صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ فيض القدير - المناوي ]
الكتاب : فيض القدير شرح الجامع الصغير
المؤلف : عبد الرؤوف المناوي
الناشر : المكتبة التجارية الكبرى - مصر
الطبعة الأولى ، 1356
عدد الأجزاء : 6
مع الكتاب : تعليقات يسيرة لماجد الحموي

[ ص 450 ] 882 - ( إذا هممت بأمر ) أي عزمت على فعل شيء لاتدري وجه الصواب فيه ( فاستخر ربك ) اطلب منه التوفيق والهداية إلى إصابة خير الأمرين ( فيه ) ندبا بعد أن تتوب وتفرغ قلبك من الشواغل الدنيوية والهواجس النفسانية فأعد الاستخارة ( سبع مرات ثم انظر ) أي تدبر وتأمل ( إلى ) الشيء ( الذي يسبق إلى قلبك ) من فعل أو ترك ( فإن الخيرة ) بكسر المعجمة ( فيه ) فلا تعدل عنه والاستخارة طلب الخير يقال استخار الله العبد فخار أي طلب منه الخير فأولاه والخيرة الحالة التي تحصل للمستخير وأضاف الاستخارة إلى الرب دون غيره من الصفات إشارة إلى أنه المربي له الفاعل به ما يصلحه يقال : رب الأمر أصلحه وساسه وقام بتدبيره ومن ثم لا يطلق معروفا إلا على الله المتكفل بمصلحة الموجودات بأسرها قال النووي : وفيه أنه يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له صدره لكنه لا يفعل ما ينشرح له صدره مما كان له فيه هوى قبل الاستخارة والأكمل الاستخارة عقب صلاة ركعتين بنيتها ويحصل أصل السنة بمجرد الدعاء
( ابن السني في عمل يوم وليلة فر عن أنس ) وفيه إبراهيم بن البراء قال الذهبي في الضعفاء : اتهموه بالوضع عن أبيه وهو ضعيف . وقال النووي في الأذكار : إسناده غريب فيه من لم أعرفهم . وقال ابن حجر في الفتح بعد عزوه لابن السني هذا الحديث لو ثبت كان هو المعتمد لكن إسناده واه جدا

(1/450)


883 - ( إذا وجد أحدكم ألما ) أي وجعا في عضو ظاهر أو باطن ( فليضع يده ) ندبا والأولى كونها اليمين ( حيث يجد ألمه ) أي في المكان الذي يحس بالوجع فيه ( وليقل ) باللفظ ندبا ( سبع مرات ) أي متواليات كما يفيده السياق ( أعوذ بعزة الله وقدرته على كل شيء ) ومنه هذا الألم ( من شر ما أجد ) زاد في روابة مرت وأحاذر وفيها أنه يرفع يده في كل مرة ثم يعيدها فيحمل المطلق على المقيد . وفي بعض الروايات ذكر التسمية مقدمة على الاستعاذة وورد في حديث آخر ما يدل على أنه يفعل مثل هذا بغيره أيضا
( حم طب عن كعب بن مالك ) الأنصاري السلمي أحد الثلاثة الذين خلفوا شهد العقبة وكان من شعراء المصطفى صلى الله عليه و سلم قال الهيتمي فيه أبو معشر محتج به وقد وثق على أن جمعا كثيرا ضعفوه وتوثيقه بين وبقية رجاله ثقات انتهى ومن ثم رمز لحسنه

(1/450)


884 - ( إذا وجد أحدكم لأخيه ) في الدين ونص عليه اهتماما بشأنه لا لإخراج غيره فالذمي كذلك ( نصحا ) بالضم قال الخطابي النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه فشبه فعل الناصح بما يتحراه من صلاح المنصوح بما يسده من خلل الثوب وقيل من نصح العسل صفاه شبهوا تخليصه القول من الغش بتخليص العسل من الخلط ( في نفسه ) أي حاك في صدره كذلك ( فليذكره له ) وجوبا فإن كتمه عنه فقد غشه وخانه فالنصيحة فرض كفاية على الجماعة وعين على الواحد وهي لازمة بقدر الطاقة إذا علم الناصح أن المنصوح يقبل وأمن على نفسه وماله قال بعضهم وإنما يكون الرجل ناصحا لغيره إذا بدأ بنصح نفسه واجتهد في معرفة ما يجب له وعليه ليعرف كيف ينصح
( عد عن أبي هريرة ) وفيه إبراهيم بن أبي ثابت واه قال مخرجه ابن عدي وعامة أحاديثه مناكير وفي اللسان عن ابن حبان هو الذي يقال له ابن أبي ثابت تفرد بأشياء لا تعرف حتى خرج عن حد الاحتجاج به وبه يعرف أن المؤلف لم يصب حيث عزى الحديث لمخرجه وحذف من كلامه بيان القادح

(1/450)


[ ص 451 ] 885 - ( إذا وجد أحدكم عقربا وهو يصلي فليقتلها بنعله اليسرى ) ولا تبطل صلاته به لأنه فعل واحد وهي إنما تبطل بثلاثة أفعال متوالية . كذا قرروه . وظاهره أن الخطاب للمصلي في نعليه ومثلهما الخفاف فإن صلى بغير نعل ولا خف فيحتمل أن يقال يأخذ نعله بيده اليسرى فيقتلها بضربة واحدة وذلك فعل لا ثلاثة . وقضية الحديث أنه لو قتلها بنعله اليمنى لا يكون آتيا بالمأمور ولعله غير مراد . والظاهر حصول الامتثال بقتلها باليمنى والنص على اليسرى للأولوية ولو لم يمكن قتلها إلا بثلاثة متوالية فهل بقتلها وإن بطلت الصلاة ؟ يحتمل أن يقال نعم تقديما لدرء مفسدتها على مصلحة الصلاة سيما إن اتسع الوقت ويحتمل إلحاق الحية التي يمكن قتلها بضربة من غير لحوق ضرر كالعقرب بل أولى لأن قتلها آكد من قتل العقرب
( د في مراسيله ) من حديث سليمان بن موسى ( عن رجل من الصحابة ) من بني عدي بن كعب . رمز المصنف لضعفه وهو غفلة عن قول علم الحفاظ ابن حجر رجاله ثقات لكنه منقطع

(1/451)


886 - ( إذا وجدت القملة ) أو نحوها كبرغوث ( في المسجد ) حال من الفاعل : أي وجدتها في شيء من ملبوسك كثوبك ( فلفها في ثوبك ) ونحوه كطرف ردائك أو عمامتك أو منديلك ( حتى تخرج منه ) فألقها حينئذ خارجة فإن إلقاءها فيه حرام . وبهذا أخذ بعضهم وصرح به من الشافعية القمولي في جواهره لكن مفهوم قول النووي بحرم إلقاءها فيه مقتولة أنه لا يحرم وفصل بعض المالكية فقال يجوز إلقاء البراغيث لا القمل فإن البرغوث يأكل التراب بخلافها والحديث متكفل برد تفصيله إذا لو كان كذلك لما خص بالمسجد إذ على ما يزعمه هذا المفصل بحرم طرحه في المسجد وغيره أما إلقاؤها فيه ميتة فحرام شديد التحريم . وظاهر قوله في الخبر فلفها في ثوبك حتى تخرج أنه لا يكلف الخروج لإلقائها خارجة فورا لكن قد يقال إن فيه تعذيبا لها فإما أن يخرج فورا لطرحها أو يقتلها ويلفها مقتولة حتى يخرج لجواز قتلها فيه بشرط أمن التلويث
( طب عن رجل من بني خطمة ) بفتح المعجمة وسكون المهملة بطن من الأنصار ورواه عنه أيضا الحارث بن أبي أسامة والديلمي

(1/451)


887 - ( إذا وسد ) بالتشديد وفي رواية في البخاري للقابسي أوسد بهمزة مضمومة أوله وفي رواية له إذا أسند ( الأمر ) أي فوض الحكم المتعلق بالدين كالخلافة ومتعلقاتها من إمارة وقضاء وإفتاء وتدريس وغير ذلك ( إلى غير أهله ) أي إلى من ليس له بأهل . والمعنى إذا سود وشرف من لا يستحق السيادة والشرف أو هو من الوسادة : أي إذا وجدت وسادة الأمر والنهي لغير مستحقها وكان شأن الأمير عندهم إذا جلس أن يثني تحته وسادة فإلى بمعنى اللام وعبر بها ليدل على تضمين معنى أسند ( فانتظروا الساعة ) لأنه قد جاء أشراطها . والفاء للتفريع أو جواب الشرط . والتوسيد في الأصل أن يجعل للرجل وسادة ثم استعمل في تفويض الأمر وإسناده إلى غيره وإنما دل على دنو الساعة لإفضاءه إلى اختلال الأمر والنهي ووهن الدين وضعف الإسلام وغلبة الجهل ورفع العلم وعجز أهل الحق عن القيام به ونصرته . وللساعة أشراط كثيرة كبار وصغار وهذا منها
( خ ) في العلم والرقائق وغيرهما ( عن أبي هريرة ) قال بينما رسول الله صلى الله عليه و سلم يحدث القوم جاء أعرابي فقال متى الساعة ؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه و سلم يحدث فقال بعضهم سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال أين السائل عن الساعة فقال هذا يارسول الله فقال إذا ضيعت ( قوله ضيعت : بضم الضاد وتشديد الياء المكسورة فعل ماض مبني للمفعول : أي إذا ضيعت الأمة الأمانة ) الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها ؟ قال : فذكره

(1/451)


[ ص 452 ] 888 - ( إذا وضع السيف ) أي المقاتلة ( في أمتي ) أمة الإجابة ( لم يرفع عنها ) وفي رواية عنهم ( إلى يوم القيامة ) أي تسلسل فيهم وإن قل أحيانا أو كان في بعض الجهات دون بعض وذلك إجابة لدعوته أن يجعل بأسهم بينهم وأن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم . قال ابن العربي : وكانت هذه الأمة معصومة منه مدة من صدر زمانها مسدودا عنها باب الفتنة حتى فتحت بقتل إمامها عثمان فكان أول وضع السيف
( ت ) في الفتن ( عن ثوبان ) بفتح المثلثة مولى المصطفى صلى الله عليه و سلم وقال صحيح اه . وتبعه المصنف رحمه الله فرمز لصحته ورواه أبو داود وابن ماجه مطولا وأحمد والبزاز وقال الهيتمي ورجاله رجال الصحيح

(1/452)


889 - ( إذا وضع الطعام ) بين أيديكم : أي قرب إليكم لتأكلوه ( فاخلعوا نعالكم ) أي انزعوا ما في أرجلكم مما وقيت به الدم كمداس وتاسومة ونحو ذلك ( فإنه ) أي النزع ( أروح ) أكثر راحة ( لأقدامكم ) فيه إشارة إلى أن الأمر إرشادي لمصلحة تعود على القدم . ويتردد النظر في الخف والظاهر أنه لا يلحق به ( الدرامي ) في مسنده
( ك عن أنس ) وله شواهد كثيرة

(1/452)


890 - ( إذا وضع الطعام ) بين أيدي الآكلين ( فليبدأ ) ندبا في الأكل ( أمير القوم ) لأن التقدم عليه ربما أورث فتنة وهو سوء أدب ( أو صاحب الطعام ) أي فإن لم يكن ثم أمير فليبدأ صاحب الطعام لأنه المالك فلا يتقدم عليه غيره في ملكه ( أو خير القوم ) أي فإن لم يحضر المالك أو حضر ولم يأكل لعذر فالأولى أن يبدأ أكثرهم علما وصلاحا فإن لم يكن فأرأسهم
( ابن عساكر ) في تاريخه ( عن أبي إدريس الخولاني ) السيد الجليل العابد الزاهد ذي الكرامات والخوارق ( مرسلا ) أرسل عن عدة من الصحابة

(1/452)


891 - ( إذا وضع الطعام فخذوا ) أي تناولوا الأكل ندبا ( من حافته ) أي من جانب القصعة ( وذروا وسطه ) أي اتركوه ولا تأكلوا منه أولا ( فإن البركة ) أي الخير الإلهي والنمو تنزل في وسطه ثم تسري . قال الخطابي : يحتمل إطلاق النهي واختصاصه بمن أكل مع غيره لأن أفضل الطعام وأطيبه وجهه وإذا قصده بالأكل استأثر به . وهو ترك أدب وسوء عشرة . وأخذ بقضية الإطلاق في الإحياء فعد من آداب الأكل أن لا يأكل من ذروة القصعة ولا يأكل من وسط الطعام مطلقا
( عن ابن عباس ) رمز المصنف لصحته

(1/452)


892 - ( إذا وضعت جنبك ) أي شقك ( على الفراش ) لتنام ليلا وكذا نهارا لكن الليل آكد ( وقرأت فاتحة الكتاب ) أي سورة الفاتحة ( وقل هو الله أحد ) أي سورتها ( فقد أمنت ) في نومك تلك الليلة ( من كل شيء ) يؤذيك ( إلا الموت ) فإن أجل الله إذا جاء لا يؤخر وهذا إذا قرأهما بحضور وجمع همة وصفاء قلب وقوة يقين بتصديق الرسول فيما يفعل [ ص 453 ] ويقول وإلا فهيهات هيهات
( البزار ) في مسنده ( عن أنس ) قال الهيتمي فيه عسال بن عبيد وهو ضعيف ووثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح

(1/452)


893 - ( إذا وضعتم موتاكم ) أيها المسلمون ( في القبور ) وفي رواية في قبورهم ( فقولوا ) ندبا أي ليقل من يضجعه في لحده حال إلحاده ويحتمل أن غيره يقول ذلك أيضا لخبر البزار : إذا بلغت الجنازة وجلس الناس فلا تجلس ولكن ولكن قم على شفير قبره فإذا دلى في قبره فقل ( بسم الله ) ظاهره فقط فلا يزيد : الرحمن الرحيم ويحتمل أن المراد الآية بتمامها وهو الأقرب لكمال مناسبة ذكر الرحمة في ذلك المقام ( وعلى ملة ) وفي رواية بدله وعلى سنة ( رسول الله ) أي أضعه ليكون اسم الله وسنة رسوله زادا له وعدة يلقى بها الفتانين ونقل النووي عن النص أنه يندب بعد ذلك أن يقول من يدخله القبر : اللهم سلمه إليك الأشحاء من أهله وولده وقرابته وإخوانه وفارق من يحب قربه وخرج من سعة الدنيا إلى ظلمة القبر وضيقه ونزل بك وأنت خير منزول إلخ . قال في المطامح : والتزاحم على النعش والميت بدعة مكروهة وكان الحسن إذا رآهم يزدحمون عليه يقول : إخوان الشياطين
( حم حب طب ك هق عن ابن عمر ) قال الحاكم على شرطهما وقد وقفه شعبة اه . وصنيع المؤلف يشعر بأنه لم يخرجه أحد من الستة والأمر بخلافه فقد خرجه النسائي وقد مر عن مغلطاي وغيره أنه ليس لحديثي عزو حديث فيها لغيرها إلا لزيادة فائدة ثم هو حديث معلول
قال الحافظ ابن حجر أعل بالوقف وتفرد برفعه همام عن قتادة عن أبي الصديق عن ابن عمر ووقفه سعيد وهشام ورجح الدارقطني وقفه وغيره رفعه

(1/453)


894 - ( إذا وعد ) من الوعد قال الحراني وهو العهد بالخير ( الرجل ) يعني الإنسان ( أخاه ) في الدين بأن يفعل له شيئا يسوغ شرعا ( ومن نيته أن يفيء ) قال الأشرفي : هذا دليل على أن النية الصالحة يثاب الإنسان عليها وإن تخلف عنها المنوي ( فلم ) يف له ( ولم يجيء ) لعذر منعه من المجيء ( للميعاد ) أي لمكان الوعد ليفي له بما عاهده عليه . والواو بمعنى أو : أي وعده يوما بشيء أو بأن يحضر بمكان ( فلا إثم عليه ) لعذره ولفظ الترمذي فلا جناح عليه أما لو تخلف عن الوفاء بغير عذر فهو ملام بل التزم بعض الأئمة تأثيمه لمفهوم هذا الحديث ولأن الوفاء بالوعد مأمور به في جميع الأديان وحافظ عليه الرسل المتقدمون والسلف الصالحون وأثنى الله تعالى على خليله في التنزيل بقوله { وإبراهيم الذي وفى } ومدح ابنه إسماعيل بقوله { كان صادق الوعد } لكن أبو حنيفة والشافعي على أن الوفاء مستحب لا واجب ويؤول هذا الخبر بأنه لا يأثم حيث كان الوفاء بالوعد لازما له لذاته لا للوعد ومنعه عذر قال في شرح الرعاية : والوعد الذي هو محل الخلاف كل ما يدخل الشخص فيه بسبب مواعدتك في مضرة أو كلفة ومنه ما لو تكلف طعاما وجلس ينتظر موعدك . اه
( د ) في الأدب ( ت ) في الإيمان ( عن زيد بن أرقم ) وقال غريب وليس سنده بالقوي . قال الذهبي في المهذب وفيه أبو نعمان مجهول كشيخه أبي الوقاص وقال المناوي : اشتمل سنده على مجهولين

(1/453)


895 - ( إذا وقع ) أي سقط ( الذباب ) بذال معجمة واحده ذبابة ( في شراب أحدكم ) ماءا أو غيره من المائعات وفي رواية ابن ماجه : إذا وقع في الطعام وفي أخرى : وقع في إناء أحدكم والإناء يكون فيه كل مأكول ومشروب [ ص 454 ] ( فليغمسه ) وفي رواية فليمقله زاد الطبراني : كله وفيه دفع توهم المجاز في الاكتفاء بغمس بعضه . والأمر إرشادي لمقابلة الداء بالدواء ( ثم لينزعه ) وفي رواية البخاري : لينزعه - بزيادة فوقية قبل الزاي - وفي الطبراني : ثم ليطرحه وفي البزار برجال ثقات : أنه يغمس ثلاثا مع قول بسم الله ( فإن في إحدى ) بكسر الهمزة وسكون الحاء ( جناحيه ) وهو الأيسر على ما قيل وإنما قال إحدى : لأن الجناح يذكر ويؤنث لقولهم في جمعه أجنحة وأجنح فأجنح جمع المذكر وأجنحة جمع المؤنث ( داء ) أي قوة سمية يدل عليها الورم . والحكة العارضة عند لدغه وهي بمنزلة سلاحه فإذا سقط في شيء تلقاه بها . قال الزركشي : وداء منصوب اسم إن ( وفي الأخرى ) بضم الهمزة قيل وهي اليمنى وفي رواية : الآخر بالتذكير ( شفاء ) ( 1 ) حقيقة فأمر الشارع بمقابلة السمية بما في جناحه الأخر من الشفاء ؟ ولا بعد في حكمة الله أن يجعلهما في جزء الحيوان الواحد كالعقرب بإبرتها السم ويداوي منه بجزء منها فلا ضرورة للعدول عن الحقيقة هنا وجعله مجازا كما وقع للبعض حيث جعله من الطب الروحاني بمعنى إصلاح الأخلاق وتقويم الطباع بإخراج فاسدها وتبقية صالحها . قال التوربشتي : ووجدنا لكون أحد جناحي الذباب داء والآخر دواء فيما أقامه الله لنا من عجائب خلقه وبدائع فطرته شواهد ونظائر منها النحلة يخرج من بطنها شراب نافع وبث في إبرتها السم الناقع . والعقرب تهيج الداء بإبرتها ويتداوى من ذلك بجرمها . وأما اتفاؤه بالجناح الذي فيه هذا الداء على ما ورد في رواية فإنه تعالى ألهم الحيوان بطبعه ما هو أعجب منه . فلينظر المتعجب من ذلك إلى النملة كيف تسعى لجمع القوت وتصون الحب على المدى وتجفف الحب إذا أثر فيه الندى ثم تقطع الحب لئلا ينبت وتترك الكزبرة بحالها لكونها لا تنبت وهي صحيحة . فتبارك الله
وفيه أن الماء القليل والمائع لا ينجس بوقوع مالا نفس له سائلة فيه إذ غمسه يفضي لموته . فلو نجسه لم يأمر به لكن شرطه ألا يغير ولا يطرح وبهذا أخذ الشافعي ونوزع بأن المقل لا يوجب الموت فهو للمنع عن العيافة فإن سلم فإلحاق كل مالا نفس له سائلة به باطل إذ قد لا يعم وجوده ورد الأول بأن المقل سبب للموت فلو نجس لم يأمر به إذ مظنة النجاسة كالنجاسة والثاني بأن سبب عفوه عدم الدم المتعفن فيطرد في كل ما اتصف به
( خ هـ عن أبي هريرة )
_________
( 1 ) [ ( والأمر للندب كما ذكره في شرح الحديث 5941
وقد أثبت ذلك الطب الحديث بدون أدنى شك و اختصاره أن في إحدى جناحيه نوع من الجراثيم وفي الآخر مضادات حيوية antibiotics . و سمعت في دار الحديث النبوي الشريف بدمشق الأستاذ الشيخ رفيق السباعي رحمه الله يروي قصة أحد المسلمين في ألمانيا سأله أستاذه في علم الكيمياء عن وجود هذا الحديث فقال نعم . فقال أستاذه أن الأمر سهل وأنه يمكن التأكد من صحة الحديث علميا . و بعد التجارب اكتشف الأستاذ صحة الحديث فأرسل لجامعة الأزهر بمصر للتأكد من ورود الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم . و عندما أتاه الخبر منهم بالإيجاب أعلن إسلامه . عرفان الرباط دار الحديث ) ]

(1/453)


896 - ( إذا وقعت في ورطة ) أي بلية يعسر الخروج منها وأصل الورطة : الهلاك ثم استعمل في كل شدة وأمر شاق أي إذا وقعت في شدة وأردت الخلاص منها ( فقل ) عند ذلك ندبا ( بسم الله الرحمن الرحيم ) أستعين على التخلص من ذلك ( ولاحول ولا قوة إلا بالله ) قال الأكمل : الحول الحركة أي لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله وقيل معناه لا حول في دفع الشر ولا استطاعة في جلب الخير إلا بالله
ويعبر أهل اللغة عن هذه الكلمة بالحوقلة والحولقة ( العلي ) الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته ( العظيم ) عظمة تتقاصر عنها الأفهام لما غلب عليها من الأوهام . قال الحراني ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنازل عن إدراك العقول ( فإن الله تعالى يصرف ما شاء من أنواع البلاء ) إن تلفظ بها بصدق وقوة إيقان بما أخبر به الشارع من المضار والمنافع ( ابن السني في عمل يوم وليلة عن علي ) قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم يا علي : ألا أعلمك كلمات إذا وقعت في ورطة قلتها ؟ قلت بلى جعلني الله فداءك . فذكره

(1/454)


897 - ( إذا وقعتم في الأمر العظيم ) أي الصعب المهول ( فقولوا ) ندبا عند ذلك ( حسبنا الله ) أي كافينا ( ونعم الوكيل ) الموكل [ ص 455 ] إليه لأن فيه رفضا للأسباب واستغناء بمسببها ومن اكتفى به لم يخيبه بل يكشف همه ويزيل غمه . ولو أن أحدا التجأ إلى ملك من ملوك الدنيا لهابه طالبه وكف عنه إعظاما للملتجيء إليه فكيف بمن يحتسب برب العالمين ويكتفي به عن الخلق أجمعين ؟ ولا تدافع بين هذا وما قبله لأن المصطفى صلى الله عليه و سلم كان يختلف جوابه باختلاف السائلين والمخاطبين فيجيب كل واحد بما يناسبه
( ابن مردويه ) في تفسيره ( عن أبي هريرة ) بسند ضعيف

(1/454)


898 - ( إذا وقع في الرجل ) بالبناء للمفعول والرجل غالبي : أي سب واغتيب ( وأنت في ملأ ) أي جماعة فيهم من وقع فيه وخص الوقوع في الملأ لأهمية الرد لا لإخراج غيره فلو كان مع واحد فكذلك ( فكن للرجل ناصرا ) أي مقويا مؤيدا رادا عليهم ما قالوه ( وللقوم زاجرا ) أي مانعا عن الوقيعة فيه ( وقم عنهم ) أي انصرف عن المحل الذي هم فيه إن لم ينتهوا عن ذلك المنكر فإن المقر على الغيبة بمنزلة الفاعل وقد ينزل عليهم سخط فيصيبك قال الغزالي : جوارحك عندك أمانة . فاحذر أن تصغي بها إلى خوض في باطل أو ذكر مساوىء الناس فإنما جعلت لك لتسمع بها كلام الله ورسوله وحكمه فإذا أصغيت بها إلى المكاره صار ما كان لك عليك
( ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة عن أنس )

(1/455)


899 - ( إذا ولى ) بفتح فكسر وفي رواية إذا كفن ( أحدكم أخاه ) في الدين أي تولى أمره وتجهيزه . وكل من تولى أمر واحد فهو وليه كما في الصحاح ( فليحسن كفنه ) بالتشديد وضبطه الأكثر بفتح الفاء وفي الديباج أنه الأشهر وحكىعياض سكونها : أي فعل التكفين منه إسباغ وعموم وتحسين وتعطير ونحوها وليس المراد المغالاة في ثمنه فإنه مكروه
( حم م د ن عن جابر ت هـ عن أبي قتادة )

(1/455)


900 - ( إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه ) بأن يختار له من الثياب أنظفها وأسبغها . قال التوربشتي : وما يؤثره المبذرون من الثياب الرفيعة منهي عنه بأصل الشرع لإضاعة المال ( فانهم ) أي الموتى على حد { حتى توارت بالحجاب } ( يبعثون من قبورهم في أكفانهم ) التي يكفنون عند موتهم فيها
ولا ينافضه حشرهم عراة لأنهم يقومون من قبورهم بثيابهم ثم يجردون ( ويتزاورون ) في القبور ( في أكفانهم ) التي يكفنون عند موتهم فيها ولا ينافيه قول الصديق : الكفن إنما هو للصديد لأنه كذلك في رؤيتنا لا في نفس الأمر ولا خبر : لاتغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعا - لاختلاف أحوال الموتى فمنهم من يعجل له الكسوة لعلو مقامه ومنهم من لم يبلغ ذلك فيستمر في كفنه ويتزاور فيه في البرزخ . وفيه رد على ابن الحاج حيث قبح قول الناس : الموتى يتفاخرون في أكفانهم في القبور وحسنها وجعله من البدع الشنيعة ( سموية ) في فوائده
( عق خط ) في ترجمة سعيد العطار ( عن أنس ) ظاهر صنيعه أن الخطيب لم يخرجه إلا من حديث أنس ولا كذلك بل خرجه من حديثه ومن حديث جابر في موضع واحد وحديث جابر قال في اللسان عن العقيلي إسناده صالح بخلاف حديث أنس فاقتصر على المعلول وحذف المقبول ( الحارث ) ابن أبي أسامة عن روح عن زكريا عن أبي الزبير ( عن جابر ) وروح قال الذهبي وغيره متروك وأورده ابن الجوزي في الموضوع ونازعه المؤلف على عاداته

(1/455)


901 - ( اذبحوا لله ) أي اذبحوا الحيوان الذي يحل أكله إن شئتم واجعلوا الذبح لله ( في أي شهر كان ) رجبا أو غيره ( وبروا ) [ ص 456 ] بفتح الموحدة وشد الراء أي تعبدوا ( لله وأطعموا ) بهمزة قطع أي الفقراء وغيرهم كان الرجل منهم إذا بلغت إبله مئة نحر بكرا في رجب لصنمه يسمونه الفرع فنهى المصطفى صلى الله عليه و سلم عن الذبح للصنم وأمر بالذبح لله والصحيح عند الإمام الشافعي ندب الفرع والعتيرة وهي ما يذبح في رجب وخبر : ولا فرع ولا عتيرة : المراد به الوجوب أو نفي ما يذبح للصنم أما تفرقة اللحم للفقراء فبر وصدقة في أي وقت كان
( د ن ك عن نبيشة ) بنون مضمومة وشين معجمة مصغر كما في التقريب وكذلك ضبطه المؤلف وهو ابن عبد الله الهذلي ويقال له الخير نبيشة سماه بذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صحابي قليل الحديث قال قيل يا رسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا ؟ فذكره . قال الحاكم صحيح فقال الذهبي - مستدركا عليه - بل له علته

(1/455)


902 - ( اذكر الله ) بالقلب فكرا وباللسان ذكرا بأن تقول لا إله إلا الله مع الإخلاص والذكر ثلاث نفي وإثبات بغير نفي وإشارة بغير تعرض لنفي ولا إثبات . فالأول قول لا إله إلا الله والذكر به قوام كل جسد وموافق لمزاج كل أحد الثاني ذكر اسمه الشريف الجامع وهو الله اسم جلال محرق ليس كل أحد يطيق الذكر به
والثالث ذكر الإشارة وهو : هو فدوام ذكر لاإله إلا الله سبب لليقظة من الغفلة وذكر اسم الله سبب للخروج عن اليقظة في الذكر إلى وجود الحضور مع المذكور وذكر هو هو سبب للخروج عن سوى المذكور اه وقال الفخر الرازي قال الأكثرون الأولى أن يكون الذكر في الابتداء قول لا إله إلا الله وفي الانتهاء الاختصار وفضل بعضهم الأول مطلقا لأن عالم القلب مشحون بغير الله فلابد من كلمة النفي لنفي الأغيار فإذا خلا موضع منبر التوحيد ليجلس عليه سلطان المعرفة وبعضهم الثاني مطلقا لأنه حين ذكر النفي قد لا يجد مهملة توصله إلى الإثبات فيبقى في النفي غير منتقل إلى الإقرار ( فإنه ) أي الذكر أو الله ( عون لك على ما تطلب ) أي لأنه مساعد لك على تحصيل مطلوبك لأن الله سبحانه وتعالى يحب أن يذكر ولو من فاسق فإذا ذكره ثم دعاه أعطاه ما تمناه ولهذا قال بعض الصوفية : الإعراض عن الذكر يشوش الرزق ويضيق المعيشة وأخرج ابن عساكر أن أبا مسلم الخولاني كان يكثر الذكر فرآه رجل فقال مجنون صاحبكم هذا فسمعه . فقال ليس هذا بجنون يا ابن أخي هذا دواء الجنون
( ابن عساكر ) في التاريخ ( عن عطاء ابن أبي مسلم مرسلا ) هو الخراساني مولى المهلب بن أبي صفرة أرسل عن مثل معاذ بن جبل

(1/456)


903 - ( اذكروا الله ذكرا ) كثيرا جدا ( حتى يقول المنافقون إنكم تراءون ) بمثناة فوقية أي حتى يرميكم أهل النفاق بالرياء لما يرون من شدة محافظتكم عليه وهذا حث شديد على لزوم الذكر سرا وجهرا ولا يرائي أحدا به وأما ما قيل إن الشبلي قيل له متى تستريح قال إذا لم أر له ذاكرا . فعذره أنه لا يرى ذاكرا إلا والغفلة مستولية على قلبه . فيغار لله أن يذكر بهذا الذكر لغلبة المحبة على قلبه ومع ذلك فهو من شطحانه التي تغفر له لصدق محبته فلا يقتدى به فيها إذ يلزمه أن راحته أن لا يرى لله مصليا ولا تاليا ولا ناطقا بالشهادتين ومعاذ الله أن يستريح لذلك قلب هذا العارف والله لا يضيع أجر ذكر اللسان المجرد بل يثيب الذاكر وإن غفل قلبه لكن ثواب دون ثواب . وهذا وأشباهه إذا وقع من أولئك الأجلة الأكابر إنما يصدر عنهم في حال السكر فلا يؤاخذون به كما نقل عن أبي يزيد البسطامي من نحو سبحاني وما في الجبة إلا الله
أما النار لأستعدن لها غدا وأقول اجعلني لأهلها الفدا . أما الجنة لعبة صبيان وقوله هب لي هؤلاء اليهود ما هؤلاء حتى تعذبهم - إلى ذلك من شطحاتهم المعروفة فنسلم لهم حالهم معتقدين لهم ونبرأ إلى الله من كل من تعمد مخالفة الكتاب والسنة
( طب عن ابن عباس ) وفيه كما قال الهيتمي وغيره الحسن بن أبي جعفر ضعيف

(1/456)


[ ص 457 ] 904 - ( اذكروا الله ذكرا خاملا ) بمعجمة أي منخفضا بترقيق الجلالة ( قيل ) أي بعض الصحب ( وما الذكر الخامل ؟ قال الذكر الخفي ) بمعجمة لسلامته من نحو رياء وقد أمر الله عباده أن يذكروه على جميع أحوالهم وإن كان ذكرهم إياه مراتب بعضها أحب إليه من بعض . قال الزمخشري : وأفضل الذكر ما كان بالليل لا اجتماع القلب وهدوء الرجل والخلوة بالرب
( ابن المبارك في ) كتاب ( الزهد عن ضمره بن حبيب مرسلا ) هو الزبيد بضم الزاي الحمصي وثقه ابن معين وله شواهد كثيرة سيجيء بعضها وعورض هذا بما قبله ونحوه من الأخبار الدالة على ندب الجهر بالذكر صريحا أو التزاما لحديث الحاكم عن شداد بن أوس قال إنا لعند رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ قال ارفعوا أيديكم فقولوا لا إله إلا الله ففعلنا فقال اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بهذا ووعدتني عليها الجنة إنك لاتخلف الميعاد ثم قال أبشروا فإن الله تعالى قد غفر لكم . وخبر البيهقي عن الأدرع قال : انطلقت مع النبي صلى الله عليه و سلم ليلة فمر برجل في المسجد يرفع صوته بالذكر قلت : يا رسول الله عسى أن يكون هذا مرائيا قال ولكنه أواه وخبر ابن ماجه عن جابر أن رجلا كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل لو أن هذا خفض من صوته ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه أواه - وأخيب بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى به مصل أو نائم والجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل به أكثر ولأن فائدته تتعدى إلى السامع ولأنه يوقظ قلب الذاكر ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ويطرد النوم ويزيد في النشاط . وأما قوله تعالى { واذكر ربك في نفسك } الآية فأجيب عنه بأن الآية مكية نزلت حين كان النبي صلى الله عليه و سلم يجهر بالقرآن فيسمعه الكفار فيسبون القرآن ومن أنزله فأمر بالترك سدا للذريعة وقد زال ذلك وبأن الآية محمولة على الذاكر حال القراءة تعظيما للقرآن أن ترفع عنده الأصوات وبأن الأمر في الآية خاص بالنبي الكامل المكمل والأرواح القدسية . وأما غيره ممن هو محل الوسواس والخواطر الرديئة فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيرا في دفعها وأما قوله تعالى { ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين } فذلك في الدعاء لا في الذكر والدعاء الأفضل فيه الإسرار لأنه أقرب إلى الإجابة ولهذا قال الله تعالى { إذ نادى ربه نداء خفيا } وأما ما نقل عن ابن مسعود من أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال ما اراكم إلا مبتدعين وأمر بإخراجهم فغير ثابت . وبفرض ثبوته يعارضه ما في كتاب الزهد لأحمد عن شفيق بن أبي وائل قال هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان ينهى عن الذكر ما جالسته مجلسا قط إلا ذكر الله فيه وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت البناني : إن أهل الذكر ليجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال وغنهم ليقومون من ذكر الله ما عليهم منها شيء اه

(1/457)


905 - ( إذكروا محاسن ) كمنابر ( موتاكم ) أيها المؤمنون ( وكفوا ) اصرفوا ألسنتكم وادفعوا وجهتكم ( عن مساويهم ) فإن سب المسلم غير المعلن بفسقه حرام شديد التحريم والمساوى جمع مسوى بفتح الميم والواو وكل منهما إما مصدر ميمي نعت به ثم جمع أو اسم مكان بمعنى الأمر الذي فيه الحسن والسوء فأطلق على المنعوت به مجازا : يعني لا تذكروهم إلا بخير فذكر محاسنهم مندوب وذكر مساويهم حرام إلا لضرورة أو مصلحة كتحذير من بدعة أو ضلالة كما يشير إليه أخبار المصطفى صلى الله عليه و سلم بأن الثملة التي غلها مدغم تلتهب عليه نارا . فإنه بيان لحكم الله والتحذير من الغلول قال النووي : قال أصحابنا وإذا رأى غاسل الميت ما يعجبه من نحو استنارة وجه وطيب ريح سن له أن يحدث الناس به وإن رأى ما يكره كسواد وجه ونتن ريح وتغير عضو حرم عليه أن يحدث به لهذا الحديث <تنبيه> قال الطيبي المأمور والمنهي بهذا الأمر إن كان من الصالحين فكما إن ذكرهم محاسن الموتى يؤثر منهم فذكرهم مساويهم ذلك فإنهم [ ص 458 ] شهداء الله في الأرض فعليه أن لا يسعى في ضرر الغير وإن كان المأمور والمنهي غيرهم فأثر النفع والضرر راجع على الغاسل فعليه أن يجتنب عما يتضرر بذكره ويتحرى ما له نفع فيه
( د ت ك هق ) وكذا الطبراني كلهم ( عن ابن عمر ) بن الخطاب وفيه عمران أنس المكي قال الترمذي عن البخاري منكر الحديث وقال العقيلي لا يتابع على حديثه وقال في المهذب : قال البخاري عمران منكر الحديث

(1/457)


906 - ( أذن لي ) بالبناء للمفعول والآذن له هو الله ولولا الإذن لم يجز له التحديث فهو تنبيه على أن من اطلعه الله على شيء من الأسرار ثم أفشاه بغير إذن عذب بالنار . وهذا محتمل لأن يكون رآه وأن يكون أوحى إليه به ( أن أحدث أصحابي ) أو أمتي ( عن ملك ) بفتح اللام : أي عن شأنه أو عظم خلقه ( من ملائكة الله تعالى ) قيل هو إسرافيل أضيف إليه لمزيد التفخيم والتعظيم ( من حملة العرش ) أي من الذين يحملون عرش الرحمن الذي هو أعظم المخلوقات المحيط بجميع العوامل
والعرش السرير ( ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة سنة ) وفي رواية سبعين عاما . أي بالفرس الجواد كما في خبر آخر فما ظنك بطوله وعظم جثته ؟ قال الطيبي : والمراد بسبع مئة عام هنا التكثير لا التحديد لأنه أليق بالكلام وأدعى للمقام وقال اذن لي ليفيد أن علم الغيب مختص به تعالى لكنه يطلع منه من شاء على ما شاء . وليس على من أطلعه أن يحدث إلا بإذنه . وشحمة الآذن ما لان من أسفلها وهو معلق القرط والعاتق ما بين المنكب والعنق وهو موضع الرداء يذكر ويؤنث ( فإن قلت ) الملائكة أجسام نورانية والأنوار لا توصف بالأذن والعنق ( قلت ) لا مانع من تشكل النور على هيئة الإنسان وأن ضرب الأذن والعاتق مثلا مقربا للأفهام . <تنبيه> قال الإمام الرازي : اتفق المسلون على أن فوق السماء جسم عظيم هو العرش
( د ) في السنة ( والضياء ) المقدسي في المختارة ( عن جابر ) وسكت عليه أبو داود ورواه عنه الطبراني في الأوسط وقال الهيتمي رجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني فيه أيضا عن أنس بزيادة ولفظه : أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش وبين شحمة أذنه وعاتقه خفقان الطير سبع مئة سنة يقول ذلك الملك : سبحانك حيث كنت . وفيه عبد الله بن المنكدر ضعيف ورواه أبو يعلى عن أبي هريرة بلفظ : أذن لي أن أحدث عن ملك قد مرقت رجلاه من الأرض السابعة والعرش على منكبيه وهو يقول : سبحانك أين كنت وأين تكون . قال الهيتمي رجاله رجال الصحيح

(1/458)


907 - ( أذيبوا ) أي اسيلوا وفي المصباح ذاب الشيء سال والذائب خلاف الجامد ( طعامكم ) أي ما تناولتموه من عشائكم وغذائكم ( بذكر الله ) أي بملازمة الذكر عليه من نحو قراءة وتهليل وتكبير ( والصلاة ) الشرعية يعني اذكروا الله وصلوا عقب الأكل ( ولا تناموا ) عليه : أي بعد الطعام قبل انهضامه عن أعالي المعدة ( فتقسو ) أي فإنكم إن نمتم عليه تقسو وتقسو منصوب بفتحة على الواو لأنه جواب النهي ومن جعلها ضمير الجمع فإنما يتخرج على لغة أكلوني البراغيث ( قلوبكم ) أي تغلط وتشتد وتكتسب ظلمة وحجبا فلا تنجع فيها بعد ذلك المواعظ ولا تنزجر بالزواجر بل تصير كالحجر الصلب ومن قيل فيه :
وليس يزجركم ما توعظون به . . . وإليهم يزجرها الراعي فتنزجر
أبعد آدم ترجون الخلود وهل . . . تبقى فروع الأصل حين ينعقر ؟ [ ص 459 ]
لا ينفع الذكر قلبا قاسيا أبدا . . . والحبل في الحجر القاسي له أثر
والطعام ظلمة والذكر نور فيزال بنور الذكر ظلمة الطعام . قال الغزالي : وفيه أنه يستحب أن لا ينام على الشبع فيجمع بين غفلتين فيعتاد الفتور ويقسو قلبه ولكن ليصل أو يجلس يذكر الله فإنه أقرب إلى الشكر وأقل ذلك أن يصلي أربع ركعات أو يسبح مئة تسبيحة عقب كل أكلة وكان الثوري إذا شبع ليلة أحياها وإذا شبع يوما واصله بالذكر . قال الحراني : والقسوة اشتداد التصلب والتحجر
( طس عد وابن السني ) في اليوم والليلة ( وأبو نعيم في ) كتاب ( الطب ) النبوي ( هب عن عائشة ) ظاهر صنيع المصنف أن البيهقي خرجه وسكت عليه والأمر بخلافه بل تعقبه بقوله هذا منكر تفرد به بزيع وكان ضعيفا . اه . وقال الهيتمي بعد عزوه للطبراني : فيه بزيع وهو متروك وقال ابن محمود شارح أبي داود بعد ما عزاه لابن السني فيه بزيغ الخصاف متهم . وقال العراقي في الحديث سنده ضعيف وأورده ابن الجوزي ف الموضوع وقال بزيغ متروك وهو تعسف لما أن الترك لا يوجب الحكم بالوضع . واعلم أن للحديث طريقين : الأول عن عبد الرحمن بن المبارك عن بزيغ عن هشام عن عروة عن عائشة والثاني عن أبي الأشعث عن أهرم بن حوشب عن عبد الله الشيباني عن هشام عن عروة عن عائشة فأخرجه من الطريق الأول الطبراني والأوسط وابن السني وأبو نعيم والبيهقي ومن الطريق الثاني ابن السني . فأما بزيغ فمتروك بل قال بعضهم متهم وأما أصرم ففي الميزان عن ابن معين كذاب خبيث وعن ابن حبان كان يضع على الثقات وقال ابن عدي هو معروف ببزيع فلعل أصرم سرقه منه ولهذا حكم الجوزي بأنه موضوع فقال موضوع بزيع متروك وأصرم كذاب وتعقبه المؤلف بأن العراقي اختصر في تخريج الإحياء على تضعيفه وأنت خبير بأن هذا التعقيب أوهن من بيت العنكبوت وبأن له عند الديلمي شاهدا من حديث أصرم هذا وعن علي مرفوعا : أكل العشاء والنوم عليه قسوة في القلب هذا حاصل تعقبه

(1/458)


908 - ( أرأف ) في رواية للطبراني وغيره : أرحم ( أمتي بأمتي ) أي أكثرهم رأفة : أي شدة رحمة ( أبو بكر ) لأن شأنه العطف والرحمة واللين والقيام برعاية تدبير الحق تعالى ومراقبة صنعه فكان يدور مع الله في التدبير ويستعمل اللين مع الكبير والصغير . والرأفة أرق الرحمة
كذا ذكره أهل المعاني . وقال الحراني هي عطف العاطف على من يجد عنده منة وصلة فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ( وأشدهم ) ذكره نظيرا للمعنى : أقواهم صرامة وأصلبهم شكيمة ( في دين الله عمر ) لغلبة سلطان الجلال على قلبه فأبو بكر مع المبتدأ وهو الإيمان وعمر مع ما يتلوه وهو الشريعة لأن حق الله على عباده أن يوحدوه فإذا وحدوه فحقه أن يعبدوه بما أمر ونهى ولذا قبل لأبي بكر : الصديق لأنه صدق بالإيمان بكمال الصدق وعمر فاروق لأنه فرق بين الحق والباطل
وأسماؤهما تدل على مراتبهما بالقلوب وشأن درجتهما في الأخبار متواترة ( وأصدقهم حياء ) من الله ومن الخلق ( عثمان ) بن عفان فكان يستحي حتى من حلائله وفي خلوته . ولشدة حيائه كانت تستحي منه ملائكة الرحمن وسيجيء في خبر : إن الحياء من الإيمان فكأنه قال أصدق الناس إيمانا عثمان وفي خبر : الحياء لا يأتي إلا بخير فكأنه قال عثمان لا يأتي منه إلا الخير أو لا يأتي إلا بالخير ( وأقضاهم علي ) أي أعرفهم بالقضاء بأحكام الشرع . قال السمهودي : ومعلوم أن العلم هو مادة القضاء . قال الزمخشري : سافر رجل مع صحب له فلم يرجع حين رجعوا فاتهمهم أهله فرفعوهم إلى شريح فسألهم البينة على قتله فارتفعوا إلى علي فأخبروه بقول شريح فقال :
أوردها سعد وسعد مشتمل . . . ما هكذا يا سعد تورد الإبل
ثم قال إن أصل السقي التشريع ثم فرق بينهم وسألهم . فاختلفوا ثم أقروا بقتله فقتلهم به : وأخباره في هذا الباب مع عمر وغيره لا تكاد تحصى . قالوا وكما أنه أقضى الصحب في العلم الظاهر فهو أفقههم بالعلم الباطن : قال الحكيم [ ص 460 ] الترمذي في قول المصطفى صلى الله عليه و سلم لعلي : البس الحلة التي خبأتها لك : هي عندنا حلة التوحيد فإن الغالب على علي التقدم في علم التوحيد وبه كان يبرز على عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم . إلى هنا كلامه . ( وأفرضهم ) أي أكثرهم علما بمسائل قسمة المواريث وهو علم الفرائض ( زيد بن ثابت ) أي أنه يصير كذلك ومن ثم كان الحبر ابن عباس يتوسد عتبة بابه ليأخذ عنه ( وأقرؤهم ) أي أعلمهم بقراءة القرآن ( أبي ) بن كعب بالنسبة لجماعة مخصوصين أو وقت من الأوقات فإن غيره كان أقرأ منه أو أكثرهم قراءة أو أنه أتقنهم للقرآن وأحفظهم له ( وأعلمهم بالحلال والحرام ) أي بمعرفة ما يحل ويحرم من الأحكام ( معاذ بن جبل ) الأنصاري : يعني أنه سيصير كذلك بعد انقراض عظماء الصحابة وأكابرهم وإلا فأبو بكر وعمر وعلي أعلم منه بالحلال والحرام وأعلم من زيد بن ثابت في الفرائض ذكره ابن عبد الهادي . قال ولم يكن زيد على عهد المصطفى صلى الله عليه و سلم مشهورا بالفرائض أكثر من غيره ولا أعلم أنه تكلم فيها على عهده ولا عهد الصديق رضي الله عنهم . ( ألا وإن لكل أمة أمينا ) أي يأتمنونه ويثقون به ولا يخافون غائلته ( وأمين هذه الأمة ) المحمدية ( أبو عبيدة عامر بن الجراح ) أي أشدهم محافظة على الأمانة وتباعدا عن مواقع الخيانة . والأمين المأمون وهو مأمون الغائلة : أي ليس له غدر ولا مكر . وقال ابن حجر : الأمين الثقة الرضي وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره لكن السياق يشعر بأن له مزية فيها لكن خص النبي صلى الله عليه و سلم كل واحد من الكبار بفضيلة وصفه بها فأشعر بقدر زائد فيها على غيره . اه . وإنما قطع هذا الأخير عما قبله وعنونه بحرف التنبيه : إشارة إلى أن أولئك لم يستأثروا بجميع المآثر الحميدة بل لمن عداهم مناقب أخر فكأنه قال لا تظنوا تفرد أولئك بجموم المناقب بل ثم من اختص بمزايا منها عظم الأمانة كابي عبيدة
( ع ) من طريق ابن السلماني عن أبيه ( عن ابن عمر ) بن الخطاب وابن السلماني حاله معروف لكن في الباب أيضا عن أنس وجابر وغيرهما عن الترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم لكن قالوا في روايتهم بدل أرأف : أرحم وقال الترمذي حسن صحيح والحاكم على شرطهما . وتعقبهم ابن عبد الهادي في تذكرته بأن في متنه نكارة وبأن شيخه ضعفه بل رجح وضعه . اه . وقال ابن حجر في الفتح : هذا الحديث أورده الترمذي وابن حبان من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء مطولا وأوله أرحم وإسناده صحيح إلا أن الحفاظ قالوا إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري . اه

(1/459)


909 - ( أراكم ) بفتح الهمزة ( ستشرفون مساجدكم ) أي تتخذون لها سيأتي شرفات ( بعدي ) أي بعد وفاتي ( كما شرفت اليهود كنائسها ) جمع كنيسة وهي متعبدهم وتطلق على متعبد النصارى أيضا وهي معربة ( وكما شرفت النصارى بيعها ) جمع بيعة بالكسر متعبدهم . أي فأنا أنهاكم عن اتباعهم ولستم بسامعيه بل أنتم لا بد فاعلوه مع كونه مذموما مكروها . وأخذ بذلك الشافعية فكرهوا نقش المسجد وتزويقه واتخاذ شرفات له . قال الحراني : قوي في هذه الأمة حال تينك الملتين لما آتاهم الله من الكتاب والعلم والحكمة فاختلفوا فيها بالأغراض والأهواء وإيثار عرض الدنيا وزينتها وحللوا لهم ما حرم الله توصلا به إلى أغراضهم في الاعتداء على من حسدوه من أهل التقوى فاستقر حالهم على مثل حالهم حتى في مساجدهم . اه . وذا من معجزاته صلى الله عليه و سلم فإنه إخبار عن غيب وقع
( د عن ابن عباس ) وفي الباب غيره أيضا

(1/460)


[ ص 461 ] 910 - ( أربا الربا ) أي أزيده إثما ( شتم الأعراض ) بالفتح جمع عرض بالكسر : أي سبها . قال الحراني : والربا هو الفضل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية عنه والعرض محل المدح والذم من الإنسان ( وأشد الشتم الهجاء ) أي الوقيعة في أعراض الناس بالشعر والرجز ( والراوية ) أي الذي يروي الهجاء وينشده بزور ويصوره فهو ( أحد الشاتمين ) بفتح الميم بلفظ التثنية أو بكسرها بلفظ الجمع : أي حكمه حكمهم في الإثم والذم . وقد استفدنا من الخبر أن الهجو حرام : أي إذا كان لمعصوم ولو ذميا وإن صدق أو كان بتعريض كما صرح به الإمام الرافعي وترد به الشهادة أما غير معصوم كحربي ومرتد فلا وكذا مسلم متجاهل متهتك بمعصية فيجوز هجوه بما تجاهر به فقط بقصد زجره . قال في الحماسة :
أصون عرضي بمالي لا أدنسه . . . لا بارك الله بعد العرض في المال
( عب هب عن عمرو بن عثمان مرسلا ) ظاهر صنيع المصنف أنه لا علة فيه غير الإرسال والأمر بخلافه فقد قال الذهبي في المهذب إنه منقطع أيضا وعمرو هذا من التابعين كبير الشأن

(1/461)


911 - ( أربا الربا ) أي أزيده إثما وأقبحه جرما ( تفضيل المرء ) أي زيادته ( على أخيه ) في الإسلام ( بالشتم ) أي السب والذم . قال الطيبي : أدخل العرض في جنس المال على سبيل المبالغة وجعل الربا نوعين : متعارفا وغير متعارف وهو - أي غير المتعارف - استطالة الرجل اللسان في عرض صاحبه بأكثر مما يستحقه ثم فضل أحد النوعين على الآخر ولما بين العرض والمال من المناسبة . وقال الغزالي : إن ذلك من الكبائر . وأخرج البيهقي عن ابن مسعود أنه جاء رجل يشكو جاره فقال : إنك إن سببت الناس سبوك وإن نافرتهم نافروك وإن تركتهم تركوك وعن سليم بن زياد : مكتوب في التوراة من لم يسالم الناس لم يسلم ومن شتم الناس شتم ومن طلب الفضل من غير أهله ندم . وقال كسرى لوزيره : ما الكرم ؟ قال : التغافل عن الزلل قال : فما اللوم ؟ قال : الاستقصاء على الضعيف والتجاوز عن الشديد قال : فما الحياء ؟ قال : الكف عن الخنا
( ابن أبي الدنيا ) واسمه يحيى ( في ) كتاب فضل ( الصمت عن أبي نجيح مرسلا ) ورواه بمعناه مسند الطبراني عن يوسف بن عبد الله بن سلام يرفعه بلفظ : أربا الربا استطالة أحدكم في عرض أخيه المسلم . قال الهيتمي : وفيه محمد بن موسى الأملي عن عمر بن يحيى ولم أعرفهما وبقية رجاله ثقات . ورواه أيضا أبو يعلى عن عائشة مرفوعا بلفظ : أربا الربا عند الله استحلال عرض امرىء مسلم ثم قرأ { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } قال الهيتمي : ورجاله رجال الصحيح

(1/461)


912 - ( أربع ) من الخصال ( إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا ) أي لا بأس عليك وقت فوت الدنيا إن حصلت هذه الخصال ( صدق الحديث ) أي ضبط اللسان وعفته عن الكذب والبهتان ( وحفظ الأمانة ) بأن يحفظ جوارحه وما اؤتمن عليه فإن الكذوب والخائن لا قدر لهما عند لله ( وحسن الخلق ) بالضم بأن يكون حسن العشرة مع خلق الله ( وعفة مطعم ) بفتح الميم والعين : بأن لا يطعم حراما ولا ما قويت الشبهة فيه ولا يزيد عن الكفاية حتى من الحلال ولا يكثر من الأكل . وأطلق الأمانة لتشيع في جنسها فيراعى أمانة الله في التكاليف . وأمانة الخلق في الحفظ [ ص 462 ] والأداء . ثم إن ما ذكر من أن سياق الحديث ذلك هو ما في رواية أحمد وغيره لكن لفظ رواية البيهقي بدل وحسن إلخ : وحسن خليقة وعفة طعمة
( حم طب ك هب عن ابن عمر ) بن الخطاب قال الهيتمي بعد ماعزاه لأحمد والطبراني فيه ابن لهيعة وبقية رجال أحمد رجال الصحيح ( طب عن ابن عمرو ) بن العاص قال العراقي : وفيه أيضا ابن لهيعة اه وقضية إفراد المصنف للطبراني بحديث ابن عمرو : تفرده به عن الأولين جميعا والأمر بخلافه بل رواه البيهقي في الشعب عنه أيضا عقب الأول ثم قال : هذا الإسناد أتم وأصح . اه فاقتصار المصنف على عزو الأول إليه وحذفه من الثاني مع كونه قال إنه الأصح : من ضيق العطن ( عد وابن عساكر ) في تاريخه ( عن ابن عباس ) قال الهيتمي : إسناد أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني حسن . اه . وقال المنذري : رواه أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي بأسانيد حسنة وفيه عند البيهقي شعيب بن يحيى . قال أبو حاتم ليس بمعروف . وقال الذهبي بل ثقة عن ابن لهيعة وفيه ضعف

(1/461)


913 - ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية ) أي من أفعال أهلها : يعني أنها معاصي يأتونها مع اعتقاد حرمتها . والجاهلية : ما قبل البعثة سموا به لفرط جهلهم ( لا يتركونهن ) أي لا تترك أمتي شيئا من تلك الخصال الأربع . قال الطيبي : قوله في أمتي : خبر لأربع : أي خصال أربع كائنة في أمتي ومن أمر الجاهلية . ولا يتركونهن : حالان من الضمير المتحول إلى الجار والمجرور وهذا خرج مخرج الذم والتعييب لها فأولها ( الفخر في الأحساب ) أي الشرف بالآباء والتعاظم بعد مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم وذلك جهل فلا فخر إلا بالطاعة ولا عز لأحد إلا بالله . والأحساب جمع حسب وهو ما يعده المرء من الخصال له أو لآبائه من نحو شجاعة وفصاحة والثاني ( الطعن في الأنساب ) أي الوقوع فيها بنحو ذم وعيب : بأن يقدح في نسب أحد من الناس فيقول ليس هو من ذرية فلان وذلك يحرم لأنه هجوم على الغيب ودخول فيما لا يعني والأنساب لا تعرف إلا من أهلها قال ابن عربي : وهذا أمر ينشأ من النفاسة في أنه لا يريد أن يرى أحدا كاملا وذلك لنقصانه في نفسه ولا يزال الناس يتطاعنون في الأنساب ويتلاعنون في الأديان ويتباينون في الأخلاق قسمة العليم الخلاق قال : ولا أعلم نسبا سلم من الطعن إلا نسب المصطفى صلى الله عليه و سلم والثالث ( الاستسقاء بالنجوم ) أي اعتقاد أن نزول المطر بظهور كذا وهو حرام لأنه إشراك ظاهر إذ لا فاعل إلا الله بل متى اعتقد أن للنجم تأثيرا كفر قال الحراني : فالمتعلق خوفهم ورجاؤهم بالآثار الفلكية هم صابئة هذه الأمة كما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم بأنفسهم وغيرهم من الخلق مجوس هذه الأمة ( و ) الرابع ( النياحة ) أي رفع الصوت بالندب على الميت لأنها سخط لقضاء الله ومعارضة لأحكامه . قال ابن العربي : هذه من أخبار الغيب التي لا يعلمها إلا الأنبياء فإنهم أخبر بما يكون قبل كونه فظهر حقا فالأربع محرمات ومع حرمتها لا يتركونها هذه الأمة - أي أكثرهم - مع العلم بحرمتها
( م ) في الجنائز ( عن أبي مالك الأشعري ) واسمه الحارث ولم يخرجه البخاري بلفظه

(1/462)


914 - ( أربع حق على الله ) أي يستحقون عليه ( عونهم ) أي إعانتهم بالنصر والتأييد والنجاح والتسديد فضلا منه لكرامتهم عليه ( الغازي ) من خرج بقصد قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا ( والمتزوج ) بقصد عفة فرجه وتكثير النسل ليباهي به المصطفى صلى الله عليه و سلم الأمم يوم القيامة أو نحو ذلك ( والمكاتب ) الساعي في أداء النجوم لسيده ( والحاج ) أي من خرج حاجا حجا مبرورا وقد نظمهم المصنف فقال : [ ص 463 ]
حق على الله عون جمع . . . وهو لهم في غد يجازي
مكاتب وناكح عفافا . . . ومن أتى بيته وغازي
وذيل عليه الفارضي من أحيا أرضا ميتة فقال :
وجا من للموات أحي . . . فهو لها خامس يوازي
( حم عن أبي هريرة ) رمز المصنف لحسنه

(1/462)


915 - ( أربع دعوات لا ترد ) بالبناء للمفعول أي لا يرد الله واحدة منها ( دعوة الحاج ) ما دام في النسك ( حتى يرجع ) يعني يفرغ من أعماله ويصدر إلى أهله ( ودعوة الغازي ) للكفار لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ( حتى يصدر إلى أهله ) أي يرجع إليهم وغاير التعبير للتفنن وكراهة لتوالي الأمثال . وأصل الصدر الانصراف يقال صدر القوم وأصدرتهم إذا صرفنهم وصدرت عن المحل رجعت ( ودعوة المريض ) غير العاصي بمرضه ( حتى يبرأ ) من مرضه أي يسلم منه وبرىء كسلم وزنا ومعنى وعند أهل الحجاز برأ من المرض من باب قطع وفي الأساس فلان بارىء من علته وتقول العرب حق على البارىء من اعتلاله أن يؤدي شكر البارىء في إبلاله ( ودعوة الأخ لأخيه ) في الإسلام وإن كان حاضرا فيما يظهر ( بظهر الغيب ) أي وهو لا يشعر به لأنها أبلغ في الإخلاص ولأنه سبحانه يعينه في دعائه كما ينطق به خبر إن الله في عون العبد ( وأسرع هؤلاء الدعوات ) إجابة أو قبولا ( دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب ) والغيب ما غاب عنك وحتى في القرائن الأربع بمعنى إلى نحو سرت حتى تغيب الشمس وهذا وإن أوهم أن دعاء هؤلاء لا يستجاب بعد ذلك لكن الأسباب مختلفة فيكون سبب الإجابة حينئذ أمر آخر غير المذكور ولفظ الظهر مقحم ومحله نصب على الحال من المضاف إليه لأن الدعوة مصدر أضيف إلى الفاعل ذكره الطيبي
( فر عن ابن عباس ) وفيه عبد الرحمن بن زيد الحواري قال الذهبي قال البخاري تركوه

(1/463)


916 - ( أربع ) من الخصال قال الكرماني مبتدأ بتقدير أربع خصال وإلا فهو نكرة صرفة والشرطية خبره ويحتمل كون الشرطية صفة وإذا حدث إلخ خبره وقال التفتازاني أربع مبتدأ والجملة بعده صفة له قال : والأحسن أن يجعل أربع خبرا مقدما أو مبتدأ لخبر وخصاله من إذا مفسر أي في الوجود أربع ( من كن فيه كان منافقا خالصا ) نفاق عمل لا نفاق إيمان ( ومن كانت فيه خصلة ) بفتح الخاء ( منهن ) أي من هؤلاء الأربع ( كان فيه خصلة ) بفتح الخاء أي خلة ( من النفاق حتى يدعها ) أي يتركها قال الحافظ ابن حجر النفاق لغة مخالفة الباطن للظاهر فإن كان في اعتقاد اإيمان فهو نفاق الكفر وإلا نفاق العمل ويدخل فيه الفعل والترك وستفاوت مراتبه وقوله خالصا أي شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال لغلبتها عليه ومصيرها خلقا وعادة وديدنا له ( إذا حدث ) أي أخبر عن ماضي الأحوال ( كذب ) لتمهيد معذورته في التقصير ( وإذا وعد ) بإيفاء عهد الله ( أخلف ) أي لم يف ( وإذا عاهد غدر ) أي نقص العهد ( وإذا خاصم فجر ) مال في الخصومة عن الحق وقال الباطل قال البيضاوي يحتمل أن يكون هذا مختصا بأبناء زمانه فإنه علم بنور الوحي بواطن أحوالهم وميز بين من آمن صدقا ومن أذعن له نفاقا وأراد تعريف أصحابه بحالهم ليحذروهم [ ص 464 ] ولم يصرح بأسمائهم لعلمه بأن منهم من يتوب فلم يفضحهم ولأن عدم التعيين أوقع في النصيحة وأجلب للدعوة إلى الإيمان وأبعد عن النفور والمخاصمة ويحتمل كونه عاما لينزجر الكل عن هذه الخصال على آكد وجه إيذانا بأنها طلائع النفاق الذي هو أسمج القبائح فإنه كفرتموه باستهزاء وخداع مع رب الأرباب ومسيب الأسباب فعلم من ذلك أنها منافية لحال المسلمين فينبغي للمسلم أن لا يرتع حولها فإن من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ويحتمل أن المراد بالمنافق العرفي وهو من يخالف سره عليه مطلقا ويشهد له قوله من كان فيه خصلة منهن إلخ لأن الخصائل التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن لا يزيد على هذا فإن نقص منها خصلة نقص الكمال إلى هنا كلامه . قال الطيبي والكذب أقبحها لتعليله تعالى عذابهم به في قوله { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } ولم يقل بما كانوا يصنعون من النفاق إيذانا بأن الكذب قاعدة مذهبهم وأسه فينبغي للمؤمن المصدق اجتنابه لمنافاته لوصف الإيمان انتهى ويليه الخلف في الوعد قال الغزالي والخلف في الوعد قبيح فإياك أن تعد بشيء إلا وتفي به بل ينبغي أن يكون إحسانك للناس فعلا بلا قول فإن اضطررت إلى الوعد فاحذر أن تخلف إلا لعجز أو ضرورة فإن ذلك من أمارات النفاق وخبائث الأخلاق والفجور لغة الميل والشق فهو هنا إما ميل عن القصد المستقيم أو شق ستر الديانة ولا تناقض بين قوله هنا أربع وآنفا آية المنافق ثلاث إذ قد يكون لشيء واحد علامات كل منها يحصل بها صفته فتارة يذكر بعضها وأخرى أكثرها وطورا كلها قال النووي والقرطبي حصل من مجموع الروايتين خمس خصال لأنهما تواردا على الكذب والخيانة وزاد الأول خلف الوعد والثاني الغدر والفجور في الخصومة
( حم ق 3 عن ابن عمرو ) ابن العاص وظاهر صنيع المؤلف أنه لم يخرجه من الستة إلا هؤلاء والأمر بخلافه فقد رواه أبو داود والنسائي أيضا

(1/463)


917 - ( أربع من كن فيه حرمه الله ) في الآخرة ( على النار ) أي منعه من دخولها إذا فعل مع ذلك المأمورات وتجنب المنهيات ( وعصمه ) في الدنيا ( من الشيطان ) أي منعه منه ووقاه بلطفه من كيده والعصمة المنع يقال عصمه الطعام أي منعه والحفظ كما في الصحاح ( من ملك نفسه حين يرغب وحين يرهب ) أي حين يريد ويشتهي وحين يخاف ويكره لأن لكل رغبة ورهبة وشهوة حرارة تثور في النفس في الباطن كاضطرام النار حرصا على أن تدرك مرادها فإذا أخمد تلك النار حرم الله عليه نار القيامة قال المولى التفتازاني والرغبة في الشيء الإرادة المقارنة للرضى من رغب في الشيء بالكسر وارتغب فيه مثله لا من رغبت عن الشيء إذا لم ترده . وقال الراغب : الرهبة مخافة مع تحزن واضطراب ( وحين يشتهي وحين يغضب ) لأن الملك للقلب على النفس فمن كان قلبه مالكا لنفسه في هذه الأحايين لأربع فقد حرم على النار واختسأ شيطانه لأن الدنيا كلها في هذه الأربع فإذا ملك القلب النفس بقوة المعرفة والعلم بالله فقد دقت دنياه في عينه وتلاشت ومن ملك نفسه قلبه بقوى الهوى فكل شعبة من شعب دنياه في عينه كالجبال فعظم عنده شأنها وصارت الآخرة في فلبه كالحلم فإذا انتبه ندم فإذا كان القلب أميرا أعطى النفس من الشهوة قدر ما أحله الشارع ومنعها ما سواها لئلا يتطاير شرورها وتشتعل نارها في العروق فتجاوز الحدود ( وأربع من كن فيه نشر الله ) تعالى ( عليه رحمته ) أي بثها عليه وأحيى قلبه بها في الدنيا ( وأدخله جنته ) في [ ص 465 ] الأخرى ( من آوى مسكينا ) أي أمكنه عنده وكفاه المؤنة أو تسبب له في ذلك والمراد هنا ما يشمل الفقير لقول إمامنا الشافعي إذا اجتمعا افترقا وإذا افترفا اجتمعا ( ورحم الضعيف ) حسا ومعنى أي رق له وعطف عليه وأحسن إليه ( ورفق بالمملوك ) أي مملوكه بقرينة ما بعده بأن لم يحمله على الدوام ما لا يطيقه ويطعمه من طعامه ويلبسه من لباسه ( وأنفق على الوالدين ) أي أبويه وإن عليا لأنه لما غلب عليه سلطان الرحمة في الدنيا فرحم هؤلاء فجوزي بشمول الرحمة في الآخرة وسبوغها له والجزاء من جنس العمل
( الحكيم ) الترمذي في النوادر ( عن أبي هريرة ) وإسناده ضعيف

(1/464)


918 - ( أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة لسان ذاكرا ) لله تعالى لأن الذاكر جليس الله تعالى والذكر منشور الولاية فمن أعطيهن فقد أعطي المنشور وذلك أعظم الخيور ( وقلب شاكر ) له تعالى لأن الشكر يرتبط به العتيد ويستجلب به المزيد بنص { ولئن شكرتم لأزيدنكم } وهو الاعتراف بالنعمة والقيام بحق الخدمة وأناط الأول باللسان إشارة إلى أنه آية الفلاح وإن لم يصحبه حضور وقد شكا رجل إلى بعض العارفين عدم حضور قلبه حال ذكره فقال له ياهذا يكفيك أنه استعمل جارحة من جوارحك في ذكره على أن دوام الذكر اللساني ينقلب قلبيا . قال في الحكم لاتترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه فإن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع غفلة إلى ذكر مع حضور يقظة ومن ذكر مع حضور يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز ( وبدن على البلاء ) بفتح الموحدة ( صابر ) فإن الله إذا أحب عبدا ابتلاه كما في حديث مر ومن أحبه الله فاز بخير الدارين وأناط الثاني بالقلب لأنه المتفكر في مصنوعات الله وآلائه الباعثة على الاقرار بالنعم والقيام بالخدمة ومن جمع بين الذكر والفكر فقد فاز بالسعادة . أوحى الله إلى داود عليه السلام " تخلق بأخلاقي ومن أخلاقي أنني أنا الصبور " ( وزوجة لا تبغيه خونا ) أي لا تطلب خيانة وهو بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو أن يأتمن الإنسان فلا ينصح وفي بعض النسخ حوبا بحاء مهملة مضمومة أي إثما وهو تصحيف ( في نفسها ) بأن لا تمكن غيره من الزنا بها أو من مقدماته ( ولا ماله ) بأن لا تتصرف فيه بما لا يرضيه قال القاضي المرأة الصالحة أنفع من الذهب فإن الذهب لا ينفع إلا بعد الذهاب وهي ما دامت معك رفيقتك تنظر إليها تسرك وتقضي إليها عند الحاجة وطرك وتشاورهما فيما يعن لك فتحفظ سرك وتستمد منها في حوائجك فتطع أمرك وإذا غبت تحامى مالك وترعى عيالك ولو لم يكن إلا أنها تحفظ بذرك وتربي زرعك لكفى به فضلا
( طب ) وفي الأوسط أيضا ( هب ) من حديث طلق بن حبيب ( عن ابن عباس ) قال الهيتمي بعد ما عزاه للطبراني في الكبير وفي الأوسط رجال الأوسط رجال الصحيح انتهى وقال المنذري بعد عزوه للكبير والأوسط إسناد أحدهما جيد يعني الأوسط وبذلك يعرف أن إهمال المؤلف الطريق الصحيح وإيثاره الضعيف من سوء التصرف هذا وقد رمز لحسنه

(1/465)


919 - ( أربع من سنن المرسلين ) من الحق إلى الخلق والمراد الرسل من بني آدم بقرينة ذكر النكاح ( الحياء ) بحاء مهملة فمثناة بخط المصنف وقيل بنون قال ابن العربي هو أشبه بما قارنه من التعطر والسواك وقال البيضاوي روى الحنا بالنون والحياء بمثناة والختان فالأول على تقدير مضاف كالاستعمال والخضاب فإن الحناء نفسه لا يكون سنة وطريقة وهو أوفق للتعطر والثاني يؤول بما يقتضيه الحياء ويوجبه كالستر وتجنب الفواحش والرذائل فإن الحياء نفسه أمر جبلي ليس بالكسب حتى يعد من السنن والثالث ظاهر الحياء بمهملة وتحتية والختان بمعجمة ففوقية مثناة والحناء بمهملة فنون مشددة ما يخضب به قال وهذه الرواية غير صحيحة ولعلها تصحيف لأنه يحرم على الرجل خضب يده ورجله وأما خضاب الشعر فلم يكن قبل نبينا فلا يصح إسناده للمرسلين وقال ابن حجر الحياء قيل بتحتية مخففة [ ص 466 ] وقد ثبت أن الحياء من الإيمان وقيل بنون فعلى الأول هي خصلة معنوية تتعلق بتحسين الخلق وعلى الثاني حسية تتعلق بتحسين البدن وقال شيخه الزين العراقي بعد حكايته إنه بتحتية أو نون وكلاهما غلط والصواب الختان فوقعت النون في الهامش فذهبت فاختلف في لفظه وهو أولى منهما إذ الحياء خلق والحنا ليس من السنن ولا ذكره المصطفى في خصال الفطرة بخلاف الختان فإن إبراهيم عليه الصلاة و السلام أمر به واستمر بعده في الرسل وأتباعهم حتى المسيح عليه السلام فإنه اختتن انتهى وتقدمه لنحوه ابن القيم فنقل في الهدى عن المزي أن صوابه الختان وسقطت النون قال وهكذا رواه المحاملي عن شيخه الترمذي ( والتعطر ) استعمال العطر وهو الطيب فإنه يزكي الفؤاد ويقوي القلب والجوارح وهم محتاجون إلى ذلك لثقل الوحي { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ( والنكاح ) الوطء لأن النور يملأ قلوبهم فيفيض في العروق فيكون ريح الشهوة فيحدث ريح القوة وشاهد ذلك من الكتاب { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } ( والسواك ) لأن الفم طريق لكتاب الله المنزل عليهم ومحل لمناجاة الملك فيتأكد في حقهم أكثر <تنبيه> هذا الحديث ظاهره مشكل فإن نوحا أول الرسل كما يأتي في خبر ولم يختتن إذ أول من اختتن إبراهيم كما مر في الخبر وعيسى لم يتزوج وكونه يتزوج بعد نزوله بفرض تسليم وروده غير دافع للشبهة فإنه إنما ينزل محمديا عالما بأحكام هذه الملة ولا مخلص من ذلك إلا بأن يقال المراد بالمرسلين أكثرهم
( حم ت هب ) كلهم من حديث مكحول عن ابن السماك ( عن أبي أيوب ) الأنصاري قال الترمذي حسن غريب انتهى وتبعه المصنف فرمز لحسنه وقال المناوي وغيره فيه أبو الثمال مجهول الحال وقال ابن محمود شارح أبي داود في سنده ضعيف ومجهول وقال ابن العربي في شرح الترمذي فيه الحجاج ليس بحجة وعباد بن العوام

(1/465)


920 - ( أربع من سعادة المرء ) أي من بركته ويمنه وعزه ( أن تكون زوجته صالحة ) أي دينه جميلة إذ المراد الصلاح لما يراد منها دينا ودنيا ( وأولاده أبرارا ) أي يبرونه ويتقون الله ( وخلطاؤه ) أي أصحابه وأهل حرفته الذين لا بد له من مخالطتهم ( صالحين ) أي قائمين بحقوق الله وحقوق خلقه ( وأن يكون رزقه ) أي ما يرتزق منه من حرفة أو صناعة أو تجارة ( في بلده ) أي في محل إقامته بلدا كان أو غيره وخص البلد لأن الغالب الإقامة فيه والمراد أنه ليحصل كد الأسفار الشاسعة واقتحام المفاوز النائية وهذه حالة فاضلة وأعلى منها أن يأتيه من حيث لا يحتسب كما مر في خبره ويقاس بالرجل المرأة فيقال أربع من سعادة المرأة أن يكون زوجها صالحا وهكذا
( ابن عساكر ) في تاريخه ( فر عن علي ) أمير المؤمنين وفيه سهل بن عامر البجلي قال الذهبي في الضعفاء كذبه أبو حاتم ( ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان عن عبد الله بن الحكم ) ابن أبي زياد العطواني صدوق مات بالكوفة ( عن أبيه ) الحكم ( عن جده ) أبي زياد الكوفي المذكور رمز المصنف لضعفه

(1/466)


921 - ( أربع ) وفي رواية أربعة ( من ) أي من علامات ( الشقاء ) ضد السعادة ( جمود العين ) قلة دمعها كناية عن قسوة القلب كذا قيل وعليه فالعطف في قوله ( وقسوة القلب ) تفسيري والأوجه أن يقال إنه إشارة إلى قلة دمع العين إنما يكون من علامة الشقاء إذا كان ناشئا عن قسوة القلب وأنه لا تلازم بينهما وقسوته غلطته وشدته وصلابته في غير الله ( والحرص ) أي الرغبة في الدنيا والانهماك في تحصيلها وطلب الازدياد منها والحرص يحتاجه الأنسان لكن بقدر [ ص 467 ] معلوم فإذا تعدى الحد المحدود فقد أفسد دينه فكان بهذا الوجه من علامات الشقاء ( وطول الأمل ) بالتحريك رجاء الإكثار من الإقامة في الدنيا وزيادة الغنى . قال الثوري قصر الأمل الذي هو الزهد ليس مذموما . وأناط الحكم بطوله ليخرج أصله فإنه لا بد منه في بقاء هذا العالم إذ لولاه لما أرضعت والدة ولدا ولا غرس غارس شجرا فهو رحمة من الله على عباده كما يأتي في حديث قال الثوري قصر الأمل الذي هو الزهد ليس بلبس العباءة ولا بأكل الخشن وقال الفضيل ما أطال رجل الأمل إلا أساء العمل وكتب ابن أدهم إلى سفيان من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ومن أطلق بصره طال أسفه ومن أطلق أمله ساء عمله ومن أطلق لسانه قتل نفسه وقال ابن الوردي ومن كانت الدنيا أمله والخطايا عمله عظيم بطشه قليل فهمه عالم بدنياه جاهل بآخرته فويل له ويل له . <فائدة> شكى رجل إلى الحسن البصري قسوة قلبه فقال عليك بمجالسة الذكر والإحسان
( عد حل عن أنس ) من حديث الحسن بن علي عن أبي سعيد المازني عن الحجاج بن منهال عن صالح المري عن يزيد الرقاشي عن أنس ثم قال مخرجه أبو نعيم تفرد برفعه متصلا عن صالح الحجاج انتهى وقال الهيتمي صالح المري ضعيف وفي الميزان هذا حديث منكر انتهى والحسن بن عثمان قال الذهبي في الضعفاء كذيه ابن عدي ويزيد الرقاشي متروك ورواه البزار من طريق فيها هانىء المتوكل فقال الهيتمي هو ضعيف جدا ولذا حكم ابن الجوزي بوضعه وأقره عليه المؤلف في مختصر الموضوعات

(1/466)


922 - ( أربع لا يشبعن من أربع : عين من نظر ) إلى ما يستحسن ويستلذ به الطبع ( وأرض من مطر ) فكل مطر وقع عليها شربته وطلبت غيره ( وأنثى من ذكر ) فإنها فضلت على الرجل في قوة شبقها بأضعاف لكن الله ألقى عليها الحياء ولم يقل امرأة من رجل إشارة إلى شمول الحيوانات وهذا حكم على النوع لا على كل فرد فرد فقد يختلف في بعضهن لكن نادر جدا ( وعالم من علم ) فإنه إذا ذاق أسراره وخاض بحاره وفهم معناه وفقه مغزاه صار عنده أعظم اللذات وأشرف الأمنيات فدأب ليله ونهاره يرعى وإن وقف ذهنه الأنجم السارة . وعبر بعالم دون إنسان أو رجل لأن العلم صعب على المبتدىء فلا يلتذ به ولا يرغب في الزيادة منه
( عد خط ) كلاهما من طريق عباس بن الوليد الخلال عن عبد السلام بن عبد القدوس عن هشام عن أبيه ( عن عائشة ) وقال ابن عدي حديث منكر وعباس يروي العجائب وعبد السلام يروي الموضوعات وقال ابن طاهر رواه عن هشام بن حسين بن علوان وكان يضع الحديث ولعل عبد السلام سرقه منه انتهى وقال في الميزان الحسين بن علوان قال يحيى كذاب والدارقطني متروك الحديث وابن حبان كان يضع الحديث على هشام وغيره وضعا لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب ثم ساق له هذا الحديث وقال عقب قوله وعالم من علم وكذاب من كذب ورواه من هذا الوجه الطبراني فتعقبه الهيتمي وقال عبد السلام لا يحتج به وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات

(1/467)


923 - ( أربع ) من الركعات يصليهن الإنسان ( قبل الظهر ) أي قبل صلاته أو قبل دخول وقته ويؤيد الأول ما في رواية أخرى للترمذي بعد أن تزول الشمس قبل الظهر وهو عند الزوال ( ليس فيهن تسليم ) أي ليس بعد كل ركعتين منها قصل بسلام فالمعنى فيه كما قال البغوي التشهد قال الطيبي سمى التشهد بالتسليم لاشتماله عليه ( تفتح لهن أبواب السماء ) كناية عن حسن القبول وسرعة الوصول . وقال بعضهم : هذا الفتح نظير النزول المنزه عن الحركة [ ص 468 ] والانتقال بعد نصف الليل إذ كل منهما وقت قرب ورحمة وتسمى هذه سنة الزوال وهي غير سنة الظهر نص عليه في الإحياء وقال بعضهم هذه الأربع ورد مستقل سببه انتصاف وزوال الشمس
( د ت في ) كتاب ( الشمائل ) النبوية ( وابن خزيمة ) في الصلاة من صحيحه ( عن أبي أيوب ) الأنصاري وفيه كما قال جمع عبيدة بن مغيث الضبي الكوفي ضعفه أبو داود وقال المنذري لا يحتج بحديثه وقال يحيى القطان وغيره الحديث ضعيف وقال المنذري في موضع آخر في إسناد أبي داود احتمال للتحسين والمؤلف رمز لصحته

(1/467)


924 - ( أربع قبل الظهر كعدلهن ) أي كنظيرهن ووزانهن في الثواب ( بعد العشاء ) وأربع بعد العشاء ( كعدلهن من ليلة القدر ) فنتج أن أربعا قبل الطهر يعدلن أربعا في ليلة القدر من حيث مزيد الفضل أي في مطلقه ولا يلزم منه التساوي في القدر وهذه سنة الزوال كما تقرر والقصد الحث على فعلها والترغيب في إدامتها
( طس عن أنس ) رمز المصنف لحسنه وليس ذا منه بحسن فقد أعله الهيتمي بأن فيه يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف جدا

(1/468)


925 - ( أربع لا يصبن ) بالبناء للمفعول قال المؤلف ولا نافية ( إلا بعجب ) بعين مهملة محركا أي لا توجد وتجتمع في إنسان في آن واحد إلا على وجه عجيب عظيم يتعجب منه لعظم موقعه لكونها قل أن تجتمع ( الصمت ) أي السكوت عما لا ينبغي أو ما لا يعني المتكلم ( وهو أول العبادة ) أي مبناها وأساسها لأن اللسان هو الذي يكب الناس على مناخرهم في النار ( والتواضع ) أي لين الجانب للخلق على اختلاف طبقاتهم وطبائعهم ورؤية الإنسان نفسه حقيرا صغيرا ( وذكر الله ) أي لزومه والدوام عليه علامة حب الله ( وقلة الشيء ) الذي ينفق منه على نفسه وممونه فإن هذا لا يجامع السكون والوقار ولزوم الذكر بل الغالب على حال المقل الشكوى للناس وإظهار التضجر والتألم وشغل الفكر بالعيش الضنك بمنع صرف الهمة إلى الذكر فاجتماعهما شيء عجيب لا يحصل إلا بتوفيق إلهي وإمداد سماوي
( طب ك هب عن أنس ) سكت المصنف عليه فأواهم أنه لا علة فيه وهو اغترار بقول الحاكم صحيح وغفل عن تشنيع الذهبي في التلخيص والمنذري والحافظ العراقي عليه بأن فيه العوام بن جويرية قال ابن حبان وغيره يروي الموضوعات ثم ذكر له هذا الحديث . اه
وأورده في الميزان في ترجمة العوام وتعجب من إخراج الحاكم له
وقال ابن عدي : الأصل في هذا أنه موقوف على أنس وقد رفعه بعض الضعفاء عن أبي معاوية حميد بن الربيع وقد قال يحيى حميد كذاب . اه . ومن ثم أورد ابن الجوزي في الموضوع وقال العوام يروي الموضوعات عن الثقات . وتعقبه المصنف فلم يأت بطائل كعادته

(1/468)


926 - ( أربع لا يقبلن ) حال كونها ( في أربع ) يعني لا يثاب من أنفق منهن ولا يقبل عمله فيهن ( نفقة من خيانة أو سرقة أو غلول ) من غنيمة ( أو مال يتيم ) فلا يقبل الانفاق من هؤلاء الأربع ( في حج ) بأن حج بمال خانه أو سرقه أو غله أو غصبه من مال يتيم تحت حجره أو غيره ( ولا في عمرة ) هبهما حجة الإسلام وعمرته أم تطوعا ( ولا ) في ( جهاد ) هبه فرض عين أو كفاية ( ولا ) في ( صدقة ) مفروضة أو مندوبة كوقف أو غيره . والفرق بين الخائن والسارق أن الخائن هو الذي خان فيما ائتمن عليه وجعل تحت يده والسارق من أخذ خفية من موضع كان تنوعا من توصله . [ ص 469 ] وكما تقبل تلك الأربع في هذه الأربع لا تقبل في غيرها أيضا
وإنما خصها اهتماما بشأنها لكونه أمهات الفروض التي فيها الانفاق وكررها لدفع توهم إرادة الجمع
( ص عن مكحول مرسلا عن ابن عمر ) بن الخطاب رمز المؤلف لحسنه وفي المسند كوثر بن حكيم قال الذهبي تركوه وضعفوه

(1/468)


927 - ( أربع ) أي أربع جمل من القرآن ( أنزلت ) أي أنزلهن الله بواسطة أو بغيرها ( من كنز تحت العرش ) عرش الرحمن ( أم الكتاب وآية الكرسي وخواتيم البقرة والكوثر ) أي السورة التي فيها الكوثر وهي { إنا أعطيناك الكوثر } والكنز النفائس المدفونة المدخرة فهو إشارة إلى ذكر أنها ادخرت لنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام فلم تنزل على من قبله . قال الطيبي : هذا من إدخال الشيء في جنس وجعل أحد أنواعه على التغليب فالكنز نوعان متعارف وهو المال الكثير يجعل بعضه فوق بعض ويحفظ وغير متعارف وهو هذه الآيات الجامعة المكتنزة بالمعاني الإلهية
( طب وأبو الشيخ [ ابن حبان ] ) عبد الله بن جعفر ( والضياء ) المقدسي ( عن أبي أمامة ) الباهلي . قيل إن المصنف رمز لصحته وفيه عبد الرحمن بن الحسن أورده الذهبي في الضعفاء وقال قال أبو حاتم لا يحتج به والوليد بن جميل عن القاسم أورده الذهبي في الضعفاء وقال قال أبو حاتم روى عن القاسم أحاديث منكرة وقال في الكاشف لينه أبو زرعة

(1/469)


928 - ( أربع حق على الله أن لا يدخلهن الجنة ولا يذيقهم نعيمها : مدمن خمر ) أي مداوم على شربها ( وآكل الربا ) ويلحق به فيما يظهر : موكله أخذا من تسويته بينهما في اللعن في الحديث المار أول الكتاب بقوله : آكل الربا وموكله - إلى أن قال - ملعونون ولم يقيده كما قيد ما بعده لأن آكله لا يكون إلا بغير حق . والمراد بالأكل هنا التناول بأي وجه كان ( وآكل مال اليتيم بغير حق والعاق لوالديه ) أي لأصليه المسلمين وإن عليا وكذا العاق لأحدهما : أي إذا استحل كل منهم ذلك أو المراد مع السابقين الأولين أو حتى يطهرهم بالنار وعلى ماعدا الأول فهو وعيد فيه جائز لا مبرم بخلاف الوعد . وخص الأربعة لا لإخراج غيرها بل لغلبة وقوعها في الجاهلية
( ك هب عب ) من حديث إبراهيم بن خيثم بن عراك عن أبيه عن جده ( عن أبي هريرة ) قال الحاكم صحيح فتعقبه الذهبي بأن إبراهيم قال ابن أبي شيبة متروك والمنذري فقال صححه وفيه إبراهيم بن خيثم متروك

(1/469)


929 - ( أربع أفضل الكلام ) أي كلام الآدميين ( لا يضرك ) في حيازة ثواب الإتيان بهن ( بأيهن بدأت ) وهي ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) أما كلام الله فهو أفضل من التسبيح والتهليل المطلق والاشتغال بالمأثور في وقت أو حال مخصوص أفضل منه بالقرآن
قال البغوي : وهذا الحديث حجة لمن ذهب إلى من حلف لا يتكلم فسبح او هلل أو كبر يحنث لأنه كلام وذهب قوم إلى خلافه
( هـ عن سمرة ) بضم الميم وقد تسكن تخفيفا - ابن جندب رمز المؤلف لصحته

(1/469)


[ ص 470 ] 930 - ( أربع دعوتهم مستجابة ) أي مرجوة القبول ( الإمام العادل ) أي الحاكم الذي لا يجور في أحكامه . والعدل القصد في الأمور وهو ضد الجور ( والرجل ) يعني الإنسان ( يدعو لأخيه ) في الإسلام ( بظهر الغيب ) أي في غيبته ولفظ الظهر مقحم كما سبق قريبا ( ودعوة المظلوم ) على ظالمه ( ورجل ) وصف طردي والمراد إنسان ولو أنثى أو خنثى أو طفلا ( يدعو لوالديه ) يعني لأصليه وإن عليا أو لأحدهما بالمغفرة والهداية ونحوهما . وكلامه شامل للحيين والميتين وورد من يستجاب دعاؤه أيضا جماعة وذكر العدد لا ينفي الزائد
( حل عن واثلة ) بن الأسقع وفيه مخلد بن جعفر جزم الذهبي بضعفه وفيه محمد بن حنيفة الواسطي قال في الميزان قال الدارقطني غير قوي وأحمد ابن الفرج أورده الذهبي في الضعفاء وضعفه أبو عوف

(1/470)


931 - ( أربعة لا ينظر الله إليهم ) نظر رضى ومثوبة . والنظر تقليب الحدقة والله تعالى منزه عنه فالنظر في حقه بمعنى الإحسان وعدمه هو المقت والخذلان ( يوم القيامة ) إشارة إلى أن محل الرحمة والنعمة المستمرتين بخلاف رحمة الدنيا وعذابها فإنهما ينقطعان بتجرد الحوادث ( عاق ) لوالديه أو أحدهما ( ومنان ) زاد في رواية : الذي لا يعطى شيئا إلا منه ( ومدمن خمر ) أي معاقر لها ملازم على شربها ( ومكذب بالقدر ) بالتحريك : بأن أسند أفعال العباد إلى قدرهم . ولكون العقوق والمنة في كل منهما حق للآدمي وحق الله قدمهما على ما بعدهما لأنهما محض حق الله وفيه أن الأربعة المذكورة من الكبائر لهذا الوعيد
( طب عد عن أبي أمامة ) الباهلي قال الهيتمي رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما بشر بن نمير وهو متروك وفي الآخر عمر بن يزيد وهو ضعيف

(1/470)


932 - ( أربعة يبغضهم ) أي ممن يبغضهم ( الله ) تعالى يعذبهم ويحيلهم دار الهوان ( البياع الحلاف ) بالتشديد . صيغة مبالغة : أي الذي يكثر الحلف على سلعة لقد أعطى فيها أكثر من كذا ( والفقير المختال ) بخاء معجمة : أي المتكبر المعجب بنفسه ( والشيخ الزاني ) أي الرجل الذي قد أمسى وهو مصر على الوطء بغير عقد شرعي ومثله الشيخة الزانية ( والإمام الجائر ) أي الحاكم الظالم المائل عن الحق إلى الباطل يقال جار في حكمه يجور جورا وظلم عن الطريق مال . وإنما أبغضهم لأن الحلاف الكثير الحلف انتهك ما عظم الله من أسمائه وجعله سببا وحيلة لدرك ما حقره من الدنيا لعظمها في قلبه . فبغضه ومقته هذا في الحلف الصادق فما بالك بالكاذب ؟ والفقير المختال : أي المتكبر قد زوى الله عنه أسباب الكبر بحمايته له عن الدنيا فأبى لؤم طبعه إلا التكبر ولم يشكر نعمة الفقر فإن المصطفى صلى الله عليه وآله سلم يقول : الفقر على المؤمن أزين من العذار الجيد على خد الفرس . والشيخ الزاني عمر عمرا يحصل به الإنزجار واستولت أسباب الضعف وكلها حاجزة عن الزنا فأبى سوء طبعه إلا التهافت في معصية ربه . والإمام الجائر أنعم الله عليه بالسيادة والقدرة فأبى شؤم شح طبعه إلا الجور وكفر النعمة . وتعبيره بالبغض في هذه الأربعة وبعدم النظر في الأربعة قبلها يؤذن بأن هذه أقبح من تلك : فإن البغض أشد . ألا ترى أن الشخص [ ص 471 ] قد لا ينظر إلى الشيء ويعرض عنه احتقارا وعدم مبالاة به ولا يبغضه ؟
( ن هب ) وكذا الخطيب في التاريخ ( عن أبي هريرة ) قال الحافظ العراقي سنده جيد وقال الذهبي في الكبائر عقب عزوه للنسائي إسناده صحيح ومن ثم رمز المصنف لصحته

(1/470)


933 - ( أربعة ) أي أربعة أشخاص ( تجري ) بفتح أوله ( عليهم أجورهم بعد الموت ) أي لا ينقطع ثواب أعمالهم بموتهم بل يستمر ( من مات مرابطا في سبيل الله ) أي إنسان مات حال كونه ملازما ثغر العدو بقصد الذب عن المسلمين ( و ) الثاني ( من علم علما أجرى له عمله ما عمل به ) أي وأي إنسان علم علما وعمله غيره ثم مات فيجري عليه ثوابه مدة دوام العمل به من بعده ( و ) الثالث ( من ) أي إنسان ( تصدق بصدقة ) جارية مستمرة من بعده كوقف ( فأجرها يجري له ما وجدت ) أي فيجري له أجره مدة بقاء العين المتصدق بها وزاد بيان الجزاء في هذين لخفاء النفع فيه أو إيماء إلى تفضيلهما على الأول والأخير ( و ) الرابع ( رجل ) وصف طردي والمراد إنسان مات ( ترك ولدا صالحا ) أي فرعا مسلما
هبه ذكرا أو أنثى أو ولد ولد كذلك وإن سفل ( فهو يدعو له ) بالرحمة والمغفرة فإن دعاءه أرجى إجابة وأسرع قبولا من دعاء الأجنبي
ومر أنه لا تعارض بين قوله هنا أربعة وقوله في الحديث المتقدم إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث لأن أعمال الثلاثة متجددة وعمل المرابط ينمو له . وفرق بين إيجاد العدوم وتكثير الموجود
( حم طب ) وكذا البزار ( عن أبي أمامة ) الباهلي رمز المصنف لحسنه وأعله الهيتمي وغيره بأن فيه ابن لهبعة ورجل لم يسم لكن قال المنذري هو صحيح من حديث غير واحد من الصحابة

(1/471)


934 - ( أربعة يؤتون أجورهم مرتين ) أي يضاعف الله لهم ثواب ما عملوا مرتين ( أزواج ) جمع زوج والرجل زوج المرأة وهي زوجة ولم يقل زوجاته جمع زوجة لأن الأولى هي اللغة العالية الكثيرة وبها جاء القرآن نحو { اسكن أنت وزوجك الجنة } وإنما اقتصر الفقهاء في الاستعمال على اللغة القليلة وهي التي بها خوف لبس الذكر بالأنثى إذ لو قيل تركة فيها زوج وابن لم يعلم أذكر أم أنثى ( النبي صلى الله عليه و سلم ) فلهم أجر على أداء حق الله تعالى وأجر على القيام بخدمة رسوله ونقلهن ما بطن من الشريعة مما لا يطلع عليه غيرهن وحفظه على الأمة ومن ثم اتجه عدم دخول غير المدخولة في ذلك نعم فيه شمول لمن مات قبله منهن ولمن تأخرت وفاته والظاهر إلحاق سرائره بهن ويشبه أن هذا اللفظ مما رواه الصحابي بالمعنى وإلا لقال زوجاتي ( ومن أسلم من أهل الكتاب ) يعني الفرقة الناجية من النصارى إذ من كفر بعيسى من أهل الكتاب لا أجر له على عمله كما يجيء . وذلك لإيمانهم بالكتابين فلهم أجر على الإيمان بالإنجيل وأجر على الإيمان بالفرقان ( ورجل كانت عنده أمة ) يملكها وهي تحل له ( فأعجبته فأعتقها ) أي أزال عنها الرق لله تعالى ( ثم تزوجها وعبد مملوك ) قيد به للتمييز بينه وبين الحر فإنه أيضا عبد الله ( أدى حق الله تعالى وحق سادته ) فله أجر على أداء حق الله تعالى وأجر على أداء حق مواليه كما سبق موضحا ومن البين أن ذكر الإعجاب للتصوير لا للتقيد فكأنه خرج جوابا لسؤال وقد يقال إنما خصه لأنه إذا كان معجبا بها فعتقها صعب عسير على النفس لمصير [ ص 472 ] أمرها بيدها فلما قهر نفسه بعتقها رجاء للثواب دل على قوة إيمانه وكمال إيقانه فيجازى بعظم الأجر . وظاهر الحديث أن العامل قد يؤجر على عمل واحد مرتين ولا بدع فيه وإن كان عملا واحدا لكنه في الحقيقة عملان مختلفان طاعة الله وطاعة المخلوق فيؤجر على كل من العملين مرة لا مرتين وقد ورد أن جماعة أخرى يؤتون أجرهم مرتين وألف فيه المصنف مؤلفا حافلا جمع فيه نيفا وأربعين وذكر العدد لا ينفي الزائد إذ مفهومه غيرحجة عند الأكثر
( طب عن أبي أمامة ) الباهلي رمز المصنف لحسنه . قال الهيتمي : فيه علي بن يزيد الالهاني وهو ضعيف وقد وثق

(1/471)


935 - ( أربعة من كنز الجنة ) أي ثوابهن مدخر في الجنة التي هي دار الثواب وهو ثواب نفيس جدا ( إخفاء صدقة ) أي عدم إعلانها والمبالغة في كتمانها بحيث لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله كما بينه هكذا في خبر آخر والخفاء يقابل به الإبداء والإعلان { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها } والمراد صدفة النفل ( وكتمان المصيبة ) أي عدم إشاعتها وإذاعتها على جهة التضجر والشكوى مما حل به من البلوى ( وصلة الرحم ) أي الإحسان إلى القريب ومواساته بما يحتاجه ( وقول ) الإنسان ( لا حول ) أي لا تحول عن المعصية ( ولا قوة ) على الطاعة ( إلا بالله ) أي إلا بإقداره وتوفيقه وقيل معنى لا حول لا حيلة وقال النووي : هي كلمة استسلام وتفويض وأن العبد لا يملك من أمره شيئا ولا حيلة له في دفع شر ولا قوة له في جلب خير إلا بإرادة الله تعالى قال : ومعنى كونها من كنز الجنة أن قولها يحصل ثوابا نفيسا يدخر لصاحبه في الجنة
( خط ) في ترجمة محمد بن قاسم الأزدي ( عن علي ) أمير المؤمنين وأشار إلى تفرده باستحسان

(1/472)


936 - ( أربعون ) مبتدأ ( خصلة ) تمييز وعند الإمام أحمد أربعون حسنة بدل خصلة ( أعلاهن ) أي أعظمهن ثوابا وهذا مبتدأ ثان خبره ( منحة ) بكسر فسكون وفي رواية منيحة ( العنز ) بفتح فسكون أنثى المعز والجملة خبر الأول والمنيحة كالعطية لفظا ومعنى والمراد ما يعطى من المعز رجلا لينتفع بلبنه وصوفه زمنا ثم يعيده وإنما كانت أعلى لشدة الحاجة إليها ( لا يعمل عبد ) لفظ رواية البخاري ما من عامل يعمل ( بخصلة منها رجاء ثوابها ) بالنصب مفعول له ( وتصديق موعودها ) بميم أوله بخط المصنف أي مما وعد لفاعلها من الثواب على وجه الإجمال ( إلا أدخله الله تعالى بها ) أي بسبب قبوله لها تفضلا ( الجنة ) فالدخول بالفضل لا بالعمل ونبه بالأدنى على الأعلى . فمنحة البقرة والبدنة كذلك بل أفضل ولم يفصل الأربعين بالتعيين خوفا من اقتصار العاملين عليها وزهدهم في غيرها من أبواب الخير وتطلبها بعضهم في الأحاديث فزادت عن الأربعين منها السعي على دي رحم قاطع وإطعام جائع وسقي ظمآن ونصر مظلوم . ونوزع بأن بعض هذه أعلى من المنحة وبأنه رجم بالغيب فالأحسن أن لا يعد لأن حكمة الإبهام أن لا يحتقر شيء من وجوه البر وإن قل كما أبهم ليلة القدر وساعة الإجابة يوم الجمعة
( خ د عن ابن عمرو ) ابن العاص ووهم الحاكم فاستدركه

(1/472)


937 - ( أربعون رجلا أمة ) أي جماعة مستقلة لا تخلو من عبد صالح غالبا ( ولم يخلص أربعون رجلا في الدعاء لميتهم ) أي في صلاتهم عليه صلاة الجنازة ( إلا وهبه الله تعالى لهم وغفر له ) ذنوبه المتعلقة بالله تعالى إكراما لهم ويكرمه هو بالمغفرة له [ ص 473 ] فإن ذلك أول ما يكرم به الميت المؤمن من قبل ربه تعالى كما يجيء في غير ما حديث وفيه أنه يندب تحري كون المصلين على الجنازة لا ينقصون عن أربعين وبين جعلهم ثلاث صفوف فأكثر
( الخليلي في مشيخته عن ابن مسعود ) والخليل نسبة إلى جده الأعلى لأنه أبو يعلى الخليلي ابن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن الخليل القزويني رمز المؤلف لضعفه

(1/472)


938 - ( أربعون دارا ) من كل جهة من الجهات الأربع ( جار ) فيه حجة لمذهب الإمام الشافعي أنه لو أوصى لحيرانه صرف لأربعين دارا من كل جانب من الجوانب الأربعة ورد على أبي حنيفة في قوله الجار الملاصق فقط
( في مراسيله عن ) ابن شهاب ( الزهري مرسلا ) قال أبو داود قلت له يعني الزهري وكيف أربعون دارا جار قال أربعون عن يمينه وعن بساره وخلفه وبين يديه قال الزركشي سنده صحيح وقال ابن حجر رجاله ثقات

(1/473)


939 - ( ارجعن ) أيها النساء اللاتي جلسن ينتظرن جنازة ليذهبن معها ( مأزورات ) أي آثمات والقياس موزورات لأنه من الوزر ضد الأجر وإنما قصد الازدواج لقوله ( غير مأجورات ) والمشاكلة بين الألفاظ من مطلوبهم كما ذكره ابن يعيش والعسكري وغيرهما ألا ترى إلى أن وضحاها من قوله { والشمس وضحاها } أميل للازدواج ولو انفرد لم يمل لأنه من ذوات الواو وفيه نهى النساء عن اتباع الجنائز لكن الأصح عند الشافعية أنه مكروه لهن تنزيها نعم إن اقترن به ما يقتضي التحريم حرم وعليه حمل الحديث وقول من قال كأني نصر المقدسي لا يجوز لهن اتباع الجنائز
( هـ عن علي ) أمير المؤمنين قال خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في جنازة فرأى نسوة ينتظرنها فقال هل تغسلن قلن لا قال هل تحملن قلن لا قال هل تدفن قلن لا فذكره قال ابن الجوزي جيد الإسناد بخلاف طريق أنس أي المشار إليه بقوله ( ع عن أنس ) قال اتبع النبي صلى الله عليه و سلم جنازة فإذا بنسوة خلفها فنظر إليهن فذكره ضعفه المنذري وقال الهيتمي فيه الحارث بن زياد قال الذهبي ضعيف وقال الدميري حديث ضعيف تفرد به ابن ماجه وفيه إسماعيل بن سليمان الأزرق ضعفوه انتهى وبهذا التقرير انكشف أن رمز المصنف لصحته صحيح في حديث على لا في حديث أنس فخذه منقحا ورواه الخطيب من حديث أبي هريرة وزاد في آخره مفتنات للأحياء مؤذيات للأموات

(1/473)


940 - ( أرحامكم ) أي أقاربكم من الذكور والإناث ( أرحامكم ) أي صلوهم واستوصوا بهم خيرا واحذروا من التفريط في حقهم والتكرير للتأكيد . قال في الإتحاف : هذا أعز من المخاطب بلزوم ما يحمد أي صلوا أرحامكم أي أكرموها وفيه من المبالغة في طلب ذلك ما لا يخفى ويصح أن يكون تحذيرا من القطيعة ويلوح به قوله تعالى { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام }
( حب هن أنس ) بن مالك

(1/473)


941 - ( أرحم من في الأرض ) بصيغة العموم يشمل جميع أصناف الخلائق فيرحم البر والفاجر والناطق والمبهم والوحش والطير ( يرحمك من في السماء ) اختلف بالمراد بمن في السماء فقيل هو الله أي ارحموا من في الأرض شفقة يرحمكم الله تفضلا والتقدير يرحمكم من أمره نافذ في السماء أو من فيها ملكه وقدرته وساطانه أو الذي في العلو والجلال والرفعة لأنه تعالى لا يحل في مكان فكيف يكون فيه محيطا فهو من قبيل رضاه من السوداء بأن تقول في جواب أين الله فأشارت إلى السماء معبرة عن الجلال والعظمة لا عن المكان وإنما ينسب إلى السماء لأنها أعظم وأوسع من الأرض أو لعلوها وارتفاعها أو لأنها قبلة الدعاء ومكان الأرواح الطاهرة الفدسية وقيل المراد منه الملائكة أي تحفظكم [ ص 474 ] الملائكة من الأعداء والمؤذيات بأمر الله ويستغفر لكم ويطلبوا الرحمة من الله الكريم قال الطيبي ويمكن الجمع بأن يقال يرحمك بأمره الملائكة أن تحفظك قال تعالى { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } وأخرج الروياني في مسنده عن ابن عمر يرفعه : إن العبد ليقف بين يدي الله تعالى فيطول وقوفه حتى يصيبه من ذلك كرب شديد فيقول يا رب ارحمني اليوم فيقول له هل رحمت شيئا من خلقي من أجلي فأرحمك . قال الحراني : والرحمة تحلة ما يوافي المرحوم في ظاهره وباطنه أدناه كشف الضر وكشف الأذى وأعلاه الاختصاص رفع الحجاب وفيه ندب إلى العطف على جميع أنواع الحيوان وأهمها وأشرفها الآدمي المسلم والكافر المعصوم فيعطف عليهم بالمواساة والمعونة والمواصلة فيوافق عموم رحمة الله للكل بالإرقاق وإدرار الأرزاق وقال وهب : من يرحم يرحم ومن يصمت يسلم ومن يجهل يغلب ومن يعجل يخطىء ومن يحرص على الشر لا يسلم ومن يكره الشر يعصم وقال عيسى عليه السلام : لا تنظروا في عيوب الناس كأنكم أرباب . انظروا فيها كأنكم عبيد إنما الناس مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية وهنا دقيقة وهي أن العارف المرصفي قال : يجب على الفقير إذا تخلق بالرحمة على العالم أن لا يتعدى بالرحمة موطنها فيطلب أن يكون العالم كله سعيدا فإنه تعالى يقول { وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } وقال { ما يبدل القول لدي } ورؤي الغزالي في النوم فقيل له مافعل الله بك فقال أوقفني بين يديه وقال بم جئتني فذكرت أنواعا من الطاعات فقال ما قبلت منها شيء لكنك جلست تكتب فوقعت ذبابة على القلم فتركتها تشرب من الحبر رحمة لها فكما رحمتها رحمتك اذهب فقد غفرت لك انتهى . والرحمة في حقنا رحمة وحنو يقتضي الإحسان وذلك تغير يوجب للمتصف به الحدوث والله تقدس عن ذلك وعن نقيضه الذي هو القسوة والغلطة فهو راجع في حقه إلى ثمرة تلك الرقة وفائدتها وهو اللطف بالمبتلى والضعيف وكشف ضره والإحسان إليه ذكره القرطبي وغيره وقال ابن عطاء الله من اطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية فاطلاعه فتنة عليه وسبب لجر الوبال إليه وإليه أشار ابن الفارض بقوله :
وإياك والإعراض عن كل صورة . . . مموهة أو حالة مستحيلة
فمن تخلق بالرحمة الإلهية وهي العامة لجميع الخلق الطائع والعاصي بواسطة شهادة فعل الله عذر الخلق ورحمهم لكونه لم يشهد لهم فعلا بل يشهد أفعال الحق تتصرف فيهم وتجري مجرى القدر وهو محجوبون عن ذلك بواسطة أفعال النفس وظلمتها فيرحمهم الله من غير اعتراض عليه ويعذرهم من غير أن يقف مع شيء من ذلك
( طب عن جرير ) البجلي قال الهيتمي رجاله رجال الصحيح ( طب ك ) من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن قابوس ( عن ابن مسعود ) رواه من هذا الطريق البخاري في الأدب المفرد وأحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وصححه الحاكم وأقره الذهبي وقال ابن حجر رواته ثقات واقتفاه المصنف فرمز لصحته قال السخاوي وكان تصحيح الحاكم باعتبار ما له من المتابعات والشواهد وإلا فأبو قابوس لم يروه عنه سوى ابن دينار ولم يوثقه سوى ابن حبان على قاعدته في توثيق من لم يجرح ومن شواهد ما عقبه به المصنف بقوله :

(1/473)


942 - ( ارحموا ترحموا ) لأن الرحمة من صفات الحق التي شمل بها عباده فلذا كانت أعلاما اتصف بها البشر فندب إليها الشارع في كل شيء حتى في قتال الكفار والذبح وإقامة الحجج وغير ذلك ( واغفروا يغفر لكم ) لأنه سبحانه وتعالى يحب أسمائه وصفاته التي منها الرحمة والعفو ويحب من خلقه من تخلق بها ( ويل لأقماع القول ) أي شدة هلكة لمن لا يعي أوامر الشرع ولم يتأدب بآدابه والأقماع بفتح الهمزة جمع قمع بكسر القاف وفتح الميم وتسكن الإناء الذي يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع شبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئا مما يفرغ فيها فكأنه يمر عليها مجتازا كما يمر الشراب في القمع كذلك قال الزمخشري : من المجاز ويل لأقماع القول وهم الذين يستمعون ولا يعون انتهى ( ويل للمصرين ) على الذنوب أي العازمين [ ص 475 ] على المداومة عليها ( الذين يصرون على ما فعلوا ) يقيمون عليها فلم يتوبوا ولم يستغفروا ( وهم يعلمون ) حال أي يصرون في حال علمهم بأن ما فعلوه معصية أو يعلمون بأن الإصرار أعظم من الذنب أو يعلمون بأنه يعاقب على الذنب
( حم خد هب عن ابن عمرو ) ابن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم على منبره ذلك قال الزين العراقي كالمنذري إسناده جيد وقال الهيتمي رجال أحمد رجال الصحيح غير حبان بن زيد الشرعي وثقه ابن حبان ورواه الطبراني كذلك انتهى . والمصنف رمز لصحته وفيه ما ترى

(1/474)


943 - ( أردية الغزاة السيوف ) أي هي بمنزلة أرديتها فليس الإرتداء في حقهم بمطلوب كما هو مطلوب لغيرهم لأن الرداء يغطيها واللائق المناسب إظهارها وإشهارها إرهابا للعدو ولئلا يكون بينه وبين السيف حائل إن احتاج إلى سله من غمده
( عب عن الحسن مرسلا ) وهو البصري

(1/475)


944 - ( إ رضخى ) بهمزة مكسورة إذا لم توصل وبراء : من الرضخ بمعجمتين العطاء اليسير والخطاب لأسماء بنت أبي بكر أي انفقي بغير إجحاد ولا إسراف ( ما استطعت ) ما دامت قادرة مستطيعة للإعطاء فما مصدرية . قال الكرماني : لكن الظاهر أنها موصولة أو نكرة موصوفة أي الذي استطعتيه ( ولا توعى ) تمسكي المال في الوعاء والإيعاء حفظ الأمتعة بالوعاء وجعلها فيه أي لاتمنعي فضل المال عن الفقراء ( فيوعى الله عليك ) أي يمنع عنك فضله ويسد عليك باب المزيد فإسناد الوعاء إلى الله مجاز عن الإمساك أو من باب المقابلة والمراد النهي عن منع الصدقة خوف الفقر ومن علم أن الله تعالى يرزقه من حيث لا يحتسب فحقه أن يعطي ولا يحسب
( م ن عن أسماء بنت أبي بكر ) الصديق قالت قلت يا رسول الله ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير فهل علي جناح أن أرضخ منه ؟ فذكره . ورواه عنها أيضا البخاري بلفظ لا توعى فيوعى الله عليك أرضخى ما استطعت

(1/475)


945 - ( ارضوا ) أيها المزكون ( مصدقيكم ) السعاة ببذل الواجب وملاطفتهم وترك مشاقهم . وسبب الحديث أنه جاء ناس من الأعراب إلى المصطفى صلى الله عليه و سلم فقالوا إن ناسا من المصدقين يأتونا فيظلمونا فقال ارضوا مصدقيكم قالوا وإن ظلمونا ؟ قال ارضوا مصدقيكم وإن ظلمتم . ولا ريب أن المصطفى صلى الله عليه و سلم لم يستعمل ظالما قط بل كانت سعاته على غاية من تحري العدل كيف ومنهم علي وعمر ومعاذ ؟ ومعاذ الله أن يولي المصطفى صلى الله عليه و سلم ظالما . فالمعنى سيأتيكم عمالي يطلبون منكم الزكاة والنفس مجبولة على حب المال فتبغضوهم وتزعمون أنهم ظالمون وليسوا بذلك . فقوله وإن ظلمتم مني على هذا الزعم ويدل على ذلك لفظة إن الشرطية وهي تدل على الفرض والتقدير لا على الحقيقة . وقال المظهري : لما عم الحكم جميع الأزمنة قال كيف ما يأخذون الزكاة لا تمنعوهم وإن ظلموكم فإن مخالفتهم مخالفة للسلطان لأنهم مأمورون من جهته ومخالفة السلطان تؤدي إلى الفتنة وثورانها . رد بأن العلة لو كانت هي المخالفة جاز كتمان المال لكنه لم يجز لقوله في حديث أنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون ؟ قال لا . أما سعاة غيرنا فإغضاب ظالمهم واجب وإرضاؤه فيما يرمونه بالجور حرام
( حم م د ن عن جرير ) ابن عبد الله قال جاء ناس فقالوا يا رسول الله إن ناسا من المصدقين إلى آخره

(1/475)


946 - ( إرفع إزارك ) إلى أنصاف الساقين يا من أسبله حتى وصل إلى الأرض ( واثق الله ) أي خفف عقابه على تعاطي [ ص 476 ] ما حرمه عليك من جر إزارك تيها وخيلاء وفيه كالذي بعده حرمة إنزال الرجل إزاره ونحوه عن الكعبين بقصد الخيلاء ويكره بدونه كما مر ويأتي والسنة جعله إلى نصف الساقين
( طب عن الشريد ) بوزن الطويل ( ابن سويد ) بضم المهملة وفتح الواو ومثناة تحتية الثقفي قال أبصر رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا يجر إزاره فذكره والشريد اسمه مالك قتل قتيلا من قومه فلحق بمكة ثم وفد إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأسلم وبايع بيعة الرضوان وسماه الشريد وهذا الحديث رواه مسلم عن ابن عمر بزيادة ونقص ولفظه مررت على رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي إزاري استرخاء فقال ارفع إزارك فرفعته ثم قال زد فزدت فما زلت أتزرها بعد . فقال بعض القوم فأين ؟ قال أنصاف الساقين وقد رمز المصنف لصحته

(1/475)


947 - ( ارفع إزارك ) أي شمره عن الإسبال ( فإنه ) أي الرفع ( أنقى لثوبك ) بالنون من النقاء أي أنزه له عن القاذورات وروي بموحدة تحتية من النقاء أي أكثر بقاءا ودواما له ( وأتقى ) بمثناة فوقية ( لربك ) أي أقرب إلى سلوك التقوى أو أوفق للتقوى لبعده عن الكبر والخيلاء ثم إن ما تقرر في هذا الخبر وما قبله من أن الرفع والإزار حقيقة هو ما عليه المحدثون والفقهاء وقال أهل الحقيقة رفع الثوب وتطهيره كناية عن طهارة النفس من الدنس والأغيار قال الشاذلي رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في ليلة القدر يقول يا علي طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله في كل نفس قلت وما ثيابي يا رسول الله قال قد خلع عليك خمس خلع خلعة المحبة وخلعة المعرفة وخلعة التوحيد وخلعة الإيمان وخلعة الإسلام فمن أحب الله هان عليه كل شيء ففهمت حينئذ قوله { وثيابك فطهر }
( ابن سعد ) في الطبقات ( حم هب عن الأشعث ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وبالمثلثة ( ابن سليم ) المحاربي بضم الميم ( عن عمته عن عمها ) رمز المصنف لصحته

(1/476)


948 - ( ارفع ) أيها الباني ( البنيان إلى السماء ) يعني إلى جهة العلو والصعود ولم يرد المظلة كقوله في الجبل طويل في السماء يريد ارتفاعه وشموخه ذكره الزمخشري ثم إن ما تقرر من كون الحديث ارفع البنيان هو ما في خط المصنف لكن لفظ رواية الطبراني فيما وقفت عليه من نسخ المعجم ارفع يديك إلى السماء ( واسأل الله السعة ) أي اطلب منه أن يوسع عليك . وزعم حجة الإسلام أن المراد بالسماء هنا الجنة وأنت خبير بمنافرته للسياق وفيه إلماح بكراهة ضيق المنزل ومن ثم قال الحكيم : المنازل الضيقة العمى الأصغر لكن لا يبالغ في السعة بل يقتصر على ما لا بد منه مما يليق به وبعياله لخبر : كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما لا بد منه
( طب عن ) سيف الله أبي سليمان ( خالد بن الوليد ) قال شكيت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الضيق في المسكن فذكره . قال الهيتمي ورواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن اه وبه تعرف أن رمز المصنف لضعفه غير سديد . نعم قال العراقي في سنده لين وكان كلامه في الطريق الثاني

(1/476)


949 - ( إرفعوا ألسنتكم عن المسلمين ) أي كفوها عن الوقيعة في أعراضهم . والرفع في الأجسام حقيقة في الحركة والانتقال وفي المعاني محمول على ما يقتضيه المقام ( وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا ) يعني لا تذكروه إلا بخير وكفوا عن مساوئه فإن غيبة الميت أشد من غيبة الحي . نعم إن ترتب على ذكره بسوء مصلحة كالتحذير من [ ص 477 ] بدعته جاز بل قد يجب كما مر
( طب عن سهل بن سعد ) الساعدي قال : لما قدم النبي صلى الله عليه سلم من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال : أيها الناس - فذكره - فما ذكر من أنه عن سهل بن سعد هو ما رأيته في عدة نسخ من هذا الجامع فإن لم تكن النسخ التي وقفت عليها محرفة من النساخ وإلا فهو سهو من المؤلف وإنما هو سهل بن مالك أخي كعب بن مالك عن أبيه عن جده وكذا ذكره ابن عبد البر في ترجمة سهل بن مالك فإن الطبراني وكذا الضياء في المختارة إنما خرجاه من حديث سهل بن يوسف بن سهل بن مالك ثم ضعفه وقال سهل وأبوه مجهولان وتبعه على ذلك في اللسان وليس في الصحابة سهل بن مالك غيره ومن لطائف إسناده أنه من رواية الأب عن الجد وبما تقرر يعرف ما في رمز المصنف لحسنه

(1/476)


950 - ( أرقاءكم أرقاءكم ) بالنصب أي الزموا الوصية بهم والإحسان إليهم وكرره لمزيد التأكيد ( فأطعموهم مما تأكلون ) أي من جنسه ( وألبسوهم ) بقطع همزته وهمزة أطعموهم وكسر الموحدة ( مما تلبسون ) كذلك . فالواجب على السيد لرفيقه إطعامه ما يكفيه وكسوته وجنس ذلك من غالب القوت والأدم لرقيق البلد وكسوتهم لائقا بالسيد ويستحب أن يطعمه من عين ما يأكل ويكسوه كذلك ولا يجب ويسن إجلاسه معه للأكل فإن لم يفعل ندب ترويغ لقمة كبيرة أو لقمتين في دسم طعامه ودفعه إليه كما مر ( وإن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه ) كتقصير في خدمته أو افتتان بين أهل المنزل ومعاشرة أهل السوء ( فبيعوا عباد الله ) أي أزيلوا الملك عنهم بنحو بيع أو كتابة أو هبة أو عتق ( ولاتعذبوهم ) بضرب أو تهديد أو تقريع فظيع يمزق الأعراض ويذهب بهاء الوجه ووضع الظاهر موضع المضمر فلم يقل فبيعوهم زيادة في الزجر عن التعذيب وإيماء إلى أن السادة ليسوا بمالكين لهم حقيقة وإنما لهم بهم نوع اختصاص والمالك الحقيقي لجميع العباد هو الله سبحانه وتعالى
( حم وابن سعد ) في الطبقات . وكذا الطبراني ولعله أغفله ذهولا فإن الوجه المخرج منه واحد ( عن زيد بن الخطاب ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع : أرقاءكم إلخ وقال الهيتمي بعد ما عزاه لأحمد والطبراني فيه عاصم بن عبد الله وهو ضعيف اه . وبه يعرف ما في رمز المصنف لحسنه وزيد هذا هو ابن الخطاب أخو عمر قتل شهيدا يوم اليمامة

(1/477)


951 - ( أرقاؤكم إخوانكم ) أي هم إخوانكم في الدين ( فأحسنوا إليهم ) بالقول والفعل كما يحسن الأخ إلى أخيه ( استعينوهم على ما غلبكم ) يعني استعينوا بهم فيما غلبكم : أي فيما لا يمكنكم مباشرته من الأعمال ( وأعينوهم على ما غلبهم ) من الخدمة اللازمة لهم ولا تكلفوهم على الدوام ما لا يطيقونه على الدوام وما ذكر من أن الرواية غلبكم وغلبهم بغين معجمة وموحدة تحتية فيهما هو ما في خط المؤلف وغيره فما في نسخ من أنه بمهملة تصحيف وإن كان معناه صحيحا لكن خلاف الرواية
( حم خد عن رجل ) من الصحابة رمز المؤلف لحسنه

(1/477)


952 - ( ارقى ) خطابا بالمؤنث وهي دايته الشفاء فالحكم عام أي لا حرج عليك في الرقيا لشيء من العوارض : كلدغ عقرب بأي نوع من الرقى التي اعتيدت في الجاهلية ( ما لم يكن شرك بالله ) أي ما لم تشتمل الرقيا على ما فيه شيء من [ ص 478 ] أنواع الكفر كالشرك أو ما يومىء إلى ذلك فإنها حينئذ محظورة ممنوعة وكذا إن اشتملت على لفظ جهلنا معناه
( ك ) وكذا الطبراني ( عن الشفاء ) داية النبي صلى الله عليه و سلم ( بنت عبد الله ) بن عبد شمس العدوية من المهاجرات الأول وإسناده صحيح

(1/477)


953 - ( اركبوا هذه الدواب سالمة ) أي خالصة عن الكد والإتعاب ( واتدعوها سالمة ) ولفظ رواية الطبراني بدله ودعوها أي اتركوها ورفهوا عنها إذا لم تحتاجوا إلى ركوبها وهو افتعل من ودع بالضم وداعة : أي سكن وترفه وابتدع على القلب فهو مبتدع أي صاحب بدعة أو من ودع إذا ترك يقال إيدع وابتدع على القلب والإدغام والإظهار ذكره ابن الأثير ( ولا تتخذوها كراسي ) وفي رواية : منابر ( لأحاديثكم في الطرق والأسواق ) أي لا تجلسوا على ظهورها ليتحدث كل منكم مع صاحبه وهي موقوفة كجلوسكم على الكراسي للتحدث . والمنهي عنه الوقوف الطويل لغير حاجة فيجوز حال القتال والوقوف بعرفة ونحو ذلك . وعلل النهي عن ذلك بقوله ( فرب ) دابة ( مركوبة خير من راكبها ) عند الله تعالى ( وأكثر ذكرا لله منه ) فيه أن الدواب منها ماهو صالح ومنها ما هو طالح : وأنها تذكر الله تعالى { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } وأن بعضها أفضل من بعض الآدميين ولا ينافيه { ولقد كرمنا بني آدم } لأنه في الجنس والفقير المعذب في الدنيا إذا ختم له بالكفر أخس من الدابة فإنه أشقى الأشقياء كما في الخبر
( حم ) بأسانيد عديدة ( ع طب ك عن معاذ ) بضم الميم ( ابن أنس ) قال مر النبي صلى الله عليه و سلم على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل فذكره . قال الهيتمي : أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سهل بن معاذ وثقه ابن حبان وفيه ضعف اه وقال الذهبي في المهذب : فيه سهل وفيه لين . وفيه إشعار بطلب الذكر للراكب . وقد ذكر أهل الحقيقة أنه يخفف الثقل عن الدابة فإن أخلص الذاكر ودوام على الذكر لم تحس الدابة بثقل أصلا . وقد أخبروا بذلك عن تجربة
وبعضهم كلمته الدابة وأخبرته بذلك وهذا من كرامات الأولياء التي لا ينكرها إلا محروم

(1/478)


954 - ( اركعوا ) ندبا ( هاتين الركعتين في بيوتكم ) أي صلوها في منازلكم لا في المسجد . لأن صلاتهما في البيت أبعد عن الرياء ثم بينهما بقوله ( السبحة ) بضم السين وسكون الموحدة ( بعد المغرب ) أي النافلة بعد المغرب سميت النافلة سبحة لاشتمالها على التسبيح واتفقوا على ندب ركعتين بعد المغرب وهما من الرواتب واتفق الشافعية والحنفية على ندب جعلهما في البيت وصرح الحنفية بكراهة فعلها في المسجد . قال في فتح القدير : ووقوعها سنة لا ينافي كراهة فعلها فيه وذهب بعض العلماء إلى أنه يعصي . وحكي عن أبي ثور ثم إنه لا اختصاص لذلك بسنة المغرب بل جميع الرواتب يندب جعلها في البيت بدليل خبر النسائي الآتي : أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة وإنما خصها لأنه رأى رجلا يصليها في المسجد
( هـ عن رافع بن خديج ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة الأنصاري الأوسي الذي أصابه يوم أحد سهم فنزعه وبقي نصله إلى أن مات . رمز المصنف لحسنه

(1/478)


955 - ( ارموا ) بالسهام ونحوها ندبا لترتاضوا وتتمرنوا على الرمي قبل لقاء العدو ويصير لكم به خبرة وقوة ( واركبوا ) الخيل ونحوها مما يركب للجهاد ولتروضوه للقتال . قال الطيبي : عطفه يدل على المغايرة وأن الرامي يكون راجلا والراكب رامحا ( وأن ترموا ) بفتح الهمزة أي والرمي بالسهام وخبره ( أحب إلي من أن تركبوا ) أي من ركوبكم [ ص 479 ] نحو الخيل للطعن بالرمح فإنه لا شيء أنفع من الرمي ولا أنكى للعدو ولا أسرع ظفرا منه كما يعلمه من باشر الحروب وخالط الخطوب ومن ثم أفتى ابن الصلاح أن الرمي أفضل من الضرب بالسيف ( كل شيء يلهو به الرجل باطل ) أي لا اعتبار به يقال للمشتغل بما لا يعود عليه من نفع دنيوي أو أخروي بطال وهو ذو بطالة . ذكره الراغب . قال ابن العربي : ولا يريد أنه حرام بل إنه عار من الثواب ( إلا رمي الرجل بقوسه ) أي العربية وهو قوس النبل أو الفارسية وهو قوس النشاب ( أو تأديبه فرسه ) أي ركوبها وركضها والجولان عليها بنية الغزو وتعليمها ما يحتاج مما يطلب في مثلها . وفي معنى الفرس : كل ما يقاتل عليه ( أو ملاعبته امرأته ) أي مزاحه حليلته بالنزول لدرجات عقلها لطيب القلب وحسن العشرة ولذا قال لقمان : ينبغي للعاقل كونه كالصبي مع أهله ومثلها نحو ولد وخادم لكن لا ينبسط في الدعابة لحد يسقط هيبته
بل يراعي الاعتدال ( فإنهن ) أي الخصال المذكورات ( من الحق ) أي من الأمور المعتبرة في نظر الشرع إذا قصد بالأولين الجهاد وبالثالث حسن العشرة صار اللهو مطلوبا مندوبا فهو من الحق المأمور به ولهذا كان المصطفى صلى الله عليه و سلم من أفكه الناس إذا خلا بأهله وسبق عائشة مرارا فسبقها وسبقته ( ومن ترك ) أي أهمل ( الرمي ) بلا عذر ( بعد ما علمه ) بفتح العين وكسر اللام مخففة . لا بفتحها مشددة كما وهم يعني بعد علمه إياه بالتعليم ويجوز بناؤه للمفعول ( فقد كفر الذي علمه ) أي ستره فيكره ترك الرمي بعد علمه لأن من تعلمه حصل أهلية الدفع عن دين الله ونكاية العدو وتأهل لوظيفة الجهاد فتركه تفريط في القيام بما تعين عليه . قال الماوردي : وهذا إن قصد بتعلمه الجهاد وإلا مباح مالم يقصد به محرما . اه . وأقول الذي يتضمنه التحقيق أن الرمي وتعلم الفروسية وتعليم الفرس تجري فيه الأحكام الخمسة فأصله مباح ثم قد يجب إن تعين ذلك طريقا للجهاد الواجب عينا أو كفاية وقد يندب بقصد الغزو عند عدم تعينه وقد يكره إن قصد به مجرد اللهو واللعب وقد يحرم إن قصد به نحو قطع الطريق أو قتال أهل العدل وعلى حالة الندب أو الوجوب ينزل الحديث
( حم ت هب ) وكذا رواه الطيالسي والإمام الشافعي كلهم ( عن عقبة بن عامر ) ونوزع المصنف بأن الذي في الترمذي إنما هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين ولعل نسخه مختلفة . قال الديلمي : وفي الباب ابن عمر وغيره ورمز المصنف لحسنه

(1/478)


956 - ( ارموا الجمرة ) في الحج ( بمثل حصى الخذف ) بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين : أي بقدر الحصا الصغار الذي يحذف : أي يرمى بها ففي القاموس وغيره : المحذف كالضرب رميك بحصاة أو نواة أو نحوهما بأخذها بين سبابتيك فتحذف به . اه . وفي المصباح خذفت الحصاة ونحوها خذفا من باب ضرب : رميتها بطرفي الإبهام والسبابة وقولهم يأخذ حصى الخذف معناه حصى الرمي والمراد الحصى الصغار لكنه أطلق مجازا . اه . والمراد هنا دون الأنملة طولا وعرضا وهو بقدر الباقلا فيكره تنزيها بدونه وفوقه لكنه يجزىء وفيه رد على الإمام مالك في قوله الأكبر من حصى الخذف أحب إلي ومن ثم تعجب منه ابن المنذر ومما يرده أيضا الخبر الصحيح بأمثال هؤلاء أي حصى الخذف فارموا وإياكم والغلو في الدين
( حم وابن خزيمة ) في صحيحه ( والضياء ) المقدسي ( عن رجل من الصحابة ) قال الهيتمي رجاله ثقات . اه . ومن ثم رمز المصنف لصحته

(1/479)


957 - ( أرهقوا ) بفتح الهمزة وقال العسكري بكسرها ( القبلة ) بالكسر : أي ادنوا من السترة التي تصلون إليها [ ص 480 ] بحيث يكون بينكم وبينها ثلاثة أذرع فأقل . والمراد بالقبلة : السترة هنا وأصلها كل ما يستقبل فيندب أن يصلي إلى سترة لا تبعد عنه أكثر من ذلك والأولى إلى شاخص كجدار ولا يعمد له بل بسامت أحد جانبيه فإن فقد الشاخص فإلى عصى مغروز أو متاع موضوع ارتفاعهما ثلثا ذراع ثم يفرش مصلى ثم يخط خطا من قدميه طولا إلى القبلة وحينئذ يحرم المرور بينه وببن السترة فإن صلى لا إلى شيء مما مر أو بعد عنه فوق ثلاثة أذرع كره المرور . ذكره الإمام الشافعي
( البزار ) في مسنده ( هب وابن عساكر ) وكذا أبو يعلى والديلمي كلهم ( عن عائشة ) وفيه بشر بن السري أورده الذهبي في الضعفاء وقال تكلم فيه من جهة تجهمه عن مصعب بن ثابت وقد ضعفوا حديثه ومن ثم رمز لضعفه

(1/479)


958 - ( أريت ) بالبناء للمفعول بضبط المصنف من الرؤيا العلمية لا البصرية لما يجيء ونكتة حذف الفاعل هنا التعظيم ( ما تلقى أمتي من بعدي ) أي أطلعني الله بالوحي أو بالعرض التمثيلي على ما ينوبها من نوائب ونواكب وحذف كيفية الأداة لتذهب النفس كل مذهب ممكن والتقييد بالظرف لا مفهوم له فإنه عرضت عليه أمته وما تلقاه في حياته وبعد وفاته لكن لما كان المقصود الإعلام بوقوع الفتن والقتال بينهم بعده وأنه مع ذلك شافع مشفع فيهم ذكر البعدية ( وسفك بعضهم ) مصدر مضاف لفاعله : أي أراني ما وقع بينهم من الفتن والحروب حتى أهرق بعضهم ( دماء بعض ) أي قتل بعضهم بعضا ( وكان ذلك سابقا من الله ) تعالى في الأزل ( كما سبق في الأمم قبلهم ) أي من أن كل نبي تعرض عليه أمته أو من أن سفك بعضهم دم بعض سبق به قضاؤه كما وقع لمن قبلهم ( فسألته أن يوليني ) بفتح الواو وشد اللام أو سكون الواو من الولاية ( شفاعة فيهم يوم القيامة ) ليفوز بخلاصهم مما أرهقهم عسرا وعراهم من الشدائد نكرا ( ففعل ) أي أعطاني ما سألته وتنكير شفاعة للتعظيم : أي شفاعة عظيمة . قال بعض المحققين : وهذه الرؤيا ليست بصرية بل قلبية كشفية لأن علم الأنبياء مستمد من علم الحق تقدس وكما أن علمه سبحانه لا يختلف بحسب اختلاف التسب الزمانية فكذا علم النبيين بل الزمان تابع لعلم الله وتعلقه بالماضي والمستقبل والحاضر من جهة الكشف واحد وإنما يختلف بهذه الاختلافات العلم المحدث ولما كان علم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ومكاشفاته من ذلك القبيل اندرجت له الأكوان والمسافات والأزمان والجهات في بعض الأوقات حتى رأى أمته الحادثين بعده وما وقع منهم من الحروب والخطوب ورأى الجنة والنار مثلين رأى العين في عرض الحائط إشعارا بقرب الأمر وإيناسا لمن قصر فهمه عن درك علوم المكاشفات والتجليات . ذكره في المطامح
( حم طس ك ) عن أبي اليماني عن شعيب عن الزهري عن أنس ( عن أم حبيبة ) زوجة المصطفى صلى الله عليه و سلم بنت شيخ قريش وحبيبها عظيمها أبي سفيان بن حرب الأموية رملة ماتت سنة أربع وأربعين قال الحاكم على شرطهما والعلة عندهما فيه أن أبا اليماني رواه مرة عن شعيب ومرة عن غيره ولا ينكر أن يكون الحديث عند إمام عن شيخين . اه . وقال الهيتمي رجال أحمد والطبراني رجال الصحيح . اه . فرمز المصنف لصحته متجه

(1/480)


959 - ( إزرة المؤمن ) بالكسر الحالة وهيئة الانزار كالجلسة يعني الحالة التي ترتضي منه في الإتزار وتحسن في نظر الشرع أن يكون الإزار ( إلى أنصاف ساقيه ) فقط لقوله في عدة أخبار : وأن ما أسفل من ذلك ففي النار زاد في رواية الطبراني من حديث ابن معقل وليس عنده حرج فيما بينه وبين الكعبين وما أسفل من ذلك في النار قال الطيبي : وجميعها يشعر بالتوسعة فإذا قصد الخيلاء بما زاد على ذلك حرم وألحق بذلك القسطلاني كم [ ص 481 ] القميص فمتى زاد فيه على المعتاد بقصد الخيلاء حرم . وقال الفاكهي : فيه رد لما يفعله فقهاء العصر من تكبير العمائم وتوسيع الثياب والأكمام وإطالتها وترفيعها وصقالتها حتى خرجوا إلى مجاوزة الكعبين ونسوا هذا الخبر ونحوه وهذا من أكبر دليل على أنهم لم يقصدوا بالعلم وجه الله <تنبيه> قوله أي أنصاف ساقيه : كقولهم قطعت رؤوس الكبشين
( ن ) في اللباس ( عن أبي هريرة والضياء ) المقدسي ( عن أنس ) والنسائي أيضا وأبو داود وابن ماجه كلهم من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ( عن أبي سعيد ) الخدري قال عبد الرحمن سألت أبا سعيد عن الإزار فقال على الخبير سقطت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إزارة المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج أو ولا جناح فيما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل الكعبين فهو في النار ومن جر ثوبه بطرا لم ينظر الله إليه هكذا ساقه عنهم جمع منهم النووي في الرياض والزين العراقي في شرح الترمذي وهو مخالف - كما ترى - لسياق المؤلف . قال النووي وإسناده صحيح وعن ابن عمر وقال سمعته أذناي من رسول الله صلى الله عليه و سلم ووعاه قلبي

(1/480)


960 - ( ازهد ) من الزهد بكسر أوله وقد يفتح وهو لغة : الإعراض عن الشيء احتقارا وشرعا الاقتصار على قدر الضرورة مما يتيقن حله
وقيل أن لا يطلب المفقود حتى يفقد الموجود ( في الدنيا ) باستصغار جملتها واحتقار جميع شأنها لتحذير الله تعالى منها واحتقاره لها فإنك إن فعلت ذلك ( يحبك الله ) لكونك أعرضت عما أعرض عنه ولم ينظر إليه منذ خلقه . وفي إفهامه أنك إذا أحببتها أبغضك فمحبته مع عدم محبتها ولأنه سبحانه وتعالى يحب من أطاعه ومحبته مع محبة الدنيا لا يجتمعان وذلك لأن القلب بيت الرب فلا يحب أن يشرك في بيته غيره ومحبتها الممنوعة هي إيثارها بنيل الشهوات لا لفعل الخير والتقرب بها والمراد بمحبته غايتها من إرادة الثواب فهي صفة ذاتية أو الإثابة فهي صفة فعلية ( وازهد فيما عند الناس ) منها ( يحبك الناس ) لأن قلوبهم مجبولة على حبها مطبوعة عليها ومن نازع إنسانا في محبوبه كرهه وقلاه ومن لم يعارضه فيه أحبه واصطفاه ولهذا قال الحسن البصري لا يزال الرجل كريما على الناس حتى يطمع في دنياهم فيستخفون به ويكرهون حديثه . وقيل لبعض أهل البصرة : من سيدكم ؟ قال الحسن قال بم سادكم ؟ قال : احتجنا لعلمه واستغنى عن دنيانا
( طب ك هب عن سهل بن سعد ) الساعدي قال قال رجل يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فذكره
وحسنه الترمذي وتبعه النووي وصححه الحاكم واغتر به المصنف فرمز لصحته وكأنه ما شعر بتشنيع الذهبي عليه بأن فيه خالد بن عمر وضاع ومحمد بن كثير المصيصي ضعفه أحمد وقال المنذري عقب عزوه لابن ماجه : وقد حسن بعض مشايخنا إسناده وفيه بعد لأنه من رواية خالد القرشي وقد ترك واتهم قال لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة ولا يمنع كونه رواه الضعفاء أن يكون النبي قاله اه . قال السخاوي : فيه خالد هذا مجمع على تركه بل نسبوه إلى الوضع . قال ابن حبان ينفرد عن الثقات بالموضوعات وقال ابن عدي : خالد وضع هذا الحديث وقال العقيلي : لا أصل له اه . ثم قضية صنيع المصنف أيضا أن البيهقي خرجه وأقره والأمر بخلافه بل عقبه بقوله خالد بن عمر ضعيف

(1/481)


961 - ( أزهد الناس ) بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الهاء : أي أكثر الناس زهدا ( في العالم ) بعلم طريق الآخرة أو بالعلوم الشرعية أو العقلية ( أهله وجيرانه ) زاد في رواية حق يفارقهم وذلك سنة الله في الماضين وعادته في النبيين والعلماء ورثتهم ومن ثم قال بعض العارفين : كل مقدور عليه مزهود فيه وكل ممنوع منه مرغوب فيه . قال الماوردي : فإذا قرب منك العالم فلا تطلب ما بعد وربما انبعثت نفس الإنسان إلى من بعد عنه استهانة بمن قرب منه وطلب ما صعب [ ص 482 ] احتقارا لما سهل عليه وانتقل إلى من لم يخبره مللا من خبره فلا يدرك مطلوبا ولا يظفر بطائل . وأنشد بعضهم يقول :
لا ترى عالما يحل بقوم . . . فيحلوه غير دار هوان
هذه مكة المنيفة بيت الل . . . هـ يسعى لحجها الثقلان
وترى ازهد البرية في الح . . . ج لها أهلها لقرب مكان
وروى البيهقي في المدخل أن كعبا قال لأبي مسلم الخولاني : كيف تجد قومك لك ؟ قال مكرمين مطيعين قال ما صدقتني التوراة . إذ فيها ما كان رجل حكيم في قوم قط إلا بغوا عليه وحسدوه وقال المصنف رأيت في كراسة لأبي حيان : أوحى الله في الإنجيل إلى عيسى : لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده
( حل ) عن محمد بن المظفر عن أحمد بن عمير عن حبشي عن عمرو بن الربيع عن أبيه عن إسماعيل بن اليسع عن محمد بن سوقة عن عبد الواحد الدمشقي ( عن أبي الدرداء ) قال عبد الواحد : رأيت أبا الدرداء قيل له ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم وأهل بيتك جلوس ؟ فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول - فذكره - ومحمد بن المظفر أورده في الميزان وقال ثقة حجة إلا أن الباجي قال كان يتشيع قال في اللسان كان يشير إلى الجزء الذي جمعه ابن المظفر في فضائل العباس فكان ما به ذا وعبد الواحد ضعفه الأزدي ( عد ) عن موسى بن عيسى الخوارزمي عن عباد بن محمد بن صهيب عن يزيد بن النضر المجاشعي عن المنذر بن زياد عن محمد بن المنذر ( عن جابر ) بن عبد الله قال ابن الجوزي موضوع والمنذر كذاب
ومن كلامهم زامر الحي لا يطرب وذكر كعب أن هذا في التوراة
وقال سليمان الأحول لقيت عكرمة ومعه ابنه . فقلت أيحفظ هذا من حديثك شيئا ؟ قال أزهد الناس في العالم أهله . وقال العارف المرسي : ابتلى الله هذه الطائفة بالخلق ليرفع مقدارهم ويكمل أنوارهم ويحقق لهم الميراث ليؤذوا كما أوذي من قبلهم فصبروا كما صبر من قبلهم ولو كان إطباق الخلق على تصديق العالم هو الكمال لكان الأحق بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم بل صدقه قوم هداهم الله بفضله وكذبه آخرون فحجبهم الله بعدله فانقسم العباد في هذه الطائفة إلى معتقد ومنتقد ومصدق ومكذب وإنما يصدق بعلومهم من أراد الحق إلحاقه بهم وقليل ما هم لغلبة الجهل واستيلاء الغفلة وكراهة الخلق أن يكون لأحد عليهم شفوف منزلة واختصار عنه والعامة إذا رأوا إنسانا ينسب إلى علم أو عرفان جاؤوا من القفار وأقبلوا عليه بالتعظيم والتكريم وكلوا من واحد بين أظهرهم لا يلقون إليه بالا وهو الذي يحمل أثقالهم ويدافع الأغيار عنهم فما هو إلا كحمار الوحش يدجل به البلد فيطيف الناس به معجبين لتخطيط جلده وحمرهم بين أظهرهم تحمل أثقالهم لا يلتفتون إليها أولئك قوم لاخلاق لهم

(1/481)


962 - ( أزهد الناس الأنبياء ) أي الرسل ومثلهم خلفاؤهم العلماء العاملون ( وأشدهم عليهم ) في إيصال الأذى والإيلام بالبذاء ( الأقربون ) منهم بنسب أو مصاهرة أو جوار أو مصاحبة أو اشتراك في حرفة أو نحو ذلك ولهذا نص الله سبحانه وتعالى على تخصيصهم بالإنذار بقوله { وأنذر عشيرتك الأقربين } أي أنذرهم وإن لم يسمعوا قولك أو لم يقبلوا نصحك لكونهم أزهد الناس فإن ذلك ليس عذرا مسقطا للتبليغ عنك . قال ابن عساكر : وقلما كان كبيرا في عصر قط إلا وله عدو من السفلة : فلآدم إبليس ولإبراهيم نمروذ ولموسى فرعون وللمصطفى صلى الله عليه و سلم أبو جهل . قال المصنف : وللحسن مروان بن الحكم ولابن عباس نافع بن الأزرق . وهكذا
( ابن عساكر ) في تاريخه ( عن أبي الدرداء ) وعزاه ابن الجوزي لجابر ثم حكم بوضعه وتعقبه المصنف بأن له عدة طرق منها حديث أبي الدرداء

(1/482)


963 - ( أزهد الناس من لم ينس القبر ) أي موته ونزوله القبر ووحدته ووحشته ( والبلاء ) أي الفناء والاضمحلال ( وترك [ ص 483 ] أفضل زينة ) الحياة ( الدنيا ) مع إمكان تحليه بها ( وآثر ما يبقى على ما يفنى ) أي آثر الآخرة وما يقرب منها من قول وعمل على الدنيا وما فيها . قال بعض الحكماء : لو كانت الدنيا من ذهب فإن والآخرة من خزف باق لاختار العاقل الباقي على الفاني . وقال : ترك أفضل زينة الدنيا ولم يقل ترك زينة توسعة في الأمر وإشارة إلى أن القليل من ذلك مع عدم شغل القلب به لا يخرج عن الزهد ( ولم يعد غدا من أيامه ) لجعله الموت نصب عينيه على توالي الأنفاس ( وعد نفسه في الموتى ) لأن التخلي عن زينة الدنيا والتحلي بقصر الأمل يوجب محبة لقاء الله ومحبة لقائه توجب محبة الخروج من الدنيا وهذا نهاية الزهد فيها والإعراض عنها
ثم إن من اشتراطه الزهد به ترك زينة الدنيا يشمل النساء إذ هي أعلى اللذات وأعظمها باتفاق العقلاء وليس مراد ا فتعين جعل الخبر من قبيل العام المخصوص أو الذي أريد به الخصوص فمحبة النكاح وإيثاره ليس قادحا في الأزهدية كيف وهو أعظم المحبوبات لخير البرية مع أمره لأمته بإكثار التناكح لإكثار التناسل ؟ وقد كان أكابر الصحابة بأعلى درجات الزهد ولم يتركوا الإكثار منهن مع ما هم عليه من ضيق العيش وقلة الرفاهية والجهادين الأصغر والأكبر ( فإن قلت ) لم لم ينبه على استثنائه في هذا الخبر ؟ ( قلت ) اتكالا على ما ظهر واشتهر من أنه بعث برفض الرهبانية التي هي شعار النصارى فاكتفى بذلك عن التنبيه عليه . فتدبر
( هب عن الضحاك مرسلا ) قال قيل يا رسول الله من أزهد الناس ؟ فذكره . رمز لضعفه

(1/482)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية