يوم الجمعة ركعتين 15 وهذا أقل ما روي في سنة الجمعة وبه يقول أحمد والشافعي وسيأتي في مسند أبي هريرة أربع ركعات وقال إسحق بن راهويه إن صلى في المسجد صلى رابعا وإن صلى في بيته صلى ركعتين

(1/605)


واحتج بأن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته وبقول من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا وكان ابن مسعود يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا وإلى هذا ذهب الثوري وابن المبارك وقال أبو بكر الأثرم وكل هذا جائز
1046 1258 وفي الحديث الثامن عشر إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها 15 اعلم أن نساء الصحابة كن على طريقة الأزواج في التدين والتعبد وانضم إلى هذا ما في طباع العرب من تقبيح الفواحش خصوصا الحرائر كما قالت هند وهل تزني الحرة فاجتمع ما في الطباع من الأنفة والعفاف إلى ما وهب الله لهن من الدين فأذن لهن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الخروج إلى المساجد وقد كن يحضرن موعظته ويصلين خلفه ويسافرن في الغزوات معه فمن علم من امرأته حسن المقصد في خروجها إلى الصلاة فلا يمنعها ولحسن المقصد علامات منها ترك الزينة والطيب والمبالغة في الاستتار ومن لم يجد ذلك منهن جاز له المنع فقد قالت عائشة رضي الله عنها لو علم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد وقد
تكون المرأة حسنة المقصد غير أنها تكون ذات هيكل فتؤذي من يراها فالاستتار لتلك أولى وقد كان عمر بن الخطاب يكره خروج امرأته ويغار من ذلك ولا ينهاها لأجل هذا الحديث وكان عمر يحرص على نزول الحجاب حتى قال يوما لسودة قد عرفناك لئلا تخرج 15 والدغل الفساد وأصل الدغل الشجر الملتف الذي يستتر به أهل الفساد

(1/606)


1047 1259 وفي الحديث التاسع عشر لما مر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالحجر قال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم 15 الإشارة إلى قوم ثمود قال قتادة الحجر اسم الوادي الذي كانوا به وقال الزهري اسم مدينتهم 15 وقوله إلا أن تكونوا باكين إنما ينشأ البكاء عن التفكر فكأنه أمرهم في التفكر في أحوال توجب البكاء والتفكر الذي ينشأ عنه البكاء في مثل ذلك المقام ينقسم ثلاثة أقسام أحدها تفكر يتعلق بأمر الله عز وجل 15 والثاني يتعلق بأولئك القوم والثالث يتعلق بالمار عليهم وفي كل قسم من هذه فنون نشير إلى يسير منها ينبه على الكثير فأما المتعلق بالله عز وجل فمنه قضاؤه على أولئك بالكفر ولهذا المار عليهم بالإيمان قبل وجود الفريقين ومنه خوف تقليبه القلوب فربما جعل مآل المؤمن إلى الكفر ومنه إمهال الكفار على كفرهم مدة
طويلة ومنه شدة نقمته وقوة عذابه وأما المتعلق بالقوم فإهمالهم إعمال العقول في طاعة الخلق ومبارزتهم بالعناد والمخالفة وفوات أمرهم حتى لا وجه للاستدراك حتى إن لعنتهم وعقوبتهم أثرت في المكان والماء فقال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ولما استقوا من آبارهم وعجنوا به أمرهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة فأما المتعلق بالمار عليهم فتوفيقه للإيمان واعتباره بالجنس وتمكينه من الاستدراك وإمهاله مع العصيان ومسامحته مع الزلل إلى غير ذلك من الأسباب التي كلها توجب البكاء فمن مر على مثل أولئك ولم يتفكر فيما يوجب البكاء شابههم في إهمالهم التفكر فلم يؤمن عليه نزول العقاب 15 وقوله أن يصيبكم فيه إضمار تقديره حذار أن يصيبكم وهذا تحذير من الغفلة عن تدبر الآيات فكأنه قال إذا رأيتم ما حل بهم ولم تنتبهوا من رقدات الغفلة فاحذروا من العقوبة فإنه إنما حلت بهم لغفلتهم عن التدبر

(1/607)


1048 1260 وفي الحديث العشرين المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه 15 هذه أخوة الإسلام فإن كل اتفاق بين شيئين يوجب اسم أخوه وقوله لا يسلمه أي لا يتركه مع ما يؤذيه بل ينصره ويدفع عنه 15 وقوله من ستر مسلما أي لم يظهر عليه قبيحا وهذا لا يمنع الإنكار عليه لأن الإنكار فيما خفي يكون في خفية وقد نهى هذا
الحديث عن الغيبة لأن من أظهر المساوى ء بالغيبة فما ستر المسلم
1049 1261 وفي الحديث الحادي والعشرين أن ثلاثة آواهم المبيت إلى غار 15 أي جعله لهم مأوى والمأوى المكان الذي يؤوى إليه والغار نقب في الجبل 15 والغبوق شراب العشي وهو اسم للشراب المعد لذلك الوقت يقال غبقت فلانا غبوقا إذا سقيته حينئذ 15 والمال هاهنا الماشية 15 وقوله فنأى بي طلب شجر أي بعد بي طلب الشجر التي ترعاها الإبل فلم أرح من الرواح وهو ما بعد الزوال 15 وبرق بمعنى أضاء وتلألأ 15 ويتضاغون يصرخون ويبكون والضغو والضغاء صوت الذليل والمقهور 15 وألمت بها سنة أي أصابتها والملمة النازلة من نوازل الدهر والسنة الفقر والجدب 15 والفض تفريق الشيء المجتمع وانفض القوم تفرقوا وكنت بالخاتم عن الفرج 15 وقولها إلا بحقه أي بما يحل
15 وتحرجت أي تأثمت ورأيت الإثم والحرج في اقتحام ما لا يحل 15 وقوله على فرق من أرز قال ابن فارس الفرق مكيال من المكاييل تفتح راؤه وتسكن وقال القتبي هو الفرق بفتح الراء وهو الذي جاء في الحديث ما أسكر الفرق منه وهو ستة عشر رطلا وأنشد لخداش بن زهير
يأخذون الأرش في أخوتهم
فرق السمن وشاة في الغنم
15 فأما الأرز فقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال الأرز اسم أعجمي ووزنه أفعل لا محالة فالهمزة فيه زائدة وفيه لغات أرز وأرز وأرز مثل كتب وأرز مثل كتب ورز ورنز قال الراجز
يا خليلي كل أوزه
واجعل الجوذان رنزه

(1/608)


15 وقوله فاستاقه أي حازه وذهب به والأصل في ذلك ما يساق من المواشي فاستعير لكل مأخوذ ومعطى 15 وانفرجت بمعنى انشقت واتسعت 15 وقوله فانساحت أي انفسحت ومثله تعالى ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) التوبة 2 أي انفسحوا وقد صحفه قوم فقالوا انساخت بالخاء المعجمة
1050 1262 وفي الحديث الثاني والعشرين نهى أن يؤكل لحم الأضاحي بعد ثلاث 15 إنما نهى عن ذلك لأجل قوم جاءوا إلى المدينة مضطرين فأحب أن يواسوا ثم أباح ذلك وهذا يأتي في مسند عائشة
1051 1263 وفي الحديث الثالث والعشرين تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة 15 العرب تقول لمن له مائة من الإبل لفلان إبل ولمن له مائتان له إبلان 15 والراحلة اسم يقع على الجمل النجيب وعلى الناقة المختارة والهاء للمبالغة كما يقال رجل داهية ورواية ويقال جمل رحيل أي قوي على السير وقيل سميت راحلة لأنها ترحل أي تستعمل في الرحيل والسير وإنما هي مرحولة كقوله ( فهو في عيشة راضية ) الحاقة 21 أي مرضية 15 والمراد من الحديث أن المختار من الناس قليل كما أن المختار من الإبل للرحلة عليه وتحميله للأثقال قليل وفي هذا المعنى قول المتنبي 15
وما الخيل إلا كالصديق قليلة
وإن كثرت في عين من لم يجرب )
1052 1264 وفي الحديث الرابع والعشرين أن عمر حمل على فرس ثم رآها تباع 15 وقد ذكرناه في مسند عمر

(1/609)


1053 1265 وفي الحديث الخامس والعشرين وجد عمر حلة من إستبرق تباع فأخذها 15 قد فسرنا في مسند عمر الحلة والسيراء وفي مسند حذيفة الديباج وفي مسند البراء الإستبرق 15 وعطارد هو ابن حاجب بن زرارة التميمي وكان في وفد تميم الذين قدموا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فخطب وفخر فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثابت بن قيس بن شماس فأجابه وأسلم وصحب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} 15 وأما القباء فقرأت على شيخنا أبي منصور قال قيل هو فارسي معرب وقيل هو عربي وإشتقاقه من القبو وهو الضم والجمع وفي هذا الحديث من الفقه أن التجمل بالثياب غير منكر في الشريعة وأن التهيؤ للقاء الناس بالتجمل المباح لا ينكر لأن عمر قال له تجمل بهذه ولم ينكر عليه وإنما هو امتنع منها لكونها حريرا وهذا على خلاف مذهب المتقشفين من جهال المتزهدين
وقد روينا عن الحسن البصري أنه خرج يوما وعليه حلة يمان وعلى فرقد جبة صوف فجعل فرقد يمس حلة الحسن ويسبح فقال له يا فرقد ثيابي ثياب أهل الجنة وثيابك ثياب أهل النار - يعني القسيسين والرهبان وقال له يا فرقد إن التقوى ليست في لبس هذا الكساء وإنما التقوى ما وقر في الصدر وصدقه العمل
1054 1266 - وفي الحديث السادس والعشرين لا حسد إلا في اثنتين وقد فسرناه في مسند ابن مسعود
1055 1267 - وفي الحديث السابع والعشرين أن عمر انطلق مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في رهط من أصحابه قبل ابن صياد حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة 15 الأطم الحصن وقد شرحنا هذه الكلمة في مسند الزبير 15 وقوله رسول الأميين وهم جمع أمي وهو الذي لا يحسن الكتابة وفي تسميته بذلك ثلاثة أقوال أحدها لأنه على خلقة الأمة التي لم تتعلم الكتاب فهو على جبلته قاله الزجاج والثاني لأنه على ما ولدته أمه والثالث للنسبة إلى أمه في الجهل بالكتابة لأن الكتابة كانت في الرجال دون النساء

(1/610)


15 وقوله فرفصه أي أعرض عنه وقال الخطابي إنما هو فرصه بالصاد المهملة المشددة ومنه رص البناء كقوله تعالى ( كأنهم بنيان مرصوص ) الصف 4 والمعنى أنه ضغطه حتى ضم بعضه إلى بعض 15 وقوله يأتيني صادق وكاذب فقال خلط عليك الأمر وقد ذكرنا في مسند ابن مسعود قطعة من أخباره وذكرنا أن اسمه عبد الله وقد روينا هاهنا أن اسمه صاف فلعله كان سمي بالاسمين وبينا هناك معنى قوله اخسأ فلن تعدو قدرك 15 وقوله طفق أي أخذ في الفعل 15 وقوله يتقي بجذوع النخل أي يتقي أن يرى لا ستتاره بها 15 ويختل الختل الخديعة في استتار وطلب نيل الغرض من غير علم المطلوب منه 15 والقطيفة واحدة القطائف وهو ضرب من الأكسية 15 والزمزمة صوت مردد داخل الفم لا يكاد يفهم 15 وقوله تعلموا أنه أعور أي اعلموا والمراد بذكر العور النقص والنقص لا يجوز على الإله قال أبو الوفاء بن عقيل يحسب بعض الجهال أنه لما نفي العور عن الله تعالى أثبت من الخطاب أنه ذو عينين وهذا بعيد من الفهم إنما نفي عن الله تعالى العور من حيث نفي النقائض وهذا مثل ما نفي الولد عنه لا يريد به
( لم يلد ) لأنه ذكر وليس بأنثى ولا أنه يتأتى منه لكن لم يلد لأنه مستحيل عليه التجزؤ والانقسام ولو كانت الإشارة بالحديث إلى صورة كاملة لم يكن في ذلك دليل على الإلهية ولا القدم فإن الكامل في الصورة كثير وما يشارك فيه المحدث لا يكون خصيصة القدم والإلهية ولو كان العور دلالة على نفس الإلهية لكان الكمال في الصورة دلالة على إثباتها أتراه لم يجد في الدجال ما يستدل به على نفي الإلهية إلا العور حاشاه أن يقصد ذلك وفي الدجال من النقلة والتحرك وركوب الحمار وأكل الطعام وغير ذلك ما يدل على الحدث فلما عدل إلى ذكر العور دل على أنه أراد أن الإله لا تلحقه النقائض وأما المكتوب بين عيني الدجال فلزيادة فضيحته وتسليط المؤمن على القراءة لذلك المكتوب وإن لم يكن قارئا أكرم له بكشف الشبهات عن وجهه

(1/611)


1056 1268 وفي الحديث الثامن والعشرين بينا أنا قائم أطوف بالبيت فإذا رجل آدم 15 هذا كان في المنام وقد صرح بذلك في لفظ آخر 15 والآدم الأسمر 15 والشعر السبط المنبسط على ضد الجعد 15 ويهادى بين رجلين يمشي بينهما فيعتمد عليهما 15 وينطف رأسه يقطر من شعر رأسه الماء 15 والطافية من العنب الحبة التي خرجت عن حد نبت أخواتها
فنتأت وعلت ومنه الطافي من السمك سمي بذلك لأنه علا على ظهر الماء 15 وأما تسمية عيسى بالمسيح ففيه سبعة أقوال أحدها لأنه أمسح الرجل لا أخمص لها رواه عطاء عن ابن عباس والثاني لأنه كان لا يسمح بيده ذا عاهة إلا برئ رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث أن معنى المسيح الصديق رواه النخعي والرابع لأنه مسح بالبركة قاله الحسن والخامس لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها قاله ثعلب والسادس لأنه مسح عموم الكفر الذي كان قبله ذكره ابن مقسم والسابع لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن حكاه ابن الأنباري 15 وأما ابن قطن فقال الزهري هو رجل من خزاعة هلك في الجاهلية 15 وقوله بين ظهراني الناس النون مفتوحة لا غير يقال بين ظهرانهم وظهريهم أي بينهم وفي جماعتهم 15 والدجال الكذاب وقد أشبعنا الكلام في معنى الدجال في مسند حذيفة وأما تسميته بالمسيح فقال إبراهيم الحربي سمي مسيحا لأن إحدى عينيه ممسوحة عن أن ينظر بها وكذلك قال أبو عبيد لأنه ممسوح إحدى العينين
15 واللمة شعر الرأس إذا جاوز الأذنين وحاذاهما كأنه ألم بهما سمي بإلمامه بهما لمة فإذا بغلت اللمة المنكبين فهي جمه 15 وقوله رجل الشعر قال الزجاج شعر رجل ورجل وهو المسترسل فإن كان مسترسلا وفي أطرافه شيء من الجعودة قيل شعر أحجن 15 وقد ذكرنا ما وصف به موسى عليه السلام هاهنا في الحديث السادس والأربعين من مسند ابن عباس

(1/612)


1057 1270 وفي الحديث الثلاثين ألا إن الفتنة هاهنا - يشير إلى المشرق - من حيث يطلع قرن الشيطان 15 أما تخصيص الفتن بالمشرق فلأن الدجال يخرج من تلك الناحية وكذلك يأجوج ومأجوج وأما ذكر قرن الشيطان فعلى سبيل المثل كأن إبليس يطلع رأسه بالفتن من تلك النواحي 15 فأما الشام فمأخوذ من اليد الشؤمى وهي اليسرى ويقال أخذ شأمه أي على يساره فهي عن يسار الكعبة واليمن مأخوذ من اليد اليمنى لأنها عن يمين الكعبة قال أبو سليمان نجد ناحية المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهلها وأصل النجد ما ارتفع من الأرض وقال ابن فارس
الأصل في نجد الارتفاع يقال للأرض المرتفعة نجد وخلافه الغور 15 والزلزلة قوة التحريك وترديده 15 فأما العراق فقد سبق بيانه في مسند سهل بن حنيف 15 وقوله ( وفتناك فتونا ) طه 40 فقال ابن عباس الفتون وقوعه في محنة بعد محنة ثم خلصه الله منها كولادته في وقت ذبح الأطفال ومنعه الرضاع ومده لحية فرعون وتناوله الجمرة وقتله القبطي فعلى هذا يكون المعنى خلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث
1058 1271 وفي الحديث الحادي والثلاثين في ليلة القدر التمسوها في العشر الغوابر 15 الغوابر البواقي 15 وقوله أرى رؤياكم قد تواطأت أي توافقت وأخبرنا ابن ناصر قال أخبرنا أبو زكريا قال قال أبو العلاء المعري تواطأت في العربية أقوى من تواطت 15 وقوله تحينوا التحين طلب الشيء في حين مختص به

(1/613)


1059 1272 وفي الحديث الثاني والثلاثين فإن غم عليكم فاقدروا له 15 غم بمعنى ستر بغيم أو غيره 15 وللعلماء في معنى فاقدروا له قولان أحدهما قدروا له شعبان ثلاثين يوما وهذا مذهب الجمهور واستدلوا عليه بأن في أكثر ألفاظ هذا الحديث ما يدل على هذا فمنها لفظ أخرج في الصحيحين من حديث جبلة بن سحيم عن ابن عمر أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين وفي لفظ أخرجه مسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين وقد روى هذا الحديث أبو هريرة مفسرا وهو في الصحيحين من حديثه عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين كذا في رواية البخاري وفي لفظ متفق عليه فعدوا ثلاثين ويوضح هذا حديث ابن عباس وأبي هريرة كلاهما عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا

(1/614)


15 والقول الثاني ضيفوا له عددا يطلع في مثله وذلك باحتساب شعبان تسعا وعشرين وعلى هذا ما يذهب إليه أصحابنا 15 وقد اختلف العلماء فيما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر في ليلة الثلاثين وعن أحمد ثلاث روايات إحداهن يلزم الصوم وهو مروي عن ابن عمر وأنس وعائشة وأسماء والرواية الثانية لا يجوز صومه من رمضان ولا نفلا إلا أن يكون نفلا يوافق عادة ويجوز صومه قضاء وكفارة ونذرا وهذا قول الشافعي والرواية الثالثة أن المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر وهو قول الحسن وابن سيرين وقال أبو حنيفة ومالك لا يجوز صومه من رمضان ويجوز صيامه ما سوى ذلك والرواية الأولى هي المنصورة عند أكثر أصحابنا ويستدلون على صحة تفسيرهم الحديث بفعل ابن عمر فإنه قد روى الجوزقي في كتابه المخرج على الصحيحين هذا الحديث وقال فيه فكان ابن عمر إذا كان تسع وعشرون إن رأى في السماء قترة أو غمامة اصبح صائما ومعلوم أن الصحابة أعلم بمعاني كلام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومراده فوجب الرجوع إلى تفسير ابن عمر لهذا كما رجعنا إليه في خيار المجلس فإنه كان يمشي ليلزم البيع وحملوا قوله فاقدروا ثلاثين على ما إذا غم هلال شوال فإنا نقدر ثلاثين احتياطا للصوم كما قدرنا في أوله للصوم وسيأتي الكلام على حديث أبي هريرة في مسنده إن شاء الله تعالى
1060 1273 وفي الحديث الثالث والثلاثين أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء فقال دعه فإن الحياء من الإيمان 15 اعلم أن من أخلاق المؤمن الحياء والحياء انقباض والمؤمن منقبض حياء من خالقه وإجلالا لهيبته وحذرا من عقابه فصار الانقباض خلقا للمؤمن فاستحيا من أبناء جنسه 15 فإن قيل كيف جعل الحياء - وهو غريزة - من الإيمان الذي هو اكتساب فقد أجاب عن هذا ابن قتيبة فقال لأن المستحيي ينقطع بالحياء عن المعاصي وإن لم يكن له تقى فصار كالإيمان الذي يقطع عنها

(1/615)


1061 1274 وفي الحديث الرابع والثلاثين اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين 15 هذا الحديث قد تقدم هو وشرحه في مسند أبي لبابة إلا أنه في بعض ألفاظه سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأمر بقتل الكلاب وقد بينا في مسند عبد الله بن مغفل أنه نسخ ذلك
1062 1275 وفي الحديث الخامس والثلاثين لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه
15 هذا الحديث بألفاظ قد سبق في مسند زيد بن ثابت وقد شرحناه ثم وفي بعض ألفاظ هذا الحديث نهى عن بيع النخل حتى يزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة 15 قال أبو عبيد زهو النخل أن يحمر أو يصفر والعاهة الآفة تصيبه 15 وفي بعض ألفاظ هذا الحديث نهى النبي {صلى الله عليه وسلم} عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وكان إذا سئل عن صلاحها قال حتى تذهب عاهته وظاهر هذا أن المسئول عن ذلك والمجيب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وليس كذلك إنما المسئول والمجيب عن ذلك ابن عمر وقد درج كلامه في كلام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فاشتبه أنبأنا عبد الوهاب الحافظ قال أنبأنا جعفر بن أحمد بن السراح قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال المسئول عن صلاح الثمرة والمجيب بقوله حتى تذهب عاهته ليس هو رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وإنما هو عبد الله بن عمر وقد بين ذلك مسلم ابن إبراهيم الأزدي ومحمد بن جعفر غندر في روايتهما هذا الحديث عن شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر
1063 1276 وفي الحديث السادس والثلاثين من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن نبيعه حتى ننقله من مكانه
15 استيفاء الطعام إذا كان قد اشترى صبرة بنقله وإن كان بالكيل فلا يجوز بيعه حتى يعاد عليه الكيل على ما بيناه في مسند ابن عباس 15 والجزاف ما أخذ على حاله دون معرفة قدره من الكيل والوزن وعندنا أنه من باع صبرة مجازفة وانفرد البائع بمعرفة قدرها لم يجز له ذلك إلا أن البيع صحيح وللمشتري الخيار وقال أبو حنيفة والشافعي البيع لازم ولا خيار للمشتري

(1/616)


1064 1277 وفي الحديث السابع والثلاثين من ابتاع نخلا بعد أن يؤبر فثمرها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع 15 هكذا أخرج في الصحيحين مرفوعا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد أنبأنا عبد الوهاب الحافظ قال أخبرنا جعفر بن أحمد السراج قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال اتفق إسماعيل بن زكريا الخلفاني وأبو معاوية الضرير والهيثم بن عدي الطائي على رواية هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هكذا ووهموا في ذلك لأن نافعا إنما كان يروي الفصل الذي في بيع النخل خاصة عن ابن عمر عن النبي {صلى الله عليه وسلم} ويروي الفصل الأخير الذي في بيع العبد عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قوله بين ذلك يحيى بن سعيد القطان وبشر بن المفضل في روايتهما عن عبيد بن عمر هذا الحديث في سياقة واحدة وميزا أحد الفصلين من الآخر وضبطا إسناده وكذلك رواه سعيد بن أبي عروية عن
أيوب السختياني عن نافع وروى مالك عن نافع الفصلين جميعا إلا أنه أفرد كل واحد منهما بإسناده وجعل فصل النخل عن ابن عمر عن النبي {صلى الله عليه وسلم} وفصل العبد عن ابن عمر عن عمر قوله وكذلك روى محمد بن بشر العبدي ومحمد بن عبيد الله الطنافسي عن عبيد الله بن عمر عن نافع الفصلين بإسنادين مفردين 15 فأما تفسير الحديث فأبرت النخل بمعنى لقحت ونخلة مؤبرة وتأبير النخلة أن يتشقق طلعها فيوضع في أثنائه من طلع فحل النخل فيكون ذلك لقاحا فجعل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الثمر المستكن في الطلع كالولد المستجن في بطن الحامل فإنها إذا بيعت تبعها الحمل في البيع فإذا ظهر تميز حكمه عن حكم أمه فكذلك ثمر النخل إذا تشقق وظهر فإنه ينفرد حكمه عن حكم أصله 15 وقوله فماله للبائع دليل على أن العبد لا يملك بحال جعله في أقوى الحالات - وهي إضافة الملك إليه - غير ملك

(1/617)


1065 1278 وفي الحديث الثامن والثلاثين أن النبي {صلى الله عليه وسلم} صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا زاد البخاري كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما 15 وأما الجمع بين الصلاتين هنا فمجمع عليه 15 والمزدلفة اسم مأخوذ من القرب وقد بيناه فيما مضى 15 ومعنى لم يسبح لم يتنفل وقوله ليس بينهما سجدة أي ركعة
15 وقوله وصلى المغرب ثلاثا هذا لأن المغرب لا يقصر 15 وقوله كل واحدة بإقامة هذا هو المنصور عندنا وعند أحمد أنه مخير وقال أبو حنيفة يجمع بأذان وإقامة بمزدلفة على ما في لفظ الحديث الآخر
1066 1279 وفي الحديث التاسع والثلاثين لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون 15 هذا تأديب يتضمن التحذير مما يمكن وقوعه فإنه ربما هبت الريح بثوب أو غيره إلى النار وربما وقع على النار شيء فاشتعل واشتعل به البيت وربما جرت الفأرة الفتيلة فأحرقت ثم إنما يراد الضوء للمنتبه فإيقاد النار بعد النوم من غير حاجة تفريط
1067 1280 وفي الحديث الأربعين رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا أعجله السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء 15 قد سبق الكلام في الجمع بين الصلاتين في السفر في مسند ابن عباس 15 وقوله ولا يسبح أي لا يتنفل 15 واستصرخ استغيث به ليكون غوثا على ما استغيث به فيه 15 والشفق الحمرة التي ترى في المغرب عند غروب الشمس

(1/618)


1068 1281 وفي الحديث الحادي والأربعين أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش والخمس في ذلك كله واجب 15 قد بينا في مسند ابن عباس كيف تقسم الغنيمة وذكرنا أن النفل يقع من الأربعة الأخماس التي هي سهام أهل الوقعة وهو معنى قوله والخمس في ذلك كله واجب يعني أن الخمس على حاله لأربابه والنفل خارج عنه وكان النبي {صلى الله عليه وسلم} ينفل من الجيوش والسرايا ذوي القوة في الحرب تحريضا لهم على القتال وتعويضا عما يصيبهم من المشقة فيكون ذلك كالصلة ثم يجعلهم بعد ذلك أسوة الجماعة في سهمان الغنيمة هذا مذهبنا وقال مالك والشافعي يكون النفل من خمس الخمس الذي للمصالح وإنما سمي ذلك نفلا لأنه زيادة على الأصل وسميت الغنائم بالأنفال لأنها مما زاد الله عز وجل هذه الأمة في الحلال وقد كانت محرمة على من قبلهم 15 والشارف الناقة المسنة
1069 1282 وفي الحديث الثاني والأربعين أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} فتغيظ وقال ليراجعها 15 اعلم أنه إنما أمره بالمراجعة لأن الطلاق حال الحيض محرم إلا

(1/619)


أنه يقع وكذلك إذا طلقها في طهر قد وطئها فيه وعندنا أنه يستحب ارتجاعها إن كان الطلاق رجعيا وهو قول أبي حنيفة والشافعي وقال مالك تجب عليه الرجعة وعن أحمد نحو ذلك 15 وقوله إن عجز واستحمق التاء في استحمق مفتوحة كذا قال لنا عبد الله بن أحمد النحوي وقال المعنى فعل فعلا يصير به أحمق أسقط عنه حكم الطلاق عجزه وحمقه وهذا من الجواب المحذوف المدلول عليه بفحوى الكلام 15 وفي الصحيحين من حديث ابن سيرين قال مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فأمر أن يراجعها فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت يونس بن جبير وكان ذا ثبت فحدثني عن ابن عمر أنه طلق امرأته تطليقة قلت فبان بهذا أن الذي يتهمه ابن سيرين غلط وقد يكون الإنسان ثقة لكنه يغلط وقد روى هذا الحديث أبو الزبير فقال فيه فردها علي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولم يره شيئا أشار إلى هذا مسلم وأفصح أبو مسعود في التعليقة ورواه أبو داود في السنن وقال كل الأحاديث يخالف ما رواه أبو الزبير وقال غيره من علماء المحدثين لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا على أنه يحتمل وجهين أحدهما لم يره شيئا باتا تحرم معه الرجعة والثاني لم يره شيئا
جائزا في السنة
1070 1283 وفي الحديث الثالث والأربعين إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم قد سبق في مسند عمر

(1/620)


1071 1284 وفي الحديث الرابع والأربعين أريت كأني أنزع بدلو بكرة على قليب 15 النزع بمعنى الاستقاء والمعنى استقي بيدي على البكرة 15 والقليب البئر قبل أن تطوى فإذا طويت فهي طوي والقليب مذكر والبئر مؤنثة والذنوب الدلو العظيمة 15 وقوله فاستحالت غربا أي تحولت ورجعت إلى الكبر والغرب بإسكان الراء الدلو العظيمة والمعنى أن عمر لما أخذ الدلو عظمت في يده وكذا كان تأويلها أن الفتوح في أيامه كانت أكثر من الفتوح في أيام أبي بكر 15 وقوله فلم أر عبقريا العبقري سيد القوم وكبيرهم وقويهم قال أبو بكر الأنباري عبقر قرية تسكنها الجن وكل فائق جليل ينسب إليها 15 قال الزجاج عبقر بلد كان يوشى فيه البسط وغيرها فنسب
كل جيد إليه قال زهير
يخيل عليها جنة عبقرية
جديرون يوما أن ينالوا فيستعلموا
15 وقوله يفري فريه أي يقطع قطعه المعنى يعمل عمله والعرب تقول تركت فلانا يفري الفري أي يعمل العمل الجيد وأنشد الأحمر
قد أطعمتني دقلا حوليا
مسوسا مدودا حجريا
قد كنت تفرين به الفريا
15 أي كنت تكثرين فيه القول وتعظيمنه ومنه قوله تعالى ( لقد جئت شيئا فريا ) مريم 27 قال ابن السكيت الفري العمل الجيد الصحيح قال ويقال هو يفري الفري إذا جاء بالعجب في عمل عمله وقال الليث يفري فريه خفيفة ومن ثقل فقد غلط قال الشاعر
فلا شيء يفري في اليدين كما يفري
15 وقوله حتى ضرب الناس بعطن قال ابن الأنباري معناه حتى رووا وأرووا إبلهم وأبركوها وضربوا لها عطنا يقال عطنت الإبل وأعطنتها

(1/621)


1072 1286 وفي الحديث السادس والأربعين أن ابن عمر كان يحكي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه قال يأخذ الله سماواته وأرضيه بيده ويقول أنا الله ويقبض أصبعه ويبسط أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك 15 قد ثبت بالدليل القاطع أن يد الحق عز وجل ليست جارحة وأن قبضه للأشياء ليست مباشرة ولا لي كف وإنما قرب الرسول عليه السلام إلى الأفهام ما يدركه الحس فقبض رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أصابعه وبسطها فوقوع الشبه بين القبضتين من حيث ملكه المقبوض لا من حيث التشبيه بآلات القبض كما وقع تشبيه رؤيه الحق برؤية القمر في اتضاح الرؤية لا في تشبيه المرئي 15 وفي لفظ يأخذ الجبار سماواته وفي معنى الجبار أربعة أقوال أحدها أنه العظيم قاله ابن عباس والثاني أنه الذي يقهر الخلق ويجبرهم على ما يريد قاله القرطبي والسدي والثالث الذي جبر مفاقر خلقه وكفاهم أسباب المعاش والرزق والرابع أنه العالي فوق خلقه من قولهم تجبر النبات إذا طال وعلا ذكر القولين الخطابي
1073 1287 وفي الحديث السابع والأربعين من أعتق عبدا بينه وبين آخر قوم عليه من ماله قيمة عدل لا وكس ولا شطط ثم عتق

(1/622)


عليه في ماله إن كان موسرا وفي رواية من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه العبد قيمة عدل فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق وفي رواية عن يحيى بن سعيد وأيوب قالا لا ندري قوله وإلا فقد عتق منه ما عتق أشيء قاله نافع أو في الحديث 15 وقال أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت وقوله وإذا كان له مال يبلغ ثمن العبد يقال إنه من كلام الزهري 15 الوكس النقصان والشطط مجاوزة القدر وشططت وأشططت إذا جرت في الحكم 15 وحكم الحديث أنه إذا أعتق الموسر شقصا له في عبد عتق كله وضمن قيمة نصيب شريكه فإن كان المعتق معسرا عتق نصيبه خاصة ولم يكن لشريكه تضمين المعتق نصيبه ولا استسعاء العبد وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وقال أبو حنيفة إنما يعتق حصة المعتق خاصة والشريك مخير بين أن يعتق نصيبه أو يضمن قيمة نصيب المعتق وبين أن يستسعى العبد سواء كان المعتق موسرا أو معسرا وعن أحمد نحو قول أبي حنيفة والكلام مع أبي حنيفة في فصلين أحدهما في سراية العتق إلى نصيب الشريك إذا كان المعتق موسرا والثاني في إبطال القبول بالاستسعاء إذا كان معسرا 15 وأما الوقت الذي يعتق فيه نصيب شريكه فذلك عقيب الإيقاع ولا يقف عتقه على أداء قيمته خلافا لإحدى الروايتين عن مالك وأحد
أقوال الشافعي ولداود في قولهم لا يعتق إلا بدفع القيمة

(1/623)


1074 1288 وفي الحديث الثامن والأربعين ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن ( ادعوهم لآبائهم ) الأحزاب 5 15 كان زيد بن حارثة قد خرجت به أمه سعدى بنت ثعلبة إلى زيارة قومها فأغارت خيل لبني القين فمروا بزيد فاحتملوه فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة فلما تزوجها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهبته له فلما علم أبوه وعمه قدما بفدائه إلى مكة فدخلا على النبي {صلى الله عليه وسلم} فقالا يا ابن هاشم يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير وقد جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه قال فهلا غير ذلك قالا وما هو قال ادعواه فخيراه فإن اختاركما فهو لكما بغير فداء وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا قال نعم هذا أبي وه عمي قال فأنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما فقال زيد ما أنا بالذي أختار عليك أحدا أنت مني بمكان الأب والعم فقالا ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك قال نعم إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا
بالذي أختار عليه أحدا أبدا فلما رأى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذلك أخرجه إلى الحجر فقال يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني أرثه ويرثني فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا إلى أن نزل قوله تعالى ( ادعوهم لآبائهم ) فحينئذ دعي زيد بن حارثة

(1/624)


1075 1289 وفي الحديث التاسع والأربعين كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا وضع رجله في الغرز واستوت به راحلته أهل 15 الغرز للجمل كالركاب للفرس 15 وقوله أهل أي لبى وقد سبق الكلام في هذا وفي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} لم يمس من الأركان سوى اليمانيين وبينا أنه لو مس الركنين الآخرين خرج الحجر أن يكون من البيت 15 قوله ورأيتك تلبس النعال السبتية هي منسوبة إلى السبت والسبت جلود البقر المدبوغة بالقرظ يتخذ منها النعال وهذا الحديث يدل على أن السبت ما لا شعر فيه من الجلد لأنه قال رأيته يلبس النعال التي لبس فيها شعر فكأنها سميت سبتية لأن شعرها قد سبت عنها أي حلق وأزيل يقال سبت رأسه يسبته إذا حلقه ويقال سميت سبتيه لأنها انسبتت بالدباغ أي لانت يقال رطبة منسبتة أي لينة والذي اختاره أبو عبيد أن السبتية هي المدبوغة بالقرظ ولم ير قول من قال إنها المحلوقة الشعر
15 وقوله رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يصبغ بالصفرة يعني به خضاب الشعر
أخبرنا علي بن عبد الله وأحمد بن الحسين وعبد الرحمن بن محمد قالوا حدثنا عبد الصمد بن المأمون قال أخبرنا علي بن عمر الختلي قال حدثنا عيسى بن سليمان القرشي قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان ابن موسى عن عبيد بن جريج أنه رأى ابن عمر يخضب بالصفرة ويخبر أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان يخضب بها وقد رواه زيد بن أسلم عن عبيد قال رأيت ابن عمر يصفر لحيته فقلت له في ذلك فقال إني رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يصفر لحيته وقد كان جماعة من الصحابة يخضبون بالصفرة منهم عثمان وابن عمر ومعاوية وابن عباس والمقداد وعبد الله بن بسر والمقدام بن معد يكرب وأبو أمامة الباهلي وعتبة بن عبد السلمي والحجاج بن علاط وكان بعدهم من التابعين خلق يطول ذكرهم يخضبون بالصفرة قد ذكرتهم في كتاب الشيب والخضاب

(1/625)


1076 1290 - وفي الحديث الخمسين أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أتي وهو في معرسة من ذي الحليفة في بطن الوادي فقيل له إنك ببطحاء مباركة 15 المعرس موضع نزول القوم في سفرهم من آخر الليل للراحة والنوم
15 والبطحاء كل متسع 15 ويتحرى بمعنى يتوخى ويقصد
1077 1291 - وفي الحديث الحادي والخمسين من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان وقي لفظ إلا كلب ضارية 15 يقال ضري الكلب يضرى ضراوة إذا حرص على الصيد واعتاده وفهم الزجر والإرسال وأضريته أنا أي علمته ذلك وعودته إياه ودربته عليه 15 والحرث الزرع 15 وقول سالم كان أبو هريرة يقول أو كلب حرث وكان صاحب حرث هذا مذكور في الصحيحين وقد روي في موضع آخر ذكر أنه لابن عمر أن أبا هريرة قال إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية فقال إن لأبي هريرة زرعا فتأول بعض من لم يوفق للصواب أن ابن عمر قد اتهم أبا هريرة وهذا محال وإنما أراد تصديق أبي هريرة فجعل حاجته إلى ذلك شاهدا له على علمه ومعرفته لأن من كثرت حاجته إلى شيء كثرت مسألته عنه فكأنه قال جدير بأبي هريرة أن يكون علم هذا عنده وأن يكون قد سأل عنه لحاجته إليه وقد روى عبد الله بن مغفل وسفيان بن أبي زهير عن النبي {صلى الله عليه وسلم} مثل حديث أبي هريرة فكيف يتهم وقد ذكرنا أن في

(1/626)


15 الصحيح عن ابن عمر أنه قال إلا كلب زرع وهذا في رواية عمران بن الحارث عنه فلعل ابن عمر سمع ذلك من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ونسيه ثم عاد فذكره ولعله أرسل الحديث بذلك عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اعتمادا على رواية أبي هريرة 15 وعامة أصحاب ابن عمر رووا عنه قيراطين وروى عمران وسالم في رواية محمد بن أبي بكر قيراطا واحدا وروى عنه سعيد بن المسيب قيراطين وكل هذه الأطراف في الصحيح 15 وإنما نهى عن اقتناء الكلب لمعنيين أحدهما النجاسة وكانت العرب قد ألفت اقتناءها وكانت تخالطهم في أوانيهم والثاني لأنه يروع الضيف ويؤذي الطارق والسائل فلما كان المسئول والمطروق والمضيف لا يخلو من أجر في بذل ما يبذله لهؤلاء ولو طيب الكلام وكان الكلب سببا لمنع ذلك نقص أجره لفقد ما كان الكلب سببا في منعه ولم يقل أنه يأثم ولكنه أخبر بنقص الأجر من هذه الوجوه التي منعها اقتناء الكلب
1078 1293 - وفي الحديث الثالث والخمسين إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم 15 قد يشكل هذا فيقال كيف يصيب العذاب من لم يفعل أفعالهم والجواب من وجهين أحدهما أن يكون فيهم راضيا بأفعالهم أو غير منكر لها فيعذب برضاه المعصية وسكوته عن الإنكار فإن
الصالحين من بني إسرائيل لما أنكروا على المفسدين ثم واكلوهم وصافوهم عم العذاب الكل والثاني أن يكون إصابة العذاب لهم لا على وجه التعذيب ولكن يكون إماتة لهم عند انتهاء آجالهم كما هلكت البهائم والمواشي في الطوفان بآجالها لا بالتعذيب

(1/627)


1079 1294 - وفي الحديث الرابع والخمسين لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم 15 هذه مسألة الغني عن السؤال والمزعة القطعة من اللحم والمراد أنه يقع عقابه بشين وجهه لأنه المبذول للسؤال كما وقع عقاب البخيل في إعراضه عن الفقير بكي الجبهة والجنب والظهر لأنه إذا رأى الفقير قبض وجهه ثم لوى جنبه ثم أعطاه ظهره وقد تأوله قوم على أنه يأتي لا جاه له ولا قدر يقال لفلان وجه أي جاه وهذا لأن السؤال أسقط جاهه في الدنيا فأتى على ذلك يوم القيامة 15 وإنما كره السؤال لثلاثة معان أحدها أنه ذل وذل ينبغي أن يكون لمالكه فحسب والثاني لأنه يتضمن نوع شكوى من القدر والثالث أن سؤال الغني عن الشيء مزاحمة لمن أعد له من الفقراء وتضييق عليهم وقد كان السلف يحترزون من السؤال الجائز
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أخبرنا أبو علي التميمي قال أخبرنا أبو بكر ابن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا
موسى بن داود قال حدثنا عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة قال ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق فيضرب بذراع ناقته فينيخها فيأخذه فقالوا له أفلا أمرتنا نناولكه فقال إن حبيبي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أمرني أن لا أسأل الناس شيئا قال أحمد وحدثنا وكيع قال حدثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن قيس عن عبد الرحمن بن يزيد عن ثوبان قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من يتقبل لي بواحدة وأتقبل له بالجنة قال قلت أنا قال لا تسأل الناس شيئا فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب فلا يقول لأحد ناولنيه حتى ينزل فيتناوله
108 1295 - وفي الحديث الخامس والخمسين أنه أطنب في ذكر الدجال 15 أي بالغ في أوصافه والبيان عنه وباقي الحديث مفسر فيما تقدم

(1/628)


1081 - 1297 - وفي الحديث السابع والخمسين أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة 15 وقد تقدم الكلام في هذا 15 وفي هذا دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع لأنهم يقاتلون على ذلك 15 فإن قيل قد علق ترك القتال في مسند عمر بن الخطاب بالقول وعلقه هاهنا بأشياء مع القول فالجواب أن حديث عمر كان في
مبدأ الإسلام وحديث ابن عمر وأنس متأخران بعد نزول الفرائض
1082 1298 وفي الحديث الثامن والخمسين إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت فيذبح 15 هذا الحديث في مسند أبي سعيد الخدري أبسط منه هاهنا وأوضح فسنذكر تفسيره هناك إذا وصلنا إليه إن شاء الله تعالى
1083 1299 وفي الحديث التاسع والخمسين صحبت النبي فلم أره يسبح في السفر 15 قد بينا فيما تقدم أنه المراد بالتسبيح التنفل 15 والأسوة القدوة
1084 1300 وفي الحديث الستين إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته 15 وقد سبق هذا في مسند أبي موسى و ذكرنا صلاة الكسوف في مسند ابن عباس 15
1085 1301 وفي الحديث الحادي والستين إذا بدا حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها

(1/629)


15 حاجب الشمس أول ما يبدو منها كالحاجب وهذا من أوقات النهى عن التنفل 15 وقد ذكرنا معنى التحين في الحديث الحادي والثلاثين من هذا المسند 15 وأما قوله بين قرني الشيطان ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن المعنى تطلع والشيطان يقارنها قال ابن قتيبة لم يرد ما يتخيل كقرن الشاة وإنما القرن حرف الرأس وللرأس قرنان أي حرفان فالشيطان ماثل مع الشمس حين تطلع لأنه وقت كان عباد الشمس يسجدون لها فإبليس حينئذ في جهة مطلعها والثاني أن المعنى أن الشيطان يتحرك عند طلوعها ويتسلط قاله إبراهيم الحربي والثالث أن معنى قرن الشيطان قوته تقول أنا مقرن لهذا الأمر أي مطيق فالشيطان يقوى أمره في حال طلوعها وغروبها لمكان تسويله لعبدتها السجود لها ذكره أبو سليمان الخطابي
1086 1303 وفي الحديث الثالث والستين نهى عن أكل الثوم وعن لحوم الحمر الأهلية 15 اعلم أن مطلق النهي عن الشيء يدل على تحريمه إلا أن يدل دليل على أنه نهي كراهة ثم اتفاق الشيئين في النهي دليل على استوائهما إلا أن يدل دليل على أنه نهي كراهة أو نهي تحريم وقد دل الدليل على أن النهي عن أكل الثوم نهي كراهة لأنه معلل بالتأذي بالريح
ودلت قرينة قوله في لحوم الحمر الأهلية اكفئوا القدور فإنها رجس على أنه نهي تحريم لأن تضييع المال لا يجوز والرجس النجس
1087 1304 وفي الحديث الرابع والستين أنهم نزلوا أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين 15 لما لعن قوم ثمود أثرت لعنتهم في مياههم وأماكنهم كما تؤثر البركة في المياه والأماكن وقد شرحنا هذا في الحديث التاسع عشر من هذا المسند

(1/630)


1088 1305 وفي الحديث الخامس والستين أعطى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خيبر بشطر ما يخرج منها وقد سبق بيان هذا في مسند عمر 15 وقوله كان يعطي أزواجه مائة وسق الوسق ستون صاعا والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي 15 وقوله نهى عن كراء المزارع إنما نهى ليرفق القوم بعضهم بعضا ثم قد كانوا يكرونها بشيء مجهول وذلك أمر منهي عنه وقد بينا هذا في مسند رافع بن خديج 15 وقوله إن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز إجلاء القوم إخراجهم عن منازلهم وطردهم عنها فأما الحجاز فقال ابن
فارس قال قوم سمي حجازا من قولهم حجز الرجل البعير يحجزه إذا شده إلى رسغه فكأن ذلك قيد له والجبل حجاز وقيل سمي حجازا لأنه احتجز بالجبال يقال احتجزت المرأة إذا شدت ثيابها على وسطها وائتزرت وتلك هي الحجزة وزعم ناس أن الحزة خطأ والحجزة والحزة سواء ولكن الحزة لغة لبني الحارث بن كعب قال الحارثي
يرقون في النخل حتى ينزلوا أصلا
في كل حزة سيح منهم بسر
15 والأصل عندنا في الحجاز أنه حاجز بين أرضين وقياس المنع على ما قلناه وكل موضع يمتنع به الإنسان فهو حجاز وقال النابغة في الحجزة وكنى بها عن البدن
رقاق النعال طيب حجزاتهم
يحيون بالريحان يوم السباسب
وتيماء أرض معروفة وأريحاء هي أرض بيت المقدس كذلك 15 قال السدي وقوله وكان التمر يقسم على السهمان من نصف المعنى أن القوم كانوا يعملون فيها على وجه المساقاة كما ذكرنا في
مسند عمر فيأخذون النصف ثم يقسم النصف الباقي على السهمان كما تقسم الغنيمة 15 وقوله فيأخذ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الخمس ويحتمل وجهين أحدهما يأخذ الخمس من النصف فيفرقه على خمسة أسهم والباقي لمن شهد الوقعة والثاني يأخذ الخمس لنفسه فيكون المراد خمس الخمس ثم إن عمر قسم خيبر على من شهدها 15 وقوله ولرسول الله شطر ثمرها قد بيناه في أول الكلام

(1/631)


1089 1306 - وفي الحديث السادس والستين انهكوا الشوارب واعفوا اللحى وفي لفظ آخر احفوا الشوارب النهك النقصان يقال نهكته الحمى إذا بالغت في نقصان قوته والمعنى بالغوا في الأخذ منها 15 وقوله أحفوا الشوارب قال ابن فارس يقال أحفيت الشارب إحفاء إذا أخذت منه والحفي المستقصي في السؤال 15 وأما إعفاء اللحية فهو توفيرها وتكبيرها قال أبو عبيد يقال عفا الشعر وغيره إذا كثر يعفو فهو عاف وقد عفوته وأعفيته لغتان ومنه قوله تعالى ( حتى عفوا ) الأعراف 95 أي كثروا وكثرت أموالهم وسيأتي في مسند أبي هريرة جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس وهذا لأنه كان من زي آل كسرى قص اللحى
وتوفير الشارب فأمر النبي {صلى الله عليه وسلم} أمته بمخالفتهم في الهيئة وفي ذلك أربعة معان أحدها مخالفة الكفار وفي الثاني أنه أجمل وأحسن والثالث أنه أطيب وأنظف فإن الإنسان إذا أكل أو شرب أو قبل منعه طول الشارب من كمال الالتذاذ وربما دخل الشعر في الفم مع المتناول ثم يحصل فيه من الزهم والوسخ واللحية بعيدة عن ذلك والرابع أن الله تعالى خلق اللحية على صفة تقبل الطول بخلاف الشارب فإنه لا يطول كطولها فكان المراد موافقة الحق عز وجل فيما رتب 15 فأما الفطرة فإنها كلمة تقال على أوجه قد ذكرناها في مسند البراء والمراد بها هاهنا السنة
1090 1307 - وفي الحديث السابع والستين كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة 15 قد بينا علة تأخير الخطبة في مسند ابن عباس
1091 1308 - وفي الحادث الثامن والستين كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يخطب يوم الجمعة قائما ثم يجلس ثم يقوم 15 قد بينا أن القيام والقعدة بين الخطبتين عندنا سنة وأن الشافعي يرى ذلك واجبا
1092 1309 - وفي الحديث التاسع والستين كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يعرض راحلته فيصلي إليها 15 والمعنى ينحيها في عرض القبلة وفيه لغتان يعرض ويعرض
1093 1310 - وفي الحديث السبعين والعنزة بين يديه العنزة عصا شبيهة بالعكاز وهي الحربة

(1/632)


1094 1313 - وفي الحديث الثالث والسبعين اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم الإشارة بهذا إلى السنن والنوافل
1095 1314 - وفي الحديث الرابع والسبعين إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء 15 اعلم أن هذا ورد في حق الجائع الذي قد تاقت نفسه إلى الطعام أمر بذلك لئلا يشتغل قلبه في الصلاة بذكر الطعام عن الخشوع والفكر وقد ظن قوم أن هذا من باب تقديم حظ العبد على حق الحق وليس كذلك وإنما هو صيانة لحق الحق ليدخلوا في العبادة بقلوب مقبلة غير مشغولة بذكر الطعام وإنما كان عشاء القوم يسيرا لا يقطع عن لحاق الجماعة يدل على ما قلناه ما سيأتي من حديث عمرو بن أمية
الضمري قال رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأكل ذراعا يحتز منها فدعي إلى الصلاة فقام وطرح السكين فصلى ولم يتوضأ
1096 1315 - وفي الحديث الخامس والسبعين فرض رسول الله {صلى الله عليه وسلم} زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير 15 الصاع مكيال معروف قدره خمسة أرطال وثلث بالعراقي وهذا قدر صاع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو قول مالك والشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة الصاع ثمانية أرطال وقد سبق بيان هذا 15 وأما ذكر التمر والشعير خاصة فلأنه كان أكثر قوت القوم وسيأتي في حديث أبي سعيد ذكر البر والزبيب والأقط 15 ولا يجزي عندنا أقل من صاع من أي الأجناس المنصوص عليها كان وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يجزي نصف صاع بر وهو المراد بقول ابن عمر فعدل الناس به نصف صاع بر وعندنا أنه يجوز إخراج الصاع من جنسين وقال أبو حنيفة يجزي على وجه القيمة وقال مالك والشافعي لا يجزي بحال 15 وقوله على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين هذا دليل على أن الإنسان لا تلزمه فطرة عن عبده الكافر وهو قول مالك والشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة تلزمه وعندنا أن الفطرة تجب على العبد المشرك وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا

(1/633)


تجب واختلف الرواية عن أحمد كم يخرج كل مالك فروى عنه نصف صاع وهو اختيار الخرقي 15 وقوله وأن تؤدى قبل خروج الناس للصلاة عندنا أن صدقة الفطر تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر وهو قول مالك في إحدى الروايتين والشافعي في الجديد وقال أبو حنيفة تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر وهي الرواية الثانية عن مالك والقول القديم للشافعي فأما وقت إخراجها فالأفضل أن يخرجها قبل صلاة العيد فإن قدمها قبل الفطر بيوم أو يومين جاز كما ذكر في هذا الحديث ولا تجوز الزيادة على ذلك وقال الشافعي يجوز إخراجها من أول رمضان ولا يجوز قبله وقال أبو حنيفة يجوز تقديمها على رمضان
1097 1316 - وفي الحديث السادس والسبعين لا تسافر المرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم 15 إنما ذكرت الثلاث لأنها مقدار السفر الشرعي الذي تقصر فيه الصلاة وسيأتي في مسند أبي سعيد لا تسافر المرأة يومين وفي مسند أبي هريرة مسيرة يوم وليلة وقد ذكرنا في حديث ابن عباس لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولم تذكرة مدة وهذا لأن بعدها عن المنازل غير مأمون وقد تكلمنا على هذا في مسند ابن عباس
1098 1317 - وفي الحديث السابع والسبعين أن ابن عمر أحرم بالحج والعمرة فانطلق يهل بهما حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ولم يحلل حتى كان يوم النحر فنحر ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول وقال كذلك فعل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} 15 هذا يدل على أن قارن تدخل أفعال عمرته في حجه عند نية القران فيجتزي لهما بإحرام واحد وطواف واحد وسعي واحد وحلاق واحد وهذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وهل تجزيه هذه العمرة عن عمرة الإسلام فيه عن أحمد روايتان وقال أبو حنيفة لا يجزي القارن إلا طوافان وسعيان فأما الإحرام والحلاق الواحد فيجزيه لأن الإحرام عنده شرط وليس من الحج والحلاق ليس بنسك إنما هو محلل كالسلام من الصلاة

(1/634)


1099 1319 - وفي الحديث التاسع والسبعين أن العباس استأذن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له 15 اعلم أن المبيت بمنى ليالي منى من واجبات الحج وإنما رخص لأجل السقاية والرعاء فإذا ترك غيرهم المبيت في منى فما الذي يلزمه فيه ثلاث روايات عن أحمد إحداهن يلزمه دم والثانية
تلزمه صدقة والثالثة لا شيء عليه وهو قول أبي حنيفة
1100 1320 - وفي الحديث الثمانين أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وفي رواية أنه دخل مكة من كداء من الثنية التي عند البطحاء وخرج من الثنية السفلى 15 هذه كلها أسماء مواضع وكداء هاهنا مفتوح الكاف ممدود وهو الذي يستحب الدخول منه وبمكة ثلاث مواضع تشتبه بكداء قد بيناها في مسند ابن عباس
1101 1321 - وفي الحديث الحادي والثمانين لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده الحشم خدم الرجل وأتباعه 15 وقوله كان الفيصل بيني وبينه و الفيصل فيعل من الفصل وأراد بها القطيعة التامة وهذا يدل على الصبر على الإمام وإن جار 15 وقد تكلمنا على قوله لكل غادر لواء في مسند ابن مسعود
1102 1322 - وفي الحديث الثاني والثمانين عرضت على النبي
{صلى الله عليه وسلم} يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني وعرضت عليه عام الفتح وأنا ابن خمس عشرة فأجازني 15 هكذا ذكره الحميدي وهو سهو وليس في الصحيحين هكذا وإنما في الصحيحين جميعا وعرضت عليه يوم الخندق فأجازني وأول من سها في هذا أبو مسعود صاحب التعليقة ثم تبعه خلف صاحب التعليقة الأخرى ثم تبعهما أبو عبد الله الحميدي ولم ينظروا في هذا والعجب من صاحب حديث يتكرر هذا على سمعه ولا يتدبره فإن غزاة أحد كانت في سنة ثلاث وغزاة الفتح كانت في سنة ثمان فمن يكون في غزاة أحد ابن أربع عشر كيف يكون بعد خمس سنين ابن خمس عشرة

(1/635)


1103 1323 - وفي الحديث الثالث والثمانين الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة 15 قد تكلمنا على هذا في مسند جرير بن عبد الله
1104 1324 - وفي الحديث الرابع والثمانين إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله عز وجل فله أجره مرتين 15 وإنما ضوعف أجر العبد لأن خدمة السيد تشغل عن عبادة الله عز
وجل فإن تحمل المشقة في الجمع بين الحقين ضوعف له أجره فله أجر بعبادة ربه وأجر بخدمة سيده وكلما كثرت المشاق زاد الأجر
1105 1325 - وفي الحديث الخامس والثمانين على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره إلا أن يؤمر بمعصية 15 الإشارة بهذا إلى طاعة الأمراء فهي لازمة فيما ليس بمعصية لله عز وجل
1106 1326 - وفي الحديث السادس والثمانين أجرى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع وأما تضمير الخيل فقد فسرناه في مسند سهل بن سعد 15 والحفياء اسم موضع واختلفوا كم بينه وبين ثنية الوداع فقال موسى بن عقبة ستة أميال أو سبعة وقال البخاري قال سفيان من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل 15 والأمد الغاية والمراد أنه جعل غاية المضامير أبعد من غاية ما لم يضمر 15 وقوله فطفف بي الفرس المسجد قال أبو عبيد يعني أن الفرس وثب حتى كاد يساوي مسجد بني زريق ومن هذا قيل إناء طفان

(1/636)


وهو الذي قرب أن يمتلئ أو يساوي المكيال والاقتحام دخول الشيء بشدة 15 فأما المسابقة بالخيل فإنها تجوز بعوض وبغير عوض فإن سابق بعوض كان العقد كالجعالة في إحدى الوجهين لنا يجوز فسخه ويجوز الزيادة فيه ولا يؤخذ فيه رهنا ولا ضمينا ولا يلزم إلا بوجود السبق وهذا قول أبي حنيفة وفي الوجه الآخر هو كالإجازة تلزم بمجرد العقد ولا يجوز فسخه ولا الامتناع من إتمامه ولا الزيادة فيه ويدخله الرهن والضمين وعن الشافعي كالوجهين ولا بد من تعيين الفرس وتحديد المسافة والعلم بالعوض ويجوز السبق بالإبل أيضا 15 والسبق في الخيل أن يسبق أحدهما بالرأس إذا تماثلت الأعناق فإن اختلفت الفرسان في طول العنق أو كان السبق في الإبل اعتبر السبق بالكتف 15 ولا تجوز المسابقة بين جنسين كالإبل والخيل وعلى نوعين كالعربي والهجين وقد يتخرج الجواز بناء على تساويهما في سهم الغنيمة وتجوز المسابقة على البغال والحمير والفيلة وبالطيور والرماح والمزاريق والسماريات بغير عوض ولا يجوز في شيء من ذلك بعوض وكذلك المصارعة وقال أبو حنيفة تجوز المصارعة بعوض وعن الشافعي كالمذهبين فأما المسابقة على الأقدام فلا تجوز بعوض وقال أبو حنيفة تجوز وعن الشافعية كالمذهبين وإذا شرط في المسابقة أن من غلب أطعم السبق أصحابه بطل الشرط وهل يصح
العقد على وجهين أحدهما يصح وهو قول أبي حنيفة والثاني يبطل وبه قال الشافعي
1107 1327 - وفي الحديث السابع والثمانين أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهم 15 المراد بالنفل الأنفال وهي الغنائم قال أبو سليمان الخطابي في هذا بيان أن الفارس يأخذ ثلاثة أسهم سهما باسم نفسه وسهمين باسم فرسه وذلك لما يلزمه من المؤنة للفرس فأما ما جاء في الحديث للفارس سهمان فإنهما سهما فرسه وسهمه لنفسه ثابت والمجمل يرد إلى المفسر

(1/637)


1108 1330 - وفي الحديث التسعين نهى عن الشغار وفي لفظ حديث مالك نهى عن الشغار والشغار أن يزوج الرجل ابنته الرجل على أن يزوجه ابنته وليس بينهما صداق فقد درج هذا في الحديث وليس من كلام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنما هو قول مالك أعني تفسير الشغار وفي رواية أن نافعا فسره أيضا 15 واعلم أن صفة الشغار ما ذكرنا وهو أن يقول زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك بغير صداق وقال الشافعي هذه صفته وفيها
زيادة وهو أن يقول ويضع كل واحدة منهما مهر الأخرى وإن لم يقل هذا فالنكاح صحيح ولكل منهما مهر المثل وقد فسر نافع ومالك الشغار في هذا الحديث على ما ذكرنا وليس فيه ما قال الشافعي 15 ونكاح الشغار عندنا باطل لأن النبي {صلى الله عليه وسلم} نهى عنه وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة ليس بباطل ولكل واحدة مهر مثلها وإنما النهي عنده أن يستحل الفرج بغير مهر وأصل الشغار الرفع يقال شغر الكلب برجله إذا رفعها عند البول فسمي هذا النكاح لأنهما رفعا المهر بينهما وعلى الحقيقة إنهما رفعا ما يجوز أن يكون مهرا وجعلا ما ليس بمهر مهرا وهو البضع فصار المعقود عليه معقودا لأن العقد للمرأة وبها فكأنه زوجها واستثنى بضعها فجعله مهرا لصاحبتها فكان باطلا
1109 1331 - وفي الحديث الحادي والتسعين أن رجلا رمى امرأته وانتفى من ولدها فأمرهما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فتلاعنا ثم قضى بالولد للمرأة وفرق بين المتلاعنين 15 أما قضاؤه بالولد للمرأة فمعناه أنه ألحقه بها لأنه منها قطعا وأما التفريق بين المتلاعنين فإنه يحصل بلعانهما هذا مذهبنا في إحدى الروايتين وبه قال مالك وفي الأخرى لا يقع بمجرد لعانهما إلا أن يضاف إليه حكم الحاكم وهو قول أبي حنيفة

(1/638)


15 واختلفوا هل تحريم اللعان مؤبد أم لا فالمنصور من مذهبنا أنه مؤبد وعن أحمد أنه يرتفع بتكذيب الرجل نفسه وهو قول أبي حنيفة 15 وقوله أول من سأل عن هذا فلان بن فلان قد بينه في الرواية الأخرى فقال فرق رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بين أخوي بني العجلان وهذا يدل على أنها قصة عويمر بن الحارث العجلاني وقد ذكرناه في مسند ابن مسعود وقد مر حديث اللعان في مسند سهل بن سعد ومسند ابن عباس
1110 1333 - وفي الحديث الثالث والتسعين المؤمن يأكل في معي واحد وقد سبق في مسند أبي موسى
1111 1335 - وفي الحديث الخامس والتسعين لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه 15 عبد الله بن أبي رأس المنافقين وقد ذكرنا حاله في مسند عمر وكان ابنه عبد الله من صالحي الصحابة شهد بدرا والمشاهد كلها ولما قال ابن أبي في غزاة المريسيع ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأذل ) وبلغ ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} جاء إليه عبد الله فقال يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي لما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني
فأنا أحمل إليك رأسه فإني أخشى أن يقتله غيري فلا تدعني نفسي حتى أقتل قاتله فأدخل النار فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بل نحسن صحبته ما بقي معنا فلما أراد ابن أبي أن يدخل المدينة جاء ابنه فقال وراءك قال مالك ويلك قال لا والله لا تدخلها أبدا إلا بإذن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لتعلم اليوم من الأعز ومن الأذل فلما مات طلب ولده قميص رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأعطاه واختلفوا لم أعطاه على ثلاثة أقوال أحدها لإكرام الولد الثاني لأنه ما سئل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} شيئا فقال لا والثالث لأنه كان قد أعطى العباس قميصا لما أسر يوم بدر ولم يكن على العباس ثياب يومئذ فأراد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مكافأته على ذلك وسيأتي هذا في مسند جابر
1112 1336 - وفي الحديث السادس والتسعين الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء 15 قد ذكرناه في مسند رافع بن خديج

(1/639)


1113 1337 - وفي الحديث السابع والتسعين أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم 15 المجن الترس قال الخطابي كان الأصل في النقد عندهم الدنانير وكان صرف الدينار اثني عشر درهما فثلاثة دراهم ربع
دينار فلا فرق بينه وبين حديث عائشة 15 واعلم أن النصاب في السرقة في مذهب أحمد ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو قيمة ثلاثة دراهم من العروض والأثمان أصل لا يقوم بعضها ببعض وهو قول مالك وقال أبو حنيفة النصاب دينار أو عشرة دراهم أو قيمة أحدهما وقال الشافعي النصاب ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار ويجب القطع عندنا بسرقة ما يسرع إليه الفساد وبسرقه الصيود والطيور المملوكة وبسرقة الحطب خلافا لأبي حنيفة
1114 1338 - وفي الحديث الثامن والتسعين دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض 15 خشاش الأرض دوابها وحشراتها وهوامها
1115 1339 - وفي الحديث المائة أخبروني عن شجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا 15 الشجر في اللغة كل ما قام على ساق وتحات الورق وقع من الأغصان 15 وقوله ولا ولا ولا يصف فيه ما يوجب مدحها

(1/640)


والجمار شحمة النخل ووجه تشبيه الشجرة بالرجل المسلم من وجهين أحدهما من حيث الذات والثاني من حيث المعنى فأما من حديث الذات فمن وجهين أحدهما أنها من فضلة تربة آدم على ما يروى وإن كان لا يثبت والثاني أنها إذا قطع رأسها يبست بخلاف سائر الشجر فإنه يتشعب غصونه من جوانبه والآدمي قد يبقى عند قطع أعضائه ولا يبقى عند قطع رأسه وأما من حيث المعنى فمن أربعة أوجه أحدها أنه ليس فيها شيء إلا وينتفع به كما أن المؤمن كله خير ونفع وهذا المعنى مذكور في بقية الحديث فإنه قال لها بركة كبركة المسلم والثاني أنها شديدة الثبوت كثبوت الإيمان في قلب المؤمن والثالث أنها عالية الفروع كعلو ارتفاع عمل المؤمن والرابع أنها تؤتي أكلها كل حين والمؤمن يكتسب الثواب في كل وقت 15 والأكل الثمرة 15 وللمفسرين في المراد بالحين هاهنا ستة أقوال أحدها أنه ثمانية أشهر قاله علي عليه السلام والثاني ستة أشهر رواه ابن جبير عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمه والثالث بكرة وعشية رواه أبو ظبيان عن ابن عباس والرابع سنة قاله مجاهد وابن زيد والخامس شهران قاله سعيد بن المسيب والسادس كل ساعة قاله ابن جرير فمن قال ثمانية أشهر أشار إلى مدة حملها باطنا وظاهرا ومن قال ستة أشهر فهي مدة حملها ظاهرا إلى حين صرامها ومن قال بكرة وعشية أشار إلى الاجتناء منها حال الحمل ومن قال سنة أشار إلى أنها لا تحمل في السنة إلا مرة
ومن قال شهران فهي مدة صلاحها ومن قال كل ساعة أشار إلى أن ثمرتها تؤكل دائما فتارة يؤكل طلعها وتارة بلحها وتارة بسرها وتارة رطبها ثم يؤكل دائما تمرها
1116 1341 - وفي الحديث الأول بعد المائة إن أمامكم حوضا ما بين جرباء وأذرح 15 أمامكم أي بين أيديكم 15 وجرباء وأذرح قريتان بالشام وبينهما مسيرة ثلاثة أيام 15 والظمأ العطش

(1/641)


1117 1342 - وفي الحديث الثاني بعد المائة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لعن الواصلة والمستوصلة 15 الواصلة اسم يقع على التي تصل شعرها بشعر غيره توهم أن ذلك من شعرها ويقع على فاعلة ذلك بغيرها والمستوصلة التي تطلب من يفعل بها ذلك قال أبو عبيد وقد رخصت الفقهاء في القرامل وكل شيء وصل به الشعر ما لم يكن الوصل شعرا 15 وقد فسرنا الواشمه والمستوشمة في مسند ابن مسعود
1118 1343 - وفي الحديث الثالث بعد المائة نذرت أن أعتكف وقد سبق في مسند عمر
1119 1344 - وفي الحديث الرابع بعد المائة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى 15 أفاض بمعنى دفع فكأنه مضى إلى مكة وطاف بالبيت ثم رجع إلى منى
1120 1345 - وفي الحديث الخامس بعد المائة البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر 15 اعلم أن الشرع لما علم أن العقود في الغالب تقع بغتة من غير ترو ولا فكر وأنه ربما ندم أحد المبتاعين بعد الفوات جعل المجلس حد التروي والنظر 15 وهذا الحديث نص في ثبوت خيار المجلس وبه قال أحمد والشافعي وقال أبو حنيفة مالك ليس خيار المجلس بثابت وقد اعترضوا على هذا الحديث من خمسة أوجه أحدها أنهم قالوا يرويه مالك ومذهبه على خلافه ورأي الراوي مقدم على روايته لأن رأيه يشعر بالطعن فيما روى والثاني أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى فلا يقبل والثالث أنه يخالف قياس الأصول لأن عقود

(1/642)


المعاوضات لا يثبت فيها خيار المجلس والرابع أنهم حملوه على المتساومين وسميا متبايعين لأن حالهما يؤول إلى ذلك والخامس أنهم حملوه على حالة التواجب إذا قال البائع بعت ولم يقل المشتري قبلت فالبائع مخير بين أن يفي بما قال أو يرجع والمشتري مخير بين أن يقبل أو يرد قالوا وقد حمل الكلام على حقيقته لأن النبي {صلى الله عليه وسلم} أثبت الخيار بسبب التبايع والتبايع اسم لحالة تشاغلهما بالبيع فأما بعد ارتباط الإيجاب بالقبول فلا يسميان متبابعين إنما يقال كانا متبايعين فعلى هذا يكون المعنى ما لم يتفرقا بالأقوال وقد يقع التفرق بالقول كقوله تعالى ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ) البينة 4 15 والجواب أما قولهم يرويه مالك فجوابه من ثلاثة أوجه أحدها أنه متى صح الحديث كان حجة على راويه وغيره لأن الحجة ما كانت من قبل الراوي بل من نقله فلا يلتفت إلى خلافه لأنه يجوز أن يكون نسي أو تأول وقد علمنا سبب مخالفة مالك للحديث فإنه قال رأيت عمل أهل المدينة بخلافه وعنده أن عمل أهل المدينة حجة وقد أزرى عليه في هذا الرأي ابن أبي ذئب وغيره وقال الشافعي رحم الله مالكا لست أدري من اتهم في هذا الحديث أتهم نفسه أو نافعا وأعظم أن أقول اتهم ابن عمر 15 والثاني أن الحديث في الصحيحين عن ابن عمر من غير طريق مالك يرويه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد وأيوب السختياني كلاهما عن نافع ويرويه مسلم من حديث ابن جريج

(1/643)


والضحاك بن عثمان عن نافع والثالث أن هذا الحديث في الصحيحين من مسند حكيم بن حزام عن النبي {صلى الله عليه وسلم} 15 وقولهم خبر واحد فيما يعم به البلوى ويخالف قياس الأصول هذا مما صنعه في الجدل أبو زيد الحنفي وهو مردود عليه لأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان يؤدي ما حمله من الرسالة إلى الشخص الواحد وإلى الإثنين وإلى الجماعة فإذا بلغ عن الثقة لزم الحكم الباقين وكم من حكم قد انفرد بروايته واحد فتبعه الباقون فإن حكم التيمم كان عند عمار وخفي على عمر وحكم الاستئذان كان عند أبي موسى وخفي على عمر وحكم المتعة كان عند علي وخفي على ابن عباس وحكم الإقدام على بلد الطاعون كان عند عبد الرحمن بن عوف وخفي على الجم الغفير الذين سافروا مع عمر إلى الشام إلى غير هذا وقد ينفرد الصحابي برواية حديث وقد يروي الحديث جماعة من الصحابة فإن قوله إنما الأعمال بالنيات لا يصح إلا من رواية عمر وحده وقوله من كذب علي متعمدا قد رويناه عن ستين نفسا من الصحابة رووه عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم العجب من أصحاب أبي حنيفة فإنهم يبطلون الوضوء بالقهقهة ويوجبون الوتر بأحاديث آحاد لا تثبت وكيف يقولون هذا 15 وأما حملهم إياه على التساوم لا يمكن لوجهين أحدهما أن
البيع غير المساومة والثاني أن ذلك يسقط فائدة التخصيص بالبيع فإن السوم في كل العقد ويثبت به الخيار وحملهم على حالة التواجب لا يصح لأنهما لا يسميان متبايعين إلا على وجه التجوز وحملهم التفرق على الأقوال غلط من وجهين أحدهما أن هذا الحديث مفسر في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما لم يفترقا عن مكانهما وهذا الذي عقله ابن عمر راوي الحديث فإنه كان يمشي بعد العقد والثاني أنه ألفاظ الصحاح كلها ما لم يتفرقا وقد فرق اللغويون بين يتفرقا ويفترقا بالكلام 15 وقوله إلا بيع الخيار معناه أن يخيره قبل التفرق وهما بعد في المجلس فيقول اختر

(1/644)


1121 1346 - وفي الحديث السادس بعد المائة إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه 15 قبل وجهه ما يقابله ومثله حيال وجهه 15 وقوله ولا يتنخمن التنخم والبصاق متقاربان لأن البصاق من أدنى الفم والتنخم من النخامة وهي من أقصى الفم وإنما قال هذا لأنه قد جعلت القبلة على هيئة سدد الملوك فلزمها احترامها لهذا المعنى
1122 1347 - وفي الحديث السابع بعد المائة صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة وفي لفظ ببضع
15 البضع ما بين الواحد إلى العشرة ولفظة بسبع تفسير له وقد تكلف قوم تعليل سبع وعشرين وما وقعوا بطائل وقد جاء في حديث أبي هريرة بخمس وعشرين جزءا ولعل الاختلاف لاختلاف أحوال المصلين
1123 1348 - وفي الحديث الثامن بعد المائة الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله 15 في معنى وتر قولان أحدهما أنه بمعنى النقص ومنه قوله تعالى ( ولن يتركم أعمالكم ) محمد 35 أي لن ينقصكم وتقول وترته حقه أي نقصته فيكون المعنى وكأنما نقص أو سلب فبقي فردا وترا والثاني ذهاب الكل فيكون من الوتر الذي هو الجناية التي يذهب فيها مال الإنسان من الفجائع ذكره ابن الأنباري وغيره 15 وفي إعراب الأهل والمال قولان أحدهما أنهما منصوبان وهو الذي سمعناه وضبطناه عن أشياخنا في كتاب أبي عبيد وغيره ويكون المعنى فكأنما وتر في أهله وماله فلما حذف الخافض انتصب والثاني أنهما مرفوعان على ما لم يسم فاعله والمعنى نقصا 15 وأما تخصيص العصر فلفضلها لأنها الصلاة الوسطى وبها تختم صلوات النهار
1124 1349 - وفي الحديث التاسع بعد المائة إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة وإن كان من أهل النار 15 المقعد موضع القعود 15 وهذا الحديث ينبغي أن يتلمح بعين الفكر فإنه إذا تؤمل علم أنه السرور الدائم بعد الموت أو البغضة الدائمة فكيف بمن يزعج غدوة وعشية أعجب لمشتري اللذة الفانية بالحسرة الدائمة

(1/645)


1125 1350 - وفي الحديث العاشر بعد المائة اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة 15 هذا الحديث يتضمن التحذير لذوي الأنفة من ذل السؤال وقد روى أبو داود في السنن فقال في بعض الروايات واليد العليا المتعففة وله وجه وهو أن المتعفف قد علت يده إذا سفلت يد السائل قال الخطابي وقد توهم كثير من الناس أن معنى العليا أن يد المعطى مستعلية فوق يد الأخذ يجعلونه من علو الشيء فوق الشيء وليس ذلك عندي بالوجه إنما هو من علاء المجد والكرم يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها وهذا الذي اختاره الخطابي وجه حسن ولا يمتنع ما أنكره لأنه إذا حملت العليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر وقد صحت لفظة المنفقة فكان المراد أن هذه اليد
التي علت وقت العطاء على يد السائل هي العالية في باب الفضل وقد زعم قوم مالوا إلى الترفه أن اليد العليا هي الآخذة والسفلى هي المعطية قال ابن قتيبة ولا أرى هؤلاء إلا قوما استطابوا السؤال فهم يحتجون للدناءة والناس إنما يعلون بالمعروف والعطايا لا بالأخذ والسؤال والمعالي للصانعين لا للمصطنع إليهم
1126 1352 - وفي الحديث الثاني عشر بعد المائة اللهم ارحم المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال اللهم ارحم المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال والمقصرين 15 إنما قدم المحلقين لأنه عليه السلام حلق رأسه فحلق قوم وقصر قوم فقدم من وافقه 15 فإن قيل فما وجه تركهم الموافقه له فقد أجاب الخطابي فقال كانت عادة أكثر العرب اتخاذ الشعر على الرؤوس وتوفيره وتزيينه وكان التحليق فيهم قليلا وكانوا يرون ذلك نوعا من الشهرة وكان يشق عليهم الحلاق فمالوا إلى التقصير 15 وفي هذا الحديث أن ذلك كان في حجة الوداع
1127 1353 - وفي الحديث الثالث عشر بعد المائة كان إذا قفل من عزو أو حج أو عمرة وافى على ثنية أو فدفد يكبر على كل شرف ثلاثا

(1/646)


15 قفل بمعنى رجع ومنه سميت القافلة 15 والثنية طريق عال بين جبلين 15 والفدفد أرض فيها غلظ وارتفاع والشرف من الأرض العالي 15 والإياب الرجوع من السفر 15 ولما ارتفع على المكان العالي ناسب ذلك ذكر الله عز وجل بالتكبير
1128 1354 - وفي الحديث الرابع عشر بعد المائة لا يتناجى اثنان دون ثالث وقد سبق شرحه في مسند ابن مسعود
1129 1355 - وفي الحديث الخامس عشر بعد المائة خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور 15 نبه {صلى الله عليه وسلم} بذكر هذه الخمس على أن مالا يؤكل لحمه لا يجب الجزاء بقتله وهذا مذهب أحمد ومالك والشافعي إلا أنه قد روي عن مالك أنه قال لا يقتل المحرم الغراب الصغير وفي مذهب أحمد أنه يجوز أكل غراب الزرع ولا يجوز أن يؤكل الغراب الأبقع ولا الأسود الكبير وبيان ذلك أن مالا يؤكل لحمه لا يجب الجزاء بقتله من وجهين أحدهما أنه جمع بين سباع ضارية وهوام قاتلة لا تشبهها إلا أنه مستخبث اللحم فعلمنا أن تحريم الأكل دليل الحكم

(1/647)


والثاني أنه لما نص على الكلب العقور نبة على السبع لأنه أشد ضررا وإنما نص على أدنى الأنواع لينبه على أعلاها فنص على الحدأة فنبه على الصقر والبازي والعقاب ونص على العقرب فنبه على الحية وغيرها ونص على الفأرة فنبه على بقية الحشرات ثم إن السبع يسمى كلبا قال سفيان ابن عيينة الكلب العقور كله سبع يعقره قال أبو عبيد وليس للحديث عندي مذهب إلا ما قال سفيان قال ويجوز أن يقال للسبع كلب قال النبي {صلى الله عليه وسلم} في عتبة بن أبي لهب اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فخرج إلى الشام فقتله الأسد ومن هذا قوله تعالى ( وما علمتم من الجوارح مكلبين ) المائدة 4 فهذا اسم مشتق من الكلب ثم دخل فيه صيد الفهد والبازي والصقور 15 قلت كذا ذكر أبو عبيد أن عتبة الذي أكله السبع وكذلك هو في مغازي ابن اسحق وقد نقله كذلك أبو سليمان الخطابي وهذا غلط منهم لأن أبا لهب كان له عتبة وعتيبة فأما عتبة فإنه أسلم وشهد غزاه حنين وإنما الذي أكله السبع عتيبة وقد ذكره على الصحة محمد بن سعد في الطبقات 15 وقال أبو حنيفة أي صيد قتله المحرم فعليه جزاؤه ونحن لا
نسلم أن اسم الصيد يقع على غير المأكول لأن أذى الحيوان ممنوع وإنما أبيح أن يؤذى بالاصطياد لحاجة الأكل وإنما سمى هذه الأشياء فواسق لمكان خبثها وشرها كما في الفاسق

(1/648)


1130 1356 - وفي الحديث السادس عشر بعد المائة نهى عن الوصال 15 الوصال في الصيام أن تصل الليل بالنهار في ترك الأكل وإنما نهى عنه لمعنيين أحدهما ما يتخوف على الصائم من ضعف القوة فربما أخرجه ذلك إلى المرض والعجز عن الصوم المفروض فيرى العبادة حينئذ بعين البغضة لما لقي فيها من المشقة ويوضح هذا قوله لست كأحدكم إني أطعم وأسقى والثاني أن العبد مأمور بالوقوف على مراسم الشرع والمشرع جعل وظيفة الصوم مختصة بالنهار فإذا وصل المتعبد بها الليل أنشأ صورة تعبد برأيه والمعنى منه مسلوب لأنه لا يكون تعبد إلا بأمر الشرع فصار كما لو صامت الحائض فعلى هذا يكون ما خص به الرسول من الوصال محمول المشقة لكونه يطعم ويسقى ويكون تعبدا في حقه لأنه مأمور به 15 وقوله إني أظل يقال ظل الرجل يفعل كذا إذا فعله نهارا وقد ذكر العلماء في معنى كونه يطعم ويسقى وجهين أحدهما أنه يحتمل أن يخص بطعام وشراب حقيقة ولا يفسد صومه كما يغط في نومه ولا ينتقض وضوءه فيكون هذا مضافا إلى خصائصه التي أكرم بها والثاني أنه يحتمل أن يكون المعنى إني أعان وأقوى فيكون
ذلك بمنزلة الطعام والشراب
1131 1357 - وفي الحديث السابع عشر بعد المائة من حمل علينا السلاح فليس منا 15 أي ليس على سيرتنا ومذهبنا وقد شرحنا هذا في مسند أبي موسى
1132 1358 - وفي الحديث الثامن عشر بعد المائة نهى عن النجش 15 والنجش نوع من الخديعة والغبن وهو أن يمدح سلعة يزيد في ثمنها وهو لا يريد الشراء ولكن يقصد أن يسمعه غيره فيغتر فيزيد ويشتري وهذا فعل محرم والمنصور من مذهبنا أنه بيع صحيح وللمشتري الخيار إن كان في البيع زيادة لا يتغابن الناس بمثلها وكذلك كل مسترسل غبن بالبيع ويدخل فيه إذا تلقى الركبان فاشترى منهم فإن لهم الخيار إذا دخلوا السوق وعلموا بالغبن ونقل عن أحمد أن بيع النجش وتلقي الركبان باطلان

(1/649)


1133 1359 - وفي الحديث التاسع عشر بعد المائة لا يبع بعضكم على بيع بعض 15 فيه قولان أحدهما أن يشتري الرجل السلعة ويتم البيع ولم
يفترق المتبايعان بعد فنهى أن يعرض رجل آخر سلعة أخرى على ذلك المشتري تشبه السلعة التي اشتراها لما في ذلك من الإفساد على الأول فربما مال إلى هذه وفسخ بحكم المجلس والثاني أنه في المتساومين إذا قارب وقوع العقد فيجيء آخر يريد أن يشتري تلك السلعة فيخرجها من يد المشتري الأول فهذا يباح في أول العرض وينهى عنه بعد المقاربة للبيع وهذا اختيار أبي عبيد فإنه قال معنى الحديث لا يشتر على شراء أخيه وإنما وقع النهي على المشتري لا على البائع لأن العرب تقول بعت الشيء بمعنى اشتريته ومثل هذا لا يخطب على خطبة أخيه لأن الخاطب طالب كالمشتري والنهي وقع على الطالبين دون المطلوب إليهم وقد جاء في الشعر البائع بمعنى المشتري قال طرفة
عذ ما غد ما أقرب اليوم من غد
سيأتيك بالأخبار من لم تزود
ويأتيك بالأنباء من لم تبع له
بتاتا ولم تضرب له وقت موعد
15 فتبع هاهنا بمعنى تشتري 15 وقال مالك بن أنس إنما نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه إذا كان كل واحد من الفريقين قد رضي بصاحبه فأما قبل الرضا فلا بأس أن يخطبها من يشاء
1134 1360 - وفي الحديث العشرين بعد المائة نهى أن تتلقى السلع حتى يبلغ بها الأسواق 15 قد ذكرنا الحكم في هذا قبل حديثين
1135 1361 - وفي الحديث الحادي والعشرين بعد المائة نهى عن المزابنة وقد سبق الكلام فيها في مسند ابن عباس
1136 1362 - وفي الحديث الثاني والعشرين بعد المائة لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فينتقل طعامه 15 المشربة الغرفة 15 وينتقل يفتعل من نقل الشيء عن مكانه وينتثل بالثاء بمعنى يفرق ويبدد والنثل نثر الشيء جميعه في مرة واحدة 15 والضرع لذوات الظلف وهو من ذوات الخف ومن ذوات الحافر والسباع الطبي ومن المرأة الثدي ومن الرجل الثندوة

(1/650)


1137 1363 وفي الحديث الثالث والعشرين بعد المائة نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو فإني لا آمن أن يناله العدو وفي لفظ فإني أخاف أن يناله العدو
15 ظاهر هذا ا لكلام أن القائل لا آمن وأخاف هو رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقد جاء في حديث آخر مخافة أن يناله العدو قال أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت إنما هذا من قول مالك وقد بين ذلك أبو مصعب الزبيري عبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم وإنما المسند النهي فحسب 15 والإشارة بالقرآن إلى المصحف و إنما حذر عليه من إهانة العدو إياه بالتمزيق وغيره وفي هذا بيان احترام المصحف
1138 1364 - وفي الحديث الرابع والعشرين بعد المائة أمر بقتل الكلاب حتى إنا لنقتل كلب المرية من أهل البادية يتبعها 15 قد بينا نسخ الأمر بقتل الكلاب في مسند عبد الله بن مغفل 15 والمرية تصغير المرأة 15 وقول ابن عمر في هذا الحديث إن لأبي هريرة زرعا كشفناه في هذا المسند
1139 1365 - وفي الحديث الخامس والعشرين بعد المائة إنما الولاء لمن أعتق
قد بينا في مسند عمر معنى الولاء 15 وإنما تثبت المشار إليه وتنفي ماعداه فكأنه قال لا ولاء إلا لمن أعتق والولاء من الولي وهو القرب ويقال فلان ولي فلان أي يلاصقه بالنصرة قال ابن فارس الولاء من الموالاة وهي المقاربة فسمي ولاء لأن العبد المعتق موال أي كأحد قرابته وسنزيد هذا الحديث شرحا في مسند عائشة
1140 1366 - وفي الحديث السادس والعشرين بعد المائة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجم يهودية وقال فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة وفي لفظ يجانيء وفي لفظ فرأيته أجنأ عليها 15 يجنأ يكب والجنأ الأحديداب ويجانيء ينحني قاله أبو عبيد وقد روى لنا في لفظ - لم يذكره الحميدي فرأيت الرجل يحني على المرأة قال ابن الأنبا ري قال اللغويون يحني ويحنو بالياء والواو 15 وفي الحديث فقالوا الرجل أعور وهو ابن صوريا والأحبار العلماء

(1/651)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية