صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ فتح الباري - ابن حجر ]
الكتاب : فتح الباري شرح صحيح البخاري
المؤلف : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
الناشر : دار المعرفة - بيروت ، 1379
تحقيق : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
عدد الأجزاء : 13

يتداوى بقشرها وهو مفرح بالخاصية ويستخرج من حبها دهن له منافع وقيل إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقر به الشياطين وغلاف حبه أبيض فيناسب قلب المؤمن وفيها أيضا من المزايا كبر جرمها وحسن منظرها وتفريح لونها ولين ملمسها وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة ودباغ معدة وجودة هضم ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات ووقع في رواية شعبة عن قتادة كما سيأتي بعد أبواب المؤمن الذي يقرآ القرآن ويعمل به وهي زيادة مفسرة للمراد وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي لا مطلق التلاوة فإن قيل لو كان كذلك لكثر التقسيم كأن يقال الذي يقرأ ويعمل وعكسه والذي يعمل ولا يقرأ وعكسه والأقسام الأر بعة ممكنة في غير المنافق وأما المنافق فليس له إلا قسمان فقط لأنه لا اعتبار بعمله إذا كان نفاقه نفاق كفر وكأن الجواب عن ذلك أن الذي حذف من التمثيل قسمان الذي يقرأ ولا يعمل والذي لا يعمل ولا يقرأ وهما شبيهان بحال المنافق فيمكن تشبيه الأول بالريحانة والثاني بالحنظلة فاكتفى بذكر المنافق والقسمان الآخران قد ذكرا قوله ولا ريح فيها في رواية شعبة لها قوله ومثل الفاجر الذي يقرأ في رواية شعبة ومثل المنافق في الموضعين قوله ولا ريح لها في رواية شعبة وريحها مر واستشكلت هذه الرواية من جهة أن المرارة من أوصاف الطعوم فكيف يوصف بها الريح وأجيب بأن ريحها لما كان كريها استعير له وصف المرارة وأطلق الزركشي هنا أن هذه الرواية وهم وأن الصواب ما في رواية هذا الباب ولا ريح لها ثم قال في كتاب الأطعمة لما جاء فيه ولا ريح لها هذا أصوب من رواية الترمذي طعمها مر وريحها مر ثم ذكر توجيهها وكأنه ما استحضر أنها في هذا الكتاب وتكلم عليها فلذلك نسبها للترمذي وفي الحديث فضيلة حاملي القرآن وضرب المثل للتقريب للفهم وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه الحديث الثاني حديث بن عمر إنما أجلكم في أجل من قبلكم الحديث وقد تقدم شرحه مستوفي في المواقيت من كتاب الصلاة ومطابقة الحديث الأول للترجمة من جهة ثبوت فضل قارئ القرآن على غيره فيستلزم فضل القرآن على سائر الكلام كما فضل الأترج على سائر الفواكه ومناسبة الحديث الثاني من جهة ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وثبوت الفضل لها بما ثبت من فضل كتابها الذي أمرت بالعمل به
( قوله باب الوصاة بكتاب الله )
في رواية الكشميهني الوصية وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الوصايا وتقدم فيه حديث الباب مشروحا وقوله فيه أوصى بكتاب الله بعد قوله لا حين قال له هل أوصى بشيء ظاهر هما التخالف وليس كذلك لأنه نفي ما يتعلق بالإمارة ونحو ذلك لا مطلق الوصية والمراد بالوصية بكتاب الله حفظه حسا ومعنى فيكرم ويصان ولا يسافر به إلى أرض العدو ويتبع ما فيه فيعمل بأوامره ويجتنب نواهية ويداوم تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحوه ذلك

(9/67)


( قوله باب من لم يتغن بالقرآن )
هذه الترجمة لفظ حديث أورده المصنف في الأحكام من طريق بن جريج عن بن شهاب بسند حديث الباب بلفظ من لم يتغن بالقرآن فليس منا وهو في السنن من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره قوله وقوله تعالى أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم أشار بهذه الآية إلى ترجيح تفسير بن عيينة يتغنى يستغني كما سيأتي في هذا الباب عنه وأخرجه أبو داود عن بن عيينة ووكيع جميعا وقد بين إسحاق بن راهويه عن بن عيينة أنه استغناء خاص وكذا قال أحمد عن وكيع يستغني به عن أخبار الأمم الماضية وقد أخرج الطبري وغيره من طريق عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال جاء ناس من المسلمين بكتب وقد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود فقال النبي صلى الله عليه و سلم كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم فنزل أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم وقد خفي وجه مناسبة تلاوة هذه الآية هنا على كثير من الناس كابن كثير فنفى أن يكون لذكرها وجه على أن بن بطال مع تقدمه قد أشار إلى المناسبة فقال قال أهل التأويل في هذه الآية فذكر أثر يحيى بن جعدة مختصرا قال فالمراد بالآية الاستغناء عن أخبار الأمم الماضية وليس المراد الاستغناء الذي هو ضد الفقر قال واتباع البخاري الترجمة بالآية يدل على أنه يذهب إلى ذلك وقال بن التين يفهم من الترجمة أن المراد بالتغني الاستغناء لكونه أتبعه الآية التي تضمن لانكار على من لم يستغن بالقرآن عن غيره فحمله على الاكتفاء به وعدم الافتقار إلى غيره وحمله على ضد الفقر من جملة ذلك
4735 - قوله أبي هريرة في رواية شعيب عن بن شهاب حدثني أبو سلمة أنه سمع أبا هريرة أخرجه الإسماعيلي قوله لم يأذن الله لنبي كذا لهم بنون وموحدة وعند الإسماعيلي لشيء بشين معجمه وكذا عند مسلم من جميع طرقه ووقع في رواية سفيان التي تلي هذه في الأصل كالجمهور وفي رواية الكشميهني كرواية عقيل قوله ما أذن لنبي كذا للأكثر وعند أبي ذر للنبي بزيادة اللام فإن كانت محفوظة فهي للجنس ووهم من ظنها للعهد وتوهم أن المراد نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فقال ما أذن للنبي صلى الله عليه و سلم وشرحه على ذلك
4736 - قوله أن يتغنى كذا لهم وأخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه بدون أن وزعم بن الجوزي أن الصواب حذف أن وأن إثباتها وهم من بعض الرواة لأنهم كانوا يروون بالمعنى فربما ظن بعضهم المساواة فوقع في الخطأ لأن الحديث لو كان بلفظ أن لكان من الإذن بكسر الهمزة وسكون

(9/68)


الذال بمعنى الإباحة والإطلاق وليس ذلك مرادا هنا وإنما هو من الأذن بفتحتين وهو الاستماع وقوله أذن أي استمع والحاصل أن لفظ أذن بفتحة ثم كسرة في الماضي وكذا في المضارع مشترك بين الإطلاق والاستماع تقول أذنت آذن بالمد فإن أردت الإطلاق فالمصدر بكسرة ثم سكون وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين قال عدي بن زيد أيها القلب تعلل بددن إن همي في سماع وأذن أي في سماع واستماع وقال القرطبي أصل الأذن بفتحتين أن المستمع يميل بإذنه إلى جهة من يسمعه وهذا المعنى في حق الله لا يراد به ظاهره وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف المخاطب والمراد به في حق الله تعالى إكرام ا لقارئ وإجزال ثوابه لان ذلك ثمرة الإصغاء ووقع عند مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث ما أذن لشيء كأذنه بفتحتين ومثله عند بن أبي داود من طريق محمد بن أبي حفصة عن عمرو بن دينار عن أبي سلمة وعند أحمد وبن ماجة والحاكم وصححه من حديث فضالة بن عبيد الله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته قلت ومع ذلك كله فليس ما أنكره بن الجوزي بمنكر بل هو موجه وقد وقع عند مسلم في رواية أخرى كذلك ووجهها عياض بأن المراد الحث على ذلك والأمر به قوله وقال صاحب له يجهر به الضمير في له لأبي سلمة والصاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بينه الزبيدي عن بن شهاب في هذا الحديث أخرجه بن أبي داود عن محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات من طريقه بلفظ ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن قال بن شهاب وأخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن عن أبي سلمة يتغنى بالقرآن يجهر به فكأن هذا التفسير لم يسمعه بن شهاب من أبي سلمة وسمعه من عبد الحميد عنه فكان تارة يسميه وتارة يبهمه وقد أدرجه عبد الرزاق عن معمر عنه قال الذهلي وهو غير محفوظ في حديث معمر وقد رواه عبد الأعلى عن معمر بدون هذه الزيادة قلت وهي ثابتة عن أبي سلمة من وجه آخر أخرجه مسلم من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به وكذا ثبت عنده من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة قوله عن سفيان هو بن عيينة قوله عن الزهري هو بن شهاب المذكور في الطريق الأولى ونقل بن أبي داود عن علي بن المديني شيخ البخاري فيه قال لم يقل لنا سفيان قط في هذا الحديث حدثنا بن شهاب قلت قد رواه الحميدي في مسنده عن سفيان قال سمعت الزهري ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في المستخرج والحميدي من أعرف الناس بحديث سفيان وأكثرهم تثبتا عته للسماع من شيوخهم قوله قال سفيان تفسيره يستغني به كذا فسره سفيان ويمكن أن يستأنس بما أخرجه أبو داود وبن الضريس وصححه أبو عوانة عن بن أبي مليكة عن عبيد الله بن أبي نهيك قال لقيني سعد بن أبي وقاص وأنا في السوق فقال تجار كسبة سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقد ارتضى أبو عبيد تفسير يتغنى يستغني وقال إنه جائز في كلام العرب وأنشد الأعشى وكنت أمرءا زمنا بالعراق خفيف المناخ طويل التغني

(9/69)


أي كثير الاستغناء وقال المغيرة بن حبناء كلانا غنى عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا قال فعلى هذا يكون المعنى من لم يستغن بالقرآن عن الإكثار من الدنيا فليس منا أي على طريقتنا واحتج أبو عبيد أيضا بقول بن مسعود من قرأ سورة آل عمران فهو غنى ونحو ذلك وقال بن الجوزي اختلفوا في معنى قوله يتغنى على أربعة أقوال أحدها تحسين الصوت والثاني الاستغناء والثالث التحزن قاله الشافعي والرابع التشاغل به تقول العرب تغني بالمكان أقام به قلت وفيه قول آخر حكاه بن الأنباري في الزاهر قال المراد به التلذذ الاستحلاء له كما يستلذ أهل الطرب بالغناء فأطلق عليه تغنيا من حيث أنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء وهو كقول النابغة بكاء حمامة تدعو هديلا مفجعة على فنن تغني أطلق على صوتها غناء لأنه يطرب كما يطرب الغناء وإن لم يكن غناء حقيقة وهو كقولهم العمائم تيجان العرب لكونها تقوم مقام التيجان وفيه قول آخر حسن وهو أن يجعله هجيراه كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء قال بن الأعرابي كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى وإذا جلست في أفنيتها وفي أكثر أحوالها فلما نزل القرآن أحب النبي صلى الله عليه و سلم أن يكون هجيراهم القراءة مكان التغني ويؤيد القول الرابع بيت الأعشى المتقدم فإنه أراد بقوله طويل التغني طول الإقامة لا الاستغناء لأنه أليق بوصف الطول من الاستغناء يعني أنه كان ملازما لوطنه بين أهله كانوا يتمدحون بذلك كما قال حسان أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر بن مارية الكريم المفضل أراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتجاع ولا يبرحون من أوطانهم فيكون معنى الحديث الحث على ملازمة القرآن وأن لا يتعدى إلى غيره وهو يئول من حيث المعنى إلى ما اختاره البخاري من تخصيص الاستغناء وأنه يستغني به عن غيره من الكتب وقيل المراد من لم يغنه القرآن وينفعه في إيمانه ويصدق بما فيه من وعد ووعيد وقيل معناه من لم يرتح لقراءته وسماعه وليس المراد ما اختاره أبو عبيد أنه يحصل به الغنى دون الفقر لكن الذي اختاره أبو عبيد غير مدفوع إذا أريد به الغنى المعنوي وهو غنى النفس وهو القناعة لا الغنى المحسوس الذي هو ضد الفقر لأن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القراءة إلا إن كان ذلك بالخاصية وسياق الحديث يأبى الحمل على ذلك فإن فيه إشارة إلى الحث على تكلف ذلك وفي توجيهه تكلف كأنه قال ليس منا من لم يتطلب الغني بملازمة تلاوته وأما الذي نقله عن الشافعي فلم أره صريحا عنه ي تفسير الخبر وإنما قال في مختصر المزني وأحب أن يقرأ حدرا وتحزينا انتهى قال أهل اللغة حدرت القراءة أدرجتها ولم أمططها وقرأ فلان تحزينا إذا رقق صوته وصيره كصوت الحزين وقد روى بن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة أنه قرأسورة فحزنها شبه الرثي وأخرجه أبو عوانة عن الليث بن سعد قال يتغنى به يتحزن به ويرقق به قلبه وذكر الطبري عن الشافعي أنه سئل عن تأويل بن عيينة التغني بالاستغناء فلم يرتضه وقال لو أراد الاستغناء لقال لم يستغن وإنما أراد تحسين الصوت قال بن بطال وبذلك فسره بن أبي مليكة وعبد الله بن المبارك والنضر بن شميل ويؤيده

(9/70)


رواية عبد الأعلى عن معمر عن بن شهاب في حديث الباب بلفظ ما أذن لنبي في الترنم في القرآن أخرجه الطبري وعنده في رواية عبد الرزاق عن معمر ما اذن لنبي حسن الصوت وهذا اللفظ عند مسلم من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة وعند بن أبي داود والطحاوي من رواية عمرو بن دينار عن أبي سلمة عن أبي هريرة حسن الترنم بالقرآن قال الطبري والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القاريء وطرب به قال ولو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى وأخرج بن ماجة والكجي وصححه بن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد مرفوعا الله أشد أذنا أي استماعا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته والقينة المغنية وروى بن أبي شيبة من حديث عقبة بن عامر رفعه تعلموا القرآن وغنوا به وأفشوه كذا وقع عنده والمشهور عند غيره في الحديث وتغنوا به والمعروف في كلام العرب أن التغني الترجيع بالصوت كما قال حسان تغن بالشعر إما أنت قائله إن الغناء بهذا الشعر مضمار قال ولا نعلم في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى ولا في أشعارهم وبيت الأعشى لا حجة فيه لأنه أراد طول الإقامة ومنه قوله تعالى كأن لم يغنوا فيها وقال بيت المغيرة أيضا لا حجة فيه لأن التغاني تفاعل بين اثنين وليس هو بمعنى تغني قال وإنما يأتي تغني من الغنى الذي هو ضد الفقر بمعنى تفعل أي يظهر خلاف ما عنده وهذا فاسد المعنى قلت ويمكن أن يكون بمعنى تكلفه أي تطلبه وحمل نفسه عليه ولو شق عليه كما تقدم قريبا ويؤيده حديث فإن لم تبكوا فتباكوا وهو في حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي عوانة وأما إنكاره أن يكون تغنى بمعنى استغنى في كلام العرب فمردود ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وقد تقدم في الجهاد في حديث الخيل ورجل ربطها تعففا وتغنيا وهذا من الاستغناء بلا ريب والمراد به يطلب الغني بها عن الناس بقرينة قوله تعففا وممن أنكر تفسير يتغنى بيستغني أيضا الإسماعيلي فقال الاستغناء به لا يحتاج إلى استماع لآن الاستماع أمر خاص زائد على الاكتفاء به وأيضا فالاكتفاء به عن غيره أمر واجب على الجميع ومن لم يفعل ذلك خرج عن الطاعة ثم ساق من وجه آخر عن بن عيينة قال يقولون إذا رفع صوته فقد تغنى قلت الذي نقل عنه أنه بمعنى يستغني أتقن لحديثه وقد نقل أبو داود عنه مثله ويمكن الجمع بينهما بأن تفسير يستغني من جهته ويرفع عن غيره وقال عمر بن شبة ذكرت لأبي عاصم النبيل تفسير بن عيينة فقال لم يصنع شيئا حدثني بن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال كان داود عليه السلام يتغنى يعني حين يقرأ ويبكي ويبكي وعن بن عباس أن داود كان يقرأالزبور بسبعين لحنا ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر ولا بحر إلا أنصتت له واستمعت وبكت وسيأتي حديث أن أبا موسى أعطي مزمارا من مزامير داود في باب حسن الصوت بالقراءة وفي الجملة ما فسر به بن عيينة ليس بمدفوع وإن كانت ظواهر الأخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت ويؤيده قوله يجهر به فإنها إن كانت مرفوعة قامت الحجة وإن كانت غير مرفوعة فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غيره ولا سيما إذا كان فقها وقد جزم الحليمي بأنها من قول أبي هريرة والعرب تقول سمعت فلانا يتغنى بكذا أي يجهر به وقال أبو عاصم أخذ بيدي بن جريج فأوقفني على

(9/71)


أشعب فقال غن بن أخي ما بلغ من طمعك فذكر قصة فقوله غن أي أخبرني جهرا صريحا ومنه قول ذي الرمة أحب المكان القفر من أجل أنني به أتغنى باسمها غير معجم أي أجهر ولا أكنى والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة وهو أنه يحسن به صوته جاهرا به مترنما على طريق التحزن مستغنيا به عن غيره من الأخبار طالبا به غنى النفس راجيا به غنى اليد وقد نظمت ذلك في بيتين تغن بالقرآن حسن به الصوت حزينا جاهرا رنم واستغن عن كتب الألي طالبا غنى يد والنفس ثم الزم وسيأتي ما يتعلق بحسن الصوت بالقرآن في ترجمة مفردة ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم لان للتطريب تأثيرا في رقة القلب وإجراء الدمع وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك فحكى عبد الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان وحكاه أبو الطيب الطبري والماوردي وبن حمدان الحنبلي عن جماعة من أهل العلم وحكى بن بطال وعياض والقرطبي من المالكية والماوردي والبندنيجي والغزالي من الشافعية وصاحب الذخيرة من الحنفية الكراهة واختاره أبو يعلى وبن عقيل من الحنابلة وحكى بن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز وهو المنصوص للشافعي ونقله الطحاوي عن الحنفية وقال الفوراني من الشافعية في الإباحة يجوز بل يستحب ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه فلو تغير قال النووي في التبيان أجمعوا على تحريمه ولفظه أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فإن خرج حتى زاد حرفا أو أخفاه حرم قال وأما القراءة بالألحان فقد نص الشافعي في موضع على كراهته وقال في موضع آخر لا بأس به فقال أصحابه ليس على اختلاف قولين بل على اختلاف حالين فإن لم يخرج بالألحان على المنهج القويم جاز والا حرم وحكى الماوردي عن الشافعي أن القراءة بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخارجها حرم وكذا حكى بن حمدان الحنبلي في الرعاية وقال الغزالي والبندنيجي وصاحب الذخيرة من الحنفية إن لم يفرط في التمطيط الذي يشوش النظم استحب وإلا فلا وأغرب الرافعي فحكى عن أمالي السرخسي أنه لا يضر التمطيط مطلقا وحكاه بن حمدان رواية عن الحنابلة وهذا شذوذ لا يعرج عليه والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع كما قال بن أبي مليكة أحد رواة الحديث وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح ومن جملة تحسينه أن يراعى فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعى الأداء فإن وجد من يراعيهما معا فلا شك في أنه أرجح من غيره لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء والله أعلم

(9/72)


( قوله باب اغتباط صاحب القرآن )
تقدم في أوائل كتاب العلم باب الاغتباط في العلم والحكمة وذكرت هناك تفسير الغبطة والفرق بينها وبين الحسد وأن الحسد في الحديث أطلق عليها مجازا وذكرت كثيرا من مباحث المتن هناك وقال الإسماعيلي هنا ترجمة الباب اغتباط صاحب القرآن وهذا فعل صاحب القرآن فهو الذي يغتبط وإذا كان يغتبط بفعل نفسه كان معناه أنه يسر ويرتاح بعمل نفسه وهذا ليس مطابقا قلت ويمكن الجواب بأن مراد البخاري بأن الحديث لما كان دالا على أن غير صاحب القرآن يغتبط صاحب القرآن بما أعطيه من العمل بالقرآن فاغتباط صاحب القرآن بعمل نفسه أولى إذا سمع هذه البشارة الواردة في حديث الصادق
4737 - قوله لا حسد أي لا رخصة في الحسد إلا في خصلتين أو لا يحسن الحسد إن حسن أو أطلق الحسد مبالغة في الحث على تحصيل الخصلتين كأنه قيل لو لم يحصلا إلا بالطريق المذموم لكان ما فيهما من الفضل حاملا على الإقسام على تحصيلهما به فكيف والطريق المحمود يمكن تحصيلهما به وهو من جنس قوله تعالى فاستبقوا الخيرات فإن حقيقة السبق أن يتقدم على غيره في المطلوب قوله إلا على اثنتين في حديث بن مسعود الماضي وكذا في حديث أبي هريرة المذكور تلو هذا إلا في اثنتين تقول حسدته على كذا أي على وجود ذلك له وأما حسدته في كذا فمعناه حسدته في شأن كذا وكأنها سببية قوله وقام به آناء الليل كذا في النسخ التي وقفت عليها من البخاري وفي مستخرج أبي نعيم من طريق أبي بكر بن زنجويه عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه آناء الليل وآناء النهار وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق إسحاق بن يسار عن أبي اليمان وكذا هو عند مسلم من وجه آخر عن الزهري وقد تقدم في العلم أن المراد بالقيام به العمل به تلاوة وطاعة قوله
4738 - حدثنا علي بن إبراهيم هو الواسطي في قول الأكثر واسم جده عبد المجيد اليشكري وهو ثقة متقن عاش بعد البخاري نحو عشرين سنة وقيل بن أشكاب وهو علي بن الحسين بن إبراهيم بن أشكاب نسب إلى جده وبهذا جزم بن عدي وقيل علي بن عبد الله بن إبراهيم نسب إلى جده وهو قول

(9/73)


الدارقطني وأبي عبد الله بن منده وسيأتي في النكاح رواية الفربري عن علي بن عبد الله بن إبراهيم عن حجاج بن محمد وقال الحاكم قيل هو علي بن إبراهيم المروزي وهو مجهول وقيل الواسطي قوله روح هو بن عبادة وقد تابعه بشر بن منصور وبن أبي عدي والنضر بن شميل كلهم عن شعبة قال الإسماعيلي رفعه هؤلاء ووقفه غندر عن شعبة قوله عن سليمان هو الأعمش قال سمعت ذكوان هو أبو صالح السمان قلت ولشعبة عن الأعمش فيه شيخ آخر أخرجه أحمد عن محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن أبي كبشة الأنماري قلت وقد أشرت إلى متن أبي كبشة في كتاب العلم وسياقه أتم من سياق أبي هريرة وأخرجه أبو عوانة في صحيحه أيضا من طريق أبي زيد الهروي عن شعبة وأخرجه أيضا من طريق جرير عن الأعمش بالإسنادين معا وهو ظاهر في أنهما حديثان متغايران سندا ومتنا اجتمعا لشعبة وجرير معا عن الأعمش وأشار أبو عوانة إلى أن مسلما لم يخرج حديث أبي هريرة لهذه العلة وليس ذلك بواضح لأنها ليست علة قادحة قوله فهو يهلكه في الحق فيه احتراس بليغ كأنه لما أوهم الإنفاق في التبذير من جهة عموم الإهلاك قيده بالحق والله أعلم
( قوله باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه )
كذا ترجم بلفظ المتن وكأنه أشار إلى ترجيح الرواية بالواو
5863 - قوله عن سعد بن عبيدة كذا يقول شعبة يدخل بين علقمة بن مرثد وأبي عبد الرحمن سعد بن عبيدة وخالفه سفيان الثوري فقال عن علقمة عن أبي عبد الرحمن ولم يذكر سعد بن عبيدة وقد أطنب الحافظ أبو العلاء العطار في كتابه الهادي في القرآن في تخريج طرقه فذكر ممن تابع شعبة ومن تابع سفيان جمعا كثيرا وأخرجه

(9/74)


أبو بكر بن أبي داود في أول الشريعة له وأكثر من تخريج طرقه أيضا ورجح الحفاظ رواية الثوري وعدوا رواية شعبة من المزيد في متصل الأسانيد وقال الترمذي كأن رواية سفيان أصح من رواية شعبة وأما البخاري فأخرج الطريقين فكأنه ترجح عنده أنهما جميعا محفوظان فيحمل على أن علقمة سمعه أولا من سعد ثم لقي أبا عبد الرحمن فحدثه به أو سمعه مع سعد من أبي عبد الرحمن فثبته فيه سعد ويؤيد ذلك ما في رواية سعد بن عبيدة من الزيادة الموقوفة وهي قول أبي عبد الرحمن فذلك الذي أقعدني هذا المقعد كما سيأتي البحث فيه وقد شذت رواية عن الثوري بذكر سعد بن عبيدة فيه قال الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى القطان حدثنا سفيان وشعبة عن علقمة عن سعد بن عبيدة به وقال النسائي أنبأنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان أن علقمة حدثهما عن سعد قال الترمذي قال محمد بن بشار أصحاب سفيان لا يذكرون فيه سعد بن عبيدة وهو الصحيح اه وهكذا حكم علي بن المديني على يحيى القطان فيه بالوهم وقال بن عدي جمع يحيى القطان بين شعبة وسفيان فالثوري لا يذكر في إسناده سعد بن عبيدة وهذا مما عد في خطأيحيى القطان على الثوري وقال في موضع آخر حمل يحيى القطان رواية الثوري على رواية شعبة فساق الحديث عنهما وحمل إحدى الروايتين على الأخرى فساقه على لفظ شعبة والي ذلك أشار الدارقطني وتعقب بأنه فصل بين لفظيهما في رواية النسائي فقال قال شعبة خيركم وقال سفيان أفضلكم قلت وهو تعقب واه إذ لا يلزم من تفصيله للفظهما في المتن أن يكون فصل لفظهما في الإسناد قال بن عدي يقال أن يحيى القطان لم يخطئ قط إلا في هذا الحديث وذكر الدارقطني أن خلاد بن يحيى تابع يحيى القطان عن الثوري على زيادة سعد بن عبيدة وهي رواية شاذة وأخرج بن عدي من طريق يحيى بن آدم عن الثوري وقيس بن الربيع وفي رواية عن يحيى بن آدم عن شعبة وقيس بن الربيع جميعا عن علقمة عن سعد بن عبيدة قال وكذا رواه سعيد بن سالم القداح عن الثوري ومحمد بن أبان كلاهما عن علقمة بزيادة سعد وزاد في إسناده رجلا آخر كما سأبينه وكل هذه الروايات وهم والصواب عن الثوري بدون ذكر سعد وعن شعبة بإثباته قوله عن عثمان في رواية شريك عن عاصم بن بهدلة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن بن مسعود أخرجه بن أبي داود بلفظ خيركم من قرأالقرآن وأقرأه وذكره الدارقطني وقال الصحيح عن أبي عبد الرحمن عن عثمان وفي رواية خلاد بن يحيى عن الثوري بسنده قال عن أبي عبد الرحمن عن أبان بن عثمان عن عثمان قال الدارقطني هذا وهم فإن كان محفوظا احتمل أن يكون السلمي أخذه عن أبان بن عثمان عن عثمان ثم لقي عثمان فأخذه عنه وتعقب بأن أبا عبد الرحمن أكبر من أبان وأبان اختلف في سماعه من أبيه أشد مما اختلف في سماع أبي عبد الرحمن من عثمان فبعد هذا الاحتمال وجاء من وجه آخر كذلك أخرجه بن أبي داود من طريق سعيد بن سلام عن محمد بن أبان سمعت علقمة يحدث عن أبي عبد الرحمن عن أبان بن عثمان عن عثمان فذكره وقال تفرد به سعيد بن سلام يعني عن محمد بن أبان قلت وسعيد ضعيف وقد قال أحمد حدثنا حجاج بن محمد عن شعبة قال لم يسمع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان وكذا نقله أبو عوانة في صحيحه عن شعبة ثم قال اختلف أهل التمييز في سماع أبي عبد الرحمن من عثمان ونقل بن أبي داود عن يحيى بن معين مثل ما قال شعبة وذكر الحافظ أبو العلاء أن مسلما سكت عن إخراج هذا الحديث في صحيحه قلت قد وقع في بعض الطرق التصريح بتحديث عثمان لأبي عبد الرحمن وذلك فيما أخرجه بن عدي في ترجمة عبد الله بن محمد بن أبي مريم من طريق بن جريج عن عبد الكريم عن أبي عبد

(9/75)


الرحمن حدثني عثمان وفي إسناده مقال لكن ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصله وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة عن سعد بن عبيدة من الزيادة وهي أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان وإذا سمعه في ذلك الزمان ولم يوصف بالتدليس اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه وهو عثمان رضي الله عنه ولا سيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ القرآن على عثمان وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره فكان هذا أولى من قول من قال إنه لم يسمع منه قوله خيركم من تعلم القرآن وعلمه كذا للأكثر وللسرخسي أو علمه وهي للتنويع لا للشك وكذا لأحمد عن غندر عن شعبة وزاد في أوله إن وأكثر الرواة عن شعبة يقولونه بالواو وكذا وقع عند أحمد عن بهز وعند أبي داود عن حفص بن عمر كلاهما عن شعبة وكذا أخرجه الترمذي من حديث علي وهي أظهر من حيث المعنى لأن التي بأو تقتضي إثبات الخيرية المذكورة لمن فعل أحد الأمرين فيلزم أن من تعلم القرآن ولو لم يعلمه غيره أن يكون خيرا ممن عمل بما فيه مثلا وإن لم يتعلمه ولا يقال يلزم على رواية الواو أيضا أن من تعلمه وعلمه غيره أن يكون أفضل ممن عمل بما فيه من غير أن يتعلمه ولم يعلمه غيره لأنا نقول يحتمل أن يكون المراد بالخيرية من جهة حصول التعليم بعد العلم والذي يعلم غيره يحصل له النفع المتعدي بخلاف من يعمل فقط بل من أشرف العمل تعليم الغير فمعلم غيره يستلزم أن يكون تعلمه وتعليمه لغيره عمل وتحصيل نفع متعد ولا يقال لو كان المعنى حصول النفع المتعدي لاشترك كل من علم غيره علما ما في ذلك لأنا نقول القرآن أشرف العلوم فيكون من تعلمه وعلمه لغيره أشرف ممن تعلم غير القر آن وإن علمه فيثبت المدعي ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي ولهذا كان أفضل وهو من جملة من عني سبحانه وتعالى بقوله ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن وهو أشرف الجميع وعكسه الكافر المانع لغيره من الإسلام كما قال تعالى فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها فإن قيل فيلزم على هذا أن يكون المقرئ أفضل من الفقيه قلنا لا لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس لأنهم كانوا أهل اللسان فكانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة أكثر مما يدريها من بعدهم بالاكتساب فكان الفقه لهم سجية فمن كان في مثل شأنهم شاركهم في ذلك لا من كان قارئا أو مقرئا محضا لا يفهم شيئا من معاني ما يقرؤه أو يقرئه فإن قيل فيلزم أن يكون المقرئ أفضل ممن هو أعظم غناء في الإسلام بالمجاهدة والرباط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا قلنا حرف المسألة يدور على النفع المتعدي فمن كان حصوله عنده أكثر كان أفضل فلعل من مضمرة في الخبر ولا بد مع ذلك من مراعاة الإخلاص في كل صنف منهم ويحتمل أن تكون الخيرية وإن أطلقت لكنها مقيدة بناس مخصوصين خوطبوا بذلك كان اللائق بحالهم ذلك أو المراد خير المتعلمين من يعلم غيره لا من يقتصر على نفسه أو المراد مراعاة الحيثية لأن القرآن خير الكلام فمتعلمه خير من متعلم غيره بالنسبة إلى خيرية القرآن وكيفما كان فهو مخصوص بمن علم وتعلم بحيث يكون قد علم ما يجب عليه عينا
4739 - قوله قال وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج أي حتى ولي الحجاج على العراق قلت بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج العراق ثمان وثلاثون سنة ولم أقف على تعيين ابتداء إقراء

(9/76)


أبي عبد الرحمن وآخره فالله أعلم بمقدار ذلك ويعرف من الذي ذكرته أقصى المدة وادناها والقائل وأقرأ الخ هو سعد بن عبيدة فانني لم أر هذه الزيادة الا من رواية شعبة عن علقمة وقائل وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا هو أبو عبد الرحمن وحكى الكرماني أنه وقع في بعض نسخ البخاري قال سعد بن عبيدة وأقرأني أبو عبد الرحمن قال وهي انسب لقوله وذاك الذي أقعدني الخ أي أن اقراءه اياي هو الذي حملني على أن قعدت هذا المقعد الجليل اه والذي في معظم النسخ وأقرأ بحذف المفعول وهو الصواب وكأن الكرماني ظن أن قائل وذاك الذي أقعدني هو سعد بن عبيدة وليس كذلك بل قائله أبو عبد الرحمن ولو كان كما ظن للزم أن تكون المدة الطويلة سيقت لبيان زمان أقراء أبي عبد الرحمن لسعد بن عبيدة وليس كذلك بل إنما سيقت لبيان طول مدته لاقراء الناس القرآن وأيضا فكان يلزم أن يكون سعد بن عبيدة قرأ على أبي عبد الرحمن من زمن عثمان وسعد لم يدرك زمان عثمان فإن أكبر شيخ له المغيرة بن شعبة وقد عاش بعد عثمان خمس عشرة سنة وكان يلزم أيضا أن تكون الإشارة بقوله وذلك إلى صنيع أبي عبد الرحمن وليس كذلك بل الإشارة بقوله ذلك إلى الحديث المرفوع أي أن الحديث الذي حدث به عثمان في أفضلية من تعلم القرآن وعلمه حمل أبا عبد الرحمن أن قعد يعلم الناس القرآن لتحصيل تلك الفضيلة وقد وقع الذي حملنا كلامه عليه صريحا في رواية أحمد عن محمد بن جعفر وحجاج بن محمد جمعا عن شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة قال قال أبو عبد الرحمن فذاك الذي أقعدني هذا المقعد وكذا أخرجه الترمذي من رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة وقال فيه مقعدي هذا قال وعلم أبو عبد الرحمن القرآن في زمن عثمان حتى بلغ الحجاج وعند أبي عوانة من طريق بشر بن أبي عمرو وأبي غياث وأبي الوليد ثلاثتهم عن شعبة بلفظ قال أبو عبد الرحمن فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا وكان يعلم القرآن والإشارة بذلك إلى الحديث كما قررته وإسناده إليه إسناد مجازي ويحتمل أن تكون الإشارة به إلى عثمان وقد وقع في رواية أبي عوانة أيضا عن يوسف بن مسلم عن حجاج بن محمد بلفظ قال أبو عبد الرحمن وهو الذي اجلسني هذا المجلس وهو محتمل أيضا
4740 - قوله حدثنا سفيان هو الثوري وعلقمة بن مرثد بمثلثة بوزن جعفر ومنهم من ضبطه بكسر المثلثة وهو من ثقات أهل الكوفة من طبقة الأعمش وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الجنائز من روايته عن سعد بن عبيدة أيضا وثالث في مناقب الصحابة وقد تقدما قوله إن أفضلكم من تعلم القرآن أو علمه كذا ثبت عندهم بلفظ أو وفي رواية الترمذي من طريق بشر بن السري عن سفيان خيركم أو أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه فاختلف في رواية سفيان أيضا في أن الرواية بأو أو بالواو وقد تقدم توجيهه وفي الحديث الحث على تعليم القرآن وقد سئل الثوري عن الجهاد واقراء القرآن فرجح الثاني واحتج بهذا الحديث أخرجه بن أبي داود وأخرج عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرئ القرآن خمس آيات خمس آيات وأسند من وجه آخر عن أبي العالية مثل ذلك وذكر أن جبريل كان ينزل به كذلك وهو مرسل جيد وشاهده ما قدمته في تفسير المدثر وفي تفسير سورة اقرأ ثم ذكر المصنف طرفا من حديث سهل بن سعد في قصة التي وهبت نفسها قال بن بطال وجه إدخاله في هذا الباب أنه صلى الله عليه و سلم زوجه المرأة لحرمة القرآن وتعقبه بن التين بان السياق يدل على أنه زوجها له على أن يعلمها وسيأتي البحث فيه مع استيفاء شرحه في كتاب النكاح وقال غيره وجه دخوله أن فضل القرآن ظهر على صاحبه في العاجل بان قام له مقام المال الذي يتوصل به إلى بلوغ

(9/77)


الغرض وأما نفعه في الأجل فظاهر لا خفاء به
4741 - قوله وهبت نفسها لله ولرسوله في رواية الحموي وللرسول قوله ما معك من القرآن قال كذا وكذا ووقع في الباب الذي يلي هذا سورة كذا وسورة كذا وسيأتي بيان ذلك عند شرحه أن شاء الله تعالى
( قوله باب القراءة عن ظهر القلب )
ذكر فيه حديث سهل في الواهبة مطولا وهو ظاهر فيما ترجم له لقوله فيه اتقرأهن عن ظهر قلبك قال نعم فدل على فضل القراءة عن ظهر القلب لأنها أمكن في التوصل إلى التعليم وقال بن كثير أن كان البخاري أراد بهذا الحديث الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل من تلاوته نظرا من المصحف ففيه نظر لأنها قضية عين فيحتمل أن يكون الرجل كان لا يحسن الكتابة وعلم النبي صلى الله عليه و سلم ذلك فلا يدل ذلك على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل في حق من يحسن ومن لا يحسن وأيضا فإن سياق هذا الحديث إنما هو لاستثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب ليتمكن من تعليمه لزوجته وليس المراد أن هذا أفضل من التلاوة نظرا ولا عدمه قلت ولا يرد على البخاري شيء مما ذكر لأن المراد بقوله باب القراءة عن ظهر قلب مشروعيتها أو استحبابها والحديث مطابق لما ترجم به ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرا وقد صرح كثير من العلماء بأن القراءة من المصحف نظرا أفضل من القراءة عن ظهر قلب وأخرج أبو عبيد في فضائل القرآن من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم رفعه قال فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرؤه ظهرا كفضل الفريضة على النافلة وإسناده ضعيف ومن طريق بن مسعود موقوفا اديموا النظر في المصحف وإسناده صحيح ومن حيث المعنى أن القراءة في المصحف اسلم من الغلط لكن القراءة عن ظهر قلب

(9/78)


أبعد من الرياء وأمكن للخشوع والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والاشخاص وأخرج بن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي إمامة اقرأوا القرآن ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة فإن الله لا يعذب قلبا وعى القرآن وزعم بن بطال أن في
4742 - قوله اتقرأهن عن ظهر قلب ردا لما تأوله الشافعي في انكاح الرجل على أن صداقها اجرة تعليمها كذا قال ولا دلالة فيه لما ذكر بل ظاهر سياقه أنه استثبته كما تقدم والله أعلم
( قوله باب استذكارالقرآن )
أي طلب ذكره بضم الذال وتعاهده أي تجديد العهد به بملازمة تلاوته وذكر في الباب ثلاثة أحاديث الأول
4743 - قوله إنما مثل صاحب القرآن أي مع القرآن والمراد بالصاحب الذي ألفه قال عياض المؤالفة المصاحبة وهو كقوله أصحاب الجنة وقوله ألفه أي ألف تلاوته وهو أعم من أن يألفها نظرا من المصحف أو عن ظهر قلب فإن الذي يداوم على ذلك يذل له لسانه ويسهل عليه قراءته فإذا هجره ثقلت عليه القراءة وشقت عليه وقوله إنما يقتضي الحصر على الراجح لكنه حصر مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك قوله كمثل صاحب الإبل المعقلة أي مع الإبل المعقلة والمعقلة بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد القاف أي المشدودة بالعقال وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير شبة درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد فما زال التعاهد موجودا فالحفظ موجود كما أن البعير ما دام مشدودا بالعقال فهو محفوظ وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورا وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة قوله أن عاهد عليها أمسكها أي استمر امساكه لها وفي رواية أيوب عن نافع عند مسلم فإن عقلها حفظها قوله وأن أطلقها ذهبت أي انفلتت وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عند مسلم أن تعاهدها صاحبها فعقلها أمسكها وأن أطلق عقلها ذهبت وفي رواية موسى بن عقبة عن نافع إذا قام

(9/79)


صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه الحديث الثاني
4744 - قوله حدثنا محمد بن عرعرة بعين مهملة مفتوحة وراء ساكنة مكررتين ومنصور هو بن المعتمر وأبو وائل هو شقيق بن سلمة وعبد الله هو بن مسعود وسيأتي في الرواية المعلقة التصريح بسماع شقيق له من بن مسعود قوله بئس ما لأحدهم أن يقول قال القرطبي بئس هي أخت نعم فالأولى للذم والأخرى للمدح وهما فعلان غير متصرفين يرفعان الفاعل ظاهرا أو مضمرا الا أنه إذا كان ظاهرا لم يكن في الأمر العام الا بالألف واللام للجنس أو مضاف إلى ما هما فيه حتى يشتمل على الموصوف بأحدهما ولا بد من ذكره تعينا كقوله نعم الرجل زيد وبئس الرجل عمرو فإن كان الفاعل مضمرا فلا بد من ذكر اسم نكرة ينصب على التفسير للضمير كقوله نعم رجلا زيد وقد يكون هذا التفسير ما على ما نص عليه سيبويه كما في هذا الحديث وكما في قوله تعالى فنعما هي وقال الطيبي وما نكرة موصوفة وأن يقول مخصوص بالذم أي بئس شيئا كان الرجل يقول قوله نسيت بفتح النون وتخفيف السين اتفاقا قوله آية كيت وكيت قال القرطبي كيت وكيت يعبر بهما عن الجمل الكثيرة والحديث الطويل ومثلهما ذيت وذيت وقال ثعلب كيت للافعال وذيت للاسماء وحكى بن التين عن الداودي أن هذه الكلمة مثل كذا الا أنها خاصة بالمؤنث وهذا من مفردات الداودي قوله بل هو نسي بضم النون وتشديد المهملة المكسورة قال القرطبي رواه بعض رواة مسلم مخففا قلت وكذا هو في مسند أبي يعلى وكذا أخرجه بن أبي داود في كتاب الشريعة من طرق متعددة مضبوطة بخط موثوق به على كل سين علامة التخفيف وقال عياض كان الكناني يعني أبا الوليد الوقشي لا يجيز في هذا غير التخفيف قلت والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في البخاري وكذا في أكثر الروايات في غيره ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في الغريب بعد قوله كيت وكيت ليس هو نسي ولكنه نسي الأول بفتح النون وتخفيف السين والثاني بضم النون وتثقيل السين قال القرطبي التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه لتفريطه في معاهدته واستذكاره قال ومعنى التخفيف أن الرجل ترك غير ملتفت إليه وهو كقوله تعالى نسوا الله فنسيهم أي تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة واختلف في متعلق الذم من قوله بئس على أوجه الأول قيل هو على نسبة الإنسان إلى نفسه النسيان وهو لا صنع له فيه فإذا نسبه إلى نفسه أوهم أنه انفرد بفعله فكان ينبغي أن يقول أنسيت أو نسيت بالتثقيل على البناء للمجهول فيهما أي أن الله هو الذي انساني كما قال وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وقال أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون وبهذا الوجه جزم بن بطال فقال أراد أن يجري على السن العباد نسبة الأفعال إلى خالقها لما في ذلك من الإقرار له بالعبودية والاستسلام لقدرته وذلك أولي من نسبة الأفعال إلى مكتسبها مع أن نسبتها إلى مكتسبها جائز بدليل الكتاب والسنة ثم ذكر الحديث الاتي في باب نسيان القرآن قال وقد أضاف موسى عليه السلام النسيان مرة إلى نفسه ومرة إلى الشيطان فقال إني نسيت الحوت وما انسانيه الا الشيطان ولكل إضافة منها معنى صحيح فالاضافة إلى الله بمعنى أنه خالق الأفعال كلها وإلى النفس لأن الإنسان هو المكتسب لها وإلى الشيطان بمعنى الوسوسة اه ووقع له ذهول فيما نسبه لموسى وإنما هو كلام فتاه وقال القرطبي ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم نسب النسيان إلى نفسه يعني كما سيأتي في باب نسيان القرآن وكذا نسبه يوشع إلى نفسه حيث قال نسيت الحوت وموسى إلى نفسه حيث قال

(9/80)


لا تؤاخذني بما نسيت وقد سيق قول الصحابة ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا مساق المدح قال تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء الله فالذي يظهر أن ذلك ليس متعلق الذم وجنح إلى اختيار الوجه الثاني وهو كالأول لكن سبب الذم ما فيه من الأشعار بعدم الاعتناء بالقرآن إذ لا يقع النسيان الا بترك التعاهد وكثرة الغفلة فلو تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره فإذا قال الإنسان نسيت الآية الفلانية فكأنه شهد على نفسه بالتفريط فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد لأنه الذي يورث النسيان الوجه الثالث قال الإسماعيلي يحتمل أن يكون كره له أن يقول نسيت بمعنى تركت لا بمعنى السهو العارض كما قال تعالى نسوا الله فنسيهم وهذا اختيار أبي عبيد وطائفة الوجه الرابع قال الإسماعيلي أيضا يحتمل أن يكون فاعل نسيت النبي صلى الله عليه و سلم كأنه قال لا يقل أحد عني إني نسيت آية كذا فإن الله هو الذي نساني ذلك لحكمة نسخه ورفع تلاوته وليس لي في ذلك صنع بل الله هو الذي ينسيني لما تنسخ تلاوته وهو كقوله تعالى سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء الله فإن المراد بالمنسى ما ينسخ تلاوته فينسى الله نبيه ما يريد نسخ تلاوته الوجه الخامس قال الخطابي يحتمل أن يكون ذلك خاصا بزمن النبي صلى الله عليه و سلم وكان من ضروب النسخ نسيان الشيء الذي ينزل ثم ينسخ منه بعد نزوله الشيء فيذهب رسمه وترفع تلاوته ويسقط حفظه عن حملته فيقول القائل نسيت آية كذا فنهوا عن ذلك لئلا يتوهم على محكم القرآن الضياع وأشار لهم إلى أن الذي يقع من ذلك إنما هو بإذن الله لما رآه من الحكمة والمصلحة الوجه السادس قال الإسماعيلي وفيه وجه آخر وهو أن النسيان الذي هو خلاف الذكر اضافته إلى صاحبه مجاز لأنه عارض له لا عن قصد منه لأنه لو قصد نسيان الشيء لكان ذاكرا له في حال قصده فهو كما قال ما مات فلان ولكن اميت قلت وهو قريب من الوجه الأول وأرجح الأوجه الوجه الثاني ويؤيده عطف الأمر باستذكار القرآن عليه وقال عياض أولي ما يتأول عليه ذم الحال لا ذم القول أي بئس الحال حال من حفظه ثم غفل عنه حتى نسيه وقال النووي الكراهة فيه للتنزيه قوله واستذكروا القرآن أي واظبوا على تلاوته واطلبوا من أنفسكم المذاكرة به قال الطيبي وهو عطف من حيث المعنى على قوله بئس ما لأحدكم أي لا تقصروا في معاهدته واستذكروه وزاد بن أبي داود من طريق عاصم عن أبي وائل في هذا الموضع فإن هذا القرآن وحشي وكذا أخرجها من طريق المسيب بن رافع عن بن مسعود قوله فإنه أشد تفصيا بفتح الفاء وكسر الصاد المهملة الثقيلة بعدها تحتانية خفيفة أي تفلتا وتخلصا تقول تفصيت كذا أي احطت بتفاصيله والاسم الفصة ووقع في حديث عقبة بن عامر بلفظ تفلتا وكذا وقعت عند مسلم في حديث أبي موسى ثالث أحاديث الباب ونصب على التمييز وفي هذا الحديث زيادة على حديث بن عمر لأن في حديث بن عمر تشبيه أحد الامرين بالاخر وفي هذا أن هذا أبلغ في النفور من الإبل ولذا أفصح به في الحديث الثالث حيث قال لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها لأن من شأن الإبل تطلب التفلت ما أمكنها فمتى لم يتعاهدها برباطها تفلتت فكذلك حافظ القرآن أن لم يتعاهده تفلت بل هو أشد في ذلك وقال بن بطال هذا الحديث يوافق الآيتين قوله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا وقوله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له ومن اعرض عنه تفلت منه
4745 - قوله حدثنا عثمان هو بن أبي شيبة وجرير هو بن عبد الحميد ومنصور هو المذكور في الإسناد الذي قبله وهذه الطريق ثبتت عند الكشميهني وحده

(9/81)


وثبتت أيضا في رواية النسفي وقوله مثله الضمير للحديث الذي قبله وهو يشعر بان سياق جرير مساو لسياق شعبة وقد أخرجه مسلم عن عثمان بن أبي شيبة مقرونا بإسحاق بن راهويه وزهير بن حرب ثلاثتهم عن جرير ولفظه مساو للفظ شعبة المذكور الا أنه قال استذكروا بغير واو وقال فلهو أشد بدل قوله فإنه وزاد بعد قوله من النعم بعقلها وقد أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن عثمان بن أبي شيبة بإثبات الواو وقال في آخره من عقله وهذه الزيادة ثابتة عنده في حديث شعبة أيضا من رواية غندر عنه بلفظ بئسما لأحدكم أو لأحدهم أن يقول إني نسيت آية كيت وكيت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بل هو نسي ويقول استذكروا القرآن الخ وكذا ثبتت عنده في رواية الأعمش عن شقيق بن سلمة عن بن مسعود قوله تابعه بشر عن بن المبارك عن شعبة يريد أن عبد الله بن المبارك تابع محمد بن عرعرة في رواية هذا الحديث عن شعبة وبشر هو بن محمد المروزي شيخ البخاري قد أخرج عنه في بدء الوحي وغيره ونسبه المتابعة إليه مجازية وقد يوهم أنه تفرد بذلك عن بن المبارك وليس كذلك فإن الإسماعيلي أخرج الحديث من طريق حبان بن موسى عن بن المبارك ويوهم أيضا أن بن عرعرة وبن المبارك انفردا بذلك عن شعبة وليس كذلك لما ذكر فيه من رواية غندر وقد أخرجها أحمد أيضا عنه وأخرجه عن حجاج بن محمد وأبي داود الطيالسي كلاهما عن شعبة وكذا أخرجه الترمذي من رواية الطيالسي قوله وتابعه بن جريج عن عبدة عن شقيق سمعت عبد الله أما عبدة فهو بسكون الموحدة وهو بن أبي لبابة بضم اللام وموحدتين مخففا وشقيق هو أبو وائل وعبد الله هو بن مسعود وهذه المتابعة وصلها مسلم من طريق محمد بن بكر عن بن جريج قال حدثني عبدة بن أبي لبابة عن شقيق بن سلمة سمعت عبد الله بن مسعود فذكر الحديث إلى قوله بل هو نسي ولم يذكر ما بعده وكذا أخرجه أحمد عن عبد الرزاق وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق محمد بن جحادة عن عبدة وكأن البخاري أراد بإيراد هذه المتابعة دفع تعليل من أعل الخبر برواية حماد بن زيد وأبي الأحوص له عن منصور موقوفة على بن مسعود قال الإسماعيلي روى حماد بن زيد عن منصور وعاصم الحديثين معا موقوفين وكذا رواهما أبو الأحوص عن منصور وأما بن عيينة فأسند الأول ووقف الثاني قال ورفعهما جميعا إبراهيم بن طهمان وعبيدة بن حميد عن منصور وهو ظاهر سياق سفيان الثوري قلت ورواية عبيدة أخرجها بن أبي داود ورواية سفيان ستأتي عند المصنف قريبا مرفوعا لكن اقتصر على الحديث الأول وأخرج بن أبي داود من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله مرفوعا الحديثين معا وفي رواية عبدة بن أبي لبابة تصريح بن مسعود بقوله سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك يقوي رواية من رفعه عن منصور والله أعلم الحديث الثالث قوله عن بريد بالموحدة هو بن عبد الله بن أبي بردة وشيخه أبو بردة هو جده المذكور وأبو موسى هو الأشعري قوله في عقلها بضمتين ويجوز سكون القاف جمع عقال بكسر أوله وهو الحبل ووقع في رواية الكشميهني من عقلها وذكر الكرماني أنه وقع في بعض النسخ من عللها بلامين ولم اقف على هذه الرواية بل هي تصحيف ووقع في رواية الإسماعيلي بعقلها قال القرطبي من رواه من عقلها فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدي من لفظ التفلت وأما من رواه بالباء أو بالفاء فيحتمل أن يكون بمعنى من أو للمصاحبة أو الظرفية والحاصل تشبيه من يتفلت منه القرآن بالناقة التي تفلتت من عقالها وبقيت متعلقة به كذا قال والتحرير أن التشبيه وقع بين

(9/82)


ثلاثة بثلاثة فحامل القرآن شبه بصاحب الناقة والقرآن بالناقة والحفظ بالربط قال الطيبي ليس بين القرآن والناقة مناسبة لأنه قديم وهي حادثه لكن وقع التشبيه في المعنى وفي هذه الأحاديث الحض على محافظة القرآن بدوام دراسته وتكرار تلاوته وضرب الأمثال لإيضاح المقاصد وفي الأخير القسم عند الخبر المقطوع بصدقة مبالغة في تثبيته في صدور سامعيه وحكى بن التين عن الداودي أن في حديث بن مسعود حجة لمن قال فيمن ادعى عليه بمال فأنكر وحلف ثم قامت عليه البينة فقال كنت نسيت أو ادعى بينة أو ابراء أو التمس يمين المدعى أن ذلك يكون له ويعذر في ذلك كذا قال
( قوله باب القراءة على الدابة )
أي لراكبها وكأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك وقد نقله بن أبي داود عن بعض السلف وتقدم البحث في كتاب الطهارة في قراءة القرآن في الحمام وغيرها وقال بن بطال إنما أراد بهذه الترجمة أن في القراءة على الدابة سنة موجودة واصل هذه السنة قوله تعالى لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه الآية ثم ذكر المصنف حديث عبد الله بن مغفل مختصرا وقد تقدم بتمامه في تفسير سورة الفتح ويأتي بعد أبواب قوله باب تعليم الصبيان القرآن كأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك وقد جاءت كراهية ذلك عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي واسنده بن أبي داود عنهما ولفظ إبراهيم كانوا يكرهون أن يعلموا الغلام القرآن حتى يعقل وكلام سعيد بن جبير يدل على أن كراهة ذلك من جهة حصول الملال له ولفظه عند بن أبي داود أيضا كانوا يحبون أن يكون يقرأ الصبي بعد حين وأخرج بإسناد صحيح عن الأشعث بن قيس أنه قدم غلاما صغيرا فعابوا عليه فقال ما قدمته ولكن قدمه القرآن وحجة من أجاز ذلك أنه ادعى إلى ثبوته ورسوخه عنده كما يقال التعلم في الصغر كالنقش في الحجر وكلام سعيد بن جبير يدل على أنه يستحب أن يترك الصبي أولا مرفها ثم

(9/83)


يؤخذ بالجد على التدريج والحق أن ذلك يختلف بالاشخاص والله أعلم
4748 - قوله عن سعيد بن جبير قال أن الذي تدعونه المفصل هو المحكم قال وقال بن عباس توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا بن عشر سنين وقد قرأت المحكم كذا فيه تفسير المفصل بالمحكم من كلام سعيد بن جبير وهو دال على أن الضمير في قوله في الرواية الأخرى فقلت له وما المحكم لسعيد بن جبير وفاعل قلت هو أبو بشر بخلاف ما يتبادر أن الضمير لابن عباس وفاعل قلت سعيد بن جبير ويحتمل أن يكون كل منهما سأل شيخه عن ذلك والمراد بالمحكم الذي ليس فيه منسوخ ويطلق المحكم على ضد المتشابه وهو اصطلاح أهل الأصول والمراد بالمفصل السور التي كثرت فصولها وهي من الحجرات إلى آخر القرآن على الصحيح ولعل المصنف أشار في الترجمة إلى قول بن عباس سلوني عن التفسير فإني حفظت القرآن وأنا صغير أخرجه بن سعيد وغيره بإسناد صحيح عنه وقد استشكل عياض قول بن عباس توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا بن عشر سنين بما تقدم في الصلاة من وجه آخر عن بن عباس أنه كان في حجة الوداع ناهز الاحتلام وسيأتي في الاستئذان من وجه آخر أن النبي صلى الله عليه و سلم مات وأنا ختين وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك وعنه أيضا أنه كان عند موت النبي صلى الله عليه و سلم بن خمس عشرة سنة وسبق إلى استشكال ذلك الإسماعيلي فقال حديث الزهري عن عبيد الله عن بن عباس يعني الذي مضى في الصلاة يخالف هذا وبالغ الداودي فقال حديث أبي بشر يعني الذي في هذا الباب وهم وأجاب عياض بأنه يحتمل أن يكون قوله وأنا بن عشر سنين راجع إلى حفظ القرآن لا إلى وفاة النبي صلى الله عليه و سلم ويكون تقدير الكلام توفي النبي صلى الله عليه و سلم وقد جمعت المحكم وأنا بن عشر سنين ففيه تقديم وتأخير وقد قال عمرو بن على الفلاس الصحيح عندنا أن بن عباس كان له عند وفاة النبي صلى الله عليه و سلم ثلاث عشرة سنة قد استكملها ونحوه لأبي عبيد وأسند البيهقي عن مصعب الزبيري أنه كان بن أربع عشرة وبه جزم الشافعي في الأم ثم حكى أنه قيل ست عشرة وحكى قول ثلاث عشرة وهو المشهور وأورد البيهقي عن أبي العالية عن بن عباس قرأت المحكم على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا بن ثنتي عشرة فهذه ستة أقوال ولو ورد إحدى عشرة لكانت سبعة لأنها من عشر إلى ست عشرة قلت والأصل فيه قول الزبير بن بكار وغيره من أهل النسب أن ولادة بن عباس كانت قبل الهجر بثلاث سنين وبنو هاشم في الشعب وذلك قبل وفاة أبي طالب ونحوه لأبي عبيد ويمكن الجمع بين مختلف الروايات الا ست عشرة وثنتي عشرة فإن كلا منهما لم يثبت سنده والاشهر بان يكون ناهز الاحتلام لما قارب ثلاث عشرة ثم بلغ لما استكملها ودخل في التي بعدها فاطلاق خمس عشرة بالنظر إلى جبر الكسرين وإطلاق العشر والثلاث عشرة بالنظر إلى الغاء الكسر وإطلاق أربع عشرة بجبر أحدهما وسيأتي مزيد لهذا في باب الختان بعد الكبر من كتاب الاستئذان أن شاء الله تعالى واختلف في أول المفصل مع الاتفاق على أنه آخر جزء من القرآن على عشرة أقوال ذكرتها في باب الجهر بالقراءة في المغرب وذكرت قولا شاذا أنه جميع القرآن
( سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء الله )

(9/84)


( قوله باب نسيان القرآن وهل يقول نسيت آية كذا وكذا )
كأنه يريد أن النهي عن قول نسيت آية كذا وكذا ليس للزجر عن هذا اللفظ بل للزجر عن تعاطي أسباب النسيان المقتضية لقول هذا اللفظ ويحتمل أن ينزل المنع والاباحة على حالتين فمن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر ديني كالجهاد لم يمتنع عليه قول ذلك لأن النسيان لم ينشأ عن إهمال ديني وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم من نسبة النسيان إلى نفسه ومن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دنيوي ولا سيما أن كان محظورا أمتنع عليه لتعاطيه أسباب النسيان قوله وقول الله تعالى سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء الله هو مصير منه إلى اختيار ما عليه الأكثر أن لا في قوله فلا تنسى نافية وأن الله أخبره أنه لا ينسى ما أقرأه إياه وقد قيل أن لا ناهية وإنما وقع الاشباع في السين لتناسب رؤوس الآي والأول أكثر واختلف في الاستثناء فقال الفراء هو للتبرك وليس هناك شيء استثنى وعن الحسن وقتادة الا ما شاء الله أي قضى أن ترفع تلاوته وعن بن عباس الا ما أراد الله أن ينسيكه لتسن وقيل لما جبلت عليه من الطباع البشرية لكن سنذكره بعد وقيل المعنى فلا تنسى أي لا تترك العمل به الا ما أراد الله أن ينسخه فتترك العمل به
4750 - قوله سمع النبي صلى الله عليه و سلم رجلا أي صوت رجل وقد تقدم بيان اسمه في كتاب الشهادات قوله لقد اذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا لم اقف على تعيين الآيات المذكورة وأغرب من زعم أن المراد بذلك إحدى وعشرون آية لأن بن عبد الحكم قال فيمن أقر أن عليه كذا وكذا درهما أنه يلزمه أحد وعشرون درهما وقال الداودي يكون مقرأ بدرهمين لأنه أقل ما يقع عليه ذلك قال فإن قال له علي كذا درهما كان مقرى بدرهم واحد قوله في الطريق الثانية حدثنا عيسى هو بن يونس بن أبي إسحاق قوله عن هشام وقال اسقطتهن يعني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بالمتن المذكور وزاد فيه هذه اللفظة وهي اسقطتهن وقد تقدم في الشهادات من هذا الوجه بلفظ فقال رحمه الله لقد اذكرني كذا وكذا آية اسقطتهن من سورة كذا وكذا قوله تابعه على بن مسهر وعبدة عن هشام كذا للأكثر ولأبي ذر عن الكشميهني تابعه على بن مسهر عن عبدة وهو غلط فان عبدة رفيق على بن مسهر لا شيخه وقد أخرج

(9/85)


المصنف طريق على بن مسهر في آخر الباب الذي يلي هذا بلفظ اسقطتها وأخرج طريق عبدة وهو بن سليمان في الدعوات ولفظه مثل لفظ علي بن مسهر سواء قوله في الرواية الثالثة
4751 - كنت انسيتها هي مفسرة لقوله اسقطتها فكأنه قال أسقطتها نسيانا لا عمدا وفي رواية معمر عن هشام عند الإسماعيلي كنت نسيتها بفتح النون ليس قبلها همزة قال الإسماعيلي النسيان من النبي صلى الله عليه و سلم لشيء من القرآن يكون على قسمين أحدهما نسيانه الذي يتذكره عن قرب وذلك قائم بالطباع البشرية وعليه يدل قوله صلى الله عليه و سلم في حديث بن مسعود في السهو إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون والثاني أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء الله قال فأما القسم الأول فعارض سريع الزوال لظاهر قوله تعالى أنا نحن نزلنا الذكر وأنا له لحافظون وأما الثاني فداخل في قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همزة قلت وقد تقدم توجيه هذه القراءة وبيان من قرأ بها في تفسير البقرة وفي الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبي صلى الله عليه و سلم فيما لبس طريقه البلاغ مطلقا وكذا فيما طريقه البلاغ لكن بشرطين أحدهما أنه بعد ما يقع منه تبليغه والآخر أنه لا يستمر على نسيانه بل يحصل له تذكرة أما بنفسه وأما بغيره وهل يشترط في هذا الفور قولان فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلا وزعم بعض الاصوليين وبعض الصوفية أنه لا يقع منه نسيان أصلا وإنما يقع منه صورته ليسن قال عياض لم يقل به من الاصوليين أحد الا أبا المظفر الاسفرايني وهو قول ضعيف وفي الحديث أيضا جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي المسجد والدعاء لمن حصل له من جهته خير وأن لم يقصد المحصول منه ذلك واختلف السلف في نسيان القرآن فمنهم من جعل ذلك من الكبائر وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفا قال ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه الا بذنب أحدثه لأن الله يقول وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ونسيان القرآن من أعظم المصائب واحتجوا أيضا بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس مرفوعا عرضت على ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن اوتيها رجل ثم نسيها في إسناده ضعف وقد أخرج بن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه ولفظه أعظم من حامل القرآن وتاركه ومن طريق أبي العالية موقوفا كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه وإسناده جيد ومن طريق بن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن كانوا يكرهونه ويقولون فيه قولا شديدا ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعا من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو اجذم وفي إسناده أيضا مقال وقد قال به من الشافعية أبو المكارم والروياني واحتج بان الأعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به والتهاون بأمره وقال القرطبي من حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه فإذا أخل بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك فان ترك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد وقال إسحاق بن راهويه يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يوما لا يقرأ فيها القرآن ثم ذكر حديث عبد الله وهو بن مسعود بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت وقد تقدم شرحه قريبا وسفيان في السند هو الثوري واختلف في معنى اجذم فقيل مقطوع اليد وقيل مقطوع الحجة وقيل مقطوع السبب من الخير وقيل خالي اليد من الخير وهي متقاربة وقيل يحشر مجذوما حقيقة ويؤيده أن في رواية زائدة بن قدامة عند

(9/86)


عبد بن حميد أتى الله يوم القيامة وهو مجذوم وفيه جواز قول المرء اسقطت آية كذا من سورة كذا إذا وقع ذلك منه وقد أخرج بن أبي داود من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال لا تقل اسقطت كذا بل قل أغفلت وهو أدب حسن وليس واجبا
( قوله باب من لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا )
أشار بذلك إلى الرد على من كره ذلك وقال لا يقال الا السورة التي يذكر فيها كذا وقد تقدم في الحج من طريق الأعمش أنه سمع الحجاج بن يوسف على المنبر يقول السورة التي يذكر فيها كذا وأنه رد عليه بحديث أبي مسعود قال عياض حديث أبي مسعود حجة في جواز قول سورة البقرة ونحوها وقد اختلف في هذا فأجازه بعضهم وكرهه بعضهم وقال تقول السورة التي تذكر فيها البقرة قلت وقد تقدم في أبواب الرمي من كتاب الحج أن إبراهيم النخعي أنكر قول الحجاج لا تقولوا سورة البقرة وفي رواية مسلم أنها سنة وأورد حديث أبي مسعود وأقوى من هذا في الحجة ما أورده

(9/87)


المصنف من لفظ النبي صلى الله عليه و سلم وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة من لفظ النبي صلى الله عليه و سلم قال النووي في الأذكار يجوز أن يقول سورة البقرة إلى أن قال وسورة العنكبوت وكذلك الباقي ولا كراهة في ذلك وقال بعض السلف يكره ذلك والصواب الأول وهو قول الجماهير والأحاديث فيه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أكثر من أن تحصر وكذلك عن الصحابة فمن بعدهم قلت وقد جاء فيما يوافق ما ذهب إليه البعض المشار إليه حديث مرفوع عن أنس رفعه لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذلك القرآن كله أخرجه أبو الحسين بن قانع في فوائده والطبراني في الأوسط وفي سنده عبيس بن ميمون العطار وهو ضعيف وأورده بن الجوزي في الموضوعات ونقل عن أحمد أنه قال هو حديث منكر قلت وقد تقدم في باب تأليف القرآن حديث يزيد الفارسي عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا قال بن كثير في تفسيره ولا شك أن ذلك احوط ولكن استقر الإجماع على الجواز في المصاحف والتفاسير قلت وقد تمسك بالاحتياط المذكور جماعة من المفسرين منهم أبو محمد بن أبي حاتم ومن المتقدمين الكلبي وعبد الرزاق ونقله القرطبي في تفسيره عن الحكيم الترمذي أن من حرمة القرآن أن لا يقال سورة كذا كقولك سورة البقرة وسورة النحل وسورة النساء وإنما يقال السورة التي يذكر فيها كذا وتعقبه القرطبي بأن حديث أبي مسعود يعارضه ويمكن أن يقال لا معارضة مع إمكان فيكون حديث أبي مسعود ومن وافقه دالا على الجواز وحديث أنس أن ثبت محمول على أنه خلاف الأولى والله أعلم ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث تشهد لما ترجم له أحدها حديث أبي مسعود في الآيتين من آخر سورة البقرة وقد تقدم شرحه قريبا الثاني حديث عمر سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان وقد تقدم شرحه في باب أنزل القرآن على سبعة أحرف الثالث حديث عائشة المذكور في الباب قبله وقد تقدم التنبيه عليه

(9/88)


( قوله باب الترتيل في القراءة )
أي تبيين حروفها والتأني في ادائها ليكون ادعى إلى فهم معانيها قوله وقوله تعالى ورتل القرآن ترتيلا كأنه يشير إلى ما ورد عن السلف في تفسيرها فعند الطبري بسند صحيح عن مجاهد في قوله تعالى ورتل القران قال بعضه أثر بعض على تؤدة وعن قتادة قال بينه بيانا والأمر بذلك أن لم يكن للوجوب يكون مستحبا قوله وقوله تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث سيأتي توجيهه قوله وما يكره أن يهذ كهذ الشعر كأنه يشير إلى أن استحباب الترتيل لا يستلزم كراهة الإسراع وإنما الذي يكره الهذ وهو الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها وقد ذكر في الباب إنكار بن مسعود على من يهذ القراءة كهذ الشعر ودليل جواز الإسراع ما تقدم في أحاديث الأنبياء من حديث أبي هريرة رفعه خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج فيفرغ من القرآن قبل أن تسرج قوله فيها يفرق يفصل هو تفسير أبي عبيدة قوله قال بن عباس فرقناه فصلناه وصله بن جريج من طريق على بن أبي طلحة عنه وعند أبي عبيد من طريق مجاهد أن رجلا سأله عن رجل قرأ البقرة وآل عمران ورجل قرأ البقرة فقط قيامهما واحد ركوعهما واحد وسجودهما واحد فقال الذي قرأ البقرة فقط أفضل ثم تلا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ومن طريق أبي حمزة قلت لابن عباس إني سريع القراءة وإني لأقرأ القرآن في ثلاث فقال لأن أقرأ البقرة أرتلها فأتدبرها خير من أن أقرأ كما تقول وعند بن أبي داود من طريق أخرى عن أبي حمزة قلت لابن عباس إني رجل سريع القراءة إني لأقرأ القرآن في ليلة فقال بن عباس لأن اقرأ سورة أحب إلى أن كنت لا بد فاعلا فاقرأ قراءة تسمعها اذنيك ويوعها قلبك والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن يستويا فإن من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة مثمنة ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمتها قيمة الواحدة وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الاخريات وقد يكون بالعكس ثم ذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث بن مسعود
4756 - قوله حدثنا واصل هو بن حيان بمهملة وتحتانية ثقيلة الأحدب الكوفي ووقع صريحا عند الإسماعيلي وزعم خلف في الأطراف أنه واصل مولى أبي عيينة بن المهلب وغلطوه في ذلك فإن مولى أبي عيينة بصري وروايته عن البصريين وليست له رواية عن الكوفيين وأبو وائل شيخ واصل هذا كوفي قوله عن أبي وائل عن عبد الله قال غدونا على عبد الله أي بن مسعود فقال رجل قرأت المفصل كذا أورده مختصرا وقد أخرجه مسلم من الوجه الذي أخرجه منه البخاري فزاد في أوله غدونا على عبد الله بن مسعود يوما بعد ما صلينا الغداة فسلمنا بالباب فأذن لنا فمكثنا بالباب هنيهة فخرجت الجارية فقالت الا تدخلون فدخلنا فإذا هو جالس يسبح فقال ما منعكم أن تدخلوا وقد إذن لكم قلنا ظننا أن بعض أهل البيت نائم قال ظننتم بآل أم عبد غفلة فقال رجل من القوم قرأت المفصل البارحة كله فقال عبد الله هذا كهذ الشعر ولأحمد من طريق الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود أن رجلا أتاه

(9/89)


فقال قرأت المفصل في ركعة فقال بل هذذت كهذ الشعر وكنثر الدقل وهذا الرجل هو نهيك بن سنان كما أخرجه مسلم من طريق منصور عن أبي وائل في هذا الحديث وقوله هذا بفتح الهاء وبالذال المعجمة المنونة قال الخطابي معناه سرعة القراءة بغير تأمل كما ينشد الشعر واصل الهذ سرعة الدفع وعند سعيد بن منصور من طريق يسار عن أبي وائل عن عبد الله أنه قال في هذه القصة إنما فصل لتفصلوه قوله ثماني عشرة تقدم في باب تأليف القرآن من طريق الأعمش عن شقيق فقال فيه عشرين سورة من أول المفصل والجمع بينهما أن الثمان عشرة غير سورة الدخان والتي معها وإطلاق المفصل على الجميع تغليبا وإلا فالدخان ليست من المفصل على المرجح لكن يحتمل أن يكون تأليف بن مسعود على خلاف تأليف غيره فإن في آخر رواية الأعمش على تأليف بن مسعود اخرهن حم الدخان وعم فعلى هذا لا تغليب قوله من آل حاميم أي السورة التي أولها حم وقيل يريد حم نفسها كما في حديث أبي موسى أنه أوتي مزمارا من مزامير آل داود يعني داود نفسه قال الخطابي قوله آل داود يريد به داود نفسه وهو كقوله تعالى ادخلوا آل فرعون أشد العذاب وتعقبه بن التين بأن دليله يخالف تأويله قال وإنما يتم مراده لو كان الذي يدخل أشد العذاب فرعون وحده وقال الكرماني لولا أن هذا الحرف ورد في الكتابة منفصلا يعني آل وحدها وحم وحدها لجاز أن تكون الألف واللام التي لتعريف الجنس والتقدير وسورتين من الحواميم قلت لكن الرواية أيضا ليست فيها واو نعم في رواية الأعمش المذكورة آخرهن من الحواميم وهو يؤيد الاحتمال المذكور والله أعلم وأغرب الداودي فقال قوله من آل حاميم من كلام أبي وائل وإلا فإن أول المفصل عند بن مسعود من أول الجاثية ا ه وهذا إنما يره لو كان ترتيب مصحف بن مسعود كترتيب المصحف العثماني والأمر بخلاف ذلك فإن ترتيب السور في مصحف بن مسعود يغاير الترتيب في المصحف العثماني فلعل هذا منها ويكون أول المفصل عنده أول الجاثية والدخان متأخرة في ترتيبه عن الجاثية لا مانع من ذلك وقد أجاب النووي على طريق التنزل بان المراد بقوله عشرين من أول المفصل أي معظم العشرين الحديث الثاني حديث بن عباس في نزول قوله تعالى
4757 - لا تحرك به لسانك لتعجل به وقد تقدم شرحه مستوفى في تفسير القيامة وجرير المذكور في إسناده هو بن عبد الحميد بخلاف الذي في الباب بعده وقوله فيه وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه كذا للأكثر وتقدم توجيهه في بدء الوحي ووقع عند المستملي هنا وكان ممن يحرك ويتعين أن يكون من فيه للتبعيض ومن موصولة والله أعلم وشاهد الترجمة منه النهي عن تعجيله بالتلاوة فإنه يقتضي استحباب التأني فيه وهو المناسب للترتيل وفي الباب حديث حفصة أم المؤمنين أخرجه مسلم في اثناء حديث وفيه كان النبي صلى الله عليه و سلم يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها وقد تقدم في أواخر المغازي حديث علقمة أنه قرأ على بن مسعود فقال رتل فداك أبي وأمي فإنه زينة القرآن وأن هذه الزيادة وقعت عند أبي نعيم في المستخرج وأخرجها بن أبي داود أيضا والله أعلم

(9/90)


( قوله باب مد القراءة )
المد عند القراءة على ضربين أصلي وهو اشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء وغير أصلي وهو ما إذا اعقب الحرف الذي هذه صفته همزة وهو متصل ومنفصل فالمتصل ما كان من نفس الكلمة والمنفصل ما كان بكلمة أخرى فالأول يؤتى فيه بالألف والواو والياء ممكنات من غير زيادة والثاني يزاد في تمكين الألف والواو والياء زيادة على المد الذي لا يمكن النطق بها الا به من غير إسراف والمذهب الاعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمده أولا وقد يزاد على ذلك قليلا وما فرط فهو غير محمود والمراد من الترجمة الضرب الأول قوله في الرواية الثانية حدثنا عمرو بن عاصم وقع في بعض النسخ عمرو بن حفص وهو غلط ظاهر قوله سئل أنس ظهر من الرواية الأولى أن قتادة الراوي هو السائل وقوله الرواية الثانية المراد بقوله بمد بسم الله الخ بمد اللام التي قبل الهاء من الجلالة والميم التي قبل النون من الرحمن والحاء من الرحيم وقوله في الرواية الأولى كانت مدا أي كانت ذات مد ووقع عند أبي نعيم من طريق أبي النعمان عن جرير بن حازم في هذه الرواية كان يمد صوته مدا وكذا أخرجه الإسماعيلي من ثلاثة طرق أخرى عن جرير بن حازم وكذا أخرجه بن أبي داود من وجه آخر عن جرير وفي رواية له كان يمد قراءته وأفاد أنه لم يرو هذا الحديث عن قتادة الا جرير بن حازم وهمام بن يحيى وقوله في الثانية يمد ببسم الله كذا وقع بموحدة قبل الموحدة التي في بسم الله كأنه حكى لفظ بسم الله كما حكى لفظ الرحمن في قوله ويمد بالرحمن أو جعله كالكلمة الواحدة علما لذلك ووقع عند أبي نعيم من طريق الحسن الحلواني عن عمرو بن عاصم شيخ البخاري فيه ويمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم من غير موحدة في الثلاثة وأخرجه بن أبي داود عن يعقوب بن إسحاق عن عمرو بن عاصم عن همام وجرير جميعا عن قتادة بلفظ يمد ببسم الله الرحمن الرحيم بإثبات الموحدة في أوله أيضا وزاد في الإسناد جريرا مع همام في رواية عمرو بن عاصم وأخرج بن أبي داود من طريق قطبة بن مالك سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم قرأ في الفجر ق فمر بهذا الحرف لها طلع نضيد فمد نضيد وهو شاهد جيد لحديث أنس وأصله عند مسلم والترمذي والنسائي من حديث قطبة نفسه تنبيه استدل بعضهم بهذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة ورام بذلك معارضة حديث أنس أيضا المخرج في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه و سلم كان لا يقرءها في الصلاة وفي الاستدلال لذلك بحديث الباب نظر وقد اوضحته فيما كتبته من النكت على علوم الحديث لابن الصلاح وحاصله أنه لا يلزم من وصفه بأنه كان إذا قرأ البسملة يمد فيها أن يكون قرأ البسملة في أول الفاتحة في كل ركعة ولأنه إنما ورد بصورة المثال فلا تتعين

(9/91)


البسملة والعلم عند الله تعالى
( قوله باب الترجيع )
هو تقارب ضروب الحركات في القراءة وأصله الترديد وترجيع الصوت ترديده في الخلق وقد فسره كما سيأتي في حديث عبد الله بن مغفل المذكور في هذا الباب في كتاب التوحيد بقوله أ ا أ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى ثم قالوا يحتمل أمرين أحدهما أن ذلك حدث من هز الناقة والآخر أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك وهذا الثاني أشبه بالسياق فإن في بعض طرقه لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن أي النغم وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع فأخرج الترمذي في الشمائل والنسائي وبن ماجة وبن أبي داود واللفظ له من حديث أم هانئ كنت أسمع صوت النبي صلى الله عليه و سلم وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن والذي يظهر أن في الترجيع قدرا زائدا على الترتيل فعند بن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن علقمة قال بت مع عبد الله بن مسعود في داره فنام ثم قام فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه لا يرفع صوته ويسمع من حوله ويرتل ولا يرجع وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء لأن القراءة بترجيع الغناء تنافى الخشوع الذي هو مقصود التلاوة قال وفي الحديث ملازمته صلى الله عليه و سلم للعبادة لأنه حالة ركوبه الناقة وهو يسير لم يترك العبادة بالتلاوة وفي جهره بذلك إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الاسرار وهو عند التعليم وايقاظ الغافل ونحو ذلك قوله باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن كذا لأبي ذر وسقط قوله للقرآن لغيره وقد تقدم في باب من لم يتغن بالقرآن نقل الإجماع على استحباب سماع القرآن من ذي الصوت الحسن وأخرج بن أبي داود من طريق بن أبي مسجعة قال كان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم
4761 - قوله حدثنا محمد بن خلف أبو بكر هو الحدادي بالمهملات وفتح أوله والتثقيل بغدادي مقرئ من صغار شيوخ البخاري وعاش بعد البخاري خمس سنين وأبو يحيى الحماني بكسر المهملة وتشديد الميم اسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفي وهو والد يحيى بن عبد الحميد الكوفي الحافظ صاحب المسند وليس لمحمد بن خلف ولا لشيخه أبي يحيى في البخاري الا هذا الموضع وقد أدرك البخاري أبا يحيى بالسن لكنه لم يلقه قوله حدثني بريد في رواية الكشميهني

(9/92)


سمعت بريد بن عبد الله قوله يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود كذا وقع عنده مختصرا من طريق بريد وأخرجه مسلم من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة بلفظ لو رأيتني وأنا استمع قراءتك البارحة الحديث وأخرجه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه بزيادة فيه أن النبي صلى الله عليه و سلم وعائشة مرا بأبي موسى وهو يقرأ في بيته فقاما يستمعان لقراءته ثم إنهما مضيا فلما أصبح لقي أبو موسى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا أبا موسى مررت بك فذكر الحديث فقال أما إني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرا ولابن سعد من حديث أنس بإسناد على شرط مسلم أن أبا موسى قام ليلة يصلي فسمع أزواج النبي صلى الله عليه و سلم صوته وكان حلو الصوت فقمن يستمعن فلما أصبح قيل له فقال لو علمت لحبرته لهن تحبيرا وللروياني من طريق مالك بن مغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه نحو سياق سعيد بن أبي بردة وقال فيه لو علمت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يستمع قراءتي لحبرتها تحبيرا وأصلها عند أحمد وعند الدارمي من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول لأبي موسى وكان حسن الصوت بالقرآن لقد أوتي هذا من مزامير آل داود فكأن المصنف أشار إلى هذه الطريق في الترجمة وأصل هذا الحديث عند النسائي من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري موصولا بذكر أبي هريرة فيه ولفظه أن النبي صلى الله عليه و سلم سمع قراءة أبي موسى فقال لقد أوتي من مزامير آل داود وقد اختلف فيه على الزهري فقال معمر وسفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أخرجه النسائي وقال الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب مرسلا ولأبي يعلى من طريق عبد الرحمن بن عوسجه عن البراء سمع النبي صلى الله عليه و سلم صوت أبي موسى فقال كأن صوت هذا من مزامير آل داود وأخرج بن أبي داود من طريق أبي عثمان النهدي قال دخلت دار أبي موسى الأشعري فما سمعت صوت صنج ولا يربط ولا ناي أحسن من صوته سنده صحيح وهو في الحلية لأبي نعيم والصنج بفتح المهملة وسكون النون بعدها جيم هو آله تتخذ من نحاس كالطبقين يضرب أحدهما بالاخر واليربط بالموحدتين بينهما راء ساكنة ثم طاء مهملة بوزن جعفر هو آله تشبه العود فارسي معرب والناي بنون بغير همز هو المزمار قال الخطابي قوله آل داود يريد داود نفسه لأنه لم ينقل أن أحدا من أولاد داود ولا من أقاربه كان أعطى من حسن الصوت ما أعطى قلت ويؤيده ما أورده من الطريق الأخرى وقد تقدم في باب من لم يتغن بالقرآن ما نقل عن السلف في صفة صوت داود والمراد بالمزمار الصوت الحسن وأصله الالة أطلق اسمه على الصوت للمشابهة وفي الحديث دلالة بينة على أن القراءة غير المقروء وسيأتي مزيد بحث في ذلك في كتاب التوحيد أن شاء الله تعالى
( قوله باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره )
في رواية الكشميهني القراءة ذكر فيه حديث بن مسعود قال لي النبي صلى الله عليه و سلم اقرأ على القرآن أورده مختصرا ثم أورده مطولا في الباب الذي بعده باب قول المقرئ

(9/93)


للقارئ حسبك والمراد بالقرآن بعض القرآن والذي في معظم الروايات اقرأ علي ليس فيه لفظ القرآن بل أطلق فيصدق بالبعض قال بن بطال يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه اخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها وهذا بخلاف قراءته هو صلى الله عليه و سلم على أبي بن كعب كما تقدم في المناقب وغيرها فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة ومخارج الحروف ونحو ذلك ويأتي شرح الحديث بعد أبواب في باب البكاء عند قراءة القرآن

(9/94)


( قوله باب في كم يقرأ القرآن وقول الله تعالى فاقرءوا ما تيسر منه )
كأنه أشار إلى الرد على من قال أقل ما يجزئ من القراءة في كل يوم وليلة جزء من أربعين جزءا من القرآن وهو منقول عن إسحاق بن راهويه والحنابلة لأن عموم قوله فاقرءوا ما تيسر منه يشمل أقل من ذلك فمن ادعى التحديد فعليه البيان وقد أخرج أبو داود من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو في كم يقرأ القرآن قال في أربعين يوما ثم قال في شهر الحديث ولا دلالة فيه على المدعي
4764 - قوله حدثنا على هو بن المديني وسفيان هو بن عيينة وبن شبرمة هو عبد الله قاضي الكوفة ولم يخرج له البخاري الا في موضع واحد يأتي في الأدب شاهدا وأخرج من كلامه غير ذلك قوله كم يكفي الرجل من القرآن أي في الصلاة قوله قال علي هو بن المديني وهو موصول من تتمة الخبر المذكور ومنصور هو بن المعتمر وإبراهيم هو النخعي وقد تقدم نقل الاختلاف في روايته لهذا الحديث عن عبد الرحمن بن يزيد وعن علقمة في باب فضل سورة البقرة وتقدم بيان المراد بقوله كفتاه وما استدل به بن عيينة إنما يجئ على أحد ما قيل في تأويل كفتاه أي في القيام في الصلاة بالليل وقد خفيت مناسبة حديث أبي مسعود بالترجمة على بن كثير والذي يظهر أنها من جهة أن الآية المترجم بها تناسب ما استدل به بن عيينة من حديث أبي مسعود والجامع بينهما أن كلا من الآية والحديث يدل على الاكتفاء بخلاف ما قال بن شبرمة
4765 - قوله حدثنا موسى هو بن إسماعيل التبوذكي ومغيرة هو بن مقسم قوله انكحني أبي أي زوجني وهو محمول على أنه كان المشير عليه بذلك وإلا فعبد الله بن عمرو حينئذ كان رجلا كاملا ويحتمل أن يكون قام عنه بالصداق ونحو ذلك قوله امرأة ذات حسب في رواية أحمد عن هشيم عن مغيرة وحصين عن مجاهد في هذا الحديث امرأة من قريش أخرجه النسائي من هذا الوجه وهي أم محمد بنت محمية بفتح الميم وسكون المهملة وكسر الميم بعدها تحتانية مفتوحة خفيفة بن جزء الزبيدي حليف قريش ذكرها الزبير وغيره قوله كنته بفتح الكاف وتشديد النون هي زوج الولد قوله نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا قال بن مالك يستفاد منه وقوع التمييز بعد فاعل نعم الظاهر وقد منعه سيبويه وأجازه المبرد وقال الكرماني يحتمل أن يكون التقدير نعم الرجل من الرجال قال وقد تفيد النكرة في الاثبات التعميم كما في قوله تعالى علمت نفس ما أحضرت قال ويحتمل أن يكون من التجريد كأنه جرد من رجل موصوف بكذا وكذا رجلا فقال نعم الرجل المجرد من كذا رجل صفته كذا

(9/95)


قوله لم يطأ لنا فراشا أي لم يضاجعنا حتى يطأ فراشنا قوله ولم يفتش لنا كنفا كذا للأكثر بفاء ومثناة ثقيلة وشين معجمة وفي رواية أحمد والنسائي والكشميهني ولم يغش بغين معجمة ساكنة بعدها شين معجمة وكنفا بفتح الكاف والنون بعدها فاء هو الستر والجانب وارادت بذلك الكناية عن عدم جماعه لها لأن عادة الرجل أن يدخل يده مع زوجته في دواخل أمرها وقال الكرماني يحتمل أن يكون المراد بالكنف الكنيف وارادت أنه لم يطعم عندها حتى يحتاج إلى أن يفتش عن موضع قضاء الحاجة كذا قال والأول أولي وزاد في رواية هشيم فأقبل على يلومني فقال انكحتك امرأة من قريش ذات حسب فعضلتها وفعلت ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه و سلم فشكاني قوله فلما طال ذلك أي على عمرو ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم وكأنه تأني في شكواه رجاء أن يتدارك فلما تمادى على حاله خشي أن يلحقه إثم بتضييع حق الزوجة فشكاه قوله فقال ألقني أي قال لعبد الله بن عمرو وفي رواية هشيم فأرسل إلى النبي صلى الله عليه و سلم ويجمع بينهما بأنه أرسل إليه أولا ثم لقيه اتفاقا فقال له اجتمع بي قوله فقال كيف تصوم قلت أصوم كل يوم تقدم ما يتعلق بالصوم في كتاب الصوم مشروحا وقوله في هذه الرواية صم ثلاثة أيام في الجمعة قلت اطيق أكثر من ذلك قال صم يوما وأفطر يومين قلت اطيق أكثر من ذلك قال الداودي هذا وهم من الراوي لأن ثلاثة أيام من الجمعة أكثر من فطر يومين وصيام يوم وهو إنما يدرجه من الصيام القليل إلى الصيام الكثير قلت وهو اعتراض متجه فلعله وقع من الراوي فيه تقديم وتأخير وقد سلمت رواية هشيم من ذلك فإن لفظه صم في كل شهر ثلاثة أيام قلت إني أقوى أكثر من ذلك فلم يزل يرفعني حتى قال صم يوما وأفطر يوما قوله وأقرأ في كل سبع ليال مرة أي اختم في كل سبع فليتني قبلت كذا وقع في هذه الرواية اختصارا وفي غيرها مراجعات كثيرة في ذلك كما سأبينه قوله فكان يقرأ هو كلام مجاهد يصف صنيع عبد الله بن عمرو لما كبر وقد وقع مصرحا به في رواية هشيم قوله على بعض أهله أي على من تيسر منهم وإنما كان يصنع ذلك بالنهار ليتذكر ما يقرأ به في قيام الليل خشية أن يكون خفي عليه شيء منه بالنسيان قوله وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما الخ يؤخذ منه أن الأفضل لمن أراد أن يصوم صوم داود أن يصوم يوما ويفطر يوما دائما ويؤخذ من صنيع عبد الله بن عمرو أن من أفطر من ذلك وصام قدر ما أفطر أنه يجزئ عنه صيام يوم وافطار يوم قوله وقال بعضهم في ثلاث أو في سبع كذا لأبي ذر ولغيره في ثلاث وفي خمس وسقط ذلك للنسفي وكأن المصنف أشار بذلك إلى رواية شعبة عن مغيرة بهذا الإسناد فقال اقرأ القرآن في كل شهر قال إني اطيق أكثر من ذلك فما زال حتى قال في ثلاث فإن الخمس تؤخذ منه بطريق التضمن وقد تقدم للمصنف في كتاب الصيام ثم وجدت في مسند الدارمي من طريق أبي فروة عن عبد الله بن عمرو قال قلت يا رسول الله في كم اختم القرآن قال اختمه في شهر قلت إني اطيق قال اختمه في خمسة وعشرين قلت إني اطيق قال اختمه في عشرين قلت إني اطيق قال اختمه في خمس عشرة قلت إني اطيق قال اختمه في خمس قلت إني اطيق قال لا وأبو فروة هذا هو الجهني واسمه عروة بن الحارث وهو كوفي ثقة ووقع في رواية هشيم المذكورة قال فاقرأه في كل شهر قلت إني أجدني أقوى من ذلك قال فاقرأه في كل عشرة أيام قلت إني أجدني أقوى من ذلك قال أحدهما أما حصين وأما مغيرة قال فاقرأه في كل ثلاث وعند أبي داود والترمذي مصححا من طريق يزيد بن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن عمرو مرفوعا لا

(9/96)


يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث وشاهده عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن بن مسعود أقرءوا القرآن في سبع ولا تقرءوه في أقل من ثلاث ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سلمان عن عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان لا يختم القرآن في أقل من ثلاث وهذا اختيار أحمد وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه وغيرهم وثبت عن كثير من السلف إنهم قرؤوا القرآن في دون ذلك قال النووي والاختيار أن ذلك يختلف بالاشخاص فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني وكذا من كان له شغل بالعلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرؤه هذرمة والله أعلم قوله وأكثرهم أي أكثر الرواة عن عبد الله بن عمرو قوله على سبع كأنه يشير إلى رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو الموصولة عقب هذا فإن في آخره ولا يزد على ذلك أي لا يغير الحال المذكورة إلى حالة أخرى فأطلق الزيادة والمراد النقص والزيادة هنا بطريق التدلى أي لا يقرؤه في أقل من سبع ولأبي داود والترمذي والنسائي من طريق وهب بن منبه عن عبد الله بن عمرو أنه سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم في كم يقرأ القرآن قال في أربعين يوما ثم قال في شهر ثم قال في عشرين ثم قال في خمس عشرة ثم قال في عشر ثم قال في سبع ثم لم ينزل عن سبع وهذا أن كان محفوظا احتمل في الجمع بينه وبين رواية أبي فروة تعدد القصة فلا مانع أن يتعدد قول النبي صلى الله عليه و سلم لعبد الله بن عمرو ذلك تأكيدا ويؤيده الاختلاف الواقع في السياق وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب وعرف ذلك من قرائن الحال التي ارشد إليها السياق وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال أو في المآل وأغرب بعض الظاهرية فقال يحرم أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث وقال النووي أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك وإنما هو بحسب النشاط والقوة فعلي هذا يختلف باختلاف الأحوال والاشخاص والله أعلم
4766 - قوله عن يحيى هو بن أبي كثير ومحمد بن عبد الرحمن وقع في الإسناد الثاني أنه مولى زهرة وهو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان فقد ذكر بن حبان في الثقات أنه مولى الأخنس بن شريق الثقفي وكان الأخنس ينسب زهريا لأنه كان من حلفائهم وجزم جماعة بأن بن ثوبان عامري فلعله كان ينسب عامريا بالأصالة وزهريا بالحلف ونحو ذلك والله اعلم تنبيه هذا التعليق وهو قوله وقال بعضهم الخ ذهلت عن تخريجه في تعليق التعليق وقد يسر الله تعالى بتحريره هنا ولله الحمد قوله في كم تقرأ القرآن كذا اقتصر البخاري في الإسناد العالي على بعض المتن ثم حوله إلى الإسناد الآخر وإسحاق شيخه فيه هو بن منصور وعبيد الله هو بن موسى وهو من شيوخ البخاري الا أنه ربما حدث عنه بواسطة كما هنا
4767 - قوله عن أبي سلمة قال واحسبني قال سمعت أنا من أبي سلمة قائل ذلك هو يحيى بن أبي كثير قال الإسماعيلي خالف أبان بن يزيد العطار شيبان بن عبد الرحمن في هذا الإسناد عن يحيى بن أبي كثير ثم ساقه من وجهين عن أبان عن يحيى عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة وزاد في سياقه بعد قوله اقرأه في شهر قال إني أجد قوة قال في عشرين قال إني أجد قوة قال في عشر قال إني أجد قوة قال في سبع ولا تزد على ذلك قال الإسماعيلي ورواه عكرمة بن عمار عن يحيى قال حدثنا أبو سلمة بغير واسطة وساقه من طريقة قلت كأن يحيى بن أبي كثير كان يتوقف في تحديث أبي سلمة له ثم تذكر أنه حدثه به أو بالعكس كان

(9/97)


يصرح بتحديثة ثم توقف وتحقق أنه سمعه بواسطة محمد بن عبد الرحمن ولا يقدح في ذلك مخالفة أبان لأن شيبان أحفظ من أبان أو كان عند يحيى عنهما ويؤيدة اختلاف سياقهما وقد تقدم في الصيام من طريق الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة مصرحا بالسماع بغير توقف لكن لبعض الحديث في قصة الصيام حسب قال الإسماعيلي قصة الصيام لم تختلف على يحيى في روايته إياها عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو بغير واسطة تنبيه المراد بالقرآن في حديث الباب جميعه ولا يرد على هذا أن القصة وقعت قبل موت النبي صلى الله عليه و سلم بمدة وذلك قبل أن ينزل بعض القرآن الذي تأخر نزوله لأنا نقول سلمنا ذلك لكن العبرة بما دل عليه الإطلاق وهو الذي فهم الصحابي فكان يقول ليتني لو قبلت الرخصة ولا شك أنه بعد النبي صلى الله عليه و سلم كان قد أضاف الذي نزل آخرا إلى ما نزل أولا فالمراد بالقرآن جميع ما كان نزل إذ ذاك وهو معظمه ووقعت الإشارة إلى أن ما نزل بعد ذلك يوزع بقسطه والله أعلم
( قوله باب البكاء عند قراءة القرآن )
قال النووي البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين قال الله تعالى ويخرون للاذقان يبكون خروا سجدا وبكيا والأحاديث فيه كثيرة قال الغزالي يستحب البكاء مع القراءة وعندها وطريق تحصيله أن يحصر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم ينظر تقصيره في ذلك فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وأنه من أعظم المصائب ثم ذكر المصنف في الباب حديث بن مسعود المذكور في تفسير سورة النساء وساق المتن هناك على لفظ شيخه صدقة بن الفضل المروزي وساقه هنا على لفظ شيخه مسدد كلاهما عن يحيى القطان وعرف من هنا المراد بقوله بعض الحديث عن عمرو بن مرة وحاصله أن الأعمش سمع الحديث المذكور من إبراهيم النخعي وسمع بعضه من عمرو بن مرة عن إبراهيم وقد أوضحت ذلك في تفسير سورة النساء أيضا ويظهر لي أن القدر الذي عند الأعمش عن

(9/98)


عمرو بن مرة من هذا الحديث من قوله فقرأت النساء إلى آخر الحديث وأما ما قبله إلى
4768 - قوله أن أسمعه من غيري فهو عند الأعمش عن إبراهيم كما هو في الطريق الثانية في هذا الباب وكذا أخرجه المصنف من وجه آخر عن الأعمش قبل ببابين وتقدم قبل بباب واحد عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري مقتصرا على طريق الأعمش عن إبراهيم من غير تبيين التفصيل الذي في رواية يحيى القطان عن الثوري وهو يقتضي أن في رواية الفريابي إدراجا وقوله في هذه الرواية عن أبيه هو معطوف على قوله عن سليمان وهو الأعمش وحاصله أن سفيان الثوري روى هذا الحديث عن الأعمش ورواه أيضا عن أبيه وهو سعيد بن مسروق الثوري عن أبي الضحى ورواية إبراهيم عن عبيدة بن عمرة عن بن مسعود موصولة ورواية أبي الضحى عن عبد الله بن مسعود منقطعة ووقع في رواية أبي الأحوص عن سعيد بن مسروق عن أبي الضحى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لعبد الله بن مسعود فذكره وهذا أشد انقطاعا أخرجه سعيد بن منصور وقوله أقرأ علي وقع في رواية علي بن مسهر عن الأعمش بلفظ قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو على المنبر اقرأ علي ووقع في رواية محمد بن فضالة الظفري أن ذلك كان وهو صلى الله عليه و سلم في بني ظفر أخرجه بن أبي حاتم والطبراني وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه و سلم أتاهم في بني ظفر ومعه بن مسعود وناس من أصحابه فأمر قارئا فقرأ فآتي على هذه الآية فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا فبكى حتى ضرب لحياه ووجنتاه فقال يا رب هذا على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره وأخرج بن المبارك في الزهد من طريق سعيد بن المسيب قال ليس من يوم الا يعرض على النبي صلى الله عليه و سلم أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ففي هذا المرسل ما يرفع الاشكال الذي تضمنه حديث بن فضالة والله أعلم قال بن بطال إنما بكى صلى الله عليه و سلم عند تلاوته هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف وهو أمر يحق له طول البكاء انتهى والذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم وعملهم قد لا يكون مستقيما فقد يفضى إلى تعذيبهم والله أعلم

(9/99)


( قوله باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به )
كذا للأكثر وفي رواية رايا بتحتانية بدل الهمزة وتأكل أي طلب الأكل وقوله أو فجر به للأكثر بالجيم وحكى بن التين أن في رواية بالخاء المعجمة ثم ذكر في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث على في ذكر الخوارج وقد تقدم في علامات النبوة وأغرب الداودي فزعم أنه وقع هنا عن سويد بن غفلة قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم قال واختلف في صحبه سويد والصحيح ما هنا أنه سمع من النبي صلى الله عليه و سلم كذا قال معتمدا على الغلط الذي نشأ له عن السقط والذي في جميع نسخ صحيح البخاري عن سويد بن غفلة عن علي رضي الله عنه قال سمعت وكذا في جميع المسانيد وهو حديث مشهور لسويد بن غفلة عن علي ولم يسمع سويد من النبي صلى الله عليه و سلم على الصحيح وقد قيل أنه صلى مع النبي صلى الله عليه و سلم ولا يصح والذي يصح أنه قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله صلى الله عليه و سلم وصح سماعه من الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة وصح أنه أدى صدقة ماله في حياة النبي صلى الله عليه و سلم قال أبو نعيم مات سنة ثمانين وقال أبو عبيد سنة إحدى وقال عمرو بن علي سنة اثنتين وبلغ مائة وثلاثين سنة وهو جعفي يكنى أبا أمية نزل الكوفة ومات بها وسيأتي البحث في قتال الخوارج في كتاب المحاربين وقوله الأحلام أي العقول وقوله
4770 - يقولون من خير قول البرية هو من المقلوب والمراد من قول خير البرية أي من قول الله وهو المناسب للترجمة وقوله
4771 - لا يجاوز حناجرهم قال الداودي يريد إنهم تعلقوا بشيء منه قلت أن كان مراده بالتعلق الحفظ فقط دون العلم بمدلوله فعسى أن يتم له مراده وإلا فالذي فهمه الأئمة من السياق أن المراد أن الإيمان لم يرسخ في قلوبهم لأن ما وقف عند الحلقوم فلم يتجاوزه لا يصل إلى القلب وقد وقع في حديث حذيفة نحو حديث أبي سعيد من الزيادة لا يجاوز تراقيهم ولا تعيه قلوبهم الحديث الثاني حديث أبي سلمة عن أبي سعيد في ذكر الخوارج أيضا وسيأتي شرحه أيضا في استتابة المرتدين وتقدم من وجه آخر في علامات النبوة ومناسبة هذين الحديثين للترجمة أن القراءة إذا كانت لغير الله فهي للرياء أو للتأكل به ونحو ذلك فالاحاديث الثلاثة دالة لاركان الترجمة لأن منهم من رايا به واليه الإشارة في حديث أبي موسى ومنهم من تأكل به وهو مخرج من حديثه أيضا ومنهم من فجر به وهو مخرج من حديث على وأبي سعيد وقد أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن من وجه آخر عن أبي سعيد وصححه الحاكم رفعه تعلموا القرآن واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرؤه لله وعند بن أبي شيبة من حديث بن عباس موقوفا لا تضربوا

(9/100)


كتاب الله بعضه ببعض فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم وأخرج أحمد وأبو يعلى من حديث عبد الرحمن بن شبل رفعه أقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تحفوا عنه ولا تأكلوا به الحديث وسنده قوي وأخرج أبو عبيد عن عبد الله بن مسعود سيجيء زمان يسأل فيه بالقرآن فإذا سألوكم فلا تعطوهم الحديث الثالث حديث أبي موسى الذي تقدم مشروحا في باب فضل القرآن على سائر الكلام وهو ظاهر فيما ترجم له ووقع هنا عند الإسماعيلي من طريق معاذ بن معاذ عن شعبة بسنده قال شعبة وحدثني شبل يعني بن عزرة أنه سمع أنس بن مالك بهذا قلت وهو حديث آخر أخرجه أبو داود في مثل الجليس الصالح والجليس السوء
( قوله باب أقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم )
أي اجتمعت
4773 - قوله فإذا اختلفتم أي في فهم معانيه فقوموا عنه أي تفرقوا لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر قال عياض يحتمل أن يكون النهي خاصا بزمنه صلى الله عليه و سلم لئلا يكون ذلك سببا لنزول ما يسوؤهم كما في قوله تعالى لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم ويحتمل أن يكون المعنى أقرءوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه فإذا وقع الاختلاف أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق فاتركوا القراءة وتمسكوا بالمحكم الموجب للالفة وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة وهو كقوله صلى الله عليه و سلم فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم ويحتمل أنه ينهى عن القراءة إذا وقع الاختلاف في كيفية الأداء بأن يتفرقوا عند الاختلاف ويستمر كل منهم على قراءته ومثله ما تقدم عن بن مسعود لما وقع بينه وبين الصحابيين الآخرين الاختلاف في الأداء فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال كلكم محسن

(9/101)


وبهذه النكتة تظهر الحكمة في ذكر حديث بن مسعود عقيب حديث جندب
4774 - قوله تابعه الحارث بن عبيد وسعيد بن زيد عن أبي عمران أي في رفع الحديث فأما متابعة الحارث وهو بن قدامة الأيادي فوصلها الدارمي عن أبي غسان مالك بن إسماعيل عنه ولفظه مثل رواية حماد بن زيد وأما متابعة سعيد بن زيد وهو أخو حماد بن زيد فوصلها الحسن بن سفيان في مسنده من طريق أبي هشام المخزومي عنه قال سمعت أبا عمران قال حدثنا جندب فذكر الحديث مرفوعا وفي آخره فإذا اختلفتم فيه فقوموا قوله ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان يعني بن يزيد العطار أما رواية حماد بن سلمة فلم تقع لي موصولة وأما رواية أبان فوقعت في صحيح مسلم من طريق حبان بن هلال عنه ولفظه قال لنا جندب ونحن غلمان فذكره لكن مرفوعا أيضا فلعله وقع للمصنف من وجه آخر عنه موقوفا قوله وقال غندر عن شعبة عن أبي عمران سمعت جندبا قوله وصله الإسماعيلي من طريق بندار عن غندر قوله وقال بن عون عن أبي عمران عن عبد الله بن الصامت عن عمر قوله بن عون هو عبد الله البصري الإمام المشهور وهو من أقران أبي عمران وروايته هذه وصلها أبو عبيد عن معاذ بن معاذ عنه وأخرجها النسائي من وجه آخر عنه قوله وجندب أصح وأكثر أي أصح إسنادا وأكثر طرقا وهو كما قال فإن الجم الغفير رووه عن أبي عمران عن جندب الا إنهم اختلفوا عليه في رفعه ووقفه والذين رفعوه ثقات حفاظ فالحكم لهم وأما رواية بن عون فشاذة لم يتابع عليها قال أبو بكر بن أبي داود لم يخطىء بن عون قط الا في هذا والصواب عن جندب انتهى ويحتمل أن يكون بن عون حفظه ويكون لأبي عمران فيه شيخ آخر وإنما توارد الرواة على طريق جندب لعلوها والتصريح يرفعها وقد أخرج مسلم من وجه آخر عن أبي عمران هذا حديثا آخر في المعنى أخرجه من طريق حماد عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن رباح عن عبد الله بن عمر قال هاجرت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فسمع رجلين اختلفا في آية فخرج يعرف الغضب في وجهه فقال إنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف في الكتاب وهذا مما يقوي أن يكون لطريق بن عون أصل والله أعلم
4775 - قوله النزال بفتح النون وتشديد الزاي وآخره لام بن سبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة الهلالي تابعي كبير وقد قيل أنه له صحبة وذهل المزي فجزم في الأطراف بان له صحبة وجزم في التهذيب بأن له رواية عن أبي بكر الصديق مرسلة قوله أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبي صلى الله عليه و سلم قرأ خلافها هذا الرجل يحتمل أن يكون هو أبي بن كعب فقد أخرج الطبري من حديث أبي بن كعب أنه سمع بن مسعود يقرأ آية قرأ خلافها وفيه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال كلاكما محسن الحديث وقد تقدم في باب انزل القرآن على سبعة أحرف بيان عدة ألفاظ لهذا الحديث قوله فاقرآ بصيغة الأمر للاثنين قوله أكبر على هذا الشك من شعبة وقد أخرجه أبو عبيد عن حجاج بن محمد عن شعبة قال أكبر علي إني سمعته وحدثني عنه مسعود فذكره قوله فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم في رواية المستملي فاهلكوا بضم أوله وعند بن حبان والحاكم من طريق زر بن حبيش عن بن مسعود في هذه القصة فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف وقد تقدم القول في معنى الاختلاف في حديث جندب الذي قبله وفي رواية زر المذكورة من الفائدة أن السورة التي اختلف فيها أبي وبن مسعود كانت من آل حم وفي المبهمات للخطيب أنها الأحقاف ووقع عند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند في هذا الحديث أن اختلافهم كان في عددها هل هي خمس وثلاثون آية أو ست وثلاثون الحديث وفي هذا الحديث والذي قبله الحض على الجماعة والالفة

(9/102)


والتحذير من الفرقة والاختلاف والنهي عن المراء في القرآن بغير حق ومن شر ذلك أن تظهر دلالة الآية على شيء يخالف الرأي فيتوسل بالنظر وتدقيقه إلى تأويلها وحملها على ذلك الرأي ويقع اللجاج في ذلك والمناضلة عليه خاتمة اشتمل كتاب فضائل القرآن من الأحاديث المرفوعة على تسعة وتسعين حديثا المعلق منها وما التحق به من المتابعات تسعة عشر حديثا والباقي موصولة المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة وسبعون حديثا والباقي خالص وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أنس فيمن جمع القرآن وحديث قتادة بن النعمان في فضل قل هو الله أحد وحديث أبي سعيد في ذلك وحديثه أيضا أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن وحديث عائشة في قراءة المعوذات عند النوم وحديث بن عباس في قراءته المفصل وحديثه لم يترك الا ما بين الدفتين وحديث أبي هريرة لا حسد الا في اثنتين وحديث عثمان أن خيركم من تعلم القرآن وحديث أنس كانت قراءته مدا وحديث عبد الله بن مسعود أنه سمع رجلا يقرأ آية وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم سبعة آثار والله أعلم بسم الله الرحمن الرحيم
( بسم الله الرحمن الرحيم كتاب النكاح )
كذا للنسفي وعن رواية الفربري تأخير البسملة والنكاح في اللغة الضم والتداخل وتجوز من قال أنه الضم وقال الفراء النكح بضم ثم سكون اسم الفرج ويجوز كسر أوله وكثر استعماله في الوطء وسمي به العقد لكونه سببه قال أبو القاسم الزجاجي هو حقيقة فيهما وقال الفارسي إذا قالوا نكح فلانة أو بنت فلان فالمراد العقد وإذا قالوا نكح زوجته فالمراد الوطء وقال آخرون أصله لزوم شيء لشيء مستعليا عليه ويكون في المحسوسات وفي المعاني قالوا نكح المطر الأرض ونكح النعاس عينه ونكحت القمح في الأرض إذا حرثتها وبذرته فيها ونكحت الحصاة أخفاف الإبل وفي الشرع حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الصحيح والحجة في ذلك كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد حتى قيل أنه لم يرد في القرآن الا للعقد ولا يرد مثل قوله حتى تنكح زوجا غيره لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة وإلا فالعقد لا بد منه لأن قوله حتى تنكح معناه حتى تتزوج أي يعقد عليها ومفهومه أن ذلك كاف بمجرده لكن بينت السنة أن لا عبرة بمفهوم الغاية بل لا بد بعد العقد من ذوق العسيلة كما أنه لا بد بعد ذلك من التطليق ثم العدة نعم أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن الا للتزويج إلا في قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن المراد به الحلم والله أعلم وفي وجه للشافعية كقول الحنفية أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد وقيل مقول بالاشتراك على كل منهما وبه جزم الزجاجي وهذا الذي يترجح في نظري وأن كان أكثر ما يستعمل في العقد ورجح بعضهم الأول بأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباح ذكره فيبعد أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعه لما لا يستفظعه فدل على أنه في الأصل للعقد وهذا يتوقف على تسليم المدعي أنها كلها كنايات وقد جمع اسم النكاح بن القطاع فزادت على الألف

(9/103)


قوله باب الترغيب في النكاح لقوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء زاد الأصيلي وأبو الوقت الآية ووجه الاستدلال أنها صيغة أمر تقتضي الطلب وأقل درجاته الندب فثبت الترغيب وقال القرطبي لا دلالة فيه لأن الآية سيقت لبيان ما يجوز الجمع بينه من أعداد النساء ويحتمل أن يكون البخاري انتزع ذلك من الأمر بنكاح الطيب مع ورود النهى عن ترك الطيب ونسبه فاعله إلى الاعتداء في قوله تعالى لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا وقد اختلف في النكاح فقال الشافعية ليس عبادة ولهذا لو نذره لم ينعقد وقال الحنفية هو عبادة والتحقيق أن الصورة التي يستحب فيها النكاح كما سيأتي بيانه تستلزم أن يكون حينئذ عبادة فمن نفي نظر إليه في حد ذاته ومن أثبت نظر إلى الصورة المخصوصة ثم ذكرالمصنف في الباب حديثين الأول حديث أنس وهو من المتفق عليه لكن من طريقين إلى أنس
4776 - قوله جاء ثلاثة رهط كذا في رواية حميد وفي رواية ثابت عند مسلم أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ولا منافاة بينهما فالرهط من ثلاثة إلى عشرة والنفر من ثلاثة إلى تسعة وكل منهما اسم جمع لا واحد له من لفظه ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق أن الثلاثة المذكورين هم علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعثمان بن مظعون وعند بن مردويه من طريق الحسن العدني كان على في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات فنزلت الآية في المائدة ووقع في أسباب الواحدي بغير إسناد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر الناس وخوفهم فاجتمع عشرة من الصحابة وهم أبو بكر وعمر وعلي وبن مسعود وأبو ذر وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد وسلمان وعبد الله بن

(9/104)


عمرو بن العاص ومعقل بن مقرن في بيت عثمان بن مظعون فاتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا يقربوا النساء ويجبوا مذاكيرهم فإن كان هذا محفوظا احتمل أن يكون الرهط الثلاثة هم الذين باشروا السؤال فنسب ذلك إليهم بخصوصهم تارة ونسب تارة للجميع لاشتراكهم في طلبه ويؤيد إنهم كانوا أكثر من ثلاثة في الجملة ما روى مسلم من طريق سعيد بن هشام أنه قدم المدينة فأراد أن يبيع عقاره فيجعله في سبيل الله ويجاهد الروم حتى يموت فلقى ناسا بالمدينة فنهوه عن ذلك وأخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم فنهاهم فلما حدثوه ذلك راجع امرأته وكان قد طلقها يعني بسبب ذلك لكن في عد عبد الله بن عمرو معهم نظر لأن عثمان بن مظعون مات قبل أن يهاجر عبد الله فيما أحسب قوله يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه و سلم في رواية مسلم عن علقمة في السر قوله كأنهم تقالوها بتشديد اللام المضمومة أي استقلوها وأصل تقالوها تقاللوها أي رأى كل منهم أنها قليلة قوله فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه و سلم قد غفر الله له في رواية الحموي والكشميهني قد غفر له بضم أوله والمعنى أن من لم يعلم بحصول ذلك له يحتاج إلى المبالغة في العبادة عسى أن يحصل بخلاف من حصل له لكن قد بين النبي صلى الله عليه و سلم أن ذلك ليس بلازم فأشار إلى هذا بأنه أشدهم خشية وذلك بالنسبة لمقام العبودية في جانب الربوبية وأشار في حديث عائشة والمغيرة كما تقدم في صلاة الليل إلى معنى آخر بقوله أفلا أكون عبدا شكورا قوله فقال أحدهم أما أنا فأنا أصلي الليل ابدا هو قيد لليل لا لأصلي وقوله فلا أتزوج أبدا أكد المصلي ومعتزل النساء بالتأبيد ولم يؤكد الصيام لأنه لا بد له من فطر الليالي وكذا أيام العيد ووقع في رواية مسلم فقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أنام على الفراش وظاهره مما يؤكد زيادة عدد القائلين لأن ترك أكل اللحم أخص من مداومة الصيام واستغراق الليل بالصلاة أخص من ترك النوم على الفراش ويمكن التوفيق بضروب من التجوز قوله فجاء إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أنتم الذين قلتم في رواية مسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فحمد الله وأثنى عليه وقال ما بال أقوام قالوا كذا ويجمع بأنه منع من ذلك عموما جهرا مع عدم تعيينهم وخصوصا فيما بينه وبينهم رفقا بهم وسترا لهم قوله أما والله بتخفيف الميم حرف تنبيه بخلاف قوله في أول الخبر أما أنا فإنها بتشديد الميم للتقسيم قوله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له فيه إشارة إلى رد ما بنوا عليه أمرهم من أن المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة بخلاف غيره فأعلمهم أنه مع كونه يبالغ في التشديد في العبادة أخشى لله واتقى من الذين يشددون وإنما كان كذلك لأن المشدد لا يأمن من الملل بخلاف المقتصد فإنه أمكن لاستمراره وخير العمل ما داوم عليه صاحبه وقد أرشد إلى ذلك في قوله في الحديث الآخر المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الرقاق أن شاء الله تعالى وتقدم في كتاب العلم شيء منه قوله لكني استدراك من شيء محذوف دل عليه السياق أي أنا وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواء لكن أنا اعمل كذا قوله فمن رغب عن سنتي فليس مني المراد بالسنة الطريقة لا التي تقابل الفرض والرغبة عن الشيء الأعراض عنه إلى غيره والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التمزموه وطريقة النبي صلى الله عليه و سلم الحنيفية السمحة فيفطر ليتقوى على الصوم وينام ليتقوى على القيام ويتزوج لكسر الشهوة واعفاف النفس وتكثير النسل وقوله فليس مني أن كانت الرغبة

(9/105)


بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه فمعنى فليس مني أي على طريقتي ولا يلزم أن يخرج عن الملة وأن كان اعراضا وتنطعا يفضي إلى اعتقاد ارجحية عمله فمعنى فليس مني ليس على ملتي لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر وفي الحديث دلالة على فضل النكاح والترغيب فيه وفيه تتبع أحوال الأكابر للتاسي بافعالهم وأنه إذا تعذرت معرفته من الرجال جاز استكشافه من النساء وأن من عزم على عمل بر واحتاج إلى اظهاره حيث يأمن الرياء لم يكن ذلك ممنوعا وفيه تقديم الحمد والثناء على الله عند الفاء مسائل العلم وبيان الأحكام للمكلفين وإزالة الشبهة عن المجتهدين وأن المباحات قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة والاستحباب وقال الطبري فيه الرد على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس وآثر غليظ الثياب وخشن المأكل قال عياض هذا مما اختلف فيه السلف فمنهم من نجا إلى ما قال الطبري ومنهم من عكس واحتج بقوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا قال والحق أن هذه الآية في الكفار وقد أخذ النبي صلى الله عليه و سلم بالأمرين قلت لا يدل ذلك لأحد الفريقين أن كان المراد المداومة على إحدى الصفتين والحق أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفه والبطر ولا يأمن من الوقوع في الشبهات لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانا فلا يستطيع الانتقال عنه فيقع في المحظور كما أن منع تناول ذلك أحيانا يفضي الىالتنطع المنهي عنه ويرد عليه صريح قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لاصلها وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا وترك التنفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة وخير الأمور الوسط وفي قوله إني لاخشاكم لله مع ما انضم إليه إشارة إلى ذلك وفيه أيضا إشارة إلى أن العلم بالله ومعرفة ما يجب من حقه أعظم قدرا من مجرد العبادة البدنية والله أعلم الحديث الثاني
4777 - قوله حدثنا على سمع حسان بن إبراهيم لم أر عليا هذا منسوبا في شيء من الروايات ولا نبه عليه أبو علي الغساني ولا نسبة أبو نعيم كعادته لكن جزم المزي تبعا لأبي مسعود بأنه علي بن المديني وكأن الحامل على ذلك شهرة علي بن المديني في شيوخ البخاري فإذا أطلق اسمه كان الحمل عليه أولي من غيره وإلا فقد روى عن حسان ممن يسمى عليا على بن حجر وهو من شيوخ البخاري أيضا وكان حسان المذكور قاضي كرمان ووثقه بن معين وغيره ولكن له افراد قال بن عدي هو من أهل الصدق الا أنه ربما غلط قلت ولم أر له في البخاري شيئا انفرد به وقد أدركه بالسن الا أنه لم يلقه لأنه مات سنة ست ومائتين قبل أن يرتحل البخاري وقد تقدم شرح الحديث المذكور فيه مستوفى في تفسير سورة النساء

(9/106)


( قوله باب قول النبي صلى الله عليه و سلم من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج )
وقع في رواية السرخسي لأنه والأول أولي لأنه بقية لفظ الحديث وأن كان تصرف فيه فاختصر منه لفظ منكم وكأنه أشار إلى أن الشفاهي لا يخص وهو كذلك اتفاقا وإنما الخلاف هل يعم نصا أو استنباطا ثم رأيته في الصيام اخرجة من وجه آخر عن الأعمش بلفظ من استطاع الباءة كما ترجم به ليس فية منكم قوله وهل يتزوج من لا أرب له في النكاح كأنه يشير إلى ما وقع بين بن مسعود وعثمان فعرض عليه عثمان فأجابه بالحديث فاحتمل أن يكون لا أرب فيه له فلم يوافقه واحتمل أن يكون وافقه وأن لم ينقل ذلك ولعله رمز إلى ما بين العلماء فيمن لا يتوق إلى النكاح هل يندب إليه أم لا وسأذكر ذلك بعد
4778 - قوله حدثني إبراهيم هو النخعي وهذا الإسناد مما ذكر أنه أصح الأسانيد وهي ترجمة الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن بن مسعود وللاعمش في هذا الحديث إسناد آخر ذكره المصنف في الباب الذي يليه بإسناده بعينه إلى الأعمش قوله كنت مع عبد الله يعني بن مسعود قوله فلقيه عثمان بمنى كذا وقع في أكثر الروايات وفي رواية زيد بن أبي أنيسة عن الأعمش عند بن حبان بالمدينة وهي شاذة قوله فقال يا أبا عبد الرحمن هي كنية بن مسعود وظن بن المنير أن المخاطب بذلك بن عمر لأنها كنيته المشهورة وأكد ذلك عنده أنه وقع في نسخته من شرح بن بطال عقب الترجمة فيه بن عمر لقيه عثمان بمنى وقص الحديث فكتب بن المنير في حاشيته هذا يدل على أن بن عمر شدد على نفسه في زمن الشباب لأنه كان في زمن عثمان شابا كذا قال ولا مدخل لابن عمر في هذه القصة أصلا بل القصة والحديث لابن مسعود مع أن دعوى أن بن عمر كان شابا إذ ذاك فيه نظر لما سأبينه قريبا فإنه كان إذ ذاك جاوز الثلاثين قوله فخليا كذا للأكثر وفي رواية الأصيلي فخلوا قال بن التين وهي الصواب لأنه واوى يعني من الخلوة مثل دعوا قال الله تعالى فلما اثقلت دعوا الله انتهى ووقع في رواية جرير عن الأعمش عند مسلم إذ لقيه عثمان فقال هلم يا أبا عبد الرحمن فاستخلاه قوله فقال عثمان هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكرا تذكرك ما كنت تعهد لعل عثمان رأى به قشفا ورثاثة هيئة فحمل ذلك على فقده الزوجة التي ترفهه ووقع في رواية أبي معاوية عند أحمد ومسلم ولعلها أن تذكرك ما مضى من زمانك وفي رواية جرير عن الأعمش عند مسلم لعلك يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد وفي رواية زيد بن أبي أنيسة عند بن حبان لعلها أن تذكرك ما فاتك ويؤخذ منه أن معاشرة الزوجة الشابة تزيد في القوة والنشاط بخلاف عكسها فبالعكس قوله فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إلي فقال يا علقمة فانتهيت إليه وهو يقول أما لئن قلت ذلك لقد هكذا عند الأكثر أن مراجعة عثمان لابن مسعود في أمر التزويج كانت قبل استدعائه لعلقمة ووقع في رواية جرير عند مسلم وزيد بن أبي أنيسة عند بن حبان بالعكس ولفظ جرير بعد قوله فاستخلاه فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة قال لي تعال يا علقمة قال فجئت فقال له عثمان الا نزوجك وفي رواية زيد فلقي عثمان فأخذ بيده فقاما وتنحيت عنهما فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة يسرها قال ادن يا علقمة فانتهيت إليه وهو يقول الا نزوجك ويحتمل في الجمع بين الروايتين أن يكون عثمان أعاد على بن مسعود ما كان قال له بعد أن استدعى علقمة لكونه فهم منه إرادة إعلام علقمة بما كانا فيه قوله لقد قال لنا النبي صلى الله عليه و سلم يا معشر الشباب في رواية زيد لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم شبابا فقال لنا وفي

(9/107)


رواية عبد الرحمن بن يزيد في الباب الذي يليه دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله فقال عبد الله كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم شبابا لا نجد شيئا فقال لنا يا معشر الشباب وفي رواية جرير عن الأعمش عند مسلم في هذه الطريق قال عبد الرحمن وأنا يومئذ شاب فحدث بحديث رأيت أنه حدث به من أجلي وفي رواية وكيع عن الأعمش وأنا أحدث القوم قوله يا معشر الشباب المعشر جماعة يشملهم وصف ما والشباب جمع شاب ويجمع أيضا على شببه وشبان بضم أوله والتثقيل وذكر الأزهري أنه لم يجمع فاعل على فعال غيره وأصله الحركة والنشاط وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين هكذا أطلق الشافعية وقال القرطبي في المفهم يقال له حدث إلى ستة عشر سنة ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين ثم كهل وكذا ذكر الزمخشري في الشباب أنه من لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين وقال بن شاس المالكي في الجواهر إلى أربعين وقال النووي الأصح المختار أن الشاب من بلغ ولم يجاوز الثلاثين ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين ثم هو شيخ وقال الروياني وطائفة من جاوز الثلاثين سمي شيخا زاد بن قتيبة إلى أن يبلغ الخمسين وقال أبو إسحاق الاسفرايني عن الأصحاب المرجع في ذلك إلى اللغة وأما بياض الشعر فيختلف باختلاف الامزجة قوله من استطاع منكم الباءة خص الشباب بالخطاب لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح بخلاف الشيوخ وأن كان المعنى معتبرا إذا وجد السبب في الكهول والشيوخ أيضا قوله الباءة بالهمز وتاء تأنيث ممدود وفيها لغة أخرى بغير همز ولا مد وقد يهمز ويمد بلا هاء ويقال لها أيضا الباهة كالأول لكن بهاء بدل الهمزة وقيل بالمد القدرة على مؤن النكاح وبالقصر الوطء قال الخطابي المراد بالباءة النكاح وأصله الموضع الذي يتبوؤه ويأوى إليه وقال المازري اشتق العقد على المرأة من أصل الباءة لأن من شأن من يتزوج المرأة أن يبوءها منزلا وقال النووي اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء وعلى هذاالقول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبا والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها وتقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع فليصم لدفع شهوته والذي حمل القائلين بهذا على ما قالوه قوله ومن لم يستطع فعليه بالصوم قالوا والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن وانفصل القائلون بالأول عن ذلك بالتقدير المذكور انتهى والتعليل المذكور للبازري وأجاب عنه عياض بأنه لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان فيكون المراد بقوله من استطاع الباءة أي بلغ الجماع وقدر عليه فليتزوج ويكون قوله ومن لم يستطع أي من لم يقدر على التزويج قلت وتهيأ له هذا لحذف المفعول في المنفي فيحتمل أن يكون المراد ومن لم يستطع الباءة أو من لم يستطع التزويج وقد وقع كل منهما صريحا فعند الترمذي في رواية عبد الرحمن بن يزيد من طريق الثوري عن الأعمش ومن لم يستطع منكم الباءة وعند الإسماعيلي من هذا الوجه من طريق أبي عوانة عن الأعمش من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج ويؤيده ما وقع في رواية للنسائي من طريق أبي معشر عن إبراهيم النخعي من كان ذا طول فلينكح ومثله لابن ماجة من حديث عائشة وللبزار من حديث أنس وأما تعليل المازري فيعكر عليه قوله في الرواية الأخرى التي في الباب

(9/108)


الذي يليه بلفظ كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم شبابا لا نجد شيئا فإنه يدل على أن المراد بالباءة الجماع ولا مانع من الحمل على المعنى الأعم بأن يراد بالباءة القدرة على الوطء ومؤن التزويج والجواب عما استشكله المازري أنه يجوز أن يرشد من لا يستطيع الجماع من الشباب لفرط حياء أو عدم شهوة أو عنه مثلا إلى ما يهيء له استمرار تلك الحالة لأن الشباب مظنة ثوران الشهوة الداعية إلى الجماع فلا يلزم من كسرها في حالة أن يستمر كسرها فلهذا أرشد إلى ما يستمر به الكسر المذكور فيكون قسم الشباب إلى قسمين قسم يتوقون إليه ولهم اقتدار عليه فندبهم إلى التزويج دفعا للمحذور بخلاف الآخرين فندبهم إلى أمر تستمر به حالتهم لأن ذلك أرفق بهم للعلة التي ذكرت في رواية عبد الرحمن بن يزيد وهي إنهم كانوا لا يجدون شيئا ويستفاد منه أن الذي لا يجد اهبة النكاح وهو تائق إليه يندب له التزويج دفعا للمحذور قوله فليتزوج زاد في كتاب الصيام من طريق أبي حمزة عن الأعمش هنا فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج وكذا ثبتت هذه الزيادة عند جميع من أخرج الحديث المذكور من طريق الأعمش بهذا الإسناد وكذا ثبت بإسناده الآخر في الباب الذي يليه ويغلب على ظني أن حذفها من قبل حفص بن غياث شيخ شيخ البخاري وإنما آثر البخاري روايته على رواية غيره لوقوع التصريح فيها من الأعمش بالتحديث فاغتفر له اختصار المتن لهذه المصلحة وقوله أغض أي أشد غضا وأحصن أي أشد احصانا له ومنعا من الوقوع في الفاحشة وما ألطف ما وقع لمسلم حيث ذكر عقب حديث بن مسعود هذا بيسير حديث جابر رفعه إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما في نفسه فإن فيه إشارة إلى المراد من حديث الباب وقال بن دقيق العيد يحتمل أن تكون أفعل على بابها فإن التقوى سبب لغض البصر وتحصين الفرج وفي معارضتها الشهوية الداعية وبعد حصول التزويج يضعف هذا العارض فيكون أغض وأحصن مما لم يكن لأن وقوع الفعل مع ضعف الداعي اندر من وقوعه من وجود الداعي ويحتمل أن يكون أفعل فيه لغير المبالغة بل أخبار عن الواقع فقط قوله ومن لم يستطع فعليه بالصوم في رواية مغيرة عن إبراهيم عند الطبراني ومن لم يقدر على ذلك فعليه بالصوم قال المازري فيه اغراء بالغائب ومن أصول النحويين أن لا يغرى الغائب وقد جاء شاذا قول بعضهم عليه رجلا ليسني على جهة الإغراء وتعقبه عياض بأن هذا الكلام موجود لابن قتيبة والزجاجي ولكن فيه غلط من أوجه أما أولا فمن التعبير بقوله لا اغراء بالغائب والصواب فيه اغراء الغائب فأما الإغراء بالغائب فجائز ونص سيبويه أنه لا يجوز دونه زيدا ولا يجوز عليه زيدا عند إرادة غير المخاطب وإنما جاز للحاضر لما فيه من دلالة الحال بخلاف الغائب فلا يجوز لعدم حضوره ومعرفته بالحالة الدالة على المراد وأما ثانيا فإن المثال ما فيه حقيقة الإغراء وأن كانت صورته فلم يرد القائل تبليغ الغائب وإنما أراد الأخبار عن نفسه بأنه قليل المبالاة بالغائب ومثله قولهم إليك عني أي اجعل شغلك بنفسك ولم يرد أن يغريه به وإنما مراده دعني وكن كمن شغل عني وأما ثالثا فليس في الحديث اغراء الغائب بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولا بقوله من استطاع منكم فالهاء في قوله فعليه ليست لغائب وإنما هي للحاضر المبهم إذ لا يصح خطابه بالكاف ونظير هذا قوله كتب عليكم القصاص في القتلى إلى أن قال فمن عفى له من أخيه شيء ومثله لو قلت لاثنين من قام منكما فله درهم فالهاء للمبهم من المخاطبين لا للغائب أه ملخصا ملخصا وقد استحسنه القرطبي وهو حسن بالغ وقد تفطن له الطيبي فقال قال أبو عبيد قوله

(9/109)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية