صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ فتح الباري - ابن حجر ]
الكتاب : فتح الباري شرح صحيح البخاري
المؤلف : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
الناشر : دار المعرفة - بيروت ، 1379
تحقيق : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
عدد الأجزاء : 13

الرؤيا وتفسيرها فأخرج الطبري والحاكم والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن سلمان الفارسي قال كان بين رؤيا يوسف وعبارتها أربعون عاما وذكر البيهقي له شاهدا عن عبد الله بن شداد وزاد وإليها ينتهي امد الرؤيا وأخرج الطبري من طريق الحسن البصري قال كانت مدة المفارقة بين يعقوب ويوسف ثمانين سنة وفي لفظ ثلاثا وثمانين سنة ومن طريق قتادة خمسا وثلاثين سنة ونقل الثعلبي عن بن مسعود تسعين سنة وعن الكلبي اثنتين وعشرين سنة قال وقيل سبعا وسبعين ونقل بن إسحاق قولا أنها كانت ثمانية عشر عاما والأول أقوى والعلم عند الله قوله قال أبو عبد الله هو المصنف وسقط هذا وما بعده إلى آخر الباب للنسفي قوله فاطر والبديع والمبدع والبارئ والخالق واحد كذا لبعضهم البارئ بالراء ولأبي ذر والأكثر البادئ بالدال بدل الراء والهمز ثابت فيهما وزعم بعض الشراح ان الصواب بالراء وأن رواية الدال وهم وليس كما قال فقد وردت في بعض طرق الأسماء الحسنى كما تقدم في الدعوات وفي الأسماء الحسنى أيضا المبدئ وقد وقع في العنكبوت ما يشهد لكل منهما في قوله أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ثم قال فأنظروا كيف بدأ الخلق فالأول من الرباعي واسم الفاعل منه مبدئ والثاني من الثلاثي واسم الفاعل منه بادئ وهما لغتان مشهورتان وإنما ذكر البخاري هذا استطرادا من قوله في الآيتين المذكورتين فاطر السماوات والأرض فأراد تفسير الفاطر وزعم بعض الشراح أن دعوى البخاري في ذلك الوحدة ممنوعة عند المحققين كذا قال ولم يرد البخاري بذلك أن حقائق معانيها متوحدة وإنما أراد انها ترجع إلى معنى واحد وهو إيجاد الشيء بعد أن لم يكن وقد ذكرت قول الفراء أن فطر وخلق وفلق بمعنى واحد قبل باب رؤيا الصالحين قوله قال أبو عبد الله من البدء وبادئة كذا وجدته مضبوطا في الأصل بالهمز في الموضعين وبواو العطف لأبي ذر فان كان محفوظا ترجحت رواية الدال من قوله والبادئ ولغير أبي ذر من البدو وبادية بالواو بدل الهمز وبغير الهمز في بادية وبهاء تأنيث وهو أولى لأنه يريد تفسير قوله في الآية المذكورة وجاء بكم من البدو ففسرها بقوله بادية أي جاء بكم من البادية وذكره الكرماني فقال قوله من البدو أي قوله وجاء بكم من البدو أي من البادية ويحتمل أن يكون مقصوده أن فاطر معناه البادئ من البدء أي الابتداء أي بادئ الخلق فمعنى فاطر بادئ والله أعلم
( قوله باب رؤيا إبراهيم عليه السلام )
كذا لأبي ذر وسقط لفظ باب لغيره قوله وقوله عز و جل فلما بلغ معه السعي إلى قوله نجزى المحسنين كذا لأبي ذر وسقط للنسفي وساق في رواية كريمة الآيات كلها قيل كان إبراهيم نذر إن رزقه الله من سارة ولدا أن يذبحه قربانا فرأى في المنام أن أوف بنذرك أخرجه بن أبي حاتم عن السدي قال فقال إبراهيم لإسحق انطلق بنا نقرب قربانا وأخذ حبلا وسكينا ثم انطلق به حتى إذا كان

(12/377)


بين الجبال قال يا أبت أين قربانك قال أنت يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك الآيات فقال اشدد رباطي حتى لا اضطرب واكفف ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي فتراه سارة فتحزن وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون على ففعل ذلك إبراهيم وهو يبكي وأمر السكين على حلقه فلم تحز وضرب الله على حلقه صفيحة من نحاس فكبه على جبينه وحز في قفاه فذاك قوله فلما أسلما وتله للجبين ونودى أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فالتفت فإذا هو بكبش فأخذه وحل عن ابنه هكذا ذكره السدي ولعله أخذه عن بعض أهل الكتاب فقد أخرج بن أبي حاتم بسند صحيح أيضا عن الزهري عن القاسم قال اجتمع أبو هريرة وكعب فحدث أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أن لكل نبي دعوة مستجابة فقال كعب أفلا أخبرك عن إبراهيم لما رأى أنه يذبح ابنه إسحاق قال الشيطان ان لم أفتن هؤلاء عند هذه لم افتنهم ابدا فذهب إلى سارة فقال أين ذهب إبراهيم بابنك قالت في حاجته قال كلا أنه ذهب به ليذبحه يزعم أن ربه أمره بذلك فقالت أخشى أن لا يطيع ربه فجاء إلى إسحاق فأجابه بنحوه فواجه إبراهيم فلم يلتفت إليه فأيس أن يطيعوه وساق نحوه من طريق سعيد عن قتادة وزاد أنه سد على إبراهيم الطريق إلى المنحر فأمره جبريل أن يرميه بسبع حصيات عند كل جمرة وكأن قتادة أخذ أوله عن بعض أهل الكتاب وآخره مما جاء عن بن عباس وهو عند أحمد من طريق أبي الطفيل عنه قال إن إبراهيم لما رأى المناسك عرض له إبليس عند المسعى فسبقه إبراهيم فذهب به جبريل إلى العقبة فعرض له إبليس فرماه بسبع حصيات حتى ذهب وكان على إسماعيل قميص أبيض وثم تله للجبين فقال يا أبت أنه ليس لي قميص تكفنني فيه غيره فاخلعه فنودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فالتفت فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين فذبحه وأخرج بن إسحاق في المبتدأ عن بن عباس نحوه وزاد فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وان رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وأخرجه أحمد أيضا عن عثمان بن أبي طلحة قال أمرني رسول الله صلى الله عليه و سلم فواريت قرني الكبش حين دخل البيت وهذه الآثار من أقوى الحجج لمن قال إن الذبيح إسماعيل وقد نقل بن أبي حاتم وغيره عن العباس وبن مسعود وعن علي وبن عباس في إحدى الروايتين عنهما وعن الأحنف عن بن ميسرة وزيد بن أسلم ومسروق وسعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه وعطاء والشعبي وكعب الأحبار أن الذبيح إسحاق وعن بن عباس في أشهر الروايتين عنه وعن علي في احدي الروايتين وعن أبي هريرة ومعاوية وبن عمر وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي في إحدى الروايتين عنهما ومجاهد والحسن ومحمد بن كعب وأبي جعفر الباقر وأبي صالح والربيع بن أنس وأبي عمرو بن العلاء وعمر بن عبد العزيز وبن إسحاق ان الذبيح إسماعيل ويؤيده ما تقدم وحديث أنا بن الذبيحين رويناه في الخلعيات من حديث معاوية ونقله عبد الله بن أحمد عن أبيه وبن أبي حاتم عن أبيه وأطنب بن القيم في الهدى في الاستدلال لتقويته وقرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي أنه استنبط من القرآن دليلا وهو قوله في الصافات وقال اني ذاهب إلى ربي سيهدين إلى قوله إني أرى في المنام أني أذبحك وقوله في هود وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق إلى قوله وهذا بعلي شيخا قال ووجه الأخذ منهما أن سياقهما يدل على أنهما قصتان مختلفتان في وقتين الأولى عن طلب من إبراهيم وهو لما هاجر من بلاد قومه في ابتداء أمره فسأل من ربه الولد فبشره بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام

(12/378)


أني أذبحك والقصة الثانية بعد ذلك بدهر طويل لما شاخ واستبعد من مثله أن يجيء له الولد وجاءته الملائكة عندما أمروا باهلاك قوم لوط فبشروه بإسحاق فتعين ان يكون الأول إسماعيل ويؤيده أن في التوراة أن إسماعيل بكره وأنه ولد قبل إسحاق قلت وهو استدلال جيد وقد كنت أستحسنه واحتج به إلى أن مر بي قوله في سورة إبراهيم الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق فإنه يعكر على قوله إنه رزق إسماعيل في ابتداء أمره وقوته لأن هاجر والدة إسماعيل صارت لسارة من قبل الجبار الذي وهبها لها وإنها وهبتها لإبراهيم لما يئست من الولد فولدت هاجر إسماعيل فغارت سارة منها كما تقدمت الإشارة إليه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء وولدت بعد ذلك إسحاق واستمرت غيرة سارة إلى ان كان من اخراجها وولدها إلى مكة ما كان وقد ذكره بن إسحاق في المبتدأ مفصلا وأخرجه الطبري في تاريخه من طريقه وأخرج الطبري من طريق السدي قال انطلق إبراهيم من بلاد قومه قبل الشام فلقى سارة وهي بنت ملك حران فآمنت به فتزوجها فلما قدم مصر وهبها الجبار هاجر ووهبتها له سارة وكانت سارة منعت الولد وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهب له ولدا من الصالحين فأخرت الدعوة حتى كبر فلما علمت سارة أن إبراهيم وقع على هاجر حزنت على ما فاتها من الولد ثم ذكر قصة مجيء الملائكة بسبب إهلاك قوم لوط وتبشيرهم إبراهيم بإسحاق فلذلك قال إبراهيم الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ويقال لم يكن بينهما إلا ثلاث سنين وقيل كان بينهما أربع عشرة سنة وما تقدم من كون قصة الذبيح كانت بمكة حجة قوية في أن الذبيح إسماعيل لأن سارة وإسحاق لم يكونا بمكة والله أعلم قوله وقال مجاهد أسلما سلما ما أمرا به وتله وضع وجهه بالأرض قال الفريابي في تفسيره حدثنا ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى فلما أسلما قال سلما ما أمرا به وفي قوله وتله للجبين قال وضع وجهه بالأرض قال لا تذبحني وأنت تنظر في وجهي لئلا ترحمني فوضع جبهته في الأرض وأخرج بن أبي حاتم من طريق السدي قال فلما أسلما أي سلما لله الأمر ومن طريق أبي صالح قال اتفقا على أمر واحد ومن طريق قتادة سلم إبراهيم لأمر الله وسلم إسحاق لأمر إبراهيم وفي لفظ أما هذا فأسلم نفسه لله وأما هذا فأسلم ابنه لله ومن طريق أبي عمران الجوني تله للجبين كبه لوجهه تنبيه هذه الترجمة والتي قبلها ليس في واحد منهما حديث مسند بل اكتفى فيهما بالقرآن ولهما نظائر وقول الكرماني انه كان في كل منهما بياض ليلحق به حديث يناسبه محتمل مع بعده
( قوله باب التواطؤ على الرؤيا )
أي توافق جماعة على شيء واحد ولو اختلفت عباراتهم
6590 - قوله أن أناسا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر وأن أناسا في رواية الكشميهني ناسا قوله أروها في العشر الأواخر فقال النبي صلى الله عليه و سلم ألتمسوها في السبع الأواخر كذا وقع في هذه الرواية من طريق سالم بن عبد الله بن

(12/379)


عمر وتقدم في أواخر الصيام من طريق مالك عن نافع مثله لكن لفظه أرى رؤياكم تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها الحديث ولم يذكر الجملة الوسطى وأعترضه الإسماعيلي فقال اللفظ الذي ساقه خلاف التواطؤ وحديث التواطؤ أرى رؤياكم قد تواطأت على العشر الأواخر قلت لم يلتزم البخاري إيراد الحديث بلفظ التواطؤ وانما أراد بالتواطؤ التوافق وهو أعم من أن يكون الحديث بلفظه أو بمعناه وذلك أن أفراد السبع داخلة في أفراد العشر فلما رأى قوم أنها في العشر وقوم أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع فأمرهم بالتماسها في السبع لتوافق الطائفتين عليها ولأنه أيسر عليهم فجرى البخاري على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى والحديث الذي أشار إليه تقدم في كتاب قيام الليل من طريق أيوب عن نافع عن بن عمر قال رأيت كأن بيدي قطعة استبرق الحديث وفيه وكانوا لا يزالون يقصون على النبي صلى الله عليه و سلم الرؤيا وفيه أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر الحديث ويستفاد من الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الاخبار من جماعة

(12/380)


( قوله باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك )
تقدمت الإشارة إلى أن الرؤيا الصحيحة وإن اختصت غالبا بأهل الصلاح لكن قد تقع لغيرهم ووقع في رواية أبي ذر بدل الشرك الشراب بضم المعجمة والتشديد جمع شارب أو بفتحتين مخففا أي وأهل الشراب والمراد شربه المحرم وعطفه على أهل الفساد من عطف الخاص على العام كما أن المسجون أعم من أن يكون مفسدا أو مصلحا قال أهل العلم بالتعبير إذا رأى الكافر أو الفاسق الرؤيا الصالحة فانها تكون بشرى له بهدايته إلى الإيمان مثلا أو التوبة أو انذار من بقائه على الكفر أو الفسق وقد تكون لغيره ممن ينسب إليه من أهل الفضل وقد يرى ما يدل على الرضا بما هو فيه ويكون من جملة الابتلاء والغرور والمكر نعوذ بالله من ذلك قوله وقوله تعالى ودخل معه السجن فتيان إلى قوله ارجع إلى ربك كذا لأبي ذر وساق في رواية كريمة الآيات كلها وهي ثلاث عشرة آية قال السهيلي اسم أحدهما شرهم والآخر شرهم كل منهما بمعجمة إحداهما مفتوحة والأخرى مضمومة قال وقال الطبري الذي رأى أنه يعصر خمرا اسمه نبوء وذكر اسم الآخر فلم أحفظه قلت سماه مخلث بمعجمة ومثلثة وعزاه لابن إسحاق في المبتدأ وبه جزم الثعلبي وذكر أبو عبيد البكري في كتاب المسالك أن اسم الخباز راشان والساقي مرطس وحكوا أن الملك أتهمهما انهما أرادا سمه في الطعام والشراب فحبسهما إلى أن ظهرت براءة ساحة الساقي دون الخباز ويقال أنهما لم يريا شيئا وانما أرادا امتحان يوسف فأخرج الطبري عن بن مسعود قال لم يريا شيئا وانما تحاكما ليجربا وفي سنده ضعف وأخرج الحاكم بسند صحيح عن بن مسعود نحوه وزاد فلما ذكر لهما التأويل قالا انما كنا نلعب قال قضي الأمر الآية قوله وقال الفضيل الخ وقع لأبي ذر بعد قوله ارجع إلى ربك وعند كريمة عند قوله أأرباب متفرقون وهو الأليق وعند غيرهما بعد قوله الأعناب والدهن قوله وادكر افتعل من ذكرت في رواية الكشميهني من ذكر وهو من كلام أبي عبيدة قال ادكر بعد أمة افتعل من ذكرت فأدغمت التاء في الذال فحولت دالا يعني مهملة ثقيلة قوله بعد أمة قرن هو قول أبي عبيدة قاله في تفسير آل عمران وقال في تفسير يوسف بعد حين وأخرجه الطبري بسند جيد عن بن عباس مثله ومن طريق سماك عن عكرمة قال بعد حقبة من الدهر وأخرج بن أبي حاتم عن سعيد بن جبير بعد سنين قوله ويقرأ أمه بفتح أوله وميم بعدها هاء منونة نسيان أي تذكر بعد أن كان نسي وهذه القراءة نسبت في الشواذ لابن

(12/381)


عباس وعكرمة والضحاك يقال رجل مأموه أي ذاهب العقل قال أبو عبيدة قرئ بعد أمه أي نسيان تقول أمهت آمه أمها بسكون الميم قال الشاعر أمهت وكنت لا أنسى حديثا وقال الطبري روى عن جماعة أنهم قرأوا بعد أمه ثم ساق بسند صحيح عن بن عباس أنه كان يقرؤها بعد أمه وتفسيرها بعد نسيان وساق مثله عن عكرمة والضحاك ومن طريق مجاهد نحوه لكن قالها بسكون الميم قوله وقال بن عباس يعصرون الأعناب والدهن وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون يقول الأعناب والدهن وفيه رد على أبي عبيدة في قوله إنه من العصرة وهي النجاة فمعنى قوله يعصرون ينجون ويؤيد قول بن عباس قوله في أول القصة إني أراني أعصر خمرا وقد اختلف في المراد به فقال الأكثر أطلق عصر الخمر باعتبار ما يئول إليه وهو كقول الشاعر الحمد لله العلي المنان صار الثريد في رؤوس القضبان أي السنبل فسمي القمح ثريدا باعتبار ما يئول إليه وأخرج الطبري عن الضحاك قال أهل عمان يسمون العنب خمرا وقال الأصمعي سمعت معتمر بن سليمان يقول لقيت أعرابيا معه سلة عنب فقلت ما معك قال خمر وقرا بن مسعود إني أراني أعصر عنبا أخرجه بن أبي حاتم بسند حسن وكأنه أراد التفسير وأخرج بن أبي حاتم من طريق عكرمة أن الساقي قال ليوسف رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة فنبتت فخرج فيها ثلاث عناقيد فعصرتهن ثم سقيت الملك فقال تمكث في السجن ثلاثا ثم تخرج فتسقيه أي على عادتك قوله تحصنون تحرسون كذا لهم من الحراسة وعند أبي عبيدة في المجاز تحرزون بزاي بدل السين من الاحراز وأخرج بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس تخزنون بخاء معجمة ثم زاي ونونين من الخزن
6591 - قوله جويرية بالضم مصغر وهو بن إسماعيل الضبعي وروايته عن مالك من الأقران قوله لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته كذا أورده مختصرا وقد تقدم في ترجمة يوسف من أحاديث الأنبياء من هذا الوجه وزاد فيه قصة لوط وتقدم شرحه في أحاديث الأنبياء وأخرجه النسائي في التفسير من هذا الوجه وزاد في أوله نحن أحق بالشك من إبراهيم الحديث وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن قال مثل حديث يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة بطوله ومن طريق أبي أويس عن الزهري مثل مالك وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق جويرية بطوله أخرجوه كلهم من رواية عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه جويرية بن أسماء وذكر ان أحمد بن سعيد بن أبي مريم رواه عنه فقال عن أبي سلمة بدل أبي عبيد ووهم فيه فان المحفوظ عن مالك أبو عبيد لا أبو سلمة وكذلك أخرجه من طريق سعيد بن داود عن مالك أن بن شهاب حدثه أن سعيدا وأبا عبيد أخبراه به وقد وقع في بعض طرقه بأبسط من سياقه فأخرج عبد الرزاق عن بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة رفعه لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره حتى سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبت حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول يعني ليخرج إلى الملك فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة ولبادرت الباب ولما ابتغيت العذر وهذا مرسل وقد وصله الطبري من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي بضم

(12/382)


المعجمة والزاي عن عمرو بن دينار بذكر بن عباس فيه فذكره وزاد ولولا الكلمة التي قالها لما لبث في السجن ما لبث وقد مضى شرح ما يتعلق بذلك في قصة يوسف من أحاديث الأنبياء
( قوله باب من رأى النبي صلى الله عليه و سلم في المنام )
ذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الأول حديث أبي هريرة
6592 - قوله عبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله أن أبا هريرة قال في رواية الإسماعيلي من طريق الزبيدي عن الزهري أخبرني أبو سلمة سمعت أبا هريرة قوله من رآني في المنام فسيراني في اليقظة زاد مسلم من هذا الوجه أو فكأنما رآني في اليقظة هكذا بالشك ووقع عند الإسماعيلي في الطريق المذكورة فقد رأني في اليقظة بدل قوله فسيراني ومثله في حديث بن مسعود عند بن ماجة وصححه الترمذي وأبو عوانة ووقع عند بن ماجة من حديث أبي جحيفة فكأنما رآني في اليقظة فهذه ثلاثة ألفاظ فسيراني في اليقظة فكأنما رآني في اليقظة فقد رآني في اليقظة وجل أحاديث الباب كالثالثة إلا قوله في اليقظة قوله قال أبو عبد الله قال بن سيرين إذا رآه في صورته سقط هذا التعليق للنسفي ولأبي ذر وثبت عند غيرهما وقد رويناه موصولا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب وهو من شيوخ البخاري عن حماد بن زيد عن أيوب

(12/383)


قال كان محمد يعني بن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم قال صف لي الذي رأيته فان وصف له صفة لا يعرفها قال لم تره وسنده صحيح ووجدت له ما يؤيده فأخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب حدثني أبي قال قلت لابن عباس رأيت النبي صلى الله عليه و سلم في المنام قال صفه لي قال ذكرت الحسن بن علي فشبهته به قال قد رأيته وسنده جيد ويعارضه ما أخرجه بن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من رآني في المنام فقد رآني فاني أرى في كل صورة وفي سنده صالح مولى التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط ويمكن الجمع بينهما بما قال القاضي أبو بكر بن العربي رؤية النبي صلى الله عليه و سلم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال فان الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة وإدراك الصفات إدراك المثل قال وشذ بعض القدرية فقال الرؤيا لا حقيقة لها أصلا وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعيني الرأس حقيقة وقال بعض المتكلمين هي مدركة بعينين في القلب قال وقوله فسيراني معناه فسيرى تفسير ما رأى لأنه حق وغيب ألقي فيه وقيل معناه فسيراني في القيامة ولا فائدة في هذا التخصيص وأما قوله فكأنما رآني فهو تشبيه ومعناه أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في المنام فيكون الأول حقا وحقيقة والثاني حقا وتمثيلا قال وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة فان رآه على خلاف صفته فهي أمثال فان رآه مقبلا عليه مثلا فهو خير للرائي وفيه وعلى العكس فبالعكس وقال النووي قال عياض يحتمل أن يكون المراد بقوله فقد رآني أو فقد رأى الحق أن من رآه على صورته في حياته كانت رؤياه حقا ومن رآه على غير صورته كانت رؤيا تأويل وتعقبه فقال هذا ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها انتهى ولم يظهر لي من كلام القاضي ما ينافي ذلك بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالين لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير والثانية مما يحتاج إلى التعبير قال القرطبي اختلف في معنى الحديث فقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم رأى حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء قال وهذا قول يدرك فساده بأوائل العقول ويلزم عليه أن لا يراه أحد الا على صورته التي مات عليها وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين وان يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل وقالت طائفة معناه أن من رآه رآه على صورته التي كان عليها ويلزم منه أن من رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من الاضغاث ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به وتقع تلك الرؤيا حقا كما لو رؤى ملأ دارا بجسمه مثلا فإنه يدل على امتلاء تلك الدار بالخير ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله فان الشيطان لا يتمثل بي فالأولى أن تنزه رؤياه وكذا رؤيا شيء منه أو مما ينسب إليه عن ذلك فهو ابلغ في الحرمة وأليق بالعصمة كما عصم من الشيطان في يقظته قال والصحيح في تأويل هذا الحديث ان مقصوده ان رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا بل هي حق في نفسها ولو رؤي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله وقال وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره ويؤيده قوله فقد رأى الحق أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي به فان كانت على ظاهرها والا

(12/384)


سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها لأنها إما بشرى بخير أو انذار من شر إما ليخيف الرائي وإما لينزجر عنه وإما لينبه على حكم يقع له في دينه أو دنياه وقال بن بطال قوله فسيراني في اليقظة يريد تصديق تلك الرؤياه في اليقظة وصحتها وخروجها على الحق وليس المراد أنه يراه في الآخرة لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة فتراه جميع أمته من رآه في النوم ومن لم يره منهم وقال بن التين المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته قاله القزاز وقال المازري ان كان المحفوظ فكأنما رآني في اليقظة فمعناه ظاهر وإن كان المحفوظ فسيراني في اليقظة احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن يهاجر إليه فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة وأوحي الله بذلك إليه صلى الله عليه و سلم وقال القاضي وقيل معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وقيل معنى الرؤيا في اليقظة أنه سيراه في الآخرة وتعقب بأنه في الآخرة يراه جميع أمته من رآه في المنام ومن لم يره يعني فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية وأجاب القاضي عياض باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عرف بها ووصف عليها موجبة لتكرمته في الآخرة وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه والشفاعة له بعلو الدرجة ونحو ذلك من الخصوصيات قال ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيه صلى الله عليه و سلم مدة وحمله بن أبي جمرة على محمل آخر فذكر عن بن عباس أو غيره أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم في النوم فبقي بعد أن استيقظ متفكرا في هذا الحديث فدخل على بعض أمهات المؤمنين ولعلها خالته ميمونة فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي صلى الله عليه و سلم فنظر فيها فرأى صورة النبي صلى الله عليه و سلم ولم ير صورة نفسه ونقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى الله عليه و سلم في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك قلت وهذا مشكل جدا ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة ويعكر عليه أن جمعا جما رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف وقد اشتد إنكار القرطبي على من قال من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ثم يراها كذلك في اليقظة كما تقدم قريبا وقد تفطن بن أبي جمرة لهذا فأحال بما قال على كرامات الأولياء فان يكن كذلك تعين العدول عن العموم في كل راء ثم ذكر أنه عام في أهل التوفيق وأما غيرهم فعلى الاحتمال فان خرق العادة قد يقع للزنديق بطريق الإملاء والإغواء كما يقع للصديق بطريق الكرامة والاكرام وانما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة انتهى والحاصل من الأجوبة ستة أحدها أنه على التشبيه والتمثيل ودل عليه قوله في الرواية الأخرى فكأنما رأني في اليقظة ثانيها أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير ثالثها أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه رابعها أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك وهذا من أبعد المحامل خامسها أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية لا مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام سادسها أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه وفيه ما تقدم من الاشكال وقال القرطبي قد تقرر أن الذي يرى في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفسها غير أن تلك الامثلة تارة تقع مطابقة وتارة يقع معناها فمن الأول رؤياه صلى الله عليه و سلم عائشة وفيه فإذا هي أنت فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه ومن الثاني رؤيا البقر التي تنحر والمقصود بالثاني التنبيه على معاني تلك الأمور ومن فوائد رؤيته صلى الله عليه و سلم تسكين شوق الرائي لكونه صادقا في محبته ليعمل على مشاهدته وإلى ذلك الإشارة بقوله فسيراني في اليقظة أي من رآني رؤية معظم

(12/385)


لحرمتي ومشتاق إلى مشاهدتي وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه قال ويجوز ان يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته وهو دينه وشريعته فيعبر بحسب ما يراه الرائي من زيادة ونقصان أو إساءه وإحسان قلت وهذا جواب سابع والذي قبله لم يظهر لي فإن ظهر فهو ثامن قوله ولا يتمثل الشيطان بي في رواية أنس في الحديث الذي بعده فان الشيطان لا يتمثل بي ومضى في كتاب العلم من حديث أبي هريرة مثله لكن قال لا يتمثل في صورتي وفي حديث جابر عند مسلم وبن ماجة أنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل بي وفي حديث بن مسعود عند الترمذي وبن ماجة ان الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي وفي حديث أبي قتادة الذي يليه وان الشيطان لا يتراءي بالراء بوزن يتعاطى ومعناه لا يستطيع أن يصير مرئيا بصورتي وفي رواية غير أبي ذر يتزايا بزاي وبعد الألف تحتانية وفي حديث أبي سعيد في آخر الباب فان الشيطان لا يتكونني أما قوله لا يتمثل بي فمعناه لا يتشبه بي وأما قوله في صورتي فمعناه لا يصير كائنا في مثل صورتي وأما قوله لا يتراءى بي فرجح بعض الشراح رواية الزاي عليها أي لا يظهر في زيي وليست الرواية الأخرى ببعيدة من هذا المعنى وأما قوله لا يتكونني أي لا يتكون كوني فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل والمعنى لا بتكون في صورتي فالجميع راجع إلى معنى واحد وقوله لا يستطيع يشير إلى أن الله تعالى وأن أمكنه من التصور في أي صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي صلى الله عليه و سلم وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها ومنهم من ضيق الغرض في ذلك حتى قال لا بد أن يراه على صورته التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة والصواب التعميم في جميع حالاته بشرط أن تكون صورته الحقيقية في وقت ما سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو آخر عمره وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي قال المازري اختلف المحققون في تأويل هذا الحديث فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن المراد بقوله من رآني في المنام فقد رآني أن رؤياه صحيحة لا تكون أضغاثا ولا من تشبيهات الشيطان قال ويعضده قوله في بعض طرقه فقد رأى الحق قال وفي قوله فأن الشيطان لا يتمثل بي إشارة إلى أن رؤياه لا تكون أضغاثا ثم قال المازري وقال آخرون بل الحديث محمول على ظاهره والمراد أن من رآه فقد أدركه ولا مانع يمنع من ذلك ولا عقل يحيله حتى يحتاج إلى صرف الكلام عن ظاهره وأما كونه قد يرى على غير صفته أو يرى في مكانين مختلفين معا فإن ذلك غلط في صفته وتخيل لها على غير ما هي عليه وقد يظن بعض الخيالات مرئيات لكون ما يتخيل مرتبطا بما يرى في العادة فتكون ذاته صلى الله عليه و سلم مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية والادراك لا يشترط فيه تحديق البصر ولا قرب المسافة ولا كون المرئي ظاهرا على الأرض أو مدفونا وانما يشترط كونه موجودا ولم يقم دليل على فناء جسمه صلى الله عليه و سلم بل جاء في الخبر الصحيح ما يدل على بقائه وتكون ثمره اختلاف الصفات اختلاف الدلالات كما قال بعض علماء التعبير إن من رآه شيخا فهو عام سلم أو شابا فهو عام حرب ويؤخذ من ذلك ما يتعلق بأقواله كما لو رآه أحد يأمره بقتل من لا يحل قتله فان ذلك يحمل على الصفة المتخيلة لا المرئية وقال القاضي عياض يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة مضادة لحاله فإن رؤى على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة فان من الرؤيا ما يخرج على وجهه ومنها ما يحتاج إلى تأويل وقال النووي هذا الذي قاله القاضي ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت

(12/386)


على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري وهذا الذي رده الشيخ تقدم عن محمد بن سيرين إمام المعبرين إعتباره والذي قاله القاضي توسط حسن ويمكن الجمع بينه وبين ما قاله المازري بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقة لكن إذا كان على صورته كأن يرى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير وإذا كان على غير صورته كان النقص من جهة الرائي لتخيله الصفة على غير ما هي عليه ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير وعلى ذلك جرى علماء التعبير فقالوا إذا قال الجاهل رأيت النبي صلى الله عليه و سلم فإنه يسأل عن صفته فان وافق الصفة المروية وإلا فلا يقبل منه وأشاروا إلى ما إذا رآه على هيئة تخالف هيئته مع أن الصورة كما هي فقال أبو سعد أحمد بن محمد بن نصر من رأى نبيا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح الرائي وكمال جاهه وظفره بمن عاداه ومن رآه متغير الحال عابسا مثلا فذاك دال على سوء حال الرائي ونحا الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة إلى ما أختاره النووي فقال بعد ان حكى الخلاف ومنهم من قال إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلا فمن رآه في صورة حسنة فذاك حسن في دين الرائي وان كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص فذاك خلل في الرائي من جهة الدين قال وهذا هو الحق وقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أو لا لأنه صلى الله عليه و سلم نوراني مثل المرآة الصقيلة ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها وهي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها ولا شين وكذلك يقال في كلامه صلى الله عليه و سلم في النوم أنه يعرض على سنته فما وافقها فهو حق وما خالفها فالخلل في سمع الرائي فرؤيا الذات الكريمة حق والخلل انما هو في سمع الرائي أو بصره قال وهذا خير ما سمعته في ذلك ثم حكى القاضي عياض عن بعضهم قال خص الله نبيه بعموم رؤياه كلها ومنع الشيطان أن يتصور في صورته لئلا يتذرع بالكذب على لسانه في النوم ولما خرق الله العادة للأنبياء للدلالة على صحة حالهم في اليقظة واستحال تصور الشيطان على صورته في اليقظة ولا على صفة مضادة لحاله إذ لو كان ذلك لدخل اللبس بين الحق والباطل ولم يوثق بما جاء من جهة النبوة حمى الله حماها لذلك من الشيطان وتصوره وإلقائه وكيده وكذلك حمى رؤياهم أنفسهم ورؤيا غير النبي للنبي عن تمثيل بذلك لتصح رؤياه في الوجهين ويكون طريقا إلى علم صحيح لا ريب فيه ولم يختلف العلماء في جواز رؤية الله تعالى في المنام وساق الكلام على ذلك قلت ويظهر لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه أن من رآه على صفة أو أكثر مما يختص به فقد رآه ولو كانت سائر الصفات مخالفة وعلى ذلك فتتفاوت رؤيا من رآه فمن رآه على هيئته الكاملة فرؤياه الحق الذي لا يحتاج إلى تعبير وعليها يتنزل قوله فقد رأى الحق ومهما نقص من صفاته فيدخل التأويل بحسب ذلك ويصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة كانت من ذلك فقد رآه حقيقة تنبيه جوز أهل التعبير رؤية الباري عز و جل في المنام مطلقا ولم يجروا فيها الخلاف في رؤيا النبي صلى الله عليه و سلم وأجاب بعضهم عن ذلك بأمور قابلة للتأويل في جميع وجوهها فتارة يعبر بالسلطان وتارة بالوالد وتارة بالسيد وتارة بالرئيس في أي فن كان فلما كان الوقوف على حقيقة ذاته ممتنعا وجميع من يعبر به يجوز عليهم الصدق والكذب كانت رؤياه تحتاج إلى تعبير دائما بخلاف النبي صلى الله عليه و سلم فإذا رؤى على صفته المتفق عليها وهو لا يجوز عليه الكذب كانت في هذه الحالة حقا محضا لا يحتاج إلى تعبير وقال الغزالي ليس معنى قوله رآني أنه رأى جسمي وبدني وانما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه وكذلك قوله فسيراني في اليقظة ليس المراد أنه يرى جسمي وبدني قال والآلة تارة تكون حقيقية وتارة

(12/387)


تكون خيالية والنفس غير المثال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق قال ومثل ذلك من يرى الله سبحانه وتعالى في المنام فان ذاته منزهة عن الشكل والصورة ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره ويكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف فيقول الرائي رأيت الله تعالى في المنام لا يعني أني رأيت ذات الله تعالى كما يقول في حق غيره وقال أبو القاسم القشيري ما حاصله أن رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو فإنه لو رأى الله على وصف يتعالى عنه وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك لا يقدح في رؤيته بل يكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل كما قال الواسطي من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرائي وغير ذلك وقال الطيبي المعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله وهي مبشرة لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب للشيطان فإن الشيطان لا يتمثل بي وكذا قوله فقد رأى الحق أي رؤية الحق لا الباطل وكذا قوله فقد رآني فان الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية في الكمال أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما ملخصه أنه يؤخذ من قوله فان الشيطان لا يتمثل بي أن من تمثلت صورته صلى الله عليه و سلم في خاطره من أرباب القلوب وتصورت له في عالم سره أنه يكلمه أن ذلك يكون حقا بل ذلك أصدق من مراي غيرهم لما من الله به عليهم من تنوير قلوبهم انتهى وهذا المقام الذي أشار إليه هو الإلهام وهو من جملة أصناف الوحي إلى الأنبياء ولكن لم أر في شيء من الأحاديث وصفه بما وصفت به الرؤيا أنه جزء من النبوة وقد قيل في الفرق بينهما إن المنام يرجع إلى قواعد مقررة وله تأويلات مختلفة ويقع لكل أحد بخلاف الإلهام فإنه لا يقع إلا للخواص ولا يرجع إلى قاعدة يميز بها بينه وبين لمة الشيطان وتعقب بأن أهل المعرفة بذلك ذكروا أن الخاطر الذي يكون من الحق يستقر ولا يضطرب والذي يكون من الشيطان يضطرب ولا يستقر فهذا إن ثبت كان فارقا واضحا ومع ذلك فقد صرح الأئمة بأن الاحكام الشرعية لا تثبت بذلك قال أبو المظفر بن السمعاني في القواطع بعد أن حكى عن أبي زيد الدبوسي من أئمة الحنفية أن الإلهام ما حرك القلب لعلم يدعو إلى العمل به من غير استدلال والذي عليه الجمهور أنه لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب المباح وعن بعض المبتدعة أنه حجة واحتج بقوله تعالى فألهمها فجورها وتقواها وبقوله وأوحى ربك إلى النحل أي ألهمها حتى عرفت مصالحها فيؤخذ منه مثل ذلك للآدمي بطريق الأولى وذكر فيه ظواهر أخرى ومنه الحديث قوله صلى الله عليه و سلم اتقوا فراسة المؤمن وقوله لوابصة ما حاك في صدرك فدعه وإن أفتوك فجعل شهادة قلبه حجة مقدمة على الفتوى وقوله قد كان في الأمم محدثون فثبت بهذا أن الإلهام حق وأنه وحي باطن وانما حرمه العاصي لاستيلاء وحي الشيطان عليه قال وحجة أهل السنة الآيات الدالة على اعتبار الحجة والحث على التفكر في الآيات والاعتبار والنظر في الأدلة وذم الأماني والهواجس والظنون وهي كثيرة مشهورة وبأن الخاطر قد يكون من الله وقد يكون من الشيطان وقد يكون من النفس وكل شيء أحتمل أن لا يكون حقا لم يوصف بأنه حق قال والجواب عن قوله فألهمها فجورها وتقواها أن معناه عرفها طريق العلم وهو الحجج وأما الوحي إلى النحل فنظيره في الآدمي فيما يتعلق بالصنائع وما فيه صلاح المعاش وأما الفراسة فنسلمها لكن لا نجعل شهادة القلب حجة لأنا لا نتحقق كونها من الله أو من غيره انتهى ملخصا قال بن السمعاني وإنكار الإلهام مردود

(12/388)


ويجوز أن يفعل الله بعبده ما يكرمه به ولكن التمييز بين الحق والباطل في ذلك ان كل ما استقام على الشريعة المحمدية ولم يكن في الكتاب والسنة ما يرده فهو مقبول وإلا فمردود يقع من حديث النفس ووسوسة الشيطان ثم قال ونحن لا ننكر أن الله يكرم عبده بزيادة نور منه يزداد به نظره ويقوي به رأيه وانما ننكر ان يرجع إلى قلبه بقول لا يعرف أصله ولا نزعم أنه حجة شرعية وانما هو نور يختص الله به من يشاء من عباده فان وافق الشرع كان الشرع هو الحجة انتهى ويؤخذ من هذا ما تقدم التنبيه عليه أن النائم لو رأى النبي صلى الله عليه و سلم يأمره بشيء هل يجب عليه امتثاله ولا بد أو لا بد أن يعرضه على الشرع الظاهر فالثاني هو المعتمد كما تقدم تنبيه وقع في المعجم الأوسط للطبراني من حديث أبي سعيد مثل أول حديث في الباب بلفظه لكن زاد فيه ولا بالكعبة وقال لا تحفظ هذه اللفظة إلا في هذا الحديث
6593 - الحديث الثاني حديث أنس قوله من رآني في المنام فقد رآني هذا اللفظ وقع مثله في حديث أبي هريرة كما مضى في كتاب العلم وفي كتاب الأدب قال الطيبي اتحد في هذا الخبر الشرط والجزاء فدل على التناهي في المبالغة أي من رآني فقد رأى حقيقتي على كمالها بغير شبهة ولا إرتياب فيما رأى بل هي رؤيا كاملة ويؤيده قوله في حديثي أبي قتادة وأبي سعيد فقد رأى الحق أي رؤية الحق لا الباطل وهو يرد ما تقدم من كلام من تكلف في تأويل قوله من رآني في المنام فسيراني في اليقظة والذي يظهر لي أن المراد من رآني في المنام على أي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله لا الباطل الذي هو الحلم فان الشيطان لا يتمثل بي قوله فان الشيطان لا يتمثل بي قد تقدم بيانه وفيه ورؤيا المؤمن جزء الحديث وقد سبق قبل خمسة أبواب الحديث الثالث حديث أبي قتادة
6594 - الرؤيا الصالحة من الله وسيأتي شيء من شرحه في باب الحلم من الشيطان وفيه فان الشيطان لا يتراءى بي وقد ذكرت ما فيه الحديث الرابع حديث أبي قتادة
6595 - من رآني فقد رأى الحق أي المنام الحق أي الصدق ومثله في الحديث الخامس قال الطيبي الحق هنا مصدر مؤكد أي فقد رأى رؤية الحق وقوله فان الشيطان لا يتمثل بي لتتميم المعنى والتعليل للحكم قوله تابعه يونس يعني بن يزيد وبن أخي الزهري هو محمد بن عبد الله بن مسلم يريد أنهما روياه عن الزهري كما رواه الزبيدي وقد ذكرت في الحديث الأول أن مسلما وصلهما من طريقهما وساقه على لفظ يونس وأحال برواية بن أخي الزهري عليه وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن أبي خيثمة شيخ مسلم فيه ولفظه من رآني في المنام فقد رأى الحق وقال الإسماعيلي وتابعهما شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قلت وصله الذهلي في الزهريات الحديث الخامس حديث أبي سعيد
6596 - من رآني فقد رأى الحق فان الشيطان لا يتكونني وقد تقدم ما فيه وبن الهاد في السند هو يزيد بن عبد الله بن أسامة قال الإسماعيلي ورواه يحيى بن أيوب عن بن الهاد قال ولم أره يعني البخاري ذكر عنه أي عن يحيى بن أيوب حديثا براسه إلا استدلالا أي متابعة إلا في حديث واحد ذكره في النذور من طريق بن جريج عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر في قصة أخته قلت والحديث المذكور أخرجه البخاري عن أبي عاصم عن بن جريج بهذا السند وسقط في بعض النسخ من الصحيح لكنه أورده في كتاب الحج عن أبي عاصم وليس كما قال الإسماعيلي انه أخرجه ليحيى بن أيوب استقلالا فإنه أخرجه من رواية هشام بن يوسف عن بن جريج عن سعيد بن أبي أيوب فكأن لابن جريج فيه شيخين وكل منهما رواه له عن يزيد بن أبي حبيب فأشار البخاري إلى أن هذا الاختلاف ليس بقادح في صحة الحديث وظهر بهذا أنه لم يخرجه ليحيى بن أيوب استقلالا بل بمتابعة سعيد بن أبي أيوب

(12/389)


( قوله باب رؤيا الليل )
أي رؤيا الشخص في الليل هل تساوي رؤياه بالنهار أو تتفاوتان وهل بين زمان كل منهما تفاوت وكأنه يشير إلى حديث أبي سعيد أصدق الرؤيا بالأسحار أخرجه أحمد مرفوعا وصححه بن حبان وذكر نصر بن يعقوب الدينوري أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل وأن أسرعها تأويلا رؤيا السحر ولا سيما عند طلوع الفجر وعن جعفر الصادق أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة وذكر فيه أربعة أحاديث الأول قوله رواه سمرة يشير إلى حديثه الطويل الآتي في آخر كتاب التعبير وفيه أنه أتاني الليلة آتيان وسيأتي الكلام عليه هناك الحديث الثاني
6597 - قوله عن محمد هو بن سيرين وصرح به في رواية أسلم بن سهل عن أحمد بن المقدام شيخ البخاري فيه عند أبي نعيم والسند كله بصريون قوله أعطيت مفاتيح الكلم ونصرت بالرعب كذا في هذه الرواية وقد أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان وعبد الله بن يس كلاهما عن أحمد بن المقدام شيخ البخاري فيه بلفظ أعطيت جوامع الكلم وأخرجه عن أبي القاسم البغوي عن أحمد بن المقدام باللفظ الذي ذكره البخاري ووقع في رواية أسلم بن سهل بلفظ

(12/390)


فواتح الكلم وسيأتي بعد أبواب من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ بعثت بجوامع الكلم قال البغوي فيما ذكره عنه الإسماعيلي لا أعلم حدث به عن أيوب غير محمد بن عبد الرحمن قوله وبينا أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض سيأتي شرحه مستوفى إن شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام الحديث الثالث حديث بن عمر في رؤيته صلى الله عليه و سلم المسيح بن مريم والمسيح الدجال
6598 - قوله أراني الليلة عند الكعبة سيأتي في باب الطواف بالكعبة من وجه آخر عن بن عمر بلفظ بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة الحديث وسيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى الحديث الرابع
6599 - قوله حدثنا يحيى هو بن عبد الله بن بكير قوله ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال إني أريت الليلة في المنام وساق الحديث كذا اقتصر من الحديث على هذا القدر وساقه بعد خمسة وثلاثين بابا عن يحيى بن بكير بهذا السند بتمامه وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى قوله وتابعه سليمان بن كثير وبن أخي الزهري وسفيان بن حسين الخ أما متابعة سليمان بن كثير فوصلها مسلم من رواية محمد بن كثير عن أخيه ووقع لنا بعلو في مسند الدارمي وأما متابعة بن أخي الزهري فوصلها الذهلي في الزهريات وأما متابعة سفيان بن حسين فوصلها أحمد بن يزيد بن هارون عنه قوله وقال الزبيدي عن الزهري فذكره بالشك في بن عباس أو أبي هريرة قلت وصلها مسلم أيضا قوله وقال شعيب وإسحاق بن يحيى عن الزهري كان أبو هريرة يحدث قلت وصلهما الذهلي في الزهريات قوله وكان معمر لا يسنده حتى كان بعد وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري كرواية يونس ولكن قال عن بن عباس كان أبو هريرة يحدث قال إسحاق قال عبد الرزاق كان معمر يحدث به فيقول كان بن عباس يعنى ولا يذكر عبيد الله بن عبد الله في السند حتى جاءه زمعة بكتاب فيه عن الزهري عن عبيد الله عن بن عباس فكان لا يشك فيه بعد وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع وأفاد الإسماعيلي فيه اختلافا آخر عن الزهري فساقه من رواية صالح بن كيسان عنه فقال عن سليمان بن يسار عن بن عباس والمحفوظ قول من قال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة

(12/391)


( قوله باب رؤيا النهار )
كذا لأبي ذر ولغيره باب الرؤيا بالنهار قوله وقال بن عون هو عبد الله عن بن سيرين هو محمد قوله رؤيا النهار مثل الليل في رواية السرخسي مثل رؤيا الليل وهذا الأثر وصله علي بن أبي طالب القيرواني في كتاب التعبير له من طريق مسعدة بن اليسع عن عبد الله بن عون به ذكر ذلك مغلطاي قال القيرواني ولا فرق في حكم العبارة بين رؤيا الليل والنهار وكذا رؤيا النساء والرجال وقال المهلب نحوه وقد تقدم نحو ما نقل عن بعضهم في التفاوت وقد يتفاوتان أيضا في مراتب الصدق وذكر في الباب حديث أنس في قصة نوم النبي صلى الله عليه و سلم عند أم حرام وفيه
6600 - فدخل عليها يوما فاطعمته وجعلت تفلى رأسه فنام وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الاستئذان في باب من رأى قوما فقال عندهم أي من القائلة وذكر بن التين أن بعضهم زعم أن في الحديث دليلا على صحة خلافة معاوية لقوله في الحديث فركبت البحر زمن معاوية وفيه نظر لأن المراد بزمنه زمن امارته على الشام في خلافة عثمان مع أنه لا تعرض في الحديث إلى اثبات الخلافة ولا نفيها بل فيه أخبار بما سيكون فكان كما أخبر ولو وقع ذلك في الوقت الذي كان معاوية خليفة لم يكن في ذلك معارضة لحديث الخلافة بعدي ثلاثون سنة لأن المراد به خلافة النبوة واما معاوية ومن بعده فكان أكثرهم على طريقة الملوك ولو سموا خلفاء والله أعلم
( قوله باب رؤيا النساء )
تقدم كلام القيرواني وغيره في ذلك وذكر أيضا أن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلا فهو لزوجها وكذا حكم العبد لسيده كما أن رؤيا الطفل لأبويه وذكر بن بطال الاتفاق على أن رؤيا المؤمنة

(12/392)


الصالحة داخلة في قوله رؤيا المؤمن الصالح جزء من أجزاء النبوة وذكر في الباب حديث أم العلاء في قصة عثمان بن مظعون ورؤياها له العين الجارية وقد مضى شرحه في أوائل الجنائز وذكر في الشهادات وفي الهجرة ويأتي الكلام على العين الجارية بعد ثلاثة عشر بابا إن شاء الله تعالى وقوله هنا فوجع أي مرض وزنه ومعناه ويجوز ضم الواو
( قوله باب الحلم من الشيطان )
وإذا حلم فليبصق عن يساره وليستعذ بالله هكذا ترجم لبعض ألفاظ الحديث وقد تقدم شرحه قريبا والحلم بضم المهملة وسكون اللام وقد تضم ما يراه النائم ولم يحك النووي غير السكون يقال حلم بفتح اللام يحلم بضمها وأما من الحلم بكسر أوله وسكون ثانيه فيقال حلم بضم اللام وجمع الحلم بالضم والحلم بالكسر أحلام وذكر فيه حديث أبي قتادة وسيأتي الإلمام بشيء منه في شرح حديث أبي هريرة في باب القيد في المنام وإضافة الحلم إلى الشيطان بمعنى أنها تناسب صفته من الكذب والتهويل وغير ذلك بخلاف الرؤيا الصادقة فأضيفت إلى الله إضافة تشريف وان كان الكل بخلق الله وتقديره كما أن الجميع عباد الله ولو كانوا عصاة كما قال يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم وقوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان قوله باب اللبن أي إذا رؤي في المنام بماذا يعبر قال المهلب اللبن يدل على الفطرة والسنة والقرآن والعلم قلت وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة رفعه اللبن في المنام فطرة وعند الطبراني من حديث أبي بكرة رفعه من رأى أنه شرب لبنا فهو الفطرة ومضى في حديث أبي هريرة في أول الأشربة أنه صلى الله عليه و سلم لما أخذ قدح اللبن قال له جبريل الحمد لله الذي هداك للفطرة وذكر الدينوري أن اللبن المذكور في هذا يختص بالإبل وإنه لشاربه مال حلال وعلم وحكمة قال ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضا ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم وألبان الوحش شك في الدين وألبان السباع غير محمودة إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذي أمر
6604 - قوله حدثنا عبدان كذا للجميع ووقع في أطراف المزي

(12/393)


أن البخاري أخرج هذا الحديث في التعبير عن أبي جعفر محمد بن الصلت وفي فضل عمر عن عبدان والموجود في الصحيح بالعكس وعبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد وحمزة الراوي عن بن عمر هو ولده ووقع في الباب الذي يليه من وجه آخر عن الزهري عن حمزة أنه سمع عبد الله بن عمر قال بن العربي لم يخرج البخاري هذا الحديث من غير هذه الطريق وكان ينبغي على طريقته أن يخرجه عن غيره لو وجده قلت بل وجده وأخرجه كما تقدم في فضل عمر من طريق سالم أخي حمزة عن أبيهما وإشارته إلى أن طريقة البخاري أن يخرج الحديث من طريقين فصاعدا إلا أن لا يجد في مقام المنع قوله حتى إني لا رى الري يخرج في أظافيري في رواية الكشميهني من أظافيري وفي رواية صالح بن كيسان من أطرافي وهذه الرؤيا يحتمل أن تكون بصرية وهو الظاهر ويحتمل أن تكون علمية ويؤيد الأول ما عند الحاكم والطبراني من طريق أبي بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده في هذا الحديث فشربت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم على أنه محتمل أيضا قوله ثم أعطيت فضلي يعني عمر كذا في الأصل كأن بعض رواته شك ووقع في رواية صالح بن كيسان بالجزم ولفظه فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب وفي رواية أبي بكر بن سالم ففضلت فضلة فأعطيتها عمر قوله قالوا فما أولته في رواية صالح فقال من حوله وفي رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عند سعيد بن منصور ثم ناول فضله عمر قال ما أولته وظاهره أن السائل عمر ووقع في رواية أبي بكر بن سالم أنه صلى الله عليه و سلم قال لهم أولوها قالوا يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأك منه ففضلت فضلة فأعطيتها عمر قال أصبتم ويجمع بأن هذا وقع أولا ثم أحتمل عندهم أن يكون عنده في تأويلها زيادة على ذلك فقالوا ما أولته الخ وقد تقدم بعض شرح هذا الحديث في كتاب العلم وبعضه في مناقب عمر قال بن العربي اللبن رزق يخلقه الله طيبا بين أخباث من دم وفرث كالعلم نور يظهره الله في ظلمة الجهل فضرب به المثل في المنام قال بعض العارفين الذي خلص اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل ويحفظ العمل عن غفلة وزلل وهو كما قال لكن اطردت العادة بأن العلم بالتعلم والذي ذكره قد يقع خارقا للعادة فيكون من باب الكرامة وقال بن أبي جمرة تأول النبي صلى الله عليه و سلم اللبن بالعلم اعتبارا بما بين له أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن فأخذ اللبن فقال له جبريل أخذت الفطرة الحديث قال وفي الحديث مشروعية قص الكبير رؤياه على من دونه وإلقاء العالم المسائل واختبار أصحابه في تأويلها وأن من الأدب أن يرد الطالب علم ذلك إلى معلمه قال والذي يظهر أنه لم يرد منهم أن يعبروها وانما أراد أن يسألوه عن تعبيرها ففهموا مراده فسألوه فأفادهم وكذلك ينبغي أن يسلك هذا الأدب في جميع الحالات قال وفيه أن علم النبي صلى الله عليه و سلم بالله لا يبلغ أحد درجته فيه لأنه شرب حتى رأى الري يخرج من أطرافه وأما إعطاؤه فضله عمر ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله بحيث كان لا يأخذه في الله لومة لائم قال وفيه أن من الرؤيا ما يدل على الماضي والحال والمستقبل قال وهذه أولت على الماضي فان رؤياه هذه تمثيل بأمر قد وقع لأن الذي أعطيه من العلم كان قد حصل له وكذلك أعطيه عمر فكانت فائدة هذه الرؤيا تعريف قدر النسبة بين ما أعطيه من العلم وما أعطيه عمر
( قوله باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافيره )
يعني في المنام وذكر فيه حديث بن عمر المذكور قبله وقد تقدم شرحه فيه

(12/394)


( قوله باب القميص في المنام )
في رواية الكشميهني القمص بضمتين بالجمع وكلاهما في الخبر
6606 - قوله حدثنا يعقوب بن إبراهيم أي بن سعد بن إبراهيم وقد مضى في كتاب الإيمان من وجه آخر عن إبراهيم بن سعد أعلى من هذا وصالح هو بن كيسان قوله رأيت الناس هو من الرؤية البصرية وقوله يعرضون حال ويجوز أن يكون من الرؤيا العلمية ويعرضون مفعول ثان والناس بالنصب على المفعولية ويجوز فيه الرفع قوله يعرضون تقدم في الإيمان بلفظ يعرضون على وفي رواية عقيل الآتية بعد عرضوا قوله منها ما يبلغ الثدي بضم المثلثة وكسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي بفتح ثم سكون والمعنى أن القميص قصير جدا بحيث لا يصل من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها وقوله ومنها ما يبلغ دون ذلك يحتمل أن يريد دونه من جهة السفل وهو الظاهر فيكون أطول ويحتمل أن يريد دونه من جهة العلو فيكون أقصر ويؤيد الأول ما في رواية الحكيم الترمذي من طريق أخرى عن بن المبارك عن يونس عن الزهري في هذا الحديث فمنهم من كان قميصه إلى سرته ومنهم من كان قميصه إلى ركبته ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه قوله ومر على عمر بن الخطاب في رواية عقيل وعرض على عمر بن الخطاب قوله قميص يجره في رواية عقيل يجتره قوله قالوا ما أولته في رواية الكشميهني أولت بغير ضمير وتقدم في الإيمان أول الكتاب بلفظ فما أولت ذلك ووقع عند الترمذي الحكيم في الرواية المذكورة فقال له أبو بكر على ما تأولت هذا يا رسول الله قوله قال الدين بالنصب والتقدير أولت ويجوز الرفع ووقع في رواية الحكيم المذكورة قال على الإيمان

(12/395)


( قوله باب جر القميص في المنام )
ذكر فيه حديث أبي سعيد المذكور قبله من وجه آخر عن بن شهاب وقد أشرت إلى الاختلاف في اسم صحابي هذا الحديث في مناقب عمر قالوا وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه والأصل فيه قوله تعالى ولباس التقوى ذلك خير الآية والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالقميص ومنه قوله صلى الله عليه و سلم لعثمان أن الله سيلبسك قميصا فلا تخلعه وأخرجه أحمد والترمذي وبن ماجة وصححه بن حبان واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده وفي الحديث أن أهل الدين يتفاضلون في الدين بالقلة والكثرة وبالقوة والضعف وتقدم تقرير ذلك في كتاب الإيمان وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعا أعني جر القميص لما ثبت من الوعيد في تطويله ومثله ما سيأتي في باب القيد وعكس هذا ما يذم في المنام ويحمد في اليقظة وفي الحديث مشروعية تعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عن تعبيرها ولو كان هو الرائي وفيه الثناء على الفاضل بما فيه لأظهار منزلته عند السامعين ولا يخفى أن محل ذلك إذا أمن عليه من الفتنة بالمدح كالإعجاب وفيه فضيلة لعمر وقد تقدم الجواب عما يستشكل من ظاهره وإيضاح أنه لا يستلزم أن يكون أفضل من أبي بكر وملخصه أن المراد بالأفضل من يكون أكثر ثوابا والأعمال علامات الثواب فمن كان عمله أكثر فدينه أقوى ومن كان دينه أقوى فثوابه أكثر ومن كان ثوابه أكثر فهو أفضل فيكون عمر أفضل من أبي بكر وملخص الجواب أنه ليس في الحديث تصريح بالمطلوب فيحتمل أن يكون أبو بكر لم يعرض في أولئك الناس إما لأنه كان قد عرض قبل ذلك وإما لأنه لا يعرض أصلا وأنه لما عرض كان عليه قميص أطول من قميص عمر ويحتمل أن يكون سر السكوت عن ذكره الاكتفاء بما علم من أفضليته ويحتمل أن يكون وقع ذكره فذهل عنه الراوي وعلى التنزل بأن الأصل عدم جميع هذه الاحتمالات فهو معارض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصديق وقد تواترت تواترا معنويا فهي المعتمدة وأقوى هذه الاحتمالات ان لا يكون أبو بكر عرض مع المذكورين والمراد من الخبر التنبيه على أن عمر ممن حصل له الفضل البالغ في الدين وليس فيه ما يصرح بانحصار ذلك فيه وقال بن العربي انما أوله النبي صلى الله عليه و سلم بالدين لأن الدين يستر عورة الجهل كما يستر الثوب عورة البدن قال وأما غير عمر فالذي كان يبلغ الثدي هو الذي يستر قلبه عن الكفر وان كان يتعاطى المعاصي والذي كان يبلغ أسفل من ذلك وفرجه باد هو الذي لم يستر رجليه عن المشي إلى المعصية والذي يستر رجليه هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه والذي يجر قميصه زائدا على ذلك بالعمل الصالح الخالص قال بن أبي جمرة ما ملخصه المراد بالناس في هذا الحديث المؤمنون لتأويله القميص بالدين قال والذي يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة المحمدية بل بعضها والمراد بالدين العمل بمقتضاه كالحرص على امتثال الأوامر واجتناب المناهي وكان لعمر في ذلك المقام العالي قال ويؤخذ من الحديث ان كل ما يرى في القميص من حسن أو غيره فإنه يعبر بدين لابسه قال والنكتة في القميص أن لابسه إذا اختار

(12/396)


نزعه وإذا اختار بقاءه فلما ألبس الله المومنين لباس الإيمان واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب ومن لا فلا وقد يكون نقص الثوب فما زاد على ذلك كان مذموما وفي الآخرة زينة محضة فناسب أن يكون تعبيره بحسب هيئته من زيادة أو نقص ومن حسن وضده فمهما زاد من ذلك كان من فضل لابسه وينسب لكل ما يليق به من دين أو علم أو جمال أو حلم أو تقدم في فئة وضده لضده
( قوله باب الخضر في المنام والروضة الخضراء )
الخضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين جمع أخضر وهو اللون المعروف في الثياب وغيرها ووقع في رواية النسفي الخضرة بسكون الضاد وفي آخره هاء تأنيث وكذا في رواية أبي أحمد الجرجاني وبعض الشروح قال القيرواني الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها وتعبر أيضا بكل مكان فاضل وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم ونحو ذلك
6608 - قوله حدثنا الحرمي بمهملتين مفتوحتين هو اسم بلفظ النسب تقدم بيانه قوله عن محمد بن سيرين قال قيس بن عباد حذف قال الثانية على العادة في حذفها خطأ والتقدير عن محمد بن سيرين انه قال قال قيس ووقع في رواية بن عون كما سيأتي بعد بابين عن محمد وهو بن سيرين حدثني قيس بن عباد وهو بضم أوله وتخفيف الموحدة وآخره دال تقدم ذكره في مناقب عبد الله بن سلام بهذا الحديث وتقدم له حديث آخر في تفسير سورة الحج وفي غزوة بدر أيضا وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين وهو بصري تابعي ثقة كبير له إدراك قدم المدينة في خلافة عمر ووهم من عده في الصحابة قوله كنت في حلقة بفتح أوله وسكون اللام قوله فيها سعد بن مالك يعني بن أبي وقاص وبن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب قوله فمر عبد الله بن سلام هو الصحابي المشهور الاسرائيلي وأبوه بتخفيف اللام اتفاقا وقد تقدم بيان نسبه في مناقبه من كتاب مناقب الصحابة ووقع في رواية بن عون الماضية في المناقب بلفظ كنت جالسا في مسجد المدينة فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع فقالوا هذا رجل من أهل الجنة زاد مسلم من هذا الوجه كنت بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع قوله فقالوا هذا رجل من أهل الجنة في رواية بن عون المشار إليها عند مسلم فقال بعض القوم هذا رجل من أهل الجنة وكررها ثلاثا وفي رواية خرشة بفتح الخاء المعجمة

(12/397)


والراء والشين المعجمة بن الحر بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين الفزاري عند مسلم أيضا كنت جالسا في حلقة في مسجد المدينة وفيها شيخ حسن الهيئة وهو عبد الله بن سلام فجعل يحدثهم حديثا حسنا فلما قام قال القوم من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا وفي رواية النسائي من هذا الوجه فجاء شيخ يتوكأ على عصا له فذكر نحوه ويجمع بينهما بأنهما قصتان اتفقتا لرجلين فكأنه كان في مجلس يتحدث كما في رواية خرشة فلما قام ذاهبا مر على الحلقة التي فيها سعد بن أبي وقاص وبن عمر فحضر ذلك قيس بن عباد كما في روايته وكل من خرشة وقيس اتبع عبد الله بن سلام ودخل عليه منزله وسأله فأجابه ومن ثم اختلف الجواب بالزيادة والنقص كما سأبينه سواء كان زمن اجتماعهما بعبد الله بن سلام اتحد أم تعدد قوله فقلت له إنهم قالوا كذا وكذا بين في رواية بن عون عند مسلم أن قائل ذلك رجل واحد وفيه عنده زيادة ولفظه ثم خرج فاتبعته فدخل منزله ودخلت فتحدثنا فلما استأنس قلت له إنك لما دخلت قبل قال رجل كذا وكذا وكأنه نسب القول للجماعة والناطق به واحد لرضاهم به وسكوتهم عليه وفي رواية خرشة فقلت والله لأتبعنه فلأعلمن مكان بيته فانطلق حتى كان يخرج من المدينة ثم دخل منزله فاستأذنت عليه فأذن لي فقال ما حاجتك يا بن أخي فقلت سمعت القوم يقولون فذكر اللفظ الماضي وفيه فأعجبني أن أكون معك وسقطت هذه القصة في رواية النسائي وعنده فلما قضي صلاته قلت زعم هؤلاء قوله قال سبحان الله ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم تقدم بيان المراد من هذا في المناقب مفصلا ووقع في رواية خرشة فقال الله أعلم بأهل الجنة وسأحدثك مما قالوا ذلك فذكر المنام وهذا يقوي احتمال أنه أنكر عليهم الجزم ولم ينكر أصل الأخبار بأنه من أهل الجنة وهذا شأن المراقب الخائف المتواضع ووقع في رواية النسائي الجنة لله يدخلها من يشاء زاد بن ماجة من هذا الوجه الحمد لله قوله انما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء بين في رواية بن عون أن العمود كان في وسط الروضة ولم يصف الروضة في هذه الرواية وتقدم في المناقب من رواية بن عون رأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها قال الكرماني يحتمل أن يراد بالروضة جميع ما يتعلق بالدين وبالعمود الأركان الخمسة وبالعروة الوثقى الإيمان قوله فنصب فيها بضم النون وكسر المهملة بعدها موحدة وفي رواية المستملي والكشميهني قبضت بفتح القاف والموحدة بعدها ضاد معجمة ساكنة ثم تاء المتكلم قوله وفي رأسها عروة في رواية بن عون وفي أعلى العمود عروة وفي روايته في المناقب ووسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة وعرف من هذا أن الضمير في قوله وفي رأسها للعمود والعمود مذكر وكأنه أنث باعتبار الدعامة قوله وفي أسفلها منصف تقدم ضبطه في المناقب قوله والمنصف الوصيف هذا مدرج في الخبر وهو تفسير من بن سيرين بدليل قوله في رواية مسلم فجاءني منصف قال بن عون والمنصف الخادم فقال بثيابي من خلف ووصف أنه رفعه من خلفه بيده قوله فرقيت بكسر القاف على الأفصح فاستمسكت بالعروة زاد في رواية المناقب فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت بالعروة فاستمسكت فاستيقظت وإنها لفي يدي ووقع في رواية خرشة حتى أتى بي عمودا رأسه في السماء وأسفله في الأرض في أعلاه حلقة فقال لي اصعد فوق هذا قال قلت كيف أصعد فأخذ بيدي فزجل بي وهو بزاي وجيم أي رفعني فإذا أنا متعلق بالحلقة ثم ضرب العمود فخر وبقيت متعلقا بالحلقة حتى أصبحت وفي رواية خرشة

(12/398)


أيضا زيادة في أول المنام ولفظه انى بينما أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي قم فأخذ بيدي فانطلقت معه فإذا أنا بجواد بجيم ودال مشددة جمع جادة وهي الطريق المسلوكة عن شمالي قال فأخذت لآخذ فيها أي أسير فقال لا تأخذ فيها فانها طرق أصحاب الشمال وفي رواية النسائي من طريقه فبينا أنا أمشي إذ عرض لي طريق عن شمالي فأردت أن اسلكها فقال إنك لست من أهلها رجع إلى رواية مسلم قال وإذا منهج على يميني فقال لي خذ ها هنا فأتى بي جبلا فقال لي اصعد قال فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت حتى فعلت ذلك مرارا وفي رواية النسائي وبن ماجة جبلا زلقا فأخذ بيدي فزجل بي فإذا أنا في ذروته فلم أتقار ولم أتماسك وإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة فقال استمسك فاستمسكت قال فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة قوله فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى زاد في رواية بن عون فقال تلك الروضة روضة الإسلام وذلك العمود عمود الإسلام وتلك العروة عروة الوثقى لا تزال مستمسكا بالإسلام حتى تموت وزاد في رواية خرشة عند النسائي وبن ماجه فقال رأيت خيرا أما المنهج فالمحشر وأما الطريق وفي رواية مسلم فقال أما الطرق التي عن يسارك فهي طرق أصحاب الشمال والطرق التي عن يمينك طرق أصحاب اليمين وفي رواية النسائي طرق أهل النار وطرق أهل الجنة ثم اتفقا وأما الجبل فهو منزل الشهداء زاد مسلم ولن تناله وأما العمود إلى آخره وزاد النسائي وبن ماجة في آخره فأنا أرجو أن أكون من أهلها وفي الحديث منقبة لعبد الله بن سلام وفيه من تعبير الرؤيا معرفة اختلاف الطرق وتأويل للعمود والجبل والروضة الخضراء والعروة وفيه من أعلام النبوة أن عبد الله بن سلام لا يموت شهيدا فوقع كذلك مات على فراشه في أول خلافة معاوية بالمدينة ونقل بن التين عن الداودي أن القوم انما قالوا في عبد الله بن سلام أنه من أهل الجنة لأنه كان من أهل بدر كذا قال والذي أوردته من طرق القصة يدل على أنهم انما أخذوا ذلك من قوله لما ذكر طريق الشمال إنك لست من أهلها وانما قال ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم على سبيل التواضع كما تقدم وكراهة أن يشار إليه بالأصابع خشية أن يدخله العجب ثم انه ليس من أهل بدر أصلا والله أعلم

(12/399)


( قوله باب كشف المرأة في المنام )
وقوله بعده باب ثياب الحرير في المنام ذكر فيهما حديث عائشة في رؤية النبي صلى الله عليه و سلم لها في المنام قبل أن يتزوجها وساقه في الأول من طريق أبي أسامة وفي الثاني من طريق أبي معاوية كلاهما عن هشام وهو بن عروة بن الزبير عن أبيه عنها وزاد في رواية أبي أسامة فيقول هذه امرأتك وبهذه الزيادة ينتظم الكلام وزاد في رواية أبي معاوية قبل
6610 - أن أتزوجك وأعاد فيها صورة المنام بيانا لقوله أريتك مرتين فقال في روايته رأيت الملك يحملك ثم قال أريتك يحملك وقال في المرتين فقلت له اكشف ووقع في رواية أبي أسامة فاكشفها والضمير لقوله امرأتك وقد تقدم في السيرة النبوية قبل الهجرة إلى المدينة من طريق وهيب بن خالد عن هشام بنحو سياق أبي أسامة وتقدم في النكاح من طريق حماد بن زيد عن هشام ولفظه فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك ويجمع هذا الاختلاف أن نسبة الكشف إليه لكونه الآمر به وأن الذي باشر الكشف هو الملك ووقع في هذه الطريق عند مسلم والإسماعيلي بعد قوله المنام ثلاث ليال فلعل البخاري حذفها لأن الأكثر رووه بلفظ مرتين وكذلك أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن إدريس وأبو عوانة من رواية مالك ومن رواية يونس بن بكير ومن رواية عبد العزيز بن المختار كلهم عن هشام بن عروة جازمين بمرتين ومن رواية حماد بن سلمة عن هشام فقال في روايته مرتين أو ثلاثا بالشك فيحتمل أن يكون الشك من هشام فأقتصر البخاري على المحقق وهو قوله مرتين وتأكد ذلك عنده برواية أبي معاوية المفسرة وحذف لفظ ثلاث من رواية حماد بن زيد لأن أصل الحديث ثابت وقوله فإذا هي أنت قال القرطبي يريد انه رآها في النوم كما رآها في اليقظة فكانت المراد بالرؤيا لا غيرها وقد بين حماد بن سلمة في روايته المراد ولفظه أتيت بجارية في سرقة من حرير بعد وفاة خديجة فكشفتها فإذا هي أنت الحديث وهذا يدفع الاحتمال الذي ذكره بن بطال ومن تبعه حيث جوزوا أن هذه الرؤية قبل أن يوحى إليه وقد تقدم تفسير السرقة وضبطها وأن الملك المذكور هو جبريل وكثير من مباحثه في كتاب النكاح وذكرت احتمالا عن عياض في قوله إن يكن هذا من عند الله يمضه ثم وجدته أخذ أكثره من كلام بن بطال ومحمد في السند الثاني جزم السرخسي في رواية أبي ذر عنه أنه أبو كريب محمد بن العلاء وكلام الكلاباذي يقتضي انه بن سلام قال بن بطال رؤيا المرأة في المنام يختلف على وجوه منها أن يتزوج الرائي حقيقة بمن يراها أو شبهها ومنها أن يدل على حصول دنيا أو منزلة فيها أو سعة في الرزق وهذا أصل عند المعبرين في ذلك وقد تدل المرأة بما يقترن بها في الرؤيا على فتنة تحصل للرائي وأما ثياب الحرير فيدل اتخاذها للنساء في المنام على النكاح وعلى العزاء وعلى الغنى وعلى زيادة في البدن قالوا والملبوس كله يدل على جسم لابسه لكونه يشتمل عليه ولا سيما واللباس في العرف دال على أقدار الناس وأحوالهم

(12/400)


( قوله باب المفاتيح في اليد )
أي إذا رؤيت في المنام قال أهل التعبير المفتاح مال وعز وسلطان فمن رأى أنه فتح باب بمفتاح فإنه يظفر بحاجته بمعونة من له بأس وإن رأى أن بيده مفاتيح فإنه يصيب سلطانا عظيما وذكر فيه حديث أبي هريرة الماضي في باب رؤيا الليل من وجه آخر عنه بلفظ
6611 - بعثت بجوامع الكلم وفيه وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي وقد تقدم في الباب المذكور بلفظ وبينما أنا نائم البارحة قوله في آخره قال أبو عبد الله كذا لأبي ذر ووقع في رواية كريمة قال محمد فقال بعض الشراح لا منافاة لأنه اسمه والقائل هو البخاري والذي يظهر لي أن الصواب ما عند كريمة فان هذا الكلام ثبت عن الزهري واسمه محمد بن مسلم وقد ساقه البخاري هنا من طريقه فيبعد أن يأخذ كلامه فينسبه لنفسه وكأن بعضهم لما رأى وقال محمد ظن أنه البخاري فأراد تعظيمه فكناه فأخطا لأن محمدا هو الزهري وليست كنيته أبا عبد الله بل هو أبو بكر وسيأتي الكلام على جوامع الكلم وسيأتي الحديث في الاعتصام ان شاء الله تعالى
( قوله باب التعليق بالعروة والحلقة )
ذكر فيه حديث عبد الله بن سلام
6612 - رأيت كأني في روضة وقد تقدم قبل هذا بأربعة أبواب أتم من هذا وتقدم شرحه هناك قال أهل التعبير الحلقة والعروة المجهولة تدل لمن تمسك بها على قوته في دينه وإخلاصه فيه
( قوله باب عمود الفسطاط )
العمود بفتح أوله معروف والجمع أعمدة وعمد بضمتين وبفتحتين ما ترفع به الأخبية من الخشب ويطلق أيضا على ما يرفع به البيوت من حجارة كالرخام والصوان ويطلق على ما يعتمد عليه من حديد وغيره وعمود الصبح ابتداء ضوئه والفسطاط بضم الفاء وقد تكسر وبالطاء المهملة مكررة وقد تبدل الأخيرة سينا مهملة وقد تبدل التاء طاء مثناة فيهما وفي أحدهما وقد تدغم التاء الأولى في السين وبالسين

(12/401)


المهملة في آخره لغات تبلغ على هذا اثنتي عشرة اقتصر النووي منها على ست الأولى والأخيرة وبتاء بدل الطاء الأولى وبضم الفاء وبكسرها وقال الجواليقي انه فارسي معرب قوله تحت وسادته عند النسفي عند بدل تحت كذا للجميع ليس فيه حديث وبعده عندهم باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام إلا أنه سقط لفظ باب عند النسفي والإسماعيلي وفيه حديث بن عمر رأيت في المنام كأن في يدي سرقة من حرير وأما بن بطال فجمع الترجمتين في باب واحد فقال باب عمود الفسطاط تحت وسادته ودخول الجنة في المنام فيه حديث بن عمر الخ ولعل مستنده ما وقع في رواية الجرجاني باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام وعمود الفسطاط تحت وسادته فجعل الترجمتين في باب واحد وقدم وأخر ثم قال بن بطال قال المهلب السرقة الكلة وهي كالهودج عند العرب وكون عمودها في يد بن عمر دليل على الإسلام وطنبها الدين والعلم والشرع الذي به يرزق التمكن من الجنة حيث شاء وقد يعبر هنا بالحرير عن شرف الدين والعلم لأن الحرير أشرف ملابس الدنيا وكذلك العلم بالدين أشرف العلوم وأما دخول الجنة في المنام فإنه يدل على دخولها في اليقظة لأن في بعض وجوه الرؤيا وجها يكون في اليقظة كما يراه نصا ويعبر دخول الجنة أيضا بالدخول في الإسلام الذي هو سبب لدخول الجنة وطيران السرقة قوه تدل على التمكن من الجنة حيث شاء قال بن بطال وسألت المهلب عن ترجمة عمود الفسطاط تحت وسادته ولم يذكر في الحديث عمود فسطاط ولا وسادة فقال الذي يقع في نفسي أنه رأى في بعض طرق الحديث السرقة شيئا أكمل مما ذكره في كتابه وفيه أن السرقة مضروبة في الأرض على عمود كالخباء وأن بن عمر اقتلعها من عمودها فوضعها تحت وسادته وقام هو بالسرقة فأمسكها وهي كالهودج من استبرق فلا يريد موضعا من الجنة إلا طارت به إليه ولم يرض بسند هذه الزيادة فلم يدخله في كتابه وقد فعل مثل هذا في كتابه كثيرا كما يترجم بالشيء ولا يذكره ويشير إلى أنه روى في بعض طرقه وانما لم يذكره للين في سنده وأعجلته المنية عن تهذيب كتابه انتهى وقد نقل كلام المهلب جماعة من الشراح ساكتين عليه وعليه مآخذ أصلها إدخال حديث بن عمر في هذا الباب وليس منه بل له باب مستقل وأشدها تفسيره السرقة بالكلة فاني لم أره لغيره قال أبو عبيدة السرقة قطعة من حرير وكأنها فارسية وقال الفارابي شقة من حرير وفي النهاية قطعة من جيد الحرير زاد بعضهم بيضاء ويكفي في رد تفسيرها بالكلة أو الهودج قوله في نفس الخبر رأيت كأن بيدي قطعة استبرق وتخيله أن في حديث بن عمر الزيادة المذكورة لا أصل له فجميع ما رتبه عليه كذلك وقلده بن المنير فذكر الترجمة كما ترجم وزاد عليه أن قال روى غير البخاري هذا الحديث أي حديث بن عمر بزيادة عمود الفسطاط ووضع بن عمر له تحت وسادته ولكن لم توافق الزيادة شرطه فأدرجها في الترجمة نفسها وفساد ما قال يظهر مما تقدم والمعتمد أن البخاري أشار بهذه الترجمة إلى حديث جاء من طريق أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى في منامه عمود الكتاب أنتزع من تحت رأسه الحديث وأشهر طرقه ما أخرجه يعقوب بن سفيان والطبراني وصححه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي فأتبعته بصري فإذا هو قد عهد به إلى الشام إلا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام وفي رواية فإذا وقعت الفتن فالامن بالشام وله طريق عند عبد الرزاق رجاله رجال الصحيح إلا ان فيه انقطاعا بين أبي قلابة وعبد الله بن عمرو ولفظه عنده أخذوا عمود الكتاب فعمدوا به إلى الشام وأخرج أحمد ويعقوب بن

(12/402)


سفيان والطبراني أيضا عن أبي الدرداء رفعه بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام الحديث وسنده صحيح وأخرج يعقوب والطبراني أيضا عن أبي أمامة نحوه وقال انتزع من تحت وسادتي وزاد بعد قوله بصري فإذا هو نور ساطع حتى ظننت أنه قد هوى به فعمد به إلى الشام وإني أولت أن الفتن إذا وقعت أن الأمان بالشام وسنده ضعيف وأخرج الطبراني أيضا بسند حسن عن عبد الله بن حوالة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال رأيت ليلة أسرى بي عمودا أبيض كأنه لواء تحمله الملائكة فقلت ما تحملون قالوا عمود الكتاب أمرنا أن نضعه بالشام قال وبينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلس من تحت وسادتي فظننت أن الله تخلى عن أهل الأرض فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع حتى وضع بالشام وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد والطبراني بسند ضعيف وعن عمر عند يعقوب والطبراني كذلك وعن بن عمر في فوائد المخلص كذلك وهذه طرق يقوي بعضها بعضا وقد جمعها بن عساكر في مقدمة تاريخ دمشق وأقربها إلى شرط البخاري حديث أبي الدرداء فإنه أخرج لرواته إلا أن فيه اختلافا على يحيى بن حمزة في شيخه هل هو ثور بن يزيد أو زيد بن واقد وهو غير قادح لأن كلا منهما ثقة من شرطه فلعله كتب الترجمة وبيض للحديث لينظر فيه فلم يتهيأ له أن يكتبه وانما ترجم بعمود الفسطاط ولفظ الخبر في عمود الكتاب إشارة إلى أن من رأى عمود الفسطاط في منامه فإنه يعبر بنحو ما وقع في الخبر المذكور وهو قول العلماء بالتعبير قالوا من رأى في منامه عمودا فإنه يعبر بالدين أو برجل يعتمد عليه فيه وفسروا العمود بالدين والسلطان وأما الفسطاط فقالوا من رأى أنه ضرب عليه فسطاط فإنه ينال سلطانا بقدره أو يخاصم ملكا فيظفر به
( قوله باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام )
تقدم في الذي قبله ما يتعلق بشيء منه وحديث بن عمر في الباب ذكره هنا من طريق وهيب بن خالد عن أيوب عن نافع بلفظ
6613 - سرقة وذكره بلفظ قطعة من استبرق كما في ترجمة الترمذي من طريق إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية عن أيوب فذكره مختصرا كرواية وهيب إلا أنه قال كأنما في يدي قطعة استبرق فكأن البخاري أشار إلى روايته في الترجمة وقد أخرجه أيضا في باب من تعار من الليل من كتاب التهجد وهو في أواخر كتاب الصلاة من طريق حماد بن زيد عن أيوب أتم سياقا من رواية وهيب وإسماعيل وأخرجه النسائي من طريق الحارث بن عمير عن أيوب فجمع بين اللفظتين فقال سرقة من إستبرق وقوله هنا لا أهوى بها هو بضم أوله أهوى إلى الشيء بالفتح يهوى بالضم أي

(12/403)


مال ووقع في رواية حماد فكأني لا أريد مكانا من الجنة إلا طارت بي إليه قوله في رواية وهيب فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على النبي صلى الله عليه و سلم الحديث وقع مثله في رواية حماد عند مسلم ووقع عند المؤلف في روايته بعد قوله طارت بي إليه من الزيادة ورأيت كأن اثنين أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار الحديث بهذه القصة مختصرا وقال فيه فقصت حفصة على النبي صلى الله عليه و سلم إحدى رؤياي وظاهر رواية وهيب ومن تابعه أن الرؤيا التي أبهمت في رواية حماد هي رؤية السرقة من الحرير وقد وقع ذلك صريحا في رواية حماد عند مسلم لكن يعارضه ما مضى في باب فضل قيام الليل ويأتي في باب الأخذ عن اليمين من كتاب التعبير من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه فذكر الحديث في رؤيته النار وفيه فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة فهو صريح في أن حفصة قصت رؤياه النار كما أن رواية حماد صريحة في أن حفصة قصت رؤياه السرقة ولم يتعرض في رواية سالم إلى رؤيا السرقة فيحتمل أن يكون قوله إحدى رؤياي محمولا على أنها قصت رؤيا السرقة أولا ثم قصت رؤيا النار بعد ذلك وأن التقدير قصت إحدى رؤياي أولا فلا يكون لقوله إحدى مفهوم وهذا الموضح لم ار من تعرض له من الشراح ولا أزال أشكاله فلله الحمد على ذلك قوله فقال إن أخاك رجل صالح أو ان عبد الله رجل صالح هو شك من الراوي ووقع في رواية حماد المذكورة ان عبد الله رجل صالح بالجزم وكذا في رواية صخر بن جويرية عن نافع زاد الكشميهني في روايته عن الفربري في الموضعين لو كان يصلي من الليل وسقطت هذه الزيادة لغيره وهي ثابتة في رواية سالم كما تقدم في قيام الليل وتأتي ويؤيد ثبوتها قوله في رواية حماد عند الجميع فقال نافع فلم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة وقد تقدم في قيام الليل وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر عند مسلم وقال نعم الفتى أو قال نعم الرجل بن عمر لو كان يصلي من الليل قال بن عمر وكنت إذا نمت لم أقم حتى أصبح قال نافع فكان بن عمر بعد يصلي من الليل أخرج مسلم إسناده وأصله وأحال بالمتن على رواية سالم وهو غير جيد لتغايرهما وأخرجه بلفظه أبو عوانة والجوزقي بهذا ويأتي في باب الأمن وذهاب الروع أيضا من طريق صخر بن جويرية عن نافع وكذا بعده في باب الأخذ عن اليمين في رواية سالم قال الزهري وكان عبد الله بعد ذلك يكثر الصلاة من الليل ولعل الزهري سمع ذلك من نافع أو من سالم ومضى شرحه هناك ووقع في مسند أبي بكر بن هارون الروياني من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه في نحو هذه القصة من الزيادة وكان عبد الله كثير الرقاد وفيه أيضا أن الملك الذي قال له لم ترع قال له لا تدع الصلاة نعم الرجل أنت لولا قلة الصلاة

(12/404)


( قوله باب القيد في المنام أ )
ي من رأى في المنام أنه مقيد ما يكون تعبيره وظاهر إطلاق الخبر أنه يعبر بالثبات في الدين في جميع وجوهه لكن أهل التعبير خصوا ذلك بما إذا لم يكن هناك قرينة أخرى كما لو كان مسافرا أو مريضا فإنه يدل على أن سفره أو مرضه يطول وكذا لو رأى في القيد صفة زائدة كمن رأى في رجله قيدا من فضة فإنه يدل على أن يتزوج وإن كان من ذهب فإنه لأمر يكون بسبب مال يتطلبه وإن كان من صفر فإنه لأمر مكروه أو مال فات وإن كان من رصاص فإنه لأمر فيه وهن وان كان من حبل فلأمر في الدين وإن كان من خشب فلأمر فيه نفاق وان كان من حطب فلتهمة وان كان من خرقة أو خيط فلأمر لا يدوم
6614 - قوله حدثنا عبد الله بن صباح بفتح المهملة وتشديد الموحدة هو العطار البصري وتقدم في الصلاة في باب السمر بعد العشاء حدثنا عبد الله بن الصباح ولبعضهم عبد الله بن صباح كما هنا ولأبي نعيم هنا من رواية محمد بن يحيى بن منده حدثنا عبد الله بن الصباح وفي شيوخ البخاري بن الصباح ثلاثة عبد الله هذا ومحمد والحسن وليس واحد منهم أخا الآخر قوله حدثنا معتمر هو بن سليمان التيمي وعوف هو الأعرابي قوله إذا اقترب الزمان لم يكد رؤيا المؤمن تكذب كذا للأكثر ووقع في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني بتقديم تكذب على رؤيا المؤمن وكذا في رواية محمد بن يحيى وكذا في رواية عيسى بن يونس عن عوف عند الإسماعيلي قال الخطابي في المعالم في قوله إذا اقترب الزمان قولان أحدهما أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار وهو وقت استوائهما أيام الربيع وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبا وكذلك هو في الحديث والمعبرون يقولون أصدق الرؤيا ما كان وقت اعتدال الليل والنهار وادراك الثمار ونقله في غريب الحديث عن أبي داود السجستاني ثم قال والمعبرون يزعمون أن اصدق الأزمان لوقوع التعبير وقت انفتاق الازهار وادراك الثمار وهما الوقتان اللذان يعتدل فيهما الليل والنهار والقول الآخر أن اقتراب الزمان انتهاء مدته إذا دنا قيام الساعة قلت يبعد الأول التقييد بالمؤمن فان الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع لا يختص به وقد جزم بن بطال بأن الأول هو الصواب واستند إلى ما أخرجه الترمذي من طريق معمر عن أيوب في هذا الحديث بلفظ في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا قال فعلى هذا فالمعنى إذا اقتربت الساعة وقبض أكثر العلم ودرست معالم الديانة بالهرج والفتنة فكان الناس على مثل الفترة محتاجين إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء لكن لما كان نبينا خاتم الأنبياء وصار الزمان المذكور يشبه زمان الفترة عوضوا بما منعوا من النبوة بعده بالرؤيا الصادقة التي هي جزء من النبوة الأتية بالتبشير والانذار انتهى ويؤيده ما أخرجه بن ماجة من طريق الأوزاعي عن محمد بن سيرين بلفظ إذا قرب الزمان وأخرج البزار من طريق يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين بلفظ إذا تقارب الزمان وسيأتي في كتاب الفتن من وجه

(12/405)


آخر عن أبي هريرة يتقارب الزمان ويرفع العلم الحديث والمراد به اقتراب الساعة قطعا وقال الداودي المراد بتقارب الزمان نقص الساعات والأيام والليالي انتهى ومراده بالنقص سرعة مرورها وذلك قرب قيام الساعة كما ثبت في الحديث الآخر عند مسلم وغيره يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كاحتراق السعفة وقيل أن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق فان ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه وأما قوله لم تكد الخ فيه إشار ة إلى غلبة الصدق على الرؤيا وإن أمكن أن شيئا منها لا يصدق والراجح أن المراد نفي الكذب عنها أصلا لأن حرف النفي الداخل على كاد ينفي قرب حصوله والنافي لقرب حصول الشيء أدل على نفيه نفسه ذكره الطيبي وقال القرطبي في المفهم والمراد والله أعلم بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث زمان الطائفة الباقية مع عيسى بن مريم بعد قتله الدجال فقد ذكر مسلم في حديث عبد الله بن عمر ما نصه فيبعث الله عيسى بن مريم فيمكث في الناس سبع سنين ليس بين أثنين عداوة ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو ايمان إلا قبضه الحديث قال فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالا بعد الصدر الأول وأصدقهم أقوالا فكانت رؤياهم لا تكذب ومن ثم قال عقب هذا وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا وانما كان كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه وقوي إدراكه فأنتقشت فيه المعاني على وجه الصحة وكذلك من كان غالب حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقا وهذا بخلاف الكاذب والمخلط فإنه يفسد قلبه ويظلم فلا يرى إلا تخليطا وأضغاثا وقد يندر المنام أحيانا فيرى الصادق ما لا يصح ويرى الكاذب ما يصح ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم والله أعلم وهذا يؤيد ما تقدم أن الرؤيا لا تكون إلا من أجزاء النبوة إن صدرت من مسلم صادق صالح ثم ومن ثم قيد بذلك في حديث رؤيا المسلم جزء فإنه جاء مطلقا مقتصرا على المسلم فأخرج الكافر وجاء مقيدا بالصالح تارة وبالصالحة وبالحسنة وبالصادقة كما تقدم بيانه فيحمل المطلق على المقيد وهو الذي يناسب حاله حال النبي فيكرم بما أكرم به النبي وهو الاطلاع على شيء من الغيب فأما الكافر والمنافق والكاذب والمخلط وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات فانها لا تكون من الوحي ولا من النبوة إذ ليس كل من صدق في شيء ما يكون خبره ذلك نبوة فقد يقول الكاهن كلمة حق وقد يحدث المنجم فيصيب لكن كل ذلك على الندور والقلة والله أعلم وقال بن أبي جمرة معنى كون رؤيا المؤمن في آخر الزمان لا تكاد تكذب أنها تقع غالبا على الوجه الذي لا يحتاج إلى تعبير فلا يدخلها الكذب بخلاف ما قبل ذلك فانها قد يخفى تأويلها فيعبرها العابر فلا تقع كما قال فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار قال والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبا كما في الحديث بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا أخرجه مسلم فيقل أنيس المؤمن ومعينه في ذلك الوقت فيكرم بالرؤيا الصادقة قال ويمكن أن يؤخذ من هذا سبب اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء النبوة بالنسبة لرؤيا المؤمن فيقال كلما قرب الأمر وكانت الرؤيا أصدق حمل على أقل عدد ورد وعكسه وما بين ذلك قلت وتنبغي الإشارة إلى هذه المناسبة فيما تقدم من المناسبات وحاصل ما اجتمع من كلامهم في معنى قوله إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب إذا كان المراد آخر الزمان ثلاثة أقوال أحدها أن العلم بأمور الديانة لما يذهب غالبه بذهاب غالب أهله وتعذرت النبوة في هذه الأمة

(12/406)


عوضوا بالمرأي الصادقة ليجدد لهم ما قد درس من العلم والثاني أن المؤمنين لما يقل عددهم ويغلب الكفر والجهل والفسق على الموجودين يؤنس المؤمن ويعان بالرؤيا الصادقة إكراما له وتسلية وعلى هذين القولين لا يختص ذلك بزمان معين بل كلما قرب فراغ الدنيا وأخذ أمر الدين في الإضمحلال تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق والثالث أن ذلك خاص بزمان عيسى بن مريم وأولها أولاها والله أعلم قوله ورؤيا المؤمن جزء الحديث هو معطوف على جملة الحديث الذي قبله وهو إذا اقترب الزمان الحديث فهو مرفوع أيضا وقد تقدم شرحه مستوفى قريبا وقوله وما كان من النبوة فإنه لا يكذب هذا القدر لم يتقدم في شيء من طرق الحديث المذكور وظاهر إيراده هنا أنه مرفوع ولئن كان كذلك فإنه أولى ما فسر به المراد من النبوة في الحديث وهو صفة الصدق ثم ظهر لي أن قوله بعد هذا قال محمد وأنا أقول هذه الإشارة في قوله هذه للجملة المذكورة وهذا هو السر في إعادة قوله قال بعد قوله هذا ثم رأيت في بغية النقاد لابن المواق أن عبد الحق أغفل التنبيه على أن هذه الزيادة مدرجة وأنه لا شك في إدراجها فعلى هذا فهي من قول بن سيرين وليست مرفوعة قوله وأنا أقول هذه كذا لأبي ذر وفي جميع الطرق وكذا ذكره الإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما ووقع في شرح بن بطال وأنا أقول هذه الأمة وكان يقال الخ قلت وليست هذه اللفظة في شيء من نسخ صحيح البخاري ولا ذكرها عبد الحق في جمعة ولا الحميدي ولا من أخرج حديث عوف من أصحاب الكتب والمسانيد وقد تقلده عياض فذكره كما ذكره بن بطال وتبعة في شرحه فقال خشي بن سيرين أن يتأول أحد معنى قوله وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا أنه إذا تقارب الزمان لم يصدق إلا رؤيا الرجل الصالح فقال وأنا أقول هذه الأمة يعني رؤيا هذه الأمة صادقة كلها صالحها وفاجرها ليكون صدق رؤياهم زاجرا لهم وحجة عليهم لدروس أعلام الدين وطموس آثاره بموت العلماء وظهور المنكر انتهى وهذا مرتب على ثبوت هذه الزيادة وهي لفظة الأمة ولم أجدها في شيء من الأصول وقد قال أبو عوانة الإسفرائيني بعد أن أخرجه موصولا مرفوعا من طريق هشام عن بن سيرين هذا لا يصح مرفوعا عن بن سيرين قلت وإلى ذلك أشار البخاري في آخره بقوله وحديث عوف أبين أي حيث فصل المرفوع من الموقوف قوله قال وكان يقال الرؤيا ثلاث الخ قائل قال هو محمد بن سيرين وأبهم القائل في هذه الرواية وهو أبو هريرة وقد رفعه بعض الرواة ووقفه بعضهم وقد أخرجه أحمد عن هوذة بن خليفة عن عوف بسنده مرفوعا الرؤيا ثلاث الحديث مثله وأخرجه الترمذي والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الرؤيا ثلاث فرؤيا حق ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن محمد بن سيرين مرفوعا أيضا بلفظ الرؤيا ثلاث فالرؤيا الصالحة بشرى من الله والباقي نحوه قوله حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله وقع في حديث عوف بن مالك عند بن ماجة بسند حسن رفعه الرؤيا ثلاث منها أهاويل من الشيطان ليحزن بن آدم ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة قلت وليس الحصر مرادا من قوله ثلاث لثبوت نوع رابع في حديث أبي هريرة في الباب وهو حديث النفس وليس في حديث أبي قتادة وأبي سعيد الماضيين سوى ذكر وصف الرؤيا بأنها مكروهة ومحبوبة أو حسنة وسيئة وبقي نوع خامس وهو تلاعب الشيطان وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر

(12/407)


قال جاء أعرابي فقال يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي قطع فانا أتبعه وفي لفظ فقد خرج فاشتددت في أثره فقال لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام وفي رواية له إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يخبر به الناس ونوع سادس وهو رؤيا ما يعتاده الرائي في اليقظة كمن كانت عادته أن يأكل في وقت فنام فيه فرأى أنه يأكل أو بات طافحا من أكل أو شرب فرأى أنه يتقيأ وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص وسابع وهو الأضغاث قوله فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل زاد في رواية هوذة فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها لمن يشاء وإذا رأى شيئا يكرهه فذكر مثله ووقع في رواية أيوب عن محمد بن سيرين فيصل ولا يحدث بها الناس وزاد في رواية سعيد بن أبي عروبة عن بن سيرين عند الترمذي وكان يقول لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح وهذا ورد معناه مرفوعا في حديث أبي رزين عند أبي داود والترمذي وبن ماجة ولا يقصها إلا على واد أو ذي رأي وقد تقدم شرح هذه الزيادة في باب الرؤيا من الله تعالى قوله قال وكان يكره الغل في النوم ويعجبهم القيد ويقال القيد ثبات في الدين كذا ثبت هنا بلفظ الجمع في يعجبهم والافراد في يكره ويقول قال الطيبي ضمير الجمع لأهل التعبير وكذا قوله وكان يقال قال المهلب الغل يعبر بالمكروه لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى إذ الأغلال في أعناقهم الآية وقد يدل على الكفر وقد يعبر بامرأة تؤذي وقال بن العربي انما أحبوا القيد لذكر النبي صلى الله عليه و سلم له في قسم المحمود فقال قيد الإيمان الفتك وأما الغل فقد كره شرعا في المفهوم كقوله خذوه فغلوه وإذ الأغلال في أعناقهم ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك وغلت أيديهم وانما جعل القيد ثباتا في الدين لأن المقيد لا يستطيع المشي فضرب مثلا للايمان الذي يمنع عن المشي إلى الباطل وقال النووي قال العلماء انما أحب القيد لأن محله الرجل وهو كف عن المعاصي والشر والباطل وأبغض الغل لأن محله العنق وهو صفة أهل النار وأما أهل التعبير فقالوا إن القيد ثبات في الأمر الذي يراه الرائي بحسب من يرى ذلك له وقالوا إن انضم الغل إلى القيد دل على زيادة المكروه وإذا جعل الغل في اليدين حمد لأنه كف لهما عن الشر وقد يدل على البخل بحسب الحال وقالوا أيضا إن رأى أن يديه مغلولتان فهو بخيل وأن رأى أنه قيد وغل فإنه يقع في سجن أو شدة قلت وقد يكون الغل في بعض المرائي محمودا كما وقع لأبي بكر الصديق فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح عن مسروق قال مر صهيب بأبي بكر فأعرض عنه فسأله فقال رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر رجل من الأنصار فقال أبو بكر جمع لي ديني إلى يوم الحشر وقال الكرماني أختلف في قوله وكان يقال هل هو مرفوع أو لا فقال بعضهم من قوله وكان يقال إلى قوله في الدين مرفوع كله وقال بعضهم هو كله كلام بن سيرين وفاعل كان يكره أبو هريرة قلت أخذه من كلام الطيبي فإنه قال يحتمل أن يكون مقولا للراوي عن بن سيرين فيكون اسم كان ضميرا لابن سيرين وأن يكون مقولا لابن سيرين واسم كان ضمير أبي هريرة أو النبي صلى الله عليه و سلم وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن بن سيرين وقال في آخره لا أدري هو في الحديث أو قاله بن سيرين قوله ورواه قتادة ويونس وهشام وأبو هلال عن بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم يعني أصل الحديث وأما من قوله وكان يقال فمنهم من رواه بتمامه مرفوعا ومنهم من اقتصر على بعضه كما سأبينه قوله وأدرجه بعضهم كله في الحديث يعني جعله كله مرفوعا والمراد به رواية هشام عن قتادة كما سأبينه قوله وحديث عوف

(12/408)


أبين أي حيث فصل المرفوع من الموقوف ولا سيما تصريحه بقول بن سيرين وأنا أقول هذه فإنه دال على الاختصاص بخلاف ما قال فيه وكان يقال فان فيها الاحتمال بخلاف أول الحديث فإنه صرح برفعه وقد اقتصر بعض الرواة عن عوف على بعض ما ذكره معتمر بن سليمان عنه كما بينته من رواية هوذة وعيسى بن يونس قال القرطبي ظاهر السياق أن الجميع من قول النبي صلى الله عليه و سلم غير أن أيوب هو الذي روى هذا الحديث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وقد أخبر عن نفسه أنه شك أهو من قول النبي صلى الله عليه و سلم أو من قول أبي هريرة فلا يعول على ذلك الظاهر قلت وهو حصر مردود وكأنه تكلم عليه بالنسبة لرواية مسلم خاصة فإن مسلما ما أخرج طريق عوف هذه ولكنه أخرج طريق قتادة عن محمد بن سيرين فلا يلزم من كون أيوب شك أن لا يعول على رواية من لم يشك وهو قتادة مثلا لكن لما كان في الرواية المفصلة زيادة فرجحت قوله وقال يونس لا أحسبه إلا عن النبي صلى الله عليه و سلم في القيد يعني أنه شك في رفعه قوله قال أبو عبد الله هو المصنف قوله لا تكون الأغلال إلا في الأعناق كأنه يشير إلى الرد على من قال قد يكون الغل في غير العنق كاليد والرجل والغل بضم المعجمة وتشديد اللام واحد الأغلال قال وقد أطلق بعضهم الغل على ما تربط به اليد وممن ذكره أبو علي القالي وصاحب المحكم وغيرهما قالوا الغل جامعة تجعل في العنق أو اليد والجمع أغلال ويد مغلولة جعلت في الغل ويؤيده قوله تعالى غلت أيديهم كذا أستشهد به الكرماني وفيه نظر لأن اليد تغل في العنق وهو عند أهل التعبير عبارة عن كفهما عن الشر ويؤيده منام صهيب في حق أبي بكر الصديق كما تقدم قريبا فأما رواية قتادة المعلقة فوصلها مسلم والنسائي من رواية معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي عن أبيه عن قتادة ولفظ النسائي بالسند المذكور عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يقول الرؤيا الصالحة بشارة من الله والتحزين من الشيطان ومن الرؤيا ما يحدث به الرجل نفسه فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليقم فليصل وأكره الغل في النوم ويعجبني القيد فان القيد ثبات في الدين وأما مسلم فإنه ساقه بسنده عقب رواية معمر عن أيوب التي فيها قال أبو هريرة فيعجبني القيد وأكره الغل القيد ثبات في الدين قال مسلم فأدرج يعني هشاما عن قتادة في الحديث قوله وأكره الغل الخ ولم يذكر الرؤيا جزء الحديث وكذلك رواه أيوب عن محمد بن سيرين قال قال أبو هريرة أحب القيد في النوم وأكره الغل القيد في النوم ثبات في الدين أخرجه بن حبان في صحيحه من رواية سفيان بن عيينة عنه وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من رواية عبد الوهاب الثقفي عن أيوب فذكر حديث إذا اقترب الزمان الحديث ثم قال ورؤيا المسلم جزء من الحديث ثم قال والرؤيا ثلاث الحديث ثم قال بعده قال وأحب القيد وأكره الغل القيد ثبات في الدين فلا أدري هو في الحديث أو قاله بن سيرين هذا لفظ مسلم ولم يذكر أبو داود ولا الترمذي قوله فلا أدري الخ وأخرجه الترمذي وأحمد والحاكم من رواية معمر عن أيوب فذكر الحديث الأول ونحو الثاني ثم قال بعدهما قال أبو هريرة يعجبني القيد الخ قال وقال النبي صلى الله عليه و سلم رؤيا المؤمن جزء الخ وقد أخرج الترمذي والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة حديث الرؤيا ثلاثة مرفوعا كما أشرت إليه قبل هذا ثم قال بعده وكان يقول يعجبني القيد الحديث وبعده وكان يقول من رأني فاني أنا هو الحديث وبعده وكان يقول لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح وهذا ظاهر في أن الأحاديث كلها مرفوعة وأما رواية يونس وهو بن عبيد فأخرجها البزار في مسنده من طريق أبي خلف وهو عبد الله بن

(12/409)


عيسى الخزاز بمعجمات البصري عن يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأحب القيد وأكره الغل قال ولا أعلمه إلا وقد رفعه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال البزار روى عن محمد من عدة أوجه وانما ذكرناه من رواية يونس لعزة ما أسند يونس عن محمد بن سيرين قلت وقد أخرج بن ماجة من طريق أبي بكر الهذلي عن بن سيرين حديث القيد موصولا مرفوعا ولكن الهذلي ضعيف وأما رواية هشام فقال أحمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام هو بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا اقترب الزمان الحديث ورؤيا المؤمن الحديث وأحب القيد في النوم الحديث والرؤيا ثلاث الحديث فساق الجميع مرفوعا وهكذا أخرجه الدارمي من رواية مخلد بن الحسين عن هشام وأخرجه الخطيب في المدرج من طريق علي بن عاصم عن خالد وهشام عن بن سيرين مرفوعا قال الخطيب والمتن كله مرفوع إلا ذكر القيد والغل فإنه قول أبي هريرة أدرج في الخبر وبينه معمر عن أيوب وأخرج أبو عوانة في صحيحه من طريق عبد الله بن بكر عن هشام قصة القيد وقال الأصح أن هذا من قول بن سيرين وقد أخرجه مسلم من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان وأيوب جميعا عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال إذا اقترب الزمان قال وساق الحديث ولم يذكر فيه النبي صلى الله عليه و سلم وكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة عن هشام موقوفا وزاد في آخره قال أبو هريرة اللبن في المنام الفطرة وأما رواية أبي هلال واسمه محمد بن سليم الراسبي عن محمد بن سيرين فلم أقف عليها موصولة إلى الأن وأخرج أحمد في الزهد عن عثمان عن حماد بن زيد عن أيوب قال رأيت بن سيرين مقيدا في المنام وهذا يشعر بأن بن سيرين كان يعتمد في تعبير القيد على ما في الخبر فأعطى هو ذلك وكان كذلك قال القرطبي هذا الحديث وان اختلف في رفعه ووقفه فان معناه صحيح لأن القيد في الرجلين تثبيت للمقيد في مكانه فإذا رآه من هو على حاله كان ذلك دليلا على ثبوته على تلك الحالة وأما كراهة الغل فلأن محله الأعناق نكالا وعقوبة وقهرا وإذلالا وقد يسحب على وجهه ويخر على قفاه فهو مذموم شرعا وعادة فرؤيته في العنق دليل على وقوع حال سيئة للرائي تلازمه ولا ينفك عنها وقد يكون ذلك في دينه كواجبات فرط فيها أو معاص ارتكبها أو حقوق لا زمة له لم يوفها أهلها مع قدرته وقد تكون في دنياه كشدة تعتريه أو تلازمه

(12/410)


( قوله باب العين الجارية في المنام )
قال المهلب العين الجارية تحتمل وجوها فان كان ماؤها صافيا عبرت بالعمل الصالح وإلا فلا وقال غيره العين الجارية عمل جار من صدقة أو معروف لحي أو ميت قد أحدثه أو أجراه وقال آخرون عين الماء نعمة وبركة وخير وبلوغ أمنية إن كان صاحبها مستورا فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة يبكي لها أهل داره
6615 - قوله عبد الله هو بن المبارك قوله عن أم العلاء وهي امرأة من نسائهم وتقدم في كتاب الهجرة أنها والدة خارجة بن زيد الراوي عنها هنا وأن هذا الحديث ورد من طريق أبي النضر عن خارجة بن زيد عن أمه وذكرت نسبها هناك وأن اسمها كنيتها ومنه يؤخذ أن القائل هنا وهي امرأة من نسائهم هو الزهري راويه عن خارجة بن زيد ووقع في باب رؤيا النساء فيما مضى قريبا من طريق عقيل عن بن شهاب عن خارجة أن أم العلاء امرأة من الأنصار بايعت رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبرته وأخرج أحمد وبن سعد بسند فيه علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف من حديث بن عباس قال لما مات عثمان بن مظعون قالت امرأته هنيئا لك الجنة فذكر نحو هذه القصة وقوله امرأته فيه نظر فلعله كان فيه قالت امرأة بغير ضمير وهي أم العلاء ويحتمل أنه كان تزوجها قبل زيد بن ثابت ويحتمل أن يكون القول تعدد منهما وعند بن سعد أيضا من مرسل زيد بن أسلم بسند حسن قال سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم عجوزا تقول في جنازة عثمان بن مظعون وراء جنازته هنيئا لك الجنة يا أبا السائب فذكر نحوه وفيه بحسبك أن تقولي كان يحب الله ورسوله قوله طار لنا تقدم بيانه في باب القرعة في المشكلات ووقع عند بن سعد من وجه آخر عن معمر فتشاحت الأنصار فيهم أن ينزلوهم منازلهم حتى اقترعوا عليهم فطار لنا عثمان بن مظعون يعني وقع في سهمنا كذا وقع التفسير في الأصل وأظنه من كلام الزهري أو من دونه قوله حين اقترعت في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني أقرعت بحذف التاء ووقع في رواية عقيل المذكورة أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة قوله فأشتكى فمرضناه حتى توفى في الكلام حذف تقديره فأقام عندنا مدة فأشتكى أي مرض فمرضناه أي قمنا بأمره في مرضه وقد وقع في رواية عقيل فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا فوجع وجعه الذي توفى فيه قلت وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث من الهجرة أرخه بن سعد وغيره وقد تقدمت سائر فوائده في أول الجنائز والكلام على قوله ما يفعل به والاختلاف فيها وقوله في آخره ذاك عمله يجري له قيل يحتمل أنه كان لعثمان شيء عمله بقى له ثوابه جاريا كالصدقة وأنكره مغلطاي وقال لم يكن لعثمان بن مظعون شيء من الأمور الثلاث التي ذكرها مسلم من حديث أبي هريرة رفعه إذا مات بن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث قلت وهو نفي مردود فإنه كان له ولد صالح شهد بدرا وما بعدها وهو السائب مات في خلافة أبي بكر فهو أحد الثلاث وقد كان عثمان من الأغنياء فلا يبعد ان تكون له صدقه استمرت بعد موته فقد أخرج بن سعد من مرسل أبي بردة بن أبي موسى قال دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صلى الله عليه و سلم فرأين هيئتها فقلن مالك فما في قريش أغنى من بعلك فقالت أما ليلة فقائم الحديث ويحتمل أن يراد بعمل عثمان بن مظعون مرابطته في جهاد أعداء الله فإنه ممن يجري له عمله كما ثبت في السنن وصححه الترمذي وبن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد رفعه كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر وله شاهد عند مسلم والنسائي والبزار من حديث سلمان رفعه رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه وإن

(12/411)


مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأمن الفتان وله شواهد أخرى فليحمل حال عثمان بن مظعون على ذلك ويزول الإشكال من أصله
( قوله باب نزع الماء من البئر حتى يروي الناس )
هو بفتح الواو من الري والنزع بفتح النون وسكون الزاي إخراج الماء للاستسقاء قوله رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم وصله المصنف من حديثه في الباب الذي بعده
6616 - قوله حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير هو الدورقي وشعيب بن حرب هو المدائني يكنى أبا صالح كان أصله من بغداد فسكن المدائن حتى نسب إليها ثم انتقل إلى مكة فنزلها إلى أن مات بها وكان صدوقا شديد الورع وقد وثقه يحيى بن معين والنسائي والدارقطني وآخرون وما له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد وقد ذكره في الضعفاء شعيب بن حرب فقال منكر الحديث مجهول وأظنه آخر وافق اسمه واسم أبيه والعلم عند الله تعالى قوله بينا أنا على بئر أنزع منها أي أستخرج منها الماء بآلة كالدلو وفي حديث أبي هريرة في الباب الذي يليه رأيتني على قليب وعليها دلو فنزعت منها ما شاء الله وفي رواية همام رأيت أني على حوض أسقي الناس والجمع بينهما أن القليب هو البئر المقلوب ترابها قبل الطي والحوض هو الذي يجعل بجانب البئر لشرب الإبل فلا منافاة قوله إذ جاءني أبو بكر وعمر في رواية أبي يونس عن أبي هريرة فجاءني أبو بكر فأخذ أبو بكر الدلو أي التي كان النبي صلى الله عليه و سلم يملأ بها الماء ووقع في رواية همام الأتية بعد هذا فأخذ أبو بكر مني الدلو ليريحني وفي رواية أبي يونس ليروحني وأول حديث سالم عن أبيه في الباب الذي يليه رأيت الناس اجتمعوا ولم يذكر قصة النزع ووقع في رواية أبي بكر بن سالم عن أبيه أريت في النوم أني أنزع على قليب بدلو بكرة فذكر الحديث نحوه أخرجه أبو عوانة قوله فنزع ذنوبا أو ذنوبين كذا هنا ومثله لأكثر الرواة ووقع في رواية همام المذكورة ذنوبين ولم يشك ومثله في رواية أبي يونس والذنوب بفتح المعجمة الدلو الممتلئ قوله وفي نزعة ضعف تقدم شرحه وبيان الاختلاف في تأويله في آخر علامات النبوة في مناقب عمر قوله فغفر الله له وقع في الروايات المذكورة والله يغفر له قوله ثم أخذها بن الخطاب من يد أبي بكر كذا هنا ولم يذكر مثله في أخذ أبي بكر الدلو من النبي صلى الله عليه و سلم ففيه إشارة إلى أن عمر ولى الخلافة بعهد من أبي بكر إليه بخلاف أبي بكر فلم تكن خلافته بعهد صريح من النبي صلى الله عليه و سلم ولكن وقعت عدة إشارات إلى ذلك فيها ما يقرب من الصريح قوله فاستحالت في يده غربا أي تحولت الدلو غربا وهي بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة بلفظ مقابل الشرق قال أهل اللغة الغرب الدلو العظيمة المتخذة من جلود البقر فإذا فتحت الراء فهو الماء الذي يسيل بين

(12/412)


البئر والحوض ونقل بن التين عن أبي عبد الملك البوني أن الغرب كل شيء رفيع وعن الداودي قال المراد أن الدلو أحالت باطن كفيه حتى صار أحمر من كثرة الاستسقاء قال بن التين وقد أنكر ذلك أهل العلم وردوه على قائله قوله فلم ار عبقريا تقدم ضبطه وبيانه في مناقب عمر وكذلك قوله يفرى فريه ووقع عند النسائي في رواية بن جريج عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال حجاج قلت لابن جريج ما استحال قال رجع قلت ما العبقري قال الأجير وتفسير العبقري بالاجير غريب قال أبو عمرو الشيباني عبقري القوم سيدهم وقويهم وكبيرهم وقال الفارابي العبقري من الرجال الذي ليس فوقه شيء وذكر الأزهري أن عبقر موضع بالبادية وقيل بلد كان ينسج فيه البسط الموشية فاستعمل في كل شيء جيد وفي كل شيء فائق ونقل أبو عبيد أنها من ارض الجن وصار مثلا لكل ما ينسب إلى شيء نفيس وقال الفراء العبقري السيد وكل فاخر من حيوان وجوهر وبساط وضعت عليه وأطلقوه في كل شيء عظيم في نفسه وقد وقع في رواية عقيل المشار إليه ينزع نزع بن الخطاب وفي رواية أبي يونس فلم أر نزع رجل قط أقوى منه قوله حتى ضرب الناس بعطن بفتح المهملتين وآخره نون هو ما يعد للشرب حول البئر من مبارك الإبل والمراد بقوله ضرب أي ضربت الإبل بعطن بركت والعطن للابل كالوطن للناس لكن غلب على مبركها حول الحوض ووقع في رواية أبي بكر بن سالم عن أبيه عند أبي بكر بن أبي شيبة حتى روى الناس وضربوا بعطن ووقع في رواية همام فلم يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر وفي رواية أبي يونس ملآن ينفجر قال القاضي عياض ظاهر هذا الحديث أن المراد خلافة عمر وقيل هو لخلافتهما معا لأن أبا بكر جمع شمل المسلمين أولا بدفع أهل الردة وابتدات الفتوح في زمانه ثم عهد إلى عمر فكثرت في خلافته الفتوح واتسع أمر الإسلام واستقرت قواعده وقال غيره معنى عظم الدلو في يد عمر كون الفتوح كثرت في زمانه ومعنى استحالت انقلبت عن الصغر إلى الكبر وقال النووي قالوا هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين من ظهور آثارهما الصالحة وانتفاع الناس بهما وكل ذلك مأخوذ من النبي صلى الله عليه و سلم لأنه صاحب الأمر فقام به أكمل قيام وقرر قواعد الدين ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام في زمنه فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم وشبه بالمستقى لهم منها وسقيه هو قيامه بمصالحهم وفي قوله ليريحني إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم لأن في الموت راحة من كدر الدنيا وتعبها فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم وأما قوله وفي نزعة ضعف فليس فيه حط من فضيلته وانما هو إخبار عن حاله في قصر مدة ولايته وأما ولاية عمر فانها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين وأما قوله والله يغفر له فليس فيه نقص له ولا إشارة إلى انه وقع منه ذنب وانما هي كلمة كانوا يقولونها يدعمون بها الكلام وفي الحديث إعلام بخلافتهما وصحة ولا يتهما وكثرة الانتفاع بهما فكان كما قال وقال بن العربي ليس المراد بالدلو التقدير الدال على قصر الحظ بل المراد التمكن من البئر وقوله في الرواية المذكورة بدلو بكرة فيه إشارة إلى صغر الدلو قبل أن يصير غربا وأخرج أبو ذر الهروي في كتاب الرؤيا من حديث بن مسعود نحو حديث الباب لكن قال في آخره فعبرها يا أبا بكر قال إلى الأمر بعدك ويليه بعدي عمر قال كذلك عبرها الملك وفي سنده أيوب بن جابر وهو ضعيف وهذه الزيادة منكرة وقد ورد هذا الحديث من وجه آخر بزيادة فيه فأخرج أحمد وأبو

(12/413)


داود واختاره الضياء من طريق أشعث بن عبد الرحمن الجرمي عن أبيه عن سمرة بن جندب ان رجلا قال يا رسول الله رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا ثم جاء عمر فأخذ بعرافيها فشرب حتى تضلع ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء على فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء وهذا يبين أن المراد بالنزع الضعيف والنزع القوى الفتوح والغنائم وقوله دلى بضم المهملة وتشديد اللام أي أرسل إلى أسفل وقوله بعراقيها بكسر المهملة وفتح القاف والعراقان خشبتان تجعلان على فم الدلو متخالفتان لربط الدلو وقوله تضلع بالضاد المعجمة أي ملأ اضلاعه كناية عن الشبع وقوله انتشطت بضم المثناة وكسر المعجمة بعدها طاء مهملة أي نزعت منه فاضطربت وسقط بعض ما فيها أو كله قال بن العربي حديث سمرة يعارض حديث بن عمر وهما خبران قلت الثاني هو المعتمد فحديث بن عمر مصرح بأن النبي صلى الله عليه و سلم هو الرائي وحديث سمرة فيه أن رجلا أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أنه رأى وقد أخرج أحمد من حديث أبي الطفيل شاهدا لحديث بن عمر وزاد فيه فوردت على غنم سود وغنم عفر وقال فيه فأولت السود العرب والعفر العجم وفي قصة عمر فملا الحوض وأروى الواردة ومن المغايرة بينهما أيضا أن في حديث بن عمر نزع الماء من البئر وحديث سمرة فيه نزول الماء من السماء فهما قصتان تشد إحداهما الأخرى وكأن قصة حديث سمرة سابقة فنزل الماء من السماء وهي خزانته فأسكن في الأرض كما يقتضيه حديث سمرة ثم أخرج منها بالدلو كما دل عليه حديث بن عمر وفي حديث سمرة إشارة إلى نزول النصر من السماء على الخلفاء وفي حديث بن عمر إشارة إلى استيلائهم على كنوز الأرض بأيديهم وكلاهما ظاهر من الفتوح التي فتحوها وفي حديث سمرة زيادة إشارة إلى ما وقع لعلي من الفتن والاختلاف عليه فان الناس أجمعوا على خلافته ثم لم يلبث أهل الجمل أن خرجوا عليه وامتنع معاوية في أهل الشام ثم حاربه بصفين ثم غلب بعد قليل على مصر وخرجت الحرورية على علي فلم يحصل له في أيام خلافته راحة فضرب المنام المذكور مثلا لأحوالهم رضوان الله عليهم أجمعين
( قوله باب نزع الذنوب والذنوبين من البئر بضعف )
أي مع ضعف نزع ذكر فيه حديث بن عمر الذي

(12/414)


قبله وحديث أبي هريرة بمعناه وزهير في الحديث الأول هو بن معاوية وقوله
6617 - عن رؤيا النبي صلى الله عليه و سلم كأنه تقدم للتابعي سؤال عن ذلك فأخبره به الصحابي وقوله في أبي بكر وعمر أي فيما يتعلق بمدة خلافتهما وقوله قال رأيت القائل هو النبي صلى الله عليه و سلم وحاكى ذلك عنه هو بن عمر وقوله رأيت الناس اجتمعوا فقام أبو بكر فيه اختصار يوضحه ما قبله وأن النبي صلى الله عليه و سلم بدأ أولا فنزع من البئر ثم جاء أبو بكر وقد تقدمت بقية فوائد حديثي الباب في الباب قبله وسعيد في الحديث الثاني هو بن المسيب وفي الحديثين أنه من رأى أنه يستخرج من بئر ماء انه يلي ولاية جليلة وتكون مدته بحسب ما استخرج قلة وكثرة وقد تعبر البئر بالمرأة وما يخرج منها بالأولاد وهذا الذي اعتمده أهل التعبير ولم يعرجوا على الذي قبله فهو الذي ينبغي أن يعول عليه لكنه بحسب حال الذي ينزع الماء والله أعلم
( قوله باب الاستراحة في المنام )
قال أهل التعبير ان كان المستريح مستلقيا على قفاه فإنه يقوى أمره وتكون الدنيا تحت يده لأن الأرض أقوى ما يستند إليه بخلاف ما إذا كان منبطحا فإنه لا يدري ما وراءه وذكر فيه حديث همام عن أبي هريرة في رؤياه صلى الله عليه و سلم الدلو وفيه
6619 - فأخذ أبو بكر الدلو ليريحني وقد تقدمت فوائده في الذي قبله وقوله فيه رأيت أني على حوض أسقي الناس كذا للأكثر وفي رواية المستملي والكشميهني على حوضي والأول أولى وكأنه كان يملأ من البئر فيسكب في الحوض والناس يتناولون الماء لبهائمهم وأنفسهم وان كانت رواية المستملي محفوظة احتمل أن يريد حوضا له في الدنيا لا حوضه الذي في القيامة

(12/415)


( قوله باب القصر في المنام )
قال أهل التعبير القصر في المنام عمل صالح لأهل الدين ولغيرهم حبس وضيق وقد يفسر دخول القصر بالتزويج وذكر فيه حديث أبي هريرة
6620 - بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم قال بينا أنا نائم رأيتني في الجنة أخرجه من رواية عقيل عن بن شهاب ووقع عند مسلم من رواية يونس بن يزيد عن بن شهاب بلفظ بينما أنا نائم إذ رأيتني وهو بضم التاء لضمير المتكلم قوله فإذا امرأة تتوضأ تقدم في مناقب عمر ما نقل عن بن قتيبة والخطابي أن قوله تتوضأ تصحيف وأن الأصل شوهاء بشين معجمة مفتوحة وواو ساكنة ثم هاء عوض الضاد المعجمة واعتل بن قتيبة بأن الجنة ليست دار تكليف ثم وجدت بعضهم اعترض عليه بقوله وليس في الجنة شوهاء وهذا الاعتراض لا يرد على بن قتيبة لأنه ادعى أن المراد بالشوهاء الحسناء كما تقدم بيانه واضحا قال والوضوء لغوي ولا مانع منه وقال القرطبي انما توضأت لتزداد حسنا ونورا لا أنها تزيل وسخا ولا قذرا إذ الجنة منزهه عن ذلك وقال الكرماني تتوضا من الوضاءة وهي النظافة والحسن ويحتمل أن يكون من الوضوء ولا يمنع من ذلك كون الجنة ليست دار تكليف لجواز أن يكون على غير وجه التكليف قلت ويحتمل أن لا يراد وقوع الوضوء منها حقيقة لكونه مناما فيكون مثالا لحالة المرأة المذكورة وقد تقدم في المناقب أنها أم سليم وكانت في قيد الحياة حينئذ فرآها النبي صلى الله عليه و سلم في الجنة إلى جانب قصر عمر فيكون تعبيره بأنها من أهل الجنة لقول الجمهور من أهل التعبير إن من رأى أنه دخل الجنة أنه يدخلها فكيف إذا كان الرائي لذلك أصدق الخلق وأما وضوؤها فيعبر بنظافتها حسا ومعنى وطهارتها جسما وحكما وأما كونها إلى جانب قصر عمر ففيه إشارة إلى أنها تدرك خلافته وكان كذلك ولا يعارض هذا ما تقدم في صفة الجنة من بدء الخلق من أن رؤيا الأنبياء حق والاستدلال على ذلك بغيرة عمر لأنه لا يلزم من كون المنام على ظاهره أن لا يكون بعضه يفتقر إلى تعبير فإن رؤيا الأنبياء حق يعني ليست من الأضغاث سواء كانت على حقيقتها أو مثالا والله أعلم وقد تقدمت فوائد هذا الحديث في المناقب وقوله أعليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله أغار تقدم أنه من المقلوب لأن القياس أن يقول أعليها أغار منك وقال الكرماني لفظ عليك ليس متعلقا بأغار بل التقدير مستعليا عليك أغار عليها قال ودعوى القياس المذكور ممنوعة إذ لا محوج إلى ارتكاب القلب مع وضوح المعنى بدونه ويحتمل أن يكون أطلق على وأراد من كما قيل إن حروف الجر تتناوب وفي الحديث جواز ذكر الرجل بما علم من خلقه كغيره عمر وقوله
6621 - رجل من قريش عرف من الرواية الأخرى أنه عمر قال الكرماني علم النبي صلى الله عليه و سلم أنه عمر إما بالقرائن وإما بالوحي قوله معتمر هو بن سليمان التيمي البصري وعبيد الله بن عمر هو العمري المدني وتقدم حديث جابر أتم من هذا وشرحه مستوفى في المناقب

(12/416)


( قوله باب الوضوء في المنام )
قال أهل التعبير رؤية الوضوء في المنام وسيلة إلى سلطان أو عمل فإن أتمه في النوم حصل مراده في اليقظة وإن تعذر لعجز الماء مثلا أو توضأ بما لا تجوز الصلاة به فلا والوضوء للخائف أمان ويدل على حصول الثواب وتكفير الخطايا وذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب الذي قبله وقد مضى الكلام فيه قوله باب الطواف بالكعبة في المنام قال أهل التعبير الطواف يدل على الحج وعلى التزويج وعلى حصول أمر مطلوب من الإمام وعلى بر الوالدين وعلى خدمة عالم والدخول في أمر الإمام فان كان الرائي رقيقا دل على نصحه لسيده
6623 - قوله بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة الحديث تقدم شرحه مستوفى في ذكر عيسى عليه السلام من أحاديث الأنبياء ويأتي شيء مما يتعلق بالرجال في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى
( قوله باب إذا أعطى فضله غيره في النوم )
ذكر فيه حديث بن عمر الماضي في باب اللبن مشروحا وقوله
6624 - الري أي ما يتروى به وهو اللبن أو هو إطلاق على سبيل الاستعارة قاله الكرماني قال وإسناد الخروج إليه قرينة وقيل الري اسم من أسماء اللبن

(12/417)


( قوله باب الأمن وذهاب الروع في المنام )
الروع بفتح الراء وسكون الواو بعدها عين مهملة الخوف وأما الروع بضم الراء فهو النفس قال أهل التعبير من رأى أنه خائف من شيء أمن منه ومن رأى أنه قد أمن من شيء فإنه يخاف منه وذكر فيه حديث بن عمر في رؤياه من طريق نافع عنه وقد مضى شرحه قريبا
6625 - قوله أن رجالا لم أقف على أسمائهم قوله فيقول فيها أي يعبرها قوله حديث السن أي صغيره وفي رواية الكشميهني حدث السن بفتح الدال قوله وبيتي المسجد يعني أنه كان يأوي إليه قبل أن يتزوج قوله فأضطجعت ليلة في رواية الكشميهني ذات ليلة قوله إذ جاءني ملكان لم أقف على تسميتهما قال بن بطال يؤخذ منه الجزم بالشيء وإن كان أصله الاستدلال لأن بن عمر استدل على أنهما ملكان بأنهما وقفاه على جهنم ووعظاه بها والشيطان لا يعظ ولا يذكر الخير قلت ويحتمل أن يكونا أخبراه بأنهما ملكان أو اعتمد النبي صلى الله عليه و سلم لما قصته عليه حفصة فاعتمد على ذلك قوله مقمعة بكسر الميم والجمع مقامع وهي كالسياط من حديد رءوسها معوجة قال الجوهري المقمعة كالمحجن وأغرب الداودي فقال المقمعة والمقرعة واحد قوله لم ترع أي لم تفزع في رواية الكشميهني لن تراع فعلى الأول ليس المراد أنه لم يقع له فزع بل لما كان الذي فزع منه لم يستمر فكأنه لم يفزع وعلى الثانية فالمراد أنك لا روع عليك بعد ذلك قال بن بطال إنما قال له ذلك لما رأى منه من الفزع ووثق بذلك منه لأن الملك لا يقول إلا حقا انتهى ووقع عند بن أبي شيبة من رواية جرير بن حازم عن نافع فلقيه ملك وهو يرعد فقال لم ترع ووقع عند كثير من الرواة لن ترع

(12/418)


بحرف لن مع الجزم ووجهه بن مالك بأنه سكن العين للوقف ثم شبهه بسكون الجزم فحذف الألف قبله ثم أجرى الوصل مجرى الوقف ويجوز أن يكون جزمه بلن وهي لغة قليلة حكاها الكسائي وقد تقدم شيء من ذلك في الكلام على هذا الحديث في كتاب التهجد قوله كطي البئر له قرون في رواية الكشميهني لها وقرون البئر جوانبها التي تبنى من حجارة توضع عليها الخشبة التي تعلق فيها البكرة والعادة أن لكل بئر قرنين وقوله وأرى فيها رجالا معلقين في رواية سالم التي بعد هذا فإذا فيها ناس عرفت بعضهم قلت ولم أقف في شيء من الطرق على تسمية أحد منهم قال بن بطال في هذا الحديد أن بعض الرؤيا لا يحتاج إلى تعبير وعلى أن ما فسر في النوم فهو تفسيره في اليقظة لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يزد في تفسيرها على ما فسرها الملك قلت يشير إلى قوله صلى الله عليه و سلم في آخر الحديث أن عبد الله رجل صالح وقول الملك قبل ذلك نعم الرجل أنت لو كنت تكثر الصلاة ووقع في الباب الذي بعده أن الملك قال له لم ترع إنك رجل صالح وفي آخره أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل قال وفيه وقوع الوعيد على ترك السنن وجواز وقوع العذاب علىذلك قلت هو مشروط بالمواظبة على الترك رغبة عنها فالوعيد والتعذيب إنما يقع على المحرم وهو الترك بقيد الاعراض قال وفيه أن أصل التعبير من قبل الأنبياء ولذلك تمنى بن عمر انه يرى رؤيا فيعبرها له الشارع ليكون ذلك عنده أصلا قال وقد صرح الأشعري بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم قال بن بطال وهو كما قال لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك وإن كان أصلا فلا يعم جميع المرائي فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه وفيه جواز المبيت في المسجد ومشروعية النيابة في قص الرؤيا وتأدب بن عمر مع النبي صلى الله عليه و سلم ومهابته له حيث لم يقص رؤياه بنفسه وكأنه لما هالته لم يؤثر أن يقصها بنفسه فقصها على أخته لإدلاله عليها وفضل قيام الليل وغير ذلك مما تقدم ذكره وبسطه في كتاب التهجد والله أعلم

(12/419)


( قوله باب الأخذ على اليمين في النوم )
وفي رواية باليمين ذكر فيه حديث بن عمر المذكور قبل من طريق سالم وهو بن عبد الله بن عمر عنه وقد تقدم مستوفى في الذي قبله ولله الحمد ويؤخذ منه أن من أخذ في منامه إذا سار على يمينه يعبر له بأنه من أهل اليمين والعزب بفتح المهملة والزاي ثم موحدة من لا زوجة له ويقال له الأعزب بقلة في الاستعمال وقوله
6626 - أخذاني بالنون وفي رواية بالموحدة
( قوله باب القدح في النوم )
قال أهل التعبير القدح في النوم امرأة أو مال من جهة امرأة وقدح الزجاج يدل على ظهور الأشياء الخفية وقدح الذهب والفضة ثناء حسن ذكر فيه حديث بن عمر المتقدم في باب اللبن وقد مضى شرحه هناك قوله باب إذا طار الشيء في المنام أي الذي من شأنه أن يطير قال أهل التعبير من رأى أنه يطير فإن كان إلى جهة السماء بغير تعريج ناله ضرر فإن غاب في السماء ولم يرجع مات وإن رجع أفاق من مرضه وإن كان يطير عرضا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه فإن كان بجناح فهو مال أو سلطان يسافر في كنفه وإن كان بغير جناح دل على التغرير فيما يدخل فيه وقالوا أن الطيران للشرار دليل ردئ
6628 - قوله يعقوب بن إبراهيم أي بن سعد الزهري وصالح هو بن كيسان قوله عن بن عبيدة بالتصغير أبن نشيط بنون ومعجمة ثم مهملة وزن عظيم ووقع في رواية الكشميهني عن أبي عبيدة جعلها كنية والصواب بن فقد تقدم هذا الحديث بهذا السند في أواخر المغازي في قصة العنسي وقال فيه عن بن عبيدة بغير اختلاف وزاد في موضع آخر اسمه عبد الله قلت وهو الربذي بفتح الراء والموحدة بعدها معجمة أخو موسى بن عبيدة الربذي المحدث المشهور بالضعف

(12/420)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية