صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

6679 - قوله ( هشام )
هو ابن يوسف الصنعاني .
قوله ( إنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم )
هذا الذي حكاه أنس أنه شاهده وسمعه كان بعد عقد البيعة لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة كما سبق بسطه وبيانه في " باب رجم الحبلى من الزنا " وذكر هناك أنه بايعه المهاجرون ثم الأنصار فكأنهم لما أنهوا الأمر هناك وحصلت المبايعة لأبي بكر جاءوا إلى المسجد النبوي فتشاغلوا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر عمر لمن لم يحضر عقد البيعة في سقيفة بني ساعدة ما وقع هناك ، ثم دعاهم إلى مبايعة أبي بكر فبايعه حينئذ من لم يكن حاضرا ، وكل ذلك في يوم واحد ، ولا يقدح فيه ما وقع في رواية عقيل عن ابن شهاب عند الإسماعيلي " أن عمر قال : أما بعد ، فإني قلت لكم أمس مقالة " لأنه يحمل على أن خطبته المذكورة كانت في اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك ، وزاد في هذه الرواية " قلت لكم ، أمس مقالة " وإنها لم تكن كما قلت والله ما وجدت الذي قلت لكم في كتاب الله ولا في عهد عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن رجوت أن يعيش " إلخ .
قوله ( قال )
يعني " عمر "
( كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا )
ضبطه ابن بطال وغيره بفتح أوله وسكون الدال وضم الموحدة ، أي " يكون آخرنا " قال الخليل : دبرت الشيء دبرا أتبعته ، ودبرني فلان : جاء خلفي . وقد فسره في الخبر بقوله " يريد بذلك أن يكون آخرهم " ووقع في رواية عقيل " ولكن رجوت أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبر أمرنا " وهو بتشديد الموحدة وعلى هذا فيقرأ الذي في الأصل كذلك ، والمراد بقوله يدبرنا : يدبر أمرنا لكن وقع في رواية عقيل أيضا " حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم آخرنا " وهذا كله قاله عمر معتذرا عما سبق منه حيث خطب قبل أبي بكر حين مات النبي صلى الله عليه وسلم فقال " إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت " وقد سبق ذلك واضحا .
قوله ( فإن يك محمد صلى الله عليه وسلم قد مات )
هو بقية كلام عمر ، وزاد في رواية عقيل ، فاختار الله لرسوله الذي يبقى على الذي عندكم .
قوله ( فإن الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به بما هدى الله محمدا )
يعني " القرآن " ووقع بيانه في رواية معمر عن الزهري في أوائل الاعتصام بلفظ " وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم فخذوا به تهتدوا كما هدى الله به رسوله صلى الله عليه وسلم " ووقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عند أبي نعيم في المستخرج " وهدى الله به محمدا فاعتصموا به تهتدوا فإنما هدى الله محمدا به " وفي رواية عقيل " قد جعل بين أظهركم كتابه الذي هدى به محمدا صلى الله عليه وسلم فخذوا به تهتدوا " .
قوله ( وأن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ )
قال ابن التين قدم الصحبة لشرفها ، ولما كان غيره قد يشاركه فيها عطف عليها ما انفرد به أبو بكر وهو كونه " ثاني اثنين " وهي أعظم فضائله التي استحق بها أن يكون الخليفة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قال " وإنه أولى الناس بأموركم " .
قوله ( فقوموا فبايعوه وكان طائفة إلخ )
فيه إشارة إلى بيان السبب في هذه المبايعة ، وإنه لأجل من لم يحضر في سقيفة بني ساعدة .
قوله ( وكانت بيعة العامة على المنبر )
أي في اليوم المذكور ، وهو صبيحة اليوم الذي بويع فيه في سقيفة بني ساعدة .
قوله ( قال الزهري عن أنس )
هو موصول بالإسناد المذكور وقد أخرجه الإسماعيلي مختصرا من طريق عبد الرزاق عن معمر .
قوله ( سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ اصعد المنبر )
في رواية عبد الرزاق عن معمر عند الإسماعيلي " لقد رأيت عمر يزعج أبا بكر إلى المنبر إزعاجا "
قوله ( حتى صعد المنبر )
في رواية الكشميهني " حتى أصعده المنبر " قال ابن التين : سبب إلحاح عمر في ذلك ليشاهد أبا بكر من عرفه ومن لم يعرفه ، انتهى . وكان توقف أبي بكر في ذلك من تواضعه وخشيته .
قوله ( فبايعه الناس عامة )
أي كانت البيعة الثانية أعم وأشهر وأكثر من المبايعة التي وقعت في سقيفة بني ساعدة . وقد تقدمت الإشارة إلى بيان ذلك عند شرح أصل بيعة أبي بكر من " كتاب الحدود "

(20/263)


6680 - حديث جبير بن مطعم الذي فيه " إن لم تجديني ، فأتي أبا بكر " وقد تقدم شرحه في أول مناقب أبي بكر الصديق وسيأتي شيء مما يتعلق به في " كتاب الاعتصام " .

(20/264)


6681 - قوله ( يحيى )
هو القطان ، وسفيان هو الثوري .
قوله ( عن أبي بكر قال لوفد بزاخة )
أي أنه قال ولفظه " أنه " يحذفونها كثيرا من الخط ، وقد وقع عند الإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق قال : جاء وفد بزاخة فذكر القصة " وبزاخة " بضم الموحدة وتخفيف الزاي وبعد الألف خاء معجمة وقع في رواية ابن مهدي المذكورة من أسد وغطفان ، ووقع في رواية أخرى ذكرها ابن بطال ، وهم من طيئ وأسد قبيلة كبيرة ينسبون إلى أسد بن خزيمة بن مدركة وهم إخوة كنانة بن خزيمة أصل قريش وغطفان قبيلة كبيرة ينسبون إلى غطفان بفتح المعجمة ثم المهملة بعدها فاء ، ابن سعد بن قيس عيلان بن مضر ، وطيئ بفتح الطاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف بعدها أخرى مهموزة وكان هؤلاء القبائل ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم واتبعوا طليحة بن خويلد الأسدي ، وكان قد ادعى النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فأطاعوه لكونه منهم فقاتلهم خالد بن الوليد بعد أن فرغ من مسيلمة باليمامة ، فلما غلب عليهم بعثوا وفدهم إلى أبي بكر ، وقد ذكر قصتهم الطبري وغيره في أخبار الردة وما وقع من مقاتلة الصحابة لهم في خلافة أبي بكر الصديق ، وذكر أبو عبيد البكري في " معجم الأماكن " أن بزاخة ماء لطيئ عن الأصمعي ولبني أسد عن أبي عمرو يعني الشيباني ، وقال أبو عبيدة هي رملة من وراء النباج ، انتهى . " والنباج " بنون وموحدة خفيفة ثم جيم موضع في طريق الحاج من البصرة .
قوله ( تتبعون أذناب الإبل إلخ )
كذا ذكر البخاري هذه القطعة من الخبر مختصرة ، وليس غرضه منها إلا قول أبي بكر خليفة نبيه ، وقد تقدم التنبيه على ذلك في الحديث الثالث ، وقد أوردها أبو بكر البرقاني في مستخرجه ، وساقها الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، ولفظه الحديث الحادي عشر من أفراد البخاري عن طارق بن شهاب قال " جاء وفد بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح ، فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية ، فقالوا : هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية ، قال : ننزع منكم الحلقة والكراع ونغنم ما أصبنا منكم ، وتردون علينا ما أصبتم منا وتدون لنا قتلانا ، ويكون قتلاكم في النار ، وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسوله والمهاجرين أمرا يعذرونكم به ، فعرض أبو بكر ما قال على القوم ، فقام عمر فقال : قد رأيت رأيا وسنشير عليك ، أما ما ذكرت - فذكر الحكمين الأولين - قال : فنعم ما ذكرت ، وأما تدون قتلانا ويكون قتلاكم في النار ، فإن قتلانا قاتلت على أمر الله ، وأجورها على الله ليست لها ديات " قال : فتتابع القوم على ما قال عمر . قال الحميدي : اختصره البخاري فذكر طرفا منه وهو قوله لهم " يتبعون أذناب الإبل - إلى قوله - يعذرونكم به " وأخرجه بطوله البرقاني بالإسناد الذي أخرج البخاري ذلك القدر منه ، انتهى ملخصا . وذكره ابن بطال من وجه آخر عن سفيان الثوري بهذا السند مطولا أيضا لكن قال فيه : " وفد بزاخة وهم من طيئ " وقال فيه " فخطب أبو بكر الناس " فذكر ما قالوا ، وقال : والباقي سواء ، " والمجلية " بضم الميم وسكون الجيم بعدها لام مكسورة ثم تحتانية من الجلاء بفتح الجيم وتخفيف اللام مع المد ومعناها : الخروج عن جميع المال . و " المخزية " بخاء معجمة وزاي بوزن التي قبلها : مأخوذة من الخزي ، ومعناها : القرار على الذل والصغار ، و " الحلقة " بفتح المهملة وسكون اللام بعدها قاف : السلاح ، و " الكراع " بضم الكاف على الصحيح وبتخفيف الراء : جميع الخيل . وفائدة نزع ذلك منهم أن لا يبقى لهم شوكة ليأمن الناس من جهتهم ، وقوله " ونغنم ما أصبنا منكم " أي يستمر ذلك لنا غنيمة نقسمها على الفريضة الشرعية ولا نرد عليكم من ذلك شيئا ، وقوله " وتردون علينا ما أصبتم منا " أي ما انتهبتموه من عسكر المسلمين في حالة المحاربة ، وقوله " تدون " بفتح المثناة وتخفيف الدال المضمومة : أي تحملون إلينا دياتهم ، وقوله " قتلاكم في النار " أي لا ديات لهم في الدنيا لأنهم ماتوا على شركهم ، فقتلوا بحق فلا دية لهم ، وقوله و " تتركون " بضم أوله ، " ويتبعون أذناب الإبل " أي في رعايتها لأنهم إذا نزعت منهم آلة الحرب رجعوا أعرابا في البوادي لا عيش لهم إلا ما يعود عليهم من منافع إبلهم ، قال ابن بطال : كانوا ارتدوا ثم تابوا ، فأوفدوا رسلهم إلى أبي بكر يعتذرون إليه فأحب أبو بكر أن لا يقضي بينهم إلا بعد المشاورة في أمرهم ، فقال لهم : ارجعوا واتبعوا أذناب الإبل في الصحاري ، انتهى . والذي يظهر أن المراد بالغاية التي أنظرهم إليها أن تظهر توبتهم وصلاحهم بحسن إسلامهم .

(20/265)


6682 - قوله ( حدثنا )
في رواية كريمة " حدثني " بالإفراد .
قوله ( عن عبد الملك )
في رواية سفيان بن عيينة " عند مسلم عن عبد الملك بن عمير " .
قوله ( يكون اثنا عشر أميرا )
في رواية سفيان بن عيينة المذكورة " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " .
قوله ( فقال كلمة لم أسمعها )
في رواية سفيان ، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي .
قوله ( فقال أبي إنه قال كلهم من قريش )
في رواية سفيان " فسألت أبي ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كلهم من قريش " ووقع عند أبي داود من طريق الشعبي عن جابر بن سمرة سبب خفاء الكلمة المذكورة على جابر ولفظه " لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثنى عشر خليفة قال : فكبر الناس وضجوا ، فقال : كلمة خفية فقلت لأبي : يا أبت ما قال " فذكره ، وأصله عند مسلم دون قوله " فكبر الناس وضجوا " ووقع عند الطبراني من وجه آخر في آخره : فالتفت فإذا أنا بعمر بن الخطاب وأبى في أناس فأثبتوا إلي الحديث ، وأخرجه مسلم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن جابر بن سمرة قال " دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بلفظ " إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة " وأخرجه من طريق سماك بن حرب عن جابر بن سمرة بلفظ " لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثنى عشر خليفة " ومثله عنده من طريق الشعبي عن جابر بن سمرة وزاد في رواية عنه " منيعا " وعرف بهذه الرواية معنى قوله في رواية سفيان " ماضيا " أي ماضيا أمر الخليفة فيه ، ومعنى قوله " عزيزا " قويا ومنيعا بمعناه ، ووقع في حديث أبي جحيفة عند البزار والطبراني نحو حديث جابر بن سمرة بلفظ " لا يزال أمر أمتي صالحا " وأخرجه أبو داود من طريق الأسود بن سعيد عن جابر بن سمرة نحوه قال : وزاد " فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا ، ثم يكون ماذا ؟ قال : الهرج " وأخرج البزار هذه الزيادة من وجه آخر فقال فيها " ثم رجع إلى منزله فأتيته فقلت : ثم يكون ماذا ؟ قال الهرج " قال ابن بطال عن المهلب : لم ألق أحدا يقطع في هذا الحديث - يعني بشيء معين - فقوم قالوا يكونون بتوالي إمارتهم ، وقوم قالوا يكونون في زمن واحد ، كلهم يدعي الإمارة . قال والذي يغلب على الظن أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأعاجيب تكون بعده من الفتن ، حتى يفترق الناس في وقت واحد على اثنى عشر أميرا ، قال : ولو أراد غير هذا لقال يكون اثنا عشر أميرا يفعلون كذا ، فلما أعراهم من الخبر عرفنا أنه أراد أنهم يكونون في زمن واحد انتهى ، وهو كلام من لم يقف على شيء من طرق الحديث غير الرواية التي وقعت في البخاري هكذا مختصرة ، وقد عرفت من الروايات التي ذكرتها من عند مسلم وغيره ، أنه ذكر الصفة التي تختص بولايتهم وهو كون الإسلام عزيزا منيعا ، وفي الرواية الأخرى صفة أخرى وهو أن كلهم يجتمع عليه الناس ، كما وقع عند أبي داود فإنه أخرج هذا الحديث من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه عن جابر بن سمرة بلفظ " لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة " وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن الأسود بن سعيد عن جابر بن سمرة بلفظ " لا تضرهم عداوة من عاداهم " وقد لخص القاضي عياض ذلك فقال : توجه على هذا العدد سؤالان أحدهما أنه يعارض ظاهر قوله في حديث سفينة يعني الذي أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " لأن الثلاثين سنة لم يكن فيها إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن بن علي . والثاني أنه ولي الخلافة أكثر من هذا العدد ، قال : والجواب عن الأول أنه أراد في حديث سفينة " خلافة النبوة " ولم يقيده في حديث جابر بن سمرة بذلك . وعن الثاني أنه لم يقل " لا يلي إلا اثنا عشر " وإنما قال : يكون " اثنا عشر " وقد ولي هذا العدد ولا يمنع ذلك الزيادة عليهم ، قال : وهذا إن جعل اللفظ واقعا على كل من ولي ، وإلا فيحتمل أن يكون المراد من يستحق الخلافة من أئمة العدل ، وقد مضى منهم الخلفاء الأربعة ولا بد من تمام العدة قبل قيام الساعة ، وقد قيل إنهم يكونون في زمن واحد يفترق الناس عليهم ، وقد وقع في المائة الخامسة في الأندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمى بالخلافة ، ومعهم صاحب مصر والعباسية ببغداد إلى من كان يدعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج ، قال ويعضد هذا التأويل قوله في حديث آخر في مسلم " ستكون خلفاء فيكثرون " قال : ويحتمل أن يكون المراد أن يكون " الاثنا عشر " في مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والاجتماع على من يقوم بالخلافة ، ويؤيده قوله في بعض الطرق " كلهم تجتمع عليه الأمة " وهذا قد وجد فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد ، فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم ، وهذا العدد موجود صحيح إذا اعتبر ، قال : وقد يحتمل وجوها أخر ، والله أعلم بمراد نبيه انتهى . والاحتمال الذي قبل هذا وهو اجتماع اثنى عشر في عصر واحد كلهم يطلب الخلافة هو الذي اختاره المهلب كما تقدم ، وقد ذكرت وجه الرد عليه ولو لم يرد إلا قوله " كلهم يجتمع عليه الناس " فإن في وجودهم في عصر واحد يوجد عين الافتراق ، فلا يصح أن يكون المراد ، ويؤيد ما وقع عند أبي داود ما أخرجه أحمد والبزار من حديث ابن مسعود بسند حسن " أنه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ " فقال : سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل " وقال ابن الجوزي : في " كشف المشكل " قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث وتطلبت مظانه وسألت عنه فلم أقع على المقصود به لأن ألفاظه مختلفة ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة ، ثم وقع لي فيه شيء وجدت الخطابي بعد ذلك قد أشار إليه ، ثم وجدت كلاما لأبي الحسين بن المنادي وكلاما لغيره ، فأما الوجه الأول فإنه أشار إلى ما يكون بعده وبعد أصحابه وأن حكم أصحابه مرتبط بحكمه . فأخبر عن الولايات الواقعة بعدهم ، فكأنه أشار بذلك إلى عدد الخلفاء من بني أمية ، وكأن قوله " لا يزال الدين - أي الولاية - إلى أن يلي اثنا عشر خليفة " ثم ينتقل إلى صفة أخرى أشد من الأولى ، وأول بني أمية يزيد بن معاوية وآخرهم مروان الحمار وعدتهم ثلاثة عشر ، ولا يعد عثمان ومعاوية ولا ابن الزبير ، لكونهم صحابة فإذا أسقطنا منهم مروان بن الحكم للاختلاف في صحبته ، أو لأنه كان متغلبا بعد أن اجتمع الناس على عبد الله بن الزبير صحت العدة ، وعند خروج الخلافة من بني أمية وقعت الفتن العظيمة والملاحم الكثيرة حتى استقرت دولة بني العباس فتغيرت الأحوال عما كانت عليه تغيرا بينا ، قال : ويؤيد هذا ما أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود رفعه " تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين ، فإن هلكوا فسبيل من هلك ، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما " زاد الطبراني والخطابي فقالوا : سوى ما مضى ؟ قال : نعم . قال الخطابي " رحى الإسلام " كناية عن الحرب شبهها بالرحى التي تطحن الحب لما يكون فيها من تلف الأرواح ، والمراد بالدين في قوله " يقم لهم دينهم " الملك ، قال فيشبه أن يكون إشارة إلى مدة بني أمية في الملك وانتقاله عنهم إلى بني العباس ، فكان ما بين استقرار الملك لبني أمية وظهور الوهن فيه ، نحو من سبعين سنة . قلت : لكن يعكر عليه أن من استقرار الملك لبني أمية عند اجتماع الناس على معاوية سنة إحدى وأربعين إلى أن زالت دولة بني أمية فقتل مروان بن محمد في أوائل سنة اثنتين وثلاثين ومائة أزيد من تسعين سنة ، ثم نقل عن الخطيب أبي بكر البغدادي قوله " تدور رحى الإسلام " مثل يريد أن هذه المدة إذا انتهت حدث في الإسلام أمر عظيم يخاف بسببه على أهله الهلاك يقال للأمر إذا تغير واستحال : دارت رحاه ، قال : وفي هذا إشارة إلى انتقاض مدة الخلافة ، وقوله " يقم لهم دينهم " أي ملكهم وكان من وقت اجتماع الناس على معاوية إلى انتقاض ملك بني أمية نحوا من سبعين ، قال ابن الجوزي : ويؤيد هذا التأويل ما أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه " إذا ملك اثنا عشر من بني كعب بن لؤي كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة " انتهى ، و " النقف " ظهر لي أنه بفتح النون وسكون القاف وهو كسر الهامة عن الدماغ ، والنقاف بوزن فعال مثله وكني بذلك عن القتل والقتال ، ويؤيده قوله في بعض طرق جابر بن سمرة " ثم يكون الهرج " وأما صاحب النهاية فضبطه بالثاء المثلثة بدل النون وفسره بالجد الشديد في الخصام ، ولم أر في اللغة تفسيره بذلك بل معناه " الفطنة والحذق " ونحو ذلك وفي قوله " من بني كعب بن لؤي " إشارة إلى كونهم من قريش ، لأن لؤيا هو ابن غالب بن فهر وفيهم جماع قريش ، وقد يؤخذ منه أن غيرهم يكون من غير قريش ، فتكون فيه إشارة إلى القحطاني المقدم ذكره في " كتاب الفتن " قال : وأما الوجه الثاني فقال أبو الحسين بن المنادي : في الجزء الذي جمعه في المهدي يحتمل في معنى حديث " يكون اثنا عشر خليفة " أن يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان فقد وجدت في " كتاب دانيال " إذا مات المهدي ملك بعده خمسة رجال من ولد السبط الأكبر ، ثم خمسة من ولد السبط الأصغر ؛ ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر ، ثم يملك بعده ولده فيتم بذلك اثنا عشر ملكا ؛ كل واحد منهم إمام مهدي ، قال ابن المنادي وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس " المهدي اسمه محمد بن عبد الله وهو رجل ربعة مشرب بحمرة يفرج الله به عن هذه الأمة كل كرب ، ويصرف بعدله كل جور ، ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر رجلا ، ستة من ولد الحسن ، وخمسة من ولد الحسين ، وآخر من غيرهم ؛ ثم يموت فيفسد الزمان " وعن كعب الأحبار " يكون اثنا عشر مهديا ، ثم ينزل روح الله ، فيقتل الدجال " قال : والوجه الثالث أن المراد وجود اثنى عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحق وإن لم تتوال أيامهم ، ويؤيده ما أخرجه مسدد في مسنده الكبير من طريق أبي بحر ، أن أبا الجلد حدثه " أنه لا تهلك هذه الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق ، منهم رجلان من أهل بيت محمد ، يعيش أحدهما أربعين سنة ، والآخر ثلاثين سنة " وعلى هذا فالمراد بقوله " ثم يكون الهرج " أي الفتن المؤذنة بقيام الساعة ، من خروج الدجال ثم يأجوج ومأجوج ، إلى أن تنقضي الدنيا . انتهى كلام ابن الجوزي ملخصا بزيادات يسيرة . والوجهان الأول والآخر قد اشتمل عليهما كلام القاضي عياض ، فكأنه ما وقف عليه بدليل أن في كلامه زيادة لم يشتمل عليها كلامه ، وينتظم من مجموع ما ذكراه أوجه ، أرجحها الثالث من أوجه القاضي لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة " كلهم يجتمع عليه الناس " وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته ، والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين ، فسمي معاوية يومئذ بالخلافة ، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ، ثم اجتمعوا على ولده يزيد ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك ، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير ، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة : الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام ، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز ، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين ، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام ، فولي نحو أربع سنين ثم قاموا عليه فقتلوه ، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك ، لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان " ولما مات يزيد ولي أخوه إبراهيم فغلبه مروان ، ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل ، ثم كان أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح ، ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه ، ثم ولي أخوه المنصور فطالت مدته ، لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس ، واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك ، وانفرط الأمر في جميع أقطار الأرض إلى أن لم يبق من الخلافة إلا الاسم في بعض البلاد ، بعد أن كانوا في أيام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض شرقا وغربا وشمالا ويمينا مما غلب عليه المسلمون ، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة ، ومن نظر في أخبارهم عرف صحة ذلك فعلى هذا يكون المراد بقوله " ثم يكون الهرج " يعني القتل الناشئ عن الفتن وقوعا فاشيا يفشو ويستمر ويزداد على مدى الأيام ، وكذا كان والله المستعان . والوجه الذي ذكره ابن المنادي ليس بواضح ، ويعكر عليه ما أخرجه الطبراني من طريق قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده رفعه " سيكون من بعدي خلفاء ، ثم من بعد الخلفاء أمراء ومن بعد الأمراء ملوك ، ومن بعد الملوك جبابرة ، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ثم يؤمر القحطاني فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه " فهذا يرد على ما نقله ابن المنادي من " كتاب دانيال " وأما ما ذكره عن أبي صالح فواه جدا ، وكذا عن كعب وأما محاولة ابن الجوزي الجمع بين حديث " تدور رحى الإسلام " وحديث الباب ظاهر التكلف ، والتفسير الذي فسره به الخطابي ، ثم الخطيب بعيد ، والذي يظهر أن المراد بقوله " تدور رحى الإسلام " أن تدوم على الاستقامة ، وأن ابتداء ذلك من أول البعثة النبوية فيكون انتهاء المدة بقتل عمر في ذي الحجة سنة أربع وعشرين من الهجرة ، فإذا انضم إلى ذلك اثنتا عشرة سنة وستة أشهر من المبعث في رمضان كانت المدة خمسا وثلاثين سنة وستة أشهر ، فيكون ذلك جميع المدة النبوية ومدة الخليفتين بعده خاصة ، ويؤيد حديث حذيفة الماضي قريبا الذي يشير إلى أن باب الأمن من الفتنة يكسر بقتل عمر ، فيفتح باب الفتن وكان الأمر على ما ذكر ، وأما قوله في بقية الحديث " فإن يهلكوا فسبيل من هلك ، وإن لم يقم لهم دينهم يقم سبعين سنة " فيكون المراد بذلك انقضاء أعمارهم ، وتكون المدة سبعين سنة إذا حصل ابتداؤها من أول سنة ثلاثين عند انقضاء ست سنين من خلافة عثمان ، فإن ابتداء الطعن فيه إلى أن آل الأمر إلى قتله كان بعد ست سنين مضت من خلافته ، وعند انقضاء السبعين لم يبق من الصحابة أحد ، فهذا الذي يظهر لي في معنى هذا الحديث ، ولا تعرض فيه لما يتعلق باثني عشر خليفة ، وعلى تقدير ذلك فالأولى أن يحمل قوله " يكون بعدي اثنا عشر خليفة " على حقيقة البعدية ، فإن جميع من ولي الخلافة من الصديق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفسا ، منهم اثنان لم تصح ولايتهما ولم تطل مدتهما وهما : معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم ، والباقون اثنا عشر نفسا على الولاء كما أخبر صلى الله عليه وسلم ، وكانت وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة ، وتغيرت الأحوال بعده ، وانقضى القرن الأول الذي هو خير القرون ، ولا يقدح في ذلك قوله " يجتمع عليهم الناس " لأنه يحمل على الأكثر الأغلب ، لأن هذه الصفة لم تفقد منهم إلا في الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير مع صحة ولايتهما ، والحكم بأن من خالفهما لم يثبت استحقاقه إلا بعد تسليم الحسن وبعد قتل ابن الزبير والله أعلم . وكانت الأمور في غالب أزمنة هؤلاء الاثني عشر منتظمة وإن وجد في بعض مدتهم خلاف ذلك ، فهو بالنسبة إلى الاستقامة نادر والله أعلم ، وقد تكلم ابن حبان على معنى حديث " تدور رحى الإسلام " فقال : المراد بقوله تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين .
انتقال أمر الخلافة إلى بني أمية ، وذلك أن قيام معاوية عن علي بصفين حتى وقع التحكيم هو مبدأ مشاركة بني أمية ؛ ثم استمر الأمر في بني أمية من يومئذ سبعين سنة ، فكان أول ما ظهرت دعاة بني العباس بخراسان سنة ست ومائة وساق ذلك بعبارة طويلة عليه فيها مؤاخذات كثيرة أولها : دعواه أن قصة الحكمين كانت في أواخر سنة ست وثلاثين وهو خلاف ما اتفق عليه أصحاب الأخبار ، فإنها كانت بعد وقعة صفين بعدة أشهر وكانت سنة سبع وثلاثين والذي قدمته أولى بأن يحمل الحديث عليه ، والله أعلم .

(20/266)


قوله ( باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة ، وقد أخرج عمر أخت أبي بكر حين ناحت )
تقدمت هذه الترجمة والأثر المعلق فيها والحديث في " كتاب الأشخاص " وقال فيه " المعاصي " بدل " أهل الريب " وساق الحديث من وجه آخر عن أبي هريرة وتقدم شرحه مستوفى في أوائل باب " صلاة الجماعة " وقوله في آخر الباب قال محمد بن يوسف . قال يونس ، قال محمد بن سليمان ، قال أبو عبد الله " مرماة ما بين ظلف الشاة من اللحم " مثل منساة وميضاة الميم مخفوضة وقد تقدم شرح " المرماتين " هناك ومحمد بن يوسف هذا هو الفربري راوي " الصحيح " عن البخاري ، ويونس هو ابن ومحمد بن سليمان هو أبو أحمد الفارسي راوي " التاريخ الكبير " عن البخاري ، وقد نزل الفربري في هذا التفسير درجتين ، فإنه أدخل بينه وبين شيخه البخاري رجلين ، أحدهما عن الآخر وثبت هذا التفسير في رواية أبي ذر عن المستملي وحده وقوله " مثل منساة وميضاة " أما منساة بالوزن الذي ذكره بغير همز فهي قراءة أبي عمرو ونافع في قوله تعالى ( تأكل منسأته ) ، وقال الشاعر : إذا دببت على المنساة من هرم فقد تباعد عنك اللهو والغزل أنشده أبو عبيدة ثم قال : وبعضهم يهمزها فيقول : منسأته . قلت : وهي قراءة الباقين بهمزة مفتوحة إلا ابن ذكوان فسكن الهمزة ، وفيها قراءات أخر في الشواذ ، والمنساة : العصا اسم آلة من أنسأ الشيء إذا أخره ، وقوله الميم مخفوضة أي في كل المنساة والميضاة ، وفي " الميضاة " اللغات المذكورة .

(20/267)


قوله ( باب هل للإمام أن يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة ونحوه )
في رواية أبي أحمد الجرجاني " المحبوس " بدل المجرمين ، وكذا ذكر ابن التين والإسماعيلي وهو أوجه لأن المحبوس قد لا يتحقق عصيانه والأول يكون من عطف العام على الخاص ، وهو المطابق لحديث الباب ظاهرا وذكر فيه طرفا من حديث كعب بن مالك في قصة تخلفه عن تبوك وتوبته وقد تقدم شرحها مستوفى في أواخر " كتاب المغازي " بحمد الله تعالى .

(20/268)


قوله ( بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب التمني )
. كذا لأبي ذر عن المستملي ، وكذا لابن بطال لكن " بغير بسملة " وأثبتها ابن التين لكن حذف لفظ " باب " وللنسفي " بعد البسملة ما جاء في التمني " وللقابسي " بحذف الواو والبسملة وكتاب " ومثله لأبي نعيم عن الجرجاني ولكن أثبت " الواو " وزاد بعد قوله كتاب التمني " والأماني " واقتصر الإسماعيلي على " باب ما جاء في تمني الشهادة " والتمني تفعل من الأمنية والجمع أماني ، والتمني إرادة تتعلق بالمستقبل فإن كانت في خير من غير أن تتعلق بحسد فهي مطلوبة وإلا فهي مذمومة . وقد قيل إن بين التمني والترجي عموما وخصوصا ، فالترجي في الممكن ، والتمني في أعم من ذلك ، وقيل التمني يتعلق بما فات وعبر عنه بعضهم بطلب ما لا يمكن حصوله وقال الراغب قد يتضمن التمني معنى الود ، لأنه يتمنى حصول ما يود ، وقوله " عبد الرحمن بن خالد " هو ابن مسافر الفهمي المصري ونصف السند مصريون ونصفه الأعلى مدنيون ، والمقصود منه هنا قوله " لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا " ووقع في الطريق الثانية " وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل " وهي أبين ، ووقع في رواية الكشميهني " لأقاتل " بزيادة لام التأكيد ، و " وددت " من الودادة وهي إرادة وقوع الشيء على وجه مخصوص يراد وقال الراغب " الود : محبة الشيء وتمني حصوله " فمن الأول ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) الآية ومن الثاني ( ودت طائفة من أهل الكتاب ) الآية . وقد تقدم شرح حديث الباب وتوجيه تمني الشهادة مع ما يشكل على ذلك في " باب تمني الشهادة من كتاب الجهاد " والله أعلم .

(20/269)


قوله ( باب تمني الخير )
هذه الترجمة أعم من التي قبلها لأن " تمني الشهادة في سبيل الله تعالى من جملة الخير " وأشار بذلك إلى أن التمني المطلوب لا ينحصر في طلب الشهادة وقوله " وقول النبي صلى الله عليه وسلم لو كان لي أحد ذهبا " أسنده في الباب بلفظ " لو كان عندي " واللفظ المعلق وصله في الرقاق بلفظ " لو كان لي مثل أحد ذهبا " وقوله في الموصول " وعندي منه دينار ليس شيء أرصده في دين علي أجد من يقبله " كذا وقع ، وذكر الصغاني أن الصواب " ليس شيئا " بالنصب ، وقال عياض : في هذا السياق نظر ، والصواب تقديم " أجد من يقبله " وتأخير " ليس " وما بعدها ، وقد اعترض الإسماعيلي فقال هذا لا يشبه التمني ، وغفل عن قوله في سياق رواية همام عن أبي هريرة " لأحببت " فإنها بمعنى وددت ، وقد جرت عادة البخاري أن يترجم ببعض ما ورد من طرق بعض الحديث المذكور ، وتقدم شرح الحديث مستوفى في " كتاب الرقاق " وتقدم كلام ابن مالك في ذلك هناك .

(20/270)


قوله ( باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت )
ذكر فيه حديث عائشة بلفظه وبعده " ما سقت الهدي " وقد مضى من وجه آخر أتم من هذا في " كتاب الحج " ثم ذكر بعده حديث جابر وفيه " إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، ما أهديت " وحبيب في السند هو ابن أبي قريبة واسمه زيد وقيل غير ذلك وهو المعروف بالعلم ، وتقدم شرح الحديث مستوفى في " كتاب الحج " وقد وقع فيه " لو " مجردة عن النفي ومعقبة بالنفي حيث جاء فيه " لو أني استقبلت " وقال بعده " ولولا أن معي الهدي لأحللت " وسيأتي ما قيل فيهما بعد أربعة أبواب .

(20/271)


قوله ( باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ليت كذا وكذا )
ليت حرف من حروف التمني يتعلق بالمستحيل غالبا وبالممكن قليلا ، ومنه حديث الباب فإن كلا من الحراسة والمبيت بالمكان الذي تمناه قد وجد .

(20/272)


6690 - قوله ( أرق )
بفتح أوله وكسر الراء أي " سهر " وزنه ومعناه وقد تقدم بيانه في باب الحراسة في الغزو مع شرحه ، وقوله " من هذا ؟ قيل سعد " في رواية الكشميهني " قال سعد " وهو أولى فقد تقدم في الجهاد بلفظ " فقال أنا سعد بن أبي وقاص " ويستفاد منه تعيينه .
تنبيه :
ذكرت في " باب الحراسة " من " كتاب الجهاد " ما أخرجه الترمذي من طريق عبد الله بن شقيق " عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت : " والله يعصمك من الناس " وهو يقتضي أنه لم يحرس بعد ذلك بناء على سبق نزول الآية لكن ورد في عدة أخبار أنه حرس في بدر وفي أحد وفي الخندق وفي رجوعه من خيبر وفي وادي القرى وفي عمرة القضية وفي حنين ، فكأن الآية نزلت متراخية عن وقعة حنين ، ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الصغير من حديث أبي سعيد " كان العباس فيمن يحرس النبي صلى الله عليه وسلم فلما نزلت هذه الآية ترك " والعباس إنما لازمه بعد فتح مكة ، فيحمل على أنها نزلت بعد حنين ، وحديث حراسته ليلة حنين أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث سهل بن الحنظلية أن أنس بن أبي مرثد حرس النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وتتبع بعضهم أسماء من حرس النبي صلى الله عليه وسلم فجمع منهم سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة والزبير وأبو أيوب وذكوان بن عبد القيس والأدرع السلمي وابن الأدرع واسمه محجن ويقال سلمة وعباد بن بشر والعباس وأبو ريحانة وليس كل واحد من هؤلاء في الوقائع التي تقدم ذكرها حرس النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، بل ذكر في مطلق الحرس فأمكن أن يكون خاصا به كأبي أيوب حين بنائه بصفية بعد الرجوع من خيبر وأمكن أن يكون حرس أهل تلك الغزوة كأنس بن أبي مرثد ، والعلم عند الله تعالى .
قوله ( وقالت عائشة قال بلال : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ، إلخ )
هذا حديث آخر تقدم موصولا بتمامه في مقدم النبي صلى الله عليه وسلم من " كتاب الهجرة " وموضع الدلالة منه قولها فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك اقتصر من الحديث عليها والذي في الرواية الموصولة قالت عائشة : فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته .

(20/273)


قوله ( باب تمني القرآن والعلم )
ذكر فيه حديث أبي هريرة " لا تحاسد إلا في اثنتين " وهو ظاهر في تمني القرآن وأضاف العلم إليه بطريق الإلحاق به في الحكم ، وقد تقدم في العلم من وجه آخر عن الأعمش وتقدم شرحه مستوفى في " كتاب العلم " وقوله هنا " فهو يتلوه آناء الليل " وقع في رواية الكشميهني " من آناء الليل " بزيادة " من " .

(20/274)


6691 - قوله ( يقول لو أوتيت )
كذا فيه بحذف القائل وظاهره الذي أوتي القرآن وليس كذلك بل هو السامع وأفصح به في الرواية التي في " فضائل القرآن " ولفظه ؛ فسمعه جار له فقال : ليتني أوتيت إلخ ، ولفظ هذه الرواية أدخل في التمني لكنه جرى على عادته في الإشارة .

(20/275)


قوله ( باب ما يكره من التمني )
قال ابن عطية : يجوز تمني ما لا يتعلق بالغير أي مما يباح وعلى هذا فالنهي عن التمني بخصوص بما يكون داعية إلى الحسد والتباغض وعلى هذا محصل قول الشافعي " لولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون كذا " ولم يرد أن كل التمني يحصل به الإثم .
قوله ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض - إلى قوله - إن الله كان بكل شيء عليما )
كذا لأبي ذر وساق في رواية كريمة الآية كلها ، ذكر فيه ثلاثة أحاديث كلها في الزجر عن تمني الموت ، وفي مناسبتها للآية غموض ، إلا إن كان أراد أن المكروه من التمني هو جنس ما دلت عليه الآية وما دل عليه الحديث ، وحاصل ما في الآية الزجر عن الحسد ، وحاصل ما له في الحديث الحث على الصبر ) لأن تمني الموت غالبا ينشأ عن وقوع أمر يختار الذي يقع به الموت على الحياة ، فإذا نهى عن تمني الموت كان أمر بالصبر على ما نزل به ، ويجمع الحديث والآية الحث على الرضا بالقضاء والتسليم لأمر الله تعالى . ووقع في حديث أنس من طريق ثابت عنه في " باب تمني المريض الموت من كتاب المرضى " بعد النهي عن تمني الموت ؛ فإن كان لا بد فاعلا فليقل " اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، الحديث ولا يرد على ذلك مشروعية الدعاء بالعافية مثلا ؛ لأن الدعاء بتحصيل الأمور الأخروية يتضمن الإيمان بالغيب مع ما فيه من إظهار الافتقار إلى الله تعالى والتذلل له والاحتياج والمسكنة بين يديه ، والدعاء بتحصيل الأمور الدنيوية لاحتياج الداعي إليها فقد تكون قدرت له إن دعا بها فكل من الأسباب والمسببات مقدر ، وهذا كله بخلاف الدعاء بالموت فليست فيه مصلحة ظاهرة بل فيه مفسدة . وهي طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد ، لا سيما لمن يكون مؤمنا ، فإن استمرار الإيمان من أفضل الأعمال ، والله أعلم .

(20/276)


6692 - وقوله
" عاصم "
هو ابن سليمان المعروف بالأحول وقد سمع من أنس ، وربما أدخل بينهما واسطة كهذا ، ووقع عند مسلم في هذا الحديث من رواية عبد الواحد بن زياد عن عاصم عن النضر بن أنس قال قال أنس ، وأنس يومئذ حي ، فذكره . وقوله " لا تمنوا " بفتح أوله وثانيه وثالثه مشددا وهي على حذف إحدى التاءين ، وثبتت في رواية الكشميهني " لا تتمنوا " وزاد في رواية ثابت المذكورة عن أنس " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به " الحديث . وقد مضى الكلام عليه في " كتاب المرضى " وأورد نحوه من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس في " كتاب الدعوات " و " محمد "

(20/277)


6693 - " محمد "
هو ابن سلام و
" عبدة "
هو ابن سليمان و
" ابن أبي خالد "
هو إسماعيل و
" قيس "
هو ابن أبي حازم ، والسند كله كوفيون إلا شيخ البخاري وقد مضى الكلام عليه في " كتاب المرضى "

(20/278)


6694 - وقوله
" عن الزهري "
كذا لهشام بن يوسف عن معمر ، وقال عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أخرجه مسلم والطريقان محفوظان لمعمر ، وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ، وتابعه فيه عن الزهري ، شعيب وابن أبي حفصة ويونس بن يزيد ، وقوله " عن أبي عبيد " هو سعد بن عبيد مولى ابن أزهر وقد أخرجه النسائي والإسماعيلي من طريق إبراهيم ابن سعد عن الزهري فقال : عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة ، لكن قال النسائي إن الأول هو الصواب .
قوله ( لا يتمنى )
كذا للأكثر بلفظ النفي ، والمراد به النهي أو هو للنهي وأشبعت الفتحة ، ووقع في رواية الكشميهني " لا يتمنين " بزيادة نون التأكيد ، ووقع في رواية همام المشار إليها لا يتمن أحدكم الموت ، ولا يدع به قبل أن يأتيه " فجمع في النهي عن ذلك بين القصد والنطق ، وفي قوله " قبل أن يأتيه " إشارة إلى الزجر عن كراهيته إذا حضر لئلا يدخل فيمن كره لقاء الله تعالى ، وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم عند حضور أجله " اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى " وكلامه صلى الله عليه وسلم بعدما خير بين البقاء في الدنيا والموت فاختار ما عند الله وقد خطب بذلك وفهمه عنه أبو بكر الصديق كما تقدم بيانه في المناقب ، وحكمة النهي عن ذلك أن في طلب الموت قبل حلوله نوع اعتراض ومراغمة للقدر وإن كانت الآجال لا تزيد ولا تنقص ، فإن تمني الموت لا يؤثر في زيادتها ولا نقصها ، ولكنه أمر قد غيب عنه ، وقد تقدم في " كتاب الفتن " ما يدل على ذم ذلك في حديث أبي هريرة " لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل يقول يا ليتني مكانه وليس به الدين إلا البلاء " ، وقد تقدم شرح ذلك مستوفى في " باب تمني المريض الموت من كتاب المرضى " قال النووي في الحديث التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من فاقة أو محنة بعدو ونحوه من مشاق الدنيا ، فأما إذا خاف ضررا أو فتنة في دينه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث ، وقد فعله خلائق من السلف بذلك وفيه أن من خالف فلم يصبر على الضر وتمنى الموت لضر نزل به فليقل الدعاء المذكور . قلت : ظاهر الحديث المنع مطلقا والاقتصار على الدعاء مطلقا ، لكن الذي قاله الشيخ لا بأس به لمن وقع منه التمني ليكون عونا على ترك التمني .
قوله ( إما محسنا فلعله يزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب )
كذا لهم بالنصب فيهما وهو على تقدير عامل نصب نحو يكون ، ووقع في رواية أحمد عن عبد الرزاق بالرفع فيهما ، وكذا في رواية إبراهيم بن سعد المذكورة وهي واضحة ، وقوله " يستعتب " أي يسترضي الله بالإقلاع والاستغفار والاستعتاب طلب الإعتاب والهمزة للإزالة أي يطلب إزالة العتاب ، عاتبه : لامه ، وأعتبه : أزال عتابه : قال الكرماني وهو مما جاء على غير القياس إذ الاستفعال إنما ينبني من الثلاثي لا من المزيد فيه انتهى ، وظاهر الحديث انحصار حال المكلف في هاتين الحالتين ، وبقي قسم ثالث وهو أن يكون مخلطا فيستمر على ذلك أو يزيد إحسانا أو يزيد إساءة أو يكون محسنا فينقلب مسيئا أو يكون مسيئا فيزداد إساءة ، والجواب أن ذلك خرج مخرج الغالب لأن غالب حال المؤمنين ذلك ، ولا سيما والمخاطب بذلك شفاها الصحابة ، وقد تقدم بيان ذلك مبسوطا مع شرحه هناك ، وقد خطر لي في معنى الحديث أن فيه إشارة إلى تغبيط المحسن بإحسانه وتحذير المسيء من إساءته ، فكأنه يقول : من كان محسنا فليترك تمني الموت وليستمر على إحسانه والازدياد منه ، ومن كان مسيئا فليترك تمني الموت وليقلع عن الإساءة لئلا يموت على إساءته فيكون على خطر ، وأما من عدا ذلك ممن تضمنه التقسيم فيؤخذ حكمه من هاتين الحالتين إذ لا انفكاك عن أحدهما والله أعلم .
تنبيه :
أورد البخاري في " كتاب الأدب " في هذه الترجمة حديث أبي هريرة رفعه " إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما يعطى وهو عنده " من رواية عمر بن أبي سلمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة وليس على شرطه فلم يعرج عليه في الصحيح .

(20/279)


قوله ( باب قول الرجل )
كذا للأكثر وللمستملي والسرخسي " قول النبي صلى الله عليه وسلم " .
قوله ( لولا أنت ما اهتدينا )
إشارة إلى رواية مختصرة أوردها في " باب حفر الخندق " في أوائل الجهاد من وجه آخر عن شعبة بلفظ كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل ويقول " لولا أنت ما اهتدينا " وأورده في " غزوة الخندق " من وجه آخر عن شعبة أتم سياقا وقوله هنا " لولا أنت ما اهتدينا " وفي بعضها " لولا الله " هكذا وقع بحذف بعض الجزء الأول ويسمى " الخرم " بالخاء المعجمة والراء الساكنة ، وتقدم في " غزوة الخندق " من وجه آخر عن شعبة بلفظ " والله لولا الله ما اهتدينا " وهو موافق للفظ الترجمة ؛ ومن وجه آخر عن أبي إسحاق " اللهم لولا أنت ما اهتدينا " وفي أول هذا الجزء زيادة سبب خفيف وهو " الخزم " بالزاي ، وتقدمت الإشارة إلى هذا في " كتاب الأدب " والرواية الوسطى سالمة من الخرم والخزم معا . وقوله هنا " إن الألى " وربما قال " إن الملأ قد بغوا علينا " تقدم في غزوة الخندق " إن الألى قد بغوا علينا " ولم يتردد و " الألى " بهمزة مضموما غير ممدودة واللام بعدها مفتوحة وهي بمعنى " الذين " وإنما يتزن بلفظ الذين فكأن أحد الرواة ذكرها بالمعنى ، ومضى في الجهاد من وجه آخر عن أبي إسحاق بلفظ إن العدا " وهو غير موزون أيضا ولو كان الأعادي " لا تزن ، وعند النسائي من وجه آخر عن سلمة بن الأكوع " والمشركون قد بغوا علينا " وهذا موزون ، ذكره في رجز عامر بن الأكوع ، وتقدم شرحه مستوفى في " غزوه خيبر " .

(20/280)


6695 - قوله ( قبل ذلك ولقد رأيته وارى التراب )
بسكون الألف وفتح الراء بلفظ الفعل الماضي من المواراة ، أي " غطى " وزنه ومعناه كذا للجميع إلا الكشميهني فوقع في روايته " وإن التراب لموار " .
قوله ( بياض بطنه )
كذا للجميع إلا الكشميهني فقال " بياض إبطيه " تثنية الإبط ووقع في الرواية التي في المغازي حتى " اغبر بطنه " وفي الرواية الأخرى " رأيته ينقل من تراب الخندق ، حتى وارى عني التراب جلدة بطنه " فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ، يعني عبد الله الشاعر الأنصاري الصحابي المشهور ، وقد تقدم في غزوة خيبر أنه من شعر عامر بن الأكوع ، وذكرت وجه الجمع بينهما هناك وما في الأبيات المذكورة من زحاف وتوجيهه . وتقدم ما يتعلق بحكم الشعر إنشادا وإنشاء في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق من دونه في أواخر " كتاب الأدب " بحمد الله تعالى ، قال ابن بطال " لولا " عند العرب يمتنع بها الشيء لوجود غيره تقول " لولا زيد ما صرت إليك " أي كان مصيري إليك من أجل زيد وكذلك " لولا الله ما اهتدينا " أي كانت هدايتنا من قبل الله تعالى وقال الراغب لوقوع غيره ، ويلزم خبره الحذف ويستغنى بجوابه عن الخبر " قال " وتجيء بمعنى " هلا " نحو " لولا أرسلت إلينا رسولا " ومثله " لوما " بالميم بدل اللام وقال ابن هشام " لولا " تجيء على ثلاثة أوجه أحدها : أن تدخل على جملة لتربط امتناع الثانية بوجود الأولى نحو " لولا زيد لأكرمتك " أي لولا وجوده ، وأما حديث " لولا أن أشق " فالتقدير " لولا مخافة أن أشق " لأمرت أمر إيجاب وإلا لانعكس معناها ، إذ الممتنع المشقة ؛ والموجود الأمر . والوجه الثاني : أنها تجيء " للحض " وهو طلب بحث وإزعاج و " للعرض " وهو طلب بلين وأدب ، فتختص بالمضارع نحو ( لولا تستغفرون الله ) والوجه الثالث : أنها تجيء " للتوبيخ والتندم " فتختص بالماضي نحو ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ) أي " هلا " انتهى ، وذكر أبو عبيد الهروي في الغريبين أنها تجيء بمعنى " لم لا " وجعل منه قوله تعالى ( فلولا كانت قرية آمنت ) والجمهور أنها من القسم الثالث وموقع الحديث من الترجمة أن هذه الصيغة إذا علق بها القول الحق ، لا يمنع بخلاف ما لو علق بها ما ليس بحق ، كمن يفعل شيئا فيقع في محذور فيقول : لولا فعلت كذا ما كان كذا ، فلو حقق لعلم أن الذي قدره الله لا بد من وقوعه ، سواء فعل أم ترك فقولها واعتقاد معناها يفضي إلى التكذيب بالقدر .

(20/281)


قوله ( باب كراهية تمني لقاء العدو )
تقدم في أواخر الجهاد " باب لا تتمنوا لقاء العدو " وتقدم هناك توجيهه مع جواز تمني الشهادة ، وطريق الجمع بينهما لأن ظاهرهما التعارض ، لأن تمني الشهادة محبوب ، فكيف ينهى عن تمني لقاء العدو وهو يفضي إلى المحبوب ؟ وحاصل الجواب أن حصول الشهادة أخص من اللقاء لإمكان تحصيل الشهادة مع نصرة الإسلام ودوام عزه بكسرة الكفار ، واللقاء قد يفضي إلى عكس ذلك فنهى عن تمنيه ولا ينافي ذلك تمني الشهادة ، أو لعل الكراهية مختصة بمن يثق بقوته ويعجب بنفسه ونحو ذلك .
قوله ( ورواه الأعرج عن أبي هريرة )
علقه في الجهاد لأبي عامر وهو العقدي عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج ، وقد ذكرت هناك من وصله ثم ذكرت حديث عبد الله بن أبي أوفى موصولا مختصرا ، وتقدم هناك موصولا تاما في " كتاب الجهاد "

(20/282)


قوله ( باب ما يجوز من اللو )
قال القاضي عياض يريد " ما يجوز من قول الراضي بقضاء الله لو كان كذا لكان كذا " فأدخل على " لو " الألف واللام التي للعهد وذلك غير جائز عند أهل العربية ، لأن لو حرف وهما لا يدخلان على الحروف ، وكذا وقع عند بعض رواة مسلم " إياك واللو فإن اللو من الشيطان " والمحفوظ " إياك ولو فإن لو " بغير ألف ولام فيهما ، قال : ووقع لبعض الشعراء تشديد واو " لو " وذلك لضرورة الشعر انتهى . وقال صاحب المطالع : لما أقامها مقام الاسم صرفها فصارت عنده كالندم والتمني ، وقال صاحب النهاية : الأصل لو ساكنة الواو ، وهي حرف من حروف المعاني ، يمتنع بها الشيء لامتناع غيره غالبا ، فلما سمي بها زيد فيها فلما أراد إعرابها أتى فيها بالتعريف ليكون علامة لذلك ، ومن ثم شدد الواو وقد سمع بالتشديد منونا قال الشاعر : ألام على لو ولو كنت عالما بأدبار لو لم تفتني أوائله . وقال آخر : ليت شعري وأين مني ليت إن ليتا وإن لوا عناء . وقال آخر : حاولت لوا فقلت لها إن لوا ذاك أعيانا . وقال ابن مالك إذا نسب إلى حرف أو غيره حكم هو للفظه دون معناه ، جاز أن يحكى وجاز أن يعرب بما يقتضيه العامل ، وإن كانت على حرفين ثانيهما حرف لين وجعلت اسما ضعف ثانيهما ، فمن ثم قيل في " لو لو " وفي " في في " وقال ابن مالك : أيضا الأداة التي حكم لها بالاسمية في هذا الاستعمال إن أولت " بكلمة " منع صرفها إلا إن كانت ثلاثية ساكنة الوسط فيجوز صرفها وإن أولت " بلفظ " صرفت قولا واحدا . قلت : ووقع في بعض النسخ المعتمدة من رواية أبي ذر عن مشايخه ما يجوز من أن لو فجعل أصلها " أن لو " بهمزة مفتوحة بعدها نون ساكنة ثم حرف لو فأدغمت النون في اللام وسهلت همزة أن فصارت تشبه أداة التعريف . وذكر الكرماني أن في بعض النسخ ما يجوز من لو بغير ألف ولام ولا تشديد على الأصل ، والتقدير ما يجوز من قول " لو ثم رأيته " في شرح ابن التين ، كذلك فلعله من إصلاح بعض الرواة لكونه لم يعرف وجهه ، وإلا فالنسخ المعتمدة من الصحيح وشروحه متواردة على الأول ، وقال السبكي الكبير " لو " إنما لا تدخلها الألف ولا اللام إذا بقيت على الحرفية ، أما إذا سمي بها فهي من جملة الحروف التي سمعت التسمية بها من حروف الهجاء وحروف المعاني ومن شواهده قوله : وقدما أهلكته لو كثيرا وقبل اليوم عالجها قدار فأضاف إليها واوا أخرى وأدغمها وجعلها فاعلا ، وحكى سيبويه أن بعض العرب يهمز لوا أي سواء كانت باقية على حرفيتها أو سمي بها ، وأما حديث " إياك ولو فإن لو تفتح عمل الشيطان " فلا يلزم من جعلها اسم " إن " أن تكون خرجت عن الحرفية بل هو إخبار لفظي يقع في الاسم والفعل والحرف ؛ كقولهم حرف عن ثنائي ، وحرف إلى ثلاثي هو إخبار عن اللفظ على سبيل الحكاية ، وأما إذا أضيف إليها الألف واللام فإنها تصير اسما أو تكون إخبارا عن المعنى المسمى بذلك اللفظ . قال ابن بطال " لو " تدل عند العرب على امتناع الشيء لامتناع غيره تقول " لو جاءني زيد لأكرمتك " معناه إني امتنعت من إكرامك لامتناع مجيء زيد ، وعلى هذا جرى أكثر المتقدمين . وقال سيبويه " لو حرف لما كان سيقع لوقوع غيره " أي يقتضي فعلا ماضيا كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره فلم يقع وإنما عبر بقوله : لما كان سيقع دون قوله : لما لم يقع مع أنه أخصر ؛ لأن " كان " للماضي و " لو " للامتناع و " لما " للوجوب و " السين " للتوقع ، وقال بعضهم : هي لمجرد الربط في الماضي مثل " إن " في المستقبل وقد تجيء بمعنى إن الشرطية نحو ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) أي " وإن أعجبتكم " وترد للتقليل ، نحو " التمس ولو خاتما من حديد " قاله صاحب المطالع وتبعه ابن هشام الخضراوي ، ومثل " فاتقوا النار ولو بشق تمرة " وتبعه ابن السمعاني في القواطع ، ومثل بقوله " ولو بظلف محرق " وهو أبلغ في التقليل ، وترد للعرض نحو " لو تنزل عندنا فتصيب خيرا " وللحض نحو " لو فعلت كذا " بمعنى افعل ، والأول طلب بأدب ولين ، والثاني طلب بقوة وشدة ، وذكر ابن التين عن الداودي أنها تأتي بمعنى " هلا " ومثل بقوله ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) وتعقب بأنه تفسير معنى لأن اللفظ لا يساعده ، وتأتي بمعنى " التمني " نحو ( فلو أن لنا كرة ) أي فليت لنا ، ولهذا نصب فتكون في جوابها كما انتصب فأفوز في جواب ليت ، واختلفوا هل هي الامتناعية أشربت معنى التمني أو المصدرية أو قسم برأسه ، رجح الأخير ابن مالك ولا يعكر عليه ورودها مع فعل التمني ، لأن محل مجيئها للتمني أن لا يصحبها فعل التمني ، قال القاضي شهاب الدين الخوبي : لو الشرطية لتعليق الثاني بالأول في الماضي ، فتدل على انتفاء الأول إذ لو كان ثابتا للزم ثبوت الثاني لأنها لثبوت الثاني على تقدير الأول ، فمتى كان الأول لازما للثاني دل على امتناع الثاني لامتناع الأول ضرورة انتفاء الملزوم ، وإن لم يكن الأول لازما للثاني لم يدل إلا على مجرد الشرط وقال التفتازاني قد تستعمل للدلالة على أن الجزاء لازم الوجود دائما في قصد المتكلم ، وذلك إذا كان الشرط مما يستبعد استلزامه لذلك الجزاء ، ويكون نقيض ذلك الشرط المثبت أولى باستلزامه ذلك الجزاء ، فيلزم وجود استمرار الجزاء على تقدير وجود الشرط وعدمه نحو " لو لم تكن تكرمني لأثني عليك " فإذا ادعى لزوم وجود الجزاء لهذا الشرط مع استبعاد لزومه له فوجوده عند عدم هذا الشرط بالطريق الأولى انتهى .
ومن أمثلة ذلك الشعرية قول المعري . لو اختصرتم من الإحسان زرتكم " البيت فإن الإحسان يستدعي استدامة الزيارة لا تركها لكنه أراد المبالغة في وصف الممدوح بالكرم ، ووصف نفسه بالعجز عن شكره .
قوله ( وقوله تعالى : " لو أن لي بكم قوة " )
قال ابن بطال : جواب " لو " محذوف كأنه قال " لحلت بينكم وبين ما جئتم له من الفساد " قال : وحذفه أبلغ لأنه يحصر بالنفي ضروب المنع ، وإنما أراد لوط عليه السلام العدة من الرجال ، وإلا فهو يعلم أن له من الله ركنا شديدا ؛ ولكنه جرى على الحكم الظاهر ، قال وتضمنت الآية البيان عما يوجبه حال المؤمن إذا رأى منكرا لا يقدر على إزالته ، أنه يتحسر على فقد المعين على دفعه ، ويتمنى وجوده حرصا على طاعة ربه وجزعا من استمرار معصيته ، ومن ثم وجب أن ينكر بلسانه ثم بقلبه إذا لم يطلق الدفع انتهى . والحديث الذي ذكره السبكي هو الذي رمز إليه البخاري بقوله ما يجوز من اللو فإن فيه إشارة إلى أنها في الأصل " لا يجوز إلا ما استثنى ، وهو مخرج عند النسائي وابن ماجه والطحاوي من طريق محمد بن عجلان عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير . احرص على ما ينفعك ، ولا تعجز فإن غلبك أمر فقل قدر الله وما شاء الله ، وإياك واللو فإن اللو تفتح عمل الشيطان " لفظ ابن ماجه ولفظ النسائي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والباقي سواء إلا أنه قال " وما شاء وإياك واللو " وأخرجه الطبري من هذا الوجه بلفظ " احرص " إلخ ولم يذكر ما قبله . وقال " فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ، لكن قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو مفتاح الشيطان " وأخرجه النسائي والطبري من طريق فضيل بن سليمان عن ابن عجلان فأدخل بينه وبين الأعرج أبا الزناد ، ولفظه " مؤمن قوي خير وأحب " وفيه " فقل قدر الله وما شاء صنع " قال النسائي فضيل بن سليمان ليس بقوي ، وأخرجه النسائي والطبري والطحاوي من طريق عبد الله بن المبارك عن ابن عجلان فأدخل بينه وبين الأعرج ربيعة بن عثمان ولفظ النسائي كالأول ، لكن قال " وأفضل " وقال " وما شاء صنع " وأخرجه من وجه آخر عن ابن المبارك عن ربيعة قال : سمعته من ربيعة وحفظي له عن ابن عجلان عن ربيعة ، وكذا أخرجه الطحاوي وقال : دلسه ابن عجلان عن الأعرج وإنما سمعه من ربيعة ثم رواه الثلاثة أيضا من طريق عبد الله بن إدريس عن ربيعة بن عثمان ، فقال : عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج بدل محمد بن عجلان ولفظ النسائي " وفي كل خير " وفيه " احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ، وإذا أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل " وهذه الطريق أصح طرق هذا الحديث ، وقد أخرجها مسلم من طريق عبد الله ابن إدريس أيضا ، واقتصر عليها ولم يخرج بقية الطرق من أجل الاختلاف على ابن عجلان في سنده ، ويحتمل أن يكون ربيعة سمعه من ابن حبان ومن ابن عجلان ، فإن ابن المبارك حافظ كابن إدريس ، وليس في هذه الرواية لفظ " اللو " بالتشديد . قال الطبري طريق الجمع بين هذا النهي وبين ما ورد من الأحاديث الدالة على الجواز ، أن النهي مخصوص بالجزم بالفعل الذي لم يقع ، فالمعنى : لا تقل لشيء لم يقع لو أني فعلت كذا لوقع قاضيا بتحتم ذلك غير مضمر في نفسك شرط مشيئة الله تعالى ، وما ورد من قول " لو " محمول على ما إذا كان قائله موقنا بالشرط المذكور وهو أنه لا يقع شيء إلا بمشيئة الله وإرادته ، وهو كقول أبي بكر في الغار " لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا " فجزم بذلك مع تيقنه أن الله قادر على أن يصرف أبصارهم عنهما بعمى أو غيره ، لكن جرى على حكم العادة الظاهرة وهو موقن بأنهم لو رفعوا أقدامهم لم يبصروهما إلا بمشيئة الله تعالى ، انتهى ملخصا .
وقال عياض الذي يفهم من ترجمة البخاري ومما ذكره في الباب من الأحاديث أنه يجوز استعمال " لو ولولا " فيما يكون للاستقبال مما فعله لوجود غيره وهو من باب لو لكونه لم يدخل في الباب إلا ما هو للاستقبال ، وما هو حق صحيح متيقن ، بخلاف الماضي والمنقضي أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق . قال : والنهي إنما هو حيث قاله معتقدا ذلك حتما ، وأنه لو فعل ذلك لم يصبه ما أصابه قطعا ، فأما من رد ذلك إلى مشيئة الله تعالى ، وأنه لولا أن الله أراد ذلك ما وقع فليس من هذا قال والذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه لكنه نهي تنزيه ، ويدل عليه قوله : " فإن لو تفتح عمل الشيطان " أي يلقي في القلب معارضة القدر فيوسوس به الشيطان ، وتعقبه النووي بأنه جاء من استعمال لو في الماضي مثل قوله " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت " فالظاهر أن النهي عنه إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه ، وأما من قاله تأسفا على ما فات من طاعة الله أو ما هو معتذر عليه منه ونحو هذا فلا بأس به ، وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث . وقال القرطبي في " المفهم " المراد من الحديث الذي أخرجه مسلم أن الذي يتعين بعد وقوع المقدور التسليم لأمر الله والرضى بما قدر والإعراض عن الالتفات لما فات ، فإنه إذا تذكر فيما فاته من ذلك فقال لو أني فعلت كذا لكان كذا ، جاءته وساوس الشيطان فلا تزال به حتى يفضي إلى الخسران ، فيعارض بتوهم التدبير سابق المقادير ، وهذا هو عمل الشيطان المنهي عن تعاطي أسبابه بقوله : " فلا تقل لو فإن لو تفتح عمل الشيطان " وليس المراد ترك النطق بلو مطلقا إذ قد نطق النبي صلى الله عليه وسلم بها في عدة أحاديث ، ولكن محل النهي عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أطلقت معارضة للقدر ، مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور ، لا ما إذا أخبر بالمانع على جهة أن يتعلق به فائدة في المستقبل فإن مثل هذا لا يختلف في جواز إطلاقه ، وليس فيه فتح لعمل الشيطان ولا ما يفضي إلى تحريم . وذكر المصنف في هذا الباب تسعة أحاديث في بعضها النطق بلو وفي بعضها بلولا فمن الأول الحديث الأول والثاني والثالث والسادس والثامن والتاسع ومن الثاني : الرابع والخامس والسابع .

(20/283)


6697 - حديث القاسم بن محمد قال : " ذكر ابن عباس المتلاعنين " الحديث وقد تقدم شرحه مستوفى في " كتاب اللعان " والمراد منه قوله صلى الله عليه وسلم : " لو كنت راجما أحدا بغير بينة " الحديث .

(20/284)


6698 - قوله : ( حدثنا علي )
هو ابن عبد الله بن المديني
" وسفيان "
هو ابن عيينة
و " عمرو "
هو ابن دينار
و " عطاء "
هو ابن أبي رباح .
قوله : ( اعتم النبي صلى الله عليه وسلم )
تقدم شرح المتن في " كتاب الصلاة " مستوفى وهو من رواية عمرو عن عطاء مرسل ، ومن رواية ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مسند ؛ كما بينه سفيان وهو القائل : قال ابن جريج عن عطاء إلخ ، وهو موصول بالسند المذكور وليس بمعلق ، وسياق الحميدي له في مسنده أوضح من سياق علي بن المديني ، فإنه أخرجه عن سفيان قال : حدثنا عمرو عن عطاء ، قال سفيان وحدثناه ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ، فساق الحديث ثم قال الحميدي : كان سفيان ربما حدث بهذا الحديث عن عمرو وابن جريج فأدرجه عن ابن عباس ، فإذا ذكر فيه الخبر فقال : حدثنا أو سمعت أخبر بهذا يعني عن عمرو عن عطاء مرسلا وعن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس موصولا . قلت : وقد رواه علي هنا بالعنعنة ومع ذلك فصله فلم يدرجه ، وزاد فيه تفصيل سياق المتن عنهما أيضا حيث قال أما عمرو فقال : " رأسه يقطر " وقال ابن جريج " يمسح الماء عن شقه " إلخ ، وقوله : وقال إبراهيم بن المنذر إلخ يريد أن محمد بن مسلم وهو الطائفي رواه عن عمرو ، وهو ابن دينار عن عطاء موصولا بذكر ابن عباس فيه ، وهو مخالف لتصريح سفيان بن عيينة عن عمرو بأن حديثه عن عطاء ليس فيه ابن عباس فهذا يعد من أوهام الطائفي ، وهو موصوف بسوء الحفظ وقد وصل حديثه الإسماعيلي من وجهين عنه هكذا ، وذكر أن من جملة من حدث به عن سفيان مدرجا كما قال الحميدي : عبد الأعلى بن حماد وأحمد بن عبدة الضبي وأبو خيثمة ، وأن عبدة بن عبد الرحيم وعمار بن الحسن روياه عن سفيان فاقتصرا على طريق عمرو وذكرا فيه ابن عباس فوهما في ذلك أشد من وهم عبد الأعلى . وأن ابن أبي عمر رواه في موضعين عن ابن عيينة مفصلا على الصواب . قلت : وكذلك أخرجه النسائي عن محمد بن منصور عن سفيان مفصلا .

(20/285)


6699 - " 10776 " حديث أبي هريرة " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك " هكذا ذكره مختصرا من رواية جعفر بن ربيعة وهو المصري ، عن عبد الرحمن وهو الأعرج ، ونسبه الإسماعيلي في رواية شعيب بن الليث عن أبيه ولم يزد على ما هناك ؛ فدل على أن هذا القدر هو الذي وقع في هذه الطريق . وقد أورده المزي في " الأطراف " فزاد فيه " عند كل صلاة " ولم أر هذه الزيادة في هذه الطريق عند أحد ممن أخرجها وإنما ثبتت عند البخاري في رواية مالك عن أبي الزناد عن الأعرج ، أورده في " كتاب الجمعة " ونسبه المزي إلى الصلاة بغير قيد الجمعة وهو مما يتعقب عليه أيضا ، وعنده فيه مع بدل " عند " وثبت عند مسلم بلفظ عند من رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد ، وقد تقدم الكلام على هذا المتن مستوفى هناك ولله الحمد .
( تنبيه ) :
وقع هنا في نسخة الصغاني : تابعه سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس وهو خطأ . والصواب ما وقع عند غيره ذكر هذا عقب حديث أنس المذكور عقبه .

(20/286)


6700 - حديث أنس " في النهي عن الوصال " ذكر من طريق حميد وهو الطويل عن ثابت عن أنس ، وقد تقدم شرحه مستوفى في " كتاب الصيام " وقوله : " تابعه سليمان بن المغيرة عن ثابت " إلخ . وصله مسلم من طريق أبي النضر عن سليمان بن المغيرة " ووقع لنا بعلو في مسند عبد بن حميد " ووقع هذا التعليق في رواية كريمة سابقا على حديث حميد عن أنس فصار كأنه طريق أخرى معلقة لحديث " لولا أن أشق " وهو غلط فاحش ، والصواب ثبوته هنا كما وقع في رواية الباقين ،

(20/287)


6701 - حديث أبي هريرة في المعنى وفيه : " فلما أبوا أن ينتهوا واصل بهم " الحديث . وقد تقدم شرحه مستوفى في " الصيام " أيضا . وقوله في السند وقال الليث " حدثني عبد الرحمن بن خالد " يعني ابن مسافر الفهمي أمير مصر وطريقه المذكورة وصلها الدارقطني في بعض فوائده من طريق أبي صالح عنه .

(20/288)


6702 - حديث عائشة في الجدر بفتح الجيم وسكون الدال والمراد الحجر بكسر المهملة وسكون الجيم وقد تقدم شرحه في " كتاب الحج " مستوفى . والمراد منه هنا " ولولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية وأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت " كذا وقع محذوف الجواب وتقديره " لفعلت " .

(20/289)


6703 - حديث أبي هريرة " لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار " الحديث وفيه " ولو سلك الناس واديا أو شعبا " وقد تقدم شرحه في غزوة حنين عند شرح حديث عبد الله بن زيد المذكور هنا بعده ، وهو الحديث الثامن .

(20/290)


6704 - حديث أنس في بعض ذلك أورده مختصرا معلقا قائلا تابعه أبو التياح عن أنس في الشعب ؛ يعني في قوله : " لو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم " وقد تقدم موصولا في غزوة حنين أيضا بعد حديث عبد الله بن زيد المشار إليه مع الكلام عليه ، وتقدم شيء من ذلك في مناقب الأنصار ولله الحمد . قال السبكي الكبير مقصود البخاري بالترجمة وأحاديثها أن النطق بلو لا يكره على الإطلاق ، وإنما يكره في شيء مخصوص يؤخذ ذلك من قوله " من اللو " فأشار إلى " التبعيض " وورودها في الأحاديث الصحيحة ولذا قال الطحاوي بعد ذكر حديث " وإياك واللو " دل قول الله تعالى لنبيه أن يقول ( ولو كنت أعلم الغيب ) وقوله صلى الله عليه وسلم " لو استقبلت من أمري ما استدبرت " وقوله في الحديث الآخر " ورجل يقول لو أن الله آتاني مثل ما آتى فلانا لعملت مثل ما عمل " على أن " لو " ليست مكروهة في كل الأشياء ودل قوله تعالى عن المنافقين ( لو كان لنا من الأمر شيء ) ورده عليهم بقوله ( لو كنتم في بيوتكم ) على ما يباح من ذلك قال " ووجدنا العرب تذم اللو وتحذر منه " فتقول احذر اللو وإياك ولو ، يريدون قوله " لو علمت أن هذا خير لعملته " وفي حديث سلمان " الإيمان بالقدر : أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، ولا تقولن لشيء أصابك لو فعلت كذا " أي لكان كذا . قال السبكي : وقد تأملت اقتران قوله " احرص على ما ينفعك " بقوله " وإياك واللو " فوجدت الإشارة إلى محل لو المذمومة وهي نوعان : أحدهما في الحال ما دام فعل الخير ممكنا فلا يترك لأجل فقد شيء آخر ، فلا تقول " لو أن كذا كان موجودا لفعلت كذا " مع قدرته على فعله ولو لم يوجد ذاك ، بل يفعل الخير ويحرص على عدم فواته والثاني من فاته أمر من أمور الدنيا فلا يشغل نفسه بالتلهف عليه لما في ذلك من الاعتراض على المقادير وتعجيل تحسر لا يغني شيئا ويشتغل به عن استدراك ما لعله يجدي ، فالذم راجع فيما يئول في الحال إلى التفريط وفيما يئول في الماضي إلى الاعتراض على القدر وهو أقبح من الأول ، فإن انضم إليه الكذب فهو أقبح ، مثل قول المنافقين ( لو استطعنا لخرجنا معكم ) وقولهم ( لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) وكذا قولهم ( لو أطاعونا ما قتلوا ) ثم قال وكل ما في القرآن من لو التي من كلام الله تعالى كقوله تعالى ( قل لو كنتم في بيوتكم ) ، ( ولو كنتم في بروج مشيدة ) ونحوهما فهو صحيح لأنه تعالى عالم به ، وأما التي للربط فليس الكلام فيها ولا المصدرية إلا إن كان متعلقها مذموما كقوله تعالى ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ) لأن الذي ودوه وقع خلافه . انتهى ملخصا .

(20/291)


قوله ( باب ما جاء في إجازة خبر الواحد )
هكذا عند الجميع بلفظ " باب " إلا في نسخة الصغاني فوقع فيها " كتاب أخبار الآحاد " ثم قال " باب ما جاء " إلى آخرها فاقتضى أنه من جملة " كتاب الأحكام " وهو واضح وبه يظهر أن الأولى في التمني أن يقال باب لا كتاب أو يؤخر عن هذا الباب وقد سقطت البسملة لأبي ذر والقابسي والجرجاني ، وثبتت هنا قبل الباب في رواية كريمة والأصيلي ، ويحتمل أن يكون هذا من جملة أبواب الاعتصام فإنه من جملة متعلقاته فلعل بعض من بيض الكتاب قدمه عليه ، ووقع في بعض النسخ قبل البسملة " كتاب خبر الواحد " وليس بعمدة والمراد " بالإجازة " جواز العمل به والقول بأنه حجة و " بالواحد " هنا حقيقة الوحدة وأما في اصطلاح الأصوليين فالمراد به ما لم يتواتر ، وقصد الترجمة الرد به على من يقول : إن الخبر لا يحتج به إلا إذا رواه أكثر من شخص واحد حتى يصير كالشهادة ، ويلزم منه الرد على من شرط أربعة أو أكثر . فقد نقل الأستاذ أبو منصور البغدادي أن بعضهم اشترط في قبول خبر الواحد أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهاه ، واشترط بعضهم أربعة عن أربعة ، وبعضهم خمسة عن خمسة ، وبعضهم سبعة عن سبعة انتهى . وكأن كل قائل منهم يرى أن العدد المذكور يفيد التواتر ، أو يرى تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد ومتوسط بينهم ، وفات الأستاذ ذكر من اشترط اثنين عن اثنين كالشهادة على الشهادة وهو منقول عن بعض المعتزلة . ونقله المازري وغيره عن أبي علي الجبائي ونسب إلى الحاكم أبي عبد الله وأنه ادعى أنه شرط الشيخين ، ولكنه غلط على الحاكم كما أوضحته في الكلام على علوم الحديث ، وقوله الصدوق قيد لا بد منه وإلا فمقابله وهو الكذوب لا يحتج به اتفاقا ، وأما من لم يعرف حاله فثالثها يجوز إن اعتضد وقوله " والفرائض " بعد قوله " في الأذان والصلاة والصوم " من عطف العام على الخاص ، وأفرد الثلاثة بالذكر للاهتمام بها ، قال الكرماني ليعلم إنما هو في العمليات لا في الاعتقاديات " والمراد بقبول خبره في الأذان " أنه إذا كان مؤتمنا فأذن تضمن دخول الوقت فجازت صلاة ذلك الوقت ، وفي " الصلاة " الإعلام بجهة القبلة وفي " الصوم " الإعلام بطلوع الفجر أو غروب الشمس وقوله " والأحكام " بعد قوله " والفرائض " من عطف العام على عام أخص منه لأن الفرائض فرد من الأحكام .
قوله ( وقول الله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة الآية ) وقع في رواية كريمة سياق الآية إلى
قوله ( يحذرون )
وهو المراد بقوله في رواية غيرها الآية ، وهذا مصير منه إلى أن لفظ " طائفة " يتناول الواحد فما فوقه ولا يختص بعدد معين ، وهو منقول عن ابن عباس وغيره كالنخعي ومجاهد نقله الثعلبي وغيره ، وعن عطاء وعكرمة وابن زيد أربعة ، وعن ابن عباس أيضا من أربعة إلى أربعين ، وعن الزهري ثلاثة ، وعن الحسن عشرة ، وعن مالك أقل الطائفة أربعة كذا أطلق ابن التين ومالك إنما قاله فيمن يحضر رجم الزاني ، وعن ربيعة خمسة وقال الراغب : لفظ طائفة يراد بها الجمع والواحد طائف ، ويراد بها الواحد فيصح أن يكون كراوية وعلامة ، ويصح أن يراد به الجمع وأطلق على الواحد ، وقال عطاء الطائفة اثنان فصاعدا ، وقواه أبو إسحاق الزجاج بأن لفظ طائفة يشعر بالجماعة وأقلها اثنان ، وتعقب بأن الطائفة في اللغة القطعة من الشيء فلا يتعين فيه العدد ، وقرر بعضهم الاستدلال بالآية الأولى على وجه آخر فقال لما قال ( فلولا نفر من كل فرقة ) وكان أقل الفرقة ثلاثة . وقد علق النفر بطائفة منهم فأقل من ينفر واحد ويبقى اثنان وبالعكس .
قوله ( ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فلو اقتتل رجلان )
في رواية الكشميهني " الرجلان " . ( دخلا في معنى الآية ) وهذا الاستدلال سبقه إلى الحجة به الشافعي وقبله مجاهد ولا يمنع ذلك قوله ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) لكون سياقه يشعر بأن المراد أكثر من واحد لأنا لم نقل إن الطائفة لا تكون إلا واحدا .
قوله ( وقوله إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا )
وجه الدلالة منها يؤخذ من مفهومي الشرط والصفة فإنهما يقتضيان قبول خبر الواحد ، وهذا الدليل يورد للتقوي لا للاستقلال لأن المخالف قد لا يقول بالمفاهيم واحتج الأئمة أيضا بآيات أخرى وبالأحاديث المذكورة في الباب ، واحتج من منع بأن ذلك لا يفيد إلا الظن وأجيب بأن مجموعها يفيد القطع كالتواتر المعنوي ، وقد شاع فاشيا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير فاقتضى الاتفاق منهم على القبول ، ولا يقال لعلهم عملوا بغيرها أو عملوا بها لكنها أخبار مخصوصة بشيء مخصوص لأنا نقول العلم حاصل من سياقها بأنهم إنما عملوا بها لظهورها لا لخصوصها .
قوله ( وكيف بعث النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه واحدا بعد واحد فإن سها أحد منهم رد إلى السنة )
سيأتي في أواخر الكلام على خبر الواحد " باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث من الأمراء والرسل واحدا بعد واحد " فزاد فيه " بعث الرسل " والمراد بقوله " واحدا بعد واحد " تعدد الجهات المبعوث إليها بتعدد المبعوثين ، وحمله الكرماني على ظاهره فقال فائدة بعث الآخر بعد الأول ليرده إلى الحق عند سهوه ، ولا يخرج بذلك عن كونه خبر واحد وهو استدلال قوي لثبوت خبر الواحد من فعله صلى الله عليه وسلم لأن خبر الواحد لو لم يكف قبوله ما كان في إرساله معنى ، وقد نبه عليه الشافعي أيضا كما سأذكره وأيده بحديث " ليبلغ الشاهد الغائب " وهو في الصحيحين ، وبحديث " نضر الله امرأ سمع مني حديثا فأداه " وهو في السنن ، واعترض بعض المخالفين بأن إرسالهم إنما كان لقبض الزكاة والفتيا ونحو ذلك وهي مكابرة ، فإن العلم حاصل بإرسال الأمراء لأعم من قبض الزكاة وإبلاغ الأحكام وغير ذلك ، ولو لم يشتهر من ذلك إلا تأمير معاذ بن جبل وأمره له وقوله له " إنك تقدم على قوم أهل كتاب فأعلمهم أن الله فرض عليهم " إلخ والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد منهم كانوا يتحاكمون إلى الذي أمر عليهم ويقبلون خبره ويعتمدون عليه من غير التفات إلى قرينة ، وفي أحاديث هذا الباب كثير من ذلك واحتج بعض الأئمة بقوله تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) مع أنه كان رسولا إلى الناس كافة ويجب عليه تبليغهم ، فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة لتعذر خطاب جميع الناس شفاها ، وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم وهو مسلك جيد ينضم إلى ما احتج به الشافعي ثم البخاري ، واحتج من رد خبر الواحد بتوقفه صلى الله عليه وسلم في قبول خبر ذي اليدين ولا حجة فيه لأنه عارض علمه " وكل خبر واحد إذا عارض العلم لم يقبل " وبتوقف أبي بكر وعمر في حديثي المغيرة " في الجدة وفي ميراث الجنين " حتى شهد بهما محمد بن مسلمة ، وبتوقف عمر في خبر أبي موسى " في الاستئذان " حتى شهد أبو سعيد ، وبتوقف عائشة في خبر ابن عمر " في تعذيب الميت ببكاء الحي " وأجيب بأن ذلك إنما وقع منهم إما عند الارتياب كما في قصة أبي موسى فإنه أورد الخبر عند إنكار عمر عليه رجوعه بعد الثلاث وتوعده فأراد عمر الاستثبات خشية أن يكون دفع بذلك عن نفسه ، وقد أوضحت ذلك بدلائله في " كتاب الاستئذان " وأما عند معارضة الدليل القطعي كما في إنكار عائشة حيث استدلت بقوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وهذا كله إنما يصح أن يتمسك به من يقول لا بد من اثنين عن اثنين وإلا فمن يشترط أكثر من ذلك فجميع ما ذكر قبل عائشة حجة عليه لأنهم قبلوا الخبر من اثنين فقط ، ولا يصل ذلك إلى التواتر والأصل عدم وجود القرينة إذ لو كانت موجودة ما احتيج إلى الثاني ، وقد قبل أبو بكر خبر عائشة في أن " النبي صلى الله عليه وسلم مات يوم الاثنين " وقبل عمر خبر عمرو بن حزم في أن " دية الأصابع سواء " وقبل خبر الضحاك بن سفيان في " توريث المرأة من دية زوجها " وقبل خبر عبد الرحمن بن عوف في " أمر الطاعون ، وفي أخذ الجزية من المجوس " وقبل خبر سعد بن أبي وقاص في " المسح على الخفين " وقبل عثمان خبر الفريعة بنت سنان أخت أبي سعيد في " إقامة المعتدة عن الوفاة في بيتها " إلى غير ذلك . ومن حيث النظر أن الرسول عليه الصلاة والسلام بعث لتبليغ الأحكام وصدق خبر الواحد ممكن فيجب العمل به احتياطا ، وأن إصابة الظن بخبر الصدوق غالبة ، ووقوع الخطأ فيه نادر فلا تترك المصلحة الغالبة خشية المفسدة النادرة ، وأن مبنى الأحكام على العمل بالشهادة وهي لا تفيد القطع بمجردها وقد رد بعض من قبل خبر الواحد ما كان منه زائدا على القرآن ، وتعقب بأنهم قبلوه " في وجوب غسل المرفق في الوضوء " وهو زائد وحصول عمومه بخبر الواحد " كنصاب السرقة " ورده بعضهم بما تعم به البلوى وفسروا ذلك بما يتكرر ، وتعقب بأنهم عملوا به في مثل ذلك " كإيجاب الوضوء بالقهقهة في الصلاة وبالقيء والرعاف " وكل هذا مبسوط في أصول الفقه اكتفيت هنا بالإشارة إليه . وجملة ما ذكره المصنف هنا اثنان وعشرون حديثا ،

(20/292)


6705 - حديث مالك بن الحويرث بمهملة ومثلثة مصغر ابن حشيش بمهملة ومعجمتين وزن عظيم ، ويقال ابن أشيم بمعجمة وزن أحمر من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة حجازي سكن البصرة ومات بها سنة أربعة وسبعين بتقديم السين على الصواب .
قوله ( عبد الوهاب )
هو ابن عبد المجيد الثقفي " وأيوب " هو السختياني والسند كله بصريون .
قوله ( أتينا النبي صلى الله عليه وسلم )
أي وافدين عليه سنة الوفود ، وقد ذكر ابن سعد ما يدل على أن وفادة بني ليث رهط مالك بن الحويرث المذكور كانت قبل غزوة تبوك وكانت تبوك في شهر رجب سنة تسع
قوله ( ونحن شببة )
بمعجمة وموحدتين وفتحات جمع شاب وهو من كان دون الكهولة ، وتقدم بيان أول الكهولة ، في " كتاب الأحكام " وفي رواية وهيب في الصلاة " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي " والنفر عدد لا واحد له من لفظه وهو من ثلاثة إلى عشرة ، ووقع في رواية في الصلاة " أنا وصاحب لي " وجمع القرطبي باحتمال تعدد الوفادة وهو ضعيف لأن مخرج الحديثين واحد والأصل عدم التعدد ، والأولى في الجمع أنهم حين أذن لهم في السفر كانوا جميعا ، فلعل مالكا ورفيقه عاد إلى توديعه فأعاد عليهما بعض ما أوصاهم به تأكيدا ، وأفاد ذلك زيادة بيان أقل ما تنعقد به الجماعة .
قوله ( متقاربون )
أي في السن بل في أعم منه ، فقد وقع عند أبي داود من طريق مسلمة بن محمد عن خالد الحذاء " وكنا يومئذ متقاربين في العلم " ولمسلم " كنا متقاربين في القراءة " ومن هذه الزيادة يؤخذ الجواب عن كونه قدم الأسن ، فليس المراد تقديمه على الأقرأ بل في حال الاستواء في القراءة ولم يستحضر الكرماني هذه الزيادة فقال يؤخذ استواؤهم في القراءة من القصة لأنهم أسلموا وهاجروا معا وصحبوا ولازموا عشرين ليلة فاستووا في الأخذ . وتعقب بأن ذلك لا يستلزم الاستواء في العلم للتفاوت في الفهم إذ لا تنصيص على الاستواء .
قوله ( رقيقا )
بقافين ، وبفاء ثم قاف ، ثبت ذلك عند رواة البخاري على الوجهين ، وعند رواة مسلم بقافين فقط وهما متقاربان في المعنى المقصود هنا .
قوله ( اشتهينا أهلنا )
في رواية الكشميهني " أهلينا " بكسر اللام وزيادة ياء وهو جمع أهل ، ويجمع مكسرا على أهال بفتح الهمزة مخففا ، ووقع في رواية في الصلاة " اشتقنا إلى أهلنا " بدل " اشتهينا أهلنا " وفي رواية وهيب " فلما رأى شوقنا إلى أهلنا " والمراد بأهل كل منهم زوجته أو أعم من ذلك .
قوله ( سألنا )
بفتح اللام أي النبي صلى الله عليه وسلم سأل المذكورين .
قوله ( ارجعوا إلى أهليكم )
إنما أذن لهم في الرجوع لأن الهجرة كانت قد انقطعت بفتح مكة فكانت الإقامة بالمدينة باختيار الوافد فكان منهم من يسكنها ومنهم من يرجع بعد أن يتعلم ما يحتاج إليه .
قوله ( وعلموهم ومروهم )
بصيغة الأمر ضد النهي ، والمراد به أعم من ذلك لأن النهي عن الشيء أمر بفعل خلاف ما نهي عنه اتفاقا ، وعطف الأمر على التعليم لكونه أخص منه أو هو استئناف كأن سائلا قال : ماذا نعلمهم ؟ فقال مروهم بالطاعات وكذا وكذا . ووقع في رواية حماد بن زيد عن أيوب كما تقدم في أبواب الإمامة " مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا " فعرف بذلك المأمور المبهم في رواية الباب ، ولم أر في شيء من الطرق بيان الأوقات في حديث مالك بن الحويرث فكأنه ترك ذلك لشهرتها عندهم .
قوله ( وذكر أشياء أحفظها ولا أحفظها )
قائل هذا هو أبو قلابة راوي الخبر ، ووقع في رواية أخرى " أو لا أحفظها " وهو للتنويع لا للشك .
قوله ( وصلوا كما رأيتموني أصلي )
أي ومن جملة الأشياء التي يحفظها أبو قلابة عن مالك قوله صلى الله عليه وسلم هذا ، وقد تقدم في رواية وهيب " وصلوا " فقط ونسبت إلى الاختصار وتمام الكلام هو الذي وقع هنا ، وقد تقدم أيضا تاما في رواية إسماعيل بن علية في " كتاب الأدب " قال ابن دقيق العيد استدل كثير من الفقهاء في مواضع كثيرة على الوجوب بالفعل مع هذا القول ، وهو " صلوا كما رأيتموني أصلي " قال وهذا إذا أخذ مفردا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما كان يصلي ، فيقوى الاستدلال به على كل فعل ثبت أنه فعله في الصلاة ، لكن هذا الخطاب إنما وقع لمالك بن الحويرث وأصحابه بأن يوقعوا الصلاة على الوجه الذي رأوه صلى الله عليه وسلم يصليه ، نعم يشاركهم في الحكم جميع الأمة بشرط أن يثبت استمراره صلى الله عليه وسلم على فعل ذلك الشيء المستدل به دائما حتى يدخل تحت الأمر ويكون واجبا ، وبعض ذلك مقطوع باستمراره عليه وأما ما لم يدل دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلق الأمر بإيقاع الصلاة على صفتها ، فلا نحكم بتناول الأمر له ، والله أعلم .
قوله ( فإذا حضرت الصلاة )
أي دخل وقتها .
قوله ( فليؤذن لكم أحدكم )
هو موضع الترجمة وقد تقدم سائر شرحه في " أبواب الأذان " وفي " أبواب الإمامة " بعون الله تعالى .

(20/293)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية