صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ فتح الباري - ابن حجر ]
الكتاب : فتح الباري شرح صحيح البخاري
المؤلف : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
الناشر : دار المعرفة - بيروت ، 1379
تحقيق : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
عدد الأجزاء : 13

( قوله باب حمل الزاد في الغزو )
وقول الله عز و جل وتزودوا فإن خير الزاد التقوى أشار بهذه الترجمة إلى أن حمل الزاد في السفر ليس منافيا للتوكل وقد تقدم في الحج في تفسير الآية من حديث بن عباس ما يؤيد ذلك ثم ذكر فيه أربعة أحاديث أحدها حديث أسماء بنت أبي بكر في تسميتها ذات النطاقين والغرض منه قولها فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به فإنه ظاهر في حمل آلة الزاد في السفر وسيأتي الكلام على شرحه في أبواب الهجرة والنطاق بكسر النون ما تشد به المرأة وسطها ليرتفع به ثوبها من الأرض عند المهنة ثانيها حديث جابر كنا نتزود لحوم الأضاحي الحديث وسيأتي شرحه في كتاب الأضاحي أن شاء الله تعالى ثالثها حديث

(6/129)


سويدم بن النعمان وفيه فدعا النبي صلى الله عليه و سلم بالأطعمة وفي رواية مالك بالازواد وقد تقدم في الطهارة مع الكلام عليه وقوله
2819 - في هذه الرواية فلكنا بضم اللام أي أدرنا اللقمة في الفم وقوله وشربنا قال الداودي لا أراه محفوظا الا أن كان أراد المضمضة كذا قال ويحتمل أن يكون بعضهم استف السويق وبعضهم جعله في الماء وشربه فلا اشكال رابعها حديث سلمة وهو بن الأكوع خفت أزواد الناس وأملقوا فأتوا النبي صلى الله عليه و سلم في نحو ابلهم الحديث وهو ظاهر فيما ترجم به وقوله
2820 - فيه أملقوا أي فني زادهم ومعنى أملق افتقر وقد يأتي متعديا بمعنى أفنى قوله فاتوا النبي صلى الله عليه و سلم في نحر ابلهم أي بسبب نحر ابلهم أو فيه حذف تقديره فاستأذنوه في نحر ابلهم قوله ناد في الناس يأتون أي فهم يأتون ولذلك رفعه وزاد في الشركة فبسط لذلك نطع وقد تقدم أن فيه أربع لغات فتح النون وكسرها وفتح الطاء وسكونها قوله وبرك بالتشديد أي دعا بالبركة وقوله عليهم في رواية الكشميهني عليه أي على الطعام ومثله في الشركة قوله فاحتثى الناس بمهملة ساكنة ثم مثناة ثم مثلثة أي أخذوا حثية حثية وقوله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أشهد إلى آخر الشهادتين أشار إلى أن ظهور المعجزة مما يؤيد الرسالة وفي الحديث حسن خلق رسول الله صلى الله عليه و سلم واجابته إلى ما يلتمس منه أصحابه واجراؤهم على العادة البشرية في الاحتياج إلى الزاد في السفر ومنقبة ظاهرة لعمر دالة على قوة يقينه بإجابة دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى حسن نظره للمسلمين على أنه ليس في اجابه النبي صلى الله عليه و سلم لهم على نحر ابلهم ما يتحتم أنهم يبقون بلا ظهر لاحتمال أن يبعث الله لهم ما يحملهم من غنيمة ونحوها لكن أجاب عمر إلى ما أشار به لتعجيل المعجزة بالبركة التي حصلت في الطعام وقد وقع لعمر شبيه بهذه القصة في الماء وذلك فيما أخرجه بن خزيمة وغيره وستأتي الإشارة إليه في علامات النبوة وقول عمر ما بقاؤكم بعد إبلكم أي لأن توالي المشي ربما أفضى إلى الهلاك وكأن عمر أخذ ذلك من النهي عن الحمر الأهلية يوم خيبر استبقاء لظهورها قال بن بطال استنبط منه بعض الفقهاء أنه يجوز للإمام في الغلاء الزام من عنده ما يفضل عن قوته أن يخرجه للبيع لما في ذلك من صلاح الناس وفي حديث سلمة جواز المشورة على الإمام بالمصلحة وأن لم يتقدم منه الاستشارة
( قوله باب حمل الزاد على الرقاب )
أي عند تعذر حمله على الدواب ذكر فيه حديث جابر في قصة العنبر مقتصرا على بعضه والغرض منه
2821 - قوله ونحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا وسيأتي شرحه مستوفى في أواخر المغازي

(6/130)


( قوله باب أرداف المرأة خلف أخيها )
ذكر فيه حديث عائشة في ارتدافها في العمرة خلف أخيها عبد الرحمن وحديث عبد الرحمن بن أبي بكر في ذلك وقد تقدم الكلام عليهما مستوفى في كتاب الحج ويشبه أن يكون وجه دخوله هنا حديث عائشة المتقدم جهادكن الحج قوله باب الارتداف في الغزو والحج ذكر فيه حديث أنس كنت رديف أبي طلحة وإنهم ليصرخون بهما وقد تقدم شرحه في الحج

(6/131)


( قوله باب الردف على الحمار )
ذكر فيه حديث أسامة بن زيد مختصرا في ارتدافه النبي صلى الله عليه و سلم وقد سبقت الإشارة إليه في الصلح ويأتي شرحه مستوفى في آخر تفسير آل عمران ويظهر وجه دخوله في أبواب الجهاد وحديث عبد الله وهو بن عمر في صلاة النبي صلى الله عليه و سلم في الكعبة وقد تقدم في الصلاة وفي الحج والغرض منه
2826 - قوله في أوله أقبل يوم الفتح مردفا أسامة بن زيد لكنه كان يومئذ راكبا على راحلة
( قوله باب من أخذ بالركاب )
ونحوه أي من الإعانة على الركوب وغيره
2827 - قوله حدثنا إسحاق أخبرنا عبد الرزاق كذا هو غير منسوب وقد تقدم في باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر عن إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق لكن سياقه مغاير لسياقه هنا وتقدم في الصلح عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق مقتصرا على بعضه وهو أشبه بسياقه هنا فليفسر به هذا المهمل هنا قوله كل سلامى بضم المهملة وتخفيف اللام أي أنملة وقيل كل عظم مجوف صغير وقيل هو في الأصل عظم يكون في فرسن البعير واحده وجمعه سواء وقيل جمعه سلاميات وقوله كل يوم عليه صدقة بنصب كل على الظرفية وقوله عليه مشكل قال بن مالك المعهود في كل إذا أضيفت إلى نكرة من خبر وتمييز وغيرهما أن تجيء على وفق المضاف كقوله تعالى كل نفس ذائقة الموت وهنا جاء على وفق كل في قوله كل سلامى عليه صدقة وكان القياس أن يقول عليها صدقة لأن السلامى مؤنثة لكن دل مجيئها في هذا الحديث على الجواز ويحتمل أن يكون ضمن السلامى معنى العظم أو المفصل فأعاد الضمير عليه كذلك والمعنى على كل مسلم مكلف بعدد كل مفصل من عظامه صدقة لله تعالى على سبيل الشكر له بان جعل عظامه مفاصل يتمكن بها من القبض والبسط وخصت بالذكر لمافي التصرف بها من دقائق الصنائع التي اختص بها الآدمي قوله يعدل فاعله الشخص المسلم المكلف وهو مبتدأ على تقدير العدل نحو تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وقد قال سبحانه وتعالى ومن آياته يريكم البرق قوله ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها هو موضع الترجمة فإن قوله فيحمل عليها أعم من أن يريد يحمل عليها المتاع أو الراكب

(6/132)


وقوله أو يرفع عليها متاعه أما شك من الراوي أو تنويع وحمل الراكب أعم من أن يحمله كما هو أو يعينه في الركوب فتصح الترجمة قال بن المنير لا تؤخذ الترجمة من مجرد صيغة الفعل فإنه مطلق بل من جهة عموم المعنى وقد روى مسلم من حديث العباس في غزوة حنين قال وأنا آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الحديث قوله ويميط الأذى عن الطريق تقدم في باب إماطة الأذى عن الطريق من هذا الوجه معلقا وحكى بن بطال عن بعض من تقدمه أن هذا من قول أبي هريرة موقوف وتعقبه بأن الفضائل لا تدرك بالقياس وإنما تؤخذ توقيفا من النبي صلى الله عليه و سلم
( قوله باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو )
سقط لفظ كراهية الا للمستملي فاثبتها وبثبوتها يندفع الاشكال الآتي قوله وكذلك يروى عن محمد بن بشر عن عبيد الله هو بن عمر عن نافع عن بن عمر وتابعه بن إسحاق عن نافع أما رواية محمد بن بشر فوصلها إسحاق بن راهويه في مسنده عنه ولفظه كره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو وقال الدارقطني والبرقاني لم يروه بلفظ الكراهة الا محمد بن بشر وأما متابعة بن إسحاق فهي بالمعنى لأن أحمد أخرجه من طريقه بلفظ نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو والنهي يقتضي الكراهة لأنه لا ينفك عن كراهة التنزيه أو التحريم قوله وقد سافر النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالقرآن السفر بالمصحف خشية أن يناله العدو لا السفر بالقرآن نفسه وقد تعقبه الإسماعيلي بأنه لم يقل أحد أن من يحسن القرآن لا يغزو العدو في دارهم وهو اعتراض من لم يفهم مراد البخاري وادعى المهلب أن مراد البخاري بذلك تقوية القول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة فيجوز في تلك دون هذه والله أعلم ثم ذكر المصنف حديث مالك في ذلك وهو بلفظ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو وأورده بن ماجة من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك وزاد مخافة أن يناله العدو رواه بن وهب عن مالك فقال خشية أن يناله العدو وأخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك فقال قال مالك أراه مخافة فذكره

(6/133)


قال أبو عمر كذا قال يحيى بن يحيى الأندلسي ويحيى بن بكير وأكثر الرواة عن مالك جعلوا التعليل من كلامه ولم يرفعوه وأشار إلى أن بن وهب تفرد برفعها وليس كذلك لما قدمته من رواية بن ماجة وهذه الزيادة رفعها بن إسحاق أيضا كما تقدم وكذلك أخرجها مسلم والنسائي وبن ماجة من طريق الليث عن نافع ومسلم من طريق أيوب بلفظ فإني لا آمن أن يناله العدو فصح أنه مرفوع وليس بمدرج ولعل مالكا كان يجزم به ثم صار يشك في رفعه فجعله من تفسير نفسه قال بن عبد البر أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه واختلفوا في الكبير المأمون عليه فمنع مالك أيضا مطلقا وفصل أبو حنيفة وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجودا وعدما وقال بعضهم كالمالكية واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر لوجود المعنى المذكور فيه وهو التمكن من الاستهانة به ولا خلاف في تحريم ذلك وإنما وقع الاختلاف هل يصح لو وقع ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم لا واستدل به على منع تعلم الكافر القرآن فمنع مالك مطلقا وأجاز الحنفية مطلقا وعن الشافعي قولان وفصل بعض المالكية بين القليل لأجل مصلحة قيام الحجة عليهم فأجازه وبين الكثير فمنعه ويؤيده قصة هرقل حيث كتب إليه النبي صلى الله عليه و سلم بعض الآيات وقد سبق في باب هل يرشد بشيء من هذا وقد نقل النووي الاتفاق على جواز الكتابة إليهم بمثل ذلك تنبيه ادعى بن بطال أن ترتيب هذا الباب وقع فيه غلط من الناسخ وأن الصواب أن يقدم حديث مالك قبل قوله وكذلك يروى عن محمد بن بشر الخ قال وإنما أحتاج إلى المتابعة لأن بعض الناس زاد في الحديث مخافة أن يناله العدو ولم تصح هذه الزيادة عند مالك ولا عند البخاري انتهى وما ادعاه من الغلط مردود فإنه استند إلى أنه لم يتقدم شيء يشار إليه بقوله كذلك وليس كما قال لأنه أشار بقوله كذلك إلى لفظ الترجمة كما بينته من رواية المستملى وأما ما ادعاه من سبب المتابعة فليس كما قال فإن لفظ الكراهية تفرد به محمد بن بشر ومتابعة بن إسحاق له إنما هي في أصل الحديث لكنه أفاد أن المراد بالقرآن المصحف لا حامل القرآن
( قوله باب التكبير عند الحرب )
أي جوازه أو مشروعيته وذكر فيه حديث أنس في قصة خيبر وفيه
2829 - قوله صلى الله عليه و سلم الله أكبر خربت خيبر وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب المغازي والذي نادى بالنهي عن لحوم الحمر الأهلية هو أبو طلحة كما وقع عند مسلم وقوله تابعه علي عن سفيان يعني علي بن المديني شيخه وسيأتي في علامات النبوة

(6/134)


( قوله باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير )
أورد فيه حديث أبي موسى كنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا الحديث وسيأتي شرحه في كتاب الدعوات أن شاء الله تعالى
2830 - قوله أربعوا بفتح الموحدة أي ارفقوا قال الطبري فيه كراهية رفع الصوت بالدعاء والذكر وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين انتهى وتصرف البخاري يقتضي أن ذلك خاص بالتكبير عند القتال وأما رفع الصوت في غيره فقد تقدم في كتاب الصلاة حديث بن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على العهد النبوي إذا انصرفوا من المكتوبة وتقدم البحث فيه هناك
( قوله باب التسبيح إذا هبط واديا )
وأورد فيه حديث جابر كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا

(6/135)


( ثم قال باب التكبير إذا علا شرفا )
وأورد فيه حديث جابر المذكور وفيه وإذا تصوبنا سبحنا أي انحدرنا والتصويب النزول والفدفد بفاءين مفتوحتين بينهما مهملة هي الأرض الغليظة ذات الحصى وقيل المستوية وقيل المكان المرتفع الصلب وقوله
2833 - حدثنا عبد الله حدثني عبد العزيز بن أبي سلمة زعم أبو مسعود أن عبد الله هو بن صالح وتعقبه الجياني بأنه وقع في رواية بن السكن عبد الله بن يوسف وهو المعتمد وسالم المذكور في إسناده هو بن أبي الجعد وأما سالم المذكور في الذي بعده فهو بن عبد الله بن عمر وقد تقدم الحديث من طريق أخرى عن بن عمر في أواخر الحج والغرض من حديث بن عمر قوله فيه كلما أوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثا قال المهلب تكبيره صلى الله عليه و سلم عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله عز و جل وعند ما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء وتسبيحه في بطون الأودية مستنبط من قصة يونس فان بتسبيحة في بطن الحوت نجاه الله من الظلمات فسبح النبي صلى الله عليه و سلم في بطون الأودية لينجيه الله منها وقيل مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله أن لا يوصف بالعلو لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى والمستحيل كون ذلك من جهة الحس ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي ولم يرد ضد ذلك وأن كان قد أحاط بكل شيء علما جل وعز
( قوله باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة )
أي إذا كان سفره في غير معصية
2834 - قوله أخبرنا العوام هو بن حوشب بمهملة ثم معجمة وزن جعفر قوله سمعت أبا بردة هو بن أبي موسى الأشعري قوله واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر أي مع يزيد ويزيد بن أبي كبشة هذا شامي واسم أبيه حيويل بفتح المهملة وسكون التحتانية وكسر الواو بعدها تحتانية أخرى ساكنة ثم لام وهو ثقة ولي خراج السند لسليمان بن عبد الملك ومات في خلافته وليس له في البخاري ذكر الا في هذا الموضع قوله فكان يزيد يصوم في السفر في رواية هشيم عن العوام بن حوشب وكان يزيد بن أبي كبشة يصوم الدهر أخرجه الإسماعيلي قوله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في رواية هشيم عن العوام عند أبي داود سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول غير مرة ولا مرتين قوله إذا مرض العبد أو سافر في رواية هشيم إذا كان العبد يعمل عملا صالحا فشغله عن ذلك مرض قوله كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا هو من اللف والنشر المقلوب فالاقامة في مقابل السفر والصحة في مقابل المرض وهو في حق من كان يعمل طاعة فمنع منها وكانت نيته لولا المانع أن يدوم عليها كما ورد ذلك صريحا عند أبي داود من طريق

(6/136)


العوام بن حوشب بهذا الإسناد في رواية هشيم وعنده في آخره كأصلح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ووقع أيضا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا أن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أو أكفته إلي أخرجه عبد الرزاق وأحمد وصححه الحاكم ولأحمد من حديث أنس رفعه إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده قال الله اكتب له صالح عمله الذي كان يعمله فإن شفاه غسله وطهره وأن قبضه غفر له ورحمه ولرواية إبراهيم السكسكي عن أبي بردة متابع أخرجه الطبراني من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده بلفظ أن الله يكتب للمريض أفضل ما كان يعمل في صحته ما دام في وثاقه الحديث وفي حديث عائشة عند النسائي ما من امرئ تكون له صلاة من الليل يغلبه عليها نوم أو وجع الا كتب له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة قال بن بطال وهذا كله في النوافل وأما صلاة الفرائض فلا تسقط بالسفر والمرض والله أعلم وتعقبه بن المنير بأنه تحجر واسعا ولا مانع من دخول الفرائض في ذلك بمعنى أنه إذا عجز عن الإتيان بها على الهيئة الكاملة أن يكتب له أجر ما عجز عنه كصلاة المريض جالسا يكتب له أجر القائم انتهى وليس اعتراضه بجيد لأنهما لم يتواردا على محل واحد واستدل به على أن المريض والمسافر إذا تكلف العمل كان أفضل من عمله وهو صحيح مقيم وفي هذه الأحاديث تعقب على من زعم أن الأعذار المرخصة لترك الجماعة تسقط الكراهة والإثم خاصة من غير أن تكون محصلة للفضيلة وبذلك جزم النووي في شرح المهذب وبالأول جزم الروياني في التلخيص ويشهد لما قال حديث أبي هريرة رفعه من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلى وحضر لا ينقص ذلك من أجره شيئا أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وإسناده قوي وقال السبكي الكبير في الحلبيات من كانت عادته أن يصلي جماعة فتعذر فانفرد كتب له ثواب الجماعة ومن لم تكن له عادة لكن أراد الجماعة فتعذر فانفرد يكتب له ثواب قصده لا ثواب الجماعة لأنه وأن كان قصده الجماعة لكنه قصد مجرد ولو كان يتنزل منزلة من صلى جماعة كان دون من جمع والأولى سبقها فعل ويدل للأول حديث الباب وللثاني أن أجر الفعل يضاعف وأجر القصد لا يضاعف بدليل من هم بحسنة كتبت له حسنة واحدة كما سيأتي في كتاب الرقاق قال ويمكن أن يقال أن الذي صلى منفردا ولو كتب له أجر صلاة الجماعة لكونه اعتادها فيكتب له ثواب صلاة منفرد بالأصالة وثواب مجمع بالفضل انتهى ملخصا

(6/137)


( قوله باب السير وحده )
ذكر فيه حديثين أحدهما عن جابر في انتداب الزبير وحده وقد تقدم في باب هل يبعث الطليعة وحده وتعقبه الإسماعيلي فقال لا أعلم هذا الحديث كيف يدخل في هذا الباب وقرره بن المنير بأنه لا يلزم من كون الزبير انتدب أن لا يكون سار معه غيره متابعا له قلت لكن قد ورد من وجه آخر ما يدل على أن الزبير توجه وحده وسيأتي في مناقب الزبير من طريق عبد الله بن الزبير ما يدل على ذلك وفيه قلت يا أبت رأيتك تختلف فقال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من يأتيني بخبر بني قريظة فانطلقت الحديث
2835 - قوله قال سفيان الحواري الناصر هو موصول عن الحميدي عنه ثانيهما حديث بن عمر
2836 - قوله لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده ساقه على لفظ أبي نعيم وقوله ما أعلم أي الذي أعلمه من الآفات التي تحصل من ذلك والوحدة بفتح الواو ويجوز كسرها ومنعه بعضهم تنبيهان أحدهما قال المزي في الأطراف قال البخاري حدثنا أبو الوليد عن عاصم بن محمد به وقال بعده وأبو نعيم عن عاصم ولم يقل حدثنا أبو نعيم ولا في كتاب حماد بن شاكر حدثنا أبو نعيم انتهى والذي وقع لنا في جميع الروايات عن الفربري عن البخاري حدثنا أبو نعيم وكذلك وقع في رواية النسفي عن البخاري فقال حدثنا أبو الوليد فساق الإسناد ثم قال وحدثنا أبو الوليد وأبو نعيم قالا حدثنا عاصم فذكره وبذلك جزم أبو نعيم الأصبهاني في المستخرج فقال بعد أن أخرجه من طريق عمرو بن مرزوق عن عاصم بن محمد أخرجه البخاري عن أبي نعيم وأبي الوليد فلعل لفظ حدثنا في رواية أبي نعيم سقط من رواية حماد بن شاكر وحده ثانيهما ذكر الترمذي أن عاصم بن محمد تفرد برواية هذا الحديث وفيه نظر لأن عمر بن محمد أخاه قد رواه معه عن أبيه أخرجه النسائي قال بن المنير السير لمصلحة الحرب أخص من السفر والخبر ورد في السفر فيؤخذ من حديث جابر جواز السفر منفردا للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم الا بالانفراد كارسال الجاسوس والطليعة والكراهة لما عدا ذلك ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدة بالحاجة عند الأمن وحالة المنع مقيدة بالخوف حيث لا ضرورة وقد وقع في كتب المغازي بعث كل من حذيفة ونعيم بن مسعود وعبد الله بن أنيس وخوات بن جبير وعمرو بن أمية وسالم بن عمير وبسبسة في عدة مواطن وبعضها في الصحيح وتقدم في الشروط شيء من ذلك ويأتي في باب الجاسوس بعد قليل

(6/138)


( قوله باب السرعة في السير )
أي في الرجوع إلى الوطن قوله وقال أبو حميد قال النبي صلى الله عليه و سلم إني متعجل الخ هو طرف من حديث سبق في الزكاة بطوله وتقدم الكلام عليه هناك ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدها حديث أسامة بن زيد في سير العنق وقد تقدم شرحه مستوفى في الحج وقوله
2837 - قال سئل أسامة بن زيد كان يحيى يقول وأنا أسمع فسقط عني القائل ذلك هو محمد بن المثنى شيخ البخاري وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق بندار والدورقي وغيرهما عن يحيى بن سعيد وقال فيه سئل أسامة وأنا شاهده ثانيها حديث بن عمر في جمعه بين الصلاتين لما بلغه وجع صفية بنت أبي عبيد وهي زوجته وقد تقدم في أواخر أبواب العمرة بهذا الإسناد مع الكلام عليه ثالثها حديث أبي هريرة السفر قطعة من العذاب وقد تقدم شرحه في أواخر أبواب العمرة وقوله
2839 - نهمته بفتح النون على المشهور أي رغبته قال المهلب تعجله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ليريح نفسه ويفرح أهله وتعجله إلى المزدلفة ليعجل الوقوف بالمشعر الحرام وتعجل بن عمر إلى زوجته ليدرك من حياتها ما يمكنه أن تعهد إليه بما لا تعهد إلى غيره

(6/139)


( قوله باب إذا حمل على فرس فرآها تباع )
ذكر فيه حديث بن عمر في ذلك وحديث عمر نفسه وقد تقدما قريبا وبيان مكان شرحهما وقوله
2840 - في حديث عمر ابتاعه أو أضاعه شك من الراوي ولا معنى لقوله ابتاعه لأنه لم يشتره وإنما عرضه للبيع فيحتمل أن يكون في الأصل باعه فهو بمعنى عرضه للبيع والله أعلم
( قوله باب الجهاد بإذن الأبوين )
كذا أطلق وهو قول الثوري وقيده بالإسلام الجمهور ولم يقع في حديث الباب أنهما منعاه لكن لعله أشار إلى حديث أبي سعيد الآتي
2842 - قوله سمعت أبا العباس الشاعر وكان لا يتهم في حديثه تقدم القول في ذلك في باب صوم داود من كتاب الصيام وقد خالف الأعمش شعبة فرواه بن ماجة من طريق أبي معاوية عن ألاعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو فلعل لحبيب فيه اسنادين ويؤيده أن بكر بن بكار رواه عن شعبة عن حبيب عن عبد الله بن باباه كذلك قوله جاء رجل يحتمل أن يكون هو جاهمة بن العباس بن مرداس فقد روى النسائي وأحمد من طريق معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أردت الغزو وجئت لاستشيرك فقال هل لك من أم قال نعم قال الزمها الحديث ورواه البيهقي من طريق بن جريج عن محمد بن طلحة بن ركانة عن معاوية بن جاهمة السلمي عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه و سلم أستأذنه في الجهاد فذكره وقد اختلف في إسناده على محمد بن طلحة اختلافا كثيرا بينته في ترجمة جاهمة من كتابي في الصحابة قوله فيهما فجاهد أي خصصهما بجهاد النفس في رضاهما ويستفاد منه جواز التعبير عن الشيء بضده إذا فهم المعنى لأن صيغة الأمر في قوله فجاهد ظاهرها إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما لهما وليس ذلك مرادا قطعا وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد وهو تعب البدن والمال ويؤخذ منه أن كل شيء يتعب النفس يسمى جهادا وفيه أن بر الوالد قد يكون أفضل من الجهاد وأن المستشار يشير بالنصيحة المحضة وأن المكلف يستفصل عن الأفضل في أعمال الطاعة ليعمل به لأنه سمع فضل الجهاد فبادر إليه ثم لم يقنع حتى استأذن فيه فدل على ما هو أفضل منه في حقه ولولا السؤال ما حصل له العلم بذلك ولمسلم وسعيد بن منصور من طريق ناعم مولى أم سلمة عن عبد الله بن عمرو في نحو هذه القصة قال ارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ولأبي داود وبن حبان من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما وأصرح من ذلك حديث أبي سعيد عند أبي داود بلفظ ارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما وصححه بن حبان قال جمهور العلماء يحرم الجهاد إذا منع الابوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين

(6/140)


لأن برهما فرض عين عليه والجهاد فرض كفاية فإذا تعين الجهاد فلا إذن ويشهد له ما أخرجه بن حبان من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فسأله عن أفضل الأعمال قال الصلاة قال ثم مه قال الجهاد قال فإن لي والدين فقال آمرك بوالديك خيرا فقال والذي بعثك بالحق نبيا لأجاهدن ولأتركنهما قال فأنت أعلم وهو محمول على جهاد فرض العين توفيقا بين الحديثين وهل يلحق الجد والجدة بالابوين في ذلك الأصح عند الشافعية نعم والأصح أيضا أن لا يفرق بين الحر والرقيق في ذلك لشمول طلب البر فلو كان الولد رقيقا فأذن له سيده لم يعتبر إذن أبويه ولهما الرجوع في الإذن الا أن حضر الصف وكذا لو شرطا أن لا يقاتل فحضر الصف فلا أثر للشرط واستدل به على تحريم السفر بغير إذن لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته فالسفر المباح أولى نعم أن كان سفره لتعلم فرض عين حيث يتعين السفر طريقا إليه فلا منع وأن كان فرض كفاية ففيه خلاف وفي الحديث فضل بر الوالدين وتعظيم حقهما وكثرة الثواب على برهما وسيأتي بسط ذلك في كتاب الأدب أن شاء الله تعالى
( قوله باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل )
أي من الكراهة وقيده بالإبل لورود الخبر فيها بخصوصها
2843 - قوله عن عبد الله بن أبي بكر أي بن محمد بن عمرو بن حزم وعباد بن تميم هو المازني وهو وشيخه والراوي عنه أنصاريون مدنيون وعبد الله وعباد تابعيان قوله أن أبا بشير الأنصاري أخبره ليس لأبي بشير وهو بفتح الموحدة ثم معجمة في البخاري غير هذا الحديث الواحد وقد ذكره الحاكم أبو أحمد فيمن لا يعرف اسمه وقيل اسمه قيس بن عبد الحرير بمهملات مصغر بن عمرو ذكر ذلك بن سعد وساق نسبه إلى مازن الأنصاري وفيه نظر لأنه وقع في رواية عثمان بن عمر عن مالك عند الدارقطني نسبة أبي بشير ساعديا فإن كان قيس يكنى أبا بشير أيضا فهو غير صاحب هذا الحديث وأبو بشير المازني هذا عاش إلى بعد الستين وشهد الحرة وجرح بها ومات من ذلك قوله في بعض أسفاره لم أقف على تعيينها قوله قال عبد الله حسبت أنه قال عبد الله هو بن أبي بكر الراوي وكأنه شك في هذه الجملة ولم أرها من طريقه الا هكذا قوله فأرسل قال بن عبد البر في رواية روح بن عبادة عن مالك أرسل مولاه زيدا قال بن عبد البر وهو زيد بن حارثة فيما يظهر لي قوله في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة كذا هنا بلفظ أو وهي للشك أو للتنويع ووقع في رواية أبي داود عن القعنبي بلفظ ولا قلادة وهو من عطف العام على الخاص وبهذا جزم المهلب ويؤيد الأول ما روى عن مالك أنه سئل عن القلادة فقال ما سمعت بكراهتها الا في الوتر وقوله وتر بالمثناة في جميع الروايات قال بن الجوزي ربما صحف من لا علم له بالحديث فقال وبر بالموحدة قلت حكى بن التين أن

(6/141)


الداودي جزم بذلك وقال هو ما ينتزع عن الجمال يشبه الصوف قال بن التين فصحف قال بن الجوزي وفي المراد بالأوتار ثلاثة أقوال أحدها أنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي لئلا تصيبها العين بزعمهم فأمروا بقطعها أعلاما بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئا وهذا قول مالك قلت وقع ذلك متصلا بالحديث من كلامه في الموطأ وعند مسلم وأبي داود وغيرهما قال مالك أرى أن ذلك من أجل العين ويؤيده حديث عقبة بن عامر رفعه من علق تميمة فلا أتم الله له أخرجه أبو داود أيضا والتميمة ما علق من القلائد خشية العين ونحو ذلك قال بن عبد البر إذا اعتقد الذي قلدها أنها ترد العين فقد ظن أنها ترد القدر وذلك لا يجوز اعتقاده ثانيها النهي عن ذلك لئلا تختنق الدابة بها عند شدة الركض ويحكى ذلك عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وكلام أبي عبيد يرجحه فإنه قال نهى عن ذلك لأن الدواب تتأذى بذلك ويضيق عليها نفسها ورعيها وربما تعلقت بشجرة فاختنقت أو تعوقت عن السير ثالثها أنهم كانوا يعلقون فيها الاجراس حكاه الخطابي وعليه يدل تبويب البخاري وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أم حبيبة أم المؤمنين مرفوعا لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس وأخرجه النسائي من حديث أم سلمة أيضا والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه فقد أخرجه الدارقطني من طريق عثمان بن عمر المذكور بلفظ لا تبقين قلادة من وتر ولا جرس في عنق بعير الا قطع قلت ولا فرق بين الإبل وغيرها في ذلك الا على القول الثالث فلم تجر العادة بتعليق الاجراس في رقاب الخيل وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي وهب الحساني رفعه اربطوا الخيل وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار فدل على أن لا اختصاص للإبل فلعل التقييد بها في الترجمة للغالب وقد حمل النضر بن شميل الأوتار في هذا الحديث على معنى الثأر فقال معناه لا تطلبوا بها ذحول الجاهلية قال القرطبي وهو تأويل بعيد وقال الثوري ضعيف وإلى نحو قول النضر جنح وكيع فقال المعنى لا تركبوا الخيل في الفتن فإن من ركبها لم يسلم أن يتعلق به وتر يطلب به والدليل على أن المراد بالاوتار جمع الوتر بالتحريك لا الوتر بالإسكان ما رواه أبو داود أيضا من حديث رويفع بن ثابت رفعه من عقد لحيته أو تقلد وترا فإن محمدا بريء منه فإنه عند الرواة أجمع بفتح المثناة والجرس بفتح الجيم والراء ثم مهملة معروف وحكى عياض اسكان الراء والتحقيق أن الذي بالفتح اسم الآلة وبالاسكان اسم الصوت وروى مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رفعه الجرس مزمار الشيطان وهو دال على أن الكراهية فيه لصوته لأن فيها شبها بصوت الناقوس وشكله قال النووي وغيره الجمهور على أن النهي للكراهة وأنها كراهة تنزيه وقيل للتحريم وقيل يمنع منه قبل الحاجة ويجوز إذا وقعت الحاجة وعن مالك تختص الكراهة من القلائد بالوتر ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين هذا كله في تعليق التمائم وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه فإنه إنما يجعل للتبرك به والتعوذ بأسمائه وذكره وكذلك لا نهي عما يعلق لأجل الزينة ما لم يبلغ الخيلاء أو السرف واختلفوا في تعليق الجرس أيضا ثالثها يجوز بقدر الحاجة ومنهم من أجاز الصغير منها دون الكبير وأغرب بن حبان فزعم أن الملائكة لا تصحب الرفقة التي يكون فيها الجرس إذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها

(6/142)


( قوله باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة أو كان له عذر هل يؤذن له )
ذكر فيه حديث بن عباس في ذلك وفيه
2844 - قوله أذهب فاحجج مع امرأتك وقد سبق الكلام عليه في أواخر أبواب المحصر من الحج ويستفاد منه أن الحج في حق مثله أفضل من الجهاد لأنه اجتمع له مع حج التطوع في حقه تحصيل حج الفرض لامرأته وكان اجتماع ذلك له أفضل من مجرد الجهاد الذي يحصل المقصود منه بغيره وفيه مشروعية كتابة الجيش ونظر الإمام لرعيته بالمصلحة
( قوله باب الجاسوس )
بجيم ومهملتين أي حكمه إذا كان من جهة الكفار ومشرعيته إذا كان من جهة المسلمين قوله والتجسس التبحث هو تفسير أبي عبيدة قوله وقول الله عز و جل لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الآية مناسبة الآية أما لما سيأتي في التفسير أن القصة المذكورة في حديث الباب كانت سبب نزولها وأما لأن ينتزع

(6/143)


منها حكم جاسوس الكفار فإذا اطلع عليه بعض المسلمين لا يكتم أمره بل يرفعه إلى الإمام ليرى فيه رأيه وقد اختلف العلماء في جواز قتل جاسوس الكفار وسيأتي البحث فيه بعد أحد وثلاثين بابا ثم ذكر فيه حديث علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة وسيأتي الكلام على شرحه في تفسير سورة الممتحنة أن شاء الله تعالى ونذكر فيه المرأة وتسمية من عرف ممن كاتبه حاطب من أهل مكة وقوله
2845 - فيه روضة خاخ بمنقوطتين من فوق والظعينة بالظاء المعجمة المرأة وقوله في آخره قال سفيان وأي إسناد هذا أي عجبا لجلالة رجاله وصريح اتصاله
( قوله باب الكسوة للاسارى )
أي بما يواري عوراتهم إذ لا يجوز النظر إليها قوله عن عمرو هو بن دينار قوله لما كان يوم بدر أتى بأسارى من المشركين
2846 - قوله وأتى بالعباس أي بن عبد المطلب قوله يقدر عليه بضم الدال وإنما كان ذلك لأن العباس كان بين الطول وكذلك كان عبد الله بن أبي قوله فلذلك نزع النبي صلى الله عليه و سلم قميصه الذي ألبسه أي لعبد الله بن أبي عند دفنه وقد تقدم شرح ذلك في أواخر الجنائز وما يحتمل في ذلك من الادراج وقوله في آخر هذا الحديث قال بن عيينة كانت له أي لعبد الله بن أبي وقوله يد أي نعمة وهو محصل ما سبق من قوله في الجنائز كانوا يرون الخ
( قوله باب فضل من أسلم على يديه رجل )
ذكر فيه حديث سهل بن سعد في قصة علي يوم خيبر والمراد منه

(6/144)


2847 - قوله صلى الله عليه و سلم لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم وهو ظاهر فيما ترجم له وسيأتي شرح الحديث في المغازي أن شاء الله تعالى
( قوله باب الأسارى في السلاسل )
ذكر فيه حديث أبي هريرة عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل وقد أخرجه أبو داود من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد بلفظ يقادون إلى الجنة بالسلاسل وقد تقدم توجيه العجب في حق الله في أوائل الجهاد وأن معناه الرضا ونحو ذلك قال بن المنير أن كان المراد حقيقة وضع السلاسل في الأعناق فالترجمة مطابقة وأن كان المراد المجاز عن الإكراه فليست مطابقة قلت المراد بكون السلاسل في أعناقهم مقيد بحالة الدنيا فلا مانع من حمله على حقيقته والتقدير يدخلون الجنة وكانوا قبل أن يسلموا في السلاسل وسيأتي في تفسير آل عمران من وجه آخر عن أبي هريرة في قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس قال خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام قال بن الجوزي معناه أنهم أسروا وقيدوا فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعا فدخلوا الجنة فكان الإكراه على الاسر والتقييد هو السبب الأول وكأنه أطلق على الإكراه التسلسل ولما كان هو السبب في دخول الجنة أقام المسبب مقام السبب وقال الطيبي ويحتمل أن يكون المراد بالسلسلة الجذب الذي يجذبه الحق من خلص عباده من الضلالة إلى الهدى ومن الهبوط في مهاوي الطبيعة إلى العروج للدرجات لكن الحديث في تفسير آل عمران يدل على أنه على الحقيقة ونحوه ما أخرجه من طريق أبي الطفيل رفعه رأيت ناسا من أمتي يساقون إلى الجنة في السلاسل كرها قلت يا رسول الله من هم قال قوم من العجم يسبيهم المهاجرون فيدخلونهم في الإسلام مكرهين وأما إبراهيم الحربي فمنع حمله على حقيقة التقييد وقال المعنى يقادون إلى الإسلام مكرهين فيكون ذلك سبب دخولهم الجنة وليس المراد أن ثم سلسلة وقال غيره يحتمل أن يكون المراد المسلمين المأسورين عند أهل الكفر يموتون على ذلك أو يقتلون فيحشرون كذلك وعبر عن الحشر بدخول الجنة لثبوت دخولهم عقبة والله أعلم

(6/145)


( قوله باب فضل من أسلم من أهل الكتابين )
ذكر فيه حديث أبي بردة وأنه سمع أباه يقول ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين الحديث وقد تقدم الكلام عليه في العتق قال المهلب جاء النص في هؤلاء الثلاثة لينبه به على سائر من أحسن في معنيين في أي فعل كان من أفعال البر وقد تقدمت مباحث هذا الحديث في كتاب العلم ويأتي الكلام على ما يتعلق بمن يعتق الأمة ثم يتزوجها في كتاب النكاح أن شاء الله تعالى قال بن المنير مؤمن أهل الكتاب لا بد أن يكون مؤمنا بنبينا صلى الله عليه و سلم لما أخذ الله عليهم من العهد والميثاق فإذا بعث فإيمانه مستمر فكيف يتعدد ايمانه حتى يتعدد أجره ثم أجاب بأن ايمانه الأول بأن الموصوف بكذا رسول والثاني بأن محمدا هو الموصوف فظهر التغاير فثبت التعدد انتهى ويحتمل أن يكون تعدد أجره لكونه لم يعاند كما عاند غيره ممن أضله الله على علم فحصل له الأجر الثاني بمجاهدته نفسه على مخالفة أنظاره قوله باب أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري أي هل يجوز ذلك أم لا ويبيتون مبني للمفعول وفهم من تقييده ! ! قال أحمد لا بأس بالبيات ولا أعلم أحدا كرهه قوله بياتا ليلا كذا في جميع النسخ بالموحدة ثم التحتانية الخفيفة وبعد الألف مثناة وهذه عادة المصنف إذا وقع في الخبر لفظة توافق ما وقع في القرآن أورد تفسير اللفظ الواقع في القرآن جمعا بين المصلحتين وتبركا بالأمرين ووقع عند غير أبي ذر من الزيادة هنا لنبيتنه ليلا بيت ليلا وهذا جميع ما وقع في القرآن من هذه المادة وهذه الأخيرة بيت يريد قوله بيت طائفة منهم غير الذي تقول وهي في السبعة قال أبو عبيدة كل شيء قدر بليل يبيت قال الشاعر

(6/146)


هبت لتعذلني بليل أسمع سفها تبيتك الملامة فاهجعي وأغرب بن المنير فصحف بياتا فجعلها نياما بنون وميم من النوم فصارت هكذا فيصاب الولدان والذراري نياما ليلا ثم تعقبه فقال العجب من زيادته في الترجمة نياما وما هو في الحديث الا ضمنا الا أن الغالب أنهم إذا وقع بهم ليلا كان أكثرهم نياما لكن ما الحاجة إلى التقييد بالنوم والحكم سواء نياما كانوا أو أيقاظا الا أن يقال أن قتلهم نياما أدخل في الاغتيال من كونهم أيقاظا فنبه على جواز مثل ذلك انتهى وقد صحف ثم تكلف ومعنى البيات المراد في الحديث أن يغار على الكفار بالليل بحيث لا يميز بين أفرادهم
2850 - قوله عن عبيد الله هو بن عبد الله بن عتبة ووقع في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان عن الزهري أخبرني عبيد الله قوله فسئل لم أقف على اسم السائل ثم وجدت في صحيح بن حبان من طريق محمد بن عمرو عن الزهري بسنده عن الصعب قال سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم قال نعم فظهر أن الراوي هو السائل قوله عن أهل الدار أي المنزل هكذا في البخاري وغيره ووقع في بعض النسخ من مسلم سئل عن الذراري قال عياض الأول هو الصواب ووجه النووي الثاني وهو واضح قوله هم منهم أي في الحكم تلك الحالة وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء الا بوطء الذرية فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم قوله وسمعته يقول كذا للأكثر ولأبي ذر فسمعته بالفاء والأول أوضح وقوله لا حمى الا لله ولرسوله تقدم الكلام عليه في الشرب وقوله وعن الزهري هو موصول بالإسناد الأول وكان بن عيينة يحدث بهذا الحديث مرتين مرة مجردا هكذا ومرة يذكر فيه سماعه إياه أولا من عمرو بن دينار عن الزهري عن النبي صلى الله عليه و سلم ثم يذكر سماعه إياه من الزهري وننبه على نكتة في المتن وهي أن في رواية عمرو بن دينار قال هم من آبائهم وفي رواية الزهري قال هم منهم وقد أوضح ذلك الإسماعيلي في روايته عن جعفر الفريابي عن علي بن المديني وهو شيخ البخاري فيه فذكر الحديث وقال قال علي ردده سفيان في هذا المجلس مرتين وقوله في سياق هذا الباب عن الزهري عن النبي صلى الله عليه و سلم يوهم أن رواية عمرو بن دينار عن الزهري هكذا بطريق الإرسال وبذلك جزم بعض الشراح وليس كذلك فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق العباس بن يزيد حدثنا سفيان قال كان عمرو يحدثنا قبل أن يقدم المدينة الزهري عن الزهري عن عبيد الله عن بن عباس عن الصعب قال سفيان فقدم علينا الزهري فسمعته يعيده ويبديه فذكر الحديث وزاد الإسماعيلي في طريق جعفر الفريابي عن علي عن سفيان وكان الزهري إذا حدث بهذا الحديث قال وأخبرني بن كعب بن مالك عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما بعث إلى بن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان انتهى وهذا الحديث أخرجه أبو داود بمعناه من وجه آخر عن الزهري وكأن الزهري أشار بذلك إلى نسخ حديث الصعب وقال مالك والأوزاعي لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم وقد أخرج بن حبان في حديث الصعب زيادة في آخره ثم نهى عنهم يوم حنين وهي مدرجة في حديث الصعب وذلك بين في سنن أبي داود فإنه قال في آخره قال سفيان قال الزهري ثم نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان ويؤيد كون النهي في غزوة حنين ما سيأتي في حديث رياح بن الربيع الآتي فقال لأحدهم الحق خالدا فقل له لا تقتل ذرية ولا عسيفا والعسيف

(6/147)


بمهملتين وفاء الأجير وزنا ومعنى وخالد أول مشاهده مع النبي صلى الله عليه و سلم غزوة الفتح وفي ذلك العام كانت غزوة حنين وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث بن عمر قال لما دخل النبي صلى الله عليه و سلم مكة أتى بامرأة مقتولة فقال ما كانت هذه تقاتل ونهى فذكر الحديث وأخرج أبو داود في المراسيل عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال ألم أنه عن قتل النساء من صاحبها فقال رجل أنا يا رسول الله أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني فقتلتها فأمر بها أن توارى ويحتمل في هذه التعدد والذي جنح إليه غيرهم الجمع بين الحديثين كما تقدمت الإشارة إليه وهو قول الشافعي والكوفيين وقالوا إذا قاتلت المرأة جاز قتلها وقال بن حبيب من المالكية لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت الا أن باشرت القتل وقصدت إليه قال وكذلك الصبي المراهق ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أبو داود والنسائي وبن حبان من حديث رياح بن الربيع وهو بكسر الراء والتحتانية التميمي قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين فرأى امرأة مقتولة فقال ما كانت هذه لتقاتل فإن مفهومه أنها لو قاتلت لقتلت واتفق الجميع كما نقل بن بطال وغيره على منع القصد إلى قتل النساء والولدان أما النساء فلضعفهن وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر ولما في استبقائهم جميعا من الاتنفاع بهم أما بالرق أو بالفداء فيمن يجوز أن يفادى به وحكى الحازمي قولا بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر حديث الصعب وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي وهو غريب وسيأتي الكلام على قتل المرأة المرتدة في كتاب القصاص وفي الحديث دليل على جواز العمل بالعام حتى يرد الخاص لأن الصحابة تمسكوا بالعمومات الدالة على قتل أهل الشرك ثم نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن قتل النساء والصبيان فخص ذلك العموم ويحتمل أن يستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة ويستنبط منه الرد على من يتخلى عن النساء وغيرهن من أصناف الأموال زهدا لأنهم وأن كان قد يحصل منهم الضرر في الدين لكن يتوقف تجنبهم على حصول ذلك الضرر فمتى حصل اجتنبت وإلا فليتناول من ذلك بقدر الحاجة
( قوله باب قتل الصبيان في الحرب )
أورد فيه حديث بن عمر من طريق ليث وهو بن سعد بلفظ فأنكر

(6/148)


( قوله باب لا يعذب بعذاب الله )
هكذا بت الحكم في هذه المسألة لوضوح دليلها عنده ومحله إذا لم يتعين التحريق طريقا إلى الغلبة على الكفار حال الحرب
2853 - قوله عن بكير بموحدة وكاف مصغر ولأحمد عن هشام بن القاسم عن الليث حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج فأفاد نسبته وتصريحه بالتحديث قوله عن أبي هريرة كذا في جميع الطرق عن الليث ليس بين سليمان بن يسار وأبي هريرة فيه أحد وكذلك أخرجه النسائي من طريق عمرو بن الحارث وغيره عن بكير ومضى قبل أبواب معلقا وخالفهم محمد بن إسحاق فرواه في السيرة عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير فأدخل بين سليمان وأبي هريرة رجلا وهو أبو إسحاق الدوسي وأخرجه الدارمي وبن السكن وبن حبان في صحيحه من طريق بن إسحاق وأشار الترمذي إلى هذه الرواية ونقل عن البخاري أن رواية الليث أصح وسليمان قد صح سماعه من أبي هريرة يعني وهو غير مدلس فتكون رواية بن إسحاق من المزيد في متصل الأسانيد قوله بعثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم في بعث فقال أن وجدتم فلانا وفلانا زاد الترمذي عن قتيبة بهذا الإسناد رجلين من قريش وفي رواية بن إسحاق بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم سرية أنا فيها قلت وكان أمير السرية المذكورة حمزة بن عمرو الأسلمي أخرجه أبو داود من طريقه بإسناد صحيح لكن قال في روايته أن وجدتم فلانا فأحرقوه بالنار هكذا بالافراد وكذلك رويناه في فوائد علي بن حرب عن بن عيينة عن بن أبي نجيح مرسلا وسماه هبار بن الأسود ووقع في رواية بن إسحاق أن وجدتم هبار بن الأسود والرجل الذي سبق منه إلى زينب ما سبق فحرقوهما بالنار يعني

(6/149)


زينب بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان زوجها أبو العاص بن الربيع لما أسره الصحابة ثم أطلقه النبي صلى الله عليه و سلم من المدينة شرط عليه أن يجهز له ابنته زينب فجهزها فتبعها هبار بن الأسود ورفيقه فنخسا بعيرها فأسقطت ومرضت من ذلك والقصة مشهورة عند بن إسحاق وغيره وقال في روايته وكانا نخسا بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم حين خرجت من مكة وقد أخرجه سعيد بن منصور عن بن عيينة عن بن أبي نجيح أن هبار بن الأسود أصاب زينب بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم بشيء وهي في خدرها فاسقطت فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم سرية فقال أن وجدتموه فاجعلوه بين حزمتي حطب ثم أشعلوا فيه النار ثم قال إني لأستحي من الله لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله الحديث فكأن افراد هبار بالذكر لكونه كان الأصل في ذلك والآخر كان تبعا له وسمي بن السكن في روايته من طريق بن إسحاق الرجل الآخر نافع بن عبد قيس وبه جزم بن هشام في زوائد السيرة عليه وحكى السهيلي عن مسند البزار أنه خالد بن عبد قيس فلعله تصحف عليه وإنما هو نافع كذلك هو في النسخ المعتمدة من مسند البزار وكذلك أورده بن بشكوال من مسند البزار وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه من طريق بن لهيعة كذلك قلت وقد أسلم هبار هذا ففي رواية بن أبي نجيح المذكورة فلم تصبه السرية وأصابه الإسلام فهاجر فذكر قصة إسلامه وله حديث عند الطبراني وآخر عند بن منده وذكر البخاري في تاريخه لسليمان بن يسار عنه رواية في قصة جرت له مع عمر في الحج وعاش هبار هذا إلى خلافة معاوية وهو بفتح الهاء وتشديد الموحدة ولم أقف لرفيقه على ذكر في الصحابة فلعله مات قبل أن يسلم قوله ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أردنا الخروج في رواية بن إسحاق حتى إذا كان من الغد وفي رواية عمرو بن الحارث فأتيناه نودعه حين أردنا الخروج وفي رواية بن لهيعة فلما ودعنا وفي رواية حمزة الأسلمي فوليت فناداني فرجعت قوله وإن النار لا يعذب بها الا الله هو خبر بمعنى النهي ووقع في رواية بن لهيعة وأنه لا ينبغي وفي رواية بن إسحاق ثم رأيت أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار الا الله وروى أبو داود من حديث بن مسعود رفعه أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار الا رب النار وفي الحديث قصة واختلف السلف في التحريق فكره ذلك عمر وبن عباس وغيرهما مطلقا سواء كان ذلك بسبب كفر أو في حال مقاتلة أو كان قصاصا وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما وسيأتي ما يتعلق بالقصاص قريبا وقال المهلب ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة وقد سمل النبي صلى الله عليه و سلم أعين العرنيين بالحديد المحمى وقد حرق أبو بكر البغاة بالنار بحضرة الصحابة وحرق خالد بن الوليد بالنار ناسا من أهل الردة وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون والمراكب على أهلها قاله الثوري والأوزاعي وقال بن المنير وغيره لا حجة فيما ذكر للجواز لأن قصة العرنيين كانت قصاصا أو منسوخة كما تقدم وتجويز الصحابي معارض بمنع صحابي آخر وقصة الحصون والمراكب مقيدة بالضرورةالى ذلك إذا تعين طريقا للظفر بالعدو ومنهم من قيده بأن لا يكون معهم نساء ولا صبيان كما تقدم وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم وهو نسخ لأمره المتقدم سواء كان بوحي إليه أو باجتهاد منه وهو محمول على من قصد إلى ذلك في شخص بعينه وقد اختلف في مذهب مالك في أصل المسألة وفي التدخين وفي القصاص بالنار وفي الحديث جواز الحكم بالشيء اجتهادا ثم الرجوع عنه واستحباب ذكر الدليل عند الحكم لرفع الالباس والاستنابة في الحدود ونحوها وأن طول الزمان لا يرفع العقوبة عمن يستحقها وفيه كراهة قتل

(6/150)


مثل البرغوث بالنار وفيه نسخ السنة بالسنة وهو اتفاق وفيه مشروعية توديع المسافر لأكابر أهل بلده وتوديع أصحابه له أيضا وفيه جواز نسخ الحكم قبل العمل به أو قبل التمكن من العمل به وهو اتفاق الا عن بعض المعتزلة فيما حكاه أبو بكر بن العربي وهذه المسألة غير المسألة المشهورة في الأصول في وجوب العمل بالناسخ قبل العلم به وقد تقدم شيء من ذلك في أوائل الصلاة في الكلام على حديث الإسراء وقد اتفقوا على أنهم أن تمكنوا من العلم به ثبت حكمة في حقهم اتفاقا فإن لم يتمكنوا فالجمهور أنه لا يثبت وقيل يثبت في الذمة كما لو كان نائما ولكنه معذور
2854 - قوله عن أيوب صرح الحميدي عن سفيان بتحديث أيوب له به قوله أن عليا حرق قوما في رواية الحميدي المذكورة أن عليا أحرق المرتدين يعني الزنادقة وفي رواية بن أبي عمر ومحمد بن عباد عند الإسماعيلي جميعا عن سفيان قال رأيت عمرو بن دينار وأيوب وعمارا الدهني اجتمعوا فتذاكروا الذين حرقهم علي فقال أيوب فذكر الحديث فقال عمار لم يحرقهم ولكن حفر لهم حفائر وخرق بعضها إلى بعض ثم دخن عليهم فقال عمرو بن دينار قال الشاعر لترم بي المنايا حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما أججوا حطبا ونارا هناك الموت نقدا غير دين انتهى وكأن عمرو بن دينار أراد بذلك الرد على عمار الدهني في إنكاره أصل التحريق ثم وجدت في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص حدثنا لوين حدثنا سفيان بن عيينة فذكره عن أيوب وحده ثم أورده عن عمار وحده قال بن عيينة فذكرته لعمرو بن دينار فأنكره وقال فأين قوله أوقدت ناري ودعوت قنبرا فظهر بهذا صحة ما كنت ظننته وسيأتي للمصنف في استتابة المرتدين في آخر الحدود من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال أتى على بزنادقة فأحرقهم ولأحمد من هذا الوجه أن عليا أتى بقوم من هؤلاء الزنادقة ومعهم كتب فأمر بنار فأججت ثم أحرقهم وكتبهم وروى بن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن عبيد عن أبيه قال كان ناس يعبدون الأصنام في السر ويأخذون العطاء فأتى بهم على فوضعهم في السجن واستشار الناس فقالوا اقتلهم فقال لا بل أصنع بهم كما صنع بأبينا إبراهيم فحرقهم بالنار قوله لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا تعذبوا بعذاب الله هذا أصرح في النهي من الذي قبله وزاد أحمد وأبو داود والنسائي من وجه آخر عن أيوب في آخره فبلغ ذلك عليا فقال ويح بن عباس وسيأتي الكلام على قوله من بدل دينه فاقتلوه في استتابة المرتدين أن شاء الله تعالى
( قوله باب فإما منا بعد وأما فداء )
فيه حديث ثمامة كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة في قصة إسلام ثمامة بن آثال وستأتي موصولة مطولة في أواخر كتاب المغازي والمقصود منها هنا قوله فيه أن تقتل تقتل ذا دم وأن تنعم تنعم على شاكر وأن كنت تريد المال فسل منه ما شئت فإن النبي صلى الله عليه و سلم أقره على ذلك ولم ينكر عليه التقسيم ثم من عليه بعد ذلك فكان في ذلك تقوية لقول الجمهور أن الأمر في أسرى الكفرة من الرجال إلى الإمام يفعل

(6/151)


ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين وقال الزهري ومجاهد وطائفة لا يجوز أخذ الفداء من أسارى الكفار أصلا وعن الحسن وعطاء لا تقتل الأسارى بل يتخير بين المن والفداء وعن مالك لا يجوز المن بغير فداء وعن الحنفية لا يجوز المن أصلا لا بفداء ولا بغيره فيرد الأسير حربيا قال الطحاوي وظاهر الآية حجة للجمهور وكذا حديث أبي هريرة في قصة ثمامة لكن في قصة ثمامة ذكر القتل وقال أبو بكر الرازي احتج أصحابنا لكراهة فداء المشركين بالمال بقوله تعالى لولا كتاب من الله سبق الآية ولا حجة لهم لأن ذلك كان قبل حل الغنيمة فإن فعله بعد إباحة الغنيمة فلا كراهة انتهى وهذا هو الصواب فقد حكى بن القيم في الهدى اختلافا أي الامرين أرجح ما أشار به أبو بكر من أخذ الفداء أو ما أشار به عمر من القتل فرجحت طائفة رأى عمر لظاهر الآية ولما في القصة من حديث عمر من قول النبي صلى الله عليه و سلم أبكي لما عرض على أصحابك من العذاب لاخذهم الفداء ورجحت طائفة رأي أبي بكر لأنه الذي استقر عليه الحال حينئذ ولموافقة رأيه الكتاب الذي سبق ولموافقة حديث سبقت رحمتي غضبي ولحصول الخير العظيم بعد من دخول كثير منهم في الإسلام والصحبة ومن ولد لهم من كان ومن تجدد إلى غير ذلك مما يعرف بالتأمل وحملوا التهديد بالعذاب على من أختار الفداء فيحصل عرض الدنيا مجردا وعفا الله عنهم ذلك وحديث عمر المشار إليه في هذه القصة أخرجه أحمد مطولا وأصله في صحيح مسلم بالسند المذكور قوله وقوله عز و جل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض يعني يغلب في الأرض تريدون عرض الدنيا الآية كذا وقع في رواية أبي ذر وكريمة وسقط للباقين وتفسير يثخن بمعنى يغلب قاله أبو عبيدة وزاد ويبالغ وعن مجاهد الاثخان القتل وقيل المبالغة فيه وقيل معناه حتى يتمكن في الأرض وأصل الاثخان في اللغة الشدة والقوة وأشار المصنف بهذه الآية إلى قول مجاهد وغيره ممن منع أخذ الفداء من أسارى الكفار وحجتهم منها أنه تعالى أنكر إطلاق أسرى كفار بدر على مال فدل على عدم جواز ذلك بعد واحتجوا بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم قال فلا يستثنى من ذلك الا من يجوز أخذ الجزية منه وقال الضحاك بل قوله تعالى فاما منا بعد وأما فداء ناسخ لقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقال أبو عبيد لا نسخ في شيء من هذه الآيات بل هي محكمة وذلك أنه صلى الله عليه و سلم عمل بما دلت عليه كلها في جميع أحكامه فقتل بعض الكفار يوم بدر وفدى بعضا ومن على بعض وكذا قتل بني قريظة ومن على بني المصطلق وقتل بن خطل وغيره بمكة ومن على سائرهم وسبى هوازن ومن عليهم ومن على ثمامة بن أثال فدل كل ذلك على ترجيح قول الجمهور أن ذلك راجع إلى رأي الإمام ومحصل أحوالهم تخيير الإمام بعد الأسر بين ضرب الجزية لمن شرع أخذها منه أو القتل أو الاسترقاق أو المن بلا عوض أو بعوض هذا في الرجال وأما النساء والصبيان فيرقون بنفس الاسر ويجوز المفاداة بالأسيرة الكافرة بأسير مسلم أو مسلمة عند الكفار ولو أسلم الأسير زال القتل اتفاقا وهل يصير رقيقا أو تبقى بقية الخصال قولان للعلماء

(6/152)


( قوله باب هل للاسير أن يقتل أو يخدع الذين أسروه حتى ينجو من الكفرة )
فيه المسور عن النبي صلى الله عليه و سلم يشير بذلك إلى قصة أبي بصير وقد تقدم بسطها في أواخر الشروط وهي ظاهرة فيما ترجم له وهي من مسائل الخلاف أيضا ولهذا لم يبت الحكم فيها قال الجمهور أن ائتمنوه يف لهم بالعهد حتى قال مالك لا يجوز أن يهرب منهم وخالفه أشهب فقال لو خرج به الكافر ليفادي به فله أن يقتله وقال أبو حنيفة والطبري إعطاؤه العهد على ذلك باطل ويجوز له أن لا يفي لهم به وقال الشافعية يجوز أن يهرب من أيديهم ولا يجوز أن يأخذ من أموالهم قالوا وأن لم يكن بينهم عهد جاز له أن يتخلص منهم بكل طريق ولو بالقتل وأخذ المال وتحريق الدار وغير ذلك وليس في قصة أبي بصير تصريح بأنه كان بينه وبين من تسلمه ليرده إلى المشركين عهد ولهذا تعرض للقتل فقتل أحد الرجلين وانفلت الآخر ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه و سلم كما تقدم مستوفى قوله باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق أي جزاء بفعله هذه الترجمة تليق أن تذكر قبل بابين فلعل تأخيرها من تصرف النقلة ويؤيد ذلك أنهما سقطا جميعا للنسفي وثبت عنده ترجمة إذا حرق المشرك تلو ترجمة لا يعذب بعذاب الله وكأنه أشار بذلك إلى تخصيص النهي في قوله لا يعذب بعذاب الله بما إذا لم يكن ذلك على سبيل القصاص وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك وقد أورد المصنف في الباب حديث أنس في قصة العرنيين وليس فيه التصريح بأنهم فعلوا ذلك بالرعاء لكنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه وذلك فيما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أنس قال إنما سمل النبي صلى الله عليه و سلم أعين العرنيين لأنهم سملوا أعين الرعاء قال بن بطال ولو لم يرد ذلك لكان أخذ ذلك من قصة العرنيين بطريق الأولى لأنه إذا جاز سمل أعينهم وهو تعذيب بالنار ولو لم يفعلوا ذلك بالمسلمين فجوازه أن فعلوه أولى وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الطهارة في باب أبوال الإبل وهو في أواخر أبواب الوضوء قبيل كتاب الغسل وقوله
2855 - حدثنا معلى بضم الميم وهو بن أسد وثبت كذلك في رواية الأصيلي وآخرين وقوله فيه أبغنا رسلا أي أعنا على طلبه والرسل بكسر الراء الدر من اللبن والذود بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة الثلاث من الإبل إلى العشرة والصريخ صوت المستغيث وترجل بالجيم أي ارتفع

(6/153)


( قوله باب كذا )
لهم بغير ترجمة وهو كالفصل من الباب قبله والمناسبة بينهما أن لا يتجاوز بالتحريق حيث يجوز إلى من لم يستوجب ذلك فإنه أورد فيه حديث أبي هريرة في تحريق قرية النمل وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه أن الله أوحى إليه فهلا نملة واحدة فإن فيه إشارة إلى أنه لو حرق التي قرصته وحدها لما عوتب ولا يخفى أن صحة الاستدلال بذلك متوقفة على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا وسيأتي الكلام على شرحه مستوفى في بدء الخلق أن شاء الله تعالى قوله باب حرق الدور والنخيل أي التي للمشركين كذا وقع في جميع النسخ حرق وضبطوه بفتح أوله واسكان الراء وفيه نظر لأنه لا يقال في المصدر حرق وإنما يقال تحريق واحراق لأنه رباعي فلعله كان حرق بتشديد الراء بلفظ الفعل الماضي وهو المطابق للفظ الحديث والفاعل محذوف تقديره النبي صلى الله عليه و سلم بفعله أو بإذنه وقد ترجم في التي قبلها باب إذا حرق وعلى هذا فقوله الدور منصوب بالمفعولية والنخيل كذلك نسقا عليه ثم ذكر فيه حديثين ظاهرين فيما ترجم له أحدهما عن جرير في قصة ذي الخلصة بفتح المعجمة واللام والمهملة وحكى تسكين اللام وسيأتي شرحه في أواخر المغازي وقوله
2857 - فيه كعبة اليمانية أي كعبة الجهة اليمانية على رأي البصريين ثانيهما حديث بن عمر حرق رسول الله صلى الله عليه و سلم نخل بني النضير أورده مختصرا هكذا وسيأتي بتمامه

(6/154)


في المغازي مع شرحه أن شاء الله تعالى وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئا من ذلك وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال كما وقع في نصب المنجنيق على الطائف وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قتل النساء والصبيان وبهذا قال أكثر أهل العلم ونحو ذلك القتل بالتغريق وقال غيره إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد ستفتح فأراد ابقاءها على المسلمين والله أعلم
( قوله باب قتل المشرك النائم )
ذكر فيه قصة قتل أبي رافع اليهودي من حديث البراء بن عازب أورده من وجهين مطولا ومختصرا وسيأتي شرحها في كتاب المغازي أن شاء الله تعالى وهي ظاهرة فيما ترجم له لأن الصحابي طلب قتل أبي رافع وهو نائم وإنما ناداه ليتحقق أنه هو لئلا يقتل غيره ممن لا غرض له إذ ذاك في قتله

(6/155)


وبعد أن أجابه كان في حكم النائم لأنه حينئذ استمر على خيال نومه بدليل أنه بعد أن ضربه لم يفر من مكانه ولا تحول من مضجعه حتى عاد إليه فقتله وفيه جواز التجسيس على المشركين وطلب غرتهم وجواز اغتيال ذوي الأذية البالغة منهم وكان أبو رافع يعادي رسول الله صلى الله عليه و سلم ويؤلب عليه الناس ويؤخذ منه جواز قتل المشرك بغير دعوة أن كان قد بلغته الدعوة قبل ذلك وأما قتله إذا كان نائما فمحله أن يعلم أنه مستمر على كفره وأنه قد يئس من فلاحه وطريق العلم بذلك أما بالوحي وأما بالقرائن الدالة على ذلك
( قوله باب لا تمنوا لقاء العدو )
ذكر فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى في ذلك وقد تقدم مقطعا في أبواب منها الجنة تحت البارقة اقتصر على
2861 - قوله واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ومنها الصبر عند القتال واقتصر على قوله وإذا لقيتموهم فاصبروا ومنها الدعاء على المشركين بالهزيمة واقتصر على الفصل المتعلق بالحديث منه وقد تقدم الكلام فيه على شيء في إسناده في أول ترجمة وأورده بتمامه في القتال بعد الزوال وتقدم الكلام فيما يتعلق بذلك فيه قوله لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا قال بن بطال حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر وهو نظير سؤال العافية من الفتن وقد قال الصديق لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر وقال غيره إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم وقيل يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر وإلا فالقتال فضيلة وطاعة ويؤيد الأول تعقيب النهي بقوله وسلوا الله العافية وأخرج سعيد بن منصور من طريق يحيى بن أبي كثير مرسلا لا تمنوا

(6/156)


لقاء العدو فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم وقال بن دقيق العيد لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفس وكانت الأمور الغائبة ليست كالامور المحققة لم يؤمن أن يكون عند الوقوع كما ينبغي فيكره التمني لذلك ولما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه ثم أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة انتهى واستدل بهذا الحديث على منع طلب المبارزة وهو رأي الحسن البصري وكان علي يقول لا تدع إلى المبارزة فإذا دعيت فأجب تنصر لأن الداعي باغ وقد تقدم قول على في ذلك قوله ثم قال اللهم منزل الكتاب الخ أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم فبالكتاب إلى قوله تعالى قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وبمجرى السحاب إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب حيث يحرك الريح بمشيئة الله تعالى وحيث يستمر في مكانه مع هبوب الريح وحيث تمطر تارة وأخرى لا تمطر فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم وبانزال المطر إلى غنيمة ما معهم حيث يتفق قتلهم وبعدمه إلى هزيمتهم حيث لا يحصل الظفر بشيء منهم وكلها أحوال صالحة للمسلمين وأشار بهازم الأحزاب إلى التوسل بالنعمة السابقة وإلى تجريد التوكل واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل وفيه التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث فإن بانزال الكتاب حصلت النعمة الأخروية وهي الإسلام وباجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين وكأنه قال اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الاخروية والدنيوية وحفظتهما فأبقهما وروى الإسماعيلي في هذا الحديث من وجه آخر أنه صلى الله عليه و سلم دعا أيضا فقال اللهم أنت ربنا وربهم ونحن عبيدك وهم عبيدك نواصينا ونواصيهم بيدك فاهزمهم وانصرنا عليهم ولسعيد بن منصور من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن النبي صلى الله عليه و سلم مرسلا نحوه لكن بصيغة الأمر عطفا على قوله وسلوا الله العافية فإن بليتم بهم فقولوا اللهم فذكره وزاد وغضوا أبصاركم واحملوا عليهم على بركة الله
2862 - قوله وقال موسى بن عقبة الخ هو معطوف على الإسناد الماضي وكأنه يشير إلى أنه عنده بالإسناد الواحد على وجهين مطولا ومختصرا وهذا ما في رواية أبي ذر واقتصر غيره لهذا المتن المختصر على الإسناد المذكور ولم يسوقوه مطولا والله أعلم
2863 - قوله وقال أبو عامر هو العقدي وقال الكرماني لعله عبد الله بن براد الأشعري كذا قال ولم يصب فإنه ما لا بن براد رواية عن المغيرة وقد وصله مسلم والنسائي والإسماعيلي وغيرهم من طرق عن أبي عامر العقدي عن مغيرة به وفي الحديث استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار ووصية المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم وتعليمهم بما يحتاجون إليه وسؤال الله تعالى بصفاته الحسنى وبنعمه السالفة ومراعاة نشاط النفوس لفعل الطاعة والحث على سلوك الأدب وغير ذلك

(6/157)


( قوله باب الحرب خدعة )
أورده من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مطولا ومختصرا ومن حديث جابر مختصرا وفي أول المطول ذكر كسرى وقيصر وسيأتي الكلام على هذا في علامات النبوة وقوله خدعة بفتح المعجمة وبضمها مع سكون المهملة فيهما وبضم أوله وفتح ثانيه قال النووي اتفقوا على أن الأولى ألأفصح حتى قال ثعلب بلغنا أنها لغة النبي صلى الله عليه و سلم وبذلك جزم أبو ذر الهروي والقزاز والثانية ضبطت كذلك في رواية الأصيلي قال أبو بكر بن طلحة أراد ثعلب أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يستعمل هذه البنية كثيرا لوجازة لفظها ولكونها تعطي معنى البنيتين الأخيرتين قال ويعطى معناها أيضا الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن ولو مرة وإلا فقاتل قال فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى ومعنى خدعة بالإسكان أنها تخدع أهلها من وصف الفاعل باسم المصدر أو أنها وصف المفعول كما يقال هذا الدرهم ضرب الأمير أي مضروبه وقال الخطابي معناه أنها مرة واحدة أي إذا خدع مرة واحدة لم تقل عثرته وقيل الحكمة في الإتيان بالتاء للدلالة على الوحدة فإن الخداع أن كان من المسلمين فكأنه حضهم على ذلك ولو مرة واحدة وأن كان من الكفار فكأنه حذرهم من مكرهم ولو وقع مرة واحدة فلا ينبغي التهاون بهم لما ينشأ عنهم من المفسدة ولو قل وفي اللغة الثالثة صيغة المبالغة كهمزة ولمزة وحكى المنذري لغة رابعة بالفتح فيهما قال وهو جمع خادع أي أن أهلها بهذه الصفة وكأنه قال أهل الحرب خدعة قلت وحكى مكي ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة كسر أوله مع الاسكان قرأت ذلك بخط مغلطاي وأصل الخدع إظهار أمر واضمار خلافه وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب والندب إلى خداع الكفار وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه قال النووي واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن الا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز قال بن العربي الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث وهو كقوله الحج عرفة قال بن المنير معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر تكميل ذكر الواقدي أن أول ما قال النبي صلى الله عليه و سلم الحرب خدعة في غزوة الخندق

(6/158)


( قوله باب الكذب في الحرب )
ذكر فيه حديث جابر في قصة قتل كعب بن الأشرف وسيأتي مطولا مع شرحه في كتاب المغازي قال بن المنير الترجمة غير مطابقة لأن الذي وقع منهم في قتل كعب بن الأشرف يمكن أن يكون تعريضا لأن قولهم عنانا أي كلفنا بالأوامر والنواهي وقولهم سألنا الصدقة أي طلبها منا ليضعها مواضعها وقولهم فنكره أن ندعه الخ معناه نكره فراقه ولا شك أنهم كانوا يحبون الكون معه أبدا انتهى والذي يظهر أنه لم يقع منهم فيما قالوه بشيء من الكذب أصلا وجميع ما صدر منهم تلويح كما سبق لكن ترجم بذلك لقول محمد بن مسلمة للنبي صلى الله عليه و سلم أولا ائذن لي أن أقول قال قل فإنه يدخل فيه الإذن في الكذب تصريحا وتلويحا وهذه الزيادة وأن لم تذكر في سياق حديث الباب فهي ثابتة فيه كما في الباب الذي بعده على أنه لو لم يرد ذلك لما كانت الترجمة منافرة للحديث لأن معناها حينئذ باب الكذب في الحرب هل يسوغ مطلقا أو يجوز منه الإيماء دون التصريح وقد جاء من ذلك صريحا ما أخرجه الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعا لا يحل الكذب الا في ثلاث تحدث الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب وفي الإصلاح بين الناس وقد تقدم في كتاب الصلح ما في حديث أم كلثوم بنت عقبة لهذا المعنى من ذلك ونقل الخلاف في جواز الكذب مطلقا أو تقييده بالتلويح قال النووي الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى وقال بن العربي الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا انتهى ويقويه ما أخرجه أحمد وبن حبان من حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط الذي أخرجه النسائي وصححه الحاكم في استئذانه النبي صلى الله عليه و سلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة وأذن له النبي صلى الله عليه و سلم واخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين وغير ذلك مما هو مشهور فيه ولا يعارض ذلك ما أخرجه النسائي من طريق مصعب بن سعد عن أبيه في قصة عبد الله بن أبي سرح وقول الأنصاري للنبي صلى الله عليه و سلم لما كف عن بيعته هلا أومأت إلينا بعينك قال ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين لأن طريق الجمع بينهما أن المأذون فيه بالخداع والكذب في الحرب حالة الحرب خاصة وأما حال المبايعة فليست بحال حرب كذا قال وفيه نظر لأن قصة الحجاج بن علاط أيضا لم تكن في حال حرب والجواب المستقيم أن تقول المنع مطلقا من خصائص النبي صلى الله عليه و سلم فلا يتعاطى شيئا من ذلك وأن كان مباحا لغيره ولا يعارض ذلك ما تقدم من أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها فإن المراد أنه كان يريد أمرا فلا يظهره كأن يريد أن يغزو وجهة الشرق فيسأل عن أمر في جهة الغرب ويتجهز للسفر فيظن من يراه ويسمعه أنه يريد جهة الغرب وأما أن يصرح بإرادته الغرب وإنما مراده الشرق فلا والله أعلم وقال بن بطال سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث فقال

(6/159)


الكذب المباح في الحرب ما يكون من المعاريض لا التصريح بالتأمين مثلا قال وقال المهلب موضع الشاهد للترجمة من حديث الباب قول محمد بن مسلمة قد عنانا فإنه سألنا الصدقة لأن هذا الكلام يحتمل أن يفهم أن أتباعهم له إنما هو للدنيا فيكون كذبا محضا ويحتمل أن يريد أنه أتعبنا بما يقع لنا من محاربة العرب فهو من معاريض الكلام وليس فيه شيء من الكذب الحقيقي الذي هو الأخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه ثم قال ولا يجوز الكذب الحقيقي في شيء من الدين أصلا قال ومحال أن يأمر بالكذب من يقول من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار انتهى وقد تقدم جواب ذلك بما يغني عن اعادته
( قوله باب الفتك بأهل الحرب )
أي جواز قتل الحربي سرا وبين هذه الترجمة وبين الترجمة الماضية وهي قتل المشرك النائم عموم وخصوص وجهي وذكر هنا طرفا من حديث جابر في قصة قتل كعب بن الأشرف وقد تقدم التنبيه عليه في الباب الذي قبله وإنما فتكوا به لأنه نقض العهد وأعان على حرب النبي صلى الله عليه و سلم وهجاه ولم يقع لأحد ممن توجه إليه تأمين له بالتصريح وإنما أوهموه ذلك وآنسوه حتى تمكنوا من قتله قوله باب ما يجوز من الاحتيال والحذر مع من يخشى معرته بفتح الميم والمهملة وتشديد الراء أي شره وفساده
2869 - قوله وقال الليث إلى آخره وصله الإسماعيلي من طريق يحيى بن بكير وأبي صالح كلاهما عن الليث وقد علق المصنف طرفا منه في أواخر الجنائز كما مضى وسيأتي شرحه قريبا بعد ستة عشر بابا

(6/160)


( قوله باب الرجز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق )
الرجز بفتح الراء والجيم والزاي من بحور الشعر على الصحيح وجرت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيد في النشاط ويبعث الهمم وفيه جواز تمثل النبي صلى الله عليه و سلم بشعر غيره وسيأتي بسط ذلك في أوائل المغازي أن شاء الله تعالى وفيه جواز رفع الصوت في عمل الطاعة لينشط نفسه وغيره قوله فيه سهل وأنس عن النبي صلى الله عليه و سلم وفيه يزيد عن سلمة أما حديث سهل وهو بن سعد فوصله في غزوة الخندق وفيه اللهم لا عيش الا عيش الآخرة وسيأتي وأما حديث أنس فقد تقدم موصولا في باب حفر الخندق في أوائل الجهاد وفيه مثل ذلك أيضا بزيادة وأما حديث يزيد وهو بن أبي عبيد عن سلمة وهو بن الأكوع فسيأتي في غزوة خيبر وفيه اللهم لولا أنت ما اهتدينا وقصة عامر بن الأكوع وسيأتي أيضا بعد أربعة أبواب ارتجاز سلمة أيضا بقوله واليوم يوم الرضع وقوله
2870 - هنا في حديث البراء أن العدا قد بغوا علينا يأتي الكلام عليه في كتاب التمني عقب كتاب الأحكام وكأن المصنف أشار في الترجمة بقوله ورفع الصوت في حفر الخندق إلى أن كراهة رفع الصوت في الحرب مختصة بحالة القتال وذلك فيما أخرجه أبو داود من طريق قيس بن عباد قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يكرهون الصوت عند القتال
( قوله باب من لا يثبت على الخيل )
أي ينبغي لأهل الخير أن يدعوا له بالثبات وفيه إشارة إلى فضيلة ركوب الخيل والثبات عليها ذكر فيه حديث جرير ما حجبني رسول الله صلى الله عليه و سلم منذ أسلمت وسيأتي الكلام عليه في المناقب وقوله
2871 - الا تبسم في وجهه فيه التفات من التكلم إلى الغيبة ووقع في رواية السرخسي والكشميهني على الأصل بلفظ في وجهي وقوله ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل هو موضع الترجمة وقد تقدم في باب حرق الدور والنخيل ويأتي شرحه في المغازي أن شاء الله تعالى وقوله هاديا مهديا زعم بن بطال أن فيه تقديما وتأخيرا قال لأنه لا يكون هاديا لغيره الا بعد أن يهتدي هو فيكون مهديا انتهى وليست هنا صيغة ترتيب

(6/161)


( قوله باب دواء الجرح باحراق الحصير وغسل المرأة عن أبيها الدم عن وجهه وحمل الماء في الترس )
اشتمل هذا الباب على ثلاثة أحكام وحديث الباب ظاهر فيها وقد أفرد الثاني منها في كتاب الطهارة وأورد فيه هذا الحديث بعينه وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي أن شاء الله تعالى

(6/162)


( قوله باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب )
أي من المقاتلة في أحوال الحرب قوله وعقوبة من عصى امامه أي بالهزيمة وحرمان الغنيمة قوله وقال الله عز و جل ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم يعني الحرب كذا لأبي ذر وقوله يعني الحرب للكشميهني وحده ووقع في رواية الأصيلي في هذا الموضع قال قتادة الريح الحرب وهذا قد وصله عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة بهذا نحوه وهو تفسير مجازي فالمراد بالريح القوة في الحرب والفشل بفتح الفاء والمعجمة الجبن يقال فشل إذا هاب أن يقدم جبنا وذكر في الباب حديثين أحدهما حديث أبي موسى وفيه ولا تختلفا وسيأتي شرحه في مكانه من أواخر المغازي ثانيهما حديث البراء في قصة غزاة أحد والغرض منه أن الهزيمة وقعت بسبب مخالفة الرماة لقول النبي صلى الله عليه و سلم لا تبرحوا من مكانكم وسيأتي شرحه أيضا مستوفى في الكلام على غزوة أحد أن شاء الله تعالى قوله باب إذا فزعوا بالليل أي ينبغي لأمير العسكر أن يكشف الخبر بنفسه أو بمن يندبه لذلك ذكر فيه حديث أنس في فرس أبي طلحة وقد تقدم شرحه في أواخر الهبة وتقدم في كتاب الجهاد مرارا

(6/163)


( قوله باب من رأى العدو فنادى بأعلى صوته يا صباحاه حتى يسمع الناس )
ذكر فيه حديث سلمة بن الأكوع في قصة غطفان وفزارة وسيأتي شرحه في غزوة ذي قرد من كتاب المغازي وقوله
2876 - يا صباحاه هو منادى مستغاث والالف للاستغاثة والهاء للسكت وكأنه نادى الناس استغاثة بهم في وقت الصباح وقال بن المنير الهاء للندبة وربما سقطت في الوصل وقد ثبتت في الرواية فيوقف عليها بالسكون وكانت عادتهم يغيرون في وقت الصباح فكأنه قال تأهبوا لما دهمكم صباحا وقوله الرضع بتشديد المعجمة بصيغة الجمع والمراد بهم اللئام أي اليوم يوم هلاك اللئام وقوله فأسجح بخمزة قطع أي أحسن أو أرفق وقوله يقرون بضم أوله والتخفيف من القرى والراء مفتوحة ومضمومة وقيل معنى الضم يجمعون الماء واللبن وقيل يغزون بغين معجمة وزاي وهو تصحيف قال بن المنير موضع هذه الترجمة أن هذه الدعوة ليست من دعوى الجاهلية المنهي عنها لأنها استغاثة على الكفار
( قوله باب من قال خذها وأنا بن فلان )
هي كلمة تقال عند التمدح قال بن المنير موقعها من الأحكام أنها خارجة عن الافتخار المنهي عنه لاقتضاء الحال ذلك قلت وهو قريب من جواز الاختيال بالخاء المعجمة في

(6/164)


الحرب دون غيرها قوله وقال سلمة خذها وأنا بن الأكوع هذا طرف من حديثه المذكور في الباب الذي قبله لكنه بمعناه وقد أخرجه مسلم بلفظه من طريق أخرى عن سلمة بن الأكوع وقال فيه فخرجت في آثار القوم وألحق رجلا منهم فاصكه سهما في رجله حتى خلص نصل السهم من كتفه قال قلت خذها وأنا بن الأكوع واليوم يوم الرضع الحديث ثم ذكر المصنف حديث البراء بن عازب في ثبات النبي صلى الله عليه و سلم يوم حنين وقوله
2877 - أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب وسيأتي شرحه في غزوة حنين أن شاء الله تعالى
( قوله باب إذا نزل العدو على حكم رجل )
أي فأجازه الإمام نفذ ذكر فيه حديث أبي سعيد في نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ وسيأتي شرحه في غزوة بني قريظة أن شاء الله تعالى قال بن المنير يستفاد من الحديث لزوم حكم المحكم برضا الخصمين قوله باب قتل الأسير وقتل الصبر في رواية الكشميهني قتل الأسير صبرا وهي أخصر أورد فيه حديث أنس في قتل بن خطل وقد تقدم شرحه في أواخر الحج وقد تقدم أن الإمام يتخير متبعا ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين بين قتل الأسير أو المن عليه بفداء أو بغير فداء أو استرقاقه

(6/165)


( قوله باب هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر )
أي هل يسلم نفسه للأسر أم لا ومن صلى ركعتين عند القتل ذكر فيه حديث أبي هريرة في بعث عاصم بن ثابت ومن معه مع بني لحيان وقصة قتل خبيب بن عدي وسيأتي شرحها مستوفى في المغازي وفيها ما ترجم له من الأمور الثلاثة وقوله
2880 - فيه فأخبرني عبيد الله بن عياض القائل فأخبرني هو بن شهاب كما سيأتي إيضاحه هناك
( قوله باب فكاك الأسير )
أي من أيدي العدو بمال أو بغيره والفكاك بفتح الفاء ويجوز كسرها التخليص وأورد فيه حديثين أحدهما حديث أبي موسى فكوا العاني أي الأسير كذا وقع في تفسير العاني في الحديث وهو بالمهملة والنون وزن القاضي والتفسير من قبل جرير أو قتيبة وإلا فقد أخرج المصنف في الطب من طريق أبي عوانة عن منصور فلم يذكره وأخرجه في الأطعمة من طريق الثوري عن منصور وقال في آخره قال سفيان العاني الأسير قال بن بطال فكاك الأسير واجب على الكفاية وبه قال الجمهور وقال إسحاق بن راهويه من بيت المال وروى عن مالك أيضا وقال أحمد يفادى بالرءوس وأما بالمال فلا أعرفه ولو كان عند المسلمين أسارى وعند المشركين أسارى واتفقوا على المفاداة تعينت ولم تجز مفاداة أسارى المشركين بالمال ثانيهما حديث أبي جحيفة قلت لعلي هل عندكم شيء من الوحي الحديث وقد مضى شرحه في كتاب العلم وسيأتي الكلام على بقية ما فيه في الديات أن شاء الله تعالى

(6/167)


( قوله باب فداء المشركين )
أي بمال يؤخذ منهم تقدم في الباب الذي قبله القول في شيء من ذلك وأورد فيه ثلاثة أحاديث أولها حديث أنس في استئذان الأنصار أن يتركوا للعباس فداءه وقد تقدم إيراده في كتاب العتق ثانيها حديثه قال أتى بمال من البحرين فقال العباس أعطني فإني فاديت نفسي وعقيلا وأورده معلقا مختصرا وقد تقدم بأتم منه في المساجد وبيان من وصله وقوله
2884 - فاديت نفسي وعقيلا يريد بن أبي طالب ويقال أنه أسر معهما أيضا الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأن العباس افتداه أيضا وقد ذكر بن إسحاق كيفية ذلك واستدل به بن بطال على جواز إعطاء بعض الأصناف من الزكاة ولا دلالة فيه لأن المال لم يكن من الزكاة وعلى تقدير كونه منها فالعباس ليس من أهل الزكاة فإن قيل إنما أعطاه من سهم الغارمين كما أشار إليه الكرماني فقد تعقب ولكن الحق أن المال المذكور كان من الخراج أو الجزية وهما من مال المصالح وسيأتي بيان ذلك في كتاب الجزية ثالثها حديث جبير بن مطعم سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ في المغرب بالطور ذكره لقوله فيه وكان جاء في أسارى بدر أي في طلب فداء أسارى بدر وقد تقدم شرح المتن في القراءة في الصلاة ويأتي الكلام على ما تضمنته هذه الأحاديث الثلاثة في غزوة بدر من كتاب المغازي أن شاء الله تعالى
( قوله باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان هل يجوز قتله )
وهي من مسائل الخلاف قال مالك يتخير فيه الإمام وحكمه حكم أهل الحرب وقال الأوزاعي والشافعي أن ادعى أنه رسول قبل منه وقال أبو حنيفة وأحمد لا يقبل ذلك منه وهو فيء للمسلمين
2886 - قوله أبو العميس بالمهملتين مصغر قوله عن إياس بكسر الهمزة وتخفيف التحتانية وفي رواية الطحاوي من طريق أخرى عن أبي نعيم عن أبي العميس حدثنا إياس قوله أتى النبي صلى الله عليه و سلم عين من المشركين لم أقف على اسمه ووقع في رواية عكرمة بن عمار عن إياس عند مسلم أن ذلك كان في غزوة هوازن وسمي الجاسوس عينا لأن جل عمله بعينه أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها كأن جميع بدنه صار عينا قوله فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل في رواية النسائي من طريق جعفر بن عون عن أبي العميس فلما طعم انسل وفي رواية عكرمة عند مسلم فقيد الجمل ثم تقدم يتغدى مع

(6/168)


القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر إذ خرج يشتد قوله اطلبوه واقتلوه زاد أبو نعيم في المستخرج من طريق يحيى الحماني عن أبي العميس أدركوه فإنه عين زاد أبو داود عن الحسن بن علي عن أبي نعيم فيه فسبقتهم إليه فقتلته قوله فقتلته فنفله سلبه كذا فيه وفيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة وكان السياق يقتضي أن يقول فنفلني وهي رواية أبي داود وزاد هو ومسلم من طريق عكرمة بن عمار المذكور فاتبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء فخرجت أعدو حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته فلما وضع ركبته بالأرض اخترطت سيفي فأضرب رأسه فبدر فجئت براحلته وما عليها أقودها فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال من قتل الرجل قالوا بن الأكوع قال له سلبه أجمع وترجم عليه النسائي قتل عيون المشركين وقد ظهر من رواية عكرمة الباعث على قتله وأنه اطلع على عورة المسلمين وبادر ليعلم أصحابه فيغتنمون غرتهم وكان في قتله مصلحة للمسلمين قال النووي فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي ينتقض عهده بذلك وعند الشافعية خلاف أما لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتفاقا وفيه حجة لمن قال أن السلب كله للقاتل وأجاب من قال لا يستحق ذلك الا بقول الإمام أنه ليس في الحديث ما يدل على أحد الأمرين بل هو محتمل لهما لكن أخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن ربيعة عن أبي العميس بلفظ قام رجل فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم أنه عين للمشركين فقال من قتله فله سلبه قال فأدركته فقتلته فنفلني سلبه فهذا يؤيد الاحتمال الثاني بل قال القرطبي لو قال القاتل يستحق السلب بمجرد القتل لم يكن لقول النبي صلى الله عليه و سلم له سلبه أجمع مزيد فائدة وتعقب باحتمال أن يكون هذا الحكم إنما ثبت من حينئذ وقد استدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لأن قوله تعالى واعلموا إنما غنمتم من شيء عام في كل غنيمة فبين صلى الله عليه و سلم بعد ذلك بزمن طويل أن السلب للقاتل سواء قيدنا ذلك بقول الإمام أم لا وأما قول مالك لم يبلغني أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ذلك الا يوم حنين فإن أراد أن ابتداء هذا الحكم كان يوم حنين فهو مردود لكن على غير مالك ممن منعه فإن مالكا إنما نفى البلاغ وقد ثبت في سنن أبي داود عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد في غزوة مؤتة ان النبي صلى الله عليه و سلم قضى بالسلب للقاتل وكانت مؤتة قبل حنين بالاتفاق وقال القرطبي فيه أن للإمام أن ينفل جميع ما أخذته السرية من الغنيمة لمن يراه منهم وهذا يتوقف على أنه لم يكن هناك غنيمة الا ذلك السلب قلت وما أبداه احتمالا هو الواقع فقد وقع في رواية عكرمة بن عمار أن ذلك كان في غزوة هوازن وقد اشتهر ما وقع فيها بعد ذلك من الغنائم قال بن المنير ترجم بالحربي إذا دخل بغير أمان وأورد الحديث المتعلق بعين المشركين وهو جاسوسهم وحكم الجاسوس مخالف لحكم الحربي المطلق الداخل بغير أمان فالدعوى أعم من الدليل وأجيب بأن الجاسوس المذكور أوهم أنه ممن له أمان فلما قضى حاجته من التجسيس انطلق مسرعا ففطن له فظهر أنه حربي دخل بغير أمان وقد تقدم بيان الاختلاف فيه

(6/169)


( قوله باب يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون )
أي ولو نقضوا العهد أورد فيه طرفا من قصة قتل عمر بن الخطاب وهو
2887 - قوله وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله الحديث وسيأتي مبسوطا في المناقب وقد تعقبه بن التين بأنه ليس في الحديث ما يدل على ما ترجم به من عدم الاسترقاق وأجاب بن المنير بأنه أخذ من قوله وأوصيه بذمة الله فإن مقتضى الوصية بالاشفاق أن لا يدخلوا في الاسترقاق والذي قال إنهم يسترقون إذا نقضوا العهد بن القاسم وخالفه أشهب والجمهور ومحل ذلك إذا سبى الحربي الذمي ثم أسر المسلمون الذمي وأغرب بن قدامة فحكى الإجماع وكأنه لم يطلع على خلاف بن القاسم وكأن البخاري اطلع عليه فلذلك ترجم به
( قوله باب جوائز الوفد )
( باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم )
كذا في جميع النسخ من طريق الفربري الا أن في رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري تأخير ترجمة جوائز الوفد عن الترجمة هل يستشفع وكذا هو عند الإسماعيلي وبه يرتفع الاشكال فإن حديث بن عباس مطابق لترجمة جوائز الوفد لقوله فيه واجيزوا الوفد بخلاف الترجمة الأخرى وكأنه ترجم بها وأخلى بياضا ليورد فيها حديثا يناسبها فلم يتفق ذلك ووقع للنسفي حذف ترجمة جوائز الوفد أصلا واقتصر على ترجمة هل يستشفع وأورد فيها حديث بن عباس المذكور وعكسه رواية محمد بن حمزة عن الفربري وفي مناسبته لها غموض ولعله من جهة أن الإخراج يقتضي رفع الاستشفاع والحض على إجازة الوفد يقتضي حسن المعاملة أو لعل إلى في الترجمة بمعنى اللام أي هل يستشفع لهم عند الإمام وهل يعاملون ودلالة أخرجوهم من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد لذلك ظاهرة والله أعلم وسيأتي شرح حديث بن عباس المذكور في الوفاة من آخر المغازي وقوله
2888 - حدثنا قبيصة حدثنا بن عيينة كذا لأكثر الرواة عن الفربري وكذا في رواية النسفي ولم يقع في الكتاب لقبيصة رواية عن سفيان بن عيينة الا هذه وروايته فيه عن سفيان الثوري كثيرة جدا وحكى الجياني عن رواية بن السكن عن الفربري في هذا قتيبة بدل قبيصة وروايته عن قتيبة لهذا الحديث بعينه ستأتي في أواخر المغازي وقتيبة مشهور بالرواية عن بن

(6/170)


عيينة دون قبيصة والحديث حديث بن عيينة لا الثوري قوله وقال يعقوب بن محمد أي بن عيسى الزهري وأثره هذا وصله إسماعيل القاضي في كتاب أحكام القرآن عن أحمد بن المعدل عن يعقوب وأخرجه يعقوب بن شبة عن أحمد بن المعدل عن يعقوب بن محمد عن مالك بن أنس مثله وقال الزبير بن بكار في أخبار المدينة أخبرت عن مالك عن بن شهاب قال جزيرة العرب المدينة قال الزبير قال غيره جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضرموت قال الزبير وهذا أشبه وحضرموت آخر اليمن وقال الخليل بن أحمد سميت جزيرة العرب لأن بحر فارس وبحر الحبشة والفرات ودجلة أحاطت بها وهي أرض العرب ومعدنها وقال الأصمعي هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن إلى أطراف الشام وقال أبو عبيد من أقصى عدن إلى ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها من الساحل إلى أطراف الشام عرضا قوله قال يعقوب والعرج أول تهامة العرج بفتح المهملة وسكون الراء بعدها جيم موضع بين مكة والمدينة وهو غير العرج بفتح الراء الذي من الطائف وقال الأصمعي جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام عرضا وسميت جزيرة العرب لاحاطة البحار بها يعني بحر الهند وبحر القلزم وبحر فارس وبحر الحبشة وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب هذا مذهب الجمهور وعن الحنفية يجوز مطلقا الا المسجد وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة وقال الشافعي لا يدخلون الحرم أصلا الا بإذن الإمام لمصلحة المسلمين خاصة
( قوله باب التجمل للوفد )
ذكر فيه حديث بن عمر في حلة عطارد وسيأتي شرحه في اللباس قال بن المنير موضع الترجمة أنه ما أنكر عليه طلبه للتجمل للوفود ولما ذكر وإنما أنكر التجمل بهذا الصنف المنهي عنه

(6/171)


( قوله باب كيف يعرض الإسلام على الصبي )
ذكر فيه حديث بن عمر في قصة بن صياد وقد تقدم توجيه هذه الترجمة في باب هل يعرض الإسلام على الصبي في كتاب الجنائز ووجه مشروعية عرض الإسلام على الصبي في حديث الباب من قوله صلى الله عليه و سلم لابن صياد أتشهد أني رسول الله وكان إذ ذاك لم يحتلم فإنه يدل على المدعى ويدل على صحة إسلام الصبي وأنه لو أقر لقبل لأنه فائدة العرض
2890 - قوله أن عمر انطلق الخ هذا الحديث فيه ثلاث قصص أوردها المصنف تامة في الجنائز من طريق يونس وهنا من طريق معمر وفي الأدب من طريق شعيب واقتصر في الشهادات على الثانية وذكرها أيضا فيما مضى من الجهاد من وجه آخر واقتصر في الفتن على الثالثة وقد مضى شرح أكثر مفرداته في الجنائز وقوله قبل بن صياد بكسر القاف وفتح الموحدة أي إلى جهته وقوله وقد قارب بن صياد يومئذ يحتلم في رواية يونس وشعيب وقد قارب بن صياد الحلم ولم يقع ذلك في رواية الإسماعيلي فاعترض به فقال لا يلزم من كونه غلاما أن يكون لم يحتلم قوله أشهد إنك رسول

(6/172)


الأميين فيه اشعار بأن اليهود الذين كان بن صياد منهم كانوا معترفين ببعثة رسول الله صلى الله عليه و سلم لكن يدعون أنها مخصوصة بالعرب وفساد حجتهم واضح جدا لأنهم إذا أقروا بأنه رسول الله استحال أن يكذب على الله فإذا ادعى أنه رسوله إلى العرب وإلى غيرها تعين صدقه فوجب تصديقه قوله فقال بن صياد أتشهد أني رسول الله في حديث أبي سعيد عند الترمذي فقال أتشهد أنت أني رسول الله قوله قال له النبي صلى الله عليه و سلم آمنت بالله ورسله وللمستملي ورسوله بالافراد وفي حديث أبي سعيد آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر قال الزين بن المنير إنما عرض النبي صلى الله عليه و سلم الإسلام على بن صياد بناء على أنه ليس الدجال المحذر منه قلت ولا يتعين ذلك بل الذي يظهر أن أمره كان محتملا فأراد اختباره بذلك فإن أجاب غلب ترجيح أنه ليس هو وأن لم يجب تمادى الاحتمال أو أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوة ولما كان ذلك هو المراد أجابه بجواب منصف فقال آمنت بالله ورسله وقال القرطبي كان بن صياد على طريقة الكهنة يخبر بالخبر فيصح تارة ويفسد أخرى فشاع ذلك ولم ينزل في شأنه وحي فأراد النبي صلى الله عليه و سلم سلوك طريقة يختبر حاله بها أي فهو السبب في انطلاق النبي صلى الله عليه و سلم إليه وقد روى أحمد من حديث جابر قال ولدت امرأة من اليهود غلاما ممسوحة عينه والأخرى طالعة ناتئة فأشفق النبي صلى الله عليه و سلم أن يكون هو الدجال وللترمذي عن أبي بكرة مرفوعا يمكث أبو الدجال وأمه ثلاثين عاما لا يولد لهما ثم يولد لهما غلام أضر شيء وأقله منفعة قال ونعتهما فقال أما أبوه فطويل ضرب اللحم كأن أنفه منقار وأما أمه ففرضاخة أي بفاء مفتوحة وراء ساكنة وبمعجمتين والمعنى أنها ضخمة طويلة اليدين قال فسمعنا بمولود بتلك الصفة فذهبت أنا والزبير بن العوام حتى دخلنا على أبويه يعني بن صياد فإذا هما بتلك الصفة ولأحمد والبزار من حديث أبي ذر قال بعثني النبي صلى الله عليه و سلم إلى أمه فقال سلها كم حملت به فقالت حملت به اثني عشر شهرا فلما وقع صاح صياح الصبي بن شهر انتهى فكأن ذلك هو الأصل في إرادة استكشاف أمره قوله ماذا ترى قال بن صياد يأتيني صادق وكاذب في حديث جابر عند الترمذي ونحوه لمسلم فقال أرى حقا وباطلا وأرى عرشا على الماء وفي حديث أبي سعيد عنده أرى صادقين وكاذبا ولأحمد أرى عرشا على البحر حوله الحيتان قوله قال لبس بضم اللام وتخفيف الموحدة المكسورة بعدها مهملة أي خلط وفي حديث أبي الطفيل عند أحمد فقال تعوذوا بالله من شر هذا قوله إني قد خبأت لك خبئا بكسر المعجمة وبفتحها وسكون الموحدة بعدها همز وبفتح المعجمة وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم همز أي أخفيت لك شيئا قوله هو الدخ بضم المهملة بعدها معجمة وحكى صاحب المحكم الفتح ووقع عند الحاكم الزخ بفتح الزاي بدل الدال وفسره بالجماع واتفق الأئمة على تغليطه في ذلك ويرده ما وقع في حديث أبي ذر المذكور فأراد أن يقول الدخان فلم يستطع فقال الدخ وللبزار والطبراني في الأوسط من حديث زيد بن حارثة قال كان النبي صلى الله عليه و سلم خبأ له سورة الدخان وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها فإن عند أحمد عن عبد الرزاق في حديث الباب وخبأت له يوم تأتي السماء بدخان مبين وأما جواب بن صياد بالدخ فقيل أنه اندهش فلم يقع من لفظ الدخان الا على بعضه وحكى الخطابي أن الآية حينئذ كانت مكتوبة في يد النبي صلى الله عليه و سلم فلم يهتد بن صياد منها الا لهذا القدر الناقص على طريقة الكهنة ولهذا قال له النبي صلى الله عليه و سلم لن تعدو قدرك أي قدر مثلك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء شياطينهم ما يحفظونه مختلطا صدقه بكذبه وحكى أبو موسى المديني أن السر في

(6/173)


امتحان النبي صلى الله عليه و سلم له بهذه الآية الإشارة إلى أن عيسى بن مريم يقتل الدجال بحبل الدخان فأراد التعريض لابن صياد بذلك واستبعد الخطابي ما تقدم وصوب أنه خبأ له الدخ وهو نبت يكون بين البساتين وسبب استبعاده له أن الدخان لا يخبأ في اليد ولا الكم ثم قال الا أن يكون خبأ له اسم الدخان في ضميره وعلى هذا فيقال كيف اطلع بن صياد أو شيطانه على ما في الضمير ويمكن أن يجاب باحتمال أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم تحدث مع نفسه أو أصحابه بذلك قبل أن يختبره فاسترق الشيطان ذلك أو بعضه قوله اخسأ سيأتي الكلام عليها في كتاب الأدب في باب مفرد قوله فلن تعدو قدرك أي لن تجاوز ما قدر الله فيك أو مقدار أمثالك من الكهان قال العلماء استكشف النبي صلى الله عليه و سلم أمره ليبين لأصحابه تمويهه لئلا يلتبس حاله على ضعيف لم يتمكن في الإسلام ومحصل ما أجاب به النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال له على طريق الفرض والتنزل أن كنت صادقا في دعواك الرسالة ولم يختلط عليك الأمر آمنت بك وأن كنت كاذبا وخلط عليك الأمر فلا وقد ظهر كذبك والتباس الأمر عليك فلا تعدو قدرك قوله أن يكن هو كذا للأكثر وللكشميهني أن يكن على وصل الضمير واختار بن مالك جوازه ثم الضمير لغير مذكور لفظا وقد وقع في حديث بن مسعود عند أحمد أن يكون هو الذي تخاف فلن تستطيعه وفي مرسل عروة عند الحارث بن أبي أسامة أن يكن هو الدجال قوله فلن تسلط عليه في حديث جابر فلست بصاحبه إنما صاحبه عيسى بن مريم قوله وأن لم يكن هو فلا خير لك في قتله قال الخطابي وإنما لم يأذن النبي صلى الله عليه و سلم في قتله مع ادعائه النبوة بحضرته لأنه كان غير بالغ ولأنه كان من جملة أهل العهد قلت الثاني هو المتعين وقد جاء مصرحا به في حديث جابر عند أحمد وفي مرسل عروة فلا يحل لك قتله ثم أن في السؤال عندي نظرا لأنه لم يصرح بدعوى النبوة وإنما أوهم أنه يدعي الرسالة ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوة قال الله تعالى إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين الآية
2891 - قوله قال بن عمر انطلق النبي صلى الله عليه و سلم هو وأبي بن كعب هذه هي القصة الثانية من هذا الحديث وهو موصول بالإسناد الأول وقد أفردها أحمد عن عبد الرزاق بإسناد حديث الباب ووقع في حديث جابر ثم جاء النبي صلى الله عليه و سلم ومعه أبو بكر وعمر ونفر من المهاجرين والأنصار وأنا معهم ولأحمد من حديث أبي الطفيل أنه حضر ذلك أيضا وقد تقدم في الجنائز شرح ما في هذا الفصل من المفردات وبيان اختلاف الرواة وقوله طفق أي جعل ويتقي أي يستتر ويختل أي يسمع في خفية ووقع في حديث جابر رجاء أن يسمع من كلامه شيئا ليعلم أصادق هو أم كاذب قوله أي صاف بمهملة وفاء وزن باغ زاد في رواية يونس هذا محمد وفي حديث جابر فقالت يا عبد الله هذا أبو القاسم قد جاء وكأن الراوي عبر باسمه الذي تسمى به في الإسلام وأما اسمه الأول فهو صاف قوله لو تركته بين أي أظهر لنا من حاله ما نطلع به على حقيقته والضمير لأم بن صياد أي لو لم تعلمه بمجيئنا لتمادى على ما كان فيه فسمعنا ما يستكشف به أمره وغفل بعض الشراح فجعل الضمير للزمزمة أي لو لم يتكلم بها لفهمنا كلامه لكن عدم فهمنا لما يقول كونه يهمهم كذا قال والأول هو المعتمد
2892 - قوله وقال سالم قال بن عمر هذه هي القصة الثالثة وهي موصولة بالإسناد المذكور وقد أفردها أحمد أيضا وسيأتي الكلام عليها في الفتن وفي قصة بن صياد اهتمام الإمام بالأمور التي يخشى منها الفساد والتنقيب عليها وإظهار كذب المدعى الباطل وامتحانه بما يكشف حاله والتجسس على أهل الريب وأن النبي صلى الله عليه و سلم كان يجتهد فيما لم يوح إليه فيه وقد اختلف العلماء في أمر بن صياد

(6/174)


اختلافا كثيرا سأستوفيه أن شاء الله تعالى في الكلام على حديث جابر أنه كان يحلف أن بن صياد هو الدجال حيث ذكره المصنف في كتاب الاعتصام أن شاء الله تعالى وفيه الرد على من يدعي الرجعة إلى الدنيا لقوله صلى الله عليه و سلم لعمر أن يكن هو الذي تخاف منه فلن تستطيعه لأنه لو جاز أن الميت يرجع إلى الدنيا لما كان بين قتل عمر له حينئذ وكون عيسى بن مريم هو الذي يقتله بعد ذلك منافاة والله أعلم
( قوله باب قول النبي صلى الله عليه و سلم لليهود أسلموا تسلموا )
قاله المقبري عن أبي هريرة هو طرف من حديث سيأتي موصولا مع الكلام عليه في الجزية قوله باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم أشار بذلك إلى الرد على من قال من الحنفية أن الحربي إذا أسلم في دار الحرب وأقام بها حتى غلب المسلمون عليها فهو أحق بجميع ماله الا أرضه وعقاره فإنها تكون فيئا للمسلمين وقد خالفهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور ويوافق الترجمة حديث أخرجه أحمد عن صخر بن العيلة البجلي قال فر قوم من بني سليم عن أرضهم فأخذتها فأسلموا وخاصموني إلى النبي صلى الله عليه و سلم فردها عليهم وقال إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وما له
2893 - قوله حدثنا محمود هو بن غيلان وقوله حدثنا عبد

(6/175)


الله هو بن المبارك وهذه رواية أبي ذر وحده وللباقين عبد الرزاق بدل عبد الله وبه جزم الإسماعيلي وأبو نعيم قوله قلت يا رسول الله أين تنزل غدا الحديث ذكره مختصرا وقد تقدم في باب توريث دور مكة وشرائها من كتاب الحج بتمامه وتقدم شرحه هناك وفيه ما ترجم له هنا لكنه مبني على أن مكة فتحت عنوة والمشهور عند الشافعية أنها فتحت صلحا وسيأتي تحرير مباحث ذلك في غزوة الفتح من كتاب المغازي أن شاء الله تعالى ويمكن أن يقال لما أقر النبي صلى الله عليه و سلم عقيلا على تصرفه فيما كان لاخويه على وجعفر وللنبي صلى الله عليه و سلم من الدور والرباع بالبيع وغيره ولم يغير النبي صلى الله عليه و سلم ذلك ولا انتزعها ممن هي في يده لما ظفر كان في ذلك دلالة على تقرير من بيده دار أو أرض إذا أسلم وهي في يده بطريق الأولى وقال القرطبي يحتمل أن يكون مراد البخاري أن النبي صلى الله عليه و سلم من على أهل مكة بأموالهم ودورهم من قبل أن يسلموا فتقرير من أسلم يكون بطريق الأولى قوله وذلك أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم أن لا يبايعوهم ولا يؤووهم هكذا وقع هذا القدر معطوفا على حديث أسامة وذكر الخطيب أن هذا مدرج في رواية الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة وإنما هو عند الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وذلك أن بن وهب رواه عن يونس عن الزهري ففصل بين الحديثين وروى محمد بن أبي حفصة عن الزهري الحديث الأول فقط وروى شعيب والنعمان بن راشد وإبراهيم بن سعد والأوزاعي عن الزهري الحديث الثاني فقط لكن عن أبي سلمة عن أبي هريرة قلت أحاديث الجميع عند البخاري وطريق بن وهب عنده لحديث أسامة في الحج ولحديث أبي هريرة في التوحيد وأخرجهما مسلم معا في الحج وقد قدمت في الكلام على حديث أسامة في الحج ما وقع فيه من ادراج أيضا والله المستعان
2894 - قوله أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يدعى هنيا بالنون مصغر بغير همز وقد يهمز وهذا المولى لم أر من ذكره في الصحابة مع ادراكه وقد وجدت له رواية عن أبي بكر وعمر وعمرو بن العاص روى عنه ابنه عمير وشيخ من الأنصار وغيرهما وشهد صفين مع معاوية ثم تحول إلى علي لما قتل عمار ثم وجدت في كتاب مكة لعمر بن شبة أن آل هني ينتسبون في همدان وهم موالي آل عمر انتهى ولولا أنه كان من الفضلاء النبهاء الموثوق بهم لما استعمله عمر قوله على الحمى بين بن سعد من طريق عمير بن هنى عن أبيه أنه كان على حمى الربذة وقد تقدم بعض ذلك في كتاب الشرب قوله اضمم جناحك عن المسلمين أي اكفف يدك عن ظلمهم وفي رواية معن بن عيسى عن مالك عند الدارقطني في الغرائب اضمم جناحك للناس وعلى هذا فمعناه استرهم بجناحك وهو كناية عن الرحمة والشفقة قوله واتق دعوة المسلمين في رواية الإسماعيلي والدارقطني وأبي نعيم دعوة المظلوم قوله وأدخل بهمزة مفتوحة ومعجمة مكسورة والصريمة بالمهملة مصغر وكذا الغنيمة أي صاحب القطعة القليلة من الإبل والغنم ومتعلق الادخال محذوف والمراد المرعى قوله وإياي فيه تحذير المتكلم نفسه وهو شاذ عند النحاة كذا قيل والذي يظهر أن الشذوذ في لفظه وإلا فالمراد في التحقيق إنما هو تحذير المخاطب وكأنه بتحذير نفسه حذره بطريق الأولى فيكون أبلغ ونحوه نهي المرء نفسه ومراده نهى من يخاطبه كما سيأتي قريبا في باب الغلول وقوله فيه بن عوف هو عبد الرحمن وبن عفان هو عثمان وخصهما بالذكر على طريق المثال لكثرة نعمهما لأنهما كانا من مياسير الصحابة ولم يرد بذلك منعهما البتة وإنما أراد أنه إذا لم يسع المرعى الا نعم أحد الفريقين فنعم المقلين أولى فنهاه عن ايثارهما على غيرهما أو تقديمهما قبل غيرهما وقد بين حكمة

(6/176)


ذلك في نفس الخبر قوله ببيته كذا للأكثر بمثناة قبلها تحتانية ساكنة بلفظ مفرد البيت وللكشميهني بنون قبل التحتانية بلفظ جمع البنين والمعنى متقارب قوله يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين حذف المقول لدلالة السياق عليه ولأنه لا يتعين في لفظ والتقدير يا أمير المؤمنين أنا فقير يا أمير المؤمنين أنا أحق ونحو ذلك قوله أفتاركهم أنا استفهام إنكار ومعناه لا أتركهم محتاجين وقوله لا أبا لك بفتح الهمزة والموحدة وظاهره الدعاء عليه لكنه على مجازه لا على حقيقته وهو بغير تنوين لأنه صار شبيها بالمضاف وإلا فالاصل لا أبا لك والحاصل أنهم لو منعوا من الماء والكلأ لهلكت مواشيهم فاحتاج إلى تعويضهم بصرف الذهب والفضة لهم لسد خلتهم وربما عارض ذلك الاحتياج إلى النقد في صرفه في مهم آخر قوله إنهم ليرون بضم التحتانية أوله بمعنى الظن وبفتحها بمعنى الاعتقاد وقوله أني قد ظلمتهم قال بن التين يريد أرباب المواشي الكثيرة كذا قال والذي يظهر لي أنه أراد أرباب المواشي القليلة لأنهم المعظم والأكثر وهم أهل تلك البلاد من بوادي المدينة ويدل على ذلك قول عمر أنها لبلادهم وإنما ساغ لعمر ذلك لأنه كان مواتا فحماه لنعم الصدقة لمصلحة عموم المسلمين وقد أخرج بن سعد في الطبقات عن معن بن عيسى عن مالك عن زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن عمر أتاه رجل من أهل البادية فقال يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام ثم تحمى علينا فجعل عمر ينفخ ويفتل شاربه وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق بن وهب عن مالك بنحوه وزاد فلما رأى الرجل ذلك ألح عليه فلما أكثر عليه قال المال مال الله والعباد عباد الله ما أنا بفاعل وقال بن المنير لم يدخل بن عفان ولا بن عوف في قوله قاتلوا عليها في الجاهلية فالكلام عائد على عموم أهل المدينة لا عليهما والله أعلم وقال المهلب إنما قال عمر ذلك لأن أهل المدينة أسلموا عفوا وكانت أموالهم لهم ولهذا ساوم بني النجار بمكان مسجده قال فاتفق العلماء على أن من أسلم من أهل الصلح فهو أحق بأرضه ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه فيء للمسلمين لأن أهل العنوة غلبوا على بلادهم كما غلبوا على أموالهم بخلاف أهل الصلح في ذلك وفي نقل الاتفاق نظر لما بينا أول الباب وهو ومن بعده حملوا الأرض على أرض أهل المدينة التي أسلم أهلها عليها وهي في ملكهم وليس المراد ذلك هنا وإنما حمى عمر بعض الموات مما فيه نبات من غير معالجة أحد وخص إبل الصدقة وخيول المجاهدين وأذن لمن كان مقلا أن يرعى فيه مواشيه رفقا به فلا حجة فيه للمخالف وأما قوله يرون أني ظلمتهم فأشار به إلى أنهم يدعون أنهم أولى به لا أنهم منعوا حقهم الواجب لهم قوله لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله أي من الإبل التي كان يحمل عليها من لا يجد ما يركب وجاء عن مالك أن عدة ما كان في الحمى في عهد عمر بلغ أربعين ألفا من إبل وخيل وغيرها وفي الحديث ما كان فيه عمر من القوة وجودة النظر والشفقة على المسلمين وهذا الحديث ليس في الموطأ قال الدارقطني في غرائب مالك هو حديث غريب صحيح

(6/177)


( قوله باب كتابة الإمام الناس )
أي من المقاتلة أو غيرهم والمراد ما هو أعم من كتابته بنفسه أو بأمره قوله حدثنا محمد بن يوسف هو الفريابي وسفيان هو الثوري
2895 - قوله اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام في رواية أبي معاوية عن الأعمش عند مسلم احصوا بدل اكتبوا وهي أعم من اكتبوا وقد يفسر احصوا باكتبوا قوله فقلنا نخاف هو استفهام تعجب وحذفت منه أداة الاستفهام وهي مقدرة وزاد أبو معاوية في روايته فقال إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا وكأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه ولعله كان عند خروجهم إلى أحد أو غيرها ثم رأيت في شرح بن التين الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق وحكى الداودي احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية لأنه قد اختلف في عددهم هل كانوا ألفا وخمسمائة أو ألفا وأربعمائة أو غير ذلك مما سيأتي في مكانه وأما قول حذيفة فلقد رأيتنا ابتلينا الخ فيشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان من ولاية بعض أمراء الكوفة كالوليد بن عقبة حيث كان يؤخر الصلاة أو لا يقيمها على وجهها وكان بعض الورعين يصلي وحده سرا ثم يصلي معه خشية من وقوع الفتنة وقيل كان ذلك حين أتم عثمان الصلاة في السفر وكان بعضهم يقصر سرا وحده خشية الإنكار عليه ووهم من قال أن ذلك كان أيام قتل عثمان لأن حذيفة لم يحضر ذلك وفي ذلك علم من أعلام النبوة من الأخبار بالشيء قبل وقوعه وقد وقع أشد من ذلك بعد حذيفة في زمن الحجاج وغيره قوله حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش فوجدناهم خمسمائة يعني أن أبا حمزة خالف الثوري عن الأعمش في هذا الحديث بهذا السند فقال خمسمائة ولم يذكر الألف قوله قال أبو معاوية ما بين ستمائة إلى سبعمائة أي أن أبا معاوية خالف الثوري أيضا عن الأعمش بهذا الإسناد في العدة وطريق أبي معاوية هذه وصلها مسلم وأحمد والنسائي وبن ماجة وكأن رواية الثوري رجحت عند البخاري فلذلك اعتمدها لكونه أحفظهم مطلقا وزاد عليهم وزيادة الثقة الحافظ مقدمة وأبو معاوية وأن كان أحفظ أصحاب الأعمش بخصوصه ولذلك اقتصر مسلم على روايته لكنه لم يجزم بالعدد فقدم البخاري رواية الثوري لزيادتها بالنسبة لرواية الإثنين ولجزمها بالنسبة لرواية أبي معاوية وأما ما ذكره الإسماعيلي أن يحيى بن سعيد الأموي وأبا بكر بن عياش وافقا أبا حمزة في قوله خمسمائة فتتعارض الأكثرية والأحفظية فلا يخفى بعد ذلك الترجيح بالزيادة وبهذا يظهر رجحان نظر البخاري على غيره وسلك الداودي الشارح طريق الجمع فقال لعلهم كتبوا مرات في مواطن وجمع بعضهم بأن المراد بالألف وخمسمائة جميع من أسلم من رجل وامرأة وعبد وصبي وبما بين الستمائة إلى السبعمائة الرجال خاصة وبالخمسمائة المقاتلة خاصة وهو

(6/178)


أحسن من الجمع الأول وأن كان بعضهم أبطله بقوله في الرواية الأولى ألف وخمسمائة رجل لا مكان أن يكون الراوي أراد بقوله رجل نفس وجمع بعضهم بأن المراد بالخمسمائة المقاتلة من أهل المدينة خاصة وبما بين الستمائة إلى السبعمائة هم ومن ليس بمقاتل وبالألف وخمسمائة هم ومن حولهم من أهل القرى والبوادي قلت ويخدش في وجوه هذه الاحتمالات كلها اتحاد مخرج الحديث ومداره على الأعمش بسنده واختلاف أصحابه عليه في العدد المذكور والله أعلم وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة بمن لا يصلح وفيه وقوع العقوبة على الإعجاب بالكثرة وهو نحو قوله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم الآية وقال بن المنير موضع الترجمة من الفقه أن لا يتخيل أن كتابة الجيش واحصاء عدده يكون ذريعة لارتفاع البركة بل الكتابة المأمور بها لمصلحة دينية والمؤاخذة التي وقعت في حنين كانت من جهة الإعجاب ثم ذكر المصنف حديث بن عباس قال رجل يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا وهو يرجح الرواية الأولى بلفظ اكتبوا لأنها مشعرة بأنه كان من عادتهم كتابة من يتعين للخروج في المغازي وقد تقدم شرح الحديث في الحج مستوفى
( قوله باب أن الله ليؤيد الدين بالرجل الفاجر )
ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي قاتل وقال النبي صلى الله عليه و سلم أنه من أهل النار وظهر بعد ذلك أنه قتل نفسه وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي وهو ظاهر فيما ترجم به وساقه هنا على لفظ معمر وهذا هو السبب في عطفه لطريقه على طريق شعيب وقال المهلب وغيره لا يعارض هذا قوله صلى الله عليه و سلم لا نستعين بمشرك لأنه أما خاص بذلك الوقت وأما أن يكون المراد به الفاجر غير المشرك قلت الحديث أخرجه مسلم وأجاب عنه الشافعي بالأول وحجة النسخ شهود صفوان بن أمية حنينا مع النبي صلى الله عليه و سلم وهو مشرك وقصته مشهورة في المغازي وأجاب غيره في الجمع بينهما بأوجه غير هذه منها أنه

(6/179)


صلى الله عليه و سلم تفرس في الذي قال له لا أستعين بمشرك الرغبة في الإسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه ومنها أن الأمر فيه إلى رأي الإمام وفي كل منهما نظر من جهة أنها نكرة في سياق النفي فيحتاج مدعى التخصيص إلى دليل وقال الطحاوي قصة صفوان لا تعارض قوله لا أستعين بمشرك لأن صفوان خرج مع النبي صلى الله عليه و سلم باختياره لا بأمر النبي صلى الله عليه و سلم له بذلك قلت وهي تفرقة لا دليل عليها ولا أثر لها وبيان ذلك أن المخالف لا يقول به مع الإكراه وأما الأمر فالتقرير يقوم مقامه قال بن المنير موضع الترجمة من الفقه أن لا يتخيل في الإمام إذا حمى حوزة الإسلام وكان غير عادل أنه يطرح النفع في الدين لفجوره فيجوز الخروج عليه فأراد أن هذا التخيل مندفع بهذا النص وأن الله قد يؤيد دينه بالفاجر وفجوره على نفسه
( قوله باب من تأمر في الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو )
أي جاز ذلك ذكر فيه حديث أنس في قصة أخذ خالد الراية في يوم مؤتة وسيأتي شرحه في كتاب المغازي أن شاء الله تعالى وهو ظاهر فيما ترجم له به أيضا قال بن المنير يؤخذ من حديث الباب أن من تعين لولاية وتعذرت مراجعة الإمام أن الولاية تثبت لذلك المعين شرعا وتجب طاعته حكما كذا قال ولا يخفى أن محله ما إذا اتفق الحاضرون عليه قال ويستفاد منه صحة مذهب مالك في أن المرأة إذا لم يكن لها ولي الا السلطان فتعذر إذن السلطان أن يزوجها الآحاد وكذا إذا غاب إمام الجمعة قدم الناس لأنفسهم قوله باب العون بالمدد بفتح الميم ما يمد به الأمير بعض العسكر من الرجال ذكر فيه حديث أنس في قصة

(6/180)


بئر معونة وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي وهو ظاهر فيما ترجم به أيضا قال بن المنير وفيه أن الاجتهاد والعمل بالظاهر لا يضر صاحبه أن يقع التخلف ممن ظن به الوفاء تنبيه قال الدمياطي
2899 - قوله في هذه الطريق أتاه رعل وذكوان وعصية ولحيان وهم لأن هؤلاء ليسوا أصحاب بئر معونة وإنما هم أصحاب الرجيع وهو كما قال وسأبين ذلك واضحا في المغازي أن شاء الله تعالى
( قوله باب من غلب العدو فأقام على عرصتهم ثلاثا )
العرصة بفتح المهملتين وسكون الراء بينهما هي البقعة الواسعة بغير بناء من دار وغيرها
2900 - قوله ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة كذا رواه قتادة ورواه ثابت عن أنس بغير ذكر أبي طلحة وهذه الطريق عن روح بن عبادة عن سعيد وهو بن أبي عروبة مختصرة وقد أوردها المصنف في المغازي في غزوة بدر عن شيخ آخر عن روح بأتم من هذا السياق ويأتي شرحه هناك أن شاء الله تعالى قوله تابعه معاذ وعبد الأعلى عن قتادة الخ أما متابعة معاذ وهو بن معاذ العنبري فوصلها أصحاب السنن الثلاثة من طريقه ولفظه أحب أن يقيم بالعرصة ثلاثا وأما متابعة عبد الأعلى وهو بن عبد الأعلى السامي بالمهملة فوصلها أبو بكر بن أبي شيبة عنه ومن طريق الإسماعيلي وأخرجها مسلم عن يوسف بن حماد عنه قال المهلب حكمة الإقامة لاراحة الظهر والانفس ولا يخفى أن محله إذا كان في أمن من عدو وطارق والاقتصار على ثلاث يؤخذ منه أن الأربعة إقامة وقال بن الجوزي إنما كان يقيم ليظهر تأثير الغلبة وتنفيذ الأحكام وقلة الاحتفال فكأنه يقول من كانت فيه قوة منكم فليرجع إلينا وقال بن المنير يحتمل أن يكون المراد أن تقع ضيافة الأرض التي وقعت فيها المعاصي بايقاع الطاعة فيها بذكر الله وإظهار شعار المسلمين وإذا كان ذلك في حكم الضيافة ناسب أن يقيم عليها ثلاثا لأن الضيافة ثلاثة
( قوله باب من قسم الغنيمة في غزوه وسفره )
أشار بذلك إلى الرد على قول الكوفيين أن الغنائم لا تقسم في دار الحرب واعتلوا بأن الملك لا يتم عليها الا بالاستيلاء ولا يتم الاستيلاء الا باحرازها في دار الإسلام وقال

(6/181)


الجمهور هو راجع إلى نظر الإمام واجتهاده وتمام الاستيلاء يحصل باحرازها بأيدي المسلمين ويدل على ذلك أن الكفار لو أعتقوا حينئذ رقيقا لم ينفذ عتقهم ولو أسلم عبد الحربي ولحق بالمسلمين صار حرا ثم ذكر فيه طرفا من حديث رافع وهو بن خديج معلقا وسيأتي بتمامه موصولا مع شرحه في كتاب الذبائح وحديث أنس اعتمر النبي صلى الله عليه و سلم من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين وهو طرف من حديثه المتقدم في الحج بهذا الإسناد وسيأتي في غزوة الحديبية أيضا بتمامه وكلا الحديثين ظاهر فيما ترجم له
( قوله باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم )
أي هل يكون أحق به أو يدخل الغنيمة وهذا مما اختلف فيه فقال الشافعي وجماعة لا يملك أهل الحرب بالغلبة شيئا من مال المسلم ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها وعن علي والزهري وعمرو بن دينار والحسن لا يرد أصلا ويختص به أهل المغانم وقال عمر وسليمان بن ربيعة وعطاء والليث ومالك وأحمد وآخرون وهي رواية عن الحسن أيضا ونقلها بن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء السبعة أن وجده صاحبه قبل القسمة فهو أحق به وأن وجده بعد القسمة فلا يأخذه الا بالقسمة واحتجوا بحديث عن بن عباس مرفوعا بهذا التفصيل أخرجه الدارقطني وإسناده ضعيف جدا وعن أبي حنيفة كقول مالك الا في الآبق فقال هو والثوري صاحبه أحق به مطلقا
2902 - قوله وقال بن نمير يعني عبد الله وطريقه هذه وصلها أبو داود وبن ماجة قوله ذهب وقوله فأخذه في رواية الكشميهني ذهبت وقال فأخذها والفرس اسم جنس يذكر ويؤنث قوله في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم كذا وقع في رواية بن نمير أن قصة الفرس

(6/182)


في زمن النبي صلى الله عليه و سلم وقصة العبد بعد النبي صلى الله عليه و سلم وخالفه يحيى وهو القطان عن عبيد الله وهو العمري كما هي الرواية الثانية في الباب فجعلهما معا بعد النبي صلى الله عليه و سلم وكذا وقع في رواية موسى بن عقبة عن نافع وهي الرواية الثالثة في الباب فصرح بأن قصة الفرس كانت في زمن أبي بكر وقد وافق بن نمير إسماعيل بن زكريا أخرجه الإسماعيلي من طريقه وأخرجه من طريق بن المبارك عن عبيد الله فلم يعين الزمان لكن قال في روايته أنه افتدى الغلام بروميين وكأن هذا الاختلاف هو السبب في ترك المصنف الجزم في الترجمة بالحكم لتردد الرواة في رفعه ووقفه لكن للقائل به أن يحتج بوقوع ذلك في زمن أبي بكر الصديق والصحابة متوافرون من غير نكير منهم وقوله في رواية موسى بن عقبة يوم لقي المسلمون كذا هنا بحذف المفعول وبينه الإسماعيلي في روايته عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة وأبو نعيم من طريق أحمد بن يحيى الحلواني كلاهما عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه فقال فيه يوم لقي المسلمون طيئا وأسدا وزاد فيه سبب أخذ العدو لفرس بن عمر ففيه فاقتحم الفرس بعبد الله بن عمر جرفا فصرعه وسقط بن عمر فعار الفرس والباقي مثله وروى عبد الرزاق أن العبد الذي أبق لابن عمر كان يوم اليرموك أخرجه عن معمر عن أيوب عن نافع عنه
2903 - قوله قال أبو عبد الله عار بمهملة وراء مشتق من العير وهو حمار وحش أي هرب قال بن التين أراد أنه فعل فعله في النفار وقال الخليل يقال عار الفرس والكلب عيارا أي أفلت وذهب وقال الطبري يقال ذلك للفرس إذا فعله مرة بعد مرة ومنه قيل للبطال من الرجال الذي لا يثبت على طريقه عيار ومنه سهم عاير إذا كان لا يدري من أين أتى

(6/183)


( قوله باب من تكلم بالفارسية أي بلسان الفرس )
قيل إنهم ينتسبون إلى فارس بن كومرث واختلف في كومرث قيل أنه من ذرية سام بن نوح وقيل من ذرية يافث بن نوح وقيل أنه ولد آدم لصلبه وقيل أنه آدم نفسه وقيل لهم الفرس لأن جدهم الأعلى ولد له سبعة عشر ولدا كان كل منهم شجاعا فارسا فسموا الفرس وفيه نظر لأن الاشتقاق يختص باللسان العربي والمشهور أن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أول من ذللت له الخيل والفروسية ترجع إلى الفرس من الخيل وأمة الفرس كانت موجودة قوله والرطانة بكسر الراء ويجوز فتحها هو كلام غير العربي قالوا فقه هذا الباب يظهر في تأمين المسلمين لأهل الحرب بألسنتهم وسيأتي مزيد لذلك في أواخر الجزية في باب إذا قالوا صبأنا ولم يقولوا أسلمنا وقال الكرماني الحديث الأول كان في غزوة الخندق والآخران بالتبعية كذا قال ولا يخفى بعده والذي أشرت إليه أقرب قوله وقول الله عز و جل واختلاف ألسنتكم وألوانكم وقال وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه كأنه أشار إلى أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يعرف الألسنة لأنه أرسل إلى الأمم كلها على اختلاف ألسنتهم فجميع الأمم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته فاقتضى أن يعرف ألسنتهم ليفهم عنهم ويفهموا عنه ويحتمل أن يقال لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الألسنة لا مكان الترجمان الموثوق به عندهم ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها طرف من حديث جابر في قصة بركة الطعام الذي صنعه بالخندق وسيأتي بتمامه بهذا الإسناد مع شرحه في المغازي أن شاء الله تعالى والغرض منه
2905 - قوله أن جابرا قد صنع سورا وهو بضم المهملة وسكون الواو قال الطبري السور بغير همز الصنيع من الطعام الذي يدعى إليه وقيل الطعام مطلقا وهو بالفارسية وقيل بالحبشية وبالهمز بقية الشيء والأول هو المراد هنا قال الإسماعيلي السور كلمة بالفارسية قيل له أليس هو الفضلة قال لم يكن هناك شيء فضل ذلك منه إنما هو بالفارسية من أتى دعوة وأشار المصنف إلى ضعف ما ورد من الأحاديث الواردة في كراهة الكلام بالفارسية كحديث كلام أهل النار بالفارسية وكحديث من تكلم بالفارسية زادت في خبثه ونقصت من مروءته أخرجه الحاكم في مستدركه وسنده واه وأخرج فيه أيضا عن عمر رفعه من أحسن العربية فلا يتكلمن بالفارسية فإنه يورث النفاق الحديث وسنده واه أيضا ثانيها حديث أم خالد بنت خالد وسيأتي بهذا الإسناد في كتاب الأدب ويأتي شرحه في اللباس والغرض منه
2906 - قوله سنه سنه وهو بفتح النون وسكون الهاء وفي رواية الكشميهني سناه بزيادة ألف والهاء فيهما للسكت وقد تحذف قال بن قرقول هو بفتح النون الخفيفة عند أبي ذر وشددها الباقون وهي بفتح أوله للجميع الا القابسي فكسره قوله في آخره قال عبد الله فبقيت حتى ذكر أي ذكر الراوي من بقائها أمدا طويلا وفي نسخة الصغاني وغيرها حتى ذكرت ولبعضهم حتى دكن بمهملة وآخره نون أي اتسخ وسيأتي في كتاب الأدب ووقع في نسخة الصغاني هنا من الزيادة في آخر الباب قال أبو عبد الله هو المصنف لم تعش امرأة مثل ما عاشت هذه يعني أم خالد قلت وادراك موسى بن عقبة لها دال على طول عمرها لأنه لم يلق من الصحابة غيرها تنبيه خالد بن سعيد المذكور في السند شيخ عبد الله وهو بن المبارك هو خالد

(6/184)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية