صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ فيض القدير - المناوي ]
الكتاب : فيض القدير شرح الجامع الصغير
المؤلف : عبد الرؤوف المناوي
الناشر : المكتبة التجارية الكبرى - مصر
الطبعة الأولى ، 1356
عدد الأجزاء : 6
مع الكتاب : تعليقات يسيرة لماجد الحموي

[ مقدمة المؤلف ]

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم
[ ص 2 ] الحمد لله الذي جعل الإنسان هو الجامع الصغير فطوى فيه ما تضمنه العالم الأكبر الذي هو الجامع الكبير وشرف من شاء من نوعه في القديم والحديث بالهداية إلى خدمة علم الحديث . وأوتد له من مشكاة السنة لاقتباس أنوارها مصباحا وضاحا ومنحه من مقاليد الأثر مفتاحا فتاحا . والصلاة والسلام على أهل العالمين منصبا وأنفسهم نفسا وحسا المبعوث بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا حتى أشرق الوجود برسالته ضياءا وابتهاجا ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ثم على من التزم العمل بقضية هديه العظيم المقدار من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم إلى يوم القرار الذين تناقلوا الخبر والأخبار ونوروا مناهج الأقطار بأنوار المآثر والآثار صلاة وسلاما دائمين ما ظهرت بوازغ شموس الأخبار ساطعة من آفاق عبارات من أوتي جوامع الكلم والاختصار
( وبعد ) فهذا ما اشتدت إليه حاجة المتفهم بل وكل مدرس ومعلم من شرح على الجامع الصغير للحافظ الكبير الإمام الجلال الشهير بنشر جواهره ويبرز ضمائره ويفصح عن لغاته ويفصح القناع عن إشاراته ويميط عن وجود خرائده اللثام ( 1 ) ويسفر عن جمال حور مقصوراته الخيام ويبين بدائع ما فيه من سحر الكلام ويدل على ما حواه من درر مجمعة على أحسن نظام ويخدمه بفوائد تقر بها العين وفرائد يقول البحر الزاخر من أين أخذها من أين وتحقيقات تنزاح بها شبه الضالين وتدقيقات ترتاح لها نفوس المنصفين وتحرق نيرانها أفئدة الحاسدين لا يعقلها إلا العالمون ولا يجحدها إلا الظالمون ولا يغص منها إلا كل مريض الفؤاد من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فما له من هاد ومع ذلك فلم آل جهدا في الاختصار والتجافي عن منهج الإكثار فالمؤلفات تتفاضل بالزهر والثمر لا بالهذر وبالملح لا بالكبر وبجموم اللطائف لا بتكثير الصحائف وبفخامة الأسرار لا بضخامة الأسفار وبرقة الحواشي لا بكثرة الغواشي ومؤلف الإنسان على فضله أو نقصه عنوان وهو بأصغريه اللفظ اللطيف والمعنى الشريف لا بأكبريه اللفظ الكثير والمعنى الكثيف . وهنالك يعرف الفرض من النافلة وتعرض الإبل فرب مئة لا تجد فيها راحلة . ثم إني بعون أرحم الراحمين لم أدخل بتأليفه في زمرة الناسخين ولم أسكن بتصنيفه في سوق الغث والسمين بل أتيت بحمد الله بشوارد فرائد باشرت اقتناصها وعجائب غرائب استخرجت من قاموس الفكر وعباب القريحة مغاصها فمن استلحق بعض أبكاره الحسان لم ترده عن المطالبة بالبرهان . ولم أعرب من ألفاظه إلا ما كان خفيا فقد قال الصدر القونوي : غالب ممن يتكلم على الأحاديث إنما يتكلم عليها من حيث إعرابها والمفهوم من ظاهرها بما لا يخفى على من له أدنى مسكة في العربية وليس في ذلك كبير فضيلة ولا مزيد فائدة إنما الشأن في معرفة مقصوده صلى الله عليه و سلم وبيان ما تضمنه كلامه من الحكم والأسرار بيانا تعضده أصول الشريعة وتشهد بصحته العقول السليمة . وما سوى ذلك ليس من الشرح في شيء . قال ابن السكيت خذ من النحو ما تقيم به الكلام فقط ودع الغوامض . ولم أكثر من نقل الأقاويل والاختلافات لما أن ذلك على الطالب من أعظم الآفات إذ هو كما قال حجة الإسلام يدهش عقله ويحير ذهنه . قال : وليحذر من أستاذ عادته نقل المذاهب وما قيل فيها فإن إضلاله أكثر من إرشاده كيقما كان ولا يصلح الأعمى لقود العميان . ومن كان دأبه ليس إلا إعادة ما ذكره الماضون وجمع ما دونه السابقون فهو منحاز عن مراتب التحقيق معرج عن ذلك الطريق بل هو كحاطب ليل وغريق في سيل إنما الحبر من عول على سليقته القويمة وقريحته السليمة مشيرا إلى ما يستند الكلام [ ص 3 ] إليه من المعقول والمنقول رامزا إلى ذلك رمز المفروغ منه المقرر في العقول . قال حجة الإسلام في الإحياء : ينبغي أن يكون اعتماد العلماء في العلوم على بصيرتهم وإدراكهم وبصفاء قلوبهم لا على الصحف والكتب ولا على ما سمعوه من غيرهم فإنه إن اكتفى بحفظ ما يقال كان وعاء للعلم لا عالما اه . فياأيها الناظر اعمل فيه بشرط الواقف من استيفاء النظر بعين العناية وكمال الدراية لا يحملك احتقار مؤلفه على التعسف ولا الحظ النفساني على أن يكون لك عن الحق تخلف فإن عثرت منه على هفوة أو هفوات أو صدرت فيه عن كبوة أو كبوات فما أنا بالمتحاشي عن الخلل ولا بالمعصوم عن الزلل ولا هو بأول قارورة كسرت ولا شبهة مدفوعة زبرت ومن تفرد في سلوك السبيل لا يأمن من أن يناله أمر وبيل ومن توحد بالذهاب في الشعاب والقفار فلا يبعد أن تلقاه الأهوال والأخطار . وكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك ومدفوع إلى منهج مع خطر الخطأ مسلوك . ولا يسلم من الخطأ إلا من جعل التوفيق دليله في مفترقات السبل وهم الأنبياء والرسل على أني علقته باستعجال في مدة الحمل والفصال والخواطر كسيرة وعين الفؤاد غير قريرة والقرائح قريحة . والجوارح جريحة من جنايات الأيام والأنام تأديبا من الله عن الركون إلى من سواه واللياذ بمن لا تؤمن غلسة هواه فرحم الله امرءا قهر هواه وأطاع الإنصاف وقواه ولم يعتمد العنت ولا قصد قصد من إذا رأى حسنا ستره وعيبا أظهره ونشره . وليتأمله بعين الإنصاف لا بعين الحسد والانحراف . فمن طلب عيبا وجد وجد ومن افتقد زلل أخيه بعين الرضا والإنصاف فقد فقد والكمال محال لغير ذي الجلال
ولما من الله تعالى بإتمام هذا التقريب وجاء بحمد الله آخذا من كل مطلب بنصيب نافذا في الغرض بسهمه المصيب كامدا قلوب الحاسدين بمفهومه ومنطوقه راغما أنوف المتصلفين لما استوى على سوقه سميته : فيض القدير بشرح الجامع الصغير . ويحسن أن يترجم بمصابيح التنوير على الجامع الصغير ويليق أن يدعى : بالبدر المنير في شرح الجامع الصغير ويناسب أن يترجم : بالروض النضير في شرح الجامع الصغير . هذا : وحيث أقول القاضي فالمراد البيضاوي . أو العراقي فجدنا من قبل الأمهات الحافظ الكبير زين الدين العراقي أو جدي فقاضي القضاة يحيى المناوي أو ابن حجر فخاتمة الحفاظ أبو الفضل العسقلاني رحمهم الله تعالى سبحانه . وأنا أحقر الورى خويدم الفقهاء : محمد المدعو عبد الرؤوف المناوي حفه الله بلطف سماوي وكفاه شر المعادي والمناوي ونور قبره حين إليه يأوي وعلى الله الإتكال وإليه المرجع والمآل لا ملجأ إلا لإياه ولا قوة إلا بالله وها أنا أفيض في المقصود مستفيضا من ولي الطول والجود :
قال المصنف ( بسم الله ) أي بكل اسم للذات الأقدس لا بغيره ملتبسا للتبرك أؤلف فالباء للملابسة كما هو مختار الزمخشري . وهو أحسن وأفصح من جعلها للاستعانة الذي هو مقتضى صنيع القاضي ترجيحه لأن الملابسة أبلغ في التعظيم وأدخل في التأدب بخلاف جعل اسم الله آلة غير مقصودة لذاتها ولأنها أدل منها على ملابسة جميع أجزاء الفعل ولأن التبرك باسمه ظاهر لكل أحد وتأويل الأولية بأن المراد أن الفعل لا يتم شرعا ما لم يصدر باسمه لايدرك إلا بدقة النظر ولأن ابتداء المشركين كان بأسماء آلهتهم للتبرك بها ولأن كون اسم الله تعالى آلة الفعل [ ص 4 ] ليس إلا باعتبار أنه يتوسل إليه ببركته فعاد للتبرك ذكره الشريف وغيره وتعقب المولى حسن الرومي الأول بأن تلك الجهة غير ملحوظة بل الملحوظ جهة كون الفعل غير معتبر شرعا ما لم يصدر به . كما تقرر وهو يعارض التبرك بل أرجح والثاني يمنع الآلية المذكورة فهيهات إثباتها وبفرضه فباء الاستعانة في جميع أجزاء الفعل فيها الدلالة على تلك الملابسة مع زيادة لا تقاومها الآلية والثالث بأن العبرة بالخواص فالعوام كالهوام والدقة من أسباب الترجيح لا الرد والرابع بأن جعله آلة يشعر بأن له زيادة مدخل في الفعل ويشتمل على جعل الموجود لفوات كماله بمنزلة المعدوم وذا يعد من المحسنات انتهى ونوزع بما فيه طول لايسعه المقام . وحذف متعلق الباء لئلا يقع في الابتداء غير اسم الله تعالى وهو لابد منه في إظهار المبدئية ليشاكل اللفظ المعنى ومن ثم التزم حذفه في كلام الحكيم تقدس أما ما لابد منه لإظهاره كتقديم الباء ولفظ اسم فلا يفوت البداءة بذكر الله تعالى كما بينه الشريف إذ المطلوب المبدئية على وجه يدل عليها وعلى الاختصاص والباء وسيلة لذلك والابتداء لا يتعين كونه باسم خاص من أسمائه بل يحصل بأي لفظ دل على اسمه
فاستبان أن الابتداء بلفظ الاسم ابتداء بالاسم حقيقة والباء وسيلة لذكره وأن التبرك يحصل بجميع أسمائه والتعريف الإضافي قد يحمل على معاني التعريف باللام فيراد جنس الأسماء أو جميع أفرادها . وقدر متعلق الباء فعلا لأصالته في العمل وقلة الإضمار ومؤخرا ليفيد الحصر والاهتمام . وقول أبي حيان : تقديم الظرف لا يوجب الاختصاص أطنب المحقق أبو زرعة في رده في حاشية الكشاف ولا يرد { اقرأ باسم ربك } لأن الأهم فعل القراءة لكونها أهم منزل . وخامسا لأنه أنسب بالمقام وأوفى بتأدية المرام وأتم فائدة وأعم عائدة وتقدير أبتدئ مخل بالغرض من شمول البركة للكل وقول المولى الخسرولي : هو أولى امتثالا للفظ الخبر منعه الإمام حسن الرومي بأن مناط الامتثال البدء بالتسمية لا تقدير فعله إذ لم يقل فيه كل أمر ذي بال لم يقل فيه أو لم يضمر فيه ابتدئ أو افتتح مفوت للمعنى المناسب لفعل الشروع إذ القصد تلبس جميع أجزاء الفعل بالتبرك فلما تعذر تحقيقا ولا حرج في الدين جعل طريقه كون الشروع فيه ملتبسا بها كما في النية حيث اعتبرت في ابتداء العبادات تحقيقا وفي كلها تقديرا . وحذف الألف من بسم الله لكثرة الاستعمال وطولت الباء للدلالة عليه وإشارة إلى أنها وإن كانت في الأصل حرفا منخفضا لكن لما اتصلت باسم الله ارتفعت وسمت ويجعل مناط الحذف كثرة الاستعمال عرف وجه إثباتها عند اتصالها بلفظ آخر نحو : لذكر اسم الله حلاوة أو مضاف إلى اسم آخر نحو : باسم ربك . والباء للجر فكسرت لتشابه حركتها عملها
ثم إن كون المتعلق به مقدما على الرحمن الرحيم هو ما درج عليه المحققون لكن قال البلقيني : قضية البداءة بالاسم وإفادة الاختصاص التي علي ادعاها الزمخشري كون المقدر مؤخرا عن البسملة بكمالها لئلا يقع الفصل بين الموصوف والصفة بما لم يتعين تقديره في هذا الموضع والاسم ما يجمع اشتقاقين من السمة أو السمو وهو بالنظر إلى اللفظ وسم وبالنظر إلى الحظ من الذات سمو قاله الحراني . والله اسم عربي لا سرياني معرب وهو علم مختص بمبدع العالم لم يطلق على غيره فيما بين المسلمين وغيرهم ولا عنادا وغلوا في العتو مطلقا وعلاقة الاشتقاق فيما بينه وبين غيره إنما تنافي علميته لو ثبت أصالة ذلك الغير ولم تثبت واستظهار القاضي أنه وصف غلب عليه بحيث لم يستعمل في غيره فصار كالعلم لا علما لأن ذاته غير معقول لنا فلا يمكن الدلالة عليه بلفظ ولأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوص لما أفاد وهو الله في السماوات معنى صحيحا تصدى جمع من أرباب الحواشي لدفعه أما الأول فلأن علم الواضع عند الوضع بكنه حقيقة الموضوع له وملاحظة لشخصه لا ضرورة للزومه بل يكفي ملاحظة انحصار ذلك الوجود في الخارج فيه بدليل أن الأب يضع علما لولده قبل رؤيته ولو سلم فلا مانع من كون الواضع هو الله تعالى ثم عرفنا إياه وأما الثاني فلأن الاسمية لا تقتضي الدلالة على مجرد الذات فإن أسماء الزمان والمكان والآلة مثلا أسماء باتفاق مع دلالتها على معنى زائد على الذات ولو سلم فليكن تعلقه به باعتبار ملاحظة المعنى الوضعي الخارج عن الاسم كذا حققه المولى حسن بعد ما رد على جميع ما لهم هنا من الأقاويل المتعسفة . والإله أصله أله فلما دخلت أل حذفت الهمزة تخفيفا وعوض عنها حرف التعربف وإنما كانا عوضا عنها مع أن
[ ص 5 ] دخولهما قبل حذفها لأن دخولهما قبل الحذف لا بطريق اللزوم وبعده يكونان لازمين فيها فباعتبار اللزوم يكونان عوضا وهو اسم جنس لكل معبود حق أو باطل ثم غلب منكرا على المعبود بحق ثم خص بذاته بعد التعريف مشتق من أله كعبد وزنا ومعنى أو من أله بمعنى فزع وسكن أو من وله أي تحير ودهش أو طرب أو من لاه احتجب أو ارتفع أو استتار أو غير . والحاصل أن إلها بمعنى مألوه أي معبود أو مألوه فيه أي متحير فيه وقس الباقي . فمجموع الأقاويل هو المعبود للخواص والعوام المفروغ إليه في الأمور العظام المرتفع عن الأوهام المحتجب عن الأفهام الظاهر بصفاته العظام الذي سكنت إلى عبادته الأجسام وولعت به نفوس الأنام وطربت إليه قلوب الكرام . ثم تفخم لامه إذا انفتح ما قبلها أوصم طريقة مطردة لغة أو مطلقا وحذف ألفه لحن يبطل الصلاة لانتفاء بعض لفظ الموضوع ولا ينعقد به اليمين مطلقا لابتنائه على وجود الاسم ولم يوجد والبلة إنما هي الرطوبة وما أفهمه كلام القاضي من كونه كناية وجه صحيح محرر ومذهب النووي خلافه . ثم أعقب اسم الذات اسمين بصفتي المبالغة في الرحمة رمزا إلى سبقها وغلبتها على الأضداد وعدم انقطاعها فقال ( الرحمن الرحيم ) أي الموصوف بكمال الإحسان بجميع النعم أصولها وفروعها عظائمها ودقائقها أو بإرادة ذلك فمرجعهما صفة فعل أو صفة ذات قال في البحر : وهو أقرب إلى الحقيقة إذ الإرادة متقدمة على الفعل وأصلهما واحد لكونهما من الرحمة والرحمن عربي ونفور العرب منه لتوهمهم التعدد وأتم مبالغة من الرحيم كما وكيفا لأن فعيلا لمن وجد منه الفعل وفعلان لمن كثر منه وحق الأبلغ التأخير قضاء لحق الترقي لكنه قدم لمناسبة اسم الذات في اختصاصه به إذ لم يطلقا على غيره مطلقا إلا أن الله اسم وهو قسم من العلم كما تقرر . والرحمن وصف أريد به الثناء فأجري مجري الأعلام وليس بعلم حقيقة ومجيئه غير تابع للعلم بحذف موصوفه . ووصفه تعالى بالرحمة التي هي العطف من إطلاق السبب على المسبب وهو الإنعام والإحسان إذ الملك إذا عطف رق فأحسن إطلاقه عليه مجاز مرسل أو استعارة تمثيلية بل حول بعض المحققين جعله حقيقة شرعية وعرفية لكثرة الإطلاق بدون قرينة أو قصد تشبيه وتعقيبه بالرحيم من قبل التتميم فإنه لما دل على جلائل النعم أولى الرحيم دفعا لتوهم عدم التعميم وخطور أن الدقائق مما لا يلتفت إليه فلا يتطفل فيها عليه ووفاقا لترتيب الوجود لإيجاد النعم العامة قبل الخاصة وكلاهما صفة مشبهة . أو الرحيم اسم فاعل فالرحمن عام المعنى خاص اللفظ حيث لم يستعمل في غيره تقدس ولم يوصف به أحد سواه بين جميع الملل والنحل إلا تعنتا وغلوا في الكفر كرحمن اليمامة والرحيم بالعكس وآثرهما من بين سائر الصفات لتضمنهما الدلالة على سائر الأسماء الحسنى إذ من عمت رحمته وتمت نعمته انتفت عنه شوائب النقص وطويت النقمة في أفهام اختصاص الثاني رمزا إلى أن من شروط كمال حسن الترغيب الإشارة منه إلى مقام الترهيب كما هو الاسلوب في كتب علام الغيوب ليكون باعث الرجاء والخوف في قرن . قال بعض الحكماء : والأحسن بيانية إضافة البسملة . قال صاحب القاموس : وإنما حذفت الألف من لفظ رحمن تخفيفا ولم تحذف الياء من الرحيم خوفا من اللبس
ولما افتتح كتابه بالبسملة التي الافتتاح بها أجل افتتاح باسم الحق تقدس وهي نوع من الحمد ناسب أن يردفها باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أفراده البالغ أقصى درجات الكمال من القول الدال على أنه سبحانه مالك لجميع المحامد بالاستقلال فأعقبها به في جملة أوقعها مقول القول فانتصب به تاركا للعطف لئلا يشعر بالتبعية فيخل بالتسوية في أصل الابتداء فقال ( الحمد لله ) أي الوصف بالجميل مملوك أو مستحق لله تعالى فلا فرد منه لغيره بالحقيقة ولم يكتف بالتسمية لما تقرر أن المقام مقام تعظيم فاللائق به التصريح بالحمد وقصره عليه ولأنها وإن تضمنت جهة الحمد لكن من اقتصر عليها لا يسمى حامدا عرفا ومن ثم وقع التدافع ظاهرا بين حديثي الابتداء واحتيج للتوفيق بأن البداءة إما حقيقية وهي ذكر الشيء أولا على الإطلاق أو إضافية وهي ذكره أولا بالإضافة إلى شيء دون شيء وهذه صادقة بذكر الحمد قبل المقصود بالذات وخص الحقيقي بالبسملة لأنها ذكر الذات والحمد ذكر االوصف فوجب تقديمها بقدر ما تندفع به ضرورة امتناع الجمع في المبدأ كذا قرره جمع . وقد انتهبه البعض فعزاه لنفسه بعد ما أتى بترديدات بعيدة واحتمالات
[ ص 6 ] غير سديدة أو أن المراد في كل رواية الابتداء بأحدهما أو بما يقوم مقامه ولو ذكرا آخر بقرينة تعبيره تارة بالبسملة وأخرى بالحمدلة وطورا بغيرهما فاللازم في دفع الاجذمية الابتداء بأحد الأمور لا بها كلها أو بأن رواية البسملة والحمدلة تعارضتا فسقط قيداهما كما في غسلات الكلب ورجع للمعنى الأعم وهو إطلاق الذكر والحمد يطلق على أعم من خصوصه . ألا ترى أن غالب الأعمال الشرعية لم يشرع الشارع افتتاحها بالحمد بخصوصه كالصلاة والأذان والحج فدل على أنه ليس المراد إلا إظهار صفة الكمال وهو حاصل في نحو الصلاة بالتكبير وفي الحج بالذكر المطلوب عند الإحرام فلايتوجه ما قيل عموم الأخذ منه مشكل بظاهر الصلاة والأذان . هذا محصول ما هنا من الأجوبة المرضية للعظماء وثم أجوبة شهيرة وتوجيهات كثيرة كلها مدخولة وقد بينت ما عليها من نقل ورد في شرح البهجة بما لم يجمعه قبله كتاب
_________
( 1 ) [ أي : ويزيح عن وجوه المتسترات النقاب . ماجد الحموي ]

(1/2)


ثم الحمد النعت بالجميل على الجميل أي الفعل الحسن الصادر من المحمود باختياره حقيقة أو حكما على وجه يشعر بتوجيهه إلى المنعوت للتعظيم ظاهرا وباطنا بأن يقصد به إنشاء التعظيم على وجه التعميم فلابد لتحقق ماهيته في الوجود من أمور خمسة : محمود به ومحمود عليه وحامد ومحمود وما يدل على إنصاف المحمود بصفة فالأول صفة تظهر اتصاف شيء بها على وجه مخصوص ويجب كونه صفة كمال يدرك العاقل السليم القابل لدرك الحقائق حسنها ولو بدقة نظر أو تعلم . والمراد بالجميل أعم مما في الواقع أو عند الحامد أو المحمود بزعم الحامد فشمل النعت بنحو ظلم ادعى أحدهما حسنه إذ المناط التعظيم وقد وجد ولا فرق بين كون المحمود ثبوتيا أو سليبا كما صرح به الإمام الرازي ولا بين كونه من الكمالات المتعدية كإنعام وتعليم وتسمى فواضل وغيرها كعلم وقدرة وحسن وتسمى فضائل ولا بين كونه صدر عن المحمود باختياره أولا فالوصف بكمال نحو حسن أو ذات حمد كما قرره النحرير الدواني والعلامة صدر الأفاضل في حواشي التجريد والمطالع وقال المولى حسن الرومي إنه الأشهر وظاهره نقل ذلك عن قدماء القوم وشهرته بينهم وجزم به المحقق خسرو الرومي حيث قال : الحمد يقتضي محمودا به أعم من كونه اختيارا أولا وبه يمتاز عن الأشهر ومحمودا عليه اختياريا وبه يمتاز عن المدح أعم من كونه إنعاما أو غيره وبه يمتاز عن الشكر انتهى لكن نقل الدواني في شرح التهذيب عن البعض وجوب كون المحمود به اختياريا ثم اختاره موجها بأن الجميل صفة الفعل وهو بالاختيار كما ذكره التفتازاني وأيد بأنه لم يثبت لغة عموم المحمود به اختيارا حتى يصرف ذلك للمحمود عليه فالأصل كون المحمود به اختياريا مثله وكما لم يسمع الحمد على صباحة الخد ورشاقة القد لم يسمع الحمد بهما فما لا اختيار فيه لا يحمد به ولا عليه وعدم حمد اللؤلؤ كما يمكن كونه من جهة اشتراط أن المحمود عليه يجب كونه اختياريا فكذا من جهة اشتراط المحمود به فعلا فجعله دليلا على أحدهما فقط تحكم والثاني ما يقع الوصف الجميل بإزائه ومقابله بمعنى أن المنعوت لما اتصف به ذكر جميله وأظهر كماله فهو لأجل حصوله له ولولاه لم يتحقق ذلك الوصف فهو كالعلة الباعثة للواصف على الوصف أو هو علته وقد يكون الشيء الواحد محمودا به وعليه معا كأن رأى من ينعم أو يصلي فأظهر اتصافه بذلك فتلك الصفة من حيث بعثها على إظهار اتصافه بها محمود عليها ومن حيث اتصافه وإظهار كونها من صفاته محمود بها ويجب في المحمود عليه كمالا فغيره لا يصلح سببا لإظهار الكمال والمراد أعم مما في ظن الحامد أو المحمود على قياس ما سبق في المحمود به وظاهر كلام الجمهور أن المحمود عليه أعم من كونه فعلا صادرا من المحمود أو كيفية قائمة به لكن في شرح الكشاف للسعد تبعا للرازي أن المراد فعل جميل فلا يكفي أن يكون للمحمود دخل في صدوره عن غيره لا على وجه الفاعلية لانتفاء الفعل المشترط إذ التعظيم حينئذ من حيث تعلق الصفة به لا من حيث كونه فعلا فمعنى قول الشريف يختص الحمد بالفاعل المختار أنه فاعل للمحمود عليه ثم المشهور بين الجمهور أن المحمود عليه يشترط حصوله من المحمود باختياره حقيقة أو حكما فالثناء على صفاء اللؤلؤ ورشاقة القد وصباحة الخد مدح لا حمد ولا يشكل بقوله سبحانه { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } لأنه من وصف الشيء بوصف صاحبه أو أن الحمد فيه مجاز عن المدح ولا بقول الشاعر :
أرى الصبر محمودا عواقبه . . . وقوله : والصبر يحمد في المواطن كلها
لأنه كما قال خسرو بمعنى الرضا لمجيئه في اللغة لذلك أيضا وبتعميم الاختيار وقع الإشكال بثنائه سبحانه على صفاته الذاتية لأنها غير مسبوقة بالاختيار وإلا لزم حدوثها كما قرر في محله وما ذاك إلا لأن الذات لما كانت مستقلة في تحققها [ ص 7 ] من غير مدخلية شيء من الأغيار بمعنى إذا شاء ترك نزل منزلة الاختياري لتكون في حكمه أو أنها لما ترتبت عليها أمور اختيارية جعلت في حكمه فالمراد ماكان اختياريا نفسه أو أثره وها هنا تنبيه وهو أن ما تقرر من اشتراط الاختيار إنما هو بالنظر إلى الحقيقة أما المجاز فلا كما يصرح به كلام الزمخشري حيث قال : ومن المجاز حمدت الأرض رضيت سكناها والرعاة يتحامدون الكلأ وجاورته فما حمدت جواره وأفعاله حميدة وهذا طعام ليست عنده محمدة أي لا يحمده آكله والثالث وهو من يتحقق منه الحمد وشرطه أن يكون معظما بذاته للمحمود في سائر أقواله وجميع أفعاله ظاهرا وباطنا بأن يقصد به إظهار التعظيم على جهة التعميم فلو اقترن بما دل عليه الوصف بالكمال من التعظيم والعظمة من جميع الوجوه إلا جهة واحدة فاقترن منها بتحقير أو استهزاء أو تهكم كما لو صدر بفعل أكبر الجوارح مع مخالفته جارحة واحدة لم يكن حمدا لأن التعظيم الظاهري والباطني إنما يتحقق تفاوتهما باعتبار قيد زائد هو اعتبار العموم في الأفراد وإذا كان بعض أفراده صارفا عن التعظيم كذا حققه صدر الأفاضل وأيد بأن التعظيم والتحقير من شخص واحد في آن واحد لا يجتمعان فإن فرض اجتماعهما لم يتبادر منه إلا التحقير فكأنه نص في التحقير فحمل المحتمل عليه والتحقير في القبيح والذم أتم وأشد من التعظيم في الحسن والكمال ألا ترى أن أدنى ما يوهم الاستهزاء أو التهكم يوجب الذم والعقوبة وقل ما يترتب على صريح التعظيم ما يناسبه إذا قل لكن لا يلزم اعتقاد اتصاف المحمود بالجميل المذكور عند المحققين بل الشرط عدم اقترانه يشوب تحقير فدخل الوصف بما قطع بانتفائه كما مر . قال الدواني : ولا يناقضه توجيه الشريف لاشتراط التعظيمين بأنه إذا عرى عن مطابقة الاعتقاد لم يكن حمدا بل سخرية لأنه أراد بالاعتقاد لازمه وهو إنشاء التعظيم لا معناه الحقيقي فإن الحمد قد يكون إنشائيا ولا معنى لمطابقة الاعتقاد فيه لأن ما لا يتعلق به الاعتقاد لا يوصف حقيقة بمطابقة الاعتقاد إذ المتبادر من مطابقة الاعتقاد الاتحاد في الإيجاب والسلب أو ما يستلزمه أو يؤول إليه وهذا لا يوجد إلا في القضايا ولذلك لا تسمع من أحد من أهل الاصطلاح أن التصوير يطابق الاعتقاد بل لو قال أحد إن تصور مفهوم نحو اضرب يطابق الاعتقاد نسبه أهل العرف الخاص لما يكره وحمل المطابقة على هذا المعنى أقرب من التزام اتصاف التصورات بالمطابقة وإلا مطابقة إذ ليس في هذا المعنى إلا ذكر الملزوم وإرادة اللازم مع أن أهل العرف العام قد يطلقون الاعتقاد بهذا المعنى يقال فلان له اعتقاد في فلان ويراد مثل ذلك ولا بعد فيه لأنهم يعدون الوصف بالجميل المعلوم الانتفاء إذا كان كذلك مدحا وحمدا كالقصائد المشتملة على وصف الممدوح بما هو محقق الانتفاء إلى هنا كلام الدواني . قال : وأما الجواب بأن الواصف يعتقد اتصاف الممدوح بما ذكر وأنهم أرادوا معاني مجازية واعتقدوا اتصاف المنعوت بها فيرده أن الأول خلاف البديهة والثاني خلاف الواقع اه . واعترضه صدر الأفاضل بأن الأول لو كان خلاف البديهة لم يقصد العقلاء إفادته ولم يكن اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي والثاني لو كان خلاف الواقع لما كان الكلام مستعملا في معناه المجازي فيلزم أن لا يكون الكلام المذكور حقيقة ولا مجازا انتهى . وأجابه الدواني بما نصه : هذا السيد الفاضل لم يتذكر أنه لا يلزم من عدم اعتقاد مدلول الكلام أن لا يكون الكلام مستعملا فيه فإن الأخبار التي مضمونها خلاف اعتقاد المتكلم كقول السني المخفي عن حاله عن المعتزلي : العبد خالق لأفعال نفسه الاختيارية مستعملا في معناه الحقيقي مع أنه لا يعتقده بل جميع الأكاذيب التي يتعمدها أهلها كذلك . ثم إنه حمل قوله والأول خلاف البديهة على أن مضمون تلك الأخبار خلاف البديهة وفرع عليه أنه يلزم أن لا يقصد العقلاء إفادته ويرد عليه منع الملازمة فإن الأكاذيب التي يعتمدها المتكلم العاقل قد تخالف البديهة مع قصد المتكلم إفادتها لغرض من الأغراض كتغليط المخاطب أو تبكيته أو امتحانه أو للتخييل فلا يلزم أن لا يكون ذلك الكلام حقيقة ولا مجازا كما توهمه والأخبار قد يقصد بها إفادة التصديق بمضمونها إما جزما أو ظنا وقد يقصد بها إفادة التخييل كما في القضايا الشعرية انتهى . الرابع المحمود وقد سبق اشتراط كونه فاعلا مختارا أو في حكمه ثم إن المحققين التفتازاني والجرجاني والمفسرين الأفضلين الزمخشري والقاضي صرحوا في عدة مواضع بأن الحد مختص به تعالى منحصر فيه وعليه إشكال قضوا له بالصعوبة لأن أفعال العباد كما ترجع إلى الله من
[ ص 8 ] جهة الخلق والاقتدار وتهيئة الأسباب والتوفيق ترجع إلى العبد من جهة المباشرة بعد الإرادة وهذه الجهة وإن رجعت إلى الله لأنه المحصل للأسباب الدافع للمواقع ترجع للعبد قطعا لخلق الجميل فيه وتمكنه من مباشرته فيحمد باعتبارها فرجوعه إلى الله لا يقتضي الحصر والناس فيه فريقان فريق تجرأوا على أولئك المحققين وحكموا على كلامهم بالتوهين ومنهم المولى ابن الكمال فرماهم بالوهم في هذا المجال حيث قال : لا اختصاص بالحمد بالله كما يفصح عنه قول عائشة رضي الله تعالى عنها نحمد الله لا نحمدك وقول علي رضي الله تعالى عنه : . . . لاتحمدن امرءا حتى تجربه . . . بل اختصاصه بذي علم وشعور كما يرشد إليه قولهم في المثل السائر : عند الصباح يحمد القوم السري . قال : ومن هنا تبين أن المحمود عليه لا يلزم كونه فعلا لمن حمد به فضلا عن كونه مختارا فيه كما توهم وأن من وهم قيام الفرق بين الحمد والمدح لصحة تعلق الثاني بالجماد دون الأول فقد وهم واتضح به أنه لا مدخل لمسألة خلق العباد لأفعالهم هنا لأن الكلام في الحمد اللغوي ومرجعه إلى من وثق بعربيتهم بالنقل الصحيح والاستعمال الصريح وقد صح عنهم عدم الاختصاص وأما حمل التعريف على الجنس دون الاستغراق فمنشؤه أمر وراء ذلك وهو أن مقتضى مقام الخطاب تخصيص حقيقة الحمد به تعالى تنزيلا لأفراد الحمد الثابتة لغيره منزلة العدم والقصد إلى هذا المعنى ظاهر عند كون التعريف للجنس لا للاستغراق إذ قد يكون جزئيا كجمع الأمير الصاغة فلا يوجب استيعاب جميع الأفراد . إلى هنا كلامه . وفريق سلكوا سبيل الأدب مع أولئك العظماء وسيد هذا الفريق سيد المحققين الدواني فنزل الحصر على الحقيقة لأن الحمد يختص بالفعل الاختياري ولا اختيار لغيره تقدس على قاعدة أهل الحق والعبد مضطر في صورة مختار انتهى . والحاصل أنهم نزلوا حمد غير الله منزلة العدم أو منزلة حمده الله تعالى لأنه مبدأ كل جميل فحمد غيره كالعارية لأن الكل منه وإليه خلقا وتمكينا وتيسيرا وليس لغيره غير مجرد مظهرية لما بين يديه وكل جمال وكمال مضمحل في جماله وكماله وراجع إليه وكل اختيار لغيره يعود إلى اضطرار . الخامس وهو ذكر ما يدل على اتصاف المحمود بالمحمودية وقد اشتهر تقييده باللسان والمراد منه أن يكون مجارحة النطق فلما كان الواقع كون آلة التكلم هي تلك الجارحة خص بها فلو فقد لسان إنسان فأثنى بحروفه الشفوية على جميل أو خلق النطق في بعض جوارحه كما ذكر بعض الثقات أنه شاهده فأثنى به فهو حمد وقضية التقييد به أيضا أن لا يكون الصادر عن المنزه عن الجارحة حمدا وقد قال تعالى { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } فذهب الأكثر إلى أنه إخبار باستحقاق الحمد أو أمر بالحمد أو منقول على ألسنة العباد أو مجاز عن إظهار الصفات الكمالية الذي هو الغاية المطلوبة من الحمد وميل السيد إلى الأخير لكن النحرير الدواني قال : كون الحمد في حقه سبحانه مجازا بعيد عن قاعدة أهل الحق من إثبات الكلام له حقيقة والقول مساوق للكلام قال : فالأظهر أن الحصر في اللسان إضافي في مقابلة الجنان والأركان والمراد الفعل الذي مصدره اللسان غالبا أو هو قيد أغلى يسوغ الاستعمال فيه . وتوضيحه أن اللفظ قد يكون موضوعا في أصل اللغة لأمر عام اشتهر في بعض أفراده بخصوصه بحيث يصير حقيقة عرفية في ذلك الفرد وسبب الاشتهار إما كثرة تداول ذلك اللفظ كما في لفظ الدابة فإنه موضوع في الأصل لما يدب على الأرض ثم اشتهر به في العرف العام في بعض أفراده حتى صار حقيقة عرفية فيه وإما عدم الاطلاع على فرد آخر فيستعمله أهل اللسان في ذلك الفرد حتى إذا استمر ذلك ولم يطلعوا على إطلاقه على فرد آخر ظنوا أنه موضوع لخصوصه كما في الميزان فإنه في الأصل موضوع لآلة الوزن ثم من لم يطلع على تلك الآلة إلا على ما له لسان وعمود ربما يجزم بأنه موضوع لهذا حتى أن من لم ير موازين المياه وغيرها من موازين الحكمة ربما يظن أنها ليست ميزانا وكما أن من لم يشاهد من الخبز إلا ما هو من الحنطة لا ينساق ذهنه عند سماع لفظ الخبز إلا إليه وربما لم يصدق بأن غير من أفراد الخبز حقيقة ومثل ذلك يجري في كثير من الألفاظ ثم الأمر في المشتقات لا يكاد يخفى على من له أدنى فطنة لظهوره بالرجوع إلى قاعدة الاشتقاق أما في غيره فربما يشتبه على الجماهير وبذلك يفوت كثير من حقائق الكتاب والسنة فإن أكثرهما وارد على أصل اللغة إذا تمهد ذلك فقس عليه الحمد فإن حقيقته عندهم إظهار صفات الكمال ولما كان الإظهار القولي أظهر أفرادا وأشهرها عند العامة شاع استعمال لفظ الحمد فيه حتى صار كأنه حقيقة فيه مجاز في غيره مع أنه بحسب
[ ص 9 ] أصل الواقع أعم بل الإظهار الفعلي أقوى وأتم فهو بهذا الاسم أليق وأولى كما هو شأن القول بالتشكيك انتهى . وشمل التعريف حمد الملائكة لنطق النصوص بنطقهم باللسان وتشكلهم كالإنسان وأخرج حمد الطير والبهيمة والنائم لفقد القصد المعتبر . ثم إنه قد عرف بما قد سلف أن الحمد لله وأحمد الله حمد لدلالته على الاتصاف بالكمال وبه جزم الشريف وأورد الدواني أنا لا نسلم دلالة نصفك على الانصاف لصدقه مع كذب الاتصاف فلا يكون وصفا بالجميل بخلاف أنت نتصف ثم أجاب بأن التعظيم الباطني المشترك يدل على اعتقاد كمال ما بدأ به وهو يدل عرفا على معنى أنت متصف إذ الإنسان لا يكذب نفسه وبأن العبارة تطلق عرفا بمعنى أنت متصف وبأن نحمد دال على صدور القول والقول دال على الإتصاف فهو دال على الانصاف انتهى

(1/6)


قال الصفوي : وما ذكره من أن الشخص لا يكذب نفسه إنما يجيء في نحو حمدت وأحمد لا أنت محمود أو لك الحمد ونحوه مما لم يتضمن دعوى اعتقاد المتكلم . ثم إن الإشكال من أصله إنما يتجه إذا لم يلاحظ معنى اللامين فإن لوحظ اختصاص الجنس أو الأفراد أو الفرد الكامل أو الأكمل فدلالته على الكمال التام في كمال التمام . وقد أتينا على بيان أركان الحمد الخمسة على جهة الاقتصار والاختصار ولم يبق إلا التتميم بإيراد ما اشتهر من أن الجملة خبرية أو إنشائية وجوزهما الشريف فقال : إخبار كما هو أصله إو إنشاء وذلك لأن الخبر بثبوت الحمد يستلزم الوصف بالجميل فإذا تحقق باقي الأركان فهو حمد وكلامه مشير إلى ترجيح مطلق الخبرية بالأصالة وجرى عليه جمع منهم المولى حسن الرومي حيث قال ما محصوله : وإنما ترجح الإخبار بالأصالة مع أن قصد القائل إحداث الحمد لأن الإخبار بثبوت جميع المحامد لله هو عين الحمد كما أن قولك الله واحد عين التوحيد انتهى . وقد ألف العلامة البخاري في الانتصار لكونها خبرية مطلقا مؤلفا حافلا . ووهم من زعم أنها إنشائية فقال : الحق الذي لا محيد عنه أنها خبرية مطلقا وما يسبق إلى بعض الأوهام من أنها إنشائية فعلى نقيض ما تقتضيه صناعة العربية وخلاف ما عليه أساطين الفنون الأدبية واستظهر على ذلك بأمور يطول ذكرها . ورده الكمال ابن الهمام فقال : بالغ بعضهم في انكار كون الحمد لله إنشاء لما يلزم عليه من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود قال : ويبطل من قضيتين إحداهما أن الحمد ثابت قطعا قبل الحامد والأخرى أنه لا يصاغ لغة للمخبر عن غيره من متعلق إخباره اسم قطعا فلا يقال لقائل زيد له القيام قائم فلو كان الحمد إخبارا محضا لم يكن القائل الحمد لله حامدا فهما باطلان فبطل ملزومهما واللازم من المقارنة أي مقارنة معنى الإنشاء لفظه انتفاء وصف الواصف المعين لا الاتصاف وهذا لأن الحمد إظهار الصفات لا ثبوتها . نعم يتراءى لزوم كون كل مخبر منشئا حيث كان واصفا للواقع ومظهرا له وهو توهم فإن الحامد مأخوذ فيه مع ذكر الواقع كونه على وجه ابتداء التعظيم وهذا ليس جزء ماهية الخبر فاختلفت الحقيقتان إلى هنا كلامه

(1/9)


والقول بأن جملة الحمد من صيغ الإنشاء شرعا أو مشتركة بين الإخبار والإنشاء كصيغ العقود زيفه المولى حسن بأن تلك إخبارات لغوية نقلها الشرع إلى الإنشاء لمصلحة الأحكام وإثبات النقل في مثل ما نحن فيه بلا ضرورة ممنوع فقول البعض هو غير بعيد ناشئ عن عدم الإهتمام بتحرير المقام وبذلك نجز الكلام على الحمد . وكأني بك تقول قد أبهمت في مقام التعيين وأجملت في محل التبيين حيث عرفت الحمد بأنه " النعت بالجميل " إلى آخره ولم تبين أن ذلك هو تعريفه اللغوي ولم تتعرض لما تطابقوا عليه من تعريفه عرفا بأنه " فعل ينبئ عن تعظيم المنعم " فأقول لم أغفله من ذهول بل لأن جعلهم ذلك لغويا وذا عرفيا قد تعقبه العلامة البخاري بالرد وأطنب بما منه أن هذا إنما هو اصطلاح لبعض المتكلمين وأن أهل اللغة والشرع قد تطابقوا على أن حقيقة الحمد الوصف بالجميل قال : فليس الحمد لغة أعم منه شرعا على أن إطباق المفسرين على تفسير الحمد الواقع في القرآن بما فسره به أئمة اللغة دليل على تطابق الشرع واللغة وإلا لما صح تفسير الحمد الواقع في كلام الشارع به لما أن الألفاظ الواقعة في كلامه إذا كان لها معنى شرعي مغاير للمعنى اللغوي يجب حملها على المعنى الشرعي ولا يجوز حملها على المعنى اللغوي انتهى . ثم لما كان الحمد من المصادر التي تنصب بأفعال مضرة والأحداث المتعلقة بالمحل المقتضية لانتسابها إليه والفعل أصل في بيان النسب كان حقه أن يلاحظ معه الفعل لكنه عدل إلى اختيار الإسمية إفادة الإنسان هو الجامع الصغير . . . [ ص 10 ] للدوام والثبوت إجابة لمناسبة المقام كذا قرره التفتازاني قيل وهو على حسنه لا يخلو كدر بالنسبة لخصوص المقام إذ لا تخفى حسن المناسبة بين القول المتجدد والحادث والفعل الدال على التجدد والحدوث فالتعبير بالفعلية أنسب وآثر المصنف الحمد على الشكر تحسينا للبيان ببديع الاقتباس ولكونه أشبع للنعمة وأدل على مكانها لخفاء الاعتقاد وما في أعمال الجوارح من الاحتمال ومن ثم كان رأس الشكر ولفظ الجلالة على سائر الأسماء لتكون المحامد كلها مقرونة بمعانيها المستدعية لها فإنه اسم ينبئ عن جميع صفات الكمال لما أخبر بأنه تعالى حقيق بالحمد اعتبار ذاته المستجمع لجميع صفات الكمال وعامة نعوت الجلال حمد أم لم يحمد ونبه على استحقاقه له باعتبار أفعاله العظام وآثاره الجسام من ربوبيته للكل وشمول رحمته الظاهرة للجميع وخصوص رحمته الباطنة للمؤمنين وذلك لأن ترتب الحكم على الوصف كما يشعر بالعلية فكذا يشعر بها تعقيب الحكم بالوصف فكأنه قال حقيقة الحمد مخصوصة بذاته الواجبة الكاملة الشاملة . وقدم الحمد لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به وإن كان ذكر الله أهم ذكره التفتازاني واعترض ورد وإنما قدم فلله الحمد له الحمد لأنه ليس المقام مقام حمد . ولما كان صدور هذا الجامع البديع الوضع المتكاثر الجمع الغريب الترتيب العجيب التبويب لا يحصله إلا من ارتقى إلى منازل الشرف وحل من طبقات الإجتهاد بأعلى الغرف افتتح غرة ذلك الكتاب الشريف وأومأ في طرة مطلعه المنيف إلى أنه هو ذاك القرم المبعوث على رأس القرن فقال ( الذي ) لكثرة جوده على هذه الأمة وإغزار إفضاله عليهم ( بعث ) أي أرسل يقال بعثت رسولا أي أرسلته وبعثت العسكر وجهتهم للقتال قال الراغب : أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه يقال بعثته فانبعث ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به . فإن قلت : كان الأولى أن يقول : الباعث ليكون آتيا بلفظ اسم من الأسماء الحسنى صريحا وما صح وصفه تعالى به لا يحتاج معه إلى الإتيان بالذي وإنما يتوصل به إلى إجراء وصف لم يرد به توقيف
قلت اعتذر البعض عن نحوه بأن ذكر الموصول أدخل في التعظيم وأبلغ في الثناء على الله لدلالة جملة الصلة على الاستقرار في النفوس وإذعانها له ( على رأس ) أي أول ورأس الشيء أعلاه ورأس الشهر أوله قال في المصباح وهو مهموز في أكثر لغاتهم إلا بني تميم ( كل مئة سنة ) يحتمل من المولد النبوي أو البعثة أو الهجرة أو الوفاة ولو قيل بأقربية الثاني لم يبعد لكن صنيع السبكي وغيره مصرح بأن المراد الثالث وأصل سنة سنو لقولهم سنوات وقيل سنهة كجبهة لقولهم سانهته وفرق بعضهم بين السنة والعام بأن العام من أول المحرم إلى آخر ذي الحجة والسنة من كل يوم إلى مثله من القابلة ذكره ابن الخباز في شرح اللمع . قال الراغب : والمئة هي المرتبة الثالثة من أصول الأعداد لأن أصولها أربعة آحاد وعشرات ومئات وألوف ( من ) أي مجتهدا واحدا أو متعددا قائما بالحجة ناصرا للسنة له ملكة رد المتشابهات إلى المحكمات وقوة استنباط الحقائق والدقائق النظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته واقتضاآته من قلب حاضر وفؤاد يقظان
قال الحراني : ومن اسم مبهم يشمل الذوات العاقلة آحادا وجموعا واستغراقا ( يجدد لهذه الأمة ) أي الجماعة المحمدية وأصل الأمة الجماعة مفرد لفظا جمع معنى وقد يختص بالجماعة الذين بعث فيهم نبي وهم باعتبار البعثة فيهم ودعائهم إلا الله يسمون أمة الدعوة فإن آمنوا كلا أو بعضا سمى المؤمنون أمة إجابة وهم المراد هنا بدليل إضافة الدين إليهم في قوله ( أمر دينها ) أي ما اندرس من أحكام الشريعة وما ذهب من معالم السنن وخفي من العلوم الدينية الظاهرة والباطنة حسبما نطق به الخبر الآتي وهو : " إن الله يبعث " إلى آخره وذلك لأنه سبحانه لما جعل المصطفى خاتمة الأنبياء والرسل وكانت حوادث الأيام خارجة عن التعداد ومعرفة أحكام الدين لازمة إلى يوم التناد ولم تف ظواهر النصوص ببيانها بل لا بد من طريق واف بشأنها اقتضت حكمة الملك العلام ظهور قرم من الأعلام في غرة كل قرن ليقوم بأعباء الحوادث إجراء لهذه الأمة مع علمائهم مجرى بني إسرائيل مع أنبيائهم فكان في المئة الأولى عمر بن عبد العزيز . والثانية الشافعي . والثالثة الأشعري أو ابن شريح . والرابعة الاسفراييني أو الصعلوكي أو الباقلاني . والخامسة حجة الإسلام الغزالي . والسادسة الإمام الرازي أو الرافعي . والسابعة ابن دقيق العيد ذكره السبكي وجعل الزين العراقي في الثامنة الأسنوي بعد نقله عن بعضهم أنه
[ ص 11 ] جعل في الرابعة أبا إسحاق الشيرازي . والخامسة السلفي . والسادسة النووي انتهى . وجعل غيره في الثامنة البلقيني . ولا مانع من الجمع فقد يكون المجدد أكثر من واحد . قال الذهبي : من هنا للجمع لا للمفرد فنقول مثلا على رأس الثلاث مئة ابن شريح في الفقه والأشعري في الأصول والنسائي في الحديث وعلى الست مئة مثلا الفخر الرازي في الكلام والحافظ عبد الغني في الحديث وهكذا . وقال في جامع الأصول : قد تكلموا في تأويل هذا الحديث وكل \ أشار إلى القائم الذي هو من مذهبه وحملوا الحديث عليه . والأولى العموم فإن من تقع على الواحد والجمع ولا يختص أيضا بالفقهاء فإن انتفاع الأمة يكون أيضا بأولي الأمر وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ لكن المبعوث ينبغي كونه مشارا إليه في كل هذه الفنون ففي رأس الأولى من أولي الأمر عمر بن عبد العزيز . ومن الفقهاء محمد الباقر والقاسم ابن محمد وسالم بن عبد الله والحسن وابن سيرين وغيرهم من طبقتهم . ومن القراء ابن كثير ومن المحدثين الزهري . وفي رأس الثانية من أولي الأمر المأمون . ومن الفقهاء الشافعي واللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة وأشهب من أصحاب مالك . ومن الإمامية علي بن موسى الرضي ومن القراء الحضرمي ومن المحدثين ابن معين ومن الزهاد الكرخي . وفي الثالثة من أولي الأمر المقتدر ومن المحدثين النسائي . وفي الرابعة من أولي الأمر القادر . ومن الفقهاء الاسفراييني الشافعي والخوارزمي الحنفي وعبد الوهاب المالكي والحسين الحنبلي ومن المتكلمين الباقلاني وابن فورك ومن المحدثين الحاكم ومن الزهاد الثوري وهكذا يقال في بقية القرون . وقال في الفتح : نبه بعض الأئمة على أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل قرن واحد فقط بل الأمر فيه كما ذكره النووي في حديث : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " من أنه يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد ولا يلزم اجتماعهم ببلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وتفرقهم في الأقطار ويجوز تفرقهم في بلد وأن يكونوا في بعض دون بعض ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا أتى أمر الله قال الحافظ ابن حجر : وهذ متجه فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا تنحصر في نوع من الخير ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد إلا أن يدعى ذلك في ابن عبد العزيز فإنه كان القائم بالأمر على رأس المئة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها ومن ثم ذكر أحمد أنهم كانوا يحملون عنه الحديث وأما من بعده فالشافعي وإن اتصف بالصفات الجميلة والفضائل الجمة لكنه لم يكن القائم بشأن الجهاد والحكم بالعدل فعلى هذا كل من اتصف بشيء من ذلك عند رأس المئة هو المراد تعدد أم لا . انتهى . وأؤما المصنف هنا وصرح في عدة تآليفه بأن المجدد على رأس المئة التاسعة . قال في بعضها : " قد أقامنا الله في منصب الاجتهاد لنبين للناس ما أدى إليه اجتهادنا تجديدا للدين " هذه عبارة . وقال في موضع آخر : " ما جاء بعد السبكي مثلي وفي آخر الناس يدعون اجتهادا واحدا وأنا أدعي ثلاثا " إلى غير ذلك وقد قامت عليه في ومنه بذلك القيامة ولم تسلم له في عصره هامة وطلبوا أن يناظروه فامتنع وقال : لا أناظر إلا من هو مجتهد مثلي وليس في العصر مجتهد إلا أنا كما حكاه هو عن نفسه وكتبوا له حيث تدعى الاجتهاد فعليك الإثبات ليكون الجواب على قدر الدعوى فتكون صاحب مذهب خامس فلم يجبهم . قال العلامة الشهاب بن حجر الهيتمي : لما ادعى الجلال ذلك قام عليه معاصروه ورموه عن قوس واحد وكتبوا له سؤالا فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد وهو اجتهاد الفتوى فليتكلم على الراجح من تلك الأوجه بدليل على قواعد المجتهدين فرد السؤال من غير كتابة عليه واعتذر بأن له اشتغالا يمنعه في النظر في ذلك . قال الشهاب الرملي : فتأمل صعوبة هذه المرتبة أعني اجتهاد الفتوى الذي هو أدنى مراتب الاجتهاد يظهر لك أن مدعيها فضلا عن مدعي الاجتهاد المطلق في حيرة من أمره فساد في فكره وأنه ممن ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء . قال : من تصور مرتبة الاجتهاد المطلق استحيا من الله تعالى أن ينسبها لأحد من أهل هذه الأزمنة بل قال ابن الصلاح ومن تبعه إنها انقطعت من نحو ثلثمئة
[ ص 12 ] سنة ولابن الصلاح نحو ثلثمئة سنة فتكون قد انقطعت من نحو ست مئة سنة بل نقل ابن الصلاح عن بعض الأصوليين أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل . إلى هنا كلام الشهاب . ثم قال : وإذا كان بين الأئمة نزاع طويل في أن إمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي وناهيك بهما هل هما من أصحاب الوجوه أم لا كما هو الأصح عند جماعة فما ظنك بغيرهما بل قال الأئمة في الروياني صاحب البحر أنه لم يكن من أصحاب الوجوه هذا مع قوله " لو ضاعت نصوص الشافعي لأمليتها من صدري " فإذا لم يتأهل هؤلاء الأكابر لمرتبة الاجتهاد المذهبي فكيف يسوغ لمن لم يفهم أكثر عباراتهم على وجهها أن يدعى ما هو أعلى من ذلك وهو الاجتهاد المطلق ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم انتهى إلى هنا كلام الشهاب . وفي الأنوار عن الإمام الرافعي : " الناس اليوم كالمجمعين على أنه لا مجتهد اليوم " وقال عالم الأقطار الشامية ابن أبي الدم بعد سرده شروط الاجتهاد المطلق : " هذه الشرائط يعز وجودها في زماننا في شخص من العلماء بل لا يوجد في البسيطة اليوم مجتهد مطلق " هذا مع تدوين العلماء كتب التفسير والسنن والأصول والفروع حتى ملأوا الأرض من المؤلفات صنفوها ومع هذا فلا يوجد في صقع من الأصقاع مجتهد مطلق بل ولا مجتهد في مذهب إمام تعبر أقواله وجوها مخرجة على مذهب إمامه ما ذاك إلا أن الله تعالى أعجز الخلائق عن هذا إعلاما لعباده بتصرم الزمان وقرب الساعة وأن ذلك من أشراطها وقد قا شيخ الأصحاب القفار : مجتهد الفتوى قسمان أحدهما من جمع شرائط الاجتهاد وهذا لا يوجد والثاني من ينتحل مذهبا واحدا من الأئمة كالشافعي وعرف مذهبه وصار حاذقا فيه بحيث لا يشذ عنه شيء من أصوله فإذا سئل في حادثة فإن عرف لصاحبه نصا أجاب عليه وإلا يجتهد فيها على مذهبه ويخرجها على أصوله وهذا أعز من الكبريت الأحمر فإذا كان هذا القفار مع جلالة قدره وكون تلامذته وغلمانه أصحاب وجوه كل مذهب فكيف بعلماء عصرنا ؟ ومن جملة غلمانه القاضي حسين والفوراني والد إمام الحرمين والصدلاني والسنجي وغيرهم وبموتهم وموت أصحاب أبي حامد انقطع الاجتهاد وتخريج الوجوه من مذهب الشافعي وإنما هم نقلة وحفظة فأما في هذا الزمان فقد خلت الدنيا منهم وشغر الزمان عنهم . إلى هنا كلام ابن أبي الدم . وقال فقيه العصر شيخ الإفتاء والتدريس في القرن العاشر شيخنا الشمس الرملي عن والده شيخ الإسلام أبي العباس الرملي أنه وقف على ثمانية عشر سؤالا فقهية سأل عنها الجلال من مسائل الخلاف المنقولة فأجاب عن نحو شطرها من كلام قوم من المتأخرين كالزركشي واعتذر عن الباقي بأن الترجيح لا يقدم عليه إلا جاهل أو فاسق قال الشمس فتأملت فإذا أكثرها من المنقول المفروغ منه فقلت سبحان الله رجل ادعى الاجتهاد وخفى عليه ذلك ؟ فأجبت عن ثلاثة عشر منها في مجلس واحد بكلام متين من كلام المتقدمين وبت على عزم إكمالها فضعفت تلك الليلة فعددت ذلك كرامة للمؤلف وليس حكايتي لذلك من قبل الغض منه ولا الطعن عليه بل حذرا أن يقلده بعض الأغبياء فيما اختاره وجعله مذهبه سيما ماخالف فيه الأئمة الأربعة اغترارا بدعواه هذا مع اعتقادي مزيد جلالته وفرض سعة إطلاعه ورسوخ قدمه وتمكنه من العلوم الشرعية وآلاتها وأما الاجتهاد فدونه خرط القتاد وقد صرح حجة الإسلام بخلو عصره عن مجتهد حيث قال في الإحياء في تقسيمه للمناظرات ما نصه : " أما من ليس له رتبة الاجتهاد وهو حكم كل العصر فإنما يفتي فيه ناقلا عن مذهب صاحبه فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يتركه " انتهى وقال في الوسيط : هذه الشروط يعني شروط الاجتهاد المعتبرة في القاضي قد تعذرت في عصرنا . وهنا تنبيه ينبغي التفطن له وهو أن كل من تكلم على حديث " إن الله يبعث " إلخ إنما يقرره بناء على أن المبعوث على رأس القرن يكون موته على رأسه وأنت خبير بأن المتبادر من الحديث إنما هو أن البعث وهو الارسال يكون على رأس القرن أي أوله ومعنى إرسال العالم تأهله للتصدي لنفع الأنام وانتصابه لنشر الأحكام وموته على رأس القرن أخذ لا بعث فتدبر بانصاف . ثم رأيت الطيبي قال : المراد بالبعث من انقضت المئة وهو حي عالم مشهور مشار إليه . والكرماني قال : قد كان قبيل كل مئة أيضا من يصحح ويقوم بأمر الدين وإنما المراد من انقضت المئة وهو حي عالم مشار إليه . ولما كان ربما يتوهم من تخصيص البعث برأس القرن أن القائم بالحجة لا يوجد إلا عنده أردف ذلك بما يبين أنه قد يكون في أثناء المئة من هو كذلك بل قد يكون أفضل من المبعوث على الرأس وأن تخصيص الرأس إنما هو لكونه مظنة انخرام علمائه غالباوظهور البدع ونجوم
[ ص 13 ] الدجالين فقال ( وأقام ) أي نصب وسخر . قال الراغب : القيام على أضرب : قيام بالشخص إما بتسخير أو باختيار وقيام هو المراعاة للدين والحفظ له وقيام هو العزم على الشيء ومنه : { كونوا قوامين لله } { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } أي حافظ وقوله { إلا ما دمت عليه قائما } أي على طلبه ( في كل عصر ) بفتح أو ضم فسكون وبضمتين أي زمن والعصر الدهر كما في الصحاح والوقت كما في الأساس يقال : ما فعلته عصرا أو بعصر أي في وقت ( من يحوط ) بضم الحاء الحيطة وهو المراعاة والصيانة والحفظ ( هذه الملة ) أي يصون ويحفظ هذه الطريقة المحمدية والسنن الإسلامية ويهتم بالذب عنها ويبالغ في الاحتياط غير مقصر ولا متوان . ففي الصحاح حاطه كلأه ورعاه وفي الأساس تعاهد واهتم بأمره . ومن المجاز أحاط به علما أتى على أقصى معرفته كقولك علمه علم إحاطة إذا علمه من جميع وجوهه ولم يفته شيء منه ومنه فلان يحوط بيضة الإسلام وبيضة قومه . وفي المفردات الإحاطة تستعمل في الأجسام نحو أحطت بمكان كذا وفي الحفظ نحو : { إلا إنه بكل شيء محيط } أي حافظ لجميع جهاته . والملة قال الزمخشري : الطريقة المسلوكة ومنه ملة إبراهيم خير الملل وامتل فلان ملة الإسلام . وقال القاضي هي ما شرع الله لعباده على لسان أنبياءه من أمللت الكتاب إذا مليته وقال الحراني : ما يدعو إليه العقل المبلغ عن الله توحيده من ذوات الحنفيين والدين الإسلام والإسلام إلقاء ما باليد ظاهرا وباطنا وذلك إنما يكون عن بادئ عين التوحيد اه . وقال الراغب : الدين والملة اسمان بمعنى يتفقان من وجه ويختلفان من وجه فاتفاقهما أنهما اسم لاعتقادات وأقوال وأفعال تأثرها أمم من الأمم عن نبيهم يرفعها إلى الله واختلافهما من وجهين أحدهما أن الدين إذا اعتبر بمبدئه فهو الطاعة والانقياد نحو { في دين المللك } وإذا اعتبر بمغزاه ومنتهاه فهو الجزاء كخبر : " كما تدين تدان " والدين تارة يضاف إلى الله تعالى وأخرى إلى العبد والملة من أمللت الكتاب أي أمليته وتضاف إلى الإمام الذي تسند إليه نحو ملة إبراهيم ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمة النبي لا يقال ملة الله ولا ملتي ولا ملة زيد كما يقال دين الله وديني ودين زيد الثاني أن الدين يقال لكا من الاعتقاد والقول والفعل أنه دين الله ولا يقال ملة إلا باجتماع ذلك كله وأما الشريعة فالطريقة المتوصل بها إلى صلاح الدارين تشبيها بشريعة المار بالطريق الشارع انتهى . وبه يعلم أن من فسر الملة هنا بالدين أو الشريعة لم يصب " بتشييد أركانها " أي بإعلاء أعلامها ورفع منارها وإحكام أحكامها وتشييد الرفع والتأييد أو الإحكام والاتقان . قال الزمخشري : شاد القصر وأشاده شيده ورفعه وقصر مشيد وقيل مشيد المعمول بالشيد وهو الجص بكسر الجيم ومن المجاز أشاد بذكره رفعه بالثناء عليه وأشاد عليه أثنى عليه مكروها وأركان الشيء جوانبه التي عليها مبناه وبتركها بطلانه ذكره الراغب . فإثبات الأركان للملة مجاز قال الزمخشري : ومن المجاز فلان يأوي من عز قومه إلى ركن شديد ( تأييد سننها ) تقويتها من الأيد وهو القوة الشديدة ومنه قيل للأمير المعظم مؤيد والسنن جمع سنة وهو لغة الطريقة وقال الزمخشري : سن سنة حسنة طرق طريقة حسنة واستسن سنة وفلان مستسن عامل بالسنة وعرفا قول المصطفى وفعله وتقريره قال ابن الكمال المروي عن النبي صلى الله عليه و سلم فعلا كان أو قولا بخلاف الحديث فإنه مخصوص بالأول ( وتبيينها ) أي توضيحها للناس من أبان الشيء أوضحه ومنه بان أي اتضح واستبان ظهر واستبينته عرفته . قال الحراني : والتبيين اقتطاع الشيء بما يلابسه ويداخله والمراد المبالغة في البيان بما تفهمه صيغة التفعيل . وقال الراغب : البيان الكشف عن الشيء وهو أعم من النطق وسمي الكلام بيانا لكشفه عن المعنى المقصود . وقال المولى خسرو : التبين أعم من أن ينص بالمقصود أو يرشد لما يدل عليه كالقياس ودليل الفعل ولما أقام البراهين على استحقاقه تعالى وتقدس لمجامع المحامد وصفات الكمال شهد له باستقاق الألوهية وإثباتها ونفيها عما سواه إشارة إلى أن تلك الشهادة الشريفة داخلة فما أقيمت البراهين على استحقاقه تعالى إياه بل استحقاق الألوهية أجل ظهورا ومن ثم عطفه على الحمد فصرح بما علم التزاما من سياق التنزيه قبله فقال ( وأشهد ) إلخ ومن مرسومه أنه التصريح بدلالة مفهوم المنطوق لدفع احتمال توهم غيره أو لحديث أبي داود كل خطبة
[ ص 14 ] ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء بذال معجمة . وأصل الشهادة لغة مأخوذة من المشاهدة والمعاينة ثم نقلت شرعا إلى الإخبار بحق الغير عن عيان ثم نقلت إلى العلم بكثرة كما هنا وكذا حيث أطلقت في سائر الكتب فتلك ثلاث انتقالات إذ معناها هنا أعلم ذلك بقلبي وأبينه بلساني قاصدا به الإنشاء حال تلفظه وكذا سائر الأذكار والتنزيهات ( أن لا إله ) أي لا معبود بحق ( إلا الله ) جمع في الشهادتين بين النفي والإثبات مع تنزيه الإله الحق المثبت له ذلك عما لا يليق بكمال جلال وحدانيته ( وحده ) نصب على الحال بمعنى منفردا وكذا حيث وقع إلا ما استنثى منه كقولهم في المدح للعلامة نسيح وحده بكسر الحاء وفي الذم لضعف الرأي عبير وحده وجيحش وحده ووجيه وحده محتمل للمدح والذم ( لا شريك ) أي لا مشارك ( له ) إذ الشريك من المشاركة وهي المعاونة والمساعدة في الشيء أو عليه وذلك ينافي الألوهية وهو تأكيد لتوحيد الذات والمتوحد ذو الوحدانية وزاد مقام الخطاب بالثناء توضيحا وتقريرا بقوله ضرورة احتياجه إلى الغير فانتفائه ضروري قطعا وهو توكيد لتوحيد الأفعال ردا على المعتزلة ثم قيد الشهادة بما يفيد إثبات جزمه وقوة قطعه وعدم تزلزله فقال ( شهادة يزيح ظلام الشكوك صبح يقينها ) أي أشهد به شهادة ثابتة جازمة يزيل نورا اعتقادها ظلمة كل شك فهو استعارة بالكناية لكونه نطقه بالشهادة نشأ عن جزم قلبه وعقد لبه عليها لأن نور اليقين لما كان واقعا لظلمات تشكيكات العدو اللعين شبه بضوء الصبح المنتشر المرتفع عند تنحيته لظلام الليل بجامع أن كلا منهما مزيل للظلمات ومحصوله الإخبار عن قوة إيقانه وغلبة سلطان إيمانه على جنانه بحيث بلغ من مقامات القوة مبلغا عظيما إلى اليقين وإن كان اعتقادا جازما مطابقا للواقع لا يزول بالتشكيكات لكنه متفاوت قوة وضعفا عند المحققين بشهادة الوجدان إذ الجزم بطلوع الشمس عند الرؤية أقوى من الجزم بالعاديات . ثم عطف الشهادة الثانية على الأولى فقال ( وأشهد ) إلى آخره إذ الإتيان بالشهادتين على الترتيب شرط كما هو مذكور في شروط الإسلام الخمسة وهي العقل والتكليف والإتيان بالشهادتين وكونهما مرتبتين وكون ذلك بالاختيار في حق غير الحربي والكلام على هذه الشهادة كالذي قبلها وكانتا بالعطف دونه في الأذان لأنهما فيه تأكيد هنا تعبد ( أن سيدنا ) معشر الآدميين أي أشرفنا وأكرمنا على ربه والسيد المتولي للسواد أي الجماعة الكثيرة ويضاف 'لى ذلك فيقال سيد القوم ولا يقال سيد النوب وسيد الفرس ويقال ساد القوم يسودهم . ولما كان من شرط المتولي للجماعة الكثيرة كونه مهذب النفس قيل لكل من كان فاضلا في نفسه وإطلاق السيد على النبي صلى الله عليه و سلم موافق لحديث " أنا سيد ولد آدم " ولكن هذا مقام الإخبار بنفسه عن مرتبته ليعتقد أنه كذلك وأما في ذكره والصلاة عليه فقد علمهم الصلاة عليه لما سألوه عن كيفيتها بقوله " قولوا اللهم صل على محمد " فلم يذكر لفظ السيد وقد تردد ابن عبد السلام في أن الأفضل ذكر السيد رعاية للأدب أو عدم ذكره رعاية للوارد ( محمدا ) عطف بيان لا صفة لتصريحهم بأن العلم ينعت ولا ينعت به ذكره بعض علماء الروم قال وما ذكره الكشاف في { ذلكم الله ربكم } أنه يجوز إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان وربكم خبر إنما يصح بناء على تأويله والمعرف باللام وإلا فتجويز نعت اسم الإشارة بما ليس معرفا بها وما ليس بموصول مجمع على بطلانه ولا بدل لأن البدلية وإن جوزت في { ذكر رحمة ربك عبده زكريا } لكن القصد الأصلي هنا إيضاح الصفة السابقة وتقرير النسبة تبع والبدلية تستدعي العكس وهو اسم مفعول من التحميد وهو المبالغة في الحمد يقال حمدت فلانا أحمده إذا أثنيت على جميل خصاله ويقال فلان محمود فإذا بلغ النهاية وتكاملت فيه المحاسن فهو محمد لكن ذكر بعض المحققين أنه إنما هو من صيغ المبالغة باعتبار ما قيل فيه من معنى الكثرة وبخصوصه لا من جهة الصفة إذ لا يلزم من زيد مفضل على عمرو المبالغة في تفضيله عليه إذ معناه له جهة تفضيل عليه وبفرض كونه للتكثير لا يلزم منه المبالغة لأنها تجاوز حد الكثرة ولحصرهم صيغ المبالغة في عدد مخصوص وكونه أجل من حمد وأفضل من حمد لا يستلزم وضع الاسم للمبالغة لأن ذلك ثابت له لذاته وإن لم يسم به نعم المناسبة قائمة به مع ما مر من دلالة البناء عرفا على بلوغ النهاية في ذلك الوصف ( عبده ) قدمه لكون العبودية مفتاحا لكل باب كمال ففي ذكره من استحقاق الرحمة واستجلاب الرفعة
[ ص 15 ] وترتب الشفقة ما ليس من غيره ولما فيه من الإيماء إلى أن مرتبة النبوة وهبية لا كسبية ولأن العبودية في الرسول لكونها انصرافا من الخلق إلى الحق أجل من رسالته لكونها بالعكس ولأن الكمال المستفاد من العبودية بما تستنزل به الكمالات وتستمطر به البركات بحكم " من تواضع لله رفعه الله " ولأن العبد يتكفل مولانا بإصلاح شأنه والرسول يتكفل بمولاه بإصلاح شأن الأمة وكم بينهما وإضافته إليه تعالى تشريفا للمضاف أي تشريف وتنبيها على أن لهذا اللفظ الخاص كمال الاختصاص والعبد لغة الإنسان حرا أو قنا وعرفا المكلف يعني من هو جنس المكلفين ولو صبيا أو جنينا ( ورسوله ) إلى كافة الثقلين والملائكة أو إلى الأولين خاصة ؟ وعليه الحليمي والبيهقي بل حكى الرازي والنسفي الإجماع عليه لكن انتصر محققون منهم السبكي بالتعميم بآية { ليكون للعالمين نذيرا } أو خبر " أرسلت إلى الخلق كافة " ونازعوا فيما حكى بأن البيهقي نقله عن الحليمي وتبرأ منه والحليمي وإن كان سنيا لكن وافق المعتزلة في تفضيل الملك على البشر فظاهر حاله بناؤه عليه وبأن الاعتماد على تفسيرهما في حكاية الإجماع انفرادها لحكايته لا ينهض حجة عند أئمة النقل لأن مدارك نقل الإجماع إنما تتلقى من كلام حفاظ الأمة وأصحاب المذهب المتبوعة ومن يلحق بهم في سعة دائرة الإطلاع والحفظ والإتقان والشهرة عند علماء النقل والرسول والنبي طال فيما بينهما من النسبة الكلام والمحققون كما قال ابن الهمام كالزمخشري والعضد والتفتازاني والشريف الجرجاني على تراد فهما وأنه لا فارق إلا الكتاب قال الزمخشري : الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو إلى شرع من قبله انتهى وقال في المقاصد : النبي إنسان بعثه اللهلتبليغ ما أوحى إليه قال وكذا الرسول . قال الكمال ابن أبي شريف : هذا ينبئ عن اختياره للقول بترادفهما . وفي شرح العقائد بعد ما ذكر أنه لا يقتصر على عدد في تسمية الأنبياء ما نصه : وكلهم كانوا مبلغين عن الله تعالى لأن هذا معنى النبوة والرسالة قال الكمال ابن أبي شريف هذا مبني على أن الرسول والنبي واحد وقال الإمام الرازي في تفسيره ولا معنى للنبوة والرسالة إلا أن يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم . وفي المواقف وشرحه في السمعيات : النبي من قال له الله تعالى أرسلتك إلى قوم كذا أو إلى الناس جميعا أو بلغهم عني أو نحوه ولا يشترط في الإرسال شرط وفيه في شرح الديباجة : الرسول نبي معه كتاب والنبي غير الرسول من لا كتاب معه بل أمر بمتابعة شرع من فبله كيوشع . قال المولى خسرو تبع - يعني الشريف - صاحب الكشاف في تفسير الرسول واعتراضه بأنه لا يوافق المنقول في عدد الرسل والكتب إذ الكتب نحو مئة والرسل أكثر من ثلاث مئة مدفوع بأن مراده بمن معه كتاب أن يكون مأمورا بالدعوة إلى شريعة كتاب سواء أنزل على نفسه أو على نبي آخر . قال : والأقرب أن الرسول من أنزل عليه كتاب أو أمر بحكم لم يكن قبله وإن لم ينزل كتاب والنبي أعم لما في ذلك من النقص عما أورد على الأول من أنه يلزم عليه أن يكون من بعث بدون كتاب ولا متابعة من قبله خارجا عن النبي والرسول معا اللهم إلا أن يقال إنه لا وجود لمثله انتهى . وقال الشيباني في شرح اللفه الأكبر : الرسول من بعث بشرع مجدد والنبي يعمه ومن بعث بتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين بين موسى وعيسى ومن ثم شبه النبي صلى الله عليه و سلم علماء أمته بهم . قال : فإن قيل كيف يصح هذا وقد قال تعالى { ولقد أتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل } وقد بين ذلك في الكشاف بالأنبياء بين موسى وعيسى . قلت : لعل المراد بالرسل في الآية المعنى اللغوي . وقال ابن عطاء الله من الناس من ظن أن النبي الذي هو نبي في نفسه والرسول هو الذي أرسل لغيره وليس كما ظن ولو كان كذلك فلماذا خص الأنبياء بالذكر دون الرسل في قوله " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " ومما يدل على بطلان هذا المذهب قوله تعالى { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي } الآية فدل على أن حكم الإرسال يعمهما وإنما الفرق أن النبي لا يأتي بشريعة جديدة وإنما يجيء مقررا لشرع من قبله ولهذا قال المصطفى " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " ( الحديث متكلم فيه والصحيح من قول النبي صلى الله عليه و سلم " العلماء أمناء الرسل " الحديث " والعلماء أمناء الله على خلقه " ) أي يأتون مقررين ومؤكدين وآمرين بما جئت به لا بشرع جديد . وقال الصفوي : اختار بعض المحققين أن الرسول نبي أتاه الملك - وقيل جبريل - بوحي لا نوم ولا إلهام والنبي أعم
[ ص 16 ] واعترض بعدم شموله لما لم يكن بواسطة كما هو ظاهر المنقول في موسى قبل نزول الملك عليه ورفعه بأنه يصدق عليه أنه أتاه في وقت لا ينجع إذ يلزم أن يكون النبي قبل البعثة رسولا حقيقة ولا قائل به . وقد أفاد ما قرره المحققان التفتازاني والجرجاني أن مجرد الإيحاء لا يقتضي نبوة إنما المقتضي لها إيحاء بشرع وتكليف خاص فخرج من بعث لتكميل نفسه كزيد بن نفيل ومن ثم قيل ونعم ما قيل يعتقد كثير أن النبوة مجرد الوحي وهو باطل وإلا لزم نبوة نحو مريم وآسية والتزامه شاذ . وما أورد على التقتازاني من أن قوله : النبي من بعث لتبليغ ما أوحي إليه أو أن شرع غيره المشير إليه فيما أوحي إليه في الجملة . ومن هذه النقول اللامعة والمباحث الجامعة عرف صحة عزو العلامة ابن الهمام القول بالترادف إلى المحققين وأن الإمام الشهاب ابن حجر قد انحرف هنا عن صوب الصواب حيث حكم على من زعم الاتحاد بالغلط . ونسب الكمال ابن الهمام إلى الاسترواح في نقله والسقط ثم قال : إن الذي في كلام أئمة الأصوليين خلاف الاتحاد قال رأي المحققين خلاف هؤلاء فإن أراد أن محققي أئمة الأصوليين خلاف العضد والتفتازاني والجرجاني وأن هؤلاء ليسوا بمحققين فهذا شيء لا يقوله محصل وإن أرادهم فهذه نصوصهم قد تليت عليك ولسنا ننازعه في أن المشهور بين الفقهاء ما ذكره الحليمي من التغاير وأن الفارق الأمر بالتبليغ إنما الملام في إقدامه على تغليط ذلك المحقق ونسبته 'لى الغفول عن كلام المحققين من رأس القلم ( تتمة ) قال بعض الأكابر لم يشتغل الأكثر بتعريف النبوة والرسالة بل بالنبي والرسول وقد عرفهما الأسد بن الأسد إمام الحرمين في قوله النبوة لا تكون عن قوة في النفس كما قاله الحكماء ولا عن رياضة يحصل بها الصفاء فيحصل التجلي في النفس كما قاله بعض الصوفية ولا عن قربان الهياكل السبعة كما قاله المنجمون ولا هي بالإرث كما قاله بعض أهل البيت ولا هي علم المرء بربه لأنه عام ولا علم النبي بكونه نبيا لتأخره بالذات عنها بل هي صفة كلامية هي قول الله تعالى هو رسولي وتصديقه بالأمر الخارق

(1/9)


إلى هنا كلامه . وقال الراغب : النبوة قيل سفارة العبد بين الله وبين خلقه وقيل إزاحة علل ذوي العقول فيما تقصر عنه عقولهم من مصالح المعاش والمعاد . وجمع بعض المحققين بينهما فقال : سفارة بين الله وبين ذوي الألباب لإزاحة عللهم فيما يحتاجون من مصالح الدارين وهذا حد كامل جامع بين المبدأ في المقصود بالنبوة وهي الخصوصية وبين منتهاها وهي إزاحة عللهم انتهى <تنبيه> إن قلت : لم عدل المؤلف عن النبي إلى الرسول ؟ قلت : لما كان المقام مقام بيان الأحكام وتبليغ الأوامر والنواهي كان حقه أن يذكر فيه وصف الرسالة . ثم عقب ذلك بالرسالة . ثم عقب ذلك بالإشارة إلى ما يفيد مقصود البعثة ويتفرع على النبوة وهو غايتها فقال ( المبعوث لرفع ) أي لأجل إعلاء ( كلمة الإسلام ) أي تنفيذ أحكامها من الكلم وهو التأثير سمي بها اللفظ لأنه يورث في النفس فرحا وانبساطا إن كان طيبا وهما إن لم يكن والمراد بالكلمة الكلام التام أعني كلمة الشهادة أو القرآن كله على ما عليه المتقدمون من عدم الفرق بين الكلمة والكلام نقله القناوي عن شرح اللب قال : وإعلاء كلمته تنفيد أحكامه ( وتشييدها ) أي إحكامها ورفع منارها وتوثيق عراها . والرفع الإعلاء . قال الزمخشري : رفعه فارتفع ورفع فهو رفيع ومن المجاز رفعه على صاحبه في الجنس ويقال للداخل ارتفع أي تقدم ورفعت الرجل سميته والسند ورفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه و سلم اه
قال الراغب : الرفع يقال تارة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها عن مقرها وتارة في البناء إذا طولته وتارة في المنزلة إذا شرفتها أمثلتها كل ما في النصوص والإسلام الخضوع والإنقياد الظاهر لما أخبر به الرسول . قال في الكشاف : كلما يكون من الإقرار باللسان من غير مؤاطأة القلب فهو إسلام وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان ومنه أخذ الدواني قوله : الإسلام الكامل الصحيح لا يكون إلا مع الإيمان والإتيان بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج وقد ينفك الإسلام الظاهر عن الإيمان { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } ويصح أن يكون الشخص مسلما في ظاهر الشرع ولا يكون مؤمنا حقيقة
[ ص 17 ] والإسلام الحقيقي المقبول عند الله لا ينفك عن الإيمان الحقيقي بخلاف العكس انتهى ( وخفض ) أي ولأجل إهانة وإذلال ( كلمة الكفر ) من دعوى الند والشريك لله أو الصاحبة أو الولد أو غير ذلك من صنوف الكفر وضروب الضلال ( وتوهينها ) أي إضعافها وتحقيرها والكفر لغة ستر النعمة وأصله الكفر بالفتح أي الستر ومنه سمي الزارع كافرا لستره البذر وقيل الليل كافر لذلك ومنه الكفارة لأنها تكفر الذنب أو تستره ومنه في ليلة كفر النجوم غمامها ومنه المتكفر بسلاحه أي المغطي به بدنه ثم نقل شرعا إلى عدم الإذعان لما علم مجيء الرسول به ضرورة قولا أو فعلا لما فيه من ستر نور الفطرة الأصلية الذي هو بدر الكمال ومحاولته الإبداع بذكر الخفض والرفع لا يحسن هنا إذ لا يليق إلا بكتب النحو والمناسب هنا ذكر المسند والمرسل والصحيح والضعيف والحسن ونحو ذلك من أنواع علوم الحديث . ثم لما نعته بعلو الشأن وظهور السطان ووصفه بما هو منشأ كل سعادة وكمال تحرك قلبه إلى إنشاء الصلاة والسلام عليه فقال ( صلى الله وسلم عليه ) من الصلاة وهي من الله الرحمة ومنا الدعاء ومن الملك استغفار كذا أثر عن الخبر قال المحقق الدواني : ومنها من زعم أنها ثنائية المعنى بالحقيقة نظرا إلى أن الأخيرين يجمعهما طلب الرحمة فإنها لم توضع للقدر المشترك بل تارة لهذا الفرد وتارة لذاك وابن عباس أعرف منا بوضع اللغة ولو صح ذاك أمكن إرجاعه إلى معنى واحد مشترك بين الأمور الثلاثة كالإمداد بالرحمة فلم يكن مشتركا لفظيا بل معنويا وكذا جميع الألفاظ المشتركة يمكن جكع معانيها المتعددة في أمر واحد فيبقى المشترك رأسا وهو باطل قطعا ثم تعلق لفظ على بهما للتضمن معنى النزول وقد أحسن من عبر عن معناه باستنزال الرحمة إلى هنا كلامه والسلام التسليم من الآفات المنافية لغاية الكمال وجمع بينهما لكراهة إفراد أحدهما أي لفظا لا خطأ أو مطلقا والجملة لإنشاء طلب الرحمة والسلام وإن كانت بصورة الخبر وجعلها خبرا معنى لإنشاء الدعاء قياسا على الحمد أبطل بأن الأخبار بثبوت الحمد يستلزم حمدا والأخبار بثبوت الدعاء لا يستلزم الدعاء . ولما كان لآله وصحبه نوع مشاركة في التوسط لمعاونتهم في التبليغ أشركهم معه فقال ( وعلى آله ) أصله عند سيبويه والبصريين وعليه اقتصر الكشاف وإليه مال الشاطبي إهل بدليل أهيل إذ التصغير يرد الأشياء إلى أصولها قلبت هاؤها همزة وهي ألفا وعند الكسائي أول بدليل أويل وأيده الجوهري ونصره أبو شامة زاعما أن الأول مجرد دعوى وأن لغة العرب تأباه وصححه في الإرتشاف فإن قلت في الكشاف : الهاء أبدلت ألفا وظاهره أنه مذهب ثالث ؟ قلت : كلا إذ مراده كما قال بعض العظماء أبدلت الهاء همزة وهي ألفا وبدل البدل بدل فرجع إلى الأول وخص استعماله بعد القلب أو مطلقا بمن له شرف ورفعة من ذوي العقول أي ما نزل منزلتهم للإهتمام بشأنه فلا يرد النقض بنحو : وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك دينا كآل النبي أو دينا كآل فرعون أشار إليه المحققون منهم البيضاوي وبه عرف أن قول البعض إنما قيل آل فرعون لتصورهم بصورة الأشراف أو لشرفه في قومه تكلف مستفنى عنه نعم هو في التنزيل وارد على منهج التهكم كما بينه صاحب القاموس في شرح خطبة الكشاف على حد : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } على أن الاختصاص المذكور غالبي فقد سمع استعماله في غير ذي عقل لشرفه في جنسه كقوله في فرس ليس في العرب أفحل منه ولا أكثر نسلا . . . صوت حصانا كان من آل أعوجا

(1/16)


واختصاصه للإضافة لذي الشرف لا ينافي التصغير لأن التصغير يرد للتعظيم وبفرض سواه فالتصغير في اللغة مع أن مراتب الحظر متفاوتة فيقبل التصغير وآل النبي من حرمت عليهم الزكاة وهو بنو هاشم عند الحنفية والمطلب أيضا عند الشافعية قال البعض : والمؤمنون وبنو تغلب فيشمل إناثهم لكن استدلالهم بخبر " إن لكم في خمس الخمس " يقتضي خلافه وقيل بنو غالب وقيل ذريته أو أزواجه وقيل أتباعه وقيل أتقياء أمته واختاره النووي كجمع في مقام الدعاء وجرى عليه الدواني فقال إذا أطلق في المتعارف شمل الصحب والتابعين لهم بإحسان . فإن قلت : هل لإتيانه بلفظ على هنا من فائدة ؟ قلت : نعم وهي الإشارة 'لى مخالفة الرافضة والشيعة فإنهم مطبقون على كراهة الفصل بين [ ص 18 ] النبي وآله بلفظ على وينقلون في ذلك حديثا كما بينه المحقق الدواني وصدر الأفاضل الشيرازي وغيرهما ( وصحبه ) اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي وهو لغة من صحب غيره بما ينطلق عليه اسم الصحبة واصطلاحا من لقي المصطفى يقظة بعد النبوة وقبل وفاته مسلما وإن لم يره لعارض كعمى وإن لم يره المصطفى ولو بلا مكالمة ولا مجالسة ككونه مارا ولو بغير جهته ولو لم يشعر كل بالآخر أو تباعدوا أو كان أحدهما بشاهق والآخر بوهدة أو بئر أو حال بينهما مانع مرور كنهر يحوج إلى سباحة أو ستر رقيق لا يمنع الرؤية أو ماء صاف كذلك إن عده العرف لقاء في الكل على الأقرب من تردد وإسهاب فيه وكذا لو تلاقيا نائمين أو كان غير النبي مجنونا محكوما بإسلامه على ما بحث وقيل لا وقيل إلا زمن إفاقته وذلك لشرف منزلة النبي فيظهر أثر نوره في قلب ملاقيه وعلى جوارحه فشمل التعريف غير المميز وهو ما جرى عليه جمع منهم البرماوي لكن اختير اشتراط التمييز وعلى عدمه دخل من حنكه النبي صلى الله عليه و سلم كعبد الله بن الحارثأو مسح وجهه كعبد الله بن ثعلبة أو رآه في مهده كمحمد بن أبي بكر والجن كوفد نصيبين واستشكال ابن الأثير بأنه لا تعبد لنا بالرواية عنهم رده الحافظ ابن حجر والأنبياء الذين اجتمعوا به ليلة الإسراء والملائكة الذين اجتمعوا به فيها أو غيرها وبه جزم بعضهم لكن جزم البلقيني بخروج النبي والملك ككل من رآه تلك الليلة ممن لم يبرز لعالم الدنيا وتبعه الكمال المقدسي موجها بأن المراد الاجتماع المتعارف لا ما وقع خرقا للعادة وأيده بعض المحققين بأنه المتبادر عرفا من لفظ اجتمع أو لقي ومن هذا البيان انكشف ضعف جزم الذهبي باستثناء عيسى وإدخاله في التعريف وما احتج به من اختصاصه عن بقية الأنبياء برفعه حيا ونزوله الأرض وحكمه بشرعه لا ينهض حجة له عند التأمل وعدم الاعتداد بالرؤية الواقعة خرقا للعادة يفيد أنه رأى بدنه الشريف فقط كرامة له بفرض وقوعه غير صحابي وإثبات ابن عبد البر الصحبة لمن أسلم في حياته ولم يره شاذ ودخل من رآه بعد البعثة وقبل الأمر بالدعوة كورقة بخلاف من رآه قبل البعثة وإن آمن بأنه سيبعث كما في شرح العباب وغيره ومن لقيه مؤمنا بغيره من أهل الكتاب كما صرح به الحافظ ابن حجر في الإصابة تبعا لما نقله ابن الأثير وغيره عن الإمام البخاري وغيره وعبارته في " أسد الغابة " قال البخاري من صحب رسول الله أو رآه من المؤمنين فهو من أصحابه ووقع لبعضهم في هذا المقام من الخيالات والأوهام ما كنا أومأنا أولا إلى شيء مما يدفعه فغضب لذلك بعض من تمكن من قلبه داء الحسد والحمية وبلية المعصية للعصبية وانتصب لدفع الإيراد بما هو قادح في أصل مطلوبه ورام ترميمه وتتميمه بما عسى الفطرة السليمة المبرأة عن العصبية تكفي مؤونة رده لكنا مع ذلك تعرضنا لكشف حاله وتزييف مقاله في مؤلف مستقل . ثم إن المؤلف أورد من صفاتهم ما يدل على حيازتهم قصب السبق في مضمار المآثر وتبرزهم على من سواهم في اقتناء المناقب والمفاخر فقال ( ليوث الغابة ) استعارة لفرط شجاعتهم يعني أنهم أدحضوا الباطل بالبأس الساحق والسيف الماحق فكانوا كالأسود الضارية التي ما أتت على شيء إلا جعلته كالرميم . قال ابن عبد البر في خطبة الاستيعاب : روى ابن القاسم عن مالك أن الصحب لما دخلوا الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال : ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالسيوف والمناشير وصلبوا على الجذوع بأشد اجتهادا من هؤلاء ومع ذلك كان عندهم للسلم والعفو موضع فلم يكن الواحد منهم ضرارا قهارا دائما بل كانوا كمتبوعهم حسبما يقتضيه المقام في مكان القهر على العفو وفي وقت السلم محض اللطف أشداء على الكفار رحماء بينهم يعفون عمن ظلمهم ويصلون من قطعهم ويعطون من حرمهم ويعينون على نوائب الدهر بطلاقة وجه وسماحة نفس وكف أذى وبذل ندى فهم كما قيل فيهم :
جبال الحجى أسد الوغا غصص العدا شموس العلا سحب الندا بالمواهب
والليوث جمع ليث وهو الأسد وخصه لأنه بمنزلة ملك الوحش وأشده شكيمة وأقواه نفسا وعزيمة وأعظمه شجاعة وبطشا . والغابة الأجمة من نحو قصب أو شجر ملتف تأوي إليه الأسود سميت غابة لأنها تغيب ما فيها يقال إنه ليث غابة وهو من ليوث الغابة قال الزمخشري : ومن المجاز أننا في غابة أي رماح كثيرة كالشجر وزاد قوله ( وأسد عرينها ) دفعا لتوهم عدم احتمال إرادة الحيوان المفترس بلفظ الليث إذ الليث أيضا نوع من العنكبوت والأسد بضمتين [ ص 19 ] أو بضم فسكون جمع أسد بفتحهما . قال الزمخشري : ومن المجاز استأسد عليه أي صار كالأسد في جراءته والعرين والعرينة مأواه الذي يألفه يقال ليث غابة وليث عرينة . ومن كلامهم : أشم العرين كالأسد في عرينه لا كالجمل الأنف الأنف في عرانه وهو العود الذي يجعل في برة أنف البختي ذكره الزمخشري . وعلم مما تقرر أن تشبيهم بالأسد استعارة بالكناية وإثبات الغابة لهم استعارة تخييلية رشحها بذكر العرين ( هذا ) أي المؤلف الحاضر في العقل استحضر المعاني التي جمعها فيه على وجه الإجمال وأورد اسم الإشارة لبيانها وأسماء الإشارة قد تستعمل في الأمور المعقولة وإن كان وضعها للأمور المحسوسة المبصرة الحاضرة في مرأى المخاطب لكن لا بد من نكتة وهي هنا الإشارة إلى إتقانه هذه المعاني حتى صارت لكمال علمه بها كأنها مبصرة عنده ويقدر على الإشارة إليها ذكره العصام تلخيصا من كلام الدواني وغيره ( كتاب ) أي مكتوب وتنوينه للتعظيم وهو في الأصل مصدر سمي به المكتوب على التوسع ثم غلب في العرف على حمع من الكلمات المستقلة بالتعيين المفردة بالتدوين . وقال الحراني : الكتاب من الكتب وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفيفة من أصله كالخرز في الجلد يقد منه والخياطة في الثوب بشيء من جنسه ليكون أقرب لصورة اتصاله للأول فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالرقوم من الكلام ( أودعت ) أي صنت وحفظت ( فيه ) أي جعلته ظرفا لصون الحديث وحفظه من أودعته مالا دفعته إليه ليكون وديعة محفوظة عنده من الدعة وهي الراحة كأن به تحصل الراحة لطالب الفن بجمع ما هو مشتت في الأقطار متفرق في الكتب الكبار . قال الزمخشري : ومن المجاز أودعته سرا وأودع الوعاء مناعه وأودع كتابه كذا وأودع كلامه معنى حسنا قال :
استودع العلم قرطاسا فضيعه . . . فبئس مستودع العلم القراطيس
( من الكلم ) بفتح فكسر جمع كلمة كذلك من الكلم بفتح فسكون وهو التأثير المدرك بإحدى الحاستين السمع والبصر سمي به اللفظ لما مر . قال الحراني : والكلام إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الإظهار انتهى . وآثر الكلم على الكلمات لأنها جمع قلة والموضع موضع التكثير لا التقليل وعلى الكلام لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير وعرف بعض أهل الأصول الكلام بأنه المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة وقال السيد وقد يزاد قيدان آخران فيقال المتواضع عليها إذا صدرت من قادر واحد ( النبوية ) أي المنسوبة إلى النبي ( ألوفا ) بضم أوله جمع ألف وهو العدد المخصوص المعروف . قال الراغب : سمي به لكون الأعداد فيه مؤلفة فإن الأعداد آحاد وعشرات ومئات وألوف فإذا بلغت الألف فقد ائتلفت وما بعده يكون مكررا قبل وعدته عشرة آلاف وتسع مئة وأربعة وثلاثون والمراد بالكلم الأحاديث المعروفة بالنبي المنسوبة إليه سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ( ومن الحكم ) جمع حكمة وهي اسم لكل علم وعمل صالح وفي الكشاف هي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة وفي المفردات اسم لكل علم حسن وعمل صالح وهي بالعلم العملي أخص منها بالعلم النظري والحكمة من الله إظهار الفضائل المعقولة والمحسوسة ومن العباد معرفة ذلك بقدر طاقة البشر وعرفت أيضا أنها العلم المشتمل على معرفته تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل والحكيم من له ذلك ولا يبلغ الحكمة إلا أحد رجلين مهذب في فهمه موفق في نظمه ساعده معلم ناصح وكفاية وعمر . وأما الذي يصطفيه الله ففتح عليه أبواب الحكمة بفيض إلهي ويلقي إليه مقاليد جوده فيبلغه ذروة السعادة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ( المصطفوية ) نسبة إلى المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أي المختار والإصطفاء افتعال من الصفوة وهي ما خلص اللطيف عن كثيفه ومكدره ذكره الحراني ( صنوفا ) أي أنواعا من الأحاديث فإنها متنوعة إلى أنواع كثيرة فمنها مواعظ وآداب ورقائق وأحكام وترغيب وترهيب وغير ذلك وفي الكتاب من كل منها لكنه لم يكثر من أحاديث الأحكام إكتفاء بكون معظم تأليف القوم فيها وتعبيره بالمصطفوية بالواو إنما يتخرج على خلاف ما عليه الجمهور فإن عندهم أن ألف
[ ص 20 ] المقصور إذا كان خامسة فصاعدا تحذف مطلقا ولا تقلب سواء كانت أصلية نحو مصطفى أو للتأنيث نحو حباري أو لغير ذلك ( اقتصرت فيه على الأحاديث الوجيزة ) أي القصيرة فلم أتجاوزها إلى إيراد الطويلة أي غالبا . قال في الصحاح : قصر الشيء على الشيء لم يتجاوزه لغيره والإقتصار على الشيء الاكتفاء به . وفي الأساس : اقتصر على الشيء كف عنه وهو يقدر عليه وقصر عنه قصورا عجز عنه يقال أقصر عن الصبا وأقصر عن الباطل . والأحاديث قال في الكشاف : يكون اسم جمع للحديث ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم ويكون جمعا للأحدوثة التي هي مثل الأضحوكة هي ما يتحدث به الناس تلهيا والمراد هنا الأول قال : سميت أحاديث لأنه محدث بها عن الله ورسوله فيقال قال رسول الله كذا انتهى . قال الكرماني : والمراد بالحديث في عرف الشرع ما يضاف إلى النبي وكأنه لوحظ فيه مقابلة القرآن لأنه قديم وهذا حديث انتهى وفي شرح الألفية الحديث ويرادفه الخبر على الصحيح ما أضيف إلى النبي أو إلى الصحابي أو إلى دونه قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة . ويعبر عن هذا بعلم الحديث رواية . ويحد بأنه علم يشتمل على نقل ذلك وموضوعه ذات النبي صلى الله عليه و سلم من حيث كونه نبيا وغايته الفوز بسعادة الدارين وأما علم الحديث دراية وهو المراد عند الإطلاق كما في الألفية فهو علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد اه . والمراد هنا ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه و سلم خاصة ولا مجال لإرادة غيره والوجيز القليل اللفظ الكثير المعنى ووجز اللفظ وجازة فهو وجيز وموجز أي قصير ( ولخصت فيه ) من التلخيص وهو تهذيب الشيء وتصفيته مما يمازجه في خلقته مما هو دونه وفي الصحاح هو التبين والشرح وفي النهاية هو التقريب والاقتصار يقال لخصت القول أي اقتصرت فيه واختصرت منه ما يحتاج إليه ( من معادن ) جمع معدن بفتح فسكون فكسر اسم مكان ويراد به الحال فيه أيضا ( الأثر ) بالتحريك أي المأثور أي المنقول عن النبي صلى الله عليه و سلم يقال أثرت الحديث أثرا أي نقلته والأثر بفتحين اسم منه وحديث مأثور أي نقله خلف عن سلف وسنن النبي آثاره كذا في مختار الصحاح . وقال الزمخشري : يقال وجدت ذلك في الأثر أي في السنة وفلان من جملة الآثار وحديث مأثور يأثره أي يرويه قرن عن قرن ومنه التليد المأثور للقديم المتوارث كابرا عن كابر وفي شرح الألفية : الأثر بفتح الهمزة والمثلثة هو الأحاديث مرفوعة أو موقوفة . وقصره بعض الفقهاء على الموقوف ( إبريزه ) أي خالصه وأحسنه والإبريز كما في التهذيب بكسر الهمزة والراء وسكون الموحدة التحتية بينهما : الذهب الخالص يقال ذهب إبريز وإبريزي بكسرهما خالص شبه أصول الحديث بالمعادن وما أخذه منها بالذهب الخالص وجمعه لها بالتلخيص فهو كناية عن كونه غاص على الأحاديث العزيزة البليغة المعدودة من جوامع الكلم واستخرجها من أماكنها ومكامنها وهذبها ورتبها بكلفة ومشقة كما يقاسيه من يستخرج الذهب من معدنه الذي خلق فيه فشبه ما لخصه مما انتزعه من بطون الدفاتر الحديثية المتشعبة المنتشرة بالذهب المعدني المستخرج من البقاع التي خلق فيها بجامع أن كلا منهما قد ارتقى في النفاسة إلى الغابة التي لا ترتقي وبرز تبريزا فاق أصحابه عقلا وشجاعة . كذا في القاموس وفي الأساس : ذهب إبريز خالص وتقول ميز الخبيث من الإبريز والناكصين من أولى التبريز ( وبالغت ) أي تناهيت في الإجتهاد . قال الزمخشري : تبالغ فيه المرض والهم إذا تناهى ( في تحرير التخريج ) أي تهذيب المروي وتخليصه . قال الزمخشري : ومن المجاز حرر الكتاب حسنه وخلصه بإقامة حروفه وإصلاح سقطه والتخريج من خرج العمل تخريجا واخترجه بمعنى استخرجه . قال الزمخشري : ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرجه واخترجه بمعنى استخرجه وخرج الغلام لوجه ترك بعضه غير مكتوب وإذا كتبت الكتاب فتركت مواضع الفصول والأبواب فهو كتاب مخرج وخرج الكتاب جعله ضروبا مختلفة والإخراج والاستخراج الاستنباط بمعنى اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث من الجوامع والسنن والمسانيد فلا أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه ولا أكتفي بعزوه إلى من ليس من أهله وإن جل كعظماء المفسرين . قال ابن الكمال : كتب التفسير
[ ص 21 ] مشحونة بالأحاديث الموضوعة وكأكابر الفقهاء في الصدر الأول من أتباع المجتهدين لم يعتنوا بضبط التخريج وتمييز الصحيح من غيره فوقعوا في الجزم بنسبة أحاديث كثيرة إلى النبي وفرعوا عليها كثيرا من الأحكام مع ضعفها بل ربما دخل عليهم الموضوع وممن عدت عليه في هذا الباب هفوات وحفظت عليه غلطات الأسد بن الأسد الكرار الفرار الذي أجمع على على جلالته الموافق والمخالف وطار صيته في المشرقين والمغربين الأستاذ الأعظم إمام الحرمين وتبعه عليها معمار القواعد دهقان المعاقل والمعاقد الذي اعترف بإمته العام والخاص مولانا حجة الإسلام في كثير من عظماء المذاهب الأربعة وهذا لا يقدح في جلالتهم بل ولا في اجتهاد المجتهدين إذ ليس من شرط المجتهد الإحاطة بحال كل حديث في الدنيا . قال الحافظ الزين العراقي في خطبة تخريجه الكبير للإحياء : عادة المتقدمين السكوت عما أوردوا من الأحاديث في تصانيفهم وعدم بيان من خرجه وبيان الصحيح من الضعيف إلا نادرا وإن كانوا من أئمة الحديث حتى جاء النووي فبين . وقصد الأولين أن لا يغفل الناس النظر في كل علم في مظنته ولهذا مشى الرافعي على طريقة الفقهاء مع كونه أعلم بالحديث من النووي . إلى هنا كلامه ( فتركت القشر ) بكسر القاف ( وأخذت اللباب ) أي تجنبت الأخبار التي حكم عليها النقاد بالوضع أو ما قاربه بما اشتدت نكارته وقويت الريبة فيه المكنى عنه بالقشر وأتيت بالصحيح والحسن لذاته أو لغيره وما لم يشتد ضعفه المكنى عنه باللباب . والترك : أن لا يتعرض للأمر حسا أو معنى والقشر واحد القشور والقشرة أخص منه ومنه قشر العود وغيره نزعه عنه قشره والأخذ حوز الشي وتحصيله . قال الزمخشري : ومن المجاز جاء بالجواب المقشر . واللباب بالضم الخالص ولب كل شيء خالصه وأخذ لبابه خالصه ورأيته بلب اللوز بكسره ويستخرج لبه ( وصنته ) أي هذا الجامع يعني حفظته يقال صان الرجل عرضه من الدنس فهو صين والتصاون خلاف الابتذال وفلان يصون عرضه صون الربط وحب مصون وصنت الثوب من الدنس والثوب في صوانة والترس في صوانها ومصوانها ومصانيها وهذا ثوب صينة لا ثوب بذلة وهو يتصون من العجائب ومن المجاز فرس ذو صون وابتذال وهو يصون خبزه إذا ادخر منه ذخيرة . ذكره الزمخشري ( عما ) أي عن إيراد حديث ( تفرد به ) أي بروايته راو ( وضاع ) للحدبث على النبي صلى الله عليه و سلم ( أو كذاب ) وإن لم يثبت عنه خصوص الوضع أي اتهمه جهابذة الأثر بوضع الحديث على النبي صلى الله عليه و سلم أو الكذب وصيغة المبالغة هنا غير مرادة إذ غرضه صونه حتى عمن لم يعهد عليه سوى وضع حديث واحد أو كذب ولو في لفظة واحدة أما إذا لم ينفرد بأن شاركه في روايته غيره فلا يتحاشى المؤلف عن إيراده لاعتضاده . ثم إن ما ذكره من صونه عن ذلك غالبي أو ادعائي و إلا فكثيرا ما وقع له أنهلم يصرف إلى النقد الإهتمام فسقط فما التزم الصون عنه في هذا المقام كما ستراه موضحا في مواضعه لكن العصمة لغير الأنبياء متعذرة والغفلة على البشر شاملة منتشرة وقد أعطى الحفظ حقه وأدى من تأدية الفرض مستحقه فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . والكتاب مع ذلك من أشرف الكتب مرتبة وأسماها منقبة والذنب الواحد إو المتعدد مع القلة لايهجر لأجله الحبيب والروض النضير لا يترك بمحل قبر . قال الراغب وغيره : ليس يجب أن نحكم بفساد كتاب لخطأ ما وقع فيه من صاحبه كصنع العامي إذا وجدوا من أخطأ في مسألة حكموا على صنعته بالفساد ودأبهم أن يعتبروا الصناعة بالصانع خلاف ما قال علي كرم الله وجهه : " الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله " وليس يدرون أن الصناعة على شيء روحاني والمتعاطي لها يباشرها بمجسم وطبع لا يفارقهما العجز فهو خليق بوقوع الخطأ منه اه . قال المؤلف كغيره : والموضوع ليس في الحقيقة بحديث اصطلاحا بل بزعم واضعه وسبب الوضع نسيان الراوي لما رواه فيذكر غيره ظانا أنه المروي أو غلطة بأن سبق لسانه إلى غير ما رواه أو يضع مكانه مما يظن أنه يؤدي معناه أو افتراء كوضع الزنادقة أحاديث تخالف المعقول تنفيرا للعقلاء عن شريعته المطهرة أو للترغيب في أعمال البر جهلا كبعض الصوفية أو غير ذلك ممن هو مبين في علوم الحدث ( ففاق بذلك ) أي بسبب صونه عما ذكر مع تحرير
[ ص 22 ] تخريجه ( الكتب المؤلفة في هذا النوع ) أي علاهم في الحسن لتميزه علها بجودة التهذيب والرصانة وكمال التنقيح والصيانة قال الزمخشري : يقال فاق قومه فضلهم ورجحهم . وقال الراغب : يقال فاق فلان غيره يفوقه علاه وهو من لفظ فوق المستعملة للفضيلة فإنه يقال باعتبار الفضيلة الدنيوية نحو { ورفعن بعضهم فوق بعض درجات } والأخروية نحو { والذين اتقوا فوقهم } ويقال باعتبار القهر والغلبة قال السيد : " والتأليف جمع أشياء متناسبة كما يرشد إليه اشتقاقه من الألف وأصله قول الراغب : المؤلف ما جمع من أجزاء مختلفة وترتب ترتيبا قدم فيه ما حقه أن يقدم وأخر ما حقه أن يؤخر والألفة اجتماع مع الئتام اه " والنوع من الشيء الصنف وتنوع صار أنواعا ونوعه تنويعا جعله أنواعا متنوعة والكتب المؤلفة في هذا النوع ( كالفائق ) كما يأتي ذكره ( والشهاب ) بكسر أوله للقاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي المصري قال السلفي كان من الثقات الأثبات شافعي المذهب والاعتقاد والظاهر أن مراده بالفائق كتاب : " الفائق في اللفظ الرائق تأليف ابن غنام " جمع فيه أحاديث من الرقائق على هذا النحو . وأما ما يتبادر إلى بعض إلى بعض الأذهان من إرادة فاق الزمخشري فلا يستقيم إذ المشار إليه بهذا النوع هو إيراد متون الأحاديث مجردة عن الأسانيد مرتبة على الحروف وفائق الزمخشري ليس إلا في شرح الألفاظ اللغوية والكلمات العربية الواقعة في الحديث ولسان الصدر الأول من الصحب والتابعين الموثوق بعربيتهم المحتج باستعمالهم وبينه وبين هذا الكتاب بون ( وحوى ) أي جمع وضم يقال حويت الشيء أجوبة جمعته وضممته وتحوي الشيء تجمع قال الزمخشري : ومن المجاز احتوى على الشيء استولى عليه ( من نفائس الصناعة الحديثية ) أي المنسوبة للمحدثين ( ما لم يودع ) بالبناء للمفعول ( قبله ) أي قبل تأليفه ( في كتاب ) فإن ذينك وإن كانا أوردا المتون كما ذكر لكنهما لم يعقبا بالرموز للمخرجين ولا رتبا على الحروف وها من قبيل المبالغة في المدحة على من الترغيبات في التأليفات فإن الديلمي رتب الفردوس على حروف المعجم كهذا الترتيب ويأتي بمتن الحديث أولا مجرداثم يضع عليه علامة مخرجه بجانبه بالحروف على نحو من اصطلاح المصنف رحمه الله تعالى في رموزه من كون خ للبخاري وم لمسلم وهكذا لكن بينهما تخالف في البعض فالحروف التي رمز بها الديلمي عشرون والمؤلف ثلاثون وهو إنما رسم كتابه على ذلك فخفت المؤنة عليه في تأليفه هذا الكتاب فانتهب منه ما اختار واغترف اغتراف الظمان من اليم الزخار وأعانه على ذلك أيضا سديد القوس للحافظ ابن حجر والنفائس جمع نفيسة لا نفيس لأن فعائل إنما يكون جمعا لفعيلة والصناعة في عرف الخاصة علم يتعلق بكيفية العمل ويكون المقصود منه ذلك العمل سواء حصل بمزوالة عمل أم لا وفي عرف العامة يخص بما لم يحصل إلا بمزاولة والوجه في التسمية على التعريفين أن حقيقة الصناعة صفة نفسانية راسخة يقتدر بها على استعمال موضوعات ما نحو غرض من الأغراض على وجه البصيرة بحسب الإمكان والظاهر أن المراد بالصناعة هنا متعارف العامة وأن ذكر الصناعات لمشابهتها العلوم في أن تفاضل أصحابها بحسب الدقائق دون الأصول ذكره كله الشريف الجرجاني قال وقد يقال كل علم مارسه رجل وصار حرفة له سمي صناعة له تعلق بعمل أم لا انتهى . قال في الكشاف : كل عامل لا يسمى صانعا ولا كل عمل صناعة حتى يتكرر من ويتدرب وينسب إليه وقال الأكمل الحق أن كل علم مارسه الإنسان سواء كان استدلاليا أو غيره حتى صار كالحرفة له يسمى صنعة ووصفها بالنفاسة إيذانا بخطر قدرها وعلو شأنها وههنا نكتة سرية وهو أنه مدح الجامع أولا بتهذيب تخريجه وصونه عن الأخبار الموضوعة . ثم وصفه ثانيا بتفرده بحسن الصنعة ونفاسة الأسلوب في بابه إشعارا بأنه قد أحاط به الشرف من كل جهة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء والقبل كل ما يتقدم الإنسان بالذات أو الزمان ( ورتبته ) أي الكتاب من الترتيب . قال الشريف : وهو جعل الأشياء بحيث يطلق عليها اسم الواحد ويكون لبعضها نسبة إلى بعض بالتقدم والتأخر في الرتبة العقلية فهو أخص من التأليف : إذ هو ضم الأشياء مؤتلفة سواء كانت مترتبة الوضع أم لا ( على حروف المعجم ) أي حروف الخط المعجم كمسجد الجامع وهي الحروف المقطعة التي يختص أكثرها بالنقط سميت
[ ص 23 ] معجمة لأنها أعجمية لا بيان لها أو لأنها أعجمت على الناظر في معناها ذكره ابن عربي . وقال غيره : المعجم إما اسم مفعول صفة لمحذوف : أي حروف الخط الذي وقع عليه الإعجام وهو النقط أو مصدر ميمي كالإعجام وعليهما فإطلاق حروف المعجم على الكل من قبيل التغليب وجوز التفتازاني أن يكون معنى الإعجام إزالة العجمة بالنقط واعترضه الدماميني بأنه إنما يتم إذا كان جعل الهمزة للسلب مقيسا أو مسموعا في هذه الكلمة وقيل معناه حروف الإعجام أي إزالة العجمة وذلك أن ينقط أكثرها والحرف يذكر ويؤنث وأصله طرف الشيء الذي لا يوجد منفردا وطرف القول الذي لا يفهم وحده . وأحق ما يسمى حروفاإذا نظر إلى صورها ووقوعها أجزاء من الكلم ولم فهم لها دلالة فتضاف إلى مثلها جزءا من كلمة مفهومة فتسمى عند ذلك حروفا وعند النطق بها كهذا ألف لام ميم يقال فيها أسماء وإن كانت غير معلومة الدلالة كحروف ا ب ت ث فإنها كلها أسماء على ما فهمه الخليل وأنها إنما تسمى حروفا عندما تكون أجزاء كلمة محركة للإبتداء أو مسكنة للوقف والانتهاء ذكره الحراني <فائدة> قال العارف ابن عربي الحروف أمة من الأمم مخاطبون مكلفون وفيهم رسل من جنسهم قال ولا يعرف ذلك إلا أهل الكشف ( مراعيا ) أي ملاحظا في الترتيب ( أول الحديث فما بعده ) أي محافظا على الابتداء بالحرف الأول والثاني من كل كلمة أولى من الحديث واتباعهما بالحرف الثالث منهما وهكذا فيما بعده على سياق الحروف كما لو اشترك حديثان في الحرف الأول واختلفا في الثاني من الكلمة نحو أبى وأتى فيوضع على هذا الترتيب فإن اشتركا في حرفين روعي الثالث وهكذا وإن اشتركا في الثالث روعي كذلك كقوله : " آخر قرية " و " آخر من يحشر " وهكذا إن اشتركا في كلمات كقوله : " من رآني في المنام فسيراني في اليقظة " وقوله : " من رآني في المنام فقد رآني " هذا هو قضية التزامه الدال عليه كلامه هنا . فإن قلت هو لم يف بما التزمه بل خالفه من أول وهلة فقال : " آخر من يدخل " ثم قال : " آخر قرية " وحق الترتيب عكسه ؟ قلت : إنما يخالف الترتيب أحيانا لنكتة ككون الحديث شاهدا لما قبله أو فيه تتمة له أو مرتبط المعنى به أو نحو ذلك من المقاصد الصناعية المقتضية لتعقيبه به . وإنما رتبه على هذا النحو ( تسهيلا على الطلاب ) لعلم الحديث أي تيسيرا عليهم عند إرادة الكشف عن حديث يراد مراجعته للعلم أو للعمل به فإن الكتاب إذا كان جنسا واحدا غير مبوب عسر التتبع منه وإذا جعلت له تقاسيم وأنواع واشتملت أقسامه على أصناف كان أسهل على الكاشف وأنشط للقارئ سيما إذا تلاحقت الأشكال بغرابة الانتظام وتجاذبت النظائر بحسن الالئتام وتعانقت الأمثال بالتشابه في تمام الأحكام وكمال الإحكام والتسهيل التيسير . قال الزمخشري : ومن المجاز كلام فيه سهولة وهو سهل المأخذ ( وسميته الجامع الصغير ) قال النحرير الدواني : يعني سميته بمجموع الموصوف والصفة وما أضيف إليهما ( من حديث البشير النذير ) أي البالغ في كل من الوصفين غاية الكمال فهو بشير للمؤمنين بالجنة ونذير للكافرين من النار وفيه من أنواع البديع الطباق وهو إيراد المتضادين وهما البشارة والنذارة وقدم الوصف بالبشارة على الوصف بالنذارة إما رعاية للسجع أو إشارة إلى سبق الرحمة وغلبة وصف الكرم وكثرة المسامحة وإجزال المواهب ولا مانع من كون الوصف في الأصل يصير علما بالشخص أو بالغلبة أو بهما . قال الحراني : والجامع من الجمع وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفا أو قهرا . ثم بين وجه مناسبة تسميته بخصوص ذلك الاسم بقوله ( لأنه مقتضب ) أي مقتطع من اقتضب الشيء اقتطعه ومنه الغصن المقطوع قضيب فعيل بمعنى مفعول قال الزمخشري ومن المجاز اقتضب الكلام ارتجله واقتضب الناقة ركبه قبل أن تراض ورجل قضابة قطاع للأمور مقتدر عليها ( من الكتاب الكبير ) حجما وعلما ( الذي ) صفته في الحديث و ( سميته بجمع الجوامع ) لجمعه كل مؤلف جامع فتسميته بذلك إيماء إلى ما ذكر ومن ثم قال ( وقصدت ) أي طلبت يقال قصدت الشيء وله وإليه قصدا طلبته بعينه ( فيه ) أي في الكتاب الكبير ( جمع الأحاديث النبوية بأسرها ) أي بجميعها والأسر القد الذي يشد به الأسير فإذا ذهب الأسير بأسره فقد ذهب بجميعه
[ ص 24 ] فقال هذا لك بأسره أي بقده يعني بجميعه كما يقال برمته ذكره في الصحاح وهذا بحسب ما اطلع عليه المؤلف لا باعتبار ما في نفس الأمر لتعذر الإحاطة بها وإنافتها على ما جمعه الجامع المذكور لو تم وقد اخترمته المنية قبل إتمامه . وفي تاريخ ابن عساكر عن أحمد : صح من الحديث سبع مئة ألف وكسر . وقال أبو زرعة : كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث . وقال البخاري : احفظ مئة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح . وقال مسلم صنفت الصحيح من ثلاث مئة ألف حديث إلى غير ذلك : ثم شرع في بيان رموز اصطلح عليها فقال ( وهذه رموزه ) أي إشاراته الدالة على من خرج الحديث من أهل الأثر جمع رمز وهو الإشارة بعين أو حاجب أو غيرهما قال في الكشاف وأصله التحرك ومنه الراموز للبحر وفي الأساس رمز إليه وكلمه رمزا بشفتيه وحاجبه ويقال جارة غمازة بيدها همازة بعينها لمازة بفمها رمازة بحاجبها ودخلت عليهم فتغامزوا وتغامزوا انتهى . وقال الحراني الرمز تلطف في الإفهام بإشارة تحرك طرف كيد ولحظ والغمز أشد منه . وقال الراغب يعبر عن كل كلام كإشارة بالرمز كما عبر عن السعاية بالغمز انتهى . ثم توسع فيه المصنف فاستعمله في الإشارة بالحروف التي اصطلع عليها في العزو إلى المخرجين ( خ للبخاري ) زين الأمة وافتخار الأئمة صاحب أصح الكتب بعد القرآن ساحب ذيل الفضل على مر الزمان الذي قال فيه إمام الأئمة ابن خزيمة " ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه " وقال بعضهم إنه من آيات الله التي يمشي على وجه الأرض . وقال الذهبي : " كان من أفراد العالم مع الدين والورع والمتانة " هذه عبارته في الكاشف ومع ذلك غلب عليه الغض من أهل السنة فقال في كتاب الضعفاء والمتروكين : " ما سلم من الكلام لأجل مسألة اللفظ تركه لأجلها الراويان " هذه عبارته وأستغفر الله نسأل الله السلامة ونعوذ به من الخذلان . قال التاج السبكي : " شيخنا الذهبي عنده على أهل السنة تحامل مفرط وإذا واقع بأشعري لا يبقى ولا يذر فلا يجوز اعتماد عليه في ذم أشعري ولا شكر حنبلي " تفقه البخاري على الحميدي وغيره من أصحاب الشافعي وكتب عن أحمد زهاء ألف حديث وكتب عنه المحدثون وما في وجهه شعرة وكان يحضر مجلسه زهاء عشرين ألفا وسمع منه الصحيح نحو تسعين ألفا . وقال إنه ألفه من زهاء ست مئة ألف وأنه ما وضع فيه حديثا إلا اغتسل بماء زمزم وصلى خلف المقام ركعتين وصنفه في ستة عشر سنة . وروى عنه مسلم خارج الصحيح . وكان يقول له : دعني أقبل رجلك يا طيب الحديث يا أستاذ الأستاذين . ولد بعد الجمعة ثالث عشر شوال سنة أربع وتسعين ومئة ومات عشاء ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين . وما أحسن قول ابن الكمال ابن أبي شريف ولد في صدق ومات في نور ومناقبه مفردة بالتأليف فلا نطيل فيها منها . إن كتابه لم يقرأ في كرب إلا فرج ولا ركب به في مركب فغرق وإنما رمز له المؤلف بحرف من حروف بلده دون اسمه لأن نسبته إلى بلده أشهر من اسمه وكنيته ورمز إليه بالخاء دون غيرها من حروف بلده لأنها أشهر حروفه وليس في حروف بقية الأسماء خاء . ( م لمسلم ) أبو الحسين ابن الحجاج القشيري النيسابوري صاحب الصحيح المشهود له بالترجيح صنفه من ثلاث مئة ألف حديث كما في تاريخ ابن عساكر أخذ عن أحمد وخلق وعنه خلق روى له الترمذي حديثا واحدا . وسبب موته أنه ذمر له حديث فلم يعرفه فأوقد السراج وقال لمن في الدار : لا يدخل أحد علي فقالوا أهديت لنا سلة تمر وقدموها فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة فأصبح وقد فنى التمر ووجد الحديث فمات سنة واحد وستين ومائتين . وإنما رمز له بالميم لأن اسمه أشهر من نسبته وكنيته عكس البخاري والميم أول حروف اسمه . ( ق لهما ) في الصحيحين واتفقت الأمة على أنهما أصح الكتب وقول الإمام الشافهي رضي الله عنه : " الأصح الموطأ " كان قبل وجودهما والجمهور على أن ما في البخاري دون التعاليق والتراجم وأقوال الصحب والتابعين أصح مما في مسلم وعكسه أطيل في رده وجميع ما أسند في الصحيحين محتوم بصحته قطعا أو ظنا على الخلاف المعروف سوى مائتين وعشرة أحاديث انتقدها عليهم الدارقطني وأجابوا عنها . ( د لأبي داود ) سليمان بن الأشعث السجستاني الشافعي أخذ عن أحمد وخلق عنه الترمذي
[ ص 25 ] ومن لا يحصى . ولد سنة ثنتين ومائتين ومات سنة خمس وسبعين ومائتين قالوا : " ألين له الحديث كما ألين لداود الحديد وقال بعض الأعلام : سننه أم الأحكام . ولما صنفه صار لأهل الحديث كالمصحف . قال : " كتبت خمس مئة ألف حديث انتخبت منها السنن أربعة آلاف وثمان مئة ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه وما فيه لين شديد بينته " . قال الذهبي : قد وفى فإنه بين الضعيف الظاهر وسكت عن المحتمل فما سكت عنه لا يكون حسنا عنده ولا بد كما زعمه ابن الصلاح وغيره بل قد يكون فيه ضعف وهذا قد سبقه إليه ابن منبه حيث قال كان يخرج عن كل من لم يجمع على تركه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجده في الباب غيره لأنه عنده أقوى من رأي الرجال . قال ابن عبد الهادي هذا رد علي من يقول إن ما سكت عليه أبو داود يحتج به ومحكوم عليه بأنه حسن عنده والذي يظهر أن ما سكت عنه وليس في الصحيحين ينقسم إلى صحيح محتج به وضعيف غير محتج به بمفرده ومتوسط بينهما فما في سننه ستة أقسام أو ثمانية صحيح لذاته صيحي لغيره بلا وهن فيهما ما به وهن شديد ما به وهن غير شديد وهذان قسمان : ماله جابر وما لا جابر له وما قبلهما قسمان : ما بين وهنه وما لم يبينه ورمز له المؤلف بالدال لأن كنيته أشهر من اسمه ونسبه والدال أشهر حروف كنيته وأبعدها عن الاشتباه ببقية العلائم انتهى . ( ت للترمذي ) بكسر الفوقية والميم أو بضمهما وبفتح فكسر كلها مع إعجام الذال نسبة لبلدة قديمة بطرف جيحون وهو الإمام أبو الحسن محمد بن عيسى بن سورة من أوعية العلم وكبار الأعلام ولد سنة تسع ومائتين ومات سنة تسع وسبعين ومائتين . وقول الخليلي : بعد الثمانين ردوه وصنيع المؤلف قاض بأن جامع الترمذي بين أبي داود والنسائي في الرتبة لكن قال الذهبي انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما . وقال في الميزان في ترجمة يحيى بن اليمان لا تغتر بتحسين الترمذي فعند المحاققة غالبا ضعاف ورمز له بالتاء لأن شهرته بنسبته لبلده أكثر منها باسمه وكنيته . ( ن للنسائي ) الأمام أحمد بن شعيب الخراساني الشافعي ولد سنة أربع أو خمسة عشر ومائتين واجتهد ورحل إلى أن انفرد فقها وحديثا وحفظا وإتقانا . قال الزنجاني له شرط في الرجال أشد من الشيخين . وقال التاج السبكي عن أبيه والذهبي : النسائي أحفظ من مسلم . وقال أبو جعفر ابن الزبير لأبي داود في استعياب أحاديث الأحكام ما ليس لغيره وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه فيه غيره . وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلها وكان شهما منبسطا في المأكل كثير الجماع للنساء مع كثرة التعبد دخل دمشق فذكر فضائل علي رضي الله عنه فقيل له فمعاوية فقال ما كفاه أن يذهب رأسا برأس حتى نذكر له فضائل فدفع في خصيتيه حتى أشرف على الموت فأخرج فمات بالرملة أو فلسطين سنة ثلاث وثلاث مئة وحمل للمقدس أو مكة فدفن بين الصفا والمروة ورمز له بالنون لأن نسبته أشهر من اسمه وكنيته ولم يرمز له بالسين لئلا يتصحف بابن أبي شيبة . ( هـ لابن ماجه ) الحافظ الكبير محمد بن يزيد الربعي مولاهم القزويني وماجه لقب لأبيه كان من أكابر الحفاظ مجمع على توثيقه . ولما عرض سننه على أبي زرعة قال : أطن أن هذا الكتاب إن وقع بأيدي الناس تعطلت الجوامع أو أكثرها مات سنة ثلاث وسبعين ومائتين . قال المزني : كل ما انفرد به ابن ماجه عن الخمسة ضعيف واعترض ثم حمل تارة على الأحكام وطورا على الرجال ورمز له بالهاء لأن اشتهاره بلقب أبيه أكثر منه باسمه وبلده . ( 4 لهؤلاء الأربعة ) أي أصحاب السنن الأربعة أبي داود ومن بعده . ( 3 لهم إلا ابن ماجه ) وهذه السنن الأربعة فيها الصحيح والحسن والضعيف فليس كل ما فيها حسنا ولهذا عابوا على محي السنة في تقسيمه المصابيح إلى الصحاح والحسان جانجا إلى أن الحسن ما رواه أصحاب السنن والصحاح ما في الصحيحين أو أحدهما . وقول لسلفي اتفق أهل المشرق والمغرب على صحة ما في الكتب الخمسة زلل فاحش . ( حم لأحمد في مسنده ) بفتح النون يقال لكتاب جمع فيه ما أسنده الصحابة أي روره وللإسناد كمسند الشهاب ومسند الفردوس أي إسناد حديثهما ولم يكتف في الرمز إليه بحرف واحد كما فعل في أولئك لئلا يتصحف بعلامة البخاري والإمام أحمد هو ابن محمد حنبل الناصر للسنة الصابر على المحنة
[ ص 26 ] الذي قال فيه الشافعي ما ببغداد أفقه ولا أزهد منه . وقال إمام الحرمين : غسل وجه السنة من غبار البدعة وكشف الغمة عن عقيدة الأمة . ولد ببغداد سنة أربع وخمسين ومئة وروى عن الشافعي وابن مهدي وخلق وعنه الشيخان وغيرهما ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين وارتجت الدنيا لموته . قال ابن المديني : مسنده وهو نحو أربعين ألفا أصل من أصول الإسلام . وقال ابن الصلاح مسند أحمد ونحوه من المسانيد كأبي يعلى والبزار والدارمي وابن راهويه وعبد بن حميد لا يلتحق بالأصول الخمسة وما أشبهها أي كسنن ابن ماجه في الاحتجاج بها والركون إليها . وقال العراقي : وجود الضعيف في مسند أحمد محقق . بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء وتعقبه تلميذه الحافظ ابن حجر بأنه ليس فيه حديث ولا أصل له إلا أربعة منها خبر ابن عوف أنه يدخل الجنة زحفا قال أعني ابن حجر في تجريد زوائد البزار وإذا كان الحديث في مسند أحمد لا يعزى لغيره من المسانيد . ( عم لابنه ) عبد الله روى عن أبيه وابن معين وخلق وعنه النسائي والطبراني وغيرهما روى علما كثيرا . قال الخطابي : ثقة ثبت ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة تسعين ومائتين . ( في زوائده ) أي زوائد مسند أبيه جمع فيه نحو عشرة آلاف حديث . ( ك للحاكم ) محمد بن عبد الله بن حمدويه الضبي الشافعي الإمام الرحال المعروف بابن البيع . قال أبو حاتم وغيره : قام الإجماع على ثقته ونسب إلى التشيع وقال الذهبي : ثقة ثبت لكنه يتشيع ويحط على معاوية والله يحب الإنصاف ما الرجل برافضي كما زعمه ابن طاهر أما صدقه في نفسه ومعرفته بهذا الشأن فمجمع عليه . وقال السبكي : اتفق العلماء على أنه من أعظم الأئمة الذين حفظ الله بهم الدين . ولد سنة إحدى وعشرين وثلثمئة وأكثر الرحلة والسماع حتى سمع من نيسابور من نحو ألف شيخ ومن غيرها أكثر ولا تعجب من ذلك فإن ابن النجار ذكر أن أبا سعيد السمعاني له سبعة آلاف شيخ واستملي على ابن حبان وتفقه على ابن أبي هريرة وغيره روى عنه الأئمة : الدارقطني والقفال الشاشي وهما من شيوخه والبيهقي وأكثر عنه وبكتبه تقفه الأستاذ أبو القاسم القشيري ورحل الناس إليه من الآفاق وحدثوا عنه في حياته وأفرد المديني ترجمته وذكر أنه دخل الحمام فاغتسل وقال : آه فخرجت روحه وهو مستور لم يلبس القميص ( فإن كان في مستدركه ) على الصحيحين ما فاتهما الذي قصد فيه ضبط الزائد عليهما مما على شرطهما أو شرط أحدهما أو هو صحيح ( أطلقت ) العزواليه عاريا عن التقييد بأن أذكر صورة حرف " ك " يقال أطلقت القول أرسلته من غير قيد ولا شرط وأطلقت البينة شهدت من غير تقييد بتاريخ ذكره الزمخشري ( وإلا ) بأن كان في تاريخه أو المدخل أو الإكليل أو غيرها من كتبه التي بلغت كما قال السبكي وغيره نحو خمس مئة بل قال عبد الغافر والفارسي : ألفا بل قيل أكثر ( بينته ) قالوا وقد تساهل الحاكم فيما استدركه على الشيخين لموته قبل تنقيحه أو لكونه ألفه آخر عمره وقد تغير حاله أو لغير ذلك ومن ثم تعقب الذهبي كثيرا منه بالضعف والنكارة وقال : ما أدري هل خفيت عليه فما هو ممن يجهل وإن علم فهذه خيانة عظيمة وجملة ما فيه مما على شرطهما أو أحدهما نحو نصفه وما صح بسنده نحو ربعه وأما قول الماليني : لم أر فيه حديثا واحدا علي شرطهما فأبطله الذهبي بأنه غلو وإسراف قال وما انفرد بنصحيحه ولم يكن مردودا بعلة فهو دائر بين الصحة والحسن وظاهر تصرف الحاكم أنه ممن يرى اندراج الحسن في الصحيح . قال ابن أبي شريف بنحو الاعتراض بتساهله في الصحيح . ( خد للبخاري في الأدب ) أي في كتاب الأدب المفرد وهو مشهور . ( تخ له في التاريخ ) أي الكبير فال فيه للعهد إذ هو المعهود المشهور فيما بين القوم وأطلقه لغلبة اشتهاره وتبادر الأذهان إليه ويحتمل أن المراد واحد من الكتب التي صنفها في التاريخ وهي ثلاثة وهي : كبير وأوسط وصغير . والكبير صنفه وعمره ثمانية عشر سنة عند قبر النبي صلى الله عليه و سلم . قال ابن منده : لو كتب الرجل ثلاثين ألفا ما استغنى عن تاريخ البخاري . وقال السبكي تاريخه لم يسبق إليه ومن ألف بعده في التاريخ أو الأسماء أو الكنى عيال عليه فمنهم مننسبه لنفسه كمسلم وأبي زرعة وأبي حاتم ومنهم من حكاه عنه

(1/17)


( حب لابن [ ص 27 ] حبان ) بكسر الحاء وتشديد الموحدة . وهو محمد بن حبان أبو حاتم التميمي الفقيه الشافعي البستي أحد الحفاظ الكبار . روى عن النسائي وأبي يعلى وابن خزيمة وخلق وعنه الحاكم وغيره وصنف كتبا نفيسة منها تاريخ الثقات وتاريخ الضعفاء . ولي قضاء سمرقند وكان رأسا في الحديث عالما بالفقه والكلام والطب والفلسفة والنجوم ولهذا امتحن ونسب للزندقة وأمر بقتله ثم مات بسمرقند سنة أربع وخمسين وثلثمئة في عشر الثمانين ( في صحيحه ) المسمى بالتقاسيم والأنواع المقدم عندهم على مستدرك الحاكم . قال الحازمي : ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم أشد تساهلا منه غايته أن ابن حبان يسمى الحسن صحيحا اه وما اقتضاه كلام التقريب كأصله مما يخالف ذلك رده الزين العراقي بأن ابن حبان شرط تخريج مراويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه وسمع منه الأخذ عنه ووفى بالتزامه ولم يعرف للحاكم . قال وصحيح ابن خزيمة أعلى رتبة من صحيح ابن حبان لشدة تحريه فأصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان فالحاكم . قال ابن حجر . وذكر ابن حبان في كتابه أنه إنما لم يرتبه ليحفظ لأنه لو رتبه ترتيبا سهلا لاتكل على كل من يكون عنده على سهولة الكشف فلا يحفظه . وإذا توعر طريق الكشف كان أدعى لحفظه ليكون على ذكر من جمعه . ( طب للطبراني ) سليمان اللخمي أبو القاسم أحدالحفاظ المكثرين الجوالين صاحب التصانيف الكثيرة أخذ عن أكثر من ألف شيخ منهم أبو زرعة وطبقته وعنه أبو نعيم وغيره قال الذهبي : ثقة صدوق واسع الحفظ بصير بالعلل والرجال والأبواب كثير التصانيف إليه المنتهى في كثرة الحديث وعلومه تكلم ابن مردويه في أخيه فأوهم أنه فيه وليس به بل هو حافظ ثبت مات بأصبهان سنة ستين وثلاث مئة عن مئة سنة وعشرة أشهر ( في الكبير ) أي معجمه الكبير المصنف في أسماء الصحابة قيل أورد فيه ستين ألف حديث ( طس له في الأوسط ) أي معجمه الأوسط الذي ألفه في غرائب شيوخه يقال ضمنه نحو ثلاثين ألفا وفي تاريخ ابن عساكر أن الطبراني كان يقول : هذا الكتاب روحي . ( طص له في الصغير ) أي أصغر معاجيمه فيه نحو عشرين ألفا ومما يستغرب أني وقفت على تذكرة المقريزي بخطه فوجدته ذكر في ترجمة الحافظ ابن حجر أنه كان سريع الكتابة سريع القراءة بحيث قرأ المعجم الصغير للطبراني في مجلس واحد بصالحية دمشق . قال في اللسان وقد عاب عليه أبو الفضل جمعه الأحاديث الأفراد مع ما فيها من النكارة والشذوذ والموضوعات وفي بعضها القدح في كثير من قدماء الصحابة وغيرهم . وهذا أمر لا يختص به الطبراني فلا معنى لإفراده باللوم بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته انتهى
( ص لسعيد بن منصور في سننه ) هو أبو عثمان الخراساني ويقال الطالقاني ثقة ثبت صاحب السنن روى عن مالك والليث وعنه أحمد وأبو داود وغيرهم . مات بمكة سنة سبع وعشرين ومائتين في عشر التسعين وسننه قال المصنف في شرح التقريب ومن مظان المعضل والمنقطع والمرسل سنن سعيد بن منصور السنن جمع سنة . قال الحافظ العراقي والتعبير بها أدنى من التعبير بالحديث لأنه لا يختص عندهم وصفه بالمرفوع بل يشمل الموقوف بخلاف السنة قال الزين زكريا وبما قاله علم أن بينهما عموما مطلقا قال والحديث الضعيف لا يسمى سنة هكذا جزم به في شرح الألفية . ( ش لابن أبي شيبة ) الحافظ الثبت العديم النظير عبد الله محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي صاحب المسند والأحكام والتفسير وغيرها سمع من ابن المبارك وابن عيينة وتلك الطبقة وعنه الشيخان وأبو داود وابن ماجه وخلق . قال الفلاس : ما رأيت أحفظ منه . مات سنة خمس وثلاثين ومائتين . ( عب لعبد الرزاق في الجامع ) هو ابن همام بن نافع أبو بكر أحد الأعلام روى عن ابن جريج ومعمر وعنه أحمد وإسحاق مات عن خمس وثمانين ببغداد سنة إحدى عشرة ومائتين وكان يتشيع . ( ع لأبي يعلى في مسنده ) الحافظ الثبت محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى التميمي سمع ابن معين وطبقته وعنه ابن حبان والإسماعيلي وغيرهما أهل صدق وأمانة وعلم وحلم وثقه ابن حبان والحاكم ولد [ ص 28 ] سنة عشر ومائتين ومات سنة سبع وثلاث مئة . ( قط للدارقطني ) نسبة إلى الدار والقطن ركب الأسمان وجعلا واحدا ونسب إليه كما نبه عليه في المصباح ( فإن كانت في السنن أطلقت ) العزو إليه عاريا عن التقييد ( وإلا ) بأن كان في غيرها من تصانيفه كالععل في ( بينته ) أي عينت الكتاب الذي فيه وهو جهبذ العلل الحافظ الجبل على ابن عمر البغدادي الشافعي إمام زمانه وسيد أهل عصره تفقه على الإصطخري وروى عن البغوي وابن صاعد والمحاملي وعنه القاضي أبو الطيب والبرقاني والصابوني وغيرهم . قيل للحاكم : هل رأيت مثله ؟ قال هو ما رأى مثل نفسه فكيف أنا وله مصنفات يطول سردها قال أبو الطيب : هو أمير المؤمنين في الحديث ومن تأمل سننه عرف قدر علمه بمذاهب العلماء . قال الخطيب : رفيع دهره وإمام وقته صحيح الاعتقاد عارف بمذاهب الفقهاء واسع الاطلاع لكن رأيت في كلام الذهبي ما يشير إلى أنه كان يتساها في الرجال فإنه قال مرة : الدارقطني مجمع الحشرات وقال أخرى لما نقل عن ابن الجوزي في حديث أعله الدارقطني : إنه لا يقبل تصنيفه حتى يبين سببه ما نصه : هذا يدل على هوى ابن الجوزي وقلة علمه بالدار قطني فإنه لا يضعف إلا من من لاطب فيه انتهى ولد سنة ست وثلاث مئة ومات سنة خمس وثمانين عن نحو ثمانين سنة وصلى عليه الشيخ أبو حامد ودفن بقرب معروف الكرخي . ( فر للديلمي في مسند الفردوس ) المسمى : " بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب " والفردوس للإمام عماد الإسلام أبي شجاع الديلمي ألفه محذوف الأسانيد مرتبا على الحروف ليسهل حفظه وأعلم بإزائها بالحروف للمخرجين كما مر ومسنده لولده سيد الحفاظ أبي منصور ابن شبرويه خرج سند كل حديث تحته وسماه إبانة الشبه في معرفة كيفية الوقوف على ما في كتاب الفردوس من علامات الحروف . ( حل لأبي نعيم ) أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني الصوفي الفقيه الشافعي الحافظ المكثر أخذ عن الطبراني وغيره وعنه الخطيب وغيره هو من أخص تلامذته وعجب عدم ذكره له في كتاب تاريخ بغداد مع كونه دخلها . قال الذهبي : صندوق تكلم فيه بلا حجة لكنه عقوبة من الله لكلامه في ابن منده بهوى وكلام ابن منده فيه فظيع لا أحب حكاياته ولا أقبل قول كل منهما في الآخر بل هما مقبولان ولا أعلم لهما ذنبا أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عليها وكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به وما علمت عصرا سلم من ذلك أهله سوى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم . مات بأصبهان سنة ثلاثين وأربع مئة عن أربع وتسعين سنة . هذا كلام الذهبي ( في الحلية ) أي كتاب : " حلية الأولياء وطبقات الأصفياء " قالوا : لما صنفه بيع في حياته بأربع مئة دينار واشتهرت بركته وعلت في الخافقين درجته وناهيك بقول الإمام أبي عثمان الصابوني كما نقله عنه في الوضوء وغيره كل بيت فيه جلية الأولياء لأبي نعيم لا يدخله الشيطان . ( هب للبيهقي ) نسبة إلى بيهق قرى مجتمعة بنواحي نيسابور وهو الإمام الجليل الحافظ الكبير أحد أئمة الشافعية الموصوف بالفصاحة والبراعة سمع من الحاكم وغيره وبلغت تصانيفه نحو الألف قال السبكي : ولم يتفق ذلك لأحد قال الذهبي ودائرته في الحديث ليست كبيرة بل بورك في مروياته وحسن تصرفه فيها لحذقه وخبرته بالأبواب والرجال واعتنى بجمع نصوص الشافعي وتخريج أحاديثها حتى قال إمام الحرمين : ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة إلا البيهقي فله عليه المنة ( في شعب الإيمان ) بكسر أوله كتاب نفسي غزير الفوائد في ستة أسفار كبار ( هق له في السنن ) الكبرى الذي قال لاسبكي : لم يصنف أحد مثله تهذيبا وترتيبا وجودة
ولد سنة أربع وثمانين وثلاث مئة ومات سنة ثمان وخمسين وأربع مئة بنيسابور وحمل لبيهق فدفن بها . ( عد لابن عدي ) الحافظ عبد الله بن عدي بن القطان أبو أحمد عبد الله الجرجاني أحد الحفاظ الأعيان وأحد الجهابذة الذين طافوا البلاد وهجروا الوساد وواصلوا السهاد وقطعوا المعتاد طالبين للعلم لا يعترى هممهم قصور ولا يثني عزمهم عظائم الأمور وقواطع الدهور روى عن الجمحي وغيره وعنه أبو حامد الاسفرايني وأبو سعيد الماليني قال البيهقي حافظ متقن لم يكن في زمنه مثله . وقال ابن عساكر : ثقة على لحن فيه مات سنة خمس وستين وثلاث مئة عن ثمان وثمانين سنة ( في ) كتاب ( الكامل ) أي في كتابه المسمى بالكامل الذي ألفه في معرفة
[ ص 29 ] الضعفاء وهو أصل من الأصول المعول عليها والمرجوع إليها طابق اسمه معناه ووافق لفظه فحواه من عينه انتجع المنتجعون وبشهادته حكم الحاكمون وإلى ما قاله رجع المتقدمون والمتأخرون . ( عق للعقيلي ) في كتابه الذي صنفه ( في الضعفاء ) أي في بيان حال رجال الحديث الضعفاء جمع ضعيف والضعيف بفتح الضاد في لغة تميم وبضمها في لغة قريش خلاف القوة والصحة . ( خط للخطيب ) الحافظ أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر البغدادي الفقيه الشافعي أحد الأعلام الحفاظ ومهرة الحديث له نحو خمسين مؤلفا ولد سنة ثنتين وتسعين وثلائمئة وسمع خلائق لا يحصون وأخذ الفقه عن المحاملي وأبي الطيب . وقال ابن السمعاني : كان مهابا موقرا ثقة حجة حسن الخط كثير الضبط فصيحا ختم به الحفاظ له ثروة ظاهرة وصدقات طائلة مات سنة ثلاث وستين وأربع مئة ببغداد وحمل جنازته صاحب المهذب ودفن بجانب بشر الحافي . وكان شرب ماء زمزم لذلك وأن يحدث بتاريخه بجامع بغداد وأن يملي بجامع المنصور فاستجيب له وكان سريع القراءة جدا قرأ البخاري على كريمة المروزية في خمسة أيام وسمع علي إسماعيل الضرير البخاري في ثلاث مجالس وله نظم حسن منه :
الشمس تشبهه والبدر يحكيه . . . والدر يضحك والمرجان من فيه
ومن سرى وظلام الليل معتكر . . . فوجهه عن ضياء البدر يغنيه
( فإن كان ) الحديث الذي أعزوه إليه ( في التاريخ ) بغداد المشهور ( أطلقت ) العزو إليه ( وإلا ) بأن كان في غيره من تآليفه المشتهرة المنتشرة ( بينته ) بأن أعين الكتاب الذي هو فيه وقال الحضرمي وغيره : ولعمري إن تاريخه من المصنفات التي سارت ألقابها بخلاف مضمونها سماه : " تاريخ بغداد " وهو تاريخ العالم كالأغاني للأصبهاني سماه : " الأغاني " وفيه من كل شيء و ( أسأل الله ) لا غيره كما يؤذن به تقديم المعمول كما في : " إياك نعبد " ( أن يمن ) أي ينعم علي ( بقبوله ) مني بأن يثيبني عليه في الآخرة إذ لامعول إلا علي نفعها ( وأن يجعلنا ) أتى بنون العظمة مع أن المقام مقام تعجيز وإظهار افتقار إظهارا لملزومها الذي هو نعمة من تعظيم الله تعالى له بتأهليه للعلم امتثالا لقوله تعالى : " وأما بنعمة ربك فحدث " أولا للتواضع والإشارة إلى أن ذلك الجعل لا يكون له وحده بل مع إخوانه من الأفاضل أشار إليه التفتازاني ونازعه الشريف ( عنده ) عندية إعظام وإكرام لا عندية مكان تعالى الله عن ذلك ( من حزبه ) بكسر الحاء أي من خاصته وجنده يقال حزب قومه فتحزبوا أي صاروا طرائف وفلانا يحازب فلانا ينصره ويعاضده ذكره الزمخشري ( المفلحين ) أي الكاملين في الفلاح الفائزين بكل خير المدركين لما طلبوا الناجين عما رهبوا . الفلاح درك البغية أو الفوز والنجاة ( وحزب رسوله ) أي اتباع الله واتباع رسوله المقربين لديه وكان ينبغي تأخير المفلحين عنه لكنه قدموا رعاية للفاضلة والتسجيع . وحزب الله هم المفلحون الغالبون " ألا إن حزب الله هم المفلحون " فإن حزب الله هم الغالبون . قال القاضي : وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم . وقال الراغب : جماعة فيها غلط
إلى هنا تمام الكلام على شرح الخطبة وقد ختمها المؤلف كأكابر المحدثين بحديث النية وصيره جزءا منها ولأمر ما بديع تطابقوا على هذا الصنيع وهو أن الخلفاء الأربعة خطبوا به . فلما صلح للخطبة على المنابر صلح أن يجعل في خطب الدفاتر فكأنه قال : قصدت بجمع هذا الجامع جمع حديث المصطفى القائل : " إنما الأعمال بالنيات " فإن كنت قصدت وجه الله فسيجزيني عليه وينفع به أو عرضا دنيويا فسيكافئني بنيتي ولما صح فيه النية وأخلص الطوية نشره الله في الإسلام ونفع به الخاص والعام . قال النووي في بستانه وغيره : استحب العلماء أن تفتتح المصنفات بهذا الحديث وممن ابتدأ به البخاري في صحيحه ثم روى أعني النووي بإسناد عن ابن مهدي : من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ به ورواه عنه أيضا العراقي في أماليه . قال ابن الكمال : ولما كان عالم الملك تحت قهر الملكوت وتسخيره لزم أن [ ص 30 ] يكون لنيات النفوس وهيئتها تأثير فيما تباشره أبدانها من الأعمال فكل عمل بنية صادقة رحمنية عن هيئة نورانية صحبته بركة ويمن وجمعية وصفاء وكل عمل بنية فاسدة شيطانية عن هيئة غاسقة ظلمانية صحبة محق وشؤم وتفرقة ولهذا قال صلى الله عليه و سلم :
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/27)


1 - ( إنما الأعمال بالنيات ) أي إنما هي مرتبطة بها ارتباط الأشياء العلوية الملكية بالأسرار المكنونية . قال النووي في بستانه : قال العلماء من أهل اللغة والفقه والأصول : " إنما " لفظة موضوعة للحصر تفيد إثبات المذكور وتنفي ما سواه . وقال الكرماني والبرماوي وأبو زرعة : التركيب مفيد للحصر باتفاق المحققين وإنما اختلف في وجه الحصر فقيل دلالة إنما عليه بالمنطوق أو المفهوم على الخلاف المعروف . وقيل عموم المبتدأ باللام وخصوص خبره أي كل الأعمال بالنيات فلو صح عمل بغير نية لم تصدق هذه الكلية . " والأعمال " جمع عمل وهو حركة البدن فيشمل القول ويتجوز به عن حركة النفس والمراد هنا عمل الجوارح وإلا لشمل النية إذ هي عمل القلب فتفتقر لنية فيتسلسل . وأل للعهد الذهني أي غير العادية إذ لا تتوقف صحتها على نية وجعلها جمع متقدمون للاستغراق وعليه فلا يرد العادي أيضا فإنه وإن كان القصد وجود صورته لكن بالنسبة لمزيد الثواب يحتاجها . " والنيات " بشد المثناة تحت : جمع نية . قال النووي : وهي القصد وهي عزيمة القلب ورده الكرماني بأنه ليس عزيمة للقلب لقول المتكلمين : القصد إلى الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد والعزم قد يتقدم عليه ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد ففرقوا بينهما من جهتين فلا يصح تفسيره به . وقال القاضي البيضاوي : هي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا والشرع خصها بالإرادة والتوجه نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى وامتثالا لحكمه . والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه إلى من كانت هجرته إلى كذا وكذا فإنه تفصيل لما أجمله واستنباط للمقصود عما أصله . قال : وهذا اللفظ متروك الظاهر لأن الذوات غير منتفية إذ تقدير إنما الأعمال بالنيات لا عمل إلا بنية . والغرض أن ذات العمل الخالي عن النية موجود فالمراد نفي أحكامها كالصحة والفضيلة والحمل على نفي الصحة أولى لأنه أشبه بنفي الشيء بنفسه ولأن اللفظ يدل بالصريح على نفي الذوات وبالتبع على نفي جميع الصفات انتهى . قال ابن حجر : وهو في غاية الجودة والتحقيق ولا شك أن الصحة أكثر لزوما للحقيقة فلا يصح عمل بلا نية كالوضوء عند الثلاثة خلافا للحنفية ولا نسلم أن الماء يطهر بطبعه والتيمم خلافا للأوزاعي إلا بنية
قال بعض الحنفية : الحق أن الدليل قائم على اعتبار النية في جميع العبادات لقوله تعالى { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } والإخلاص هو النية وهو جعله بنفسه متلبسا بحال من أحوال العابدين والأحوال شروط انتهى . على أن تقديرهم الكمال لا يخلو من مقال لأنهم يشترطون النية في المقاصد ومحل عدم اعتبارها عندهم إنما هو في الوسائل فحسب وإنما لم تشترط النية في إزالة الخبث لأنه من قبيل التروك كالزنا فتارك الزنا من حيث إسقاط العقاب لا يحتاجها ومن حيث تحصيل الثواب على الترك يحتاجها وكذا إزالة النجس لا يحتاج فيه إليها من حيث التطهير ويحتاجها من حيث الثواب على امتثال أمر الشرع وأعمال الكفار خارجة عن الحكم لإرادة العبادة وهي لا تصح منهم مع خطابهم بها وعقابهم بتركها وصحة نحو عتق وصدقة ووقف بدليل خاص . وتقييد بعض شراح البخاري بالمكلفين هلهل بالمرة كيف وعبادة الصبي المميز كذلك فلا تصح صلاته إلا بنية معتبرة اتفاقا . والباء للاستعانة أو للمصاحبة أو للسببية لأنها مقوية للعمل فكأنها سبب في إيجاده ثم التقدير الأعمال بنياتها فيدل على اعتبار نية العمل من الصلاة وغيرها الفرضية والنفلية والتعيين من ظهر أو عصر مقصورة أو غير ذلك وإنما لم يجب تعيين العدد لأن تعيين العبادة لا ينفك عنه وشرعت تمييزا للعبادة عن العادة ولتمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض
( وإنما لكل امرئ ) أي إنسان قال في القاموس : المرء الإنسان أو الرجل وفيه لغتان امرء كزبرج ومرء كفلس ولا جمع له من لفظه وهو من الغرائب لأن عين فعله تابعة للام في الحركات الثلاث دائما . وفي مؤنثه أيضا لغتان امرأة ومرأة وفي الحديث استعمل اللغة الأولى منهما في كل من النوعين [ ص 31 ] إذ قال لكل امرئ امرأة ذكره الكرماني . والمراد أن ليس من عمله الاختياري القصدي إلا ( ما ) أي جزاء الذي ( نوى ) من خير وشر نفيا وإثباتا فالإثبات له ما نواه والنفي لا يحصل له غير ما نواه فحظ العامل من عمله ما نواه لا صورته فهذه الجملة أيضا مفيدة للحصر وهي تذييل . قال القاضي : وهاتان قاعدتان عظيمتان فالجملة الأولى تضمنت أن العمل الاختياري لا يحصل بغير نية بل لا بد للعامل من نية الفعل والتعيين فيما يتلبس به والثانية تضمنت أنه يعود عليه من نفع عمله وضرره بحسب المنوي ومنع الاستنابة في النية إلا في مسائل لمدرك يخصها وقيل الثانية تدل على أن من نوى شيئا يحصل له وإن لم يعمل لمانع شرعي كمريض تخلف عن الجماعة وما لم ينوه لم يحصل له أي ما لم ينوه مطلقا لا خصوصا ولا عموما إذ لو لم ينو مخصوصا وله نية عامة كفاه أحيانا كداخل مسجد أحرم بالفرض أو غيره تحصل التحية وإن لم ينو وعدم حصول غسل الجمعة بجنابة لمدرك يخصه . ثم كشفه عما في تينك القاعدتين لما فيهما من نوع إجمال قد يخفى روما للإيضاح ونصا على صورة السبب الباعث على الحديث وهو كما في معجم الطبراني وغيره وذهل عنه ابن رجب فأنكره بإسناده . قال الحافظ العراقي في موضع جيد وفي آخر رجاله ثقات أن رجلا خطب امرأة تسمى أم قيس . قال ابن دحية واسمها قيله فأبت حتى يهاجر فهاجر لأجلها فعرض به تنفيرا من مثل قصده فقال : ( فمن كانت هجرته ) إلى آخر ما يأتي فتأمل ارتباط هذه الجمل الثلاث وتقرير كل جملة منها بالتي بعدها وإيقاعها كالشرح لها تجده بديعا وتعلم اختصاص المصطفى صلى الله عليه و سلم بجوامع الكلم التي لا يهتدي إليها إلا الفحول . الهجر الترك قال الكرماني : وهنا أراد ترك الوطن ومفارقة الأهل ويسمى الذين تركوا الوطن وتحولوا إلى المدينة بالمهاجرين لذلك والمعنى من كانت هجرته ( إلى الله ورسوله ) قصدا ونية وعزما ( فهجرته ) ببدنه وجوارحه ( إلى الله ورسوله ) ثوابا وأجرا وتقديره فمن كانت نيته في الهجرة التقرب إلى الله فهجرته إلى الله ورسوله أي مقبولة إذ الشرط والجزاء وكذا المبتدأ والخبر إذا اتحدا صورة يعلم منه تعظيم كما في هذه الجملة أو تحقير كما في التي بعدها فالجزاء هنا كناية عن قبول هجرته . وقال بعضهم : الجزاء محذوف وتقديره فله ثواب الهجرة عند الله والمذكور مستلزم له دال عليه أي فهجرته عظيمة شريفة أو مقبولة صحيحة . والتصريح باسم الله تعالى ورسوله للتبرك والتلذذ وبما تقرر من التقدير اتضح أنه ليس الجزاء عين الشرط حقيقة على أنه قد يقصد بجواب الشرط بيان الشهرة وعدم التنفير فيتحد بالجزاء لفظا نحو من قصدني فقد قصدني هذا محصول ما دفعوا به توهم الاتحاد الذي شهد العقل الصحيح والنقل الصريح بأنه غير صحيح . قال الصفوي : وبالحقيقة الإشكال مدفوع من أصله لأن الهجرة هي الانتقال وهو أمر يقتضي ما ينتقل إليه ويسمى مهاجرا إليه وما يبعث على الانتقال هو المهاجر له . والفقرتان لبيان أن العبرة بالباعث وذلك إنما يظهر إذا كانت " إلى " في جملتي الشرط بمعنى اللام فإذا تركت في الجزاء على معناها الوضعي الحقيقي فلا اتحاد . والمعنى من هاجر لله ولرسوله أي لاتباع أمرهما وابتغاء مرضاتهما فقد هاجر إليهما حقيقة وإن كان ظاهرا منتقلا إلى الدنيا ونعيمها ومن هاجر لغيرهما فالمهاجر إليه ذلك وإن انتقل إلى النبي ظاهرا . ثم أصل الهجرة الانتقال من محل إلى محل كما تقرر لكن كثيرا ما تستعمل في الأشخاص والأعيان والمعاني وذلك في حقه تعالى إما على التشبيه البليغ أي كأنه هاجر إليه أو الاستعارة المكنية أو هو على حذف مضاف أي محل رضاه وثوابه وأمره ورحمته أو يقال الانتقال إلى الشيء عبارة عن الانتقال إلى محل يجده فيه ووجدان كل أحد ونيله على ما يليق به وكذا محل النيل أعم من المحال المعنوية والمراتب العلية والأمكنة الصورية ولهذا تراهم ينتقلون من مرتبة إلى مرتبة ومن مقام إلى مقام فالمراد الانتقال إلى محل قربه المعنوي وما يليق به ألا ترى ما اشتهر على ألسنة القوم من السير إلى الله تعالى ونحو ذلك أو يقال : إن ذكر الله للتعظيم والتبرك ومثله غير عزيز أرأيت ما ذكروه في { أن لله خمسه وللرسول } أو الإيماء إلى الاتحاد على ما قرروه في { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } إن المعاملة مع حبيب الله كالمعاملة مع الله فيده يده وبيعته بيعته والهجرة إليه هجرة إليه وأمثال هذه المسامحات في كلام الشارع كثيرة : { وأينما [ ص 32 ] تولوا فثم وجه الله } والحاصل أنه أريد بالهجرة هنا مطلق الانتقال والتجاوز من شيء إلى شيء صوريا أو معنويا فالحديث من جوامع الكلم التي لا يخرج عنها عمل أصلا فإن كل عمل فيه انتقال من حال إلى حال
( ومن كانت هجرته إلى دنيا ) بضم أوله وحكي كسره وبقصره بلا تنوين إذ هو غير منصرف للزوم ألف التأنيث فيه وحكي تنوينه من الدنو لسبقها الآخرة أو لدنوها إلى الزوال أو من الدناءة أي الخسة وموصوفها محذوف أي الحياة الدنيا وحقيقتها جميع المخلوقات الموجودة قيل الآخرة أو الأرض والجو والهواء والأول كما قاله ابن حجر أرجح لكن المراد هنا كما قال الخلخالي متاع من متاعها ( يصيبها ) أي يحصلها شبه تحصيلها عند امتداد الأطماع نحوها بإصابة السهم الغرض بجامع سرعة الوصول وحصول المراد ( أو امرأة ) في رواية أو إلى امرأة ( ينكحها ) أي يتزوجها خصص بعد ما عمم تنبيها على زيادة التحذير من النساء إيذانا بأنهن أعظم زينة الدنيا خطرا وأشدها تبعة وضررا ومن ثم جعلت في التنزيل عين الشهوات { زين للناس حب الشهوات من النساء } وقول بعضهم لفظ : ( دنيا ) نكرة وهي لا تعم في الإثبات فلا يلزم دخول المرأة فيها منع بأنها تعم في سياق الشرط نعم يعكر عليه قول ابن مالك في شرح العمدة إن عطف الخاص على العام يختص بالواو ولذلك ذهب بعضهم إلى أن الأجود جعل أو للتقسيم وجعلها قسما مقابلا للدنيا إيذانا بشدة فتنتها ( فهجرته إلى ما هاجر إليه ) من الدنيا والمرأة وإن كانت صورتها صورة الهجرة لله ولرسوله . وأورد الظاهر في الجملة الأولى تبركا والتذاذا بذكر الحق جل وعز ورسوله عليه السلام تعظيما لهما بالتكرار وتركه هنا حثا على الإعراض عن الدنيا والنساء وعدم الاحتفال بشأنهما وتنبيها على أن العدول عن ذكرهما أبلغ في الزجر عن قصدهما . فكأنه قال إلى ما هاجر إليه وهو حقير لا يجدي ولأن ذكرهما يحلو عند العامة فلو كرر ربما علق بقلب بعضهم فرضي به وظنه العيش الكامل فضرب عنهما صفحا لذلك وذم قاصد أحدهما وإن قصد مباحا لكونه خرج لطلب فضيلة الهجرة ظاهرا وأبطن غيره فالمراد بقرينة السياق ذم من هاجر لطلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة فمن طلب الدنيا أو التزوج مع الهجرة بدون ذلك التمويه أو طلبهما لا على صورة الهجرة فلا يذم بل قد يمدح إذا كان قصده نحو إعفاف وقد نبه بالدنيا والمرأة على ذم الوقوف مع حظ النفس والعمل عليه فمعنى " هجرته إلى الله ورسوله " الارتحال من الأكوان إلى المكون ومعنى : " هجرته إلى ما هاجر إليه " البقاء مع الأكوان والشغل بها ففيه تلويح بأنه ينبغي للسالك كونه عالي الهمة والنية فلا يلتفت إلى غير المكون كما أفصح عنه في الحكم حيث قال : العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه ويطلب ما لا بقاء له معه فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه ولكن ارحل من الأكوان
( قال بعض المحققين : الأكوان كلها متساوية في كونها أغيار وإن كان بعضها أنوار وتمثيله بحمار الرحى مبالغة في تقبيح حال العاملين على رؤية الأغيار اه ) إلى المكون كما أفصح عنه قوله تعالى { وأن إلى ربك المنتهى } . وانظر إلى قوله " فمن كانت هجرته " إلى آخره . وهذا الحديث أصل في الإخلاص ومن جوامع الكلم التي لا يخرج عنها عمل أصلا ولهذا تواتر النقل عن الأعلام بعموم نفعه وعظم وقعه . قال أبو عبيد : ليس في الأحاديث أجمع ولا أغنى ولا أنفع ولا أكثر فائدة منه واتفق الشافعي وأحمد وابن المديني وابن مهدي وأبو داود والدارقطني وغيرهم على أنه ثلث العلم ومنهم من قال ربعه . ووجه البيهقي كونه ثلثه بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه فالنية أحد أقسامها وأرجحها لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها محتاج إليها ومن ثم يأتي في حديث : " نية المؤمن خير من عمله " وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث يرد إليها جميع الأحكام عنده فإنه قال : أصول الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث " الأعمال بالنية " . و " من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد " . و " الحلال بين والحرام بين " . وقال أبو داود : مدار السنة على أربعة أحاديث حديث " الأعمال بالنية " . وحديث " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " . وحديث " الحلال بين والحرام بين " . وحديث " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا " . وفي رواية عنه يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث فذكرها وذكر بدل الأخير حديث : " لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه " . وقال الشافعي : " حديث النية يدخل في سبعين بابا من الفقه وما ترك لمبطل ولا مضار ولا محتال حجة إلى لقاء الله " . وحمل بعضهم قوله " سبعين بابا " على إرادة التكثير أو نظرا للجمل لا للجزئيات . وهو كلام من لم يمارس الفقه أدنى ممارسة بل يدخل في زيادة عليها حقيقة [ ص 33 ] فمما يدخل فيه الوضوء والغسل ومسح الخفين في مسألة الجرموق والتيمم وإزالة النجس على رأي وغسل الميت على وجه وفي مسألة الضبة بقصد الزينة ودونه والصلاة بأنواعها والقصر والجمع والإمامة والإقتداء وسجود التلاوة والشكر وخطبة الجمعة على وجه والأذان على رأي وأداء الزكاة واستعمال الحلي أو كنزه والتجارة والقبية والخلطة على قول وبيع المال الزكوي وصدقة النفل والصوم والاعتكاف والحج والطواف وتحلل المحصر والتمتع على رأى ومجاوزة الميقات والسعي والوقوف على رأى والفداء والهدايا والضحايا والنذر والكفارة والجهاد والعتق والتدبير والكتابة والوصية والنكاح والوقف وجميع القرب بمعنى توقف حصول الثواب على قصد التقرب بها وكذا نشر العلم تعليما وإفتاء وتأليفا والحكم بين الناس وإقامة الحدود وتحمل الشهادة وأداؤها وكنايات البيع والهبة والوقف والقرض والضمان والإبراء والحوالة والإقالة والوكالة وتفويض القضاء والإقرار والإجارة والطلاق والخلع والرجعة والإيلاء والظهار واللعان والأيمان والقذف والأمان
ويدخل في غير الكنايات في مسائل كقصد لفظ الصريح لمعناه ونية المعقود عليه في البيع والثمن وعوض الخلع والمنكوحة وفي النكاح إذا نوى ما لو صرح به بطل وفي القصاص في مسائل شتى منها تمييز العمد وشبهه من الخطأ ومنها إذا قتل الوكيل في القود إن قصد قتله عن الموكل أو قتله لشهوة نفسه وفي الردة والسرقة فيما لو أخذ آلة اللهو بقصد كسرها أو سرقتها وفيما لو أخذ الدائن مال المدين بقصد الاستيفاء أو السرقة فيقطع في الثاني دون الأول وفي أداء الدين فيما لو كان عليه دينان لرجل بأحدهما رهن وفي اللقيطة بقصد الحفظ أو التملك وفيما لو أسلم على أكثر من أربع فقال فسخت نكاح هذه فإن نوى به الطلاق كان تعيينا لاختيار المنكوحة أو الفراق أو أطلق حمل على اختيار الفراق وفيما لو وطئ أمة بشبهة يظنها زوجته الحرة فإن الولد ينعقد حرا وفيما لو تعاطى فعل شيء له وهو يعتقد حرمته كوطئه من يعتقد أنها أجنبية فإذا هي حليلته أو قتل من ظنه معصوما فبان مستحق دمه أو أتلف مالا يظنه لغيره فبان ملكه وعكسه من وطئ أجنبية يظنها حليلته لا يترتب عليه عقوبة الزاني اعتبارا بنيته وتدخل النية أيضا في عصير العنب بقصد الخلية أو الخمرية وفي الهجر فوق ثلاث فإنه حرام إن قصده وإلا فلا ونظيره ترك التطيب والزينة فوق ثلاث لموت غير الزوج فإنه إن كان يقصد الإحداد حرم وإلا فلا ويدخل في نية قطع السفر وقطع القراءة في الصلاة وقراءة الجنب بقصده أو بقصد الذكر وفي الصلاة بقصد الإفهام وفي الجعالة إذا التزم جعلا لمعين فشاركه غيره في العمل إن قصد إعانته فله كل الجعل وإن قصد العمل للمالك فله قسطه ولا شيء للمشارك وفي الذبائح كذا قرر هذه الأحكام بعض أئمتنا إجمالا
وقد فصل شيخ الإسلام الولي العراقي كثيرا منها فقال في الحديث فوائد منها أن النية تجب في الوضوء وفي الغسل وهو قول الأئمة الثلاثة خلافا للحنفية والتيمم خلافا للأوزاعي وأن الكافر إذا أجنب فاغتسل ثم أسلم لا تلزمه إعادة الغسل وهو قول أبي حنيفة وخالفه الشافعي وأنه يلزم الزوج النية إذا غسل حليلته المجنونة أو الممتنعة وهو الأصح عند الشافعية وأن النية لسجود التلاوة واجبة وهو قول الجمهور وأنه لا يصح وضوء المرتد ولا غسله ولا تيممه لأنه غير أهل للنية وأن النية على الغاسل في غسل الميت واجبة وهو وجه عند الشافعية وأن المتوضئ إذا لم ينو إلا عند غسل وجهه لا يحصل له ثواب ما قبله من السنن وأنه كما يتشرط وجود النية أول العبادة يشترط استمرارها حكما إلى آخرها وأنه إذا نوى الجمعة فخرج وقتها لا يتمها ظهرا وهو قول أبي حنيفة وخالف الشافعي وأن المسبوق إذا أدرك الإمام في الجمعة بعد ركوع الثانية ينوي الظهر لا الجمعة والأصح عند الشافعية خلافه وأن المتطوع بالصوم إذا نوى نهارا قبل الزوال لا يحسب له الصوم إلا من حين النية وهو وجه والأصح عند الشافعية خلافه وأنه لا يكفي نية واحدة في أول رمضان لجميع الشهر خلافا لمالك وأنه لو أحرم بالحج في غير أشهره لا ينعقد وعليه الثلاثة وخالف الشافعي وأن الضرورة يصح حجه عن غيره وخالف الشافعي وأنه تشترط النية في الكناية التي ينعقد بها البيع ويصح بها الطلاق وأن اللفظ يخصص بالنية زمانا ومكانا وإن لم يكن في اللفظ ما يقتضيه فمن حلف لا يدخل دار فلان وأراد في يوم كذا ألا يكلمه وأراد بمصر مثلا دون غيرها فله ما نواه وأنه لو طلق بصريح ونوى عددا وقع ما نواه وبه قال الشافعي وأن الطلاق يقع بمجرد الكلام النفسي وإن لم يتلفظ به وبه قال بعض أصحاب مالك وأنه لو أقر بمجمل [ ص 34 ] رجع إلى نيته وقبل تفسيره بأقل متمول وأنه لا يؤاخذ ناس ومخطئ في نحو طلاق وعتق وأن من تلفظ بمكفر وادعى سبق لسانه دين وعليه الجمهور خلافا لبعض المالكية وأن الحيل باطلة كمن باع ماله قبل الحول فرارا من الزكاة وعليه مالك وخالف الجمهور وأنه لا تصح عبادة المجنون لأنه غير أهل للنية ولا عقوده وطلاقه ولا قود عليه ولا حد وأنه لا يجب القود في شبه العمد عند الثلاثة وأنكره مالك . وبذلك ظهر فساد قول من زعم أن مراد الشافعي بالسبعين المبالغة وإذا عدت مسائل هذه الأبواب التي للنية فيها مدخل لم تقصر عن أن تكون ثلث الفقه . بل قال بعضهم : إن الحديث يجري في العربية أيضا فأول ما اعتبروا ذلك في الكلام فقال سيبويه باشتراط القصد فيه فلا يسمى ما نطق به النائم والساهي وما يحكيه الحيوان المعلم كالببغاء كلاما ومن ذلك المنادى النكرة إذا نوى نداء واحد بعينه تعرف ووجب بناؤه على الضم وإن لم يقصد لم يتعرف وأعرب بالنصب ومن ذلك المنادى المنون للضرورة يجوز تنوينه بالنصب والضم فإن نون بالضم جاز نصب نعته وضمه أو بالنصب تعين نصبه لأنه تابع لمنصوب لفظا ومحلا فإن نون مقصورا نحو يا فتى بنى النعت على ما نوى في المضاف فإن نوى فيه الضم جاز الأمران أو النصب تعين ذكره أبو حيان ومن ذلك قالوا ما جاز بيانا جاز إعرابه بدلا واعترض بأن البدل في نية سقوط الأول والبيان بخلافه فكيف تجتمع نية سقوطه وتركها في تركيب واحد وأجاب الرضي بأن المراد أنه مبني على قصد المتكلم فإن قصد سقوطه وإحلال التابع محله أعرب بدلا وإن لم يقصده أعرب بيانا
<فائدة> قال الطيبي : قال بعض أهل الحقيقة : العمل سعي الأركان إلى الله تعالى والنية سعي القلوب إليه والقلب ملك والأركان جنوده ولا يحارب الملك إلا بالجنود ولا الجنود إلا بالملك . وقال بعضهم : النية جمع الهمة ليتعبد العامل للمعمول له وأن لا يبيح بالسر ذكر غيره . وقال بعضهم : نية العوام في طلب الأغراض مع نسيان الفضل ونية الجهال التحصن عن سوء القضاء ونزول البلاء ونية أهل النفاق التزين عند الله وعند الناس ونية العلماء إقامة الطاعة لحرمة ناصبها لا لحرمتها ونية أهل التصوف ترك الاعتماد على ما يظهر منهم من الطاعات
( تتمة ) قال في الإحياء : النية إنما مبدؤها من الإيمان فالمؤمنون يبدأ لهم من إيمانهم ذكر الطاعة فتنهض قلوبهم إلى الله من مستقر النفس فإن قلوبهم مع نفوسهم وذلك النهوض هو النية وأهل اليقين جاوزوا هذه المنزلة وصارت قلوبهم مع الله مزايلة لنفوسهم بالكلية ففرغوا من أمر النية إذ هي النهوض فنهوض القلب من معدن الشهوات والعادات إلى الله تعالى بأن بعمل طاعة وهو بنية والذي صار قلبه في الحضرة الأحدية مستغرقا محال أن يقال نهض إلى الله في كذا وهو ناهض بجملته مستغرق في جزيل عظمته قد رفض ذلك الوطن الذي كان موطئه وارتحل إلى الله فالمخاطبون بالنية يحتاجون أن يخلصوا إرادتهم عن أهوائهم ويميزوا عادتهم من عاداتهم
( ق 4 ) البخاري في سبعة مواضع من صحيحه لكنه أسقط أحد وجهي التقسيم وهو قوله " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله " في رواية الحميدي قال ابن العربي : ولا عذر له في إسقاطها لكن أبدى له ابن حجر اعتذارا ومسلم والترمذي في الجهاد وأبو داود في الطلاق والنسائي في الأيمان وابن ماجه في الزهد : قال ابن حجر : لم يبق من أصول أصحاب الكتب المعتبرة من لم يخرجه إلا الموطأ كلهم ( عن ) أمير المؤمنين الحاكم العادل أبي حفص ( عمر بن الخطاب ) العدوي أحد العشرة المبشرين بالجنة وزير المصطفى ثاني الخلفاء أسلم بعد أربعين رجلا وكان عز الإسلام بدعوة المصطفى ولي الخلافة بعد الصديق فأقام عشر سنين ونصفا ثم قتل سنة ثلاث وعشرين عن ثلاث وستين سنة على الأصح . ( حل قط ) وكذا ابن عساكر ( في ) كتاب ( غرائب ) الإمام المشهور صدر الصدور حجة الله على خلقه ( مالك ) بن أنس الأصبحي ولد سنة ثلاث وتسعين وحملت به أمه ثلاث سنين ومات سنة تسع وسبعين ومئة ( عن أبي سعيد ) سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري من علماء الصحابة وأصحاب الشجرة مات سنة أربع وسبعين ورواه عنه أيضا الخطابي في المعالم ( وابن عساكر ) حافظ الشام أبو القاسم علي بن الحسن هبة الله الدمشقي الشافعي صاحب تاريخ دمشق ولد [ ص 35 ] سنة تسع وتسعين وأربع مئة ورحل إلى بغداد وغيرها وسمع من نحو ألف وثلاث مئة شيخ وثمانين امرأة وروى عنه من لا يحصى وأثنى عليه الأئمة بما يطول ذكره . مات سنة إحدى وسبعين وخمس مئة ( في أماليه ) الحديثية من رواية يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم ( عن ) أبي حمزة ( أنس ) بن مالك الأنصاري خادم المصطفى عشر سنين دعا له بالبركة في المال والولد وطول العمر فدفن من صلبه نحو مئة وصارت نخله تحمل في العام مرتين وعاش حتى سئم الحياة مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وتسعين . ثم قال ابن عساكر : حديث غريب جدا والمحفوظ حديث عمر ( الرشيد ) ابن ( العطار ) أي الحافظ رشيد الدين أبو الحسن يحيى بن علي الأموي المصري المالكي المنعوت بالرشيد العطار ولد بمصر سنة أربع وثمانين وخمس مئة ومات بها سنة اثنتين وستين وست مئة ودرس بالكاملية من القاهرة ( في جزء من تخريجه ) ولعله معجمه فإني لم أر في كلام من ترجمه إلا أنه خرج لنفسه معجما ولم يذكروا غيره ( عن أبي هريرة ) الدوسي عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا حمل هرة في كمه فسمي به فلزمه . قال الشافعي رضي الله تعالى عنه هو أحفظ من روى الحديث في الدنيا مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين بالمدينة أو بالعقيق قال الزين العراقي : وهذه الرواية وهم انتهى . لا يقال سياق المؤلف لحديث عمر والثلاثة بعده أنه أراد به أن الكل في مرتبة واحدة فممنوع لقول الزين العراقي لم يصح إلا من حديث عمر وقول ولده الولي هو منحصر في رواية عمر وما عداه ضعيف أو في مطلق النية وإن أراد استيعاب الطرق فلم يستوعب فقد رواه ثلاث وثلاثون صحابيا كما بينه العراقي لأنا نقول : الحديث بهذا اللفظ لم يرد إلا من حديث هؤلاء الأربعة فقط وما عداهم فأخبارهم في مطلق النية . قال ابن حجر والنووي والعراقي : حديث فرد غريب باعتبار مشهور باعتبار . قال الثلاثة : وهو من أفراد الصحيح لم يصح عن النبي إلا من حديث عمر ولا عن عمر إلا من رواية علقمة ولا عن علقمة إلا من رواية التيمي ولا عن التيمي إلا من رواية يحيى بن سعيد ومداره عليه . وأما من بعد يحيى فقد رواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة . بل ذكر ابن المديني وعبد الغني المقدسي أنه رواه عن يحيى سبع مئة رجل فمن أطلق عليه التواتر أو الشهرة فمراده في آخر السند من عند يحيى . قال النووي : وفي إسناده شيء يستحسن ويستغرب وهو أنه اجتمع فيه ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض : يحيى بن سعيد والتيمي وعلقمة وهذا وإن كان مستظرفا لكنه وقع في نيف وثلاثين حديثا . قال : وهو حديث مجمع على عظمته وجلالته وهو أحد قواعد الدين وأول دعائمه وأشد أركانه وهو أعظم الأحاديث التي عليها مدار الإسلام انتهى

(1/30)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية