صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

2794 - قوله : ( عن أيوب )
صرح الحميدي عن سفيان بتحديث أيوب له به .
قوله : ( أن عليا حرق قوما )
في رواية الحميدي المذكورة " أن عليا أحرق المرتدين " يعني الزنادقة . وفي رواية ابن أبي عمر ومحمد بن عباد عند الإسماعيلي جميعا عن سفيان قال " رأيت عمرو بن دينار وأيوب وعمارا الدهني اجتمعوا فتذكروا الذين حرقهم علي ، فقال أيوب " فذكر الحديث " فقال عمار لم يحرقهم ، ولكن حفر لهم حفائر وخرق بعضها إلى بعض ثم دخن عليهم ، فقال عمرو بن دينار قال الشاعر : لترم بي المنايا حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما أججوا حطبا ونارا هناك الموت نقدا غير دين انتهى . وكأن عمرو بن دينار أراد بذلك الرد على عمار الدهني في إنكاره أصل التحريق . ثم وجدت في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص " حدثنا لوين حدثنا سفيان بن عيينة " فذكره عن أيوب وحده ، ثم أورده عن عمار وحده ، قال ابن عيينة : فذكرته لعمرو بن دينار فأنكره وقال " فأين قوله : أوقدت ناري ودعوت قنبرا " فظهر بهذا صحة ما كنت ظننته ، وسيأتي للمصنف في استتابة المرتدين في آخر الحدود من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال " أتي علي بزنادقة فأحرقهم " ولأحمد من هذا الوجه " أن عليا أتي بقوم من هؤلاء الزنادقة ومعهم كتب ، فأمر بنار فأججت ثم أحرقهم وكتبهم " وروى ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن عبيد عن أبيه قال " كان ناس يعبدون الأصنام في السر ويأخذون العطاء ، فأتى بهم علي فوضعهم في السجن واستشار الناس ، فقالوا : اقتلهم ، فقال : لا بل أصنع بهم كما صنع بأبينا إبراهيم ، فحرقهم بالنار " .
قوله : ( لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تعذبوا بعذاب الله )
هذا أصرح في النهي من الذي قبله ، وزاد أحمد وأبو داود والنسائي من وجه آخر عن أيوب في آخره " فبلغ ذلك عليا فقال : ويح ابن عباس " وسيأتي الكلام على قوله " من بدل دينه فاقتلوه " في استتابة المرتدين إن شاء الله تعالى .

(9/231)


قوله : ( باب ( فإما منا بعد وإما فداء ) فيه حديث ثمامة )
كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة في قصة إسلام ثمامة بن أثال ، وستأتي موصولة مطولة في أواخر كتاب المغازي ، والمقصود منها هنا قوله فيه " إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت " فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك ولم ينكر عليه التقسيم ثم من عليه بعد ذلك ، فكان في ذلك تقوية لقول الجمهور : أن الأمر في أسرى الكفرة من الرجال إلى الإمام يفعل ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين . وقال الزهري ومجاهد وطائفة : لا يجوز أخذ الفداء من أسارى الكفار أصلا وعن الحسن وعطاء : لا تقتل الأسارى ، بل يتخير بين المن والفداء . وعن مالك : لا يجوز المن بغير فداء . وعن الحنفية : لا يجوز المن أصلا لا بفداء ولا بغيره ، فيرد الأسير حربيا . قال الطحاوي : وظاهر الآية حجة للجمهور وكذا حديث أبي هريرة في قصة ثمامة ، لكن في قصة ثمامة ذكر القتل . وقال أبو بكر الرازي : احتج أصحابنا لكراهة فداء المشركين بالمال بقوله تعالى ( لولا كتاب من الله سبق ) الآية ، ولا حجة لهم لأن ذلك كان قبل حل الغنيمة ، فإن فعله بعد إباحة الغنيمة فلا كراهة انتهى . وهذا هو الصواب ، فقد حكى ابن القيم في الهدي اختلافا : أي الأمرين أرجح ؟ ما أشار به أبو بكر من أخذ الفداء ، أو ما أشار به عمر من القتل ؟ فرجحت طائفة رأي عمر لظاهر الآية ولما في القصة من حديث عمر من قول النبي صلى الله عليه وسلم " أبكي لما عرض على أصحابك من العذاب لأخذهم الفداء " ورجحت طائفة رأي أبي بكر لأنه الذي استقر عليه الحال حينئذ ، ولموافقة رأيه الكتاب الذي سبق ، ولموافقة حديث " سبقت رحمتي غضبي " ولحصول الخير العظيم بعد من دخول كثير منهم في الإسلام والصحبة ومن ولد لهم من كان ومن تجدد ، إلى غير ذلك مما يعرف بالتأمل . وحملوا التهديد بالعذاب على من اختار الفداء ، فيحصل عرض الدنيا مجردا وعفا الله عنهم ذلك . وحديث عمر المشار إليه في هذه القصة أخرجه أحمد مطولا وأصله في صحيح مسلم بالسند المذكور .
قوله : ( وقوله عز وجل ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض - يعني يغلب في الأرض - تريدون عرض الدنيا ) الآية )
كذا وقع في رواية أبي ذر وكريمة ، وسقط للباقين ، وتفسير يثخن بمعنى يغلب قاله أبو عبيدة وزاد : ويبالغ . وعن مجاهد : الإثخان القتل ، وقيل المبالغة فيه ، وقيل معناه حتى يتمكن في الأرض . وأصل الإثخان في اللغة الشدة والقوة . وأشار المصنف بهذه الآية إلى قول مجاهد وغيره ممن منع أخذ الفداء من أسارى الكفار ، وحجتهم منها أنه تعالى أنكر إطلاق أسرى كفار بدر على مال فدل على عدم جواز ذلك بعد ، واحتجوا بقوله تعالى ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) قال فلا يستثنى من ذلك إلا من يجوز أخذ الجزية منه ، وقال الضحاك : بل قوله تعالى ( فإما منا بعد وإما فداء ) ناسخ لقوله تعالى ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وقال أبو عبيد : لا نسخ في شيء من هذه الآيات بل هي محكمة ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم عمل بما دلت عليه كلها في جميع أحكامه : فقتل بعض الكفار يوم بدر ، وفدى بعضا ، ومن على بعض . وكذا قتل بني قريظة ، ومن على بني المصطلق ، وقتل ابن خطل وغيره بمكة ومن على سائرهم . وسبى هوازن ومن عليهم . ومن على ثمامة بن أثال . فدل كل ذلك على ترجيح قول الجمهور إن ذلك راجع إلى رأي الإمام . ومحصل أحوالهم تخيير الإمام بعد الأسر بين ضرب الجزية لمن شرع أخذها منه أو القتل أو الاسترقاق أو المن بلا عوض أو بعوض ، هذا في الرجال ، وأما النساء والصبيان فيرقون بنفس الأسر ، ويجوز المفاداة بالأسيرة الكافرة بأسير مسلم أو مسلمة عند الكفار ، ولو أسلم الأسير زال القتل اتفاقا ، وهل يصير رقيقا أو تبقى بقية الخصال ؟ قولان للعلماء .

(9/232)


قوله : ( باب هل للأسير أن يقتل أو يخدع الذين أسروه حتى ينجو من الكفرة فيه المسور عن النبي صلى الله عليه وسلم )
يشير بذلك إلى قصة أبي بصير ، وقد تقدم بسطها في أواخر الشروط ، وهي ظاهرة فيما ترجم له ، وهي من مسائل الخلاف أيضا ، ولهذا لم يبت الحكم فيها ، قال الجمهور : إن ائتمنوه يف لهم بالعهد ، حتى قال مالك : لا يجوز أن يهرب منهم . وخالفه أشهب فقال : لو خرج به الكافر ليفادي به فله أن يقتله . وقال أبو حنيفة والطبري : إعطاؤه العهد على ذلك باطل ، ويجوز له أن لا يفي لهم به . وقال الشافعية : يجوز أن يهرب من أيديهم ، ولا يجوز أن يأخذ من أموالهم . قالوا : وإن لم يكن بينهم عهد جاز له أن يتخلص منهم بكل طريق ولو بالقتل وأخذ المال وتحريق الدار وغير ذلك ، وليس في قصة أبي بصير تصريح بأنه كان بينه وبين من تسلمه ليرده إلى المشركين عهد ، ولهذا تعرض للقتل ، فقتل أحد الرجلين وانفلت الآخر ، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم مستوفى .

(9/233)


قوله : ( باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق )
؟ أي جزاء بفعله . هذه الترجمة تليق أن تذكر قبل بابين ، فلعل تأخيرها من تصرف النقلة " ويؤيد ذلك أنهما سقطا جميعا للنسفي ، وثبت عنده ترجمة " إذا حرق المشرك " تلو ترجمة ( ولا يعذب بعذاب الله ) وكأنه أشار بذلك إلى تخصيص النهي في قوله " لا يعذب بعذاب الله " بما إذا لم يكن ذلك على سبيل القصاص ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك .

(9/234)


2795 - حديث أنس في قصة العرنيين ، وليس فيه التصريح بأنهم فعلوا ذلك بالرعاء لكنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه ، وذلك فيما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أنس قال " إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين لأنهم سملوا أعين الرعاء " قال ابن بطال : ولو لم يرد ذلك لكان أخذ ذلك من قصة العرنيين بطريق الأولى ، لأنه جاز سمل أعينهم وهو تعذيب بالنار ولو لم يفعلوا ذلك بالمسلمين فجوازه إن فعلوه أولى . وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الطهارة في " باب أبوال الإبل " وهو في أواخر أبواب الوضوء قبيل كتاب الغسل .
وقوله " حدثنا معلى "
بضم الميم وهو ابن أسد ، وثبت كذلك في رواية الأصيلي وآخرين .
وقوله فيه " أبغنا رسلا "
أي أعنا على طلبه ، والرسل بكسر الراء الدر من اللبن .
( والذود )
بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة : الثلاث من الإبل إلى العشرة ،
( والصريخ )
صوت المستغيث .
( وترجل )
بالجيم : أي ارتفع .

(9/235)


2796 - قوله : ( باب ) كذا لهم بغير ترجمة ، وهو كالفصل من الباب قبله ، والمناسبة بينهما أن لا يتجاوز بالتحريق حيث يجوز إلى من لم يستوجب ذلك ، فإنه أورد فيه حديث أبي هريرة في تحريق قرية النمل ، وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه ( أن الله أوحى إليه فهلا نملة واحدة ) فإن فيه إشارة إلى أنه لو حرق التي قرصته وحدها لما عوتب ، ولا يخفى أن صحة الاستدلال بذلك متوقفة على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟ وسيأتي الكلام على شرحه مستوفى في بدء الخلق إن شاء الله تعالى .

(9/236)


قوله : ( باب حرق الدور والنخيل )
أي التي للمشركين . كذا وقع في جميع النسخ " حرق " وضبطوه بفتح أوله وإسكان الراء ، وفيه نظر لأنه لا يقال في المصدر حرق ؛ وإنما يقال تحريق وإحراق لأنه رباعي ، فلعله كان حرق بتشديد الراء بلفظ الفعل الماضي وهو المطابق للفظ الحديث والفاعل محذوف تقديره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله أو بإذنه . وقد ترجم في التي قبلها " باب إذا حرق " وعلى هذا فقوله الدور منصوب بالمفعولية والنخيل كذلك نسقا عليه . ثم ذكر فيه حديثين ظاهرين فيما ترجم له .

(9/237)


2797 - حديث جرير في قصة ذي الخلصة
بفتح المعجمة واللام والمهملة وحكي تسكين اللام ، وسيأتي شرحه في أواخر المغازي . )
وقوله فيه " كعبة اليمانية " )
أي كعبة الجهة اليمانية على رأي البصريين .

(9/238)


2798 - حديث ابن عمر " حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير "
أورده مختصرا هكذا ، وسيأتي بتمامه في المغازي مع شرحه إن شاء الله تعالى . وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو ، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور ، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئا من ذلك ، وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف ، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان ، وبهذا قال أكثر أهل العلم ، ونحو ذلك القتل بالتغريق . وقال غيره : إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح فأراد إبقاءها على المسلمين . والله أعلم .

(9/239)


قوله : ( باب قتل المشرك النائم )
ذكر فيه قصة قتل أبي رافع اليهودي من حديث البراء بن عازب ، أورده من وجهين مطولا ومختصرا ، وسيأتي شرحها في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى ، وهي ظاهرة فيما ترجم له ، لأن الصحابي طلب قتل أبي رافع وهو نائم ، وإنما ناداه ليتحقق أنه هو لئلا يقتل غيره ممن لا غرض له إذ ذاك في قتله وبعد أن أجابه كان في حكم النائم لأنه حينئذ استمر على خيال نومه ، بدليل أنه بعد أن ضربه لم يفر من مكانه ولا تحول من مضجعه حتى عاد إليه فقتله ، وفيه جواز التجسيس على المشركين وطلب غرتهم ، وجواز اغتيال ذوي الأذية البالغة منهم ، وكان أبو رافع يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤلب عليه الناس . ويؤخذ منه جواز قتل المشرك بغير دعوة إن كان قد بلغته الدعوة قبل ذلك ، وأما قتله إذا كان نائما فمحله أن يعلم أنه مستمر على كفره وأنه قد يئس من فلاحه ، وطريق العلم بذلك إما بالوحي وإما بالقرائن الدالة على ذلك .

(9/240)


2799 - سبق شرحه بالباب

(9/241)


2800 - سبق شرحه بالباب

(9/242)


قوله : ( باب لا تمنوا لقاء العدو )
ذكر فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى في ذلك ، وقد تقدم مقطعا في أبواب منها " الجنة تحت البارقة " اقتصر على قوله " واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " ومنها " الصبر عند القتال " واقتصر على قوله " وإذا لقيتموهم فاصبروا " ومنها " الدعاء على المشركين بالهزيمة " واقتصر على الفصل المتعلق بالحديث منه ، وقد تقدم الكلام فيه على شيء في إسناده في أول ترجمة ، وأورده بتمامه في " القتال بعد الزوال " وتقدم الكلام فيما يتعلق بذلك فيه .

(9/243)


2801 - قوله : ( لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا )
قال ابن بطال : حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يئول إليه الأمر ، وهو نظير سؤال العافية من الفتن ، وقد قال الصديق " لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر " وقال غيره : إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والإتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو ، وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم . وقيل يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر ، وإلا فالقتال فضيلة وطاعة . ويؤيد الأول تعقيب النهي بقوله " وسلوا الله العافية " وأخرج سعيد بن منصور من طريق يحيى بن أبي كثير مرسلا " لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم " وقال ابن دقيق العيد : لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفس وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة لم يؤمن أن يكون عند الوقوع كما ينبغي فيكره التمني لذلك ولما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه ، ثم أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة انتهى . واستدل بهذا الحديث على منع طلب المبارزة ، وهو رأي الحسن البصري ، وكان علي يقول : لا تدع إلى المبارزة ، فإذا دعيت فأجب تنصر ، لأن الداعي باغ . وقد تقدم قول علي في ذلك .
قوله : ( ثم قال اللهم منزل الكتاب إلخ )
أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم ، فبالكتاب إلى قوله تعالى ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) وبمجري السحاب إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب حيث يحرك الريح بمشيئة الله تعالى ، وحيث يستمر في مكانه مع هبوب الريح ، وحيث تمطر تارة وأخرى لا تمطر ، فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال ، وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم ، وبإنزال المطر إلى غنيمة ما معهم حيث يتفق قتلهم ، وبعدمه إلى هزيمتهم حيث لا يحصل الظفر بشيئ منهم ، وكلها أحوال صالحة للمسلمين . وأشار بهازم الأحزاب إلى التوسل بالنعمة السابقة ، وإلى تجريد التوكل ، واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل . وفيه التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث ، فإن بإنزال الكتاب حصلت النعمة الأخروية وهي الإسلام ، وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق ، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين ، وكأنه قال : اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الأخروية والدنيوية وحفظتهما فأبقهما . وروى الإسماعيلي في هذا الحديث من وجه آخر أنه صلى الله عليه وسلم دعا أيضا فقال " اللهم أنت ربنا وربهم ، ونحن عبيدك وهم عبيدك نواصينا ونواصيهم بيدك ، فاهزمهم وانصرنا عليهم " ولسعيد بن منصور من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا نحوه لكن بصيغة الأمر عطفا على قوله ( وسلوا الله العافية : فإن بليتم بهم فقولوا اللهم ) فذكره وزاد ( وغضوا أبصاركم واحملوا عليهم على بركة الله ) .

(9/244)


2802 - قوله : ( وقال موسى بن عقبة إلخ )
هو معطوف على الإسناد الماضي ، وكأنه يشير إلى أنه عنده بالإسناد الواحد على وجهين مطولا ومختصرا ، وهذا ما في رواية أبي ذر ، واقتصر غيره لهذا المتن المختصر على الإسناد المذكور ولم يسوقوه مطولا والله أعلم .
قوله : ( وقال أبو عامر )
هو العقدي ، وقال الكرماني : لعله عبد الله بن براد الأشعري ، كذا قال ولم يصب ، فإنه ما لابن براد رواية عن المغيرة . وقد وصله مسلم والنسائي والإسماعيلي وغيرهم من طرق عن أبي عامر العقدي عن مغيرة به ، وفي الحديث استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار ، ووصية المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم ، وتعليمهم بما يحتاجون إليه ، وسؤال الله تعالى بصفاته الحسنى وبنعمه السالفة ، ومراعاة نشاط النفوس لفعل الطاعة ، والحث على سلوك الأدب وغير ذلك .

(9/245)


قوله : ( باب الحرب خدعة )
أورد من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مطولا ومختصرا ومن حديث جابر مختصرا وفي أول المطول ذكر كسرى وقيصر ، وسيأتي الكلام على هذا في علامات النبوة .
وقوله " خدعة "
بفتح المعجمة وبضمها مع سكون المهملة فيهما وبضم أوله وفتح ثانيه . قال النووي : اتفقوا على أن الأولى الأفصح ، حتى قال ثعلب : بلغنا أنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبذلك جزم أبو ذر الهروي والقزاز . والثانية ضبطت كذلك في رواية الأصيلي . قال أبو بكر بن طلحة : أراد ثعلب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل هذه البنية كثيرا لوجازة لفظها ولكونها تعطي معنى البنيتين الأخيرتين ، قال : ويعطي معناها أيضا الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن ولو مرة وإلا فقاتل ؛ قال فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى .
ومعنى خدعة بالإسكان أنها تخدع أهلها ، من وصف الفاعل باسم المصدر ، أو أنها وصف المفعول كما يقال هذا الدرهم ضرب الأمير أي مضروبه . وقال الخطابي : معناه أنها مرة واحدة ، أي إذا خدع مرة واحدة لم تقل عثرته . وقيل الحكمة في الإتيان بالتاء للدلالة على الوحدة فإن الخداع إن كان من المسلمين فكأنه حضهم على ذلك ولو مرة واحدة ، وإن كان من الكفار فكأنه حذرهم من مكرهم ولو وقع مرة واحدة ، فلا ينبغي التهاون بهم لما ينشأ عنهم من المفسدة ولو قل ، وفي اللغة الثالثة صيغة المبالغة كهمزة ولمزة ، وحكى المنذري لغة رابعة بالفتح فيهما ، قال : وهو جمع خادع أي أن أهلها بهذه الصفة ، وكأنه قال أهل الحرب خدعة .
قلت : وحكى مكي ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة كسر أوله مع الإسكان ، قرأت ذلك بخط مغلطاي . وأصل الخدع إظهار أمر وإضمار خلافه .
وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب ، والندب إلى خداع الكفار ، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه ، قال النووي : واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن ، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز ، قال ابن العربي : الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك .
وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب : بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة ، وكذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث ، وهو كقوله " الحج عرفة " ، قال ابن المنير : معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة ، وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر .
( تكميل ) :
ذكر الواقدي أن أول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم " الحرب خدعة " في غزوة الخندق .

(9/246)


2803 - سبق شرحه بالباب

(9/247)


2804 - سبق شرحه بالباب

(9/248)


2805 - سبق شرحه بالباب

(9/249)


قوله : ( باب الكذب في الحرب )
ذكر فيه حديث جابر في قصة قتل كعب بن الأشرف وسيأتي مطولا مع شرحه في كتاب المغازي . قال ابن المنير : الترجمة غير مطابقة ، لأن الذي وقع منهم في قتل كعب ابن الأشرف يمكن أن يكون تعريضا ، لأن قولهم " عنانا " أي كلفنا بالأوامر والنواهي ، وقولهم " سألنا الصدقة " أي طلبها منا ليضعها مواضعها ، وقولهم " فنكره أن ندعه إلخ " معناه نكره فراقه ، ولا شك أنهم كانوا يحبون الكون معه أبدا . انتهى .
والذي يظهر أنه لم يقع منهم فيما قالوه بشيء من الكذب أصلا ، وجميع ما صدر منهم تلويح كما سبق ، لكن ترجم بذلك لقول محمد بن مسلمة للنبي صلى الله عليه وسلم أولا " ائذن لي أن أقول ، قال قل " فإنه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحا وتلويحا وهذه الزيادة وإن لم تذكر في سياق حديث الباب فهي ثابتة فيه كما في الباب الذي بعده ، على أنه لو لم يرد ذلك لما كانت الترجمة منافرة للحديث ، لأن معناها حينئذ باب الكذب في الحرب هل يسوغ مطلقا أو يجوز منه الإيماء دون التصريح ، وقد جاء من ذلك صريحا ما أخرجه الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا " لا يحل الكذب إلا في ثلاث : تحديث الرجل امرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، وفي الإصلاح بين الناس " وقد تقدم في كتاب الصلح ما في حديث أم كلثوم بنت عقبة لهذا المعنى من ذلك ، ونقل الخلاف في جواز الكذب مطلقا أو تقييده بالتلويح ، قال النووي : الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة ، لكن التعريض أولى . وقال ابن العربي : الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال ، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا انتهى . ويقويه ما أخرجه أحمد وابن حبان من حديث أنس في قصة الحجاج ابن علاط الذي أخرجه النسائي وصححه الحاكم في استئذانه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة وأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ، وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين وغير ذلك مما هو مشهور فيه ، ولا يعارض ذلك ما أخرجه النسائي من طريق مصعب بن سعد عن أبيه في قصة عبد الله بن أبي سرح ، وقول الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم لما كف عن بيعته " هلا أومأت إلينا بعينك ، قال : ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين " لأن طريق الجمع بينهما أن المأذون فيه بالخداع والكذب في الحرب حالة الحرب خاصة ، وأما حال المبايعة فليست بحال حرب ، كذا قال ، وفيه نظر لأن قصة الحجاج بن علاط أيضا لم تكن في حال حرب . والجواب المستقيم أن تقول : المنع مطلقا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم فلا يتعاطى شيئا من ذلك وإن كان مباحا لغيره ، ولا يعارض ذلك ما تقدم من أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها ، فإن المراد أنه كان يريد أمرا فلا يظهره كأن يريد أن يغزو جهة الشرق فيسأل عن أمر في جهة الغرب ، ويتجهز للسفر فيظن من يراه ويسمعه أنه يريد جهة الغرب ، وأما أن يصرح بإرادته الغرب وإنما مراده الشرق فلا ، والله أعلم . وقال ابن بطال : سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث فقال : الكذب المباح في الحرب ما يكون من المعاريض لا التصريح بالتأمين مثلا ، قال وقال المهلب : موضع الشاهد للترجمة من حديث الباب قول محمد بن مسلمة " قد عنانا ، فإنه سألنا الصدقة " لأن هذا الكلام يحتمل أن يفهم أن اتباعهم له إنما هو للدنيا فيكون كذبا محضا ، ويحتمل أن يريد أنه أتعبنا بما يقع لنا من محاربة العرب . فهو من معاريض الكلام ، وليس فيه شيء من الكذب الحقيقي الذي هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه . ثم قال : ولا يجوز الكذب الحقيقي في شيء من الدين أصلا . قال : ومحال أن يأمر بالكذب من يقول ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) انتهى ، وقد تقدم جواب ذلك بما يغني عن إعادته .

(9/250)


2806 - سبق شرحه بالباب

(9/251)


قوله : ( باب الفتك بأهل الحرب )
أي جواز قتل الحربي سرا ، وبين هذه الترجمة وبين الترجمة الماضية وهي قتل المشرك النائم عموم وخصوص وجهي .

(9/252)


2807 - الحديث طرف من حديث جابر في قصة قتل كعب ابن الأشرف ، وقد تقدم التنبيه عليه في الباب الذي قبله ، وإنما فتكوا به لأنه نقض العهد ، وأعان على حرب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهجاه ، ولم يقع لأحد ممن توجه إليه تأمين له بالتصريح ، وإنما أوهموه ذلك وآنسوه حتى تمكنوا من قتله .

(9/253)


قوله : ( باب ما يجوز من الاحتيال والحذر مع من يخشى معرته )
بفتح الميم والمهملة وتشديد الراء أي شره وفساده .
قوله : ( وقال الليث إلى آخره )
وصله الإسماعيلي من طريق يحيى بن بكير وأبي صالح كلاهما عن الليث وقد علق المصنف طرفا منه في أواخر الجنائز كما مضى ، وسيأتي شرحه قريبا بعد ستة عشر بابا .

(9/254)


قوله : ( باب الرجز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق )
الرجز بفتح الراء والجيم والزاي من بحور الشعر على الصحيح ، وجرت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيد في النشاط ويبعث الهمم ، وفيه جواز تمثل النبي صلى الله عليه وسلم بشعر غيره ، وسيأتي بسط ذلك في أوائل المغازي إن شاء الله تعالى . وفيه جواز رفع الصوت في عمل الطاعة لينشط نفسه وغيره .
قوله : ( فيه سهل وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه يزيد عن سلمة )
أما حديث سهل وهو ابن سعد فوصله في غزوة الخندق وفيه " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة " وسيأتي ، وأما حديث أنس فقد تقدم موصولا في " باب حفر الخندق " في أوائل الجهاد ، وفيه مثل ذلك أيضا بزيادة . وأما حديث يزيد وهو ابن أبي عبيد عن سلمة وهو ابن الأكوع فسيأتي في غروة خيبر وفيه " اللهم لولا أنت ما اهتدينا " وقصة عامر ابن الأكوع وسيأتي أيضا بعد أربعة أبواب ارتجاز سلمة أيضا بقوله " واليوم يوم الرضع " .

(9/255)


2808 - قوله هنا في حديث البراء " إن العدا قد بغوا علينا "
يأتي الكلام عليه في كتاب التمني عقب كتاب الأحكام وكأن المصنف أشار في الترجمة بقوله " ورفع الصوت في حفر الخندق " إلى أن كراهة رفع الصوت في الحرب مختصة بحالة القتال ، وذلك فيما أخرجه أبو داود من طريق قيس بن عباد قال " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال " .

(9/256)


قوله : ( باب من لا يثبت على الخيل )
أي ينبغي لأهل الخير أن يدعوا له بالثبات ، وفيه إشارة إلى فضيلة ركوب الخيل والثبات عليها .

(9/257)


2809 - حديث جرير " ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت " وسيأتي الكلام عليه في المناقب ،
وقوله " إلا تبسم في وجهي "
فيه التفات من التكلم إلى الغيبة ، ووقع في رواية السرخسي والكشميهني على الأصل بلفظ " في وجهي "
وقوله " ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل "
هو موضع الترجمة وقد تقدم في " باب حرق الدور والنخيل " ويأتي شرحه في المغازي إن شاء الله تعالى .
وقوله " هاديا مهديا "
زعم ابن بطال أن فيه تقديما وتأخيرا قال : لأنه لا يكون هاديا لغيره إلا بعد أن يهتدي هو فيكون مهديا انتهى ، وليست هنا صيغة ترتيب .

(9/258)


قوله : ( باب دواء الجرح بإحراق الحصير وغسل المرأة عن أبيها الدم عن وجهه وحمل الماء في الترس )
اشتمل هذا الباب على ثلاثة أحكام ، وحديث الباب ظاهر فيها ، وقد أفرد الثاني منها في كتاب الطهارة وأورد فيه هذا الحديث بعينه ، وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي إن شاء الله تعالى .

(9/259)


2810 - سبق شرحه بالباب

(9/260)


قوله : ( باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب )
أي من المقاتلة في أحوال الحرب .
قوله : ( وعقوبة من عصى إمامه )
أي بالهزيمة وحرمان الغنيمة .
قوله : ( وقال الله عز وجل ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) يعني الحرب )
كذا لأبي ذر ، وقوله : " يعني الحرب " للكشميهني وحده ، ووقع في رواية الأصيلي في هذا الموضع " قال قتادة : الريح الحرب " وهذا قد وصله عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة بهذا نحوه ، وهو تفسير مجازي ، فالمراد بالريح القوة في الحرب ، والفشل بفتح الفاء والمعجمة الجبن يقال فشل إذا هاب أن يقدم جبنا . وذكر في الباب حديثين

(9/261)


2811 - حديث أبي موسى وفيه " ولا تختلفا " وسيأتي شرحه في مكانه من أواخر المغازي .

(9/262)


2812 - حديث البراء في قصة غزاة أحد ، والغرض منه أن الهزيمة وقعت بسبب مخالفة الرماة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تبرحوا من مكانكم " وسيأتي شرحه أيضا مستوفى في الكلام على غزوة أحد إن شاء الله تعالى .

(9/263)


قوله : ( باب إذا فزعوا بالليل )
أي ينبغي لأمير العسكر أن يكشف الخبر بنفسه أو بمن يندبه لذلك .

(9/264)


2813 - حديث أنس في فرس أبي طلحة ، وقد تقدم شرحه في أواخر الهبة ، وتقدم في كتاب الجهاد مرارا .

(9/265)


قوله : ( باب من رأى العدو فنادى بأعلى صوته يا صباحاه حتى يسمع الناس )
ذكر فيه حديث سلمة ابن الأكوع في قصة غطفان وفزارة ، وسيأتي شرحه في غزوة ذي قرد من كتاب المغازي .

(9/266)


2814 - وقوله " يا صباحاه "
هو منادى مستغاث ، والألف للاستغاثة والهاء للسكت ، وكأنه نادى الناس استغاثة بهم في وقت الصباح . وقال ابن المنير : الهاء للندبة وربما سقطت في الوصل ، وقد ثبتت في الرواية فيوقف عليها بالسكون .
وكانت عادتهم يغيرون في وقت الصباح ، فكأنه قال : تأهبوا لما دهمكم صباحا .
وقوله " الرضع "
بتشديد المعجمة بصيغة الجمع ، والمراد بهم اللئام أي اليوم يوم هلاك اللئام .
وقوله " فأسجح "
بهمزة قطع أي أحسن أو ارفق .
وقوله " يقرون "
بضم أوله والتخفيف من القرى ، والراء مفتوحة ومضمومة ، وقيل : معنى الضم يجمعون الماء واللبن ، وقيل : يغزون بغين معجمة وزاي وهو تصحيف . قال ابن المنير : موضع هذه الترجمة أن هذه الدعوة ليست من دعوى الجاهلية المنهي عنها لأنها استغاثة على الكفار .

(9/267)


قوله : ( باب من قال خذها وأنا ابن فلان )
هي كلمة تقال عند التمدح . قال ابن المنير : موقعها من الأحكام أنها خارجة عن الافتخار المنهي عنه لاقتضاء الحال ذلك . قلت : وهو قريب من جواز الاختيال - بالخاء المعجمة - في الحرب دون غيرها .
قوله : ( وقال سلمة خذها وأنا ابن الأكوع )
هذا طرف من حديثه المذكور في الباب الذي قبله لكنه بمعناه ، وقد أخرجه مسلم بلفظه من طريق أخرى عن سلمة بن الأكوع وقال فيه " فخرجت في آثار القوم وألحق رجلا منهم فأصكه سهما في رجله حتى خلص نصل السهم من كتفه ، قال قلت : خذها وأنا ابن الأكوع ، واليوم يوم الرضع " الحديث .

(9/268)


2815 - حديث البراء بن عازب في ثبات النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين
وقوله " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب "
، وسيأتي شرحه في غزوة حنين إن شاء الله تعالى .

(9/269)


قوله : ( باب إذا نزل العدو على حكم رجل )
أي فأجازه الإمام نفذ .

(9/270)


2816 - حديث أبي سعيد في نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ ، وسيأتي شرحه في غزوة بني قريظة إن شاء الله تعالى . قال ابن المنير : يستفاد من الحديث لزوم حكم المحكم برضا الخصمين .

(9/271)


قوله : ( باب قتل الأسير وقتل الصبر )
في رواية الكشميهني " قتل الأسير صبرا " وهي أخصر .

(9/272)


2817 - أورد فيه حديث أنس في قتل ابن خطل ، وقد تقدم شرحه في أواخر الحج ، وقد تقدم أن الإمام يتخير - متبعا ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين - بين قتل الأسير ، أو المن عليه بفداء ، أو بغير فداء ، أو استرقاقه .

(9/273)


قوله : ( باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر )
أي هل يسلم نفسه للأسر أم لا
( ومن صلى ركعتين عند القتل )
.

(9/274)


2818 - ذكر فيه حديث أبي هريرة في بعث عاصم بن ثابت ومن معه من بني لحيان ، وقصة قتل خبيب ابن عدي ، وسيأتي شرحها مستوفى في المغازي ، وفيها ما ترجم له من الأمور الثلاثة ،
وقوله فيه " فأخبرني عبيد الله بن عياض القائل "
فأخبرني هو ابن شهاب كما سيأتي إيضاحه هناك .

(9/275)


قوله : ( باب فكاك الأسير )
أي من أيدي العدو بمال أو بغيره ، والفكاك بفتح الفاء ويجوز كسرها التخليص . وأورد فيه حديثين

(9/276)


2819 - " فكوا العاني "
أي الأسير ، كذا وقع في تفسير العاني في الحديث ، وهو بالمهملة والنون وزن القاضي ، والتفسير من قبل جرير أو قتيبة ، وإلا فقد أخرج المصنف في الطب من طريق أبي عوانة عن منصور فلم يذكره ، وأخرجه في الأطعمة من طريق الثوري عن منصور وقال في آخره " قال سفيان : العاني الأسير " قال ابن بطال : فكاك الأسير واجب على الكفاية ، وبه قال الجمهور . وقال إسحاق بن راهويه : من بيت المال . وروي عن مالك أيضا وقال أحمد يفادى بالرءوس ، وأما بالمال فلا أعرفه . ولو كان عند المسلمين أسارى وعند المشركين أسارى واتفقوا على المفاداة تعينت ، ولم تجز مفاداة أسارى المشركين بالمال .

(9/277)


2820 - حديث أبي جحيفة " قلت لعلي : هل عندكم شيء من الوحي " الحديث ، وقد مضى شرحه في كتاب العلم ، وسيأتي الكلام على بقية ما فيه في الديات إن شاء الله تعالى .

(9/278)


قوله : ( باب فداء المشركين )
أي بمال يؤخذ منهم ، تقدم في الباب الذي قبله القول في شيء من ذلك ، وأورد فيه ثلاثة أحاديث

(9/279)


2821 - أولها : حديث أنس في استئذان الأنصار أن يتركوا للعباس فداءه ، وقد تقدم إيراده في كتاب العتق . ثانيها حديثه قال " أتي بمال من البحرين ، فقال العباس : أعطني فإني فاديت نفسي وعقيلا " وأورده معلقا مختصرا ، وقد تقدم بأتم منه في المساجد وبيان من وصله .
وقوله " فاديت نفسي وعقيلا "
يريد ابن أبي طالب ويقال إنه أسر معهما أيضا الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وأن العباس افتداه أيضا . وقد ذكر ابن إسحاق كيفية ذلك . واستدل به ابن بطال على جواز إعطاء بعض الأصناف من الزكاة ، ولا دلالة فيه لأن المال لم يكن من الزكاة ، وعلى تقدير كونه منها فالعباس ليس من أهل الزكاة . فإن قيل إنما أعطاه من سهم الغارمين كما أشار إليه الكرماني فقد تعقب ، ولكن الحق أن المال المذكور كان من الخراج أو الجزية وهما من مال المصالح ، وسيأتي بيان ذلك في كتاب الجزية .

(9/280)


2822 - حديث جبير بن مطعم " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور " ذكره لقوله فيه " وكان جاء في أسارى بدر " أي في طلب فداء أسارى بدر ، وقد تقدم شرح المتن في القراءة في الصلاة ، ويأتي الكلام على ما تضمنته هذه الأحاديث الثلاثة في غزوة بدر من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى .

(9/281)


قوله : ( باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان )
هل يجوز قتله ؟ وهي من مسائل الخلاف . قال مالك يتخير فيه الإمام ، وحكمه حكم أهل الحرب . وقال الأوزاعي والشافعي : إن ادعى أنه رسول قبل منه . وقال أبو حنيفة وأحمد لا يقبل ذلك منه ، وهو فيء للمسلمين .

(9/282)


2823 - قوله : ( أبو العميس )
بالمهملتين مصغر .
قوله : ( عن إياس )
بكسر الهمزة وتخفيف التحتانية ، وفي رواية الطحاوي من طريق أخرى عن أبي نعيم عن أبي العميس " حدثنا إياس " .
قوله : ( أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين )
لم أقف على اسمه . ووقع في رواية عكرمة ابن عمار عن إياس عند مسلم أن ذلك كان في غزوة هوازن ، وسمي الجاسوس عينا لأن جل عمله بعينه ، أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها كأن جميع بدنه صار عينا .
قوله : ( فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل )
في رواية النسائي من طريق جعفر بن عون عن أبي العميس " فلما طعم انسل " وفي رواية عكرمة عند مسلم " فقيد الجمل ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر ، وفينا ضعفة ورقة في الظهر ، إذ خرج يشتد " .
قوله : ( اطلبوه واقتلوه )
زاد أبو نعيم في " المستخرج " من طريق يحيى الحماني عن أبي العميس " أدركوه فإنه عين " زاد أبو داود عن الحسن بن علي عن أبي نعيم فيه " فسبقتهم إليه فقتلته " .
قوله : ( فقتلته فنفله سلبه )
كذا فيه ، وفيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة ، وكان السياق يقتضي أن يقول فنفلني وهي رواية أبي داود وزاد " هو ومسلم من طريق عكرمة بن عمار المذكور " فاتبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء ، فخرجت أعدو حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته ، فلما وضع ركبته بالأرض اخترطت سيفي فأضرب رأسه فبدر ، فجئت براحلته وما عليها أقودها ، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من قتل الرجل ؟ قالوا : ابن الأكوع ، قال : له سلبه أجمع " وترجم عليه النسائي " قتل عيون المشركين " وقد ظهر من رواية عكرمة الباعث على قتله وأنه اطلع على عورة المسلمين وبادر ليعلم أصحابه فيغتنمون غرتهم ، وكان في قتله مصلحة للمسلمين قال النووي فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق ، وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي : ينتقض عهده بذلك . وعند الشافعية خلاف . أما لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتفاقا . وفيه حجة لمن قال إن السلب كله للقاتل ، وأجاب من قال لا يستحق ذلك إلا بقول الإمام أنه ليس في الحديث ما يدل على أحد الأمرين بل هو محتمل لهما ، لكن أخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن ربيعة عن أبي العميس بلفظ " قام رجل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عين للمشركين فقال : من قتله فله سلبه ، قال فأدركته فقتلته ، فنفلني سلبه " فهذا يؤيد الاحتمال الثاني ، بل قال القرطبي : لو قال القاتل يستحق السلب بمجرد القتل لم يكن لقول النبي صلى الله عليه وسلم " له سلبه أجمع " مزيد فائدة ، وتعقب باحتمال أن يكون هذا الحكم إنما ثبت من حينئذ ، وقد استدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لأن قوله تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شيء ) عام في كل غنيمة ، فبين صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بزمن طويل أن السلب للقاتل سواء قيدنا ذلك بقول الإمام أم لا ، وأما قول مالك " لم يبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا يوم حنين " فإن أراد أن ابتداء هذا الحكم كان يوم حنين فهو مردود لكن على غير مالك ممن منعه ، فإن مالكا إنما نفى البلاغ ، وقد ثبت في سنن أبي داود عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد في غزوة مؤتة " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ) وكانت مؤتة قبل حنين بالاتفاق ، وقال القرطبي : فيه أن للإمام أن ينفل جميع ما أخذته السرية من الغنيمة لمن يراه منهم ، وهذا يتوقف على أنه لم يكن غنيمة إلا ذلك السلب . قلت : وما أبداه احتمالا هو الواقع ، فقد وقع في رواية عكرمة بن عمار أن ذلك كان في غزوة هوازن وقد اشتهر ما وقع فيها بعد ذلك من الغنائم . قال ابن المنير : ترجم بالحربي إذا دخل بغير أمان وأورد الحديث المتعلق بعين المشركين وهو جاسوسهم ، وحكم الجاسوس مخالف لحكم الحربي المطلق الداخل بغير أمان ، فالدعوى أعم من الدليل . وأجيب بأن الجاسوس المذكور أوهم أنه ممن له أمان ، فلما قضى حاجته من التجسيس انطلق مسرعا ففطن له فظهر أنه حربي دخل بغير أمان ، وقد تقدم بيان الاختلاف فيه .

(9/283)


قوله : ( باب يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون )
أي ولو نقضوا العهد ،

(9/284)


2824 - أورد فيه طرفا من قصة قتل عمر بن الخطاب وهو قوله " وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله " الحديث وسيأتي مبسوطا في المناقب ، وقد تعقبه ابن التين بأنه ليس في الحديث ما يدل على ما ترجم به من عدم الاسترقاق ، وأجاب ابن المنير بأنه أخذ من
قوله ( وأوصيه بذمة الله )
فإن مقتضى الوصية بالإشفاق أن لا يدخلوا في الاسترقاق ، والذي قال أنهم يسترقون إذا نقضوا العهد ابن القاسم وخالفه أشهب والجمهور ، ومحل ذلك إذا سبى الحربي الذمي ثم أسر المسلمون الذمي . وأغرب ابن قدامة فحكى الإجماع ، وكأنه لم يطلع على خلاف ابن القاسم ، وكأن البخاري اطلع عليه فلذلك ترجم به .

(9/285)


( باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم )
كذا في جميع النسخ من طريق الفربري ، إلا أن في رواية أبي علي بن شبوية عن الفربري تأخير ترجمة " جوائز الوفد " عن الترجمة هل يستشفع " وكذا هو عند الإسماعيلي وبه يرتفع الإشكال ، فإن حديث ابن عباس مطابق لترجمة جوائز الوفد لقوله فيه " وأجيزوا الوفد " بخلاف الترجمة الأخرى ، وكأنه ترجم بها وأخلى بياضا ليورد فيها حديثا يناسبها فلم يتفق ذلك . ووقع للنسفي حذف ترجمة جوائز الوفد أصلا ، واقتصر على ترجمة هل يستشفع ، وأورد فيها حديث ابن عباس المذكور ، وعكسه رواية محمد بن حمزة عن الفربري ، وفي مناسبته لها غموض ، ولعله من جهة أن الإخراج يقتضي رفع الاستشفاع ، والحض على إجازة الوفد يقتضي حسن المعاملة ، أو لعل " إلى " في الترجمة بمعنى اللام ، أي هل يستشفع لهم عند الإمام وهل يعاملون ؟ ودلالة " أخرجوهم من جزيرة العرب " و " أجيزوا الوفد " لذلك ظاهرة والله أعلم . وسيأتي شرح حديث ابن عباس المذكور في الوفاة من آخر المغازي .

(9/286)


2825 - وقوله : ( حدثنا قبيصة )
كذا لأكثر الرواة عن الفربري وكذا في رواية النسفي ، ولم يقع في الكتاب لقبيصة رواية عن سفيان بن عيينة إلا هذه وروايته فيه عن سفيان الثوري كثيرة جدا ، وحكى الجياني عن رواية ابن السكن عن الفربري في هذا " قتيبة " بدل قبيصة ، وروايته عن قتيبة لهذا الحديث بعينه ستأتي في أواخر المغازي ، وقتيبة مشهور بالرواية عن ابن عيينة دون قبيصة والحديث حديث ابن عيينة لا الثوري .
قوله : ( وقال يعقوب بن محمد )
أي ابن عيسى الزهري ، وأثره هذا وصله إسماعيل القاضي في كتاب أحكام القرآن عن أحمد بن المعدل عن يعقوب ، وأخرجه يعقوب بن شبة عن أحمد بن المعدل عن يعقوب ابن محمد عن مالك بن أنس مثله ، وقال الزبير بن بكار في " أخبار المدينة " أخبرت عن مالك عن ابن شهاب قال : جزيرة العرب المدينة . قال الزبير : قال غيره جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضر موت ، قال الزبير : وهذا أشبه ، وحضر موت آخر اليمن ، وقال الخليل بن أحمد : سميت جزيرة العرب لأن بحر فارس وبحر الحبشة والفرات ودجلة أحاطت بها ، وهي أرض العرب ومعدنها . وقال الأصمعي : هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن إلى أطراف الشام . وقال أبو عبيد : من أقصى عدن إلى ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها من الساحل إلى أطراف الشام عرضا
قوله : ( قال يعقوب والعرج أول تهامة )
العرج بفتح المهلة وسكون الراء بعدها جيم موضع بين مكة والمدينة ، وهو غير العرج بفتح الراء الذي من الطائف . وقال الأصمعي جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام عرضا ، وسميت جزيرة العرب لإحاطة البحار بها ، يعني بحر الهند وبحر القلزم وبحر فارس وبحر الحبشة ، وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم ، لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة وهو مكة والمدينة واليمامة ما والاها ، لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب ، لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب ، هذا مذهب الجمهور . وعن الحنفية يجوز مطلقا إلا المسجد ، وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة ، وقال الشافعي لا يدخلون الحرم أصلا إلا بإذن الإمام لمصلحة المسلمين خاصة .

(9/287)


قوله : ( باب التجمل للوفد )
ذكر فيه حديث ابن عمر في حلة عطارد ، وسيأتي شرحه في اللباس . قال ابن المنير : موضع الترجمة أنه ما أنكر عليه طلبه للتجمل للوفود ولما ذكر ، وإنما أنكر التجمل بهذا الصنف المنهي عنه .

(9/288)


2826 - سبق شرحه بالباب

(9/289)


قوله : ( باب كيف يعرض الإسلام على الصبي )
ذكر فيه حديث ابن عمر في قصة ابن صياد ، وقد تقدم توجيه هذه الترجمة في ( باب هل يعرض الإسلام على الصبي ) في كتاب الجنائز ، ووجه مشروعية عرض الإسلام على الصبي في حديث الباب من قوله صلى الله عليه وسلم لابن صياد " أتشهد أني رسول الله " وكان إذ ذاك لم يحتلم ، فإنه يدل على المدعي ، ويدل على صحة إسلام الصبي ، وأنه لو أقر لقبل لأنه فائدة العرض .

(9/290)


2827 - قوله : ( أن عمر انطلق إلخ )
هذا الحديث فيه ثلاث قصص أوردها المصنف تامة : في الجنائز من طريق يونس ، وهنا من طريق معمر ، وفي الأدب من طريق شعيب ، واقتصر في الشهادات على الثانية ، وذكرها أيضا فيما مضى من الجهاد من وجه آخر ، واقتصر في الفتن على الثالثة ، وقد مضى شرح أكثر مفرداته في الجنائز .
وقوله " قبل ابن صياد "
بكسر القاف وفتح الموحدة أي إلى جهته ،
وقوله ( وقد قارب ابن صياد يومئذ يحتلم )
في رواية يونس وشعيب " وقد قارب ابن صياد الحلم " ولم يقع ذلك في رواية الإسماعيلي فاعترض به فقال : لا يلزم من كونه غلاما أن يكون لم يحتلم .
قوله : ( أشهد أنك رسول الأميين )
فيه إشعار بأن اليهود الذين كان ابن صياد منهم كانوا معترفين ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن يدعون أنها مخصوصة بالعرب ، وفساد حجتهم واضح جدا ، لأنهم إذا أقروا بأنه رسول الله استحال أن يكذب على الله ، فإذا ادعى أنه رسوله إلى العرب وإلى غيرها تعين صدقه ، فوجب تصديقه .
قوله : ( فقال ابن صياد أتشهد أني رسول الله )
في حديث أبي سعيد عند الترمذي " فقال أتشهد أنت أني رسول الله " .
قوله : ( قال له النبي صلى الله عليه وسلم آمنت بالله ورسله )
وللمستملي " ورسوله " بالإفراد ، وفي حديث أبي سعيد " آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر " قال الزين بن المنير ، إنما عرض النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام على ابن صياد بناء على أنه ليس الدجال المحذر منه . قلت : ولا يتعين ذلك ، بل الذي يظهر أن أمره كان محتملا فأراد اختباره بذلك فإن أجاب غلب ترجيح أنه ليس هو ، وإن لم يجب تمادي الاحتمال ، أو أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوة ، ولما كان ذلك هو المراد أجابه بجواب منصف فقال " آمنت بالله ورسله " . وقال القرطبي : كان ابن صياد على طريقة الكهنة يخبر بالخبر فيصح تارة ويفسد أخرى ، فشاع ذلك ولم ينزل في شأنه وحي ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم سلوك طريقة يختبر حاله بها ، أي فهو السبب في انطلاق النبي صلى الله عليه وسلم إليه ، وقد روى أحد من حديث جابر قال " ولدت امرأة من اليهود غلاما ممسوحة عينه ، والأخرى طالعة ناتئة ، فأشفق النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الدجال " . وللترمذي عن أبي بكرة مرفوعا " يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عاما لا يولد لهما ثم يولد لهما غلام أضر شيء وأقله منفعة ، قال ونعتهما فقال : أما أبوه فطويل ضرب اللحم كأن أنفه منقار ، وأما أمه فرضاخية " أي بفاء مفتوحة وراء ساكنة وبمعجمتين ، والمعنى أنها ضخمة طويلة اليدين " قال فسمعنا بمولود بتلك الصفة ، فذهبت أنا والزبير بن العوام حتى دخلنا على أبويه - يعني ابن صياد - فإذا هما بتلك الصفة " ولأحمد والبزار من حديث أبي ذر قال " بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمه فقال : سلها كم حملت به ؟ فقالت حملت به اثنى عشر شهرا ، فلما وقع صاح صياح الصبي ابن شهر " انتهى ، فكأن ذلك هو الأصل في إرادة استكشاف أمره .
قوله : ( ماذا ترى قال ابن صياد يأتيني صادق وكاذب )
في حديث جابر عند الترمذي ونحوه لمسلم " فقال أرى حقا وباطلا ، وأرى عرشا على الماء " وفي حديث أبي سعيد عنده " أرى صادقين وكاذبا " ولأحمد " أرى عرشا على البحر حوله الحيتان " .
قوله : ( قال لبس )
بضم اللام وتخفيف الموحدة المكسورة بعدها مهملة أي خلط ، وفي حديث أبي الطفيل عند أحمد فقال " تعوذوا بالله من شر هذا " .
قوله : ( إني قد خبأت لك خبئا )
بكسر المعجمة وبفتحها وسكون الموحدة بعدها همز ، وبفتح المعجمة وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم همز أي أخفيت لك شيئا .
قوله : ( هو الدخ )
بضم المهملة بعدها معجمة ، وحكى صاحب المحكم الفتح ، ووقع عند الحاكم " الزخ " بفتح الزاي بدل الدال وفسره بالجماع ، واتفق الأئمة على تغليظه في ذلك ، ويرده ما وقع في حديث أبي ذر المذكور " فأراد أن يقول الدخان فلم يستطع فقال الدخ " ، وللبزار والطبراني في " الأوسط " من حديث زيد ابن حارثة قال " كان النبي صلى الله عليه وسلم خبأ له سورة الدخان " وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها ، فإن عند أحمد عن عبد الرزاق في حديث الباب " وخبأت له : يوم تأتي السماء بدخان مبين " وأما جواب ابن صياد بالدخ فقيل إنه اندهش فلم يقع من لفظ الدخان إلا على بعضه ، وحكى الخطابي أن الآية حينئذ كانت مكتوبة في يد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يهتد ابن صياد منها إلا لهذا القدر الناقص على طريقة الكهنة ، ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم " لن تعدو قدرك " أي قدر مثلك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء شياطينهم ما يحفظونه مختلطا صدقه بكذبه . وحكى أبو موسى المديني أن السر في امتحان النبي صلى الله عليه وسلم له بهذه الآية الإشارة إلى أن عيسى ابن مريم يقتل الدجال بجبل الدخان ، فأراد التعريض ، لابن الصياد بذلك واستبعد الخطابي ما تقدم وصوب أنه أخبأ له الدخ وهو نبت يكون بين البساتين ، وسبب استبعاده له أن الدخان لا يخبأ في اليد ولا الكم . ثم قال : إلا أن يكون خبأ له اسم الدخان في ضميره ، وعلى هذا فيقال : كيف اطلع ابن صياد أو شيطانه على ما في الضمير ؟ ويمكن أن يجاب باحتمال أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تحدث مع نفسه أو أصحابه بذلك قبل أن يختبره فاسترق الشيطان ذلك أو بعضه .
قوله : ( اخسأ )
سيأتي الكلام عليها في كتاب الأدب في باب مفرد .
قوله : ( فلن تعدو قدرك )
أي لن تجاوز ما قدر الله فيك أو مقدار أمثالك من الكهان . قال العلماء : استكشف النبي صلى الله عليه وسلم أمره ليبين لأصحابه تمويهه لئلا يلتبس حاله على ضعيف لم يتمكن في الإسلام ومحصل ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له على طريق الفرض والتنزل : إن كنت صادقا في دعواك الرسالة ولم يختلط عليك الأمر آمنت بك . وإن كنت كاذبا وخلط عليك الأمر فلا . وقد ظهر كذبك والتباس الأمر عليك فلا تعدو قدرك .
قوله : ( إن يكن هو )
كذا للأكثر ، وللكشميهني " إن يكنه " على وصل الضمير ، واختار ابن مالك جوازه ، ثم الضمير لغير مذكور لفظا ، وقد وقع في حديث ابن مسعود عند أحمد " أن يكون هو الذي تخاف فلن تستطيعه " وفي مرسل عروة عند الحارث بن أبي أسامة " إن يكن هو الدجال " .
قوله : ( فلن تسلط عليه )
في حديث جابر " فلست بصاحبه ، إنما صاحبه عيسى ابن مريم " .
قوله : ( وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله )
قال الخطابي : وإنما لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله مع ادعائه النبوة بحضرته لأنه كان غير بالغ ، ولأنه كان من جملة أهل العهد ، قلت : الثاني هو المتعين ، وقد جاء مصرحا به في حديث جابر عند أحمد ، وفي مرسل عروة " فلا يحل لك قتله " ثم إن في السؤال عندي نظرا ، لأنه لم يصرح بدعوى النبوة ، وإنما أوهم أنه يدعي الرسالة ، ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوة ، قال الله تعالى ( إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ) الآية .

(9/291)


2828 - قوله : ( قال ابن عمر انطلق النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبي بن كعب )
هذه هي القصة الثانية من هذا الحديث ، وهو موصول بالإسناد الأول ، وقد أفردها أحمد عن عبد الرزاق بإسناد حديث الباب ، ووقع في حديث جابر " ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر ونفر من المهاجرين والأنصار وأنا معهم " ولأحمد من حديث أبي الطفيل أنه حضر ذلك أيضا ، وقد تقدم في الجنائز شرح ما في هذا الفصل من المفردات وبيان اختلاف الرواة . و
قوله " طفق "
أي جعل
و " يتقي "
أي يستتر و
" يختل "
أي يسمع في خفية . ووقع في حديث جابر " رجاء أن يسمع من كلامه شيئا ليعلم أصادق هو أم كاذب " .
قوله ( أي صاف )
بمهملة وفاء وزن باغ ، زاد في رواية يونس " هذا محمد " وفي حديث جابر " فقالت يا عبد الله هذا أبو القاسم قد جاء " وكأن الراوي عبر باسمه الذي تسمى به في الإسلام ، وأما اسمه الأول فهو صاف .
قوله : ( لو تركته بين )
أي أظهر لنا من حاله ما نطلع به على حقيقته ، والضمير لأم ابن صياد ، أي لو لم تعلمه بمجيئنا لتمادى على ما كان فيه فسمعنا ما يستكشف به أمره . وغفل بعض الشراح فجعل الضمير للزمزمة ، أي لو لم يتكلم بها لفهمنا كلامه لكن عدم فهمنا لما يقول كونه يهمهم ، كذا قال . والأول هو المعتمد .

(9/292)


2829 - قوله : ( وقال سالم قال ابن عمر )
هذه هي القصة الثالثة وهي موصولة بالإسناد المذكور ، وقد أفردها أحمد أيضا ، وسيأتي الكلام عليها في الفتن . وفي قصة ابن صياد اهتمام الإمام بالأمور التي يخشى منها الفساد والتنقيب عليها ، وإظهار كذب المدعي الباطل وامتحانه بما يكشف حاله والتجسس على أهل الريب ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيما لم يوح إليه فيه . وقد اختلف العلماء في أمر ابن صياد اختلافا كثيرا سأستوفيه إن شاء الله تعالى في الكلام على حديث جابر " أنه كان يحلف أن ابن صياد هو الدجال " حيث ذكره المصنف في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى . وفيه الرد على من يدعي الرجعة إلى الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر " إن يكن هو الذي تخاف منه فلن تستطيعه " لأنه لو جاز أن الميت يرجع إلى الدنيا لما كان بين قتل عمر له حينئذ وكون عيسى ابن مريم هو الذي يقتله بعد ذلك منافاة . والله أعلم .

(9/293)


قوله : ( باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لليهود أسلموا تسلموا قاله المقبري عن أبي هريرة )
هو طرف من حديث سيأتي موصولا مع الكلام عليه في الجزية .

(9/294)


قوله : ( باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم )
أشار بذلك إلى الرد على من قال من الحنفية إن الحربي إذا أسلم في دار الحرب وأقام بها حتى غلب المسلمون عليها فهو أحق بجميع ماله إلا أرضه وعقاره فإنها تكون فيئا للمسلمين ، وقد خالفهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور ، ويوافق الترجمة حديث أخرجه أحمد عن صخر بن العيلة البجلي قال " فر قوم من بني سلم عن أرضهم فأخذتها ، فأسلموا وخاصموني إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فردها عليهم قال : إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله " .

(9/295)


2830 - قوله : ( حدثنا محمود )
هو ابن غيلان ،
وقوله " حدثنا عبد الله "
هو ابن المبارك ، وهذه رواية أبي ذر وحده وللباقين " عبد الرزاق " بدل عبد الله ، وبه جزم الإسماعيلي وأبو نعيم .
قوله : ( قلت يا رسول الله أين تنزل غدا )
الحديث ذكر مختصرا ، وقد تقدم في " باب توريث دور مكة وشرائها " من كتاب الحج بتمامه وتقدم شرحه هناك ، وفيه ما ترجم له هنا ، لكنه مبني على أن مكة فتحت عنوة والمشهور عند الشافعية أنها فتحت صلحا ، وسيأتي تحرير مباحث ذلك في غزوة الفتح من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى . ويمكن أن يقال : لما أقر النبي صلى الله عليه وسلم عقيلا على تصرفه فيما كان لأخويه علي وجعفر وللنبي صلى الله عليه وسلم من الدور والرباع بالبيع وغيره ولم يغير النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولا انتزعها ممن هي في يده لما ظفر كان في ذلك دلالة على تقرير من بيده دار أو أرض إذا أسلم وهي في يده بطريق الأولى . وقال القرطبي : يحتمل أن يكون مراد البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم من على أهل مكة بأموالهم ودورهم من قبل أن يسلموا ، فتقرير من أسلم يكون بطريق الأولى .
قوله : ( وذلك أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم أن لا يبايعوهم ولا يؤووهم )
هكذا وقع هذا القدر معطوفا على حديث أسامة وذكر الخطيب أن هذا مدرج في رواية الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو أبي عثمان عن أسامة ، وإنما هو عند الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، وذلك أن ابن وهب رواه عن يونس عن الزهري ففصل بين الحديثين . وروى محمد بن أبي حفصة عن الزهري الحديث الأول فقط ، وروى شعيب والنعمان بن راشد وإبراهيم بن سعد والأوزاعي عن الزهري الحديث الثاني فقط ، لكن عن أبي سلمة عن أبي هريرة . قلت : أحاديث الجميع عند البخاري ، وطريق ابن وهب عنده لحديث أسامة في الحج ، ولحديث أبي هريرة في التوحيد ، وأخرجهما مسلم معا في الحج وقد قدمت في الكلام عن حديث أسامة في الحج ما وقع فيه من إدراج أيضا والله المستعان .

(9/296)


2831 - قوله : ( أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يدعى هنيا )
بالنون مصغر بغير همز وقد يهمز ، وهذا المولى لم أر من ذكره في الصحابة مع إدراكه ، وقد وجدت له رواية عن أبي بكر وعمر وعمرو بن العاص ، روى عنه ابنه عمير وشيخ من الأنصار وغيرهما ، وشهد صفين مع معاوية ثم تحول إلى علي لما قتل عمار ، ثم وجدت في كتاب مكة لعمر بن شبة أن آل هني ينتسبون في همدان وهم موالى آل عمر ، انتهى . ولولا أنه كان من الفضلاء النبهاء الموثوق بهم لما استعمله عمر .
قوله : ( على الحمى )
، بين ابن سعد من طريق عمير بن هني عن أبيه أنه كان على حمى الربذة ، وقد تقدم بعض ذلك في كتاب الشرب .
قوله : ( اضمم جناحك عن المسلمين )
أي اكفف يدك عن ظلمهم ، وفي رواية معن بن عيسى عن مالك عند الدارقطني في الغرائب " اضمم جناحك للناس " وعلى هذا فمعناه استرهم بجناحك ، وهو كناية عن الرحمة والشفقة .
قوله : ( واتق دعوة المسلمين )
في رواية الإسماعيلي والدارقطني وأبي نعيم " دعوة المظلوم " .
قوله : ( وأدخل )
بهمزة مفتوحة ومعجمة مكسورة ، والصريمة بالمهملة مصغر وكذا الغنيمة أي صاحب القطعة القليلة من الإبل والغنم ، ومتعلق الإدخال محذوف والمراد المرعى .
قوله : ( وإياي )
فيه تحذير المتكلم نفسه ، وهو شاذ عند النحاة ، كذا قيل ، والذي يظهر أن الشذوذ في لفظه ، وإلا فالمراد في التحقيق إنما هو تحذير المخاطب ، وكأنه بتحذير نفسه حذره بطريق الأولى فيكون أبلغ ، ونحوه نهي المرء نفسه ومراده نهي من يخاطبه كما سيأتي قريبا في باب الغلول .
وقوله فيه " ابن عوف "
هو عبد الرحمن ،
وابن عفان
هو عثمان ، وخصهما بالذكر على طريق المثال لكثرة نعمهما لأنهما كانا من مياسير الصحابة ، ولم يرد بذلك منعهما البتة ، وإنما أراد أنه إذا لم يسع المرعى إلا نعم أحد الفريقين فنعم المقلين أولى ، فنهاه عن إيثارهما على غيرهما أو تقديمهما قبل غيرهما ، وقد بين حكمة ذلك في نفس الخبر .
قوله : ( ببيته )
كذا للأكثر بمثناة قبلها تحتانية ساكنة بلفظ مفرد البيت ، وللكشميهني بنون قبل التحتانية بلفظ جمع البنين ، والمعنى متقارب .
قوله : ( يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين )
حذف المقول لدلالة السياق عليه ، ولأنه لا يتعين في لفظ ، والتقدير يا أمير المؤمنين أنا فقير ، يا أمير المؤمنين أنا أحق ونحو ذلك .
قوله : ( أفتاركهم أنا )
استفهام إنكار ومعناه لا أتركهم محتاجين ،
وقوله " لا أبا لك "
بفتح الهمزة والموحدة ، وظاهره الدعاء عليه ، لكنه على مجازه لا على حقيقته ، وهو بغير تنوين لأنه صار شبيها بالمضاف وإلا فالأصل لا أبالك ، والحاصل أنهم لو منعوا من الماء والكلأ لهلكت مواشيهم فاحتاج إلى تعويضهم بصرف الذهب والفضة لهم لسد خلتهم ، وربما عارض ذلك الاحتياج إلى النقد في صرفه في مهم آخر .
قوله : ( إنهم ليرون )
بضم التحتانية أوله بمعنى الظن ، وبفتحها بمعنى الاعتقاد .
وقوله " أني قد ظلمتهم "
قال ابن التين يريد أرباب المواشي الكثيرة ، كذا قال ، والذي يظهر لي أنه أراد أرباب المواشي القليلة لأنهم المعظم والأكثر وهم أهل تلك البلاد من بوادي المدينة ، ويدل على ذلك قول عمر " إنها لبلادهم " وإنما ساغ لعمر ذلك لأنه كان مواتا فحماه لنعم الصدقة لمصلحة عموم المسلمين . وقد أخرج ابن سعد في الطبقات " عن معن بن عيسى عن مالك عن زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه " أن عمر أتاه رجل من أهل البادية فقال : يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام ، ثم تحمى علينا ؟ فجعل عمر ينفخ ويفتل شاربه " وأخرجه الدارقطني في " غرائب مالك " من طريق ابن وهب عن مالك بنحوه وزاد " فلما رأى الرجل ذلك ألح عليه ، فلما أكثر عليه قال : المال مال الله والعباد عباد الله ، ما أنا بفاعل " وقال ابن المنير : لم يدخل ابن عفان ولا ابن عوف في قوله " قاتلوا عليها في الجاهلية " فالكلام عائد على عموم أهل المدينة لا عليهما والله أعلم . وقال المهلب : إنما قال عمر ذلك لأن أهل المدينة أسلموا عفوا وكانت أموالهم لهم ، ولهذا ساوم بني النجار بمكان مسجده ، قال فاتفق العلماء على أن من أسلم من أهل الصلح فهو أحق بأرضه ، ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه فيء للمسلمين ، لأن أهل العنوة غلبوا على بلادهم كما غلبوا على أموالهم بخلاف أهل الصلح في ذلك . وفي نقل الاتفاق نظر لما بينا أول الباب ، وهو ومن بعده حملوا الأرض على أرض أهل المدينة التي أسلم أهلها عليها وهي في ملكهم ، وليس المراد ذلك هنا ، وإنما حمى عمر بعض الموات مما فيه نبات من غير معالجة أحد وخص إبل الصدقة وخيول المجاهدين ، وأذن لمن كان مقلا أن يرعى فيه مواشيه رفقا به ، فلا حجة فيه للمخالف .
وأما قوله " يرون أني ظلمتهم " فأشار به إلى أنهم يدعون أنهم أولى به ؛ لا أنهم منعوا حقهم الواجب لهم .
قوله : ( لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله )
أي من الإبل التي كان يحمل عليها من لا يجد ما يركب ، وجاء عن مالك أن عدة ما كان في الحمى في عهد عمر بلغ أربعين ألفا من إبل وخيل وغيرها ، وفي الحديث ما كان فيه عمر من القوة وجودة النظر والشفقة على المسلمين . وهذا الحديث ليس في الموطأ قال الدارقطني في " غرائب مالك " هو حديث غريب صحيح .

(9/297)


قوله : ( باب كتابة الإمام الناس )
أي من المقاتلة أو غيرهم ، والمراد ما هو أعم من كتابته بنفسه أو بأمره .

(9/298)


2832 - قوله : ( حدثنا محمد بن يوسف )
هو الفريابي ،
وسفيان
هو الثوري .
قوله : ( اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام )
في رواية أبا معاوية عن الأعمش عند مسلم " احصوا " بدل اكتبوا ، وهي أعم من اكتبوا ، وقد يفسر احصوا باكتبوا .
قوله : ( فقلنا نخاف )
هو استفهام تعجب وحذفت منه أداة الاستفهام وهي مقدرة ، وزاد أبو معاوية في روايته " فقال إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا " وكأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه ، ولعله كان عند خروجهم إلى أحد أو غيرها . ثم رأيت في شرح ابن التين الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق . وحكى الداودي احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية لأنه قد اختلف في عددهم هل كانوا ألفا وخمسمائة أو ألفا وأربعمائة أو غير ذلك مما سيأتي في مكانه وأما قول حذيفة " فلقد رأيتنا ابتلينا إلخ " فيشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان من ولاية بعض أمراء الكوفة كالوليد بن عقبة حيث كان يؤخر الصلاة أو لا يقيمها على وجهها ، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرا ثم يصلي معه خشية من وقوع الفتنة ، وقيل كان ذلك حين أتم عثمان الصلاة في السفر وكان بعضهم يقصر سرا وحده خشية الإنكار عليه ، ووهم من قال إن ذلك كان أيام قتل عثمان لأن حذيفة لم يحضر ذلك ، وفي ذلك علم من أعلام النبوة من الإخبار بالشيء قبل وقوعه ، وقد وقع أشد من ذلك بعد حذيفة في زمن الحجاج وغيره .
قوله : ( حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش فوجدناهم خمسمائة )
يعني أن أبا حمزة خالف الثوري عن الأعمش في هذا الحديث بهذا السند فقال خمسمائة ولم يذكر الألف .
قوله : ( قال أبو معاوية ما بين ستمائة إلى سبعمائة )
أي أن أبا معاوية خالف الثوري أيضا عن الأعمش بهذا الإسناد في العدة ، وطريق أبي معاوية هذه وصلها مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه ، وكأن رواية الثوري رجحت عند البخاري فلذلك اعتمدها لكونه أحفظهم مطلقا وزاد عليهم ، وزيادة الثقة الحافظ مقدمة ، وأبو معاوية وإن كان أحفظ أصحاب الأعمش بخصوصه ولذلك اقتصر مسلم على روايته لكنه لم يجزم بالعدد فقدم البخاري رواية الثوري لزيادتها بالنسبة لرواية الاثنين ولجزمها بالنسبة لرواية أبي معاوية ، وأما ما ذكره الإسماعيلي أن يحيى بن سعيد الأموي وأبا بكر بن عياش وافقا أبا حمزة في قوله خمسمائة فتتعارض الأكثرية والأحفظية فلا يخفى بعد ذلك الترجيح بالزيادة ، وبهذا يظهر رجحان نظر البخاري على غيره . وسلك الداودي الشارح طريق الجمع فقال : لعلهم كتبوا مرات في مواطن . وجمع بعضهم بأن المراد بالألف وخمسمائة جميع من أسلم من رجل وامرأة وعبد وصبي ، وبما بين الستمائة إلى السبعمائة الرجال خاصة وبالخمسمائة المقاتلة خاصة . وهو أحسن من الجمع الأول وإن كان بعضهم أبطله بقوله في الرواية الأولى ألف وخمسمائة رجل لإمكان أن يكون الراوي أراد بقوله رجل نفس ، وجمع بعضهم بأن المراد بالخمسمائة المقاتلة من أهل المدينة خاصة ، وبما بين الستمائة إلى السبعمائة هم ومن ليس بمقاتل ، وبالألف وخمسمائة هم ومن حولهم من أهل القرى والبوادي . قلت : ويخدش في وجوه هذه الاحتمالات كلها اتحاد مخرج الحديث ومداره على الأعمش بسنده واختلاف أصحابه عليه في العدد المذكور والله أعلم . وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش ، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة . بمن لا يصلح ، وفيه وقوع العقوبة على الإعجاب بالكثرة وهو نحو قوله تعالى ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) الآية . وقال ابن المنير : موضع الترجمة من الفقه أن لا يتخيل أن كتابة الجيش وإحصاء عدده يكون ذريعة لارتفاع البركة ، بل الكتابة المأمور بها لمصلحة دينية ، والمؤاخذة التي وقعت في حنين كانت من جهة الإعجاب .

(9/299)


2833 - حديث ابن عباس " قال رجل يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا " وهو يرجح الرواية الأولى بلفظ " اكتبوا " لأنها مشعرة بأنه كان من عادتهم كتابة من يتعين للخروج في المغازي ، وقد تقدم شرح الحديث في الحج مستوفى .

(9/300)


قوله : ( باب إن الله ليؤيد الدين بالرجل الفاجر )
ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي قاتل وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنه من أهل النار " وظهر بعد ذلك أنه قتل نفسه ، وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي ، وهو ظاهر فيما ترجم به ، وساقه هنا على لفظ معمر وهذا هو السبب في عطفه لطريقه على طريق شعيب ، وقال المهلب وغيره : لا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم " لا نستعين بمشرك " لأنه إما خاص بذلك الوقت ، وإما أن يكون المراد به الفاجر غير المشرك . قلت : الحديث أخرجه مسلم ، وأجاب عنه الشافعي بالأول ، وحجة النسخ شهود صفوان بن أمية حنينا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشرك وقصته مشهورة في المغازي ، وأجاب غيره في الجمع بينهما بأوجه غير هذه : منها أنه صلى الله عليه وسلم تفرس في الذي قال له " لا أستعين بمشرك " الرغبة في الإسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه ؛ ومنها أن الأمر فيه إلى رأي الإمام ، وفي كل منهما نظر من جهة أنها نكرة في سياق النفي فيحتاج مدعي التخصيص إلى دليل . وقال الطحاوي : قصة صفوان لا تعارض قوله " لا أستعين بمشرك " لأن صفوان خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم باختياره لا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك ، قلت : وهي تفرقة لا دليل عليها ولا أثر لها ؛ وبيان ذلك أن المخالف لا يقول به مع الإكراه ، وأما الأمر فالتقرير يقوم مقامه . قال ابن المنير : موضع الترجمة من الفقه أن لا يتخيل في الإمام إذا حمى حوزة الإسلام وكان غير عادل أنه يطرح النفع في الدين لفجوره فيجوز الخروج عليه ، فأراد أن هذا التخيل مندفع بهذا النص ، وأن الله قد يؤيد دينه بالفاجر ، وفجوره على نفسه .

(9/301)


2834 - سبق شرحه بالباب

(9/302)


قوله : ( باب من تأمر في الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو )
أي جاز ذلك .

(9/303)


2835 - حديث أنس في قصة أخذ خالد الراية في يوم مؤتة ، وسيأتي شرحه في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى ، وهو ظاهر فيما ترجم له به أيضا . قال ابن المنير : يؤخذ من حديث الباب أن من يعين لولاية وتعذرت مراجعة الإمام أن الولاية تثبت لذلك المعين شرعا وتجب طاعته حكما . كذا قال ، ولا يخفى أن محله ما إذا اتفق الحاضرون عليه . قال : ويستفاد منه صحة مذهب مالك في أن المرأة إذا لم يكن لها ولي إلا السلطان فتعذر إذن السلطان أن يزوجها الآحاد ، وكذا إذا غاب إمام الجمعة قدم الناس لأنفسهم .

(9/304)


قوله : ( باب العون بالمدد )
بفتح الميم : ما يمد به الأمير بعض العسكر من الرجال .

(9/305)


2836 - حديث أنس في قصة بئر معونة وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي ، وهو ظاهر فيما ترجم به أيضا . قال ابن المنير : وفيه أن الاجتهاد والعمل بالظاهر لا يضر صاحبه أن يقع التخلف ممن ظن به الوفاء .
( تنبيه ) :
قال الدمياطي : قوله في هذه الطريق
" أتاه رعل وذكوان وعصية ولحيان "
وهم ، لأن هؤلاء ليسوا أصحاب بئر معونة وإنما هم أصحاب الرجيع ، وهو كما قال ، وسأبين ذلك واضحا في المغازي إن شاء الله تعالى .

(9/306)


قوله : ( باب من غلب العدو فأقام على عرصتهم ثلاثا )
العرصة بفتح المهلتين وسكون الراء بينهما : هي البقعة الواسعة بغير بناء من دار وغيرها .

(9/307)


2837 - قوله : ( ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة )
كذا رواه قتادة ، ورواه ثابت عن أنس بغير ذكر أبي طلحة ، وهذه الطريق عن روح بن عبادة عن سعيد وهو ابن أبي عروبة مختصرة . وقد أوردها المصنف في المغازي في غزوة بدر عن شيخ آخر عن روح بأتم من هذا السياق ، ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى .
قوله : ( تابعه معاذ وعبد الأعلى عن قتادة إلخ )
أما متابعة معاذ وهو ابن معاذ العنبري فوصلها أصحاب السنن الثلاثة من طريقه ولفظه " أحب أن يقيم بالعرصة ثلاثا " وأما متابعة عبد الأعلى وهو ابن عبد الأعلى السامي بالمهملة فوصلها أبو بكر بن أبي شيبة عنه ومن طريق الإسماعيلي . وأخرجها مسلم عن يوسف بن حماد عنه ، قال المهلب : حكمة الإقامة لإراحة الظهر والأنفس ، ولا يخفى أن محله إذا كان في أمن من عدو وطارق ، والاقتصار على ثلاث يؤخذ منه أن الأربعة إقامة . وقال ابن الجوزي : إنما كان يقيم ليظهر تأثير الغلبة وتنفيذ الأحكام وقلة الاحتفال ، فكأنه يقول : من كانت فيه قوة منكم فليرجع إلينا . وقال ابن المنير : يحتمل أن يكون المراد أن تقع ضيافة الأرض التي وقعت فيها المعاصي بإيقاع الطاعة فيها بذكر الله وإظهار شعار المسلمين . وإذا كان ذلك في حكم الضيافة ناسب أن يقيم عليها ثلاثا لأن الضيافة ثلاثة .

(9/308)


قوله : ( باب من قسم الغنيمة في غزوه وسفره )
أشار بذلك إلى الرد على قول الكوفيين إن الغنائم لا تقسم في دار الحرب ، واعتلوا بأن الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء ، ولا يتم الاستيلاء إلا بإحرازها في دار الإسلام . وقال الجمهور : هو راجع إلى نظر الإمام واجتهاده ، وتمام الاستيلاء يحصل بإحرازها بأيدي المسلمين . ويدل على ذلك أن الكفار لو أعتقوا حينئذ رقيقا لم ينفذ عتقهم ، ولو أسلم عبد الحربي ولحق بالمسلمين صار حرا . ثم ذكر طرفا من حديث رافع وهو ابن خديج معلقا ، وسيأتي بتمامه موصولا مع شرحه في كتاب الذبائح .

(9/309)


2838 - وحديث أنس " اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين " وهو طرف من حديثه المتقدم في الحج بهذا الإسناد ، وسيأتي في غزوة الحديبية أيضا بتمامه ، وكلا الحديثين ظاهر فيما ترجم له .

(9/310)


قوله : ( باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم )
أي هل يكون أحق به ، أو يدخل الغنيمة ؟ وهذا مما اختلف فيه ، فقال الشافعي وجماعة : لا يملك أهل الحرب بالغلبة شيئا من مال المسلم ، ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها . وعن علي والزهري وعمرو بن دينار والحسن : لا يرد أصلا ، ويختص به أهل المغانم . وقال عمر وسليمان بن ربيعة وعطاء والليث ومالك وأحمد وآخرون ، وهي رواية عن الحسن أيضا ونقلها ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء السبعة : إن وجده صاحبه قبل القسمة فهو أحق به ، وإن وجده بعد القسمة فلا يأخذه إلا بالقسمة ، واحتجوا بحديث عن ابن عباس مرفوعا بهذا التفصيل أخرجه الدارقطني وإسناده ضعيف جدا ، وعن أبي حنيفة كقول مالك إلا في الآبق فقال هو والثوري : صاحبه أحق به مطلقا .
قوله : ( وقال ابن نمير )
يعني عبد الله ، وطريقه هذه وصلها أبو داود وابن ماجه .
قوله : ( ذهب وقوله فأخذه )
في رواية الكشميهني " ذهبت " وقال " فأخذها " والفرس اسم جنس يذكر ويؤنث .
قوله : ( في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم )
كذا وقع في رواية ابن نمير أن قصة الفرس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقصة العبد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وخالفه يحيى وهو القطان عن عبيد الله وهو العمري كما هي الرواية الثانية في الباب فجعلهما معا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا وقع في رواية موسى ابن عقبة عن نافع وهي الرواية الثالثة في الباب فصرح بأن قصة الفرس كانت في زمن أبي بكر ، وقد وافق ابن نمير إسماعيل بن زكريا أخرجه الإسماعيلي من طريقه ، وأخرجه من طريق ابن المبارك عن عبيد الله فلم يعين الزمان ، لكن قال في روايته " إنه افتدى الغلام بروميين " وكأن هذا الاختلاف هو السبب في ترك المصنف الجزم في الترجمة بالحكم لتردد الرواة في رفعه ووقفه ، لكن للقائل به أن يحتج بوقوع ذلك في زمن أبي بكر الصديق والصحابة متوافرون من غير نكير منهم . وقوله في رواية موسى بن عقبة " يوم لقي المسلمون " كذا هنا بحذف المفعول ، وبينه الإسماعيلي في روايته عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة وأبو نعيم من طريق أحمد ابن يحيى الحلواني كلاهما عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه فقال فيه " يوم لقي المسلمون طيئا وأسدا " وزاد فيه سبب أخذ العدو لفرس ابن عمر ففيه " فاقتحم الفرس بعبد الله بن عمر جرفا فصرعه وسقط ابن عمر فعار الفرس " والباقي مثله ، وروى عبد الرزاق أن العبد الذي أبق لابن عمر كان يوم اليرموك ، أخرجه عن معمر عن أيوب عن نافع عنه .

(9/311)


2839 - قوله : ( قال أبو عبد الله عار )
بمهملة وراء
( مشتق من العير وهو حمار وحش ، أي هرب )
قال ابن التين : أراد أنه فعل فعله في النفار . وقال الخليل : يقال عار الفرس والكلب عيارا أي أفلت وذهب . وقال الطبري : يقال ذلك للفرس إذا فعله مرة بعد مرة ، ومنه قيل للبطال من الرجال الذي لا يثبت على طريقه : عيار ، ومنه سهم عاير إذا كان لا يدري من أين أتى .

(9/312)


قوله : ( باب من تكلم بالفارسية )
أي بلسان الفرس ، قيل إنهم ينتسبون إلى فارس بن كومرث ، واختلف في كومرث قيل إنه من ذرية سام بن نوح وقيل من ذرية يافث بن نوح وقيل إنه ولد آدم لصلبه وقيل إنه آدم نفسه وقيل لهم الفرس لأن جدهم الأعلى ولد له سبعة عشر ولدا كان كل منهم شجاعا فارسا فسموا الفرس ، وفيه نظر لأن الاشتقاق يختص باللسان العربي والمشهور أن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أول من ذللت له الخيل ، والفروسية ترجع إلى الفرس من الخيل وأمة الفرس كانت موجودة .
قوله : ( والرطانة )
بكسر الراء ويجوز فتحها ، هو كلام غير العربي ، قالوا : فقه هذا الباب يظهر في تأمين المسلمين لأهل الحرب بألسنتهم ، وسيأتي مزيد لذلك في أواخر الجزية في " باب إذا قالوا صبأنا ولم يقولوا أسلمنا " وقال الكرماني : الحديث الأول كان في غزوة الخندق والآخران بالتبعية ، كذا قال ، ولا يخفى بعده ، والذي أشرت إليه أقرب .
قوله : وقول الله عز وجل ( واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) وقال ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه )
كأنه أشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف الألسنة لأنه أرسل إلى الأمم كلها على اختلاف ألسنتهم فجميع الأمم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته فاقتضى أن يعرف ألسنتهم ليفهم عنهم ويفهموا عنه ، ويحتمل أن يقال : لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الألسنة لإمكان الترجمان الموثوق به عندهم .

(9/313)


2841 - حديث جابر في قصة بركة الطعام الذي صنعه بالخندق ، وسيأتي بتمامه بهذا الإسناد مع شرحه في المغازي إن شاء الله تعالى ، والغرض منه قوله " أن جابرا قد صنع سورا وهو بضم المهملة وسكون الواو قال الطبري : السور بغير همز الصنيع من الطعام الذي يدعى إليه وقيل الطعام مطلقا ، وهو بالفارسية وقيل بالحبشية ، وبالهمز بقية الشيء والأول هو المراد هنا . قال الإسماعيلي : السور كلمة بالفارسية . قيل له أليس هو الفضلة ؟ قال لم يكن هناك شيء فضل ذلك منه ، إنما هو بالفارسية من أتى دعوة . وأشار المصنف إلى ضعف ما ورد من الأحاديث الواردة في كراهة الكلام بالفارسية كحديث " كلام أهل النار بالفارسية " وكحديث " من تكلم بالفارسية زادت في خبثه ونقصت من مروءته " أخرجه الحاكم في مستدركه وسنده واه ، وأخرج فيه أيضا عن عمر رفعه " من أحسن العربية فلا يتكلمن بالفارسية فإنه يورث النفاق " الحديث وسنده واه أيضا .

(9/314)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية