صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ فتح الباري - ابن حجر ]
الكتاب : فتح الباري شرح صحيح البخاري
المؤلف : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
الناشر : دار المعرفة - بيروت ، 1379
تحقيق : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
عدد الأجزاء : 13

( قوله سورة أنا أنزلناه )
في رواية غير أبي ذر سورة القدر قوله يقال المطلع هو الطلوع والمطلع الموضع الذي يطلع منه قال الفراء المطلع بفتح اللام وبكسرها قرأ يحيى بن وثاب والأول أولى لأن المطلع بالفتح هو الطلوع وبالكسر الموضع والمراد هنا الأول انتهى وقرأ بالكسر أيضا الكسائي والأعمش وخلف وقال الجوهري طلعت الشمس مطلعا ومطلعا أي بالوجهين قوله أنزلناه الهاء كناية عن القرآن أي الضمير راجع إلى القرآن وأن لم يتقدم له ذكر قوله إنا أنزلناه خرج مخرج الجميع والمنزل هو الله تعالى والعرب تؤكد فعل الرجل الواحد فتجعله بلفظ الجميع ليكون أثبت وأوكد هو قول أبي عبيدة ووقع في رواية أبي نعيم في المستخرج نسبته إليه قال قال معمر وهو اسم أبي عبيدة كما تقدم غير مرة وقوله ليكون أثبت وأوكد قال بن التين النحاة يقولون بأنه للتعظيم بقوله المعظم عن نفسه ويقال عنه انتهى وهذا هو المشهور أن هذا جمع التعظيم تنبيه لم يذكر في سورة القدر حديثا مرفوعا ويدخل فيها حديث من قام ليلة القدر وقد تقدم في أواخر الصيام قوله سورة لم يكن بسم الله الرحمن الرحيم سقطت البسملة لغير أبي ذر ويقال لها أيضا سورة القيمة وسورة البينة قوله منفكين زائلين هو قول أبي عبيدة قوله قيمة القائمة دين القيمة أضاف الدين إلى المؤنث هو قول أبي عبيدة بلفظه وأخرج بن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيان قال القيمة الحساب المبين قوله
4676 - إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا كذا في رواية شعبة وبين في رواية همام أن تسمية السورة لم يحمله قتادة عن أنس فإنه قال في آخر الحديث قال قتادة فأنبئت أنه قرأ عليه لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب وسقط بيان ذلك من رواية سعيد بن أبي عروبة هذا ما في هذه الطرق الثلاثة التي أخرجها البخاري وقد أخرجه الحاكم وأحمد والترمذي من طريق زر بن حبيش عن أبي بن كعب نفسه مطولا ولفظه أن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال فقرأ عليه لم يكن الذين كفروا والجمع بين الروايتين حمل المطلق على المقيد لقراءته لم يكن دون غيرها فقيل الحكمة في تخصيصها بالذكر لأن فيها يتلو صحفا مطهرة وفي تخصيص أبي بن كعب التنويه به في أنه أقرأ الصحابة فإذا قرأ عليه النبي صلى الله عليه و سلم مع عظيم منزلته كان غيره بطريق التبع له وقد تقدم في المناقب مزيد كلام في ذلك

(8/725)


قوله
4677 - حدثني أحمد بن أبي داود أبو جعفر المنادي كذا وقع عند الفربري عن البخاري والذي وقع عند النسفي حدثني أبو جعفر المنادى حسب فكأن تسميته من قبل الفربري فعلى هذا لم يصب من وهم البخاري فيه وكذا من قال إنه كان يرى أن محمدا وأحمد شيء واحد وقد ذكر ذلك الخطيب عن اللالكائي احتمالا قال واشتبه على البخاري قال وقيل كان لأبي جعفر أخ اسمه أحمد قال وهو باطل والمشهور أن اسم أبي جعفر هذا محمد وهو بن عبيد الله بن يزيد وأبو داود كنية أبيه وليس لأبي جعفر في البخاري سوى هذا الحديث وقد عاش بعد البخاري ستة عشر عاما ولكنه عمر وعاش مائة سنة وسنة وأشهرا وقد سمع منه هذا الحديث بعينه من لم يدرك البخاري وهو أبو عمرو بن السماك فشارك البخاري في روايته عن بن المنادي هذا الحديث وبينهما في الوفاة ثمان وثمانون سنة وهو من لطيف ما وقع من نوع السابق واللاحق قوله أن أقرئك أي أعلمك بقراءتي عليك كيف تقرأ حتى لا تتخالف الروايتان وقيل الحكمة فيه لتحقق قوله تعالى فيها رسول من الله يتلو صحفا مطهرة قوله فذرفت بفتح الراء وقبلها الذال معجمة أي تساقطت بالدموع وقد تقدم شرح الحديث في مناقب أبي بن كعب

(8/726)


( قوله سورة إذا زلزلت بسم الله الرحمن الرحيم )
باب قوله فمن يعمل مثقال ذرة الخ سقط باب قوله لغير أبي ذر قوله أوحى لها يقال أوحى لها وأوحى إليها ووحى لها ووحى إليها واحد قال أبو عبيدة في قوله بأن ربك أوحى لها قال العجاج أوحى لها القرار فاستقرت وقيل اللام بمعنى من أجل والموحى إليه محذوف أي أوحى إلى الملائكة من أجل الأرض والأول أصوب وقد أخرج بن أبي حاتم من طريق عكرمة عن بن عباس قال أوحى لها أوحى إليها ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة الخيل لثلاثة وفي آخره فسئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الحمر الحديث ثم ساقه من وجه آخر عن مالك بسنده المذكور مقتصرا على القصة الآخرة وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الجهاد قوله والعاديات والقارعة كذا لأبي ذر ولغيره والعاديات حسب والمراد بالعاديات الخيل وقيل الإبل قوله وقال مجاهد الكنود الكفور وصله الفريابي عن مجاهد بهذا وأخرج بن مردويه عن بن عباس مثله ويقال إنه بلسان قريش الكفور وبلسان كنانة البخيل وبلسان كندة العاصي وروى الطبراني من حديث أبي أمامة رفعه الكنود الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبدة قوله يقال فأثرن به نقعا رفعن به غبارا هو قول أبي عبيدة والمعنى أن الخيل التي أغارت صباحا أثرن به غبارا والضمير في به للصبح أي أثرن به وقت الصبح وقيل للمكان وهو وإن لم يجر له ذكر لكن دلت عليه الإثارة وقيل الضمير للعدو الذي دلت عليه العاديات وعند البزار والحاكم من حديث بن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم خيلا فلبثت شهرا لا يأتيه خبرها فنزلت والعاديات ضبحا ضبحت بأرجلها فالموريات قدحا قدحت الحجارة فأورت بحوافرها فالمغيرات صبحا صبحت القوم بغارة فأثرن به نقعا التراب فوسطن به جمعا صبحت القوم جميعا وفي إسناده ضعف وهو مخالف لما روى بن مردويه بإسناد أحسن منه عن بن عباس قال سألني رجل عن العاديات فقلت الخيل قال فذهب إلى علي فسأله فأخبره بما قلت فدعاني فقال لي إنما العاديات الإبل من عرفة إلى مزدلفة الحديث وعند سعيد بن منصور من طريق حارثة بن مضرب قال

(8/727)


كان علي يقول هي الإبل وبن عباس يقول هي الخيل ومن طريق عكرمة عنهما نحوه بلفظ الإبل في الحج والخيل في الجهاد وبإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود قال هي الإبل وبإسناد صحيح عن بن عباس ما ضبحت دابة قط إلا كلب أو فرس قوله لحب الخير من أجل حب الخير لشديد هو قول أبي عبيدة أيضا فسر اللام بمعنى من أجل أي لأنه لأجل حب المال لبخيل وقيل إنها للتعدية والمعنى إنه لقوى مطيق لحب الخير قوله حصل ميز قال أبو عبيدة في قوله حصل ما في الصدور أي ميز وقيل جمع وأخرج بن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله حصل أي أخرج
( قوله سورة القارعة )
كذا لغير أبي ذر واكتفى بذكرها مع التي قبلها قوله كالفراش المبثوث كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضا كذلك الناس يجول بعضهم في بعض هو كلام الفراء قال في قوله كالفراش يريد كغوغاء الجراد الخ وقال أبو عبيدة الفراش طير لا ذباب ولا بعوض والمبثوث المتفرق وحمل الفراش على حقيقته أولى والعرب تشبه بالفراش كثيرا كقول جرير إن الفرزدق ما علمت وقومه مثل الفراش غشين نار المصطلي وصفهم بالحرص والتهافت وفي تشبيه الناس يوم البعث بالفراش مناسبات كثيرة بليغة كالطيش والانتشار والكثرة والضعف والذلة والمجيء بغير رجوع والقصد إلى الداعي والإسراع وركوب بعضهم بعضا والتطاير إلى النار قوله كالعهن كألوان العهن سقط هذا لأبي ذر وهو قول الفراء قال كالعهن لأن ألوانها مختلفة كالعهن وهو الصوف وأخرج بن أبي حاتم من طريق عكرمة قال كالعهن كالصوف قوله وقرأ عبد الله كالصوف سقط هذا لأبي ذر وهو بقية كلام الفراء قال في قراءة عبد الله يعني بن مسعود كالصوف المنفوش قوله سورة ألهاكم بسم الله الرحمن الرحيم كذا لأبي ذر ويقال لها سورة التكاثر وأخرج بن أبي حاتم من طريق سعيد بن أبي هلال قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يسمونها المقبرة قوله وقال بن عباس التكاثر من الأموال والأولاد وصله بن المنذر من طريق بن جريج عن عطاء عن بن عباس تنبيه لم يذكر في هذه السورة حديثا مرفوعا وسيأتي في الرقاق من حديث أبي بن كعب ما يدخل فيها

(8/728)


( قوله سورة والعصر )
العصر اليوم والليلة قال الشاعر ولن يلبث العصران يوما وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما قال عبد الرزاق عن معمر قال الحسن العصر العشي وقال قتادة ساعة من ساعات النهار قوله وقال يحيى العصر الدهر أقسم به سقط يحيى لأبي ذر وهو يحيى بن زياد الفراء فهذا كلامه في معاني القرآن قوله وقال مجاهد خسر ضلال ثم استثنى فقال إلا من آمن ثبت هذا هنا للنسفي وحده ولم أره في شيء من التفاسير المسندة إلا هكذا عن مجاهد إن الإنسان لفي خسر قال إلا من آمن تنبيه لم أر في تفسير هذه السورة حديثا مرفوعا صحيحا لكن ذكر بعض المفسرين فيها حديث بن عمر من فاتته صلاة العصر وقد تقدم في صفة الصلاة مشروحا قوله سورة ويل لكل همزة بسم الله الرحمن الرحيم كذا لأبي ذر ويقال لها أيضا سورة الهمزة والمراد الكثير الهمز وكذا اللمز وأخرج سعيد بن منصور من حديث بن عباس أنه سئل عن الهمزة قال المشاء بالنميمة المفرق بين الإخوان قوله الحطمة اسم النار مثل سقر ولظى هو قول الفراء قال في قوله لينبذن أي الرجل وما له في الحطمة اسم من أسماء النار كقوله جهنم وسقر ولظى وقال أبو عبيدة يقال للرجل الأكول حطمة أي الكثير الحطم
( قوله سورة ألم تر )
كذا لهم ويقال لها أيضا سورة الفيل قوله ألم تر ألم تعلم كذا لغير أبي ذر وللمستملي ألم تر قال مجاهد ألم تر ألم تعلم والصواب الأول فإنه ليس من تفسير مجاهد وقال الفراء ألم تخبر عن الحبشة والفيل وإنما قال ذلك لأنه صلى الله عليه و سلم لم يدرك قصة أصحاب الفيل لأنه ولد في تلك السنة قوله أبابيل متتابعة مجتمعة وصله الفريابي عن مجاهد في قوله أبابيل قال شتى متتابعة وقال الفراء لا واحد لها وقيل وأحدها أبالة بالتخفيف وقيل بالتشديد وقيل أبول كعجول وعجاجيل قوله وقال بن عباس من سجيل هي سنك وكل وصله الطبري من طريق السدي عن عكرمة عن بن عباس قال سنك وكل طين وحجارة وقد تقدم في تفسير سورة هود ووصله بن أبي حاتم من وجه آخر عن عكرمة عن بن عباس ورواه جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن عكرمة وروى الطبري من طريق عبد الرحمن بن سابط قال هي بالأعجمية سنك وكل ومن طريق حصين عن عكرمة قال كانت ترميهم بحجارة معها نار قال فإذا أصابت أحدهم خرج به الجدري وكان أول يوم رؤى فيه الجدري

(8/729)


( قوله سورة لإيلاف )
قيل اللام متعلقة بالقصة التي في السورة التي قبلها ويؤيده أنهما في مصحف أبي بن كعب سورة واحدة وقيل متعلقة بشيء مقدر أي أعجب لنعمتي على قريش قوله وقال مجاهد لإيلاف ألفوا ذلك فلا يشق عليهم في الشتاء والصيف وآمنهم من خوف قال من كل عدو في حرمهم وأخرج بن مردويه من أوله إلى قوله والصيف من وجه آخر عن مجاهد عن بن عباس قوله وقال بن عيينة لإيلاف لنعمتي على قريش هو كذلك في تفسير بن عيينة رواية سعيد بن عبد الرحمن عنه ولابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس مثله تنبيهان الأول قرأ الجمهور لإيلاف بإثبات الياء إلا بن عامر فحذفها واتفقوا على إثباتها في قوله إيلافهم إلا في رواية عن بن عامر فكالأول وفي أخرى عن بن كثير بحذف الأولى التي بعد اللام أيضا وقال الخليل بن أحمد دخلت الفاء في قوله فليعبدوا لما في السياق من معنى الشرط أي فإن لم يعبدوا رب هذا البيت لنعمته السالفة فليعبدوه للائتلاف المذكور الثاني لم يذكر في هذه السورة ولا التي قبلها حديثا مرفوعا فأما سورة الهمزة ففي صحيح بن حبان من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قرأ يحسب أن ماله أخلده يعني بفتح السين وأما سورة الفيل ففيها من حديث المسور الطويل في صلح الحديبية قوله حبسها حابس الفيل قد تقدم شرحه مستوفى في الشروط وفيها حديث بن عباس مرفوعا إن الله حبس عن مكة الفيل الحديث وأما هذه السورة فلم أر فيها حديثا مرفوعا صحيحا قوله سورة أرأيت كذا لهم ويقال لها أيضا سورة الماعون قال الفراء قرأ بن مسعود أرأيتك الذي يكذب قال والكاف صلة والمعنى في إثباتها وحذفها لا يختلف كذا قال لكن التي بإثبات الكاف قد تكون بمعنى أخبرني والتي بحذفها الظاهر أنها من رؤية البصر قوله وقال مجاهد يدع يدفع عن حقه يقال هو من دععت يدعون يدفعون قال أبو عبيدة في قوله تعالى يوم يدعون أي يدفعون يقال دععت في قفاه أي دفعت وفي رواية أخرى يدع اليتيم قال وقال بعضهم يدع اليتيم مخففة قلت وهي قراءة الحسن وأبي رجاء ونقل عن علي أيضا وأخرج الطبري من طريق مجاهد قال يدع يدفع اليتيم عن حقه وفي قوله يوم يدعون إلى نار جهنم دعا قال يدفعون قوله ساهون لاهون وصله الطبري أيضا من طريق مجاهد في قوله الذين هم عن صلاتهم ساهون قال لاهون وقال الفراء كذلك فسرها بن عباس وهي قراءة عبد الله بن مسعود وجاء ذلك في حديث أخرجه عبد الرزاق وبن مردويه من رواية مصعب بن سعد عن أبيه أنه سأله

(8/730)


عن هذه الآية قال أو ليس كنا نفعل ذلك الساهي هو الذي يصليها لغير وقتها قوله والماعون المعروف كله وقال بعض العرب الماعون الماء وقال عكرمة أعلاها الزكاة المفروضة وأدناها عارية المتاع أما القول الأول فقال الفراء قال بعضهم أن الماعون المعروف كله حتى ذكر القصعة والدلو والفأس ولعله أراد بن مسعود فإن الطبري أخرج من طريق سلمة بن كهيل عن أبي المغيرة سأل رجل بن عمر عن الماعون قال المال الذي لا يؤدي حقه قال قلت أن بن مسعود يقول هو المتاع الذي يتعاطاه الناس بينهم قال هو ما أقول لك وأخرجه الحاكم أيضا وزاد في رواية أخرى عن بن مسعود هو الدلو والقدر والفأس وكذا أخرجه أبو داود والنسائي عن بن مسعود بلفظ كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم عارية الدلو والقدر وإسناده صحيح إلى بن مسعود وأخرجه البزار والطبراني من حديث بن مسعود مرفوعا صريحا وأخرج الطبراني من حديث أم عطية قالت ما يتعاطاه الناس بينهم وأما القول الثاني فقال الفراء سمعت بعض العرب يقول الماعون هو الماء وأنشد يصب صبيرة الماعون صبا قلت وهذا يمكن تأويله وصبيرة جبل باليمن معروف وهو بفتح المهملة وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة وآخره راء وأما قول عكرمة فوصله سعيد بن منصور بإسناد إليه باللفظ المذكور وأخرج الطبري والحاكم من طريق مجاهد عن علي مثله تنبيه لم يذكر المصنف في تفسير هذه السورة حديثا مرفوعا ويدخل فيه حديث بن مسعود المذكور قبل قوله سورة إنا أعطيناك الكوثر هي سورة الكوثر وقد قرأ بن محيصن أنا أنطيناك الكوثر بالنون وكذا قرأها طلحة بن مصرف والكوثر فوعل من الكثرة سمي بها النهر لكثرة مائة وأنيته وعظم قدره وخيره

(8/731)


قوله شانئك عدوك في رواية المستملي وقال بن عباس وقد وصله بن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس كذلك واختلف الناقلون في تعيين الشانئ المذكور فقيل هو العاصي بن وائل وقيل أبو جهل وقيل عقبة بن أبي معيط ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث الأول حديث أنس وقد تقدم شرحه في أوائل المبعث في قصة الإسراء في أواخرها ويأتي باوضح من ذلك في أواخر كتاب الرقاق وقوله
4680 - لما عرج بالنبي صلى الله عليه و سلم إلى السماء قال أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر هكذا اقتصر على بعضه وساقه البيهقي من طريق إبراهيم بن الحسن عن آدم شيخ البخاري فيه فزاد بعد قوله الكوثر والذي أعطاك ربك فأهوى الملك بيده فاستخرج من طينه مسكا أذفر وأورده البخاري بهذه الزيادة في الرقاق من طريق همام عن أبي هريرة الثاني حديث عائشة وأبو عبيدة راوية عنها هو بن عبد الله بن مسعود قوله عن عائشة قال سألتها في رواية النسائي قلت لعائشة
4681 - قوله عن قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر في رواية النسائي ماء الكوثر قوله هو نهر أعطيه نبيكم زاد النسائي في بطنان الجنة قلت ما بطنان الجنة قالت وسطها انتهى وبطنان بضم الموحدة وسكون المهملة بعدها نون ووسط بفتح المهملة والمراد به أعلاها أي أرفعها قدرا أو المراد أعدلها قوله شاطئاه أي حافتاه قوله در مجوف أي القباب التي على جوانبه قوله رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف عن أبي إسحاق أما زكريا فهو بن أبي زائدة وروايته عند علي بن المديني عن يحيى بن زكريا عن أبيه ولفظه قريب من لفظ أبي الأحوص وأما رواية أبي الأحوص وهو سلام بن سليم فوصلها أبو بكر بن أبي شيبة عنه ولفظه الكوثر نهر بفناء الجنة شاطئاه در مجوف وفيه من الأباريق عدد النجوم وأما رواية مطرف وهو بن طريف بالطاء المهملة فوصلها النسائي من طريقه وقد بينت ما فيها من زيادة الحديث الثالث حديث بن عباس من رواية أبي بشر عن سعيد بن جبير عنه أنه قال في الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه قال قلت لسعيد بن جبير عنه أنه قال في الكوثر فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة فقال سعيد النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه هذا تأويل من سعيد بن جبير جمع به بين حديثي عائشة وبن عباس وكأن الناس الذين عناهم أبو بشر أبو إسحاق وقتادة ونحوهما ممن روى ذلك صريحا أن الكوثر هو النهر وقد أخرج الترمذي من طريق بن عمر رفعه الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت الحديث قال إنه حسن صحيح وفي صحيح مسلم من طريق المختار بن فلفل عن أنس بينما نحن عند النبي صلى الله عليه و سلم إذ غفا إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال نزلت علي سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر إلى آخرها ثم قال أتدرون ما الكوثر قلنا الله ورسوله أعلم قال فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة الحديث وحاصل ما قاله سعيد بن جبير أن قول بن عباس إنه الخير الكثير لا يخالف قول غيره إن المراد به نهر في الجنة لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير ولعل سعيدا أومأ إلى أن تأويل بن عباس أولى لعمومه لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي صلى الله عليه و سلم فلا معدل عنه وقد نقل المفسرون في الكوثر أقوالا أخرى غير هذين تزيد على العشرة منها قول عكرمة الكوثر النبوة وقول الحسن الكوثر القرآن وقيل تفسيره وقيل الإسلام وقيل إنه التوحيد وقيل كثرة الأتباع وقيل الإيثار وقيل رفعة الذكر وقيل نور القلب وقيل الشفاعة

(8/732)


وقيل المعجزات وقيل إجابة الدعاء وقيل الفقه في الدين وقيل الصلوات الخمس وسيأتي مزيد بسط في أمر الكوثر وهل الحوض النبوي هو أو غيره في كتاب الرقاق أن شاء الله تعالى
( قوله سورة قل يا أيها الكافرون )
وهي سورة الكافرين ويقال لها أيضا المقشقشة أي المبرئة من النفاق قوله يقال لكم دينكم الكفر ولي دين الإسلام ولم يقل ديني لأن الآيات بالنون فحذفت الياء كما قال يهدين ويشفين هو كلام الفراء بلفظه قوله وقال غيره لا أعبد ما تعبدون الخ سقط وقال غيره لأبي ذر والصواب إثباته لأنه ليس من بقية كلام الفراء بل هو كلام أبي عبيدة قال في قوله تعالى لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد كأنهم دعوه إلى أن يعبد آلهتهم ويعبدون إلهه فقال لا أعبد ما تعبدون في الجاهلية ولا أنتم عابدون ما أعبد في الجاهلية والإسلام ولا أنا عابد ما عبدتم الآن أي لا أعبد الآن ما تعبدون ولا أجيبكم فيما بقي أن أعبد ما تعبدون وتعبدون ما أعبد انتهى وقد أخرج بن أبي حاتم من حديث بن عباس قال قالت قريش للنبي صلى الله عليه و سلم كف عن آلهتنا فلا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فنزلت وفي إسناده أبو خلف عبد الله بن عيسى وهو ضعيف تنبيه لم يورد في هذه السورة حديثا مرفوعا ويدخل فيها حديث جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قرأ في ركعتي الطواف قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد أخرجه مسلم وقد ألزمه الإسماعيلي بذلك حيث قال في تفسير والتين والزيتون لما أورد البخاري حديث البراء أن النبي صلى الله عليه و سلم قرأ بها في العشاء قال الإسماعيلي ليس لا يراد هذا معنى هنا وإلا للزمه أن يورد كل حديث وردت فيه قراءته لسورة مسماة في تفسير تلك السورة

(8/733)


( قوله سورة إذا جاء نصر الله وهي سورة النصر بسم الله الرحمن الرحيم )
سقطت البسملة لغير أبي ذر وقد أخرج النسائي من حديث بن عباس أنها آخر سورة نزلت من القرآن وقد تقدم في تفسير براءة أنها آخر سورة نزلت والجمع بينهما أن آخرية سورة النصر نزولها كاملة بخلاف براءة كما تقدم توجيهه ويقال إن إذا جاء نصر الله نزلت يوم النحر وهو بمنى في حجة الوداع وقيل عاش بعدها أحدا وثمانين يوما وليس منافيا للذي قبله بناء على بعض الأقوال في وقت الوفاة النبوية وعند بن أبي حاتم من حديث بن عباس عاش بعدها تسع ليال وعن مقاتل سبعا وعن بعضهم ثلاثا وقيل ثلاث ساعات وهو باطل وأخرج بن أبي داود في كتاب المصاحف بإسناد صحيح عن بن عباس أنه كان يقرأ إذا جاء فتح الله والنصر ثم ذكر المصنف حديث عائشة في مواظبته صلى الله عليه و سلم على التسبيح والتحميد والاستغفار وغيره في ركوعه وسجوده أورده من طريقين وفي الأولى التصريح بالمواظبة على ذلك بعد نزول السورة وفي الثانية يتأول القرآن وقد تقدم شرحه في صفة الصلاة ومعنى قوله يتأول القرآن يجعل ما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوال وقد أخرجه بن مردويه من طريق أخرى عن مسروق عن عائشة فزاد فيه علامة في أمتي أمرني ربي إذا رأيتها أكثر من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه فقد رأيت جاء نصر الله والفتح فتح مكة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا وقال بن القيم في الهدى كأنه أخذه من قوله تعالى واستغفره لأنه كان يجعل الاستغفار في خواتم الأمور فيقول إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثا وإذا خرج من الخلاء قال غفرانك وورد الأمر بالاستغفار عند انقضاء المناسك ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله الآية قلت ويؤخذ أيضا من قوله تعالى أنه كان توابا فقد كان يقول عند انقضاء الوضوء اللهم اجعلني من التوابين قوله ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا
( قوله باب قوله ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا )
ذكر فيه حديث بن عباس أن عمر سألهم عن قوله إذا جاء نصر الله والفتح وسأذكر شرحه في الباب الذي يليه

(8/734)


( قوله باب قوله فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا )
تواب على العباد والتواب من الناس التائب من الذنب هو كلام الفراء في موضعين
4686 - قوله كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر أي من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار وكانت عادة عمر إذا جلس للناس أن يدخلوا عليه على قدر منازلهم في السابقة وكان ربما أدخل مع أهل المدينة من ليس منهم إذا كان فيه مزية تجبر ما فاته من ذلك قوله فكأن بعضهم وجد أي غضب ولفظ وجد الماضي يستعمل بالاشتراك بمعنى الغضب والحب والغنى واللقاء سواء كان الذي يلقى ضالة أو مطلوبا أو إنسانا أو غير ذلك قوله لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ولابن سعد من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير كان أناس من المهاجرين وجدوا على عمر في إدنائه بن عباس وفي تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة من طريق عاصم بن كليب عن أبيه نحوه وزاد وكان عمر أمره أن لا يتكلم حتى يتكلموا فسألهم عن شيء فلم يجيبوا وأجابه بن عباس فقال عمر أعجزتم أن تكونوا مثل هذا الغلام ثم قال إني كنت نهيتك أن تتكلم فتكلم الآن معهم وهذا القائل الذي عبر عنه هنا بقوله بعضهم هو عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد العشرة كما وقع مصرحا به عند المصنف في علامات النبوة من طريق شعبة عن أبي بشر بهذا الإسناد كان عمر يدني بن عباس فقال له عبد الرحمن بن عوف إن لنا أبناء مثله وأراد بقوله مثله أي في مثل سنة لا في مثل فضله وقرابته من النبي صلى الله عليه و سلم ولكن لا أعرف لعبد الرحمن بن عوف ولدا في مثل سن بن عباس فإن أكبر أولاده محمد وبه كان يكنى لكنه مات صغيرا وأدرك عمر من أولاده إبراهيم بن عبد الرحمن ويقال أنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه و سلم لكنه أن كان كذلك لم يدرك من الحياة النبوية إلا سنة أو سنتين لأن أباه تزوج أمه بعد فتح مكة فهو أصغر من بن عباس بأكثر من عشر سنين فلعله أراد بالمثلية غير السن أو أراد بقوله لنا من كان له ولد في مثل سن بن عباس من البدريين إذ ذاك غير المتكلم قوله فقال عمر إنه من حيث علمتم في غزوة الفتح من هذا الوجه بلفظ إنه ممن علمتم وفي رواية شعبة أنه من حيث نعلم وأشار بذلك إلى قرابته من النبي صلى الله عليه و سلم أو إلى معرفته وفطنته وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال قال المهاجرون لعمر ألا تدعو أبناءنا كما تدعو بن عباس قال ذاكم فتى الكهول إن له لسانا سئولا وقلبا عقولا وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق من طريق الشعبي والزبير بن بكار من طريق عطاء بن يسار قالا قال العباس لابنه إن هذا الرجل يعني عمر يدنيك فلا تفشين له سرا ولا تغتابن عنده أحدا ولا يسمع منك كذبا وفي رواية عطاء بدل الثالثة ولا تبتدئه بشيء حتى يسألك عنه قوله فدعا ذات يوم فأدخله معهم في رواية للكشميهني فدعاه وفي

(8/735)


غزوة الفتح فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم قوله فما رئيت بضم الراء وكسر الهمزة وفي غزوة الفتح من رواية المستملي فما أريته بتقديم الهمزة والمعنى واحد قوله إلا ليريهم زاد في غزوة الفتح مني أي مثل ما رآه هو مني من العلم وفي رواية بن سعد فقال أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون به فضله قوله ما تقولون في قول الله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح في غزوة الفتح حتى ختم السورة قوله إذا جاء نصرنا وفتح علينا في رواية الباب الذي قبله قالوا فتح المدائن والقصور قوله وسكت بعضهم فلم يقل شيئا في غزوة الفتح وقال بعضهم لا ندري أو لم يقل بعضهم شيئا قوله فقال لي أكذاك تقول يا بن عباس فقلت لا قال فما تقول في رواية بن سعد فقال عمر يا بن عباس ألا تتكلم فقال أعلمه متى يموت قال إذا جاء قوله إذا جاء نصر الله والفتح زاد في غزوة الفتح فتح مكة قوله وذلك علامة أجلك في رواية بن سعد فهو آيتك في الموت وفي الباب الذي قبله أجل أو مثل ضرب لمحمد نعيت إليه نفسه ووهم عطاء بن السائب فروى هذا الحديث عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قال النبي صلى الله عليه و سلم نعيت إلى نفسي أخرجه بن مردويه من طريقه والصواب رواية حبيب بن أبي ثابت التي في الباب الذي قبله بلفظ نعيت إليه نفسه وللطبراني من طريق عكرمة عن بن عباس قال لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح نعيت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم نفسه فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة ولأحمد من طريق أبي رزين عن بن عباس قال لما نزلت علم أن نعيت إليه نفسه ولأبي يعلى من حديث بن عمر نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع فعرف رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه الوداع وسئلت عن قول الكشاف أن سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام التشريق فكيف صدرت بإذا الدالة على الاستقبال فأجبت بضعف ما نقله وعلى تقدير صحته فالشرط لم يتكمل بالفتح لأن مجيء الناس أفواجا لم يكن كمل فبقية الشرط مستقبل وقد أورد الطيبي السؤال وأجاب بجوابين أحدهما أن إذا قد ترد بمعنى إذ كما في قوله تعالى وإذا رأوا تجارة الآية ثانيهما أن كلام الله قديم وفي كل من الجوابين نظر لا يخفى قوله إلا ما تقول في غزوة الفتح إلا ما تعلم زاد أحمد وسعيد بن منصور في روايتهما عن هشيم عن أبي بشر في هذا الحديث في آخره فقال عمر كيف تلومونني على حب ما ترون ووقع في رواية بن سعد أنه سألهم حينئذ عن ليلة القدر وذكر جواب بن عباس واستنباطه وتصويب عمر قوله وقد تقدمت لابن عباس مع عمر قصة أخرى في أواخر سورة البقرة لكن أجابوا فيها بقولهم الله أعلم فقال عمر قولوا نعلم أولا نعلم فقال بن عباس في نفسي منها شيء الحديث وفيه فضيلة ظاهرة لابن عباس وتأثير لاجابة دعوة النبي صلى الله عليه و سلم أن يعلمه الله التأويل ويفقهه في الدين كما تقدم في كتاب العلم وفيه جواز تحديث المرء عن نفسه بمثل هذا لأظهار نعمة الله عليه وإعلام من لا يعرف قدره لينزله منزلته وغير ذلك من المقاصد الصالحة لا للمفاخرة والمباهاة وفيه جواز تأويل القرآن بما يفهم من الإشارات وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمه في العلم ولهذا قال علي رضي الله تعالى عنه أو فهما يؤتيه الله رجلا في القرآن

(8/736)


قوله سورة تبت يدا أبي لهب بسم الله الرحمن الرحيم سقطت البسملة لغير أبي ذر وأبو لهب هو بن عبد المطلب واسمه عبد العزي وأمه خزاعية وكنى أبا لهب إما بابنه لهب وإما بشدة حمرة وجنته وقد أخرج الفاكهي من طريق عبد الله بن كثير قال إنما سمي أبا لهب لأن وجهه كان يتلهب من حسنة انتهى ووافق ذلك ما آل إليه أمره من أنه سيصلي نارا ذات لهب ولهذا ذكر في القرآن بكنيته دون اسمه ولكونه بها أشهر ولأن في اسمه إضافة إلى الصنم ولا حجة فيه لمن قال بجواز تكنية المشرك على الإطلاق بل محل الجواز إذا لم يقتض ذلك التعظيم له أودعت الحاجة إليه قال الواقدي كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه و سلم وكان السبب في ذلك أن أبا طالب لاحي أبا لهب فقعد أبو لهب على صدر أبي طالب فجاء النبي صلى الله عليه و سلم فأخذ بضبعي أبي لهب فضرب به الأرض فقال له أبو لهب كلانا عمك فلم فعلت بي هذا والله لا يحبك قلبي أبدا وذلك قبل النبوة وقال له إخوته لما مات أبو طالب لو عضدت بن أخيك لكنت أولي الناس بذلك ولقيه فسأله عمن مضى من آبائه فقال إنهم كانوا على غير دين فغضب وتمادى على عداوته ومات أبو لهب بعد وقعة بدر ولم يحضرها بل أرسل عنه بديلا فلما بلغه ما جرى لقريش مات غما قوله وتب خسر تباب خسران وقع في رواية بن مردويه في حديث الباب من وجه آخر عن الأعمش في آخر الحديث قال فأنزل الله تبت يدا أبي لهب قال يقول خسر وتب أي خسر وما كسب يعني ولده وقال أبو عبيدة في قوله وما كيد فرعون إلا في تباب قال في هلكة قوله تتبيب تدمير قال أبو عبيدة في قوله وما زادوهم غير تتبيب أي تدمير وإهلاك
4687 - قوله عن بن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين كذا وقع في رواية أبي أسامة عن الأعمش وقد تقدم البحث فيه في تفسير سورة الشعراء مع بقية مباحث هذا الحديث وفوائده

(8/737)


( قوله باب قوله وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب )
ذكر فيه الحديث الذي قبله من وجه آخر وقوله فيه فهتف أي صاح وقوله يا صباحاه أي هجموا عليكم صباحا
( قوله باب قوله سيصلى نارا ذات لهب )
ذكر فيه حديث بن عباس المذكور مختصرا مقتصرا على قوله قال أبو لهب تبا لك ألهذا جمعتنا فنزلت تبت يدا أبي لهب وقد قدمت أن عادة المصنف غالبا إذا كان للحديث طرق أن لا يجمعها في باب واحد بل يجعل لكل طريق ترجمة تليق به وقد يترجم بما يشتمل عليه الحديث وإن لم يسقه في ذلك الباب اكتفاء بالإشارة وهذا من ذلك
( قوله باب وامرأته حمالة الحطب )
قال أبو عبيدة كان عيسى بن عمر يقرأ حمالة الحطب بالنصب ويقول هو ذم لها قلت وقراها بالنصب أيضا من الكوفيين عاصم واسم امرأة أبي لهب العوراء وتكنى أم جميل وهي بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان والد معاوية وتقدم لها ذكر في تفسير والضحى يقال إن اسمها أروى والعوراء لقب ويقال لم تكن عوراء وإنما قيل لها ذلك لجمالها وروى البزار بإسناد حسن عن بن عباس قال لما نزلت تبت يدا أبي لهب جاءت امرأة أبي لهب فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه و سلم لو تنحيت قال إنه سيحال بيني وبينها فأقبلت فقالت يا أبا بكر هجاني صاحبك قال لا ورب هذه البنية ما ينطق بالشعر ولا يفوه به قالت إنك لمصدق فلما ولت قال أبو بكر ما رأتك قال ما زال ملك يسترني حتى ولت وأخرجه الحميدي وأبو يعلى وبن أبي حاتم من حديث أسماء بنت أبي بكر بنحوه وللحاكم من حديث زيد بن أرقم لما نزلت تبت يدا أبي لهب قيل لامرأة أبي لهب إن محمدا هجاك فأتت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت هل رأيتني أحمل حطبا أو رأيت في جيدي حبلا قوله وقال مجاهد حمالة الحطب تمشي بالنميمة وصله الفريابي عنه وأخرج سعيد بن منصور من طريق محمد بن سيرين قال كانت امرأة أبي لهب تنم على النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه إلى المشركين وقال الفراء كانت تنم فتحرش فتوقد بينهم العداوة فكنى عن ذلك بحملها الحطب قوله في جيدها حبل من مسد يقال من مسد ليف المقل وهي السلسلة التي في النار قلت هما قولان حكاهما الفراء في قوله تعالى حبل من مسد قال هي السلسلة التي في النار ويقال المسد ليف المقل وأخرج الفريابي من طريق مجاهد قال في قوله حبل من مسد قال من حديد قال أبو عبيدة في عنقها حبل من النار والمسد عند العرب حبال من ضروب

(8/738)


قوله سورة قل هو الله أحد بسم الله الرحمن الرحيم ويقال لها أيضا سورة الإخلاص وجاء في سبب نزولها من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم انسب لنا ربك فنزلت أخرجه الترمذي والطبري وفي آخره قال لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت ولا شيء يموت إلا يورث وربنا لا يموت ولا يورث ولم يكن له كفوا أحد شبة ولا عدل وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن أبي العالية مرسلا وقال هذا أصح وصحح الموصول بن خزيمة والحاكم وله شاهد من حديث جابر عند أبي يعلى والطبري والطبراني في الأوسط قوله يقال لا ينون أحد أي واحد كذا اختصره والذي قاله أبو عبيدة الله أحد لا ينون كفوا أحد أي واحد انتهى وهمزة أحد بدل من واو لأنه من الوحدة وهذا بخلاف أحد المراد به العموم فإن همزته أصلية وقال الفراء الذي قرأ بغير تنوين يقول النون نون إعراب إذا استقبلتها الألف واللام حذفت وليس ذلك بلازم انتهى وقرأها بغير تنوين أيضا نصر بن عاصم ويحيى بن أبي إسحاق ورويت عن أبي عمرو أيضا وهو كقول الشاعر عمرو العلي هشيم الثريد لقومه الأبيات وقول الآخر ولا ذاكر الله إلا قليلا وهذا معنى قول الفراء إذا استقبلتها أي إذا أتت بعدها وأغرب الداودي فقال إنما حذف التنوين لالتقاء الساكنين وهي لغة كذا قال
4690 - قوله حدثنا أبو الزناد لشعيب بن أبي حمزة فيه إسناد آخر أخرجه المصنف من حديث بن عباس كما تقدم في تفسير سورة البقرة قوله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال قال الله تعالى تقدم في بدء الخلق من رواية سفيان الثوري عن أبي الزناد بلفظ قال النبي صلى الله عليه و سلم أراه يقول الله عز و جل والشك فيه من المصنف فيما أحسب قوله قال الله تعالى كذبني بن آدم سأذكر شرحه في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى

(8/739)


( قوله باب قوله الله الصمد )
ثبتت هذه الترجمة لأبي ذر قوله والعرب تسمي أشرافها الصمد وقال أبو عبيدة الصمد السيد الذي يصمد إليه ليس فوقه أحد فعلى هذا هو فعل بفتحتين بمعنى مفعول ومن ذلك قول الشاعر ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد قوله قال أبو وائل هو السيد الذي انتهى سؤدده ثبت هذا للنسفي هنا وقد وصله الفريابي من طريق الأعمش عنه وجاء أيضا من طريق عاصم عن أبي وائل فوصله بذكر بن مسعود فيه
4691 - قوله حدثنا إسحاق بن منصور كذا للجميع قال المزي في الأطراف في بعض النسخ حدثنا إسحاق بن نصر قلت وهي رواية النسفي وهما مشهوران من شيوخ البخاري ممن حدثه عن عبد الرزاق قوله كذبني بن آدم ولم يكن له ذلك في رواية أحمد عن عبد الرزاق كذبني عبدي قوله وشتمني ولم يكن له ذلك ثبت هنا في رواية الكشميهني وكذا هو عند أحمد وسقط بقية الرواة عن الفربري وكذا النسفي والمراد به بعض بني آدم وهم من أنكر البعث من العرب وغيرهم من عباد الأوثان والدهرية ومن ادعى أن لله ولدا من العرب أيضا ومن اليهود والنصارى قوله أما تكذيبه إياي أن يقول إني لن أعيده كما بدأته كذا لهم بحذف الفاء في جواب أما وقد وقع في رواية الأعرج في الباب الذي قبله فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني وفي رواية أحمد أن يقول فليعيدنا كما بدأنا وهي من شواهد ورود صيغة أفعل بمعنى التكذيب ومثله قوله قل فأتوا بالتوراة فأتلوها وقع في رواية الأعرج في الباب قبله وليس بأول الخلق بأهون من إعادته وقد تقدم الكلام على لفظ أهون في بدء الخلق وقول من قال أنها بمعنى هين وغير ذلك من الأوجه قوله وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد في رواية الأعرج وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد قوله ولم يكن لي كفوا أحد كذا للأكثر وهو وزان ما قبله ووقع للكشميهني ولم يكن له وهو التفات وكذا في رواية الأعرج ولم يكن لي بعد قوله لم يلد وهو التفات أيضا ولما كان الرب سبحانه واجب الوجود لذاته قديما موجودا قبل وجود الأشياء وكان كل مولود محدثا انتفت عنه الوالدية ولما كان لا يشبهه أحد من خلقه ولا يجانسه حتى يكون له من جنسه صاحبة فتتوالد انتفت عنه الولدية ومن هذا قوله تعالى أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وقد تقدم في تفسير البقرة حديث بن عباس بمعنى حديث أبي هريرة هذا لكن قال في آخره فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا بدل قوله وأنا الأحد الصمد الخ وهو محمول على أن كلا من الصحابيين حفظ في آخره ما لم يحفظ الآخر ويؤخذ منه أن من نسب غيره إلى أمر لا يليق به يطلق عليه أنه شتمه وسبق في كتاب بدء الخلق تقرير ذلك قوله كفوا وكفيئا وكفاء واحد أي بمعنى واحد وهو قول أبي عبيدة والأول بضمتين والثاني بفتح الكاف وكسر الفاء بعدها تحتانية ثم الهمزة والثالث بكسر الكاف ثم المد وقال الفراء كفوا يثقل ويخفف أي يضم ويسكن قلت وبالضم قرأ الجمهور وفتح حفص الواو بغير همز وبالسكون قرأ حمزة وبهمز في الوصل ويبدلها واوا في الوقف ومراد أبي عبيدة أنها لغات لا قراءات نعم روى في الشواذ عن سليمان بن علي العباسي أنه قرأ بكسر ثم مد وروى عن نافع مثله لكن بغير مد ومعنى الآية أنه لم يماثله أحد ولم يشاكله أو المراد نفي الكفاءة في النكاح نفيا للمصاحبة والأول أولى فان سياق الكلام لنفى المكافأة عن ذاته تعالى

(8/740)


( قوله سورة قل أعوذ برب الفلق بسم الله الرحمن الرحيم )
سقطت البسملة لغير أبي ذر وتسمى أيضا سورة الفلق قوله وقال مجاهد الفلق الصبح وصله الفريابي من طريقه وكذا قال أبو عبيدة قوله وغاسق الليل إذا وقب غروب الشمس وصله الطبري من طريق مجاهد بلفظ غاسق إذا وقب الليل إذا دخل قوله يقال أبين من فرق وفلق الصبح هو قول الفراء ولفظه قل أعوذ برب الفلق الفلق الصبح وهو أبين من فلق الصبح وفرق الصبح قوله وقب إذا دخل في كل شيء وأظلم هو كلام الفراء أيضا وجاء في حديث مرفوع أن الغاسق القمر أخرجه الترمذي والحاكم من طريق أبي سلمة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم نظر إلى القمر فقال يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا قال هذا الغاسق إذا وقب إسناده حسن
4692 - قوله حدثنا سفيان هو بن عيينة قوله عاصم هو بن بهدلة القارئ وهو بن أبي النجود قوله وعبدة هو بن أبي لبابة بموحدتين الثانية خفيفة وضم أوله قوله سألت أبي بن كعب سيأتي في تفسير السورة التي بعدها بأتم من هذا السياق ويشرح ثم إن شاء الله تعالى قوله سورة قل أعوذ برب الناس وتسمى سورة الناس قوله وقال بن عباس الوسواس إذا ولد خنسه الشيطان فإذا ذكر الله عز و جل ذهب وإذا لم يذكر الله ثبت على قلبه كذا لأبي ذر ولغيره ويذكر عن بن عباس وكأنه أولى لأن إسناده إلى بن عباس ضعيف أخرجه الطبري والحاكم وفي إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف ولفظه ما من مولود إلا على قلبه الوسواس فإذا عمل فذكر الله خنس وإذا غفل وسوس ورويناه في الذكر لجعفر بن أحمد بن فارس من وجه آخر عن بن عباس وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال ولفظه يحط الشيطان فاه على قلب بن آدم فإذا سها وغفل وسوس وإذا ذكر الله خنس وأخرجه سعيد بن منصور من

(8/741)


وجه آخر عن بن عباس ولفظه يولد الإنسان والشيطان جاثم على قلبه فإذا عقل وذكر اسم الله خنس وإذا غفل وسوس وجاثم بجيم ومثلثة وعقل الأولى بمهملة وقاف والثانية بمعجمة وفاء ولأبي يعلى من حديث أنس نحوه مرفوعا وإسناده ضعيف ولسعيد بن منصور من طريق عروة بن رويم قال سأل عيسى عليه السلام ربه أن يريه موضع الشيطان من بن آدم فأراه فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا ترك مناه وحدثه قال بن التين ينظر في قوله خنسه الشيطان فإن المعروف في اللغة خنس إذا رجع وانقبض وقال عياض كذا في جميع الروايات وهو تصحيف وتغيير ولعله كان فيه نخسه أي بنون ثم خاء معجمة ثم سين مهملة مفتوحات لما جاء في حديث أبي هريرة يعني الماضي في ترجمة عيسى عليه السلام قال لكن اللفظ المروي عن بن عباس ليس فيه نخس فلعل البخاري أشار إلى الحديثين معا كذا قال وادعى فيه التصحيف ثم فرع على ما ظنه من أنه نخس والتفريع ليس بصحيح لأنه لو أشار إلى حديث أبي هريرة لم يخص الحديث بابن عباس ولعل الرواية التي وقعت له باللفظ المذكور وتوجيهه ظاهر ومعنى يخنسه يقبضه أي يقبض عليه وهو بمعنى قوله في الروايتين اللتين ذكرناهما عن بن فارس وسعيد بن منصور وقد أخرجه بن مردويه من وجه آخر عن بن عباس قال الوسواس هو الشيطان يولد المولود والوسواس على قلبه فهو يصرفه حيث شاء فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل جثم على قلبه فوسوس وقال الصغاني الأولى خنسه مكان يخنسه قال فإن سلمت اللفظة من التصحيف فالمعنى أخره وازاله عن مكانه لشدة نخسه وطعنه بأصبعه
4693 - قوله حدثنا عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش وحدثنا عاصم عن زر القائل وحدثنا عاصم هو سفيان وكأنه كان يجمعهما تارة ويفردهما أخرى وقد قدمت أن في رواية الحميدي التصريح بسماع عبدة وعاصم له من زر قوله سألت أبي بن كعب قلت أبا المنذر هي كنية أبي بن كعب وله كنية أخرى أبو الطفيل قوله يقول كذا وكذا هكذا وقع هذا اللفظ مبهما وكان بعض الرواة أبهمه استعظاما له وأظن ذلك من سفيان فإن الإسماعيلي أخرجه من طريق عبد الجبار بن العلاء عن سفيان كذلك على الإبهام وكنت أظن أولا أن الذي أبهمه البخاري لأنني رأيت التصريح به في رواية أحمد عن سفيان ولفظه قلت لأبي إن أخاك يحكها من المصحف وكذا أخرجه الحميدي عن سفيان ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج وكأن سفيان كان تارة يصرح بذلك وتارة يبهمه وقد أخرجه أحمد أيضا وبن حبان من رواية حماد بن سلمة عن عاصم بلفظ أن عبد الله بن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه وأخرج أحمد عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بلفظ أن عبد الله يقول في المعوذتين وهذا أيضا فيه إبهام وقد أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبراني وبن مردويه من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال كان عبد الله بن مسعود يحك المعوذتين من مصاحفه ويقول إنهما ليستا من كتاب الله قال الأعمش وقد حدثنا عاصم عن زر عن أبي بن كعب فذكر نحو حديث قتيبة الذي في الباب الماضي وقد أخرجه البزار وفي آخره يقول إنما أمر النبي صلى الله عليه و سلم أن يتعوذ بهما قال البزار ولم يتابع بن مسعود على ذلك أحد من الصحابة وقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قراهما في الصلاة قلت هو في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر وزاد فيه بن حبان من وجه آخر عن عقبة بن عامر فإن استطعت أن لا تفوتك قراءتهما في صلاة فافعل وأخرج أحمد من طريق أبي العلاء بن الشخير عن رجل من الصحابة أن النبي صلى الله عليه و سلم أقرأه المعوذتين وقال له إذا أنت صليت فأقرأ بهما وإسناده

(8/742)


صحيح ولسعيد بن منصور من حديث معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى الصبح فقرأ فيهما بالمعوذتين وقد تأول القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الانتصار وتبعه عياض وغيره ما حكى عن بن مسعود فقال لم ينكر بن مسعود كونهما من القرآن وإنما أنكر اثباتهما في المصحف فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئا الا إن كان النبي صلى الله عليه و سلم أذن في كتابته فيه وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك قال فهذا تأويل منه وليس جحدا لكونهما قرآنا وهو تأويل حسن إلا أن الرواية الصحيحة الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك حيث جاء فيها ويقول أنهما ليستا من كتاب الله نعم يمكن حمل لفظ كتاب الله على المصحف فيتمشى التأويل المذكور وقال غير القاضي لم يكن اختلاف بن مسعود مع غيره في قرآنيتهما وإنما كان في صفة من صفاتهما انتهى وغاية ما في هذا أنه أبهم ما بينه القاضي ومن تأمل سياق الطرق التي أوردتها للحديث استبعد هذا الجمع وأما قول النووي في شرح المهذب أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد منهما شيئا كفر وما نقل عن بن مسعود باطل ليس بصحيح ففيه نظر وقد سبقه لنحو ذلك أبو محمد بن حزم فقال في أوائل المحلي ما نقل عن بن مسعود من إنكار قرآنيه المعوذتين فهو كذب باطل وكذا قال الفخر الرازي في أوائل تفسيره الأغلب على الظن أن هذا النقل عن بن مسعود كذب باطل والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل والإجماع الذي نقله إن أراد شموله لكل عصر فهو مخدوش وإن أراد استقراره فهو مقبول وقد قال بن الصباغ في الكلام على مانعي الزكاة وإنما قاتلهم أبو بكر على منع الزكاة ولم يقل إنهم كفروا بذلك وإنما لم يكفروا لأن الإجماع لم يكن استقر قال ونحن الآن نكفر من جحدها قال وكذلك ما نقل عن بن مسعود في المعوذتين يعني أنه لم يثبت عنده القطع بذلك ثم حصل الاتفاق بعد ذلك وقد استشكل هذا الموضع الفخر الرازي فقال إن قلنا إن كونهما من القرآن كان متواترا في عصر بن مسعود لزم تكفير من أنكرهما وأن قلنا إن كونهما من القرآن كان لم يتواتر في عصر بن مسعود لزم أن بعض القرآن لم يتواتر قال وهذه عقدة صعبة وأجيب باحتمال أنه كان متواترا في عصر بن مسعود لكن لم يتواتر عند بن مسعود فانحلت العقدة بعون الله تعالى قوله سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال قيل لي قل فقلت قال فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم القائل فنحن نقول الخ هو أبي بن كعب ووقع عند الطبراني في الأوسط أن بن مسعود أيضا قال مثل ذلك لكن المشهور أنه من قول أبي بن كعب فلعله انقلب على راوية وليس في جواب أبي تصريح بالمراد إلا أن في الإجماع على كونهما من القرآن غنية عن تكلف الأسانيد بأخبار الآحاد والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب خاتمة اشتمل كتاب التفسير على خمسمائة حديث وثمانية وأربعين حديثا من الأحاديث المرفوعة وما في حكمها الموصول من ذلك أربعمائة حديث وخمسة وستون حديثا والبقية معلقة وما في معناه المكرر من ذلك فيه وفيما مضى أربعمائة وثمانية وأربعون حديثا والخالص منها مائة حديث وحديث وافقه مسلم على تخريج بعضها ولم يخرج أكثرها لكونها ليست ظاهرة في الرفع والكثير منها من تفاسير بن عباس رضي الله تعالى عنهما وهي ستة وستون حديثا حديث أبي سعيد بن المعلي في الفاتحة وحديث عمر أبي أقرؤنا وحديث بن عباس كذبني بن آدم وحديث أبي هريرة لا تصدقوا أهل الكتاب وحديث أنس لم يبق ممن صلى القبلتين غيري وحديث بن عباس كان في بني إسرائيل القصاص وحديثه في تفسير وعلى الذين يطيقونه وحديث بن

(8/743)


عمر في ذلك وحديث البراء لما نزل رمضان كانوا لا يقربون النساء وحديث حذيفة في تفسير ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وحديث بن عمر في نساؤكم حرث لكم وحديث معقل بن يسار في نزول ولا تعضلوهن وحديث عثمان في نزول والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وحديث بن عباس في تفسيرها وحديث بن مسعود في المتوفى عنها زوجها وحديث بن عباس عن عمر في أيود أحدكم وحديث بن عمر في وان تبدوا ما في أنفسكم وحديث بن عباس في حسبنا الله وحديث كان النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه يعفون عن المشركين الحديث ووقع في آخر حديث أسامة بن زيد في قصة عبد الله بن أبي وحديث بن عباس كان المال للولد وحديثه كان إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته وحديثه في ولكل جعلنا موالي وحديثه كنت أنا وأمي من المستضعفين وحديثه في نزول ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم وحديثه في نزول ان كان بكم أذى من مطر وحديث بن مسعود في يونس بن متى وحديث حذيفة في النفاق وحديث عائشة في لغو اليمين وحديثها عن أبيها في كفارة اليمين وحديث جابر في نزول قل هو القادر وحديث بن عمر في الأشربة وحديث بن عباس في نزول لا تسألوا عن أشياء وحديث الحر بن قيس مع عمر في قوله خذ العفو وحديث بن الزبير في تفسيرها وحديث بن عباس في تفسير الصم البكم وحديثه في تفسير إن يكن منكم عشرون صابرون وحديث حذيفة ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة وحديث بن عباس في قصته مع بن الزبير وفيه ذكر أبي بكر في الغار وحديثه في تفسير يثنون صدورهم وحديث بن مسعود في هيت لك وبل عجبت وحديث أبي هريرة في صفة مسترقي السمع وحديث بن عباس في تفسير عضين وحديث بن مسعود في الكهف ومريم من تلادي وحديثه كنا نقول للحي إذا كثروا وحديث بن عباس في تفسير وما جعلنا الرؤيا وحديث سعد بن أبي وقاص في الأخسرين أعمالا وحديث بن عباس في تفسير ومن الناس من يعبد الله على حرف وحديث عائشة في نزول وليضربن بخمرهن وحديث بن عباس في لرادك إلى معاد وحديث أبي سعيد في الصلاة على النبي وحديث بن عباس في جواب إني أجد في القرآن أشياء تختلف على وحديث عائشة في تفسير والذي قال لوالديه أف لكما وحديث عبد الله بن مغفل في البول في المغتسل وحديث بن عباس في تفسير أدبار السجود وحديثه في تفسير اللات وحديث عائشة في نزول بل الساعة موعدهم وحديث بن عباس في تفسير ولا يعصينك في معروف وحديث أنس عن زيد بن أرقم في فضل الأنصار وحديث بن عباس في تفسير عتل بعد ذلك زنيم وحديثه في ذكر الأوثان التي كانت في قوم نوح وحديثه في تفسير ترمى بشرر كالقصر وحديثه في تفسير لتركبن طبقا عن طبق وحديثه في تفسير فليدع نادية وحديث عائشة في تفسير ذكر الكوثر وحديث بن عباس في تفسيره بالخير الكثير وحديث أبي بن كعب في المعوذتين وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم خمسمائة وثمانون أثرا تقدم بعضها في بدء الخلق وغيره وهي قليلة وقد بينت كل واحد منها في موضعها ولله الحمد

(8/744)


كتاب فضائل القرآن ثبتت

(9/0)


البسملة وكتاب لأبي ذر ووقع لغبره فضائل القرآن حسب قوله كيف نزل الوحي وأول ما نزل كذا لأبي ذر نزل بلفظ الفعل الماضي ولغيره كيف نزول الوحي بصيغة الجمع وقد تقدم البحث في كيفية نزوله في حديث عائشة أن الحارث بن هشام سأل النبي صلى الله عليه و سلم كيف يأتيك الوحي في أول الصحيح وكذا أول نزوله في حديثها أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة لكن التعبير بأول ما نزل أخص من التعبير بأول ما بدئ لأن النزول يقتضي وجود من ينزل به سواء وقع ذلك في النوم أو في اليقظة وأما انتزاع ذلك من أحاديث الباب فسأذكره إن شاء الله تعالى عند شرح كل حديث منها قوله قال بن عباس المهيمن الأمين القرآن أمين على كل كتاب قبله تقدم بيان هذا الأثر وذكر من وصله في تفسير سورة المائدة وهو يتعلق بأصل الترجمة وهي فضائل القرآن وتوجيه كلام بن عباس أن القرآن تضمن تصديق جميع ما أنزل قبله لأن الأحكام التي فيه إما مقررة لما سبق وإما ناسخة وذلك يستدعي إثبات المنسوخ وإما مجددة وكل ذلك دال على تفضيل المجدد ثم ذكر المصنف في الباب ستة أحاديث الأول والثاني حديثا بن عباس وعائشة معا
4694 - قوله عن شيبان هو بن عبد الرحمن ويحيى هو بن أبي كثير وأبو سلمة هو بن عبد الرحمن قوله لبث النبي صلى الله عليه و سلم بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين كذا الكشميهني ولغيره وبالمدينة عشرا بإبهام المعدود وهذا ظاهره أنه صلى الله عليه و سلم عاش ستين سنة إذا انضم إلى المشهور أنه بعث على رأس الأربعين لكن يمكن أن يكون الراوي ألغى الكسر كما تقدم بيانه في الوفاة النبوية فإن كل من روى عنه أنه عاش ستين أو أكثر من ثلاث وستين جاء عنه أنه عاش ثلاثا وستين فالمعتمد أنه عاش ثلاثا وستين وما يخالف ذلك إما أن يحمل على إلغاء الكسر في السنين وإما على جبر الكسر في الشهور وأما حديث الباب فيمكن أن يجمع بينه وبين المشهور بوجه آخر وهو أنه بعث على رأس الأربعين فكانت مدة وحي المنام ستة أشهر إلى أن نزل عليه الملك في شهر رمضان من غير فترة ثم فتر الوحي ثم تواتر وتتابع فكانت مدة تواتره وتتابعه بمكة عشر سنين من غير فترة أو أنه على رأس الأربعين قرنبه ميكائيل أو اسرافيل فكان يلقى إليه الكلمة أو الشيء مدة ثلاث سنين كما جاء من وجه مرسل ثم قرن به جبريل فكان ينزل عليه بالقرآن مدة عشر سنين بمكة ويؤخذ من هذا الحديث مما يتعلق بالترجمة أنه نزل مفرقا ولم ينزل جملة واحدة ولعله أشار إلى ما أخرجه النسائي وأبو عبيد والحاكم من وجه آخر عن بن عباس قال أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة وقرأ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث الآية وفي رواية للحاكم والبيهقي في الدلائل فرق في السنين وفي أخرى صحيحة لابن أبي شيبة والحاكم أيضا وضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه و سلم وإسناده صحيح ووقع في المنهاج للحليمي أن جبريل كان ينزل منه من اللوح المحفوظ في ليلة القدر إلى السماء الدنيا قدر ما ينزل به على النبي صلى الله عليه و سلم في تلك السنة إلى ليلة القدر التي تليها إلى أن أنزله كله في عشرين ليلة من عشرين سنة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وهذا أورده بن الأنباري من طريق ضعيفة ومنقطعة أيضا وما تقدم من أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم أنزل بعد ذلك مفرقا هو الصحيح المعتمد وحكى الماوردي في تفسير ليلة القدر

(9/4)


أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة وأن جبريل نجمه على النبي صلى الله عليه و سلم في عشرين سنة وهذا أيضا غريب والمعتمد أن جبريل كان يعارض النبي صلى الله عليه و سلم في رمضان بما ينزل به عليه في طول السنة كذا جزم به الشعبي فيما أخرجه عنه أبو عبيد وبن أبي شيبة بإسناد صحيح وسيأتي مزيد لذلك بعد ثلاثة أبواب وقد تقدم في بدء الوحي أن أول نزول جبريل بالقرآن كان في شهر رمضان وسيأتي في هذا الكتاب أن جبريل كان يعارض النبي صلى الله عليه و سلم بالقرآن في شهر رمضان وفي ذلك حكمتان إحداهما تعاهده والأخرى تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ فكان رمضان ظرفا لإنزاله جملة وتفصيلا وعرضا وأحكاما وقد أخرج أحمد والبيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أنزلت التوراة لست مضين من رمضان والأنجيل لثلاث عشرة خلت منه والزبور لثمان عشرة خلت منه والقرآن لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان وهذا كله مطابق لقوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ولقوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول اقرأ باسم ربك ويستفاد من حديث الباب أن القرآن نزل كله بمكة والمدينة خاصة وهو كذلك لكن نزل كثير منه في غير الحرمين حيث كان النبي صلى الله عليه و سلم في سفر حج أو عمرة أو غزاة ولكن الاصطلاح أن كل ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وما نزل بعد الهجرة فهو مدني سواء نزل في البلد حال الإقامة أو في غيرها حال السفر وسيأتي مزيد لذلك في باب تأليف القرآن الحديث الثالث
4695 - قوله أنبئت بضم أوله على البناء للمجهول وقد عينه في آخر الحديث ووقع عند مسلم في أوله زيادة حذفها البخاري عمدا لكونها موقوفة ولعدم تعلقها بالباب وهي عن أبي عثمان عن سلمان قال لا تكونن أن استطعت أول من يدخل السوق الحديث موقوف وقد أورده البرقاني في مستخرجه من طريق عاصم عن أبي عثمان عن سلمان مرفوعا قوله فقال لأم سلمة من هذا فاعل ذلك النبي صلى الله عليه و سلم استفهم أمسلمة عن الذي كان يحدثه هل فطنت لكونه ملكا أو لا قوله أو كما قال يريد أن الراوي شك في اللفظ مع بقاء المعنى في ذهنه وهذه الكلمة كثر استعمال المحدثين لها في مثل ذلك قال الداودي هذا السؤال إنما وقع بعد ذهاب جبريل وظاهر سياق الحديث يخالفه كذا قال ولم يظهر لي ما ادعاه من الظهور بل هو محتمل للأمرين قوله قالت هذا دحية أي بن خليفة الكلبي الصحابي المشهور وقد تقدم ذكره في حديث أبي سفيان الطويل في قصة هرقل أول الكتاب وكان موصوفا بالجمال وكان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه و سلم غالبا على صورته قوله فلما قام أي النبي صلى الله عليه و سلم أي قام ذاهبا إلى المسجد وهذا يدل على أنه لم ينكر عليها ما ظنته من أنه دحية اكتفاء بما سيقع منه في الخطبة مما يوضح لها المقصود قوله ما حسبته إلا إياه هذا كلام أم سلمة وعند مسلم فقالت أم سلمة أيمن الله ما حسبته إلا إياه وأيمن من حروف القسم وفيها لغات قد تقدم بيانها قوله حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه و سلم يخبر بخبر جبريل أو كما قال في رواية مسلم يخبرنا خبرنا وهو تصحيف نبه عليه عياض قال النووي وهو الموجود في نسخ بلادنا قلت ولم أر هذا الحديث في شيء من المسانيد إلا من هذا الطريق فهو من غرائب الصحيح ولم أقف في شيء من الروايات على بيان هذا الخبر في أي قصة ويحتمل أن يكون في قصة بني قريظة فقد وقع في دلائل البيهقي وفي

(9/5)


الغيلانيات من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها رأت النبي صلى الله صلى الله عليه و سلم يكلم رجلا وهو راكب فلما دخل قلت من هذا الذي كنت تكلمه قال بمن تشبهينه قلت بدحية بن خليفة قال ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة قوله قال أبي بفتح الهمزة وكسرالموحدة الخفيفة والقائل هو معتمر بن سليمان وقوله فقلت لأبي عثمان أي النهدي الذي حدثه بالحديث وقوله ممن سمعت هذا قال من أسامة بن زيد فيه الاستفسار عن اسم من أبهم من الرواة ولو كان الذي أبهم ثقة معتمدا وفائدته احتمال أن لا يكون عند السامع كذلك ففي بيانه رفع لهذا الاحتمال قال عياض وغيره وفي هذا الحديث أن للملك أن يتصور على صورة الآدمي وأن له هو في ذاته صورة لا يستطيع الآدمي أن يراه فيها لضعف القوى البشرية إلا من يشاء الله أن يقويه على ذلك ولهذا كان غالب ما يأتي جبريل إلى النبي صلى الله عليه و سلم في صورة الرجل كما تقدم في بدء الوحي وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا ولم ير جبريل على صورته التي خلق عليها إلا مرتين كما ثبت في الصحيحين ومن هنا يتبين وجه دخول حديث أسامة هذا في هذا الباب قالوا وفيه فضيلة لأم سلمة ولدحية وفيه نظر لأن أكثر الصحابة رأوا جبريل في صورة الرجل لما جاء فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان ولأن اتفاق الشبه لا يستلزم اثبات فضيلة معنويه وغايته أن يكون له مزية في حسن الصورة حسب وقد قال صلى الله عليه و سلم لابن قطن حين قال إن الدجال أشبه الناس به فقال أيضرني شبهه قال لا الحديث الرابع
4696 - قوله عن أبيه هو أبو سعيد المقبري كيسان وقد سمع سعيد المقبري الكثير من أبي هريرة وسمع من أبيه عن أبي هريرة ووقع الأمران في الصحيحين وهو دال على تثبت سعيد وتحريه قوله ما من الأنبياء نبي إلا أعطى هذا دال على أن النبي لا بد له من معجزة تقتضي إيمان من شاهدها بصدقه ولا يضره من أصر على المعاندة قوله من الآيات أي المعجزات الخوارق قوله ما مثله آمن عليه البشر ما موصولة وقعت مفعولا ثانيا لأعطى ومثله مبتدأ وآمن المعجزات الخوارق قوله ما مثله آمن عليه الشر ما موصولة وقعت مفعولا ثانيا لأعطى ومثله مبتدأ وآمن خبره والمثل يطلق ويراد به عين الشيء وما يساويه والمعنى أن كل نبي أعطى آية أو أكثر من شأن من يشاهدها من البشر أن يؤمن به لأجلها وعليه بمعنى اللام أو الباء الموحدة والنكتة في التعبير بها تضمنها معنى الغلبة أي يؤمن بذلك مغلوبا عليه بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه لكن قد يجحد فيعاند كما قال الله تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وقال الطيبي الراجع إلى الموصول ضمير المجرور في عليه وهو حال أي مغلوبا عليه في التحدي والمراد بالآيات المعجزات وموقع المثل موقعه من قوله فأتوا بسورة مثله أي على صفته من البيان وعلو الطبقة في البلاغة تنبيه قوله آمن وقع في رواية حكاها بن قرقول أومن بضم الهمز ثم واو وسيأتي في كتاب الاعتصام قال وكتبها بعضهم بالياء الأخيرة بدل الواو وفي رواية القابسي أمن بغير مد من الأمان والأول هو المعروف قوله وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلى أي أن معجزتي التي تحديت بها الوحي الذي أنزل علي وهو القرآن لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح وليس المراد حصر معجزاته فيه ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره لأن كل نبي أعطى معجزة خاصة به لم يعطها بعينها غيره تحدي بها قومه وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه كما كان السحر فاشيا عند فرعون فجاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا ولم يقع ذلك بعينه لغيره وكذلك أحياء عيسى الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لكون

(9/6)


الأطباء والحكماء كانوا في ذلك الزمان في غاية الظهور فأتاهم من جنس عملهم بما لم تصل قدرتهم إليه ولهذا لما كان العرب الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه و سلم في الغاية من البلاغة جاءهم بالقرآن الذي تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فلم يقدروا على ذلك وقيل المراد أن القرآن ليس له مثل لا صورة ولا حقيقة بخلاف غيره من المعجزات فإنها لا تخلو عن مثل وقيل المراد أن كل نبي أعطى من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله صورة أو حقيقة والقرآن لم يؤت أحد قبله مثله فلهذا أردفه بقوله فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا وقيل المراد أن الذي أوتيته لا يتطرق إليه تخيل وإنما هو كلام معجز لا يقدر أحد أن يأتي بما يتخيل منه التشبيه به بخلاف غيره فإنه قد يقع في معجزاتهم ما يقدر الساحر أن يخيل شبهه فيحتاج من يميز بينهما إلى نظر والنظر عرضة للخطأ فقد يخطئ الناظر فيظن تساويهما وقيل المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها ومعجزه القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وأخباره بالمغيبات فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه وهذا أقوى المحتملات وتكميله في الذي بعده وقيل المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا قلت ويمكن نظم هذه الأقوال كلها في كلام واحد فإن محصلها لا ينافي بعضه بعضا قوله فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة رتب هذا الكلام على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة لكثرة فائدته وعموم نفعه لاشتماله على الدعوة والحجة والإخبار بما سيكون فعم نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد فحسن ترتيب الرجوي المذكورة على ذلك وهذه الرجوى قد تحققت فإنه أكثر الأنبياء تبعا وسيأتي بيان ذلك واضحا في كتاب الرقاق أن شاء الله تعالى وتعلق هذا الحديث بالترجمة من جهة أن القرآن إنما نزل بالوحي الذي يأتي به الملك لا بالمنام ولا بالإلهام وقد جمع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء أحدها حسن تأليفه والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة ثانيها صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظما ونثرا حتى حارت فيه عقولهم ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك وتقريعه لهم على العجز عنه ثالثها ما اشتمل عليه من الإخبار عما مضى من أحوال الأمم السالفة والشرائع الداثرة مما كان لا يعلم منه بعضه إلا النادر من أهل الكتاب رابعها الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبوي وبعضها بعده ومن غير هذه الأربعة آيات وردت بتعجيز قوم في قضايا أنهم لا يفعلونها فعجزوا عنها مع توفر دواعيهم على تكذيبه كتمنى اليهود الموت ومنها الروعة التي تحصل لسامعه ومنها أن قارئه لا يمل من ترداده وسامعه لا يمجه ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طراوة ولذاذة ومنها أنه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا ومنها جمعه لعلوم ومعارف لا تنقضي عجائبها ولا تنتهي فوائدها اه ملخصا من كلام عياض وغيره الحديث الخامس قوله حدثنا عمرو بن محمد هو الناقد وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج وكذا أخرجه مسلم عن عمرو بن محمد الناقد وغيره عن يعقوب بن إبراهيم ووقع في الأطراف لخلف حدثنا عمرو بن علي الفلاس ورأيت في نسخة معتمدة من رواية النسفي عن البخاري حدثنا عمرو بن خالد وأظنه تصحيفا والأول هو المعتمد فإن الثلاثة وإن كانوا

(9/7)


معروفين من شيوخ البخاري لكن الناقد أخص من غيره بالرواية عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ورواية صالح بن كيسان عن بن شهاب من رواية الأقران بل صالح بن كيسان أكبر سنا من بن شهاب وأقدم سماعا وإبراهيم بن سعد قد سمع من بن شهاب كما سيأتي تصريحه بتحديثه له في الحديث الآتي بعد باب واحد قوله إن الله تابع على رسوله صلى الله عليه و سلم قبل وفاته كذا للأكثر وفي رواية أبي ذر أن الله تابع على رسوله الوحي قبل وفاته أي أكثر إنزاله قرب وفاته صلى الله عليه و سلم والسر في ذلك أن الوفود بعد فتح مكة كثروا وكثر سؤالهم عن الأحكام فكثر النزول بسبب ذلك ووقع لي سبب تحديث أنس بذلك من رواية الدراوردي عن الامامي عن الزهري سألت أنس بن مالك هل فتر الوحي عن النبي صلى الله عليه و سلم قبل أن يموت قال أكثر ما كان وأجمه أورده بن يونس في تاريخ مصر في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي مريم
4697 - قوله حتى توفاه أكثر ما كان الوحي أي الزمان الذي وقعت فيه وفاته كان نزول الوحي فيه أكثر من غيره من الأزمنة قوله ثم توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد فيه إظهار ما تضمنته الغاية في قوله حتى توفاه الله وهذا الذي وقع أخيرا على خلاف ما وقع أولا فإن الوحي في أول البعثة فتر فترة ثم كثر وفي أثناء النزول بمكة لم ينزل من السور الطوال إلا القليل ثم بعد الهجرة نزلت السور الطوال المشتملة على غالب الأحكام إلا أنه كان الزمن الأخير من الحياة النبوية أكثر الأزمنة نزولا بالسبب المتقدم وبهذا تظهر مناسبة هذا الحديث للترجمة لتضمنه الإشارة إلى كيفية النزول الحديث السادس
4698 - قوله حدثنا سفيان هو الثوري وقد تقدم شرح الحديث قريبا في سورة والضحى ووجه إيراده في هذا الباب الإشارة إلى أن تأخير النزول أحيانا إنما كان يقع لحكمة تقتضي ذلك لا لقصد تركه أصلا فكان نزوله على أنحاء شتى تارة يتتابع وتارة يتراخى وفي إنزاله مفرقا وجوه من الحكمة منها تسهيل حفظه لأنه لو نزل جملة واحدة على أمة أمية لا يقرأ غالبهم ولا يكتب لشق عليهم حفظه وأشار سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله ردا على الكفار وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك أي أنزلناه مفرقا لنثبت به فؤادك وبقوله تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ومنها ما يستلزمه من الشرف له والعناية به لكثرة تردد رسول ربه إليه يعلمه بأحكام ما يقع له وأجوبة ما يسأل عنه من الأحكام والحوادث ومنها أنه أنزل على سبعة أحرف فناسب أن ينزل مفرقا إذ لو نزل دفعة واحدة لشق بيانها عادة ومنها أن الله قدر أن ينسخ من أحكامه ما شاء فكان إنزاله مفرقا لينفصل الناسخ من المنسوخ أولى من إنزالهما معا وقد ضبط النقلة ترتيب نزول السور كما سيأتي في باب تأليف القرآن ولم يضبطوا من ترتيب نزول الآيات إلا قليلا وقد تقدم في تفسير اقرأ باسم ربك أنها أول سورة نزلت ومع ذلك فنزل من أولها أولا خمس آيات ثم نزل باقيها بعد ذلك وكذلك سورة المدثر الت نزلت بعدها نزل أولها أولا ثم نزل سائرها بعد وأوضح من ذلك ما أخرجه أحصاب السنن الثلاثة وصححه الحاكم وغيره من حديث بن عباس عن عثمان قال كان النبي صلى الله عليه و سلم ينزل عليه الآيات فيقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى

(9/8)


( قوله باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب قرآنا عربيا بلسان عربي مبين )
في رواية أبي ذر لقول الله تعالى قرآنا الخ وأما نزوله بلغة قريش فمذكور في الباب من قول عثمان وقد أخرج أبو داود من طريق كعب الأنصاري أن عمر كتب إلى بن مسعود أن القرآن نزل بلسان قريش فأقرئ الناس بلغة قريش لا بلغة هذيل وأما عطف العرب عليه فمن عطف العام على الخاص لأن قريشا من العرب وأما ما ذكره من الآيتين فهو حجة لذلك وقد أخرج بن أبي داود في المصاحف من طريق أخرى عن عمر قال إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلسان مضر اه ومضر هو بن نزار بن معد بن عدنان وإليه تنتهي أنساب قريش وقيس وهذيل وغيرهم وقال القاضي أبو بكر بن الباقلاني معنى قول عثمان نزل القرآن بلسان قريش أي معظمه وأنه لم تقم دلالة قاطعة على أن جميعه بلسان قريش فإن ظاهر قوله تعالى إنا جعلناه قرآنا عربيا أنه نزل بجميع ألسنة العرب ومن زعم أنه أراد مضر دون ربيعة أو هما دون اليمن أو قريشا دون غيرهم فعليه البيان لأن اسم العرب يتناول الجميع تناولا واحدا ولو ساغت هذه الدعوى لساغ للآخر أن يقول نزل بلسان بني هاشم مثلا لأنهم أقرب نسبا إلى النبي صلى الله عليه و سلم من سائر قريش وقال أبو شامة يحتمل أن يكون قوله نزل بلسان قريش أي ابتداء نزوله ثم أبيح أن يقرأ بلغة غيرهم كما سيأتي تقريره في باب أنزل القرآن على سبعة أحرف اه وتكملته أن يقال أنه نزل أولا بلسان قريش أحد الأحرف السبعة ثم نزل بالأحرف السبعة المأذون في قراءتها تسهيلا وتيسيرا كما سيأتي بيانه فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد رأى أن الحرف الذي نزل القرآن أولا بلسانه أولى الأحرف فحمل الناس عليه لكونه لسان النبي صلى الله عليه و سلم ولما له من الأولية المذكورة وعليه يحمل كلام عمر لابن مسعود أيضا قوله وأخبرني في رواية أبي ذر فأخبرني أنس بن مالك قال فأمر عثمان هو معطوف على شيء محذوف يأتي بيانه في الباب الذي بعده فاقتصر المصنف من الحديث على موضع الحاجة منه وهو قول عثمان فاكتبوه بلسانهم أي

(9/9)


قريش قوله أن ينسخوها في المصاحف كذا للأكثر والضمير للسور أو للآيات أو الصحف التي أحضرت من بيت حفصة وللكشميهني أن ينسخوا ما في المصاحف أي ينقلوا الذي فيها إلى مصاحف أخرى والأول هو المعتمد لأنه كان في صحف لا مصاحف
4700 - قوله وقال مسدد حدثنا يحيى في رواية أبي ذر يحيى بن سعيد وهو القطان وهذا الحديث وقع لنا موصولا في رواية مسدد من رواية معاذ بن المثنى عنه كما بينته في تعليق التعليق قوله أن يعلى هو بن أمية والد صفوان قوله كان يقول ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه و سلم الخ هذا صورته مرسل لأن صفوان بن يعلى ما حضر القصة وقد أورده في كتاب العمرة من كتاب الحج بالإسناد الآخر المذكور هنا عن أبي نعيم عن همام فقال فيه عن صفوان بن يعلى عن أبيه فوضح أنه ساقه هنا على لفظ رواية بن جريج وقد أخرجه أبو نعيم من طريق محمد بن خلاد عن يحيى بن سعيد بن حو اللفظ الذي ساقه المصنف هنا وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفي في كتاب الحج وقد خفي وجه دخوله في هذا الباب على كثير من الأئمة حتى قال بن كثير في تفسيره ذكر هذا الحديث في الترجمة التي قبل هذه أظهر وأبين فلعل ذلك وقع من بعض النساخ وقيل بل أشار المصنف بذلك إلى أن قوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لا يستلزم أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم أرسل بلسان قريش فقط لكونهم قومه بل أرسل بلسان جميع العرب لأنه أرسل إليهم كلهم بدليل أنه خاطب الأعرابي الذي سأله بما يفهمه بعد أن نزل الوحي عليه بجواب مسألته فدل على أن الوحي كان ينزل عليه بما يفهمه السائل من العرب قرشيا كان أو غير قرشي والوحي أعم من أن يكون قرآنا يتلي أو لا يتلى قال بن بطال مناسبة الحديث للترجمة أن الوحي كله متلوا كان أو غير متلو إنما نزل بلسان العرب ولا يرد على هذا كونه صلى الله عليه و سلم بعث إلى الناس كافة عربا وعجما وغيرهم لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي وهو يبلغه إلى طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم ولذا قال بن المنير كان إدخال هذا الحديث في الباب الذي قبله أليق لكن لعله قصد التنبيه على أن الوحي بالقرآن والسنة كان على صفة واحدة ولسان واحد

(9/10)


( قوله باب جمع القرآن المراد بالجمع هنا جمع مخصوص وهو جمع متفرقة في صحف ثم جمع تلك الصحف في مصحف )
واحد مرتب السور وسيأتي بعد ثلاثة أبواب باب تأليف القرآن والمراد به هناك تأليف الآيات في السور الواحدة أو ترتيب السور في المصحف
4701 - قوله عن عبيد بن السباق بفتح المهملة وتشديد الموحدة مدني يكنى أبا سعيد ذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين لكن لم أر له رواية عن أقدم من سهل بن حنيف الذي مات في خلافة على وحديثه عنه عند أبي داود وغيره وليس له في البخاري سوى هذا الحديث لكنه كرره في التفسير والأحكام والتوحيد وغيرها مطولا ومختصرا قوله عن زيد بن ثابت هذا هوالصحيح عن الزهري أن قصة زيد بن ثابت مع أبي بكر وعمر عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت وقصة حذيفة مع عثمان عن أنس بن مالك وقصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب في رواية عبيد بن السباق عن خارجة بن زيد

(9/11)


بن ثابت عن أبيه وقد رواه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن الزهري فأدرج قصة آية سورة الأحزاب في رواية عبيد بن السباق وأغرب عمارة بن غزية فرواه عن الزهري فقال عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه وساق القصص الثلاث بطولها قصة زيد مع أبي بكر وعمر ثم قصة حذيفة مع عثمان أيضا ثم قصة فقد زيد بن ثابت الآية من سورة الأحزاب أخرجه الطبري وبين الخطيب في المدرج أن ذلك وهم منه وأنه أدرج بعض الأسانيد على بعض قوله أرسل إلي أبو بكر الصديق لم أقف على اسم الرسول إليه بذلك وروينا في الجزء الأول من فوائد الديرعاقولي قال حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد عن زيد بن ثابت قال قبض النبي صلى الله عليه و سلم ولم يكن القرآن جمع في شيء قوله مقتل أهل اليمامة أي عقب قتل أهل اليمامة والمراد بأهل اليمامة هنا من قتل بها من الصحابة في الوقعة مع مسيلمة الكذاب وكان من شأنها أن مسيلمة ادعى النبوة وقوى أمره بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم بارتداد كثير من العرب فجهز إليه أبو بكر الصديق خالد بن الوليد في جمع كثير من الصحابة فحاربوه أشد محاربة إلى أن خذله الله وقتله وقتل في غضون ذلك من الصحابة جماعة كثيرة قيل سبعمائة وقيل أكثر قوله قد استحر بسين مهملة ساكنة ومثناة مفتوحة بعدها حاء مهملة مفتوحة ثم راء ثقيلة أي اشتد وكثر وهو استفعل من الحر لأن المكروه غالبا يضاف إلى الحر كما أن المحبوب يضاف إلى البرد يقولون أسخن الله عينه وأقر عينه ووقع من تسمية القراء الذين أراد عمر في رواية سفيان بن عيينة المذكورة قتل سالم مولى أبي حذيفة ولفظه فلما قتل سالم مولى أبي حذيفة خشي عمر أن يذهب القرآن فجاء إلى أبي بكر وسيأتي أن سالما أحد من أمر النبي صلى الله عليه و سلم بأخذ القرآن عنه قوله بالقراء بالمواطن أي في المواطن أي الأماكن التي يقعفيها القتال مع الكفار ووقع في رواية شعيب عن الزهري في المواطن وفي رواية سفيان وأنا أخشى أن لا يلقى المسلمون زحفا آخر إلا استحر القتل بأهل القرآن قوله فيذهب كثير من القرآن في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه من الزيادة إلا أن يجمعوه وفي رواية شعيب قبل أن يقتل الباقون وهذا يدل على أن كثيرا ممن قتل في وقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن لكن يمكن أن يكون المراد أن مجموعهم جمعه لا أن كل فرد جمعه وسيأتي مزيد بيان لذلك في باب من جمع القرآن إن شاء الله تعالى قوله قلت لعمر هو خطاب أبي بكر لعمر حكاه ثانيا لزيد بن ثابت لما أرسل إليه وهو كلام من يؤثر الاتباع وينفر من الابتداع قوله لم يفعله رسول الله صلى الله عليه و سلم تقدم من رواية سفيان بن عيينة تصريح زيد بن ثابت بذلك وفي رواية عمارة بن غزية فنفر منها أبو بكر وقال أفعل ما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال الخطابي وغيره يحتمل أن يكون صلى الله عليه و سلم إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته صلى الله عليه و سلم ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء لوعد الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية زادها الله شرفا فكان ابتداء ذلك على يد الصديق رضي الله عنه بمشورة عمر ويؤيده ما أخرجه بن أبي داود في المصاحف بإسناد حسن عن عبد خير قال سمعت عليا يقول أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر رحمه الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن الحديث فلا ينافي ذلك لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة وقد كان القرآن كله كتب في عهد النبي صلى الله عليه و سلم لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور وأما ما أخرجه بن أبي داود في المصاحف من

(9/12)


طريق بن سيرين قال قال علي لما مات رسول الله صلى الله عليه و سلم آليت أن لا آخذ على ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه فإسناده ضعيف لانقطاعه وعلى تقدير أن يكون محفوظا فمراده بجمعه حفظه في صدره قال والذي وقع في بعض طرقه حتى جمعته بين اللوحين وهم من راويه قلت وما تقدم من رواية عبد خير عن علي أصح فهو المعتمد ووقع عند بن أبي داود أيضا بيان السبب في إشارة عمر بن الخطاب بذلك فأخرج من طريق الحسن أن عمر سأل عن آية من كتاب الله فقيل كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة فقال إنا لله وأمر بجمع القرآن فكان أول من جمعه في المصحف وهذا منقطع فإن كان محفوظا حمل على أن المراد بقوله فكان أول من جمعه أي أشار بجمعه في خلافة أبي بكر فنسب الجمع إليه لذلك وقد تسول لبعض الروافض أنه يتوجه الاعتراض على أبي بكر بما فعله من جمع القرآن في المصحف فقال كيف جاز أن يفعل شيئا لم يفعله الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام والجواب أنه لم يفعل ذلك إلا بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله ولرسوله ولكتابة ولأئمة المسلمين وعامتهم وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم أذن في كتابة القرآن ونهى أن يكتب معه غيره فلم يأمر أبو بكر إلا بكتابة ما كان مكتوبا ولذلك توقف عن كتابة الآية من آخر سورة براءة حتى وجدها مكتوبة مع أنه كان يستحضرها هو ومن ذكر معه وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد في فضائله وينوه بعظيم منقبته لثبوت قوله صلى الله عليه و سلم من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها فما جمع القرآن أحد بعده إلا وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة وقد كان لأبي بكر من الاعتناء بقراءة القرآن ما اختار معه أن يرد على بن الدغنة جواره ويرضى بجوار الله ورسوله وقد تقدمت القصة مبسوطة في فضائله وقد أعلم الله تعالى في القرآن بأنه مجموع في الصحف في قوله يتلو صحفا مطهرة الآية وكان القرآن مكتوبا في الصحف لكن كانت مفرقة فجمعها أبو بكر في مكان واحد ثم كانت بعده محفوظة إلى أن أمر عثمان بالنسخ منها فنسخ منها عدة مصاحف وأرسل بها إلى الأمصار كما سيأتي بيان ذلك قوله قال زيد أي بن ثابت قال أبو بكر أي قال لي إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي ذكر له أربع صفات مقتضية خصوصيته بذلك كونه شابا فيكون أنشط لما يطلب منه وكونه عاقلا فيكون أوعى له وكونه لا يتهم فتركن النفس إليه وكونه كان يكتب الوحي فيكون أكثر ممارسة له وهذه الصفات التي اجتمعت له قد توجد في غيره لكن مفرقة وقال بن بطال عن المهلب هذا يدل على أن العقل أصل الخصال المحمودة لأنه لم يصف زيدا بأكثر من العقل وجعله سببا لائتمانه ورفع التهمة عنه كذا قال وفيه نظر وسيأتي مزيد البحث فيه في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى ووقع في رواية سفيان بن عيينة فقال أبو بكر أما إذا عزمت على هذا فأرسل إلى زيد بن ثابت فادعه فإنه كان شابا حدثا نقيا يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه و سلم فأرسل إليه فادعه حتى يجمعه معنا قال زيد بن ثابت فأرسلا إلي فأتيتهما فقالا لي إنا نريد أن نجمع القرآن في شيء فاجمعه معنا وفي رواية عمارة بن غزية فقال إنا نريد أن نجمع القرآن في شيء فاجمعه معنا وفي رواية عمارة بن غزية فقال لي أبو بكر إن هذا دعاني إلى أمر وأنت كاتب الوحي فإن تك معه اتبعتكما وإن توافقني لا أفعل فاقتضى قول عمر فنفرت من ذلك فقال عمر كلمه وما عليكما لو فعلتما قال فنظرنا فقلنا لا شيء والله ما علينا قال بن بطال إنما نفر أبو بكر أولا ثم زيد بن ثابت ثانيا لأنهما لم يجدا رسول الله صلى الله عليه و سلم فعله فكرها أن يحلا أنفسهما محل من يزيد احتياطه للدين على احتياط الرسول فلما نبههما عمر على فائدة ذلك وأنه خشية أن يتغير الحال في المستقبل إذا لم يجمع

(9/13)


القرآن فيصير إلى حالة الخفاء بعد الشهرة رجعا إليه قال ودل ذلك على أن فعل الرسول إذا تجرد عن القرائن وكذا تركه لا يدل على وجوب ولا تحريم انتهى وليس ذلك من الزيادة على احتياط الرسول بل هو مستمد من القواعد التي مهدها الرسول صلى الله عليه و سلم قال بن الباقلاني كان الذي فعله أبو بكر من ذلك فرض كفاية بدلالة قوله صلى الله عليه و سلم لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن مع قوله تعالى إن علينا جمعه وقرآنه وقوله إن هذا لفي الصحف الأولى وقوله رسول من الله يتلو صحفا مطهرة قال فكل أمر يرجع لاحصائه وحفظه فهو واجب على الكفاية وكان ذلك من النصيحة لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم قال وقد فهم عمر أن ترك النبي صلى الله عليه و سلم جمعه لا دلالة فيه علىالمنع ورجع إليه أبو بكر لما رأى وجه الإصابة في ذلك وأنه ليس في المنقول ولا في المعقول ما ينافيه وما يترتب على ترك جمعه من ضياع بعضه ثم تابعهما زيد بن ثابت وسائر الصحابة على تصويب ذلك قوله فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما ما كان أثقل على مما أمرني به كأنه جمع أولا باعتبار أبي بكر ومن وافقه وأفرد باعتبار أنه الآمر وحده بذلك ووقع في رواية شعيب عن الزهري لو كلفني بالإفراد أيضا وإنما قال زيد بن ثابت ذلك لما خشيه من التقصير في إحصاء ما أمر بجمعه لكن الله تعالى يسر له ذلك كما قال تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر قوله فتتبعت القرآن أجمعه أي من الأشياء التي عندي وعند غيري قوله من العسب بضم المهملتين ثم موحدة جمع عسيب وهو جريد النخل كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض وقيل العسيب طرف الجريدة العريض الذي لم ينبت عليه الخوص والذي ينبت عليه الخوص هو السعف ووقع في رواية بن عيينة عن بن شهاب القصب والعسب والكرانيف وجرائد النخل ووقع في رواية شعيب من الرقاع جمع رقعة وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد وفي رواية عمار بن غزية وقطع الأديم وفي رواية بن أبي داود من طريق أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد والصحف قوله واللخاف بكسر اللام ثم خاء معجمة خفيفة وآخره فاء جمع لخفة بفتح اللام وسكون المعجمة ووقع في رواية أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد واللخف بضمتين وفي آخره فاء قال أبو داود الطيالسي في روايته هي الحجارة الرقاق وقال الخطابي صفائح الحجارة الرقاق قال الأصمعي فيها عرض ودقة وسيأتي للمصنف في الأحكام عن أبي ثابت أحد شيوخه أنه فسره بالخزف بفتح المعجمة والزاي ثم فاء وهي الآنية التي تصنع من الطين المشوي ووقع في رواية شعيب والأكتاف جمع كتف وهو العظم الذي للبعير أو الشاة كانوا إذا جف كتبوا فيه وفي رواية عمارة بن غزية وكسر الأكتاف وفي رواية بن مجمع عن بن شهاب عند بن أبي داود والاضلاع وعنده من وجه آخر والأقتاب بقاف ومثناة وآخره موحدة جمع قتب بفتحتين وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه وعند بن أبي داود أيضا في المصاحف من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال قام عمر فقال من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئا من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب قال وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان وهذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا مع كون زيد كان يحفظه وكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط وعند بن أبي داود أيضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه ورجاله ثقات مع انقطاعه وكأن المراد بالشاهدين الحفظ

(9/14)


والكتاب أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم لا من مجرد الحفظ قوله وصدور الرجال أي حيث لا أجد ذلك مكتوبا أو الواو بمعنى مع أي أكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدر قوله حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد مع خزيمة بن ثابت أخرجه أحمد والترمذي ووقع في رواية شعيب عن الزهري كما تقدم في سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري وقد أخرجه الطبراني في مسند الشاميين من طريق أبي اليمان عن شعيب فقال فيه خزيمة بن ثابت الأنصاري وكذا أخرجه بن أبي داود من طريق يونس بن يزيد عن بن شهاب وقول من قال عن إبراهيم بن سعد مع أبي خزيمة أصح وقد تقدم البحث فيه في تفسير سورة التوبة وأن الذي وجد معه آخر سورة التوبة غير الذي وجد معه الآية التي في الأحزاب فالأول اختلف الرواة فيه على الزهري فمن قائل مع خزيمة ومن قائل مع أبي خزيمة ومن شاك فيه يقول خزيمة أو أبي خزيمة والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية والذي وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة وأبو خزيمة قيل هو بن أوس بن يزيد بن أصرم مشهور بكنيته دون اسمه وقيل هو الحارث بن خزيمة وأما خزيمة فهو بن ثابت ذو الشهادتين كما تقدم صريحا في سورة الأحزاب وأخرج بن أبي داود من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال أشهد أني سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه و سلم ووعيتهما فقال عمر وأنا أشهد لقد سمعتهما ثم قال لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا سورة من القرآن فألحقوها في آخرها فهذا أن كان محفوظا احتمل أن يكون قول زيد بن ثابت وجدتها مع أبي خزيمة لم أجدها مع غيره أي أول ما كتبت ثم جاء الحارث بن خزيمة بعد ذلك أو أن أبا خزيمة هو الحارث بن خزيمة لا بن أوس وأما قول عمر لو كانت ثلاث آيات فظاهره أنهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم وسائر الأخبار تدل على أنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك إلا بتوقيف نعم ترتيب السور بعضها إثر بعض كان يقع بعضه منهم بالاجتهاد كما سيأتي في باب تأليف القرآن قوله لم أجدها مع أحد غيره أي مكتوبة لما تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها من النبي صلى الله عليه و سلم وإنما كان زيد يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة ولعلهم لما وجدها زيد عند أبي خزيمة تذكروها كما تذكرها زيد وفائدة التتبع المبالغة في الإستظهار والوقوف عندما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم قال الخطابي هذا مما يخفى معناه ويوهم أنه كان يكتفي في إثبات الآية بخبر الشخص الواحد وليس كذلك فقد اجتمع في هذه الآية زيد بن ثابت وأبو خزيمة وعمر وحكى بن التين عن الداودي قال لم يتفرد بها أبو خزيمة بل شاركه زيد بن ثابت فعلى هذا تثبت برجلين اه وكأنه ظن أن قولهم لا يثبت القرآن بخبر الواحد أي الشخص الواحد وليس كما ظن بل المراد بخبر الواحد خلاف الخبر المتواتر فلو بلغت رواة الخبر عددا كثيرا وفقد شيئا من شروط المتواتر لم يخرج عن كونه خبر الواحد والحق أن المراد بالنفي نفي وجودها مكتوبة لا نفي كونها محفوظة وقد وقع عند بن أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب فجاء خزيمة

(9/15)


بن ثابت فقال إني رأيتكم تركتم آيتين فلم تكتبوهما قالوا وما هما قال تلقيت من رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة فقال عثمان وأنا أشهد فكيف ترى أن تجعلهما قال اختم بهما آخر ما نزل من القرآن ومن طريق أبي العالية أنهم لما جمعوا القرآن في خلافه أبي بكر كان الذي يملي عليهم أبي بن كعب فلما انتهوا من براءة إلى قوله لا يفقهون ظنوا أن هذا آخر ما نزل منها فقال أبي بن كعب أقرأني رسول الله صلى الله عليه و سلم آيتين بعدهن لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة قوله فكانت الصحف أي التي جمعها زيد بن ثابت قوله عند أبي بكر حتى توفاه الله في موطأ بن وهب عن مالك عن بن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال جمع أبو بكر القرآن في قراطيس وكان سأل زيد بن ثابت في ذلك فأبا حتى عن سالم بن عبد الله بن عمر قال جمع أبي بكر القرآن في قراطيس وكن سأل زيد بن ثابت في ذلك فأبى حتى استعان عليه بعمر ففعل وعند موسى بن عقبة في المغازي عن بن شهاب قال لما أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر وخاف أن يهلك من القراء طائفة فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في الصحف وهذا كله أصح مما وقع في رواية عمارة بن غزية أن زيد بن ثابت قال فأمرني أبو بكر فكتبت في قطع الأديم والعسب فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتبت ذلك في صحيفة واحدة فكانت عنده وإنما كان في الأديم والعسب أولا قبل أن يجمع في عهد أبي بكر ثم جمع في الصحف في عهد أبي بكر كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة قوله ثم عند حفصة بنت عمر أي بعد عمر في خلافة عثمان إلى أن شرع عثمان في كتابة المصحف وإنما كان ذلك عند حفصة لأنها كانت وصية عمر فاستمر ما كان عنده عندها حتى طلبه منها من له طلب ذلك
4702 - قوله حدثنا موسى هو بن إسماعيل وإبراهيم هو بن سعد وهذا الإسناد إلى بن شهاب هو الذي قبله بعينه اعاده إشارة إلى أنهما حديثان لابن شهاب في قصتين مختلفتين وإن اتفقتا في كتابة القرآن وجمعه وعن بن شهاب قصة ثالثة كما بيناه عن خارجة بن زيد عن أبيه في قصة الآية التي من الأحزاب وقد ذكرها في آخر هذه القصة الثانية هنا وقد أخرجه المصنف من طريق شعيب عن بن شهاب مفرقا فأخرج القصة الأولى في تفسير التوبة وأخرج الثانية قبل هذا بباب لكن باختصار وأخرجها الطبراني في مسند الشاميين وبن أبي داود في المصاحف والخطيب في المدرج من طريق أبي اليمان بتمامه وأخرج المصنف الثالثة في تفسير سورة الأحزاب كما تقدم قال الخطيب روى إبراهيم بن سعد عن بن شهاب القصص الثلاث ثم ساقها من طريق إبراهيم بن سعد عن بن شهاب مساقا واحدا مفصلا للأسانيد المذكورة قال وروى القصص الثلاث شعيب عن بن شهاب وروى قصة آخر التوبة مفردا يونس بن يزيد قلت وروايته تأتي عقب هذا باختصار وقد أخرجها بن أبي داود من وجه آخر عن يونس مطولة وفاته رواية سفيان بن عيينة لها عن بن شهاب أيضا وقد بينت ذلك قبل قال وروى قصة آية الأحزاب معمر وهشام بن الغاز ومعاوية بن يحيى ثلاثتهم عن بن شهاب ثم ساقها عنهم قلت وفاته رواية بن أبي عتيق لها عن بن شهاب وهي عند المصنف في الجهاد قوله حدثنا بن شهاب أن أنس بن مالك حدثه في رواية يونس عن بن شهاب ثم أخبرني أنس بن مالك قوله أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق في رواية الكشميهني في أهل العراق والمراد أن أرمينية فتحت في خلافة عثمان وكان أمير العسكر من أهل العراق سلمان بن ربيعة الباهلي وكان عثمان أمر أهل الشام وأهل العراق أن يجتمعوا على ذلك وكان أمير أهل

(9/16)


الشام على ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفهري وكان حذيفة من جملة من غزا معهم وكان هو على أهل المدائن وهي من جملة أعمال العراق ووقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد وكان يغازي أهل الشام في فرج أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق قال بن أبي داود الفرج الثغر وفي رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه أن حذيفة قدم على عثمان وكان يغزو مع أهل العراق قبل أرمينية في غزوهم ذلك الفرج مع من اجتمع من أهل العراق وأهل الشام وفي رواية يونس بن يزيد اجتمع لغزو أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق وأرمينية بفتح الهمزة عند بن السمعاني وبكسرها عند غيره وبه جزم الجواليقي وتبعه بن الصلاح ثم النووي وقال بن الجوزي من ضمها فقد غلط وبسكون الراء وكسر الميم بعدها تحتانية ساكنة ثم نون مكسورة ثم تحتانية مفتوحة خفيفة وقد تثقل قاله ياقوت والنسبة إليها أرمني بفتح الهمزة ضبطها الجوهري وقال بن قرقول بالتخفيف لا غير وحكى ضم الهمزة وغلط وإنما المضموم همزتها أرمية والنسبة إليها أرموي وهي بلدة أخرى من بلاد أذربيجان وأما أرمينية فهي مدينة عظيمة من نواحي خلاط ومد الأصيلي والمهلب أوله وزاد المهلب الدال وكسر الراء وتقديم الموحدة تشتمل على بلاد كثيرة وهي من ناحية الشمال قال بن السمعاني هي من جهة بلاد الروم يضرب بحسنها وطيب هوائها وكثرة مائها وشجرها المثل وقيل إنها من بناء أرمين من ولد يافث بن نوح وأذربيجان بفتح الهمزة والذال المعجمة وسكون الراء وقيل بسكون الذال وفتح الراء وبكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم جيم خفيفة وآخره نون وحكى إن مكي كسر أوله وضبطها صاحب المطالع ونقله عن بن الأعرابي بسكون الذال وفتح الراء بلد كبير من نواحي جبال العراق غربي وهي الآن تبريز وقصباتها وهي تلي أرمينية من جهة غربيها واتفق غزوهما في سنة واحدة واجتمع في غزوة كل منهما أهل الشام وأهل العراق والذي ذكرته الأشهر في ضبطها وقد تمد الهمزة وقد تكسر وقد تحذف وقد تفتح الموحدة وقد يزاد بعدها ألف مع مد الأولى حكاه الهجري وأنكره الجواليقي ويؤكده أنهم نسبوا إليها آذري بالمد اقتصارا على الركن الأول كما قالوا في النسبة إلى بعلبك بعلي وكانت هذه القصة في سنة خمس وعشرين في السنة الثالثة أو الثانية من خلافة عثمان وقد أخرج بن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال خطب عثمان فقال يا أيها الناس إنما قبض نبيكم منذ خمس عشرة سنة وقد اختلفتم في القراءة الحديث في جمع القرآن وكانت خلافة عثمان بعد قتل عمر وكان قتل عمر في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم بثلاث عشرة سنة إلا ثلاثة أشهر فإن كان قوله خمس عشرة سنة أي كاملة فيكون ذلك بعد مضي سنتين وثلاثة أشهر من خلافته لكن وقع في رواية أخرى له منذ ثلاث عشرة سنة فيجمع بينهما بإلغاء الكسر في هذه وجبره في الأولى فيكون ذلك بعد مضي سنة واحدة من خلافته فيكون ذلك في أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين وهو الوقت الذي ذكر أهل التاريخ أن أرمينية فتحت فيه وذلك في أول ولاية الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة من قبل عثمان وغفل بعض من أدركناه فزعم أن ذلك كان في حدود سنة ثلاثين ولم يذكر لذلك مستندا قوله فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة في

(9/17)


رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه فيتنازعون في القرآن حتى سمع حذيفة من اختلافهم ما ذعره وفى رواية يونس فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة وفى رواية عمارة بن غزية أن حذيفة قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان فقال يا أمير المؤمنين أدرك الناس قال وما ذاك قال غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرؤون بقراءة أبى بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق واذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضا وأخرج بن أبى داود أيضا من طريق يزيد بن معاوية النخعي قال انى لفى المسجد زمن الوليد بن عقبة في حلقة فيها حذيفة فسمع رجلا يقول قراءة عبد الله بن مسعود وسمع آخر يقول قراءة أبى موسى الأشعري فغضب ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال هكذا كان من قبلكم اختلفوا والله لأركبن إلى أمير المؤمنين ومن طريق أخرى عنه ان اثنين اختلفا في آية من سورة البقرة قرأ هذا وأتموا الحج والعمرة لله وقرأ هذا وأتموا الحج والعمرة للبيت فغضب حذيفة واحمرت عيناه ومن طريق أبى الشعثاء قال قال حذيفة يقول أهل الكوفة قراءة بن مسعود ويقول أهل البصرة قراءة أبى موسى والله لئن قسمت على أمير المؤمنين لآمرنه أن يجعلها قراءة واحدة ومن طريق أخرى أن بن مسعود قال لحذيفة بلغني عنك كذا قال نعم كرهت أن يقال قراءة فلان وقراءة فلان فيختلفون كما اختلف أهل الكتاب وهذه القصة لحذيفة يظهر لي أنها متقدمة على القصة التي وقعت له في القراءة فكأنه لما رأى الاختلاف أيضا بين أهل الشام والعراق اشتد خوفه فركب إلى عثمان وصادف أن عثمان أيضا كان وقع له نحو ذلك فأخرج بن أبى داود أيضا في المصاحف من طريق أبى قلابة قال لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل والمعلم يعلم قراءة الرجل فجعل الغلمان يتلقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين حتى كفر بعضهم بعضا فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال أنتم عندي تختلفون فمن نأى عنى من الآمصار أشد اختلافا فكأنه والله أعلم لما جاءه حذيفة وأعلمه باختلاف أهل الأمصار تحقق عنده ما ظنه من ذلك وفى رواية مصعب بن سعد فقال عثمان تمترون في القرآن تقولون قراءة أبى قراءة عبد الله ويقول الآخر والله ما تقيم قراءتك ومن طريق محمد بن سيرين قال كان الرجل يقرأ حتى يقول الرجل لصاحبه كفرت بما تقول فرفع ذلك إلى عثمان فتعاظم في نفسه وعند بن أبى داود أيضا من رواية بكير بن الأشج ان ناسا بالعراق يسأل أحدهم عن الآية فإذا قرأها قال الا انى أكفر بهذه ففشا ذلك في الناس فكلم عثمان في ذلك قوله فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف في رواية يونس بن يزيد فاستخرج الصحيفة التي كان أبو بكر أمر زيدا بجمعها فنسخ منها مصاحف فبعث بها إلى الآفاق والفرق بين الصحف والمصحف أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبى بكر وكانت سورا مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها اثر بعض فلما نسخت ورتب بعضها اثر بعض صارت مصحفا وقد جاء عن عثمان أنه إما فعل ذلك بعد أن استشار الصحابة فأخرج بن أبى داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال قال على لا تقولوا في عثمان إلا خيرا فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا قال ما تقولون في هذه القراءة لقد بلغني أن بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد أن يكون كفرا قلنا فما ترى قال أرى ان نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف قلنا فنعم ما رأيت

(9/18)


قوله فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وعند بن أبى داود من طريق محمد بن سيرين قال جمع عثمان اثنى عشر رجلا من قريش والأنصار منهم أبى بن كعب وأرسل إلى الرقعة التي في بيت عمر قال فحدثني كثير بن أفلح وكان ممن يكتب قال فكانوا إذا اختلفوا في الشيء أخروه قال بن سيرين أظنه ليكتبوه على العرضة الأخيرة وفى رواية مصعب بن سعد فقال عثمان من أكتب الناس قالوا كاتب رسول الله صلى الله عليه و سلم زيد بن ثابت قال فأى الناس أعرب وفى رواية أفصح قالوا سعيد بن العاص قال عثمان فليمل سعيد وليكتب زيد ومن طريق سعيد بن عبد العزيز أن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله صلى الله عليه و سلم وقتل أبوه العاصى يوم بدر مشركا ومات جده سعيد بن العاص قبل بدر مشركا قلت وقد أدرك سعيد بن العاص هذا من حياة النبي صلى الله عليه و سلم تسع سنين قاله بن سعد وعدوه لذلك في الصحابة وحديثه عن عثمان وعائشة في صحيح مسلم واستعمله عثمان على الكوفة ومعاوية على المدينة وكان من أجواد قريش وحلمائها وكان معاوية يقول لكل قوم كريم وكريمنا سعيد وكانت وفاته بالمدينة سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين ووقع في رواية عمارة بن غزية أبان بن سعيد بن العاص بدل سعيد قال الخطيب ووهم عمارة في ذلك لأن أبان قتل بالشام في خلافة عمر ولا مدخل له في هذه القصة والذي أقامه عثمان في ذلك هو سعيد بن العاص بن أخي أبان المذكور ا ه ووقع من تسمية بقية من كتب أو أملى عند بن أبى داود مفرقا جماعة منهم مالك بن أبى عامر جد مالك بن أنس من روايته ومن رواية أبى قلابة عنه ومنهم كثير بن أفلح كما تقدم ومنهم أبى بن كعب كما ذكرنا ومنهم أنس بن مالك وعبد الله بن عباس وقع ذلك في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن بن شهاب في أصل حديث الباب فهولاء تسعة عرفنا تسميتهم من الاثنى عشر وقد أخرج بن أبى داود من طريق عبد الله بن مغفل وجابر بن سمرة قال قال عمر بن الخطاب لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف وليس في الذين سميناهم أحد من ثقيف بل كلهم إما قريشى أو أنصارى وكأن ابتداء الأمر كان لزيد وسعيد للمعنى المذكور فيهما في رواية مصعب ثم احتاجوا إلى من يساعد في الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التي ترسل إلى الآفاق فأضافوا إلى زيد من ذكر ثم استظهروا بأبي بن كعب في الإملاء وقد شق على بن مسعود صرفه عن كتابه المصحف حتى قال ما أخرجه الترمذي في آخر حديث إبراهيم بن سعد عن بن شهاب من طريق عبد الرحمن بن مهدي عنه قال بن شهاب فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف وقال يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ كتابة المصاحف ويتولاها رجل والله لقد أسلمت وانه لفى صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت وأخرج بن أبى داود من طريق خمير بن مالك بالخاء مصغر سمعت بن مسعود يقول لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه و سلم سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لصبى من الصبيان ومن طريق أبى وائل عن بن مسعود بضعا وسبعين سورة ومن طريق زر بن حبيش عنه مثله وزاد وان لزيد بن ثابت ذؤابتين والعذر لعثمان في ذلك أنه فعله بالمدينة وعبد الله بالكوفة ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر وأيضا فان عثمان إنما أراد نسخ الصحف التي كانت جمعت في عهد أبى بكر وان يجعلها مصحفا واحدا وكان الذي نسخ ذلك في عهد أبى بكر هو زيد بن ثابت كما تقدم لكونه كان كاتب الوحي فكانت له في ذلك اولية ليست لغيره وقد

(9/19)


أخرج الترمذي في آخر الحديث المذكور عن بن شهاب قال بلغني أنه كره ذلك من مقالة عبد الله بن مسعود رجال من أفاضل الصحابة قوله وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة يعنى سعيدا وعبد الله وعبد الرحمن لأن سعيدا اموى وعبد الله أسدى وعبد الرحمن مخزومي وكلها من بطون قريش قوله في شيء من القرآن في رواية شعيب في عربية من عربية القرآن وزاد الترمذي من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن إبراهيم بن سعد في حديث الباب قال بن شهاب فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه فقال القرشيون التابوت وقال زيد التابوه فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال اكتبوه التابوت فإنه نزل بلسان قريش وهذه الزيادة أدرجها إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع في روايته عن بن شهاب في حديث زيد بن ثابت قال الخطيب وإنما رواها بن شهاب مرسلة قوله حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة زاد أبو عبيد وبن أبي داود من طريق شعيب عن بن شهاب قال أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر قال كان مروان يرسل إلى حفصة يعني حين كان أمير المدينة من جهة معاوية يسألها الصحف التي كتب منها القرآن فتأبى أن تعطيه قال سالم فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلن إليه تلك الصحف فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر فأمر بها مروان فشققت وقال إنما فعلت هذا لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب ووقع في رواية أبي عبيدة فمزقت قال أبو عبيد لم يسمع أن مروان مزق الصحف إلا في هذه الرواية قلت قد أخرجه بن أبي داود من طريق يونس بن يزيد عن بن شهاب نحوه وفيه فلما كان مروان أمير المدينة أرسل إلى حفصة يسألها الصحف فمنعته إياها قال فحدثني سالم بن عبد الله قال لما توفيت حفصة فذكره وقال فيه فشققها وحرقها ووقعت هذه الزيادة في رواية عمارة بن غزية أيضا باختصار لكن أدرجها أيضا في حديث زيد بن ثابت وقال فيه فغسلها غسلا وعند بن أبي داود من رواية مالك عن بن شهاب عن سالم أو خارجة أن أبا بكر لما جمع القرآن سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك فذكر الحديث مختصرا إلى أن قال فأرسل عثمان إلى حفصة فطلبها فأبت حتى عاهدها ليردنها إليها فنسخ منها ثم ردها فلم تزل عندها حتى أرسل مروان فأخذها فحرقها ويجمع بأنه صنع بالصحف جميع ذلك من تشقيق ثم غسل ثم تحريق ويحتمل أن يكون بالخاء المعجمة فيكون مزقها ثم غسلها والله أعلم قوله فأرسل إلى كل افق بمصحف مما نسخوا في رواية شعيب فأرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف واختلفوا في عدة المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الأفاق فالمشهور أنها خمسة وأخرج بن أبي داود في كتاب المصاحف من طريق حمزة الزيات قال أرسل عثمان أربعة مصاحف وبعث منها إلى الكوفة بمصحف فوقع عند رجل من مراد فبقي حتى كتبت مصحفي عليه قال بن أبي داود سمعت أبا حاتم السجستاني يقول كتبت سبعة مصاحف إلى مكة وإلى الشام وإلى اليمن وإلى البحرين وإلى البصرة وإلى الكوفة وحبس بالمدينة واحدا وأخرج بإسناد صحيح إلى إبراهيم النخعي قال قال لي رجل من أهل الشام مصحفا ومصحف أهل البصرة أضبط من مصحف أهل الكوفة قلت لم قال لأن عثمان بعث إلى الكوفة لما بلغه من اختلافهم بمصحف قبل أن يعرض وبقي مصحفنا ومصحف أهل البصرة حتى عرضا قوله وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق في رواية الأكثر أن يخرق بالخاء المعجمة وللمروزي بالمهملة ورواه الأصيلي بالوجهين والمعجمة أثبت وفي رواية الإسماعيلي أن تمحي أو تحرق وقد وقع في رواية شعيب

(9/20)


عند بن أبي داود والطبراني وغيرهما وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به قال فذلك زمان حرقت المصاحف بالعراق بالنار وفي رواية سويد بن غفلة عن علي قال لا تقولوا لعثمان في إحراق المصاحف إلا خيرا وفي رواية بكير بن الأشج فأمر بجمع المصاحف فأحرقها ثم بث في الأجناد التي كتب ومن طريق مصعب بن سعد قال أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك أو قال لم ينكر ذلك منهم أحد وفي رواية أبي قلابة فلما فرغ عثمان من المصحف كتب إلى أهل الأمصار أني قد صنعت كذا وكذا ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم والمحو أعم من أن يكون بالغسل أو التحريق وأكثر الروايات صريح في التحريق فهو الذي وقع ويحتمل وقوع كل منهما بحسب ما رأى من كان بيده شيء من ذلك وقد جزم عياض بأنهم غسلوها بالماء ثم أحرقوها مبالغة في إذهابها قال بن بطال في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار وأن ذلك إكرام لها وصون عن وطئها بالأقدام وقد أخرج عبد الرزاق من طريق طاوس أنه كان يحرق الرسائل التي فيها البسملة إذا اجتمعت وكذا فعل عروة وكرهه إبراهيم وقال بن عطية الرواية بالحاء المهملة أصح وهذا الحكم هو الذي وقع في ذلك الوقت وأما الآن فالغسل أولى لما دعت الحاجة إلى إزالته وقوله وأمر بما سواه أي بما سوى المصحف الذي استكتبه والمصاحف التي نقلت منه وسوى الصحف التي كانت عند حفصة وردها إليها ولهذا استدرك مروان الأمر بعدها وأعدمها أيضا خشية أن يقع لأحد منها توهم أن فيها ما يخالف المصحف الذي استقر عليه الأمر كما تقدم واستدل بتحريق عثمان الصحف على القائلين بقدم الحروف والأصوات لأنه لا يلزم من كون كلام الله قديما أن تكون الأسطر المكتوبة في الورق قديمة ولو كانت هي عين كلام الله لم يستجز الصحابة إحراقها والله أعلم قوله قال بن شهاب وأخبرني خارجة الخ هذه هي القصة الثالثة وهي موصولة إلى بن شهاب بالإسناد المذكور كما تقدم بيانه وأضحا وقد تقدمت موصولة مفردة في الجهاد وفي تفسير سورة الأحزاب وظاهر حديث زيد بن ثابت هذا أنه فقد آية الأحزاب من الصحف التي كان نسخها في خلافة أبي بكر حتى وجدها مع خزيمة بن ثابت ووقع في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن بن شهاب أن فقده إياها إنما كان في خلافة أبي بكر وهو وهم منه والصحيح ما في الصحيح وأن الذي فقده في خلافة أبي بكر الآيتان من آخر براءة وأما التي في الأحزاب ففقدها لما كتب المصحف في خلافة عثمان وجزم بن كثير بما وقع في رواية بن مجمع وليس كذلك والله أعلم قال بن التين وغيره الفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد فجمعه في صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه و سلم وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره كما سيأتي في باب تأليف القرآن واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة وكانت لغة قريش أرجح اللغات فاقتصر عليها وسيأتي مزيد بيان لذلك بعد باب واحد تنبيه قال بن معين لم يرو أحد حديث جمع القرآن أحسن من سياق إبراهيم بن سعد وقد روى مالك طرفا منه عن بن شهاب

(9/21)


( قوله باب كاتب النبي صلى الله عليه و سلم )
قال بن كثير ترجم كتاب النبي صلى الله عليه و سلم ولم يذكر سوى حديث زيد بن ثابت وهذا عجيب فكأنه لم يقع له على شرطه غير هذا ثم أشار إلى أنه استوفى بيان ذلك في السيرة النبوية قلت لم أقف في شيء من النسخ إلا بلفظ كاتب بالافراد وهو مطابق لحديث الباب نعم قد كتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه و سلم جماعة غير زيد بن ثابت أما بمكة فلجميع ما نزل بها لأن زيد بن ثابت إنما أسلم بعد الهجرة وأما بالمدينة فأكثر ما كان يكتب زيد ولكثرة تعاطيه ذلك أطلق عليه الكاتب بلام العهد كما في حديث البراء بن عازب ثاني حديثي الباب ولهذا قال له أبو بكر إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه و سلم وكان زيد بن ثابت ربما غاب فكتب الوحي غيره وقد كتب له قبل زيد بن ثابت أبي بن كعب وهو أول من كتب له بالمدينة وأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح وممن كتب له في الجملة الخلفاء الأربعة والزبير بن العوام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية وحنظلة بن الربيع الأسدي ومعيقيب بن أبي فاطمة وعبد الله بن الأرقم الزهري وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن رواحة في آخرين وروى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه بن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم مما يأتى عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا الحديث ثم ذكر المصنف في الباب حديثين الأول حديث زيد بن ثابت في قصته مع أبي بكر في جمع القرآن أورد منه طرفا وغرضه منه قول أبي بكر لزيد إنك كنت تكتب الوحي وقد مضى البحث فيه مستوفي في الباب الذي قبله الثاني حديث البراء وهو بن عازب لما نزلت لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله قال النبي صلى الله عليه و سلم ادع لي زيدا وقد تقدم في تفسير سورة النساء بلفظ ادع لي فلانا من رواية إسرائيل أيضا وفي رواية غيره ادع لي زيدا أيضا وتقدمت

(9/22)


القصة هناك من حديث زيد بن ثابت نفسه ووقع هنا فنزلت مكانها لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله غير أولى الضرر هكذا وقع بتأخير لفظ
4704 - غير أولي الضرر والذي في التلاوة غير أولى الضرر قبل والمجاهدون في سبيل الله وقد تقدم على الصواب من وجه آخر عن إسرائيل
( قوله باب أنزل القرآن على سبعة أحرف )
أي على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة فإن قيل فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه فالجواب أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوهما وقيل ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بل المراد التسهيل والتيسير ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد كما يطلق السبعين في العشرات والسبعمائة في المئين ولا يراد العدد المعين وإلى هذا جنح عياض ومن تبعه وذكر القرطبي عن بن حبان انه بلغ الاختلاف في معنى الاحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولا ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة وقال المنذري أكثرها غير مختار ولم أقف على كلام بن حبان في هذا بعد تتبعي مظانه من صحيحه وسأذكر ما انتهى إلى من أقوال العلماء في ذلك مع بيان المقبول منها والمردود إن شاء الله تعالى في آخر هذا الباب ثم ذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث بن عباس
4705 - قوله حدثنا سعيد بن عفير بالمهملة والهاء مصغر بن كثير بن

(9/23)


عفير ينسب إلى جده وهو من حفاظ المصريين وثقاتهم قوله أن بن عباس رضي الله عنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال هذا مما لم يصرح بن عباس بسماعه له من النبي صلى الله عليه و سلم وكأنه سمعه من أبي بن كعب فقد أخرج النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن أبي بن كعب نحوه والحديث مشهور عن أبي أخرجه مسلم وغيره من حديثه كما سأذكره قوله أقرأني جبريل على حرف في أول حديث النسائي عن أبي بن كعب أقرأني رسول الله صلى الله عليه و سلم سورة فبينما أنا في المسجد إذ سمعت رجلا يقرؤها يخالف قراءتي الحديث ولمسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب قال كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمر هما فقرأ فحسن النبي صلى الله عليه و سلم شأنهما قال فسقط في نفسي ولا إذ كنت في الجاهلية فضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا فقال لي يا أبي أرسل إلى أن أقرأ القرآن على حرف الحديث وعند الطبري في هذا الحديث فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى أحمر وجهي فضرب في صدري وقال اللهم اخسأ عنه الشيطان وعند الطبري من وجه آخر عن أبي أن ذلك وقع بينه وبين بن مسعود وأن النبي صلى الله عليه و سلم قال كلاكما محسن قال أبي فقلت ما كلانا أحسن ولا أجمل قال فضرب في صدري الحديث وبين مسلم من وجه آخر عن أبي ليلى عن أبي المكان الذي نزل فيه ذلك على النبي صلى الله عليه و سلم ولفظه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان عند أضاة بني غفار فأتاه جبريل فقال إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف الحديث وبين الطبري من هذه الطريق أن السورة المذكورة سورة النحل قوله فراجعته في رواية مسلم عن أبي فرددت إليه أن هون على أمتي وفي رواية له أن أمتي لا تطيق ذلك ولأبي داود من وجه آخر عن أبي فقال لي الملك الذي معي قل على حرفين حتى بلغت سبعة أحرف وفي رواية للنسائي من طريق أنس عن أبي بن كعب أن جبريل وميكائيل أتياني فقال جبريل اقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل استزده ولأحمد من حديث أبي بكرة نحوه قوله فلم أزل أستزيده ويزيدني في حديث أبي ثم أتاه الثانية فقال على حرفين ثم أتاه الثالثة فقال على ثلاثة أحرف ثم جاءه الرابعة فقال إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا وفي رواية للطبري على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة وفي أخرى له من قرأحرفا منها فهو كما قرأوفي رواية أبي داود ثم قال ليس منها إلا شاف كاف إن قلت سميعا عليما عزيزا حكيما ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب وللترمذي من وجه آخر أنه صلى الله عليه و سلم قال يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط الحديث وفي حديث أبي بكرة عند أحمد كلها كاف شاف كقولك هلم وتعال ما لم تختم الحديث وهذه الأحاديث تقوي أن المراد بالأحرف اللغات أو القراءات أي أنزل القرآن على سبع لغات أو قراءات والأحرف جمع حرف مثل فلس وأفلس فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه من اللغات لأن أحد معاني الحرف في اللغة الوجه كقوله تعال ومن الناس من يعبد الله على حرف وعلى الثاني يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازا لكونه بعضها الحديث الثاني
4706 - قوله أن المسور بن مخرمة أي بن نوفل الزهري كذا رواه عقيل ويونس وشعيب وبن أخي الزهري عن الزهري واقتصر مالك عنه على عروة فلم يذكر المسور في إسناده واقتصر عبد

(9/24)


الأعلى عن معمر عن الزهري فيما أخرجه النسائي عن المسور بن مخرمة فلم يذكر عبد الرحمن وذكره عبد الرزاق عن معمر أخرجه الترمذي وأخرجه مسلم من طريقة لكن أحال به قال كرواية يونس وكأنه أخرجه من طريق بن وهب عن يونس فذكرهما وذكره المصنف في المحاربة عن الليث عن يونس تعليقا قوله وعبد الرحمن بن عبد هو بالتنوين غير مضاف لشيء قوله القارىء بتشديد الياء التحتانية نسبة إلى القارة بطن من خزيمة بن مدركة والقارة لقب واسمه أثيع بالمثلثة مصغر بن مليح بالتصغير وآخره مهملة بن الهون بضم ا لهاء بن خزيمة وقيل بل القارة هو الديش بكسر المهملة وسكون التحتانية بعدها معجمة من ذرية أثيع المذكور وليس هو منسوبا إلى القراءة وكانوا قد حالفوا بني زهرة وسكنوا معهم بالمدينة بعد الإسلام وكان عبد الرحمن من كبار التابعين وقد ذكر في الصحابة لكونه أتى به إلى النبي صلى الله عليه و سلم وهو صغير أخرج ذلك البغوي في مسند الصحابة بإسناد لا بأس به ومات سنة ثمان وثمانين في قول الأكثر وقيل سنة ثمانين وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وقد ذكره في الأشخاص وله عنده حديث آخر عن عمر في الصيام قوله سمعت هشام بن حكيم أي بن حزام الأسدي له ولأبيه صحبة وكان إسلامهما يوم الفتح وكان لهشام فضل ومات قبل أبيه وليس له في البخاري رواية وأخرج له مسلم حديثا واحدا مرفوعا من رواية عروة عنه وهذا يدل على أنه تأخر إلى خلافة عثمان وعلي ووهم من زعم أنه استشهد في خلافة أبي بكر أو عمر وأخرج بن سعد عن معن بن عيسى عن مالك عن الزهري كان هشام بن حكيم يأمر بالمعروف فكان عمر يقول إذا بلغه الشيء أما ما عشت أنا وهشام فلا يكون ذلك قوله يقرأ سورة الفرقان كذا للجميع وكذا في سائر طرق الحديث في المسانيد والجوامع وذكر بعض الشراح أنه وقع عند الخطيب في المبهمات سورة الأحزاب بدل الفرقان وهو غلط من النسخة التي وقف عليها فإن الذي في كتاب الخطيب الفرقان كما في رواية غيره قوله فكدت أساوره بالسين المهملة أي آخذ برأسه قاله الجرجاني وقال غيره أواثبه وهو أشبه قال النابغة فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع أي واثبتني وفي بانت سعاد إذا يساور قرنا لا يحل له أن يترك القرن إلا وهو مخذول ووقع عند الكشميهني والقابسي في رواية شعيب الآتية بعد أبواب أثاوره بالمثلثة عوض المهملة قال عياض والمعروف الأول قلت لكن معناها أيضا صحيح ووقع في رواية مالك أن أعجل عليه قوله فتصبرت في رواية مالك ثم أمهلته حتى انصرف أي من الصلاة لقوله في هذه الرواية حتى سلم قوله فلببته بردائه بفتح اللام وموحدتين الأولى مشددة والثانية ساكنة أي جمعت عليه ثيابه عند لبته لئلا يتفلت مني وكان عمر شديدا في الأمر بالمعروف وفعل ذلك عن اجتهاد منه لظنه أن هشاما خالف الصواب ولهذا لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه و سلم بل قال له أرسله قوله كذبت فيه إطلاق ذلك على غلبة الظن أو المراد بقوله كذبت أي أخطأت لأن أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ قوله فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أقرأنيها هذا قاله عمر استدلالا على ما ذهب إليه من تخطئة هشام وإنما ساغ له ذلك لرسوخ قدمه في الإسلام وسابقته بخلاف

(9/25)


هشام فإنه كان قريب العهد بالإسلام فخشي عمر من ذلك أن لا يكون أتقن القراءة بخلاف نفسه فإنه كان قد أتقن ما سمع وكان سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة من رسول الله صلى الله عليه و سلم قديما ثم لم يسمع ما نزل فيها بخلاف ما حفظه وشاهده ولأن هشاما من مسلمة الفتح فكان النبي صلى الله عليه و سلم أقرأه على ما نزل أخيرا فنشأ اختلافهما من ذلك ومبادرة عمر للإنكار محمولة على أنه لم يكن سمع حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف إلا في هذه الوقعة قوله فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم كأنه لما لببه بردائه صار يجره به فلهذا صار قائدا له ولولا ذلك لكان يسوقه ولهذا قال له النبي صلى الله عليه و سلم لما وصلا إليه أرسله قوله إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف هذا أورده النبي صلى الله عليه و سلم تطمينا لعمر لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين وقد وقع عند الطبري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده قال قرأ رجل فغير عليه عمر فاختصما عند النبي صلى الله عليه و سلم فقال الرجل ألم تقرئني يا رسول الله قال بلى قال فوقع في صدر عمر شيء عرفه النبي صلى الله عليه و سلم في وجهه قال فضرب في صدره وقال أبعد شيطانا قالها ثلاثا ثم قال يا عمر القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذابا أو عذابا رحمة ومن طريق بن عمر سمع عمر رجلا يقرأ فذكره نحوه ولم يذكر نحوه ولم يذكر فوقع في صدر عمر لكن قال في آخره أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف ووقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام منها لأبي بن كعب مع بن مسعود في سورة النحل كما تقدم ومنها ما أخرجه أحمد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو أن رجلا قرأ آية من القرآن فقال له عمرو إنما هي كذا وكذا فذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فقال إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا فيه إسناده حسن ولأحمد أيضا وأبي عبيد والطبري من حديث أبي جهم بن الصمة أن رجلين اختلفا في آية من القرآن كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر نحو حديث عمرو بن العاص وللطبري والطبراني عن زيد بن أرقم قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أقرأني بن مسعود سورة أقرأنيها زيد وأقرأنيها أبي بن كعب فاختلفت قراءتهم فبقراءة أيهم آخذ فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى إلى جنبه فقال على ليقرأ كل إنسان منكم كما علم فإنه حسن جميل ولابن حبان والحاكم من حديث بن مسعود أقرأني رسول الله صلى الله عليه و سلم سورة من آل حم فرحت إلى المسجد فقلت لرجل أقرأها فإذا هو يقرأ حروفا ما أقرؤها فقال أقرانيها رسول الله صلى الله عليه و سلم فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرناه فتغير وجهه وقال إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف ثم أسر إلى على شيئا فقال على أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم قال فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حروفا لا يقرؤها صاحبه وأصل هذا سيأتي في آخر حديث في كتاب فضائل القرآن وقداختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة بلغها أبو حاتم بن حبان إلى خمسة وثلاثين قولا وقال المنذري أكثرها غير مختار قوله فاقرءوا ما تيسر منه أي من المنزل وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور وأنه للتيسير على القارئ وهذا يقوي قول من قال المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف ولو كان من لغة واحدة لأن لغة هشام بلسان قريش وكذلك عمر ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما نبه على ذلك بن عبد البر ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة وذهب أبو عبيد وآخرون إلى أن المراد اختلاف اللغات وهو اختيار بن عطية وتعقب بأن لغات العرب أكثر من سبعة وأجيب بأن المراد أفصحها فجاء عن أبي صالح عن بن عباس قال نزل القرآن على سبع لغات منها خمس بلغة

(9/26)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية