صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : فيض القدير
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

ذكره كله الحرالي (السجزي) في كتاب (الإبانة) عن أصول الديانة (عن علي) أمير المؤمنين ورواه أبو عبيد فضائل القرآن عن أبي سلمة مرفوعا بلفظ نزل القرآن على سبعة أحرف حلال وحرام ومحكم ومتشابه وضرب أمثال وخبر ما كان قبلكم وخبر ما هو كائن بعدكم فأحلوا حلاله وحرموا حرامه واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه واعتبروا بأمثاله قال الكمال ابن ابي شريف : ورجال إسناده أئمة من رجال الصحيحين إلا عمر بن أبي سلمة فمن رجال السنن لكن فيه انقطاع.
2731 (أنزل القرآن بالتفخيم) أي التعظيم ومن تفخيمه إعطاؤه حقه وقفا وابتداء فإن رعاية الفواصل تزيد في البيان وزيادته تور ث التوقير أي التعظيم يعني اقرأوه على قراءة الرجال ولا تخضعوا الصوت به ككلام النساء ولا يدخل فيه كراهة الإمالة التي هي اختيار بعض القراء (ابن الانباري في) كتاب (الوقف) والابتداء (ك) في التفسير من حديث بكار بن عبد الله عن محمد بن عبد العزيز العوفي عن أبي الزناد عن خارجة (عن) أبيه (زيد بن ثابت) قال الحاكم : صحيح فقال الذهبي : لا والله العوفي مجمع على ضعفه وبكار ليس بعمدة والحديث واه منكر ، إلى هنا كلامه ، وأنت بعد إذ عرفت حاله علمت أن المصنف في سكوته عليه غير مصيب.
2732 (أنزل علي آيات) أحد عشر (لم نر) بالنون وروي بياء مضمومة (مثلهن قط) من جهة الفضل كذا قال والأظهر أن المراد لم تكن سورة آياتها كلها تعويذ من شر الأشرار وغيرهما وعلى الأول فلا يعارض ما تقدم في آية الكرسي لأن تلك آية واحدة وهذه آيات أو يقال إنه عام مخصوص أو يقال ضم هذا إلى ذلك ينتج أن الجميع سواء في الفضل.
ذكره الأبي (قل أعوذ برب الفلق) الصبح لأن الليل يفلق عنه وفي المثل هو أبين من فلق الصبح أو الخلق لأنه فلق عنهم ظلمة العدم أو جهنم أو جب أو سجن أو بيت فيها إذا فتح صاأهل النار من شدة حره أو ما ينفلق من النوى والحب أو ما ينفلق من
الأرض عن النبات أو الجبال عن العيون والسحاب عن المطر والأرحام عن الأولاد وقيل فلق القلوب بالأفهام حتى وصلت إلى الدلائل والأعلام والمراد هنا السورة بكمالها وهكذا فيما يأتي (وقل أعوذ برب الناس) أي مربيهم وخصه به تشريفا ولاختصاص التوسوس به فالاستعاذة واقعة من شر الموسوس في صدور الناس فكأنه قيل أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم وقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يتعوذ من شر الجان والإنسان بغيرهما فلما نزلتا ترك التعوذ بما سواهما ولما سحر استشفى بهما هذا وقد بين بهذا الخبر عظم فضل هاتين السورتين وأن لفظة قل من القرآن وعليه الإجماع قال عياض : وفيه

(3/73)


رد على من نسب لابن مسعود كونهما ليستا من القرآن وعلى من زعم أن لفظ قل ليس من السورتين وإنما أمر أن يقول فقال (م ت ن عن عقبة بن عامر) الجهني.
2733 (أنزل علي عشر آيات من أقامهن) أي عدلهن وأحسن قراءتهن بأن أتى بهن على الوجه المطلوب في حسن الأداء (دخل الجنة : قد أفلح المؤمنون) أي دخلوا في الفلاح والفلاح الظفر بالمراد أي فازوا وظفروا بمرادهم قطعا إذ قد لتقريب الماضي من الحال وللتأكيد فكأن الفلاح قد حصل وهو الشهادة أو إدراك المطلوب والنجاة من الموهوب قال في الكشاف : قد نقيضة لما تثبت المتوقع ولما تنفيه ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه اه (الآيات) العشرة من أول السورة والمراد أنه يدخل الجنة مع السابقين الأولين أو من غير سبق عذاب وإلا فالمؤمن الذي لم يقرأهن قط لا بد من دخوله الجنة وإن حوسب أو عذب.
(ت عن عمر) بن الخطاب.
2734 (أنزلت صحف إبراهيم) بضمتين جمع صحيفة وأصلها كما قال الزمخشري قطعة من جلد أو قرطاس كتب فيه وتقول أي العرب صحائف الكتب خير من صحاف الذهب وفي الصحاح الصحيفة الكتاب (أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) قال الحليمي : يريد به ليلة خمس وعشرين نقله عنه البيهقي وأقره اه.
ثم إن ما ذكر من
إنزاله في تلك الليلة أراد به إنزاله إلى اللوح المحفوظ فإنه نزل عليه فيها جملة ثم أنزل منه منجما في نيف وعشرين سنة وسره كما قال الفخر الرازي أنه لو نزل جملة واحدة لضلت فيه الأفهام وتاهت فيه الأوهام * (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) * فهو كالمطر لو نزل دفعة لقلع الأشجار وخرب الديار وقال السيد : في تنزيله منجما تسهيل ضبط الأحكام والوقوف على حقائق نظم الآيات قال ابن حجر : وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى * (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) * ولقوله * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا ثم أنزل في اليوم الرابع

(3/74)


والعشرين إلى الأرض أول * (اقرأ باسم ربك) * (طب عن واثلة) بن الأسقع قال الهيثمي : فيه عمران القطان ضعفه يحيى ووثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات اه.
ورواه عنه أيضا أحمد والبيهقي في الشعب باللفظ المزبور من هذا الوجه لكن لم أر في النسخة التي وقفت عليها في أوله صحف إبراهيم والبقية سواء.
2735 (أنزلوا الناس منازلهم) أي احفظوا حرمة كل واحد على قدره وعاملوه بما يلائم حاله في عمر ودين وعلم وشرف فلا تسووا بين الخادم والمخدوم والرئيس والمرؤوس فإنه يورث عداوة وحقدا في النفوس والخطاب للأئمة أو عام وقد عد العسكري هذا الحديث من الأمثال والحكم وقال : هذا مما أدب به المصطفى صلى الله عليه وسلم أمته من إيفاء الناس حقوقهم من تعظيم العلماء والأولياء وإكرام ذي الشيبة وإجلال الكبير وما أشبهه (م د عن عائشة) الصديقية وفيه أمران : الأول أنه يوهم أن مسلما خرجه مسندا ولا كذلك بل ذكره في أول صحيحه تعليقا فقال : وذكر عن عائشة قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم.
الثاني أنه يوهم أن حديث أبي داود لا علة فيه وهو بخلافه بل هو منقطع فإنه أوله من حديث ميمون بن أبي شبيب أن عائشة مر بها سائل فأعطته كسرة ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل فقيل لها في ذلك فقالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنزلوا إلخ قال النووي في رياضه : ميمون لم يدرك عائشة قال وذكره الحاكم في علوم الحديث وذكر أنه صحيح.
2736 (أنزل) يا معاذ بن جبل (الناس منازلهم) أي المنازل التي أنزلهم الله إياها (من) وفي
رواية في (الخير والشر) فإن الإكرام غذاء الآدمي والتارك لتدبير الله تعالى في خلقه لا يستقيم حاله وقد دبر الله تعالى الأحوال لعباده غنى وفقرا وعزا وذلا ورفعة وضعة ليبلوكم أيكم أشكر فالعامل عن الله يعاشر أهل دنياه على ما دبر الله لهم فإذا لم ينزله المنزلة التي أنزله الله ولم يخالقه بخلق حسن فقد استهان به وجفاه وتر ك موافقة الله في تدبيره فإذا سويت بين شريف ووضيع أو غني وفقير في مجلس أو عطية كان ما أفسدت أكثر مما أصلحت ، فالغني إذا أقصيت مجلسه أو أحقرت هديته يحقد عليك لما أن الله تعالى لم يعوده ذلك وإذا عاملت الولاة بمعاملة الرعية فقد عرضت نفسك للبلاء وقوله في الخير والشر يريد به أن من يستحق الهوان فلا يرفع أنفع قال علي : من أنزل الناس منازلهم رفع المؤونة عن نفسه ومن رفع أخاه فوق قدره فقد اجتر عداوته وقال زياد : انضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصاري ومعنا رجل مزاح فكان يقول لصاحب طعامنا جزاك الله خيرا وبرا فيغضب فقال : اقلبوه له فإنا كنا نتحدث أن من لم يصلحه الخير يصلحه الشر فقال له المزاح : جزاك الله شرا فضحك وقال : ما تدع مزاحك (وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة) أي تلطف في تعليمهم رياضة النفس على التحلي

(3/75)


بمحاسن الأخلاق والتخلي عن رذائلها قال أبو زيد الأنصاري : الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتحرك بها الإنسان في فضيلة من الفضائل.
(الخرائطي) في كتاب (مكارم الأخلاق عن معاذ) بن جبل.
2737 (أنشد الله) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة والله بالنصب وفي رواية بالله (رجال أمتي) أي أسألهم بالله وأقسم عليهم به (لا يدخلون الحمام إلا بمئزر) يستر عورتهم عمن يحرم نظره إليها فإن كشف العورة بحضرته حرام (وأنشد الله نساء أمتي أن لا يدخلن الحمام) أي مطلقا لا بإزار ولا بغيره كما يدل عليه ما قبله فدخول الحمام لهن مكروه تنزيها إلا لضرورة متأكدة كنفاس أو حيض وكان الإغتسال في غيره يضرها قال ابن حجر : معنى أنشد أسأل رافعا نشدتي أو صوتي (ابن عساكر) في التاريخ (عن أبي هريرة) وفي الباب غيره أيضا.
2738 (انصر أخاك) في رواية أعن أخاك في الدين (ظالما) بمنعه الظلم من تسمية الشئ بما يؤول إليه وهو من وجيز البلاغة (أو مظلوما) بإعانته على ظالمه وتخليصه منه (قيل) يعني قال أنس : (كيف أنصره ظالما) يا رسول الله (قال : تحجزه عن الظلم) أي تمنعه منه وتحول بينه وبينه (فإن ذلك) أي منعه منه (نصرة) له أي منعك إياه من الظلم نصرك إياه على شيطانه الذي يغويه وعلى نفسه الأمارة بالسوء لأنه لو ترك على ظلمه جره إلى الاقتصاص منه فمنعه من وجوب القود نصرة له وهذا من قبيل الحكم للشئ وتسميته بما يؤول إليه وهو من عجيب الفصاحة ووجيز البلاغة (حم خ) في المظالم (ت) في الفتن (عن أنس) وروى مسلم معناه عن جابر.
2739 (انصر أخاك ظالما كان أو مظلوما) قيل : كيف يا رسول الله ذلك ؟ قال : (إن يك ظالما فاردده عن ظلمه وإن يك مظلوما فانصره) وفي رواية للبخاري انصر أخاك ظالما أو مظلوما.
قالوا : هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما فقال : تأخذ فوق يديه ، كنى عن كفه عن الظلم بالفعل إن لم يكن بالقول وعبر بالفوقية إيماء إلى الأخذ بالاستعلاء والقوة وفيه وفيما قبله إشعار بالحث على محافظة الصديق والاهتمام بشأنه ومن ثم قيل حافظ على الصديق ولو على الحريق.
(فائدة) في المفاخر للضبي إن أول من قال انصر أخاك ظالما أو مظلوما جندب بن العنبر وعنى به ظاهره وهو ما اعتيد من حمية

(3/76)


الجاهلية لا على ما فسره المصطفى صلى الله عليه وسلم (الدارمي) في مسنده (وابن عساكر) في تاريخه (عن جابر) بن عبد الله وفي الباب عائشة وغيرها.
2740 (انظر) من النظر بمعنى إعمال الفكر ومزيد التدبر والتأمل.
قال الراغب : والنظر إجالة الخاطر نحو المرئي لإدراك البصيرة إياه فللقلب عين كما أن للبدن عينا (فإنك لست بخير من) أحد من الناس (أحمر) أي أبيض (ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى) أي تزيد عليه في وقاية النفس عما يضرها في الآخرة ومراتبها ثلاثة : التوقي عن العذاب المخلد ثم عن كل محرم ثم ما يشغل السر عن الحق تقدس (حم عن أبي ذر) قال الهيثمي كالمنذري : رجاله ثقات إلا أن بكر بن عبد الله المزني لم يسمع من أبي ذر.
2741 (انظروا قريشا) قال الزمخشري : من النظر الذي هو التأمل والتصفح (فخذوا من قولهم وذروا فعلهم) أي اتركوا اتباعهم في أفعالهم فإنهم ذو الرأي المصيب والحدس الذي لا يخطئ ولا يخيب لكنهم قد يفعلون ما لا يسوغ شرعا فاحذروا متابعتهم فيه (حم حب عن عامر بن شهر) بمعجمة الهمداني أبي الكنود بفتح الكاف ثم نون صحابي نزل الكوفة وهو أحد عمال المصطفى صلى الله عليه وسلم على اليمن وأول من اعترض على الأسود الكذاب باليمن.
2742 (انظروا إلى من هو أسفل منكم) أي في أمور الدنيا أي الأحق والأولى ذلك (ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) فيها (فهو أجدر) أي فالنظر إلى من هو أسفل لا إلى من هو فوق حقيق (أن لا تزروا) أي بأن لا تحتقروا (نعمة الله عليكم) فإن المرء إذا نظر إلى من فضل عليه في الدنيا طمحت له نفسه واستصغر ما عنده من نعم الله وحر ص على الازدياد ليلحقه أو يقاربه وإذا نظر للدون شكر النعمة وتواضع وحمد.
قال الغزالي : وعجب للمرء كيف لا يساوي دنياه بدينه أليس إذا لامته نفسه فارقها يعتذر إليها بأن في الفساق كثرة فينظر أبدا في الدين إلى من هو دونه لا لمن فوقه أفلا يكون في الدنيا كذلك.
وقال الحكيم : لا يزال الإنسان يترقى في درجات النظر علوا علوا كلما نال درجة سما به حرصه إلى النظر إلى ما فوقها فإذا نظر إلى مدونه في درجات الدين اعتراه العجب فأعجب بنفسه فطال بتلك الدرجة على الخلق واستطال فرمى به من ذلك العلو فلا يبقى منه عضو إلا انكسر وتبدد وكذا درجات

(3/77)


الدنيا إذا رمى ببصره إلى من دونه تكبر عليه فتاه على الله بكبره وتجبر على عباده فخسر دينه وقد أخذ هذا الحديث محمود الوراق فقال : لا تنظرن إلى ذوي ال * مؤثل والرياش فتظل موصول النها * ر بحسرة قلق الفراش وانظر إلى من كان مث * لك أو نظيرك في المعاش تقنع بعيش كيف كا * ن وترض منه بانتعاش
(حم م ت) كلاهما في الزهد (عن أبي هريرة).
2743 (انظرن) بهمزة وصل وضم المعجمة من النظر بمعنى التفكر والتأمل والتدبر (من) استفهام (إخوانكن) أي تأملن أيها النساء في شأن إخوانكن من الرضاع أهو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه ضمن الرضاعة وقدر الارتضاع فإن التحريم إنما يثبت إذا توفرت الشروط قاله لعائشة وقد رأى عندها رجلا ذكرت أنه أخوها منه ثم علل الباعث على إمعان النظر بقوله (فإنما) الفاء تعليلية لقوله انظرن (الرضاعة) المحرمة للخلوة (من المجاعة) بفتح الميم الجوع أي إنما الرضاعة المحرمة ما سد مجاعة الطفل من اللبن بأن أغذاه وأنبت لحمه وقوى عظمه فلا يكفي بنحو مصتين ولا إن كان بحيث لا يشبعه إلا الخبز كأن جاوز الحولين لأن المدار على تقوية عظمه ولحمه من لبنها بحيث يصير كجزء منها وأدنى ما يحصل ذلك خمس رضعات تامات في حال يكون اللبن فيه كافيا للطفل مشبعا له لضعف معدته وإنما يكون ذلك فيما دون حولين (حم ق د ن ه عن عائشة) قالت : دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي رجل فقال : يا عائشة من هذا ؟ قلت : أخي من الرضاعة فذكره.
2744 (انظري) أيتها المرأة التي هي ذات بعل (أين أنت منه) أي في أي منزلة أنت منه أقريبة من مودة مسعفة له عند شدته ملبية لدعوته أم متباعدة من مرامه كافرة لعشرته وإنعامه (فإنما هو) أي الزوج (جنتك ونارك) أي هو سبب لدخولك الجنة برضاه عنك وسبب لدخولك النار بسخطه عليك فأحسني عشرته ولا تخالفي أمره فيما ليس بمعصية وهذا قاله للتي جاءت تسأله عن شئ فقال : أذات زوج أنت ؟ قالت : نعم قال : كيف أنت منه ؟ قالت : لا آلوه إلا ما عجزت عنه فذكره وأخذ الذهبي من هذا الحديث ونحوه أن النشوز كبيرة (ابن سعد) في الطبقات (طب عن عمة حصين) بضم الحاء وفتح الصاد بضبط المؤلف (ابن محصن) بضم أوله وسكون ثانيه وكسر الصاد المهملة قال حصين : حدثتني

(3/78)


عمتي أنها ذكرت زوجها للنبي صلى الله عليه وسلم فذكره وصنيع المؤلف قاض بأنه لم ير هذا في أحد الكتب الستة وإلا
لما أبعد النجعة وعدل لغيرها وهو عجيب فقد رواه النسائي من طريقين وعزاه له جمع جم منهم الذهبي في الكبائر ولفظه : قالت عمة حصين وذكرت زوجها للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : انظري أين أنت منه فإنه جنتك ونارك أخرجه الذهبي من وجهين وفي الباب أحاديث كثيرة هذا نصه بحروفه.
2745 (أنعم على نفسك) بالإنفاق عليها مما آتاك الله من غير إسراف ولا تقتير (كما أنعم الله عليك) أي ولا يحجزك عن ذلك خوف الفقر فإن الحرص لا يزيل الفقر ، كل حريص فقير ولو ملك الدنيا ، وكل قانع غني وإن كان صفر اليدين ومن حق من كان عبدا لغني أن يتحقق أنه غني بغنى سيده ففي الإمساك خوف الفقر إباق العبد عن ربه (ابن النجار) في التاريخ (عن والد أبي الأحوص) بحاء وصاد مهملتين.
2746 (أنفق) بفتح الهمزة أمر بالإنفاق (يا بلال ولا تخشى من ذي العرش) قيد للمنفي (إقلالا) فقرا من قل بمعنى افتقر وهو في الأصل بمعنى صار ذا قلة وما أحسن من ذي العرش في هذا المقام أي أتخاف أن يضيع مثلك من هو مدبر الأمر من السماء إلى الأرض ؟ كلا.
قال الطيبي : الذي يقتضيه مراعاة السجع أن يوقف على بلال وإقلال بغير ألف وإن كتب بالألف ليزدوجا كما في قولهم آتيك بالغدايا والعشايا وقوله ارجعن مأزورات غير مأجورات اه.
وإنما أمره بذلك لأنه تعالى وعد على الإنفاق خلفا في الدنيا وثوابا في العقبى فمن أمسك عن الإنفاق خوف الفقر فكأنه لم يصدق الله ورسوله.
قال الطيبي : وما أحسن ذكر العرش في هذا المقام.
قال الغزالي : قال سفيان : ليس للشيطان سلاح كخوف الفقر فإذا قبل ذلك منه أخذ بالباطل ومنع من الحق وتكلم بالهوى وظن بربه ظن السوء وخرج الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري عن بلال يرفعه يا بلال الق الله فقيرا ولا تلقه غنيا قال : إذا رزقت فلا تمنع قال : وكيف لي بذلك ؟ قال : ذاك وإلا فالنار قال المؤلف في مختصر الموضوعات : وهذه الأحاديث كانت في صدر الإسلام حين كان الإدخار ممنوعا والضيافة واجبة ثم نسخ الأمران وإنما يدخل الدخيل على كثير من الناس لعدم علمهم بالنسخ (البزار) في مسنده (عن بلال) المؤذن قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم وعندي صبر من تمر فقال : فما هذا فقلت : ادخرناه لشتائنا قال : أما تخاف أن ترى له بخارا في جهنم أنفق إلخ قال الهيثمي : إسناده حسن (طب عن ابن مسعود) قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم على
بلال وعنده صبر فقال : ما هذا قال : أعددته لأضيافك فذكره.
قال الهيثمي : قال رواه بإسنادين أحدهما حسن وفي الآخر قيس بن الربيع وفيه كلام وبقية رجاله ثقات ورواه أيضا عن أبي هريرة وفيه

(3/79)


مبارك بن فضيلة وبقية رجاله رجال الصحيح انتهى وأطلق الحافظ العراقي أن الحديث ضعيف من جميع طرقه لكن قال تلميذه الحافظ ابن حجر في زوائد البزار إسناد حديثه حسن.
2747 (أنفقي) أي تصدقي يا أسماء بنت أبي بكر الصديق (ولا تحصي) لا تبقي شيئا للإدخار أو لا تعدي ما أنفقتيه فتستكثريه فيكون سببا لانقطاع إنفاقك (فيحصي الله عليك) أي يقلل رزقك بقطع البركة أو بحبس مادته أو بالمحاسبة عليه في الآخرة وهو بالنصب جواب النهي والإحصاء مجاز عن التضييق لأن العد ملزومه أو من الحصر الذي هو المنع (ولا توعي) بعين مهملة أي لا تحفظي فضل مالك في الوعاء وهو الظرف أو لا تجمعي شيئا في الوعاء وتدخريه بخلا به (فيوعي الله عليك) أي يمنع عنك مزيد نعمته عبر عن منع الله بالإيعاء ليشاكل قوله لا توعي فإسناد الإيعاء إليه تعالى للمشاكلة والإحصاء معرفة قدر الشئوزنا أو عدا أو كيلا وكثيرا ما يراد بالإنفاق في كلام الشارع الأعم من الزكاة والصدقة فيشمل جميع وجوه الإنفاق من المعارف والحظوظ التي تكسب المعالي وتنجي من المهالك (حم ق) في الزكاة (أسماء بنت أبي بكر) قالت : قلت يا رسول الله مالي مال إلا ما أدخل علي الزبير أي زوجها أفأتصدق ؟ فذكره.
2748 (أنكحوا) أي أكثروا من الوطئ (فإني مكاثر بكم) أي الأمم يوم القيامة كما يجئ في خبر آخر (ه عن أبي هريرة).
2749 (أنكحوا الأيامى) أي النساء اللاتي بلا أزواج جمع أيم وهو العزب ذكرا كان أو أنثى بكرا أم ثيبا كما في الصحاح (على ما تراضى به الأهلون) جمع أهل وهم الأقارب والمراد هنا الأولياء (ولو قبضة) بفتح القاف وتضم ملء اليد (من أراك) أي ولو كان الصداق الذي وقع عليه التراضي شيئا قليلا جدا أي لكنه يتمول فإنه جائز صحيح وفيه رد على الحنفية في إيجابهم أن لا ينقص عن عشرة دراهم والأراك شجر معروف يستاك بقضبانه الواحدة أراكة أو شجرة طويلة ناعمة كثيرة الورق
والأغصان خوارة العود ولها ثمر في عناقيد يملأ العنقود الكف ولا تبعد إرادته هنا (طب عن ابن

(3/80)


عباس) قال الهيثمي : فيه محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه ضعفوه انتهى وقال ابن حبان : يروى عن أبيه نسخة كلها موضوعة وقال الدارقطني : أبوه ضعيف أيضا.
2750 (أنكحوا أمهات الأولاد فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة) يحتمل أن المراد بأمهات الأولاد النساء التي يلدن فهو حث على نكاح الولود وأن المراد السراري جمع سرية نسبة إلى السر وهو الجماع والإخفاء لأن المرء كثيرا ما يسر بها ويسترها عن حرمه وضمت سينه لأن الأبنية قد تغير في النسبة خاصة كما قالوا في السنة للدهر دهري وجعلها الأخفش من السرور لأنه يسر بها (حم) وكذا أبو يعلى (عن ابن عمرو) بن العاص قال الهيثمي : وفيه يحيى بن عبد الله المغافري وقد وثق وفيه ضعف.
2751 (أنهاكم عن كل مسكر) أي عن كل شئ من شأنه الإسكار (أسكر عن الصلاة) أي أزال كثرة العقل عن التمييز حتى صد عن أداء الصلاة كما أشير إليه بقوله تعالى * (ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) * سواء اتخذ ذلك من العنب أم من غيره.
قال النووي : هذا صريح في أن كل مسكر حرام وإن كان من غير العنب.
وقال القرطبي : هذا حجة على من يعلق التحريم على وجود الإسكار والشارب من غير اعتبار وصف المشروب وهم الحنفية واتفق أصحابنا على تسمية جميع الأنبذة خمرا لكن قال أكثرهم هو مجاز وحقيقة الخمر عصير العنب وقال جمع : حقيقة فيهما وقال ابن السمعاني : قياس النبيذ على الخمر بعلة الإسكار والإطراب من جلي الأقيسة وأوضحها والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النبيذ ومن ذلك أن علة الإسكار في الخمر كون قليله يدعو إلى كثيره وذلك موجود في النبيذ فالنبيذ عند عدم الخمر يقوم مقامه لحصول الفرح والطرب بكل منهما وإن كان النبيذ أغلظ والخمر أرق وأصفى لكن الطبع يحتمل ذلك في النبيذ لحصول السكر كما يحتمل المرارة في الخمر لطلب السكر قال : وبالجملة فالنصوص المحرمة بتحريم كل مسكر وإن قل مغنية عن القياس (م عن أبي موسى) الأشعري قال : استفتي النبي صلى الله عليه وسلم في البتع بكسر فسكون نبيذ العسل والمزن نبيذ الشعير حتى ينبذ أي حتى يشتد فذكره.
2752 (أنهاكم عن الكي) نهي تنزيه كما يعرف من أخبار أخرى وفي غير حالة الضرورة وعدم قيام غيره مقامه وقيل إنما نهى عنه لأنهم كانوا يعظمونه ويرون أنه يبرئ ولا بد أو أنه ينهى عنه قبل نزول الداء وعن استعماله على العموم فإن له داء مخصوصا ومحلا مخصوصا وفي مسلم عن عمران أنه

(3/81)


كان يسلم عليه الملائكة فلما اكتوى تركت السلام فلما تركه يعني تاب عاد السلام عليه (وأكره الحميم) أي الماء الحار أي استعماله في نحو الشرب والطهارة لكن المراد إذا كانت شديدة الحرارة لضرره ولمنعه الإساغة والكراهة حينئذ شرعية بل إن تحقق الضرر كان النهي للتحريم (ابن قانع) في معجم الصحابة (عن سعد الظفري) بفتح الظاء المعجمة والفاء وآخره راء نسبة إلى ظفر بطن من الأنصار قال الذهبي : الأصح أنه سعد بن النعمان بدري.
2753 (أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره) سواء كان من عصير العنب أو من غيره فالقطرة من المسكر حرام وإن انتفى تأثيرها فبين بهذا أن كل ما كانت فيه صلاحية الإسكار حرم تناوله وإن لم يسكر متناوله بما تناوله لقلته كقطرة واحدة (ن عن سعد) بن أبي وقاص ، قال الزين العراقي : قال البيهقي في الخلافيات : رواته ثقات ورواه عنه أيضا ابن حبان والطحاوي واعترف بصحته.
2754 (أنهاكم عن صيام يومين) أي يوم عيد (الفطر و) يوم عيد (الأضحى) فصومهما حرام ولا ينعقد ومثلهما أيام التشريق لأنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى (ع عن أبي سعيد) الخدري.
2755 (أنهاكم عن الزور) وفي رواية من قول الزور أي الكذب والبهتان لتماديه في القبح والسماجه في جميع الأديان أو شهادة الزور ويؤيده أنه جاء في رواية كذلك أو هو كقولهم هذا حلال وهذا حرام وقولهم في التلبية لبيك لا شريك لك إلا شريك تملكه وما ملك والمراد اجتنبوا الانحراف عن سنن الشريعة لأن الزور من الإزورار وهو الانحراف فيرجع إلى الأمر بالاستقامة فكأنه قال استقم كما أمرت (طب عن معاوية) بن أبي سفيان.
2756 (أنهر) وفي رواية أمر وأخرى أمرر (الدم) أي أسله (بما شئت) أي أزهق نفس البهيمة بكل ما أسال الدم غير السن والظفر ذكره الزمخشري شبه خروج الدم من محل الذبح بجري الماء في
النهر (واذكر اسم الله عليه) تمسك به من شرط التسمية عند الذبح وحمله الشافعية على الندب لخبر إن قوما قالوا : يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا قال : سموا أنتم وكلوا (ن) في الصيد والذبائح (عن عدي بن حاتم) قلت : يا رسول الله أرسل كلبي فيأخذ الصيد ولا أجد ما أذكيه به أفأذكيه بالمروة أي وهي حجر أبيض والعصا فذكره وظاهر صنيع المؤلف أن النسائي تفرد به عن الستة والأمر بخلافه بل خرجه أيضا عن عدي أبو داود وابن ماجه.
قال ابن حجر : ورواه أيضا الحاكم وابن حبان ومداره على سماك بن حرب عن مرمى عن قطري عن عدي انتهى.

(3/82)


2757 (أنهشوا اللحم) أزيلوه عن العظم بالفم ولا تحزوه بالسكين قالوا : ونهش اللحم أخذه بمقدم الأسنان قال ابن العربي : وإذا فعل غير ذلك لا يرده في القصعة وليحبسه بيده وليضعه أمامه (نهشا) بشين معجمة بخطه وقال الحافظ العراقي : بسين مهملة ولعلهما روايتان وهما بمعنى عند الأصمعي وبه جزم الجوهري.
قال الزين العراقي : والأمر للإرشاد بدليل تعليله بقوله (فإنه أشهى وأهنأ وأمرأ) وفي رواية وأبرأ أي من السوء ونهش اللحم أخذه بمقدم الأسنان يقال هنؤ الطعام يهنو فهو هني ومرؤ فهو مري أي صار كذلك وهنأ في الطعام ومرأ من حد ضرب أي ساغ لي فإذا أفردوا قالوا : أمرأني بالألف وفي الكشاف : الهني والمري صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغا ما ينقبض.
قيل : الهني ما يلذ به الآكل والمري ما تحمد عاقبته وقيل : هو ما ينساغ في مجراه.
قال العراقي : ولم يثبت النهي عن قطع اللحم بالسكين بل ثبت الحز من الكتف فيختلف باختلاف اللحم كما لو عسر نهشه بالسن فيقطع بالسكين وكذا لو لم يحضر سكين وكذا يختلف بحسب العجلة والتأني (حم ت ك عن صفوان بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وشد المثناة تحت.
قال الترمذي : لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم انتهى وتعقبه مغلطاي بأنه في كتاب الأطعمة لأبي عاصم من حديث الفضل بن عباس قال : كنا في وليمة فسمعت صفوان يقول فذكره قال أعني مغلطاي : وفيه شئ آخر وهو أن حديث أبي عاصم متصل وحديث الترمذي منقطع فيما بين عثمان بن أبي سليمان وصفوان اه وجزم الحافظ العراقي بضعف سنده.
2758 (أنهكوا الشوارب) أي استقصوا قصها والإنهاك الاستقصاء (وأعفوا اللحى) أي اتركوها فلا تأخذوا منها شيئا (خ عن ابن عمر) بن الخطاب وظاهره أن ذا مما تفرد به البخاري عن صاحبه والأمر بخلافه فقد عزاه الديلمي وغيره إلى مسلم من حديث عبد الله بن عمر.
2759 (اهتبلوا) أي اغتنموا الفرصة قال الزمخشري : من المجاز هو مهتبل عزته وسمعت كلمة فاهتبلتها اغتنمتها وافترصتها انتهى ومنه أخذ في النهاية قول اهتبل كذا اغتنمه (العفو عن عثرات ذوي المروءات) أي أصحاب المروءات فإن العفو عنهم فيها مندوب ندبا مؤكدا والخطاب للأئمة أو أعم وقد سبق هذا موضحا.
(أبو بكر المرزبان) بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح الباء

(3/83)


الموحدة نسبة إلى جده وهو محمد بن عمران بغدادي صاحب أخبار وتصانيف ف (في كتاب المروءة عن عمر) بن الخطاب.
2760 (اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ) أي تحرك فرحا وسرورا بنقلته من دار الفناء إلى دار البقاء لأن أروا الشهداء مستقرها تحت العرش تأوي إلى قناديل هناك كما في خبر وإذا كان العبد ممن يفرح خالق العرش بلقائه فالعرش يدق في جنب خالقه أو اهتز استعظاما لتلك الوقعة التي أصيب فيها أو اهتز حملته فرحا به فأقيم العرش مقام حامليه وقوله عرش الرحمن نص صريح يبطل قول من ذهب إلى أن المراد بالعرش السرير الذي حمل عليه قال ابن القيم : كان سعد في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين لا تأخذه في الله لومة لائم وختم له بالشهادة وآثر رضا الله ورسوله على رضا قومه وحلفائه ووافق حكمه حكم الله من فوق سبع سماوات ونعاه جبريل عليه السلام يوم موته فحق له أن يهتز العرش له (حم م عن أنس) بن مالك (حم ق ت ه عن جابر) قال المصنف : وهذا متواتر.
2761 (أهل البدع) أي أصحابها جمع بدعة ما خالف الكتاب والسنة مجملا أو مفصلا (شر الخلق) مصدر بمعنى المخلوق (والخليقة) بمعناه فذكره للتأكيد أو أراد بالخلق من خلق وبالخليقة من سيخلق أو الخلق الناس والخليقة البهائم وإنما كانوا شر الخلق لأنهم أبطنوا الكفر وزعموا أنهم أعرف
الناس بالإيمان وأشدهم تمسكا بالقرآن فضلوا وأضلوا ذكره الطيبي وهذا مستمد من قوله تعالى * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) * و * (أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل) * الآية قال مجاهد : السبل البدع وسبق أن الكلام في بدعة تخالف أصول الشرع وإلا كوضع المذاهب وتدوينها وتصنيف العلوم وتقرير القواعد وكثرة التفريع وفرض ما لم يقع وبيان حكمه وتفسير القرآن والسنة واستخراج علوم الأدب وتتبع كلام العرب فمندوب محبوب وأهله ليسوا بشر الخليقة بل خيرها (حل) من حديث محمد بن عبد الله بن عمار عن المعافى بن عمران عن الأوزاعي عن قتادة (عن أنس) ثم قال : تفرد به المعافى عن الأوزاعي بهذا اللفظ.
2762 (أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم) لا يعارضه خبر ابن مسعود أنتم شطر أهل الجنة وفي رواية نصفهم لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم رجا أولا أن يكونوا

(3/84)


نصفا فأعطاه الله رجاءه ثم زاده (حم ت) في صفة الجنة (ه حب ك) في الإيمان (عن بريدة) بن الحصيب وقال الحاكم : على شرطهما وقال الترمذي : حسن ولم يبين لم لا يصح.
قيل : لأنه روي مرسلا ومتصلا قال في المنار : ولا ينبغي أن يعد ذلك مانعا لصحته (طب عن ابن عباس) قال الهيثمي : فيه خالد بن شريك الدمشقي وهو ضعيف ووثق (وعن ابن مسعود) قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف وأنتم ربع أهل الجنة لكم ربعها ولسائر الناس ثلاثة أرباعها فقلنا : الله ورسوله أعلم فقال : كيف أنتم وثلثها قالوا : فذلك أكثر ثم ذكره قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة (وعن أبي موسى) الأشعري قال الهيثمي : وفيه القاسم بن حصن وهو ضعيف وأعاده مرة أخرى ثم قال : فيه سويد بن عبد العزيز وهو ضعيف جدا وفي اللسان كالميزان هذا حديث منكر.
2763 (أهل الجنة جرد مرد) أي لا شعر على أبدانهم ولا لحالهم قيل إلا هارون أخا موسى عليه الصلاة والسلام فإن لحيه إلى سرته تخصيصا له وتفضيلا ، في ترجمة الأسعد وسئل عند ذلك فقال : وما في جنان الخلد ذو لحية يرى * سوى آدم فيما روينا في الأثر
وما جاء في هارون فالذهبي قد * رأى ذاك موضوعا فكن صيقل الفكر حكاه الغزالي وفي رواية ذكرها في لسان الميزان إلا موسى فلحيته إلى سرته (كحل) أي على أجفانهم سواد خلقي (لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم) قيل : أراد أن الثياب المعينة لا يلحقها البلى ويحتمل إرادة الجنس بل لا تزال عليهم الثياب الجدد كما أنها لا تنقطع أكلها من حينه بل كل مأكول يخلفه مأكول آخر وكل ثمرة قطعت خلفتها أخرى وهكذا لا يقال الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية متعرضة للاستحالات المؤدية إلى الانفكاك والانحلال فكيف يعقل خلودها في الجنان لأنا نقول إنه تعالى يعيدها بحيث لا يعتريها الاستحالة بأن يجعل أجزاءها مثلا متفاوتة في الكيف متساوية في القوة لا يقوى شئ منها على إحالة الآخر متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض على أن قياس ذلك العالم وأحواله على ما نجده ونشاهده نقص عقل وضعف بصيرة (ت) في صفة الجنة (عن أبي هريرة) وقال حسن غريب اه وفيه معاذ بن هشام حديثه في الكتب الستة قال ابن معين : صدوق وليس بحجة.
2764 (أهل الجنة من ملأ الله تعالى أذنيه من ثناء الناس خيرا وهو يسمع وأهل النار من ملأ الله تعالى أذنيه من ثناء الناس شرا وهو يسمع) في البحر يحتمل أن معناه من ملأ أذنيه من ثنا الناس خيرا عمله

(3/85)


ومن ملأ من ثناء الناس شرا عمله فكأنه قال : أهل الجنة من لا يزال يعمل الخير حتى ينتشر عنه فيثنى عليه بذلك وفي الشر كذلك ومعنى قوله أهل الجنة أي الذين يدخلونها ولا يدخلون النار ومعنى أهل النار أي الذين استحقوها لسوء أعمالهم سموا بدخولها أهل النار لكنهم سيدخلون الجنة إذا صحبهم إيمان ويكون أهل النار بمعنى الذين استحقوها بعظائم وأفعال السوء ثم يخرجون بشفاعته ويجوز أن يرحم منهم من يشاء ولا يعذبه اه.
فإن قلت : ما فائدة قوله وهو يسمع بعد قوله ملأ الله أذنيه ؟ قلت : قد يقال فائدته الإيمان إلى أن ما اتصف به من الخير والشر بلغ من الاشتهار مبلغا عظيما بحيث صار لا يتوجه إلى محل ويجلس بمكان إلا ويسمع الناس يصفونه بذلك فلم تمتلئ أذنيه من سماعه ذلك بالواسطة والإبلاغ بل بالسماع المستفيض المتواتر واستعمال الثناء في الذكر الجميل أكثر من القبيح كما في المصباح وجعله ابن عبد السلام حقيقة في الخير مجازا في الشر.
(ه عن ابن عباس) وفيه أبو الجوزاء قال الذهبي : قال البخاري فيه نظر.
2765 (أهل الجور) أي الظلم (وأعوانهم في النار) لأن الداعي إلى الجور الطيش والخفة والأشر والبطر الناشئ عن عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان فجوزوا من جنس مرتكبهم (ك) في الأحكام (عن حذيفة) وصححه وتعقبه الذهبي فقال : بل منكر.
2766 (أهل الشام سوط الله تعالى في الأرض) يعني هم عذابه الشديد يصبه على من يشاء من العبيد قال الزمخشري : من المجاز * (صب عليهم ربك سوط عذاب) * أي فلما علم أن الضرب بالسوط أشد ألما من غيره عبر به (ينتقم بهم ممن يشاء من عباده) أي يعاقبه بهم قال في الصحاح انتقم الله منه عاقبه (وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم) أي يمتنع عليهم ذلك (وأن يموتوا إلا هما) أي قلقا (وغيظا) أي غضبا شديدا.
قال في المصباح : الغيظ الغضب المحيط بالكبد وهو أشد الغضب (وغما) أي كربا ووهنا (وحزنا) في إشعاره إيذان بأن أهل الشام قد رزقوا حظا في سيوفهم وشاهده ما رواه الخطيب في التاريخ أن عمر كتب إلى كعب الأحبار : اختر لي المنازل فكتب إليه : بلغنا أن الأشياء اجتمعت فقال : السخاء أريد اليمن فقال : حسن الخلق أنا معك وقال : الجفاء أريد الحجاز فقال : الفقر وأنا معك وقال : البأس أريد الشام فقال السيف وأنا معك وقال : العلم أريد العراق فقال : العقل وأنا معك وقال : الغنى أريد مصر فقال : الذل وأنا معك فاختر لنفسك (حم ع طب والضياء) المقدسي (عن خريم) بضم الخاء المعجمة وفتح الراء (بن فاتك) بفتح الفاء وكسر المثناة التحتية الأسدي

(3/86)


الصحابي قال ابن أبي حاتم : بدري له صحبة وقال الهيثمي : رواه أحمد والطبراني موقوفا على خريم ورجالهما ثقات.
2767 (أهل القرآن) أي حفظته الملازمون لتلاوته العاملون بأحكامه في الدنيا وقيل أهله من بحث على أسراره ومعانيه (عرفاء أهل الجنة) الذين ليسوا بقرء أي هم زعماؤهم وقادتهم وفيه أن في الجنة أئمة وعرفاء فالأئمة الأنبياء فهم إمام القوم وعرفاءهم القراء والعريف من تحت يد الإمام فله شعبة من السلطان فالعرافة هناك لأهل القرآن الذين عرفوا بتلاوته وعملوا به (الحكيم) الترمذي (عن
أبي أمامة الباهلي) 2768 (أهل القرآن هم أهل الله وخاصته) أي حفظة القرآن العاملون به هم أولياء الله المختصون به اختصاص أهل الإنسان به سموا بذلك تعظيما لهم كما يقال بيت الله.
قال الحكيم : وإنما يكون هذا في قارئ انتفى عنه جور قلبه وذهب جناية نفسه فأمنه القرآن فارتفع في صدره وتكشف له عن زينته ومهابته فمثله كعروس مزين مد يده إليها دنس متلوث متلطخ بالقذر فهي تعافه وتتقذره فإذا تطهر وتزين وتطيب فقد أدى حقها وأقبلت إليه بوجهها فصار من أهلها فكذا القرآن فليس من أهله إلا من تطهر من الذنوب ظاهرا وباطنا وتزين بالطاعة كذلك فعندها يكون من أهل الله وحرام على من ليس بهذه الصفة أن يكون من الخواص وكيف ينال هذه الرتبة العظمى عبد أبق من مولاه واتخذ إلهه هواه ؟ * (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) * (أبو القاسم بن حيدر في مشيخته عن علي) أمير المؤمنين وظاهره أنه لا يوجد مخرجا لأحد من الستة وإلا لما أبعد النجعة وهو ذهول عجيب فقد خرجه النسائي في الكبرى وابن ماجه وكذا الإمام أحمد والحاكم من حديث أنس قال الحافظ العراقي : بإسناد حسن والعجب أن المصنف نفسه عزاه لابن ماجه وأحمد في الدرر عن أنس المذكور باللفظ المزبور.
2769 (أهل النار كل جعظري) أي فظ غليظ متكبر أو جسم عظيم أكول (جواظ) أي جموع منوع أو ضخم مختال في مشيته أو صياح مهدر (مستكبر) أي متعاظم مرتفع تيها وعجبا * (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) * (وأهل الجنة الضعفاء) أي هم المتواضعون الخاضعون ضد المتكبرين الأشرين فهم الضعفاء عن حمل التكبر وأدنى الناس بمال أو جاه

(3/87)


أو قوة بدن وعن المعاصي (المغلبون) بشد اللام المفتوحة أي الذين كثيرا ما يغلبون والمغلب الذي يغلب كثيرا وهؤلاء هم أتباع الرسل في هذه الأخلاق وغيرها (ابن قانع) في المعجم (ك) في التفسير (عن سراقة) بضم المهملة وخفة الراء وبالقاف (ابن مالك) ابن جعثم بضم الجيم وسكون المهملة الكناني بنونين المدلجي أبو سفيان أسلم بعد الطائف قال الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي.
2770 (أهل اليمن أرق قلوبا وألين أفئدة وأسمع طاعة) في رواية للطبراني بدله وأنجع طاعة يقال نجع له بحق إذا أقر به وبالغ فيه والرقة ضد الغلظة والجفوة واللين ضد القسوة فاستعيرت في أحوال القلب فإذا تباعد عن الحق وأعرض عن قبوله وأعرض عن الآيات والنذر يوصف بالغلظة فكان شغافه صفيقا لا ينفذ فيه الحق وجرمه طبا لا يؤثر فيه الحق وإذا انعكس ذلك يوصف بالرقة واللين فكان حجابه رقيقا لا يأباه نفوذ الحق وجوهره يتأثر عن النصح والفؤاد والقلب وإن كان واحدا على ما عليه الأكثر لكن الخبر ينبئ عن التمييز بينهما وهو أن الفؤاد سمي به لنفوذه والقلب سمي قلبا لكثرة تقلبه فكأنه أراد بالأفئدة ما يظهر منها للأبصار وبالقلوب ما يظهر منها للبصائر (طب عن عقبة ابن عامر) الجهني قال الهيثمي : وإسناده حسن وظاهر صنيع المصنف أنه لم يره لأعلى من الطبراني وهو عجب فقد رواه من هذا الوجه بهذا اللفظ أحمد في المسند.
2771 (أهل شغل الله) بفتح الشين وسكون الغين وبفتحتين (في الدنيا هم أهل شغل الله في الآخرة وأهل شغل أنفسهم في الدنيا هم أهل شغل أنفسهم في الآخرة) لأن الآخرة أعواض وثواب مرتب على ما كان في النشأة الأولى قال ابن عطاء الله : الدار الدنيوية بيت العمل وأساس الخير لأهل التوفيق والشر لغيرهم لأن فيها ما ليس في الدار الآخرة وهو كسب الأعمال وكل سر لم يظهر في الدنيا لم يظهر في الآخرة * (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) * فمن كان مخلصا في شغله بالعمل في الدنيا كانت دنياه آخرته ومن اشتغل بلذة نفسه وآثر الحياة الدنيا على الآخرة * (فإن الجحيم هي المأوى) * (قط في الأفراد فر عن أبي هريرة) بإسناد ضعيف.
2772 (أهون أهل النار عذابا) أي أيسرهم وأدونهم فيه (يوم القيامة رجل) لفظ رواية مسلم

(3/88)


لرجل أي هو أبو طالب كما يجئ (يوضع في أخمص قدميه جمرتان) تثنية جمرة وهي القطعة من النار الملتهبة (يغلي منهما دماغه) وفي رواية للبخاري يغلي منهما أم دماغه قال الداودي : المراد أم رأسه وأطلق على الرأس أم الدماغ من تسمية الشئ مما يجاوره وفي رواية ابن إسحاق يغلي منه دماغه حتى يسيل على قدميه وحكمة انتعاله بهما أنه كان مع المصطفى صلى الله عليه وسلم بجملته لكنه كان مثبتا لقدميه على ملة
عبد المطلب حتى قال عند الموت هو على ملة عبد المطلب فسلط العذاب على قدميه فقط لتثبيته إياهما على ملة آبائه الضالين قال الغزالي : انظر إلى من خفف عليه واعتبر به فكيف من شدد عليه ؟ ومهما شككت في شدة عذاب النار فقرب أصبعك منها وقس ذلك به انتهى وتمسك به من ذهب إلى أن الحسنات تخفف عن الكافر وقال البيهقي : ولمن ذهب لمقابله أن يقول خبر أبي طالب خاص والتخفيف عنه بما صنع إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطييبا لقلبه وثوابا له في نفسه لا لأبي طالب فإن حسناته أحبطت بموته كافرا (م عن النعمان بن بشير) الأنصاري لكن لفظ رواية مسلم من حديث النعمان إن أهون وإنما قال أهون في حديث ابن عباس الآتي فهذا مما لم يحرر المؤلف فيه التخريج.
2773 (أهون أهل النار عذابا أبو طالب) عم المصطفى صلى الله عليه وسلم (وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه) هذا وما قبله يؤذن بموته على الكفر وهو الحق ويزعم بعض الناس أنه أسلم قال الزمخشري : يا سبحان الله أكان أبو طالب أخمل أعمامه حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس ويخفى إسلامه ؟ انتهى وأما ما رواه تمام في فوائده من حديث ابن عمر إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي وأخ لي كان في الجاهلية فتناوله المحب الطبري في حق عمه على أنها شفاعة في التخفيف كما في مسلم قال ابن حجر : ووقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب ولا يثبت منها شئ وروى أبو داود والنسائي وابن خزيمة عن علي قال : لما مات أبو طالب قلت : يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات قال : اذهب فواره قال : إنه مات مشركا قال : اذهب فواره وفيه أن عذاب الكفار متفاوت وأن الكافر قد ينفعه عمله الصالح في الآخرة.
قال ابن حجر : لكنه مخالف للقرآن ، قال تعالى * (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) * وأجيب باحتمال أن هذا من خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم وبأن منع التخفيف إنما يتعلق بذنب الكفر لا غيره وبذلك يحصل التوفيق بين هذا الحديث وما أشبهه وبين قوله تعالى * (لا يخفف عنهم العذاب) * (حم م عن ابن عباس) وفي الباب أبو سعيد وجابر وغيرهما.
2774 (أهون الربا) بموحدة تحتية (كالذي ينكح) أي يطأ (أمه) في عظم الجرم وفظاعة الإثم (إن

(3/89)


أربى الربا) أشده وأعظمه (استطالة المرء في عرض أخيه) في الإسلام أي احتقاره والترفع عليه والوقيعة فيه وذكره بما يؤذيه أو يكرهه (أبو الشيخ [ ابن حبان ]) في كتاب (التوبيخ عن أبي هريرة).
2775 (أوتروا) من الوتر بفتح أوله وبكسر والفتح لغة أهل الحجاز الفرد أي صلوا صلاة الوتر (قبل أن تصبحوا) أي تدخلوا في الصباح يعني في أية ساعة من الليل فيما بين صلاة العشاء والفجر ولا يختص بوقت من الليل فإذا طلع الفجر خرج وقته وفيه إيماء إلى أن تأخيره أفضل أي لمن وثق باليقظة (حم م ت ه عن أبي سعيد) قال : سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الوتر فذكره الحاكم واستدركه فوهم.
2776 (أوتيت) بالبناء للمجهول (مفاتيح) وفي رواية مفاتح (كل شئ إلا الخمس) المذكورة في قوله تعالى (* (إن الله عنده علم الساعة) * الآية) بكمالها ومنه أخذ أنه ينبغي للمفتي والعالم إذا سئل عن ما لم يعلم أن يقول لا أعلم ولا ينقصه ذلك بل هو آية ورعه وتقواه ووفور علمه ومن ثم قال علي كرم الله وجهه : وأبرد ما علي كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول لا أعلم (طب عن ابن عمر) بن الخطاب.
2777 (أوتي موسى الألواح وأوتيت المثاني) أي السور التي تقصر عن المئين فتزيد على المفصل كأن المئين جعلت مبادي والتي تليها مثاني (أبو سعيد النقاش) بفتح النون وشد القاف وبعد الألف شين معجمة نسبة لمن ينقش السقوف وغيرها بغدادي في حديثه مناكير (في فوائد العراقيين) أي في جزئه الحديثي الذي جمعه في ذلك (عن ابن عباس).
2778 (أوثق عرى الإيمان) أي أقواها أو أثبتها وأحكمها جمع عروة وهي في الأصل ما يعلق به نحو دلو أو كوز فاستعير لما يتمسك به من أمر الدين ويتعلق به من شعب الإيمان وقال الحرالي : العروة ما يشد به العباءة ونحوها يتداخل بعضها في بعض دخولا لا ينفصم بعضه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم جميعه وقال الزمخشري : هذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصور السامع كأنه ينظر إليه بعينه فبحكم اعتقاده والتيقن به (الموالاة) أي

(3/90)


التحابب والمعاونة (في الله) أي فيما يرضيه (والمعاداة في الله) أي فيما يبغضه ويكرهه (والحب في الله والبغض في الله عز وجل) قال مجاهد : عن ابن عمر فإنك لا تنال الولاية إلا بذلك ولا تجد طعم الإيمان حتى تكون كذلك اه.
ومن البغض في الله بغض كثير ممن ينسب نفسه للعلم في زمننا لما أشرق عليهم من مظاهر النفاق وبغضهم لأهل الخير فيتعين على من سلم قلبه من المرض أن يبغضهم في الله لما هم عليه من التكبر والغلظة والأذى للناس قال الشافعي : عاشر الكرام تعش كريما ولا تعاشر اللئام فتنسب إلى اللؤم ومن ثم قيل مخالطة الأشرار خطر ومبالغة في الغرر كراكب بحر إن سلم من التلف لم يسلم قلبه من الحذر (طب عن ابن عباس) وفي الباب عن البراء أيضا كما خرجه الطيالسي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تدرون أي عرى الإيمان أوثق ؟ قلنا : الصلاة ؟ قال : الصلاة حسنة وليست بذلك ، قلنا : الصيام ؟ قال : مثل ذلك حتى ذكرنا الجهاد فقال : مثل ذلك ثم ذكره.
2779 (أوجب) فعل ماض أي عمل الداعي عملا وجبت له به الجنة أو فعل ما يجب به الجنة والأول لابن حجر والثاني للمؤلف (إن ختم) دعاءه (بآمين) أي يقول آمين فذلك الفعل مما يوجب الجنة ويبعده من النار ويحتمل أن المراد أن إعطاءه المسؤول صار واجبا بذلك (د عن أبي زهير النميري) بضم النون وفتح الميم وسكون المثناة نسبة إلى نمير بن عامر بن صعصعة قال : ألح رجل في المسألة فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يستمع منه فذكره.
2780 (أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء) أي أعلمه بواسطة الملك جبريل أو غيره والوحي لغة إعلام في خفاء وسرعة وشرعا إعلام الله نبيه بما شاء (أن قل لفلان العابد) الملازم لعبادتي (أما زهدك في الدنيا فتعجلت به راحة نفسك) الزاهد في الدنيا المنقطع للتعبد إذ الزهفيها يريح القلب والبدن كما قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : أمت مطامعي فأرحت نفسي * فإن النفس ما طمعت تهون وأحييت القنوع وكان ميتا * وفي إحيائه عرضي مصون والراحة زوال المشقة والتعب كما في المصباح وغيره (وأما انقطاعك لي) أي لأجل عبادتي
(فتعززت بي) أي صرت بي عزيزا (فماذا عملت فيما لي عليك قال : يا رب وماذا لك علي قال) أي الله لنبيه قل له (هل عاديت في عدوا أو واليت في وليا) زاد الحكيم في روايته وعزتي لا ينال رحمتي من لم

(3/91)


يوال في ولم يعاد في اه.
فذلك العابد ظن أنه بزهده في الدنيا وانقطاعه عن أهلها قد بلغ الغاية وارتقى النهاية فأعلمه الله بأن ذلك مشوب بحظوظ نفسانية وأن ترك بعض ما لا يزن كله عند الله جناح بعوضة ليس بكبير أمر بالنسبة لأولئك الكمل ، وإنما الذي عليه التعويل التصلب في مباراة أعداء الله ومباعدتهم ومعاداتهم * (أولئك حزب الشيطان) * فلا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من مولاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله بل هو الإخلاص بعينه فإذا أحببت الأشياء من أجله وعاديت الأشياء من أجله فقد أحببته بل ليس معنى حبنا له غير ذلك ذكره العارف ابن عربي وغيره وعلم منه أن الحب في الله والبغض في الله مرتبة من وراء مقام الزهد أعلى منه وأن من زهد في الدنيا لينال نعيم الآخرة ليس بزاهد كامل لأنه تعوض باق عن فان وقد انتقل من رغبة فيما سوى الله إلى رغبة فيما سواه أعلى منها وذلك كله من جملة معاملة الأكوان فلم تخلص معاملته لله وإنما تخلص إذا زهد في مقام الزهد بمعنى أنه لم ير له ملكا لشئ في الدارين حتى يزهد فيه كما قال بعضهم : ترحل عن مقام الزهد قلبي * فأنت الحق وحدك في شهودي أأزهد في سواك وليس شئ * أراه سواك يا سر الوجودي (حل خط) في ترجمة محمد بن الورد الزاهد (عن ابن مسعود) وفيه علي بن عبد الحميد قال الذهبي : مجهول وخلف بن خليفة أورده في الضعفاء وقال ثقة كذبه ابن معين.
2781 (أوحى الله تعالى إلى ابراهيم : يا خليلي) أي يا صديقي فيا له من خطاب ما أشرفه (حسن خلقك) بضم اللام مع سائر الأنام (ولو مع الكفار) فإنك إن فعلت ذلك (تدخل مداخل الأبرار) أي الصادقين الأتقياء الذين أحسنوا طاعة مولاهم ، تحروا محابه وتوقوا مكارهه (فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله في عرشي) أي في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظله (وأن أسكنه حظيرة قدسي) أي جنتي وأصل الحظيرة موضع يحاط عليه لتأوي إليه الإبل والغنم يقيها نحو برد وريح وأن
أدنيه من جواري بكسر الجيم وضمها والكسر أفصح أي أقربه مني يقال جاوره مجاورة وجوارا إذا لاصقه في المسكن وقد امتثل هذا السيد الجليل أمر ربه فبلغ من حسن الخلق وكمال الدربة ما لم يبلغه أحد سواه إلا ما كان من ولده نبينا ، انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم والزيغ الشنيع الذي عصى أمر العقل وانسلخ من قضية التمييز والغباوة التي لبس بعدها شئ كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق وساقه في أرشف مساق مع استعماله الملاطفة والمجاملة والرفق واللين والأدب الجميل وكمال حسن الخلق منتصحا في ذلك بنصيحة ربه مسترشدا بإرشاده (تنبيه) قال الراغب : التخلق والتشبيه بالأفاضل ضربان محمود وهو ما كان على سبيل الارتياض والتدرب على

(3/92)


الوجه الذي ينبغي وبالمقدار الذي ينبغي ، ومذموم وهو ما كان رياء وتصنعا ويتحراه فاعله ليذكر به ويسمى تصنعا وتشيعا ولا ينفك صاحبه من اضطرا ب يدل على تشيعه.
(فائدة) قال العارف ابن عربي ينبغي لطالب مقام الخلة أن يحسن خلقه لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم طائعهم وعاصيهم وأن يقوم في العالم مقام الحق فيهم فإن المرء على دين خليله من شمول الرحمة وعموم لطائفه من حيث لا يشعرهم أن ذلك الإحسان منه فمن عامل الخلق بهذه الطريقة صحت له الخلة وإذا لم يستطع بالظاهر لعدم الموجود أمدهم بالباطن فيدعو لهم بينه وبين ربه وهكذا حال الخليل فهو رحمة كله.
(الحكيم) الترمذي عن أبي هريرة قال الزيلعي : وهذا معضل (طس عن أبي هريرة) وضعفه المنذري ولم يوجهه وقال الهيثمي : فيه مؤمل بن عبد الرحمن وهو ضعيف.
2782 (أوحى الله إلى داود) عليه السلام يا داود (أن قل للظلمة لا يذكروني فإني أذكر من يذكرني وإن ذكري إياهم أن ألعنهم) أي أطردهم عن رحمتي وأبعدهم عن إكرامي ودار كرامتي قال حجة الإسلام : هذا في عا ص غير غافل في ذكره فكيف إذا اجتمعت الغفلة والعصيان (ابن عساكر) في ترجمة داود (عن ابن عباس) قضية صنيع المؤلف أنه لم يره مخرجا لأحد من المشاهير وهو قصور فقد
خرجه الحاكم والبيهقي في الشعب والديلمي باللفظ المزبور عن ابن عباس المذكور.
2783 (أوحى الله إلى داود) عليه الصلاة والسلام (ما من عبد يعتصم) أي يتمسك (بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته) أي والحال أني أعرف من نيته أنه يستمسك بي وحدي وأن ظاهره كباطنه في الإلتجاء والتعويل علي وحدي وفي بعض النسخ أعرف ذلك من قلبه بدل نيته (فت كيده السماوات) السبع (بمن فيها) من الملائكة وغيرهم والكواكب وأفلاكها وغير ذلك من سائر خلق الله أي يخدعونه ويمكرون به يقال كاده كيدا أخدعه ومكر به والاسم المكيدة (إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا) أي مخلصا من خداعهم له ومكرهم قال به بعضهم : وإنما قال تعالى أعرف ذلك إلخ وفيه نصرته بذلك إشارة إلى أنه مقام يعز وجوده في غالب الناس ولهذا قال في الحكم لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك فكيف يرفع غيره ما كان له هو واضعا من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها من غيره دافعا اه في بعض الكتب المنزلة : يقول الله : وعزتي وجلالي وارتفاعي في علو مكاني لأقطعن أمل كل مؤمل لغيري باليأس ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس ولأنحينه من قربي

(3/93)


ولأقطعنه من وصلي أتؤمل غيري وأنا الكريم وتطرق أبواب الغير وبيدي مفاتيحها وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني من ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به دونها ومن ذا الذي رجاني لعظيم وقطعت رجاه (وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء من يديه) أي حجبت ومنعت عنه الطرق والجهات والنواحي التي يتوصل بها إلى الاستعلاء والسمو ونيل المطالب وبلوغ المآرب فمن اعتصم بمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا واغتر بعرض الدنيا فهو المخذول في دينه الساقط من عين الله قال في الصحاح : السبب كل شئ يتوصل به إلى غيره وأسباب السماء نواحيها قال الزمخشري : الأسباب الوصل وتقول ما لي إليه سبب أي طرق والسمو العلو ويقال سما يسمو سموا علا ومنه قيل سمت همته إلى معالي الأمور إذا طلب العز والشرف (وأرسخت الهوى من تحت قدميه) يحتمل أن الهوى بضم الهاء وكسر الواو وهو السقوط من علو إلى أسفل ويكون المعنى أثبت الهوى تحت قدميه فلا يزال في مهواه هابطا عن منازل العز والشرف متباعدا عن مولاه ويحتمل أنه الهوى
بالقصر وهو ميل النفس وإشرافها إلى مذموم والهوى أيضا الشئ الخالي ، ومن كلامهم لا تتبع الهوى فمن تبع الهوى قال الإمام الرازي في تفسيره : الذي جربته طول عمري أن الإنسان كلما عول في أمر على غير الله صار سببا للبلاء والمحنة وإذا عول على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل المطلوب على أحسن وجه فهذه التجربة قد استمرت من أول عمري إلى هذا الوقت ، فعلم أن كل من استند في نصرته إلى الخلق بنفسه أو بوكيله أو بقلبه تخلفت عنه نصرة الحق تعالى إلا أن يكون مشهده أن نصرة الخلق من جملة نصرة الحق تعالى له من جهة أنه الملهم لهم أن ينصروه فإنه تعالى ينصر عبده بواسطة وبدونها والكل منه فلا يقدح ذلك في مقام الاستناد إليه تعالى بل هو أكمل لأن فيه استعمال الآلة وعدم تعطيلها (وما من عبد يطيعني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني وغافر له) ما فرط منه من الصغائر ومقيلا له ما سقط فيه من هفوة أو عثرة (قبل أن يستغفرني) أي قبل أيطلب مني الغفر أي الستر وإنما نزلناه على الصغائر والهفوات لأنه فرضه أولا مطيعا له (ابن عساكر) في التاريخ (عن كعب بن مالك) ورواه عنه الديلمي أيضا في الفردوس.
2784 (أوسعوا مسجدكم) أيها المؤمنون الذين يعمرون مسجدا (تملؤوه) أي فإنكم مستكثرون حتى تملؤوه لأن الناس سيدخلون في دين الله أفواجا فلا تنظروا إلى قلة عددكم اليوم وأصل الوسع تباعد الأطراف والحدود ذكره الحرالي (طب) وكذا أبو نعيم والخطيب (عن كعب بن مالك) قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يبنون مسجدا فذكره قال الهيثمي : وفيه محمد بن درهم ضعيف انتهى وقال الذهبي في المهذب : هو واه ، وفي الميزان عن جمع محمد هذا ضعيف ثم ساق له هذا الحديث وأقول

(3/94)


فيه أيضا يحيى الحماني قال الذهبي في الضعفاء : قال أحمد : كان يكذب جهارا ووثقه ابن معين وقيس بن الربيع ضعفوه وهو صدوق.
2785 (أوشك) بلفظ المضارع أي أقرب وأتوقع قال النحاة : واستعمال المضارع فيه أكثر من الماضي (أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير) أي تستبيح الرجال وطء الفروج على وجه الزنا وتستبيح لبس الحرير الذي حرم عليهم لغير ضرورة وأراد بالأمة طائفتين منهم ويكون ذلك آخر
الزمان.
(ابن عساكر) في التاريخ (عن علي) أمير المؤمنين.
2786 (أوصاني الله بذي القربى) أي ببرهم لأنهم أحق الناس بالمعروف قال الحرالي : هم المتوسلون بالوالدين لما لهم من أكيد الوصلة والقربى فعلي من القرابة وهو قرب في النسب الظاهر أو الباطن ذكره الحرالي (وأمرني أن أبدأ بالعباس ابن عبد المطلب) أي ببره فإنه عمي وعم الرجل صنو الأب فهو أب مجازا (ك عن عبد الله بن ثعلبة) بن صعير بمهملتين مصغرا ويقال ابن أبي صعير قال في التقريب كأصله : له رواية ولم يثبت له سماع.
2787 (أوصي الخليفة من بعدي) قال الحرالي : قيد به لأن الخليفة كثيرا ما يخلف الغائب بسوء وإن كان مصلحا في حضوره (بتقوى الله) أي بمخافته والحذر من مخالفته (وأوصيه) ثانيا (بجماعة المسلمين أن يعظم كبيرهم) قدرا أو سنا (ويرحم صغيرهم) أي كذلك (ويوقر) أي يعظم (عالمهم) بشئ من العلوم الشرعية (وأن لا يضرهم فيذلهم) أي يهينهم ويحقرهم (ولا يوحشهم) أي يبعدهم ويقطع مودتهم ويعاملهم بالجفاء وعدم الوفاء (فيكفرهم) أي يلجئهم إلى تغطية محاسنه ونشر مساوئه وعيوبه ويجحدون نعمته ويتبرأون منه فيؤدي إلى تفرق الكلمة وتحرك الفتنة.
قال الفارابي : الوحشة بين الناس الإنقطاع وبعد القلوب عن المودات وكفر النعمة جحدها وتغطيتها (وأن لا يغلق بابه دونهم) يعني يمنعهم عن الوصول إليه وعرض الظلامات عليه (فيأكل قويهم ضعيفهم) أو يستولي على حقه ظلما قال الزمخشري : من المجاز فلان أكل غنمي وشربها وأكل مالي وشربه ثم الذي رأيته في نسخ البيهقي عقب قوله فيكفرهم وأن لا يخصيهم فيقطع نسلهم وليس قوله وألا يغلق إلخ ثابت في النسخ التي وقفت عليها فليحرر قال ابن العربي : قد جعل الله الخلافة مصلحة للخلق ونيابة عن الحق وضابطا

(3/95)


للقانون وكافا عن الاسترسال بحكم الهوى وتسكينا لثائرة الدماء وثائرة الغوغاء أولهم آدم وآخرهم عيسى والكل خليفة لكن من أطاع الله فهو خليفة له ومن أطاع الشيطان فهو خليفة للشيطان.
(تنبيه) ذهب الصوفية إلى أن الخليفة على الحقيقة بعده القطب قال العارف ابن عربي : حضرت الخلافة التي هي
محل الإرث والأنبياء انتشرت راياتها ولاحت أعلامها وأذعن الكل لسلطانها ثم خفيت بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا تظهر أبدا إلى يوم القيامة عموما لكن قد تظهر خصوصا ، فالقطب معلوم غير معين وهو خليفة الزمان ومحل النظر والتجلي ومنه تصدر الآثار على ظاهر العالم وباطنه وبه يرحم ويعذب وله صفات إذا اجتمعت في خليفة عصر فهو القطب وإلا فهو غيره ومنه يكون الإمداد لملك ذلك العصر (هق عن أبي أمامة) قال الذهبي : في المذهب وهذا لم يخرجوه.
2788 (أوصيك أن لا تكون لعانا) أي أن لا تلعن معصوما فيحرم لعن المعصوم المعين فإن اللعنة تعود على اللاعن كما في خبر سبق وصيغة المبالغة هنا غير مرادة (حم تخ طب) كلهم من طريق عبيد الله بن هودة الفريعي عن رجل من هجيم (عن جرموز) بالجيم الفريعي البصري قال : قلت ، يا رسول الله أوصني فذكره وجرموز قال ابن السكن وابن أبي حاتم : له صحبة ونسبه ابن قانع فقال جرموز (بن أوس) بن جرير الهجيمي قال ابن حجر : ورأيت في رواية قال ابن هودة قال : حدثني جرموز فذكره فلعله سمعه عنه بواسطة ثم سمعه منه والرجل المبهم في الرواية الأولى جزم البغوي وابن السكن بأنه أبو تميمة الهجيمي.
اه وقال الحافظ العراقي : لم يستحضره حيث قال في المغني فيه رجل لم يسم واقتصر على ذلك وقال الهيثمي : رواه أحمد والطبراني من طريق عبيد الله بن هودة عن رجل عن جرموز وهي طريق رجالها ثقات وجرموز له صحبة.
2789 (أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك) قال ابن جرير : هذا أبلغ موعظة وأبين دلالة بأوجز إيجاز وأوضح بيان إذ لا أحد من الفسقة إلا وهو يستحي من عمل القبيح عن أعين أهل الصلاح وذوي الهيئات والفضل أن يراه وهو فاعله والله مطلع على جميع أفعال خلقه فالعبد إذا استحى من ربه استحياءه من رجل صالح من قومه تجنب جميع المعاصي الظاهرة والباطنة فيا لها من وصية ما أبلغها وموعظة ما أجمعها.
(تنبيه) قال الراغب : حق الإنسان إذا هم بقبيح أن يتصور أحدا من نفسه كأنه يراه فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه ولذلك لا يستحي من الحيوان ولا من الأطفال ولا من الذين لا يميزون ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل ومن الجماعة
أكثر ما يستحي من الواحد والذين يستحي منهم الإنسان ثلاثة : البشر ثم نفسه ثم الله تعالى ومن استحى

(3/96)


من الناس ولم يستحي من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره ومن استحى منها ولم يستح من الله فلعدم معرفته بالله ففي ضمن الحديث حث على معرفة الله تعالى.
(الحسن بن سفيان) في جزئه (طب هب) كلهم (سعيد بن يزيد بن الأزور) الأزدي قال الذهبي : روى عنه أبو الخير اليزني وزعم أ له صحبة اه.
قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني فذكره قال الهيثمي : رجاله وثقوا على ضعف فيهم.
2790 (أوصيك بتقوى الله) بأن تطيعه فلا تعصه وتشكره فلا تكفره والتقوى أس كل فلاح ونجاح في الدارين قال الغزالي : ليس في العالم خصلة للعبد أجمع للخير وأعظم للأجر وأجل في العبودية وأعظم في القدر وأدنى بالحال وأنجع للآمال من هذه الخصلة التي هي التقوى وإلا لما أوصى الله بها خواص خلقه فهي الغاية التي لا متجاوز عنها ولا مقتصر دونها.
قد جمع الله فيها كل نصح ودلالة وإرشاد وتأديب وتعليم فهي الجامعة لخيري الدارين الكافية لجميع المهمات المبلغة إلى أعلى الدرجات (والتكبير على كل شرف) أي محل عال من أشرف فلان إلى كذا إذا تطاول له ورماه ببصره ومنه قيل للشريف شريف لارتفاعه على من دونه وهذا قاله لمن قال له أريد سفرا فأوصني فذكره فلما ولى الرجل قال : اللهم ازوي له الأرض وهون عليه السفر قال ابن القيم : وكان النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه إذا علوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا سبحوا فوضعت الصلاة على ذلك (ه عن أبي هريرة) وفيه أسامة بن زيد بن أسلم ضعفه أحمد وجمع وأورده الذهبي في الضعفاء.
2791 (أوصيك بتقوى الله تعالى فإنه رأس كل شئ) إذ التقوى وإن قل لفظها جامعة لحق الحق والخلق شاملة لخير الدارين إذ هي تجنب كل منهي وفعل كل مأمور كما مر غير مرة ومن اتقى الله حفظه من أعدائه ونجاه من الشدائد ورزقه من حيث لا يحتسب وأصلح عمله وغفر زلله وتكفل له بكفلين من رحمته وجعل له نورا يمشي به بين يديه وقبله وأكرمه وأعزه ونجاه من النار إلى غير ذلك مما مر ويأتي ببراهينه (وعليك بالجهاد) أي الزمه (فإنه رهبانية الإسلام) أي أن الرهبان وإن تخلوا عن
الدنيا وزهدوا فيها فلا تخلي ولا زهد أفضل من بذل النفس في سبيل الله فكما أن الرهبانية أفضل عمل أولئك فالجهاد أفضل عملنا والرهبانية ما يتكلفه النصارى من أنواع المجاهدات والتبتل (وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن) أي الزمهما (فإنه) يعني لزومهما (روحك) بفتح الراء راحتك (في السماء وذكرك في الأرض) بإجراء الله ألسنة الخلائق بالثناء الحسن عليك أي عند توفر الشروط والآداب ومنها أن يجمع

(3/97)


حواسه إلى قلبه ويحضر في لبه كل جارحة فيه وينطق بلسانه عن جميع ذوات أحوال جوارحه حتى تأخذ كل جارحة منه قسطها منها وبذلك تنحات عنه الذنوب كما يتحات الورق عن الشجر فلم يقرأ القرآن من لم يكن ذا حاله ولم يذكر من لم يكن كذلك ذكره الحرالي وغيره (حم عن أبي سعيد) قال الهيثمي : رجاله ثقات.
2792 (أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته) أي في باطنه وظاهره والقصد الوصية بإخلاص التقوى وتجنب الرياء فيها قال حجة الإسلام : وإذا أردنا تحديد التقوى على موضع علم السر نقول الحد الجامع تبرئة القلب عن شر لم يسبق عنك مثله بقوة العزم على تركه حتى يصير كذلك وقاية بينك وبين كل شر قال : وهنا أصل أصيل وهو أن العبادة شطران اكتساب وهو فعل الطاعات واجتناب وهو تجنب السيئات وهو التقوى وشطر الاجتناب أصلح وأفضل وأشرف للعبد من الاكتساب يصوموا نهارهم ويقوموا ليلهم واشتغل المنتبهون أولو البصائر والاجتناب إنما همتهم حفظ القلوب عن الميل لغيره تعالى والبطون عن الفضول والألسنة عن اللغو والأعين عن النظر إلى ما لا يعنيهم (وإذا أسأت فأحسن) * (إن الحسنات يذهبن السيئات) * (ولا تسألن أحدا) من الخلق (شيئا) من الرزق ارتقاء إلى مقام التوكل فلا تعلق قلبك بأحد من الخلق بل بوعد الله وحسن كفايته وضمانه * (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) * وقد قال أهل الحق : ما سأل إنسان الناس إلا لجهله بالله تعالى وضعف يقينه بل إيمانه وقلة صبره وما تعفف متعفف إلا لوفور علمه بالله وتزايد معرفته به وكثرة حيائه منه (ولا تقبض أمانة) وديعة أو نحوها مصدر أمن بالكسر أمانة فهو أمين ثم استعمل في
الأعيان مجازا فقيل الوديعة أمانة ونحو ذلك والنهي للتحريم إن عجز عن حفظها وللكراهة إن قدر ولم يثق بأمان نفسه وإن وثق بأمانة نفسه فإن قدر ووثق ندب بل إن تعين وجب (ولا تقض بين اثنين) لخطر أمر القضاء وحسبك في خطره خير من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين والخطاب لأبي ذر وكان يضعف عن ذلك كما صرح به في الحديث (حم عن أبي ذر) قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح وفيه قضية اه.
وقضية كلام المصنف أن هذا هو الحديث بتمامه والأمر بخلافه بل سقط منه بعد ولا تسأل أحدا وإن سقط سوطك هكذا هو ثابت في رواية أحمد وكأنه سقط من القلم.
2793 (أوصيك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله وعليك بتلاوة القرآن وذكر الله فإنه ذكر لك في السماء) يعني يذكرك الملأ الأعلى بسببه بخير (ونور لك في الأرض) أي بهاء وضياء يعلو بين أهل

(3/98)


الأرض وهذا كالمشاهد المحسوس فيمن لازم تلاوته بشرطها من الخشوع والتدبر والإخلاص.
قال الزمخشري : فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هذه المنة والقيام بشكرها (وعليك بطول الصمت) أي الزم السكوت (إلا في خير) كتلاوة وعلم وإنذار مشرف على هلاك وإصلاح بين الناس ونصيحة وغير ذلك (فإنه مطردة للشيطان) أي مبعدة له (عنك) يقال طردته أبعدته كما في الصحاح وغيره وهو مطرود وطريد واطرده السلطان بالألف أمر بإخراجه عن البلد.
وقال الزمخشري : طرده أبعده ونحاه وهو شريد طريد ومشرد مطرد.
قال ابن السكيت : طرده نفاه وقال له اذهب عنا (وعون لك على أمر دينك) أي ظهير ومساعد لك عليه إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب) أي يغمسه في الظلمات فيصيره كالأموات قال الطيبي : والضمير في أنه وفي فإنه يميت واقع موقع الإشارة أي كثرة الضحك تورث قسوة القلب وهي مفضية إلى الغفلة وليس موت القلب إلا الغفلة (ويذهب بنور الوجه) أي بإشراقه وضيائه وبهائه قال الماوردي : واعتياد الضحك شاغل عن النظر في الأمور المهمة مذهل عن الفكر في النوائب المسلمة وليس لمن أكثر منه هيبة ولا وقار ولا لمن وسم به خطر ولا مقدار وقال حجة الإسلام : كثرة الضحك والفرح بالدنيا سم قاتل يسري إلى العروق فيخرج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال القيامة وهذا هو موت القلب * (وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة
إلا متاع) * (عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي) كما تقرر وجهه فيما قبله (أحب المساكين) المراد بهم ما يشمل الفقراء كما سبق في أمثاله (وجالسهم) فإن مجالستهم ترق القلب وتزيد في التواضع وتدفع الكبر (انظر إلى من) هو (تحتك) أي دونك في الأمور الدنيوية (ولا تنظر إلى من) هو (فوقك) فيها (فإنه أجدر) أي أحق وأخلق يقال هو جدير بكذا أي خليق وحقيق (أن لا تزدري نعمة الله عندك) كما سبق بتوجيهه أما في الأمور الأخروية فينظر إلى من فوقه (صل قرابتك) بالإحسان إليهم (وإن قطعوك) فإن قطيعتهم ليست عذرا لك في قطيعتهم (قل الحق) أي الصدق يعني مر بالمعروف وانه عن المنكر (وإن كان مرا) أي وإن كان في قوله مرارة أي مشقة على القائل فإنه واجد أي ما لم يخف على نفسه أو ماله أو عرضه مفسدة فوق مفسدة المنكر الواقع.
قال الطيبي : شبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن يأباه بالصبر فإنه مر المذاق لكن عاقبته محممودة.
قال بعض العارفين : من أمراض النفس التي يجب التداوي منها أن يقول الإنسان أنا أقول ولا أبالي وإن كره المقول له من غير نظر إلى الفضول

(3/99)


ومواطنه ثم تقول : أعلنت الحق وعز عليه ويزكي نفسه ويجرح غيره ومن لم يجعل القول في موضعه أدى إلى التنافر والتقاطع والتدابر ثم إن بعد هذا كله لا يكون ذلك إلا ممن يعلم ما يرضي الله من جميع وجوهه المتعلقة بذلك المقام لقوله سبحانه وتعالى * (لا خير في كثير من نجواهم) * الآية ثم قال : * (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله) * ثم زاد في التأكيد في قول الحق قوله (لا تخف في الله لومة لائم) أي كن صلبا في دينك إذا شرعت في إنكار منكر وأمر بمعروف وامض فيه كالمسامير المحماة يرعك قول قائل ولا اعتراض معترض (ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك) أي ليمنعك عن التكلم في أعراض الناس والوقيعة فيهم ما تعلم من نفسك من العيوب فقلما تخلو أنت من عيب يماثله أو أقبح منه وأنت تشعر أو لا تشعر (ولا تجد عليهم فيما يأتون) أي ولا تغضب عليهم فيما يفعلونه معك يقال وجد عليه موجدة غضب (وكفى بالمرء عيبا أن يكون فيه ثلاث خصال أن يعرف من الناس ما يجهل من نفسه) أي يعرف من عيوبهم ما يجهله من نفسه (ويستحي لهم مما هو فيه) أي ويستحي منهم أن يذكروه مما هو فيه من النقائص مع إصراره عليها وعدم إقلاعه عنها
(ويؤذي جليسه) بقول أو فعل ولهذا روي أن أبا حنيفة كان يحيي نصف الليل فمر يوما في طريق فسمع إنسانا يقول هذا الرجل يحيي الليل كله فقال : أرى الناس يذكرونني بما ليس في فلم يزل بعد ذلك يحيي الليل كله وقال : أنا أستحي من الله أن أوصف بما ليس في من عبادته (يا أبا ذر لا عقل كالتدبير) أي في المعيشة وغيرها والتدبير نصف المعيشة (ولا ورع كالكف) أي كف اليد عن تناول ما يضطرب القلب في تحليله وتحريمه فإنه أسلم من أنواع ذكرها المتورعون من التأمل في أصول المشتبه والرجوع إلى دقيق النظر عما حرمه الله (ولا حسب) أي ولا مجد ولا شرف (كحسن الخلق) بالضم إذ به صلاح الدنيا والآخرة وناهيك بهذه الوصايا العظيمة القدر الجامعة من الأحكام والحكم والمعارف ما يفوق الحصر فأعظم به من حديث ما أفيده.
(عبد بن حميد في تفسيره) أي تفسيره للقرآن (طب عن أبي ذر) ورواه عنه أيضا ابن لال والديلمي في مسند الفردوس.
2794 (أوصيك يا أبا هريرة بخصال أربع لا تدعهن) أي لا تتركهن أبدا ما بقيت أي مدة

(3/100)


بقائك في الدنيا فإنهن مندوبات ندبا مؤكدا (عليك بالغسل يوم الجمعة) أي الزمه وداوم عليه فلا تهمله إن أردت حضورها وإن لم تلزمك وأول وقته من صادق الفجر والأفضل تقريبه من رواحه إليها فإن عجز عن الماء تيمم بدلا عنه (والبكور إليها) من طلوع الفجر إن لم تكن معذورا ولا خطيبا وفيه رد على مالك في ذهابه إلى عدم ندب التبكير (ولا تلغ) أي لا تتكلم باللغو في حال الخطبة يقال لغا الرجل تكلم باللغو وهو اختلاط الكلام ولغا به تكلم به فالكلام حال الخطبة على الحاضرين مكروه عند الشافعية حرام عند الأئمة الثلاثة والخلاف في غير الخطيب ومن لم يستقر في محل ومن خاف وقوع محذور بمحترم وظن وقوعه به إن سكت وإلا فلا حرمة بل يجب الكلام في الأخيرة (ولا تله) أي لا تشتغل عن استماعها بحديث ولا غيره فإنه مكروه عند الشافعية حرام عند غيرهم بل يحرم عند الشافعية أيضا على بعض الأربعين الذين يلزمهم كلام فوته سماع ركن (وأوصيك) أيضا بخصال ثلاث لا تدعهن أبدا ما بقيت في الدنيا عليك (بصيام ثلاثة أيام من كل شهر) من أي أيام الشهر كانت
فإنه مندوب مؤكد ويسن كون تلك الثلاث هي البيض وهي الثالث عشر وتالياه كما بينه في الخبر المار وهو قوله إن كنت صائما إلخ (فإنه) أي صيامها (صيام الدهر) أي بمنزلة صيامه لأن الحسنة بعشر أمثالها فاليوم بعشرة والشهر ثلاثين فذلك عدد أيام السنة (وأوصيك بالوتر) أي بصلاته ندبا مؤكدا عند الشافعية ووجوبا عند الحنفية ووقته بين العشاء والفجر ووقت اختياره إلى ثلث الليل إن أردت تهجدا أو لم تعتد اليقظة آخر الليل فحينئذ تصليه (قبل النوم) فإذا أردت تهجدا ووثقت بيقظتك فالأفضل تأخيره إلى آخر صلاة الليل التي يصليها بعد نومه (وأوصيك بركعتي الفجر) أي بصلاتهما والمحافظة عليهما (لا تدعهما) لا تتركهما ندبا (وإن صليت الليل كله) فإنه لا يجزئ عنهما (فإن فيهما الرغائب) أي ما يرغب فيه من عظيم الثواب جمع رغبة وهي العطاء الكثير ومن ثم كانت أفضل الرواتب مطلقا فيكره تركها بل حرمه بعض الأئمة.
(ع عن أبي هريرة) وفيه سليمان بن داود اليماني قال الذهبي : ضعفوه.
2795 (أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم) أي أهل القرن الثاني قال ابن العربي : أوصيكم بأصحابي إلخ وليس هناك أحد غيرهم يكون الموصى به غيرهم وإنما المراد ولاة أمورهم فكانت هذه وصية على العموم (ثم) بعد ذلك (يفشوا الكذب) أي ينتشر بين الناس بغير نكير (حتى يحلف الرجل)

(3/101)


تبرعا (ولا يستحلف) أي لا يطلب منه الحلف لجرأته على الله (ويشهد الشاهد ولا يستشهد) أي لا يطلب منه الشهادة يجعل ذلك منصوبة لشئ يتوقعه من حطام الدنيا قال ابن العربي : وقد وجدنا وقوع ذلك في القرن الثاني لكنه قليل ثم زاد في الثالث ثم كثر في الرابع وقوله يحلف ولا يستحلف إشارة إلى قلة الثقة بمجرد الخبر لغلبة التهمة حتى يؤكد خبره باليمين وقوله يشهد ولا يستشهد أي يبديها من قبل نفسه زورا (ألا لا يخلون رجل بامرأة) أي أجنبية (إلا كان الشيطان ثالثهما) بالوسوسة وتهييج الشهوة ورفع الحياء وتسويل المعصية حتى يجمع بينهما بالجماع أو فيما دونه من مقدماته التي توشك أن توقع فيه والنهي للتحريم واستثنى ابن جرير كالثوري ما منه بد كخلوته بأمة زوجته التي
تخدمه حال غيبتها (وعليكم بالجماعة) أي أركان الدين والسواد الأعظم من أهل السنة أي الزموا هديهم فيجب اتباع ما هم عليه من العقائد والقواعد وأحكام الدين قال ابن جرير : وإن كان الإمام في غيرهم وعلم منه أن الأمة إذا أجمعت على شئ لم يجز خلافها (وإياكم والفرقة) أي احذروا الإنفصال عنها ومفارقتهم ما أمكن يقال فرقت بين الشيئين فصلت بينهما وفرقت بين الحق والباطل فصلت أيضا (فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد ، من أراد بحبوحة الجنة) بضم الموحدتين أي من أراد أن يسكن وسطها وأخصبها وأحسنها وأوسعها مكانا قال في الصحاح : بحبوحة الدار بضم الباءين وسطها قال الزمخشري : ومن المجاز تبحبح في الأمر توسع فيه من بحبوحة الدار وهي وسطها وتبحبحت العرب في لغاتها اتسعت فيها (فليلزم الجماعة) فإن من شذ انفرد بمذهبه عن مذاهب الأمة فقد خرج عن الحق لأن الحق لا يخرج عن جماعتها.
قال الغزالي : ولا تناقض بين هذا وبين الأخبار الآمرة بالعزلة إذ لا تجتمع الأمة على ضلالة فخرق الإجماع والحكم بالعزلة نحو الزم بيتك وعليك بخاصة نفسك لأن قوله عليكم بالجماعة إلخ يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها أنه يعني به في الدين والحكم إذ لا تجتمع الأمة على ضلالة فخرق الإجماع والحكم بخلاف ما عليه جمهور الأمة والشذوذ عنهم ضلال وليس منه من يعتزل عنهم لصلاح دينه ، الثاني عليكم بالجماعة بأن لا تنقطعوا عنهما في نحو الجمع والجماعات فإن فيها جمال الإسلام وقوة الدين وغيظ الكفار والملحدين ، الثالث أن ذلك في زمن الفتنة للرجل الضعيف في أمر الدين (من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن) أي الكامل لأنه لا أحد يفعل ذلك إلا لعلمه بأن له ربا على حسناته مثيبا وسيئاته مجازيا ومن كان كذلك فهو لتوحيد الله مخلصا قال ابن جرير : وفيه تكذيب المعتزلة في إخراجهم أهل الكبائر من الإيمان فإنه سمى أهل الإساءة مؤمنين وإبطال لقول الخوارج هم كافرون وإن أقروا بالإسلام (حم ت ك عن عمر) بن الخطاب قال الترمذي حسن صحيح وقال الحاكم على شرطهما.

(3/102)


2796 (أوصيكم بالجار) أي بالإحسان إليه وكف صنوف الأذى والضرر عنه وإكرامه بسائر الممكن من وجوه الإكرام لما له من الحق المؤكد الذي ما يزال جبريل عليه السلام يؤكد فيه حتى كاد
يورثه قال بعض العارفين : احفظ حق الجوار والجار وقدم الأقرب دارا وتفقدهم بما أنعم الله به عليك فإنك مسؤول وادفع عنهم الضرر وأردف عليهم الإحسان وما سمي جارا لك إلا لميلك بالإحسان له ودفع الضرر عنه وميله لك بذلك من جار إذا مال إذ الجور الميل فمن جعله من الميل إلى الباطل الذي هو الجور عرفا فهو كمن يسمي اللديغ سليما في القبض وإن كان الجار من أهل الجور أي الميل إلى الباطل بكفر أو فسق فلا يمنعك ذلك من رعاية حقه.
قيل : نزل جراد بفناء شريف من العرب فخرج أهل الحي ليأكلوه فسمع أصواتهم فخرج من خبائه وقال : ما تبغون قالوا : جارك الجراد فقال : إذ سميتموه جاري لأقاتلنكم عنه فقاتلهم حتى دفع عنه لكونهم سموه جارا (الخرائطي في) كتاب (مكارم الأخلاق عن أبي أمامة) الباهلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته الجذعاء في حجة الوداع يقول أوصيكم بالجار حتى أكثر فقلنا إنه سيورثه انتهى وظاهر صنيع المصنف أنه لم يره لأشهر من الخرائطي وهو غفلة فقد رواه الطبراني باللفظ المزبور عن أبي أمامة المذكور قال المنذري والهيثمي وإسناده جيد.
2797 (أوفق الدعاء) أي أكثره موافقة للداعي (أن يقول الرجل) في دعائه وذكر الرجل وصف طردي والمراد الإنسان رجلا أو امرأة (اللهم أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي يا رب فاغفر لي ذنبي إنك أنت ربي) لا رب غيرك (وإنه) أي الشأن أنه (لا يغفر الذنوب إلا أنت) لأنك السيد المالك إن غفرت فبفضلك وإن عاقبت فبعدلك وإنما كان هذا أوفق الدعاء لما فيه من الاعتراف بالظلم وارتكاب الجرم ثم الإلتجاء إليه تعالى مضطرا لا يجد لذنبه غافرا غير ربه * (وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) * (محمد بن نصر في الصلاة) أي في كتاب الصلاة له (عن أبي هريرة) رضي الله عنه.
2798 (أوفوا) من الوفاء قال القاضي : وهو القيام بمقتضى العهد وكذا الإيفاء (بحلف الجاهلية (1) أي العهود التي وقعت فيها مما لا يخالف الشرع قال الحرالي : والإيفاء الأخذ بالوفاء (1) قال في النهاية أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذالك الذي ورد النهي عنه بقوله صلى الله عليه وسلم لاحلف في السلام وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الارحام فهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيما حلف كان في
الجاهلية لم يزده إلا شدة يريد المعاقدة على الخير ونصرة الحق.

(3/103)


والوفاء إنجاز الموعود في أمر معهود (فإن الإسلام لم يزده) أي العهد المبرم فيها (إلا شدة) أي شدة توثق فيلزمكم الوفاء به أما ما يخالف الشرع كالفتن والقتال فلا وفاء به (ولا تحدثوا حلفا في الإسلام) أي لا تحدثوا فيه حلفا ما فالتنكير للجنس أو إن كنتم حلفتم أن يعين بعضكم بعضا فإذا أسلمتم فأوفوا به فإن الإسلام يحرضكم على الوفاء به لكن لا تحدثوا مخالفة في الإسلام بأن يرث بعضكم بعضا فإنه لا عبرة به ولا يناقضه أنه حالف بين المهاجرين والأنصار لأن المراد أنه آخى بينهم وبفرض أن المراد التحالف فطريق الجمع ما تقرر (حم ت) في البر (عن ابن عمرو) بن العاص وحسنه.
2799 (أوقد على النار) أي نار جهنم (ألف سنة حتى احمرت) بعدما كانت شفافة لا لون لها ولا ترى والظاهر أنه أراد بالألف فيه وفيما يأتي التكثير وأن المراد الزمن الطويل (ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة كالليل المظلم (1) قال الطيبي : هذا قريب من قوله تعالى * (يوم يحمى عليها في نار جهنم) * أي يوقد الوقود فوق النار أي النار ذات طبقات توقد كل طبقة فوق أخرى اه.
وقيل : ما خلق الله النار إلا من كرمه جعلها الله سوطا يسوق به المؤمنين إلى الجنة وقال بعضهم : النار أربعة نار لها نور بلا حرقة وهي نار موسى عليه الصلاة والسلام ونار لها حرقة ولا نور لها وهي نار جهنم ونار لها حرقة ونور وهي نار الدنيا ونار لا حرقة ولا نور وهي نار السحر (ت ه عن أبي هريرة) مرفوعا وموقوفا قال الترمذي : ووقفه أصح ورواه البيهقي عن أنس قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية * (وقودها الناس والحجارة) * ثم ذكره.
(1) والقصد الاعلام بفظاعتها والتحذير من فعل ما يؤدي إلى الوقوع فيها.
2800 (أولم) أي اتخذ وليمة (ولو بشاة) مبالغة في القلة فلو تقلية لا امتناعية فلا حد لأقلها ولا لأكثرها ونقل القاضي الإجماع على أنه لا حد لقدره المجزئ والخطاب لعبد الرحمن بن عوف الذي تزوج والأمر للندب عند الجمهور وصرفه عن الوجوب خبر هل علي غيرها أي الزكاة قال : لا إلا أن

(3/104)


تطوع وخبر ليس في المال حق سوى الزكاة ولأنها لو وجبت لوجبت الشاة ولا قائل به.
(تنبيه) قال أبو حيان : هذه الواو لعطف حال على حال محذوفة يتضمنها السابق تقديره أولم على كل حال ولو بشاة ولا تجئ هذه الحال إلا منبهة على ما كان يتوهم أنه ليس مندرجا تحت عموم الحال المحذوفة (مالك) في الموطأ (حم ق عد) كلهم في النكاح (عن أنس) بن مالك (خ عن عبد الرحمن بن عوف) وله عدة طرق في الصحيحين والسنن.
2801 (أولياء الله) أي الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة (الذين إذا رؤوا ذكر الله) برؤيتهم يعني أن عليهم من الله سيما ظاهرة تذكر بذكره فإن رؤوا ذكر الخير برؤيتهم وإن حضروا حضر الذكر معهم وإن نطقوا بالذكر فهم يتقلبون فيه كيفما حلوا فمن كان بين يدي ربه وآخرته فإنما يفتتح إذا لقيك بذكره ومن كان أسير نفسه ودنياه فإنما يفتتح إذا لقيك بدنيا فكل يحدثك عما يطلع قلبه فتنبه (الحكيم) الترمذي (عن ابن عباس) قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أولياء الله ؟ فذكره وظاهر صنيع المصنف أنه لا يوجد مخرجا لأشهر من الحكيم ولا أعلى وهو عجب فقد رواه البزار عن ابن عباس رواه عن شيخه علي بن حرب الرازي قال الهيثمي : لم أعرفه وبقية رجاله وثقوا انتهى ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن أبي وقاص.
2802 (أول الآيات) أي علامات الساعة (طلوع الشمس من مغربها) ولفظ رواية مسلم من المغرب والآيات إما أمارات دالة على قرب الساعة فأولها بعث نبينا صلى الله عليه وسلم أو أمارات متوالية دالة على وقوعها والكلام هنا فيها وجاء في خبر آخر أن أولها ظهور الدجال.
قال الحليمي : وهو الظاهر فأولها الدجال فنزول عيسى عليه الصلاة والسلام فخروج يأجوج ومأجوج لأن الكفار في وقت عيسى عليه الصلاة والسلام يفتنون فمنهم من يقتل ومنهم من يسلم وتضع الحرب أوزارها فلو كانت الشمس طلعت قبل من مغربها لم ينفع اليهود إيمانهم أيام عيسى عليه الصلاة والسلام لأن طلوعها يزيل الخطاب ويرفع التكليف ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدا بإسلام من أسلم منهم قال البيهقي : وهو كلام صحيح لو لم يعارض هذا الحديث الصحيح الذي في مسلم إن أول الآيات طلوع الشمس من
المغرب (طب عن أبي أمامة) قال الهيثمي : فيه فضالة بن جبير وهو ضعيف وأنكر هذا الحديث اه.
وقضية تصرف المصنف أن ذا لم يخرجه أحد من الستة وهو ذهول شنيع فقد عزاه الديلمي وغيره بل وابن حجر إلى مسلم وأحمد وغيرهما من حديث ابن عمر باللفظ المذكور مع زيادة وخروج الدابة إلى الناس ضحى.
(تتمة) أخرج عبد بن حميد في تفسيره عن ابن عمر موقوفا يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة قال ابن حجر : وسنده جيد.

(3/105)


2803 (أول الأرض خرابا يسراها ثم يمناها) قال الديلمي : ويروى أسرع الأرضين.
قال أبو نعيم : متفق عليه في الصحة وروى ابن عبد الحكم عن أبي هريرة كما في حسن المحاضرة وغيرها أن مصر أول الأرض خرابا ثم أرمينية على أثرها وفي مسند الفردوس عن حذيفة مرفوعا يبدو الخراب في أطراف الأرض حتى تخرب مصر ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب البصرة وخراب البصرة من العراق وخراب مصر من جفاف النيل ، الحديث ، وفي الجفر الكبير للبسطامي خراب البصرة بالريح وخراب المدينة بالجوع وخراب بلخ بالماء والطاعون وخراب ترمذ بالطاعون وخراب مرو بالرمل وخراب اليمن بالجراد وخراب فارس بالقحط وخراب سمرقند ببني قنطوراء وخراب الشام بعدم الغيث وخراب السند بالريح وخراب سنجار بالرمل وخراب الروم ببني الأصفر وانقراض العرب بالضرب والحرب والطاعون وخراب الجبال بالصواعق والرواجف وخراب فرغانة بالزلازل والصيحة وخراب نسف بالجوع وخراب بخارى بالريح والطاعون وخراب طالقان بالنار وخراب سرخس بالريح والرمل وخراب هداه بالظلام ونيسابور بالريح وهمدان بالبرد والثلج وجرجان بالترك وطبرستان بالفراعنة وأصبهان بالهرج وقسم بالجنون وبغداد بالغرق والخسف والكوفة بالحرق وواسط بريح السموم والبصرة بالأكراد والبحرين بخراب البحر وسجستان بالخسف والنار والشام بالروم وحلوان بالمسيح ومصر من انقطاع النيل ومكة من الحبش وحلب بالأتراك والقدس بالحريق (ابن عساكر) في التاريخ (عن جرير) بن عبد الله وقضية صنيع المصنف أنه لم يره مخرجا لأحد من المشاهير الذين وضع لهم الرموز وهو غفلة فقد رواه الطبراني وأبو نعيم والديلمي وغيرهم باللفظ المزبور عن جابر المذكور.
2804 (أول العبادة) بضم اللام قال أبو البقاء وهي ضمة بناء (الصمت) أي أول مقام السالكين إلى الله تعالى أن لا يشغل أحدهم لسانه بغير ذكر الله قال رجل لبعض العارفين : أوصني قال : اجعل لدينك غلافا كغلاف المصحف لئلا يدنسه قال : وما غلاف الدين ؟ قال : ترك الكلام إلا فيما لا بد منه وترك طلب الدنيا إلا ما لا بد منه وترك مخالطة الناس إلا فيما لا بد منه (هناد) بن السري التميمي الدارمي الحافظ الزاهد كان يقال له راهب الكوفة لتعبده (عن الحسن) البصري (مرسلا).
2805 (أول الناس هلاكا قريش) أي القبيلة بأسرها بنحو قتل أو فناء (وأول قريش هلاكا أهل بيتي) فهلاكهم من أشراط الساعة وأمارتها الدالة على قرب قيامها (طب) وكذا أبو يعلى (عن عمرو بن العاص) وفيه ابن لهيعة ومقسم مولى ابن عباس أورده البخاري في كتاب الضعفاء الكبير وضعفه ابن حزم وغيره.

(3/106)


2806 (أول الناس فناء) بالمد موتا وانقراضا (قريش وأول قريش فناء بنو هاشم) أي والمطلب كما يدل عليه ما قبله أي فيكون انقراضهم من علامات الساعة وأشراطها ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس كما يأتي.
(حم ع عن ابن عمرو) بن العاص وفيه ابن لهيعة.
2807 (أول الوقت) أي إيقاع الصلاة أول وقتها (رضوان الله) بكسر الراء وضمها بمعنى الرضا وهو خلاف السخط (وآخر الوقت عفو الله) قال الصديق ثم الشافعي : رضوانه أحب إلينا من عفوه وفيه دليل للشافعية على ندب تعجيل الصبح وعدم ندب الإسفار الذي قال به الحنفية وفيه أيضا تعجيل العشاء أول الوقت لخوف الفوت فإن قيل : قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وتأخير العشاء قلنا : محمول على فضيلة صلاة الليل أو على انتظاره الخبر من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة والوقت الزمان المفروض للعمل ولهذا لا يكاد يقال إلا مقدرا نحو وقت كذا * (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) * (قط عن جرير) سكت المؤلف عليه فلم يشر إليه بعلامة الضعف وكأنه ذهل عن قول الذهبي في التنقيح في سنده كذاب انتهى وعن قول ابن
عبد الهادي عن معين فيه الحسين بن حميد كذاب ابن كذاب وأورده ابن الجوزي في الواهيات وقال لا يصح وقال ابن حجر في سنده من لا يعرف وقال في الباب ابن عمر وابن عباس وعلي وأنس وأبو محذورة وأبو هريرة فحديث ابن عمر رواه الترمذي والدارقطني وفيه يعقوب بن الوليد المدني كان من كبار الكذابين وحديث ابن عباس رواه البيهقي في الخلافيات وفيه نافع أبو هرمز متروك وحديث علي رواه البيهقي عن أهل البيت وقال أظن سنده أصح ما في الباب قال أعني ابن حجر : ومع ذلك هو معلول ولهذا قال الحاكم لا أحفظ الحديث من وجه يصح وحديث أنس خرجه ابن عدي والبيهقي وقد تفرد به بقية عن مجهول مثله وحديث أبي محذورة رواه الدارقطني وفيه إبراهيم بن زكريا متهم وحديث أبي هريرة ذكره البيهقي وقال هو معلول انتهى.
2808 (أول الوقت رضوان الله ووسط الوقت رحمة الله) أي تفضله وإحسانه (وآخر الوقت عفو الله) أي مغفرته ومحوه لذنب من قصر وأخر الصلاة إلى آخر وقتها بحيث كاد يخرج بعضها عنه وقد أفاد هذا الحديث وما قبله طلب تعجيل الصلاة أول وقتها وحرمة إخراج بعضها عن الوقت.
(قط عن أبي محذورة) الجمحي المؤذن صحابي مشهور اسمه أوس أو سمرة أو سلمة أو سليمان وأبوه معين بكسر الميم وسكون المهملة وفتح التحتية أو عمير.

(3/107)


2809 (أول بقعة) بضم الباء على الأشهر الأكثر فتجمع على بقع كغرفة وغرف وتفتح فتجمع على بقاع ككلبة وكلاب وهي القطعة من الأرض (وضعت من الأرض) أي من هذه الأرض التي نحن عليها (موضع البيت) الحرام أي الكعبة فله سر الأولية في المعابد كما قال تعالى * (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا) * وفي رواية لمسلم أول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام ثم الأقصى.
قال الطيبي : لفظ الحديث موافق للفظ الآية والوضع غير والبناء غير ومعنى وضع الله جعله متعبدا قال الإمام الرازي : دلالة الآية على الأولية في الفضل والشرف أمر لا بد منه لأن المقصود الأولى من ذكر الأولية بيان الفضيلة ترجيحا له على بيت المقدس ولا تأثير لأوليته في البناء في هذا القصد (ثم مدت) بالبناء للمجهول أي بسطت (منها الأرض) من سائر جوانبها فهي وسط
الأرض وقطبها (وإن أول جبل وضعه الله على ظهر الأرض أبو قبيس) بمكة وهو معروف (ثم مدت منه الجبال) واختلف في أول من بنى البيت قيل آدم وقيل شيث وقيل الملائكة قبل آدم ثم رفع في الطوفان فكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يحجونه ولا يعلمون محله حتى بواه الله لإبراهيم عليه الصلاة والسلام فبناه.
(تنبيه) في الروض الأنف : أول من بنى المسجد الحرام في الإسلام عمر وذلك أن الناس ضيقوا على الكعبة وألصقوا دورهم بها فقال : إنها بيت الله ولا بد للبيت من فناء وأنكم دخلتم عليها ولم تدخل عليكم فاشترى الدور وهدمها وبنى المسجد المحيط بها ثم وسعه عثمان وزاد ابن الزبير في إتقانه لا في سعته (هب عن ابن عباس) وفيه عبد الرحمن بن علي بن عجلان القرشي قال في الميزان : عن العقيلي فيه جهالة وحديثه غير محفوظ ثم ساق له هذا الخبر وفيه أيضا من لا يعرف.
2810 (أول تحفة المؤمن) أي الكامل الإيمان والتحفة كرطبة ويجوز الضم والسكون وفي القاموس بالضم وكهمزة فظاهره أنها ما أتحفت به غيرك من البر واللطف كما في الصحاح وغيره (أن يغفر) بالبناء للمفعول أي يغفر الله لمن صلى عليه صلاة الجنازة إكراما له وفي رواية لمن خرج في جنازته إذ من شأن الملك إذا قدم عليه بعض خدمه بعد طول غيبته أن يتلقاه ببشرى وكرامة وأن يخلع عليه ويجيزه بجائزة سنية فإذا قدم العبد على سيده أتحفه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت وأولها المغفرة للمصلين والحاملين لأنهم شيعوه إعظاما إلى بابه واهتموا بشأنه متقربين بذلك إلى مولاه فجعل المغفرة لهم تحفة له لان حامل الهدية وموصلها لا بد له من جائزة وإذا كان لو أهدي لبعض ملوك الدنيا هدية لم يرض في حقه بانصراف من أحضرها إليه خائبا وقد عد ذلك ازدراءا بالهدية فما بالك بأكرم الأكرمين (الحكيم) الترمذي (عن أنس) من حديث معبد بن مسرور العبدي عن الحكم بن سنان بن عون عن

(3/108)


النميري والحكم بن سنان قال الذهبي : ضعفوه وزياد النميري أورده في الضعفاء وقال صالح : الحديث ابتلي برواة ضعفاء ورواه الخطيب عن جابر والديلمي عن أبي هريرة وفيه عنده عبد الرحمن بن قيس رمي بالكذب ولأجله حكم الحاكم على الحديث بالوضع وعده ابن الجوزي من الموضوعات.
2811 (أول جيش من أمتي يركبون البحر) للغزو (قد أوجبوا) أي فعلوا فعلا وجبت لهم به الجنة أو أوجبوا لأنفسهم المغفرة والرحمة بذلك والبحر معروف وحقيقته الماء الكثير المجتمع في فسحة سمي به لعمقه واتساعه ويطلق على الملح والعذب والمراد هنا الملح ومعنى ركوبه الاستعلاء على ظهره كما تركب الدابة وهو مجاز إذ الركوب إنما هو على السفن حقيقة فيه فحذف ذلك اتساعا لدلالة الحال عليه (وأول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر) ملك الروم يعني القسطنطينية أو المراد مدينته التي كان بها يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وهي حمص وكانت دار مملكته إذ ذاك (مغفور لهم) لا يلزم منه كون يزيد بن معاوية مغفورا له لكونه منهم إذ الغفران مشروط بكون الإنسان من أهل المغفرة ويزيد ليس كذلك لخروجه بدليل خاص ويلزم من الجمود على العموم أن من ارتد ممن غزاها مغفور له وقد أطلق جمع محققون حل لعن يزيد به حتى قال التفتازاني : الحق أن رضى يزيد بقتل الحسين وإهانته أهل البيت مما تواتر معناه وإن كان تفاصيله آحادا فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.
قال الزين العراقي : وقوله بل في إيمانه أي بل لا يتوقف في عدم إيمانه بقرينة ما قبله وما بعده (فائدة) قال البسطامي في كتاب الجفر : القسطنطينية مدينة بناها قسطنطين الملك وهو أول من أظهر دين النصرانية ودونه وهي مدينة مثلثة الشكل منها جانبان في البحر وجانب في البر ولها سبعة أسوار وسمك سورها الكبير أحد وعشرون ذراعا وفيه مائة باب وبابها الكبير يسمى باب الذهب وهو باب مموه بالذهب وفيها منارة من نحاس قد قلبت قطعة واحدة وليس لها باب وفيها منارة قريبة من مارستانها قد ألبست كلها بالنحاس وعليها قبر قسطنطين وهو راكب على فرس وقوائمه محكمة بالرصاص ما عدا يده اليمين فإنها مطلقة في الهواء كأنه سائر وقسطنطين على ظهره ويده موقوفة في الجو وقد فتح كفه يشير نحو بلاد الشام ويده اليسرى فيها كسرة مكتوب عليها ملكت الدنيا حتى بقيت في كفي مثل هذه الكسرة وخرجت منها كما ترى.
(خ عن أم حرام) بحاء وراء مهملتين (بنت ملحان) بن خالد بن يزيد ابن حرام الأنصارية النجارية خالة أنس وزوجة عبادة بن الصامت يقال لها العميصاء والرميصاء لها مناقب وكان أهل الشام يستسقون بها.
2812 (أول خصمين يوم القيامة جاران) لم يحسن أحدهما جوار صاحبه ولم يف له بحقه ، ومقصود الحديث الحث على كف الأذى عن الجار وإن جار وأنه تعالى يهتم بشأنه وينتقم للجار المظلوم

(3/109)


من الظالم ويفصل القضاء بينهما وإلا فمن شعائر الإيمان الكف عن أذى الجيران وعدم منازعتهم ومعارضتهم فيما يصدر منهم وعنهم من الأضرار وسوء [ ص 85 ] العشرة والجوار ويجب أن تعلم أن ذلك ليس إلا بتسليط الله إياهم عليك لما تستوجبه أفعالك الذميمة وما يعفو الله أكثر فالحذر من المنازعة الحذر قال العارف ابن عربي : يا أيها المجادل كم ذا تتعنى ما ذاك إلا لخوفك من العدد وهذا لا يبطل حقيقة الواحد الأحد ولو علمت أن العدد هو الأحد ما شرعت في منازعة أحد (طب) وكذا أحمد (عن عقبة بن عامر) قال العراقي : سنده ضعيف وقال المنذري رواه أحمد والطبراني بإسنادين أحدهما جيد وقال الهيثمي : أحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح غير أبي نسافة وهو ثقة وأعاده بمحل آخر وقال : إسناده حسن.
2813 (أول زمرة) بضم الزاي طائفة أو جماعة والزمر الأفواج المتفرقة بعضها إثر بعض (تدخل الجنة على صورة القمر) أي على صورة مثل صورة القمر (ليلة البدر) ليلة تمامه وكماله في الحسن والإضاءة (والثانية) أي التي تدخل عقبهم تكون (على لون أحسن كوكب دري) بضم الدال وكسرها وراء وياء مشددتين أي مضئ متلألئ كالزهرة في صفائها وزهرتها منسوب إلى الدر أو فعيل من الدرء بالهمزة فإنه يدفع الظلام بضوئه (في السماء) قال المحقق أبو زرعة : ورد في هذا المعنى ما يقتضي ما هو أبلغ من صورة القمر فروى الترمذي مرفوعا لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدت أساوره لطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم وقد يقال إنهم يكونون على صورة القمر عند دخولهم الجنة ثم يزداد إشراق نورهم فيها بدليل قوله لو أن رجلا إلخ أو يقال المذكور هنا إشراق وجوههم من غير حلي والمذكور ثم إشراق حليهم بدليل قوله فبدت أساوره فالزيادة للحلي لا للوجود (لكل رجل منهم زوجتان) في رواية اثنتان لتأكيد التكثير.
قال الطيبي : ثناه للتكثير نحو * (ارجع البصر كرتين) * لا للتحديد لخبر أدنى أهل الجنة الذي له ثنتان وسبعون زوجة فاعترض بأن تأكيد المثنى
باثنتين ورجع ضمير التثنية إليه يدل على أن القصد معنى الإثنينية فلا يبعد أن يكون لكل زوجتان موصوفتين أن (على كل زوجة) منهما (سبعون حلة) يعني حلل كثيرة جدا فالعدد للتكثير لا للتحديد كنظائره بحيث (يبدو مخ ساقها من ورائها) زاد الطبراني كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء وهو كناية عن غاية لطافتهما ويكون له سبعون لسن بهذا الوصف ثم إن هذا اللفظ محتمل لكونهما من نساء الدنيا أو الحور ويؤيد الأول خبر أبي يعلى فيدخل الرجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله واثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما وبعده فلا تعارض بين ذا وخبر أقل ساكني الجنة النساء لأنهن في الجنة باعتبار الحور وأقل ساكنيها نساء الدنيا فنساء الدنيا أقل أهل

(3/110)


الجنة وأكثر أهل النار كما شهدت به الأخبار (حم ت) وكذا الطبراني في الأوسط (عن أبي سعيد) الخدري وكذا ابن مسعود قال الترمذي : حسن صحيح قال الهيثمي : إسناد ابن مسعود صحيح وفي إسناد أبي سعيد عطية والأكثر على ضعفه ثم إن صنيع المصنف يوهم أن ذا لم يتعرض أحد من الشيخين لتخريجه وهو ذهول فقد عزاه الديلمي وغيره إلى البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ أول زمرة تدخل الجنة وجوههم على مثل القمر ليلة البدر والثانية على مثل أضوأ كوكب في السماء لكل رجل منهم زوجتان يرى مخ ساقيهما من وراء الثياب وما في الجنة عزب اه ثم رأيته كذلك في كتاب الأنبياء وخلق آدم عليه السلام وفي مسلم في صفة الجنة عدة أحاديث بنحوه وليس في حديث الترمذي الذي آثره المصنف إلا زيادة عدد الحلل وفي رواية البخاري زيادة نفي وجود الأعزب فيها.
2814 (أول سابق إلى الجنة) أي إلى دخولها (عبد) يعني قن ذكرا كان أو أنثى أو خنثى (أطاع الله) بأن امتثل أوامره وتجنب نواهيه (وأطاع مواليه) أو قال سيده شك راويه أبو صيفي وذلك لأن له أجرين كما مر في عدة أخبار فاستحق بذلك السبق إلى دار القرار والمراد أنه أول سابق بعد من مر أنه أول داخل (تنبيه) قال الرضي : مذهب البصريين أن أول أفعل ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال جمهورهم على أنه من تركيب دول كددن ولم يستعمل هذا التركيب إلا في أول ومتصرفاتها (طس خط عن أبي هريرة)
قال الهيثمي : فيه بشر بن ميمون أبو صيفي وهو متروك وقاغيره وفيه بشر بن ميمون أبو صيفي قال في الميزان : عن البخاري يتهم بالوضع وعن الدارقطني متروك الحديث وعن ابن معين أجمعوا على طرح حديثه ثم أورد له مما أنكر عليه هذا الخبر.
2815 (أول شهر رمضان رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار) أي في أوله يصب الله الرحمة على الصائمين صبا ويسح عليهم البركة سحا وفي وسطه يغفر الله لصوامه وفي آخره يعني في آخر ليلة منه كما ورد في خبر يعتق جمعا حافلا عظيما من النار كانوا قد استوجبوها وهذا تنبيه عظيم بفضل صوامه (ابن أبي الدنيا) أبو بكر (في فضل رمضان) أي في كتاب فضائل رمضان (خط وابن عساكر) في التاريخ كلهم (عن أبي هريرة) ورواه عنه أيضا الديلمي وغيره.
2816 (أول شئ يحشر الناس نار تحشرهم) من المشرق إلى المغرب أي تخرج من جهة المشرق

(3/111)


فتسوقهم إلى جهة المغرب فذلك أول الحشر والحشر الجمع مع سوق وفي وراية أول أشراط الساعة نار تحشر الناس إلخ قال القاضي : لعله لم يرد به أول الأشراط مطلقا بل الأشراط المتصلة بالساعة الدالة على أنها تقوم عما قريب أو أراد بالنار نار الحرب والفتن كفتنة الترك فإنها سارت من المشرق إلى المغرب (الطيالسي) أبو داود (عن أنس) ظاهر صنيع المصنف أن ذا مما لم يتعرض الشيخان ولا أحدهما لتخريجه وإلا لما أبعد النجعة بالعزو للطيالسي وهو ذهول شنيع فقد عزاه الديلمي وغيره إلى البخاري ومسلم وكذا أحمد ولفظهم أول من يحشر الناس نار تجئ من قبل المشرق فتحشر الناس إلى المغرب.
2817 (أول شئ) أي أول مأكول (يأكله أهل الجنة) في الجنة إذا دخلوها (زيادة كبد الحوت) (1) وهي القطعة المنفردة عن الكبد المتعلقة به وهي أطيب الكبد وألذه وفي رواية من زائدة كبد الثور أي ثور الجنة وحكمة خصوصية أكلهم منهما أنهما أساس الدنيا لأنها مركبة على متن ثور والثور على ظهر حوت والحوت في الماء ولا يعلم ما تحت الماء إلا الذي خلقه فالأكل منهما إشارة إلى خراب الدنيا وبشارة بفساد أساسها وأمن العود إليها وخص الأكل بالزائدة لما بينه الأطباء أن العلة إذا وقعت في الكبد دون الزائدة رجى برؤه وإن وقعت في الزائدة هلك العليل لا محالة فأكلهم من الزائدة أدخل في
البشرى أفاده ابن جماعة ثم هذه الأولية لا تدافع بينها وبين خبر إذا سكن أحدكم الجنة أتاكم ملك فيقول إن الله يأمركم أن تزوروه إلى أن قال ثم توضع مائدة الخلد ، الحديث ما ذاك إلا لأنه لا مانع من أن زيادة الكبد توضع قبل تلك المائدة وأن هذا جار على المألوف في الدنيا من أنه بمجرد الذبح يعجل بالكبد فتشوى فيأكلها الحاضرون حتى ينضج الطعام بعد (الطيالسي) أبو داود (عن أنس) قال : جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أخبرنا ما أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوها فذكره وظاهر صنيع المصنف أنه لم يره مخرجا لأحد من المشاهير المكثرين الذين وضع لهم الرموز وهو عجيب فقد خرجه الطبراني باللفظ المزبور قال الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح غير إسماعيل بن بهرام وهو ثقة بل رواه سلطان الفن البخاري بلفظ أول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبحوت يأكل منه سبعون ألفا انتهى فعدول المصنف للطيالسي واقتصاره عليه تقصير عجيب.
(1) وحكمة اختصاصها بأولية الاكل أنها أبرد شئ في الحوت فبأكلها تزول الحراره الحاصلة لهم في الموقف.
2818 ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة) أي المفروضة وهي الخمس لأنها أول ما فرض عليه بعد الإيمان وهي علم الإيمان وراية الإسلام (فإن صلحت) بأن كان قد صلاها متوفرة

(3/112)


الشروط والأركان وشملها القبول (صلح له سائر عمله) يعني سومح له في جميع أعماله ولم يضايق في شئ منها في جنب ما واظب من إدامة الصلاة التي هي علم الدين (وإن فسدت) أن لم تكن كذلك (فسد سائر عمله) (1) أي ضويق فيه واستقصى فحكم بفساده وأخذ منه الأئمة أن حكمة مشروعية الرواتب قبل الفرائض وبعدها تكميلها بها إن عرض نقص قال الطيبي : الصلاح كون الشئ على حالة استقامته وكماله والفساد ضد ذلك وذلك لأن الصلاة بمنزلة القلب من الإنسان فإذا صلحت صلحت الأعمال كلها وإذا فسدت فسدت (طس والضياء) المقدسي (عن أنس) قال الهيثمي : فيه القاسم بن عثمان قال البخاري : له أحاديث لا يتابع عليها وقال ابن حبان : هو ثقة وربما أخطأ وظاهر صنيع المصنف أن ذا مما لم يخرجه أحد من الستة وإلا لما عدل عنه على القانون المعروف عندهم وهو ذهول فقد
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة مع تغيير يسير ولفظه يعني الترمذي إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر انتهى.
فإن انتقص من فريضته شئ قال الرب تبارك وتعالى انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على مثل ذلك.
(1) وهذا مخرج مخرج الزجر والتحذير من التفريط فيها ، واعلم أن من أهم أو أهم ما يتعين رعايته في الصلاة الخشوع فإنه روحها ولهذا عده الغزالي شرطا وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وربه وما كان كذلك فحق العبد أن يكون خاشعا فيه لصولة الربوبية على العبودية.
2819 (أول ما يرفع من الناس) (1) في رواية من هذه الأمة (الأمانة) قال ابن العربي : وهي أي هنا معنى يحصل في القلب فيأمن به المرء من الردى في الآخرة والدنيا وأصله الإيمان (وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة) كلما ضعف الإيمان بحب الدنيا ونقص نوره بالمعاصي والشهوات وذهبت هيبة سلطانه من القلوب اضمحلت الأمانة وإذا ضعفت الأمانة وخانت الرعية فيها فأخرت الصلاة عن أوقاتها وقصر في إكمالها أدى ذلك إلى ارتفاع أصلها (ورب مصل) آت بصورة الصلاة (لا خلاق له عند الله) أي لا نصيب له عنده من قبولها والإثابة عليها وفي رواية ورب مصل لا خير فيه أي لكونه غافلا لاهي القلب وليس للمرء من صلاته إلا ما عقل كما في حديث آخر وقد قال تعالى : * (وأقم الصلاة لذكري) * فظاهر الأمر الوجوب والغفلة ضده فمن غفل في جميع صلاته لا يكون مقيما للصلاة لذكره تعالى فلا خلاق له عنده فافهم وقد روى ابن المبارك في الزهد عن عمار بن ياسر يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه (الحكيم) الترمذي (عن زيد بن ثابت) قال في اللسان عن العقيلي : حديث فيه نكارة ولا يروى من وجه يثبت وقال الأسدي : سلام بن واقد أي أحد رواته منكر الحديث انتهى وقضية تصرف المصنف أنه لم يره مخرجا لأحد المشاهير الذين رمز لهم والأمر بخلافه فقد خرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عمر وغيره وخرجه الطبراني في الصغير من حديث عمر.
(2) والأولية نسبية إذ رفع القرآن يسبقها.

(3/113)


2820 (أول ما تفقدون من دينكم الأمانة) وتمامه عند مخرجه الطبراني في روايته عن أنس ولا دين لمن لا أمانة له ولا أمانة لمن لا عهد له وحسن العهد من الإيمان انتهى وفي رواية أول شئ يفقد من أمتي الأمانة من دينهم قال ابن العربي : وصفة رفع الأمانة وفقدها أن ينام الإنسان فتقبض من قلبه والمعنى فيه أن المرء في النوم متوفي ثم مرجوع إليه روحه فإذا قبضت على صفة من الأمانة ردت إليه بدونها وتحقيقه أن الأعمال لا يزال يضعفها نسيانها حتى إذا تناهى الضعف ذهبت بالنوم عن النفس فإذا ردت عليه ردت دونها فلا يبقى لها أثر وما عنده من الإيمان وأصل الإعتقاد الضعيف في ظاهر القلب ثم ينام فلا ترجع إليه إلا بعد نزع باقي الأمانة بقوة فلا يبقى شئ (طب عن شداد بن أوس) قال الهيثمي : فيه المهلب بن العلاء لم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات.
2821 (أول ما يرفع من الناس الخشوع) أي خشوع الإيمان الذي هو روح العبادة وهو الخوف أو السكون أو معنى يقوم في النفس يظهر عنه سكون الأطراف يلائم مقصوده العبادة قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه ، وخرج بخشوع الإيمان خشوع النفاق والفرق بينهما أن الأول خشوع القلب لله بالإجلال والوقار والمهابة والحياء والثاني يبدو على الجوارح تصنعا وتكلفا والقلب غير خاشع (طب عن شداد بن أوس) قال الزين العراقي في شرح الترمذي وتبعه الهيثمي : فيه عمران القطان ضعفه ابن معين والنسائي ووثقه أحمد.
2822 (أول شئ يرفع من هذه الأمة) المحمدية (الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعا) خشوع إيمان بل خشوع تماوت ونفاق فيصير الواحد منهم ساكن الجوارح تصنعا ورياء ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات وإرادات فهو يتخشع في الظاهر وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة وقال الراغب : قال رجل للحسن البصري : أمؤمن أنت قال : إن كنت تريد قول الله تعالى * (آمنا بالله وما أنزل إلينا) * فنعم به نتناكح ونتوارث وإن أردت قوله * (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) * فلا أدري (طب عن أبي الدرداء) قال الهيثمي : سنده حسن انتهى وظاهر
اقتصار المصنف على عزوه للطبراني أنه لا يوجد مخرجا لأحد أعلى ولا أولى بالعزو وهو قصور فقد

(3/114)


خرجه الإمام أحمد في المسند من حديث عوف بن مالك ولفظه أول ما يرفع من هذه الأمة الأمانة والخشوع حتى لا يكاد يرى خاشعا وليكونن أقوام يتخشعون وهم ذئاب ضواري انتهى بحروفه.
2823 (أول) في رواية أثقل (ما يوضع في الميزان) من أعمال البر (الخلق الحسن) لجمعه جميع الخيرات وبه ينشرح الصدر للعبادات وتسخو النفس في الدنيا في المعاملات ذكر الغزالي له تتمة وهي السخاء قال الجنيد : أربع ترفع العبد إلى أعلا الدرجات وإن قل علمه ، الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق.
قال الغزالي : وحسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل بكمال الحكم والى اعتدال قوة الغضب والشهوة وهذا الاعتدال يحصل على وجهين أحدهما بجود إلهي وكمال نظري بحيث يخلق الإنسان كامل العقل حسن الخلق قد كفي سلطان الغضب والشهوة فيصير بغير معلم عالما وبغير مؤدب متأدبا والثاني اكتسابه بالمجاهدة والرياضة (طب) وكذا أبو الشيخ [ ابن حبان ] والقضاعي والديلمي (عن أم الدرداء) خيرة بنت أبي حدرد الأسلمي نزلت الشام وماتت في إمرة عثمان ومن العجب قول الحافظ الزين العراقي في المغني لم أقف لحديث أول ما يوضع إلخ على أصل.
2824 (أول ما يوضع في الميزان نفقة الرجل على أهله) أي على من تلزمه مؤونته من نحو زوجة ووالد وولد وخادم وغيرها والأولية في هذا الخبر وما قبله على معنى من.
خص الرجل لأنه الذي تلزمه النفقة غالبا لا لإخراج غيره فأول ما يوضع في ميزان الأنثى والخنثى نفقتهما على من تلزمهما نفقته من أصل وفرع وخادم ونحوها.
(طس عن جابر) قال الهيثمي : وفيه من لم أعرفه وقال المنذري حديث ضعيف وقال غيره : فيه عبد الحميد بن الحسن الهلالي أورده الذهبي في الضعفاء وقال : ضعفه أبو زرعة والدارقطني.
2825 (أول) بالرفع مبتدأ (ما يقضى) بضم أوله وفتح الضاد المعجمة مبنيا للمفعول في محل الصفة وما نكرة موصوفة والعائد الضمير في يقضى أي أول قضاء يقضى (بين الناس يوم القيامة في الدماء) وفي رواية بالدماء أي أول ما يحكم الله تعالى بين الناس يوم القيامة في متعلقات الدماء أو أول
القضايا القضاء في الدماء أو أول ما يقضى فيه الأمر الكائن في الدماء وذلك لعظم مفسدة سفكها ولا يناقضه خبر أول ما يحاسب به العبد الصلاة لأن ذلك في حق الحق وذا في حق الخلق أي أن أول بمعنى من أول ، أو أول ما يحاسب به من الفرائض البدنية الصلاة ثم أول ما يحكم فيه من المظالم الدماء قال الحافظ العراقي : وظاهر الأخبار أن الذي يقع أولا المحاسبة على حق الله تعالى وفي حديث الصور

(3/115)


الطويل أول ما يقضى بين الناس في الدماء ويأتي كل قتيل قد حمل رأسه فيقول : يا رب سل هذا لم قتلني (حم ق ن ه عن ابن مسعود) ظاهره أنه لم يروه من الستة إلا هؤلاء الأربعة وليس كذلك بل رواه الكل إلا أبا داود والبخاري والترمذي وابن ماجه في الديات ومسلم في الحدود والنسائي في المحارم.
2826 (أول ما يحاسب به العبد) أي الإنسان حرا كان أو عبدا ذكرا أو أنثى (الصلاة) لأنها أم العبادات وأول الواجبات بعد الإيمان (وأول ما يقضى بين الناس في الدماء) لأنها أكبر الكبائر بعد الشرك والبداءة بها تدل على أهميتها وعظم مفسدة القتل فإنه هدم البنية الإنسانية التي بنتها القدرة الإلهية فليس بعد الكفر ذنب أعظم من القتل وما في هذا الحديث موصولة وهو موصول حرفي ويتعلق الجار بمحذوف أي أول القضاء يوم القيامة القضاء في ذلك وقد استدل بهذا الخبر وما قبله على أن القضاء يختص بالناس ولا دخل للبهائم فيه وهو غلط لأن مفاده حصر الأولية في القضاء بين الناس وليس فيه نفي القضاء بين البهائم بعد القضاء بين الناس.
(ن عن ابن مسعود) عبد الله.
2827 (أول ما يرفع من هذه الأمة) الإسلامية (الحياء والأمانة) تمامه كما في الفردوس فسلوهما الله عز وجل [ ص 90 ] الحياء خير كله فبزواله يحل الشر كله وبزوال الأمانة تحل الخيانة ثم يحتمل أن المراد الأمانة المتعارفة التي هي ضد الخيانة أو الصلاة (القضاعي) في مسند الشهاب وكذا أبو يعلى وأبو الشيخ [ ابن حبان ] (عن أبي هريرة) وفيه كما قال الهيثمي أشعث بن نزار وهو متروك فقول العامري حسن غير حسن.
2828 (أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان) أي الأصنام (شرب الخمر) قال القضاعي
وذلك من أول ما بعث من قبل أن تحرم على الناس بنحو عشرين سنة فلم يبح له قط ، وقوله بعد عبادة الأوثان لا يقتضي أن المصطفى صلى الله عليه وسلم عبدها ، حاشاه حاشاه من ذلك إذ الأنبياء معصومون (وملاحاة الرجال أي مقاولتهم ومخاصمتهم ومنازعتهم ومناظرتهم بقصد الاستعلاء فتلك الملاحاة هي السم الناقع ولم يكن السلف يتناظرون على ذلك بل لقصد تحقيق الحق لوجه الله تعالى قال الشافعي : ما ناظرت أحدا وأحببت أن يخطئ بل أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه من الله رعاية وحفظ وما كلمت أحدا قط وأنا أبالي أن يظهر الحق على لساني أو لسانه وعن علي : إياكم وملاحاة الرجال فإنهم لا يخلون من

(3/116)


عاقل يمكر بكم أو جاهل يعجل لكم بما ليس فيكم واعلموا أن الكلام ذكر والجواب أنثى فإذا اجتمعا فلا بد من إنتاج.
(تنبيه) من ألفاظهم البديعة البليغة من زرع الإحن حصد المحن (طب) وكذا البزار (عن أبي الدرداء وعن معاذ بن جبل) قال الهيثمي : فيه عمرو بن واقد وهو متروك رمي بالكذب وقال الذهبي في المهذب : فيه إسماعيل بن رافع واه وأورده في الميزان في ترجمة عمرو بن واقد من حديثه وقال البخاري : منكر الحديث وعن النسائي ومروان كان يكذب.
2829 (أول ما يهراق) أي يصب (من دم الشهيد) شهيد الدنيا والآخرة وهو من قائل لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ومات في المعركة بسبب القتال (يغفر) الله (له ذنبه كله إلا الدين) بفتح الدال وفي رواية للطبراني أيضا أول قطرة تقطر من دم الشهيد يكفر بها ذنوبه والثانية يكسى من حلل الإيمان والثالثة يزوج من الحور العين انتهى.
وفي هذا السياق دلالة على أن الكلام في دم القتل أو ما أدى إليه لا في دم جراحة لم يمت منها كما هو مبين وظاهر أن المراد بالدين دين الآدمي لا دين الله تعالى.
(طب ك عن سهل بن حنيف) بضم المهملة وفتح النون وسكون التحتية ابن واهب الأنصاري بدري جليل وفيه عند الحاكم عبد الرحمن بن سعد المدني قال الذهبي : له مناكير وقال الهيثمي رجال الطبراني رجال الصحيح.
2830 (أول من أشفع له) عند الله تعالى (يوم القيامة من أمتي) أمة الإجابة (أهل بيتي) مؤمنو بني هاشم والمطلب وأصحاب الكساء (ثم الأقرب) ثم بعدهم أشفع للأقرب (فالأقرب) إلى (من
قريش) القبيلة المشهورة (ثم الأنصار) الأوس والخزرج (ثم من آمن بي واتبعني من اليمن) أي من أقطار اليمن وجهاته (ثم من سائر العرب) على اختلاف طبقاتهم وشعوبهم وقبائلهم (ثم) من آمن بي من (الأعاجم) جمع عجمي والمراد بهم هنا ما عدا العرب (ومن أشفع له أولا) وهم أهل البيت (أفضل) ممن بعدهم أي ثم من بعدهم أفضل وهكذا ولا يعارضه خبر أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة إلخ لأن الأول في الآحاد والجماعة والثاني في أهل البلد كله فيحتمل أن المراد البداءة في قريش بأهل المدينة ثم مكة ثم الطائف وكذا الأنصار ومن بعدهم ويحتمل أن المراد أنه يبدأ من أهل المدينة بقريش ثم الأنصار ثم من بعدهم من أهل مكة كذلك على هذا الترتيب ومن أهل الطائف بذلك كذلك (طب عن ابن عمر) بن الخطاب قال الهيثمي : وفيه من لم أعرفهم ورواه الدارقطني في الأفراد عن أبي الربيع الزهراني

(3/117)


عن حفص بن داود عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال الدارقطني : تفرد به حفص عن ليث انتهى.
وحكم ابن الجوز بوضعه وقال ليث ضعيف وحفص كذاب وهو المتهم به انتهى وأقره عليه المؤلف في مختصر الموضوعات وأخرجه أيضا أبو الطاهر المخلص في السادس من حديثه.
2831 (أول من أشفع له من أمتي) أمة الإجابة (أهل المدينة) النبوية (وأهل مكة وأهل الطائف) قد تقرر وجه الجمع بينه وبين ما قبله فلا تغفل (طب) وكذا البزار (عن عبد الله بن جعفر) قال الهيثمي : وفيه من لم أعرفهم.
2832 (أول من يلحقني من أهلي) أي أول من يدرك ويصير معي بعد انتقالي من هذه الدار إلى ديار الأفراح والأخيار (أنت يا فاطمة) الزهراء ، خاطبها بذلك في مرضه الذي مات فيه وذلك أنها دخلت عليه فرحب بها وقبلها وأسر إليها أنه ميت فبكت فأسر إليها أنها أول أهله لحوقا به فضحكت (وأول من يلحقني من أزواجي زينب) مشتق من الزنب وهو الحسن كذا في المطامح عن شيخه البرجيني (وهي أطولكن كفا) كذا هو في خط المصنف وفي رواية يدا ولم يرد الطول الحسي بل المعنوي وهو كثرة الصدقة يقال : ما طالت يده لصرف كذا إذا لم يكن معه مال وفلان يده طولى يستعمله في الجاه والمال وأنه لذو طول في ماله وقدرته وهو ذو طول علي ومنة وقد تطول علي بذلك (ابن عساكر) في
التاريخ (عن واثلة) بن الأسقع.
2833 (أول من تنشق عنه الأرض أنا ولا فخر) أي لا أقوله فخرا (ثم تنشق عن أبي بكر وعمر) رضي الله عنهما (ثم تنشق عن الحرمين) أي عن أهل الحرمين (مكة والمدينة) إكراما لهم وإظهارا لمزيتهم على غيرهم (ثم أبعث بينهما) أي أنشر وأذهب بين الحرمين لأجمع إلى الفريقين وقد سبق توضيحه قال في الصحاح وغيره : بعث الموتى نشرهم من قبورهم وقال الزمخشري : بعث الشئ أثاره ويوم البعث يوم يبعثنا الله من القبور (ك) في معرفة الصحابة من حديث عاصم بن عمر عن عبد الله بن دينار (عن ابن عمر) بن الخطاب قال الحاكم : صحيح وتعقبه الذهبي فقال : عاصم هو أخو عبيد الله ضعفوه.

(3/118)


2834 (أول من يشفع يوم القيامة) عند الله تعالى (الأنبياء) الفائزون بالإحاطة بالعلم والعمل المجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل (ثم العلماء) الذين يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة وهم العلماء الراسخون في العلم العاملون به الذين هم شهداء الله في أرضه (ثم الشهداء) الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد في إظهار الحق حتى بذلوا مهجهم في إعلاء كلمة الله ذكره كله القاضي قال القرطبي : فأعظم بمرتبة هي بين النبوة والشهادة.
(الموهبي) بفتح الميم وسكون الواو وكسر الهاء وموحدة تحتية نسبة إلى موهب بطن من المعاقر في كتاب (فضل) العلماء (والعلم) وكذا أبو الشيخ [ ابن حبان ] والديلمي (خط) كلهم (عن عثمان) بن عفان وفيه عنبسة بن عبد الرحمن أورده الذهبي في الضعفاء وقال : متروك متهم عن علاق بن أبي مسلم قال أعني الذهبي وهاه الأزدي عن أبان بن عثمان قال متكلم فيه.
2835 (أول من يدعى إلى الجنة) زاد في رواية يوم القيامة (الحمادون) صيغة مبالغة أي (الذين يحمدون الله) تعالى كثيرا (على) في رواية في (السراء) سعة العيش والسرور (والضراء) الأمراض والمصائب فهم راضون من الله تعالى في كل حال ولهذا قال عمر بن عبد العزيز : ما بقي لي سرور إلا في مواقع
القدر وقيل له : ما تشتهي ؟ قال : ما يقضي الله تعالى وقال الفضيل : إن لم تصلح على تقدير الله وتحمده لم تصلح على تقدير نفسك ونظر رجل إلى قرحة في رجل ابن واسع فقال : إني لأرحمك قال إني لأحمد الله عليها منذ خرجت إذ لم تخرج في عيني (طب) وكذا في الأوسط والصغير (ك) في كتاب الدعاء (هب) وكذا أبو نعيم كلهم (عن ابن عباس) قال الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي وقال الحافظ العراقي بعد ما عزاه للطبراني وأبو نعيم والبيهقي فيه قيس بن الرفيع ضعفه الجمهور وقال الهيثمي في أحد أسانيد الطبراني قيس بن الربيع وثقه شعبة وضعفه القطان وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح.
2836 (أول من يكسى) يوم القيامة (من الخلائق) على اختلاف أنواعها وطبقاتها وتباين أممها ولغاتها بعد ما يحشر الناس كلهم عراة أو الغالب أو بعد خروجهم من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة ثم يكون أول من يكسى من ثياب الجنة (إبراهيم) الخليل عليه الصلاة والسلام لأنه جرد في ذات الله حين ألقي في النار أو لأنه لم يكن أخوف لله منه فتعجل كسوته إيناسا له ليطمئن قلبه أو لأنه أول من استن السراويل مبالغة في الستر وحفظا لفرجه

(3/119)


فلما اتخذ هذا النوع الذي هو أستر للعورة من جميع الملابس جوزي بأنه أول من يكسى ثم يكسى المصطفى صلى الله عليه وسلم حلة أعظم من كسوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لينجبر التأخير بنفاسة الكسوة فيكون كأنه كسي معه فلا تعارض بينه وبين الخبر المار أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى (1) (البزار) في مسنده (عن عائشة) قال الهيثمي : فيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس.
(1) هذا التعليل فيه نظر فإن أول من يكسى المصطفى صلى الله عليه وسلم بدليل نص الحديث أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى اه.
2837 (أول من فتق لسانه) ببناء فتق للمفعول وللفاعل أي الله (بالعربية) أي باللغة العربية وهي كما في المصباح كغيره ما نطق به العر ب (المبينة) أي الموضحة الصريحة الخالصة (إسماعيل) ابن إبراهيم الخليل قال الزمخشري : ويسمى أبو الفصاحة قال في الروض الأنف : وهو نبي مرسل إلى جرهم والعماليق الذين كانوا بأرض الحجاز فآمن بعض وكفر بعض (وهو ابن أربع عشرة سنة) قال
الديلمي : أصل الفتق الشق أي أنطق الله لسان إسماعيل حتى تكلم بها وكان أول من نطق بها كذلك وقال في المصباح : يقال العرب العاربة هم الذين تكلموا بلسان يعرب بن قحطان وهو اللسان القديم والعرب المستعربة هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم وهي لغة الحجاز وما والاها انتهى.
قال ابن حجر : وأفاد بهذا القيد أعني المبينة أوليته في ذلك بحسب الزيادة والبيان لا الأولية المطلقة وإلا فأول من تكلم بالعربية جرهم وتعلمها هو من جرهم ثم ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة فنطق بها ويشهد له ما حكي أن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم ويحتمل كون الأولية مقيدة بإسماعيل بالنسبة إلى إخوته من ولد إبراهيم (الشيرازي) في كتاب (الألقاب عن علي) أمير المؤمنين ظاهر عدول المصنف للشيرازي أنه لم يره مخرجا لأحد من المشاهير الذين وضع لهم الرموز وهو عجب فقد خرجه الطبراني والديلمي من حديث ابن عباس باللفظ المزبور قال ابن حجر : وإسناده حسن ورواه الزبير بن بكارمن حديث علي رفعه باللفظ المزبور وحسن ابن حجر إسناده أيضا.
2838 (أول مخضب) أي لون شعره أي صبغه (بالحناء) يقال خضب بالتشديد كما في المصباح قال : والتخفيف من باب نفع لغة (والكتم) بفتحتين نبت فيه حمرة يخلط بالوشمة أو الحناء ويختضب به وفي كتب الطب الكتم من نبت الجبال ورقه كورق الآس يخضب به مدقوقا وله ثمر قدر

(3/120)


الفلفل ويسود إذا نضج ويعتصر منه دهن يستصح به في الباديه (إبراهيم) الخليل فلذلك كان الخضب بهما مسنونا (وأول من اختضب بالسوا فرعون) فلذا كان الخضب فيه لغير الجهاد محرما وفرعون فعلون اسم أعجمي والجمع فراعنة قال ابن الجوزي : وهم ثلاثة فرعون الخليل واسمه سنان وفرعون يوسف واسمه الربان وفرعون موسى واسمه الوليد بن مصعب اه والظاهر أن المراد هنا الأول بقرينة ذكره مع إبراهيم (فر وابن النجار) في التاريخ (عن أنس) وفيه منصور بن عمار قال العقيلي : فيه تجهم وقال الذهبي : له مناكير.
2839 (أول من دخل الحمامات) جمع حمام (وصنعت له النورة) بضم النون حجر الكلس ثم غلبت على أخلاط تضاف إليه من زرنيخ وغيره تفعل لإزالة الشعر (سليمان بن داود) النبي بن النبي (فلما دخله) أي الحمام (وجد حره وغمه فقال : أوه من عذاب الله أوه قبل أن لا يكون أوه) بسكون الواو وكسر الهاء وقيل بتشديد الواو وفتحها كلمة تقال عند الشكاية والتوجع يعني أنه ذكر بحره وغمه حر جهنم وغمها فإن الحمام أشبه بيت بجهنم النار من تحت والظلام من فوق ، والعارف الكامل لا يغفل عن الآخرة في كل لحظة لكونها نصب عينه بل له في كل ما يراه من ماء ونار أو غيرهما عبرة وموعظة فإن نظر إلى سواد ذكر ظلمة اللحد أو إلى حية ذكر أفاعي جهنم أو إلى بشع مهول ذكر منكر ونكير أو الزبانية أو سمع صوتا هائلا ذكر نفخة الصور فلاتصرفه مهمات الدنيا عن مشاهدة مهمات العقبى (عق طب) وكذا في الإوسط عد هق) وكذا في الشعب (عن أبي موسى) الأشعري قضية كلام المصنف أن مخرجيه سكتوا عليه والأمر بخلافه فقد تعقبه البيهقي بما نصه : تفرد به إسماعيل الأزدي.
قال البخاري : ولا يتابع عليه وقال مرة : فيه نظر ، إلى هنا كلام البيهقي ، وفيه أيضا إبراهيم بن مهدي ضعفه الخطيب وغيره وقال الذهبي كابن عساكر في تاريخ الشام : حديث ضعيف وفي اللسان كأصله : هذا من مناكير إسماعيل ولا يتابع عليه وقال الهيثمي : بعد ما عزاه للطبراني فيه صالح مولى التوأمة ضعفوه بسبب اختلاطه وابن أبي ذؤيب سمع منه قبل الإختلاط وهذا من روايته عنه انتهى وأقول : لكن فيه أيضا هشام بن عمار وفيه كلام وعبد الله بن زيد البكري أورده الذهبي في الضعفاء وقال : ضعفه أبو حاتم اه فتعصيب الهيثمي الجناية برأس صالح وحده غير صالح.
2840 (أول من غير) بشد المثناة تحت (دين إبراهيم) الخليل وفي رواية دين إسماعيل ولا تدافع إذ دين إسماعيل هو دين إبراهيم أي أول من بدل أحكام شريعته وحولها وجعلها على خلاف ما

(3/121)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية