صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : فيض القدير
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

لا يستوي المنزلان ثم ولا ال أعمال لا تستوي طرائقها هما فريقان فرقة تدخل الجن ة حفت بهم حدائقها وفرقة منهم قد أدخلت النا ر فساءت بهم مرافقها تعاهدت هذه القلوب إذا همت بخير عاقت عوائقها إن لم تمت غبطة تمت هرما للموت كأس والمرء ذائقها وصدها الشقاء عن طلب الجن ة دنيا الله ما حقها عبد دعا نفسه فعاتبها يعلم أن المصير رامقها ما رغبة النفس في الحياة وإن تحيا قليلا فالموت لاحقها يوشك من فر من منيته يوما على غرة يوافقها
قالت : ثم انصرف إلى رحله فلم يلبث إلا قليلا حتى طعن في خاصرته.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها.
وأخرج الدينوري في المجالسة عن محمد بن إسماعيل بن طريح الثقفي عن أبيه عن جده عن جد أبيه قال : سمعت ابن أبي الصلت عند وفاته وأغمي عليه قليلا ثم أفاق فرفع رأسه إلى سقف البيت فقال : لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما.
لا عشيرتي تحميني ولا مالي يفديني ثم أغمي عليه ثم أفاق فقال : كل عيش وإن تطاول دهرا صائرا أمره إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي في رؤس الجبال أرعى الوعولا ثم فاضت نفسه.
وأخرج ابن عساكر عن الزهري قال : قال أمية : ألا رسول لنا منا يخبرنا ما بعد غايتنا من رأس مجرانا ثم خرج إلى البحرين فأقام مدة ثم قدم الطائف فقال : ما محمد ؟ قالوا يزعم أنه نبي.
فقدم عليه فقال : يا ابن عبد المطلب أريد أن أكلمك فموعدك غدا فأتاه في نفر من أصحابه وأمية في جماعة من قريش فجلسوا في ظل البيت فبدأ أمية فخطب ثم سجع ثم أنشد الشعر ثم قال : أجبني فقال : * (بسم الله الرحمن الرحيم يس والقرآن الحكيم) * حتى إذا فرغ منها وثب أمية فتبعته قريش تقول : ما تقول يا أمية قال : أشهد أنه على الحق.
قالوا : فهل نتبعه ؟ قال : حتى أنظر.
ثم خرج إلى الشام وقدم رسول الله المدينة فلما قتل أهل بدر أقبل أمية حتى نزل بدرا ثم ترحل يريد رسول الله فقيل له : ما تريد قال : محمدا قيل : وما تصنع به ؟ قال : أو من به وألقي إليه مقاليد هذا الأمر ، قال : تدري من في القليب ؟ قال : لا ، قال : فيه عتبة وشيبة وهما ابنا خلف فجدع أذني ناقته وقطع ذنبها فرجع إلى مكة وترك الإسلام فقدم الطائف على أخته فنام عندها فإذا طائران فذكر نحو قصة أخته عنه وأنه مات عقب ذلك (تنبيه) هذا الحديث قد يعارضه الحديث الآتي : " عند الله علم أمية بن أبي الصلت " وقد يقال
قال ذلك أولا ثم أوحي إليه بعد ذلك بأنه مات كافرا.
وأراد بالقلب محل القوة العاقلة من الفؤاد سمي قلبا للتقلب والتقليب وللطيف معناه في ذلك كان أكثر قسم النبي بمقلب القلوب.
قال الغزالي :

(1/78)


وحيث ورد في القرآن أو السنة لفظ القلب فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن لكنها تتعلق به بواسطة القلب فتعلقها الأول بالقلب.
والشعر النظم الموزون وحده ما تركب تركيبا متقاصدا وكان مقفى موزونا مقصودا به ذلك فما خلا من هذه القيود أو بعضها لا يسماه ولا يسمى قائله شاعرا لأخذه من شعرت إذا فطنت وعلمت وسمي شاعرا لفطنته وعلمه فإذا لم يقصده فكأنه لم يشعر به ذكره في المصباح (أبو بكر) محمد بن القاسم (بن) محمد بن بشار (الأنباري) بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة نسبة إلى بلدة قديمة على الفرات على عشرة فراسخ من بغداد وكان علامة في النحو واللغة والأدب قال (في) كتاب (المصاحف) حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن حمزة البلخي حدثنا محمد بن عمرو الشيباني عن أبي عمرو الشيباني عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة قلت لابن عباس : أرأيت ما جاء عن النبي في أمية بن أبي الصلت ؟ آمن شعره وكفر قلبه ؟ فقال هو حق فما أنكرتم منه ذلك قلت قوله في الشمس : إلا معذبة وإلا تجلد ، من قوله : والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتورد تأنى فما تطلع لنا في رسلها إلا معذبة وإلا تجلد فقال : والذي نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك فيقولون لها اطلعي فتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله فيأتيها ملك فتشعل لضياء بني آدم فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تحتها (خط وابن عساكر) في تاريخه (عن ابن عباس) بإسناد ضعيف.
ورواه عنه أيضا الفاكهي وابن منده وسببه أن الفارعة بنت أبي الصلت أخت
أمية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته من شعر أمية فذكره.
20 - (آمين) صوت سمي به الفعل الذي هو استجب مبني على الفتح كأين لالتقاء الساكنين يمد ويقصر وأصله القصر ومد ليرتفع الصوت بالدعاء ، ذكره ابن خالويه وزعم ابن داستويه أن القصر غير معروف وإنما قصر الشاعر في قوله : تباعد عنا فطحل إذ سألته أمين فزاد الله ما بيننا بعد للضرورة.
قال ابن الكمال : وهو وهم إذ لا ضرورة فإنه لو قدم الفاء وقيل.
فآمين زاد الله ما بيننا بعدا.
اندفعت الضرورة وتشديد ميمه لحن وربما فعله العامة وأما * (ولا آمين البيت الحرام) * فمعناه قاصدين (خاتم) بفتح التاء وكسرها وفيه عشر لغات ذكر منها خمسة ابن مالك في بيت واحد (رب العالمين) أي هو خاتم دعاء رب العالمين بمعنى أنه يمنع الدعاء من فساد الخيبة والرد كما أن الطابع على الكتاب يمنع فساد ظهور ما فيه على الغير ذكره التفتازاني.
وفي خبر أبي داود أن المصطفى صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو فقال : " أوجب إن ختم بآمين " والرب مصدر بمعنى التربية وهي تبليغ الشئ

(1/79)


إلى كماله شيئا فشيئا وصف به الفاعل مبالغة وصف بالعدل وقيل صفة مشبهة سمي به المالك لكونه يحفظ ما يملكه ويربيه ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا كرب الدار.
ثم إن ربوبيته تعالى بمعنى الخالقية والمالكية والمعبودية عامة وبمعنى التربية والإصلاح خاصة تتفاوت بسبب أنواع الموجودات فهو مربي الأجساد بأنواع نعته ومربي الأرواح بأصناف كرمه ومربي نفوس العابدين بأحكام الشريعة ومربي قلوب العارفين بآداب الطريقة ومربي أسرار الأبرار بأنواع الحقيقة.
والعالمين جمع عالم وهوفي كلام أهل اللسان اسم لنوع من المخلوقين فيه علامة يمتاز بها عن خلافه من الأنواع كملك وإنس وجن وهو جمع لا واحد له من لفظه.
قال الشريف : ويطلق على كل جنس لا فرد فهو للقدر المشترك بين الأجناس (على لسان عباده المؤمنين) أي هو طابع الله على نطق ألسنة عباده لأن العاهات والبلايا تندفع به ، إذ الختم الطبع أي الأثر الحاصل عن نفس ويتجوز به عن الاستيثاق من الشئ والمنع منه
نظرا إلى ما يحصل بالختم على الكتب والأبواب من المنع فالختم جار مجرى الكتابة عن حفظه وإضافة المؤمنين إليه للتشريف.
وذكر ابن المنير عن الضحاك أن آمين أربعة أحرف مقتطعة من أسماء الله تعالى وهو خاتم رب العالمين يختم به براءة أهل الجنة وأهل النار وهي الجائزة التي تجيز أهل الجنة والنار وخرج بالمؤمنين الكافرون فختمهم إياه بآمين لا يمنعه من الخيبة والحرمان بل ذهب جمع إلى عدم استجابته تمسكا بظاهر قوله تعالى * (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) * لكن الجمهور على خلافه (عد طب في) كتاب (الدعاء) وكذا الديلمي وابن مردويه (عن أبي هريرة) وفيه مؤمل الثقفي أورده الذهبي في الضعفاء عن أبي أمية ابن يعلى الثقفي لا شئ.
ومن ثم قال المؤلف في حاشية الشفاء : إسناده ضعيف ولم يرمز له هنا بشئ 21 - (آية الكرسي) أي الآية التي ذكر فيها الكرسي فلذكره فيها سميت به وضم كافه أشهر من كسرها (ربع القرآن) لاشتماله على التوحيد والنبوات وأحكام الدارين ، وآية الكرسي ذكر فيها التوحيد فهي ربعه بهذا الاعتبار ، والقول بأن المراد أن ثواب قراءتها يعدل ثواب قراءة ربعه بغير تضعيف أو به متعقب بالرد ويأتي في حديث أنها سيدة آي القرآن أي باعتبار آخر والآية في الأصل العلامة الظاهرة قال : توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع وتقال للمصنوعات من حيث دلالتها على الصانع تعالى وعلمه وقدرته ولكل طائفة من كلمات القرآن المميزة عن غيرها بفصل.
سميت به لأنها علامة اقتطاع كلام عن كلام وتستعمل في المحسوس كعلامة الطريق والمعقول كالحكم الواضح ويقال لكل جملة دلت على حكم من الأحكام آية ولكل كلام منفصل بفصل لفظي آية وللمعجزة آية لدلالتها على صدق من ظهرت بسببه والقرآن لغة الجمع نقل إلى المجموع المتواتر المفتتح بالفاتحة المختتم بالمعوذتين ويطلق على القدر المشترك بينه وبين بعض أجزائه وعلى الكلام النفسي القائم بأنه الأقدس المدلول عليه بالألفاظ (أبو الشيخ) ابن حبان بمهملة فمثناة تحتية مشددة وكذا الطبراني (في) كتاب (الثواب) أي ثواب الأعمال والديلمي (عن أنس) وفيه

(1/80)


ابن أبي فديك عن سلمة ابن وردان وسلمة أورده الذهبي في الضعفاء والمتروكين وقد حسنه المؤلف ولعله لاعتضاده.
22 - (آية ما بيننا) لفظ رواية الحاكم بإسقاط ما وتنوين آية أي علامة التمييز بيننا أيها المؤمنون (وبين المنافقين) الذين أمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم والمنافق أصله من يظهر ما يبطن خلافه لكنه غلب على من يظهر الإسلام ويبطن الكفر (أنهم لا يتضلعون) لا يكثرون (من) شرب (ماء) بئر (زمزم) حتى تتمدد جنوبهم وضلوعهم كراهة له بعد ما علموا ندب الشارع إلى شربه والإكثار منه.
والرغبة في الاستكثار منه عنوان الغرام وكمال الشوق فإن الطباع تحن إلى مناهل الأحبة ومواطن أهل المودة ، وزمزم منهل المصطفى صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ومحل تنزل الرحمات وفيض البركات فالمتعطش إليها والممتلئ منها قد أقام شعار المحبة وأحسن العهد إلى الأحبة فلذلك جعل التضلع منها علامة فارقة بين النفاق والإيمان.
ولله در القائل : وما شغفي بالماء إلا تذكرا لماء به أهل الحبيب نزول ثم إن ما أوهمه ظاهر اللفظ من أن من لم يشرب منها مع تمكنه يكون منافقا وإن صدق بقلبه غير مراد بل خرج ذلك مخرج الترغيب فيه والزجر والتنفير عن الزهادة فيه ، على أن العلامة تطرد ولا تنعكس فلا يلزم من عدم العلامة عدم ما هي له والبين البعد.
وقال الحراني : حد فاصل في حس أو معنى.
والنفاق اسم إسلامي لا تعرفه العرب بالمعنى المقرر.
والتضلع الإكثار والامتلاء شبعا وريا وزمزم معروفة سميت به لكثرة مائها أو لضم هاجر لمائها حين انفجرت أو لزمزمة جبريل أي تكلمه عند فجره لها أو لأنها زمت بالتراب لئلا تأخذ يمينا أو شمالا أو لغير ذلك ولها أسماء كثيرة وماؤها أشرف مياه الدنيا والكوثر أشرف مياه الآخرة - (تخ ه ك) من حديث إسماعيل بن زكريا عن عثمان بن الأسود عن ابن (عباس) قال عثمان : جاء رجل إلى ابن عباس.
قال : من أين جئت ؟ قال : من مكة.
قال : شربت من ماء زمزم ؟ قال : شربت.
قال : شربت منها كما ينبغي ؟ قال : وكيف ؟ قال :
إذا أردت أن تشرب منها فاستقبل البيت واذكر اسم الله واشرب وتنفس ثلاثا وتضلع منها فإذا فرغت فاحمد الله.
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكره.
ثم قال الحاكم إن كان عثمان سمع من ابن عباس فهو على شرطهما وتعقبه الذهبي فقال : والله ما لحقه.
مات عام خمسين ومائة وأكبر مشيخته ابن جبير.
وقال ابن حجر حديث حسن انتهى.
ورواه الطبراني عن الحبر باللفظ المزبور.
قال الهيتمي بإسنادين رجال أحدهما ثقات انتهى.
والحاصل أن بعض أسانيده رجاله ثقات لكن فيه انقطاع.
23 - (آية العز) أي القوة والشدة والصلابة فمنة * (فعززنا بثالث) * (يس : 14) أو الغلبة والمنعة ومنه * (بل الذين كفروا في عزة) * (ص : 2) أي ممانعة * (أيبتغون عندهم العزة) * (النساء : 139) أي

(1/81)


المنعة والمراد هنامن العلامات الدالة على قوة إيمان الإنسان وشدته في دين الله ملازمته لتلاوة هذه الآية مع الإذعان لمدلولها وأنه بذلك يصير قويا شديدا وقيل المراد أن هذه الآية تسمى أية العز لتضمن قوله فيها * (ولم يكن له ولي من الذل) * لذلك أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر لأنه العزيز المعز (الحمد لله) * أي الوصف بالجميل لله (الآية) كما ذكره في هذا الكتاب والظاهر أنه من تصرفه فأتى بلفظ الآية اختصارا أو اتكالا على حفظ الناس لها فإن الآية بكمالها ثابتة في الحديث كما يحيط به من سبر الروايات ووقف على الأصول ويشهد لكونه إنما حمله على حذفها رعاية الإيجاز أنه أتى بها في جامعه الكبير ولم يذكر لفظ الآية.
" فقال وآية العز وقل الحمد لله " (الذي) قال الحراني اسم مبهم مدلوله ذات موصوفة بوصف يعقب به وهي الصلة اللازمة (لم يتخذ ولدا) أي لم يسم أحد له ولدا وأما التولد فمما لا يتصوره عقل ، ومعنى الحمد لله لعدم الولد احمدوه حيث برئ من الأولاد فتكون منافعه كلها للعباد (ولم يكن له شريك) أي مشارك (في الملك) أي الألوهية وهذا كالرد على اليهود والمشركين (ولم يكن له ولي) ناصر يواليه (من) أجل (الذل) أي المذلة ليدفعها بمناصرته ومعاونته فلم يحالف أحدا ولا ابتغى نصرة أحد لأن من احتاج إلى نصرة غيره فقد ذل له وهو الغالب القاهر فوق عباده وهذا رد على النصارى والمجوس القائلين لولا أولياء الله لذل فنفى عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختيارا أو اضطرارا أو ما يعاونه ويقويه ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه الذي يستحق جنس
الحمد لأنه الكامل الذات المنفرد بالإيجاد المنعم على الإطلاق وما عداه ناقص مملوك ولهذا عطف عليه قوله (وكبره) أي عظمه عن كل ما لا يليق به (تكبيرا) تعظيما تاما عارفا أو اعرف وصفه بأنه أكبر من أن يكون له ولد أو شريك أو ولي من الذل.
وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التزيه والتحميد واجتهد في العبادة والتمجيد ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه تعالى في ذلك ، ولعظمة هذه الآية ختمت بها التوراة كما رواه ابن جرير وغيره عن كعب قال المؤلف وتسن قراءتها عند النوم وتعليمها للأهل والعيال لأثر فيه (حم طب عن معاذ) بضم الميم وفتح المهملة فمعجمة (ابن أنس) الجهني صحابي سكن مصر روى عنه ابنه سهل أحاديث كثيرة.
قال الحافظ العراقي : وسنده ضعيف : وقال الهيتمي : رواه أحمد والطبراني من طريقين في أحدهما رشدين بن سعد وهو ضعيف وفي الأخرى ابن لهيعة وهو أصلح منه وقد رمز المؤلف لحسنه.
24 - (آية) وفي رواية الطبراني في الأوسط من حديث أبي بكر " آيات " وهي مبينة لكون المراد الجنس (الإيمان) كلام إضافي مرفوع بالابتداء وخبره (حب) بضم المهملة (الأنصار) أي علامات كمال إيمان الإنسان أو نفس إيمانه حب مؤمني الأوس والخزرج لحسن وفائهم بما عاهدوا الله عليه من إيواء نبيه ونصره على أعدائه زمن الضعف والعسرة وحسن جواره ورسوخ صداقتهم وخلوص مودتهم ولا يلزم منه ترجيحهم على المهاجرين الذين فارقوا أوطانهم وأهليهم وحرموا أموالهم حبا له وروما لرضاه كما يعرف مما يجئ وقوله " آية " بهمزة ممدودة ومثناة تحتية مفتوحة وتاء تأنيث والإيمان " مجرور

(1/82)


بالإضافة.
قال ابن حجر : هذا هو المعتمد في جميع الروايات وقول الكعبري بهمزة مكسورة ونون مشددة وهاء ، والإيمان بالرفع تصحيف فاحش والمحبة لغة ميل القلب إلى الشئ لتصور كماله فيه لكن ليس المراد بالميل هنا ما يستلذه بحواسه كحسن الصورة بل الميل لما يستلذه بعقله إما لإحسانه كجلب نفع ودفع ضر أو لذاته كمحبة الفضل والكمال.
ومن ثم قال القاضي المراد بالحب هنا العقلي وهو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس كالمريض يعاف الداء بطبعه فينفر عنه ويميل له بعقله واللام للعهد أي أنصار الرسول سماهم أنصارا أخذا من قوله تعالى * (والذين آووا
ونصروا) * فصار علما بالغلبة وهم وإن كانوا ألوفا لكن استعمل فيهم جمع القلة لأن اللام للعموم والتفرقة إنما هي في النكرات (وآية النفاق) بالمعنى الخاص (بغض الأنصار) صرح به مع فهمه مما قبله لاقتضاء المقام التأكيد ولم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده لأن الكلام فيمن ظاهره الإيمان وباطنه الكفر فميزه عن ذوي الإيمان الحقيقي فلم يقل آية الكفر لكونه غير كافرا ظاهرا وخص الأنصار بهذه المنقبة العظمى لما امتازوا به من الفضائل المارة فكان اختصاصهم بها مظنة الحسد الموجب للبغض فوجب التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم وأبرز ذلك في هذين التركيبين المفيدين للحصر لأن المبتدأ والخبر فيهما معرفتان فجعل ذلك آية الإيمان والنفاق على منهج القصر الادعائي حتى كأنه لا علامة للإيمان إلا حبهم وليس حبهم إلا علامته ولا علامة للنفاق إلا بغضهم وليس بغضهم إلا علامته تنويها بعظيم فضلهم وتنبيها على كريم فعلهم وإن كان من شاركهم في المعنى مشاركا لهم في الفضل كل بقسطه ، ثم إنه لا دلالة في الخبر على أن من لم يحبهم غير مؤمن إذ العلامة - ويعبر عنها بالخاصة - تطرد ولا تنعكس فلا يلزم من عدم العلامة عدم من هي له أو المراد الإيمان الكامل أو يحمل البغض على التقييد بالجهة فبغضهم من جهة كونهم أنصار المصطفى صلى الله عليه وسلم لا يجامعه التصديق فيكون من أبغضهم منافقا حقيقيا أو اللفظ خرج مخرج الزجر والتحذير كما يشهد له ما مر من مقابلة الإيمان بالنفاق دون ضده إرشادا إلى أن المخاطب بالترغيب والترهيب مظهر الإيمان لا الكفر لارتكابه أقبح من ذلك.
وقول ابن المنير المراد حب جميعهم وبغض جميعهم لأن ذلك إنما يكون للدين وأما من أبغض بعضهم لمعنى يسوغ البعض له فغير داخل في ذلك ، تعقبه المؤلف (تنبيه) قال الذهبي : أبناء الأنصار ليسوا من الأنصار كما أن أبناء المهاجرين ليسوا من المهاجرين ولا أولاد الأنبياء بأنبياء ويوضحه حديث " اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء الأنصار " قال : وبغض الأنصار من الكبائر (حم ق) في الإيمان (ن) كلهم (عن أنس) بن مالك.
25 - (آية المنافق) أي علامته (ثلاث) من الخصال ، أخبر عن آية بثلاث باعتبار إرادة الجنس أي كل واحد منها أو لأن مجموع الثلاث هو الآية.
قال ابن حجر : ويرجح الأول رواية أبي عوانة بلفظ علامات المنافق ثلاث الأولى (إذا حدث كذب) أي أخبر بخلاف الواقع (و) الثانية (إذا وعد) أحدا
بخير في المستقبل (أخلف) أي جعل الوعد خلافا بأن لا يفي به لكن لو كان عازما على الوفاء فعرض مانع فلا إثم عليه كما يجئ في خبر ، أما الشر فيندب إخلافه بل قد يجب ما لم يترتب على ترك إخلافه

(1/83)


مفسدة (و) الثالثة (إذا ائتمن) بصيغة المجهول أي جعل أمينا وفي رواية بتشديد التاء بقلب الهمزة الثانية واوا وإبدال تاء والإدغام (خان) في أمانته أي تصرف فيها على خلاف الشرع ونقص ما ائتمن عليه ولم يؤده كما هو ، وصح عطف الوعد على ما قبله لأن إخلاف الوعد قد يكون بالفعل وهو غير الكذب الذي هو لازم التحديث فتغايرا أو جعل الوعد حقيقة أخرى خارجة عن التحديث على وجه الادعاء لزيادة قبحه كما في عطف جبريل على الملائكة بادعاء بأنه نوع آخر لزيادة شرفه قال : فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال وخص هذه الثلاث لاشتمالها على المخالفة في القول والفعل والنية التي هي أصول الديانات فنبه على فساد القول بالكذب وفساد الفعل بالخيانة وفساد النية بالخلف وليس يتجه عليه أن يقال هذه الخصال قد توجد في المسلم والإجماع على نفي نفاقه الذي يصيره في الدرك الأسفل لأن اللام إن كانت للجنس فهو إما على منهج التشبيه والمراد أن صاحبها شبيه بالمنافق متخلق بأخلاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه أو الإنذار والتخويف أو الاعتياد والاضطرار ومصيره ديدنا وخلقا كما يؤذن به حذف المفعول من حدث لدلالته على العموم فكأنه قال إذا حدث في كل شئ كذب فيه وإن كانت للعهد فذلك في منافقي زمن النبي صلى الله عليه وسلم عموما حدثوا بإيمانهم فكذبوا ووعدوا في نصر الدين فأخلفوا وائتمنوا في المال فخانوا ، أو منافق خاص وذلك أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان لا يواجه أحدا بما يكره بل يستر فيقول : " ما بال أقوام يفعلون كذا " ونحو ذلك أو يقال النفاق ضربان شرعي وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان وعرفي وهو أن يكون سره خلاف علانيته وهو المراد هنا.
قال الكرماني وتبعه ابن حجر.
وأحسن الأجوبة حمله على النفاق العملي (حكى) أن رجلا من البصرة حج فجلس بمجلس عطاء بن أبي رباح فقال : سمعت الحسن يقول : من كان فيه ثلاث خصال لم أنحرج أن أقول إنه منافق.
فقال له
عطاء : إذا رجعت إليه فقل له : عطاء يقرئك السلام ويقول لك : ما تقول في أخوة يوسف إذ حدثوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا أكانوا منافقين ؟ ففعل فسر الحسن وقال : جزاه الله خيرا ، وقال لأصحابه : إذا سمعتم مني حديثا فاصنعوا كما صنع أخوكم.
حدثوا به العلماء فما كان صوابا فحسن وإذا كان غير ذلك فردوه علي.
ثم إنه لا منافاة بين قوله : " ثلاث " وقوله في خبر يجئ : " أربع " بزيادة : " إذا عاهد غدر " فرب شئ واحد له علامات كل منها تحصل بها صفته شيئا وقد تكون العلامة واحدا وقد تكون أشياء أو أن الأربع ترجع إلى ثلاثة بإدخال " إذا عاهد غدر " في " إذا ائتمن خان " (ق) وكذا أحمد (ت ن) كلهم في باب الإيمان (عن أبي هريرة) زاد مسلم في روايته عنه عقب ثلاث : " وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم " أي وإن عمل أعمال المسلمين من صوم وصلاة وغيرهما من العبادات.
26 - (آية) بالتنوين (بيننا وبين المنافقين) نفاقا عمليا ، وأطلق عليهم اسم النفاق مبالغة في التهديد على ترك حضور الجماعة (شهود) أي حضور أي ترك حضور جماعة (العشاء) بكسر العين والمد

(1/84)


لغة أول الظلام سميت به الصلاة لفعلها حينئذ (والصبح) بضم الصاد لغة أول النهار سميت به الصلاة لمثل ما ذكر ثم وجه ذلك بقوله (لا يستطيعونهما) أي فإنما نحن نستطيع فعلهما بنشاط وانبساط فلا كلفة علينا في حضور المسجد لصلاتهما جماعة وأما هم فثقيلتان عليهم فلا يستطيعون فعلهما بخفة ونشاط كما يوضحه حديث الشيخين : " أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والصبح " وذلك لأن العشاء وقت استراحة والصبح وقت لذة النوم صيفا وشدة البرد شتاء وأما المتمكنون في إيمانهم فتطيب لهم هذه المشقات لنيل الدرجات لأن نفوسهم مرتاضة بأمثالهما متوقعة في مقابلة ذلك ما تستخف لأجله المشاق وتستلذ بسببه المتاعب لما تعتقده في ذلك من الفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم ، ومن ثم كانت قرة عين المصطفى صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، ومن طاب له شئ ورغب فيه حق رغبته احتمل شدته بل تصير لذته ولم يبال بما يلقى من مؤنته.
ومن أحب شيئا حق محبته أحب احتمال محنته حتى إنه ليجد بتلك المحنة ضروبا من اللذة.
ألا ترى جاني العسل لا يبالي بلسع النحل لما
يتذكر من حلاوة العسل ؟ والأجير لا يعبأ بارتقاء السلم الطويل مع الحمل الثقيل طول النهار لما يتذكر من أخذ الأجرة بالعشي ؟ والفلاح لا يتكدر بمقاساة الحر والبرد ومباشرة المشاق والكد طول السنة لما يتذكر من أوان الغلة فكذا المؤمن المخلص إذا تذكر الجنة في طيب مقيلها وأنواع نعيمها هان عليه ما يتحمله من مشقة هاتين الصلاتين وحرص عليهما بخلاف المنافق.
وأفاد قوله في حديث الشيخين : " أثقل " أن الصلوات كلها ثقيلة على المنافقين قال تعالى : * (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) * وأن بعضها أثقل من بعض.
واعلم أن المنافق يصلي : لكن من حيث العادة لا القيام بالعبادة فهو لما أضمره في نفسه من كراهة الصلاة لا يرائي بها بل يصليها في بيته (تنبيه) قال بعض العارفين لزوم الصبح في جماعة يسهل أسباب الدنيا الصعبة والعصر والعشاء فيها يورث الزهد ويقمع النفس عن الشهوات ويصحح الاعتقاد مع ما فيه من سلوك الأدب مع الله حال قسمته أرزاق العباد فإنهم تقسم أرزاقهم المحسوسة بعد الصبح والمعنوية بعد العصر والعشاء (ص) وكذا البيهقي في الشعب (عن) أبي محمد (سعيد بن المسيب مرسلا) بفتح المثناة تحت ويجوز كسرها كما في الديباج والأول أشهر وهو رأس التابعين ورئيسهم وعالمهم وفردهم وفقيههم.
قال مكحول : طفت الأرض فما لقيت أعلم منه ، وقد أفردت مناقبه بالتأليف وهذا الحديث إسناده صحيح.
27 - (آيتان) تثنية آية وهو مبتدأ والخبر قوله (هما قرآن) أي من القرآن (وهما يشفيان) المؤمن من الأمراض الجسمانية والنفسانية بمعنى أن قراءتهما على المريض بإخلاص وهمة صادقة وقوة يقين تزيل مرضه أو تخففه.
قال تعالى : * (وننزل من القرآن ما هو شفاء) * (وهما مما يحبهما الله) القياس وهما مما يحبه الله ولعل التثنية من بعض الرواة وهما (الآيتان) فهو خبر مبتدأ محذوف ويجوز جعله بدلا مما قبله (من آخر) سورة (البقرة) ومن بيانية أو للتأكيد ولجلالتهما ومحبته لهما أنزلهما من كنز تحت العرش.
وروى ابن الضريس وغيره عن ابن المنكدر مرفوعا أنهما " قرآن ودعاء ويدخلن الجنة ويرضين

(1/85)


الرحمن " وسميت البقرة لأن مقصودها إقامة الدليل على أن الكتاب هدى وأعظم ما يهدي إليه الإيمان بالغيب ويجمعه الأيمان بالآخرة ومداره على الإيمان بالبعث الذي أعربت عنه قصة البقرة فسميت بها
وكانت بذلك أحرى من قصة إبراهيم لأنها في نوع البشر وما تقدمها في قصة بني إسرائيل من الإحياء بعد الإماتة بالصعق لأن الإحياء في قصة البقرة عن سبب ضعيف في الظاهر ، وقد ورد في فضل الآيتين نصوص كثيرة وفيه رد على من كره أن يقال البقرة أو سورة البقرة بل السورة التي تذكر فيها البقرة.
وقول ابن الكمال لا حجة فيه لأن ما يكره من الأمة قد لا يكره من النبي صلى الله عليه وسلم غير سديد لأنا مأمورون بالإقتداء به في أقواله وأفعاله حتى يقوم دليل التخصيص - (فر عن أبي هريرة) وفيه محمد بن إبراهيم بن جعفر الجرجاني فإن كان البردى فصدوق أو الكيال فوضاع كما في الميزان.
28 - (ائت) يا إنسان ، فهو خطاب عام من باب قوله : إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا فهذا وأمثاله خطاب لجميع الأمة بحيث لا يختص به أحد دون أحد وقس عليه نظائره (المعروف) أي افعله (واجتنب المنكر) لا تقربه.
قال القاضي : والمعروف ما عرفه الشرع أو العقل بالحسن والمنكر ما أنكره أحدهما لقبحه عنده.
قال الراغب : والإتيان يقال للمجئ بالذات وبالأمر وبالتدبير وفي الخير وفي الشر وفي الأعيان والأعراض ومنه : * (إنه كان وعده مأتيا) * وقولهم ائت المروءة من بابها (وانظر) أي تأمل يا إنسان (ما يعجب أذنك) أي الشئ الذي يسرك سماعه ويعظم في قلبك وقعه من أعجب بكذا إذا سره.
فإن قلت هلا اقتصر على قوله " يعجبك " وما فائدة ذكر الأذن والنفس هي المعجبة لا الأذن ؟ قلت : لما كان الاستحسان مقترنا بالسماع أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الخارجة التي يعمل بها أبلغ.
ألا تراك تقول : إذا أردت التوكيد هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي.
قال الراغب : والأذن الجارحة المعروفة وتستعار لمن أكثر استماعه وقبوله لمن يسمع نحو : * (ويقولون هو أذن) * (أن يقول لك القوم) أي فيك وعبر عنه بذلك نظرا إلى أنه إذا بلغه فكأنه خوطب به وهذا بيان لما أو بدل منه (إذا أقمت من عندهم) أي فارقتهم أو فارقوك يعني انظر إلى ما يسرك أن يقال عنك وفيك من ثناء حسن وفعل جميل ذكروك به حال غيبتك (فأته) أي افعله
والزمه.
قال في الكشاف : والقوم مؤنثة وتصغيرها قويمة (وانظر الذي) أي وتأمل الشئ الذي (تكره أن يقول لك القوم) أي فيك (إذا قمت من عندهم) من وصف ذميم كظلم وشح وسوء خلق (فاجتنبه) لقبحه ، ونبه بذلك على ما يستلزمه من كف الأذى والمكروه عن الناس وأنه كما يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته ينبغي له إذا كانت لأخيه عنده مظلمة أن يبادر لانتصافه من نفسه وإن كانت عليه فيها صعوبة ، ومن ثم قيل للأحنف : ممن تعلمت الحلم ؟ قال : من نفسي ، كنت إذا كرهت شيئا من غيري لا أفعل مثله بأحد ومصداقه في كلام الله القديم ففي الإنجيل : كلما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوه أنتم بهم ، هذا هو الناموس الذي أنزل على عيسى.
وأخرج البيهقي عن الحسن أن موسى سأل

(1/86)


ربه جماعا من الخير فقال : اصحب الناس بما تحب أن تصحب به.
وأخرج عن ابن مسعود من أحب أن ينصف الناس من نفسه فليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه.
وقال الأحنف : من أسرع الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون.
وقال الحكماء : من قل توقيه كثرت مساويه.
والحاصل أن المنهج القويم الموصل إلى الصراط المستقيم والثناء العظيم أن يستعمل الإنسان فكره وقريحته فيما تنتج عنه الأخلاق المحمودة منه ومن غيره ويأخذ نفسه بما حسن منها واستملح ويصرفها عمن استهجن واستقبح فقد قيل كفاك تهذيبا وتأديبا لنفسك وترك ما كرهه الناس منك ومن غيرك.
قيل لروح الله عيسى من أدبك.
قال : ما أدبني أحد ، رأيت جهل الجاهل فتجنبته.
وقال الشاعر : إذا أعجبتك خلال امرئ فكنه تكن مثل من يعجبك وليس على المجد والمكرما ت إذا جئتها حاجب يحجبك وقالوا : من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذاك الأحمق حقا ، وقال الشاعر : لا تلم المرء على فعله وأنت منسوب إلى مثله
من ذم شيئا وأتى مثله فإنما دل على جهله (خد وابن سعيد) في طبقاته (و) أبو القاسم (البغوي) نسبة إلى قصبة بن مرو وهراة يقال لها بغ وبعثور (في معجمه) أي معجم الصحابة (و) أبو منصور (الباوردي) بفتح الموحدة وآخره دال مهملة نسبة إلى بلد بنواحي خراسان يقال لها أيبورد وخرج منها جماعة من الفضلاء والمحدثين منهم هذا (في المعرفة) أي كتاب معرفة الصحابة (هب عن حرملة) بفتح المهملة وسكون الراء وفتح الميم (ابن عبد الله بن أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو وربما نسب إلى جده فظن أنه غيره وليس كذلك كما نبه ابن حجر كغيره وهو التميمي العنبري الصحابي كان من أهل الصفة ونزل البصرة.
قال : " قلت يا رسول الله ما تأمرني به أعمل ؟ فقال : ائت " إلى آخره وكرر ذلك فكرر وكان من العباد ، قال البغوي كان له مقام قد غاصت فيه قدماه لطول المقام (وماله) أي لحرملة (غيره) أي لم يرو غير هذا الحديث يعني لا تعرف له رواية غيره ولو عبر بذلك كان أولى ، على أن ظاهر كلام ابن حجر خلاف ذلك وفيه عبد الله بن رجاء ، أورده الذهبي في ذيل الضعفاء.
وقال : قال الفلاس كثير الغلط والتصحيف ليس بحجة.
وقال أبو حاتم ثقة انتهى ، لكن كلام الحافظ ابن حجر مصرح بحسن الحديث فإنه قال : حديثه يعني حرملة في الأدب المفرد للبخاري ومسند الطيالسي وغيرهما بإسناد حسن وما جرى عليه المؤلف من أن اسم جده أوس ومن تبع فيه ابن منده وأبا نعيم لكن قال ابن عبد البر وغيره إنما هو إياس وقضية كلام ابن حجر ترجيحه فإنه جزم به ابن إياس أولا ثم قال وقيل ابن أوس.
29 - (ائت حرثك) أي محل الحرث من حليلتك وهو قبلها إذ هو لك بمنزلة أرض تزرع ، قال

(1/87)


الزمخشري : شبهن بالمحارث لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل وقوله * (فأتوا حرثكم) * معناه ائتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون حرثها ؟ قال : ومن المجاز كيف حرثك ؟ أي امرأتك ، قال : إذا أكل الجراد حروث قوم
فحرثي همه أكل الجراد (أنى شئت) أي كيف ومتى وحيث شئت ومن أي جهة شئت لا يخطر عليك جهة دون جهة عمم جميع الكيفيات الموصلة إليه إيماء إلى تحريم مجاورة ما سوى محل البذر لما فيه من العبث بعدم المنفعة فوسع الأمر إزاحة للعلة في إتيان المحل المنهي عنه.
وهذا من الكنايات اللطيفة والتعريضات البديعة ، قال الطيبي : وذلك أنه يبيح لهم أن يأتوهن من أي جهة شاؤا كالأراضي المملوكة وبذلك عرف سر تعبيره بأنى المفيدة لتعميم الأحوال والأمكنة والأزمنة.
وما ذكر من أن الدبر حرام هو ما استقر عليه الحال وعليه الإجماع الآن في الجملة.
وذهب شرذمة من السلف إلى حله تمسكا بأن هذا الحديث وما أشبهه من أحاديث باب ورد على سبب وهو كما في معجم الطبراني عن ابن عمر أن رجلا أصاب امرأته في دبرها فأنكر ذلك الناس فأنزل الله * (نساؤكم حرث لكم) * الآية.
قال الهيثمي : فيه يعقوب بن حميد وثقه ابن حبان وضعفه غيره وبقية رجاله ثقات ثم هذا عام مخصوص بغير حال نحو حيض وصوم وإحرام (وأطعمها) بفتح الهمزة أي الزوجة المعلومة من مرجع الضمير المعبر عنه بالحرث (إذا طعمت) بتاء الخطاب وكذا قوله (واكسها) بوصل الهمزة وسكون الكاف وضم المهملة وكسرها (إذا اكتسيت) قال القاضي وبتاء التأنيث فيهما غلط.
والكسوة بالكسر اللباس والضم لغة يقال كسوته إذا ألبسته ثوبا.
قال الحراني الكسوة رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من ذكر وأنثى وعبر " بإذا طعمت " إشارة إلى أنه يبدأ بنفسه للخبر الآتي : " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " وفيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها وهو إجماع والواجب في النفقة عند الشافعي مدان على الموسر ومد ونصف على المتوسط ومد على المعسر حبا سليما من غالب قوت بلدها مع الأدم من غالب أدم البلدوفي الكسوة قميص وسروال وإزار وخمار ونعل ويزاد في الشتاء جبة أو أكثر بحسب الحاجة ومحل بسطه كتب الفقه وفيه ندب مؤاكلة الزوجة خلافا لما يفعله الأعاجم ترفعا وتكبرا وإنه إن أكل بحضرتها بعد دفع الواجب لها ينبغي أن يطعمها مما يأكل جبرا وإيناسا (ولا تقبح) بفوقية مضمومة وقاف مفتوحة وموحدة مشددة (الوجه) أي لا تقل إنه قبيح.
ذكره الزمخشري : وقال القاضي : عبر بالوجه عن الذات فالنهي عن الأقوال والأفعال القبيحة في الوجه وغيره من ذاتها وصفاتها فشمل نحو لعن وشتم وهجر
وسوء عشرة وغير ذلك (ولا تضرب) ضربا مبرحا مطلقا ولا غير مبرح لغير نشوز.
وقال الحراني : وفيه إشارة بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا تصل إليها أحكام حكام الأنام مما لا يقع الفصل فيه إلا يوم القيام من حيث إن ما يجري بين الزوجين سر لا يفشى وفي إشعاره إبقاء للمروءة في الوصية بالزوجة بحيث لا يحتكم الزوجان عند حاكم في الدنيا ، وفيه تهديد على ما يقع في البواطن من المضارة والمضاجرة بين الزوجين في أمور لا تأخذها الأحكام ولا يصل إلى علمها الحكام وفيه أنه يحرم ضرب

(1/88)


الزوجة إلا النشوز فإذا تحققه فله ضربها ضربا غير مبرح ولا مدم فإن لم تنزجر به حرم المبرح وغيره ، وترك الضرب مطلقا أولى.
وقضية صنيع المؤلف أن مخرجه أبا داود رواه هكذا من غير زيادة ولا نقص ولا كذلك بل لفظه : " قال - أي معاوية بن حيدة - نساؤنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال : هي حرثك فأت حرثك أنى شئت غير أن لا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في المبيت وأطعمها إذا طعمت واكسها إذا اكتسيت كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض إلا بما حل عليها " أي جاز وفيه حسن الأدب في السؤال والتعظيم بالكناية عما يستحيا من ذكره صريحا والسعي فيما يديم العشرة ويطيب النفس (د عن) أبي عبد الملك (بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء وزاي معجمة (ابن حكيم) بفتح المهملة وكسر الكاف ابن معاوية (عن أبيه عن جده) معاوية بن حيدة الصحابي القشيري من أهل البصرة : " قال قلنا يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منها وما نذر ؟ فذكره وبهمز ، أورده الذهبي في الضعفاء وقال صدوق فيه لين وفي اللسان ضعيف وحكيم ، قال في التقريب صدوق وسئل ابن معين عن بهز عن أبيه عن جده فقال : إسناد صحيح إذا كان من دون بهز ثقة ولذلك رمز المصنف لحسنه.
30 - (ائتوا) أمر من الإتيان ، وزعم ابن الأثير أنه " ابنوا " من البناء ومعناه ابنوا المساجد مكشوفة الجدر - وهم.
قال المؤلف : ولعله تصحيف عليه (المساجد) جمع مسجد قال في المصباح وهو بيت الصلاة حال كونكم (حسرا) بمهملات بوزن سكر جمع حاسر أي كاشف يعني بغير عمائم.
قال الراغب : والحسر كشف البدن مما عليه.
وقال الزمخشري : حسر عمامته عن رأسه كشف وحسر كمه عن ذراعيه وكل شئ كشف فقد حسر وامرأة حسنة المحاسر ورجل حاسر مكشوف الرأس
(ومعصبين) أي ساترين رؤسكم بالعصابة أي بالعمامة وهو بضم الميم وفتح العين وكسر الصاد مشددة.
قال الزمخشري : المعصب المتوج ويقال للتاج والعمامة عصابة : يعني ائتوا المساجد كيف أمكن بنحو قلنسوة فقط أو بتعمم وتقنع ولا تتخلفوا عن الجمعة التي هي فرض عين ولا الجماعة التي هي فرض كفاية والتعمم عند الإمكان أفضل (فإن العمائم) جمع عمامة بكسر العين سميت به لأنها تعم جميع الرأس بالتغطية (تيجان المسلمين) مجاز على التشبيه أي كتيجان الملوك وفي رواية : " من سيما المسلمين " أي علامتهم كما أن التاج سيما الملوك.
وما اقتضاه الحديث من كون فقد العمامة غير عذر في ترك الجمعة والجماعة محله فيمن يليق به ذلك أما لو كان خروجه إلى المسجد بدون العمامة لا يليق به فلا يؤمر بالإتيان حاسرا عند فقدها.
" والتاج " الإكليل تجعله ملوك العجم على رؤسها مرصعا بجوهر كالعمامة للعرب.
قال الزمخشري : تقول ملك متوج وتوجوه فتتوج وفي صفة العرب العمائم تيجانها والسيوف سيجانها (عد) من رواية ميسرة بن عبيد عن الحكم بن عيينة عن ابن أبي يعلى (عن علي) أمير المؤمنين قال جدنا الأعلى من قبل الأم الزين العراقي في شرح الترمذي وميسرة بن عبيد متروك ومن ثم رمز المؤلف لضعفه لكن يشهد له ما رواه ابن عساكر بلفظ : " ائتوا المساجد حسرا ومقنعين فإن ذلك من سيما المسلمين ".

(1/89)


31 - (ائتوا) وجوبا (الدعوة) بالفتح وتضم على ما في القاموس لكن نوزع بتغليطهم لقطرب وتغلب في دعواهما جوازه كما حكاه النووي وغيره.
قال : ودعوة النسب بكسر الدال وعكس بنو تيم الرباب ففتحوا دال دعوة النسب وكسروا دال دعوة الطعام انتهى.
وما نسبه لتيم الرباب نسبه صاحب الصحاح والمحكم لبني عدي الرباب والمراد بها هنا وليمة العرس لأنها المعهودة عندهم عند الإطلاق (إذا دعيتم إليها) وتوفرت شروط الإجابة ، وهي عند الشافعية نحو عشرين ، وخص الإتيان بالأمر ليفيد عدم وجوب الأكل أما وليمة غير العرس من الولائم العشرة المشهورة فإتيانها عند الدعاء إليها مندوب حيث لا عذر.
قال بعض حكماء الإسلام : وإنما شرعت الإجابة لأن أصل الدعوة ابتغاء الألفة والمودة ففي النفس هنات وفي الصدر منها سخائم والآدمي مركب على طبائع شتى والنفوس
جبلت على حب من أكرمها لحبها للشهوات وأعظمها حب التعظيم وقضاء المنى ففي بر النفوس تقويمها وذلك عون لها على دينها فحث النبي الإجابة لتتأكد الألفة وتصفوا المودة وينتفي وغر الصدر.
وفي ترك الإجابة مفاسد لا تكاد تحصى (م عن ابن عمر) بن الخطاب.
32 - (ائتدموا بالزيت) إرشادا وندبا أي كلوا الخبز (بالزيت) المعتصر من الزيتون والباء للإلصاق أو الاستعانة أو المصاحبة والإدام بالكسر والأدم بضم فسكون ما يؤتدم به ، قال الزمخشري : أدم الطعام إصلاحه بالأدم وجعله موافقا للطاعم.
وقال المطرزي : مدار التركيب على الموافقة والملائمة وهو يعم المائع وغيره (وادهنوا به) أي اطلوا به بدنكم بشرا وشعرا.
قال في الصحاح وغيره : ادهن على وزن افتعل تطلي بالدهن (فإنه يخرج) أي يتفصل ويظهر والخروج في الأصل الانفصال من المحيط إلى الخارج ويلزمه الظهور والمراد هنا أنه يعصر (من شجرة) أي من ثمرة شجرة (مباركة) لكثرة ما فيها من القوى النافعة أو لأنها لا تكاد تنبت إلا في شريف البقاع التي بورك فيها ويلزم من بركتها بركة ما يخرج منها والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشئ ، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس ولا يدرك قيل لكل ما يشاهد فيه زيادة هو مبارك وفيه بركة.
ذكره الراغب ، قال الغزالي : والزيت يختص من سائر الادهان بخاصية زيادة الإشراق مع قلة الدخان.
واعلم أن المخصوص المخاطب بهذا الحديث أهل قطر مخصوص وهو الحجاز ونحوه.
قال ابن القيم : الدهن في البلاد الحارة الحجاز من أسباب حفظ الصحة وإصلاح البدن وهو كالضروري لهم وأما بالبلاد الباردة فضار وكثرة دهن الرأس به فيه خطر بالبصر.
وأنفع الأدهان البسيطة الزيت فالسمن فالشيريج.
قال : والزيت رطب حار في الأولى وغلط من قال يابس انتهى.
وكلا الإطلاقين غلط وإنما هو بحسب زيتونه فالمعتصر من نضيج أسود حار رطب باعتدال وهو أعدله وأجدوه ومن فج خام بارد يابس ومن زيتون أحمر متوسط والزيت ينفع من السم ويطلق البطن وعتيقه أشد إسخانا وتحليلا والمستخرج بالماء أبلغ نقعا وهذا أنموذج من منافعه

(1/90)


التي لا تكاد تحصى والشجر لغة ما بقي أصله بالأرض ويخلف إذا قطع وعرفا ماله ساق (ه ك) وقال على شرطهما وأقره الذهبي (هب) وكذا الدارقطني في الأفراد وأبو يعلى وعبد بن حميد كلهم من حديث
معمر عن زيد بن أسلم عن أبيه (عن عمر) بن الخطاب ورواه الترمذي باللفظ المذكور عن عمر في العلل وذكر أنه سأل عنه البخاري فقال : هو حديث مرسل.
قال : قلت له رواه أحمد عن زيد بن أسلم عن عمر ؟ قال : لا أعلمه.
33 - (ائتدموا) أي أصلحوا الخبز بالإدام فإن أكل الخبز بدون إدام وعكسه قد يورث أمراضا يعسر استخراجها فينبغي الائتدام (ولو) كنتم إنما تأتدمون (بالماء) القراح بأن تثردوا الخبز فكأنه خشي توهم خروج الماء عما يؤتدم به فأكد دخوله فيه بلو المدخلة لما بعدها فيما قبلها وذلك لأنه مادة الحياة وسيد الشراب وأحد أركان العالم بل ركنه الأصلي فإن السماوات السبع خلقت من بخاره والأرض من زبده وظاهر الحديث أن الماء يتغذى به البدن وهو ما عليه جمع من الأطباء بناء على ما يشاهد من النمو والزيادة والقوة في البدن سيما عند شدة الحاجة له وأنكر قوم منهم حصول التغذية به واحتجوا بأمور يرجع حاصلها إلى عدم الاكتفاء به وأنه لا يزيد في نمو الأعضاء ولا يخلف عليها ما حللته الحرارة وغير ذلك.
وعليه فالمراد بالغاية المبالغة ، " والماء " جوهر سيال يضاد النار برطويته وبرده وعرفه إشارة إلى حصول المقصود بأي نوع كان منه.
هبه نزل من السماء أو حدث في الأرض بطريق الانقلاب من الهواء أو غيره وهو شفاف لا لون له على القول المنصور لا يقال : نحن نراه أو نشاهده فلا يكون شفافا لأنا نقول ذاك لتركبه من أجزاء أرضية ومن ثم لو بولغ في تصفيته وتقطيره في أواني صلبة ضيقة صار لا يكاد يرى.
ذكره الشريف في حواشي التجريد وغيرها ، وعرفه بعضهم أيضا بأنه جسم لطيف يبرد غلة العطش به حياة كل نار.
قال الحراني : وهو أول ظاهر للعين من أشباح الخلق.
قال الزمخشري : وعينه واو ولامه هاء ولذلك صغر وكسر بمويهة وقد جاء أمواه.
قال : ومن المجاز ما أحسن موهة وجهه أي ماءه ورونقه ورجل ماه القلب كثير ماء القلب أحمق (طس) وكذا أبو نعيم والخطيب وتمام (عن ابن عمرو) بن العاص.
قال الهيتمي : وفيه عريك ين سنان لم أعرفه وبقية رجاله ثقات ، وقال ابن الجوزي : حديث لا يصح فيه مجهول وآخر ضعيف.
34 - (ائتدموا من) عصارة (هذه الشجرة) شجرة الزيتونة لما تقرر من عموم منافعها وقوله (يعني الزيت) مدرج من بعض رواته بيانا لما وقعت الإشارة عليه.
قال ابن العربي وللشجر قسمان طيب
ومبارك فالطيب النخلة والمبارك الزيتون ومن بركة شجر الزيتون إنارتها بدهنها وهي تكشف به الأسرار للأبصار وتقلب البواطن ظواهر ولذلك ضربه الله مثلا (ومن عرض عليه) أن أظهر وقدم إليه يقال عرضته أي أظهرته وبرزته لع ليأخذه وعرضت المتاع للبيع أظهرته لذوي الرغبة ليشتروه (طيب) بكسر فسكون أي شئ من طيب كمسك وعنبر وغالية أي قدم إليه في نحو ضيافة أو وليمة أو هدية فلا

(1/91)


يرده كما يأتي في خبر ، وإذا قبله (فليصب) أي فليتطيب يقال أصاب بغيته نالها وصاب السهم نحو الرمية وأصاب من امرأته كناية عن استمتاعه بها (منه) ندبا فإن المنة فيه قليلة وهو غذاء الروح التي هي مطية القوى والقوى تتضاعف وتزيد به كما تزيد بالغذاء والسرور ومعاشرة الأحبة وحدوث الأمور المحبوبة وغيبة من تسر غيبته ويثقل على الروح مشهده ولهذا كان من أحب الأشياء إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وله تأثير كبير في حفظ الصحة ودفع كثير من الأسقام وأسبابها بسبب قوة الطبيعة.
وقد تتبع بعضهم ما ينبغي قبوله لخفة المنة فيه فبلغ سبعة ونظمها في قوله : عن المصطفى سبع يسن قبولها إذا ما بها قد أنحف المرء خلان دهان وحلوى ثم در وسادة وآلة تنظيف وطيب وريحان (طس عن ابن عباس) قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي وتبعه الهيتمي : فيه النضر بن طاهر وهو ضعيف.
وبه يعرف ما في قول المؤلف في الكبير حسن.
35 - (ائتزروا) أي البسوا الإزار كخمار يذكر ويؤنث من الأزر وهو الشدة لأن المؤتزر يشد به وسطه ، وأصله إئتزر افتعل بهمزتين الأولى للوصل والثانية فاء افتعل.
قال في الفائق : واتزر عامي ، حرفه بعض الرواة وتأزير الحائط أن تصلح أسفله فتجعل له ذلك كالإزار (كما رأيت) أي أبصرت وشاهدت (الملائكة) ليلة الإسراء أو غيرها فرأى بصرية ولا يتعين جعلها علمية (تأتزر عند) مثلث العين (ربها) أي عند عرشه قالوا يا رسول الله كيف رأيتها تأتزر ؟ قال : (إلى أنصاف) جمع نصف
(سوقها) بضم فسكون جمع ساق.
قال في المصباح : والساق من الأعضاء أنثى وهو ما بين الركبة والقدم.
فإن قلت : ما سر اقتصاره على بيان محل انتهاء الإزار من أسفل وعدم تعرضه لمبدئه من أعلى ؟ قلت : من المعروف أن معقد الإزار هو الوسط بإزاء السرة.
والغرض المسوق له الحديث بيان أن إسبال الإزار منهي عنه وأنه ليس من شأن الملأ الأعلى وأن المطلوب المحبوب تقصيره معتدلا بحيث يكون سابغا سبوغا لا إسبال فيه وذلك بأن يكون إلى نصف الساق والملائكة جمع ملك تخفيف ملاك والتاء لتأنيث الجمع من الألوكة بمعنى الرسالة.
وقول الراغب : الملائكة يقع على الواحد والجمع فيه تأمل غلبت على الجواهر العلوية النورانية المبرأة عن الكدورات البشرية الجسمانية التي هي وسائط بين الله تعالى والبشر ، فإن قلت : إذا كانت الملائكة نورانية فكيف وصفها بأن لها سوقا ؟ قلت : لا مانع من تشكل النور كالإنسان في بعض الأحيان فهذا الشكل المخصوص مثال تمثل به الملك له وإن كانت له صورة حقيقية مشتملة على أجنحة وغيرها والملائكة والجن ترى بصور مختلفة كما بينه الغزالي ، قال : والملائكة تنكشف لأرباب القلوب تارة بطريق التمثل والمحاكاة وتارة بطريق الحقيقة ، والأكثر هو التمثيل بصورة محاكية للمعنى هو مثال المعنى لا عين المعنى إلا أنه يشاهد بالعين مشاهدة محققة وينفرد بمشاهدته المكاشف دون من حوله كالنائم ولا تدرك حقيقة صورة الملك بالمشاهدة إلا بأنوار النبوة انتهى.
وبه يعلم أن تمثلهم له بهيئة الائتزار إرشاد له إلى الدوام عليه وأمر أمته به وإلا فالملك لا عورة له يطلب سترها بالإزار.
قال التفتاراني : والملائكة لا

(1/92)


ذكور ولا إناث ، وقال بعض شراح الشفاء : إطلاق الأنوثة عليهم كفر بخلاف الذكورة ، وفي تذكرة ابن عبد الهادي عن يحيى بن أبي كثير أنهم صمد لا أجواف لهم.
ومقصود الحديث النهي عن إرسال الإزار (فر) من حديث عمران القطان عن المثنى بن صباح (عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله ابن عمرو السهمي ، قال يحيى القطان : إذا روى عن عمرو ثقة فهو حجة.
وقال أحمد : ربما احتججنا به ، مات سنة ثمان عشر ومائة بالطائف (عن أبيه) شعيب قال الذهبي : سماعه عن أبيه متيقن (عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص أحد العبادلة الأربعة أسلم قبل أبيه وكان من علماء الصحابة العباد ، مات بالطائف أو بمصر سنة خمس وستين ، ثم إن عمران القطان أورده الذهبي في
الضعفاء وقال ضعفه يحيى والنسائي والمثنى ضعفه ابن معين ، وقال النسائي : متروك ، وقال الزين العراقي في شرح الترمذي : فيه المثنى بن الصباح ضعيف عند الجمهور ، وقال ابن حجرفي زهر الفردوس المثنى ضعيف وكرره ، والحديث رواه الطبراني في الأوسط باللفظ المذكور عن صحابيه المزبور ، قال الهيتمي عقبه وفيه المثنى بن الصباح ويحيى بن يشكر ضعيفان وعنه ومن طريقه خرجه الديلمي فلو عزاه المؤلف إليه كان أولى.
36 - (إئذنوا) بكسر الهمزة الأولى وسكون الثانية من الأذن وهو لغة الإعلام وشرعا فك الحجر وإطلاق التصرف في شئ لمن كان ممنوعا منه شرعا (للنساء) اللاتي لا يخاف عليهن ولا منهن فتنة أو ريبة (أن يصلين بالليل في المسجد) لامه للجنس والأمر للندب إذ لو كان للوجوب لكان الخطاب لهن كما في نحو : " وأقمن الصلاة " ولانتفى معنى الاستئذان ولما قال في الرواية الأخرى " وبيوتهن خير لهن " قال ابن جرير : وإذا شرع الآذن لها فيما يندب شهوده كجماعة ففيما هو فرض كأداة شهادة وتعلم ديني أو مندوب مؤكد كشهود جنازة أحد أبويها أولى ، قال الراغب والآذن يعبر به عن العلم لأنه مبدأ كثير من العلم فتناول الآذن في الشئ إعلام بإجازته والرخصة فيه لكن بين الآذن والعلم فرق فإن الآذن أخص ولا يكاد يستعمل إلا فيما فيه مشتبه ، ضامه أمر أم لا (الطيالسي) أبو داود وهو بفتح الطاء ومثناه تحت وكسر اللام نسبة إلى الطيالسة التي تجعل على العمائم كذا قاله السمعاني واسمه سليمان بن داود ابن الجارود أصله من فارس وسكن بالبصرة ثقة حافظ غلط في أحاديث (عن ابن عمر) بن الخطاب رمز لحسنه وفيه إبراهيم بن مهاجر ، فإن كان البجلي الكوفي فقد أورده الذهبي في الضعفاء أو المدني فقد ضعفه النسائي أو الأزدي الكوفي فقد تركه الدارقطني.
37 - (إئذنوا للنساء) أن يذهبن (بالليل إلى المساجد) عام في كلهن ، وعلم منه ومما قبله بمفهوم الموافقة على أنهم يأذنون لهن نهارا أيضا لأنه أذن لهن ليلا مع أن الليل مظنة الفتنة فالنهار أولى فلذلك قدم مفهوم الموافقة مفهوم المخالفة ، إذ شرط اعتباره أن لا يعارضه مفهوم الموافقة على أن مفهوم الموافقة إذا كان للقب لا لنحو صفة لا اعتبار به أصلا كما قاله الكرماني كغيره ، ولهذا قال بعض أكابر

(1/93)


الشافعية الليل هنا لقب لا مفهوم له وعكس بعض الحنفية فوقف مع التقييد بالليل محتجا بأن الفساق فيه في شغل بنومهم أو فسقهم وينتشرون نهارا ، ورده ابن حجر بأن مظنة الريبة في الليل أشد وليس لكلهم فيه ما يشغلهم وأما النهار فيفضحهم غالبا ويصدهم عن التعرض لهن ظاهرا لكثرة انتشار الناس وخوف إنكارهم عليهم ، ثم هذا الأمر الندبي إنما هو باعتبار ما كان في الصدر الأول من عدم المفسدة ببركة وجود حضرة النبوة ومنصب الرسالة كما يفيده وخبر الشيخين عن عائشة : " لو أدرك النبي ما أحدث النساء بعده لمنعنهن الخروج إلى المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل " أما الآن فالإذن لهن مشروط بأمن الفتنة بهن أو عليهن أن تكون عجوزا غير متطيبة في ثياب بذلة وفيه منع خروج المرأة إلا بإذن حليل لتوجه الأمر إلى الزوج بالإذن ، ذكره النووي ونازعه ابن دقيق العيد بأنه إذا أخذ من المفهوم فهو مفهوم لقب وهو ضعيف لكن يقويه أن منع الرجال نساءهم أمر مقرر معروف (حم م د ت عن ابن عمر) بن الخطاب ظاهره أن هذا مما انفرد به مسلم عن صاحبه والأمر بخلافه.
وقد قال العراقي في المعنى : متفق عليه من حديث ابن عمر باللفظ المذكور.
38 - (أبى الله) أي لم يرد.
قال في الكشاف في قوله تعالى * (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) * أجرى أبى مجرى لم يرد ، ألا ترى كيف قوبل : * (يريدون أن يطفئوا) * بقوله * (ويأبى الله) * وأوقعه موقع لم يرد.
وقال الراغب : الإباء شدة الامتناع فكل إباء امتناع ولا عكس والأول هو المناسب هنا (أن يجعل) قال الحراني من الجعل وهو إظهار أمر عن سبب وتصيير.
وقال الراغب : جعل لفظ عام في الأفعال كلها وهو أعم من فعل وصنع وسائر أخواتها (لقاتل المؤمن) بغير حق (توبة) إن استحل وإلا فهو زجر وتخويف أما كافر غير ذمي فيحل بل يجب قتله ومذهب أهل السنة أنه لا يموت أحد إلا بأجله وأن القانل لا يكفر ولا يخلد في النار وإن مات مصرا وأن له توبة.
والقتل ظلما أكبر الكبائر بعد الكفر وبالقود أو العفو لا تبقى مطالبة أخروية ومن أطلق بقاءها أراد بقاء حق الله إذ لا يسقط إلا بتوبة صحيحة والتمكين من القود لا يؤثر إلا إن صحبه ندم من حيث الفعل وعزم أن لا يعود (طب والضياء) الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي (في) كتاب الأحاديث (المختارة) مما ليس في الصحيحين (عن أنس) قال في الفردوس صحيح ورواه جمع عن عقبة بن مالك
الليثي وسببه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأغاروا على قوم فشذ رجل منهم فاتبعه رجل من السرية شاهرا سيفه فقال : إني مسلم فقتله فنهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال قولا شديدا ثم ذكره.
39 - (أبى الله أن يرزق عبده المؤمن) المتقي المتوكل على ربه كما تؤذن به إضافته إليه وهو من انقطع إلى الله ومحص قصده للالتجاء إليه فلم يلتفت للأسباب وثوقا بالمسبب بدليل خبر الطبراني.
" من

(1/94)


انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ".
والحديث يفسر بعضه بعضا ولهذا قال بعضهم هذا لا يكون إلا لخواص عباده لأنه تعالى يغار عليهم أن يعتمدوا أو يلتفتوا لأحد سواه فيصير رزقهم في الدنيا كحالهم في الجنة ليس لأحد من الخلق فيه منة (إلا) قال الحراني مركبة من أن ولا مدلولها نفي حقيقة ذات عن حكم ما قبلها (من حيث لا يحتسب) أي من جهة لا تخطر بباله ولا تختلج بآماله : * (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) * والرزق إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أهنأ وأمرأ كما أن الخبر السار إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر ، والشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم وأشر ، فالتقوى تصير رزقه من غير محتسبه فبسقوط المحتسبية عن قلبه يعلم أنه متق.
قال سفيان الثوري : اتق الله فما رأيت تقيا محتاجا.
والمحسبة مظان الرزق ومصادره وأسبابه.
قال الحراني : وفيه إشعار بأنه عطاء متصل لا يتجدد ولا يتعدد لأن كل محسوب في الابتداء محاسب عليه في الإعادة فكان في الرزق بغير محسبة بشرى برفع الحساب عنه فالمؤمن الكامل يشهد الرزق بيد الرازق يخرج من خزائن الغيب فيجريه بالأسباب فإذا شهد ذلك كان قلبه مراقبا لما يصنع مولاه وعينه ناظرة لمختاره له معرضة عن النظر للأسباب فالساقط عن قلبه محسبة الرزق من أين وكيف ومتى بحيث لا يتهم ربه في قضائه يؤتى رزقه صفوا عفوا وتقواه معه وعلى رزقه طابع الإيمان والمتعلق بالأسباب قلبه جوال فإن لم يدركه لطف فهو كالهمج في المزابل يطير من مزبلة إلى مزبلة حتى يجمع أوساخ الدنيا ثم يتركها وراء ظهره وينزع ملك الموت مخالبه التي اقتنص بها الحطام ويلقى الله بإيمان سقيم دنس وينادى عليه يوم القيامة هذا جزاء من أعرض عن الله وإحسانه واتهم مولاه فلم يرض بضمانه.
فتح الله لنا طريق الهداية إليه ويسر لنا منهج التوكل عليه
(تنبيه) الحصر المذكور في هذا الحديث غير مراد بل المراد أن هذا هو الغالب فلا ينافي احتراف بعض الأصفياء وقد كان زكريا نجارا وإدريس خياطا وداود زرديا وفي حديث سيجئ : " وجعل رزقي تحت ظل رمحي " وكان أبو بكر تاجرا قال بعض الصوفية المراد بالرزق هنا ما يشمل المعنوي كالعلوم والمعارف (فر عن أبي هريرة) لكنه قال من حيث لا يعلم وفيه عمر بن راشد عن عبد الرحمن بن حرملة.
قال الذهبي : قال ابن عدي : مجهول منكر الحديث وابن حرملة ضعفه القطان وغيره (هب) وكذا الحاكم في تاريخه (عن علي) أمير المؤمنين وقضية صنيع المؤلف أن البيهقي خرجه وسلمه ولا كذلك بل تعقبه بقوله لا أحفظه إلا بهذا الإسناد وهو ضعيف بمرة انتهى.
وقد رواه العسكري بلفظ : " أبى الله أن لا يجعل أرزاق عباده المؤمنين من حيث لا يحتسبون " وسنده واه.
وقال الحافظ العراقي : رواه عن علي أيضا ابن حبان في الضعفاء وإسناده واه جدا انتهى.
وفي الميزان : متنه منكر بل قال ابن الجوزي : موضوع لكن نوزع.
40 - (أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة) بكسر الموحدة التحتية وسكون الدال أي مذمومة قبيحة وهي الأهواء والضلالة كما يأتي بمعنى أنه لا يثنيه على ما عمله ما دام متلبسا بها (حتى) أي إلى

(1/95)


أن (يدع) أي يترك (بدعته) بأن يتوب منها ويرجع إلى اعتقاد ما عليه أهل الحق ونفي القبول قد يؤذن بانتفاء الصحة كما في خبر : " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " ويفسر القبول حينئذ بأنه ترتب الغرض المطلوب من الشئ على الشئ وقد لا - كما هنا - ونحوه الآبق والناشزة وشارب الخمر ويفسر بأنه الثواب ومنه خبر أحمد الآتي " من صلى في ثوب قيمته عشرة دراهم فيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة مادام عليه " ويميز بين الاستعمالين بالأدلة الخارجية.
وأما القبول من حيث ذاته فلا يلزم من نفيه نفي الصحة وإن لزم من إثباته إثباتها وكما أن عمل المبتدع غير مقبول فذنبه غير مغفور.
قال حجة الإسلام : الجاني على الدين بابتداع ما خالف السنة بالنسبة لمن يذنب كمن عصى الملك في قلب دولته بالنسبة لمن خالف أمره في خدمة معينة وذلك قد يغفر فأما قلب الدولة فلا فلا فلا انتهى.
ولم أر من تعرض للعمل المنفي قبوله في هذا الحديث ما المراد به العمل المشوب بالبدعة فقط أو حتى
الموافق للسنة فظاهر الخبر التعميم أما المشوب بها فظاهر لأنه إذا عمل عملا على قانون بدعته عده سنة وهو لا يشعر ولا ثواب فيما خالف السنة وأما غيره فلأنه إذا عمل السنة فهو حال عمله يعتقد كونه بدعة فهو بمعزل عن قصد التقرب والامتثال.
وقد قال ابن القاسم : لا نجد مبتدعا إلا وهو منتقص للرسول وإن زعم أنه يعظمه بتلك البدعة فإنه يزعم أنها هي السنة إن كان جاهلا مقلدا وإن كان مستبصرا فيها فهو مشاق لله ولرسوله انتهى.
وقد ذم الله قوما رأوا الخير شرا وعكسه ولم يعذرهم فقال * (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * * (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) * ثم هذه الجملة توطئة وتأسيس إلى ما هو المقصود من السياق وهو الحث على سلامة العقيدة والتنفير من ملازمة البدعة ومجالسة أهلها.
والبدعة كما قال في القاموس : الحديث في الدين بعد الإكمال وما استحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الأهواء.
وقال غيره : اسم من ابتدع الشئ اخترعه وأحدثه ثم غلبت على ما لم يشهد الشرع لحسنه وعلى ما خالف أصول أهل السنة والجماعة في العقائد وذلك هو المراد بالحديث لإيراده في حيز التحذير منها والذم لها والتوبيخ عليها وأما ما يحمده العقل ولا تأباه أصول الشريعة فحسن والكلام كله في مبتدع لا يكفر ببدعته أما من كفر بها كمنكر العلم بالجزئيات وزاعم التجسيم أو الجهة أو الكون أو الاتصال بالعالم أو الانفصال عنه فلا يوصف عمله بقبول ولا رد لأنه أحقر من ذلك (ه وابن أبي عاصم في) كتاب محاسن (السنة) وكذا الديلمي والخطيب والسجزي في الابانة وابن النجار (عن ابن عباس) وهو عند ابن ماجه من حديث عبد الله بن سعيد عن بشر بن منصور الحافظ عن أبي زيد عن المغيرة عن ابن عباس ، قال في الميزان : وأبو زيد وأبو المغيرة لا يدرى من هما ، نعم يقويه ما رواه ابن ماجه أيضا عن حذيفة مرفوعا " لا يقبل الله لصاحب بدعة صلاة ولا صدقة ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا ، يخرج من الدين كما تخرج الشعرة من العجين ".
41 - (أبى الله أن يجعل للبلا) بالكسر والقصر ويجوز فتحها الألم والسقم.
قال الراغب : سمي

(1/96)


به لأنه يبلي الجسم (سلطانا) سلاطة وشدة ضنك (على بدن عبده) الإضافة للتشريف (المؤمن) أي على
الدوام فلا ينافي وقوعه أحيانا لتطهيره وتمحيص ذنوبه.
فلا يعارضه الخبر الآتي " إذا أحب الله عبدا ابتلاه " أو المراد هناك المؤمن الكامل بدليل خبر " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل " أو يقال المؤمن إذا ابتلي فإنه محمول عنه بحسب طاعته وإخلاصه ووجود حقائق الإيمان في قلبه حتى يحمل عنه من البلاء ما لو جعل شئ منه على غيره عجز عن حمله أو أن شدة محبته لربه الذي ابتلاه تدفع سلطان البلاء عنه حتى يصير عنده البلاء مستعذبا غير مسخوط بل يعده من أجل النعم أو المراد بالبلاء الذنوب وهو شؤم عواقبها فأهل البلاء هم أهل المعاصي وإن صحت أبدانهم وأهل العافية أهل السلامة وإن مرضوا.
ثم هذا كله سوق الكلام على ما هو المتبادر للأفهام ببادئ النظر من أن المقصود عدم الجعل حال الحياة ، وذهب بعضهم إلى تنزيله على ما بعد الموت ، وعليه فالمراد أن الأرض لا تأكل بدنه ولا ينافيه خبر " كل ابن آدم يأكله التراب " لأنه خص منه عشرة أصناف كما يأتي وأراد هنا واحدا منها.
قال الراغب : والبدن الجسد لكن البدن يقال اعتبارا بعظم الجثة والجسد اعتبارا باللون ومنه قيل امرأة بادن وبدين عظيمة الجسم (فر عن أنس) وفيه القاسم بن إبراهيم الملطي كذاب لا يطاق قال في اللسان له عجائب من الأباطيل.
42 - (إبتدروا) بكسر الهمزة والدال (الأذان) أي سابقوا إلى التأذين للصلاة وسارعوا إليه ندبا والبدار المسارعة (ولا تبتدروا الإمامة) بالكسر ككتابة أي لا تسابقوا إليها ولا تزاحموا عليها لأن المؤذن أمين والإمام ضمين كما في خبر ، والإمامة أعلى من الضمان ، ولدعائه له في خبر بالمغفرة والامام بالإرشاد والمفغرة أعلى ومن ثم ذهب النووي إلى تفضيله عليها وإنما لم يواظب النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه عليه لاحتياج رعاية المواقيت إلى فراغ وهو مشغولون بشأن الأمة ولهذا قال عمر لولا الخلافة لأذنت وهذا وأشباهه خطاب للصحب الحاضرين وحكمه عام في أمة الإجابة لأن حكم الشارع على الواحد حكمه على الجماعة إلا لدليل (ش عن يحيى بن أبي كثير) أبي منصور اليمامي أحد الأعلام من العلماء العباد (مرسلا) بفتح السين وتكسر كما في الديباج أرسل عن أنس وغيره وله شواهد.
43 - (ابتغوا) بكسر الهمزة اطلبوا بجد واجتهاد.
قال الراغب الابتغاء مخصوص بالاجتهاد في الطلب.
وقال الحراني الابتغاء افتعال تكلف البغي وهو أشد الطلب (الرفعة) بكسر الراء الشرف وعلو
المنزلة (عند الله) أي في دار كرامته.
قال الراغب : عند لفظ موضوع للقرب يستعمل تارة في المكان وتارة في الاعتقاد وتارة في الزلفى والمنزلة نحو * (أحياء عند ربهم يرزقون) * وعليه قوله : * (هو الحق من عندك) * قال بعض الصحب وما هي يا رسول الله أي وما يحصلها قال (تحلم) بضم اللام (عمن جهل) أي سفه (عليك) أي تضبط نفسك عن هيجان الغضب من سفهه.
قال الزمخشري : فلان يجهل على قومه يتسافه عليهم قال

(1/97)


ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وقال الراغب : الحلم ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب (وتعطي من حرمك) منعك ما هو لك أو معروفه ورفده لأن مقام الإحسان إلى المسئ ومقابلة إساءته بالصلة من كمال الإيمان الموجب للرفعة وفيه من الفوائد والمصالح ما ينبئ عنه نطاق الحصر فإذا بلغ العبد ذروة هاتين الخصلتين فقد فاز بالقدح المعلى وحل في مقام الرفعة عند المولى وقد اتفقت الملل والنحل على أن الحلم والسخاء يرفعان العبد وإن كان وضيعا وأنهما أصل الخصال الموصلة إلى السعادة العظمى وما سواهما فرع عنهما (عد عن) أبي عبد الرحمن (بن عمر) بن الخطاب وفيه كما في الأصل الوازع بن نافع متروك وقال الحاكم وغيره يروي أحاديث موضوعة وأطال في اللسان القدح فيه.
توهين ما يرويه.
44 - (ابتغوا الخير) كلمة جامعة تعم كل طاعة ومباح دنيوي وأخروي والمراد هنا الحاجة الأخروية أو الدنيوية كما يفسره رواية أبي يعلى والبيهقي والخرائطي " اطلبوا الحوائج " ورواية ابن عدي " اطلبوا الحاجات " (عند حسان) جمع حسن محركا والحسن بالضم الجمال.
وقال الراغب الحسن عبارة عن كل بهيج مرغوب فيه وهو ثلاثة أضرب مستحسن من جهة العقل ومستحسن من جهة الهوى ومستحسن من جهة الحسن.
والحسن أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر وفي القرآن للمستحسن من جهة البصيرة (الوجوه) لأن حسن الوجه وصباحته يدل على الحياء والجود والمروءة غالبا لكن قد يتخلف كما يشير إليه تعبيره في بعض الروايات " برب " أو المعنى اطلبوا حوائجكم من
وجوه الناس أي أكابرهم ويؤيده خبر " إن سألت فاسأل الصالحين " قال بعضهم : الرؤساء والأكابر يحتقرون ما أعطوه والصلحاء لا يشهدون لهم ملكا مع الله أو المراد بحسن الوجه بشاشته عند السؤال وبذل المسؤل عند الوجدان وحسن الاعتذار عند الفقد والعدم - (قط في) كتاب (الأفراد) عن علي بن عبد الله بن ميسرة عن محمد بن جعفر بن عبد الله الغفاري عن يزيد بن عبد الملك النوفلي عن عمران بن إياس (عن أبي هريرة) قال ابن الجوزي موضوع الغفاري يضع انتهى.
وتعقبه المؤلف في مختصر الموضوعات بأن ابن أبي الدنيا خرجه عن مجاهد بن موسى عن سفيان عن يزيد بن عبد الملك به فزالت تهمة الغفاري فكان ينبغي له أعني المؤلف أن يعزوه لابن أبي الدنيا الذي ذكر أن طريقه قد خلت عن الوضاع وأن لا يعزوه للدارقطني لأنه سلم أن في طريقه رضاعا.
وقد ذكر السخاوي الحديث من عدة طرق عن نحو عشرة من الصحب.
ثم قال طرقه كلها ضعيفة لكن المتن غير موضوع انتهى ، وسبقه لنحوه ابن حجر فقال : طرقه كلها ضعيفة وبعضها أشد ضعفا من بعض.
45 - (أبد) بفتح الهمزة وكسر الدال فعل أمر (المودة لمن وادك) أي أظهر ندبا المحبة الشديدة لمن أخلص حبه لك (فإنها) أي هذه الخصلة وفي رواية " فإنه " أي هذا الفعل (أثبت) أي أدوم وأرسخ والود

(1/98)


خالص الحب وهو منه بمنزلة الرأفة من الرحمة والمعنى إذا أحببت إنسانا لغير منهي عنه شرعا فاظهر له ذلك أي أعلمه بأنك تحبه ويأتي تعليله في خبر بأنه يجد لك مثل ما تجد له.
قال القاضي : وبذلك يتأكد الحب وتدوم الألفة ، والألفة إحدى فرائض الإسلام وأركان الشريعة ونظام شمل الدين.
ومما يجلب المودة المحافظة على الابتداء بالسلام مراعاة لأخوة الإسلام وتعظيما لشعار الشريعة.
قال : والود محبة الشئ مع تمنيه ولذلك يستعمل في كل منهما.
وقال الحراني : الود صحة نزوع النفس للشئ المستحق نزوعها له.
وقال الزمخشري : تقول ووددته ودا ومودة ووددت لو كان كذا وبودي لو كان كذا.
وقال الراغب : الود محبة الشئ وتمني كونه قاله والثبات فيه ضد الزوال (الحارث) بن محمد (بن أبي أسامة) التميمي صاحب المسند المشهور كان حافظا عارفا بالحديث تكلم فيه بلا حجة (طب) وابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان وأبو الشيخ [ ابن حبان ] في الثواب كلهم (عن أبي حميد) بالتصغير (الساعدي) عبد الرحمن وقيل
المنذر بن سعيد شهد أحدا وما بعدها وعاش إلى خلافة يزيد قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول فذكره.
قال الهيتمي : وفيه من لم أعرفهم انتهى.
وحينئذ فرمز المؤلف لحسنه عليل.
46 - (ابدأ) بالهمزة وبدونه فيه وفيما بعده كما ذكره الزركشي (بنفسك) أي بما تحتاجه من مؤنة وغيرها.
والنفس ما به ينفس المرء على غيره استبدادا منه واكتفاء بوجود نفاسته على من سواه ذكره الحراني والمراد هنا الذات أي قدم ذاتك فيما تحتاج إليه من نحو نفقة وكسوة (فتصدق عليها) لأنك المخصوص بالنعمة المنعم عليك بها فتلقاها بالقبول وقدم مهجتك وحاجتك على من تعول وسمى الانفاق عليها صدقة لأنه قربة إذا كان من حلال وكفافا وقد ينتهي إلى الوجوب وذلك عند الاضطرار (فإن) وفي رواية : " ثم إن " (فضل) بفتح الضاد ومضارعه بضمها وبكسر الضاد فمضارعه بفتحها وفضل بالكسر يفضل بالضم شاذ (شئ فلأهلك) أي زوجتك.
قال الراغب : يعبر عن امرأة الرجل بأهله وذلك لأن نفقتها معاوضة وما بعدها مواساة (فإن فضل عن أهلك شئ فلذي قرابتك) لأنهم في الحقيقة منك فيحصل بذلك الجبر التام بالمواساة وصلة الأرحام ثم إن حمل على التطوع شمل كل قريب أو الواجب اختص بمن تجب نفقته من أصل وفرع عند الشافعي وغيرهما أيضا عند غيره وله تفاريع في الفروع.
قال الزين العراقي : وسكت عن القن ولعله لأن أكثر الناس لا أرقاء لهم أو لأن المخاطب لا قن له وزعم دخوله في الأهل للمناقشة فيه مجال وقدم الحنابلة القن على القريب عند التزاحم وسكت عنه الشافعية.
قال الولي العراقي : وكأنه لأن له جهة ينفق منها وهي كسبه فإن تعذر بيع أو جزء منه لنفقته (فإن فضل عن ذوي قرابتك شئ فهكذا وهكذا) أي بين يديك وعن يمينك وشمالك كما فسره به في رواية مسلم والنسائي وكنى به عن تكثير الصدقة وتنويع جهاتها وليس المراد حقيقة هذه الجهات المخصوصة.
وفيه الابتداء بالنفقة على الترتيب المذكور.
قال المحقق أبو زرعة : ومحل تقديم النفس فيمن لا يصبر على الإضافة فمن صبر عليها فايثاره محبوب محمود في القرآن وفعله أكابر

(1/99)


الأعيان.
وفيه أن الإنسان إذا وجد بعض الصيعان في الفطرة قدم نفسه وإن وجدها كلها لأن في تأخيرها غرر لاحتمال أن المال يتلف قبل إخراجها.
وفيه أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قدم الآكد
وأن الأفضل في صدقة النفل تنويعها في وجوه البر بالمصلحة ولا يحصرها في جهة ونظر الإمام في مصلحة رعيته وأمرهم بما فيه مراشدهم والعمل بالإشارة وأنها قائمة مقام النطق إذا فهم المراد بها إلا أن الشافعية لم يكتفوا بإشارة الناطق إلا في الأمور الخفية لا كالعقود والفسوخ (ن عن جابر) بن عبد الله الأنصاري قال : " أعتق رجل عبدا له عن دبر فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أنك مال غيره ؟ قال : لا فقال : فمن يشتريه مني فاشتراه نعيم العدوي بثمانمائة درهم فجاء بها النبي صلى الله عليه وسلم فدفعها إليه ثم ذكره وإسناده صحيح.
47 - (إبدأ) بكسرة الهمزة وفتح المهملة (بمن تعول) أي تمون يعني بمن تلزمك مؤنته من نفسك وزوجك وقريبك وذي روح ملكته فإن اجتمعوا وله ما ينفق على الكل لزمه وإلا قدم نفسه فزوجته فولده الصغير أو المجنون فأمه فأباه فولده المكلف فجده فأبا جده وإن علا ذكره الشافعي.
قال السمهودي : والحديث وإن ورد في الإنفاق فالمحققون يستعملونه في أمور الآخرة كالعالم يبدأ بعياله في التعليم ويؤيده قوله تعالى : * (قوا أنفسكم وأهليكم نارا) * الآية.
وأخذ بعض الصوفية منه أنه يقصد بتعلم العلم نفسه أولا ثم المسلمين ثانيا : الأقرب فالأقرب.
فلا يقصد نفع غيره إلا تبعا ليحوز أجر النية والعمل (وطب) والقضاعي (عن حكيم بن حزام) بفتح الحاء والزاي كذا ضبطه ابن رسلان ومن خطه نقلت لكن ضبطه ابن حجر كالكرماني بكسر أوله وهو الظاهر وهو ابن خويلد الأسدي من المؤلفة الأشراف الذين حسن إسلامهم ، عاش مائة وعشرين سنة نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل فذكره ، رمز المؤلف لصحته وليس كما قال فقد قال الهيتمي : فيه أبو صالح مولى حكيم ولم أجد من ترجمه.
48 - (إبدؤا) بكسر الهمزة أيها الأمة في أعمالكم القولية والفعلية (بما) أي بالشئ الذي (بدأ الله به) في التزيل فيجب عليكم الابتداء في السعي بالصفا لابتدائه به في قوله تعالى : * (إن الصفا والمروة) * وفيه وجوب السعي.
قال الكمال ابن الهمام : ورد بصيغتي الخبر والأمر وهو يفيد الوجوب خصوصا مع ضم خبر : " خذوا عني مناسككم " انتهى.
فهو عند الحنفية واجب و عند الشافعي ركن وهذا وإن ورد على سبب وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ثم سعى فبدأ بالصفا وقرأ * (إن
الصفا والمروة من شعائر الله) *.
ثم ذكره فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقد كان الرسول يحافظ على تقديم كل مقدم فقدم غسل الوجه في الوضوء ثم فثم وزكاة الفطر على صلاة العيد تقديما للمقدم في آية : * (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) * (الأعلى : 14 ، 15) وبذلك اتضح استدلال الشافعية به على وجوب ترتيب الوضوء.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس وصححه : " أنه أتاه رجل فقال أأبدأ بالمروة قبل الصفا بالصفا ؟ وأصلي قبل أن أطوف أو أطوف

(1/100)


قبل ؟ وأحلق قبل أن أذبح أو أذبح قبل ؟ فقال خذه من كتاب الله فإنه أجدر أن يحفظ قال تعالى * (إن الصفا والمروة) * الآية فالصفا قبل ، وقال : * (وطهر بيتي للطائفين) * الآية فالطواف قبل وقال : * (لا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) * فالذبح قبل ".
انتهى.
وما ذكره في غير الصفا محمول على الأكمل لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم ما سئل يوم النحر عن شئ قدم ولا أخر إلا قال : افعل ولا حرج (قط) من عدة طرق (عن) أبي عبد الله (جابر) بن عبد الله الخزرجي المدني ورواه عنه أيضا النسائي بإسناد صحيح باللفظ المزبور في حديث طويل وكذا البيهقي وصححه ابن حزم فاقتفاه المؤلف فرمز لتصحيحه ورواه مسلم بلفظ : " ابدؤا " بصيغة المضارع للمتكلم وأحمد ومالك وابن الجارود وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والنسائي أيضا بلفظ : " نبدأ " بالنون.
وقال ابن دقيق العيد مخرج الحديث عندهم واحد وقد أجمع مالك وسفيان والقطان على رواية : " نبدأ " بنون الجمع.
قال ابن حجر : وهو أحفظ من الباقين وهو يؤيد ضبط مسلم.
49 - (أبردوا) بقطع الهمزة وكسر الراء (بالظهر) وفي رواية للبخاري : " بالصلاة " أي بصلاة الظهر كما بينته هذه الرواية أي أدخلوها في البرد بأن تؤخروها ندبا عن أول وقتها إلى أن يصير للحيطان ظل يمشي فيه قاصد الجماعة من محل بعيد بشرط عدم وجود ظل يمشي فيه وأن لا يجاوز به نصف الوقت وأن يكون بقطر حار كما يشير إليه قوله (فإن شدة الحر) أي قوته (من) بعض أو ابتداء (فيح) بفتح الفاء وسكون المثناة تحت (جهنم) أي هيجانها وغليانها وانتشار لهبها ، فعلم أن من تبعيضية أو ابتدائية وقال بعضهم جنسية بناء على ما قيل من أن كون شدة الحر من فيح جهنم تشبيه لا
حقيقة وحكمته دفع المشقة لسلب الخشوع أو كماله كما في من حضره طعام يتوق إليه أو يدافعه الخبث والأخبار الآمرة بالتعجيل عامة أو مطلقة والأمر بالإبراد خاص فهو مقدم وزعم أن التعجيل أكثر مشقة فيكون أفضل منع بأن الأفضلية لا تنحصر في الأشق فقد يكون غير الشاق أفضل كالقصر في الصلاة.
وأما خبر مسلم عن خباب بن الأرت " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا " أي لم يزل شكوانا فمنسوخ بالنسبة إلى الإبراد أو محمول على أنهم طلبوا تأخير زائدا على قدر الإبراد وظاهر الخبر وجوب الإبراد لكن لما قام الإجماع على عدمه حمل على الندب وإنما لم نؤمر بالتأخير لشدة البرد مع أنه أيضا من جهنم لأنه إنما يكون وقت الصبح ولا يزول إلا بطلوع الشمس فيخرج الوقت وخرج بالظهر غيرها حتى الجمعة للأمر بالتبكير إليها وإبراد النبي بها لبيان الجواز والأذان وأمره بالإبراد حمل على الإقامة بدليل التصريح بها في رواية الترمذي ، وجهنم اسم لنار الآخرة عربي لا معرب من الجهامة وهي كراهة المنظر غير منصرف للتعريف والتأنيث - (خ ه) وكذا أحمد (عن أبي سعيد) الخدري (حم ك) وقال صحيح وكذا الطبراني وابن قانع والضياء (عن صفوان بن مخرمة) بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح الراء والميم الزهري وهو أخو المسور (ن عن أبي موسى) الأشعري عبد الله بن

(1/101)


قيس أمير زبيد وعدن للنبي صلى الله عليه وسلم وأمير البصرة والكوفة لعمر.
قال الواقدي : كان حليفا لسعيد بن العاص وأسلم بمكة وهاجر الحبشة (طب عن) أبي عبد الرحمن (ابن مسعود) عبدا (عد عن جابر) بن عبد الله (ه) وكذا البيهقي والطبراني (عن المغيرة) بضم الميم على المشهور وتكسر (ابن شعبة) أحد دهاة العرب ، أسلم عام الخندق ومات سنة خمسين وأحصن في الإسلام ثلاثمائة امرأة وقيل ألفا.
قال المؤلف : حديث متواتر رواه بضعة عشر صحابيا.
50 - (أبردوا) ندبا (بالطعام) أي أخروا أكله إلى أن يبرد فتناولوه باردا يقال أبرد إذا دخل في البرد وأظهر إذا دخل في الظهيرة وباؤه للتعدية أو زائدة ثم علل الأمر بالتأخير بقوله (فإن الحار لابركة فيه) أي الطعام الحار أو مطلقا فيفيد الأمر بالابراد بالشراب في الشرب وفي الطهارة وفي رواية بدله " فإن الطعام الحار غير ذي بركة " وفي رواية : " فإنه أعظم للبركة " والمراد هنا نفي ثبوت الخير الإلهي
فيكره استعمال الحار لخلوه عن البركة ومخالفته للسنة بل إن غلب على ظنه ضرره حرم (فر عن ابن عمر) بن الخطاب وفيه إسحاق بن كعب.
قال الذهبي : ضعف عن عبد الصمد بن سليمان قال الدارقطني : متروك عن قزعة ابن سويد.
قال أحمد : مضطرب الحديث وأبو حاتم لا يحتج به عن عبد الله بن دينار غير قوي (ك عن جابر) بن عبد الله لكن بلفظ : " فإن الطعام الحار غير ذي بركة " (وعن أسماء) بفتح الهمزة وبالمد بنت الصديق أخت عائشة وأم أمير المؤمنين ابن الزبير من المهاجرات ، عمرت نحو مائة وعاشت بعد صلب ابنها عشر ليال (مسدد) في مسنده المشهور وهو اين مسرهد الأسدي البصري الحافظ من شيوخ البخاري (عن أبي يحيى) جد أبي هريرة الكوفي واسمه شيبان صحابي له هذا الحديث الواحد (طس عن أبي هريرة).
قال الهيتمي : وفيه عبد الله بن يزيد البكري ضعفه أبو حاتم (حل عن أنس) قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقصعة تفور فرفع يده منها وقال.
إن الله لم يطعمنا ناراثم ذكره.
51 - (أبشروا) بفتح الهمزة وكسر المعجمة (وبشروا) أي أخبركم بما يسركم وأخبروا (من وراءكم) بفتح الميم في رواية وكسرها في أخرى يعني أخبروا من قدامكم ممن سيوجد في المستقبل أو يقدم عليكم في الآتي ، كذا قرره شارحون ، وهو وإن كان صحيحا في نفسه لا يلائم قوله الآتي : " فخرجنا من عنده نبشر " والمناسب له أخبروا من لقيتم وهو وراء كلمة تكون خلفا وتكون قداما وأكثر ما تكون في المواقيت من الأيام والليالي لأن الوقت يأتي بعد مضي الإنسان فيكون وراءه وإن أدركه الإنسان كان قدامه ويجوز أن يكون المعني أخبروا من سواكم فإن وراء أيضا تأتي يمعنى سوى كقوله تعالى : * (فمن ابتغى وراء ذلك) * أي سواه والمراد أخبروهم بما يسرهم وهو (أنه) أي بأنه (من شهد أن) أي أنه (لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود (إلا الله) الواجب الوجود

(1/102)


لذاته (صادقا) نصب على الحال (بها) أي الشهادة أي مخلصا في إتيانه بها بأن يصدق قلبه لسانه (دخل الجنة) إن مات على ذلك ولو بعد دخوله النار فمآله إلى الجنة ولا بد ، فالميت فاسقا تحت المشيئة إن شاء عذبه كما يريد ثم مصيره إلى أن يعفى عنه فيخرج من النار وقد اسود فينغمس في نهر الحياة ثم يعود له
أمر عظيم من الحال والنضارة ثم يدخل الجنة ويعطى ما أعد له بسابق إيمانه وما قدمه من العمل الصالح وإن شاء عفا عنه ابتداء فسامحه وأرضى عنه خصماءه ثم يدخله الجنة مع الناجين.
وقول الخوارج : مرتكب الكبيرة كافر وقول المعتزلة مخلد في النار حتما ولا يجوز العفو عنه كما لا يجوز عقاب المطيع - من تقولهم وافترائهم على الله ، تعالى الله عما يقول الظالمون.
والبشارة الخبر السار الذي يظهر بأوله أثر السرور على البشرة ذكره القاضي.
وقال الراغب : الخبر بما يسر فتنبسط بشرة الوجه وذلك أن النفس إذ سرت انتشر الدم انتشار الماء في الشجر.
والصدق : الإخبار المطابق وقيل مع اعتقاد المخبر أنه كذلك عن دلالة أو أمارة واقتصر على أحد الركنين لأنهم كانوا عبدة أوثان فقصد به نفي ألوهية ما سواه تعالى مع اشتهاره عندهم بأنه رسول الله واستبانته منهم الإيمان بشهادة قدوم كبرائهم عليه مؤمنين (حم طب عن أبي موسى) الأشعري قال : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي نفر من قومي فقال أبشروا " إلى آخره : " فخرجنا من عنده نبشر الناس فاستقبلنا عمر فرجع بنا إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إذن يتكلوا فسكت " قال الهيتمي رجاله ثقات وله طرق كثيرة انتهى ولذلك رمز المؤلف لصحته هنا وقال في الأصل صحيح.
52 - (أبعد الناس من الله) أي من كرامته ومزيد رحمته من البعد.
قال الحراني : وهو انقطاع الوصلة في حس أو معنى (يوم القيامة القاص) بالتشديد أي الذي يأتي بالقصة من قص أثره اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا كما يقال تلى القرآن إذا قرأه لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ آية بعد آية كما في الكشاف.
وقال الحراني : القص تتبع أثر الوقائع والأخبار يبينها شيئا بعد شئ على ترتيبها في معنى قص الأثر وهو اتباعه حتى ينتهي إلى محل ذي أثر (الذي يخالف إلى غير ما أمر به) ببناء أمر للفاعل أي الذي يخالف قوله فعله ويعدل إلى غير ما أمر به الناس من التقوى والاستقامة ويمكن بناؤه للمفعول والفاعل الله أي الذي يخالف ما أمر الله به من مطابقة فعله لقوله وذلك لجرأته على الله بتكذيب فعله لقوله كبني إسرائيل لما قصوا أهلكوا أي تكلموا على القول وتركوا العمل فأهلكوا والمراد هنا من يعلم الناس العلم ولا يعمل به ومن خصه بالواعظ فقد وهم ومن هو كذلك لا ينتفع بعلمه غالبا ولا بوعظه ، إذ مثل المرشد من المسترشد كمل العود من الظل فمتى
يستوي الظل والعود أعوج ؟ لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

(1/103)


* (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) * ، * (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) * أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم : عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني.
وقال مالك بن دينار.
إذا لم يعمل العالم بعلمه زلت موعظته من القلوب كما يزل القطر من الصفا : يا واعظ الناس قد أصبحت متهما إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها وقال عمر لمن سأله عن القص : " اخش أن تقص فترتفع في نفسك ثم تقص فترتفع حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة " رواه أحمد بسند رجاله موثقون.
فحق الواعظ أن يتعظ بما يعظ ويبصر ثم يبصر ويهتدي ثم يهدي ولا يكون دفترا يفيد ولا يستفيد ومسنا يشحذ ولا يقطع بل يكون كالشمس التي تفيد القمر الضوء ولها أفضل مما تفيده وكالنار التي تحمي الحديد ولها من الحمى أكثر ويجب أن لا يجرح مقاله بفعله ولا يكذب لسانه بحاله فيكون ممن وصفه الله تعالى بقوله : * (ومن الناس من يعجبك قوله) * الآية.
فالواعظ ما لم يكن مع مقاله فعال لم ينتفع به إذ عمله مدرك بالبصر وعلمه مدرك بالبصيرة وأكثر الناس أهل أبصار لا بصائر فيجب كون عنايته بإظهار ما يدركه جماعتهم أكثر ومنزلة الواعظ من الموعوظ كالمداوي من المداوى فكما أن الطبيب إذا قال للناس لا تأكلوا كذا فإنه سم ثم رأوه يأكله عد سخرية وهزوا ، كذا الواعظ إذا أمر بما لم يعمله ، ومن ثم قيل يا طبيب طبب نفسك فالواعظ من الموعوظ يجري مجرى الطابع من المطبوع فكما يستحيل انطباع الطين من الطابع بما ليس منتقشا فيه فمحال أن يحصل في نفس الموعوظ
ما ليس في نفس الواعظ.
وقيل من وعظ بقوله ضاع كلامه ومن وعظ بفعله نفذت سهامه.
وقيل : عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل.
قال ابن قتيبة والحديث ورد سدا لباب الفساد من الزنادقة احتيالا على الطعن في الدين فإن القاص يروي مناكير وغرائب يميل بها وجوه الناس إليه وشأن العامة القعود عند من كان حديثه عجيبا انتهى.
وبذلك عرف أن القص منه ما هو مذموم وهو ما اشتمل على محذور مما ذكر وما هو محمود وهو التذكير بآلاء الله وآياته وأفعاله مع العمل بقضية ذلك.
قال الغزالي أخرج علي رضي الله تعالى عنه القصاص من مسجد البصرة إلا الحسن لكونه سمعه يتكلم بالتذكير بالموت والتنبيه على عيوب النفس وآفات الإهمال وخواطر الشيطان ويذكر بآلاء الله ونعمائه وتقصير العبد في شكره ويعرف بحقارة الدنيا وعيوبها وتصرمها وخطر الآخرة وأهوالها فهذا القص محمود إجماعا وهذا القاص محله عند الله عظيم.
روي أن يزيد ابن هارون مات وكان واعظا زاهدا فقيل له ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي وأول ما قال لي منكر ونكير من ربك قلت لهما أما تستحيان من شيخ دعى إلى الله كذا وكذا سنة ! ! قالوا وأول من قص تميم الداري في زمن عمر بإذنه وهذه الأولية بالنسبة إلى الأمة المحمدية.
روي أن موسى قص في بني إسرائيل فمزق بعضهم ثوبه فأوحى الله إليه قل له مزق قلبك ولا تمزق ثوبك.
وإنما قال في الحديث " أبعد الناس " لم يقل الخلق لظهور معنى النوس على أفعاله لاضطرابه في مخالفة قوله فعله والنوس حركة الشئ الخفيف المعلق في

(1/104)


الهواء (تنبيه) أخذ جمع من هذا الحديث وما في معناه أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر والجمهور على أنه له بل عليه ذلك لأنه مأمور بأمرين ترك المعصية والمنع للغير من فعلها والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر ولذلك أدلة من الكتاب والسنة (فر عن أبي هريرة) رمز المؤلف لضعفه وسببه أن فيه عمر بن بكر السكسكي أورده الذهبي في الضعفاء وقال ابن عدي له مناكير واتهمه ابن حبان بالوضع.
53 - (أبغض) أفعل تفضيل بمعنى المفعول من البغض وهو شاذ ومثله أعدم من العدم إذا افتقر (الحلال) أي الشئ الجائز الفعل (إلى الله الطلاق) من حيث إنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل قيد
العصمة المؤدي لقلة التناسل الذي به تكثر الأمة لا من حيث حقيقته في نفسه فإنه ليس بحرام ولا مكروه أصالة وإنما يحرم أو يكره لعارض ، وقد صح أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم آلى وطلق وهو لا يفعل مكروها ، ذكره في المطامح وغيرها.
وهذا كما ترى أولى من تنزيل الذهبي تبعا للبيهقي البغض على إيقاعه في كل وقت من غير رعاية لوقته المسنون واستظهر عليه بخبر : " ما بال أقوام يلعبون بحدود الله طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك " وخبر " لم يقول أحدكم لامرأته قد طلقتك قد راجعتك ؟ ليس هذا بطلاق المسلمين ، طلقوا المرأة في طهرها ".
وقال الطيبي : فيه أن بغض بعض الحلال مشروع وهو عند الله مبغوض كصلاة الفرد في البيت بلا عذر والصلاة في مغصوب.
وقال العراقي : فيه أن بغض الله للشئ لا يدل على تحريمه لكونه وصفه بالحل على إثبات بغضه له ، فدل على جواز اجتماع الأمرين بغضه تعالى للشئ وكونه حلالا وأنه لا تنافي بينهما وأحب الأشياء إلى الشيطان التفريق بين الزوجين كما يأتي في خبر ، والمراد بالبغض هنا غايته لا مبدؤه فإنه من صفات المخلوقين والبارئ منزه عنها والقانون في أمثاله أن جميع الأعراض النفسانية كغضب ورحمة وفرح وسرور وحياء وتكبر واستهزاء لها أوائل ونهايات وهي في حقه تعالى محمولة على الغايات لا على المبادئ التي هي من خواص الأجسام فليكن على ذكر منك أي استحضار له بقلبك فإنه ينفع فيما سيلقاك كثيرا (د ه ك) في كتاب الطلاق وكذا الطبراني وابن عدي (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب ورواه البيهقي مرسلا بدون ابن عمر وقال الفضل غير محفوظ.
قال ابن حجر : ورجح أبو حاتم والدارقطني المرسل وأورده ابن الجوزي في العلل بسند أبي داود وابن ماجه وضعفه بعبد الله الرصافي.
وقال : قال يحيى ليس بشئ والنسائي متروك الحديث وبه عرف أن رمز المؤلف لصحته غير صواب.
54 - (أبغض الخلق) أي الخلائق يقال هم خليقة الله وهم خلق الله.
قال الزمخشري ومن المجاز خلق الله الخلق أوجده على تقدير أوجبته الحكمة وهو رب الخليقة والخلائق (إلى الله من) أي مكلف ولفظ رواية تمام لمن باللام (آمن) أي صدق وأذعن وانقاد لأحكامه (ثم كفر) أي ارتد خصه ، من بين أصناف الكفار بهذه المبالغة والتشديد وأبرز ذمه في هذا النظم العجيب حيث أبهمه غاية الإبهام نعيا

(1/105)


عليه وتعجبا من شأنه حيث فعل ما فعل يعني انظروا إلى هذا الخبيث اللعين وقبيح ما ارتكبه حيث فعل ما لم يرض العاقل أن ينسب إليه وهو أنه اشترى الضلالة بالهدى فهو جدير بكونه أبغض الكفرة إلى ربه وأمقتهم عنده لاستعداده للاهتداء وقبوله له ثم نكوصه على عقبيه.
والقصد بذلك التوبيخ والتعيير فعسى أن يرتدع بالتشنيع عليه وتفظيع شأنه وتهجين سيرته وتقبيح سريرته ويظهر أن من قتل نبيا مثله أو أبغض وكذا من شهد المصطفى فيه بأنه أشقى الناس وعليه فالمراد أنه من أبغض (تمام) في فوائده من حديث أحمد البرقي عن عمرو بن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله عن نصر ابن علقمة عن ابن عائذ عن عمرو بن الأسود (عن معاذ) بضم الميم وفتح المهملة وبمعجمة (ابن جبل) ضد السهل ابن عمرو بن أوس الأنصاري من نجباء الصحابة.
قال أنس : جمع معاذ القرآن في حياة الرسول وكان أمة قانتا.
وقضية تصرف المؤلف أن هذا لم يخرجه أحد من المشاهير الذين وضع لهم الرموز والأمر بخلافه فقد خرجه الطبراني باللفظ المزبور من هذا الوجه.
قال الهيتمي : وفيه صدقة بن عبد الله السمين وثقه أبو حاتم وضعفه أحمد وبقية رجاله ثقات وبه يتجه رمز المؤلف لحسنه.
55 - (أبغض الرجال) المخاصمين وكذا الخنائي والنساء وإنما خص الرجال لأن اللدد فيهم أغلب ولأن غيرهم لهم تبع في جميع المواطن.
ألا ترى إلى قول الزمخشري : اكتفى الله بذكر توبة آدم دون حواء لأنها كانت تبعا له كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك (إلى الله الألد) بفتح الهمزة واللام وشد الدال أي الشديد الخصومة بالباطل الآخذ في كل لدد أي في كل شئ من المراء والجدال لفرط لجاجه كذا قرره الزمخشري.
قال الزركشي : ومنه * (لتنذر به قوما لدا) (مريم : 97) (الخصم) بفتح المعجمة وكسر المهملة أي المولع بها الماهر فيها الحريص عليها المتمادي في الخصام بالباطل لا ينقطع جداله وهو يظهر أنه على الحسن الجميل ويوجه لكل شئ من خصامه وجها ليصرفه عن إرادته من القباحة إلى الملاحة ويزين بشقشقته الباطل بصورة الحق وعكسه بحيث صار ذلك عادته وديدنه فالأول ينبئ عن الشدة والثاني عن الكثرة ، وسمي ألد لاستعماله لدديه أي جانبي فمه وعتقه ، وذهب بعضهم إلى أن أل في : " الرجال " للجنس وفي : " الألد " للعهد والمراد به الخصم الذي خصامه ومجادلته مع الله.
والذم وصف للمخاصم والصفة وهو كونه منشأ من موات وهو المني : * (أو
لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) * وقصة أبي بن خلف في قوله لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه مشهورة وذلك لأن الخصومة في ذلك كفر والكافر أبغض الخلق إلى الله قال ولو جعلت أل فيه جنسية لاستلزم كون الألد المؤمن أبغض إلى الله من حيث جنس الرجال وفيهم الكافر ورجح ابن حجر ما تقرر أولا من تنزيل الرجال على المخاصمين أو أن المراد الألد في الباطل المستحل له أو أن ذلك ورد على منهج الزجر لمن هذه صفته وتنبيها على قبح حاله وتفضيحه بتهجين عادته وتفظيع طريقته ، فعسى أن ينجع فيه هذا التشنيع فيلين قلبه وتنقاد نفسه وتضمحل رذائله فيرجع عما هو عليه من الشرور فيحصل له السرور بدخوله في قوله تعالى : * (إلا الذين تابوا) * (البقرة : 160 وآل عمران : 89 والنساء : 146 والمائدة : 34 والنور : 5) (تتمة) قال الغزالي : إذا خاصمت فتوقر

(1/106)


وتحفظ من جهلك وعجلتك وتفكر في حجتك ولا تكثر الإشارة بيدك ولا الالتفات إلى من وراءك ولكن اجث على ركبتيك وإذا هدأ غضبك فتكلم وإن قربك الشيطان فكن منه على حذر.
فهذه آداب المخاصمة (ق حم ت عن عائشة) رضي الله عنها ورواه أيضا عنها أحمد.
56 - (أبغض العباد) بكسر العين والتخفيف جمع عبد ويحتمل ضمها والتشديد جمع عابد ويشبه أنه أولى لما في إجراء أفعل التفضيل على حقيقته من العموم والصعوبة المحوجة إلى التأويل (إلى الله من) أي إنسان (كان ثوباه) أي إزاره ورداؤه وأصل الثوب رجوع الشئ إلى حالته الأولى التي كان عليها أو إلى حالته المقدرة المقصودة بالفكرة فمن الثاني الثوب سمي به لرجوع الغزل إلى الحالة التي قدر لها.
ذكره الراغب (خيرا من عمله) يعني من تزيا بزي الأبرار وعمله كعمل الفجار كما فسره بقوله (أن تكون ثيابه ثياب الأنبياء) أي كثيابهم الدالة على التنسك والتزهد (وعمله عمل الجبارين) أي كعملهم في البطش بالخلائق ونسيان نقمة الخالق وعدم التخلق بالرحمة والتهافت على جمع الحطام.
والجبار المتكبر المتمرد العاني.
وقال القاضي : فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره وهو من يجبر الناس على ما يريده.
وقال الزمخشري : الجبار الذي يفعل ما يريد من ضرب وقتل فيظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن وقيل المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله تعالى انتهى.
وذلك لأن أحب الخلق إلى
الله تعالى الأنبياء والصديقون فأبغض الخلق إليه من يتشبه بهم وليس منهم فمن تشبه بأهل الصدق والإخلاص وهو مرائي كمن تشبه بالأنبياء وهو كاذب.
وفيه أن من ظهر من جهال الطريق وبرز بالعدول عن التحقيق وتقشف تقشف أهل التجريد وتمزق حتى أوقع عقول العامة في الحرج الشديد فهو من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم قي الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (عق) وقال في الأصل إنه منكر وأقره عليه (فر) كلاهما من حديث يحيى ابن عثمان عن أبي صالح كاتب الليث عن سليم بن عيسى عن النوري عن جعفر بن برقان عن ميمون (عن عائشة) ويحيى جرحه ابن حبان وكاتب الليث فيه مقال وسليم متروك مجهول وابن برقان لا يحتج به.
ولهذا قال ابن الجوزي : موضوع وأقره عليه في الأصل.
وقال العقيلي : منكر وفي الميزان باطل.
وبه علم أن عزو المؤلف الحديث للعقيلي وسكونه عما عقبه به من الرد غير صواب وممن جزم بوضعه ابن عراق والهندي.
57 - (أبغض الناس إلى الله) أي أبغض عصاة المؤمنين إليه كما أفاده القاضي : المراد بالناس المقول عليهم جميع عصاة الأمة وأن الكافر أبغض من هؤلاء المعدودين ، وقول الطيبي : أراد بالناس المسلمين بدليل قوله " ومبتغ في الإسلام " (ثلاثة) أحدهم إنسان (ملحد) بالضم أي مائل عن الاستقامة (في) حق (الحرم) المكي بأن هتك حرمته بفعل محرم فيه من الإلحاد وهو الميل عن الصواب أو من اللحد وهو الحفرة المائلة عن الوسط ومصداقه * (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) * ذكره القاضي.
قال الزمخشري : ومن المجاز لحد السهم عن الهدف ولحد عن القصد عدل عند والحد في دين الله والحد في

(1/107)


الحرم ولحدإليه مال إليه انتهى.
وقال الراغب : ألحد بلسانه إلى كذا مال ومنه * (الذين يلحدون في آياتنا) * واحد مال عن الحق والإلحاد ضربان إلحاد إلى الشرك بالله وإلحاد إلى الشرك بالأسباب فالأول ينافي الإيمان ويبطله والثاني يوهن عراه ولا يبطله وذلك لهتك حرمته مع مخالفته أمر ربه فهو عاص من وجهين فهو بالبغض جدير.
واستشكل بأن ظاهره أن فعل الصغيرة في الحرم المكي أشد به من فعل الكبيرة في غيره واجيب بأن الإلحاد عرفا يستعمل في الخارج عن الدين فإذا وصف به من ارتكب محرما كان إشارة إلى عظمه ويدل عليه آية * (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) * الآية فإن
الإتيان بالجملة الاسمية يفيد ثبوت الإلحاد ودوامه والتنوين للتعظيم فهو إشارة إلى عظم الذنب.
قالوا وهذا من خصائص الحرم فإنه يعاقب الناوي للشر فيه إذا عزم عليه ولم يفعله.
وذهب بعض الصحابة إلى أن السيئات تتضاعف فيه كالحسنات (و) ثاني الثلاثة (مبتغ) بضم الميم وسكون الموحدة وفتح الفوقية وعين معجمة طالب (في الإسلام) أي في دينه (سنة الجاهلية) أي إحياء طريقة أهل زمن الفترة سمي به لكثرة الجهالة فيه كقتل البنات والطيرة والكهانة والنياحة والميسر والنيروز ومنع القود عن مستحقه وطلب الحق ممن ليس عليه كأصله وفرعه فإطلاق السنة على فعل الجاهلية ورد على أصل اللغة أو للتهكم (و) الثالث (مطلب) بالضم وشد الطاء وكسر اللام مفتعل من الطلب أي متطلب فأبدلت التاء طاء وأدغم أي التكلف للطلب المبالغ فيه (دم) أي إراقة دم (امرئ) مثلث الراء أي رجل وهو للذكر وخص بالذكر هنا وفي نظائره لشرفه وأصالته وغلبة دوران الأحكام عليه كما مر في الخنثى والأنثى مثله في الحكم وما ذكر من أن المرء يختص بالذكر هو ما عليه كثير ، لكن قال الحراني : المرء اسم سن من سنان الضبع يشارك الرجل فيه المرأة ويكون له فيه فضل ما " والدم " رزق البدن والأقرب إليه المحيط به ولم يقيد هنا بالمسلم اكتقاء بقوله (بغير الحق) وقيده به في رواية زيادة للبيان فخرج نحو حربي ومرتد وقاطع طريق ومهدر بأي سبب كان والقود (ليهريق) بضم أوله وهاء مفتوحة قد تسكن أي يصب (دمه) أي يقتله بنحو ذبح أو ضرب عنق بنحو سيف فيسيل دمه وخص هذه الكيفية المشتملة على إسالة الدم لكونها أغلب طرق القتل والمراد إزهاق روحه بمحدد أو مثقل أو غيرهما كنحو سم ، ولما كان المنع من إراقة الدم أعظم المقاصد أو هو أعظمها أعاده صريحا ولم يكتف بيهريقه وإن كفى والمراد الطلب المترتب عليه المطلوب أو ذكر الطلب ليلزم في الإهراق بالأولى ففيه مبالغة ، ذكره الكرماني.
وإنما كان هؤلاء الثلاثة أبغض المؤمنين إليه لأنهم جمعوا بين الذنب وما يزيد به قبحا من الإلحاد وكونه في الحرم وإحداث البدعة في الإسلام وكونها من أمر الجاهلية وقتل نفس لا لغرض بل بمجرد كونه قتلا ويزيد القبح في الأول باعتبار المحل وفي الثاني باعتبار الفاعل وفي الثالث باعتبار الفعل.
قال القاضي : القاتل بغير حق يقصد ما كرهه الله من وجهين من حيث كونه ظلما والظلم على الإطلاق مكروه مبغوض ومن حيث كونه يتضمن موت العبد ومساءته والله يكره
مساءته فلذلك استحق مزيد المقت وفي كل من لفظتي المبتغى والمطلب مبالغة أخرى وذلك لأن هذا الوعيد إذا ترتب على الطالب والمتمني فكيف بالمباشر (خ) في الديات وكذا في البيهقي والطبراني (عن ابن عباس) ولم يخرجه مسلم.

(1/108)


58 - (ابغوني) بالوصل من الثلاثي فهو مكسور الهمز أي اطلبوا لي طلبا حثيثا يقال ابغني مطالبي اطلبها لي وفي رواية بالقطع من الرباعي فهو مفتوح الهمزة أي أعينوني على الطلب يقال أبغيتك الشئ أي أعنتك على طلبه قال رؤية : فاذكر بخير وابغني ما ينبغي أي اصنع بي ما ينبغي أن يصنع.
ذكره الزمخشري.
قال ابن حجر : والأول أليق بالقياس وأوفق في المذاق وقال الزركشي الأول هو المراد بالحديث قال تعالى * (يبغونكم الفتنة) * أي يطلبونها لكم (الضعفاء) من يستضعفهم الناس لفقرهم ورثاثتهم.
قال القاضي : أي اطلبوا لي وتقربوا إلي بالتقرب إليهم وتفقد حالهم وحفظ حقوقهم والإحسان إليهم قولا وفعلا واستنصارا بهم.
قال الراغب : والضعف يكون في البدن وفي النفس وفي الحال وهو المراد هنا (فإنما ترزقون) تمكنون من الانتفاع بما أخرجنا لكم (وتنصرون) تعانون على عدوكم ويدفع عنكم البلاء والأذى.
قال القاضي : والنصرة أخص من المعونة لاختصاصها بدفع الضر.
قال الحراني والنصر لا يكون إلا لمحق وإنما لغير المحق الظفر والانتقام (بضعفائكم) بسبب كونهم بين أظهركم أو بسبب رعايتكم ذمامهم أو ببركة دعائهم والضعيف إذا رأى عجزه وعدم قوته تبرأ عن الحول والقوة بإخلاص واستعان بالله فكانت له الغلبة وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله بخلاف القوي فإنه يظن أنه إنما يغلب الرجال بقوته فتعجبه نفسه غالبا وذلك سبب للخذلان كما أخبر الله تعالى عن بعض من شهد وقعة حنين وفي رواية (في ضعفائكم) وفي أخرى (في الضعفاء) بزيادة في.
قال الزين العراقي : والذي وقع في أصول سماعنا من كتاب الترمذي : (أبغوني في ضعفائكم) وهو عند أبي داود والنسائي بإسقاط حرف الجر : ابغوني الضعفاء ، وفي مسند أحمد (ابغوني ضعفاءكم) وكذا رواه الطبراني قال وهو أصح من الرواية المتقدمة والمعنى اطلبوا لي ضعفاءكم انتهى.
وفي طيه إعلام بإسقاط كلمة النصر بالأسباب والعدة والعدد
والآلات المتعبة الشاقة والاستغناء بتعلق القلوب بالله تعالى فنصرة هذه الأمة إنما هي بضعفائها لا بمدافعة الأجسام فلذلك افتتح المصطفى المدينة بالقرآن ويفتح خاتمة هذه الأمة القسطنطينية بالتسبيح والتكبير.
قال بعض العارفين : ومن حكمته تعالى أنه أمر بالعدة للعدو وأخذه بالقوة وأخبر أن النصر بعد ذلك يكون بالضعفاء ليعلم الخلق فيما أمروا به من الاستعداد وأخذ الحذر أن يرجعوا للحقيقة ويعلموا أن النصر من عند الله يلقيه على يد الأضعف ، فالاستعداد للعادة والعلم بجهة النصر في الضعيف للتوحيد وأن الأمر كله لله عادة وحقيقة يدبره كيف شاء.
قال الطيبي : وفيه نهي عن مخالطة الأغنياء وتحذير من التكبر على الفقراء والمحافظة على جبر خواطرهم ، ولهذا قال لقمان لابنه : لا تحقرن أحدا لخلقان ثيابه فإن ربك وربه واحد.
وقال ابن معاذ : حبك الفقراء من أخلاق المرسلين وإيثارك مجالستهم من علامات الصالحين وفرارك منهم من علامات المنافقين.
وفي بعض الكتب الإلهية

(1/109)


أوحى الله إلى بعض أنبيائه احذر أن أمقتك فتسقط من عيني فأصب عليك الدنيا صبا ، قالوا : خرج موسى يستسقي لبني إسرائيل في سبعين ألفا بعد أن أقحطوا سبع سنين فأوحى الله إليه كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم سرائرهم ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ وقل له يخرج حتى أستجيب له فسأل عنه موسى فلم يعرفه فبينا هو ذات يوم يمشي إذا بعبد أسود يمشي بين عينيه أثر السجود في شملة عقدها على عنقه فعرفه بنور الله فسلم عليه ، وقال : إنك طلبتنا منذ حين استسق لنا فخرج فقال في كلامه : ما هذا فعالك وما هذا من حلمك وما الذي بدا لك أنقصت غيوثك أم عاندت الرياح طاعتك أم نفد ما عندك أم اشتد غضبك على المذنبين ألست كنت غفارا قبل خلق الخاطئين خلقت الرحمة وأمرت بالعطف ترينا أنك ممتنع أو تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة فما برح حتى أخصبت بنو إسرائيل بالقطر وأنبت الله العشب في نصف يوم ، قال حجة الإسلام فهذا عبد غلب عليه الأنس فلم ينغصه خوف التغير والحجاب فأثمر نوعا من الانبساط وذلك محتمل في مقام الأنس ومن لم يكن في مقامه وتشبه به هلك فالله الله في نفسك (تنبيه) هذا الحديث وما على منواله : " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " قد وقع التعارض ظاهرا بينه وبين خبر مسلم " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن
الضعيف وفي كل خير " وعند التأمل لا تدافع إذ المراد بمدح القوة القوة في ذات الله وشدة العزيمة وبمدح الضعف لين الجانب ورقة القلب والانكسار بمشاهدة جلال الجبار أو المراد بذم القوة التجبر والاستكبار وبذم الضعف ضعف العزيمة في القيام بحق الواحد القهار على أنه لم يقل هنا أنهم ينصرون بقوة الضعفاء وإنما مراده بدعائهم أو بإخلاصهم أو نحو ذلك مما مر (حم م حب ك) كلهم في الجهاد وكذا ابن حبان والطبراني والبيهقي (عن) حكيم هذه الأمة بنص المصطفى (أبي الدرداء) بفتح المهملتين وسكون الراء واسمه عويمر مصغر عامر بن مالك أو ابن عامر أو ابن ثعلبة أو غير ذلك قال الترمذي والحاكم صحيح وأقره الذهبي.
وفي الرياض ، إسناده جيد.
59 - (أبلغوا) أوصلوا.
قال القاضي البلوغ الوصول إلى الشئ ويقال للدنو منه على الاتساع ومنه قوله تعالى * (فبلغن أجلهن) * (حاجة من لا يستطيع) أي يطيق (إبلاغ حاجته) بنفسه لي أو إلى ذي سلطان وهذا أمر ظاهره الوجوب والترغيب فيه بالوعد بالثواب لا يصلح صارفا للندب.
قال جمع : ولا شك في الوجوب في زمنه لأن عدم ضجره وكثرة صبره محقق وأما بعده فشرطه سلامة العاقبة.
قال الراغب والحاجة إلى الشئ الفقر إليه مع محبته ، قال الزمخشري : ما يحتاج إليه ويطلب (فمن أبلغ سلطانا) أي إنسانا ذا قوة واقتدار على إنفاذ ما يبلغه ولو غير ملك وأمير (حاجة من لا يستطيع إبلاغها) دينية أو دنيوية (ثبت الله) دعاء أو خبر (قدميه) أقرهما وقواهما (على الصراط) الجسر المضروب على متن جهنم (يوم القيامة) لأنه لما حركهما في إبلاغ حاجة هذا العاجز

(1/110)


جوزي بمثلها وهي ثباتهما على الصراط يوم تزل الأقدام وبه يخرج الجواب عما قيل الجزاء من جنس العمل وفعل المبلغ التبليغ فالمناسب أن يقال بلغت عنه ، وأصل الصراط الطريق الخطر السلوك وهو كالطريق في التذكير والتأنيث وبينهما في المعنى فرق لطيف هو أن الطريق كل ما يطرقه طارق معتادا كان أو لا والسبيل من الطريق ما اعتيد سلوكه والصراط من السبيل ما لا التواء فيه ولا اعوجاج فهو أخص الثلاثة والمراد به هنا ما ينصب بين ظهراني جهنم يوم الجزاء وتحفه خطاطيف وكلاليب تجري أحوال الناس معها في يوم القرار على حسب مجراهم مع حقائقها ابتداء في هذه الدار ثم المراد بالأفعال
الواقعة في هذا الخبر وما قبله وبعده إيجاد حقائقها على الدوام (طب) وكذا أبو الشيخ [ ابن حبان ] (عن أبي الدرداء) وفيه إدريس بن يوسف الحراني.
قال في اللسان عن ذيل الميزان : لا يعرف حاله.
ثم إن المؤلف تبع في عزوه للطبراني الديلمي.
قال السخاوي : وهو وهم ، والذي فيه عنه بلفظ " رفعه الله في الدرجات العلى في الجنة " وأما لفظ الترجمة فرواه البيهقي في الدلائل عن علي وفيه من لم يسم انتهى.
فكان الصواب عزوه للبيهقي عن علي.
60 - (ابنوا المساجد) ندبا (واتخذوها) أي اجعلوها ، قال الحراني من الاتخاذ افتعال مما منه المؤاخذة كأنه الوخذ وهو تصير في المعنى نحو الأخذ في الحس (جما) بضم الجيم وشد الميم أي اجعلوها ندبا بلا شرف جمع أجم وهو ثور أو كبش بلا قرن فأطلق القرون على الشرف مجازا.
قال الزمخشري : من المجاز حصن أجم لا شرف له وقرية جماء وابنوا المساجد جما فيكره اتخاذ الشرف لأنه من الزينة المنهي عنها ومن المحدث : قال المقريزي في تذكرته : مات عثمان والمسجد بلا شرافات وأول من أحدثها عمر بن عبد العزيز.
قال الشافعية : وتكره الصلاة في مسجد بشرف لما في سنن البيهقي عن ابن عمر نهانا أو نهينا أن نصلي في مسجد مشرف ، وأخذ منه كراهتها في المزوق والمنقوش بالأولى لما فيه من شغل قلب المصلي ، ويحرم نقشه واتخاذ شرافات له من غلة ما وقف على عمارته أو مصالحه (ش هق) من حديث زهدم عن ليث بن أبي سليم عن أيوب (عن أنس) بن مالك رمز المؤلف لحسنه هنا وصرح به في أصله فقال حسن وليس كما ذكر فقد جزم الذهبي وغيره بأن فيه ضعفا وانقطاعا فإنه لما ساقه البيهقي من سنن أبي داود بسنده استدرك عليه فقال قلت هذا منقطع وتقدمه لذلك ابن القطان فقال ليث ضعيف وفيه انقطاع وأطال في بيانه وأقره مغلطاي.
61 - (ابنوا مساجدكم) أيها المسلمون (جما) أي مجممة بلا شرف ولا يستقيم جعل المعنى غير مرتفعة نظرا إلى أن المشرف يطلق أيضا على المطول لأنه إن أريد بالطول الامتداد في الجهات الأربع فلا يقول به عاقل لأنه يرجع إلى السعة وتوسيع المسجد مطلوب لا ينهى عنه وإن أريد الارتفاع فهو مأذون فيه بنص الخبر الآتي " ارفع البنيان إلى السماء وسل الله السعة " وأما ما قارنه قصد مباهاة فلا فرق في منعه بين طويل وقصير (وابنوا مدائنكم) بالهمز وتركه قال الكرماني والهمز أفصح جمع مدينة من مدن
أقام وهي المصر الجامع وقيل مفعلة من مدنت أي ملكت ، قال الجوهري سألت أبا علي الفسوى عن

(1/111)


همز مدائن فقال من جعله فعيلة همز ومن جعله مفعلة لم يهمز (مشرفة) كمعظمة أي اجعلوها لمساكنها شرافات أو اجعلوا لسورها ذلك أو اجعلوها مرتفعة ارتفاعا حسنا مقتصدا محكما تحصينا لها من العدو وذلك لأن الزينة إنما تليق بالمدن دون المساجد التي هي بيوت الله (ش عن ابن عباس) رمز لحسنه.
62 - (ابنوا المساجد) التي هي بيوت الله ، قال الراغب : المسجد الموضع المعد للصلاة.
وقال غيره : لما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق منه اسم المكان فقيل مسجد ولم يقل مركع ثم إن العرف خصه بالمكان المهيأ للصلوات الخمس فخرج نحو مصلي العيد ومدرسة ورباط فلا يعطى حكمه لاعدادها لغير ذلك (وأخرجوا القمامة منها) بضم القاف الكناسة.
قال الزمخشري تقول بيت مقموم وقممته بالمقمة أي المكنسة وينادى بمكة على المكانس المقام (فمن بنى لله تعالى) أي لأجله ابتغاء لوجهه (بيتا) مكانا يصلى فيه وتقييد البعض بالجماعة غير معتبر (بنى الله له بيتا في الجنة) سعته كسعة المسجد عشر مرات فأكثر كما يفيده التنكير الدال على التعظيم : * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * وإسناد البناء إليه سبحانه مجاز.
قال الحافظ العراقي : ولا بد لحصول هذا الثواب من اسم البناء فلا يكفي جعل الأرض مسجدا بدونه ولا نحو تحويطه بطين أو تراب ولا يتوقف حصوله على بنائه بنفسه بل أمره كاف والأوجه عدم دخول الباني لغيره بأجرة وقضية إناطة الحكم بالبناء عدم حصوله لمن اشترى بناء ووقفه مسجدا والظاهر خلافه اعتبارا بالمعنى انتهى.
وتبعه تلميذه ابن حجر.
قال الراغب : والبناء اسم لما يبنى.
وقال الزمخشري : مصدر سمى به المبني بيتا أو قبة أو خباء ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديدا والبيت مأوى الإنسان بالليل ثم قيل من غير اعتبار الليل فيه وجمعه أبيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن أخص والأبيات بالشعر أخص ويقع على المتخذ من حجر ومدر وصوف ووبر وبه شبه بيت الشعر ويعبر عن مكان الشئ بأنه بيته.
ولما قال المصطفى ذلك قالوا : يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطريق ؟ قال : " نعم " هكذا هو ثابت في رواية من عزى المؤلف له الحديث ثم لما ذكر جزاء
البناء عقبه بذكر جزاء إخراج القمامة على طريق اللف والنشر فقال (وإخراج القمامة) أي الزبالة (منها مهور الحور العين) أي نساء الجنة النجل العيون السود الحدق سمين به لأنهن يشبهن الظباء يعني له بكل مرة من كنسها حوراء في الجنة فمن كثر كثر له ومن قلل قلل له وهل يدخل الكناس بأجرة أو بمعلوم قياس ما تكرر فيما قبله عدم دخوله والظاهر أنه يشترط لحصول ذلك قصد الامتثال.
" والحور " جمع حوراء قال الزمخشري الحور البياض " والعين " جمع عيناء وهي النجلاء العين في حسن وسعة وفيه ندب بناء المساجد.
قال النووي : ويدخل فيه من عمره إذا استهدم فيتأكد بناءه وعمارته وإصلاح ما تشعب منه ويسن بناؤه في الدور والمراد بها كما قال ابن دقيق العيد القبائل.
وفيه ندب كنسه وتنظيفه وتحريم تقذيره حتى بطاهر لأنه استهانة به.

(1/112)


(فائدة) أخرج أبو الشيخ [ ابن حبان ] من مسند عبيدة بن مرزوق كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها المصطفى فمر على قبرها فقال : ما هذا ؟ قالوا أم محجن.
قال : التي كانت تقم المسجد ؟ قالوا : نعم فصف الناس فصلى عليها ثم قال : أي العمل وجدت أفضل ؟ قالوا : يا رسول الله أتسمع ؟ فقال : ما أنتم بأسمع منها.
ثم ذكر أنها أجابته : قم المسجد (طب) وكذا ابن النجار (والضياء) المقدسي (في) كتاب الأحاديث (المختارة) مما ليس في الصحيحين (عن أبي قرصافة) بكسر القاف وفاء مخففة الكناني واسمه جندرة بن خيشنة نزل عسقلان روت عنه ابنته.
رمز المؤلف لصحته.
وإن تعجب فعجب رمزه مع حكم الحافظ المنذري بضعفه وإعلال زين الحفاظ العراقي في شرح الترمذي له بأن في إسناده جهالة وقول الحافظ الهيتمي وغيره في إسناده لكن المؤلف اغتر بتصحيح الضياء.
63 - (أبن) بفتح فكسر أمر من الإبانة أي أبعد (القدح) بالتحريك الإناء الذي تشرب منه (عن فيك) عند الشرب ندبا ولا تشرب كشرب البعير فإنه يتنفس عند الشرب فيه (ثم تنفس) فإنه أحفظ للحرمة وأبعد عن تغير الماء وأصون عن سقوط الريق فيه وأنفى عن التشبه بالبهائم في كرعها فالتشبه بها مكروه شرعا وطبا لكن هنا شئ ينبغي التفطن له وهو أن الأمر بالإبانة إنما هو فيمن لم يرو من نفس واحد بغير عب ، ذكره في المطلب والمفهم - (ه سموية) بفتح المهملة وشد الميم مضمومة ومثناة تحت
مفتوحة وهو أبو بشر العبدي الفقيه الأصبهاني.
قال ابن أبي حاتم ثقة مأمون وأبو نعيم من الحفاظ الفقهاء (في فوائده) الحديثية (هب) كلاهما (عن أبي سعيد) الخدري.
رمز المؤلف لحسنه وفيه أمران : الأول أنه يوهم أنه لا يوجد مخرجا في أحد دواوين الإسلام الستة وإلا لما عدل لعزوه لسمويه لما مر عنه ولقول مغلطاي كغيره لا يجوز لحديثي أن يعدل عن الستة ويعزو حديثا لغيرها مع وجوده في شئ منها إلا إن كان فيه زيادة أو نحو ذلك مع أن هذا الحديث رواه مالك في الموطأ والترمذي في الأشربة عن أبي سعيد المذكور وصححه ولفظهما : " نهى عن النفخ في الشراب ، فقال رجل : القذاة أراها في الإناء ؟ قال : أهرقها قال : فإني لا أروى في نفس واحد ؟ قال : أبن القدح عن فيك ثم تنفس " انتهى.
ورواه أيضا كذلك البيهقي في الشعب.
الثاني أن رمزه لحسنه يوهم أنه غير صحيح وهو غير صحيح بل صحيح كيف هو من أحاديث الموطأ الذي ليس بعد الصحيحين أصح منه.
وقال الترمذي : حسن صحيح وأقره عليه النووي وغيره من الحفاظ.
64 - (ابن آدم) منادى محذوف الأداة والابن من البناء لأنه مبني من أبيه ولذلك ينسب المصنوع لصانعه فيقال ابن حرب وبنت فكر وآدم أبو البشر قال القاضي والمراد من ابن آدم آدم وأولاده فكأنه صار اسما للنوع كالإنسان والبشر وصدر به تنبيها للمنادى ليقبل بكليته على ما يلقى إليه (أطع ربك) مالكك الذي رباك بأنواع نعمه وصنوف كرمه ، ففي ذكره دون غيره تقريع للمكلف

(1/113)


وتذكير بآلاء الله عليه (تسمى) أي تستحق أن تسمى (عاقلا) كامل العقل (ولا تعصه فتسمى جاهلا) لأن ارتكاب المعاصي مما يدعو إليه السفه والجهل لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل ومن ركب متن العصيان هو الجاهل السفيه عند أهل الإيمان.
العاقل من أطاع الله وإن كان دميم المنظر رث الهيئة.
والجاهل من عصاه وإن كان جميل المنظر شريف المنزلة حسن الزي فصوحا نطوقا.
روى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا عويمر ازدد عقلا تزدد من ربك قربا.
قلت : من لي بالعقل ؟ قال : اجتنب مساخط الله وأد فرائضه تكن عاقلا.
ثم تنفل بصالحات الأعمال تزدد في الدنيا عقلا ومن ربك قربا وغلبة وعزا " قال الحكيم : وإنما سمي العقل
عقلا لأن الجهل ظلمة وعمله على القلب فإذا غلب نوره العقل وبصره في تلك الظلمة وأبصر صار عقالا للجهل.
قال الغزالي فالقردة والخنازير أعظم عند الله ممن عصاه.
فلا تغتر بتعظيم أهل الدنيا إياهم فإنهم من الخاسرين.
وقال الزمخشري : من تضرر من مشقة صرف ساعة للطاعة فوقع بسبب ذلك التضرر في مشقة الأبد كان من أجهل الجاهلين فإن العاقل من قاده عقله إلى طاعة مولاه ولم يتابع نفسه وهواه : ما تبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه وقال ابن القيم : مخالفة الرب تفسد العقل فإن للعقل نورا والمعصية تطفئه وإذا طفئ نوره ضعف ونقص.
ولهذا قال حكيم : ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله ، إذ لو حضره عقله حجزه عن العصيان وهو في قبضة الرب وتحت قهره وهو مطلع عليه وفي داره وعلى بساطه وملائكته شهود عليه ناظرون إليه وواعظ القرآن ينهاه وواعظ الإيمان بالموت والنار ينهاه فهل يقدم على الاستخفاف بذلك والاستهانة به ذو عقل ؟ وأخذ أقضى القضاة الماوردي من الخبر أن من صرف فضل عقله إلى المكر والدهاء والشر كزياد وأضرابه من دهاة العرب أن الداهية منهم لا يسمى عاقلا لأن الخير والدين من موجبات العقل وإنما هذا يسمى صاحب رواية ومكر ومن ثم لما عزله عمر قيل له أعن موجدة أو جناية ؟ قال : لا عن واحدة منهما إنما خفت أن أحمل الناس على فضل عقله.
أرأيت أن الشجاع إذا زاد على حد الشجاعة نسب إلى التهور ؟ والسخي إذا زاد على حد السخاء نسب إلى التبذير ؟ والعقل نور روحاني تدرك به النفس العلوم وقيل قوة يتميز بها الحسن عن القبيح وقيل العلم بالمدركات الضرورية وقيل غيرها ومحله القلب أو الدماغ (حل) من حديث علي بن زياد المتوتى عن عبد العزيز بن أبي رجاء عن سهل عن أبيه (عن أبي هريرة وأبي سعيد) الخدري.
ثم قال : غريب انتهى.
وعبد العزيز قال في الميزان عن الدارقطني متروك له مصنف موضوع.
ثم ساق له منه هذا ، قال عقبة في الميزان : هذا باطل وقد اقتصر المؤلف على الرمز لتضعيفه وكان الأولى حذفه.
65 - (ابن آدم عندك ما يكفيك) أي يسد حاجتك (وأنت تطلب) أي تحاول أخذ (ما يطغيك)
أي يحملك على الظلم ومجاوزة الحدود الشرعية : * (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) * (العلق : 6 ، 8) فإذا كان عندك ما يكفيك حالا فاشكر نعمة ربك ولا تطلب زيادة تطغيك (ابن آدم لا بقليل تقنع) أي ترضى لفقر نفسك إلى الزيادة.
" والقناعة " الرضا بما قسم وتطلق على الاكتفاء بقدر الضرورة وهو

(1/114)


معنى قولهم القناعة الرضا باليسير.
ولعل المراد هنا بقوله : " تقنع " لا بقيد القلة وإلا لكفى أن يقول لا تقنع ونكتة قصر القناعة على الرضا والنص على لفظ القلة معه رعاية الطباق بين القلة والكثرة المذكورة بقوله (ولا من كثير تشبع) وهو من أنواع البديع المستحسنة والباء في " بقليل " للمصاحبة ومن في " من كثير " بمعنى الباء ثم لما نعى عليه حاله وذم إليه خصاله حثه على الزهادة وبين له أن الكفاف مع الصحة والأمن محصل للغرض وزيادة فقال : (ابن آدم إذا أصبحت) أي دخلت في الصباح (معافى) أي سالما من الأسقام والآثام ومن قصره على الأول فقد قصر.
والعافية السلامة ودفع البلاء والمكروه (في جسدك) بدنك.
قال الراغب : والجسد كالجسم لكنه أخص فلا يقال الجسد لغير الإنسان أو الجسد يقال لما له لون والجسم لما لا يبين له لون كالماء والهواء (آمنا) بالمد وكسر الميم (في شربك) بكسر فسكون نفسك أو بفتح فسكون مذهبك ومسلكك أو بفتحتين بيتك (عندك قوت يومك) ما يقوم بكفايتك في يومك وليلتك وخص اليوم لأنه يستتبعها أو لأن الليل غير محل للاقتيات.
قال في الصحاح : القوت ما يقوم به البدن وفي المفردات ما يمسك الرمق (فعلى الدنيا العفا) بفتح المهملة والفاء كسماء الهلاك والدروس وذهاب الأثر.
قال الزمخشري : ومنه قولهم عليه العفاء إذا دعا عليه لعفو أثره.
والمعنى إذا كنت كذلك فقد جمع الله لك ما تحتاجه من الدنيا فدع عنك ما عداه واشتغل بما يقربك إلى الله.
قال الغزالي : مهما تأملت الناس كلهم وجدتهم يشكون ويتألمون من أمور وراء هذه الثلاث مع أنه وبال عليهم ولا يشكرون نعمة الله فيها.
ومر سليمان عليه السلام على بلبل بشجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه.
فقال : أتدرون ما يقول.
قالوا : الله ونبيه أعلم.
قال : يقول : أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء.
وصاحت فاخية فأخبر أنها تقول : ليت ذا الخلق لم يخلقوا.
وقال صالح بن جناح لابنه : إذا مر بك يوم وليلة وقد سلم فيهما دينك ومالك وبدنك وعيالك فأكثر الشكر لله.
فكم من مسلوب دينه
ومنزوع ملكه ومهتوك ستره ذلك اليوم وأنت في عافية ، ومن هنا نشأ زهد الزاهدين فاستراحت قلوبهم بالزهد وانكفوا بالورع عن الكد وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد وميز القريب من البعيد والشقي من السعيد والسادة من العبيد وهذا هو المهيع الذي قبض بسطة وجوه القلوب فلم يبق للعاقل حظ فيما زاد على كسرة تكسر شهوته وسترة تواري عورته وما زاد متجر إن أنفقه ربحه وإن ادخره خسره.
وفيه حجة لمن فضل الفقر على الغنى.
وقد أفاد مطلع الحديث أن الصحة نعمة عظيم وقعها جزيل نفعها بل هي أجل النعم على الإطلاق وفي إشعاره إعلام بأن العالم ينبغي له أن لا يغفل عن وعظ الناس إذ الإنسان لما جبل عليه من الغفلات لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترققه وأعمال تصدقه وإخلاص يحققه لترتفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكتسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصداء عن مرائي النفوس ولقد هز القلوب بحسن هذا النظم وبلاغة تناسبه وبداعة ربطه وبراعة تلاحمه : * (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) * (ق : 37) (عد هب) وكذا الخطيب وأبو نعيم وابن عساكر وابن النجار (عن ابن عمر) بن الخطاب ونقله عن ابن عدي وسكوته عليه يوهم أنه خرجه وسلمه والأمر بخلافه.
بل قال أبو بكر الداهري أحد رجاله

(1/115)


كذاب متروك.
وقال الذهبي : متهم بالوضع وهكذا هو في مسند البيهقي وذكر نحوه الحافظ ابن حجر فكان ينبغي حذفه.
66 - (ابن أخت القوم منهم) لأنه ينسب إلى بعضهم وهي أمه فهو متصل بأقربائه في كل ما يجب أن يتصل به كنصرة ومشورة ومودة وإفشاء سر ومعونة وبر وشفقة وإكرام ونحو ذلك.
قال الطيبي : فمن اتصالية.
ومن هذا التقرير تبين أنه لا حجة فيه لمن قال بتوريث ذوي الأرحام.
قال ابن أبي جمرة : وحكمة ذكر ذلك إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من عدم الالتفات إلى أولاد البنات فضلا عن أولاد الأخوات حتى قال قائلهم : بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فقصد بالحديث التحريض على الألفة بين الأقارب.
قال بعض الأعاظم : ومما يدل على أن الحديث ليس على عمومه أنه لو كان عاما جاز أن ينسب إلى خاله مثلا وكان معارضا للحديث الصحيح : " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام " إلى غير ذلك من الأحاديث المصححة المصرحة بالوعيد الشديد على ذلك ، فعلم أنه خاص وأن المراد به أنه منهم في الصلة والمعونة والمدافعة عنه.
والابن من البناء لأنه مبنى أبيه كما مر.
والأخت تأنيث الأخ وجعل التاء فيها كالعوض من المحذوف منه وهو الواو إذ أصله أخو - (حم ق ت ن عن أنس) بن مالك (د) وكذا أحمد والطبراني (عن أبي موسى) الأشعري (طب) وكذا الضياء في المختارة (عن جبير) بضم الجيم مصغرا (ابن مطعم) بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين وبكسر الميم وكسر المهملة الثانية حكاه الكرماني وهو ابن عدي ابن نوفل القرشي من سادات قريش وأعاظمها.
أسلم يوم حنين أو يوم الفتح وحسن إسلامه وكان حليما وقورا سيدا سندا (وعن ابن عباس) ترجمان القرآن (وعن أبي مالك) كعب بن عاصم أو عبيد أو عمرو أو الحارث (الأشعري) صحابي مشهور يعد في الشاميين ورواه أيضا أبو يعلى والحاكم وزاد بيان السبب وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر : " اجمع لي من هنا من قريش فجمعهم ثم قال : أتخرج إليهم أم يدخلون ؟ قال : أخرج فخرج فقال : يا معشر قريش هل فيكم من غيركم قالوا : لا إلا ابن أختنا فذكره.
ثم قال : يا معشر قريش إن أولى الناس بي المتقون فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي " قال أبو البقاء : في من وجهان أحدهما زائدة والتقدير هل فيكم غيركم.
الثاني صفة لموصوف محذوف أي أحد من غيركم كقوله تعالى : * (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق) * أي قوم مردوا على كل فالكلام تام وقولهم في الجواب إلا ابن أختنا يجوز رفعه على البدل ونصبه على الاستثناء.
67 - (ابن السبيل) أي المسافر والسبيل الطريق.
قال في الكشاف : يذكران ويؤنثان سمي به

(1/116)


للزومه له (أول شارب) من الشرب.
قال الراغب : هو تناول كل مائع أو غيره قال مخرجه الطبراني وتبعه المؤلف (يعني) هو مقدم على المقيم من شربه (من) ماء بئر (زمزم) أي عند الازدحام لمقاساة المشاق وضعفه بالاغتراب واحتياجه إلى إبراد حر فراق الأحباب وظاهر قوله " من زمزم " أن هذه
الأولية من خصائصها ولا كذلك ففي خبر البيهقي " ابن السبيل أحق بالماء والظل من الباني عليه " قال ابن الأثير : أراد أن ابن السبيل إذا مر بركية عليها قوم مقيمون فهو أحق بالماء منهم لأنه مجتاز وهم مقيمون.
وأخرج البيهقي عن الحسن أن رجلا أتى أهل ماء فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات عطشا فأغرمهم عمر ديته (طس عن أبي هريرة) قال الهيتمي : رجاله ثقات وحينئذ فرمز المؤلف لحسنه تقصير وحقه الرمز لصحته.
68 - (أبو بكر) عبد الله أمير الشاكرين أفضل من طلعت عليه الشمس بعد الأنبياء وفاقا من أهل السنة وإلزاما للشيعة بما في الصحيح عن علي كرم الله وجهه أنه خير الناس.
أسلم وأبوه وابنه وحفدته ولم يسجد لصنم قط ولا شرب خمرا وحديث أنه شربها قبل تحريمها وقعد ينوح على قتلى بدر فنزلت آية التحريم باطل ولهذا كانت عائشة تدعو على من ينسبه إليه : تحيا بالسلامة أم بكر فهل لي بعد قومي من سلام وتقول : والله ما قاله.
ومن ثم قال الأشعري : لم يزل بعين الرضا وإنما ذكره بكنيته لأن اشتهاره بها أكثر (وعمر) الفاروق ذو المقام الثابت المأنوق الذي أعز الله به دعوة الصادق المصدوق وفرق به بين الفصل والهزل وأظهر نواميس الفضل والعدل وأيد بما قواه به من لوامع الطول المديد شواهق التوحيد فظهرت الدعوة ورسخت الكلمة بما منحه الله من الصولة حتى شيدت الدولة (سيدا كهول أهل الجنة) يعني الكهول عند الموت لأنه ليس في الجنة كهل إذ هو من ناهز الأربعين وخطه الشيب وأهل الجنة في سن ثلاث وثلاثين فاعتبر ما كانا عليه عند فراق الدنيا ودخول الآخرة كذا قرره القرطبي وغيره وهو غير قويم إذ لو اعتبر ما كانا عليه عند الموت لما قال كهول بل شيوخ لأنهما ماتا شيخين لا كهلين فالأولى ما صار إليه بعضهم من أن المراد بالكهل هنا الحليم الرئيس العاقل المعتمد عليه يقال فلان كهل بني فلان وكاهلهم أي عمدتهم في المهمات وسيدهم في الملمات ، على أن ما صار إليه أولئك من أن الكهل من ناهز الأربعين غير متفق عليه ففي النهاية الكهل من زاد عن ثلاثين إلى أربعين وقيل من ثلاث وثلاثين إلى خمسين ، وفي الصحاح من جاوز الثلاثين وخطه الشيب ، نعم ذكر
الحراني أن الكهولة من نيف وأربعين إلى نيف وستين وعليه يصح اعتبار ما كانا عليه قبل الموت (من الأولين والآخرين) أي الناس أجمعين.
وهذا إطناب أتي به لقصد التعميم ودخول الكافة تحت حيطته إلا ما أخرجه بقوله (إلا) وفي رواية لكثيرين ما خلا (النبيين والمرسلين) زاد في رواية " يا علي لا تخبرهما " أي قبلي ليكون إخباري لهما أسر لهما لا أن ذلك لخوف الفتنة عليهما فقد أخبرهما بما هو أعظم ولم

(1/117)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية