صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ فتح الباري - ابن حجر ]
الكتاب : فتح الباري شرح صحيح البخاري
المؤلف : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
الناشر : دار المعرفة - بيروت ، 1379
تحقيق : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
عدد الأجزاء : 13

وليس لعبد الله هذا في البخاري سوى هذا الحديث وقد اختلف على يعقوب بن إبراهيم بن سعد في سنده فأخرجه النسائي عن أبي داود الحراني عنه عن أبيه عن صالح قال قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أسقط عبد الله بن عبيدة من السند هكذا أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن أبي داود الحراني ومن رواية عبيد الله بن سعد بن إبراهيم عن عمه يعقوب قال الإسماعيلي هذان ثقتان روياه هكذا قلت لكن سعيد ثقة وقد تابعه عباس بن محمد الدوري عن يعقوب بن إبراهيم أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريقه وقد تقدم شرح الحديث في المغازي ويأتي شيء منه بعد أبواب وأن قول بن عباس في هذه الرواية ذكر لي على البناء للمجهول يبين من رواية نافع بن جبير عن بن عباس المذكورة هناك أن المبهم المذكور أبو هريرة قال المهلب هذه الرؤيا ليست على وجهها وانما هي من ضرب المثل وانما أول النبي صلى الله عليه و سلم السوارين بالكذابين لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب وليسا من لبسه لأنهما من حلية النساء عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له وأيضا ففي كونهما من ذهب والذهب منهي عن لبسه دليل على الكذب وأيضا فالذهب مشتق من الذهاب فعلم انه شيء يذهب عنه وتأكد ذلك بالأذن له في نفخهما فطارا فعرف انه لا يثبت لهما أمر وأن كلامه بالوحي الذي جاء به يزيلهما عن موضعهما والنفخ يدل على الكلام انتهى ملخصا وقوله في آخر الحديث فقال عبيد الله هو بن عبد الله بن عتبة راوي الحديث وهو موصول بالسند المذكور إليه وهذا التفسير يوهم أنه من قبله وسيأتي قريبا من وجه آخر عن أبي هريرة أنه من كلام النبي صلى الله عليه و سلم فيحتمل أن يكون عبيد الله لم يسمع ذلك من بن عباس وقد ذكرت خبر الأسود العنسي هناك وذكرت خبر مسيلمة وقتله في غزوة أحد وشيئا من خبره في أواخر المغازي أيضا قال الكرماني كان يقال للأسود العنسي ذو الحمار لأنه علم حمارا إذا قال له اسجد يخفض رأسه قلت فعلى هذا هو بالحاء المهملة والمعروف أنه بالخاء المعجمة بلفظ الثوب الذي يختمر به قال بن العربي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتوقع بطلان أمر مسيلمة والعنسي فأول الرؤيا عليهما ليكون ذلك إخراجا للمنام عليهما ودفعا لحالهما فإن الرؤيا إذا عبرت خرجت ويحتمل أن يكون بوحي والأول أقوى كذا قال
( قوله باب إذا رأى بقرا تنحر )
كذا ترجم بقيد النحر ولم يقع ذلك في الحديث الذي ذكره عن أبي موسى وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كما سأبينه وحديث أبي موسى المذكور في الباب أورده بهذا السند بتمامه في علامات النبوة وفرق منه في المغازي بهذا السند أيضا وعلق فيها منه قطعة في الهجرة فقال
6629 - وقال

(12/421)


أبو موسى وذكر بعضه هنا وبعضه بعد أربعة أبواب ولم يذكر بعضه وقد تقدم في غزوة أحد شرح ما أورده منه فيها قوله أراه بضم أوله أي أظنه وقد بينت هناك أن القائل أراه هو البخاري وأن مسلما وغيره رووه عن أبي كريب محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه بالسند المذكور بدون هذه اللفظة بل جزموا برفعه قوله فذهب وهلى قال بن التين رويناه وهلى بفتح الهاء والذي ذكره أهل اللغة بسكونها تقول وهلت بالفتح أهل وهلا إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره مثل وهمت ووهل يوهل وهلا بالتحريك إذا فزع قال ولعله وقع في الرواية على مثل ما قالوه في البحر بحر بالتحريك وكذا النهر والنهر والشعر والشعر انتهى وبهذا جزم أهل اللغة بن فارس والفارابي والجوهري والفالي وبن القطاع إلا أنهم لم يقولوا وأنت تريد غيره وقد وقع في حديث المائة سنة فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهلا بالتحريك وقال النووي معناه غلطوا يقال وهل بفتح الهاء يهل بكسرها وهلا بسكونها مثل ضرب يضرب ضربا أي غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب وأما وهلت بكسرها أوهل بالفتح وهلا بالتحريك أيضا كحذرت احذر حذرا فمعناه فزعت والوهل بالفتح الفزع وضبطه النووي بالتحريك وقال الوهل بالتحريك معناه الوهم والاعتقاد وأما صاحب النهاية فجزم أنه بالسكون قوله أو الهجر كذا لأبي ذر هنا بالألف واللام ووافقه الأصيلي ووقع في رواية كريمة أو هجر بغير ألف ولام وهي بلد قدمت بيانها في باب الهجرة إلى المدينة قوله ورأيت فيها بقرا والله خير تقدم ما فيه ووقع في حديث جابر عند أحمد والنسائي والدارمي من رواية حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر وفي رواية لأحمد حدثنا جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرا تنحر فأولت الدرع الحصينة المدينة وأن البقر بقر والله خير وهذه اللفظة الأخيرة وهي بقر بفتح الموحدة وسكون القاف مصدر بقره يبقره بقرا ومنهم من ضبطها بفتح النون والفاء ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث بن عباس عند أحمد أيضا والنسائي والطبراني وصححه الحاكم من طريق أبي الزناد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس في قصة أحد واشارة النبي صلى الله عليه و سلم عليهم أن لا يبرحوا من المدينة وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة ولبسه اللامة وندامتهم على ذلك وقوله صلى الله عليه و سلم لا ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل وفيه أني رأيت أني في درع حصينة الحديث بنحو حديث جابر وأتم منه وقد تقدمت الإشارة إليه وإلى ما له من شاهد في غزوة أحد وتقدم هناك قول السهيلي إن البقر تعبر برجال متسلحين يتناطحون في القتال والبحث معه فيه وهو انما تكلم على رواية بن إسحاق اني رأيت والله خيرا رأيت بقرا ولكن تقييده في الحديث الذي ذكرته البقر بكونها تنحر هو على ما فسره في الحديث بأنهم من أصيب من المسلمين وان كانت الرواية بسكون القاف أو بالنون والفاء وليس من رؤية البقر المتناطحة في شيء وقد ذكر أهل التعبير للبقر في النوم وجوها أخرى منها أن البقرة الواحدة تفسر بالزوجة والمرأة والخادم والأرض والثور يفسر بالثائر لكونه يثير الأرض فيتحرك عاليها وسافلها فكذلك من يثور في ناحية لطلب ملك أو غيره ومنها أن البقر إذا وصلت إلى بلد فإن كانت بحرية فسرت بالسفن وإلا فبعسكر أو بأهل بادية أو يبس يقع في تلك البلد قوله وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر المراد بما بعد بدر فتح خيبر ثم مكة ووقع في رواية بعد بالضم أي بعد أحد ونصب يوم أي ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين قال الكرماني ويحتمل أن يراد بالخير الغنيمة وبعد أي بعد الخير والثواب والخير

(12/422)


حصلا في يوم بدر قلت وفي هذا السياق إشعار بأن قوله في الخبر والله خير من جملة الرؤيا والذي يظهر لي أن لفظة لم يتحرر إيراده وأن رواية بن إسحاق هي المحررة وأنه رأى بقرا ورأى خيرا فأول البقر على من قتل من الصحابة يوم أحد وأول الخير على ما حصل لهم من ثواب الصدق في القتال والصبر على الجهاد يوم بدر وما بعده إلى فتح مكة والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأحد نبه عليه بن بطال ويحتمل أن يريد ببدر بدر الموعد لا الوقعة المشهورة السابقة على أحد فان بدر الموعد كانت بعد أحد ولم يقع فيها قتال وكان المشركون لما رجعوا من أحد قالوا موعدكم العام المقبل بدر فخرج النبي صلى الله عليه و سلم ومن انتدب معه إلى بدر فلم يحضر المشركون فسميت بدر الموعد فأشار بالصدق إلى أنهم صدقوا الوعد ولم يخلفوه فأثابهم الله تعالى على ذلك بما فتح عليهم بعد ذلك من قريظة وخيبر وما بعدها والله أعلم
( قوله باب النفخ في المنام )
قال أهل التعبير النفخ يعبر بالكلام وقال بن بطال يعبر بإزالة الشيء المنفوخ بغير تكلف شديد لسهولة النفخ على النافخ ويدل على الكلام وقد أهلك الله الكذابين المذكورين بكلامه صلى الله عليه و سلم وأمره بقتلهما
6630 - قوله حدثني في رواية أبي ذر حدثنا قوله إسحاق بن إبراهيم الحنظلي هو المعروف بابن راهويه قوله هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال نحن الآخرون السابقون وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم بينا أنا نائم قد تقدم التنبيه على هذا الصنيع في أوائل كتاب الأيمان والنذور وأن نسخة همام عن أبي هريرة كانت عند إسحاق بهذا السند وأول حديث فيها حديث نحن الآخرون السابقون الحديث في الجمعة وبقية أحاديث النسخة معطوفة عليه بلفظ وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان إسحاق إذا أراد التحديث بشيء منها بدا بطرف من الحديث الأول وعطف عليه ما يريد ولم يطرد هذا الصنيع للبخاري في هذه النسخة وأما مسلم فأطرد صنيعه في ذلك كما نبهت عليه هناك وبالله التوفيق وقد تقدم هذا الحديث في باب وفد بني حنيفة في أواخر المغازي عن إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق بهذا الإسناد لكن قال في روايته عن همام أنه سمع أبا هريرة ولم يبدا فيه إسحاق بن نصر بقوله نحن الآخرون السابقون وذلك مما يؤيد ما قررته ويعكر على من زعم أن هذه الجملة أول حديث الباب وتكلف لذلك وبالله التوفيق قوله إذ أتيت خزائن الأرض كذا وجدته في نسخة معتمدة من طريق أبي ذر من الإتيان بمعنى المجيء وبحذف الباء من خزائن وهي مقدرة وعند غيره أوتيت بزيادة واو من الإيتاء بمعنى الإعطاء ولا إشكال في حذف الباء على هذه الرواية ولبعضهم كالأول لكن بإثبات الباء

(12/423)


وهي رواية أحمد وإسحاق بن نصر عن عبد الرزاق قال الخطابي المراد بخزائن الأرض ما فتح على الأمة من الغنائم من ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة قال غيره بل يحمل على أعم من ذلك قوله فوضع بفتح أوله وثانيه وفي رواية إسحاق بن نصر بضم أوله وكسر ثانيه قوله في يدي في رواية إسحاق بن نصر في كفي قوله سوارين في رواية إسحاق بن نصر سواران ولا إشكال فيها وشرح بن التين هنا على لفظ وضع بالضم وسوارين بالنصب وتكلف لتخريج ذلك وقد أخرجه بن أبي شيبة وبن ماجة من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ رأيت في يدي سوارين من ذهب وأخرجه سعيد بن منصور من رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة مثله وزاد في المنام والسوار بكسر المهملة ويجوز ضمها وفيه لغة ثالثة أسوار بضم الهمزة أوله قوله فكبر علي في رواية إسحاق بن نصر فكبرا بالتثنية والباء الموحدة مضمومة بمعنى العظم قال القرطبي وإنما عظم عليه ذلك لكون الذهب من حلية النساء ومما حرم على الرجال قوله فأوحى الي كذا للأكثر على البناء للمجهول وفي رواية الكشميهني في حديث إسحاق بن نصر فأوحى الله الي وهذا الوحي يحتمل أن يكون من وحي الإلهام أو على لسان الملك قاله القرطبي قوله فنفختهما زاد إسحاق بن نصر فذهبا وفي رواية بن عباس الماضية قريبا فطارا وكذا في رواية المقبري وزاد فوقع واحد باليمامة والآخر باليمن وفي ذلك إشارة إلى حقارة أمرهما لأن شأن الذي ينفخ فيذهب بالنفخ أن يكون في غاية الحقارة ورده بن العربي بان أمرهما كان في غاية الشدة ولم ينزل بالمسلمين قبله مثله قلت وهو كذلك لكن الإشارة انما هي للحقارة المعنوية لا الحسية وفي طيرانهما إشارة إلى إضمحلال أمرهما كما تقدم قوله فأولتهما الكذابين قال القاضي عياض لما كان رؤيا السوارين في اليدين جميعا من الجهتين وكان النبي صلى الله عليه و سلم حينئذ بينهما فتأول السوارين عليهما لوضعهما في غير موضعهما لأنه ليس من حلية الرجال وكذلك الكذاب يضع الخبر في غير موضعه وفي كونهما من ذهب إشعار بذهاب أمرهما وقال بن العربي السوار من حلى الملوك الكفار كما قال الله تعالى فلولا ألقى عليه أساورة من ذهب واليد لها معان منها القوة والسلطان والقهر قال ويحتمل أن يكون ضرب المثل بالسوار كناية عن الأسوار وهو من أسامي ملوك الفرس قال وكثيرا ما يضرب المثل بحذف بعض الحروف قلت وقد ثبت بزيادة الألف في بعض طرقه كما بينته وقال القرطبي في المفهم ما ملخصه مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا أسلموا فكانوا كالساعدين للإسلام فلما ظهر فيهما الكذابان وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة إنخدع أكثرهم بذلك فكان اليدان بمنزلة البلدين والسواران بمنزلة الكذابين وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفاه والزخرف من أسماء الذهب قوله اللذين أنا بينهما ظاهر في أنهما كانا حين قص والرؤيا موجودين وهو كذلك لكن وقع في رواية بن عباس يخرجان بعدي والجمع بينهما أن المراد بخروجهما بعده ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة نقله النووي عن العلماء وفيه نظر لأن ذلك كله ظهر للأسود بصنعاء في حياته صلى الله عليه و سلم فأدعى النبوة وعظمت شوكته وحارب المسلمين وفتك فيهم وغلب على البلد وآل أمره إلى أن قتل في حياة النبي صلى الله عليه و سلم كما قدمت ذلك واضحا في أواخر المغازي وأما مسيلمة فكان أدعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه و سلم لكن لم تعظم شوكته ولم تقع محاربته إلا في عهد أبي بكر فأما أن يحمل ذلك على التغليب وإما أن يكون المراد بقوله بعدي أي بعد نبوتي قال بن العربي

(12/424)


يحتمل أن يكون ما تأوله النبي صلى الله عليه و سلم في السوارين بوحي ويحتمل أن يكون تفاءل بذلك عليهما دفعا لحالهما فأخرج المنام المذكور عليهما لأن الرؤيا إذا عبرت وقعت والله أعلم تنبيه أخرج بن أبي شيبة من مرسل الحسن رفعه رأيت كأن في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما فذهبا كسرى وقيصر وهذا إن كان الحسن أخذه عن ثبت فظاهره يعارض التفسير بمسيلمة والأسود فيحتمل أن يكون تعددا والتفسير من قبله بحسب ما ظنه أدرج في الخبر فالمعتمد ما ثبت مرفوعا أنهما مسيلمة والأسود
( قوله باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كوة وأسكنه موضعا آخر )
واختلف في ضبط كوة فوقع في رواية لأبي ذر بضم الكاف وتشديد الواو المفتوحة ووقع للباقين بتخفيف الواو وسكونها بعدها راء وهو المعتمد والكورة الناحية قال الخليل في العين الكور الرحل بالحاء المهملة الساكنة كذا اقتصر عليه بن بطال وقال غيره الرحل باداته فان فتح أوله فهو الرحل بغير أداة والكور بالضم أيضا موضع الزنابير وكور الحداد ما يبنى من طين وأما الزق فهو الكير والكورة المدينة والناحية قال بن دريد ولا أحسبها عربية محضة
6631 - قوله حدثني أخي عبد الحميد هو بن أبي أويس واسم أبي أويس عبد الله قوله عن سليمان بن بلال في رواية إبراهيم بن المنذر عن أبي بكر بن أبي أويس وهو عبد الحميد المذكور حدثنا سليمان وهو بن بلال المذكور وهو مذكور بعد باب قوله عن سالم بن عبد الله عن أبيه في رواية فضيل بن سليمان في الباب بعده حدثني سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر قوله أن النبي صلى الله عليه و سلم قال رأيت في رواية فضيل في رؤيا النبي صلى الله عليه و سلم في المدينة وفي رواية الإسماعيلي من طريق بن جريج ويعقوب بن عبد الرحمن كلاهما عن موسى بن عقبة مثله قال في وباء المدينة قوله رأيت في رواية عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة لقد رأيت قوله كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس في رواية بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عند أحمد وأبي نعيم ثائرة الشعر والمراد شعر الرأس وزاد تفلة بفتح المثناة وكسر الفاء بعدها لام أي كريهة الرائحة قوله خرجت كذا في أكثر الروايات ووقع في رواية بن أبي الزناد أخرجت بزيادة همزة مضمومة أوله على البناء للمجهول ولفظه أخرجت من المدينة فأسكنت بالجحفة وهو الموافق للترجمة وظاهر الترجمة أن فاعل الإخراج النبي صلى الله عليه و سلم وكأنه نسبه إليه لأنه دعا به فقد تقدم في آخر فضل المدينة في آخر كتاب الحج من حديث عائشة أنه صلى الله عليه و سلم قال اللهم حبب إلينا المدينة الحديث وفيه وأنقل حماها إلى الجحفة قالت عائشة وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله قوله حتى قامت بمهيعة وهي الجحفة أما مهيعة فبفتح الميم وسكون الهاء بعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ثم عين مهملة وقيل بوزن عظيمة وأظن قوله وهي الجحفة مدرجا من قول موسى بن

(12/425)


عقبة فان أكثر الروايات خلا عن هذه الزيادة وثبتت في رواية سليمان وبن جريج ووقع في رواية بن جريج عن موسى عند بن ماجة حتى قامت بالمهيعة قال بن التين ظاهر كلام الجوهري أن مهيعة تصرف لأنه أدخل عليها الألف واللام ثم قال إلا أن يكون أدخلهما للتعظيم وفيه بعد قوله فأولت أنه وباء المدينة نقل إليها في رواية بن جريج فأولتها وباء المدينة ينقل إلى الجحفة قال المهلب هذه الرؤيا من قسم الرؤيا المعبرة وهي مما ضرب به المثل ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء السوء والداء فتأول خروجها بما جمع أسمها وتأول من ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة وقيل لأن ثوران الشعر من إقشعرار الجسد ومعنى الاقشعرار الاستيحاش فلذلك يخرج ما تستوحش النفوس منه كالحمى قلت وكأن مراده بالاستيحاش أن رؤيته موحشة وإلا فالاقشعرار في اللغة تجمع الشعر وتقبضه وكل شيء تغير عن هيئته يقال اقشعر كاقشعرت الأرض بالجدب والنبات من العطش وقد قال القيرواني المعبر كل شيء غلبت عليه السوداء في أكثر وجوهها فهو مكروه وقال غيره ثوران الراس يئول بالحمى لأنها تثير البدن بالاقشعرار وإرتفاع الرأس لا سيما من السوداء فانها أكثر استيحاشا
( قوله باب المرأة السوداء أي في المنام )
ذكر فيه الحديث الذي قبله من الوجه الذي نبهت عليه وقوله فيه فتأولتها وقع في رواية الكشميهني فأولتها قوله رأيت حذف منه قال خطأ والتقدير قال رأيت وثبت في رواية الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن المقدمي شيخ البخاري فيه ولفظه عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه و سلم في المدينة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رأيت الخ قوله باب المرأة الثائرة الراس أي في المنام ذكر فيه الحديث المشار إليه وقد قدمت ما فيه

(12/426)


( قوله باب إذا هز سيفا في المنام )
ذكر فيه حديث أبي موسى أراه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال
6634 - رأيت في رؤياي أني هززت سيفا فانقطع صدره الحديث بهذه القصة وهو طرف من حديثه الذي أورده في علامات النبوة بكماله وقد ذكر القدر المذكور منه هنا في غزوة أحد وذكرت بعض شرحه هناك وقوله فيه ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المومنين قال المهلب هذه الرؤيا من ضرب المثل ولما كان النبي صلى الله عليه و سلم يصول بالصحابة عبر عن السيف بهم وبهزه عن أمره لهم بالحرب وعن القطع فيه بالقتل فيهم وفي الهزة الأخرى لما عاد إلى حالته من الاستواء عبر به عن اجتماعهم والفتح عليهم ولأهل التعبير في السيف تصرف على أوجه منها أن من نال سيفا فأنه ينال سلطانا إما ولاية وإما وديعة وإما زوجة وإما ولدا فان سله من غمده فانثلم سلمت زوجته وأصيب ولده فان انكسر الغمد وسلم السيف فبالعكس وان سلما أو عطبا فكذلك وقائم السيف يتعلق بالأب والعصبات ونصله بالأم وذوي الرحم وان جرد السيف وأراد قتل شخص فهو لسانه يجرده في خصومه وربما عبر السيف بسلطان جائر انتهى ملخصا وقال بعضهم من رأى أنه أغمد السيف فإنه يتزوج أو ضرب شخصا بسيف فإنه يبسط لسانه فيه ومن رأى أنه يقاتل آخر وسيفه أطول من سيفه فإنه يغلبه ومن رأى سيفا عظيما فهي فتنة ومن قلد سيفا قلد أمرا فان كان قصيرا لم يدم أمره وان رأى انه يجر حمائله فإنه يعجز عنه
( قوله باب من كذب في حلمه )
أي فهو مذموم أو التقدير باب إثم من كذب في حلمه والحلم بضم المهملة

(12/427)


وسكون اللام ما يراه النائم وأشار بقوله كذب في حلمه مع أن لفظ الحديث تحلم إلى ما ورد في بعض طرقه وهو ما أخرجه الترمذي من حديث على رفعه من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد شعيرة وسنده حسن وقد صححه الحاكم ولكنه من رواية عبد الأعلى بن عامر ضعفه أبو زرعة وذكر فيه حديثين الحديث الأول ذكر له طرقا مرفوعه وموقوفه عن بن عباس
6635 - قوله حدثنا سفيان هو بن عيينة قوله عن أيوب في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا أيوب وقد وقع في الأصل ما يدل على ذلك وهو قوله في آخره قال سفيان وصله لنا أيوب قوله عن بن عباس ذكر المصنف الاختلاف فيه على عكرمة هل هو عن بن عباس مرفوعا أو موقوفا أو هو عن أبي هريرة موقوفا قوله من تحلم أي من تكلف الحلم قوله بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل في رواية عباد بن عباد عن أيوب عند أحمد عذب حتى يعقد بين شعيرتين وليس عاقدا وعنده في رواية همام عن قتادة من تحلم كاذبا دفع إليه شعيرة وعذب حتى يعقد بين طرفيها وليس بعاقد وهذا مما يدل على أن الحديث عند عكرمة عن بن عباس وعن أبي هريرة معا لاختلاف لفظ الرواية عنه عنهما والمراد بالتكلف نوع من التعذيب قوله ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه في رواية عباد بن عباد وهم يفرون منه ولم يشك قوله صب في أذنه الآنك يوم القيامة في رواية عباد صب في أذنه يوم القيامة عذاب وفي رواية همام ومن استمع إلى حديث قوم ولا يعجبهم أن يستمع حديثهم أذيب في أذنه الآنك قوله ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ في رواية عباد وكذا في رواية همام ومن صور صورة عذب يوم القيامة حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها وهذا الحديث قد اشتمل على ثلاثة أحكام أولها الكذب على المنام ثانيها الاستماع لحديث من لا يريد استماعه ثالثها التصوير وقد تقدم في أواخر اللباس من طريق النضر بن أنس عن بن عباس حديث من صور صورة وتقدم شرحه هناك وأما الكذب على المنام فقال الطبري انما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه إذ قد تكون شهادة في قتل أو حد أو أخذ مال لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين لقوله تعالى ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم الآية وانما كان الكذب في المنام كذبا على الله لحديث الرؤيا جزء من النبوة وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى انتهى ملخصا وقد تقدم في باب قبل باب ذكر أسلم وغفار شيء من هذا في الكلام على حديث وائلة الأتي التنبيه عليه في ثاني حديثي الباب وقال المهلب في قوله كلف أن يعقد بين شعيرتين حجة للأشعرية في تجويزهم تكليف ما لا يطاق ومثله في قوله تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون وأجاب من منع ذلك بقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أو حملوه على أمور الدنيا وحملوا الآية والحديث المذكورين على أمور الآخرة انتهى ملخصا والمسألة مشهورة فلا نطيل بها والحق أن التكليف المذكور في قوله كلف أن يعقد ليس هو التكليف المصطلح وانما هو كناية عن التعذيب كما تقدم وأما التكليف المستفاد من الأمر بالسجود فالأمر فيه على سبيل التعجيز والتوبيخ لكونهم أمروا بالسجود في الدنيا وهم قادرون على ذلك فأمتنعوا فأمروا به حيث لا قدرة لهم عليه تعجيزا وتوبيخا وتعذيبا وأما إلا فتقدم استماع التنبيه عليه في الأستئذان في الكلام على حديث لا يتناجى اثنان دون ثالث وقد قيد ذلك في حديث الباب لمن يكون كارها لاستماعه فأخرج

(12/428)


من يكون راضيا وأما من جهل ذلك فيمتنع حسما للمادة وأما الوعيد على ذلك بصب الآنك في أذنه فمن الجزاء من جنس العمل والآنك بالمد وضم النون بعدها كاف الرصاص المذاب وقيل هو خالص الرصاص وقال الداودي هو القصدير وقال بن أبي جمرة انما سماه حلما ولم يسمه رؤيا لأنه ادعى أنه رأى ولم ير شيئا فكان كاذبا والكذب انما هو من الشيطان وقد قال أن الحلم من الشيطان كما مضى في حديث أبي قتادة وما كان من الشيطان فهو غير حق فصدق بعض الحديث بعضا قال ومعنى العقد بين الشعيرتين أن يفتل إحداهما بالأخرى وهو مما لا يمكن عادة قال ومناسبة الوعيد المذكور للكاذب في منامه وللمصور أن الرؤيا خلق من خلق الله وهي صورة معنوية فأدخل بكذبه صورة لم تقع كما أدخل المصور في الوجود صورة ليست بحقيقية لأن الصورة الحقيقية هي التي فيها الروح فكلف صاحب الصورة اللطيفة أمرا لطيفا وهو الاتصال المعبر عنه بالعقد بين الشعيرتين وكلف صاحب الصورة الكثيفة أمرا شديدا وهو أن يتم ما خلقه بزعمه بنفخ الروح ووقع وعيد كل منهما بأنه يعذب حتى يفعل ما كلف به وهو ليس بفاعل فهو كناية عن تعذيب كل منهما على الدوام قال والحكمة في هذا الوعيد الشديد أن الأول كذب على جنس النبوة وأن الثاني نازع الخالق في قدرته وقال في مستمع حديث من يكره استماعه يدخل فيه من دخل منزله وأغلق بابه وتحدث مع غيره فان قرينة حاله تدل على أنه لا يريد للأجنبي أن يستمع حديثه فمن يستمع إليه يدخل في هذا الوعيد وهو كمن ينظر إليه من خلل الباب فقد ورد الوعيد فيه ولأنهم لو فقئوا عينه لكانت هدرا قال ويستثنى من عموم من يكره استماع حديثه من تحدث مع غيره جهرا وهناك من يكره أن يسمعه فلا يدخل المستمع في هذا الوعيد لأن قرينة الحال وهي الجهر تقتضي عدم الكراهة فيسوغ الاستماع قال وفي الحديث أن من خرج عن وصف العبودية استحق العقوبة بقدر خروجه وفيه تنبيه على أن الجاهل في ذلك لا يعذر بجهله وكذا من تأول فيه تأويلا باطلا إذ لم يفرق في الخبر بين من يعلم تحريم ذلك وبين من لا يعلمه كذا قال ومن اللطائف ما قال غيره أن اختصاص الشعير بذلك لما في المنام من الشعور بما دل عليه فحصلت المناسبة بينهما من جهة الاشتقاق قوله وقال قتيبة الخ وقع لنا في نسخة قتيبة عن أبي عوانة رواية النسائي عنه من طريق علي بن محمد الفارسي عن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيويه عن النسائي ولفظه عن أبي هريرة قال من كذب في رؤياه كلف أن يعقد بين طرفي شعيره ومن استمع الحديث ومن صور الحديث ووصله أبو نعيم في المستخرج من طريق خلف بن هشام عن أبي عوانة بهذا السند كذلك موقوفا وقد أخرج أحمد والنسائي من طريق همام عن قتادة الحديث بتمامه مرفوعا ولكن اقتصر منه النسائي على قوله من صور قوله وقال شعبة عن أبي هاشم الرماني بضم الراء وتشديد الميم اسمه يحيى بن دينار ووقع في رواية المستملي والسرخسي عن أبي هشام وهو غلط قوله قال أبو هريرة قوله من صور صورة ومن تحلم ومن استمع كذا في الأصل مختصرا اقتصر على أطراف الأحاديث الثلاثة وقد وقع لنا موصولا في مستخرج الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن معاذ العنبري عن أبيه عن شعبة عن أبي هاشم بهذا السند فاقتصر على قوله عن أبي هريرة من تحلم ومن طريق محمد بن جعفر غندر عن شعبة فذكره كذلك ولفظه من تحلم كاذبا كلف أن يعقد شعيره قوله حدثنا إسحاق هو بن شاهين وخالد شيخه هو بن عبد الله الطحان وخالد شيخه هو الحذاء قوله من استمع ومن تحلم ومن صور نحوه قلت كذا اختصره وقد أخرجه الإسماعيلي

(12/429)


من طريق وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله فذكره بهذا السند إلى بن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم فرفعه ولفظه من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك ومن تحلم كلف أن يعقد شعيرة يعذب بها وليس بفاعل ومن صور صورة عذب حتى ينفخ فيها وليس بفاعل ثم أخرجه الإسماعيلي من طريق وهيب بن خالد ومن طريق عبد الوهاب الثقفي كلاهما عن خالد الحذاء بهذا السند مرفوعا قوله تابعه هشام يعني بن حسان عن عكرمة عن بن عباس قوله يعني موقوفا الحديث الثاني
6636 - قوله حدثنا علي بن مسلم هو الطوسي نزيل بغداد مات قبل البخاري بثلاث سنين وعبد الصمد هو بن عبد الوارث بن سعيد وقد أدركه البخاري بالسن ومات قبل أن يرحل البخاري وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار مختلف فيه قال بن المديني صدوق وقال يحيى بن معين في حديثه عندي ضعف وقال الدارقطني خالف فيه البخاري الناس وليس بمتروك قلت عمدة البخاري فيه كلام شيخه علي وأما قول بن معين فلم يفسره ولعله عنى حديثا معينا ومع ذلك فما أخرج له البخاري شيئا إلا وله فيه متابع أو شاهد فأما المتابع فأخرجه أحمد من طريق حيوة عن أبي عثمان الوليد بن أبي الوليد المدني عن عبد الله بن دينار به وأتم منه ولفظه أفرى الفرى من ادعى إلى غير أبيه وأفرى الفرى من أرى عينه ما لم ير وذكر ثالثة وسنده صحيح وأما شاهده فمضى في مناقب قريش من حديث وائلة بن الأسقع بلفظ إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يرى عينه ما لم ير وذكر فيه ثالثة غير الثالثة التي في حديث بن معمر عند أحمد وقد تقدم بيان ذلك هناك قوله أن من أفرى الفرى أفرى أفعل تفضيل أي أعظم الكذبات والفرى بكسر الفاء والقصر جمع فرية قال بن بطال الفرية الكذبة العظيمة التي يتعجب منها وقال الطيبي فأرى الرجل عينيه وصفهما بما ليس فيهما قال ونسبة الكذبات إلى الكذب للمبالغة نحو قولهم ليل أليل قوله أن يرى بضم أوله وكسر الراء قوله عينه ما لم تر كذا فيه بحذف الفاعل وإفراد العين ووقع في بعض النسخ ما لم يريا بالتثنية ومعنى نسبة الرؤيا إلى عينيه مع أنهما لم يريا شيئا أنه أخبر عنهما بالرؤية وهو كاذب وقد تقدم بيان كون هذا الكذب أعظم الأكاذيب في شرح الحديث الذي قبله

(12/430)


( قوله باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها )
كذا جمع في الترجمة بين لفظي الحديثين لكن في الترجمة فلا يخبر ولفظ الحديث فلا يحدث وهما متقاربان وذكر فيه حديثين الأول
6637 - قوله عن عبد ربه بن سعيد هو الأنصاري أخو يحيى وأبو سلمة هو بن عبد الرحمن بن عوف قوله لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني عند مسلم في رواية سفيان عن الزهري عن أبي سلمة كنت أرى الرؤيا أعرى منها غير اني لا أزمل قال النووي معنى أعرى وهو بضم الهمزة وسكون المهملة وفتح الراء أحم لخوفي من ظاهرها في ظني يقال عرى بضم أوله وكسر ثانيه مخففا يعرى بفتحتين إذا أصابه عراء بضم ثم فتح ومد وهو نفض الحمى ومعنى لا أزمل وهو بزاي وميم ثقيلة أتلفف من برد الحمى ووقع مثله عند عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة ولكن قال ألقى منها شدة بدل أعرى منها وفي رواية سفيان عن الزهري غير أني لا أعاد وعند مسلم أيضا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي سلمة ان كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبل قوله حتى سمعت أبا قتادة يقول وأنا كنت أرى الرؤيا في رواية المستملي لأرى بزيادة اللام والأولى أولى قوله فلا يحدث بها إلا من يحب قد تقدم أن الحكمة فيه أنه إذا حدث بالرؤيا الحسنة من لا يحب قد يفسرها له بما لا يحب إما بغضا وإما حسدا فقد تقع عن تلك الصفة أو يتعجل لنفسه من ذلك حزنا ونكدا فأمر بترك تحديث من لا يحب بسبب ذلك الحديث الثاني حديث أبي سعيد
6638 - قوله حدثنا بن أبي حازم والدراوردي تقدم في باب الرؤيا من الله أن اسم كل منهما عبد العزيز قوله حدثنا يزيد بن عبد الله زاد في رواية المستملي بن أسامة بن الهاد الليثي وقد تقدم شرح الحديث في الباب المشار إليه

(12/431)


( قوله باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب )
كأنه يشير إلى حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر حديثا فيه والرؤيا لأول عابر وهو حديث ضعيف فيه يزيد الرقاشي ولكن له شاهد أخرجه أبو داود والترمذي وبن ماجة بسند حسن وصححه الحاكم عن أبي رزين العقيلي رفعه الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت لفظ أي داود وفي رواية الترمذي سقطت وفي مرسل أبي قلابة عند عبد الرزاق الرؤيا تقع على ما يعبر مثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها وأخرجه الحاكم موصولا بذكر أنس وعند سعيد بن منصور بسند صحيح عن عطاء كان يقال الرؤيا على ما أولت وعند الدارمي بسند حسن عن سليمان بن يسار عن عائشة قالت كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف يعني في التجارة فأتت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت ان زوجي غائب وتركني حاملا فرأيت في المنام أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلاما أعور فقال خير يرجع زوجك إن شاء الله صالحا وتلدين غلاما برا فذكرت ذلك ثلاثا فجاءت ورسول الله صلى الله عليه و سلم غائب فسألتها فأخبرتني بالمنام فقلت لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلاما فاجرا فقعدت تبكي فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال مه يا عائشة إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير فان الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها وعند سعيد بن منصور من مرسل عطاء بن أبي رباح قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت إني رأيت كأن جائز بيتي انكسر وكان زوجها غائبا فقال رد الله عليك زوجك فرجع سالما الحديث ولكن فيه أن أبا بكر أو عمر هو الذي عبر لها الرؤيا الأخيرة وليس فيه الخبر الأخير المرفوع فأشار البخاري إلى تخصيص ذلك بما إذا كان العابر مصيبا في تعبيره وأخذه من قوله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر في حديث الباب أصبت بعضا وأخطأت بعضا فإنه يؤخذ منه أن الذي أخطأ فيه لو بينه له لكان الذي بينه له هو التعبير الصحيح ولا عبرة بالتعبير الأول قال أبو عبيد وغيره معنى قوله الرؤيا لأول عابر إذا كان العابر الأول عالما فعبر فأصاب وجه التعبير وإلا فهي لمن أصاب بعده إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب في تعبير المنام ليتوصل بذلك إلى مراد الله فيما ضربه من المثل فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره وان لم يصب فليسأل الثاني وعليه أن يخبر بما عنده ويبين ما جهل الأول قلت وهذا التأويل لا يساعده حديث أبي رزين ان الرؤيا إذا عبرت وقعت إلا أن يدعى تخصيص عبرت بان عابرها يكون عالما مصيبا فيعكر عليه قوله في الرؤيا المكروهة ولا يحدث بها أحدا فقد تقدم في حكمة هذا النهي أنه ربما فسرها تفسيرا مكروها على ظاهرها مع احتمال أن تكون محبوبة في الباطن فتقع على ما فسر ويمكن الجواب بأن ذلك يتعلق بالرائي فله إذا قصها على أحد ففسرها له على المكروه أن يبادر فيسال غيره ممن يصيب فلا يتحتم وقوع الأول بل ويقع تأويل من أصاب فان قصر الرائي فلم يسأل الثاني وقعت على ما فسر الأول ومن أدب المعبر ما أخرجه عبد الرزاق عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى فإذا رأى أحدكم رؤيا فقصها على أخيه فليقل خير لنا وشر لأعدائنا ورجاله ثقات ولكن سنده منقطع وأخرج الطبراني والبيهقي في الدلائل من حديث بن زمل الجهني بكسر الزاي وسكون الميم بعدها لام ولم يسم في الرواية وسماه أبو عمر في الاستيعاب عبد الله قال كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا صلى الصبح قال هل رأى أحد منكم شيئا قال بن زمل فقلت أنا يا رسول الله قال خيرا تلقاه وشرا تتوقاه وخير لنا وشر على أعدائنا والحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك الحديث وسنده ضعيف جدا وذكر أئمة التعبير أن

(12/432)


من أدب الرائي أن يكون صادق اللهجة وأن ينام على وضوء على جنبه الأيمن وأن يقرا عند نومه والشمس والليل والتين وسورة الإخلاص والمعوذتين ويقول اللهم اني أعوذ بك من سيء الأحلام وأستجير بك من تلاعب الشيطان في اليقظة والمنام اللهم إني أسألك رؤيا صالحة صادقة نافعة حافظة غير منسية اللهم أرني في منامي ما أحب ومن أدبه أن لا يقصها على امرأة ولا عدو ولا جاهل ومن أدب العابر أن لا يعبرها عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولا عند الزوال ولا في الليل
6639 - قوله عن يونس هو بن يزيد الأيلي ولم يقع لي من رواية الليث عنه إلا في البخاري وقد عسر على أصحاب المستخرجات كالاسماعيلي وأبي نعيم وأبي عوانة والبرقاني فأخرجوه من رواية بن وهب وأخرجه الإسماعيلي أيضا من رواية عبد الله بن المبارك وسعيد بن يحيى ثلاثتهم عن يونس قوله عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في رواية بن وهب ان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أخبره قوله أن بن عباس كان يحدث كذا لأكثر أصحاب الزهري وتردد الزبيدي هل هو عن بن عباس أو أبي هريرة واختلف على سفيان بن عيينة ومعمر فأخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله عن بن عباس أو أبي هريرة قال عبد الرزاق كان معمر يقول أحيانا عن أبي هريرة وأحيانا يقول عن بن عباس وهكذا ثبت في مصنف عبد الرزاق رواية إسحاق الديري وأخرجه أبو داود وبن ماجة عن محمد بن يحيى الذهلي عن عبد الرزاق فقال فيه عن بن عباس قال كان أبو هريرة يحدث وهكذا أخرجه البزار عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق وقال لا نعلم أحدا قال عن عبيد الله عن بن عباس عن أبي هريرة إلا عبد الرزاق عن معمر ورواه غير واحد فلم يذكروا أبا هريرة انتهى وأخرجه الذهلي في العلل عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه عن عبد الرزاق فاقتصر على بن عباس ولم يذكر أبا هريرة وكذا قال أحمد في مسنده قال إسحاق عن عبد الرزاق كان معمر يتردد فيه حتى جاءه زمعة بكتاب فيه عن الزهري كما ذكرناه وكان لا يشك فيه بعد ذلك وأخرجه مسلم من طريق الزبيدي أخبرني الزهري عن عبيد الله ان بن عباس أو أبا هريرة هكذا بالشك وأخرجه مسلم عن بن أبي عمر عن سفيان بن عيينة مثل رواية يونس وذكر الحميدي أن سفيان بن عيينة كان لا يذكر فيه بن عباس قال فلما كان في آخر زمانه أثبت فيه بن عباس أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق الحميدي هكذا وقد مضى ذكر الاختلاف فيه على الزهري مستوعبا حيث ذكره المصنف في باب رؤيا بالليل وبالله التوفيق قال الذهلي المحفوظ رواية الزبيدي وصنيع البخاري يقتضي ترجيح رواية يونس ومن تابعه وقد جزم بذلك في الأيمان والنذور حيث قال وقال بن عباس قال النبي صلى الله عليه و سلم لأبي بكر لا تقسم فجزم بأنه عن بن عباس قوله أن رجلا لم اقف على اسمه ووقع عند مسلم زيادة في أوله من طريق سليمان بن كثير عن الزهري ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان مما يقول لأصحابه من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له فجاء رجل فقال قال القرطبي معنى قوله فليقصها ليذكر قصتها ويتبع جزئياتها حتى لا يترك منها شيئا من قصصت الأثر إذا اتبعته وأعبرها أي أفسرها ووقع بيان الوقت الذي وقع فيه ذلك في رواية سفيان بن عيينة عند مسلم أيضا ولفظه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم منصرفه من أحد وعلى هذا فهو من مراسيل الصحابة سواء كان عن بن عباس أو عن أبي هريرة أو من رواية بن عباس عن أبي هريرة لأن كلا منهما لم يكن في ذلك الزمان بالمدينة أما بن عباس فكان صغيرا مع أبويه بمكة فان مولده قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح واحد كانت في شوال في السنة الثالثة وأما

(12/433)


أبو هريرة فانما قدم المدينة زمن خيبر في أوائل سنة سبع قوله إني رأيت كذا للأكثر وفي رواية بن وهب إني أرى كأنه لقوة تحققه الرؤيا كانت ممثلة بين عينيه حتى كأنه يراها حينئذ قوله ظلة بضم الظاء المعجمة أي سحابة لها ظل وكل ما أظل من سقيفة ونحوها يسمى ظلة قاله الخطابي وقال بن فارس الظلة أول شيء يظل زاد سليمان بن كثير في روايته عند الدارمي وأبي عوانة وكذا في رواية سفيان بن عيينة عند بن ماجة بين السماء والأرض قوله تنطف السمن والعسل بنون وطاء مكسورة ويجوز ضمها ومعناه تقطر بقاف وطاء مضمومة ويجوز كسرها يقال نطف الماء إذا سأل وقال بن فارس ليلة نطوف أمطرت إلى الصبح قوله فأرى الناس يتكففون منها أي يأخذون بأكفهم في رواية بن وهب بأيديهم قال الخليل تكفف بسط كفه ليأخذ ووقع في رواية الترمذي من طريق معمر يستقون بمهملة ومثناة وقاف أي يأخذون في الأسقية قال القرطبي يحتمل أن يكون معنى يتكففون يأخذون كفايتهم وهو أليق بقوله بعد ذلك فالمستكثر والمستقل قلت وما أدري كيف جوز أخذ كفى من كففه ولا حجة فيما احتج به لما سيأتي قوله فالمستكثر والمستقل أي الآخذ كثيرا والآخذ قليلا ووقع في رواية سليمان بن كثير بغير ألف ولام فيهما وفي رواية سفيان بن حسين عند أحمد فمن بين مستكثر ومستقل وبين ذلك قوله وإذا سبب أي حبل قوله واصل من الأرض إلى السماء في رواية بن وهب وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض وفي رواية سليمان بن كثير ورأيت لها سببا واصلا وفي رواية سفيان بن حسين وكأن سببا دلى من السماء قوله فأراك أخذت به فعلوت في رواية سليمان بن كثير فأعلاك الله قوله ثم أخذ به كذا للأكثر ولبعضهم ثم أخذه زاد بن وهب في روايته من بعد وفي رواية بن عيينة وبن حسين من بعدك في الموضعين قوله فعلا به زاد سليمان بن كثير فأعلاه الله وهكذا في رواية سفيان بن حسين في الموضعين قوله ثم أخذ به رجل آخر فانقطع زاد بن وهب هنا به وفي رواية سفيان بن حسين ثم جاء رجل من بعدكم فأخذ به فقطع به قوله ثم وصل في رواية بن وهب فوصل له وفي رواية سليمان فقطع به ثم وصل له فأتصل وفي رواية سفيان بن حسين ثم وصل له قوله بأبي أنت زاد في رواية معمر وأمي قوله والله لتدعني بتشديد النون وفي رواية سليمان أئذن لي قوله فأعبرها في رواية بن وهب فلأعبرنها بزيادة التأكيد باللام والنون ونحوه في رواية معمر ومثله في رواية الزبيدي قوله أعبرها في رواية سفيان عند بن ماجة عبرها بالتشديد وفي رواية سفيان بن حسين فأذن له زاد سليمان وكان من أعبر الناس للرؤيا بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم قوله وأما الظلة فالاسلام في رواية لابن وهب وكذا لمعمر والزبيدي فظله الإسلام ورواية سفيان كرواية الليث وكذا سليمان بن كثير وهي التي يظهر ترجيحها قوله فالقرآن حلاوته تنطف في رواية بن وهب حلاوته ولينه وكذا في رواية سفيان ومعمر وبينه سليمان بن كثير في روايته فقال وأما العسل والسمن فالقرآن في حلاوة العسل ولين السمن قوله فالمستكثر من القرآن والمستقل زاد بن وهب في روايته قبل هذا وأما ما يتكفف الناس من ذلك وفي رواية سفيان فالأخذ من القرآن كثيرا وقليلا وفي رواية سليمان بن كثير فهم حملة القرآن قوله وأما السبب الخ في رواية سفيان بن حسين وأما السبب فما أنت عليه تعلو فيعليك الله قوله ثم يأخذ به رجل زاد سفيان بن حسين وبن وهب من بعدك زاد سفيان

(12/434)


بن حسين على منهاجك قوله ثم يأخذ به في رواية سفيان بن حسين ثم يكون من بعدكما رجل يأخذ مأخذكما قوله ثم يأخذ به رجل زاد بن وهب آخر قوله فيقطع به ثم يوصل له فيعلو به زاد سفيان بن حسين فيعليه الله قوله فأخبرني يا رسول الله بابي أنت أصبت أم أخطأت في رواية سفيان هل أصبت يا رسول الله أو أخطأت قوله أصبت بعضا وأخطأت بعضا في رواية سليمان بن كثير وسفيان بن حسين أصبت وأخطأت قوله قال فوالله زاد بن وهب يا رسول الله ثم اتفقا لتحدثني بالذي أخطأت في رواية بن وهب ما الذي أخطات وفي رواية سفيان بن عيينة عند بن ماجة فقال أبو بكر أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بالذي أصبت من الذي أخطأت وفي رواية معمر مثله لكن قال ما الذي أخطات ولم يذكر الباقي قوله قال لا تقسم في رواية بن ماجة فقال النبي صلى الله عليه و سلم لا تقسم يا أبا بكر ومثله لمعمر لكن دون قوله يا أبا بكر وفي رواية سليمان بن كثير ما الذي أصبت وما الذي أخطأت فأبى أن يخبره قال الداودي قوله لا تقسم أي لا تكرر يمينك فإني لا أخبرك وقال المهلب توجيه تعبير أبي بكر أن الظلة نعمة من نعم الله على أهل الجنة وكذلك كانت على بني إسرائيل وكذلك الإسلام يقي الأذى وينعم به المؤمن في الدنيا والآخرة وأما العسل فان الله جعله شفاء للناس وقال تعالى أن القرآن شفاء لما في الصدور وقال انه شفاء ورحمة للمؤمنين وهو حلو على الإسماع كحلاوة العسل في المذاق وكذلك جاء في الحديث إن في السمن شفاء قال القاضي عياض وقد يكون عبر الظلة بذلك لما نطفت العسل والسمن اللذين عبرهما بالقرآن وذلك انما كان عن الإسلام والشريعة والسبب في اللغة الحبل والعهد والميثاق والذين أخذوا به بعد النبي صلى الله عليه و سلم واحدا بعد واحد هم الخلفاء الثلاثة وعثمان هو الذي انقطع به ثم اتصل انتهى ملخصا قال المهلب وموضع الخطا في قوله ثم وصل له لأن في الحديث ثم وصل ولم يذكر له قلت بل هذه اللفظة وهي قوله له وإن سقطت من رواية الليث عند الأصيلي وكريمة فهي ثابتة في رواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة وكذا في رواية النسفي وهي ثابتة في رواية بن وهب وغيره كلهم عن يونس عند مسلم وغيره وفي رواية معمر عند الترمذي وفي رواية سفيان بن عيينة عند النسائي وبن ماجة وفي رواية سفيان بن حسين عند أحمد وفي رواية سليمان بن كثير عند الدارمي وأبي عوانة كلهم عن الزهري وزاد سليمان بن كثير في روايته فوصل له فأتصل ثم بني المهلب على ما توهمه فقال كان ينبغي لأبي بكر أن يقف حيث وقفت الرؤيا ولا يذكر الموصول له فان المعنى أن عثمان انقطع به الحبل ثم وصل لغيره أي وصلت الخلافة لغيره انتهى وقد عرفت أن لفظه له ثابتة في نفس الخبر فالمعنى على هذا أن عثمان كاد ينقطع عن اللحاق بصاحبيه بسبب ما وقع له من تلك القضايا التي أنكروها فعبر عنها بانقطاع الحبل ثم وقعت له الشهادة فاتصل بهم فعبر عنه بأن الحبل وصل له فأتصل فالتحق بهم فلم يتم في تبيين الخطأ في التعبير المذكور ما توهمه المهلب والعجب من القاضي عياض فإنه قال في الإكمال قيل خطؤه في قوله فيوصل له وليس في الرؤيا إلا أنه يوصل وليس فيها له ولذلك لم يوصل لعثمان وانما وصلت الخلافة لعلي وموضع التعجب سكوته عن تعقب هذا الكلام مع كون هذه اللفظة وهي له ثابتة في صحيح مسلم الذي يتكلم عليه ثم قال وقيل الخطأ هنا بمعنى الترك أي تركت بعضا لم تفسره وقال الإسماعيلي قيل السبب في قوله وأخطأت بعضا أن الرجل لما قص على النبي صلى الله عليه و سلم رؤياه كان النبي صلى الله عليه و سلم أحق

(12/435)


بتعبيرها من غيره فلما طلب تعبيرها كان ذلك خطأ فقال أخطأت بعضا لهذا المعنى والمراد بقوله قيل بن قتيبة فإنه القائل لذلك فقال انما أخطا في مبادرته بتفسيرها قبل أن يأمره به ووافقه جماعة على ذلك وتعقبه النووي تبعا لغيره فقال هذا فاسد لأنه صلى الله عليه و سلم قد أذن له في ذلك وقال أعبرها قلت مراد بن قتيبة أنه لم يأذن له ابتداء بل بادر هو فسأل أن يأذن له في تعبيرها فأذن له فقال أخطأت في مبادرتك للسؤال أن تتولى تعبيرها لا أنه أراد أخطأت في تعبيرك لكن في إطلاق الخطأ على ذلك نظر لأنه خلاف ما يتبادر للسمع من جواب قوله هل أصبت فإن الظاهر أنه أراد الإصابة والخطا في تعبيره لا لكونه التمس التعبير ومن ثم قال بن التين ومن بعده الأشبه بظاهر الحديث أن الخطا في تأويل الرؤيا أي أخطأت في بعض تأويلك قلت ويؤيده تبويب البخاري حيث قال من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب ونقل بن التين عن أبي محمد بن أبي زيد وأبي محمد الأصيلي والداودي نحو ما نقله الإسماعيلي ولفظهم أخطأ في سؤاله أن يعبرها وفي تعبيره لها بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم وقال بن هبيرة انما كان الخطأ لكونه أقسم ليعبرنها بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم ولو كان الخطأ في التعبير لم يقره عليه وأما قوله لا تقسم فمعناه أنك إذا تفكرت فيما أخطأت به علمته قال والذي يظهر أن أبا بكر أراد أن يعبرها فيسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يقوله فيعرف أبو بكر بذلك علم نفسه لتقرير رسول الله صلى الله عليه و سلم قال بن التين وقيل أخطا لكون المذكور في الرؤيا شيئين العسل والسمن ففسرهما بشيء واحد وكان ينبغي أن يفسرهما بالقرآن والسنة ذكر ذلك عن الطحاوي قلت وحكاه الخطيب عن أهل العلم بالتعبير وجزم به بن العربي فقال قالوا هنا وهم أبو بكر فأنه جعل السمن والعسل معنى واحدا وهما معنيان القرآن والسنة قال ويحتمل أن يكون السمن والعسل العلم والعمل ويحتمل أن يكونا الفهم والحفظ وأيد بن الجوزي ما نسب للطحاوي بما أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال رأيت فيما يرى النائم كأن في إحدى اصبعي سمنا وفي الأخرى عسلا فألعقهما فلما أصبحت ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فقال تقرأ الكتابين التوراة والفرقان فكان يقرؤهما قلت ففسر العسل بشيء والسمن بشيء قال النووي قيل انما لم يبر النبي صلى الله عليه و سلم قسم أبي بكر لأن إبرار القسم مخصوص بما إذا لم يكن هناك مفسدة ولا مشقة ظاهرة فإن وجد ذلك فلا إبرار ولعل المفسدة في ذلك ما علمه من سبب انقطاع السبب بعثمان وهو قتله وتلك الحروب والفتن المترتبة عليه فكره ذكرها خوف شيوعها ويحتمل أن يكون سبب ذلك انه لو ذكر له السبب للزم منه أن يوبخه بين الناس لمبادرته ويحتمل أن يكون خطؤه في ترك تعيين الرجال المذكورين فلو أبر قسمه للزم أن يعينهم ولم يؤمر بذلك إذ لو عينهم لكان نصا على خلافتهم وقد سبقت مشيئة الله أن الخلافة تكون على هذا الوجه فترك تعيينهم خشية أن يقع في ذلك مفسدة وقيل هو علم غيب فجاز أن يختص به ويخفيه عن غيره وقيل المراد بقوله أخطأت وأصبت أن تعبير الرؤيا مرجعه الظن والظن يخطئ ويصيب وقيل لما أراد الاستبداد ولم يصبر حتى يفاد جاز منعه ما يستفاد فكان المنع كالتأديب له على ذلك قلت وجميع ما تقدم من لفظ الخطأ والتوهم والتأديب وغيرهما انما أحكيه عن قائله ولست راضيا بإطلاقه في حق الصديق وقيل الخطأ في خلع عثمان لأنه في المنام رأى أنه آخذ بالسبب فأنقطع به وذلك يدل على إنخلاعه بنفسه وتفسير أبي بكر بأنه يأخذ به رجل فينقطع به ثم يوصل له وعثمان قد قتل قهرا ولم يخلع نفسه فالصواب أن يحمل وصله على ولاية غيره وقيل يحتمل أن يكون ترك إبرار القسم لما يدخل في النفوس لا سيما من

(12/436)


الذي انقطع في يده السبب وإن كان وصل وقد أختلف في تفسير قوله فقطع فقيل معناه قتل وأنكره القاضي أبو بكر بن العربي فقال ليس معنى قطع قتل إذ لو كان كذلك لشاركه عمر لكن قتل عمر لم يكن بسبب العلو بل بجهة عداوة مخصوصة وقتل عثمان كان من الجهة التي علا بها وهي الولاية فلذلك جعل قتله قطعا قال وقوله ثم وصل يعني بولاية علي فكان الحبل موصولا ولكن لم ير فيه علوا كذا قال وقد تقدم البحث في ذلك ووقع في تنقيح الزركشي ما نصه والذي انقطع به ووصل له هو عمر لأنه لما قتل وصل له بأهل الشورى وبعثمان كذا قال وهو مبني على أن المذكور في الخبر من الرجال بعد النبي صلى الله عليه و سلم اثنان فقط وهو اختصار من بعض الرواة وإلا فعند الجمهور ثلاثة وعلى ذلك شرح من تقدم ذكره والله أعلم قال بن العربي وقوله أخطأت بعضا اختلف في تعيين الخطأ فقيل وجه الخطأ تسوره على التعبير من غير استئذان وأحتمله النبي صلى الله عليه و سلم لمكانه منه قلت تقدم البحث فيه قال وقيل أخطأ لقسمه عليه وقيل لجعله السمن والعسل معنى واحدا وهما معنيان وأيدوه بأنه قال أخطأت بعضا وأصبت بعضا ولو كان الخطا في التقديم في اليسار أو في اليمين لما قال ذلك لأنه ليس من الرؤيا وقال بن الجوزي الإشارة في قوله أصبت وأخطأت لتعبيره الرؤيا وقال بن العربي بل هذا لا يلزم لأنه يصح أن يريد به أخطأت في بعض ما جرى وأصبت في البعض ثم قال بن العربي وأخبرني أبي أنه قيل وجه الخطأ أن الصواب في التعبير أن الرسول هو الظلة والسمن والعسل القرآن والسنة وقيل وجه الخطا أنه جعل السبب الحق وعثمان لم ينقطع به الحق وإنما الحق أن الولاية كانت بالنبوة ثم صارت بالخلافة فاتصلت لأبي بكر ولعمر ثم انقطعت بعثمان لما كان ظن به ثم صحت براءته فأعلاه الله ولحق بأصحابه قال وسالت بعض الشيوخ العارفين عن تعيين الوجه الذي أخطا فيه أبو بكر فقال من الذي يعرفه ولئن كان تقدم أبي بكر بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم للتعبير خطأ فالتقدم بين يدي أبي بكر لتعيين خطئه أعظم وأعظم فالذي يقتضيه الدين والحزم الكف عن ذلك وقال الكرماني انما أقدموا على تبيين ذلك مع كون النبي صلى الله عليه و سلم لم يبينه لأنه كان يلزم من تبيينه مفسدة إذ ذاك فزالت بعده مع أن جميع ما ذكروه انما هو بطريق الاحتمال ولا جزم في شيء من ذلك وفي الحديث من الفوائد أن الرؤيا ليست لأول عابر كما تقدم تقريره لكن قال إبراهيم بن عبد الله الكرماني المعبر لا يغير الرؤيا عن وجهها عبارة عابر ولا غيره وكيف يستطيع مخلوق أن يغير ما كانت نسخته من أم الكتاب غير أنه يستحب لمن لم يتدرب في علم التأويل أن لا يتعرض لما سبق إليه من لا يشك في أمانته ودينه قلت وهذا مبني على تسليم أن المرائي تنسخ من أم الكتاب على وفق ما يعبرها العارف وما المانع أنها تنسخ على وفق ما يعبرها أول عابر وأنه لا يستحب إبرار القسم إذا كان فيه مفسدة وفيه أن من قال أقسم لا كفارة عليه لأن أبا بكر لم يزد على قوله أقسمت كذا قاله عياض ورده النووي بأن الذي في جميع نسخ صحيح مسلم انه قال فوالله يا رسول الله لتحدثني وهذا صريح يمين قلت وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الأيمان والنذور قال بن التين فيه أن الأمر بإبرار القسم خاص بما يجوز الاطلاع عليه ومن ثم لم يبر قسم أبي بكر لكونه سأل ما لا يجوز الاطلاع عليه لكل أحد قلت فيحتمل أن يكون منعه ذلك لما سأله جهارا وأن يكون أعلمه بذلك سرا وفيه الحث على تعليم علم الرؤيا وعلى تعبيرها وترك إغفال السؤال عنه وفضيلتها لما تشتمل عليه من الاطلاع على بعض الغيب وأسرار الكائنات قال بن هبيرة وفي السؤال من أبي بكر أولا وآخرا وجواب النبي صلى الله عليه و سلم دلالة على

(12/437)


انبساط أبي بكر معه وإدلاله عليه وفيه أنه لا يعبر الرؤيا إلا عالم ناصح أمين حبيب وفيه أن العابر قد يخطئ وقد يصيب وأن للعالم بالتعبير أن يسكت عن تعبير الرؤيا أو بعضها عند رجحان الكتمان على الذكر قال المهلب ومحله إذا كان في ذلك عموم فأما لو كانت مخصوصة بواحد مثلا فلا بأس أن يخبره ليعد الصبر ويكون على أهبة من نزول الحادثة وفيه جواز إظهار العالم ما يحسن من العلم إذا خلصت نيته وأمن العجب وكلام العالم بالعلم بحضرة من هو أعلم منه إذا اذن له في ذلك صريحا أو ما قام مقامه ويؤخذ منه جواز مثله في الأفتاء والحكم وأن للتلميذ أن يقسم على معلمه أن يفيده الحكم

(12/438)


( قوله باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح )
فيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم قال لا تقصص رؤياك على امرأة ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس وفيه إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير أن المستحب ان يكون تعبير الرؤيا من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة ومن العصر إلى قبل المغرب فان الحديث دال على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس ولا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة قال المهلب تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها وقبل ما يعرض له نسيانها ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه

(12/439)


وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤياه فيستبشر بالخير ويحذر من الشر ويتأهب لذلك فربما كان في الرؤيا تحذير عن معصية فيكف عنها وربما كانت إنذارا لأمر فيكون له مترقبا قال فهذه عدة فوائد لتعبير الرؤيا أول النهار انتهى ملخصا
6640 - قوله حدثنا في رواية غير أبي ذر حدثني قوله مؤمل بوزن محمد مهموز بن هشام أبو هاشم كذا لأبي ذر عن بعض مشايخه وقال الصواب أبو هشام وكذا هو عند غير أبي ذر وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه وكان صهر إسماعيل شيخه في هذا الحديث على ابنته ولم يخرج عنه البخاري عن غير إسماعيل وقد أخرج البخاري عنه هذا الحديث هنا تاما وأخرج في الصلاة قبل الجمعة وفي أحاديث الأنبياء وفي التفسير عنه بهذا السند أطرافا وأخرجه أيضا تاما في أواخر كتاب الجنائز عن موسى بن إسماعيل عن جرير بن حازم عن أبي رجاء وأخرج في الصلاة وفي التهجد وفي البيوع وفي بدء الخلق وفي الجهاد وفي أحاديث الأنبياء وفي الأدب عنه منه بالسند المذكور أطرافا وأخرج مسلم قطعة من أوله من طريق جرير بن حازم وأخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن جرير بتمامه وأخرجه أيضا عن محمد بن جعفر غندر عنه عن عوف بتمامه قوله حدثنا إسماعيل بن إبراهيم هو الذي يقال له بن علية وشيخه عوف هو الأعرابي وأبو رجاء هو العطاردي واسمه عمران والسند كله بصريون قوله كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه كذا لأبي ذر عن الكشميهني وله عن غيره بإسقاط يعني وكذا وقع عند الباقين وفي رواية النسفي وكذا في رواية محمد بن جعفر مما يقول لأصحابه وقد تقدم في بدء الوحي ما نقل بن مالك انها بمعنى مما يكثر قال الطيبي قوله مما يكثر خبر كان وما موصوله ويكثر صلته والضمير الراجع إلى ما فاعل يقول وأن يقول فاعل يكثر وهل رأى أحد منكم هو المقول أي رسول الله صلى الله عليه و سلم كائنا من النفر الذين كثر منهم هذا القول فوضع ما موضع من تفخيما وتعظيما لجانبه وتحريره كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجيد تعبير الرؤيا وكان له مشارك في ذلك منهم لأن الإكثار من هذا القول لا يصدر إلا ممن تدرب فيه ووثق بإصابته كقولك كان زيد من العلماء بالنحو ومنه قول صاحبي السجن ليوسف عليه السلام نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين أي من المجيدين في عبارة الرؤيا وعلماء ذلك مما رأياه منه هذا من حيث البيان وأما من حيث النحو فيحتمل ان يكون قوله هل رأى أحد منكم رؤيا مبتدأ والخبر مقدم عليه على تأويل هذا القول مما يكثر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقوله ثم أشار إلى ترجيح الوجه السابق والمتبادر هو الثاني وهو الذي اتفق عليه أكثر الشارحين قوله فيقص بضم أوله وفتح القاف قوله ما شاء الله في رواية يزيد فيقص عليه من شاء الله وهو بفتح أوله وضم القاف وهي رواية النسفي وما في الرواية الأولى للمقصوص ومن في الثانية للقاص ووقع في رواية جرير بن حازم فسأل يوما فقال هل رأى أحد رؤيا قلنا لا قال لكن رأيت الليلة قال الطيبي وجه الاستدراك أنه كان يحب أن يعبر لهم الرؤيا فلما قالوا ما رأينا شيئا كأنه قال أنتم ما رأيتم شيئا لكني رأيت وفي رواية أبي خلدة بفتح المعجمة وسكون اللام واسمه خالد بن دينار عن أبي رجاء عن سمرة أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل المسجد يوما فقال هل رأى أحد منكم رؤيا فليحدث بها فلم يحدث أحد بشيء فقال إني رأيت رؤيا فأسمعوا مني أخرجه أبو عوانة قوله وأنه قال لنا ذات غداة لفظ ذات زائد أو هو من إضافة الشيء إلى اسمه وفي رواية جرير بن حازم عنه كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه وفي رواية يزيد بن هارون عنه إذا صلى صلاة الغداة وفي رواية وهب بن جرير عن أبيه عند مسلم إذا صلى الصبح

(12/440)


وبه تظهر مناسبة الترجمة وذكر بن أبي حاتم من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما صلاة الفجر فجلس الحديث بطوله نحو حديث سمرة والراوي له عن زيد ضعيف وأخرج أبو داود والنسائي من حديث الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول هل رأى أحد الليلة رؤيا وأخرج الطبراني بسند جيد عن أبي أمامة قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد صلاة الصبح فقال إني رأيت الليلة رؤيا هي حق فأعقلوها فذكر حديثا فيه أشياء يشبه بعضها ما في حديث سمرة لكن يظهر من سياقه أنه حديث آخر فان في أوله أتاني رجل فأخذ بيدي فأستتبعني حتى أتى جبلا طويلا وعرا فقال لي أرقه فقلت لا أستطيع فقال اني سأسهله لك فجعلت كلما وضعت قدمي وضعتها على درجة حتى استويت على سواء الجبل ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم فقلت من هؤلاء قال الذين يقولون ما لا يعلمون الحديث قوله انه أتاني الليلة بالنصب قوله آتيان في رواية هوذة عن عوف عند بن أبي شيبة اثنان أو آتيان بالشك وفي رواية جرير رأيت رجلين أتياني وفي حديث علي رأيت ملكين وسيأتي في آخر الحديث أنهما جبريل وميكائيل قوله وأنهما ابتعثاني بموحدة ثم مثناة وبعد العين المهملة مثلثة كذا للأكثر وفي رواية الكشميهني بنون ثم موحدة ومعنى ابتعثاني أرسلاني كذا قال في الصحاح بعثه وأبتعثه أرسلته يقال ابتعثه إذا أثاره وأذهبه وقال بن هبيرة معنى ابتعثاني أيقظاني ويحتمل أن يكون رأى في المنام أنهما أيقظاه فرأى ما رأى في المنام ووصفه بعد ان أفاق على أن منامه كاليقظة لكن لما رأى مثالا كشفه التعبير دل على أنه كان مناما قوله واني انطلقت معهما زاد جرير بن حازم في روايته إلى الأرض المقدسة وعند أحمد إلى أرض فضاء أو أرض مستوية وفي حديث علي فأنطلقا بي إلى السماء قوله وأنا أتينا على رجل مضطجع في رواية جرير مستلق على قفاه قوله وإذا آخر قائم عليه بصخرة في رواية جرير بفهر أو صخرة وفي حديث علي فمررت على ملك وأمامه آدمي وبيد الملك صخرة يضرب بها هامة الآدمي قوله يهوى بفتح أوله وكسر الواو أي يسقط يقال هوى بالفتح يهوي هويا سقط إلى أسفل وضبطه بن التين بضم أوله من الرباعي ويقال أهوى من بعد وهوى بفتح الواو من قرب قوله بالصخرة لرأسه فيثلغ بفتح أوله وسكون المثلثة وفتح اللام بعدها غين معجمة أي يشدخه وقد وقع في رواية جرير فيشدخ والشدخ كسر الشيء الأجوف قوله فيتدهده الحجر بفتح المهملتين بينهما هاء ساكنة وفي رواية الكشميهني فيتدأدأ بهمزتين بدل الهاءين وفي رواية النسفي وكذا هو في رواية جرير بن حازم فيتدهدأ بهاء ثم همزة وكل بمعنى والمراد انه دفعه من علو إلى أسفل وتدهده إذا انحط والهمزة تبدل من الهاء كثيرا وتدأدأ تدحرج وهو بمعناه قوله ها هنا أي إلى جهة الضارب قوله فيتبع الحجر أي الذي رمى به فيأخذه في رواية جرير فإذا ذهب ليأخذه قوله فلا يرجع إليه أي إلى الذي شدخ رأسه قوله حتى يصح رأسه في رواية جرير حتى يلتئم وعند أحمد عاد رأسه كما كان وفي حديث علي فيقع دماغه جانبا وتقع الصخرة جانبا قوله ثم يعود عليه في رواية جرير فيعود إليه قوله مثل ما فعل به مرة الأولى كذا لأبي ذر والنسفي ولغيرهما وكذا في رواية النضر بن شميل عن عوف عند أبي عوانة المرة الأولى وهو المراد بالرواية الأخرى وفي رواية جرير فيصنع مثل ذلك قال بن العربي جعلت العقوبة في رأس هذه النومة عن الصلاة والنوم موضعه الرأس

(12/441)


قوله انطلق انطلق كذا في المواضع كلها بالتكرير وسقط في بعضها التكرار لبعضهم وأما في رواية جرير فليس فيها سبحان الله وفيها انطلق مرة واحدة قوله فأنطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد تقدم في الجنائز ضبط الكلوب وبيان الاختلاف فيه ووقع في حديث علي فإذا أنا بملك وأمامه آدمي وبيد الملك كلوب من حديد فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه الحديث قوله فيشرشر شدقه إلى قفاه أي يقطعه شقا والشدق جانب الفم وفي رواية جرير فيدخله في شقه فيشقه حتى يبلغ قفاه قوله ومنخره كذا بالإفراد وهو المناسب وفي رواية جرير ومنخريه بالتثنية قوله قال وربما قال أبو رجاء فيشق أي بدل فيشرشر وهذه الزيادة ليست عند محمد بن جعفر قوله ثم يتحول إلى الجانب الآخر الخ اختصره في رواية جرير بن حازم ولفظه ثم يخرجه فيدخله في شقه الآخر ويلتئم هذا الشق فهو يفعل ذلك به قال بن العربي شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحل المعصية وعلى هذا تجري العقوبة في الآخرة بخلاف الدنيا ووقعت هذه القصة مقدمة في رواية جرير على قصة الذي يشدخ رأسه قال الكرماني الواو لا ترتب والاختلاف في كونه مستلقيا وفي الأخرى مضطجعا والآخر كان جالسا وفي الأخرى قائما يحمل على اختلاف حال كل منهما قوله فأتينا على مثل التنور في رواية محمد بن جعفر مثل بناء التنور زاد جرير أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نارا كذا فيه بالنصب ووقع في رواية أحمد تتوقد تحته نار بالرفع وهي رواية أبي ذر وعليها اقتصر الحميدي في جمعه وهو واضح وقال بن مالك في كلامه على مواضع من البخاري يوقد تحته نارا بالنصب على التمييز وأسند يوقد إلى ضمير عائد على النقب كقولك مررت بامرأة يتضوع من إردانها طيبا والتقدير يتضوع طيب من إردانها فكأنه قال توقد ناره تحته فيصح نصب نارا على التمييز قال ويجوز أن يكون فاعل توقد موصولا بتحته فحذف وبقيت صلته دالة عليه لوضوح المعنى والتقدير يتوقد الذي تحته نارا وهو على التمييز أيضا وذكر لحذف الموصول في مثل هذا عدة شواهد قوله وأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات في رواية جرير ثقب قد بنى بناء التنور وفيه رجال ونساء قوله وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا بغير همزة للأكثر وحكى الهمز أي رفعوا أصواتهم مختلطة ومنهم من سهل الهمزة قال في النهاية الضوضاة أصوات الناس ولغطهم وكذا الضوضى بلا هاء مقصور وقال الحميدي المصدر بغير همز وفي رواية جرير فإذا اقتربت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا فإذا خمدت رجعوا وعند أحمد فإذا أوقدت بدل اقتربت قوله فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم في رواية جرير بن حازم على نهر من دم ولم يقل حسبت قوله سابح يسبح بفتح أوله وسكون المهملة بعدها موحدة مفتوحة ثم حاء مهملة أي يعوم قوله سبح ما سبح بفتحتين والموحدة خفيفة قوله ثم يأتي ذلك الذي فاعل يأتي هو السابح وذلك في موضع نصب على المفعولية قوله فيفغر بفتح أوله وسكون الفاء وفتح الغين المعجمة بعدها راء أي يفتحه وزنه ومعناه قوله كلما رجع إليه في رواية المستملي كما رجع إليه ففغر له فاه ووقع في رواية جرير بن حازم فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه ورده حيث كان ويجمع بين الروايتين أنه إذا أراد أن يخرج فغر فاه وانه يلقمه الحجر يرميه إياه قوله كريه المرآة بفتح الميم وسكون الراء وهمزة ممدودة بعدها هاء تأنيث قال بن التين أصله المراية تحركت الياء وانفتح ما قبلها

(12/442)


فقلبت ألفا وزنه مفعلة قوله كأكره ما أنت راء رجلا مرآة بفتح الميم أي قبيح المنظر قوله فإذا عنده نار في رواية يحيى بن سعيد القطان عن عوف عند الإسماعيلي عند نار قوله يحشها بفتح أوله وبضم الحاء المهملة وتشديد الشين المعجمة من الثلاثي وحكى في المطالع ضم أوله من الرباعي وفي رواية جرير بن حازم يحششها بسكون الحاء وضم الشين المعجمة المكررة قوله ويسعى حولها في رواية جرير ويوقدها وهو تفسير يحشها قال الجوهري حششت النار أحشها حشا أو قدتها وقال في التهذيب حششت النار بالحطب ضممت ما تفرق من الحطب إلى النار وقال بن العربي حش ناره حركها قوله فأتينا على روضة معتمة بضم الميم وسكون المهملة وكسر المثناة وتخفيف الميم بعدها هاء تأنيث ولبعضهم بفتح المثناة وتشديد الميم يقال أعتم البيت إذا اكتهل ونخلة عتيمة طويلة وقال الداودي اعتمت الروضة غطاها الخصب وهذا كله على الرواية بتشديد الميم قال بن التين ولا يظهر للتخفيف وجه قلت الذي يظهر أنه من العتمة وهو شدة الظلام فوصفها بشدة الخضرة كقوله تعالى مدهامتان وضبط بن بطال روضة مغنمة بكسر الغين المعجمة وتشديد النون ثم نقل عن بن دريد واد أغن ومغن إذا كثر شجره وقال الخليل روضة غناء كثيرة العشب وفي رواية جرير بن حازم روضة خضراء وإذا فيها شجرة عظيمة قوله من كل لون الربيع كذا للأكثر وفي رواية الكشميهني نور بفتح النون وبراء بدل لون وهي رواية النضر بن شميل عند أبي عوانة والنور بالفتح الزهر قوله وإذا بين ظهري الروضة بفتح الراء وكسر الياء التحتانية تثنية ظهر وفي رواية يحيى بن سعيد بين ظهرانى وهما بمعنى والمراد وسطها قوله رجل طويل زاد النضر قائم قوله لا أكاد أرى رأسه طولا بالنصب على التمييز قوله وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط قال الطيبي أصل هذا الكلام وإذا حول الرجل ولدان ما رأيت ولدانا قط أكثر منهم ونظيره قوله بعد ذلك لم أر روضة قط أعظم منها ولما إن كان هذا التركيب يتضمن معنى النفي جازت زيادة من وقط التي تختص بالماضى المنفى وقال بن مالك جاز استعمال قط في المثبت في هذه الرواية وهو جائز وغفل أكثرهم عن ذلك فخصوه بالماضى المنفى قلت والذي وجهه به الطيبي حسن جدا ووجهه الكرماني بأنه يجوز أن يكون اكتفى بالنفى الذي يلزم من التركيب إذ المعنى ما رأيتهم أكثر من ذلك أو النفي مقدر وسبق نظيره في قوله في صلاة الكسوف فصلى بأطول قيام رأيته قط قوله فقلت لهما ما هؤلاء في بعض الطرق ما هذا وعليها شرح الطيبي قوله فأنتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن قال قالا لي أرق فارتقيت فيها في رواية أحمد والنسائي وأبي عوانة والإسماعيلي إلى دوحة بدل روضة والدوحة الشجرة الكبيرة وفيه فصعدا بي في الشجرة وهي التي تناسب الرقى والصعود قوله فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة اللبن بفتح اللام وكسر الموحدة جمع لبنة وأصلها ما يبنى به من طين وفي رواية جرير بن حازم فأدخلاني دارا لم أر قط أحسن منها فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وفتيان ثم أخرجاني منها فأدخلاني دارا هي أحسن منها قوله فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم بفتح الخاء وسكون اللام بعدها قاف أي هيئتهم وقوله شطر مبتدأ وكأحسن الخبر والكاف زائدة والجملة صفة رجال وهذا الإطلاق يحتمل أن يكون المراد أن نصفهم حسن كله ونصفهم قبيح كله ويحتمل ان يكون كل واحد منهم نصفه حسن ونصفه قبيح والثاني هو المراد ويؤيده قولهم في صفته هؤلاء قوم خلطوا أي عمل كل منهم عملا

(12/443)


صالحا وخلطه بعمل سيء قوله فقعوا في ذلك النهر بصيغة فعل الأمر بالوقوع والمراد أنهم ينغمسون فيه ليغسل تلك الصفة بهذا الماء الخاص قوله نهر معترض أي يجري عرضا قوله كأن ماءه المحض بفتح الميم وسكون المهملة بعدها ضاد معجمة هو اللبن الخالص عن الماء حلوا كان أو حامضا وقد بين جهة التشبيه بقوله من البياض وفي رواية النسفي والإسماعيلي في البياض قال الطيبي كأنهم سموا اللبن بالصفة ثم استعمل في كل صاف قال ويحتمل أن يراد بالماء المذكور عفو الله عنهم أو التوبة منهم كما في الحديث اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد قوله ذهب ذلك السوء عنهم أي صار القبيح كالشطر الحسن فلذلك قال وصاروا في أحسن صورة قوله قالا لي هذه جنة عدن يعني المدينة قوله فسما بفتح السين المهملة وتخفيف الميم أي نظر إلى فوق وقوله صعدا بضم المهملتين أي ارتفع كثيرا وضبطه بن التين بفتح العين واستبعد ضمها قوله مثل الربابة بفتح الراء وتخفيف الموحدتين المفتوحتين وهي السحابة البيضاء ويقال لكل سحابة منفردة دون السحاب ولو لم تكن بيضاء وقال الخطابي الربابة السحابة التي ركب بعضها على بعض وفي رواية جرير فرفعت رأسي فإذا هو في السحاب قوله ذراني فأدخله قالا أما الآن فلا وأنت داخله في رواية جرير بن حازم فقلت دعاني أدخل منزلي قالا أنه بقي لك عمر لم تستكمله ولو استكملته أتيت منزلك قوله فاني قد رأيت منذ الليلة عجبا فما هذا الذي رأيت قال قالا إما بتخفيف الميم إنا سنخبرك في رواية جرير فقلت طوفتما بي الليلة وهي بموحدة ولبعضهم بنون فأخبراني عما رأيت قالا نعم قوله فيرفضه بكسر الفاء ويقال بضمها قال بن هبيرة رفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه فلما رفض أشرف الأشياء وهو القرآن عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس قوله وينام عن الصلاة المكتوبة هذا أوضح من رواية جرير بن حازم بلفظ علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار فإن ظاهره أنه يعذب على ترك قراءة القرآن بالليل بخلاف رواية عوف فإنه على تركه الصلاة المكتوبة ويحتمل أن يكون التعذيب على مجموع الأمرين ترك القراءة وترك العمل قوله يغدو من بيته أي يخرج منه مبكرا قوله فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق في رواية جرير بن حازم فكذوب يحدث بالكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة وفي رواية موسى بن إسماعيل في أواخر الجنائز والرجل الذي رأيته يشق شدقه فكذاب قال بن مالك لا بد من جعل الموصوف الذي هنا للمعين كالعام حتى جاز دخول الفاء في خبره أي المراد هو وأمثاله كذا نقله الكرماني ولفظ بن مالك في هذا شاهد على أن الحكم قد يستحق بجزء العلة وذلك أن المبتدأ لا يجوز دخول الفاء على خبره إلا إذا كان شبيها بمن الشرطية في العموم واستقبال ما يتم به المعنى نحو الذي يأتيني فمكرم ولو كان المقصود بالذي معينا زالت مشابهته بمن وأمتنع دخول الفاء على الخبر كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدآت المقصود بها التعيين نحو زيد فمكرم لم يجز فكذا الذي لا يجوز الذي يأتيني إذا قصدت به معينا لكن الذي يبنى عند قصد التعيين شبيه في اللفظ بالذي يأتيني عند قصد العموم فجاز دخول الفاء حملا للشبيه على الشبيه ونظيره قوله تعالى وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله فإن مدلول ما معين ومدلول أصابكم ماض إلا أنه روعي فيه التشبيه اللفظي لشبه هذه الآية بقوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم فأجرى ما في مصاحبة الفاء مجرى واحدا انتهى قال الطيبي هذا كلام متين

(12/444)


لكن جواب الملكين تفصيل لتلك الرؤيا المتعددة المبهمة لا بد من ذكر كلمة التفصيل أو تقديرها فالفاء جواب أما ثم قال والفاء في قوله فأولاد الناس جاز دخولها على الخبر لأن الجملة معطوفة على مدخول أما في قوله أما الرجل وقد تحذف الفاء في بعض المحذوفات نظرا إلى أن أما لما حذفت حذف مقتضاها وكلاهما جائز وبالله التوفيق وقوله تحمل بالتخفيف للأكثر ولبعضهم بالتشديد وانما استحق التعذيب لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد وهو فيها مختار غير مكره ولا ملجأ قال بن هبيرة لما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه لسانه على الكذب بترويج باطله وقعت المشاركة بينهم في العقوبة قوله في مثل بناء التنور في رواية جرير والذي رأيته في النقب قوله فهم الزناة مناسبة العري لهم لاستحقاقهم أن يفضحوا لأن عادتهم أن يستتروا في الخلوة فعوقبوا بالهتك والحكمة في اتيان العذاب من تحتهم كون جنايتهم من أعضائهم السفلى قوله فإنه آكل الربا قال بن هبيرة انما عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر وإلقامه الحجارة لأن أصل الربا يجري في الذهب والذهب أحمر وأما إلقام الملك له الحجر فإنه إشارة إلى انه لا يغني عنه شيئا وكذلك الربا فإن صاحبه يتخيل أن ماله يزداد والله من ورائه محقه قوله الذي عند النار في رواية الكشميهني عنده النار قوله خازن جهنم إنما كان كرية الرؤية لأن في ذلك زيادة في عذاب أهل النار قوله وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم في رواية جرير والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم وإنما أختص إبراهيم لأنه أبو المسلمين قال تعالى ملة أبيكم إبراهيم وقال تعالى أن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه الآية وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة في رواية النضر بن شميل ولد على الفطرة وهي أشبه بقوله في الرواية الأخرى وأولاد المشركين وفي رواية جرير فأولاد الناس لم أر ذلك إلا في هذه الطريق ووقع في حديث أبي أمامه الذي نبهت عليه في أول شرح هذا الحديث ثم انطلقنا فإذا نحن بجوار وغلمان يلعبون بين نهرين فقلت ما هؤلاء قال ذرية المؤمنين قوله فقال بعض المسلمين لم أقف على اسمه قوله وأولاد المشركين تقدم البحث فيه مستوفى في أواخر الجنائز وظاهره أنه صلى الله عليه و سلم ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة ولا يعارض قوله هم من آبائهم لأن ذلك حكم الدنيا قوله وأما القوم الذين كانوا شطرا منهم حسن وشطرا منهم قبيح كذا في الموضعين بنصب شطرا ولغير أبي ذر شطر في الموضعين بالرفع وحسنا وقبيحا بالنصب ولكل وجه وللنسفي والإسماعيلي بالرفع في الجميع وعليه اقتصر الحميدي في جمعه وكان في هذه الرواية تامة والجملة حالية وزاد جرير بن حازم في روايته والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وهذه الدار دار الشهداء وأنا جبريل وهذا ميكائيل وفي حديث أبي أمامة ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء أقبح شيء منظرا وأنتنه ريحا كأنما ريحهم المراحيض قلت ما هؤلاء قال هؤلاء الزواني والزناة ثم انطلقنا فإذا نحن بموتى أشد شيء انتفاخا وأنتنه ريحا قلت ما هؤلاء قال هؤلاء موتى الكفار ثم انطلقنا فإذا نحن برجال نيام تحت ظلال الشجر قلت ما هؤلاء قال هؤلاء موتى المسلمين ثم انطلقنا فإذا نحن برجال أحسن شيء وجها وأطيبه ريحا قلت ما هؤلاء قال هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون الحديث وفي هذا الحديث من الفوائد أن الإسراء وقع مرارا يقظة ومناما على أنحاء شتى وفيه أن بعض العصاة يعذبون في البرزخ وفيه نوع من تلخيص العلم وهو أن يجمع القضايا جملة ثم يفسرها على الولاء ليجتمع تصورها في الذهن والتحذير من النوم عن الصلاة المكتوبة وعن رفض القرآن

(12/445)


لمن يحفظه وعن الزنا وأكل الربا وتعمد الكذب وأن الذي له قصر في الجنة لا يقيم فيه وهو في الدنيا بل إذا مات حتى النبي والشهيد وفيه الحث على طلب العلم وإتباع من يلتمس منه ذلك وفيه فضل الشهداء وأن منازلهم في الجنة أرفع المنازل ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أرفع درجة من إبراهيم عليه السلام لأحتمال أن إقامته هناك بسبب كفالته الولدان ومنزله هو في المنزلة التي هي أعلى من منازل الشهداء كما تقدم في الإسراء أنه رأى آدم في السماء الدنيا وإنما كان كذلك لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير ومن أهل الشر فيضحك ويبكي مع أن منزلته هو في عليين فإذا كان يوم القيامة استقر كل منهم في منزلته وفيه أن من استوت حسناته وسيآته يتجاوز الله عنهم اللهم تجاوز عنا برحمتك يا أرحم الراحمين وفيه أن الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها وفضل تعبيرها واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح لأنه الوقت الذي يكون فيه البال مجتمعا وفيه استقبال الإمام أصحابه بعد الصلاة إذا لم يكن بعدها راتبة وأراد أن يعظهم أو يفتيهم أو يحكم بينهم وفيه أن ترك استقبال القبلة للإقبال عليهم لا يكره بل يشرع كالخطيب قال الكرماني مناسبة العقوبات المذكورة فيه للجنايات ظاهرة إلا الزناة ففيها خفاء وبيانه أن العرى فضيحة كالزنا والزاني من شأنه طلب الخلوة فناسب التنور ثم هو خائف حذر حال الفعل كأن تحته النار وقال أيضا الحكمة في الاقتصار على من ذكر من العصاة دون غيرهم أن العقوبة تتعلق بالقول أو الفعل فالأول على وجود ما لا ينبغي منه أن يقال والثاني إما بدني وإما مالي فذكر لكل منهم مثال ينبه به على من عداه كما نبه بمن ذكر من أهل الثواب وأنهم أربع درجات درجات النبي ودرجات الأمة أعلاها الشهداء وثانيها من بلغ وثالثها من كان دون البلوغ انتهى ملخصا خاتمة اشتمل كتاب التعبير من الأحاديث المرفوعة على تسعة وتسعين حديثا الموصول منها اثنان وثمانون والبقية ما بين معلق ومتابعة المكرر منها فيه وفيما مضى خمسة وسبعون طريقا والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها إلا حديث أبي سعيد إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها وحديث الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين وحديث عكرمة عن بن عباس وهو يشتمل على ثلاثة أحاديث من تحلم ومن استمع ومن صور وحديث بن عمر من أفرى الفرى أن يرى عينيه ما لم ير وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين عشرة والله تعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب

(12/446)


قوله بسم الله الرحمن الرحيم
( كتاب الفتن )
في رواية كريمة والأصيلي تأخير البسملة والفتن جمع فتنة قال الراغب أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته ويستعمل في إدخال الإنسان النار ويطلق على العذاب كقوله ذوقوا فتنتكم وعلى ما يحصل عند العذاب كقوله تعالى الا في الفتنة سقطوا وعلى الاختبار كقوله وفتناك فتونا وفيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء وفي الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة ومنه قوله وان كادوا ليفتنونك أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحى إليك وقال أيضا الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات فان كانت من الله فهي على وجه الحكمة وان كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة فقد ذم الله الإنسان بايقاع الفتنة كقوله والفتنة أشد من القتل وقوله ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات وقوله ما أنتم عليه بفاتنين وقوله بأيكم المفتون وكقوله واحذرهم ان يفتنوك وقال غيره أصل الفتنة الاختبار ثم استعملت فيما اخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه ثم اطلقت على كل مكروه أو آيل إليه كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك

(13/3)


( قوله باب ما جاء في قول الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة )
قلت ورد فيه ما أخرجه احمد والبزار من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير قال قلنا للزبير يعني في قصة الجمل يا أبا عبد الله ما جاء بكم ضيعتم الخليفة الذي قتل يعني عثمان بالمدينة ثم جئتم تطلبون بدمه يعني بالبصرة فقال الزبير أنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة لم نكن نحسب انا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت وأخرج الطبري من طريق الحسن البصري قال قال الزبير لقد خوفنا بهذه الآية ونحن مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وما ظننا أنا خصصنا بها وأخرجه النسائي من هذا الوجه نحوه وله طرق أخرى عن الزبير عند الطبري وغيره وأخرج الطبري من طريق السدى قال نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل وعند بن أبي شيبة نحوه وعند الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب ولهذا الأثر شاهد من حديث عدي بن عميرة سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ان الله عز و جل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة أخرجه احمد بسند حسن وهو عند أبي داود من حديث العرس بن عميرة وهو أخو عدي وله شواهد من حديث حذيفة وجرير وغيرهما عند احمد وغيره قوله وما كان النبي صلى الله عليه و سلم يحذر بالتشديد من الفتن يشير إلى ما تضمنه حديث الباب من الوعيد على التبديل والأحداث فان الفتن غالبا انما تنشأ عن ذلك ثم ذكر حديث أسماء بنت أبي بكر مرفوعا أنا على حوضي انتظر من يرد علي فيؤخذ بناس ذات الشمال الحديث وحديث عبد الله بن مسعود رفعه أنا فرطكم على الحوض فليرفعن إلى أقوام الحديث وحديث سهل بن سعد بمعناه ومعه حديث أبي سعيد وفي جميعها أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك لفظ بن مسعود والآخرين بمعناه وقد تقدمت في ذكر الحوض آخر كتاب الرقاق وتقدم شرحها في باب الحشر قبل ذلك في كتاب الرقاق أيضا وقوله
6641 - في حديث أسماء حدثنا بشر بن السري هو بكسر الموحدة وسكون المعجمة وأبوه بفتح المهملة وكسر الراء بعدها ياء ثقيلة وبشر بصرى سكن مكة وكان صاحب مواعظ فلقب الأفوه وهو ثقة عند الجميع الا انه كان تكلم في شيء يتعلق برؤية الله في الآخرة فقام عليه الحميدي فاعتذر وتنصل فتكلم فيه بعضهم حتى قال بن معين رأيته بمكة يدعو على من ينسبه لرأي جهم وقال بن عدي له أفراد وغرائب قلت وليس له في البخاري سوى هذا الموضع وقد وضح انه متابعة وقوله في حديث سهل من ورده شرب وقع في رواية الكشميهني يشرب وقوله
6643 - لم يظمأ قيل هو كناية عن أنه يدخل الجنة لأنه صفة من يدخلها وفي حديث أبي سعيد أنك لا تدري ما بدلوا وقع في رواية الكشميهني ما أحدثوا وحاصل ما حمل عليه حال المذكورين انهم ان كانوا ممن ارتد عن الإسلام فلا اشكال في تبري النبي صلى الله عليه و سلم منهم وابعادهم وان كانوا ممن لم يرتد لكن أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن أو بدعة من اعتقاد القلب فقد أجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتباعا لأمر الله فيهم حتى يعاقبهم على جنايتهم ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لأهل الكبائر من أمته فيخرجون عند إخراج الموحدين من النار والله أعلم

(13/4)


( قوله باب قول النبي صلى الله عليه و سلم سترون بعدي أمورا تنكرونها )
هذا اللفظ بعض المتن المذكور في ثاني أحاديث الباب وهي ستة أحاديث الأول قوله وقال عبد الله بن زيد الخ هو طرف من حديث وصله المصنف في غزوة

(13/5)


حنين من كتاب المغازي وفيه أنه صلى الله عليه و سلم قال للأنصار أنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض وتقدم شرحه هناك الحديث الثاني
6644 - قوله حدثنا زيد بن وهب للأعمش فيه شيخ آخر أخرجه الطبراني في الأوسط من رواية يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة مثل رواية زيد بن وهب قوله عبد الله هو بن مسعود وصرح به في رواية الثوري عن الأعمش في علامات النبوة قوله أنكم سترون بعدي أثرة في رواية الثوري أثرة وتقدم ضبط الأثرة وشرحها في شرح الحديث الذي قبله وحاصلها الاختصاص بحظ دنيوى قوله وأمورا تنكرونها يعني من أمور الدين وسقطت الواو من بعض الروايات فهذا بدل من أثرة وفي حديث أبي هريرة الماضي في ذكر بني إسرائيل عن منصور هنا زيادة في أوله قال كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما مات نبي قام بعده نبي وانه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فيكثرون الحديث وفيه معنى ما في حديث بن مسعود قوله قالوا فما تأمرنا أي أن نفعل إذا وقع ذلك قوله أدوا إليهم أي إلى الأمراء حقهم أي الذي وجب لهم المطالبة به وقبضه سواء كان يختص بهم أو يعم ووقع في رواية الثوري تؤدون الحق الذي عليكم أي بذل المال الواجب في الزكاة والنفس في الخروج إلى الجهاد عند التعيين ونحو ذلك قوله وسلوا الله حقكم في رواية الثوري وتسألون الله الذي لكم أي بأن يلهمهم انصافكم أو يبدلكم خيرا منهم وهذا ظاهره العموم في المخاطبين ونقل بن التين عن الداودي انه خاص بالأنصار وكأنه أخذه من حديث عبد الله بن زيد الذي قبله ولا يلزم من مخاطبة الأنصار بذلك أن يختص بهم فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين ويختص ببعض المهاجرين دون بعض فالمستأثر من يلي الأمر ومن عداه هو الذي يستأثر عليه ولما كان الأمر يختص بقريش ولا حظ للأنصار فيه خوطب الأنصار بأنكم ستلقون أثرة وخوطب الجميع بالنسبة لمن يلي الأمر فقد ورد ما يدل على التعميم ففي حديث يزيد بن سلمة الجعفي عند الطبراني أنه قال يا رسول الله ان كان علينا أمراء يأخذون بالحق الذي علينا ويمنعونا الحق الذي لنا أنقاتلهم قال لا عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم وأخرج مسلم من حديث أم سلمة مرفوعا سيكون أمراء فيعرفون وينكرون فمن كره بريء ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع قالوا أفلا نقاتلهم قال لا ما صلوا ومن حديث عوف بن مالك رفعه في حديث في هذا المعنى قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال لا ما أقاموا الصلاة وفي رواية له بالسيف وزاد وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة وفي حديث عمر في مسنده للإسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال أتاني جبريل فقال ان أمتك مفتتنة من بعدك فقلت من أين قال من قبل أمرائهم وقرائهم يمنع الأمراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون ويتبع القراء هؤلاء الأمراء فيفتنون قلت فكيف يسلم من سلم منهم قال بالكف والصبر أن أعطوا الذي لهم أخذوه وان منعوه تركوه الحديث الثالث والرابع حديث بن عباس من وجهين في الثاني التصريح بالتحديث والسماع في موضعي العنعنة في الأول
6645 - قوله عبد الوارث هو بن سعيد والجعد هو أبو عثمان المذكور في السند الثاني وأبو رجاء هو العطاردي واسمه عمران قوله من كره من أميره شيئا فليصبر زاد في الرواية الثانية عليه قوله فإنه من خرج من السلطان أي من طاعة السلطان ووقع عند مسلم فإنه ليس أحد من الناس يخرج من السلطان وفي الرواية الثانية من فارق الجماعة وقوله شبرا بكسر المعجمة

(13/6)


وسكون الموحدة وهي كناية عن معصية السلطان ومحاربته قال بن أبي جمرة المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء فكنى عنها بمقدار الشبر لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق قوله مات ميتة جاهلية في الرواية الأخرى فمات الا مات ميتة جاهلية وفي رواية لمسلم فميتته ميتة جاهلية وعنده في حديث بن عمر رفعه من خلع يدا من طاعة لقي الله ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية قال الكرماني الاستثناء هنا بمعنى الاستفهام الانكاري أي ما فارق الجماعة أحد الا جرى له كذا أو حذفت ما فهي مقدرة أو الا زائدة أو عاطفة على رأي الكوفيين والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له امام مطاع لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك وليس المراد أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وان لم يكن هو جاهليا أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير وظاهره غير مراد ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه
6646 - قوله في الحديث الآخر من فارق الجماعة شبرا فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه أخرجه الترمذي وبن خزيمة وبن حبان ومصححا من حديث الحارث بن الحارث الأشعري في أثناء حديث طويل وأخرجه البزار والطبراني في الأوسط من حديث بن عباس وفي سنده خليد بن دعلج وفيه مقال وقال من رأسه بدل عنقه قال بن بطال في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث الذي بعده الحديث الخامس
6647 - قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله عن عمرو هو بن الحارث وعند مسلم حدثنا عمرو بن الحارث قوله عن بكير هو بن عبد الله بن الأشج وعند مسلم حدثني بكير قوله عن بسر بضم الموحدة وسكون المهملة ووقع في بعض النسخ بكسر أوله وسكون المعجمة وهو تصحيف وجنادة بضم الجيم وتخفيف النون ووقع عند الإسماعيلي من طريق عثمان بن صالح حدثنا بن وهب أخبرني عمرو أن بكيرا حدثه أن بسر بن سعيد حدثه أن جنادة حدثه قوله دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض فقلنا أصلحك الله حدث بحديث في رواية مسلم حدثنا وقولهم أصلحك الله يحتمل أنه أراد الدعاء له بالصلاح في جسمه ليعافى من مرضه أو أعم من ذلك وهي كلمة اعتادوها عند افتتاح الطلب قوله دعانا النبي صلى الله عليه و سلم فبايعناه ليلة العقبة كما تقدم إيضاحه في أوائل كتاب الإيمان أول الصحيح قوله فقال فيما أخذ علينا أي اشترط علينا قوله أن بايعنا بفتح العين على السمع والطاعة أي له في منشطنا بفتح الميم والمعجمة وسكون النون بينهما ومكرهنا أي في حالة نشاطنا وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به ونقل بن التين عن الداودي أن المراد الأشياء التي يكرهونها قال بن التين والظاهر انه أراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج ليطابق قوله منشطنا قلت ويؤيده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن عبادة عند أحمد في النشاط والكسل قوله وعسرنا ويسرنا في رواية إسماعيل بن عبيد وعلى النفقة في العسر واليسر وزاد وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله وأثرة علينا بفتح الهمزة والمثلثة وقد تقدم

(13/7)


موضع ضبطها في أول الباب والمراد أن طواعيتهم لمن يتولى عليهم لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم بل عليهم الطاعة ولو منعهم حقهم قوله وأن لا ننازع الأمر أهله أي الملك والإمارة زاد أحمد من طريق عمير بن هانئ عن جنادة وأن رأيت أن لك أي وان اعتقدت أن لك في الأمر حقا فلا تعمل بذلك الظن بل اسمع وأطع إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة زاد في رواية حبان أبي النضر عن جنادة عند بن حبان وأحمد وان أكلوا مالك وضربوا ظهرك وزاد في رواية الوليد بن عبادة عن أبيه وأن نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم وسيأتي في كتاب الأحكام قوله إلا أن تروا كفرا بواحا بموحدة ومهملة قال الخطابي معنى قوله بواحا يريد ظاهرا باديا من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحا وبواحا إذا أذاعه وأظهره وأنكر ثابت في الدلائل بواحا وقال انما يجوز بوحا بسكون الواو وبؤاحا بضم أوله ثم همزة ممدودة وقال الخطابي من رواه بالراء فهو قريب من هذا المعنى وأصل البراح الأرض القفراء التي لا أنيس فيها ولا بناء وقيل البراح البيان يقال برح الخفاء إذا ظهر وقال النووي هو في معظم النسخ من مسلم بالواو وفي بعضها بالراء قلت ووقع عند الطبراني من رواية أحمد بن صالح عن بن وهب في هذا الحديث كفرا صراحا بصاد مهملة مضمومة ثم راء ووقع في رواية حبان أبي النضر المذكورة الا أن يكون معصية لله بواحا وعند أحمد من طريق عمير بن هانئ عن جنادة ما لم يأمروك بإثم بواحا وفي رواية إسماعيل بن عبيد عند أحمد والطبراني والحاكم من روايته عن أبيه عن عبادة سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله وعند أبي بكر بن أبي شيبة من طريق أزهر بن عبد الله عن عبادة رفعه سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون ويفعلون ما تنكرون فليس لأولئك عليكم طاعة قوله عندكم من الله فيه برهان أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل قال النووي المراد بالكفر هنا المعصية ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فانكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم انتهى وقال غيره المراد بالإثم هنا المعصية والكفر فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية الا إذا ارتكب الكفر وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف ومحل ذلك إذا كان قادرا والله أعلم ونقل بن التين عن الداودي قال الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب والا فالواجب الصبر وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء فان أحدث جورا بعد أن كان عدلا فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه الحديث السادس حديث أنس عن أسيد بن حضير ذكره مختصرا وقد تقدم بتمامه مشروحا في مناقب الأنصار والسر في جوابه عن طلب الولاية بقوله سترون بعدي أثرة إرادة نفي ظنه أنه آثر الذي ولاه عليه فبين له ان ذلك لا يقع في زمانه وانه لم يخصه بذلك لذاته بل لعموم مصلحة المسلمين وأن الاستئثار للحظ الدنيوي انما يقع بعده وأمرهم عند وقوع ذلك بالصبر

(13/8)


( قوله باب قول النبي صلى الله عليه و سلم هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء )
زاد في بعض النسخ لأبي ذر من قريش ولم يقع لأكثرهم وقد ذكره في الباب من حديث أبي هريرة بدون قوله سفهاء وذكر بن بطال أن علي بن معبد أخرجه يعني في كتاب الطاعة والمعصية من رواية سماك عن أبي هريرة بلفظ على رؤوس غلمة سفهاء من قريش قلت وهو عند أحمد والنسائي من رواية سماك عن أبي ظالم عن أبي هريرة أن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش هذا لفظ أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن سماك عن عبد الله بن ظالم وتابعه أبو عوانة عن سماك عند النسائي ورواه أحمد أيضا عن زيد بن الحباب عن سفيان لكن قال مالك بدل عبد الله ولفظه سمعت أبا هريرة يقول لمروان أخبرني حبي أبو القاسم صلى الله عليه و سلم قال فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش وكذا أخرجه من طريق شعبة عن سماك ولم يقف عليه الكرماني فقال لم يقع في الحديث الذي أورده بلفظ سفهاء فلعله بوب به ليستدركه ولم يتفق له أو أشار إلى أنه ثبت في الجملة لكنه ليس على شرطه قلت الثاني هو المعتمد وقد أكثر البخاري من هذا قوله في الترجمة أغيلمة تصغير غلمة جمع غلام وواحد الجمع المصغر غليم بالتشديد يقال للصبي حين يولد إلى أن يحتلم غلام وتصغيره غليم وجمعه غلمان وغلمة وأغيلمة ولم يقولوا أغلمة مع كونه القياس كأنهم استغنوا عنه بغلمة وأغرب الداودي فيما نقله عنه بن التين فضبط أغيلمة بفتح الهمزة وكسر الغين المعجمة وقد يطلق على الرجل المستحكم القوة غلام تشبيها له بالغلام في قوته وقال بن الأثير المراد بالأغيلمة هنا الصبيان ولذلك صغرهم قلت وقد يطلق الصبي والغليم بالتصغير على الضعيف العقل والتدبير والدين ولو كان محتلما وهو المراد هنا فان الخلفاء من بني أمية لم يكن فيهم من استخلف وهو دون البلوغ وكذلك من أمروه على الأعمال إلا أن يكون المراد بالأغيلمة أولاد بعض من استخلف فوقع الفساد بسببهم فنسب إليهم والأولى الحمل على أعم من ذلك
6649 - قوله حدثنا عمر بن يحيى بن سعيد بن عمرو زاد في علامات النبوة عن احمد بن محمد المكي حدثنا عمرو بن يحيى الأموي قوله أخبرني جدي هو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية وقد نسب يحيى في رواية عبد الصمد بن عبد الوارث عن عمرو بن يحيى إلى جد جده الأعلى فوقع في روايته حدثنا عمرو بن يحيى بن العاص سمعت جدي سعيد بن العاص فنسب سعيدا أيضا إلى والد جد جده وأبوه عمرو بن سعيد هو المعروف بالأشدق قتله عبد الملك بن مروان لما خرج عليه بدمشق بعد السبعين قوله كنت جالسا مع أبي هريرة كان ذلك زمن معاوية قوله ومعنا مروان هو بن الحكم بن أبي العاص بن

(13/9)


أمية الذي ولي الخلافة بعد ذلك وكان يلي لمعاوية امرة المدينة تارة وسعيد بن العاص والد عمرو يليها لمعاوية تارة قوله سمعت الصادق المصدوق تقدم بيانه في كتاب القدر والمراد به النبي صلى الله عليه و سلم وقد وقع في رواية عبد الصمد المذكور أن أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي رواية له أخرى سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم قوله هلكة أمتي في رواية المكي هلاك أمتي وهو المطابق لما في الترجمة وفي رواية عبد الصمد هلاك هذه الأمة والمراد بالأمة هنا أهل ذلك العصر ومن قاربهم لا جميع الأمة إلى يوم القيامة قوله على يدي غلمة كذا للأكثر بالتثنية وللسرخسي والكشميهني أيدي بصيغة الجمع قال بن بطال جاء المراد بالهلاك مبينا في حديث آخر لأبي هريرة أخرجه علي بن معبد وبن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه أعوذ بالله من إمارة الصبيان قالوا وما إمارة الصبيان قال ان أطعتموهم هلكتم أي في دينكم وان عصيتموهم أهلكوكم أي في دنياكم بازهاق النفس أو باذهاب المال أو بهما وفي رواية بن أبي شيبة أن أبا هريرة كان يمشي في السوق ويقول اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين وهو كذلك فان يزيد بن معاوية استخلف فيها وبقي إلى سنة أربع وستين فمات ثم ولى ولده معاوية ومات بعد أشهر وهذه الرواية تخصص رواية أبي زرعة عن أبي هريرة الماضية في علامات النبوة بلفظ يهلك الناس هذا الحي من قريش وان المراد بعض قريش وهم الأحداث منهم لا كلهم والمراد أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله فتفسد أحوال الناس ويكثر الخبط بتوالي الفتن وقد وقع الأمر كما أخبر صلى الله عليه و سلم وأما قوله لو أن الناس اعتزلوهم محذوف الجواب وتقديره لكان أولى بهم والمراد باعتزالهم أن لا يداخلوهم ولا يقاتلوا معهم ويفروا بدينهم من الفتن ويحتمل أن يكون لو للتمني فلا يحتاج إلى تقدير جواب ويؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية فانها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك قال بن وهب عن مالك تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا وقد صنع ذلك جماعة من السلف قوله فقال مروان لعنة الله عليهم غلمة في رواية عبد الصمد لعنة الله عليهم من أغيلمة وهذه الرواية تفسر المراد بقوله في رواية المكي فقال مروان غلمة كذا اقتصر على هذه الكلمة فدلت رواية الباب أنها مختصرة من قوله لعنة الله عليهم غلمة فكان التقدير غلمة عليهم لعنة الله أو ملعونون أو نحو ذلك ولم يرد التعجب ولا الاستثبات قوله فقال أبو هريرة لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت في رواية الإسماعيلي من بني فلان وبني فلان لقلت وكأن أبا هريرة كان يعرف أسماءهم وكان ذلك من الجواب الذي لم يحدث به وتقدمت الإشارة إليه في كتاب العلم وتقدم هناك قوله لو حدثت به لقطعتم هذا البلعوم قوله فكنت أخرج مع جدي قائل ذلك عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو وجده سعيد بن عمرو وكان مع أبيه لما غلب على الشام ثم لما قتل تحول سعيد بن عمرو إلى الكوفة فسكنها إلى أن مات قوله حين ملكوا الشام أي وغيرها لما ولوا الخلافة وانما خصت الشام بالذكر لأنها كانت مساكنهم من عهد معاوية قوله فإذا رآهم غلمانا أحداثا هذا يقوي الاحتمال الماضي وأن المراد أولاد من استخلف منهم وأما تردده في أيهم المراد بحديث أبي هريرة فمن جهة كون أبي هريرة لم يفصح بأسمائهم والذي يظهر أن المذكورين من جملتهم وأن أولهم يزيد كما دل عليه قول أبي هريرة رأس الستين وإمارة الصبيان فان يزيد كان غالبا ينتزع الشيوخ من امارة البلدان الكبار ويوليها الأصاغر من أقاربه وقوله قلنا أنت

(13/10)


أعلم القائل له ذلك أولاده وأتباعه ممن سمع منه ذلك وهذا مشعر بأن هذا القول صدر منه في أواخر دولة بني مروان بحيث يمكن عمرو بن يحيى أن يسمع منه ذلك وقد ذكر بن عساكر أن سعيد بن عمرو هذا بقي إلى أن وفد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك وذلك قبيل الثلاثين ومائة ووقع في رواية الإسماعيلي أن بين تحديث عمرو بن يحيى بذلك وسماعه له من جده سبعين سنة قال بن بطال وفي هذا الحديث أيضا حجة لما تقدم من ترك القيام على السلطان ولو جار لأنه صلى الله عليه و سلم أعلم أبا هريرة بأسماء هؤلاء وأسماء آبائهم ولم يأمرهم بالخروج عليهم مع اخباره ان هلاك الأمة على أيديهم لكون الخروج أشد في الهلاك وأقرب إلى الاستئصال من طاعتهم فاختار اخف المفسدتين وأيسر الأمرين تنبيه يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين مع أن الظاهر انهم من ولده فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشد في الحجة عليهم لعلهم يتعظون وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد أخرجها الطبراني وغيره غالبها فيه مقال وبعضها جيد ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك
( قوله باب قول النبي صلى الله عليه و سلم ويل للعرب من شر قد اقترب )
انما خص العرب بالذكر لأنهم أول من دخل في الإسلام وللانذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم وذكر فيه حديثين أحدهما حديث زينب بنت جحش وهو مطابق للترجمة ومالك بن إسماعيل شيخه فيه وهو أبو غسان النهدي وكأنه اختار تخريج هذا الحديث عنه لتصريحه في روايته بسماع سفيان بن عيينة له من الزهري
6650 - قوله عن عروة هو بن الزبير قوله عن زينب بنت أم سلمة في رواية شعيب عن الزهري حدثني عروة ان زينب بنت أبي سلمة حدثته قوله عن أم حبيبة في رواية شعيب ان أم حبيبة بنت أبي سفيان حدثتها هكذا قال بعض أصحاب سفيان بن عيينة منهم مالك بن إسماعيل هذا ومنهم عمرو بن محمد الناقد عند مسلم ومنهم سعيد بن منصور في السنن له ومنهم قتيبة وهارون بن عبد الله عند الإسماعيلي والقعنبي عند أبي نعيم وكذا قال مسدد في مسنده قلت وهكذا تقدم في أحاديث الأنبياء من رواية عقيل وفي علامات النبوة من رواية شعيب ويأتي في أواخر كتاب الفتن من رواية

(13/11)


محمد بن أبي عتيق كلهم عن الزهري ليس في السند حبيبة زاد جماعة من أصحاب بن عيينة عنه ذكر حبيبة فقالوا عن زينب بنت أم سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة هكذا أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وسعيد بن عمرو الأشعثي وزهير بن حرب ومحمد بن يحيى بن أبي عمر اربعتهم عن سفيان عن الزهري قال مسلم زادوا فيه حبيبة وهكذا أخرجه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد كلهم عن سفيان قال الترمذي جود سفيان هذا الحديث هكذا رواه الحميدي وعلي بن المديني وغير واحد من الحفاظ عن سفيان بن عيينة قال الحميدي قال سفيان حفظت عن الزهري في هذا الحديث أربع نسوة زينب بنت أم سلمة عن حبيبة وهما ربيبتا النبي صلى الله عليه و سلم عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش وهما زوجا النبي صلى الله عليه و سلم وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق الحميدي فقال في روايته عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة وقال في آخره قال الحميدي قال سفيان أحفظ في هذا الحديث عن الزهري أربع نسوة قد رأين النبي صلى الله عليه و سلم ثنتين من أزواجه أم حبيبة وزينب بنت جحش وثنتين ربيبتاه زينب بنت أم سلمة وحبيبة بنت أم حبيبة أبوها عبيد الله بن جحش مات بأرض الحبشة انتهى كلامه وأخرجه أبو نعيم أيضا من رواية إبراهيم بن بشار الرمادي ونصر بن علي الجهضمي وأخرجه النسائي عن عبيد الله بن سعيد وبن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة والإسماعيلي من رواية الأسود بن عامر كلهم عن بن عيينة بزيادة حبيبة في السند وساق الإسماعيلي عن هارون بن عبد الله قال قال لي الأسود بن عامر كيف يحفظ هذا عن بن عيينة فذكره له بنقص حبيبة فقال لكنه حدثنا عن الزهري عن عروة عن أربع نسوة كلهن قد أدركن النبي صلى الله عليه و سلم بعضهن عن بعض قال الدارقطني أظن سفيان كان تارة يذكرها وتارة يسقطها قلت ورواه شريح بن يونس عن سفيان فأسقط حبيبة وزينب بنت جحش أخرجه بن حبان ومثله لأبي عوانة عن الليث عن الزهري ومن رواية سليمان بن كثير عن الزهري وصرح فيه بالأخبار وسأذكر شرح المتن في آخر كتاب الفتن ان شاء الله تعالى وحبيبة بنت عبيد الله بالتصغير بن جحش هذه ذكرها موسى بن عقبة فيمن هاجر إلى الحبشة فتنصر عبيد الله بن جحش ومات هناك وثبتت أم حبيبة على الإسلام فتزوجها النبي صلى الله عليه و سلم وجهزها إليه النجاشي وحكى بن سعد ان حبيبة انما ولدت بأرض الحبشة فعلى هذا تكون في زمن النبي صلى الله عليه و سلم صغيرة فهي نظير التي روت عنها في أن كلا منهما ربيبة النبي صلى الله عليه و سلم وفي ان كلا منهما من صغار الصحابة وزينب بنت جحش هي عمة حبيبة المذكورة فروت حبيبة عن أمها عن عمتها وكانت وفاة زينب قبل وفاة أم حبيبة وزعم بعض الشراح ان رواية مسلم بذكر حبيبة تؤذن بانقطاع طريق البخاري قلت وهو كلام من لم يطلع على طريق شعيب التي نبهت عليها وقد جمع الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي جزءا في الأحاديث المسلسلة بأربعة من الصحابة وجملة ما فيه أربعة أحاديث وجمع ذلك بعده الحافظ عبد القادر الرهاوي ثم الحافظ يوسف بن خليل فزاد عليه قدرها وزاد واحدا خماسيا فصارت تسعة أحاديث وأصحها حديث الباب ثم حديث عمر في العمالة وسيأتي في كتاب الأحكام الحديث الثاني حديث أسامة بن زيد
6651 - قوله عن الزهري في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة حدثنا الزهري وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم من طريقه قوله عن عروة عن أسامة بن زيد في رواية الحميدي وبن أبي عمر في مسنده عن بن عيينة عن الزهري أخبرني عروة انه سمع أسامة بن زيد وقوله حدثنا محمود هو بن غيلان قوله اشرف النبي صلى الله عليه و سلم عند الإسماعيلي في رواية معمر أوفى وهو بمعنى أشرف أي أطلع من علو قوله على

(13/12)


أطم بضمتين هو الحصن وقد تقدم بيانه في آخر الحج قوله من أطام المدينة تقدم في علامات النبوة عن أبي نعيم بهذا السند بلفظ على أطم من الآطام فاقتضى ذلك ان اللفظ الذي ساقه هنا لفظ معمر قوله هل ترون ما أرى قالوا لا وهذه الزيادة أيضا لمعمر ولم أرها في شيء من الطرق عن بن عيينة قوله فاني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم في رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان اني لأرى مواقع الفتن والمراد بالمواقع مواضع السقوط والخلال النواحي قال الطيبي تقع مفعول ثان ويحتمل أن يكون حالا وهو أقرب والرؤية بمعنى النظر أي كشف لي فأبصرت ذلك عيانا قوله كوقع القطر في رواية المستملي والكشميهني المطر وفي رواية علامات النبوة كمواقع القطر وقد تقدم الكلام على هذه الرواية في آخر الحج وانما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان رضي الله عنه كان بها ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان والقتال بالنهروان كمان بسبب التحكيم بصفين وكل قتال وقع في ذلك العصر انما تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولد عنه ثم ان قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على أمرائه ثم عليه بتوليته لهم وأول ما نشأ ذلك من العراق وهي من جهة المشرق فلا منافاة بين حديث الباب وبين الحديث الآتي ان الفتنة من قبل المشرق وحسن التشبيه بالمطر لإرادة التعميم لأنه إذا وقع في أرض معينة عمها ولو في بعض جهاتها قال بن بطال انذر النبي صلى الله عليه و سلم في حديث زينب بقرب قيام الساعة كي يتوبوا قبل أن تهجم عليهم وقد ثبت أن خروج يأجوج ومأجوج قرب قيام الساعة فإذا فتح من ردمهم ذاك القدر في زمنه صلى الله عليه و سلم لم يزل الفتح يتسع على مر الأوقات وقد جاء في حديث أبي هريرة رفعه ويل للعرب من شر قد اقترب موتوا ان استطعتم قال وهذا غاية في التحذير من الفتن والخوض فيها حيث جعل الموت خيرا من مباشرتها وأخبر في حديث أسامة بوقوع الفتن خلال البيوت ليتأهبوا لها فلا يخوضوا فيها ويسألوا الله الصبر والنجاة من شرها

(13/13)


( قوله باب ظهور الفتن )
ذكر فيه ثلاثة أحاديث الحديث الأول حديث أبي هريرة
6652 - قوله حدثنا عياش بتحتانية ثقيلة ومعجمة وشيخه عبد الأعلى هو بن عبد الأعلى السامي بالمهملة البصري وسعيد هو بن المسيب ونسبه أبو بكر بن أبي شيبة في روايته له عن عبد الأعلى المذكور أخرجه بن ماجة وكذا عند الإسماعيلي من رواية عبد الأعلى وعبد الواحد وعبد المجيد بن أبي رواد كلهم عن معمر وهو عند مسلم عن أبي بكر لكن لم يسق لفظه قوله يتقارب الزمان كذا للأكثر وفي رواية السرخسي الزمن وهي لغة فيه قوله وينقص العلم كذا للأكثر وفي رواية المستملي والسرخسي العمل ومثله في رواية شعيب عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عند مسلم وعنده من رواية يونس عن الزهري في هذه الطريق ويقبض العلم ووقع مثله في رواية الأعرج عن أبي هريرة كما سيأتي في أواخر كتاب الفتن وهي تؤيد رواية من رواه بلفظ وينقص العمل ويؤيده أيضا الحديث الذي بعده بلفظ ينزل الجهل ويرفع العلم قوله ويكثر الهرج قالوا يا رسول الله أيما هو بفتح الهمزة وتشديد الياء الأخيرة بعدها ميم خفيفة وأصله أي شيء هو ووقعت للأكثر بغير ألف بعد الميم وضبطه بعضهم بتخفيف الياء كما قالوا أيش في موضع أي شيء وفي رواية الإسماعيلي وما هو وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة قالوا يا رسول الله وما الهرج وهذه رواية أكثر أصحاب الزهري وفي رواية عنبسة بن خالد عن يونس عند أبي داود قيل يا رسول الله أيش هو قال القتل القتل وفي رواية للطبراني عن بن مسعود القتل والكذب قوله قال القتل القتل صريح في أن تفسير الهرج مرفوع ولا يعارض ذلك مجيئه في غير هذه الرواية موقوفا ولا كونه بلسان الحبشة وقد تقدم في كتاب العلم من طريق سالم بن عبد الله بن عمر سمعت أبا هريرة فذكر نحو حديث الباب دون قوله يتقارب

(13/14)


الزمان ودون قوله ويلقى الشح وزاد فيه ويظهر الجهل وقال في آخره قيل يا رسول الله وما الهرج فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل فيجمع بأنه جمع بين الإشارة والنطق فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض كما وقع لهم في الأمور المذكورة وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه احمد والطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد ان رجلا قال له يا أبا سليمان اتق الله فان الفتن ظهرت فقال اما وبن الخطاب حي فلا انما تكون بعده فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكانا لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد فتلك الأيام التي ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم بين يدي الساعة أيام الهرج قوله وقال يونس يعني بن يزيد وشعيب يعني بن أبي حمزة والليث وبن أخي الزهري عن الزهري عن حميد يعني بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة يعني ان هؤلاء الأربعة خالفوا معمرا في قوله عن الزهري عن سعيد فجعلوا شيخ الزهري حميدا لا سعيدا وصنيع البخاري يقتضي ان الطريقين صحيحان فإنه وصل طريق معمر هنا ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب وكأنه رأى ان ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث فيكون الحديث عنده عن شيخين ولا يلزم من ذلك اطراده في كل من اختلف عليه في شيخه الا ان يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ ولولا ذلك لكانت رواية يونس ومن تابعه أرجح وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته فاما رواية يونس فوصلها مسلم كما ذكرت من طريق بن وهب عنه ولفظه ويقبض العلم وقدم وتظهر الفتن على ويلقى الشح وقال قالوا وما الهرج قال القتل ولم يكرر لفظ القتل ومثله له من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج فذكره مقتصرا عليه وأخرجه أبو داود من رواية عنبسة بن خالد عن يونس بن يزيد بلفظ وينقص العلم وأما رواية شعيب فوصلها المصنف في كتاب الأدب عن أبي اليمان عنه وقال في روايته يتقارب الزمان وينقص العمل وفي رواية الكشميهمني العلم والباقي مثل لفظ معمر وقال في روايتي يونس وشعيب عن الزهري حدثني حميد بن عبد الرحمن وأما رواية الليث فوصلها الطبراني في الأوسط من رواية عبد الله بن صالح عنه به مثل رواية بن وهب واما رواية بن أخي الزهري فوصلها الطبراني أيضا في الأوسط من طريق صدقة بن خالد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بن أخي الزهري واسمه محمد بن عبد الله بن مسلم وقال في روايته سمعت أبا هريرة ولفظه مثل لفظ بن وهب الا انه قال قلنا وما الهرج يا رسول الله وأخرجه مسلم من رواية عبد الرحمن بن يعقوب وهمام بن منبه وأبي يونس مولى أبي هريرة ثلاثتهم عن أبي هريرة قال بمثل حديث حميد بن عبد الرحمن غير انهم لم يذكروا ويلقى الشح قلت وساق احمد لفظ همام وأوله يقبض العلم ويقترب الزمن وقد جاء عن أبي هريرة من طريق أخرى زيادة في الأمور المذكورة فأخرج الطبراني في الأوسط من طريق سعيد بن جبير عنه رفعه لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ويخون الأمين ويؤتمن الخائن وتهلك الوعول وتظهر التحوت قالوا يا رسول الله وما التحوت والوعول قال الوعول وجوه الناس وأشرافهم والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس ليس يعلم بهم وله من طريق أبي علقمة سمعت أبا هريرة يقول ان من أشراط الساعة نحوه وزاد كذلك أنبأنا عبد الله بن مسعود سمعته من حبي قال نعم قلنا وما التحوت قال فسول الرجال وأهل البيوت الغامضة قلنا وما الوعول قال أهل البيوت الصالحة قال بن بطال ليس في هذا الحديث ما يحتاج إلى تفسير غير قوله

(13/15)


يتقارب الزمان ومعناه والله أعلم تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله وقد جاء في الحديث لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا فإذا تساووا هلكوا يعني لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف من الله يلجأ إليهم عند الشدائد ويستشفي بأرائهم ويتبرك بدعائهم ويؤخذ بتقويمهم وآثارهم وقال الطحاوي قد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصة والرضا بالجهل وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم لأن درج العلم تتفاوت قال تعالى وفوق كل ذي علم عليم وانما يتساوون إذا كانوا جهالا وكأنه يريد غلبة الجهل وكثرته بحيث يفقد العلم بفقد العلماء قال بن بطال وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عيانا فقد نقص العلم وظهر الجهل والقي الشح في القلوب وعمت الفتن وكثر القتل قلت الذي يظهر ان الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى مما يقابله الا النادر واليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم فلا يبقى الا الجهل الصرف ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك ويؤيد ذلك ما أخرجه بن ماجة بسند قوي عن حذيفة قال يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ويسري على الكتاب في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية الحديث وسأذكر مزيدا لذلك في أواخر كتاب الفتن وعند الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال ولينزعن القرآن من بين أظهركم يسري عليه ليلا فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء وسنده صحيح لكنه موقوف وسيأتي بيان معارضه ظاهرا في كتاب الأحكام والجمع بينهما وكذا القول في باقي الصفات والواقع ان الصفات المذكورة وجدت مباديها من عهد الصحابة ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض والذي يعقبه قيام الساعة استحكام ذلك كما قررته وقد مضى من الوقت الذي قال فيه بن بطال ما قال نحو ثلاثمائة وخمسين سنة والصفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد لكن يقل بعضها في بعض ويكثر بعضها في بعض وكلما مضت طبقة ظهر النقص الكثير في التي تليها والى ذلك الإشارة بقوله في حديث الباب الذي بعده لا يأتي زمان الا والذي بعده شر منه ثم نقل بن بطال عن الخطابي في معنى تقارب الزمان المذكور في الحديث الآخر يعني الذي أخرجه الترمذي من حديث أنس وأحمد من حديث أبي هريرة مرفوعا لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة قال الخطابي هو من استلذاذ العيش يريد والله أعلم انه يقع عند خروج المهدي ووقوع الأمنة في الأرض وغلبة العدل فيها فيستلذ العيش عند ذلك وتستقصر مدته وما زال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وان طالت ويستطيلون مدة المكروه وان قصرت وتعقبه الكرماني بأنه لا يناسب أخواته من ظهور الفتن وكثرة الهرج وغيرهما وأقول انما احتاج الخطابي إلى تأويله بما ذكر لأنه لم يقع النقص في زمانه والا فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا فانا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا وان لم يكن هناك عيش مستلذ والحق ان المراد نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان وذلك من علامات قرب الساعة وقال بعضهم معنى تقارب الزمان استواء الليل والنهار قلت وهذا مما قالوه في قوله إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب كما تقدم بيانه فيما مضى ونقل بن التين عن الداودي ان معنى حديث الباب ان ساعات النهار تقصر قرب قيام الساعة ويقرب النهار من

(13/16)


الليل انتهى وتخصيصه ذلك بالنهار لا معنى له بل المراد نزع البركة من الزمان ليله ونهاره كما تقدم قال النووي تبعا لعياض وغيره المراد بقصره عدم البركة فيه وان اليوم مثلا يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة قالوا وهذا أظهر وأكثر فائدة وأوفق لبقية الأحاديث وقد قيل في تفسير قوله يتقارب الزمان قصر الأعمار بالنسبة إلى كل طبقة فالطبقة الأخيرة أقصر أعمارا من الطبقة التي قبلها وقيل تقارب أحوالهم في الشر والفساد والجهل وهذا اختيار الطحاوي واحتج بان الناس لا يتساوون في العلم والفهم فالذي جنح إليه لا يناسب ما ذكر معه الا ان نقول ان الواو لا ترتب فيكون ظهور الفتن أولا ينشأ عنها الهرج ثم يخرج المهدي فيحصل الأمن قال بن أبي جمرة يحتمل ان يكون المراد بتقارب الزمان قصره على ما وقع في حديث لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر وعلى هذا فالقصر يحتمل ان يكون حسيا ويحتمل ان يكون معنويا اما الحسي فلم يظهر بعد ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة واما المعنوي فله مدة منذ ظهر يعرف ذلك أهل العلم الديني ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي فانهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم ان يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك ويشكون ذلك ولا يدرون العلة فيه ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه وأشد ذلك الأقوات ففيها من الحرام المحض ومن الشبه ما لا يخفى حتى ان كثيرا من الناس لا يتوقف في شيء ومهما قدر على تحصيل شيء هجم عليه ولا يبالي والواقع ان البركة في الزمان وفي الرزق وفي النبت انما يكون من طريق قوة الإيمان واتباع الأمر واجتناب النهي والشاهد لذلك قوله تعالى ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض انتهى ملخصا وقال البيضاوي يحتمل ان يكون المراد بتقارب الزمان تسارع الدول إلى الانقضاء والقرون إلى الانقراض فيتقارب زمانهم وتتدانى ايامهم واما قول بن بطال ان بقية الحديث لا تحتاج إلى تفسير فليس كما قال فقد اختلف أيضا في المراد بقوله ينقص العلم فقيل المراد نقص علم كل عالم بأن يطرأ عليه النسيان مثلا وقيل نقص العلم بموت أهله فكلما مات عالم في بلد ولم يخلفه غيره نقص العلم من تلك البلد واما نقص العمل فيحتمل ان يكون بالنسبة لكل فرد فرد فان العامل إذا دهمته الخطوب ألهته عن أوراده وعبادته ويحتمل ان يراد به ظهور الخيانة في الأمانات والصناعات قال بن أبي جمرة نقص العمل الحسي ينشأ عن نقص الدين ضرورة واما المعنوي فبحسب ما يدخل من الخلل بسبب سوء المطعم وقلة المساعد على العمل والنفس ميالة إلى الراحة وتحن إلى جنسها ولكثرة شياطين الانس الذين هم أضر من شياطين الجن واما قبض العلم فسيأتي بسط القول فيه في كتاب الاعتصام ان شاء الله تعالى وأما قوله ويلقى الشح فالمراد القاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه فيترك التعليم والفتوى ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير وليس المراد وجود أصل الشح لأنه لم يزل موجودا والمحفوظ في الروايات يلقى بضم أوله من الرباعي وقال الحميدي لم تضبط الرواة هذا الحرف ويحتمل ان يكون بفتح اللام وتشديد القاف أي يتلقى ويتعلم ويتواصى به كما في قوله ولا يلقاها الا الصابرون قال والرواية بسكون اللام مخففا تفسد المعنى لأن الالقاء بمعنى الترك ولو ترك لم يكن موجودا وكان مدحا والحديث ينبىء بالذم قلت وليس المراد بالالقاء هنا أن الناس يلقونه وانما المراد أنه يلقى إليهم أي يوقع في قلوبهم ومنه اني ألقي الي كتاب كريم قال الحميدي

(13/17)


ولو قيل بالفاء مع التخفيف لم يستقم لأنه لم يزل موجودا قلت لو ثبتت الرواية بالفاء لكان مستقيما والمعنى أنه يوجد كثيرا مستفيضا عند كل أحد كما تقدمت الإشارة إليه وقال القرطبي في التذكرة يجوز أن يكون يلقي بتخفيف اللام والفاء أي يترك لأجل كثرة المال وافاضته حتى يهم ذا المال من يقبل صدقته فلا يجد ولا يجوز أن يكون بمعنى يوجد لأنه ما زال موجودا كذا جزم به وقد تقدم ما يرد عليه وأما قوله وتظهر الفتن فالمراد كثرتها واشتهارها وعدم التكاتم بها والله المستعان قال بن أبي جمرة يحتمل ان يكون القاء الشح عاما في الأشخاص والمحذور من ذلك ما يترتب عليه مفسدة والشحيح شرعا هو من يمنع ما وجب عليه وامساك ذلك ممحق للمال مذهب لبركته ويؤيده ما نقص مال من صدقة فان أهل المعرفة فهموا منه ان المال الذي يخرج منه الحق الشرعي لا يلحقه آفة ولا عاهة بل يحصل له النماء ومن ثم سميت الزكاة لأن المال ينمو بها ويحصل فيه البركة انتهى ملخصا قال واما ظهور الفتن فالمراد بها ما يؤثر في أمر الدين وأما كثرة القتل فالمراد بها ما لا يكون على وجه الحق كاقامة الحد والقصاص الحديث الثاني والثالث
6653 - قوله حدثنا مسدد حدثنا عبيد الله بن موسى كذا وقع عند أبي ذر عن شيوخه في نسخة معتمدة وسقط في غيرها وقال عياض ثبت للقابسي عن أبي زيد المروزي وسقط مسدد للباقين وهو الصواب قلت وعليه اقتصر أصحاب الأطراف قوله شقيق هو أبو وائل قوله كنت مع عبد الله هو بن مسعود وأبو موسى هو الأشعري قوله فقالا يظهر من الروايتين اللتين بعدها أن الذي تلفظ بذلك هو أبو موسى لقوله في روايته فقال أبو موسى فذكره ولا يعارض ذلك الرواية الثالثة من طريق واصل عن أبي وائل عن عبد الله وأحسبه رفعه قال بين يدي الساعة فذكره لاحتمال ان يكون أبو وائل سمعه من عبد الله أيضا لدخوله في قوله في رواية الأعمش قالا وقد اتفق أكثر الرواة عن الأعمش على أنه عن عبد الله وأبي موسى معا ورواه أبو معاوية عن الأعمش فقال عن أبي موسى ولم يذكر عبد الله أخرجه مسلم وأشار بن أبي خيثمة إلى ترجيح قول الجماعة واما رواية عاصم المعلقة التي ختم بها الباب فلولا أنه دون الأعمش وواصل في الحفظ لكانت روايته هي المعتمدة لأنه جعل لكل من أبي موسى وعبد الله لفظ متن غير الآخر لكن يحتمل ان يكون المتن الآخر كان عند عبد الله بن مسعود مع المتن الأول قوله ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم معناه ان العلم يرتفع بموت العلماء فكلما مات عالم ينقص العلم بالنسبة إلى فقد حامله وينشأ عن ذلك الجهل بما كان ذلك العالم ينفرد به عن بقية العلماء قوله ان بين يدي الساعة لأياما في رواية الكشميهني بحذف اللام قوله ويكثر فيها الهرج والهرج القتل كذا في هاتين الروايتين وزاد في الرواية الثالثة وهي رواية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش والهرج بلسان الحبشة القتل ونسب التفسير في رواية واصل لأبي موسى وأصل الهرج في اللغة العربية الاختلاط يقال هرج الناس اختلطوا واختلفوا وهرج القوم في الحديث إذا كثروا وخلطوا وأخطا من قال نسبة تفسير الهرج بالقتل للسان الحبشة وهم من بعض الرواة والا فهي عربية صحيحة ووجه الخطأ انها لا تستعمل في اللغة العربية بمعنى القتل الا على طريق المجاز لكون الاختلاط مع الاختلاف يفضي كثيرا إلى القتل وكثيرا ما يسمى الشيء باسم ما يؤول إليه واستعمالها في القتل بطريق الحقيقة هو بلسان الحبش وكيف يدعى على مثل أبي موسى الأشعري الوهم في تفسير لفظة لغوية بل الصواب معه واستعمال العرب الهرج بمعنى القتل لا يمنع كونها لغة الحبشة وان ورد استعمالها في الاختلاط والاختلاف كحديث معقل بن يسار رفعه العبادة في

(13/18)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية