صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : كشف المشكل من حديث الصحيحين
النمؤلف / أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي،
دار النشر / دار الوطن - الرياض - 1418هـ - 1997م
عدد الأجزاء / 4
تحقيق : علي حسين البواب

الوطء قاله علي عليه السلام والثاني أن فيها تقديما وتأخيرا وتقديرها إذا قمتم إلى الصلاة من النوم فأفاد ذلك النوم وما في معناه من البول والمذي والريح ( أو لامستم ) أي باليد ( فاغسلوا ) ثم قال ( وإن كنتم جنبا ) فأفادت الآية ذكر الطهارتين عند وجود الماء مع التنبيه على الأحداث ثم قال ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ) فانصرف إلى الطهارتين جميعا وأفاد جواز التيمم عن الحدثين وهذا المعنى مروي عن زيد بن أسلم وابنه والثالث أن الآية لما جعلت التيمم بدلا عن الوضوء نبهت على أنه بدل عن الغسل لأن التراب لما جعل بدلا عن الماء وجب أن ينوب عن طهارات الماء وأما التيمم فإنه في اللغة القصد قال الأعشى
تيممت قيسا وكم دونه
من الأرض من مهمه ذي شزن
وقوله لو رخص لهم في هذا لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا للصلاة وعندنا أنه إذا خاف ضرر البرد تيمم وصلى ولا إعادة عليه إن كان مسافرا وإن كان مقيما فعلى روايتين قال الشافعي يعيد المقيم وله في المسافر قولان

(1/229)


وقوله فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة وإنما فعل هذا لأنه رأى التراب بدلا عن الماء فاستعمله في جميع البدن فأما الصعيد فهو التراب قاله علي وابن مسعود واللغويون منهم الفراء وأبو عبيد والزجاج وابن قتيبة وقال الشافعي لا يقع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار فعلى هذا لا يجوز التيمم إلا بالتراب وهو قول أحمد والشافعي وداود وقال أبو حنيفة ومالك يجوز بجميع أجزاء الأرض كالنورة والجص والزرنيخ وغيره وزاد مالك فقال ويجوز بالحشيش والشجر فعلى هذا يكون الصعيد عندهما ما تصاعد على وجه الأرض سواء كان ترابا أو غيره ولا خلاف أنه إذا ضرب بيده على الطين أنه لا يجزيه وقد سلم خصمنا برادة الذهب والفضة والصفر والنحاس والدقيق وسحيق الزجاج والجوهر والصندل ونحاتة الخشب ونحو ذلك فأما الرمل فلأبي حنيفة وأحمد فيه روايتان وقد دل حديث عمار هذا على أنه يجوز الاقتصار في التيمم على الوجه والكفين بضربة واحدة وهو قول مالك وداود وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد لا يجزيه إلا أن يمسح إلى المرفقين ولا

(1/230)


يختلف أصحابنا في جواز الأمرين إنما اختلفوا في المسنون فقال القاضي أبو يعلى المسنون أن يضرب ضربتين يمسح بواحدة وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين فإن ضرب ضربة فمسح بها وجهه وكفيه جاز وقال أبو الخطاب الكلواذاني بل المسنون عند أحمد ضربة واحدة للوجه والكفين وقال أبو الوفاء بن عقيل ظاهر كلام أحمد يدل على أن المسح إلى المرفقين جائز وليس بمستحب وقوله ونفض يديه وفي لفظ يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ يحتج به من يرى جواز الضرب على حجر لا غبار له وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وعند أحمد والشافعي لا بد من غبار يعلق باليد لقوله تعالى ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) و من للتبعيض وأما نفض اليد ونفخها فالمراد به تخفيف ما تعلق باليد فإنه قد تعلق بها الكثير والنفخ لا يدفع الخفيف وبه تقع الكفاية وقوله اتق الله يا عمار معناه احترز فيما تروي وليس أنه شك فيه ولكنه تثقيف له وتأديب لغيره وقوله نوليك ما توليت معناه ندعك وما تتقلد
287 346 - وفي الحديث الأول من أفراد البخاري لما بعث علي عمارا إلى الكوفة ليستنفرهم الاستنفار الدعاء إلى النصرة وهذا كان عند خروج عائشة عليها السلام إلى البصرة

(1/231)


288 347 - وفي الحديث الثاني دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار حيث أتى إلى الكوفة ليستنفر الناس فقالا ما رأينا منك أمرا منذ أسلمت أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر فقال ما رأيت منكما أمرا منذ أسلمتما أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر قال ثم كساهما حلة أبو موسى هو الأشعري وأبو مسعود هو البدري واسمه عقبة ابن عمرو والإشارة بقولهم هذا الأمر إلى الخروج مع علي عليه السلام ومع عائشة رضي الله عنها وإنما كرها لعمار الخروج فيما ظاهره القتال والفتن وكره لهما عمار قعودهما عن نصرة علي عليه السلام والحق في ذلك مع عمار لأن عليا عليه السلام كان الإمام علما وخلافة فهو أعلم بالحق من كل من خاصمه وإنما خرجت عائشة عليها السلام لتصلح الأمر فانخرق
289 348 - وفي الحديث الثالث رأيت رسول الله وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان
أما عمار فإنه أسلم قديما وقد أسلم جماعة قبله وإنما حكى ما رأى
290 349 - وفيما انفرد به مسلم خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فقلنا لو كنت تنفست فقال سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه وإن من البيان سحرا تنفست بمعنى مددت الكلام قليلا وهو مشبه بمد النفس ومئنة بمعنى علامة تدل على فقه الرجل قال أبو عبيد هو كقولك مخلقة ومجدرة ومحراة والفقه الفهم قال الأزهري الفقه أن يعلم الرجل من باطن ما يسأل عنه كما يعلم من ظاهره لا يخفى عليه منه شيء فأما البيان فقال أبو عبيد البيان من الفهم وذكاء القلب مع اللسن فصاحبه يمدح فيصدق ويذم فيصدق وكأنه قد سحر السامعين بذلك وقال مالك ابن دينار ما رأيت أبين من الحجاج إن كان ليرقى المنبر فيذكر إحسانه إلى أهل العراق وصفحه عنهم وإساءتهم إليه حتى أقول في نفسي والله إني لأحسبه صادقا وإني لأظنهم ظالمين له

(1/232)


كشف المشكل من مسند حارثة بن وهب الخزاعي
وجملة ما روى عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ستة أحاديث وقد غلط أبو بكر البرقي فقال في تاريخه جملة ما روى حديثان وبيان غلطه أنه قد أخرج له في الصحيحين أربعة أحاديث
291 350 - فمن المشكل في الحديث الأول قوله صلى بنا رسول الله ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه بمنى ركعتين يشير بهذا إلى أن قصر الصلاة لم يقف على الخوف وقد شرحنا هذا في مسند عمر
292 351 - وفي الحديث الثاني أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال حوضه ما بين صنعاء والمدينة الإشارة إلى أن طول الحوض بقدر هذه المسافة
293 352 - وفي الحديث الثالث يمشي الرجل بصدقته فيقول
الذي أعطيها لو جئتنا بها بالأمس قبلتها والإشارة بهذا إلى كثرة المال في آخر الزمان
294 353 - وفي الحديث الرابع ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو يقسم على الله لأبره ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر الضعيف الفقير والمتضعف بفتح العين - ويغلط من يقرؤها من المحدثين بالكسر لأن المراد أن الناس يستضعفونه ويقهرونه قال أبو عبيدة العتل عند العرب الشديد وقال غيره هو الفظ الغليظ الشديد الخصومة الذي لا ينقاد لخير فأما الجواظ ففيه خمسة أقوال أحدها أنه الجموع المنوع والثاني الشديد الصوت في الشر والثالث القصير البطن والرابع المتكبر المختال في مشيه الفاخر والخامس أنه الكثير اللحم المختال في مشيه
كشف المشكل من مسند أبي ذر
واختلفوا في اسمه واسم أبيه فقال قوم جندب بن جنادة بن كعب وقال آخرون جندب بن السكن وقال بعضهم يزيد بن جنادة وقيل يزيد بن أشعر ويقال يزيد بن عشرقة ويقال اسمه جنادة وكان يتعبد قبل مبعث النبي {صلى الله عليه وسلم} قديما وقال كنت خامسا في الإسلام ورجع إلى بلاد قومه ولم يقدم إلا بعد الخندق روى عن رسول الله مائتي حديث وأحدا وثمانين حديثا أخرج له منها في الصحيحين ثلاثة وثلاثون

(1/233)


295 354 - فمن المشكل في الحديث الأول أنه تزود وحمل شنة فيها ماء حتى قدم مكة الشنان الأسقية التي قد أخلقت واحدها شن وكل جلد بال شن ويقال للقربة منها شنة وهي أشد تبريدا للماء من الجدد
وقوله ما أنى للرجل أي ما آن ويقفوه بمعنى يتبعه وقوله لأصرخن بها أي بكلمة التوحيد بين ظهرانيهم يعني المشركين بمكة وقوله فثنى علينا الذي قيل له أي أظهره لنا وإنما يقال النثا بتقديم النون في الشيء القبيح فإذا قدمت الثاء فهو الكلام الجميل وقوله لا جماع لك أي لا نجتمع معك والصرمة القطعة من الإبل نحو الثلاثين وقوله فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها أي من قضى له بالغلبة أخذ ذلك وقال أبو عبيد المنافرة أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه ثم يحكما رجلا بينهما والنافر الغالب والمنفور المغلوب يقال قد نفره ينفره وينفره نفرا إذا غلب عليه وقوله فأتيا الكاهن فخير أنيسا عليه أي غلبه وقضى له وقوله قد صليت قبل أن ألقى رسول الله هذا إلهام القلوب الطاهرة ومقتضى العقول السليمة فإنها توفق للصواب وتلهم للرشد وقوله كأني خفاء قال أبو عبيد الخفاء ممدود هو الغطاء وكل شيء غطيته بشيء من كساء أو ثوب فذلك الغطاء خفاء وجمعه

(1/234)


أخفية قال ابن دريد الخفاء كساء يطرح على السقاء وقوله فراث علي أي أبطا وقوله وضعت قوله على أقراء الشعر قال ابن قتيبة يريد أنواعه وطرقه واحدها قري يقال هذا الشعر على قري هذا وقوله فتضعفت رجلا أي رأيته ضعيفا فعلمت أنه لا ينالني بمكروه ولا يرتاب مقصدي وقوله كأني نصب أحمر أي قمت بعد أن وقعت كأني لجريان دمي أحد الأنصاب وهي حجارة يذبحون عليها فتحمر بالدماء فأما زمزم فقال ابن فارس هو من قولك زممت الناقة إذا جعلت لها زماما تحبسها به وذلك أن جبريل لما هزم الأرض بمقاديم جناحه ففاض الماء زمتها هاجر فسميت بذلك وقوله فما وجدت سخفة جوع قال الأصمعي السخفة الخفة ولا أحسب قولهم سخيف إلا من هذا وقوله فبينا أهل مكة قال الزجاج مكة لا تنصرف لأنها مؤنثة وهي معرفة ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم امتك
الفصيل ما في ضرع الناقة إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقي فيه شيئا فتكون قد سميت بذلك لشدة الازدحام فيها وللعلماء في تسمية مكة أربعة أقوال أحدها لأنها مثابة يؤمها الخلق من كل فج فكأنها التي تجلب الخلق إليها من قولهم امتلك الفصيل ما في ضرع الناقة والثاني من قولك مككت الرجل إذا رددت نخوته فكأنها تمك من ظلم فيها أي تهلكه وتنقصه وأنشدوا
يا مكة الفاجر مكي مكا
ولا تمكي مذحجا وعكا
والثالث سميت بذلك لجهد أهلها والرابع لقلة الماء بها وقوله في ليلة قمراء القمراء منسوبة إلى القمر والمعنى في ليلة كثيرة الضوء قال ابن قتيبة يقال ليلة إضحيان وإضحيانة وضحيانة إذا كانت مضيئة وقوله ضرب على أصمختهم الأصمخة جمع صماخ وهي خرق الأذن الباطن الذي يفضي إلى الرأس ومنه يتأدى فهم المسموع إلى النفس وهذا كناية عن النوم المفرط لأن الضرب هاهنا المنع من الاستماع يقال ضرب فلان على يد فلان إذا منعه من التصرف في

(1/235)


ماله وقال الزجاج يقال لهذا الخرق الصماخ والسم والمسمع قلت وقد رواه بعض المحدثين بالسين وهو غلط وجميع اللغويين ذكروه بالصاد وإساف ونائلة صنمان أنبأنا أحمد بن علي بن محمد بن المحلي قال أخبرنا أبو بكر أحمد على بن ثابت قال أخبرنا علي بن محمد بن بشران قال حدثنا أبو علي الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن ابن أبي نجيح إن إسافا ونائلة رجل وامرأة حجا من الشام قبلها وهما يطوفان قال فمسخا حجرين ولم يزالا في المسجد حتى جاء الله بالإسلام فأخرجا قوله فما تناهتا أي ما رجعتا عن قولهما فقلت هن مثل الخشبة - يعني الذكر فانطلقتا تولولان أي تدعوان بالويل وقولهما لو كان أحد من أنفارنا أي من قومنا مأخوذ من النفر والنفر مابين الثلاثة إلى العشرة وقولهما الصابئ يعني الخارج من دين قومه وقولهما قال كلمة تملأ الفم أي كلمة عظيمة وإنما أشارتا إلى قوله هن مثل الخشبة
وتحية الإسلام السلام وإنما كره انتسابه إلى غفار لأن هذه القبيلة كانت تزن بسرقة الحاج وقوله فقدعني صاحبه أي كفني ومنعني يقال قدعت الرجل وأقدعته إذا كففته ومنه قول الحسن اقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعة وقوله إنها طعام طعم أي طعام يشبع منه ويكف الجوع وغبرت بمعنى بقيت وأما يثرب فقال أبو عبيدة يثرب اسم أرض ومدينة النبي {صلى الله عليه وسلم} في ناحية منها وقال ابن فارس يروى أن النبي {صلى الله عليه وسلم} نهى أن تسمى المدينة يثرب وذلك أنه اسم مأخوذ من التثريب وهو اللوم وتقبيح الفعل في عين فاعله قال الله تعالى ( لا تثريب عليكم اليوم ) يوسف 92 أي لا لوم وقوله غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله فيه للعلماء قولان أحدهما أنه دعاء لهما واستغفار وإنما استغفر لهاتين القبيلتين لأنهما أسلمتا طوعا من غير حرب وكان غفار تزن بسرقة الحاج فأحب أن يمحو عنهم تلك السبة السببة وأن يعلم الناس أن ما سبق من

(1/236)


ذلك مغفور بإسلامهم والثاني أنه إخبار عن القبيلتين فالمعنى أن الله سبحانه منع من أذاهما وحربهما والمسالمة الصلح على ترك القتال والأذى ولما سالمت أسلم فجاءت طوعا فدخلت فيما دخلت فيه غفار قال أسلم سالمها الله وفي هذا دليل على جواز اختيار الكلام المتناسب المتجانس لأنه قد كان يمكن أن يقول غفار عفا الله عنها فلما قال غفر الله لها وقال أسلم سالمها الله دل على اختيار ذلك وإنما يختار مثل هذا لأنه أحلى في السمع وشنفوا له أبغضوه ونفروا منه والشنف المبغض وتجهموا أي تنكرت وجوههم فاستقبلوه بالمكروه يقال تجهم وجه الرجل إذا كره وعبس
296 355 - وفي الحديث الثاني فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل أي كشف وشق قوله ثم جاء بطست قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن أبي عبيد عن أبي عبيدة قال ومما دخل في كلام العرب الطست وهو فارسي معرب وقال الفراء طيء تقول طست وغيرهم يقول طس وهم الذين يقولون للص لصت وجمعهما طسوت ولصوت عندهم وقال سفيان الثوري الطس الطست لكن الطس بالعربية أراد أنهم لما عربوه قالوا طس ويجمع طساسا
وطسوسا قال الراجز
ضرب يد اللعابة الطسوسا

(1/237)


فإن قيل الإيمان والحكمة كيف يملآن الطست وليسا بجسم فالجواب أن هذا ضرب مثل لينكشف بالمحس ما هو معقول وهذا الحديث يدل على أنه شرح صدره ليلة المعراج وقد روي شرح صدره في زمان رضاعه عند حليمة وهذه زيادة تطهير لمكان الزيارة وقول الخازن وأرسل إليه يحتمل هذا الاستفهام وجهين أحدهما أن يكون إرسال محمد عليه السلام خفي عن ذلك الملك لأن الملائكة مشغولون بالعبادة حتى إن أحدهم لا يعرف من إلى جانبه والثاني أن يكون المعنى وأرسل إليه للعروج إلى السماء لأن بعثته استفاضت بين الملائكة وقوله عن يمينه أسودة أي أشخاص وهو من السواد والسواد الشخص يقال سواد وأسودة كغراب وأغربة والنسم جمع نسمة وهي النفس وقوله حتى ظهرت يعني علوت وارتفعت لمستوى وهو المكان المستوي المعتدل وصريف الأقلام صوت حركتها على المخطوط فيه فكأن الإشارة
بذلك إلى ما تكتبه الملائكة من اللوح من أقضية الله عز وجل ووحيه فإن قيل كيف رأى آدم وموسى والأنبياء وهم مدفونون في الأرض فقد أجاب عنه ابن عقيل فقال شكل الله أرواحهم على صور أجسادهم وجنابذ اللؤلؤ قبابه واحدها جنبذة وهي القبة وقد وقع في بعض النسخ حنابل بالحاء المهملة وبعدها باء وفي نسخة كذلك إلا أنه بالجيم المعجمة وكل ذلك تصحيف والصحيح جنابذ
297 356 - وفي الحديث الثالث إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطى الله خيرا فنفخ فيه بيمينه وشماله النفخ رمي الشيء بسرعة والقاع المكان السهل الذي لا ينبت فيه الشجر والجمع القيعان والحرة أرض ذات حجارة سود وأرغم الله أنف فلان ألصقه بالرغام وهو التراب المعنى وإن كره أبو ذر ذلك فإن قيل كيف الجمع بين قوله من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وبين دخول الموحدين بذنوبهم النار فالجواب أن مآلهم إلى الجنة وإن دخلوا النار
298 357 - وفي الحديث الرابع أذن مؤذن رسول الله الظهر

(1/238)


فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} أبرد أبرد أو قال انتظر انتظر وقال إن شدة الحر من فيح جهنم الإبراد انكسار وهج الحر وتوقده وذلك أن فتور الحر بالإضافة إلى شدته برد وفيح جهنم التهابها وغليانها وهذا رفق بالماشي إلى الصلاة إما ليمشي في الفيء أو لينتبه من قائلته أو لهما وسيأتي في مسند أبي موسى من صلى البردين دخل الجنة يعني الفجر والعصر لأنها يصليان في برد النهار
299 359 - وفي الحديث السادس كنت مع رسول الله عند غروب الشمس فقال أتدري أين تذهب الشمس فقلت الله ورسوله أعلم قال تذهب تسجد تحت العرش ربما أشكل الأمر في هذا الحديث على من لم يتبحر في العلم فقال نحن نراها تغيب في الأرض وقد أخبر القرآن أنها تغيب في عين حمئة فإذا دارت تحت الأرض وصعدت فأين هي من العرش فالجواب إن الأرضين السبع في ضرب المثال كقطب رحا والعرش لعظم ذاته كالرحى فأين سجدت الشمس سجدت تحت العرش وذلك مستقرها
300 360 - وفي الحديث السابع قال إبراهيم التيمي كنت أقرأ على أبي في السدة فإذا قرأ السجدة سجد

(1/239)


قال أبو عبيد السدة الظلة تكون بباب الدار ومنه من يغش سدد السلطان يقم ويقعد وكان عروة بن المغيرة يصلي في السدة وسدة المسجد وسمي إسماعيل السدي لأنه كان يبيع الخمر في سدة المسجد ومنهم من يجعل السدة الباب فأما سجوده في السدة المضافة إلى المسجد فجائز لأنه بقارعة الطريق وسجود هذا الرجل محمول على أنه قد كان يأمر ابنه عند القراءة بالسجود ثم يتبعه لإنه إنما يسن سجود السامع إذا سجد القارئ والمسجد الأقصى بيت المقدس وإنما قيل الأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة وقيل إنه لم يكن وراءه موضع عبادة فإن قيل كيف قال بينهما أربعون عاما وإنما بنى الكعبة إبراهيم وبنى بيت المقدس سليمان وبينهما أكثر من ألف سنة فالجواب أن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجدين وليس أول من بنى الكعبة إبراهيم ولا أول من بني بيت المقدس سليمان وفي الأنبياء والصالحين والبانين كثرة فالله أعلم بمن ابتدأ وقد روينا أن أول من بنى الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس
301 361 - وفي الحديث الثامن قال أبو ذر بشر الكانزين
برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه قال ابن قتيبة الرضف جمع رضفة وهي حجارة تحمى بالنار والناغض قرع الكتف قيل له ناغض لأنه يتحرك إذا حرك الرجل يده أو عدا وقال أبو سليمان الخطابي نغض الكتف الشاخص وأصل النغض الحركة وسمي ذلك الموضع من الكتف نغضا لأنه يتحرك من الإنسان في مشيه وتصرفه ويتزلزل يتحرك بانزعاج ومشقة ويعتريهم يقصدهم ويغشاهم قوله فإذا كان العطاء ثمنا لدينك فدعه المعنى إذا لم يعطوك إلا أن تسكت عن إنكار منكرهم كان كالرشوة فدعه وقوله أرصده لدين أي أعده له وكيف يظن برسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنه كان يدخر المال وهو يعلم كثرة المحتاجين إليه مع أن طبعه الكرم وسجيته الزهد

(1/240)


302 362 - وفي الحديث التاسع رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله فعيره بأمه
قد بينا فيما تقدم أن الحلة لا تكون إلا ثوبين وقوله فعيره بأمه قال لنا ابن الخشاب الفصيح عيرت فلانا أمه وقد جاء في شعر عدي بن زيد
أيها الشامت المعير بالدهر
واعتذروا عنه فقالوا إنه كان عباديا ولم يكن فصيحا وقوله إنك امرؤ أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أخبرنا أبو طاهر بن سوار قال أخبرنا ابن رزمة قال أخبرنا أبو سعيد السيرافي قال أخبرنا ابن مجاهد قال حدثنا علي بن الجهم قال قال الفراء أهل الحجاز وأسد وأهل العالية من قيس يقولون المرء والمرأة فيسكنون الراء ويهمزون فإذا لم يكن فيه ألف ولام قالوا امرؤ وامرأة وبعض قيس يقولون الامرؤ الصالح والامرأة الصالحة وربما قالوا هذا مرء صالح ومرأة صالحة ومن العرب من يقول هذا مرؤ صالح فيرفع الميم في موضع الرفع ويخفضها في موضع الخفض وينصبها في موضع النصب وقوله فيك جاهلية المعنى قد بقي فيك من أخلاق القوم لأن من أخلاقهم عقوبة من لم يجن والشريعة لا تقتضي ذم شخص
بفعل غيره وإنما ينشأ هذا من الكبر فتواضع أبو ذر بعد ذلك حتى ساوى غلامه والخول الخدم والتبع وقوله فإن كلفتموهم ما يغلبهم أي ما يعجزون عن القيام به
303 363 - وفي الحديث العاشر انتهيت إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} فجلست فلم أتقار أن قمت قوله فلم أتقار أي لم أتمكن من الاستقرار والأظلاف جمع ظلف والظلف للبقر كالظفر للإنسان والحافر للفرس ونفدت فرغت وانتهت والإشارة إلى من لم يخرج زكاتها

(1/241)


304 364 - وفي الحديث الحادي عشر ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر الادعاء إلي غير الأب مع العلم حرام فمن اعتقد إباحة ذلك كفر لمخالفته الإجماع فخرج عن الإسلام ومن لم يفعل ذلك معتقدا ففي معنى كفره وجهان أحدهما أنه قد أشبه فعله فعل الكفار والثاني أنه كافر للنعمة وقوله ليس منا إن اعتقد جواز ذلك خرج من الإسلام وإن لم يعتقد فالمعنى لم يتخلق بأخلاقنا وقوله فليتبوأ مقعده من النار لفظه الأمر ومعناه الخبر
والمقصود فقد اتخذ مقعدا من النار ومن دعا رجلا بالكفر وليس كذلك كان هو الكافر لاعتقاده في مسلم أنه كافر وحار بمعنى انقلب وإذا لم تنقلب هذه الأشياء عليه انقلب إثمها
305 365 - وفي الحديث الثاني عشر أي الرقاب أفضل قال أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا الأنفس الأفضل ولذلك يغلو ثمنه فزيد الثواب لذلك وقوله تعين ضائعا أي ذا ضياع من فقر أو عيال أو حالة قصر عن القيام بها قال الإسماعيلي هذا هو الذي في الحديث ويحتمل صانعا بالنون وقوله أو تصنع لأخرق وهو الذي قد تحير ودهش فيما يرومه وقوله فإنها صدقة منك على نفسك وذاك أنه إذا كف عن الشر نجى النفس من الإثم فتصدق عليها بالسلامة
306 367 - وفي الحديث الثاني من أفراد البخاري كان النبي {صلى الله عليه وسلم} إذا أخذ مضجعه من الليل قال باسمك اللهم أموت وأحيا
ذكر الاسم صلة في الكلام فهو كقوله ( سبح اسم ربك ) الأعلى 1 والمعنى بل أموت وأحيا بإرادتك وقدرتك وقوله أحيانا بعدما أماتنا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المشار إليه بداية الخلق وهي النطفة فإنها كانت خالية عن روح والثاني أن تكون الإشارة إلى النوم فشبه بالموت تجوزا لتعطيل أفعال الحس والنشور البعث

(1/242)


307 368 - وفي الحديث الأول من أفراد مسلم عن أبي ذر قال كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد خاصة وفي رواية لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة - يعني متعة النساء ومتعة الحج هذا ظن من أبي ذر وليس كذلك فأما متعة النساء فلولا أنها نسخت لبقي حكمها وقد سبق ذكرها ونسخها وأما متعة الحج فحكمها باق وقد بينا أنه الأفضل عند جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار
308 369 - وفي الحديث الثاني ثلاثة لا يكلمهم الله المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب
المسبل يريد به إسبال الإزار على وجه الخيلاء والمنان يعني بالصدقة وفعل الخير والمنفق سلعته بالحلف وهو أن يحلف لقد أعطيت بها كذا وما أعطي لتنفق
309 371 - وفي الحديث الرابع من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا الشبر قدر فتح الأصابع الخمس والذراع قدر طول الذراع إلى رؤوس الأصابع والباع قدر امتداد اليدين والهرولة الإسراع في المشي وهذه كلها أمثلة والمعنى إني أربح معاملي وأتفضل على مطيعي وقراب الأرض ما يقارب ملؤها
310 372 - وفي الحديث الخامس يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة السلامى على وزن فعالى وربما شدده أحداث طلبة الحديث لقلة علمهم وجمعها سلاميات بفتح الميم وتخفيف الياء قال أبو عبيد السلامى في الأصل عظم يكون في فرسن البعير ويقال إن آخر ما يبقى فيه المخ من البعير إذا عجف في السلامى والعين فإذا ذهب
منهما لم يكن له بقية بعد قال الراجز
لا يشتكين عملا ما أنقين
ما دام مخ في سلامى أو عين
فكأن معنى الحديث على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة لأنه إذا أصبح العضو سليما فينبغي أن يشكر ويكون شكره بالصدقة فالتسبيح والتحميد وما ذكره يجري مجرى الصدقة عن الشاكر وقوله ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى لأن الضحى من الصباح وإنما قامت الركعتان مقام ذلك لأن جميع الأعضاء تتحرك فيها بالقيام والقعود فيكون ذلك شكرها

(1/243)


311 373 - وفي الحديث السادس عرضت علي أعمال أمتي فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن يماط بمعنى ينحى والنخاعة والنخامة والبصاق بمعنى إلا أن البصاق من أدنى الفم والنخاعة من أقصى الفم وكأنه مأخوذ من النخاع
312 374 - وفي الحديث السابع ذهب أهل الدثور بالأجور الدثور جمع دثر وهو المال الكثير وهذا الحديث يتضمن شكوى الفقراء وغبطتهم للأغنياء كيف ينالون الأجر بالصدقة وهم لا يقدرون فأخبرهم أنهم يثابون على تسبيحهم وتحميدهم وأفعالهم الخير كما يثاب أولئك على الصدقة وقوله وفي بضع أحدكم البضع الفرج فكأنه يقول في وطء الرجل زوجته صدقة وذلك لأنه يعفها ونفسه
313 375 - وفي الحديث الثامن كما ينقص المخيط إذا دخل البحر المخيط والخياط اسم للإبرة
314 376 - وفي الحديث التاسع يقرءون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم الحلاقيم جمع حلقوم وهو مجرى النفس لا غير ومبدؤه من أقصى الفم فأما الذي يجري فيه الطعام فهو مركب خلف الحلقوم يقال له المريء والرمية اسم للمرمي وقد فسروا قوله هم شر الخلق فقالوا الخلق الناس والخليقة الدواب والبهائم
315 377 - وفي الحديث العاشر إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره مثل آخرة الرحل فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود قيل لأبي ذر ما بال الأسود من الأحمر والأصفر فقال سألت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال الكلب الأسود شيطان آخرة الرحل مؤخرة فإن لم يكن بين يدي المصلى سترة فخط بين يديه خطا قام مقام السترة فإن لم يفعل ذلك ومر بين يديه كلب أسود بهيم وهو الذي جميعه أسود فإنه يقطع صلاته وهذا مذهب الحسن ومجاهد وعطاء وعكرمة وطاوس ومكحول وأحمد بن حنبل وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا يقطع فأما الحمار والمرأة ففيهما عن أحمد روايتان والحديث صريح في القطع وسيأتي في أفراد مسلم من حديث أبي هريرة مثل حديث أبي ذر

(1/244)


316 378 - وفي الحديث الحادي عشر أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا مجدع الأطراف أي مقطوع الأطراف وأكثر ما يستعمل الجدع في الأنف والأذن وهما من أطراف الإنسان
317 379 - وفي الحديث الثاني عشر آنية الحوض أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة الظلماء المصحية والمصحية التي ذهب غيمها وإنما قال المظلمة لأن ظلمتها مع الصحو أبين للنجوم وقوله لم يظمأ الظمأ العطش مهموز مقصور والمعنى لم يعطش آخر ما عليه يعني أبدا وقوله يشخب الشخب ما امتد من اللبن حين يحلب وشخبت أوداج القتيل دما وقوله عرضه ما بين عمان الذين سمعناه وحفظناه من المحدثين عمان بفتح العين وتشديد الميم وقال أبو سليمان الخطابي الميم خفيفة
318 380 - وفي الحديث الثالث عشر إن أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده قال الزجاج لا اختلاف بين أهل اللغة أن التسبيح هو التنزيه لله عز وجل عن كل سوء وقال ابن القاسم معنى سبحان الله تنزيه له من الأولاد والصاحبة والشركاء وقوله وبحمده أي وبحمده نبتدئ ونفتتح فحذف الفعل
لدلالة المعنى عليه كما قال عز وجل ( فاجمعوا أمركم وشركاءكم ) يونس 71 معناه وادعوا شركاءكم وقال الزجاج المعنى وبحمده سبحته
319 381 - وفي الحديث الرابع عشر أرأيت الرجل يعمل الخير ويحمده الناس قال تلك عاجل بشرى المؤمن والمعنى أن الله تعالى إذا تقبل العمل أوقع في القلوب قبول العامل ومدحه فيكون ما أوقع في القلوب مبشرا بالقبول كما أنه إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه وهم شهداء الله في الأرض
320 383 - وفي الحديث السادس عشر لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق أي منطلق وهو ضد العبوس قال جرير ما رآني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلا تبسم وهذا من المعروف لأن الإنسان ينتفع بذلك كما ينتفع بسائر المعروف
321 384 - وفي الحديث السابع عشر سألت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هل رأيت ربك فقال نور أنى اراه ذكر أبو بكر الخلال في كتاب العلل عن أحمد بن حنبل أنه

(1/245)


سئل عن هذا الحديث فقال ما زلت منكرا لهذا الحديث وما أدري ما وجهه وذكر أبو بكر محمد بن إسحق بن خزيمة في هذا الحديث تضعيفا فقال في القلب من صحة سند هذا الخبر شيء لم أر أحدا من علماء الأثر فطن لعلة في إسناده فإن عبد الله بن شقيق كأنه لم يكن يثبت أبا ذر ولا يعرفه بعينه واسمه ونسبه لأن أبا موسى محمد ابن المثنى حدثنا قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال أتيت المدينة فإذا رجل قائم على غرائر سود يقول ألا ليبشر أصحاب الكنوز بكي في الجباه والجنوب فقالوا هذا أبو ذر فكأنه لا يثبته ولا يعلم أنه أبو ذر وقال ابن عقيل قد أجمعنا على أنه ليس بنور وخطأنا المجوس في قولهم هو نور فإثباته نورا مجوسية محضة والأنوار أجسام والبارئ سبحانه وتعالى ليس بجسم والمراد بهذا الحديث حجابه النور وكذلك روي في حديث أبي موسى فالمعنى كيف أراه وحجابه النور فأقام المضاف مقام المضاف إليه قلت من ثبت رؤية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ربه عز وجل فإنما ثبت كونها ليلة المعراج وأبو ذر أسلم بمكة قديما قبل المعراج بسنتين ثم رجع
إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق ثم قدم المدينة فيحتمل أنه سأل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين إسلامه هل رأيت ربك وما كان قد عرج به بعد فقال نور أنى أراه أي أن النور يمنع من رؤيته وقد قال بعد المعراج فيما رواه عنه ابن عباس رأيت ربي

(1/246)


322 385 - وفي الحديث الثامن عشر إنها أمانة يعني الإمارة والولاية ولما رآه ضعيفا حسن تحذيره لأن الضعف يعجز عما يجب عليه من الاحتياط وقوله لا تولين مال يتيم اليتيم من مات أبوه وهو صغير قال الأصمعي اليتم في الناس من قبل الأب وفي غير الناس من قبل الأم وقال أبو بكر بن الأنباري قال ثعلب اليتم معناه في كلام العرب الانفراد فمعنى يتيم منفرد عن أبيه وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال إذا بلغ الصبي ذهب عنه اسم اليتيم وكل منفرد عند العرب تييم قال وقيل أصل اليتم الغفلة وبه سمي اليتيم لأن يتغافل عن بره وقال أبو عمرو اليتم الإبطاء ومنه أخذ اليتم لأن البر يبطأ عنه
323 386 - وفي الحديث التاسع عشر ستفتحون مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما
أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي قال أخبرنا عمر بن عبيد الله البقال قال أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق قال حدثنا حنبل قال حدثني أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل قال حدثنا سفيان - وسئل عن قوله فإن لهم ذمة ورحما قال من الناس من يقول هاجر كانت قبطية وهي أم إسماعيل ومن الناس من يقول كانت مارية أم إبراهيم قبطية قوله فإذا رأيت رجلين يختصمان في موضع لبنة فاخرج الإشارة إلى كثرة الناس فيها وازدحامهم
كشف المشكل من مسند حذيفة بن اليمان
واليمان من أجداده فنسب إليه وإنما هو حذيفة بن حسيل بن جابر ابن ربيعة بن عمرو بن جروة - وهو اليمان فكان جروة قد أصاب دما في قومه فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية وقيل بل اليمان اسم الحسيل روى حذيفة عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حديثا كثيرا إلا أنه أخرج له في الصحيحين سبعة وثلاثون حديثا
324 387 - فمن المشكل في الحديث الأول لا تلبسوا الحرير ولا الديباج قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال الديباج أعجمي معرب وقد تكلمت به العرب قال مالك بن نويرة
ولا ثياب من الديباج نلبسها

(1/247)


هي الجياد وما في النفس من دبب
الدبب العيب ويجمع على ديباج ودبابيج على أن تجعل أصله مشددا وأصل الديباج بالفارسية ديوباف أي نساجة الجن وقوله ولا يأكلون في صحافها الصحاف جمع صحفة وهي القصعة
325 389 - وفي الحديث الثالث قتنة الرجل في أهله وماله الفتنة في الأصل الاختبار يقال فتنت الذهب في النار إذا أدخلته إياها لتعلم جودته من رداءته والمراد بالفتنة في الأهل والمال ما يقع من الزلل والذنوب وقوله كموج البحر - يعني الفتنة العامة العظيمة وقوله تكسر إشارة إلى محيي الفنتة بشدة وقتل وقد بين في الحديث أن المراد بالباب عمر وقتله وأحرى بمعنى أجدر وأخلق وقوله ليس بالأغاليط - أي ليس مما يغلط فيه أو يشكل
326 390 - وفي الحديث الرابع أحصوا لي كم يلفظ بالإسلام فقلنا يا رسول الله أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة قال إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا
ظاهر هذا الحديث يدل على أن حذيفة أسلم بمكة لأن هذه الأشياء إنما جرت بمكة لا بالمدينة وإنما يقع الابتلاء للمؤمنين بقهر الكافرين لهم مع قدرة المعبود سبحانه على النصر ليسلموا لأفعاله وليصبروا على قضائه 327 391 - وفي الحديث الخامس كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك قال أبو عبيد الشوص الغسل وكل شيء غسلته فقد شصته تشوصه شوصا وكذلك مصته أموصه موصا والسواك ما يستاك به وهو مكسور السين الاسم والفعل
328 392 - وفي الحديث السادس كنت مع النبي {صلى الله عليه وسلم} فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما السباطة ملقى التراب والقمام ونحو ذلك تكون بأفنية البيوت مرفقا للناس وتكون في الغالب سهلة لا يرتد منها الرشاش على البائل وقوله فانتبذت أي تنحيت والعقب مؤخر القدم فإن قيل كيف بال قائما وقد نهى عن ذلك

(1/248)


فالجواب من أوجه أحدها أنه قد قيل إنه منسوخ بنهيه بعد ذلك عن البول قائما والثاني أنه كان لمرض منعه القعود قال أبو هريرة بال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قائما من جرح كان بمأبضه وقال الزجاج المأبض باطن الركبة والثالث أنه استشفى بذلك من مرض كان به قال الشافعي كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما والرابع أنه يحتمل أن يكون البول أعجله ولم يجد سوى ذلك المكان ولم يتمكن من القعود لكثرة الأنجاس فيه فإن قيل كيف قال لحذيفة ادن وكان إذا أراد الخلاء أبعد فالجواب أن السباطة تكون في الأفنية فأراد أن يستتر به من الناس وفي رواية كان أبو موسى يشدد في البول ويبول في قارورة فأورد حذيفة هذا الحديث ليسهل الأمر عليه وإنما كان تشديد أبي موسى لأنه قد سمع التحذير من الأنجاس وقد صح عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال في القبرين إنما ليعذبان وما يعذبان في كبير كان أحدهما لا يستتر في بوله ولعمري إن الاحتراز حسن لكنه ينبغي أن يكون بمقدار وقد رأينا في زماننا من يشدد في هذا تشديدا يعود بضد
المقصود فرأينا جماعة إذا بال أحدهم يقوم ويمشي ويتنحنح ويحط رجلا ويرفع أخرى ويطيل ذلك الفعل فيعود البول الذي قد تماسك قاطرا فكأنه استحلبه بذلك الفعل وهذا لأن البول يرشح في المثانة دائما وعلى فم المثانة عضلة تشدها وتمنع جريان البول فإذا فعل ما ذكرنا حرك العضلة وفتحها فيجتمع في تلك المديدة قطرات فتأتي وهذا يتصل وربما ضعفت العضلة بهذا الفعل وتجدد سلس البول وهذا من وساوس إبليس وليس من الشريعة بل ينبغي للإنسان إذا بال وانقطع جريان البول أن يحتلب بقية البول بإصبعي يده اليسرى من أصل الذكر إلى رأسه ثم ينثر الذكر ثلاثا ويصب الماء
329 393 - وفي الحديث السابع ليردن حوضي أقوام ثم يختلجون دوني وهذا ذكرناه وقد شرحناه في مسند ابن مسعود

(1/249)


330 394 - وفي الحديث الثامن حدثنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال ينام الرجل نومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء - ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله - فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال للرجل ما أجلده ما
أظرفه وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان الجذر الأصل ومنه جذر الحساب كقولك عشرة في عشرة مائة فالعشرة جذر المائة أي أصلها الذي يقوم منه هذا العدد وقال أبو عبيد الجذر الأصل من كل شيء - بفتح الجيم وكسرها والوكت أثر الشيء اليسير ومنه بسر موكت بكسر الكاف إذا بدا فيه شيء من الإرطاب والمجل أثر العمل في الكف يقال مجلت يده ومجلت لغتان وقوله فتراه منتبرا أي منتفطا يعني ارتفاع الجلد ولا شيء تحته وقوله فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة أي يقل من يؤديها ويكاد بمعنى يقارب وقوله ما أجلده أي ما أقواه وقوله ما أظرفه قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال الناس يعنون بقولهم فلان ظريف أنه حسن اللباس لبقه ويخصونه بذلك وليس كذلك وإنما الظرف في اللسان والجسم أخبرت عن الحسن بن علي عن الخزاز عن أبي عمر عن ثعلب قال الظريف يكون حسن الوجه وحسن اللسان الظرف في المنطق والجسم ولا يكون

(1/250)


في اللباس وقال عمر إذا كان اللص ظريفا لم يقطع معناه إذا كان بليغا جيد الكلام احتج عن نفسه بما يسقط عنه الحد والفعل من هذه الكلمة ظرف يظرف فهو ظريف والجمع الظرفاء ولا يوصف بذلك السيد ولا الشيخ إنما يوصف به الفتيان الأزوال والفتيات الزولات يعني الخفاف وقال ابن الأعرابي الظرف في اللسان والحلاوة في العينين والملاحة في الفم والجمال في الأنف وقال محمد بن يزيد الظريف مشتق من الظرف وهو الوعاء كأنه جعل الظريف وعاء للأدب ومكارم الأخلاق وقوله ليردنه على ساعيه أي رئيسه الذي يحكم عليه وينصفني منه
331 395 - وفي الحديث التاسع لا يدخل الجنة قتات وقد فسر في الحديث أنه النمام قال أبو عبيد يقال فلان يقت الأحاديث قتا أي ينمها وقال ابن الأعرابي القتات الذي ينقل عندك ما تحدثه به وتستكتمه إياه والقساس الذي يتسمع عليك ما تحدث به غيره ثم ينقله عنك وقد كشفنا إشكال قول القائل بأن هذا ليس بكفر فكيف يمنع دخول الجنة في مسند ابن مسعود
332 396 - وفي الحديث العاشر لأبعثن إليكم أمينا حق أمين فاستشرف الناس لها فبعث أبا عبيدة الأمين مأخوذ من الأمن فكأن صاحب الأمانة أمن بكونها مع الأمين ومعنى استشرف الناس رفعوا رءوسهم ينظرون من المخصوص بهذه الصفة كالمتعجبين

(1/251)


333 397 - وفي الحديث الحادي عشر إن مع الدجال ماء ونارا فالذي يرى الناس أنه نار فماء بارد والذي يرى الناس أنه ماء بارد فنار تحرق وأنه ممسوخ العين عليها ظفرة غليظة الدجال الكذاب وقيل سمي دجالا لتمويهه على الناس وتلبيسه يقال دجل إذا موه ولبس وسيف مدجل إذا طلي بالذهب وبعير مدجل إذا كان مطليا بالقطران فسمي دجالا لأنه غطى الحق بباطله وقوله فالذي يراه الناس نارا ماء هذا هو من جنس السحر يبتلى به الخلق فإن قال قائل فهل معجزات الأنبياء إلا ما شهد بها الحس فالجواب أن هذا الرجل لو ادعى النبوة لاختلطت الأدلة وتمكنت الشبهات وعسر الفرق ولكنه ادعى الإلهية ويكفي في تكذيبه كونه جسما ثم هو راكب حمارا وهو أعور
وقوله عليها ظفرة غليظة قال الزجاج الظفرة جلدة تبتدئ في المأق وربما ألبست الحدقة وفي هذا الحديث حديث الذي قال لأهله اجمعوا لي حطبا جزلا الحطب الجزل الغليظ وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال الناس يقولون حطب زجل وإنما هو حطب جزل وهو الغليظ من الحطب وقيل اليابس قال الشاعر
ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي
بجزل إذا أوقدت لا بضرام
والضرام والشخت ضده ثم كثر الجزل في كلامهم حتى صار كل ما كثر جزلا فقالوا أعطاه عطاء جزلا وأجزلت للرجل وجزل لي من ماله وقوله وامتحشت أي أحرقت العظام والمحش إحراق النار الجلد وقوله انظروا يوما راحا أي كثير الريح ويقال للموضع الذي تخترقه الرياح مروحة ركب عمر بن الخطاب ناقة فمشت به مشيا جيدا فقال
كأن راكبها غصن بمروحة
إذا تدلت به أو شارب ثمل
فأما المروحة التي يتروح بها فمكسورة الميم وقوله فاذروه في اليم أي انسفوه في البحر قال ابن قتيبة واليم البحر بالسريانية
334 398 - وفي الحديث الثاني عشر كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وأسأله عن الشر مخافة أن يدركني أما سؤاله عن الشر فليجتنبه قال الشاعر
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه

(1/252)


والدخن الكدر والمكروه وأصل الدخن في الألوان كدورة إلى سواد قال أبو عبيد ولا أحسبه أخذ إلا من الدخان وهو شبيه بلون الحديد ووجه الحديث أن القلوب لا يصفو بعضها لبعض وقوله من جلدتنا أي من أنفسنا وقومنا يعني العرب فأمره بالعزلة عند ظهور الآفات وقوله ولو أن تعض بأصل شجرة أشار إلى العزلة لأن الشجر خارج عن المدن والشياطين جمع شيطان قال الخليل كل متمرد عند العرب شيطان وفي هذا الاسم قولان أحدهما أنه من شطن أي بعد عن
الخير فعلى هذا تكون النون أصلية قال أمية بن أبي الصلت في صفة سليمان عليه السلام
أيما شاطن عصاه عكاه
ثم يلقى في السجن والأغلال
عكاه أوثقه وقال النابغة
نأت بسعاد عنك نوى شطون
فبانت والفؤاد لها رهين
والثاني أنه من شاط يشيط إذا التهب واحترق فتكون النون زائدة وأنشدوا
وقد يشيط على ارماحنا البطل
أي يهلك والجثمان الشخص والإنس الناس سموا إنسا لظهورهم
335 399 - وفي الحديث الأول من أفراد البخاري عن حذيفة ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) البقرة 195 قال نزلت في النفقة سبب نزول هذه الآية أن الأنصار كانت تنفق وتتصدق فأصابتهم سنة فأمسكوا فنزلت هذه الآية قال الضحاك بن أبي جبيرة والسبيل في اللغة الطريق وإنما استعملت هذه الكلمة في الجهاد لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين قال المبرد وأرادوا بالأيدي الأنفس فعبر عن الكل و ( التهلكة ) بمعنى الهلاك يقال هلك االرجل يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة فعلى هذا يكون الهلاك واقعا بالبخل فإن كان في الواجبات فهو الهلاك بالإثم وإن كان في المندوبات فهو فوت الفضائل

(1/253)


336 400 - وفي الحديث الثاني إنما النفاق على عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأما اليوم فهو الكفر أو الإيمان قال أبو سليمان الخطابي معنى الحديث أن المنافقين في زمان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لم يكونوا قد أسلموا وإنما كانوا يظهرون الإسلام رياء ونفاقا ويسرون الكفر عقدا فأما اليوم - وقد شاع الإسلام واستفاض - فمن نافق بأن يظهر الإسلام ويبطن خلافه فهو مرتد لأن نفاقه كفر أحدثه بعد قبول الدين وإنما كان المنافق في زمان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مقيما على كفره الأول فلم يتشابها
337 401 - وفي الحديث الثالث أن حذيفة رأى رجلا لم يتم ركوعه ولا سجوده فقال ما صليت الركوع من أركان الصلاة ولا يكون إلا بإتمامه وكذلك السجود وقوله ما صليت يعني الصلاة الصحيحة والفطرة هاهنا الدين والملة
338 402 - وفي الحديث الرابع قال حذيفة ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ولا من المنافقين إلا أربعة يعني بالآية ( فقاتلوا أئمة الكفر ) التوبة 12 فقال أعرابي ما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا فقال أولئك الفساق يبقرون بمعنى يفتحون يقال بقرت الشيء إذا فتحته وقد رواها قوم ينقبون والأول أصح والأعلاق نفائس الأموال وكل شيء له قيمة أو قدر في نفسه ومزية فهو علق
339 404 - الحديث السادس قد تقدم في مسند أبي ذر
340 405 - الحديث السابع قال حذيفة لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم مقصود حذيفة أن جماعة من المنافقين صلحوا واستقاموا وكانوا خيرا من أولئك التابعين بمكان الصحبة والصلاح وممن كان منافقا
فصلح أمره واستقام مجمع ويزيد ابنا جارية بن عامر كانا وأبوهما منافقين فصلحت حال الولدين واستقامت وكأنه أشار بالحديث إلى تقليب القلوب

(1/254)


341 406 - وفي الحديث الثامن ما نعلم أقرب سمتا ودلا وهديا برسول الله {صلى الله عليه وسلم} من ابن أم عبد قال أبو عبيد السمت حسن الهيئة والمنظر في مذهب الدين وليس من الزينة ولكن يكون لصاحبه هيئة أهل الخير ومنظرهم والهدي والدل من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وقوله حتى يتوارى احتراز من الشهادة على الباطن المستور وقوله لقد علم المحفوظون يعني رءوس القوم الذين حفظهم الله من تحريف أو تخريف في قول أو فعل والوسيلة القربة وربما ظن من يسمع قوله ابن أم عبد أنه نسبها إلى ابنها عبد الله بن مسعود وليس كذلك إنما هذه المرأة يقال لها أم عبد بنت عبد ود ابن سوي بن قريم أسلمت وبايعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولا نعلمها روت عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} شيئا
342 407 - وفي الحديث الأول من أفراد مسلم عن قيس بن عباد قال قلت لعمار أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي أرأيا رأيتموه أو شيئا عهده إليكم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} - يشير إلى قتالهم معه ونصرهم إياه فقالوا ما عهد إلينا شيئا لم يعهده إلى الناس ولكن حذيفة أخبرني معناه أنه ما عهد إلينا شيئا إنما عهد إلى حذيفة في أمر المنافقين والجمل الحيوان المعروف والخياط الإبرة وسمها ثقبها وفيه لغتان فتح السين وضمها والدبيلة خراج عظيم وينجم يظهر
343 408 - وفي الحديث الثاني عن جندب قال جئت يوم الجرعة فإذا رجل جالس فقلت ليهراقن اليوم دماء فقال ذاك الرجل كلا والله قلت بلى والله قال فإذا الرجل حذيفة الجرعة بفتح الراء التل من الرمل لا ينبت شيئا وهذا مكان نزلوه ليتهيئوا للقتال وذلك أن عثمان بعث سعيد بن العاص أميرا على الكوفة فخرجوا فردوه فرجع إلى عثمان فقال عثمان ما تريدون

(1/255)


قالوا البدل قال فمن تريدون قالوا أبا موسى فبعثه إليهم أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي قال أخبرنا شجاع بن فارس قال أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد الأشناني قال أخبرنا أبو الحسن علي ابن أحمد بن عمر الحمامي قال أخبرنا علي بن محمد بن أبي قيس قال حدثنا أبو بكر بن عبيد قال حدثني يحيى بن عبد الله الخثعمي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أن عثمان بن عفان نزع سعد بن أبي وقاص عن الكوفة واستعمل الوليد بن عقبة ثم نزعه وبعث سعيد بن العاص فلم يدعوه يدخلها وقال القرشي وحدثنا أبو خيثمة قال حدثنا وهب بن جرير عن أبيه أن سعيد بن العاص توجه إلى الكوفة أميرا فقال أهل الكوفة لا والله لا يدخلها علينا سعيد ولا يلي أمرنا وبعثوا إلى الأشتر فقدم عليهم وخرج أهل الكوفة حتى نزلوا الجرعة وأمرهم إلى الأشتر فلما قدم سعيد ركبوا خيولهم وأخذوا رماحهم وقالوا ارجع وراءك فلا والله لا تلي أمرنا فرجع وقال جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب لما خرج الناس إلى الجرعة قيل لحذيفة ألا تخرج قال لقد علمت أنهم لن يهريقوا بينهم محجمة من دم وعن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي ثور الحدائي قال دفعت إلى حذيفة وأبي مسعود يوم الجرعة وهما يتحدثان وأبو مسعود يقول والله ما كنت أرى أن ترتد على عقبيها ولم يهريقوا
فيها محجمة من دم وفي الحديث من الفقه جواز أن يحلف الرجل على ما يظن كما حلف جندب ثم قال لنفسه ما هذا الغضب وذلك أنه بان له أن الصواب ليس معه فرجع إلى الصواب
344 410 - وفي الحديث الرابع ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي الحسيل فأخذنا كفار قريش فأخذوا منا عهد الله وميثاقه ألا نقاتل مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأتيناه فأخبرناه فقال نفي لهم بعهدهم في هذا الحديث من الفقه حفظ الوفاء بالعهد ولو للمشرك فيما يمكن الوفاء به

(1/256)


345 411 - وفي الحديث الخامس كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس فقال أنشدك الله كم كان أصحاب العقبة قال فقال القوم أخبره إذ سألك فقال كنا نخبر أنهم أربعة عشر فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر وأشهد أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وعذر ثلاثة قالوا ما سمعنا منادي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولا علمنا بما أراد القوم وقد كان في حرة فمشى فقال إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد فوجد قوما قد سبقوه فلعنهم
هذا الحديث يشكل على المبتدئين لأن أهل العقبة إذا أطلقوا فإنما يشار بهم إلى الأنصار المبايعين له وليس هذا من ذاك وإنما هذه عقبة في طريق تبوك وقف فيها قوم من المنافقين ليفتكوا به أخبرنا هبة الله بن الحصين قال أخبرنا أبو علي بن المذهب قال أخبرنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا أبي قال حدثنا يزيد قال أخبرنا أبو الوليد - يعني ابن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل قال لما أقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} آخذ العقبة فلا يأخذها أحد فبينما رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل غشوا عمارا وهو يسوق برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لحذيفة قد قد حتى هبط رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما هبط رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نزل ورجع عمار فقال يا عمار هل عرفت القوم فقال قد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال هل تدري ما أرادوا قال الله ورسوله أعلم قال أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه قال أبو الوليد وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال للناس - وذكر له أن في الماء قلة - فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مناديا فنادى أن لا يرد الماء أحد قبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فورده النبي {صلى الله عليه وسلم} فوجد قوما قد وردوه قبله فلعنهم رسول الله {صلى الله عليه وسلم}

(1/257)


قال أبو سليمان الدمشقي المفسر أصحاب العقبة خمسة عشر من المنافقين تاب ثلاثة ومضى اثنا عشر على النفاق منهم معتب بن قشير ووديعة بن ثابت ورفاعة بن التابوت وسويد وداعس وجد بن عبد الله بن نتيل والحارث بن يزيد الطائي وأوس بن قيظي وسعد بن زرارة وقيس بن عمرو بن سهل وهو عم قتادة بن النعمان وقد ذكر عنه قتادة أنه رأى منه ما يدل على صحة إسلامه وزيد بن النصيب كذا قال أبو سليمان وغيره يقول اللصيت وكان يهوديا منافقا وسلالة بن الحمام والجلاس بن سويد وقيل وكعب وأبو لبابة وتاب هؤلاء الثلاثة
346 412 - وفي الحديث السادس أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لقيه وهو جنب فحاد عنه فاغتسل ثم جاءه فقال كنت جنبا فقال إن المسلم لا ينجس وقد سبق بيان تسمية الجنابة بهذا الاسم ولا خلاف في طهارة الآدمي في حياته فأما إذا مات فهل ينجس بالموت فيه روايتان عن أحمد وقولان عن الشافعي ونص أبو حنيفة على نجاسته
347 413 - وفي الحديث السابع في الدجال إنه جفال الشعر الفاء خفيفة قال أبو عبيد الجفال الكثير الشعر قال ذو الرمة
وأسود كالأساود مسبكرا
على المتنين منسدرا جفالا
المسبكر المسترسل والمنسدر المنتصب وبعضهم يرويه منسدلا
348 414 - وفي الحديث الثامن صليت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى هذا حديث يدل على طول قيام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في الصلاة وقد كان ركوعه نحوا من قيامه وهذا إنما يروى عنه في صلاة الليل - أعني طول القيام والترسل التثبت وقوله إذا مر بسؤال سأل اختلفت الرواية عن أحمد رحمة الله عليه هل يجوز للمصلي في صلاة الفرض إذا مرت به آية رحمة أن يسألها أو آية عذاب أن يستعيذ منه فروي عنه جواز ذلك وهو قول الشافعي وروي عنه أنه جائز في التطوع دون الفريضة وهو قول أبي حنيفة وكان شيخنا أبو بكر الدينوري يتأول الحديث فيقول معنى

(1/258)


يسأل ويستعيذ أنه يسأل بإعادة الآية مثل أن يقرأ ( ربنا فاغفر لنا ) آل عمران 193 فيردد ذلك لا أنه يتكلم بكلام من عنده وهذا الأشبه بأصولنا وقد قال عليه السلام إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين
349 415 - وفي الحديث التاسع كل معروف صدقة المعروف فعل الخير والبر وإنما كان المعروف صدقة لأنه لا يجب
350 416 - وفي الحديث العاشر تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه قوله كالحصير يعني أن الفتن تحيط بالقلوب فتصير القلوب كالمحصور المحبوس وقال الليث حصير الجنب عرق يمتد معترضا على الجنب إلى ناحية البطن فشبه إحاطتها بالقلب بإحاطة هذا العرق بالبطن
وقوله عود عود أي مرة بعد مرة ومعنى أشربها قبلها وسكن إليها وقوله نكت فيه أي ظهر فيه أثر وقوله حتى تصير على قلبين يعني القلوب والصفا الحجر الأملس وقوله مربادا المرباد والمربد الذي في لونه ربدة وهي لون بين السواد والغبرة كلون النعامة ولهذا قيل للنعام ربد وقوله كالكوز مجخيا المجخي المائل ويقال منه جخى الليل إذا مال ليذهب والمعنى مائلا عن الاستقامة منكوسا وقد تقدم شرح بعض هذا الحديث في المتفق عليه من هذا المسند
351 417 - وفي الحديث الحادي عشر إن حوضي لأبعد من أيلة من عدن إني لأذود عنه الرجال كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه قالوا وتعرفنا قال نعم تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء أذود بمعنى أطرد وهذا يحتمل وجهين إما طرد من لا يستحق وإما طرد من يجب تقديم غيره وفي أفراد مسلم من حديث ثوبان أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال إني لبعقر حوضي أذود عنه لأهل اليمن والغرة والتحجيل نور يعرفون به ثوابا للوضوء

(1/259)


352 418 - وفي الحديث الثاني عشر جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة صفوف الملائكة أن كل واحد بجانب الآخر وقوله جعلت لنا الأرض كلها مسجدا أي موضعا للسجود وهذا خارج مخرج الامتنان على هذه الأمة لأن الأمم المتقدمة كانوا لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم وهذا لفظ عام خصت منه البقاع المنهي عن الصلاة عنها بدليل كما خص نكاح الذميات في عموم قوله ( ولا تنكحوا المشركات ) البقرة 221 قوله وجعلت تربتها لنا طهورا فيه دليل على أنه إذا ضرب بيده على حجر لا غبار عليه لم يجزه لأن التربة التراب
353 419 - وفي الحديث الثالث عشر أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا إنما وقع إضلال القوم بمخالفة نبيهم قال ابن عباس قال موسى لقومه تفرغوا لله عز وجل في كل سبعة أيام يوما فاعبدوه يوم الجمعة فقالوا لا إلا يوم السبت وقيل كان سبب اختيارهم السبت أنهم زعموا أن الله تعالى فرغ يوم السبت من الخلق فقالوا فنحن نستريح فيه من عمل الدنيا ونتشاغل بالتعبد والشكر فألزموه عقوبة لهم واختارت النصارى الأحد وقالوا هو أول يوم بدأ الله فيه الخلق فهو أولى بالتعظيم فهدانا الله ليوم الجمعة وهو اليوم
الذي خلق فيه آدم وهو سابق السبت والأحد فنحن السابقون لهم في التعبد وأمتنا - وإن تأخر وجودهم - فهم السابقون إلى الفضل وإلى دخول الجنة وقوله المقضي لهم أي على جميع الأمم لأن حجتهم توجب على من سبقهم أن يتبعهم
354 420 - وفي الحديث الرابع عشر فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة تزلف بمعنى تقرب وقول إبراهيم إني كنت خليلا من وراء وراء أي من خلف حجاب وقوله وترسل الأمانة والرحم المعنى أنهما تخلصان القائمين بحقوقهما وشد الرجال عدوهم وقوله إلا زحفا أي أنهم يعجزون عن المشي فيزحفون كزحف الصبي الصغير والكلاليب جمع كلوب وهو معروف والمخدوش من الخدش وهو الإصابة بأثر قريب ثم ينجو على ما به والمكدوس في النار الملقى فيها والخريف المراد به هاهنا السنة

(1/260)


355 421 - وفي الحديث الخامس عشر من الفتن ثلاثة لا يكدن يذرن شيئا أي لعظمهن
وقوله ومنهن فتن كرياح الصيف أي فيها بعض الشدة وإنما خص الصيف لأن رياح الشتاء أقوى قوله فذهب أولئك الرهط كلهم غيري يعني الذي سمعوا هذا والرهط العصابة دون العشرة ويقال بل إلى الأربعين
356 422 - وفي الحديث السادس عشر قال رجل لو أدركت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قاتلت معه فأبليت فقال حذيفة أنت كنت تفعل ذلك في هذا الحديث من الفقه أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعي شيئا لا يدري كيف يكون فيه فإن الصحابة مع جدهم في طلب الشهادة توقفوا عن إجابتهم يوم الخندق حتى قال من يأتيني بخبر القوم حتى عين على حذيفة وقوله لا تذعرهم أي لا تظهر لهم وليكن ذهابك في سر والذعر الخوف وقوله كأني أمشي في حمام يشير إلى حرارة الخوف ويصلي ظهره يدفئه وقوله قررت أي أصابني القر والعبادة والعباية من الأكسية كذلك قال ابن فارس
وقوله يا نومان أي يا كثير النوم لأن بناء فعلان للمبالغة كسكران
كشف المشكل من مسند أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري
أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مع أهل السفينتين ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} بخيبر وبعضهم ينكر هجرته إلى الحبشة وروى عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثلثمائة وستين حديثا أخرج له منها في الصحيحين ثمانية وستون
357 425 - فمن المشكل في الحديث الثاني من صلى البردين دخل الجنة البردان الغداة والعصر سميا بالبردين لأنهما يصليان في بردي النهار وهما طرفاه حين تذهب سورة الحر
358 426 - وفي الحديث الثالث وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن هذا يرجع إلى الرائي وهو كونه في جنة عدن لا إلى المرئي لأن المرئي لا تحيط به الأمكنة ورداء الكبرياء ما له من الكبر والعظمة
وكأنه يقول إن منعهم فلعظمته وإن شاء كشف لهم بجوده وكرمه

(1/261)


359 429 - وفي الحديث السادس قال معاذ يا أبا موسى كيف تقرأ القرآن قال أتفوقه تفوقا على فراشي وفي صلاتي أتفوقه أي أفرق حزبي تخفيفا على نفسي فأقرأه في مرات لا في مرة واحدة مأخوذ من فواق الناقة فإنها تحلب ثم تترك حتى تدر ثم تحلب وقتا بعد وقت ليكون أدر للبنها وقول معاذ أحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي كلام فقيه فإن الإنسان إذا نوى بنومه إعطاء بدنه حقه والتقوي بذلك على العمل صار النوم كأنه تعبد وأثيب عليه وقوله لا نولي هذا العمل أحدا سأله وهذا لأن الحرص على الولاية فيه تهمة ودليل على حب الدنيا فينبغي أن يحذر خاطب الولاية ومن هذا الجنس قول بعض الحكماء إذا هرب الزاهد من الناس فاطلبه وإذا طلبهم فاهرب منه وقلصت الشفة ارتفعت والمخلاف لأهل اليمن كالرستاق والمخاليف الرساتيق
360 430 - وفي الحديث السابع على كل مسلم صدقة وقد سبق شرح هذا المعنى في مسند أبي ذر
361 433 - وفي الحديث العاشر برئ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الصالقة والحالقة والشاقة الصلق الصياح الشديد وكذلك السلق ومنه قوله تعالى ( سلقوكم بألسنة حداد ) الأحزاب 19 فالصالقة الصائحة بالصوت الشديد والحالقة التي تحلق شعرها للمصيبة والشاقة التي تخرق الثياب للمصاب
362 434 - وفي الحديث الحادي عشر أمر لنا بثلاث ذود غر الذرا حكى ابن السكيت عن الأصمعي أنه قال الذود ما بين الثلاث إلى العشر ولا يقال ذود إلا للنوق وقال أبو زيد بل يقال للذكور والإناث وقوله غر الذرا يريد أن ذرا الأسمنة منهن بيض من سمنهن والذرا جمع ذروة وذروة كل شيء أعلاه وقوله أتي بنهب إبل يريد بالنهب المغنم وقوله أغفلنا رسول الله يمينه أي غفل عن يمينه بسبب سؤالنا قوله وما أنا حملتكم ولكن الله حملكم فيه ثلاثة أوجه

(1/262)


أحدها أن يكون ناسيا ليمينه لما أمر لهم بالإبل فيكون كقوله للصائم الله أطعمك وسقاك والثاني أن يقصد إفراد الحق عز وجل بالمنن والثالث أن الله تعالى لما ساق هذه الإبل في وقت حاجتهم كان هو الحامل
363 437 - وفي الحديث الرابع عشر اشفعوا تؤجروا والشفاعة سؤال الشفيع يشفع سؤال المشفوع فيه والمراد من الحديث أنكم تؤجرون في الشفاعة وإن لم تقض الحوائج
364 439 - وفي الحديث السادس عشر من مر ومعه نبل فليقبض على نصالها بكفه النصال جمع نصل والنصل حديدة السهم وقوله فما متنا حتى سددنا بعضها في وجوه بعض يقال سددت إليه السهم أي قصدت به قصده والمعنى اقتتلنا بها والإشارة إلى الفتن التي جرت بينهم
365 440 - وفي الحديث السابع عشر من حمل علينا السلاح فليس منا من حمل السلاح على المسلمين لكونهم مسلمين فليس بمسلم فأما إذا لم يحمل السلاح لأجل الإسلام فقد اختلف العلماء في معنى
قوله فليس منا فقال أبو عبيد ليس متخلقا بأخلاقنا وأفعالنا وقال غيره ليس من أهل ديننا وقال قوم ليس مثلنا
366 441 - وفي الحديث الثامن عشر إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها لما كان الأذى يقع من العدو ومن النار حسن التشبيه وإن وقع الفرق بالقصد وعدمه
467 442 - وفي الحديث التاسع عشر المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه ظاهره الإخبار ومعناه الأمر وهو تحريض على التعاون
368 443 - وفي الحديث العشرين فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أي وهمي والمعنى ظننت
369 445 - وفي الحديث الثاني والعشرين أعتم بالصلاة أي أخرها وابهار الليل انتصف أو قارب والرسل التمهل
370 446 - وفي الحديث الثالث والعشرين من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه وربما ظن ظان أن كراهية الموت تؤثر في لقاء الله وليس كذلك وسيأتي مكشوفا في مسند عائشة

(1/263)


371 447 - وفي الحديث الرابع والعشرين خسفت الشمس على عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال افزعوا إلى ذكر الله معنى خسفت انكسفت ويقال فزعت إلى كذا إذا لجأت إليه وفزعت من كذا إذا خفته وفي قوله لا يكون لموت أحد ولا لحياته إبطال لما كان عليه أهل الجاهلية فإنهم كانوا يزعمون أن ذلك يوجب حدوث حوادث كما يقول المنجمون فإن قيل ما فائدة حدوث الكسوف ففيه سبع فوائد أحدها ظهور التصرف في الشمس والقمر والثانية أن يتبين عند شينها قبح شأن من يعبدها والثالثة أن تنزعج القلوب المساكنة للغفلة عن مسكن الذهول فإن المواعظ تزعج القلب الغافل والرابعة ليرى الناس أنموذج ما سيجري في القيامة من قوله تعالى
( وخسف القمر وجمع الشمس والقمر ) القيامة 8 9 والخامسة أنهما يؤخذان على حال التمام فيوكسان ثم يلطف بها فيعادان إلى ما كانا عليه فيشار بذلك إلى خوف المكر ورجاء العفو والسادسة أن يفعل بهما صورة عقاب من لا ذنب له ليحذر ذو الذنب والسابعة أن الصلوات المفروضات عند كثير من الخلف عادة لا انزعاج لهم فيها ولا وجود هيبة فأتى بهذه الآية وسنت لها الصلاة ليفعلوا صلاة على انزعاج وهيبة
372 448 - وفي الحديث الخامس و العشرين سئل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن أشياء كرهها فلما أكثر عليه غضب ثم قال سلوني عما شئتم فقال رجل من أبي فقال أبوك حذافة إنما قال سلوني عما شئتم غضبا فإن قيل فجوابه حكم وقد قال لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان فالجواب أنه لما كان معصوما من الزلل تساوى غضبه ورضاه في أنه لا يقول إلا الحق ولهذا قال لعبد الله بن عمرو وقد سأله أكتب عنك ما تقول في السخط والرضا قال نعم
373 449 - وفي الحديث السادس والعشرين فنقبت أقدامنا فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع ثم كره أبو

(1/264)


موسى إظهار هذا نقبت بمعنى تقرحت وورمت وهذه الغزاة كانت في السنة الرابعة من الهجرة وإنما ندم على إظهار عمله لأن عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ضعفا وكان سفيان الثوري يقول إن العبد ليعمل العمل سرا ولا يزال به الشيطان حتى يتحدث به فينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية إلا أن مقصود أبي موسى إعلام الناس بصبر الصحابة ليقتدوا بهم فيثاب على إظهار هذا بهذه النية
374 451 - أما الحديث السابع والعشرون فقد فسرناه في مسند ابن مسعود
375 452 - وفي الحديث التاسع والعشرين إما أن يحذيك أي يهب لك الشيء من ذلك يقال أحذيت الرجل أحذيه إذا أعطيته الشيء وأتحفته به
376 453 - وفي الحديث الثلاثين وأنا النذير العريان الرواية بالراء من العري وذلك أن الربيئة للقوم إذا كان على مكان عال فبصر بالعدو نزع ثوبه فألاح به ينذر فيبقى عريانا وقال بعض أهل اللغة عري النذير أبلغ في الإنذار لأن الجيش إذا رأوه
عريانا علموا أن الأمر عظيم وأنشدوا
ليس النذير الذي يأتيك مؤتزرا
مثل النذير الذي يأتيك عريانا
قال أبو سليمان الخطابي وقد روي لنا وأنا النذير العربان بالباء فإن كان ذلك محفوظا فمعناه المفصح بالإنذار لايكني ولا يوري يقال رجل عربان أي فصيح اللسان ويقال أعرب الرجل بحاجته إذا أفصح بها وقوله فأدلجوا إذا خففت الدال كان معنى الكلمة قطع الليل كله بالسير وإذا شددت الدال فهو السير من آخر الليل ومعنى اجتاحهم استأصلتهم ومنه الجائحة التي تفسد الثمار وتهلكها
377 454 - وفي الحديث الحادي والثلاثين إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس وأصاب طائفة إنما هي قيعان

(1/265)


قوله فكانت منها طائفة هذا اللفظ الذي ذكره الحميدي وقد رواه البخاري بلفظ آخر لم يذكره الحميدي وكان منها ثغبة بالثاء والغين المعجمة والثغبة مستنقع الماء في الجبال والصخور وهو الثغب أيضا وقد رواه أحمد في المسند فكانت منها طائفة نقية بالقاف وأما الأجادب فهي من الجدب واليبس وهذا المحفوظ في الرواية والحديث يدل على أن المراد الأرض الصلبة التي تمسك الماء وقال قوم إنما هي أجارد وهي المواضع المتجردة من النبات وقد رواه أبو سليمان البستي من طريق أبي كريب فقال أحارب بالحاء والراء وليس بشيء قال وقال بعضهم إنما هي إخاذات سقطت منها الألف واحدتها إخاذة وهي التي تمسك الماء والرواية هي الأولى والقيعان جمع قاع وهذه أمثال ضربت فالأول لمن يقبل الهدى ويعلم غيره فينتفع وينفع والثاني لمن ينفع غيره بالعلم ولا ينتفع والثالث لمن لا ينفع ولا ينتفع ويحتمل أن يشار بالطائفة الأولى إلى العلماء بالحديث والفقه فإنهم حفظوا المنقول واستنبطوا فعم نفعهم ويشار بالطائفة الأخرى إلى من نقل الحديث ولم يفهم معانيه ولا تفقه فهو يحفظ الألفاظ وينقلها إلى من ينتفع بها ويشار بالقيعان إلى من لم يتعلق بشيء من العلم
378 455 - وفي الحديث الثاني والثلاثين على سرير مرمل
أي منسوج بالسعف وقد شرحنا هذا في مسند عمر
379 457 - وفي الحديث الرابع والثلاثين ولد لي غلام فأتيت به النبي {صلى الله عليه وسلم} فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة قال أبو عبيد يقال حنكت الصبي وحنكته بالتخفيف والتشديد فهو محنوك ومحنك إذا مضغت التمر ثم دلكته بحنكه قال الزجاج والحنك سقف الفم الأعلى وفي هذا الحديث تسمية المولود قبل السابع على خلاف حديث سمرة
380 458 - وفي الحديث الخامس والثلاثين وافقنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين افتتح خيبر فأسهم لنا وما أسهم لأحد غاب عن خيبر منها شيئا إلا لأصحاب سفينتنا قال أبو سليمان الخطابي يحتمل أن يكون أعطاهم عن رضى ممن شهد الوقعة أو من الخمس الذي هو حقه

(1/266)


381 460 - وفي الحديث السابع والثلاثين ومنهم حكيم إذا لقي الخيل قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم
أي تنتظروهم والمعنى لا تبرحوا والمقصود شجاعته
382 461 - وفي الحديث الثامن والثلاثين إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب ثم اقتسموه بينهم بالسوية فهم مني وأنا منهم أرملوا قلت أزوادهم فمدحهم بالإيثار والمواساة وأضافهم إليه لأنه غايه الكرم فقال هم مني يعني بأفعالهم وإن لم يكونوا من أقاربه قال الشاعر
وقلت أخي قالوا أخ ذو قرابة
فقلت لهم إن الشكول أقارب
نسيبي في رأيي وعزمي ومذهبي
وإن خالفتنا في الأمور المناسب
383 462 - وفي الحديث التاسع والثلاثين سمع النبي {صلى الله عليه وسلم} رجلا يثني على رجل ويطريه في المدح فقال أهلكتم - أو قطعتم - ظهر الرجل الإطراء الإفراط في المدح ولا يخلو من الكذب وأشار بقوله قطعتم ظهر الرجل إلى تأذيه في دينه فجعله كقطع ظهره واعلم أن المدح يشتمل على آفتين إحداهما تتعلق بالمادح وهي الكذب الذي لا يكاد يتخلص منه والثانية تتعلق بالممدوح وهي تحريكه إلى التكبر بفضائله والطبع كاف في جلب الكبر وغيره من الشر فيحتاج إلى مقاومة تضاده فإذا جاء المدح أعان الطبع فزاد الفساد
384 463 - وفي الحديث الأربعين جلس على بئر أريس وتوسط قفها أريس بئر معروفة بالمدينة والقف ما يبنى حول البئر ليجلس عليه الجالس والحائط البستان
385 468 - وفي الخامس والأربعين اربعوا على أنفسكم أي ارفقوا بها ومعنى لا حول لا حيلة يقال ما له حيلة وماله حول وماله احتيال وماله محتال وماله محالة

(1/267)


386 469 - وفي الحديث السادس والأربعين قدمت على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو منيخ بالبطحاء فقال لي بم أهللت قلت أهللت بإهلال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال هل سقت من هدي قلت لا قال فطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل كان النبي {صلى الله عليه وسلم} قد أهل بالحج وساق الهدي فما أمكنه أن يحل حتى يتم الحج فأمر من لم يسق الهدي من أصحابه أن يفسخ الحج إلى العمرة ويحل ثم يهل بعد ذلك بالحج وقوله أهللت بإهلال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يدل على جواز إرسال النية من غير تعيين النوع الذي يريده من أنواع الحج ثم لم تعيينه عند
إرادة الشروع في الأعمال ويحتمل أن يكون أبو موسى سأل عن حال النبي {صلى الله عليه وسلم} فأخبر أنه قارن فنوى القران فلما سأله قال أهللت بما أهللت به وفي هذا الحديث دليل على أن النبي {صلى الله عليه وسلم} لم يكن مفردا لأن الهدي إنما يجب على المتمتع والقارن
387 470 - وفي الحديث السابع والأربعين كان يوم عاشوراء يوما تعظمه اليهود قال شيخنا أبو منصور اللغوي عاشوراء ممدود ولم يجئ على فاعولاء في كلام العرب إلا عاشوراء والضارواء الضراء والساروراء السراء والدالولاء الدالة وخابوراء موضع وهي القوباء وكربلاء وسلاء النخل شوكه الواحدة سلاءة كل ذلك ممدود وقوله شارتهم الشارة ما يتجمل به من اللباس
388 471 - وفي الحديث الثامن والأربعين وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد
العرب تفضل الثريد لأنه أسهل في التناول ولأنه يأخذ جوهر المرق
389 472 - وفي الحديث التاسع والأربعين لا أحد أصبرعلى أذى سمعه من الله عز وجل الصبر الحبس والمعنى لا أحد يحبس العقوبة عن مخالفه مع القدرة عليه كالحق عز وجل فإنه يمهل المشرك والعاصي

(1/268)


390 473 - وفي الحديث الخمسين لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود وفي رواية لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا المراد بالمزمار طيب الصوت وذكر الآل صلة والمعنى من مزامير داود ويروى أنه كان إذا قرأ داود وقف الطير والتحبير التحسين والتزيين والمحبر الشيء المزين وكان يقال لطفيل المحبر لأنه كان يحبر الشعر وفي هذا جواز تحسين الصوت وتجويد التلاوة لأجل انتفاع السامعين ولا يقال إن زيادة التجويد في ذلك رياء لأجل الخلق إذا كان المقصود اجتذاب نفعهم فأما الألحان التي يصنعها قراء هذا الزمان فمكروهة عند العلماء لأنها مأخوذة من طرائق الغناء
391 475 - وفي الحديث الثاني من أفراد البخاري مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل على أجر معلوم فعملوا له إلى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل واستأجر آخرين فقال أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فاستأجر قوما فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجرة الفريقين فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور هذا مثل مضروب لعمل اليهود والنصارى فإن اليهود طال زمن عملهم وزاد على مدة النصارى ولأنه كان بين موسى وعيسى - في رواية أبي صالح ابن عباس - ألف سنة وستمائة سنة واثنتان وثلاثون سنة وفي قول ابن إسحق ألف سنة وتسعمائة وتسع عشرة سنة ولا يختلف الناس أنه كان بين عيسى ونبينا صلى الله عليهما ستمائة سنة فلهذا جعل عمل اليهود من أول النهار إلى وقت الظهر وجعل عمل النصارى من الظهر إلى العصر ثم قد اتفق أيضا تقديم اليهود على النصارى في الزمان مع طول عمل أولئك وقصر عمل هؤلاء فأما عمل المسلمين فإنه جعل ما بين العصر إلى المغرب وذاك أقل الكل في مدة الزمان فربما قال قائل فهذه الأمة قد قاربت ستمائة سنة من بعثة

(1/269)


رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فكيف يكون زمانها أقل فالجواب أن عملها أسهل وأعمار المكلفين أقصر والساعة إليهم أقرب فجاز لذلك أي يقلل زمان عملهم والنور الإسلام والقرآن
392 477 _ وفي الحديث الرابع وفكوا العاني يعني الأسير وفكاكه السعي في إطلاقه
393 478 - وفي الحديث الأول من أفراد مسلم إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف هذا مثل والمراد به أن دخول الجنة يكون بالجهاد والظلال جمع ظل فإذا دنا الشخص من الشخص صار تحت ظل سيفه وقوله فقام رجل فكسر جفن سيفه - يعني الغمد وإنما كسر الغمد على عزم ألا يغمد السيف وهذا الرجل كان صاحب همة عالية فلما صحت عنده الفضيلة جد نحوها
394 480 - وفي الحديث الثالث كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء في هذا دليل على استحباب النظر إلى السماء لمكان الاعتبار بها
وقد قال عز وجل ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض ) يونس 101 ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ) ق 6 وفي هذا رد على جهلة المتعبدين الذين وصفوا بأن أحدهم بقي سنين لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله عز وجل ولولا جهل هؤلاء لعلموا أن إطراقهم إلى الأرض في باب الحياء كرفع الأبصار إلى السماء ولكن الجهل يتلاعب بالعباد والزهاد فلا يخلص منه إلا علماؤهم وقوله أنا أمنة لأصحابي الأمنة الأمن وقوله أتى السماء ما توعد إشارة إلى تشققها وذهابها وقوله أتى أصحابي ما يوعدون إشارة إلى وقوع الفتن وكذلك عند ذهاب أصحابه والإشارة إلى مجيء الشر عند ذهاب أهل الخير فإنه لما كان عليه السلام بين أظهرهم كان يبين ما يختلفون فيه ويدعو إلى الصواب فلما عدم جالت الاراء واختلفت إلا أن كل صحابي يسند القول إلى الرسول في قول أو فعل أو دلالة حال فلما فقدت الصحابة قل النور وقويت الظلم

(1/270)


395 281 - وفي الحديث الرابع يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى فإن قيل كيف يكون هذا وقد قال الله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) فاطر 18 417 فالجواب من وجهين
احدهما أن يكون المعنى يعذب بمثلها اليهود والنصارى من أفعال اليهود والنصارى فكأنه سامح المسلمين في شيء لم يسامح به غيرهم والثاني أن يضاعف عقاب اليهود والنصارى فيكون بقدر جرمهم وجرم غيرهم وله أن يضاعف ويخفف
396 482 - وفي الحديث الخامس المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء المعى مقصورة وجمعها أمعاء ممدودة قال الفراء جاء في الحديث معى واحدة وواحد أعجب إلي وأكثر كلام العرب تذكره وربما أنثوه كأنه واحد دل على جمع قال القطامي
كأن نسوع رحلي حين ضمت
حوالب غزرا ومعى جياعا
ولهذا الحديث معنيان أحدهما أن المؤمن يسمي الله عز وجل إذا أكل فيحصل له شيئان البركة في الطعام ودفع الشيطان عنه فيكون المتناول منه قليلا فكأن المؤمن قد أكل في معى واحد والكافر لا يبارك له لعدم التسمية ويتناول الشيطان معه فيذهب من الطعام كثير فكأنه قد أكل في سبعة أمعاء والثاني أن المؤمن لاستشعاره الخوف ونظره في حل المطعم وحذره من حساب الكسب يقل أكله والكافر لا يهتم بشيء من

(1/271)


ذلك فيكثر أكله ولهذا المعنى ترى من قوي خوفه وحزنه نحيلا بخلاف أهل الغفلات وقال أبو حامد الطوسي معنى هذا الحديث أن الكافر يأكل سبعة أضعاف ما يأكله المؤمن أو تكون شهوته سبعة أضعاف شهوته فيكون المعى كناية عن الشهوة لأن الشهوة هي التي تقبل الطعام وتأخذه كما تأخذه المعى وليس المراد به زيادة عدد معى الكافر على معى المؤمن وقد ذهب أبو عبيد إلى أن هذا الحديث خاص في رجل بعينه كان يكثر الأكل قبل إسلامه ثم أسلم فنقص ذلك فذكر ذلك للنبي {صلى الله عليه وسلم} فقال فيه هذا وأهل مصر يروون أنه أبو بصرة الغفاري قال ولا نعلم للحديث وجها غير هذا لأنك تجد من المسلمين من يكثر أكله ومن الكفار من يقل أكله وقد روى عطاء بن يسار عن جهجاه الغفاري أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام فحضروا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المغرب فلما سلم قال ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه قال فلم يبق في المسجد غير رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وغيري فذهب بي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى منزله فحلب لي عنزا فأتيت عليها حتى حلب لي سبعة أعنز فأتيت عليها فلما أسلمت دعاني إلى منزله فحلب لي عنزا فرويت وشبعت فقالت أم أيمن يا رسول الله أليس هذا ضيفنا قال بلى ولكنه أكل في معى مؤمن الليلة وأكل قبل ذلك في معى كافر والكافر يأكل في سبعة أمعاء قلت وإن كان
هذا الحديث ورد على سبب فلفظه عام ثم إذا حمل على كافر بعينه في أنه يأكل في سبعة أمعاء فكيف يصنع بالمؤمن الكثير الأكل وإنما الكلام واقع على الأغلب والسبب ما ذكرته لك ولا اعتبار بالنادر
397 483 - وفي الحديث السادس فجعله لها فرطا الفرط والفارط الذي يتقدم إلى الماء لإصلاح ما يرد عليه أصحابه

(1/272)


398 484 - وفي الحديث السابع إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه وإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه قال أبو عبيد التشميت الدعاء كقولك يرحمك الله وكل داع بخير فهو مشمت ومسمت بالشين والسين والشين أكثر وقال أبو علي الفارسي اشتقاق التشميت بالشين المعجمة كأنه الدعاء بالتثبيت على طاعة الله مأخوذ من الشوامت وهي القوائم واشتقاق التسميت بالسين المهملة من السمت وهو الهدي كأنه رده إلى سمته وهديه وحكى أبو عمر بن عبد البر قال قال ثعلب معنى التشميت أبعد الله عنك الشماته وجنبك ما يشمت به عليك ومعنى التسميت جعلك الله على سمت حسن
399 485 - وفي الحديث الثامن أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له فذهب ثم استدعاه عمر فقال ما ردك قال سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول الاستئذان ثلاث فقال عمر لتأتيني
ببينة وإلا فعلت وفعلت فجاء أبي بن كعب فشهد اعلم أن عمر لم يشك في خبر أبي موسى وإنما خاف أن يتهجم غيره ممن يشك فيه على الرواية فأدب الغير بطلب البينة من أبي موسى ليحذر من لا يصلح للرواية كما قيل للنبي {صلى الله عليه وسلم} ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) الزمر 65 ( فإن كنت في شك ) يونس 94 وكما قال عليه السلام لو سرقت فاطمة لقطعتها
400 486 - وفي الحديث التاسع في شأن ساعة الجمعة سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة أما ساعة الجمعة فسيأتي في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم يسأل ربه شيئا إلا أتاه وهذا الحديث قد بين وقت تلك الساعة وقد روى جابر عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال التموسها آخر الساعات بعد العصر ومن حديث أنس عن النبي {صلى الله عليه وسلم} التمسوها فيما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس وفي حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي {صلى الله عليه وسلم} سئل عنها فقال ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن تقضى الصلاة وهذا كثير هو ابن عبد الله بن عمرو بن عوف بن

(1/273)


زيد بن ملحة المزني ويكنى عمرو أبا عبد الله وله صحبة وفي حديث فاطمة بنت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنها سألت النبي {صلى الله عليه وسلم} عنها فقال إذا تدلى نصف عين الشمس للغروب قال أبو بكر الأثرم لا تخلو هذه الأحاديث من وجهين إما أن بعضها أصح من بعض وإما أن تكون هذه الساعة تنتقل في الأوقات كانتقال ليلة القدر في ليالي العشر
401 487 - وفي الحديث العاشر كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يسمي لنا نفسه أسماء فقال أنا محمد وأحمد والمقفي ونبي التوبة ونبي المرحمة وفي رواية الملحمة اعلم أن لنبينا ثلاثة وعشرين اسما محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب والمقفي ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة والشاهد والمبشر والنذير والضحوك والقتال والمتوكل والفاتح والأمين والمصطفى والرسول والنبي والأمي والقثم فقد جعلوا هذه كلها أسماء ومعلوم أن بعضها صفات ومعنى الماحي الذي يمحى به الكفر والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه أي يقدمهم وهم خلفه والعاقب آخر الأنبياء والمقفي في معناه لأنه تبع الأنبياء وكل من تبع شيئا فقد قفاه والمرحمة بمعنى الرحمة والملاحم الحروب والضحوك صفته في التوراة قال ابن فارس وإنما قيل له الضحوك لأنه كان طيب
النفس فكها وقال إني لأمزح والقثم من معنيين أحدهما من القثم وهو الإعطاء يقال قثم له من العطاء يقثم إذا أعطاه وكان عليه السلام أجود من الريح الهابة والثاني من القثم وهو الجمع يقال للرجل الجموع للخير قثوم وقثم

(1/274)


402 488 - وفي الحديث الحادي عشر إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام أي أن النوم يستحيل عليه والقسط العدل يقال أقسط يقسط فهو مقسط إذا عدل وقسط يقسط فهو قاسط إذا جار ويحتمل الكلام معنيين أحدهما أن يشبه القسط بميزان والذي يزن يخفض ويرفع والثاني أن يكون المعنى يخفض بالعدل ويرفع بالعدل وأما الحجاب فينبغي أن يعلم أنه حجاب المخلوق عنه لأنه لا يجوز أن يكون محجوبا لأن الحجاب يكون أكبر مما يستره ويستحيل عليه سبحانه أن يكون جسما أو جوهرا أو متناهيا محاذيا إذ جميع
ذلك من علامات الحدث وقوله لأحرقت سبحات وجهه قال أبو عبيد ويقال في السبحة إنها جلال وجهه ونوره ومنه قيل سبحان الله إنما هو تعظيم له وتنزيه قال ولم نسمع هذا الحرف إلا في هذا الحديث
403 489 - وفي الحديث الثاني عشر إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها لما كانت التوبة كالمبايعة والمعاهدة حصل ضرب مثل هذا المثل لها فأما طلوع الشمس من مغربها فعلامة على امتناع قبول التوبة
404 492 - وفي الحديث الخامس عشر قال حطان صليت خلف أبي موسى فلما كان عند القعدة قال رجل من القوم أقرت الصلاة بالبر والزكاة فلما سلم أبو موسى قال أيكم القائل فأرم القوم فقال لعلك قلتها يا حطان قلت ما قلتها ولقد رهبت أن تبكعني بها قوله عند القعدة يعني حالة القعود وقوله أقرت الصلاة بالبر هذا الرجل تكلم بكلام من عنده في الصلاة فلذلك أنكر أبو موسى وأرم القوم سكتوا مطرقين قال الشاعر
يردن والليل مرم طائره

(1/275)


ورهبت خفت ويقال بكعت الرجل أبكعه بكعا إذا استقبلته بما يكره والمغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى وأما قوله آمين ففي معناها ثلاثة أقوال أحدها أنها بمعنى كذلك يكون حكاه ابن الأنباري عن ابن عباس والثاني أن معناها اللهم استجب قاله الحسن واختاره الزجاج والثالث أنه اسم من أسماء الله عز وجل قاله مجاهد وقال هشام بن الكلبي معناها يا الله ويضمر الداعي استجب وقال ابن قتيبة المعنى يا أمين أجب دعاءنا فسقطت يا كما سقطت في قوله تعالى ( يوسف أعرض عن هذا ) يوسف 29 ومن طول الألف فقال آمين أدخل ألف النداء على ألف أمين كما يقال آزيد أقبل ومعناه يا زيد وقال ابن الأنباري هذا القول خطأ عند جميع النحويين لأنه إذا دخل يا على أمين كان منادى مفردا فحكم آخره الرفع فلما أجمعت العرب على فتح نونه دل على أنه غير منادى وإنما فتحت نونه لسكونها وسكون الياء التي قبلها كما تقول ليت ولعل
وفي أمين لغتان القصر والمد والنون فيهما مفتوحة قال وأنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي
سقى الله حيا بين صارة والحمى
حمى فيد صوب المدجنات المواطر
أمين وأدى الله ركبا إليهم
بخير ووقاهم حمام المقادر
وأنشدنا أبو العباس
تباعد مني فطحل إذ سألته
أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وأنشدنا أبو العباس
يا رب لا تسلبني حبها أبدا
ويرحم الله عبدا قال آمينا
وأنشدني أبي
أمين ومن أعطاك مني هوادة
رمى الله في أطرافه فاقفعلت
وأنشدني أبي
فقلت له قد هجت لي بارح الهوى
أصاب حمام الموت أهوننا وجدا
أمين وأضناه الهوى فوق ما به
أمين ولاقى من تباريحه جهدا

(1/276)


وقوله فتلك بتلك فيه وجهان أحدهما فتلك الدعوة متعلقة بتلك الكلمة أي أن استجابة الدعاء المذكور في الفاتحة معلق بآمين وقول سمع الله لمن حمده معلق بقوله ربنا ولك الحمد والثاني أن الإشارة إلى الصلاة والمعنى أن صلاتكم معلقة بصلاة الإمام فاتبعوه ولا تخالفوه وقوله سمع الله لمن حمده أي أجاب الله من حمده وأنشد ابن الأعرابي
دعوت الله حتى خفت ألا
يكون الله يسمع ما أقول
وقوله يسمع الله لكم أي يستجيب وقد سبق تفسير ما أخللنا به من الحديث
كشف المشكل من مسند جرير بن عبد الله البجلي
روى عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مائة حديث أخرج له منها في الصحيحين خمسة عشر حديثا
405 495 - فمن المشكل في الحديث الثالث كنا جلوسا ليلة مع النبي {صلى الله عليه وسلم} فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته هذا تشبيه بإيضاح الرؤية لابالمرئي وقوله لا تضامون قد رويت على ستة أوجه الرواية الأولى تضامون بضم التاء والتخفيف الميم وعليها أكثر الرواة والمعنى لا ينالكم ضيم والضيم الظلم ورجل مضيم مظلوم وهذا الضيم يلحق الرائي من وجهين أحدهما من مزاحمة الناظرين له والثاني من تأخره عن مقام الناظر المحقق

(1/277)


فكأن المتقدمين ضاموه ورؤية الحق عز وجل يستوي فيها الكل ولا ضيم وقال ابن الأنباري الضيم الذل والصغار فكأنه يذل من سبق بالرؤية أو حرم تحقيقها والأصل يضيمون فألقيت فتحة الياء على الضاد فصارت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها والرواية الثانية تضامون بضم التاء وتشديد الميم والثالثة بفتح التاء مع تشديد الميم حكاهما الزجاج وقال المعنى فيهما لا تتضامون أي لا ينضم بعضكم إلى بعض فيقول هذا لهذا أرأيته كما تفعلون عند النظر إلى الهلال والرواية الرابعة لا تضارون بضم التاء والخامسة تضارون بفتح التاء والراء مكان الميم في الروايتين مشددة ذكرهما الزجاج وقال المعنى لا تتضارون أي لا يضار بعضكم بعضا بالمخالفة في ذلك يقال ضاررت الرجل أضاره مضارة وضرارا إذا خالفته وقال أبو بكر بن الأنباري هو يتفاعلون من الضرار أي لا يتنازعون ويختلفون قال الشاعر
فيلتئم الصدع صدع الإخاء
ويترك أهل الضرار الضرارا
والرواية السادسة تضارون بضم التاء وتخفيف الراء وقال ابن القاسم تضارون تفعلون من الضير والضير والضر واحد أي لا يقع لكم في رؤيته ضر إما بالمخالفة والمنازعة أو لخفاء المرئي وقوله سترون ربكم عيانا ذكر العيان تأكيد للرؤية وتحقيق لها وقوله فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس يعني الفجر وقبل غروبها يعني العصر ووجه المناسبة بين ذكر الرؤية والصلاتين أنهما من أفضل القرب فإنه قال عز وجل في صلاة
الفجر ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) الإسراء 78 وقال في صلاة العصر ( والصلاة الوسطى ) البقرة 238 فكأنه يقول دوموا على أفضل القرب لتنالوا أفضل العطايا
406 498 - وفي الحديث السادس رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بال ثم توضأ ومسح على خفيه قال إبراهيم - يعني النخعي كان أصحاب عبد الله يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة وفائدة هذا أنه قد خص عموم القرآن بالحديث

(1/278)


407 499 - وفي الحديث السابع استنصت لي الناس ثم قال لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض استنصت أي مرهم بالإنصات وقد بينا فيما تقدم أنه من قاتل مسلما بلا تأويل فإنما قاتله لإسلامه فيكفر بذلك
408 500 - وفي الحديث الثامن في إحراق بيت كان للجاهلية يقال له الكعبة اليمانية قال جرير ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب وشبه ما بها من آثار الإحراق والنقص بما بالجمل الأجرب
409 502 - وفي الحديث الأول من أفراد مسلم رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يلوي ناصية فرس بإصبعيه ويقول الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة النواصي جمع ناصية والناصية مقدم شعر الرأس من الآدمي وهو من الدابة شعر القفا وهذا مما ذكر منه البعض والمراد الكل وقد يقال عن العبد ناصية مباركة وقوله الأجر والغنيمة جامع لفوائد الدنيا والآخرة
410 503 - وفي الحديث الثاني سألت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري نظرة الفجأة هي وقوع البصر على ما لم يقصد بالنظر وتلك حالة قد جمعت وصفين أحدهما أنها لم تقصد فلا إثم والثاني أن الطبع ليس بحاضر لأنه متى وقع البصر على شخص فصرف في الحال كان كأن الإنسان لم ير فأما إذا استدام أو كرر حضر الطبع فوقع الفساد
411 504 - وفي الحديث الثالث إذا أتاكم المصدق فليصدر عنكم وهو راض المصدق هاهنا هو الساعي لجمع الزكاة ومصدقو رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كانوا من خيار مصدقيه فلا غش فيهم ولا كدر فكأنه عرض للمعطين بأنكم أنتم المقصرون في أداء الحق حين قال وقد شكوا
مصدقيه أرضوا مصدقيكم

(1/279)


412 505 - وفي الحديث الرابع أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة ذمة الإسلام أوجبت على السيد مراعاة العبد وألا يحبسه ولا يعاقبه فإذا أبق جاز له أخذه وحبسه وعقوبته وقوله لم تقبل له صلاة محمول على إذا ما استحل الإباق وبذلك يكفر فقد يمتنع قبول الصلاة بالمعصية فإنه قد قال عليه السلام من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما ويجوز أن يراد بالكفر كفر النعمة والله أعلم
413 506 - وفي الحديث الخامس جاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء فتمعر وجه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} النمار جمع نمرة وهي كساء من صوف ملون مخطط واجتابوها قطعوها فلبسوها وأصل الجوب القطع ومنه ( جابوا الصخر بالواد ) الفجر 9 والعباء جمع واحده عباءة وعباية وهي ضرب من الأكسية تمعر تغير مما شق عليه من أمرهم والفاقة الفقر
وأصل الكوم ما ارتفع وأشرف وقوله كأنه مذهبة كان شيخنا أبو الفضل بن ناصر يقول بالذال المعجمة والباء يشير إلى لون الذهب وإشراقه كأن المعنى كأنه مرآة مذهبة أي مطلية بالذهب وقال أبو عبد الله الحميدي كأنه مدهنة بالدال غير المعجمة والنون قال والمدهن نقرة في الجبل يستنقع فيها ماء المطر والمدهن أيضا ما جعل فيه الدهن والمدهنة من ذلك شبه صفاء وجهه بإشراق السرور بصفاء هذا الماء المستنقع في الحجر أو بصفاء الدهن وقوله من سن في الإسلام سنة حسنة أي فعل فعلا جميلا فاقتدي به وكذلك إذا فعل فعلا قبيحا فاقتدي به فليجتهد الإنسان في فعل خير يلحقه ثوابه بعد موته وليحذر من فعل شر يدركه إثمه بعد تلفه
414 507 - وفي الحديث السادس من يحرم الرفق يحرم الخير وهذا لأن عموم الأشياء لا تتم إلا بالرفق فإذا حرمه الإنسان لم يكد غرضه يتم
كشف المشكل من مسند أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي
وجملة ما روى عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خمسة وأربعون حديثا أخرج له منها في الصحيحين ستة أحاديث

(1/280)


415 508 - فمن المشكل في الحديث الأول رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فرأيت بياضا تحت شفته السفلى - العنفقة العنفقة الشعر الذي تحت الشفة السفلى وقد كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} شاب يسيرا وقد ذكرنا شيبه وما روى من خضابه في كتاب الشيب وقوله أبري النبل النبل السهام وبريها إصلاحها وأريشها أجعل لها الريش
416 509 - وفي الحديث الثاني أتيت النبي {صلى الله عليه وسلم} بمكة وهو بالأبطح فخرج بلال بوضوئه فمن ناضح ونائل الأبطح والبطحاء والبطيحة كل مكان متسع من الأرض
والوضوء بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به والناضح الذي يأخذ منه شيئا يسيرا والنائل ينال أكثر من ذلك والبلل نداوة اليد وأتتبع فاه أميل معه يمينا وشمالا وحي على الصلاة معناه هلموا وأقبلوا والفلاح الفوز ويقال البقاء والعنزة الحربة وركزها أثبتها في الأرض
417 510 - وفي الحديث الثالث أمر لنا بثلاثة عشر قلوصا القلوص الناقة الطويلة القوائم وقيل القوية على السير من النوق وقوله كان قد شمط الشمط اختلاط الشيب بسواد الشعر ومنه سمي الصباح شميطا لاختلاطه بباقي ظلمة الليل
418 511 - وفي الحديث الأول من أفراد البخاري زار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة أي في ثياب البذلة وهي خلاف ثياب التجمل والتزين وكان أبو الدرداء من الزهاد وكذلك كان سلمان لكنه كان أفقه من أبي الدرداء ولذلك جاء في حديث آخر أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال له يا عويمر

(1/281)


سلمان أفقه منك وقد مضى خلق كثير من الزهاد وقلت علومهم فحملوا على النفوس فوق الطاقة من التعبد وهجر ما يصلح النفس ويقيمها ظنا منهم بأن المراد من العبد ذلك وما أخوفني عليهم من العقوبة بما طلبوا به المثوبة فكم فيهم من سالك طريق الرهبنة وعنده أنه على الشرع وكم فيهم من تزوج وترك الزوجة لا أيما ولا ذات بعل وكم فيهم من تبتل بترك النكاح أصلا وهذه رهبنة وكم فيهم من منع نفسه ما يصلحها حتى خرج الأمر به إلى الأمراض الشديدة وإنما البدن كالناقة والنفس كالراكب ومتى لم يرفق الراكب بالناقة لم تبلغه فعليك بما كان عليه الرسول {صلى الله عليه وسلم} ولا تقتد بمعظم في النفوس مذكور بالزهد إذا كان على خلاف السنة
419 512 - وفي الحديث الثاني نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي أما ثمن الدم فالمراد به أجر الحجام وهذا على وجه الكراهة وإنما كره لوجهين أحدهما أنه لا يعرف قدر ما يخرج من الدم فيتهيأ قطع أجرة لذلك والثاني أن هذا مما يعين فيه المسلمون بعضهم بعضا كغسل الميت ودفنه فلا ينبغي للمسلم إذا احتاج إليه أخوه المسلم في هذا أن يأخذ عنه أجرة وأما الكلب فعندنا لا يجوز بيعه وإن كان معلما وقال أبو حنيفة

(1/282)


يجوز وعن المالكية كالمذهبين والحديث دليلنا وقد روى النهي عن ثمن الكلب أبو جحيفة وأبو مسعود البدري وجابر بن عبد الله وكل أحاديثهم في الصحيح وقد ثبت أن ظاهر النهي التحريم إلا أن تظهر قرينة أنه نهي تنزيه كأجرة الحجام فإنه لما أعطى الحجام أجرة علمنا أنه نهي كراهة قال أبو سليمان الخطابي نهيه {صلى الله عليه وسلم} عن ثمن الكلب يدل على فساد العقد لأن العقد إذا صح كان دفع الثمن مأمورا به فدل نهيه على سقوط وجوبه وإذا بطل الثمن بطل البيع لأن البيع إنما هو عقد على شيء معلوم وإذا بطل الثمن بطل المثمن كقوله عليه السلام فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها فجعل حكم الثمن والمثمن سواء وأما البغي فهي الزانية فكانوا يضربون على الإماء الخراج فيؤدين أجرة أعمال يعملنها كالخبز وغيره ويتعبن من خلال ذلك فيصير كسبهن شبهة فأما إذا لم يعلم لها كسبا إلا البغي فهو حرام بحت وفي هذا الحديث لعن الواشمة والمستوشمة وقد سبق في مسند ابن مسعود
420 513 - وفي الحديث الثالث لا آكل وأنا متكئ
المشهور في معنى هذا الحديث أنه الاتكاء على أحد الجانبين وفي ذلك شيئان أحدهما أنه فعل المتجبرين والمتكبرين والثاني أنه يمنع من نزول الطعام كما ينبغي إلى المعى وربما لم يسلم من ضغط يناله الأكل من مجاري طعامه وكان أبو سليمان الخطابي يذهب إلى مذهب فيه بعد فيقول المتكئ هاهنا هو المعتمد على الوكاء الذي تحته وكل من استوى قاعدا على وطاء فهو متكئ والاتكاء مأخوذ من الوكاء فالمتكئ هو الذي أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوكاء الذي تحته فالمعنى أني إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطئة والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة ولكني آكل علقة فيكون قعودي مستوفزا ويروى أنه كان يأكل مقعيا ويقول أنا عبد آكل مما يأكل العبد
كشف المشكل من حديث عدي بن حاتم الطائي
وجملة ما روى عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ستة وستون حديثا أخرج له منها في الصحيحين خمسة

(1/283)


421 514 - فمن المشكل في الحديث الأول إذا رميت بالمعراض فخرق فكله وإن أصابه بعرض فلا تأكله المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة فإذا أصاب بحده قطع فذكى وإذا أصاب بعرضه وقذ فكانت ميتة والخرق الطعن والخارق من السهام ما أصاب الغرض وأثر فيه واعلم أنه يشترط في إباحة الصيد ثلاثة أشياء أهلية الصائد وصلاحية الآلة وكيفية الاصطياد فأما الأهلية فأن يكون الصائد من أهل الذكاة كالمسلم والكتابي فأما الآلة فنوعان جوارح وغير جوارح فالجوارح نوعان حيوان ومحدد فالحيوان نوعان أحدهما يصيد بنابه كالكلب والفهد والنمر والثاني بمخلابه كالبازي والصقر والعقاب والشاهين وإنما يباح صيدهن بعد التعليم ويعلم التعليم بأن
يرسله فيسترسل ويدعوه فيرجع ويشترط في تعليم ذي الناب ألا يأكل ما أمسكه ولو مرة وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد حد تعليم سباع البهائم أن تصيد ولا تأكل ثلاث مرات وأما ذوو المخلاب فلا يشترط في تعليمهن ترك الأكل لأنهن يعلمن بالأكل وذوو الناب يعلمن بترك الأكل فإن أكل ذو الناب من صيده بعد تعلمه لم يحرم ما يقدم من صيوده خلافا لأبي حنيفة وهل يحرم ما أكل منه فيه عن أحمد روايتان وللشافعي قولان فإذا أدرك الصيد وفيه حياة فمات قبل أن يذكيه فإن كان ذلك قبل القدرة على تذكيته أبيح وإن أمكنه فلم يذكه لم يبح وهذا قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يباح في الموضعين فأما الكلب الأسود فعندنا أنه لا يباح صيده وإن كان معلما لأن النبي {صلى الله عليه وسلم} أمر بقتله والأمر بالقتل يمنع ثبوت الند ويبطل حكم الفعل فيصير وجوده كالعدم وأما الجارح من المحدد فكل ما رمي به الصيد فجرحه وأنهر دمه إلا السن والظفر فإنه لا يباح الصيد بهما فإن رمى الصيد بمحدد فقتله بثقله ولم يجرحه لم يحل وهذا المشار إليه في هذا الحديث بقوله وإن أصابه بعرض فلا تأكله لأنه إذا أصابه بعرضه فإنما أصابته خشبة السهم لا حديدها الذي يسيل الدم فإن نصب منجلا أو سكينا فجرح

(1/284)


الصيد فقتله حل وقال الشافعي لا يحل وأما غير الجوارح كالشبكة والفخ فإنه إذا حصل فيها الصيد لم يبح أكله حتى يدرك وبه حياة مستقرة فيذكى وأما كيفية الاصطياد فيشترط فيها ثلاثة أشياء أحدهما التسمية فإن أتى بغيرها من الأذكار لم يجز وأما إن ترك التسمية فعن أحمد أربع روايات إحداهن لا يحل الأكل سواء نسي أو تعمد وهذا قول الشعبي وأبي ثور وداود والرواية الثانية إن تركها عامدا لم يحل وإن نسي حل وهذا قول أبي حنيفة والثوري ومالك والثالثة إن نسيها على السهم حل الأكل فأما على الكلب والفهد فلا والرابعة يحل الأكل سواء تركها عامدا أو سهوا وهو مذهب الشافعي وقوله فإن خالطها كلاب وهذا لأنه لا يدري أكلبه الذي سمى عليه عقر هذا الصيد أم غيره والأصل الحظر وقوله فإن أخذ الكلب ذكاة أي قائم مقام الذكاة وقوله فإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك اعلم أنه إذا كانت الجراحة غير موجبة ثم وجد في الماء فإنه لا يحل أكله قولا واحدا فإن كانت موجبة قد وقعت في مقتل فهل يحل أم لا على روايتين عن أحمد فإن قلنا برواية المنع فهي على وفق الحديث وإن قلنا بالجواز كان المنع من الحديث
محمولا على أحد شيئين إما على ما إذا لم تكن الجراحة في مقتل وإما على الورع وإن كانت في مقتل وقد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث يرمي الصيد فيقتفر أثره اليومين والثلاثة أي يتبع
422 515 - وفي الحديث الثاني ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان الترجمان المعبر عن الإنسان قوله فينظر أيمن منه وأشأم منه يعني عن يمينه وعن شماله وتلقاء وجهه بين يديه وهو ما يلاقي وجهه والشق هاهنا نصف الشيء وقد يقع على المشقة كقوله تعالى ( إلا بشق الأنفس ) النحل 7
وأشاح بمعنى أعرض وقال أبو عبيد أشاح بمعنى حذر من الشيء وعدل عنه وأنشد
إذا سمعن الرز من رباح
شايحن منه أيما شياح
وأشاح إذا جد في قتال أو غيره قال عبيد
قطعته غدوة مشيحا

(1/285)


وصاحبي بازل خبوب
ومعنى الحديث حذر كأنه ينظر إلى النار حين ذكرها فأعرض لذلك ويجوز أن يكون أراد الجد في كلامه والأول أشبه بالمعنى والظعينة قد فسرناها في مسند علي عليه السلام وقوله فأين دعار طيء الدعار جمع داعر وهم قطاع الطريق وأصل الكلمة من الفساد لأن الدعارة والدعر الفساد قال شيخنا أبو منصور اللغوي والعامة تقول هم الذعار بالذال المعجمة وإنما هو بالدال وهو مأخوذ من العود الدعر وهو الذي يؤذي بكثرة دخانه قال ابن مقبل
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها
جزل الجذا غير خوار ولا دعر
فإن ذهب بهم إلى معنى الفزع جاز أن يقال بالذال وقوله الذين سعروا البلاد أي ملئوها شرا وفسادا وهو مستعار من استعار النار وهو توقدها والتهابها وقوله لتفتحن كنوز كسرى الكنوز جمع كنز قال الزجاج هو في اللغة المال المدفون المدخر وأما كسرى فقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي هو اسم أعجمي وهو بالفارسية خسرو وقد تكلمت به العرب قال عدي
أين كسرى كسرى الملوك أبو ساسان
أم أين قبله سابور
وقال عمرو بن حسان
وكسرى إذ تقسمه بنوه
بأسياف كما اقتسم اللحام
وكسرى بكسر الكاف أفصح من كسرى بفتحها والنسب إليه كسروي بفتح الكاف ويجمع كسورا وأكاسر وأكاسرة وهرمز اسم أعجمي وأما كثرة المال في آخر الزمان فلكثرة الفتوح وانتشار الإسلام

(1/286)


423 516 - وفي الحديث الثالث لما نزلت ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) البقرة 187 عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض العقال هاهنا الحبل الذي يعقل به البعير وقد جاء هذا الحديث في رواية أخرى وفيه إن وسادك إذن لعريض وظاهر هذا اللفظ عرض الوساد لما تحته وفي لفظ إنك لعريض القفا لأن عرض الوساد على قدر عرض القفا وفي هذا كناية عن البلادة فإن المستثقل في النوم عندهم بليد والمتيقظ خفيف النوم ومقصود الحديث أنك ما فهمت وقال الخطابي إنما أراد بهذا القول إن نومك إذن لطويل فكنى بالوساد عن النوم لأن النائم يتوسد والعرض في مثل هذا
يراد به السعة والكثرة وقال الخطابي وقد يتأول هذا على أن من يأكل حتى يسفر يدوم له عرض قفاه ولحم بدنه فلا ينهكه الصوم وقد قيل إنما أشكل على عدي لأنه لم يكن نزل ( من الفجر ) قال سهل بن سعد نزلت هذه الآية ولم ينزل ( من الفجر ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض ولا يزال يأكل حتى يتبين له رئيهما فنزل قوله تعالى ( من الفجر ) فعلموا إنما يعني بذلك الليل والنهار
424 517 - وفي الحديث الأول من أفراد مسلم ليس عندي إلا درعي ومغفري قال أبو الحسين بن فارس درع الحديد مؤنثة ودرع المرأة قميصها مذكر وأما المغفر فجنة للرأس في الحرب من حديد أيضا وسمي مغفرا لأنه يستر الرأس وقوله في اليمين فليكفرها وليأت الذي هو خير ظاهره يدل
على جواز التكفير قبل الحنث وسواء كفر بالمال أو بالصيام وهذا مذهب أحمد ومالك وقال الشافعي لا يجوز تقديمها بالصيام ويجوز بغيره وقال أبو حنيفة لا يجوز أصلا وإن قدمها لم يجزه ومن حجة أبي حنيفة أن الواو للجمع لا للترتيب وأن الكفارة إذا وجبت لأجل الحنث

(1/287)


425 518 - وفي الحديث الثاني أن رجلا خطب فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} قل ومن يعص الله ورسوله إنما أنكر عليه لأن جمع الاثنين بلفظ واحد يدل على التساوي فأراد منه الفرق لتعظيم العظيم والغواية الضلال
كشف المشكل من مسند جابر بن سمرة
وجملة ما روى عن رسول الله مائة حديث وستة وأربعون حديثا أخرج له منها في الصحيحين خمسة وعشرون
426 519 - فمن المشكل في الحديث الأول إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وأما كسرى فقد ذكرناه في المسند الذي قبل هذا وأما قيصر فقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال قيصر اسم أعجمي وهو اسم لملك الروم كما أن تبعا للعرب وكسرى للفرس والنجاشي للحبشة وقد تكلمت به العرب قديما قال امرؤ القيس
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
وقال جرير
إذا افتخروا عدوا الصبهبذ منهم
وكسرى وآل الهرمزان وقيصرا
وهذا الحديث يشكل على من سمع أن كسرى لما قتل ملك ولده ثم ملك بعده جماعة وكذلك قيصر والذي يزيل الإشكال أن كسرى وقيصر كانا في ملك ثابت فلما زالا تزلزل ملكهما وما زال إلى انمحاق وانقراض وما خلفهما مثلهما وهذا كما يقال للمريض هذا ميت والمعنى أنه قريب من الموت وأن أحواله تحمله إليه فإن قال قائل قدروا صحة هذا في كسرى فكيف بقيصر ومملكة الروم إلى اليوم باقية فقد أجاب عن هذا أبو الوفاء بن عقيل فقال كانت العرب بين هذين الملكين كالكرة يلعبان بهم ويحملون إليهما الهدايا فلما جاء الإسلام صارت كلمة العرب العليا فلا كسرى ولا قيصر من حيث المعنى إنما هو اسم فارغ من المعنى

(1/288)


427 520 - وفي الحديث الثاني يكون بعدي اثنا عشر أميرا كلهم من قريش وفي رواية لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا كلهم من قريش وفي رواية لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش وفي رواية لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش هذا الحديث قد أطلت البحث عنه وطلبته مظانه وسألت عنه
فما رأيت أحدا وقع على المقصود به وألفاظه مختلفة لا أشك أن التخليط فيها من الرواة وبقيت مدة لا يقع لي فيه شيء ثم وقع لي فيه شيء فسطرته ثم رأيت أبا سليمان الخطابي قد أشار إلى ما وقع لي ثم وقع إلي كلام لأبي الحسين بن المنادي على هذا الحديث على وجه آخر ثم وقع لي حديث يدل على وجه ثالث وهاهنا أذكر الوجوه الثلاثة أما الوجه الأول الذي وقع لي ثم رأيت من كلام الخطابي ما يوافقه فهو أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أشار به إلى ما يكون بعده وبعد أصحابه لأن حكم أصحابه مرتبط بحكمه فأخبر عن الولايات الواقعة بعد ذلك وأنها تتم لأربابها في هذه المدة ثم تنتقل الإمارة وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أمية فيكون مراده بقوله لا يزال الدين يعني الولاية والملك إلى أن يذهب اثنا عشر خليفة ثم تنتقل الإمارة وهذا على شرح الحال في استقامة السلطنة لا على طريق المدح لولاية بني أمية فأول القوم يزيد بن معاوية ثم ابنه معاوية بن يزيد - ولا يذكر ابن الزبير لكونه معدودا في الصحابة ولا مروان بن الحكم لكونه بويع له بعد بيعة ابن الزبير وكان ابن الزبير أولى منه فكان هو في مقام غاصب - ثم عبد الملك ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد بن عبد الملك ثم هشام بن عبد الملك ثم الوليد ابن يزيد ثم يزيد بن الوليد بن عبد الملك ثم إبراهيم بن الوليد ثم مروان بن محمد فهؤلاء اثنا عشر ثم خرجت الخلافة منهم وانتقلت إلى بني العباس صلوات الله عليه ومما يقوي هذا القول ما

(1/289)


روى أبو داود من حديث ابن مسعود عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما ورواه الخطابي من حديث ابن مسعود أيضا فقال فيه يقم لهم سبعين عاما فقالوا يا رسول الله سوى الثلاث والثلاثين قال نعم قلت وفي سنة خمس وثلاثين - وقيل ست وثلاثين - قتل عثمان فيمكن أن يريد بدوران الرحى استقامة الأمر ويمكن أن يريد بذلك زوال الاستقامة بدليل أنه في بعض ألفاظ الحديث إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين سنة أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين وذكر الزوال أبين والمعنى تزول الرحى عن استقرارها فإن كانت الرواية سنة خمس ففيها قدم أهل مصر وحصروا عثمان وإن كانت سنة ست ففيها خرج طلحة والزبير إلى الجمل وإن كانت سنة سبع ففيها كانت صفين فتغيرت الأحوال في هذه الأشياء ثم استقام الملك إلى انقراض ملك بني أمية وعادت الفتن وفي بعض ألفاظ الحديث إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين سنة فإن يصطلحوا فيما بينهم يأكلوا الدنيا سبعين عاما رغدا وإن يقتتلوا يركبوا سنن من كان قبلهم وقال الخطابي قوله
تدور رحى الإسلام كناية عن الحرب شبهها بالرحى التي تطحن الحب لما يكون فيها من تلف الأرواح قال وقوله يقم لهم دينهم أراد بالدين هاهنا الملك قال زهير
لئن حللت بجو في بني أسد
في دين عمرو وحالت بيننا فدك

(1/290)


يريد في ملك عمرو وولايته قال الخطابي ويشبه أن يكون أراد بهذا ملك بني أمية وانتقاله عنهم إلى بني العباس فكان ما بين استقرار الملك بيي أمية وظهور الوهن فيه نحوا من سبعين سنة قلت ويدل على هذا ما أخبرنا به أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا أبو سعيد الماليني قال أخبرنا عبد الله بن عدي قال حدثنا محمد بن جعفر المطيري قال حدثنا محمد بن أحمد بن السكن قال حدثنا إسماعيل بن ذؤاد - بغدادي - قال حدثنا ذؤاد بن علبة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم من أبي الطفيل عامر بن واثلة عن عبد الله ابن عمرو قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إذا ملك اثنا عشر من بني كعب ابن لؤي كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة قال ذؤاد قال لي عبد الله بن عثمان وأنا أطوف معه ورب هذه البنية لقد حدثتك كما حدثني أبو الطفيل وأخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق قال أخبرنا محمد بن مرزوق

(1/291)


قال حدثنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرني علي بن أحمد بن محمد بن الرزاز قال حدثنا أحمد بن سليمان النجاد قال قرئ على الحسن بن مكرم وأنا أسمع قال قرأنا على قيس بن محمد البصري عن سفيان الثوري عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تدور رحى الإسلام في خمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من يهلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما قلت يا رسول الله مما مضى أو مما بقي قال مما بقي قال الخطيب قوله تدور رحى الإسلام مثل يريد به أن هذه المدة إذا انتهت حدث في الإسلام أمر عظيم يخاف لذلك على أهله الهلاك يقال للأمر إذا تغير واستحال قد دارت رحاه وهذا - والله أعلم - إشارة إلى انقضاء مدة الخلافة وقوله يقم لهم دينهم أي ملكهم وسلطانهم والدين الملك والسلطان ومنه قوله تعالى ( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) يوسف 76 وكان بين مبايعة الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان إلى انقضاء ملك بني أمية من المشرق نحو من سبعين سنة وأما الوجه الثاني الذي ذكره أبو الحسين بن المنادي في هذا الحديث فإنه قال في قوله يكون بعدي اثنا عشر خليفة قال هذا إنما يكون بعد موت المهدي الذي يخرج في أواخر الزمان قال وقد وجدنا في كتاب دانيال إذا مات المهدي ملك خمسة رجال وهم من ولد

(1/292)


السبط الأكبر - يعني ابن الحسن بن علي ثم يملك بعدهم خمسة رجال من ولد السبط الأصغر ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر فيملك ثم يملك بعده ولده فيتم بذلك اثنا عشر ملكا كل واحد منهم إمام مهدي قال ابن المنادي ووجدنا في رواية أبي صالح عن ابن عباس أنه ذكر المهدي فقال اسمه محمد بن عبد الله وهو رجل ربعة مشرب حمرة يفرج الله به عن هذه الأمة كل كرب ويصرف بعدله كل جور ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر رجلا خمسين ومائة فستة من ولد الحسن وواحد من ولد عقيل بن أبي طالب وخمسة من ولد الحسين ثم يموت فيفسد الزمان ويعود المنكر قال وقال كعب الأحبار يكون اثنا عشر مهديا ثم ينزل روح الله فيقتل الدجال قال وكأنه أشار بقوله لا مهدي إلا عيسى يعني لا نبي يظهر سواه والوجه الثالث أنه أراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الخلافة إلى يوم القيامة يعلمون بالصواب وإن لم تتوال أيامهم فقد يكون الرجل عادلا ويأتي بعده من يجور ثم يأتي بعد مدة من يعدل فيتم عدل الاثني عشر إلى يوم القيامة ويدل على هذا الوجه ما أخبرنا به أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أخبرنا أبو بكر أحمد ابن علي بن ثابت قال أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ قال حدثنا محمد بن عبد الله الشافعي قال حدثنا معاذ بن المثنى قال

(1/293)


حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن أبي يونس قال حدثنا أبو بحر أن أبا المجلد حدثه وحلف عليه أنه لا تهلك هذه الأمة حتى يكون فيها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق منهم رجلان من أهل بيت النبي {صلى الله عليه وسلم} يعيش أحدهم أربعين سنة والأخر ثلاثين سنة وأما الأسلمي فهو ماعز والعصبة والعصابة الجماعة والبيت الأبيض قصر كسرى وكان مبنيا بالجص وكانت فيه أموال عظيمة فروينا في الفتوح أن سعد بن أبي وقاص خاض بأصحابه دفتيه وهي تطفح - إلى ولد كسرى فما بلغ الماء إلى حزام الفرس وما ذهب للمسلمين شيء إلا أن قدحا وقع وأخذه رجل برمحه من الماء فعرفه صاحبه فأخذه ووجدوا قبابا مملوءة سلالا فيها آنية الذهب والفضة ووجدوا كافورا فظنوه ملحا فعجنوا به فوجدوا مرارته في الخبز فكان في بيوت أموال كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ثلاث مرات
428 521 - وفي الحديث الأول من أفراد مسلم لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا يرجع إليهم لما كان المأخوذ على المتعبد في الصلاة أن يخشع والخشوع التذلل والتواضع ناسب هذا الوعيد سوء الأدب

(1/294)


429 522 - وفي الحديث الثاني مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال مالي أراكم عزين الشمس جمع شموس وهو من الدواب الذي لا يكاد يستقر وقد احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذا الحديث في منعهم رفع اليدين في الركوع وعند الرفع منه وليس لهم فيه حجة لأنه قد روي مفسرا بعد حديثين قال جابر صلينا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا السلام عليكم السلام عليكم فنظر إلينا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده فبان بهذا أنه ليس لرفع الأيدي للتكبير والحلق جمع حلقة وهي الجماعة المستديرة قال الفراء والعزون الحلق الجماعات واحدها عزه وقال أبو عبيدة عزين جمع عزة مثل ثبة وثبين فهي جماعات في تفرقة وقيل الأصل في الاسم أن كل جماعة كان اعتزاؤها واحدا فهي عزة وقوله وتتراصون في الصف أي تتضامون فيه
430 523 - وفي الحديث الثالث أتوضأ من لحوم الإبل قال نعم فتوضأ من لحوم الإبل قال أصلي في مرابض الغنم قال نعم قال أصلي في مبارك الإبل قال لا في هذا الحديث دليل على وجوب الوضوء على من أكل لحم الجزور وبه قال من الصحابة جابر بن سمرة راوي هذا الحديث ومن الفقهاء يحيى بن يحيى وابن راهويه وداود وهو أظهر الروايتين عن أحمد بن حنبل خلافا لأبي حنيفة والشافعي فأما إذا شرب من لبنها أو أكل من كبدها أو طحالها فهل ينتقض وضوءه فيه روايتان عن أحمد ومرابض الغنم مواضع ربوضها ومبارك الإبل موضع بروكها والبرك في اللغة الصدر وإنما قيل برك البعير لوقوعه على صدره والمراد بمباركها أماكن إقامتها وظاهر هذا أن الصلاة فيها لا تصح وهي إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الثانية تكره وتصح وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي

(1/295)


431 525 - وفي الحديث الخامس ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله عندنا أنه ينوي بالسلام الخروج من الصلاة فيحمل هذا الكلام
على معنى ثم يسلم كما يسلم على أخيه وعند أصحاب أبي حنيفة والشافعي ينوي السلام على الملائكة والمأمومين ونحن نقول متى نوى هذا ولم ينو الخروج من الصلاة كره له إلا أن أحمد نص على أنها لا تبطل وقال ابن حامد تبطل واختلف أصحابنا هل تجب نية الخروج من الصلاة على وجهين
432 526 - وفي الحديث السادس إن الله تعالى سمى المدينة طابة قال ابن فارس طابة وطيبة من الطيب وذلك أنها طهرت من الشرك وكل طاهر طيب ولذلك يسمى الاستنجاء استطابة لأن الإنسان تطيب نفسه من الخبث
433 527 - وفي الحديث السابع رأيت ماعزا حين جيء به وهو أعضل الأعضل الكثير اللحم مأخوذ من العضلة وهي اللحمة الصلبة في العصب والأخر على فعل المدبر المتخلف وهذا يقال في السب والشتم أبعد الله الأخر فرجمه أي ضربه بالرجم والرجم الحجارة وفي الحديث

(1/296)


لا ترجموا قبري أي لا تدعوا عليه الحجارة دعوه مستويا وقوله خلف أحدهم أي بقي بعدنا وقوله له نبيب كنبيب التيس نبيبه صوته عند السفاد وقوله يمنح أحدهم أي يعطي الكثبة وهي القليل من اللبن وقوله لأنكلنه عنهن النكال العقوبة والمعنى لأعاقبنه ليرجع عنهن وقوله فرده مرتين - وروى أربعا من روى أربعا فقد زاد والزيادة من الثقة مقدمة وعندنا أنه لا يجب حد الزنا إلا بالإقرار أربع مرات وقال مالك والشافعي إذا أقر مرة واحدة حد وأبو حنيفة يوافقنا في الأربع إلا أنه يقول يحتاج الإقرار أن يكون في أربعة مجالس متفرقة فلو أقر عن يمين الحاكم ويساره وأمامه ووراءه كانت أربعة مجالس وعندنا أنه يصح الإقرار في مجلس واحد فأما إذا ثبت الزنا بالشهود فعندنا أن المجلس الواحد شرط في اجتماع الشهود وأداء الشهادة فإذا جمعهم مجلس واحد سمعت شهادتهم وإن جاءوا متفرقين ووافقنا أبو حنيفة ومالك أن المجلس الواحد شرط لكنهما قالا هو شرط في مجيئهم مجتمعين فإن جاءوا متفرقين في مجلس واحد حدوا وقال الشافعي ليس المجلس الواحد شرطا في اجتماعهم ولا في مجيئهم ومتى شهدوا بالزنا متفرقين وجب الحد على الزاني فإذا لم يكمل عدد الشهود فإنهم قذفة يحدون عندنا وعند أبي حنيفة ومالك خلافا لأحد
قولي الشافعي إنهم لا يحدون
434 529 - وفي الحديث التاسع كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب أما خطبة الجمعة فإنها شرط في صحة الجمعة عند أكثر الفقهاء خلافا لداود وأما القيام في الخطبتين والجلوس بينهما فسنة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد وعند الشافعي أن ذلك شرط في صحتها فلا تجزي مع القدرة على القيام وإن ترك القعود بينهما لم تجز الخطبة فإن كان مريضا خطب جالسا وفصل بين الخطبتين بسكته
435 530 - وفي الحديث العاشر كانت صلاته قصدا وخطبته قصدا القصد بين الطول والقصر
436 533 - وفي الحديث الثالث عشر كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس يعني زالت

(1/297)


437 535 - وفي الحديث الخامس عشر كان إذا صلى الفجر
جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناء الذي قرأناه على مشايخنا حسناء على وزن فعلاء وإنما تظهر حسنة إذا أخذت في الارتفاع فحينئذ يتكامل ضوءها ويحسن ورأيته بخط أبي عبد الله الحميدي حسنا منونا يريد طلوعا حسنا وفي فعله هذا فائدتان إحداهما الجلوس للذكر فإنه وقت شريف وقد جاءت أحاديث كثيرة في الذكر في ذلك الوقت والثانية أنه لما تعبد الإنسان لله عز وجل قبل طلوع الشمس لازم مكان التعبد إلى أن تنتهي حركات الساجدين للشمس إذا طلعت
438 536 - وفي الحديث السادس عشر صليت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} العيدين بغير أذان ولا إقامة إنما كان هذا لأحد أمرين إما لتمييز ما هو فرض عن غيره كما أن صلاة الكسوف لما كانت سنة نودي لها الصلاة جامعة لتمييز الفرائض العينية والثاني أن الأذان والإقامة للإعلام بالصلاة والعيد إنما يقام في الصحراء لا عند البيوت فالذين يقصدونها قد خرجوا والمتأخرون لا يسمعون الأذان في أغلب المواضع فلم يكن فيه فائدة
439 537 - وفي الحديث السابع عشر صلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على ابن الدحداح اسم هذا الرجل ثابت بن الدحداح ويقال الدحداحة ويكنى

(1/298)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية