صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ فتح الباري - ابن حجر ]
الكتاب : فتح الباري شرح صحيح البخاري
المؤلف : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
الناشر : دار المعرفة - بيروت ، 1379
تحقيق : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
عدد الأجزاء : 13

بن رفاعة عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير زاد خارج الموطأ فيما رواه بن وهب عنه وتابعه إبراهيم بن طهمان عن مالك عند الدارقطني في الغرائب عن أبيه أن رفاعة طلق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثا فنكحها عبد الرحمن فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها فأراد رفاعة أن يتزوجها الحديث ووقع عند أبي داود من طريق الأسود عن عائشة سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن رجل طلق امرأته فتزوجت غيره فدخل بها وطلقها قبل أن يواقعها اتحل للأول قال لا الحديث وأخرج الطبري وبن أبي شيبة من حديث أبي هريرة نحوه والطبري أيضا والبيهقي من حديث أنس كذلك وكذا وقع في رواية حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن عمرو بن حزم طلق الغميصاء فنكحها رجل فطلقها قبل أن يمسها فسألت النبي صلى الله عليه و سلم فقال لا حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته وأخرجه الطبراني ورواته ثقات فإن كان حماد بن سلمة حفظه فهو حديث آخر لعائشة في قصة أخرى غير قصة امرأة رفاعة وله شاهد من حديث عبيد الله بالتصغير بن عباس عند النسائي في ذكره الغميصاء لكن سياقه يشبه سياق قصة رفاعة كما تقدم في أول شرح هذا الحديث وقد قدمت أنه وقع لكل من رفاعة بن سموأل ورفاعة بن وهب أنه طلق امرأته وأن كلا منهما تزوجها عبد الرحمن بن الزبير وأن كلا منهما شكت أنه ليس معه الا مثل الهدبة فلعل إحدى المرأتين شكته قبل أن يفارقها والأخرى بعد أن فارقها ويحتمل أن تكون القصة واحدة ووقع الوهم من بعض الرواة في التسمية أو في النسبة وتكون المرأة شكت مرتين من قبل المفارقة ومن بعدها والله أعلم وأما ما أخرجه أبو داود من حديث بن عباس قال طلق عبد يزيد أبو ركانة أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت ما يغني عني الا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه قال فقال النبي صلى الله عليه و سلم لعبد يزيد طلقها وراجع أم ركانة ففعل فليس فيه حجة لمسألة العنين والله أعلم بالصواب

(9/469)


( قوله باب واللائي يئسن من المحيض من نسائكم أن ارتبتم )
سقط لفظ باب لأبي ذر وكريمة وثبت للباقين ووقع عند بن بطال كتاب العدة باب قول الله الخ والعدة اسم لمدة تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها أما بالولادة أو بالإقراء أو الأشهر قوله قال مجاهد أن لم تعلموا يحضن أو لا يحضن أي فسر قوله تعالى أن ارتبتم أي لم تعلموا وقوله واللائي قعدن عن الحيض أي حكمهن حكم اللائي يئسن وقوله واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر أي أن حكم اللائي لم يحضن أصلا ورأسا حكمهن في العدة حكم اللائي يئسن فكان تقدير الآية واللائي لم يحضن كذلك لأنها وقعت بعد قوله فعدتهن ثلاثة أشهر وأثر مجاهد هذا وصله الفريابي وتقدم بيانه في تفسير سورة الطلاق وأخرج بن أبي حاتم من طريق يونس عن الزهري قال الارتياب والله اعلم في المرأة التي تشك في قعودها عن الولد وفي حيضها اتحيض أو لا وتشك في انقطاع حيضها بعد أن كانت تحيض وتشك في صغرها هل بلغت المحيض أم لا وتشك في حملها أبلغت أن تحمل أو لا فما ارتبتم فيه من ذلك فالعدة فيه ثلاثة أشهر وهذا الذي جزم به الزهري مختلف فيه فيمن انقطع حيضها بعد أن كانت تحيض فذهب أكثر فقهاء الأمصار إلى أنها تنتظر الحيض إلى أن تدخل في السن الذي لا يحيض فيه مثلها فتعتد حينئذ تسعة أشهر وعن مالك والأوزاعي تربص تسعة أشهر فإن حاضت وإلا اعتدت ثلاثة وعن الأوزاعي أن كانت شابة فسنة وحجة الشافعي والجمهور ظاهر القرآن فإنه صريح في الحكم للايسة والصغيرة وأما التي تحيض ويتأخر حيضها فليست آيسة لكن لمالك في قوله سلف وهو عمر فقد صح عنه ذلك وذهب الجمهور إلى أن المعنى في قوله أن ارتبتم أي في الحكم لا في اليأس
5012 - قوله أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أي بن عبد الأسد المخزومي وقد تقدم الحديث في تفسير الطلاق من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن كريب عن أم سلمة وذلك لما وقعت المراجعة بينه وبين بن عباس في ذلك وتقدم بيان ذلك مشروحا هناك وقد رواه مالك عن عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة وفيه فدخل أبو سلمة على أم سلمة أورده المصنف هنا مختصرا وأورد القصة من وجهين آخرين باختصار أيضا الطريق الأولى طريق الأعرج أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة كذا رواه الأعرج عن أبي سلمة ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن كريب عن أم سلمة كما تقدم في تفسير سورة الطلاق وفيه قصة لأبي سلمة مع بن عباس وأبي هريرة وأخرجه مسلم من طريق سليمان بن يسار أن بن عباس وأبا سلمة اجتمعا عند أبي هريرة فبعثوا كريبا إلى أم سلمة يسألها عن ذلك فذكرت القصة وهو شاهد لرواية الأعرج وأخرجه مالك في الموطأ عن عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة قال دخلت على أم سلمة وأخرجه النسائي من طريق داود بن أبي عاصم أن أبا سلمة أخبره فذكر قصته مع بن عباس وأبي هريرة قال فأخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وأخرجه أحمد من

(9/470)


طريق بن إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة قال دخلت على سبيعة وهذا الاختلاف على أبي سلمة لا يقدح في صحة الخبر فإن لأبي سلمة اعتناء بالقصة من حين تنازع هو وبن عباس فيها فكأنه لما بلغه الخبر من كريب عن أم سلمة لم يقتنع بذلك حتى دخل عليها ثم دخل علي سبيعة صاحبة القصة نفسها ثم تحملها عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو المسور بن مخرمة كما يأتي في الطريق الثالثة ويحتمل أن يكون أبا هريرة فإن في آخر الحديث عند النسائي فقال أبو هريرة أشهد على ذلك فيحتمل أن يكون أبو سلمة ابهمه أولا لما قال أخبرني رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأما ما أخرجه عبد بن حميد من رواية صالح بن أبي حسان عن أبي سلمة فذكر قصته مع بن عباس وأبي هريرة قال فأرسلوا ألى عائشة فذكرت حديث سبيعة فهو شاذ وصالح بن أبي حسان مختلف فيه ولعل هذا هو سبب الوهم الذي حكاه الحميدي عن بن مسعود وذكرته في تفسير الطلاق ووقع في رواية أبان العطار عن يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث أن بن عباس احتج بقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا وأن أبا سلمة قال له يا بن عباس أقال الله آخر الأجلين أرأيت لو مضت أربعة أشهر وعشر ولم تضع اتتزوج فقال لغلامه أذهب إلى أم سلمة الطريق الثانية
5013 - قوله الليث عن يزيد قال الدمياطي في حواشيه هو بن عبد الله بن الهاد ووهم في ذلك وإنما هو بن أبي حبيب كذا أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن إبراهيم بن ملحان عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه وكذا أخرجه الطبراني من طريق عبد الله بن صالح عن الليث قوله أن بن شهاب كتب إليه هو حجة في جواز الرواية بالمكاتبة وقد سبق في غزوة بدر من المغازي معلقا عن الليث عن يونس عن بن شهاب أتم سياقا مما هنا ووصله مسلم من طريق بن وهب عن يونس كذلك ووافقه الزبيدي عن بن شهاب أخرجه بن حبان وأخرجه الطبراني من طريق عقيل عن بن شهاب فخالف في بعض رواته قوله عن أبيه هو عبد الله بن عتبة بن مسعود وقد سلف في تفسير الطلاق أن بن سيرين حدث به عن عبد الله بن عتبة عن سبيعة فيحتمل أن يكون عبد الله بن عتبة لقي سبيعة بعد أن كان بلغه عنها ممن سيذكر من الوسائط ويحتمل أن يكون أرسله عنها لابن سيرين وأخرجه أحمد من طريق قتادة عن خلاس عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود أن سبيعة بنت الحارث الحديث قوله أنه كتب إلى بن الأرقم جزم جمع من الشراح أنه عبد الله بن الأرقم الزهري الصحابي المشهور ووهموا في ذلك وإنما هو ولده عمر بن عبد الله كذلك وقع واضحا مفسرا في رواية يونس وليس لعمر المذكور في الصحيحين سوى هذا الحديث الواحد ووقع في رواية عقيل عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أباه كتب إليه أن الق سبيعة فسلها كيف قضى لها قال فأخبرني زفر بن أوس بن الحدثان أن سبيعة أخبرته والقائل أخبرني زفر هو عبيد الله بن عبد الله بين ذلك النسائي في روايته من طريق أبي زيد بن أنيسة عن يزيد بن أبي حبيب عن بن شهاب ووضح بذلك أن لابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فيه طريقين الطريق الثالثة رواية هشام بن عروة عن ابية عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية نفست وهذا يحتمل أن يكون المسور حمله أو أرسله عن سبيعة أو حضر القصة فإنه حفظ خطبة النبي صلى الله عليه و سلم في شأن فاطمة الزهراء وكانت قبل قصة سبيعة فلعله حضر قصة سبيعة أيضا قوله في الطريق الأولى أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة هي بمهملة وموحدة ثم مهملة تصغير سبع ووقع في المغازي سبيعة

(9/471)


بنت الحارث وذكرها بن سعد في المهاجرات ووقع في رواية لابن إسحاق عند أحمد سبيعة بنت أبي برزة الأسلمي فإن كان محفوظا فهو أبو برزة آخر غير الصحابي المشهور وهو أما كنية للحارث والد سبيعة أو نسبت في الرواية المذكورة إلى جد لها قوله كانت تحت زوجها تقدم في غزوة بدر أيضا تسميته سعد بن خولة وفيه أنه من بني عامر بن لؤي وثبت فيه أنه كان من حلفائهم قوله توفي عنها تقدم هناك أنه توفي في حجة الوداع ونقل بن عبد البر الاتفاق على ذلك وفي ذلك نظر فقد ذكر محمد بن سعد أنه مات قبل الفتح وذكر الطبري أنه مات سنة سبع وقد ذكرت شيئا من ذلك في كتاب الوصايا وتقدم في تفسير الطلاق أنه قتل ومعظم الروايات على أنه مات وهو المعتمد ووقع للكرماني لعل سبيعة قالت قتل بناء على ظن منها في ذلك فتبين أنه لم يقتل وهذا الجمع بمجه السمع وإذا ظنت سبيعة أنه قتل ثم تبين لها أنه لم يقتل فكيف تجزم بعد دهر طويل بأنه قتل فالمعتمد أن الرواية التي فيها قتل أن كانت محفوظة ترجحت لأنها لا تنافي مات أو توفي وأن لم يكن في نفس الأمر قتل فهي رواية شاذة قوله فخطبها أبو السنابل بمهملة ونون ثم موحدة جمع سنبلة اختلف في اسمه فقيل عمرو قاله بن البرقي عن بن هشام عمن يثق به عن الزهري وقيل عامر روى عن بن إسحاق وقيل حبة بموحدة بعد المهملة وقيل بنون وقيل لبيدريه وقيل أصرم وقيل عبد الله ووقع في بعض الشروح وقيل بغيض قلت وهو غلط والسبب فيه أن بعض الأئمة سئل عن اسمه فقال بغيض يسأل عن بغيض فظن الشارح أنه اسمه وليس كذلك لأن في بقية الخبر اسمه لبيدريه وجزم العسكري بأن اسمه كنيته وبعكك بموحدة ثم مهملة ثم كافين بوزن جعفر بن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار وكذا نسبه بن إسحاق وقيل هو بن بعكك بن الحجاج بن الحارث بن السباق نقل ذلك عن بن الكلبي بن عبد البر قال وكان من المؤلفة وسكن الكوفة وكان شاعرا ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال لا يعلم أن أبا السنابل عاش بعد النبي صلى الله عليه و سلم كذا قال لكن جزم بن سعد أنه بقي بعد النبي صلى الله عليه و سلم زمنا وقال بن منده في الصحابة عداده في أهل الكوفة وكذا قال أبو نعيم أنه سكن الكوفة وفيه نظر لأن خليفة قال أقام بمكة حتى مات وتبعه بن عبد البر ويؤيد كونه عاش بعد النبي صلى الله عليه و سلم قول بن البرقي أن أبا السنابل تزوج سبيعة بعد ذلك واولدها سنابل بن أبي السنابل ومقتضى ذلك أن يكون أبو السنابل عاش بعد النبي صلى الله عليه و سلم لأنه وقع في رواية عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة أنها تزوجب الشاب وكذا في رواية داود بن أبي عاصم أنها تزوجت فتى من قومها وتقدم أن قصتها كانت بعد حجة الوداع فيحتاج أن كان الشاب دخل عليها ثم طلقها إلى زمان عدة منه ثم إلى زمان الحمل حتى تضع وتلد سنابل حتى صار أبوه يكنى به أبا السنابل وقد أفاد محمد بن وضاح فيما حكاه بن بشكوال وغيره عنه أن اسم الشاب الذي خطب سبيعة هو وأبو السنابل فآثرته على أبي السنابل ابو البشر بن الحارث وضبطه بكسر الموحة وسكون المعجمة وقد أخرج الترمذي والنسائي قصة سبيعة من رواية الأسود عند أبي السنابل بسند على شرط الشيخين إلى الأسود وهو من كبار التابعين من أصحاب بن مسعود ولم يوصف بالتدليس فالحديث صحيح على شرط مسلم لكن البخاري على قاعدته في اشتراط ثبوت اللقاء ولو مرة فلهذا قال ما نقله الترمذي قوله فأبت أن تنكحه وقع في رواية الموطأ فخطبها رجلان أحدهما شاب وكهل فحطت إلى الشاب فقال الكهل لم تحلي وكان أهلها غيبا فرجا أن يؤثروه بها قوله فقالت والله ما يصلح أن تنكحيه

(9/472)


حتى تعتدي آخر الأجلين فمكثت قريبا من عشر ليال ثم جاءت النبي صلى الله عليه و سلم فقال انكحي قال عياض هكذا وقع عند جميعهم فقالت والله ما يصلح الا لابن السكن فعنده فقال مكان فقالت وهو الصواب قلت وكذا في الأصل الذي عندنا من رواية أبي ذر عن مشايخه بل قال بن التين أنه عند جميعهم فقال الا عند القابسي فقالت بزيادة التاء وهذا أقرب مما قال عياض ثم قال عياض والحديث مبتور نقص منه قولها فنفست بعد ليال فخطبت الخ قلت قد ثبت المحذوف في رواية بن ملحان التي أشرت إليها عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه ولفظه فمكثت قريبا من عشرين ليلة ثم نفست وقد وقع البخاري اختصار المتن في الطريق الثانية بأبلغ من هذا فإنه اقتصر منه على قوله أنه كتب إلى بن أرقم أن يسأل سبيعة الأسلمية كيف أفتاها النبي صلى الله عليه و سلم فقال أفتاني إذا حللت أن انكح فابهم اسم بن أرقم ونسبه إلى جده كما نبهت عليه وطوى ذكر أكثر القصة وتقديره فأتاها فسألها فأخبرته فكتب إليه الجواب أتى سألتها فذكرت القصة وفي آخرها فقالت الخ وقد وقع بيانه واضحا في تفسير الطلاق من رواية يونس عن الزهري وفيه فكتب عمر بن عبد الله بن الأرقم إلى عبد الله بن عتبة يخبره أن سبيعة بنت الحارث أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خوله فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال مالي أراك تجملت للخطاب ترجين النكاح فإنك والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر قالت سبيعة فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج أن بدا لي وقوله في هذه الطريق الثانية فمكثت قريبا من عشر ليال ثم جاءت النبي صلى الله عليه و سلم قد يخالف في الظاهر قوله في رواية الزهري المذكورة فلما قال لي ذلك جمعت على ثيابي حين أمسيت فإنه ظاهر في أنها توجهت إلى النبي صلى الله عليه و سلم في مساء اليوم الذي قال لها فيه أبو السنابل ما قال ويمكن الجمع بينهما أن يحمل قولها حين أمسيت على إرادة وقت توجهها ولا يلزم منه أن يكون ذلك في اليوم الذي قال لها فيه ما قال قوله في الرواية الثالثة
5014 - أن سبيعة نفست بضم النون وكسر الفاء أي ولدت قوله بعد وفاة زوجها بليال كذا أبهم المدة وكذا في رواية سليمان بن يسار عند مسلم مثله وفي رواية الزهري فلم تنشب أن وضعت ووقع في رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن سبيعة عند أحمد فلم أمكث الا شهرين حتى وضعت وفي رواية داود بن أبي عاصم فولدت لادنى من أربعة أشهر وهذا أيضا مبهم وفي رواية يحيى بن أبي كثير الماضية في تفسير الطلاق فوضعت بعد موته بأربعين ليلة كذا في رواية شيبان عنه وفي رواية حجاج الصواف عند النسائي بعشرين ليلة ووقع عند بن أبي حاتم من رواية أيوب عن يحيى بعشرين ليلة أو خمس عشرة ووقعت في رواية الأسود فوضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين يوما كذا عند الترمذي والنسائي وعند بن ماجة ببضع وعشرين ليلة وكأن الراوي الغي الشك وأتى بلفظ يشمل الامرين ووقع في رواية عبد ربه بن سعيد بنصف شهر وكذا في رواية شعبة بلفظ خمسة عشر نصف شهر وكذا في حديث بن مسعود عند أحمد والجمع بين هذه الروايات متعذر لاتحاد القصة ولعل هذا هو السر في إبهام من أبهم المدة إذ محل الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر

(9/473)


وعشر وهو هنا كذلك فأقل ما قيل في هذه الروايات نصف شهر وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاري رواية عشر ليال وفي رواية للطبراني ثمان أو سبع فهو في مدة اقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبي صلى الله عليه و سلم لا في مدة بقية الحمل وأكثر ما قيل فيه بالتصريح شهرين وبغيره دون أربعة أشهر وقد قال جمهور العلماء من السلف وائمة الفتوى في الأمصار أن الحامل إذا مات عنها زوجها تحل بوضع الحمل وتنقضي عدة الوفاة وخالف في ذلك على فقال تعتد آخر الأجلين ومعناه أنها أن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها ولا تحل بمجرد الوضع وأن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن علي بسند صحيح وبه قال بن عباس كما في هذه القصة ويقال أنه رجع عنه ويقويه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك وتقدم في تفسير الطلاق أن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنكر على بن سيرين القول بانقضاء عدتها بالوضع وأنكر أن يكون بن مسعود قال بذلك وقد ثبت عن بن مسعود من عدة طرق أنه كان يوافق الجماعة حتى كان يقول من شاء لاعنته على ذلك ويظهر من مجموع الطرق في قصة سبيعة أن أبا السنابل رجع عن فتواه أو لا أنها لا تحل حتى تمضي مدة عدة الوفاة لأنه قد روى قصة سبيعة ورد النبي صلى الله عليه و سلم ما أفتاها أبو السنابل به من أنها لا تحل حتى يمضي لها أربعة أشهر وعشر ولم يرد عن أبي السنابل تصريح في حكمها لو انقضت المدة قبل الوضع هل كان يقول بظاهر إطلاقه من انقضاء العدة أو لا لكن نقل غير واحد الإجماع على أنها لا تنقضي في هذه الحالة الثانية حتى تضع وقد وافق سحنون من المالكية عليا نقله المازري وغيره وهو شذوذ مردود لأنه أحداث خلاف بعد استقرار الإجماع والسبب الحامل له الحرص على العمل بالايتين اللتين تعارض عمومهما فقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا عام في كل من مات عنها زوجها يشمل الحامل وغيرها وقوله تعالى واولات الاحمال اجلهن أن يضعن حملهن عام أيضا يشمل المطلقة والمتوفى عنها فجمع أولئك بين العمومين بقصر الثانية على المطلقة بقرينة ذكر عدد المطلقات كالايسة والصغيرة قبلهما ثم لم يهملوا ما تناولته الآية الثانية من العموم لكن قصروه على من مضت عليها المدة ولم تضع فكان تخصيص بعض العموم أولي وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من الغاء أحدهما في حق بعض من شمله العموم قال القرطبي هذا نظر حسن فإن الجمع أولي من الترجيح باتفاق أهل الأصول لكن حديث سبيعة نص بأنها تحل بوضع الحمل فكان فيه بيان للمراد بقوله تعالى يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا أنه في حق من لم تضع وإلى ذلك أشار بن مسعود بقوله أن آية الطلاق نزلت بعد آية البقرة وفهم بعضهم منه أنه يرى نسخ الأولى بالأخيرة وليس ذلك مراده وإنما يعني أنها مخصصة لها فانها أخرجت منها بعض متناولاتها وقال بن عبد البر لولا حديث سبيعة لكان القول ما قال علي وبن عباس لأنهما عدتان مجتمعان بصفتين وقد اجتمعتا في الحامل المتوفى عنها زوجها فلا تخرج من عدتها الا بيقين واليقين آخر الأجلين وقد اتفق الفقهاء من أهل الحجاز والعراق أن أم الولد لو كانت متزوجة فمات زوجها ومات سيدها معا أن عليها أن تأتي بالعدة والاستبراء بأن تتربص أربعة أشهر وعشرا فيها حيضة أو بعدها ويترجح قول الجمهور أيضا بأن الايتين وأن كانتا عامتين من وجه خاصتين من وجه فكان الاحتياط أن لا تنقضي العدة الا بآخر الأجلين لكن لما كان المعنى المقصود الاصلي من العدة براءة الرحم ولا سيما فيمن تحيض يحصل المطلوب بالوضع ووافق ما دل عليه حديث سبيعة ويقويه قول بن مسعود

(9/474)


في تأخر نزول آية الطلاق عن آية البقرة واستدل بقوله فأفتاني بأني حللت حين وضعت حملي بأنه يجوز العقد عليها إذا وضعت ولو لم تطهر من دم النفاس وبه قال الجمهور وإلى ذلك أشار بن شهاب في آخر حديثه عند مسلم بقوله ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وأن كانت في دمها غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر وقال الشعبي والحسن والنخعي وحماد بن سلمة لا تنكح حتى تطهر قال القرطبي وحديث سبيعة حجة عليهم ولا حجة لهم في قوله في بعض طرقه فلما تعلت من نفاسها لأن لفظ تعلت كما يجوز أن يكون معناه طهرت جاز أن يكون استعلت من ألم النفاس وعلى تقدير تسليم الأول فلا حجة فيه أيضا لأنها حكاية واقعة سبيعة والحجة إنما هو في قول النبي صلى الله عليه و سلم أنها حلت حين وضعت كما في حديث الزهري المتقدم ذكره وفي رواية معمر عن الزهري حللت حين وضعت حملك وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي بن كعب أن امرأته أم الطفيل قالت لعمر قد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم سبيعة أن تنكح إذا وضعت وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى أن يضعن حملهن فعلق الحل بحين الوضع وقصره عليه ولم يقل إذا طهرت ولا إذا انقطع دمك فصح ما قال الجمهور وفي قصة سبيعة من الفوائد أن الصحابة كانوا يفتون في حياة النبي صلى الله عليه و سلم وأن المفتي إذا كان له ميل إلى الشيء لا ينبغي له أن يفتي فيه لئلا يحمله الميل إليه على ترجيح ما هو مرجوح كما وقع لأبي السنابل حيث أفتي سبيعة أنها لا تحل بالوضع لكونه كان خطبها فمنعته ورجا أنها إذا قبلت ذلك منه وانتظرت مضى المدة حضر أهلها فرغبوها في زواجه دون غيره وفيه ما كان في سبيعة من الشهامة والفطنة حيث ترددت فيما أفتاها به حتى حملها ذلك على استيضاح الحكم من الشارع وهكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتى أو حكم الحاكم في مواضع الاجتهاد أن يبحث عن النص في تلك المسألة ولعل ما وقع من أبي السنابل من ذلك هو السر في إطلاق النبي صلى الله عليه و سلم أنه كذب في الفتوى المذكورة كما أخرجه أحمد من حديث بن مسعود على أن الخطأ قد يطلق عليه الكذب وهو في كلام أهل الحجاز كثير وحمله بعض العلماء على ظاهره فقال إنما كذبه لأنه كان عالما بالقصة وأفتى بخلافه حكاه بن داود عن الشافعي في شرح المختصر وهو بعيد وفيه الرجوع في الوقائع إلى الأعلم ومباشرة المرأة السؤال عما ينزل بها ولو كان مما يستحي النساء من مثله لكن خروجها من منزلها ليلا يكون أستر لها كما فعلت سبيعة وفيه أن الحامل تنقضي عدتها بالوضع على أي صفة كان من مضغة أو من علقة سواء استبان خلق الآدمي أم لا لأنه صلى الله عليه و سلم رتب الحل على الوضع من غير تفصيل وتوقف بن دقيق العيد فيه من جهة أن الغالب في إطلاق وضع الحامل هو الحمل التام المتخلق وأما خروج المضغة أو العلقة فهو نادر والحمل على الغالب أقوى ولهذا نقل عن الشافعي قول بأن العدة لا تنقضي بوضع قطعة لحم ليس فيها صورة بينة ولا خفية وأجيب عن الجمهور بأن المقصود في انقضاء العدة براءة الرحم وهو حاصل بخروج المضغة أو العلقة بخلاف أم الولد فإن المقصود منها الولادة وما لا يصدق عليه أنه أصل آدمي لا يقال فيه ولدت وفيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها لأن في رواية الزهري التي في المغازي فقال مالي أراك تجملت للخطاب وفي رواية بن إسحاق فتهيأت للنكاح واختضبت وفي رواية معمر عن الزهري عند أحمد فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت وفي رواية الأسود فتطيبت وتصنعت وذكر الكرماني أنه وقع في بعض طرق حديث سبيعة أن زوجها مات وهي حاملة وفي معظمها حامل وهو الأشهر لأن الحمل من صفات النساء فلا يحتاج إلى علامة التأنيث ووجه الأول أنه أريد بأنها ذات حمل بالفعل كما قيل في قوله تعالى تذهل كل

(9/475)


مرضعة فلو أريد أن الارضاع من شأنها لقيل كل مرضع اه والذي وقفنا عليه في جميع الروايات وهي حامل وفي كلام أبي السنابل لست بناكح واستدل به على أن المرأة لا يجب عليها التزويج لقولها في الخبر من طريق الزهري وامرني بالتزويج أن بدا لي وهو مبين للمراد من قوله في رواية سليمان بن يسار وأمرها بالتزويج فيكون معناه وأذن لها وكذا ما وقع في الطريق الأولى من الباب فقال انكحي وفي رواية بن إسحاق عند أحمد فقد حللت فتزوجي ووقع في رواية الأسود عن أبي السنابل عند بن ماجة في آخره فقال أن وجدت زوجا صالحا فتزوجي وفي حديث بن مسعود عند أحمد إذا أتاك أحد ترضينه وفيه أن الثيب لا تزوج الا برضاها من ترضاه ولا اجبار لأحد عليها وقد تقدم بيانه في غير هذا الحديث
( قوله باب قول الله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء )
سقط لفظ باب لأبي ذر والمراد بالمطلقات هنا ذوات الحيض كما دلت عليه آية سورة الطلاق المذكورة قبل والمراد بالتربص الانتظار وهو خبر بمعنى الأمر وقرأ الجمهور قروء بالهمز وعن نافع بتشديد الواو بغير همز قوله وقال إبراهيم هو النخعي فيمن تزوج في العدة فحاضت عنده ثلاث حيض بانت من الأول ولا تحتسب به لمن بعده وقال الزهري تحتسب وهذا أحب إلى سفيان زاد في نسخة الصغاني يعني قول الزهري وصله بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان وهو الثوري عن مغيرة عن إبراهيم في رجل طلق فحاضت فتزوجها رجل فحاضت قال بانت من الأول ولا تحتسب الذي بعده وعن سفيان عن معمر عن الزهري تحتسب قال بن عبد البر لا أعلم أحدا ممن قال الإقراء الاطهار يقول هذا غير الزهري قال ويلزم على قوله أن المعتدة لا تحل حتى تدخل في الحيضة الرابعة وقد اتفق علماء المدينة من الصحابة فمن بعدهم وكذا الشافعي ومالك وأحمد واتباعهم على أنها إذا طعنت في الحيضة الثالثة طهرت بشرط أن يقع طلاقها في الطهر وأما لو وقع في الحيض لم تعتد بتلك الحيضة وذهب الجمهور إلى ان من اجتمعت عليها عدتان أنها تعتد عدتين وعن الحنفية ورواية عن مالك يكفي لها عدة واحدة كقول الزهري والله أعلم قوله وقال معمر يقال أقرأت المرأة الخ معمر هو أبو عبيدة بن المثنى وقد تقدم بيان ذلك عنه في أوائل تفسير سورة النور وقوله بسلى بكسر الموحدة وفتح المهملة والتنوين بغير همز السلى هو غشاء الولد وقال الأخفش اقرأت المرأة إذا صارت ذات حيض والقرء انقضاء الحيض ويقال هو الحيض نفسه ويقال هو من الأضداد ومراد أبي عبيدة أن القرء يكون بمعنى الطهر وبمعنى الحيض وبمعنى الضم والجمع وهو كذلك وجزم به بن بطال وقال لما احتملت الآية واختلف العلماء في المراد بالإقراء فيها ترجح قول من قال أن الإقراء الاطهار بحديث بن عمر حيث أمره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يطلق في الطهر وقال في حديثه فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء فدل على أن المراد بالإقراء الاطهار والله أعلم

(9/476)


( قوله قصة فاطمة بنت قيس )
كذا للأكثر ولبعضهم باب وبه جزم بن بطال والإسماعيلي وفاطمة هي بنت قيس بن خالد من بني محارب بن فهر بن مالك وهي أخت الضحاك بن قيس الذي ولي العراق ليزيد بن معاوية وقتل بمرج راهط وهو من صغار الصحابة وهي أسن منه وكانت من المهاجرات الأول وكان لها عقل وجمال وتزوجها أبو عمرو بن حفص ويقال أبو حفص بن عمرو بن المغيرة المخزومي وهو بن عم خالد بن الوليد بن المغيرة فخرج مع علي لما بعثه النبي صلى الله عليه و سلم إلى اليمن فبعث إليها بتطليقة ثالثة بقيت لها وأمر ابني عميه الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة أن يدفعا لها تمرا وشعيرا فاستقلت ذلك وشكت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال لها ليس لك

(9/477)


سكنى ولا نفقة هكذا أخرج مسلم قصتها من طرق متعددة عنها ولم أرها في البخاري وإنما ترجم لها كما ترى وأورد أشياء من قصتها بطريق الإشارة إليها ووهم صاحب العمدة فأورد حديثها بطوله في المتفق واتفقت الروايات عن فاطمة على كثرتها عنها أنها بانت بالطلاق ووقع في آخر صحيح مسلم في حديث الجساسة عن فاطمة بنت قيس نكحت بن المغيرة وهو من خيار شباب قريش يومئذ فأصيب في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما تأيمت خطبني أبو جهم الحديث وهذه الرواية وهم ولكن أولها بعضهم على أن المراد أصيب بجراحه أو أصيب في ماله أو نحو ذلك حكاه النووي وغيره والذي يظهر أن المراد بقولها أصيب أي مات على ظاهره وكان في بعث علي إلى اليمن فيصدق أنه أصيب في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم أي في طاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يلزم من ذلك أن تكون بينونتها منه بالموت بل بالطلاق السابق على الموت فقد ذهب جمع جم إلى أنه مات مع علي باليمن وذلك بعد أن أرسل إليها بطلاقها فإذا جمع بين الروايتين استقام هذا التأويل وارتفع الوهم ولكن يبعد بذلك قول من قال أنه بقي إلى خلافة عمر قوله وقول الله عز و جل واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن الآية كذا للأكثر وللنسفي بعد قوله بيوتهن إلى قوله بعد عسر يسرا وساق الآيات كلها إلى يسرا في رواية كريمة
5015 - قوله إسماعيل هو بن أبي أويس قوله يحيى بن سعيد بن العاص أي بن سعيد بن العاص بن أمية وكان أبوه أمير المدينة لمعاوية ويحيى هو أخو عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق قوله طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم هي بنت أخي مروان الذي كان أمير المدينة أيضا لمعاوية حينئذ وولي الخلافة بعد ذلك واسمها عمرة فيما قيل وسيأتي في الخبر الثالث أنه طلقها البتة قوله قال مروان في حديث سليمان أن عبد الرحمن غلبني وهو موصول بالإسناد المذكور إلى يحيى بن سعيد وهو الذي فصل بين حديثي شيخيه فساق ما اتفقا عليه ثم بين لفظ سليمان وهو بن يسار وحده ولفظ القاسم بن محمد وحده وقول مروان أن عبد الرحمن غلبني أي لم يطعني في ردها إلى بيتها وقيل مراده غلبني بالحجة لأنه احتج بالشر الذي كان بينهما قوله قالت لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة أي لأنه لا حجة فيه لجواز انتقال المطلقة من منزلها بغير سبب قوله فقال مروان بن الحكم أن كان بك شر أي أن كان عندك أن سبب خروج فاطمة ما وقع بينها وبين اقارب زوجها من الشر فهذا السبب موجود ولذلك قال فحسبك ما بين هذين من الشر وهذا مصير من مروان إلى الرجوع عن رد خبر فاطمة فقد كان أنكر ذلك على فاطمة بنت قيس كما أخرجه النسائي من طريق شعيب عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان طلق بنت سعيد بن زيد البتة وأمها حزمة بنت قيس فامرتها خالتها فاطمة بنت قيس بالانتقال فسمع بذلك مروان فأنكر فذكرت أن خالتها أخبرتها ان رسول الله صلى الله عليه و سلم أفتاها بذلك فأرسل مروان قبيصة بن ذؤيب إلى فاطمة يسألها عن ذلك فذكرت الحديث وأخرجه مسلم من طريق معمر عن الزهري دون ما في أوله وزاد فقال مروان لم يسمع هذا الحديث الا من امرأة فسنأخذ بالعصمة التي وجدنا عليها الناس وسيأتي له طريق أخرى في الباب الذي بعده فكأن مروان أنكر الخروج مطلقا ثم رجع إلى الجواز بشرط وجود عارض يقتضي جواز خروجها من منزل الطلاق كما سيأتي
5016 - قوله حدثنا محمد بن بشار كذا في الروايات التي اتصلت لنا من طريق الفربري وكذا أخرجه الإسماعيلي عن بن عبد الكريم عن بندار وهو محمد بن بشار وقال المزي في الأطراف أخرجه البخاري عن محمد غير منسوب وهو محمد بن بشار كذا

(9/478)


نسبه أبو مسعود قلت ولم أره غير منسوب الا في رواية النسفي عن البخاري وكأنه وقع كذلك في أطراف خلف ومنها نقل المزي ولم انبه على هذا الموضع في المقدمة اعتمادا على ما اتصل لنا من الروايات إلى الفربري قوله عن عائشة أنها قالت ما لفاطمة الا تتقي الله يعني في قولها لا سكنى ولا نفقة وقع في رواية مسلم من هذا الوجه ما لفاطمة خير أن تذكر هذا كأنها تشير إلى أن سبب الإذن في انتقال فاطمة ما تقدم في الخبر الذي قبله ويؤيده ما أخرج النسائي من طريق ميمون بن مهران قال قدمت المدينة فقلت لسعيد بن المسيب أن فاطمة بنت قيس طلقت فخرجت من بيتها فقال انها كانت لسنة ولأبي داود من طريق سليمان بنيسار انما كان ذلك من سوء الخلق
5017 - قوله سفيان هو الثوري قوله قال عروة أي بن الزبير لعائشة ألم تري إلى فلانة بنت الحكم نسبها إلى جدها وهي بنت عبد الرحمن بن الحكم كما في الطريق الأولى قوله فقالت بئس ما صنعت في رواية الكشميهني ما صنع أي زوجها في تمكينها من ذلك أو أبوها في موافقتها ولهذا أرسلت عائشة إلى مروان عمها وهو الأمير أن يردها إلى منزل الطلاق قوله ألم تسمعي قول فاطمة يحتمل أن يكون فاعل قال هو عروة قوله قالت أما أنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث في رواية مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه تزوج يحيى بن سعيد بن العاص بنت عبد الرحمن بن الحكم فطلقها وأخرجها فأتيت عائشة فأخبرتها فقالت ما لفاطمة خير في أن تذكر هذا الحديث كأنها تشير إلى ما تقدم وأن الشخص لا ينبغي له أن يذكر شيئا عليه فيه غضاضة قوله وزاد بن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عابت عائشة أشد العيب وقالت أن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك ارخص لها النبي صلى الله عليه و سلم وصله أبو داود من طريق بن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد بلفظ لقد عابت وزاد يعني فاطمة بنت قيس وقوله وحش بفتح الواو وسكون المهملة بعدها معجمة أي خال لا أنيس به ولرواية بن أبي الزناد هذه شاهد من رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة لكن قال عن أبيه عن فاطمة بنت قيس قالت قلت يا رسول الله أن زوجي طلقني ثلاثا فأخاف أن يقتحم علي فأمرها فتحولت وقد أخذ البخاري الترجمة من مجموع ما ورد في قصة فاطمة فرتب الجواز على أحد الامرين أما خشية الاقتحام عليها وإما أن يقع منها على أهل مطلقها فحش من القول ولم ير بين الامرين في قصة فاطمة معارضة لاحتمال وقوعهما معا في شأنها وقال بن المنير ذكر البخاري في الترجمة علتين وذكر في الباب واحدة فقط وكأنه أومأ إلى الأخرى أما لورودها على غير شرط وأما لأن الخوف عليها إذا اقتضى خروجها فمثله الخوف منها بل لعله أولي في جواز اخراجها فلما صح عنده معنى العلة الأخرى ضمنها الترجمة وتعقب بأن الاقتصار في بعض طرق الحديث على بعضه لا يمنع قبول بعض آخر إذا صح طريقة فلا مانع أن يكون أصل شكواها ما تقدم من استقلال النفقة وأنه اتفق أنه بدا منها بسبب ذلك شر لاصهارها واطلع النبي صلى الله عليه و سلم عليه من قبلهم وخشي عليها أن استمرت هناك أن يتركوها بغير أنيس فأمرت بالانتقال قلت ولعل البخاري أشار بالثاني إلى ما ذكره في الباب قبله من قول مروان لعائشة أن كان بك شر فإنه يوميء إلى أن السبب في ترك أمرها بملازمة السكن ما وقع بينها وبين اقارب زوجها من الشر وقال بن دقيق العيد سياق الحديث يقتضي أن سبب الحكم أنها اختلفت مع الوكيل بسبب استقلالها ما أعطاها وإنها لما قال لها الوكيل لا نفقة لك سألت النبي صلى الله عليه و سلم فأجابها بأنها لا نفقة لها ولا سكنى فاقتضى أن التعليل إنما هو

(9/479)


بسبب ما جرى من الاختلاف لا بسبب الاقتحام والبذاءة فإن قام دليل أقوى من هذا الظاهر عمل به قلت المتفق عليه في جميع طرقه أن الاختلاف كان في النفقة ثم اختلفت الروايات ففي بعضها فقال لا نفقة لك ولا سكنى وفي بعضها أنه لما قال لها لا نفقة لك استأذنته في الانتقال فأذن لها وكلها في صحيح مسلم فإذا جمعت ألفاظ الحديث من جميع طرقه خرج منها أن سبب استئذانها في الانتقال ما ذكر من الخوف عليها ومنها واستقام الاستدلال حينئذ على أن السكنى لم تسقط لذاتها وإنما سقطت للسبب المذكور نعم كانت فاطمة بنت قيس تجزم بإسقاط سكنى البائن ونفقتها وتستدل لذلك كما سيأتي ذكره ولهذا كانت عائشة تنكر عليها تنبيه طعن أبو محمد بن حزم في رواية بن أبي الزناد المعلقة فقال عبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف جدا وحكم على روايته هذه بالبطلان وتعقب بأنه مختلف فيه ومن طعن فيه لم يذكر ما يدل على تركه فضلا عن بطلان روايته وقد جزم يحيى بن معين بأنه أثبت الناس في هشام بن عروة وهذا من روايته عن هشام فلله در البخاري ما أكثر استحضاره وأحسن تصرفه في الحديث والفقه وقد اختلف السلف في نفقة المطلقة البائن وسكناها فقال الجمهور لا نفقة لها ولها السكنى واحتجوا لإثبات السكنى بقوله تعالى اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولاسقاط النفقة بمفهوم قوله تعالى وأن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن مفهومة أن غير الحامل لا نفقة لها وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى والسياق يفهم أنها في غير الرجعية لأن نفقة الرجعية واجبة لو لم تكن حاملا وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى على ظاهر حديث فاطمة بنت قيس ونازعوا في تناول الآية الأولى المطلقة البائن وقد احتجت فاطمة بنت قيس صاحبة القصة على مروان حين بلغها إنكاره بقولها بيني وبينكم كتاب الله قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن إلى قوله يحدث بعد ذلك أمرا قالت هذا لمن كانت له مراجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث وإذا لم يكن لها نفقة وليست حاملا فعلام يحبسونها وقد وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى يحدث بعد ذلك أمرا المراجعة قتادة والحسن والسدي والضحاك أخرجه الطبري عنهم ولم يحك عن أحد غيرهم خلافة وحكى غيره أن المراد بالأمر ما يأتي من قبل الله تعالى من نسخ أو تخصيص أو نحو ذلك فلم ينحصر ذلك في المراجعة وأما ما أخرجه أحمد من طريق الشعبي عن فاطمة في آخر حديثها مرفوعا إنما السكنى والنفقة لمن يملك الرجعة فهو في أكثر الروايات موقوف عليها وقد بين الخطيب في المدرج أن مجالد بن سعيد تفرد برفعه وهو ضعيف ومن أدخله في رواية غير رواية مجالد عن الشعبي فقد ادرجه وهو كما قال وقد تابع بعض الرواة عن الشعبي في رفعه مجالدا لكنه أضعف منه وأما قولها إذا لم يكن لها نفقة فعلام يحبسونها فأجاب بعض العلماء عنه بأن السكنى التي تتبعها النفقة هو حال الزوجية الذي يمكن معه الاستمتاع ولو كانت رجعية وأما السكنى بعد البينونة فهو حق لله تعالى بدليل أن الزوجين لو اتفقا على إسقاط العدة لم تسقط بخلاف الرجعية فدل على أن لا ملازمة بين السكنى والنفقة وقد قال بمثل قول فاطمة أحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأتباعهم وذهب أهل الكوفة من الحنفية وغيرهم الي أن لها النفقة والكسوة وأجابوا عن الآية بأنه تعالى إنما قيد النفقة بحالة الحمل ليدل على ايجابها في غير حالة الحمل بطريق الأولى لأن مدة الحمل تطول غالبا ورده بن السمعاني بمنع العلة في طول مدة الحمل بل تكون مدة الحمل اقصر من غيرها تارة واطول أخرى فلا اولوية وبأن قياس الحائل على الحامل فاسد لأنه يتضمن إسقاط تقييد ورد به النص في

(9/480)


القرآن والسنة وأما قول بعضهم أن حديث فاطمة أنكره السلف عليها كما تقدم من كلام عائشة وكما أخرج مسلم من طريق أبي إسحاق كنت مع الأسود بن يزيد في المسجد فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة فأخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به وقال ويلك تحدث بهذا قال عمر لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن فالجواب عنه أن الدارقطني قال قوله في حديث عمر وسنة نبينا غير محفوظ والمحفوظ لا ندع كتاب ربنا وكان الحامل له على ذلك أن أكثر الروايات ليست فيها هذه الزيادة لكن ذلك لا يرد رواية النفقة ولعل عمر أراد بسنة النبي صلى الله عليه و سلم ما دلت عليه احكامه من أتباع كتاب الله لا أنه أراد سنة مخصوصة في هذا ولقد كان الحق ينطق على لسان عمر فإن قوله لا ندري حفظت أو نسيت قد ظهر مصداقه في أنها أطلقت في موضع التقييد أو عممت في موضع التخصيص كما تقدم بيانه وأيضا فليس في كلام عمر ما يقتضي إيجاب النفقه وإنما أنكر إسقاط السكنى وادعى بعض الحنفية أن في بعض طرق حديث عمر للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة ورده بن السمعاني بأنه من قول بعض المجازفين فلا تحل روايته وقد أنكر أحمد ثبوت ذلك عن عمر أصلا ولعله أراد ما ورد من طريق إبراهيم النخعي عن عمر لكونه لم يلقه وقد بالغ الطحاوي في تقرير مذهبه فقال خالفت فاطمة سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم لأن عمر روى خلاف ما روت فخرج المعنى الذي أنكر عليها عمر خروجا صحيحا وبطل حديث فاطمة فلم يجب العمل به أصلا وعمدته على ما ذكر من المخالفة ما روى عمر بن الخطاب فإنه أورده من طريق إبراهيم النخعي عن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لها السكنى والنفقة وهذا منقطع لا تقوم به حجة
( قوله باب المطلقة إذا خشي عليها في مسكن زوجها )
أن يقتحم عليها أو تبذو على أهلها بفاحشة في رواية الكشميهني على أهله والاقتحام الهجوم على الشخص بغير إذن والبذاء بالموحدة والمعجمة القول الفاحش
5018 - قوله حبان بكسر أوله والموحدة هو بن موسى وعبد الله هو بن المبارك قوله ان عائشة أنكرت ذلك على فاطمة كذا أورده من طريق بن جريج عن بن شهاب مختصرا وأورده مسلم من طريق صالح بن كيسان عن بن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه و سلم تستفتيه في خروجها من بيتها فأمرها أن تنتقل إلى بن أم مكتوم الأعمى فأبى مروان أن يصدق في خروج المطلقة من بيتها وقال عروة أن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس

(9/481)


( قوله باب قول الله ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن )
من الحيض والحمل كذا للأكثر وهو تفسير مجاهد وفصل أبو ذر بين أرحامهن وبين من بدائرة إشارة إلى انه أريد به التفسير لا أنها قراءة وسقط حرف من للنسفي وأخرج الطبري عن طائفة أن المراد به الحيض وعن اخرين الحمل وعن مجاهد كلاهما والمقصود من الآية أن أمر العدة لما دار على الحيض والطهر والاطلاع على ذلك يقع من جهة النساء غالبا جعلت المرأة مؤتمنة على ذلك وقال إسماعيل القاضي دلت الآية أن المرأة المعتدة مؤتمنة على رحمها من الحمل والحيض الا أن تأتي من ذلك بما يعرف كذبها فيه وقد أخرج الحاكم في المستدرك من حديث أبي بن كعب أن من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها هكذا أخرجه موقوفا في تفسير سورة الأحزاب ورجاله رجال الصحيح وقد تقدم بيان مدة أكثر الحيض واقله في كتاب الحيض والاختلاف في ذلك ثم ذكر المصنف حديث عائشة في قول النبي صلى الله عليه و سلم لصفية لما حاضت في أيام مني انك لحابستنا وقد تقدم شرحه في كتاب الحج قال المهلب فيه شاهد لتصديق النساء فيما يدعينه من الحيض لكون النبي صلى الله عليه و سلم أراد أن يؤخر السفر ويحبس من معه لأجل حيض صفية ولم يمتحنها في ذلك ولا اكذبها وقال بن المنير لما رتب النبي صلى الله عليه و سلم على مجرد قول صفية أنها حائض تأخيره السفر أخذ منه تعدي الحكم إلى الزوج فتصدق المرأة في الحيض والحمل باعتبار رجعة الزوج وسقوطها والحاق الحمل به

(9/482)


( قوله باب وبعولتهن أحق بردهن )
في العدة وكيف يراجع المرأة إذا طلقها واحدة أو ثنتين وقوله فلا تعضلوهن كذا للأكثر وفصل أبو ذر أيضا بين قوله بردهن وبين قوله في العدة بدائرة إشارة إلى أن المراد بأحقية الرجعة من كانت في العدة وهو قول مجاهد وطائفة من أهل التفسير وسقط قوله فلا تعضلوهن من رواية النسفي ثم ذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث معقل بن يسار في تزويج أخته أورده من طريقين الأولى
5020 - قوله حدثني محمد كذا للجميع غير منسوب وهو بن سلام وعبد الوهاب شيخه هو بن عبد المجيد الثقفي ويونس هو بن عبيد البصري الطريق الثانية من طريق سعيد وهو بن أبي عروبة عن قتادة قال في روايته حدثنا الحسن أن معقل بن يسار كانت أخته تحت رجل وقال في رواية يونس عن الحسن زوج معقل أخته وقد تقدم هذا الحديث وشرحه في باب لا نكاح الا بولي من كتاب النكاح وبينت هناك من وصله وأرسله وتقدم في تفسير البقرة أيضا موصولا ومرسلا وقوله فحمى بوزن علم بكسر ثانية وقوله أنفا بفتح الهمزة والنون منون أي ترك الفعل غيظا وترفعا وقوله فترك الحمية لتشديد وقوله واستقاد لأمر الله كذا للأكثر بقاف أي أعطى مقادته والمعنى اطاع وامتثل وفي رواية الكشميهني واستراد براء بدل القاف من الرود وهو الطلب أو المعنى أراد رجوعها ورضي به ونقل بن التين عن رواية القابسي واستفاد بتشديد الدال ورده بأن المفاعلة لا تجتمع مع سين الاستفعال الحديث الثاني حديث بن عمر في طلاق الحائض وتقدم شرحه مستوفي في أول كتاب الطلاق وقوله وزاد فيه غيره عن الليث تقدم بيانه في أول الطلاق أيضا حيث قال فيه وقال الليث الخ وفيه تسمية الغير المذكور وقال بن بطال ما ملخصه المراجعة على ضربين أما في العدة فهي على ما في حديث بن عمر لأن النبي صلى الله عليه و سلم أمره بمراجعتها ولم يذكر انه أحتاج إلى عقد جديد وأما بعد العدة فعلى ما في حديث معقل وقد أجمعوا على أن الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو أحق برجعتها ولو كرهت المرأة ذلك فإن لم يراجع حتى انقضت العدة فتصير أجنبية فلا تحل له الا بنكاح مستأنف واختلف السلف فيما يكون به الرجل مراجعا فقال الأوزاعي إذا جامعها فقد راجعها وجاء ذلك عن بعض التابعين وبه قال مالك وإسحاق بشرط أن ينوي به الرجعة وقال الكوفيون كالأوزاعي وزادوا ولو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة وقال الشافعي لا تكون الرجعة الا بالكلام وانبنى على هذا الخلاف جواز الوطء وتحريمه وحجة الشافعي أن الطلاق مزيل للنكاح وأقرب ما يظهر ذلك في حل الوطء وعدمه لأن الحل معنى يجوز أن يرجع في النكاح ويعود كما في إسلام أحد المشركين ثم إسلام الآخر في العدة وكما يرتفع بالصوم والإحرام والحيض ثم يعود بزوال هذه المعاني وحجة من أجاز أن النكاح لو زال لم تعد المرأة الا بعقد جديد وبصحة الخلع في الرجعية ولوقوع الطلقة الثانية والجواب عن كل ذلك أن النكاح ما زال أصله وإنما زال وصفه وقال

(9/483)


بن السمعاني الحق أن القياس يقتضي أن الطلاق إذا وقع زال النكاح كالعتق لكن الشرع أثبت الرجعة في النكاح دون العتق فافترقا
( قوله باب مراجعة الحائض )
ذكر فيه حديث بن عمر في ذلك وهو ظاهر فيما ترجم له وقد تقدم شرحه مستوفي في أوائل الطلاق

(9/484)


( قوله باب تحد )
بضم أوله وكسر ثانية من الرباعي ويجوز بفتحه ثم ضمة من الثلاثي وقد تقدم بيان ذلك في باب احداد المرأة على غير زوجها من كتاب الجنائز قال أهل اللغة أصل الإحداد المنع ومنه سمي البواب حدادا لمنعه الداخل وسميت العقوبة حدا لأنها تردع عن المعصية وقال بن درستويه معنى الإحداد منع المعتدة نفسها الزينة وبدنها الطيب ومنع الخطاب خطبتها والطمع فيها كما منع الحد المعصية وقال الفراء سمي الحديد حديدا للامتناع به أو لامتناعه على محاولة ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلبه في الجهات ويروي بالجيم حكاه الخطابي قال يروى بالحاء والجيم وبالحاء أشهر والجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته فكأن المرأة انقطعت عن الزينة وقال أبو حاتم أنكر الأصمعي حدت ولم يعرف الا احدت وقال الفراء كان القدماء يؤثرون احدت والأخرى أكثر ما في كلام العرب قوله وقال الزهري لا أرى أن تقرب الصبية الطيب أي إذا كانت ذات زوج فمات عنها وقوله لأن عليها العدة أظنه من تصرف المصنف فإن أثر الزهري وصله بن وهب في موطئه عن يونس عنه بدونها وأصله عند عبد الرزاق عن معمر عنه باختصار وفي التعليل إشارة إلى أن سبب الحاق الصبية بالبالغ في الإحداد وجوب العدة على كل منهما اتفاقا وبذلك احتج الشافعي أيضا واحتج أيضا بأنه يحرم العقد عليها بل خطبتها في العدة واحتج غيره بقوله في حديث أم سلمة في الباب أفنكحلها فإنه يشعر بأنها كانت صغيرة إذ لو كانت كبيرة لقالت أفتكتحل هي وفي الاستدلال به نظر لاحتمال أن يكون معنى قولها أفنكحلها أي أفنمكنها من الاكتحال
5024 - قوله عن زينب بنت أبي سلمة أي بن عبد الأسد وهي بنت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم وهي ربيبة النبي صلى الله عليه و سلم وزعم بن التين أنها لا رواية لها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم كذا قال وقد أخرج لها مسلم حديثها كان أسمي برة فسماني رسول الله صلى الله عليه و سلم زينب الحديث وأخرج لها البخاري حديثا تقدم في أوائل السيرة النبوية قوله أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة تقدم منها الحديثان الاولان في كتاب الجنائز مع كثير من شرحهما والكلام على قوله في الأول حين توفي أبوها وفي الثاني حين توفي أخوها وأنه سمي في بعض الموطآت عبد الله وكذا هو في صحيح بن حبان من طريق أبي مصعب وأن المعروف أن عبد الله بن جحش قتل بأحد شهيدا وزينب بنت أبي سلمة يومئذ طفلة فيستحيل أن تكون دخلت على زينب بنت جحش في تلك الحالة وأنه يجوز أن يكون عبيد الله المصغر فإن دخول زينب بنت أبي سلمة عند بلوغ الخبر إلى المدينة بوفاته كان وهي مميزة وأن يكون أبا أحمد بن جحش فإن اسمه عبد بغير إضافة لأنه مات في خلافة عمر فيجوز أن يكون مات قبل زينب لكن ورد ما يدل على أنه حضر دفنها ويلزم على الامرين أن يكون وقع في الاسم تغيير أو الميت كان أخا زينب بنت جحش من أمها أو من الرضاعة قوله لا يحل استدل به على تحريم الإحداد على غير الزوج وهو واضح وعلى وجوب الاحداد المدة المذكورة على الزوج واستشكل بان الاستثناء وقع بعد النفي فيدل على الحل فوق الثلاث على الزوج لا على الوجوب وأجيب بأن الوجوب استفيد من دليل

(9/485)


آخر كالاجماع ورد بأن المنقول عن الحسن البصري أن الإحداد لا يجب أخرجه بن أبي شيبة ونقل الخلال بسنده عن أحمد عن هشيم عن داود عن الشعبي أنه كان لا يعرف الإحداد قال أحمد ما كان بالعراق أشد تبحرا من هذين يعني الحسن والشعبي قال وخفي ذلك عليهما اه ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج وأن كان فيها رد على من ادعى الإجماع وفي أثر الشعبي تعقب على بن المنذر حيث نفي الخلاف في المسألة الا عن الحسن وأيضا فحديث التي شكت عينها وهو ثالث أحاديث الباب دال على الوجوب وإلا لم يمتنع التداوي المباح وأجيب أيضا بأن السياق يدل على الوجوب فإن كل ما منع منه إذا دل دليل على جوازه كان ذلك الدليل دالا بعينه على الوجوب كالختان والزيادة على الركوع في الكسوف ونحو ذلك قوله لامرأة تمسك بمفهومه الحنفية فقالوا لا يجب الإحداد على الصغيرة وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها كما تجب العدة وأجابوا عن التقييد بالمرأة أنه خرج مخرج الغالب وعن كونها غير مكلفة بأن الولي هو المخاطب بمنعها مما تمنع منه المعتدة ودخل في عموم قوله امرأة المدخول بها وغير المدخول بها حرة كانت أو امة ولو كانت مبعضة أو مكاتبة أو أم ولد إذا مات عنها زوجها لا سيدها لتقييده بالزوج في الخبر خلافا للحنفية قوله تؤمن بالله واليوم الآخر استدل به الحنفية بأن لا احداد على الذمية للتقييد بالإيمان وبه قال بعض المالكية وأبو ثور وترجم عليه النسائي بذلك وأجاب الجمهور بأنه ذكر تأكيدا للمبالغة في الزجر فلا مفهوم له كما يقال هذا طريق المسلمين وقد يسلكه غيرهم وأيضا فالاحداد من حق الزوج وهو ملتحق بالعدة في حفظ النسب فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى كما دخل الكافر في النهي عن السوم على سوم أخيه ولأنه حق للزوجية فأشبه النفقة والسكنى ونقل السبكي في فتاويه عن بعضهم أن الذمية داخلة في قوله تؤمن بالله واليوم الآخر ورد على قائله وبين فساد شبهته فأجاد وقال النووي قيد بوصف الإيمان لأن المتصف به هو الذي ينقاد للشرع قال بن دقيق العيد والأول أولي وفي رواية عند المالكية أن الذمية المتوفى عنها تعتد بالإقراء قال بن العربي هو قول من قال لا احداد عليها قوله على ميت استدل به لمن قال لا احداد على امرأة المفقود لأنه لم تتحقق وفاته خلافا للمالكية قوله الا على زوج أخذ من هذا الحصر أن لا يزاد على الثلاث في غير الزوج أبا كان أو غيره وأما ما أخرجه أبو داود في المراسيل من رواية عمرو بن شعيب أن النبي صلى الله عليه و سلم رخص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام وعلى من سواه ثلاثة أيام فلو صح لكان خصوص الأب يخرج من هذا العموم لكنه مرسل أو معضل لأن جل رواية عمرو بن شعيب عن التابعين ولم يرو عن أحد من الصحابة الا الشيء اليسير عن بعض صغار الصحابة ووهم بعض الشراح فتعقب على أبي داود تخريجه في المراسيل فقال عمرو بن شعيب ليس تابعيا فلا يخرج حديثه في المراسيل وهذا التعقب مردود لما قلناه ولاحتمال أن يكون أبو داود كان لا يخص المراسيل برواية التابعي كما هو منقول عن غيره أيضا واستدل به للاصح عند الشافعية في أن لا احداد على المطلقة فأما الرجعية فلا احداد عليها إجماعا وإنما الاختلاف في البائن فقال الجمهور لا احداد وقالت الحنفية وأبو عبيد وأبو ثور عليها الاحداد قياسا على المتوفى عنها وبه قال بعض الشافعية والمالكية واحتج الأولون بأن الإحداد شرع لأن تركه من التطيب واللبس والتزين يدعو إلى الجماع فمنعت المرأة منه زجرا لها عن ذلك فكان ذلك ظاهرا في حق الميت لأنه يمنعه الموت عن منع المعتدة منه عن التزويج ولا تراعيه هي ولا تخاف منه بخلاف المطلق الحي في كل ذلك ومن ثم وجبت العدة

(9/486)


على كل متوفى عنها وان لم تكن مدخولا بها بخلاف المطلقة قبل الدخول فلا احداد عليها اتفاقا وبأن المطلقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد وتعقب بأن الملاعنة لا احداد عليها وأجيب بأن تركه لفقدان الزوج بعينه لا لفقدان الزوجية واستدل به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال فما دونها وتحريمه فيما زاد عليها وكأن هذا القدر أبيح لأجل حظ النفس ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية ولهذا تناولت أم حبيبة وزينب بنت جحش رضي الله عنهما الطيب لتخرجا عن عهدة الإحداد وصرحت كل منهما بأنها لم تتطيب لحاجة إشارة إلى أن آثار الحزن باقية عندها لكنها لم يسعها الا امتثال الأمر قوله أربعة أشهر وعشرا قبل الحكمة فيه أن الولد يتكامل تخليقه وتنفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يوما وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الاهلة فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط وذكر العشر مؤنثا لإرادة الليالي والمراد مع ايامها عند الجمهور فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة وعن الأوزاعي وبعض السلف تنقضي بمضى الليالي العشر بعد مضي الأشهر وتحل في أول اليوم العاشر واستثنيت الحامل كما تقدم شرح حالها قبل في الكلام على حديث سبيعة بنت الحارث وقد ورد في حديث قوي الإسناد أخرجه أحمد وصححه بن حبان عن أسماء بنت عميس قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب فقال لا تحدي بعد يومك هذا لفظ أحمد وفي رواية له ولابن حبان والطحاوي لما أصيب جعفر أتانا النبي صلى الله عليه و سلم فقال تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت قال شيخنا في شرح الترمذي ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق وهي والدة أولاده عبد الله ومحمد وعون وغيرهم قال بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز وأجاب بأن هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة وقد اجمعوا على خلافة قال ويحتمل أن يقال أن جعفرا قتل شهيدا والشهداء أحياء عند ربهم قال وهذا ضعيف لأنه لم يرد في حق غير جعفر من الشهداء ممن قطع بأنهم شهداء كما قطع لجعفر كحمزة بن عبد المطلب عمه وكعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر اه كلام شيخنا ملخصا وأجاب الطحاوي بأنه منسوخ وأن الإحداد كان على المعتدة في بعض عدتها في وقت ثم أمرت بالاحداد أربعة أشهر وعشرا ثم ساق أحاديث الباب وليس فيها ما يدل على ما ادعاه من النسخ لكنه يكثر من ادعاء النسخ بالاحتمال فجرى على عادته ويحتمل وراء ذلك أجوبة أخرى أحدها أن يكون المراد بالاحداد المقيد بالثلاث قدرا زائدا على الإحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر فنهاها عن ذلك بعد الثلاث ثانيها أنها كانت حاملا فوضعت بعد ثلاث فانقضت العدة فنهاها بعدها عن الإحداد ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى ثلاثا لأنه يحمل على أنه صلى الله عليه و سلم اطلع على أن عدتها تنقضي عند الثلاث ثالثها لعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها احداد رابعها أن البيهقي اعل الحديث بالانقطاع فقال لم يثبت سماع عبد الله بن شداد من أسماء وهذا تعليل مدفوع فقد صححه أحمد لكنه قال أنه مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد قلت وهو مصير منه إلى أنه يعله بالشذوذ وذكر الأثرم أن أحمد سئل عن حديث حنظلة عن سالم عن بن عمر رفعه لا احداد فوق ثلاث فقال هذا منكر والمعروف عن بن عمر من رأيه اه وهذا يحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدة فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء والله أعلم وأغرب

(9/487)


بن حبان فساق الحديث بلفظ تسلمى بالميم بدل الموحدة وفسره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث بل الحكمة فيه كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشد فلذلك قيدها بالثلاث هذا معنى كلامه فصحف الكلمة وتكلف لتأويلها وقد وقع في رواية البيهقي وغيره فأمرني رسول الله صلى الله عليه و سلم أن اتسلب ثلاثا فتبين خطؤه قوله قالت زينب وسمعت أم سلمة هو موصول بالإسناد المذكور وهو الحديث الثالث ووقع في الموطأ سمعت أمي أم سلمة زاد عبد الرزاق عن مالك بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه و سلم قوله جاءت امرأة زاد النسائي من طريق الليث عن حميد بن نافع من قريش وسماها بن وهب في موطئه وأخرجه إسماعيل القاضي في أحكامه من طريق عاتكة بنت نعيم بن عبد الله أخرجه بن وهب عن أبي الأسود النوفلي عن القاسم بن محمد عن زينب عن أمها أم سلمة أن عاتكة بنت نعيم بن عبد الله أتت تستفتي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت أن ابنتي توفي عنها زوجها وكانت تحت المغيرة المخزومي وهي تحد وتشتكي عينها الحديث وهكذا أخرجه الطبراني من رواية عمران بن هارون الرملي عن بن لهيعة لكنه قال بنت نعيم ولم يسمها وأخرجه بن منده في المعرفة من طريق عثمان بن صالح عن عبد الله بن عقبة عن محمد بن عبد الرحمن عن حميد بن نافع عن زينب عن أمها عن عاتكة بنت نعيم أخت عبد الله بن نعيم جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت أن ابنتها توفي زوجها الحديث وعبد الله بن عقبة هو بن لهيعة نسبه لجده ومحمد بن عبد الرحمن هو أبو الأسود فإن كان محفوظا فلابن لهيعة طريقان ولم تسم البنت التي توفي زوجها ولم تنسب فيما وقفت عليه وأما المغيرة المخزومي فلم اقف على اسم أبيه وقد أغفله بن منده في الصحابة وكذا أبو موسى في الذيل عليه وكذا بن عبد البر لكن استدركه بن فتحون عليه قوله وقد اشتكت عينها قال بن دقيق العيد يجوز فيه وجهان ضم النون على الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل وهي المرأة ورجح هذا ووقع في بعض الروايات عيناها يعني وهو يرجح الضم وهذه الرواية في مسلم وعلى الضم اقتصر النووي وهو الارجح والذي رجح الأول هو المنذري قوله أفتكحلها بضم الحاء قوله لا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول لا في رواية شعبة عن حميد بن نافع فقال لا تكتحل قال النووي فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا وجاء في حديث أم سلمة في الموطأ وغيره اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار ووجه الجمع أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل مع أن الأولى تركه فإن فعلت مسحته بالنهار قال وتأول بعضهم حديث الباب على أنه لم يتحقق الخوف على عينها وتعقب بأن في حديث شعبة المذكور فخشوا على عينيها وفي رواية بن منده المقدم ذكرها رمدت رمدا شديدا وقد خشيت على بصرها وفي رواية الطبراني أنها قالت في المرة الثانية أنها تشتكي عينها فوق ما يظن فقال لا وفي رواية القاسم بن أصبغ أخرجها بن حزم أني أخشى أن تنفقئ عينها قال لا وأن انفقأت وسنده صحيح وبمثل ذلك افتت أسماء بنت عميس أخرجه بن أبي شيبة وبهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقا وعنه يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه وبه قال الشافعية مقيدا بالليل وأجابوا عن قصة المرأة باحتمال أنه كان يحصل لها البرء بغير الكحل كالتضميد بالصبر ونحوه وقد أخرج بن أبي شيبة عن صفية بنت أبي عبيد أنها احدت على بن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها تزيغان فكانت تقطر فيهما الصبر ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص وهو ما يقتضي التزين به لأن

(9/488)


محض التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه فلم ينحصر فيما فيه زينة وقالت طائفة من العلماء يجوز ذلك ولو كان فيه طيب وحملوا النهي على التنزيه جمعا بين الأدلة قوله إنما هي أربعة أشهر وعشرا كذا في الأصل بالنصب على حكاية لفظ القرآن ولبعضهم بالرفع وهو واضح قال بن دقيق العيد فيه إشارة إلى تقليل المدة بالنسبة لما كان قبل ذلك وتهوين الصبر عليها ولهذا قال بعده وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول وفي التقييد بالجاهلية إشارة إلى أن الحكم في الإسلام صار بخلافة وهو كذلك بالنسبة لما وصف من الصنيع لكن التقدير بالحول استمر في الإسلام بنص قوله تعالى وصية لازواجهم متاعا إلى الحول ثم نسخت بالآية التي قبل وهي يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا قوله قال حميد هو بن نافع راوي الحديث وهو موصول بالإسناد المبدوء به قوله فقلت لزينب هي بنت أبي سلمة وما ترمي بالبعرة أي بيني لي المراد بهذا الكلام الذي خوطبت به هذه المرأة قوله كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا الخ هكذا في هذه الرواية لم تسنده زينب ووقع في رواية شعبة في الباب الذي يليه مرفوعا كله لكنه باختصار ولفظه فقال لا تكتحل قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر وهذا لا يقتضي ادراج رواية الباب لأن شعبة من أحفظ الناس فلا يقضي على روايته برواية غيره بالاحتمال ولعل الموقوف ما في رواية الباب من الزيادة التي ليست في رواية شعبة والحفش بكسر المهملة وسكون الفاء بعدها معجمة فسره أبو داود في روايته من طريق مالك البيت الصغير وعند النسائي من طريق بن القاسم عن مالك الحفش الخص بضم المعجمة بعدها مهملة وهو أخص من الذي قبله وقال الشافعي الحفش البيت الذليل الشعث البناء وقيل هو شيء من خوص يشبه القفة تجمع فيه المعتدة متاعها من غزل أو نحوه وظاهر سياق القصة يأبى هذا خصوصا رواية شعبة وكذا وقع في رواية للنسائي عمدت إلى شر بيت لها فجلست فيه ولعل أصل الحفش ما ذكر ثم استعمل في البيت الصغير الحقير على طريق الاستعارة والاحلاس في رواية شعبة بمهملتين جمع حلس بكسر ثم سكون وهو الثوب أو الكساء الرقيق يكون تحت البرذعة والمراد أن الراوي شك في أي اللفظين وقع وصف ثيابها أو وصف مكانها وقد ذكرا معا في رواية الباب قوله حتى يمر بها في رواية الكشميهني لها قوله ثم تؤتى بدابة بالتنوين حمار بالجر والتنوين على البدل وقوله أو شاة أو طائر للتنويع لا للشك وإطلاق الدابة على ما ذكر هو بطريق الحقيقة اللغوية لا العرفية قوله فتفتض بفاء ثم مثناة ثم ضاد معجمة ثقيلة فسره مالك في آخر الحديث فقال تمسح به جلدها واصل الفض الكسر أي تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما تفعله بالدابة ووقع في رواية للنسائي تقبص بقاف ثم موحدة ثم مهملة خفيفة وهي رواية الشافعي والقبص الأخذ بأطراف الانامل قال الأصبهاني وبن الأثير هو كناية عن الإسراع أي تذهب بعدو وسرعة إلى منزل أبويها لكثرة حيائها لقبح منظرها أو لشدة شوقها إلى التزويج لبعد عهدها به والباء في قولها به سببية والضبط الأول أشهر قال بن قتيبة سألت الحجازيين عن الافتضاض فذكروا ان المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ولا تزيل شعرا ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض أي تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش بعد ما تفتض به قلت وهذا لا يخالف تفسير مالك لكنه أخص منه لأنه أطلق الجلد وتبين أن المراد به جلد القبل وقال بن وهب معناه أنها تمسح بيدها على الدابة وعلى ظهره

(9/489)


وقيل المراد تمسح به ثم تفتض أي تغتسل والافتضاض الاغتسال بالماء العذب لإزالة الوسخ وإرادة النقاء حتى تصير بيضاء نقية كالفضة ومن ثم قال الأخفش معناه تنتظف فتنتقي من الوسخ فتشبه الفضة في نقائها وبياضها والغرض بذلك الإشارة إلى اهلاك ما هي فيه ومن الرمي الانفصال منه بالكلية تنبيه جوز الكرماني أن تكون الباء في قوله فتفتض به للتعدية أو تكون زائدة أي تفتض الطائر بأن تكسر بعض أعضائه انتهى ويرده ما تقدم من تفسير الافتضاض صريحا قوله ثم تخرج فتعطي بعرة بفتح الموحدة وسكون المهملة ويجوز فتحها قوله فترمى بها في رواية مطرف وبن الماجشون عن مالك ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل فترمى بها امامها فيكون ذلك احلالا لها وفي رواية بن وهب فترمى ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها ووقع في رواية شعبة الآتية فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة وظاهره أن رميها البعرة يتوقف على مرور الكلب سواء طال زمن انتظار مروره أم قصر وبه جزم بعض الشراح وقيل ترمي بها من عرض من كلب أو غيره ترى من حضرها أن مقامها حولا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبا أو غيره وقال عياض يمكن الجمع بأن الكلب إذا مر افتضت به ثم رمت البعرة قلت ولا يخفى بعده والزيادة من الثقة مقبولة ولا سيما إذا كان حافظا فإنه لا منافاة بين الروايتين حتى يحتاج إلى الجمع واختلف في المراد برمي البعرة فقيل هو إشارة إلى أنها رمت العدة رمى البعرة وقيل إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استحقارا له وتعظيما لحق زوجها وقيل بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك
( قوله باب الكحل للحادة )
كذا وقع من الثلاثي ولو كان من الرباعي لقال المحدة قال بن التين الصواب الحاد بلا هاء لأنه نعت للمؤنث كطالق وحائض قلت لكنه جائز فليس بخطأ وأن كان الآخر أرجح ذكر فيه حديث أم سلمة الماضي في الباب قبله وكذا حديث أم حبيبة اوردهما من طريق شعبة باختصار وقد تقدم

(9/490)


ما فيه قبل وقوله
5025 - لا تكتحل في رواية المستملي بلا تاء بين الكاف والحاء ثم اورد حديث أم عطية مختصرا وفي الباب الذي يليه مطولا وقوله الا بزوج في رواية الكشميهني الا على زوج
( قوله باب القسط للحادة عند الطهر )
أي عند طهرها من المحيض إذا كانت ممن تحيض قوله
5027 - كنا ننهي بضم أوله وقد صرح برفعه في الباب الذي بعده قوله ولا نلبس ثوبا مصبوغا الا ثوب عصب بمهملتين مفتوحة ثم ساكنة ثم موحدة وهو بالإضافة وهي برود اليمن بعصب غزلها أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبا فيخرج موشى لبقاء ما عصب به أبيض لم ينصبغ وإنما يعصب السدي دون اللحمة وقال صاحب المنتهى العصب هو المفتول من برود اليمن وذكر أبو موسى المدني في ذيل الغريب عن بعض أهل اليمن أنه من دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها الخرز وغيره ويكون أبيض وهذا غريب وأغرب منه قول السهيلي أنه نبات لا ينبت الا باليمن وعزاه لأبي حنيفة الدينوري وأغرب منه قول الداودي المراد بالثوب العصب الخضرة وهي الحبرة وليس له سلف في أن العصب الأخضر قال بن المنذر أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة ولا المصبغة الا ما صبغ بسواد فرخص فيه مالك والشافعي لكونه لا يتخذ للزينة بل هو من لباس الحزن وكره عروة العصب أيضا وكره مالك غليظه قال النووي الأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقا وهذا الحديث حجة لمن إجازة وقال بن دقيق العيد يؤخذ من مفهوم الحديث جواز ما ليس بمصبوغ وهي الثياب البيض ومنع بعض المالكية المرتفع منها الذي يتزين به وكذلك الأسود إذا كان مما يتزين به قال النووي ورخص أصحابنا فيما لا يتزين به ولو كان مصبوغا واختلف في الحرير فالاصح عند الشافعية منعه مطلقا مصبوغا أو غير مصبوغ لأنه ابيح للنساء للتزين به والحادة ممنوعة من التزين فكان في حقها كالرجال وفي التحلي بالذهب والفضة وباللؤلؤ ونحوه وجهان الأصح جوازه وفيه نظر من جهة المعنى في المقصود بلبسه وفي المقصود بالاحداد فإنه عند تأملها يترجح المنع والله أعلم قوله وقد رخص لنا بضم أوله أيضا وقد صرح برفعه في الباب الذي بعده قوله عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في رواية الكشميهني حيضها وفي الذي بعده ولا تمس طيبا الا أدنى طهرها إذا طهرت قوله في نبذه بضم النون وسكون الموحدة بعدها معجمة أي قطعة وتطلق على الشيء اليسير قوله من كست اظفار كذا فيه بالكاف وبالاضافة وفي الذي بعده من قسط وأظفار بقاف وواو عاطفة وهو أوجه وخطأ عياض الأول وقد تقدم بيانه في كتاب الحيض وقال بعده قال أبو عبد الله وهو البخاري القسط والكست مثل الكافور والقافور أي يجوز في كل منهما الكاف

(9/491)


والقاف وزاد القسط أنه يقال بالتاء المثناة بدل الطاء فأراد المثلية في الحرف الأول فقط قال النووي القسط والاظفار نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب قلت المقصود من التطيب بهما أن يخلطا في أجزاء آخر من غيرهما ثم تسحق فتصير طيبا والمقصود بهما هنا كما قال الشيخ أن تتبع بهما أثر الدم لإزالة الرائحة لا للتطيب وزعم الداودي أن المراد أنها تسحق القسط وتلقيه في الماء آخر غسلها لتذهب رائحة الحيض ورده عياض بأن ظاهر الحديث يأباه وأنه لا يحصل منه رائحة طيبة الا من التبخر به كذا قال وفيه نظر واستدل به على جواز استعمال ما فيه منفعة لها من جنس ما منعت منه إذا لم يكن للتزين أو التطيب كالتدهن بالزيت في شعر الرأس أو غيره
( قوله باب تلبس الحادة ثياب العصب )
ذكر فيه حديث أم عطية مصرحا برفعه وزاد في أوله لا يحل لامرأة الحديث مثل حديث أم حبيبة الماضي قبله وزاد بعد
5028 - قوله الا على زوج فإنها لا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا الا ثوب عصب وقد تقدم شرحه في الذي قبله ووقع فيه فوق ثلاث وتقدم في حديث أم حبيبة في الطريق الأولى ثلاث ليال وفي الطريق الثانية ثلاثة أيام وجمع بإرادة الليالي بأيامها ويحمل المطلق هنا على المقيد الأول ولذلك انث وهو محمول أيضا على أن المراد ثلاث ليال بأيامها وذهب الأوزاعي إلى أنها تحد ثلاث ليال فقط فإن مات في أول الليل اقلعت في أول اليوم الثالث وأن مات في اثناء الليل أو في أول النهار أو في اثنائه لم تقلع الا في صبيحة اليوم الرابع ولا تلفيق قوله وقال الأنصاري هو محمد بن عبد الله بن المثنى شيخ البخاري وقد أخرج عنه الكثير بواسطة وبلا واسطة وهشام هو الدستوائي المذكور في الذي قبله قوله نهى النبي صلى الله عليه و سلم ولا تمس طيبا كذا أورده مختصرا وهو في الأصل مثل الحديث الذي قبله وقد وصله البيهقي من طريق أبي حاتم الرازي عن الأنصاري بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى أن تحد المرأة فوق ثلاثة أيام الا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا الا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا قوله الا أدنى طهرها أي عند قرب طهرها أو أقل طهرها وقد تقدم شرحه قبل ثم ذكر المصنف حديث أم حبيبة من طريق سفيان وهو الثوري عن عبد الله بن أبي بكر وهو بن محمد بن عمرو بن حزم شيخ مالك فيه وقد مضى شرحه أيضا

(9/492)


( قوله باب والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا إلى قوله خبير )
كذا لأبي ذر والأكثر وساق في رواية كريمة الآية بكمالها
5029 - قوله حدثني إسحاق بن منصور تقدم في تفسير البقرة هذا الحديث بهذا السند وبينت هناك ما قيل فيه من تعليق وغيره ووقع هناك إسحاق غير منسوب وفسر بابن راهويه وقد ظهر من هذه الطريق أنه بن منصور ولعله كان عنده عنهما جميعا وقوله كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجبا كذا لأبي ذر عن الكشميهني وذكر واجبا أما لأنه صفة محذوف أي أمرا واجبا أو ضمن العدة معنى الاعتداد وفي رواية كريمة واجب على أنه خبر مبتدأ محذوف قال بن بطال ذهب مجاهد إلى أن الآية وهي قوله تعالى يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا نزلت قبل الآية التي فيها وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج كما هي قبلها في التلاوة وكأن الحامل له على ذلك استشكال أن يكون الناسخ قبل المنسوخ فرأى أن استعمالها ممكن بحكم غير متدافع لجواز أن يوجب الله على المعتدة تربص أربعة أشهر وعشر ويوجب على أهلها أن تبقى عندهم سبعة أشهر وعشرين ليلة تمام الحول أن أقامت عندهم اه ملخصا قال وهو قول لم يقله أحد من المفسرين غيره ولا تابعه عليها من الفقهاء أحد واطبقوا على أن آية الحول منسوخة وأن السكنى تبع للعدة فلما نسخ الحول في العدة بالاربعة أشهر وعشر نسخت السكنى أيضا وقال بن عبد البر لم يختلف العلماء أن العدة بالحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر وإنما اختلفوا في قوله غير إخراج فالجمهور على أنه نسخ أيضا

(9/493)


وروى بن أبي نجيح عن مجاهد فذكر حديث الباب قال ولم يتابع على ذلك ولا قال أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين به في مدة العدة بل روى بن جريج عن مجاهد في قدرها مثل ما عليه الناس فارتفع الخلاف واختص ما نقل عن مجاهد وغيره بمدة السكنى على أنه أيضا شاذ لا يعول عليه والله أعلم
( قوله باب مهر البغي والنكاح الفاسد )
البغي بكسر المعجمة وتشديد التحتانية بوزن فعيل من البغاء وهو الزنا يستوي في لفظه المذكر والمؤنث قال الكرماني وقيل وزنه فعول لأن أصله بغوى ابدلت الواو ياء ثم كسرت الغين لأجل الياء التي بعدها والتقدير ومهر من نكحت في النكاح الفاسد أي بشبهة من اخلال شرط أو نحو ذلك قوله وقال الحسن هو البصري إذا تزوج محرمة بتشديد الراء وللمستملي بفتح الميم والراء وسكون الحاء بينهما وبالضمير وبهذا الثاني جزم بن التين وقال أي ذا محرمة قوله وهو لا يشعر احتراز عما إذا تعمد وبهذا القيد ومفهومه يطابق الترجمة وقال بن بطال اختلف العلماء فيها على قولين فمنهم من قال لها المسمى ومنهم من قال لها مهر المثل وهم الأكثر قوله فرق بينهما بضم أوله قوله وليس لها غيره ثم قال بعد لها صداقها هذا الأثر وصله بن أبي شيبة عن هشيم عن يونس عن الحسن مثله إلى قوله وليس لها غيره ومن طريق مطر الوراق عن الحسن نحوه وقال لها صداقها أي صداق مثلها ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث الأول حديث أبي مسعود وهو عقبة بن عمرو الأنصاري في النهي عن ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي وقوله
5031 - عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن هو بن الحارث بن هشام في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا الزهري أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن الثاني حديث أبي جحيفة في لعن الواشمة الحديث وفيه ونهى عن ثمن الكلب وكسب البغي ولعن المصورين الثالث حديث أبي هريرة في النهي عن كسب الاماء وقد تقدم شرح الأحاديث الثلاثة في آخر البيوع قال بن بطال قال الجمهور من عقد على محرم وهو عالم بالتحريم وجب عليه الحد للاجماع على تحريم العقد فلم يكن هناك شبهة يدرأ بها الحد وعن أبي حنيفة العقد شبهة واحتج له بما لو وطىء جارية له فيها شركة فإنها محرمة عليه بالاتفاق ولا حد عليه للشبهة وأجيب بأن حصته من الملك

(9/494)


اقتضت حصول الشبهة بخلاف المحرم له فلا ملك له فيها أصلا فافترقا ومن ثم قال بن القاسم من المالكية يجب الحد في وطء الحرة ولا يجب في المملوكة والله أعلم
( قوله باب المهر للمدخول عليها )
أي وجوبه أو استحقاقه وقوله وكيف الدخول يشير إلى الخلاف فيه وقد تمسك بقوله في حديث الباب فقد دخلت بها على أن من أغلق بابا وارخى سترا على المرأة فقد وجب لها الصداق وعليها العدة وبذلك قال الليث والأوزاعي وأهل الكوفة وأحمد وجاء ذلك عن عمر وعلى وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وبن عمر قال الكوفيون الخلوة الصحيحة يجب معها المهر كاملا سواء وطىء أم لم يطأ الا أن كان أحدهما مريضا أو صائما أو محرما أو كانت حائضا فلها النصف وعليها العدة كاملة واحتجوا أيضا بأن الغالب عند إغلاق الباب وارخاء الستر على المرأة وقوع الجماع فأقيمت المظنة مقام المئنة لما جبلت عليه النفوس في تلك الحالة من عدم الصبر عن الوقاع غالبا لغلبة الشهوة وتوفر الداعية وذهب الشافعي وطائفة إلى أن المهر لا يجب كاملا الا بالجماع واحتج بقوله تعالى وأن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم وقال ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها وجاء ذلك عن بن مسعود وبن عباس وشريح والشعبي وبن سيرين والجواب عن حديث الباب أنه ثبت في الرواية الأخرى في حديث الباب فهو بما استحللت من فرجها فلم يكن في قوله دخلت عليها حجة لمن قال أن مجرد الدخول يكفي وقال مالك إذا دخل بالمرأة في بيته صدقت عليه وأن دخل بها في بيتها صدق عليها ونقله عن بن المسيب وعن مالك رواية أخرى كقول الكوفيين قوله أو طلقها قبل الدخول قال بن بطال التقدير أو كيف طلاقها فاكتفى بذكر الفعل عن ذكر المصدر لدلالته عليه قلت ويحتمل أن يكون التقدير أو كيف الحكم إذا طلقها قبل الدخول قوله والمسيس ثبت هذا في رواية النسفي والتقدير وكيف المسيس وهو معطوف على الدخول أي إذا طلقها قبل الدخول وقبل المسيس ثم ذكر فيه حديث بن عمر من رواية سعيد بن جبير عنه في قصة الملاعنة وقد تقدم شرحه مستوفى في أبواب اللعان

(9/495)


( قوله باب المتعة للتي لم يفرض )
لها لقوله تعالى لا جناح عليكم أن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة إلى قوله بصير كذا للأكثر وساق ذلك في رواية كريمة وساق بن بطال في شرحه إلى قوله وعلى الموسع قدره ثم قال إلى قوله تعقلون ولم أر ذلك لغيره وهو بعيد أيضا لأن المصنف قال بعد ذلك وقوله تعالى وللمطلقات متاع بالمعروف وتقييده في الترجمة بالتي لم يفرض لها قد استدل له بقوله في الآية أو تفرضوا لهن فريضة وهو مصير منه إلى أن أو للتنويع فنفى الجناح عمن طلقت قبل المسيس فلا متعة لها لأنها نقصت عن المسمى فكيف يثبت لها قدر زائد عمن فرض لها قدر معلوم مع وجود المسيس وهذا أحد قولي العلماء واحد قولي الشافعي أيضا وعن أبي حنيفة تختص المتعة بمن طلقها قبل الدخول لم يسم لها صداقا وقال الليث لا تجب المتعة أصلا وبه قال مالك واحتج له بعض أتباعه بأنها لم تقدر وتعقب بأن عدم التقدير لا يمنع الوجوب كنفقة القريب واحتج بعضهم بأن شريحا يقول متع أن كنت محسنا متع أن كنت متقيا ولا دلالة فيه على ترك الوجوب وذهبت طائفة من السلف إلى أن لكل مطلقة متعة من غير استثناء وعن الشافعي مثله وهو الراجح وكذا تجب في كل فرقة الا في فرقة وقعت بسبب منها قوله وقوله تعالى للمطلقات متاع بالمعروف تمسك به من قال بالعموم وخصه من فصل بما تقدم في الآية الأولى قوله ولم يذكر النبي صلى الله عليه و سلم في الملاعنة متعة حين طلقها زوجها قد تقدمت أحاديث اللعان مستوفاة الطرق وليس في شيء منها للمتعة ذكر فكأنه تمسك في ترك المتعة للملاعنة بالعدم وهو مبني على أن الفرقة لا تقع بنفس اللعان فأما من قال أنها تقع بنفس اللعان فأجاب عن قوله في الحديث فطلقها بأن ذلك كان قبل علمه بالحكم كما تقدم تقريره وحينئذ فلم تدخل الملاعنة في عموم المطلقات ثم ذكر حديث بن عمر في قصة الملاعن وقوله فيه وأن كنت كاذبا وقع في رواية الكشميهني وأن كنت كذبت عليها خاتمة اشتمل كتاب الطلاق وتوابعه من اللعان والظهار وغير ذلك من الأحاديث المرفوعة على مائة وثمانية عشر حديثا المعلق منها ستة وعشرون حديثا والباقي موصول المكرر منه فيه وفيما مضى اثنان وتسعون حديثا والخالص ستة وعشرون حديثا وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة وحديث أبي أسيد وحديث سهل بن سعد ثلاثتها في قصة الجونية وحديث على ألم تعلم أن القلم رفع عن النائم الحديث وهو معلق وحديث بن عباس في قصة ثابت بن قيس في الخلع وحديثه في زوج بريرة وحديثه كان المشركون على منزلتين وحديث بن عمر في نكاح الذمية وحديثه في تفسير الإيلاء وحديث المسور في شأن سبيعة وحديث عائشة كانت فاطمة بنت قيس في مكان وحش وهو معلق وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم تسعون أثرا والله أعلم

(9/496)


( قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب النفقات وفضل النفقة على الأهل )
كذا لكريمة وقد تقدم في رواية أبي ذر والنسفي كتاب النفقات ثم البسملة ثم قال باب فضل النفقة على الأهل وسقط لفظ باب لأبي ذر قوله وقول الله عز و جل ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة كذا للجميع ووقع للنسفي عند قوله قل العفو وقد قرأ الأكثر قل العفو بالنصب أي تنفقون العفو أو أنفقوا العفو وقرأ أبو عمرو وقبله الحسن وقتادة قل العفو بالرفع أي هو العفو ومثله قولهم ماذا ركبت افرس أم بعير يجوز الرفع والنصب قوله وقال الحسن العفو الفضل وصله عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زيادات الزهد بسند صحيح عن الحسن البصري وزاد ولا لوم على الكفاف

(9/497)


وأخرج عبد بن حميد أيضا من وجه آخر عن الحسن قال أن لا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس فعرف بهذا المراد بقوله الفضل أي ما لا يؤثر في المال فيمحقه وقد أخرج بن أبي حاتم من مرسل يحيى بن أبي كثير بسند صحيح إليه أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة سألا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالا أن لنا ارقاء وأهلين فما ننفق من أموالنا فنزلت وبهذا يتبين مراد البخاري من ايرادها في هذا الباب وقد جاء عن بن عباس وجماعة أن المراد بالعفو ما فضل عن الأهل أخرجه بن أبي حاتم أيضا ومن طريق مجاهد قال العفو الصدقة المفروضة ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس العفو ما لا يتبين في المال وكان هذا قبل أن تفرض الصدقة فلما اختلفت هذه الأقوال كان ما جاء من السبب في نزولها أولي أن يؤخذ به ولو كان مرسلا ثم ذكر في الباب أربعة أحاديث الأول حديث أبي مسعود الأنصاري وهو عقبة بن عمرو
5036 - قوله عن عدي بن ثابت تقدم في الإيمان من وجه آخر عن شعبة أخبرني عدي بن ثابت قوله عن أبي مسعود الأنصاري فقلت عن النبي صلى الله عليه و سلم فقال عن النبي صلى الله عليه و سلم القائل فقلت هو شعبة بينه الإسماعيلي في رواية له من طريق علي بن الجعد عن شعبة فذكره إلى أن قال عن أبي مسعود فقال قال شعبة قلت قال عن النبي صلى الله عليه و سلم قال نعم وتقدم في كتاب الإيمان عن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم بغير مراجعة وذكر المتن مثله وفي المغازي عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة عن عدي عن عبد الله بن يزيد أنه سمع أبا مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه و سلم وذكر المتن مختصرا ليس فيه وهو يحتسبها وهذا مقيد لمطلق ما جاء في أن الإنفاق على الأهل صدقة كحديث سعد رابع أحاديث الباب حيث قال فيه ومهما أنفقت فهو لك صدقة والمراد بالاحتساب القصد إلى طلب الأجر والمراد بالصدقة الثواب واطلاقها عليه مجاز وقرينته الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجة الهاشمية مثلا وهو من مجاز التشبيه والمراد به أصل الثواب لا في كميته ولا كيفيته ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل الا مقرونا بالنية ولهذا ادخل البخاري حديث أبي مسعود المذكور في باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة وحذف المقدار من قوله إذا أنفق لإرادة التعميم ليشمل الكثير والقليل وقوله على أهله يحتمل أن يشمل الزوجة والاقارب ويحتمل أن يختص الزوجة ويلحق به من عداها بطريق الأولى لأن الثواب إذا ثبت فيما هو واجب فثبوته فيما ليس بواجب أولي وقال الطبري ما ملخصه الإنفاق على الأهل واجب والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة بل هي أفضل من صدقة التطوع وقال المهلب النفقة على الأهل واجبة بالإجماع وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل الا بعد أن يكفوهم ترغيبا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع وقال بن المنير تسمية النفقة صدقة من جنس تسمية الصداق نحلة فلما كان احتياج المرأة إلى الرجل كاحتياجه إليها في اللذة والتأنيس والتحصين وطلب الولد كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء الا أن الله خص الرجل بالفضل على المرأة بالقيام عليها ورفعه عليها بذلك درجة فمن ثم جاز إطلاق النحلة على الصداق والصدقة على النفقة الحديث الثاني
5037 - قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس وهذا الحديث ليس في الموطأ وهو على شرط شيخنا في تقريب الأسانيد لكنه لما لم يكن في الموطأ لم يخرجه كأنظاره لكنه أخرجه من رواية همام عن أبي هريرة وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن القاسم وأبو نعيم من

(9/498)


طريق عبد الله بن يوسف كلاهما عن مالك قوله قال الله أنفق يا بن آدم أنفق عليك أنفق الأولى بفتح أوله وسكون القاف بصيغة الأمر بالإنفاق والثانية بضم أوله وسكون القاف على الجواب بصيغة المضارع وهو وعد بالخلف ومنه قوله تعالى وما انفقتم من شيء فهو يخلفه وقد تقدم القدر المذكور من هذا الحديث في تفسير سورة هود من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد في اثناء حديث ولفظه قال الله أنفق أنفق عليك وقال يد الله ملأى الحديث وهذا الحديث الثاني أخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق سعيد بن داود عن مالك وقال صحيح تفرد به سعيد عن مالك وأخرج مسلم الأول من طريق همام عن أبي هريرة بلفظ أن الله تعالى قال لي أنفق أنفق عليك الحديث وفرقه البخاري كما سيأتي في كتاب التوحيد وليس في روايته قال لي فدل على أن المراد بقوله في رواية الباب يا بن آدم النبي صلى الله عليه و سلم ويحتمل أن يراد جنس بني آدم ويكون تخصيصه صلى الله عليه و سلم بإضافته إلى نفسه لكونه رأس الناس فتوجه الخطاب إليه ليعمل به ويبلغ أمته وفي ترك تقييد النفقة بشيء معين ما يرشد إلى أن الحث على الإنفاق يشمل جميع أنواع الخير وسيأتي شرح حديث شعيب مبسوطا في التوحيد أن شاء الله تعالى الحديث الثالث
5038 - قوله عن ثور بن زيد في رواية محمد بن الحسن في الموطأ عن مالك أخبرني ثور قوله الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله كذا قال جميع أصحاب مالك عنه في الموطأ وغيره وأكثرهم ساقه على لفظ رواية مالك عن صفوان بن سليم به مرسلا ثم قال وعن ثور بسنده مثله وسيأتي في كتاب الأدب عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك كذلك واقتصر أبو قرة موسى بن طارق على رواية مالك عن ثور فقال الساعي على الأرملة والمسكين له صدقة بين ذلك الدارقطني في الموطآت قوله أو القائم الليل الصائم النهار هكذا للجميع عن مالك بالشك لكن لاكثرهم مثل معن بن عيسى وبن وهب وبن بكير في آخرين بلفظ أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل وقد أخرجه بن ماجة من رواية الدراوردي عن ثور بمثل هذا اللفظ لكن قاله بالواو لا بلفظ أو وسيأتي في الأدب من رواية القعنبي عن مالك بلفظ وأحسبه قال كالقائم لا يفتر والصائم لا يفطر شك القعنبي وقد ذكره الأكثر بالشك عن مالك لكن بمعناه فيحمل اختصاص القعنبي باللفظ الذي أورده ومعنى الساعي الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفع الأرملة والمسكين والارملة بالراء المهملة التي لا زوج لها والمسكين تقدم بيانه في كتاب الزكاة وقوله القائم الليل يجوز في الليل الحركات الثلاث كما في قولهم الحسن الوجه ومطابقة الحديث للترجمة من جهة إمكان اتصاف الأهل أي الاقارب بالصفتين المذكورتين فإذا ثبت هذا الفضل لمن ينفق على من ليس له بقريب ممن اتصف بالوصفين فالمنفق على المتصف أولي الحديث الرابع حديث سعد بن أبي وقاص في الوصية بالثلث وقد تقدم شرحه في الوصايا والمراد منه هنا
5039 - قوله ومهما أنفقت فهو لك صدقة حتى اللقمة ترفعها في في امرأتك وقد أخرج مسلم من حديث مجاهد عن أبي هريرة رفعه دينار أعطيته مسكينا ودينار أعطيته في رقبة ودينار أعطيته في سبيل الله ودينار انفقته على أهلك قال الدينار الذي انفقته على أهلك أعظم أجرا ومن حديث أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان رفعه أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقة على دابته في سبيل الله ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله قال أبو قلابة بدأ بالعيال وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عياله يعفهم وينفعهم الله به قال الطبري البداءة في الإنفاق بالعيال يتناول النفس لأن نفس المرء من جملة عياله بل هي أعظم حقا عليه من بقية عياله إذ ليس لأحد أحياء غيره باتلاف نفسه ثم الإنفاق على عياله كذلك

(9/499)


( قوله باب وجوب النفقة على الأهل والعيال )
الظاهر أن المراد بالأهل في الترجمة الزوجة وعطف العيال عليها من العام بعد الخاص أو المزاد بالأهل الزوجة والاقارب والمراد بالعيال الزوجة والخدم فتكون الزوجة ذكرت مرتين تأكيدا لحقها ووجوب نفقة الزوجة تقدم دليلة أول النفقات ومن السنة حديث جابر عند مسلم ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ومن جهة المعنى أنها محبوسة عن التكسب لحق الزوج وانعقد الإجماع على الوجوب لكن اختلفوا في تقديرها فذهب الجمهور إلى أنها بالكفاية والشافعي وطائفة كما قال بن المنذر إلى أنها بالامداد ووافق الجمهور من الشافعية أصحاب الحديث كابن خزيمة وبن المنذر ومن غيرهم أبو الفضل بن عبدان وقال الروياني في الحلية هو القياس وقال النووي في شرح مسلم ما سيأتي في باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بعد سبعة أبواب وتمسك بعض الشافعية بأنها لو قدرت بالحاجة لسقطت نفقة المريضة والغنية في بعض الأيام فوجب الحاقها بما يشبه الدوام وهو الكفارة لاشتراكهما في الاستقرار في الذمة ويقويه قوله تعالى من أوسط ما تطعمون أهليكم فاعتبروا الكفارة بها والامداد معتبرة في الكفارة ويخدش في هذا الدليل إنهم صححوا الاعتياض عنه وبأنها لو أكلت معه على العادة سقطت بخلاف الكفارة فيهما والراجح من حيث الدليل أن الواجب الكفاية ولا سيما وقد نقل بعض الأئمة الإجماع الفعلي في زمن الصحابة والتابعين على ذلك ولا يحفظ عن أحد منهم خلافة
5040 - قوله أفضل الصدقة ما ترك غني تقدم شرحه في أول الزكاة وبيان اختلاف ألفاظه وكذا قوله واليد العليا وقوله وابدأ بمن تعول أي بمن يجب عليك نفقته يقال عال الرجل أهله إذا مانهم أي قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وهو أمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب وقال بن المنذر اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد ولا مال له ولا كسب فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد اطفالا كانوا أو بالغين إناثا وذكرانا إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم

(9/500)


حتى يبلغ الذكر أو تتزوج الأنثى ثم لا نفقة على الأب الا أن كانوا زمني فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب والحق الشافعي ولد الولد وأن سفل بالولد في ذلك وقوله تقول المرأة وقع في رواية النسائي من طريق محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح به فقيل من اعول يا رسول الله قال امرأتك الحديث وهو وهم والصواب ما أخرجه هو من وجه آخر عن بن عجلان به وفيه فسئل أبو هريرة من تعول يا أبا هريرة وقد تمسك بهذا بعض الشراح وغفل عن الرواية الأخرى ورجح ما فهمه بما أخرجه الدارقطني من طريق عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال المرأة تقول لزوجها اطعمني ولا حجة فيه لأن في حفظ عاصم شيئا والصواب التفصيل وكذا وقع للإسماعيلي من طريق أبي معاوية عن الأعمش بسند حديث الباب قال أبو هريرة تقول امرأتك الخ وهو معنى قوله في آخر حديث الباب لا هذا من كيس أبي هريرة ووقع في رواية الإسماعيلي المذكورة قالوا يا أبا هريرة شيء تقول من رأيك أو من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم قال هذا من كيسي وقوله من كيسي هو بكسر الكاف للأكثر أي من حاصله إشارة إلى أنه من استنباطه مما فهمه من الحديث المرفوع مع الواقع ووقع في رواية الأصيلي بفتح الكاف أي من فطنته قوله تقول المرأة أما أن تطعمني في رواية النسائي عن محمد بن عبد العزيز عن حفص بن غياث بسند حديث الباب أما أن تنفق علي قوله ويقول العبد اطعمني واستعملني في رواية الإسماعيلي وبقول خادمك اطعمني وإلا فبعني قوله ويقول الابن اطعمني إلى من تدعني في رواية النسائي والإسماعيلي تكلني وهو بمعناه واستدل به على أن من كان من الأولاد له مال أو حرفة لا تجب نفقته على الأب لأن الذي يقول إلى من تدعني إنما هو من لا يرجع إلى شيء سوى نفقة الأب ومن له حرفة أو مال لا يحتاج إلى قول ذلك واستدل بقوله أما أن تطعمني وأما أن تطلقني من قال يفرق بين الرجل وامرأته إذا اعسر بالنفقة واختارت فراقه وهو قول جمهور العلماء وقال الكوفيون يلزمها الصبر وتتعلق النفقة بذمته واستدل الجمهور بقوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا وأجاب المخالف بأنه لو كان الفراق واجبا لما جاز الابقاء إذا رضيت ورد عليه بأن الإجماع دل على جواز الإبقاء إذا رضيت فبقي ما عداه على عموم النهي وطعن بعضهم في الاستدلال بالآية المذكورة بأن بن عباس وجماعة من التابعين قالوا نزلت فيمن كان يطلق فإذا كادت العدة تنقضي راجع والجواب أن من قاعدتهم أن العبرة بعموم اللفظ حتى تمسكوا بحديث جابر بن سمره اسكنوا في الصلاة أترك رفع اليدين عند الركوع مع أنه إنما ورد في الإشارة بالأيدي في التشهد بالسلام على فلان وفلان وهنا تمسكوا بالسبب واستدل للجمهور أيضا بالقياس على الرقيق والحيوان فإن من اعسر بالإنفاق عليه اجبر على بيعه اتفاقا والله أعلم

(9/501)


( قوله باب حبس الرجل قوت سنة على أهله وكيف نفقات العيال )
ذكر فيه حديث عمر وهو مطابق لركن الترجمة الأول وأما الركن الثاني وهو كيفية النفقة على العيال فلم يظهر لي أولا وجه أخذه من الحديث ولا رأيت من تعرض له ثم رأيت أنه يمكن أن يؤخذ منه دليل التقدير لأن مقدار نفقة السنة إذا عرف عرف منه توزيعها على أيام السنة فيعرف حصة كل يوم من ذلك فكأنه قال لكل واحدة في كل يوم قدر معين من المغل المذكور والأصل في الإطلاق التسوية
5042 - قوله حدثني محمد بن سلام كذا في رواية كريمة وللاكثر حدثني محمد حسب قوله قال لي معمر قال لي الثوري هذا الحديث مما فات بن عيينة سماعه من الزهري فرواه عنه بواسطة معمر وقد رواه أيضا عن عمرو بن دينار عن الزهري بأتم من سياق معمر وتقدم في تفسير سورة الحشر وأخرجه الحميدي وأحمد في مسنديهما عن سفيان عن معمر وعمرو بن دينار جميعا عن الزهري وقد أخرج مسلم رواية معمر وحدها عن يحيى بن يحيى عن سفيان عن معمر عن الزهري ولكنه لم يسق لفظه وقد أخرج إسحاق بن راهويه رواية معمر منفردة عن سفيان عنه عن الزهري بلفظ كان ينفق على أهله نفقة سنة من مال بني النضير ويجعل ما بقي في الكراع والسلاح وقد اخرج مسلم الحديث مطولا من رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وفي كل من الإسنادين رواية الأقران فإن بن عيينة عن معمر قرينان وعمرو بن دينار عن الزهري كذلك ويؤخذ منه المذاكرة بالعلم وإلقاء العالم المسألة على نظيره ليستخرج ما عنده من الحفظ وتثبت معمر وانصافه لكونه اعترف أنه لا يستحضر إذ ذاك في المسألة شيئا ثم لما تذكرها أخبر بالواقعة كما هي ولم يأنف مما تقدم قوله كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم كذا أورده مختصرا ثم ساق المصنف الحديث بطوله من طريق عقيل عن بن شهاب الزهري وقد تقدم شرحه مستوفي في أوائل فرض الخمس قال بن دقيق العيد في الحديث جواز الادخار للاهل قوت سنة وفي السياق ما يؤخذ منه الجمع بينه وبين حديث كان لا يدخر شيئا لغد فيحمل على الادخار لنفسه وحديث الباب على الادخار لغيره ولو كان له في ذلك مشاركة لكن المعنى إنهم المقصد بالادخار دونه حتى لو لم يوجدوا لم يدخر قال والمتكلمون على لسان الطريقة جعلوا أو بعضهم ما زاد على السنة خارجا عن طريقة التوكل انتهى وفيه إشارة إلى الرد على الطبري حيث استدل بالحديث على جواز الادخار مطلقا خلافا لمن منع ذلك وفي الذي نقله الشيخ تقييد بالسنة أتباعا للخبر الوارد لكن استدلال الطبري قوي بل التقييد بالسنة إنما جاء من ضرورة الواقع لأن الذي كان يدخر لم يكن يحصل الا من السنة إلى السنة لأنه كان اما تمرا وأما شعيرا فلو قدر أن شيئا مما يدخر كان لا يحصل الا من سنتين إلى سنتين لاقتضى الحال جواز الادخار لأجل ذلك والله أعلم ومع كونه صلى الله عليه و سلم كان يحتبس قوت سنة لعياله فكان في طول السنة ربما استجره منهم لمن يرد عليه ويعوضهم عنه ولذلك مات صلى الله عليه و سلم ودرعه مرهونة على شعير اقترضه قوتا لأهله واختلف في جواز ادخار القوت لمن يشتريه من السوق قال عياض إجازة قوم واحتجوا بهذا الحديث ولا حجة فيه لأنه إنما كان من مغل الأرض ومنعه قوم الا أن كان لا يضر بالسعر وهو متجه ارفاقا بالناس ثم محل هذا

(9/503)


الاختلاف إذا لم يكن في حال الضيق وإلا فلا يجوز الادخار في تلك الحالة أصلا
( قوله باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها ونفقة الولد )
ذكر فيه حديث عائشة في قصة هند امرأة أبي سفيان وسيأتي شرحه بعد أربعة أبواب وحديث أبي هريرة إذا أنفقت المراة من كسب زوجها وقد مر شرحه في أواخر النكاح تنبيه وقعت هذه الترجمة وحديثها متأخرة عن الباب الذي بعده عند النسفي قوله باب والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين إلى قوله بصير كذا لأبي ذر والأكثر وفي رواية كريمة إلى قوله بما تعملون بصير وقال وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال وأن تعاسرتم فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته قيل دلت الآية الأولى على إيجاب الإنفاق على المرضعة من أجل ارضاعها الولد كانت في العصمة أم لا وفي الثانية الإشارة إلى قدر المدة التي يجب ذلك فيها وفي الثالثة الإشارة إلى مقدار الإنفاق وأنه بالنظر لحال المنفق وفيها أيضا الإشارة إلى أن الارضاع لا يتحتم على الأم وقد تقدم في أوائل النكاح في باب لا رضاع بعد حولين البحث في معنى قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وأخرج الطبري عن بن عباس أن ارضاع الحولين مختص بمن وضعت لستة أشهر فمهما وضعت لأكثر من ستة أشهر نقص من مدة

(9/504)


الحولين تمسكا بقوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وتعقب بمن زاد حملها على ثلاثين شهرا فإنه يلزم إسقاط مدة الرضاعة ولا قائل به والصحيح أنها محمولة على الغالب وأخذ من الآية الأولى والثانية أن من ولد لستة أشهر فما فوقها التحق بالزوج قوله وقال يونس هو بن يزيد وهذا الأثر وصله بن وهب في جامعه عن يونس قال قال بن شهاب فذكره إلى قوله وتشاور وأخرجه بن جرير من طريق عقيل عن بن شهاب نحوه وقوله ضرارا لها إلى غيرها يتعلق بمنعها أي منعها ينتهي إلى رضاع غيرها فإذا رضيت فليس له ذلك ووقع في رواية عقيل الوالدات أحق برضاع أولادهن وليس لوالدة أن تضار ولدها فتأبى رضاعة وهي تعطي عليه ما يعطي غيرها ولي للمولود له أن ينزع ولده منها ضرارا لها وهي تقبل من الأجر ما يعطي غيرها فإن أرادا فصال الولد عن تراض منهما وتشاور دون الحولين فلا بأس قوله في آخر الكلام فصاله فطامه هو تفسير بن عباس أخرجه الطبري عنه وعن السدي وغيرهما والفصال مصدر يقال فاصلته أفاصله مفاصلة وفصالا إذا فارقته من خلطة كانت بينهما وفصال الولد منعه من شرب اللبن قال بن بطال قوله تعالى والوالدات يرضعن لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر لما فيه من الالزام كقولك حسبك درهم أي اكتف بدرهم قال ولا يجب على الوالدة ارضاع ولدها إذا كان أبوه حيا موسرا بدليل قوله تعالى فإن ارضعن لكم فآتوهن اجورهن قال وأن تعاسرتم فسترضع له أخرى فدل على أنه لا يجب عليها ارضاع ولدها ودل على أن قوله والوالدات يرضعن أولادهن سيق لمبلغ غاية الرضاعة التي مع اختلاف الوالدين في رضاع المولود جعلت حدا فاصلا قلت وهذا أحد القولين عن بن عباس أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه وعن بن عباس أنه مختص بمن ولدت لستة أشهر كما تقدم قريبا أخرجه الطبري أيضا بسند صحيح الا أنه اختلف في وصله أو وقفه على عكرمة وعن بن عباس قول ثالث أن الحولين لغاية الارضاع وأن لا رضاع بعدهما أخرجه الطبري أيضا ورجاله ثقات الا أنه منقطع بين الزهري وبن عباس ثم أخرج بإسناد صحيح عن بن مسعود قال ما كان من رضاعة بعد الحولين فلا رضاع وعن بن عباس أيضا بسند صحيح مثله ثم أسند عن قتادة قال كان ارضاعها الحولين فرضا ثم خفف بقوله تعالى لمن أراد أن يتم الرضاعة والقول الثاني هو الذي عول عليه البخاري ولهذا عقب الآية الأولى بالآية الثانية وهي قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وما جزم به بن بطال من أن الخبر بمعنى الأمر هو قول الأكثر لكن ذهب جماعة إلى أنها خبر عن المشروعية فإن بعض الوالدات يجب عليهن ذلك وبعضهن لا يجب كما سيأتي بيانه فليس الأمر على عمومه وهذا هو السر في العدول عن التصريح بالالزام كأن يقال وعلى الوالدات ارضاع أولادهن كما جاء بعده وعلى الوارث مثل ذلك قال بن بطال وأكثر أهل التفسير على أن المراد بالوالدات هنا المبتوتات المطلقات واجمع العلماء على أن اجرة الرضاع على الزوج إذا خرجت المطلقة من العدة والأم بعد البينونة أولي بالرضاعة الا أن وجد الأب من يرضع له بدون ما سألت الا أن لا يقبل الولد غيرها فتجير بأجرة مثلها وهو موافق للمنقول هنا عن الزهري واختلفوا في المتزوجة فقال الشافعي وأكثر الكوفيين لا يلزمها ارضاع ولدها وقال مالك وبن أبي ليلى من الكوفيين تجبر على ارضاع ولدها ما دامت متزوجة بوالده واحتج القائلون بأنها لا تجبر بأن ذلك أن كان لحرمة الولد فلا يتجه لأنها لا تجبر عليه إذا كانت مطلقة ثلاثا بإجماع مع أن حرمة الولدية موجودة وأن كان لحرمة الزوج لم يتجه أيضا لأنه لو أراد أن يستخدمها في

(9/505)


حق نفسه لم يكن له ذلك ففي حق غيره أولي اه ويمكن أن يقال أن ذلك لحرمتهما جميعا وقد تقدم كثير من مباحث الرضاع في أوائل النكاح والله أعلم
( قوله باب عمل المرأة في بيت زوجها )
أورد فيه حديث علي في طلب فاطمة الخادم والحجة منه
5046 - قوله فيه تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى وقد تقدم الحديث في أوائل فرض الخمس وأن شرحه يأتي في كتاب الدعوات أن شاء الله تعالى وسأذكر شيئا مما يتعلق بهذا الباب في الباب الذي يليه ويستفاد من قوله الا ادلكما على خير مما سألتما أن الذي يلازم ذكر الله يعطي قوة أعظم من القوة التي يعملها له الخادم أو تسهل الأمور عليه بحيث يكون تعاطيه أموره أسهل من تعاطي الخادم لها هكذا استنبطه بعضهم من الحديث والذي يظهر أن المراد أن نفع التسبيح مختص بالدار الآخرة ونفع الخادم مختص بالدار الدنيا والآخرة خير وأبقى
( قوله باب خادم المرأة )
أي هل يشرع ويلزم الزوج اخدامها ذكر فيه حديث علي المذكور في الذي قبله وسياقه اخصر منه قال الطبري يؤخذ منه أن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز أو طحن أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج إذا كان معروفا أن مثلها يلي ذلك بنفسه ووجه الأخذ أن فاطمة لما سألت أباها صلى الله عليه و سلم الخادم لم يأمر زوجها بأن يكفيها ذلك أما باخدامها خادما أو باستئجار من يقوم بذلك أو بتعاطى ذلك

(9/506)


بنفسه ولو كانت كفاية ذلك إلى على لآمره به كما أمره أن يسوق إليها صداقها قبل الدخول مع أن سوق الصداق ليس بواجب إذا رضيت المرأة أن تؤخره فكيف يأمره بما ليس بواجب عليه ويترك أن يأمره بالواجب وحكى بن حبيب عن أصبغ وبن الماجشون عن مالك أن خدمة البيت تلزم المرأة ولو كانت الزوجة ذات قدر وشرف إذا كان الزوج معسرا قال ولذلك ألزم النبي صلى الله عليه و سلم فاطمة بالخدمة الباطنة وعليا بالخدمة الظاهرة وحكى بن بطال أن بعض الشيوخ قال لا نعلم في شيء من الآثار أن النبي صلى الله عليه و سلم قضى على فاطمة بالخدمة الباطنة وإنما جرى الأمر بينهم على ما تعارفوه من حسن العشرة وجميل الأخلاق وأما أن تجبر المرأة على شيء من الخدمة فلا أصل له بل الإجماع منعقد على أن على الزوج مؤنة الزوجة كلها ونقل الطحاوي الإجماع على أن الزوج ليس له إخراج خادم المرأة من بيته فدل على أنه يلزمه نفقة الخادم على حسب الحاجة إليه وقال الشافعي والكوفيون يفرض لها ولخادمها النفقة إذا كانت ممن تخدم وقال مالك والليث ومحمد بن الحسن يفرض لها ولخادمها إذا كانت خطيرة وشذ أهل الظاهر فقالوا ليس على الزوج أن يخدمها ولو كانت بنت الخليفة وحجة الجماعة قوله تعالى وعاشروهن بالمعروف وإذا احتاجت إلى من يخدمها فامتنع لم يعاشرها بالمعروف وقد تقدم كثير من مباحث هذا الباب في باب الغيرة من أواخر النكاح في شرح حديث أسماء بنت أبي بكر في ذلك
( قوله باب خدمة الرجل في أهله )
أي بنفسه
5048 - قوله كان يكون سقط لفظ يكون من رواية المستملي والسرخسي وقد تقدم ضبط المهنة وأنه بفتح الميم ويجوز كسرها في كتاب الصلاة وقال بن التين ضبط في الأمهات بكسر الميم وضبطه الهروي بالفتح وحكى الأزهري عن شمر عن مشايخه أن كسرها خطأ قوله فإذا سمع الأذان خرج تقدم شرحه مع شرح بقية الحديث مستوفى في أبواب فضل الجماعة من كتاب الصلاة تنبيه وقع هنا للنسفي وحده ترجمة نصها باب هل لي من أجر في بني أبي سلمة وبعده الحديث الاتي في باب وعلى الوارث مثل ذلك بسنده ومتنه والراجح ما عند الجماعة
( قوله باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف )
اخذ المصنف هذه

(9/507)


الترجمة من حديث الباب بطريق الأولى لأنه دل على جواز الأخذ لتكملة النفقة فكذا يدل على جواز أخذ جميع النفقة عند الامتناع
5049 - قوله يحيى هو بن سعيد القطان وهشام هو بن عروة قوله ان هندا بنت عتبة كذا في هذه الرواية هندا بالصرف ووقع في رواية الزهري عن عروة الماضية في المظالم بغير صرف هند بنت عتبة بن ربيعة أي بن عبد شمس بن عبد مناف وفي رواية الشافعي عن أنس بن عياض عن هشام أن هندا أم معاوية وكانت هند لما قتل أبوها عتبة وعمها شيبة وأخوها الوليد يوم بدر شق عليها فلما كان يوم أحد وقتل حمزة فرحت بذلك وعمدت إلى بطنه فشقتها وأخذت كبده فلاكتها ثم لفظتها فلما كان يوم الفتح ودخل أبو سفيان مكة مسلما بعد ان اسرته خيل النبي صلى الله عليه و سلم تلك الليلة فأجاره العباس غضبت هند لأجل إسلامه وأخذت بلحيته ثم أنها بعد استقرار النبي صلى الله عليه و سلم بمكة جاءت فأسلمت وبايعت وقد تقدم في أواخر المناقب أنها قالت له يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي ان يذلوا من أهل خبائك وما على ظهر الأرض اليوم أهل خباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك فقال أيضا والذي نفسي بيده ثم قالت يا رسول الله أن أبا سفيان الخ وذكر بن عبد البر أنها ماتت في المحرم سنة أربع عشرة يوم مات أبو قحافة والد أبي بكر الصديق وأخرج بن سعد في الطبقات ما يدل على أنها عاشت بعد ذلك فروى عن الواقدي عن بن أبي سبرة عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن عمر استعمل معاوية على عمل أخيه فلم يزل واليا لعمر حتى قتل واستخلف عثمان فاقره على عمله وافرده بولاية الشام جميعا وشخص أبو سفيان إلى معاوية ومعه أبناه عتبة وعنبسه فكتبت هند إلى معاوية قد قدم عليك أبوك واخواك فاحمل أباك على فرس واعطه أربعة آلاف درهم واحمل عتبة على بغل واعطه الفي درهم واحمل عنبسة على حمار واعطه ألف درهم ففعل ذلك فقال أبو سفيان أشهد بالله أن هذا عن رأي هند قلت كان عتبة منها وعنبسة من غيرها أمة عاتكة بنت أبي ازيهر الأزدي وفي الأمثال للميداني أنها عاشت بعد وفاة أبي سفيان فإنه ذكر قصة فيها أن رجلا سأل معاوية أن يزوجه أمه فقال انها قعدت عن الولد وكانت وفاة أبي سفيان في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين قوله ان أبا سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس زوجها وكان قد رأس في قريش بعد وقعة بدر وسار بهم في أحد وساق الأحزاب يوم الخندق ثم أسلم ليلة الفتح كما تقدم مبسوطا في المغازي قوله رجل شحيح تقدم قبل بثلاثة أبواب رجل مسيك واختلف في ضبطه فالأكثر بكسر الميم وتشديد السين على المبالغة وقيل بوزن شحيح قال النووي هذا هو الأصح من حيث اللغة وأن كان الأول أشهر في الرواية ولم يظهر لي كون الثاني أصح فإن الآخر مستعمل كثيرا مثل شريب وسكير وأن كان المخفف أيضا فيه نوع مبالغة لكن المشدد أبلغ وقد تقدمت عبارة النهاية في كتاب الأشخاص حيث قال المشهور في كتب اللغة الفتح والتخفيف وفي كتب المحدثين الكسر والتشديد والشح البخل مع حرص والشح أعم من البخل لأن البخل يختص بمنع المال والشح بكل شيء وقيل الشح لازم كالطبع والبخل غير لازم قال القرطبي لم ترد هند وصف أبي سفيان بالشح في جميع أحواله وإنما وصفت حالها معه وأنه كان يقتر عليها وعلى أولادها وهذا لا يستلزم البخل مطلقا فإن كثيرا من الرؤساء يفعل ذلك مع أهله ويؤثر الاجانب استئلافا لهم قلت وورد في بعض الطرق لقول هند هذا سبب يأتي ذكره قريبا قوله الا ما أخذت منه وهو لا يعلم زاد الشافعي في روايته سرا فهل على في ذلك من شيء ووقع في رواية الزهري فهل على حرج أن أطعم من الذي

(9/508)


له عيالنا قوله فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف في رواية شعيب عن الزهري التي تقدمت في المظالم لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف قال القرطبي قوله خذي أمر إباحة بدليل قوله لا حرج والمراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية قال وهذه الإباحة وأن كانت مطلقة لفظا لكنها مقيدة معنى كأنه قال أن صح ما ذكرت وقال غيره يحتمل أن يكون صلى الله عليه و سلم علم صدقها فيما ذكرت فاستغنى عن التقييد واستدل بهذا الحديث على جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك وهو أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة وفيه من الفوائد جواز ذكر الإنسان بالتعظيم كاللقب والكنية كذا قيل وفيه نظر لأن أبا سفيان كان مشهورا بكنيته دون اسمه فلا يدل قولها أن أبا سفيان على إرادة التعظيم وفيه جواز استماع كلام احد الخصمين في غيبة الآخر وفيه أن من نسب إلى نفسه أمرا عليه فيه غضاضة فليقرنه بما يقيم عذره في ذلك وفيه جواز سماع كلام الأجنبية عند الحكم والافتاء عند من يقول أن صوتها عورة ويقول جاز هنا للضرورة وفيه أن القول قول الزوجة في قبض النفقة لأنه لو كان القول قول الزوج أنه منفق لكلفت هذه البينة على اثبات عدم الكفاية وأجاب المازري عنه بأنه من باب تعليق الفتيا لا القضاء وفيه وجوب نفقة الزوجة وإنها مقدرة بالكفاية وهو قول أكثر العلماء وهو قول للشافعي حكاه الجويني والمشهور عن الشافعي أنه قدرها بالامداد فعلى الموسر كل يوم مدان والمتوسط مد ونصف والمعسر مد وتقريرها بالامداد رواية عن مالك أيضا قال النووي في شرح مسلم وهذا الحديث حجة على أصحابنا قلت وليس صريحا في الرد عليهم لكن التقدير بالامداد محتاج إلى دليل فإن ثبت حملت الكفاية في حديث الباب على القدر المقدر بالامداد فكأنه كان يعطيها وهو موسر ما يعطي المتوسط فأذن لها في أخذ الكمية وقد تقدم الاختلاف في ذلك في باب وجوب النفقة على الأهل وفيه اعتبار النفقة بحال الزوجة وهو قول الحنفية واختار الخصاف منهم أنها معتبرة بحال الزوجين معا قال صاحب الهداية وعليه الفتوى والحجة فيه ضم قوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته الآية إلى هذا الحديث وذهبت الشافعية إلى اعتبار حال الزوج تمسكا بالآية وهو قول بعض الحنفية وفيه وجوب نفقة الأولاد بشرط الحاجة والأصح عند الشافعية اعتبار الصغر أو الزمانة وفيه وجوب نفقة خادم المرأة على الزوج قال الخطابي لأن أبا سفيان كان رئيس قومه ويبعد أن يمنع زوجته وأولاده النفقة فكأنه كان يعطيها قدر كفايتها وولدها دون من يخدمهم فأضافت ذلك إلى نفسها لأن خادمها داخل في جملتها قلت ويحتمل أن يتمسك لذلك بقوله في بعض طرقه أن أطعم من الذي له عيالنا واستدل به على وجوب نفقة الابن على الأب ولو كان الابن كبيرا وتعقب بأنها واقعة عين ولا عموم في الأفعال فيحتمل أن يكون المراد بقولها بني بعضهم أي من كان صغيرا أو كبيرا زمنا لا جميعهم واستدل به على أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه وهو قول الشافعي وجماعة وتسمى مسألة الظفر والراجح عندهم لا يأخذ غير جنس حقه الا إذا تعذر جنس حقه وعن أبي حنيفة المنع وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه الا أحد النقدين بدل الآخر وعن مالك ثلاث روايات كهذه الاراء وعن أحمد المنع مطلقا وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في كتاب الأشخاص والملازمة قال الخطابي يؤخذ من حديث هند جواز أخذ الجنس وغير الجنس لأن منزل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر

(9/509)


المرافق اللازمة وقد أطلق لها الإذن في أخذ الكفاية من ماله قال ويدل على صحة ذلك قولها في رواية أخرى وأنه لا يدخل على بيتي ما يكفيني وولدي قلت ولا دلالة فيه لما ادعاه من أن بيت الشحيح لا يحتوي على كل ما يحتاج إليه لأنها نفت الكفاية مطلقا فتناول جنس ما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه ودعواه أن منزل الشحيح كذلك مسلمة لكن من أين له أن منزل أبي سفيان كان كذلك والذي يظهر من سياق القصة أن منزله كان فيه كل ما يحتاج إليه الا أنه كان لا يمكنها الا من القدر الذي اشارت إليه فاستأذنت أن تأخذ زيادة على ذلك بغير علمه وقد وجه بن المنير قوله أن في قصة هند دلالة على أن لصاحب الحق أن يأخذ من غير جنس حقه بحيث يحتاج إلى التقويم لأنه عليه الصلاة و السلام إذن لهند أن تفرض لنفسها وعيالها قدر الواجب وهذا هو التقويم بعينه بل هو ادق منه واعسر واستدل به على أن للمرأة مدخلا في القيام على أولادها وكفالتهم والإنفاق عليهم وفيه اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشرع وقال القرطبي فيه اعتبار العرف في الشرعيات خلافا لمن أنكر ذلك لفظا وعمل به معنى كالشافعية كذا قال والشافعية إنما أنكروا العمل بالعرف إذا عارضه النص الشرعي أو لم يرشد النص الشرعي إلى العرف واستدل به الخطابي على جواز القضاء على الغائب وسيأتي في كتاب الأحكام أن البخاري ترجم القضاء على الغائب وأورد هذا الحديث من طريق سفيان الثوري عن هشام بلفظ أن أبا سفيان رجل شحيح فأحتاج أن أخذ من ماله قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وذكر النووي أن جمعا من العلماء من أصحاب الشافعي ومن غيرهم استدلوا بهذا الحديث لذلك حتى قال الرافعي في القضاء على الغائب احتج أصحابنا على الحنفية في منعهم القضاء على الغائب بقصة هند وكان ذلك قضاء من النبي صلى الله عليه و سلم على زوجها وهو غائب قال النووي ولا يصح الاستدلال لأن هذه القصة كانت بمكة وكان أبو سفيان حاضرا بها وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبا عن البلد أو مستترا لا يقدر عليه أو متعززا ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودا فلا يكون قضاء على الغائب بل هو افتاء وقد وقع في كلام الرافعي في عدة مواضع أنه كان افتاء اه واستدل بعضهم على أنه كان غائبا بقول هند لا يعطيني إذ لو كان حاضرا لقالت لا ينفق علي لأن الزوج هو الذي يباشر الإنفاق وهذا ضعيف لجواز أن يكون عادته أن يعطيها جملة ويأذن لها في الإنفاق مفرقا نعم قول النووي أن أبا سفيان كان حاضرا بمكة حق وقد سبقه إلى الجزم بذلك السهيلي بل أورد أخص من ذلك وهو أن أبا سفيان كان جالسا معها في المجلس لكن لم يسق إسناده وقد ظفرت به في طبقات بن سعد أخرجه بسند رجاله رجال الصحيح الا أنه مرسل عن الشعبي أن هندا لما بايعت وجاء قوله ولا يسرقن قالت قد كنت أصبت من مال أبي سفيان فقال أبو سفيان فما أصبت من مالي فهو حلال لك قلت ويمكن تعدد القصة وأن هذا وقع لما بايعت ثم جاءت مرة أخرى فسألت عن الحكم وتكون فهمت من الأول احلال أبي سفيان لها ما مضى فسألت عما يستقبل لكن يشكل على ذلك ما أخرجه بن منده في المعرفة من طريق عبد الله بن محمد بن زاذان عن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت هند لأبي سفيان إني أريد أن أبايع قال فإن فعلت فاذهبي معك برجل من قومك فذهبت إلى عثمان فذهب معها فدخلت منتقبة فقال بايعي أن لا تشركي الحديث وفيه فلما فرغت قالت يا رسول الله أن أبا سفيان رجل بخيل الحديث قال ما تقول يا أبا سفيان قال أما يابسا فلا وأما رطبا فأحله وذكر أبو نعيم في المعرفة أن عبد الله تفرد به بهذا السياق وهو ضعيف وأول حديثه يقتضي أن أبا سفيان لم يكن

(9/510)


معها وآخره يدل على أنه كان حاضرا لكن يحتمل أن يكون كل منهما توجه وحده أو أرسل إليه لما اشتكت منه ويؤيد هذا الاحتمال الثاني ما أخرجه الحاكم في تفسير الممتحنة من المستدرك عن فاطمة بنت عتبة أن أبا حذيفة بن عتبة ذهب بها وبأختها هند يبايعان فلما اشترط ولا يسرقن قالت هند لا أبايعك على السرقة إني اسرق من زوجي فكف حتى أرسل إلى أبي سفيان يتحلل لها منه فقال أما الرطب فنعم وأما اليابس فلا والذي يظهر لي أن البخاري لم يرد أن قصة هند كانت قضاء على أبي سفيان وهو غائب بل استدل بها على صحة القضاء على الغائب ولو لم يكن ذلك قضاء على غائب بشرطه بل لما كان أبو سفيان غير حاضر معها في المجلس وأذن لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه قدر كفايتها كان في ذلك نوع قضاء على الغائب فيحتاج من منعه أن يجيب عن هذا وقد انبني على هذا خلاف يتفرع منه وهو أن الأب إذا غاب أو أمتنع من الإنفاق على ولده الصغير إذن القاضي للام إذا كانت فيها اهلية ذلك في الاخذ من مال الأب أن أمكن أو في الاستقراض عليه والإنفاق على الصغير وهل لها الاستقلال بذلك بغير إذن القاضي وجهان ينبنيان على الخلاف في قصة هند فإن كانت إفتاء جاز لها الأخذ بغير إذن وأن كانت قضاء فلا يجوز الا بإذن القاضي ومما رجح به أنه كان قضاء لا فتيا التعبير بصيغة الأمر حيث قال لها خذي ولو كان فتيا لقال مثلا لا حرج عليك إذا أخذت ولان الأغلب من تصرفاته صلى الله عليه و سلم إنما هو الحكم ومما رجح به أنه كان فتوى وقوع الاستفهام في القصة في قولها هل على جناح ولأنه فوض تقدير الاستحقاق إليها ولو كان قضاء لم يفوضه إلى المدعى ولأنه لم يستحلفها على ما ادعته ولا كلفها البينة والجواب أن في ترك تحليفها أو تكليفها البينة حجة لمن أجاز للقاضي ان يحكم بعلمه فكأنه صلى الله عليه و سلم علم صدقها في كل ما ادعت به وعن الاستفهام أنه لا استحالة فيه من طالب الحكم وعن تفويض قدر الاستحقاق أن المراد الموكول إلى العرف كما تقدم وسيأتي بيان المذاهب في القضاء على الغائب في كتاب الأحكام أن شاء الله تعالى تنبيه أشكل على بعضهم استدلال البخاري بهذا الحديث على مسألة الظفر في كتاب الأشخاص حيث ترجم له قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه واستدلاله به على جواز القضاء على الغائب لأن الاستدلال به على مسألة الظفر لا تكون الا على القول بأن مسألة هند كانت على طريق الفتوى والاستدلال به على مسألة القضاء على الغائب لا يكون الا على القول بأنها كانت حكما والجواب أن يقال كل حكم يصدر من الشارع فإنه ينزل منزلة الافتاء بذلك الحكم في مثل تلك الواقعة فيصح الاستدلال بهذه القصة للمسألتين والله أعلم وقد وقع هذا الباب مقدما على بابين عند أبي نعيم في المستخرج
( قوله باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده )
والنفقة المراد بذات اليد المال وعطف النفقة عليه من عطف الخاص على العام ووقع في شرح بن بطال والنفقة عليه وزيادة لفظة عليه غير محتاج إليها في هذا الموضع

(9/511)


وليست من حديث الباب في شيء
5050 - قوله حدثنا بن طاوس اسمه عبد الله قوله عن أبيه وأبو الزناد هو عطف على بن طاوس لا على طاوس وحاصله أن لسفيان بن عيينة فيه اسنادين إلى أبي هريرة ووقع في مسند الحميدي عن سفيان وحدثنا أبو الزناد وأخرجه أبو نعيم من طريقه قوله خير نساء ركبن الإبل نساء قريش وقال الآخر صالح نساء قريش في رواية الكشميهني صلح بضم الصاد وتشديد اللام بعدها مهملة وهي صيغة جمع وحاصله أن أحد شيخي سفيان اقتصر على نساء قريش وزاد الاخر صالح ووقع عند مسلم عن بن أبي عمر عن سفيان قال أحدهما صالح نساء قريش وقال الآخر نساء قريش ولم أره عن سفيان الا مبهما لكن ظهر من رواية شعيب عن أبي الزناد الماضية في أول النكاح ومن رواية معمر عن بن طاوس عند مسلم أن الذي زاد لفظه صالح هو بن طاوس ووقع في أوله عند مسلم من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بيان سبب الحديث ولفظه أن النبي صلى الله عليه و سلم خطب أم هانئ بنت أبي طالب فقالت يا رسول الله إني قد كبرت ولي عيال فذكر الحديث وله أحناه على بمهملة ثم نون من الحنو وهو العطف والشفقة وأرعاه من الرعاية وهي الإبقاء قال بن التين الحانية عند أهل اللغة التي تقيم على ولدها فلا تتزوج فإن تزوجت فليست بحانية قوله في ذات يده قال قاسم بن ثابت في الدلائل ذات يده وذات بيننا ونحو ذلك صفة لمحذوف مؤنث كأنه يعني الحال التي هي بينهم والمراد بذات يده ماله ومكسبه وأما قولهم لقيته ذات يوم فالمراد لقاة أو مرة فلما حذف الموصوف وبقيت الصفة صارت كالحال قوله ويذكر عن معاوية وبن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أما حديث معاوية وهو بن أبي سفيان فأخرجه أحمد والطبراني من طريق زيد بن أبي غياث عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر مثل رواية بن طاوس في جملة أحاديث ورجاله موثقون وفي بعضهم مقال لا يقدح وأما حديث بن عباس فأخرجه أحمد أيضا من طريق شهر بن حوشب حدثني بن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم خطب امرأة من قومه يقال لها سودة وكان لها خمسة صبيان أو ستة من بعل لها مات فقالت له ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلى الا إني أكرمك أن تضفو هذه الصبية عند رأسك فقال لها يرحمك الله أن خير نساء ركبن أعجاز الإبل صالح نساء قريش الحديث وسنده حسن وله طريق أخرى أخرجها قاسم بن ثابت في الدلائل من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن بن عباس باختصار القصة وهذه المرأة يحتمل أن تكون أم هانئ المذكورة في حديث أبي هريرة فلعلها كانت تلقب سودة فإن المشهور أن اسمها فاخته وقيل غير ذلك ويحتمل أن تكون امرأة أخرى وليست سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه و سلم فإن النبي صلى الله عليه و سلم تزوجها قديما بمكة بعد موت خديجة ودخل بها قبل أن يدخل بعائشة ومات وهي في عصمته وقد تقدم ذلك واضحا وتقدم شرح المتن مستوفى في أوائل كتاب النكاح
( قوله باب كسوة المرأة بالمعروف )
هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم من حديث جابر المطول في صفة

(9/512)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية