صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ فتح الباري - ابن حجر ]
الكتاب : فتح الباري شرح صحيح البخاري
المؤلف : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
الناشر : دار المعرفة - بيروت ، 1379
تحقيق : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
عدد الأجزاء : 13

( قوله باب السبق بين الخيل )
أي مشروعية ذلك والسبق بفتح المهملة وسكون الموحدة مصدر وهو المراد هنا وبالتحريك الرهن الذي يوضع لذلك ثم قال باب إضمار الخيل للسبق إشارة إلى أن السنة في المسابقة أن يتقدم إضمار الخيل وأن كانت التي لا تضمر لا تمتنع المسابقة عليها
( ثم قال باب غاية السباق للخيل المضمرة )
أي بيان ذلك وبيان غاية التي لم تضمر وذكر في الأبواب الثلاثة حديث بن عمر في ذلك وقوله
2713 - في الطريق الأولى من الحفياء بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية ومد مكان خارج المدينة من جهة ويجوز القصر وحكى الحازمي تقديم الياء التحتانية على الفاء وحكى عياض ضم أوله وخطأه وقوله فيها أجرى قال في التي تليها سابق وهو بمعناه وقال فيها قال بن عمر وكنت فيمن

(6/71)


أجرى وقال في الرواية التي تليها وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها وسفيان في الرواية الأولى هو الثوري وشيخه عبيد الله بالتصغير هو بن عمر العمري والطريق الثانية عن الليث مختصرة وقد أخرجها تامة النسائي عن قتيبة عن الليث وهو عند مسلم لكن لم يسق لفظه وقوله في الأولى قال عبد الله قال سفيان حدثني عبيد الله فعبد الله هو بن الوليد العدني كذا رويناه في جامع سفيان الثوري من روايته عنه وأراد بذلك تصريح الثوري عن شيخه بالتحديث ووهم من قال فيه وقال أبو عبد الله وزاد الإسماعيلي من طريق إسحاق وهو الأزرق عن الثوري في آخره قال بن عمر وكنت فيمن أجرى فوثب بي فرسي جدارا وأخرجه مسلم من طريق أيوب عن نافع وقال فيه فسبقت الناس فطفف بن الفرس مسجد بني زريق أي جاوز بي المسجد الذي كان هو الغاية وأصل التطفيف مجاوزة الحد وقوله في آخر الثانية قال أبو عبد الله هو المصنف وقوله
2714 - أمدا غاية فطال عليهم الأمد وقع هذا في رواية المستملى وحده وهو تفسير أبي عبيدة في المجاز وهو متفق عليه عند أهل اللغة قال النابغة سبق الجواد إذا استولى على الأمد ومعاوية في الرواية الثالثة هو بن عمرو الأزدي وأبو إسحاق هو الفزاري وقوله فيها قال سفيان هو موصول بالإسناد المذكور ولم يسند سفيان ذلك وقد ذكر نحوه موسى بن عقبة في الرواية الثالثة إلا أن سفيان قال في المسافة التي بين الحفياء والثنية خمسة أو ستة وقال موسى ستة أو سبعة وهو اختلاف قريب وقال سفيان في المسافة الثانية ميل أو نحوه وقد وقع في رواية الترمذي من طريق عبيد الله بن عمر ادراج ذلك في نفس الخبر والخبر بالستة وبالميل قال بن بطال إنما ترجم لطريق الليث بالاضمار وأورده بلفظ سابق بين الخيل التي لم تضمر ليشير بذلك إلى تمام الحديث وقال بن المنير لا يلتزم ذلك في تراجمه بل ربما ترجم مطلقا لما قد يكون ثابتا ولما قد يكون منفيا فمعنى قوله إضمار الخيل للسبق أي هل هو شرط أم لا فبين بالرواية التي ساقها أن ذلك ليس بشرط ولو كان غرضه الاقتصار المجرد لكان الاقتصار على الطرف المطابق للترجمة أولى لكنه عدل عن ذلك للنكتة المذكورة وأيضا فلإزالة اعتقاد أن التضمير لا يجوز لما فيه من مشقة سوقها والخطر فيه فبين أنه ليس بممنوع بل مشروع والله أعلم قلت ولا منافاة بين كلامه وكلام بن بطال بل أفاد النكتة في الاقتصار قوله أضمرت بضم أوله وقوله لم تضمر بسكون الضاد المعجمة والمراد به أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى ثم يقلل علفها بقدر القوت وتدخل بيتا وتغشى بالجلال حتى تحمى فتعرق فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري وفي الحديث مشروعية المسابقة وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة وهي دائرة بين الاستحباب والاباحة بحسب الباعث على ذلك قال القرطبي لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب وعلى الأقدام وكذا الترامي بالسهام واستعمال الاسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب وفيه جواز إضمار الخيل ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو وفيه مشروعية الاعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة وفيه نسبة الفعل إلى الآمر به لأن قوله سابق أي أمر أو أباح تنبيه لم يتعرض في هذا الحديث للمراهنة على ذلك لكن ترجم الترمذي له باب المراهنة على الخيل ولعله أشار إلى ما أخرجه أحمد من رواية عبد الله بن عمر المكبر عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سابق بين الخيل وراهن وقد أجمع العلماء كما تقدم على جواز المسابقة بغير عوض لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والحافر والنصل وخصه بعض

(6/72)


العلماء بالخيل وأجازه عطاء في كل شيء واتفقوا على جوازها بعوض بشرط أن يكون من غير المتسابقين كالامام حيث لا يكون له معهم فرس وجوز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقين وكذا إذا كان معهما ثالث محلل بشرط أن لا يخرج من عنده شيئا ليخرج العقد عن صورة القمار وهو أن يخرج كل منهما سبقا فمن غلب أخذ السبقين فاتفقوا على منعه ومنهم من شرط في المحلل أن يكون لا يتحقق السبق في مجلس السبق وفيه أن المراد بالمسابقة بالخيل كونها مركوبة لا مجرد إرسال الفرسين بغير راكب لقوله في الحديث وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها كذا استدل به بعضهم وفيه نظر لأن الذي لا يشترط الركوب لا يمنع صورة الركوب وإنما احتج الجمهور بأن الخيل لا تهتدي بأنفسها لقصد الغاية بغير راكب وربما نفرت وفيه نظر لأن الاهتداء لا يختص بالركوب فلو أن السائس كان ماهرا في الجري بحيث لو كان مع كل فرس ساع يهديها إلى الغاية لأمكن وفيه جواز إضافة المسجد إلى قوم مخصوصين وقد ترجم له البخاري بذلك في كتاب الصلاة وفيه جواز معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيبا لها في غير الحاجة كالاجاعة والاجراء وفيه تنزيل الخلق منازلهم لأنه صلى الله عليه و سلم غاير بين منزلة المضمر وغير المضمر ولو خلطهما لأتعب غير المضمر
( قوله باب ناقة النبي صلى الله عليه و سلم )
كذا أفرد الناقة في الترجمة إشارة إلى أن العضباء والقصواء واحدة قوله وقال بن عمر أردف النبي صلى الله عليه و سلم أسامة على القصواء هو طرف من حديث وصله المصنف في الحج وقد تقدم شرحه في حجة الوداع قوله وقال المسور ما خلأت القصواء هو طرف من الحديث الطويل الماضي مع شرحه في كتاب الشروط وفيه ضبط القصواء قوله حدثنا معاوية هو بن عمرو الأزدي وأبو إسحاق هو الفزاري
2717 - قوله طوله موسى عن حماد عن ثابت عن أنس أي رواه مطولا وهذا التعليق وقع في رواية المستملى وحده هنا وموسى هو بن إسماعيل التبوذكي وحماد هو بن سلمة ووقع في رواية من عدا الهروي بعد سياق رواية زهير وقد وصله أبو داود عن موسى بن إسماعيل المذكور وليس سياقه بأطول من سياق زهير بن معاوية عن حميد نعم هو أطول من سياق أبي إسحاق الفزاري فتترجح رواية المستملي وكأنه اعتمد رواية أبي إسحاق لما

(6/73)


وقع فيها من التصريح بسماع حميد من أنس وأشار إلى أنه روى مطولا من طريق ثابت ثم وجده من رواية حميد أيضا مطولا فأخرجه والله أعلم قوله لا تسبق قال حميد أو لا تكاد تسبق شك منه وهو موصول بالإسناد المذكور وفي بقية الروايات بغير شك وقوله أن لا يرتفع شيء من الدنيا وفي رواية موسى بن إسماعيل أن لا يرفع شيئا وكذا للمصنف في الرقاق وكذا قال النفيلي عن زهير عند أبي داود وفي رواية شعبة عند النسائي أن لا يرفع شيء نفسه في الدنيا وقوله فجاء أعرابي فسبقها في رواية بن المبارك وغيره عن حميد عند أبي نعيم فسابقها فسبقها وفي رواية شعبة سابق رسول الله صلى الله عليه و سلم أعرابي ولم أقف على اسم هذا الأعرابي بعد التتبع الشديد قوله على قعود بفتح القاف ما استحق الركوب من الإبل قال الجوهري هو البكر حتى يركب وأقل ذلك أن يكون بن سنتين إلى أن يدخل السادسة فيسمى جملا وقال الأزهري لا يقال الا للذكر ولا يقال للانثى قعودة وإنما يقال لها قلوص قال وقد حكى الكسائي في النوادر قعودة للقلوص وكلام الأكثر على خلافه وقال الخليل القعودة من الإبل ما يقعده الراعي لحمل متاعه والهاء فيه للمبالغة قوله حتى عرفه أي عرف أثر المشقة وفي رواية المصنف في الرقاق فلما رأى ما في وجوههم وقالوا سبقت العضباء الحديث والعضباء بفتح المهملة وسكون المعجمة بعدها موحدة ومد هي المقطوعة الأذن أو المشقوقة وقال بن فارس كان ذلك لقبا لها لقوله تسمى العضباء ولقوله يقال لها العضباء ولو كانت تلك صفتها لم يحتج لذلك وقال الزمخشري العضباء منقول من قولهم ناقة عضباء أي قصيرة اليد واختلف هل العضباء هي القصواء أو غيرها فجزم الحربي بالأول وقال تسمى العضباء والقصواء والجدعاء وروى ذلك بن سعد عن الواقدي وقال غيره بالثاني وقال الجدعاء كانت شهباء وكان لا يحمله عند نزول الوحي غيرها وذكر له عدة نوق غير هذه تتبعها من اعتنى بجمع السيرة وفي الحديث اتخاذ الإبل للركوب والمسابقة عليها وفيه التزهيد في الدنيا للإشارة إلى أن كل شيء منها لا يرتفع الا أتضع وفيه الحث على التواضع وفيه حسن خلق النبي صلى الله عليه و سلم وتواضعه وعظمته في صدور أصحابه

(6/74)


( قوله باب الغزو على الحمير )
كذا في رواية المستملى وحده بغير حديث وضم النسفي هذه الترجمة للتي بعدها فقال باب الغزو على الحمير وبغلة النبي صلى الله عليه و سلم البيضاء ولم يتعرض لذلك أحد من الشراح وهو مشكل على الحالين لكن في رواية المستملى أسهل لأنه يحمل على أنه وضع الترجمة وأخلى بياضا للحديث اللائق بها فاستمر ذلك وكأنه أراد أن يكتب طريقا لحديث معاذ كنت ردف النبي صلى الله عليه و سلم على حمار يقال له عفير وقد تقدم قريبا في باب اسم الفرس والحمار وكونه كان راكبه يحتمل أن يكون في الحضر وفي السفر فيحصل مقصود الترجمة على طريقة من لا يفرق بين المطلق والعام والله أعلم وأما رواية النسفي فليس في حديثي الباب الا ذكر البغلة خاصة ويمكن أن يكون أخلى آخر الباب بياضا كما قلنا في رواية المستملى أو يوخذ حكم الحمار من البغلة وقد أخرج عبد بن حميد من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يوم خيبر على حمار مخطوم بحبل من ليف وفي سنده مقال قوله باب بغلة النبي صلى الله عليه و سلم البيضاء قاله أنس يشير إلى حديثه الطويل في قصة حنين وسيأتي موصولا مع شرحه في المغازي وفيه وهو على بغلة بيضاء قوله وقال أبو حميد أهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه و سلم بغلة بيضاء يشير إلى حديثه الطويل في غزوة تبوك وقد مضى موصولا في أواخر كتاب الزكاة وفيه هذا القدر وزيادة وتقدمت الإشارة إلى اسم صاحب أيلة هناك مع بقية شرح الحديث ومما ينبه عليه هنا أن البغلة البيضاء التي كان عليها في حنين غير البغلة البيضاء التي أهداها له ملك أيلة لأن ذلك كان في تبوك وغزوة حنين كانت قبلها وقد وقع في مسلم من حديث العباس أن البغلة التي كانت تحته في حنين أهداها له فروة بن نفاثة بضم النون بعدها فاء خفيفة ثم مثلثة وهذا هو الصحيح وذكر أبو الحسين بن عبدوس أن البغلة التي ركبها يوم حنين دلدل وكانت شهباء أهداها له المقوقس وأن التي أهداها له فروة يقال لها فضة ذكر ذلك بن سعد وذكر عكسه والصحيح ما في مسلم ثم ذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث عمرو بن الحارث وهو أخو جويرية أم المؤمنين قال ما ترك رسول الله صلى الله عليه و سلم الا بغلته البيضاء الحديث وقد تقدم في أول الوصايا وأن شرحه يأتي في الوفاة آخر المغازي ثانيهما حديث البراء في قصة حنين وقد تقدم قريبا وفيه والنبي صلى الله عليه و سلم على بغلة بيضاء وسيأتي شرحه في المغازي أن شاء الله تعالى واستدل به على جواز اتخاذ البغال وانزاء الحمر على الخيل وأما حديث علي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن حبان فقال الطحاوي أخذ به قوم فحرموا ذلك ولا حجة فيه لأن معناه الحض على تكثير الخيل لما فيها من الثواب وكأن المراد الذين لا يعلمون الثواب المرتب على ذلك

(6/75)


( قوله باب جهاد النساء )
ذكر فيه حديث عائشة جهادكن الحج وقد تقدم في أول الجهاد ومضى شرحه في كتاب الحج وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه النسائي بلفظ جهاد الكبير أي العاجز الضعيف والمرأة الحج والعمرة
2720 - قوله فيه وقال عبد الله بن الوليد هو العدني وروايته موصولة في جامع سفيان وقوله في الطريق الأخرى وعن حبيب بن أبي عمرة هو موصول من رواية قبيصة المذكورة والحاصل أن عنده فيه عن سفيان اسنادين وقد وصله الإسماعيلي من طريق هناد بن السرى عن قبيصة كذلك وقال بن بطال دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء ولكن ليس في قوله جهادكن الحج أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد وإنما لم يكن عليهن واجبا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد قلت وقد لمح البخاري بذلك في إيراده الترجمة مجملة وتعقيبها بالتراجم المصرحة بخروج النساء إلى الجهاد
( قوله باب غزو المرأة في البحر )
ذكر فيه حديث أنس في قصة أم حرام وقد تقدم قريبا في باب فضل من يصرع في سبيل الله ويأتي شرحه في كتاب الاستئذان أن شاء الله تعالى وقوله
2722 - في آخره قال أنس فتزوجت عبادة بن الصامت ظاهره أنها تزوجته بعد هذه المقالة ووقع في رواية إسحاق عن أنس في أول الجهاد بلفظ وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم وظاهره أنها كانت حينئذ زوجته فاما أن يحمل على أنها كانت زوجته ثم طلقها ثم راجعها بعد ذلك وهذا جواب بن التين وإما أن يجعل قوله في رواية إسحاق وكانت تحت عبادة جملة معترضة أراد الراوي وصفها به غير مقيد بحال من الأحوال وظهر من رواية غيره أنه إنما تزوجها بعد ذلك وهذا الثاني أولى لموافقة محمد بن يحيى بن حبان عن أنس على أن عبادة تزوجها بعد ذلك كما سيأتي بعد اثني عشر بابا وقوله في آخره فركبت البحر مع بنت قرظة هي زوج معاوية واسمها فاختة وقيل كنود وكانت تحت عتبة بن سهل قبل معاوية ويحتمل أن يكون معاوية تزوج الأختين واحدة بعد أخرى وهذه

(6/76)


رواية بن وهب في موطآته عن بن لهيعة عمن سمع قال ومعاوية أول من ركب البحر للغزاة وذلك في خلافة عثمان وأبوها قرظة بفتح القاف والراء والظاء المعجمة هو بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف وهي قرشية نوفلية وظن بعض الشراح أنها بنت قرظة بن كعب الأنصاري فوهم والذي قلته صرح به خليفة بن خياط في تاريخه وزاد أن ذلك كان سنة ثمان وعشرين والبلاذري في تاريخه أيضا وذكر أن قرظة بن عبد عمرو مات كافرا فيكون لها هي رؤية وكذا لأخيها مسلم بن قرظة الذي قتل يوم الجمل مع عائشة تنبيهان يتعلقان بهذا الإسناد أحدهما وقع في هذا الإسناد حدثنا أبو إسحاق هو الفزاري عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري هكذا هو في جميع الروايات ليس بينهما أحد وزعم أبو مسعود في الأطراف أنه سقط بينهما زائدة بن قدامة وأقره المزي على ذلك وقواه بان المسيب بن واضح رواه عن أبي إسحاق الفزاري عن زائدة عن أبي طوالة وقد قال أبو علي الجياني تأملته في السير لأبي إسحاق الفزاري فلم أجد فيها زائدة ثم ساقه من طريق عبد الملك بن حبيب عنه عن أبي طوالة ليس بينهما زائدة ورواية المسيب بن واضح خطأ وهو ضعيف لا يقضى بزيادته على خطأ ما وقع في الصحيح ولا سيما وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن معاوية بن عمرو شيخ شيخ البخاري فيه كما أخرجه البخاري سواء ليس فيه زائدة وسبب الوهم من أبي مسعود أن معاوية بن عمرو رواه أيضا عن زائدة عن أبي طوالة فظن أبو مسعود أنه عند معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن زائدة وليس كذلك بل هو عنده عن أبي إسحاق وزائدة معا جمعهما تارة وفرقهما أخرى أخرجه أحمد عنه عاطفا لروايته عن أبي إسحاق على روايته عن زائدة وأخرجه الإسماعيلي من طريق أبي خيثمة عن معاوية بن عمرو عن زائدة وحده به وكذا أخرجه أبو عوانة في صحيحه عن جعفر الصائغ عن معاوية فوضحت صحة ما وقع في الصحيح ولله الحمد ثانيهما هذا الحديث رواه عن أنس إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن يحيى بن حبان وأبو طوالة فقال إسحاق في روايته عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدخل على أم حرام وقال أبو طوالة في روايته دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم على بنت ملحان وكلاهما ظاهر في أنه من مسند أنس وأما محمد بن يحيى فقال عن أنس عن خالته أم حرام وهو ظاهر في أنه من مسند أم حرام وهو المعتمد وكأن أنسا لم يحضر ذلك فحمله عن خالته وقد حدث به عن أم حرام عمير بن الأسود أيضا كما سيأتي بعد أبواب وقد أحال المزي برواية أبي طوالة في مسند أنس على مسند أم حرام ولم يفعل ذلك في رواية إسحاق بن أبي طلحة فأوهم خلاف الواقع الذي حررته والله الهادي

(6/77)


( قوله باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه )
ذكر فيه طرفا من حديث عائشة في قصة الإفك وهو ظاهر فيما ترجم له وسيأتي شرح حديث الإفك تاما في التفسير وفيه التصريح بأن حمل عائشة معه كان بعد القرعة بين نسائه قوله باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال وقع في هذه الترجمة حديث الربيع بنت معوذ وسيأتي بعد باب وفي حديث أم عطية الذي مضى في الحيض وفي حديث بن عباس عند مسلم كان يغزو بهن فيداوين الجرحى الحديث ووقع في حديث آخر مرسل أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال كان النساء يشهدن مع النبي صلى الله عليه و سلم المشاهد ويسقين المقاتلة ويداوين الجرحى ولأبي داود من طريق حشرج بن زياد عن جدته أنهن خرجن مع النبي صلى الله عليه و سلم في حنين وفيه أن النبي صلى الله عليه و سلم سألهن عن ذلك فقلن خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ونداوي الجرحى ونناول السهام ونسقي السويق ولم أر في شيء من ذلك التصريح بانهن قاتلن ولاجل ذلك قال بن المنير بوب على قتالهن وليس هو في الحديث فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو وإما أن يريد أنهن ما ثبتن لسقي الجرحى ونحو ذلك الا وهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن وهو الغالب انتهى وقد وقع عند مسلم من وجه آخر عن أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين فقالت اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه ويحتمل أن يكون غرض البخاري بالترجمة أن يبين أنهن لا يقاتلن وأن خرجن في الغزو فالتقدير بقوله وقتالهن مع الرجال أي هل هو سائغ أو إذا خرجن مع الرجال في الغزو يقتصرن على ما ذكر من مداواة الجرحى ونحو ذلك ثم ذكر المصنف حديث أنس لما كان يوم أحد انهزم الناس الحديث والغرض منه
2724 - قوله فيه ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان وقد أخرجه في المغازي بهذا الإسناد بأتم من هذا السياق ويأتي شرحه هناك أن شاء الله تعالى وقوله خدم سوقهما بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة وهي الخلاخيل وهذه كانت قبل الحجاب ويحتمل أنها كانت عن غير قصد للنظر وقوله تنقزان بضم القاف بعدها زاي والقرب بكسر القاف وبالموحدة جمع قربة وقوله وقال غيره تنقلان القرب يعني باللام دون الزاي وهي رواية جعفر بن مهران عن عبد الوارث أخرجها الإسماعيلي وقوله تنقزان قال الداودي معناه تسرعان المشي كالهرولة وقال عياض قيل معنى تنقزان تثبان والنقز الوثب والقفز كناية عن سرعة السير وضبطوا القرب بالنصب وهو مشكل على هذا التأويل بخلاف رواية تنقلان قال وكان بعض الشيوخ يقرؤه برفع القرب على أن الجملة حال وقد خرج رواية النصب على نزع الخافض كأنه قال تثبان بالقرب قال وضبطه بعضهم تنقزان بضم أوله

(6/78)


أي تحركان القرب لشدة عدوهما وتصح على هذا رواية النصب وقال الخطابي أحسب الرواية تزفران بدل تنقزان والزفر حمل القرب الثقال كما في الحديث الذي بعده
( قوله باب حمل النساء القرب إلى الناس )
في الغزو أي جواز ذلك
2725 - قوله قال ثعلبة بن أبي مالك في رواية بن وهب عن يونس

(6/79)


عند أبي نعيم في المستخرج عن ثعلبة القرظي بضم القاف وفتح الراء بعدها معجمة مختلف في صحبته قال بن معين له رواية وقال بن سعد قدم أبو مالك واسمه عبد الله بن سام من اليمن وهو من كندة فتزوج امرأة من بني قريظة فعرف بهم وحالف الأنصار قلت وكانت اليهودية قد فشت في اليمن فلذلك صاهرهم أبو مالك وكأنه قتل في بني قريظة فقد ذكر مصعب الزبيري أن ثعلبة ممن لم يكن أثبت قوله فترك وكان ثعلبة إمام قومه وله حديث مرفوع عند بن ماجة لكن جزم أبو حاتم بأنه مرسل وقد صرح الزهري عنه بالإخبار في حديث آخر سيأتي في باب لواء النبي صلى الله عليه و سلم قوله فقال له بعض من عنده لم أقف على اسمه قوله يريدون أم كلثوم كان عمر قد تزوج أم كلثوم بنت علي وأمها فاطمة ولهذا قالوا لها بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانت قد ولدت في حياته وهي أصغر بنات فاطمة عليها السلام قوله أم سليط كذا فيه بفتح المهملة وكسر اللام وزن رغيف ولم أر لها في كتب من صنف في الصحابة ذكرا الا في الاستيعاب فذكرها مختصرة بالذي هنا وقد ذكرها بن سعد في طبقات النساء وقال هي أم قيس بنت عبيد بن زياد بن ثعلبة من بني مازن تزوجها أبو سليط بن أبي حارثة عمرو بن قيس من بني عدي بن النجار فولدت له سليطا وفاطمة يعني فلذلك يقال لها أم سليط وذكر أنها شهدت خيبر وحنينا وغفل عن ذكر شهودها أحدا وهو ثابت بهذا الحديث وذكر في ترجمة أم عمارة الأنصارية شبيها بهذه القصة من وجه آخر عن عمر لكن فيه فقال بعضهم أعطه صفية بنت أبي عبيد زوج عبد الله بن عمر وقال فيه أيضا لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا وأنا أراها تقاتل دوني فهذا يشعر بأن القصة تعددت قوله تزفر بفتح أوله وسكون الزاي وكسر الفاء أي تحمل وزنا ومعنى قوله قال أبو عبد الله تزفر تخيط كذا في رواية المستملى وحده وتعقب بأن ذلك لا يعرف في اللغة وإنما الزفر الحمل وهو بوزنه ومعناه قال الخليل زفر بالحمل زفرا نهض به والزفر أيضا القربة نفسها وقيل إذا كانت مملوءة ماء ويقال للإماء إذا حملن القرب زوافر والزفر أيضا البحر الفياض وقيل الزافر الذي يعين في حمل القربة قلت وقع عند أبي نعيم في المستخرج بعد أن أخرجه من طريق عبد الله بن وهب عن يونس قال عبد الله تزفر تحمل وقال أبو صالح كاتب الليث تزفر تخرز قلت فلعل هذا مستند البخاري في تفسيره وسيأتي بقية الكلام على فوائد هذا الحديث في غزوة أحد إن شاء الله تعالى
( قوله باب مداواة النساء الجرحى )
أي من الرجال وغيرهم في الغزو ثم قال بعده باب رد النساء الجرحى والقتلى كذا للأكثر وزاد الكشميهني إلى المدينة
2726 - قوله عن الربيع بالتشديد وأبوها معوذ بالتشديد أيضا والذال المعجمة لها ولابيها صحبة قوله كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم نسقي كذا أورده في الأول مختصرا وأورده في الذي بعده وسياقه أتم وأوفى بالمقصود وزاد الإسماعيلي من طريق أخرى عن خالد بن ذكوان ولا نقاتل وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة قال بن بطال ويختص ذلك بذوات المحارم ثم بالمتجالات منهن لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه بل يقشعر منه الجلد فإن دعت الضرورة لغير المتجالات فليكن بغير مباشرة ولا مس ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس بل يغسلها من وراء حائل في قول بعضهم كالزهري وفي قول الأكثر تيمم وقال الأوزاعي تدفن كما هي قال بن المنير الفرق بين حال المداواة وتغسيل الميت أن الغسل عبادة والمداواة ضرورة والضرورات تبيح المحظورات

(6/80)


( قوله باب نزع السهم من البدن )
ذكر فيه حديث أبي موسى في قصة عمه أبي عامر باختصار وساقه في غزوة حنين بتمامه وسيأتي شرحه هناك أن شاء الله تعالى قال المهلب فيه جواز نزع السهم من البدن وأن كان في غبه الموت وليس ذلك من الالقاء إلى التهلكة إذا كان يرجو الانتفاع بذلك قال ومثله البط والكي وغير ذلك من الأمور التي يتداوى بها وقال بن المنير لعله ترجم بهذا لئلا يتخيل أن الشهيد لا ينزع منه السهم بل يبقى فيه كما أمر بدفنه بدمائه حتى يبعث كذلك فبين بهذه الترجمة أن هذا مما شرع انتهى والذي قاله المهلب أولى لأن حديث الباب يتعلق بمن أصابه ذلك وهو في الحياة بعد والذي أبداه بن المنير يتعلق بنزعه بعد الوفاة قوله باب الحراسة في الغزو في سبيل الله أي بيان ما فيها من الفضل وذكر فيه حديثين أحدهما عن عائشة
2729 - قوله أخبرنا يحيى بن سعيد هو الأنصاري وعبد الله بن عامر بن ربيعة هو العنزي له رؤية ولأبيه صحبة

(6/81)


قوله كان النبي صلى الله عليه و سلم سهر فلما قدم المدينة قال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة هكذا في هذه الرواية ولم يبين زمان السهر وظاهره أن السهر كان قبل القدوم والقول بعده وقد أخرجه مسلم من طريق الليث عن يحيى بن سعيد وقال فيه سهر رسول الله صلى الله عليه و سلم مقدمه المدينة ليلة فقال فذكره وظاهره أن السهر والقول معا كانا بعد القدوم وقد أخرجه النسائي من طريق أبي إسحاق الفزاري عن يحيى بن سعيد بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أول ما قدم المدينة يسهر من الليل وليس المراد بقدومه المدينة أول قدومه إليها من الهجرة لأن عائشة إذ ذاك لم تكن عنده ولا كان سعد أيضا ممن سبق وقد أخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت فقلت ما شأنك يا رسول الله الحديث وقد روى الترمذي من طريق عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه و سلم يحرس حتى نزلت هذه الآية والله يعصمك من الناس وإسناده حسن واختلف في وصله وإرساله قوله جئت لأحرسك في رواية الليث المذكورة فقال وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه و سلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم قوله فنام النبي صلى الله عليه و سلم زاد المصنف في التمني من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد حتى سمعنا غطيطه وفي الحديث الأخذ بالحذر والاحتراس من العدو وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم خشية القتل وفيه الثناء على من تبرع بالخير وتسميته صالحا وإنما عانى النبي صلى الله عليه و سلم ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا أشتد البأس كان أمام الكل وأيضا فالتوكل لا ينافي تعاطي الأسباب لأن التوكل عمل القلب وهي عمل البدن وقد قال إبراهيم عليه السلام ولكن ليطمئن قلبي وقال عليه الصلاة و السلام اعقلها وتوكل قال بن بطال نسخ ذلك كما دل عليه حديث عائشة وقال القرطبي ليس في الآية ما ينافي الحراسة كما أن إعلام الله نصر دينه وإظهاره ما يمنع الأمر بالقتال واعداد العدد وعلى هذا فالمراد العصمة من الفتنة والاضلال أو ازهاق الروح والله أعلم ثانيهما عن أبي هريرة قوله وزاد لنا عمرو بن مرزوق هكذا وعمرو هو من شيوخ البخاري وقد صرح بسماعه منه في مواضع أخرى وجميع الإسناد سواء مدنيون وفيه تابعيان عبد الله بن دينار وأبو صالح والمراد بالزيادة قوله في آخره تعس وانتكس الخ وقد وصله أبو نعيم من طريق أبي مسلم الكجي وغيره عن عمرو بن مرزوق وسيأتي مزيد لهذا في التمني أن شاء الله تعالى
2730 - قوله تعس عبد الدينار الحديث سيأتي بهذا الإسناد والمتن في كتاب الرقاق ونذكر شرحه هناك أن شاء الله تعالى والغرض منه هنا قوله في الطريق الثانية طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه الحديث لقوله أن كان في الحراسة كان في الحراسة قوله تعس بفتح أوله وكسر المهملة ويجوز فتحها وهو ضد سعد تقول تعس فلان أي شقي وقيل معنى التعس الكب على الوجه قال الخليل التعس أن يعثر فلا يفيق من عثرته وقيل التعس الشر وقيل البعد وقيل الهلاك وقيل التعس أن يخر على وجهه والنكس أن يخر على رأسه وقيل تعس أخطأ حجته وبغيته وقوله وانتكس بالمهملة أي عاوده المرض وقيل إذا سقط اشتغل بسقطته حتى يسقط أخرى وحكى عياض أن بعضهم رواه انتكش بالمعجمة وفسره بالرجوع وجعله دعاء له لا عليه والأول أولى قوله وإذا شيك فلا انتقش شيك بكسر المعجمة وسكون التحتانية بعدها كاف وانتقش بالقاف والمعجمة والمعنى إذا أصابته الشوكة فلا وجد من يخرجها منه بالمنقاش تقول نقشت الشوك إذا استخرجته وذكر بن قتيبة أن بعضهم رواه بالعين المهملة بدل القاف ومعناه صحيح لكن مع ذكر الشوكة

(6/82)


تقوى رواية القاف ووقع في رواية الأصيلي عن أبي زيد المروزي وإذا شيت بمثناة فوقانية بدل الكاف وهو تغيير فاحش وفي الدعاء بذلك إشارة إلى عكس مقصوده لأن من عثر فدخلت في رجله الشوكة فلم يجد من يخرجها يصير عاجزا عن الحركة والسعي في تحصيل الدنيا وفي قوله طوبى لعبد الخ إشارة إلى الحض على العمل بما يحصل به خير الدنيا والآخرة قوله أشعث صفة لعبد وهو مجرور بالفتحة لعدم الصرف ورأسه بالرفع الفاعل قال الطيبي أشعث رأسه مغبرة قدماه حالان من قوله لعبد لأنه موصوف وقال الكرماني يجوز الرفع ولم يوجهه وقال غيره ويجوز في أشعث الرفع على أنه صفة رأس أي رأسه أشعث وكذا قوله مغبرة قدماه قوله أن كان في الحراسة كان في الحراسة وأن كان في الساقة كان في الساقة هذا من المواضع التي اتحد فيها الشرط والجزاء لفظا لكن المعنى مختلف والتقدير أن كان المهم في الحراسة كان فيها وقيل معنى فهو في الحراسة أي فهو في ثواب الحراسة وقيل هو للتعظيم أي أن كان في الحراسة فهو في أمر عظيم والمراد منه لازمه أي فعليه أن يأتي بلوازمه ويكون مشتغلا بخويصة عمله وقال بن الجوزي المعنى أنه خامل الذكر لا يقصد السمو فإن اتفق له السير سار فكأنه قال أن كان في الحراسة استمر فيها وأن كان في الساقة استمر فيها قوله أن استأذن لم يؤذن له وأن شفع لم يشفع فيه ترك حب الرياسة والشهرة وفضل الخمول والتواضع وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الرقاق أن شاء الله تعالى قوله فتعسا كأنه يقول فأتعسهم الله وقع هذا في رواية المستملى وهي على عادة البخاري في شرح اللفظة التي توافق ما في القرآن بتفسيرها وهكذا قال أهل التفسير في قوله تعالى والذين كفروا فتعسا لهم قوله طوبى فعلى من كل شيء طيب وهي ياء حولت إلى الواو وهو من يطيب كذا في رواية المستملي أيضا والقول فيه كالقول في الذي قبله وقال غيره المراد الدعاء له بالجنة لأن طوبى أشهر شجرها وأطيبه فدعا له أن ينالها ودخول الجنة ملزوم نيلها تكميل ورد في فضل الحراسة عدة أحاديث ليست على شرط البخاري منها حديث عثمان مرفوعا حرس ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها أخرجه بن ماجة والحاكم وحديث سهل بن معاذ عن أبيه مرفوعا من حرس وراء المسلمين متطوعا لم ير النار بعينه الا تحلة القسم أخرجه أحمد وحديث أبي ريحانة مرفوعا حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله أخرجه النسائي ونحوه للترمذي عن بن عباس وللطبراني من حديث معاوية بن حيدة ولأبي يعلى من حديث أنس واسنادها حسن وللحاكم عن أبي هريرة نحوه

(6/83)


( قوله باب الخدمة في الغزو )
أي فضلها سواء كانت من صغير لكبير أو عكسه أو مع المساواة وأحاديث الباب الثلاثة يؤخذ منها حكم هذه الأقسام وثلاثتها عن أنس الأول
2731 - قوله حدثنا محمد بن عرعرة بمهملتين وقد ذكر الطبراني في الأوسط أنه تفرد به عن شعبة وهو من كبار شيوخ البخاري ممن روى عنه الباقون بواسطة قوله صحبت جرير بن عبد الله في رواية مسلم عن نصر بن علي عن محمد بن عرعرة خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي في سفر قوله فكان يخدمني وهو أكبر من أنس فيه التفات أو تجريد لأنه قال من أنس ولم يقل مني وفي رواية مسلم عن محمد بن المثنى عن بن عرعرة وكان جرير أكبر من أنس ولعل هذه الجملة من قول ثابت وزاد مسلم عن نصر بن علي فقلت لا تفعل قوله يصنعون شيئا في رواية نصر يصنعون برسول الله صلى الله عليه و سلم شيئا أي من التعظيم وأبهم ذلك مبالغة في تكثير ذلك قوله لا أجد أحدا منهم الا أكرمته في رواية نصر آليت أي حلفت أن لا أصحب أحدا منهم الا خدمته وفي رواية للإسماعيلي من وجه آخر عن بن عرعرة لا أزال أحب الأنصار وفي هذا الحديث فضل الأنصار وفضل جرير وتواضعه ومحبته للنبي صلى الله عليه و سلم وهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها المصنف في غير مظنتها وأليق المواضع بها المناقب الحديث الثاني حديث أنس أيضا خرجت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى خيبر أخدمه وسيأتي بأتم من هذا السياق بعد بابين الحديث الثالث حديث أنس أيضا وعاصم هو بن سليمان ومورق بتشديد الراء المكسورة وهما تابعيان في نسق والإسناد كله بصريون
2733 - قوله كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم زاد مسلم من وجه آخر عن عاصم في سفر فمنا الصائم ومنا المفطر قال فنزلنا منزلا في يوم حار قوله أكثرنا ظلا من يستظل بكسائه في رواية مسلم وأكثرنا ظلا صاحب الكساء وزاد ومنا من يتقي الشمس بيده قوله فأما الذين صاموا فلم يصنعوا شيئا في رواية مسلم فسقط الصوام أي عجزوا عن العمل قوله وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب أي أثاروا الإبل لخدمتها وسقيها وعلفها وفي رواية مسلم فضربوا الأخبية وسقوا الركاب قوله بالأجر أي الوافر وليس المراد نقص أجر الصوام بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصوام فلذلك قال بالأجر كله لوجود الصفات المقتضية لتحصيل الأجر منهم قال بن أبي صفرة فيه أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام قلت وليس ذلك على العموم وفيه الحض على المعاونة في الجهاد وعلى أن الفطر في السفر أولى من الصيام وأن الصيام في السفر جائز خلافا لمن قال لا ينعقد وليس في الحديث بيان كونه

(6/84)


إذ ذاك كان صوم فرض أو تطوع وهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها المصنف أيضا في غير مظنتها لكونه لم يذكره في الصيام واقتصر على إيراده هنا والله أعلم
( قوله باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر )
ذكر فيه حديث أبي هريرة وهو ظاهر فيما ترجم له لأنه يتناول حالة السفر من هذا الإطلاق بطريق الأولى والسلامي تقدم تفسيره في الصلح مع بعض الكلام عليه ويأتي بقيته بعد خمسين بابا في باب من أخذ بالركاب وقوله
2734 - حدثنا إسحاق بن نصر هو بن إبراهيم بن نصر نسب لجده السعدي وهو بالمهملة الساكنة وفتح أوله وقيل بالضم والمعجمة وقوله كل يوم منصوب على الظرفية وقوله يعين يأتي توجيهه وقوله يحامله أي يساعده في الركوب وفي الحمل على الدابة قال بن بطال وبين في الرواية الآتية في باب من أخذ بالركاب أن المراد من أعان صاحب الدابة عليها حيث قال ويعين الرجل على دابته قال وإذا أجر من فعل ذلك بدابة غيره فإذا حمل غيره على دابة نفسه احتسابا كان أعظم أجرا وقوله دل الطريق بفتح الدال أي بيانه لمن أحتاج إليه وهو بمعنى الدلالة
( قوله باب فضل رباط يوم في سبيل الله )
وقول الله عز و جل يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا الآية الرباط بكسر الراء وبالموحدة الخفيفة ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم قال بن التين بشرط أن يكون غير الوطن قاله بن حبيب عن مالك قلت وفيه نظر في إطلاقه فقد يكون وطنه وينوي بالإقامة فيه دفع العدو ومن ثم أختار كثير من السلف سكنى الثغور فبين المرابطة والحراسة عموم وخصوص وجهي واستدلال المصنف بالآية اختيار لأشهر التفاسير فعن الحسن البصري وقتادة اصبروا على طاعة الله وصابروا أعداء الله في الجهاد ورابطوا في سبيل الله وعن محمد بن

(6/85)


كعب القرظي اصبروا على الطاعة وصابروا لانتظار الوعد ورابطوا العدو واتقوا الله فيما بينكم وعن زيد بن أسلم اصبروا على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل قال بن قتيبة أصل الرباط أن يربط هؤلاء خيلهم وهؤلاء خيلهم استعدادا للقتال قال الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل وأخرج ذلك بن أبي حاتم وبن جرير وغيرهما وتفسيره برباط الخيل يرجع إلى الأول وفي الموطأ عن أبي هريرة مرفوعا وانتظار الصلاة فذلكم الرباط وهو في السنن عن أبي سعيد وفي المستدرك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن الآية نزلت في ذلك واحتج بأنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم غزو فيه رباط انتهى وحمل الآية على الأول أظهر وما احتج به أبو سلمة لا حجة فيه ولا سيما مع ثبوت حديث الباب فعلى تقدير تسليم أنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم رباط فلا يمنع ذلك من الأمر به والترغيب فيه ويحتمل أن يكون المراد كلا من الأمرين أو ما هو أعم من ذلك وأما التقييد باليوم في الترجمة واطلاقه في الآية فكأنه أشار إلى أن مطلقها يقيد بالحديث فإنه يشعر بأن أقل الرباط يوم لسياقه في مقام المبالغة وذكره مع موضع سوط يشير إلى ذلك أيضا
2735 - قوله سمع أبا النضر هو هاشم بن القاسم والتقدير أنه سمع وهي تحذف من الخط كثيرا قوله خير من الدنيا وما عليها تقدم في أوائل الجهاد من حديث سهل بن سعد هذا مختصرا بلفظ وما فيها والتعبير بقوله وما عليها أبلغ وتقدم الكلام هناك على حديث الروحة والغدوة وكذا على حديث موضع سوط أحدكم لكن من حديث أنس وسيأتي من حديث سهل بن سعد أيضا في صفة الجنة ووقع في حديث سلمان عند أحمد والنسائي وبن حبان رباط يوم أو ليلة خير من صيام شهر وقيامه ولأحمد والترمذي وبن ماجة عن عثمان رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل قال بن بزيزة ولا تعارض بينهما لأنه يحمل على الإعلام بالزيادة في الثواب عن الأول أو باختلاف العاملين قلت أو باختلاف العمل بالنسبة إلى الكثرة والقلة ولا يعارضان حديث الباب أيضا لأن صيام شهر وقيامه خير من الدنيا وما عليها

(6/86)


( قوله باب من غزا بصبي للخدمة )
يشير إلى أن الصبي لا يخاطب بالجهاد ولكن يجوز الخروج به بطريق التبعية ويعقوب المذكور في الإسناد هو بن عبد الرحمن الإسكندراني وعمرو هو بن أبي عمرو مولى المطلب وسأذكر معظم شرحه في غزوة خيبر من كتاب المغازي أن شاء الله تعالى وقد اشتمل على عدة من أحاديث الاستعاذة ويأتي شرحها في الدعوات وقصة صفية بنت حيي والبناء بها ويأتي شرح ذلك في النكاح وقوله صلى الله عليه و سلم لأحد هذا جبل يحبنا ونحبه وقوله عن المدينة اللهم إني أحرم ما بين لابتيها وقد تقدم شرحه في أواخر الحج وقد تقدم من أصل الحديث شيء يتعلق بستر العورة في كتاب الصلاة لكن ذلك القدر ليس في هذه الرواية والغرض من الحديث هنا صدره وقد استشكل من حيث أن ظاهره أن ابتداء خدمة أنس للنبي صلى الله عليه و سلم من أول ما قدم المدينة لأنه صح عنه أنه قال خدمت النبي صلى الله عليه و سلم تسع سنين وفي رواية عشر سنين وخيبر كانت سنة سبع فيلزم أن يكون إنما خدمه أربع سنين قاله الداودي وغيره وأجيب بأن معنى
2736 - قوله لأبي طلحة التمس لي غلاما من غلمانكم تعيين من يخرج معه في تلك السفرة فعين له أبو طلحة أنسا فينحط الالتماس على الاستئذان في المسافرة به لا في أصل الخدمة فإنها كانت متقدمة فيجمع بين الحديثين بذلك وفي الحديث جواز استخدام اليتيم بغير أجرة لأن ذلك لم يقع ذكره في هذا الحديث وحمل الصبيان في الغزو كذا قاله بعض الشراح وتبعوه وفيه نظر لأن أنسا حينئذ كان قد زاد على خمسة عشر لأن خيبر كانت سنة سبع من الهجرة وكان عمره عند الهجرة ثمان سنين ولا يلزم من عدم ذكر الأجرة عدم وقوعها قوله هذا جبل يحبنا ونحبه قيل هو على الحقيقة ولا مانع من وقوع مثل ذلك بأن يخلق الله المحبة في بعض الجمادات وقيل هو على المجاز والمراد أهل أحد على حد قوله تعالى واسأل القرية وقال الشاعر وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا

(6/87)


( قوله باب ركوب البحر )
كذا أطلق الترجمة وخصوص إيراده في أبواب الجهاد يشير إلى تخصيصه بالغزو وقد اختلف السلف في جواز ركوبه وتقدم في أوائل البيوع قول مطر الوراق ما ذكره الله الا بحق واحتج بقوله تعالى هو الذي يسيركم في البر والبحر وفي حديث زهير بن عبد الله يرفعه من ركب البحر إذا ارتج فقد برئت منه الذمة وفي رواية فلا يلومن الا نفسه أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث وزهير مختلف في صحبته وقد أخرج البخاري حديثه في تاريخه فقال في روايته عن زهير عن رجل من الصحابة وإسناده حسن وفيه تقييد المنع بالارتجاج ومفهومه الجواز عند عدمه وهو المشهور من أقوال العلماء فإذا غلبت السلامة فالبر والبحر سواء ومنهم من فرق بين الرجل والمرأة وهو عن مالك فمنعه للمرأة مطلقا وهذا الحديث حجة للجمهور وقد تقدم قريبا أن أول من ركبه للغزو معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان وذكر مالك أن عمر كان يمنع الناس من ركوب البحر حتى كان عثمان فما زال معاوية يستأذنه حتى أذن له
2737 - قوله عن يحيى هو بن سعيد الأنصاري وقد سبق الحديث قريبا وأن شرحه سيأتي في كتاب الاستئذان
( قوله باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب )
أي ببركتهم ودعائهم
2738 - قوله وقال بن عباس أخبرني أبو سفيان أي بن حرب فذكر طرفا من الحديث الطويل وقد تقدم موصولا في بدء الوحي والغرض منه قوله في الضعفاء وهم أتباع الرسل وطريق الاحتجاج به حكاية بن عباس ذلك وتقريره له ثم ذكر في الباب حديثين الأول قوله حدثنا محمد بن طلحة أي أبو مصرف وقوله
2739 - عن طلحة أي بن مصرف وهو والد محمد بن طلحة الراوي عنه ومصعب بن سعد أي بن أبي وقاص وقوله رأى سعد أي بن أبي وقاص وهو والد مصعب الراوي عنه ثم أن صورة هذا السياق مرسل لأن مصعبا لم يدرك زمان هذا القول لكن هو محمول على أنه سمع ذلك من أبيه وقد وقع التصريح عن مصعب بالرواية له عن أبيه عند الإسماعيلي فأخرجه من طريق معاذ بن هانئ

(6/88)


حدثنا محمد بن طلحة فقال فيه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر المرفوع دون ما في أوله وكذا أخرجه هو والنسائي من طريق مسعر عن طلحة بن مصرف عن مصعب عن أبيه ولفظه أنه ظن أن له فضلا على من دونه الحديث ورواه عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن أبيه مرفوعا أيضا لكنه اختصره ولفظه ينصر المسلمون بدعاء المستضعفين أخرجه أبو نعيم في ترجمته في الحلية من رواية عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن عمرو بن مرة وقال غريب من حديث عمرو تفرد به عبد السلام قوله رأى أي ظن وهي رواية النسائي قوله على من دونه زاد النسائي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أي بسبب شجاعته ونحو ذلك قوله هل تنصرون وترزقون الا بضعفائكم في رواية النسائي إنما نصر الله هذه الأمة بضعفتهم بدعواتهم وصلاتهم واخلاصهم وله شاهد من حديث أبي الدرداء عند أحمد والنسائي بلفظ إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم قال بن بطال تأويل الحديث أن الضعفاء أشد اخلاصا في الدعاء وأكثر خشوعا في العبادة لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا وقال المهلب أراد صلى الله عليه و سلم بذلك حض سعد على التواضع ونفي الزهو على غيره وترك احتقار المسلم في كل حالة وقد روى عبد الرزاق من طريق مكحول في قصة سعد هذه زيادة مع إرسالها فقال قال سعد يا رسول الله أرأيت رجلا يكون حامية القوم ويدفع عن أصحابه أيكون نصيبه كنصيب غيره فذكر الحديث وعلى هذا فالمراد بالفضل إرادة الزيادة من الغنيمة فأعلمه صلى الله عليه و سلم أن سهام المقاتلة سواء فإن كان القوي يترجح بفضل شجاعته فإن الضعيف يترجح بفضل دعائه وإخلاصه وبهذا يظهر السر في تعقيب المصنف له بحديث أبي سعيد الثاني
2740 - قوله عن عمرو هو بن دينار وجابر هو بن عبد الله وروايته عن أبي سعيد من رواية الأقران قوله يغزو فئام بكسر الفاء ويجوز فتحها وبهمزة على التحتانية ويجوز تسهيلها أي جماعة وسيأتي شرحه في علامات النبوة وفضائل الصحابة قال بن بطال هو كقوله في الحديث الآخر خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم لأنه يفتح للصحابة لفضلهم ثم للتابعين لفضلهم ثم لتابعيهم لفضلهم قال ولذلك كان الصلاح والفضل والنصر للطبقة الرابعة أقل فكيف بمن بعدهم والله المستعان

(6/89)


( قوله باب لا يقال فلان شهيد )
أي على سبيل القطع بذلك الا أن كان بالوحي وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال تقولون في مغازيكم فلان شهيد ومات فلان شهيدا ولعله قد يكون قد أوقر راحلته ألا لا تقولوا ذلكم ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي العجفاء بفتح المهملة وسكون الجيم ثم فاء عن عمر وله شاهد في حديث مرفوع أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الله بن الصلت عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من تعدون الشهيد قالوا من أصابه السلاح قال كم من أصابه السلاح وليس بشهيد ولا حميد وكم من مات على فراشه حتف أنفه عند الله صديق وشهيد وفي إسناده نظر فإنه من رواية عبد الله بن خبيق بالمعجمة والموحدة والقاف مصغر عن يوسف بن أسباط الزاهد المشهور وعلى هذا فالمراد النهي عن تعيين وصف واحد بعينه بأنه شهيد بل يجوز أن يقال ذلك على طريق الإجمال
2741 - قوله وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم الله أعلم بمن يجاهد في سبيله والله أعلم بمن يكلم في سبيله أي يجرح وهذا طرف من حديث تقدم في أوائل الجهاد من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة باللفظ الأول ومن طريق الأعرج عنه باللفظ الثاني ووجه أخذ الترجمة منه يظهر من حديث أبي موسى الماضي من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ولا يطلع على ذلك إلا بالوحي فمن ثبت أنه في سبيل الله أعطى حكم الشهادة فقوله والله أعلم بمن يكلم في سبيله أي فلا يعلم ذلك إلا من أعلمه الله فلا ينبغي إطلاق كون كل مقتول في الجهاد أنه في سبيل الله ثم ذكر المصنف حديث سهل بن سعد في قصة الذي بالغ في القتال حتى قال المسلمون ما أجزأ أحد ما أجزأ ثم كان آخر أمره أن قتل نفسه وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي حيث ذكره المصنف ووجه أخذ الترجمة منه أنهم شهدوا رجحانه في أمر الجهاد فلو كان قتل لم يمتنع أن يشهدوا له بالشهادة وقد ظهر منه أنه لم يقاتل لله وإنما قاتل غضبا لقومه فلا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد لاحتمال أن يكون مثل هذا وأن كان مع ذلك يعطى حكم الشهداء في الأحكام الظاهرة ولذلك أطبق السلف على تسمية المقتولين في بدر وأحد وغيرهما شهداء والمراد بذلك الحكم الظاهر المبني على الظن الغالب والله أعلم وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن مجاهد قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى تبوك قال لا يخرج معنا الا مقوى فخرج رجل على بكر ضعيف فوقص فمات فقال الناس الشهيد الشهيد فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا بلال ناد أن الجنة لا يدخلها عاص وفيه إشارة إلى أن الشهيد لا يدخل النار لأنه صلى الله عليه و سلم قال أنه من أهل النار ولم يتبين منه الا

(6/90)


قتل نفسه وهو بذلك عاص لا كافر لكن يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم اطلع على كفره في الباطن أو أنه أستحل قتل نفسه وقد يتعجب من المهلب حيث قال أن حديث الباب ضد ما ترجم به البخاري لأنه قال لا يقال فلان شهيد والحديث فيه ضد الشهادة وكأنه لم يتأمل مراد البخاري وهو ظاهر كما قررته بحمد الله تعالى
( قوله باب التحريض على الرمي )
وقول الله عز و جل وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل الآية لمح بما جاء في تفسير القوة في هذه الآية أنها الرمي وهو عند مسلم من حديث عقبة بن عامر ولفظه سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول وهو على المنبر وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الا أن القوة الرمي ثلاثا ولأبي داود وبن حبان من وجه آخر عن عقبة بن عامر رفعه أن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله فارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلى من أن تركبوا الحديث وفيه ومن ترك الرمي بعد علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها ولمسلم من وجه آخر عن عقبة رفعه من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو فقد عصى ورواه بن ماجة بلفظ فقد عصاني قال القرطبي إنما فسر القوة بالرمي وأن كانت القوة تظهر باعداد غيره من آلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو وأسهل مؤنة لأنه قد يرمي رأس الكتيبة فيصاب فينهزم من خلفه وذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث سلمة بن الأكوع
2743 - قوله مر النبي صلى الله عليه و سلم على نفر من أسلم أي من بني أسلم القبيلة المشهورة وهي بلفظ أفعل التفضيل من السلامة قوله ينتضلون بالضاد المعجمة أي يترامون والتناضل الترامي للسبق ونضل فلان فلانا إذا غلبه قوله وأنا مع بني فلان في حديث أبي هريرة في نحو هذه القصة عند بن حبان والبزار وأنا مع بن الأدرع انتهى واسم بن الأدرع محجن وقع ذلك من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي في هذا الحديث عند الطبراني قال فيه وأنا مع محجن بن الأدرع ومثله في مرسل عروة أخرجه السراج عن قتيبة عن بن لهيعة عن أبي الأسود عنه وهو صحابي معروف له حديث آخر في الأدب المفرد للبخاري وفي أبي داود والنسائي وبن خزيمة وقيل اسم بن الأدرع سلمة حكاه بن منده قال والأدرع

(6/91)


لقب واسمه ذكوان والله أعلم قوله قالوا كيف نرمي وأنت معهم اسم قائل ذلك منهم نضلة الأسلمي ذكره بن إسحاق في المغازي عن سفيان بن فروة الأسلمي عن أشياخ من قومه من الصحابة قالوا بينا محجن بن الأدرع يناضل رجلا من أسلم يقال له نضلة فذكر الحديث وفيه فقال نضلة وألقى قوسه من يده والله لا أرمى معه وأنت معه قوله وأنا معكم كلكم بكسر اللام ووقع في رواية عروة وأنا مع جماعتكم والمراد بالمعية معية القصد إلى الخير ويحتمل أن يكون قام مقام المحلل فيخرج السبق من عنده ولا يخرج كما تقدم ولا سيما وقد خصه بعضهم بالامام قال المهلب يستفاد منه أن من صار السلطان عليه في جملة المناضلين له أن لا يتعرض لذلك كما فعل هؤلاء القوم حيث أمسكوا لكون النبي صلى الله عليه و سلم مع الفريق الآخر خشية أن يغلبوهم فيكون النبي صلى الله عليه و سلم مع من وقع عليه الغلب فأمسكوا عن ذلك تأدبا معه انتهى وتعقب بأن المعنى الذي أمسكوا له لم ينحصر في هذا بل الظاهر أنهم أمسكوا لما استشعروا من قوة قلوب أصحابهم بالغلبة حيث صار النبي صلى الله عليه و سلم معهم وذلك من أعظم الوجوه المشعرة بالنصر وقد وقع في رواية حمزة بن عمرو عند الطبراني فقالوا من كنت معه فقد غلب وكذا في رواية بن إسحاق فقال نضلة لا نغلب من كنت معه واستدل بهذا الحديث على أن اليمن من بني إسماعيل وفيه نظر لما سيأتي في مناقب قريش من أنه استدلال بالأخص على الأعم وفيه أن الجد الأعلى يسمى أبا وفيه التنويه بذكر الماهر في صناعته ببيان فضله وتطييب قلوب من هم دونه وفيه حسن خلق النبي صلى الله عليه و سلم ومعرفته بأمور الحرب وفيه الندب إلى أتباع خصال الآباء المحمودة والعمل بمثلها وفيه حسن أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه و سلم الحديث الثاني حديث أبي أسيد بضم الهمزة ووقع في رواية السرخسي وحده بفتحها وهو خطأ وقوله
2744 - إذا أكثبوكم كذا في نسخ البخاري بمثلثة ثم موحدة والكثب بفتحتين القرب فالمعنى إذا دنوا منكم وقد استشكل بأن الذي يليق بالدنو المطاعنة بالرمح والمضاربة بالسيف وأما الذي يليق برمي النبل فالبعد وزعم الداودي أن معنى أكثبوكم كاثروكم قال وذلك أن النبل إذا رمى في الجمع لم يخطئ غالبا ففيه ردع لهم وقد تعقب هذا التفسير بأنه لا يعرف وتفسير الكثب بالكثرة غريب والأول هو المعتمد وقد بينته رواية أبي داود حيث زاد في آخره واستبقوا نبلكم وفي رواية له ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم فظهر أن معنى الحديث الأمر بترك الرمي والقتال حتى يقربوا لأنهم إذا رموهم على بعد قد لا تصل إليهم وتذهب في غير منفعة وإلى ذلك الإشارة بقوله واستبقوا نبلكم وعرف بقوله ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم أن المراد بالقرب المطلوب في الرمي قرب نسبي بحيث تنالهم السهام لأقرب قريب بحيث يلتحمون معهم والنبل بفتح النون وسكون الموحدة جمع نبله ويجمع أيضا على نبال وهي السهام العربية اللطاف تنبيه وقع في إسناد هذا الحديث اختلاف سأبينه أن شاء الله تعالى في غزوة بدر

(6/92)


( قوله باب اللهو بالحراب ونحوها )
أي من آلات الحرب وكأنه يشير بقوله ونحوها إلى ما روى أبو داود والنسائي وصححه بن حبان من حديث عقبة بن عامر مرفوعا ليس من اللهو أي مشروع أو مطلوب الا تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ثم أورد فيه حديث أبي هريرة بينا الحبشة يلعبون عند النبي صلى الله عليه و سلم الحديث ولم يقع في هذه الرواية ذكر الحراب وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما تقدم بيانه في باب أصحاب الحراب في المسجد من كتاب الصلاة وذكرنا فوائده هناك وفي كتاب العيدين قال بن التين يحتمل أن يكون عمر لم ير رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يعلم أنه رآهم أو ظن أنه رآهم واستحيا أن يمنعهم وهذا أولى لقوله في الحديث وهم يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه و سلم قلت وهذا لا يمنع الاحتمال المذكور أولا ويحتمل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين وكان من شدته في الدين ينكر خلاف الأولى والجد في الجملة أولى من اللعب المباح وأما النبي صلى الله عليه و سلم فكان بصدد بيان الجواز وقوله زاد على حدثنا عبد الرزاق وقع في رواية الكشميهني زادنا علي

(6/93)


( قوله باب المجن )
في رواية بن شبويه الترسة جمع ترس والمجن بكسر الميم وفتح الجيم وتثقيل النون أي الدرقة قال بن المنير وجه هذه التراجم دفع من يتخيل أن اتخاذ هذه الآلات ينافي التوكل والحق أن الحذر لا يرد القدر ولكن يضيق مسالك الوسوسة لما طبع عليه البشر
2746 - قوله ومن يترس بترس صاحبه أي فلا بأس به ثم ذكر فيه أربعة أحاديث الأول حديث أنس كان أبو طلحة يترس مع النبي صلى الله عليه و سلم بترس واحد الحديث أورده مختصرا من هذا الوجه وسيأتي بأتم من هذا السياق في المناقب في غزوة أحد قيل أن الرامي يحتاج إلى من يستره لشغله يديه جميعا بالرمي فلذلك كان النبي صلى الله عليه و سلم يترسه بترسه ثانيها حديث سهل وهو بن سعد لما كسرت بيضة النبي صلى الله عليه و سلم على رأسه الحديث والغرض منه
2747 - قوله وكان على يختلف بالماء في المجن وقد تقدمت له طريق أخرى قريبا ويأتي الكلام عليه في غزوة أحد أن شاء الله تعالى ثالثها حديث عمر كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله الحديث ذكر منه طرفا وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب فرض الخمس وفي الفرائض والغرض منه
2748 - قوله هنا ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة لأن المجن من جملة آلات السلاح كما روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن بن عمر أنه كانت عنده درقة فقال لولا أن عمر قال لي أحبس سلاحك لأعطيت هذه الدرقة لبعض أولادي رابعها حديث علي في قوله صلى الله عليه و سلم لسعد بن أبي وقاص إرم فداك أبي وأمي وسيأتي شرحه مستوفى في المناقب وفي غزوة أحد وقوله
2749 - فيه حدثنا قبيصة هو بن عقبة وسفيان هو الثوري وزعم أبو نعيم في المستخرج أن لفظ قبيصة هنا تصحيف ممن دون البخاري وأن الصواب حدثنا قتيبة وعلى هذا فسفيان هو بن عيينة لأن قتيبة لم يسمع من الثوري لكن لا أعرف لإنكاره معنى إذ لا مانع أن يكون عند السفيانين وقد أخرجه المصنف في الأدب من طريق يحيى القطان عن سفيان الثوري ووقع في رواية النسفي هنا عن مسدد عن يحيى أيضا ودخول هذا الحديث هنا غير ظاهر لأنه لا يوافق واحدا من ركني الترجمة وقد أثبت بن شبويه في روايته قبله لفظ باب بغير ترجمة وله مناسبة بالترجمة التي قبله من جهة أن الرامي لا يستغني عن شيء يقي به عن نفسه سهام من يراميه وفي حديث علي جواز التفدية وسيأتي بسط ذلك بادلته وبيان ما يعارضه في كتاب الأدب أن شاء الله تعالى

(6/94)


( قوله باب الدرق ج )
مع درقة أي جواز اتخاذ ذلك أو مشروعيته
2750 - قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس كما جزم به المزي في الأطراف وأغفل ذلك في التهذيب وهذا الحديث قد تقدم في أول العيدين عن أحمد عن بن وهب وبينت هناك الاختلاف في أبيه وهو المراد بقوله في هذا الباب قال أحمد يعني عن بن وهب بهذا السند وقوله فيه فقال دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا في رواية أبي ذر عمد بدل غفل وكذا في رواية أبي زيد المروزي قال عياض ورواية الأكثر هي الوجه
( قوله باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق )
الحمائل بالمهملة جمع حميلة وهي ما يقلد به السيف وأورد فيه حديث أنس وقد تقدم في باب الفرس العرى وباب الشجاعة في الحرب وسياقه هنا أتم وسبق شرحه في الهبة والغرض منه هنا قوله وفي عنقه السيف فدل على جواز ذلك وقوله
2751 - لم تراعوا وقع في رواية الحموي والكشميهني مرتين قال بن المنير مقصود المصنف من هذه التراجم أن يبين رأى السلف في آلة الحرب وما سبق استعماله في زمن النبي صلى الله عليه و سلم ليكون أطيب للنفس وأنفى للبدعة
( قوله باب ما جاء في حلية السيوف )
أي من الجواز وعدمه
2752 - قوله سمعت سليمان بن حبيب هو المحاربي قاضي دمشق في زمن عمر بن عبد العزيز وغيره ومات سنة عشرين أو بعدها وليس له في البخاري سوى هذا الحديث قوله لقد فتح الفتوح قوم وقع عند بن ماجة لتحديث أبي أمامة بذلك سبب وهو دخلنا على أبي أمامة فرأى في سيوفنا شيئا من حلية فضة فغضب وقال فذكره وزاد الإسماعيلي في روايته أنه دخل عليه بحمص وزاد فيه لأنتم أبخل من أهل الجاهلية أن الله يرزق الرجل منكم الدرهم ينفقه في سبيل الله بسبعمائة ثم أنتم

(6/95)


تمسكون وأخرجه هشام بن عمار في فوائده والطبراني من طريقه من وجه آخر عن سليمان بن حبيب قال نزلنا حمص قافلين من الروم فإذا عبد الله بن أبي زكريا ومكحول فانطلقنا إلى أبي أمامة فإذا شيخ هرم فلما تكلم إذا رجل يبلغ حاجته ثم قال أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بلغ ما أرسل به وأنتم تبلغون عنا ثم نظر إلى سيوفنا فإذا فيها شيء من الفضة فغضب حتى أشتد غضبه قوله العلابي بفتح المهملة وتخفيف اللام وكسر الموحدة جمع علباء بسكون اللام وقد فسره الأوزاعي في رواية أبي نعيم في المستخرج فقال العلابي الجلود الخام التي ليست بمدبوغة وقال غيره العلابي العصب تؤخذ رطبة فيشد بها جفون السيوف وتلوى عليها فتجف وكذلك تلوى رطبة على ما يصدع من الرماح وقال الخطابي هي عصب العنق وهي أمتن ما يكون من عصب البعير وزعم الداودي أن العلابي ضرب من الرصاص فاخطأ كما نبه عليه القزاز في شرح غريب الجامع وكأنه لما رآه قرن بالآنك ظنه ضربا منه وزاد هشام بن عمار في روايته والحديد وزاد فيه أشياء لا تتعلق بالجهاد والآنك بالمد وضم النون بعدها كاف وهو الرصاص وهو واحد لا جمع له وقيل هو الرصاص الخالص وزعم الداودي أن الآنك القصدير وقال بن الجوزي الآنك الرصاص القلعي وهو بفتح اللام منسوب إلى القلعة موضع بالبادية ينسب ذلك إليه وتنسب إليه السيوف أيضا فيقال سيوف قلعية وكأنه معدن يوجد فيه الحديد والرصاص وفي هذا الحديث أن تحلية السيوف وغيرها من آلات الحرب بغير الفضة والذهب أولى وأجاب من أباحها بأن تحلية السيوف بالذهب والفضة إنما شرع لارهاب العدو وكان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك غنية لشدتهم في أنفسهم وقوتهم في إيمانهم
( قوله باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة )
ذكر فيه حديث جابر في قصة الأعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه و سلم وهو نائم والغرض منه
2753 - قوله فنزل تحت شجرة فعلق بها سيفه وسيأتي شرحه في كتاب المغازي

(6/96)


( قوله باب لبس البيضة )
بفتح الموحدة وهي ما يلبس في الرأس من آلات السلاح ذكر فيه حديث سهل بن سعد الماضي قبل أربعة أبواب لقوله فيه وهشمت البيضة على رأسه وقد تقدمت الإشارة إلى مكان شرحه قوله باب من لم ير كسر السلاح وعقر الدواب عند الموت كأنه يشير إلى رد ما كان عليه أهل الجاهلية من كسر السلاح وعقر الدواب إذا مات الرئيس فيهم وربما كان يعهد بذلك لهم قال بن المنير وفي ذلك إشارة إلى انقطاع عمل الجاهلي الذي كان يعمله لغير الله وبطلان آثاره وخمول ذكره بخلاف سنة المسلمين في جميع ذلك انتهى ولعل المصنف لمح بذلك إلى من نقل عنه أنه كسر رمحه عند الاصطدام حتى لا يغنمه العدو أن لو قتل وكسر جفن سيفه وضرب بسيفه حتى قتل كما جاء نحو ذلك عن جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة فأشار إلى أن هذا شيء فعله جعفر وغيره عن اجتهاد والأصل عدم جواز اتلاف المال لأنه يفعل شيئا محققا في أمر غير محقق وذكر فيه حديث عمرو بن الحارث الخزاعي ما ترك النبي صلى الله عليه و سلم أي عند موته الا سلاحه الحديث وقد تقدم في الوصايا وسيأتي شرحه في المغازي وزعم الكرماني أن مناسبته للترجمة أنه صلى الله عليه و سلم مات وعليه دين ولم يبع فيه شيئا من سلاحه ولو كان رهن درعه وعلى هذا فالمراد بكسر السلاح بيعه ولا يخفى بعده
( قوله باب تفرق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال بالشجر )
ذكر فيه حديث جابر الماضي قبل بابين

(6/97)


من وجهين وهو ظاهر فيما ترجم له وقد تقدمت الإشارة إلى مكان شرحه حديث جابر الماضي قبل بابين من وجهين وهو ظاهر فيما ترجم له وقد تقدمت الإشارة إلى مكان شرحه قال القرطبي هذا يدل على أنه صلى الله عليه و سلم كان في هذا الوقت لا يحرسه أحد من الناس بخلاف ما كان عليه في أول الأمر فإنه كان يحرس حتى نزل قوله تعالى والله يعصمك من الناس قلت قد تقدم ذلك قبل أبواب لكن قد قيل أن هذه القصة سبب نزول قوله تعالى والله يعصمك من الناس وذلك فيما أخرجه بن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال كنا إذا نزلنا طلبنا للنبي صلى الله عليه و سلم أعظم شجرة وأظلها فنزل تحت شجرة فجاء رجل فأخذ سيفه فقال يا محمد من يمنعك مني قال الله فانزل الله والله يعصمك من الناس وهذا إسناد حسن فيحتمل أن كان محفوظا أن يقال كان مخيرا في اتخاذ الحرس فتركه مرة لقوة يقينه فلما وقعت هذه القصة ونزلت هذه الآية ترك ذلك
( قوله باب ما قيل في الرماح )
أي في اتخاذها واستعمالها أي من الفضل قوله ويذكر عن بن عمر الخ هو طرف من حديث أخرجه أحمد من طريق أبي منيب بضم الميم وكسر النون ثم تحتانية ساكنة ثم موحدة الجرشي بضم الجيم وفتح الراء بعدها معجمة عن بن عمر بلفظ بعثت بين يدي الساعة مع السيف وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم وأخرج أبو داود منه قوله من تشبه بقوم فهو منهم حسب من هذا الوجه وأبو منيب لا يعرف اسمه وفي الإسناد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان مختلف في توثيقه وله شاهد مرسل بإسناد حسن أخرجه بن أبي شيبة من طريق الأوزاعي عن سعيد بن جبلة عن النبي صلى الله عليه و سلم بتمامه وفي الحديث إشارة إلى فضل الرمح وإلى حل الغنائم لهذه الأمة وإلى أن رزق النبي صلى الله عليه و سلم جعل فيها لا في غيرها من المكاسب ولهذا قال بعض العلماء أنها أفضل المكاسب والمراد بالصغار وهو بفتح المهملة وبالمعجمة بذل الجزية وفي قوله تحت ظل رمحي إشارة إلى أن ظله ممدود إلى أبد الآباد والحكمة في الاقتصار على ذكر الرمح دون غيره من آلات الحرب كالسيف أن عادتهم جرت بجعل الرايات في أطراف الرمح فلما كان ظل الرمح أسبغ كان نسبة الرزق إليه أليق وقد تعرض في الحديث الآخر لظل السيف كما سيأتي قريبا من قوله صلى الله عليه و سلم

(6/98)


الجنة تحت ظلال السيوف فنسب الرزق إلى ظل الرمح لما ذكرته أن المقصود بذكر الرمح الراية ونسبت الجنة إلى ظل السيف لأن الشهادة تقع به غالبا ولأن ظل السيف يكثر ظهوره بكثرة حركة السيف في يد المقاتل ولأن ظل السيف لا يظهر الا بعد الضرب به لأنه قبل ذلك يكون مغمودا معلقا وذكر المصنف في الباب حديث أبي قتادة في قصة الحمار الوحشي بإسنادين لمالك وقد تقدم شرحه مستوفى في الحج والغرض منه
2757 - قوله فسألهم رمحه فأبوا
( قوله باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه و سلم )
أي من أي شيء كانت وقوله والقميص في الحرب أي حكمه وحكم لبسه قوله وقال النبي صلى الله عليه و سلم أما خالد فقد احتبس أدراعه في سبيل الله هو طرف من حديث لأبي هريرة تقدم شرحه في كتاب الزكاة والأدراع جمع درع وهو القميص المتخذ من الزرد وأشار المصنف بذكر هذا الحديث إلى أن النبي صلى الله عليه و سلم كما لبس الدرع فيما ذكره في الباب ذكر الدرع ونسبه إلى بعض الشجعان من الصحابة فدل على مشروعيته وأن لبسها لا ينافي التوكل ثم ذكر فيه أحاديث الأول حديث بن عباس في دعاء النبي صلى الله عليه و سلم يوم بدر والغرض منه قوله وهو في الدرع وقوله فيه حدثنا عبد الوهاب هو بن عبد المجيد الثقفي وقوله وقال وهيب يعني بن

(6/99)


خالد حدثنا خالد يوم بدر يعني أن وهيب بن خالد رواه عن خالد وهو الحذاء شيخ عبد الوهاب فيه عن عكرمة عن بن عباس فزاد بعد
2758 - قوله وهو في قبة يوم بدر وقد رواه محمد بن عبد الله بن حوشب عن عبد الوهاب كذلك كما سيأتي في المغازي وكذلك قال إسحاق بن راهويه عن عبد الوهاب الثقفي فلعل محمد بن المثنى شيخ البخاري لم يحفظها ورواية وهيب وصلها المؤلف في تفسير سورة القمر ويأتي بيان ما استشكل من هذا الحديث في غزوة بدر وهو من مراسيل الصحابة لأن بن عباس لم يحضر ذلك وسيأتي ما فيه هناك ثانيها حديث عائشة توفي النبي صلى الله عليه و سلم ودرعه مرهونة الحديث
2759 - قوله وقال يعلى حدثنا الأعمش درع من حديد يعني أن يعلى وهو بن عبيد رواه عن الأعمش بالإسناد المذكور فزاد أن الدرع كانت من حديد وقد وصله المؤلف في السلم كذلك قوله وقال معلى عن عبد الواحد يعني أن معلى بن أسد رواه عن عبد الواحد بن زياد فقال فيه أيضا رهنه درعا من حديد وقد وصله المصنف في الاستقراض وتقدم الكلام على شرحه مستوفى في كتاب الرهن ثالثها حديث أبي هريرة في البخيل المتصدق وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الزكاة والغرض منه هنا ذكر الجبتين فإنه روى بالموحدة وهو المناسب لذكر القميص في الترجمة وروى بالنون وهو المناسب للدرع وقد تقدم بيان اختلاف الرواة في ذلك هناك والجبة بالموحدة ما قطع من الثياب مشمرا قاله في المطالع ومحل استشهاده للترجمة وأن كان الممثل به في المثل لا يشترط وجوده فضلا عن مشروعيته من جهة أنه مثل بدرع الكريم فتشبيه الكريم المحمود بالدرع يشعر بأن الدرع محمود وموضع الشاهد منه درع الكريم لا درع البخيل وكأنه أقام الكريم مقام الشجاع لتلازمهما غالبا وكذلك ضدهما
( قوله باب الجبة في السفر والحرب )
ذكر فيه حديث المغيرة في قصة المسح على الخفين وفيه وعليه جبة شامية وفيه فذهب يخرج يديه من كميه وكانا ضيقين وهو ظاهر فيما ترجم له وقد تقدم الكلام على الحديث مستوفى في باب المسح على الخفين من كتاب الطهارة

(6/100)


( قوله باب الحرير في الحرب )
ذكر فيه حديث أنس في الرخصة للزبير وعبد الرحمن بن عوف في قميص الحرير ذكره من خمسة طرق ففي رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة من حكة كانت بهما وكذا قال شعبة في أحد الطريقين وفي رواية همام عن قتادة في أحد الطريقين يعني القمل ورجح بن التين الرواية التي فيها الحكة وقال لعل أحد الرواة تأولها فأخطأ وجمع الداودي باحتمال أن يكون إحدى العلتين بأحد الرجلين وقال بن العربي قد ورد أنه أرخص لكل منهما فالافراد يقتضي أن لكل حكمة قلت ويمكن الجمع بأن الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى سبب السبب ووقع في رواية محمد بن بشار عن غندر رخص أو أرخص كذا بالشك وقد أخرجه أحمد عن غندر بلفظ رخص رسول الله صلى الله عليه و سلم وكذا قال وكيع عن شعبة كما سيأتي في كتاب اللباس وأما تقييده بالحرب فكأنه أخذه من قوله في رواية همام فرأيته عليهما في غزاة ووقع في رواية أبي داود في السفر من حكة وقد ترجم له في اللباس ما يرخص للرجال من الحرير للحكة ولم يقيده بالحرب فزعم بعضهم أن الحرب في الترجمة بالجيم وفتح الراء وليس كما زعم لأنها لا يبقى لها في أبواب الجهاد مناسبة ويلزم منه إعادة الترجمة في اللباس إذ الحكة والجرب متقاربان وجعل الطبري جوازه في الغزو مستنبطا من جوازه للحكة فقال دلت الرخصة في لبسه بسبب الحكة أن من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكة كدفع سلاح العدو ونحو ذلك فإنه يجوز وقد تبع الترمذي البخاري فترجم له باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب ثم المشهور عن القائلين بالجواز أنه لا يختص بالسفر وعن بعض الشافعية يختص وقال القرطبي الحديث حجة على من منع الا أن يدعي الخصوصية بالزبير وعبد الرحمن ولا تصح تلك الدعوى قلت قد جنح إلى ذلك عمر رضي الله عنه فروى بن عساكر من طريق بن عوف عن بن سيرين أن عمر رأى على خالد بن الوليد قميص حرير فقال ما هذا فذكر له خالد قصة عبد الرحمن بن عوف فقال وأنت مثل عبد الرحمن أو لك مثل ما لعبد الرحمن ثم أمر من حضره فمزقوه رجاله ثقات الا أن فيه انقطاعا وقد اختلف السلف في لباسه فمنع مالك وأبو حنيفة مطلقا وقال الشافعي وأبو يوسف بالجواز للضرورة وحكى بن حبيب عن بن الماجشون أنه يستحب في الحرب وقال المهلب لباسه في الحرب لارهاب العدو وهو مثل الرخصة في الاختيال في الحرب انتهى ووقع في كلام النووي تبعا لغيره أن الحكمة في لبس الحرير للحكة لما فيه من البرودة وتعقب

(6/101)


بأن الحرير حار فالصواب أن الحكمة فيه لخاصة فيه لدفع ما تنشأ عنه الحكة كالقمل والله أعلم
( قوله باب ما يذكر في السكين )
ذكر فيه حديث جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يحتز من كتف شاة الحديث وفي الطريق الأخرى فألقى السكين وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة قوله باب ما قيل في قتال الروم أي من الفضل واختلف في الروم فالأكثر أنهم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم واسم جدهم قيل روماني وقيل هو بن ليطا بن يونان بن يافث بن نوح
2766 - قوله عن خالد بن معدان بفتح الميم وسكون المهملة والإسناد كله شاميون وإسحاق بن يزيد شيخ البخاري فيه هو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الفراديسي نسب لجده قوله عمير بن الأسود العنسي بالنون والمهملة وهو شامي قديم يقال اسمه عمرو وعمير بالتصغير لقبه وكان عابدا مخضرما وكان عمر يثني عليه ومات في خلافة معاوية وليس له في البخاري سوى هذا الحديث عند من يفرق بينه وبين أبي عياض عمرو بن الأسود والراجح التفرقة وأم حرام بمهملتين تقدم ذكرها في أوائل الجهاد في حديث أنس وقد حدث عنها أنس هذا الحديث أتم من هذا السياق وأخرج الحسن بن سفيان هذا الحديث في مسنده عن هشام بن عمار عن يحيى بن حمزة بسند البخاري وزاد في آخره قال هشام رأيت قبرها بالساحل قوله يغزون مدينة قيصر يعني القسطنطينية قال المهلب في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر وتعقبه بن التين وبن المنير بما حاصله أنه لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله صلى الله عليه و سلم مغفور لهم مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتفاقا فدل على أن المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم وأما قول بن التين يحتمل أن

(6/102)


يكون لم يحضر مع الجيش فمردود الا أن يريد لم يباشر القتال فيمكن فإنه كان أمير ذلك الجيش بالاتفاق وجوز بعضهم أن المراد بمدينة قيصر المدينة التي كان بها يوم قال النبي صلى الله عليه و سلم تلك المقالة وهي حمص وكانت دار مملكته إذ ذاك وهذا يندفع بأن في الحديث أن الذين يغزون البحر قبل ذلك وأن أم حرام فيهم وحمص كانت قد فتحت قبل الغزوة التي كانت فيها أم حرام والله أعلم قلت وكانت غزوة يزيد المذكورة في سنة اثنتين وخمسين من الهجرة وفي تلك الغزاة مات أبو أيوب الأنصاري فأوصى أن يدفن عند باب القسطنطينية وأن يعفى قبره ففعل به ذلك فيقال أن الروم صاروا بعد ذلك يستسقون به وفي الحديث أيضا الترغيب في سكنى الشام وقوله قد أوجبوا أي فعلوا فعلا وجبت لهم به الجنة
( قوله باب قتال اليهود )
ذكر فيه حديثي بن عمر وأبي هريرة في ذلك وهو أخبار بما يقع في مستقبل الزمان
2767 - قوله الفروي بفتح الفاء والراء منسوب إلى جده أبي فروة وإسحاق هذا غير إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة الضعيف وهو أعني إسحاق بن عبد الله عم والد هذا وإسحاق هذا ربما روى عنه البخاري بواسطة وهذا الحديث مما حدث به مالك خارج الموطأ ولم ينفرد به إسحاق المذكور بل تابعه بن وهب ومعن بن عيسى وسعيد بن داود والوليد بن مسلم أخرجها الدارقطني في غرائب مالك وأخرج الإسماعيلي طريق بن وهب فقط قوله تقاتلون فيه جواز مخاطبة الشخص والمراد غيره ممن يقول بقوله ويعتقد اعتقاده لأنه من المعلوم أن الوقت الذي أشار إليه صلى الله عليه و سلم لم يأت بعد وإنما أراد بقوله تقاتلون مخاطبة المسلمين ويستفاد منه أن الخطاب الشفاهي يعم المخاطبين ومن بعدهم وهو متفق عليه من جهة الحكم وإنما وقع الاختلاف فيه في حكم الغائبين هل وقع بتلك المخاطبة نفسها أو بطريق الإلحاق وهذا الحديث يؤيد من ذهب إلى الأول وفيه إشارة إلى بقاء دين الإسلام إلى أن ينزل عيسى عليه السلام فإنه الذي يقاتل الدجال ويستأصل اليهود الذين هم تبع الدجال على ما ورد من طريق أخرى وسيأتي بيانها مستوفى في علامات النبوة أن شاء الله تعالى

(6/103)


( قوله باب قتال الترك )
اختلف في أصل الترك فقال الخطابي هم بنو قنطوراء أمة كانت لإبراهيم عليه السلام وقال كراع هم الديلم وتعقب بأنهم جنس من الترك وكذلك الغز وقال أبو عمرو هم من أولاد يافث وهم أجناس كثيرة وقال وهب بن منبه هم بنو عم يأجوج ومأجوج لما بنى ذو القرنين السد كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين فتركوا لم يدخلوا مع قومهم فسموا الترك وقيل إنهم من نسل تبع وقيل من ولد افريدون بن سام بن نوح وقيل بن يافث لصلبه وقيل بن كومى بن يافث ذكر فيه حديثين أحدهما حديث عمرو بن تغلب بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام بعدها موحدة والحسن هو البصري والإسناد كله بصريون قوله من أشراط الساعة زاد الكشميهني في أوله أن قوله ينتعلون نعال الشعر هذا والحديث الذي بعده ظاهر في أن الذين ينتعلون الشعر غير الترك وقد وقع للإسماعيلي من طريق محمد بن عباد قال بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر قلت بابك بموحدتين مفتوحتين وآخره كاف يقال له الخرمي بضم المعجمة وتشديد الراء المفتوحة وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرمات وقامت لهم شوكة كبيرة في أيام المأمون وغلبوا على كثير من بلاد العجم كطبرستان والرى إلى أن قتل بابك المذكور في أيام المعتصم وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين أو قبلها وقتله في سنة اثنتين وعشرين
2769 - قوله المجان بالجيم وتشديد النون جمع مجن وقد تقدم ذكره قبل أبواب والمطرقة التي ألبست الأطرقة من الجلود وهي الأغشية تقول طارقت بين النعلين أي جعلت إحداهما على الأخرى وقال الهروي هي التي أطرقت بالعصب أي ألبست به ثانيهما حديث أبي هريرة في ذلك
( قوله باب قتال الذين ينتعلون الشعر )
ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور من وجه آخر
2771 - قوله قال سفيان وزاد فيه أبو الزناد هو موصول بالإسناد المذكور وأخطأ من زعم أنه معلق وقد وصله الإسماعيلي من طريق محمد بن عبادة عن سفيان بالإسنادين معا قوله رواية هو عوض عن قوله عن النبي صلى الله عليه و سلم وقد وقع عند الإسماعيلي من طريق محمد بن عباد عن سفيان بلفظ عن النبي صلى الله عليه و سلم ووقع في الباب الذي قبله من وجه آخر عن الأعرج بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وزاد فيه حمر الوجوه ولم يذكر صغار الأعين وقوله ذلف الأنوف أي صغارها والعرب تقول أملح النساء الذلف وقيل الذلف الاستواء في طرف الأنف وقيل قصر الأنف وانبطاحه وسيأتي بقية شرح هذا الحديث في علامات النبوة أن شاء الله تعالى

(6/104)


( قوله باب من صف أصحابه عند الهزيمة )
أي صف من ثبت معه بعد هزيمة من انهزم ذكر فيه حديث البراء في قصة حنين وهو ظاهر فيما ترجم له ووقع في آخره ثم صف أصحابه وذلك بعد أن نزل واستنصر والمراد بقوله واستنصر أي استنصر الله بعد أن رمى الكفار بالتراب وسيأتي شرح ذلك مستوفى في كتاب المغازي أن شاء الله تعالى

(6/105)


( قوله باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة )
ذكر فيه خمسة أحاديث الأول حديث علي لما كان يوم الأحزاب الحديث
2773 - قوله عن هشام هو الدستوائي وزعم الأصيلي أنه بن حسان ورام بذلك تضعيف الحديث فأخطأ من وجهين وتجاسر الكرماني فقال المناسب أنه هشام بن عروة وسيأتي شرح هذا الحديث مستوفى في تفسير سورة البقرة أن شاء الله تعالى وفيه الدعاء عليهم بأن يملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا وليس فيه الدعاء عليهم بالهزيمة لكن يؤخذ ذلك من لفظ الزلزلة لأن في احراق بيوتهم غاية التزلزل لنفوسهم ثانيها حديث أبي هريرة في الدعاء في القنوت وفيه اللهم اشدد وطأتك على مضر ودخوله في الترجمة بطريق العموم لأن شدة الوطأة يدخل تحتها ما ترجم به فإن المراد اشدد عليهم البأس والعقوبة والأخذ الشديد وبن ذكوان المذكور في الإسناد هو أبو الزناد واسمه عبد الله وقد تقدم من وجه آخر في كتاب الوتر ويأتي شرحه مستوفى في التفسير أن شاء الله تعالى ثالثها حديث بن أبي أوفى وهو ظاهر فيما ترجم له والمراد الدعاء عليهم إذا انهزموا أن لا يستقر لهم قرار وقال الداودي أراد أن تطيش عقولهم وترعد أقدامهم عند اللقاء فلا يثبتوا وقد ذكر الإسماعيلي من وجه آخر زيادة في هذا الدعاء وسيأتي التنبيه عليها في باب لا تتمنوا لقاء العدو أن شاء الله تعالى رابعها حديث عبد الله بن مسعود في قصة الجزور التي نحرت بمكة وفيه اللهم عليك بقريش وفيه ما قررته

(6/106)


في الحديث الثاني قوله قال أبو إسحاق هو بالإسناد المذكور وكأنه لما حدث سفيان بهذا الحديث كان نسي السابع وقول المصنف قال يوسف بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق أمية بن خلف وقال شعبة أمية أو أبي والصحيح أمية أراد بذلك أن أبا إسحاق حدث به مرة فقال أبي بن خلف وهذه رواية سفيان وهو الثوري هنا وحدث به أخرى فقال أمية وهي رواية شعبة وحدث به أخرى فشك فيه ويوسف المذكور هو بن إسحاق بن أبي إسحاق نسبه إلى جده وقد وصل المصنف حديثه بطوله في الطهارة وطريق شعبة وصلها المؤلف أيضا في كتاب المبعث وقد بينت في الطهارة أن إسرائيل روى عن أبي إسحاق هذا الحديث فسمى السابع وذكرت ما فيه من البحث خامسها حديث عائشة في قصة اليهود وفيه فلم تسمعي ما قلت وعليكم وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه في آخره يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا وقد ذكرها الإسماعيلي هنا من الوجه الذي أخرجه البخاري ففيه مشروعية الدعاء على المشركين ولو خشي الداعي أنهم يدعون عليه وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الاستئذان أن شاء الله تعالى
( قوله باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلمهم الكتاب )
المراد بالكتاب الأول التوراة والإنجيل وبالكتاب الثاني ما هو أعم منهما ومن القرآن وغير ذلك وأورد فيه طرفا من حديث بن عباس في شأن هرقل وقد ذكره بعد بابين من وجه آخر عن بن شهاب بطوله وإسحاق شيخه فيه هو بن منصور وهذه الطريق أهملها المزي في الأطراف وارشادهم منه ظاهر وأما تعليمهم الكتاب فكأنه استنبطه من كونه كتب إليهم بعض القرآن بالعربية وكأنه سلطهم على تعليمه إذ لا يقرءونه حتى يترجم لهم ولا يترجم لهم حتى يعرف المترجم كيفية استخراجه وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف فمنع مالك من تعليم الكافر القرآن ورخص أبو حنيفة واختلف قول الشافعي والذي يظهر أن الراجح التفصيل بين من يرجى منه الرغبة في الدين والدخول فيه مع الأمن منه أن يتسلط بذلك إلى الطعن فيه وبين من يتحقق أن ذلك لا ينجع فيه أو يظن أنه يتوصل بذلك إلى الطعن في الدين والله أعلم ويفرق أيضا بين القليل منه والكثير كما تقدم في أوائل كتاب الحيض

(6/107)


( قوله باب الدعاء للمشركين بالهدي ليتألفهم )
ذكر فيه حديث أبي هريرة في قدوم الطفيل بن عمرو الدوسي وقول النبي صلى الله عليه و سلم اللهم اهد دوسا وهو ظاهر فيما ترجم له وقوله ليتألفهم من تفقه المصنف إشارة منه إلى الفرق بين المقامين وأنه صلى الله عليه و سلم كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم كما تقدم في الأحاديث التي قبل هذا بباب والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم كما في قصة دوس وسيأتي شرح الحديث المذكور في المغازي أن شاء الله تعالى قوله باب دعوة اليهود والنصارى أي إلى الإسلام وقوله وعلى ما يقاتلون إشارة إلى أن ما ذكر في الباب الذي بعده عن علي حيث قال تقاتلوهم حتى يكونوا مثلنا وفيه أمره صلى الله عليه و سلم له بالنزول بساحتهم ثم دعائهم إلى الإسلام ثم القتال ووجه أخذه من حديثي الباب أنه صلى الله عليه و سلم كتب إلى الروم يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يتوجه إلى مقاتلتهم قوله وما كتب النبي صلى الله عليه و سلم إلى كسرى وقيصر قد ذكر ذلك في الباب مسندا وقوله والدعوة قبل القتال كأنه يشير إلى حديث بن عون في اغارة النبي صلى الله عليه و سلم على بني المصطلق على غرة وهو متخرج عنده في كتاب الفتن وهو محمول عند من يقول باشتراط الدعاء قبل القتال على أنه بلغتهم الدعوة وهي مسألة خلافية فذهب طائفة منهم عمر بن عبد العزيز إلى اشتراط الدعاء إلى الإسلام قبل القتال وذهب الأكثر إلى أن ذلك كان في بدء الأمر قبل انتشار دعوة الإسلام فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى نص عليه الشافعي وقال مالك من قربت داره قوتل بغير دعوة لاشتهار الإسلام ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي أحد كبار التابعين قال كنا ندعو وندع قلت وهو منزل على الحالين

(6/108)


المتقدمين ثم ذكر في الباب حديثين أحدهما حديث أنس في اتخاذ الخاتم وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب اللباس ثانيهما حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم بعث كتابه إلى كسرى وسيأتي شرحه في أواخر المغازي وفيه أن المبعوث به كان عبد الله بن حذافة السهمي ونذكر هناك ما يتعلق بكسرى وما المراد بعظيم البحرين وفي الحديث الدعاء إلى الإسلام بالكلام والكتابة وأن الكتابة تقوم مقام النطق وفيه إرشاد المسلم إلى الكافر وأن العادة جرت بين الملوك بترك قتل الرسل ولهذا مزق كسرى الكتاب ولم يتعرض للرسول

(6/109)


( قوله باب دعاء النبي صلى الله عليه و سلم الناس إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون )
الله وقوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب الآية أورد فيه أحاديث أحدها حديث بن عباس في كتاب النبي صلى الله عليه و سلم إلى قيصر وفيه حديث عن أبي سفيان بن حرب وقد تقدم بطوله في بدء الوحي والكلام عليه مستوفى وهو ظاهر فيما ترجم به ويأتي شيء من الكلام عليه في تفسير سورة آل عمران أن شاء الله تعالى وأما قوله تعالى ما كان لبشر فالمراد من الآية الإنكار على من قال كونوا عبادا لي من دون الله ومثلها قوله تعالى يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس الآية وقوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله الآية ثانيها حديث سهل بن سعد في إعطاء على الراية يوم خيبر وسيأتي شرحه في المغازي والغرض منه
2783 - قوله ثم ادعهم إلى الإسلام ثالثها حديث أنس في ترك الاغارة على من سمع منهم الأذان ذكره من وجهين وسيأتي وشرحه في غزوة خيبر أيضا وهو دال على جواز قتال من بلغته الدعوة بغير دعوة فيجمع بينه وبين حديث سهل الذي قبله بان الدعوة مستحبة لا شرط وفيه دلالة على الحكم بالدليل لكونه كف عن القتال بمجرد سماع الأذان وفيه الأخذ بالأحوط في أمر الدعاء لأنه كف عنهم في تلك الحالة مع احتمال أن لا يكون ذاك على الحقيقة ووقع هنا فلما أصبح خرجت يهود خيبر بمساحيهم ووقع في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عند مسلم فأتيناهم حين بزغت الشمس ويجمع بأنهم وصلوا أول البلد عند الصبح فنزلوا فصلوا فتوجهوا وأجرى النبي صلى الله عليه و سلم فرسه حينئذ في زقاق خيبر كما في الرواية الأخرى فوصل في آخر الزقاق إلى أول الحصون حين بزغت الشمس رابعها حديث أبي هريرة أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث وهو ظاهر فيما ترجم له أولا حيث قال وعلام تقاتلون وقد مضى شرحه في كتاب الإيمان في الكلام على حديث بن عمر لكن في حديث بن عمر زيادة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وقد وردت الأحاديث بذلك زائدا بعضها على بعض ففي حديث أبي هريرة الاقتصار على قول لا إله إلا الله وفي حديثه من وجه آخر عند مسلم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وفي حديث بن عمر ما ذكرت وفي حديث أنس الماضي في أبواب القبلة فإذا صلوا واستقبلوا واكلوا ذبيحتنا قال الطبري وغيره أما الأول فقاله في حالة قتاله لأهل الأوثان الذين لا يقرون بالتوحيد وأما الثاني فقاله في حالة قتال أهل الكتاب الذين يعترفون بالتوحيد ويجحدون نبوته عموما أو خصوصا وأما الثالث ففيه الإشارة إلى أن من دخل في الإسلام وشهد بالتوحيد وبالنبوة ولم يعمل بالطاعات أن حكمهم أن يقاتلوا حتى يذعنوا إلى ذلك وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في أبواب القبلة
2786 - قوله رواه عمر وبن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أي مثل حديث أبي هريرة أما رواية عمر فوصلها المؤلف في الزكاة وأما رواية بن عمر فوصلها المؤلف في الإيمان

(6/112)


( قوله باب من أراد غزوة فورى بغيرها ومن أحب الخروج إلى السفر يوم الخميس )
أما الجملة الأولى فمعنى ورى ستر وتستعمل في إظهار شيء مع إرادة غيره وأصله من الورى بفتح ثم سكون وهو ما يجعل وراء الإنسان لأن من ورى بشيء كأنه جعله وراءه وقيل هو في الحرب أخذ العدو على غرة وقيده السيرافي في شرح سيبويه بالهمزة قال وأصحاب الحديث لم يضبطوا فيه الهمز وكأنهم سهلوها وأما الخروج يوم الخميس فلعل سببه ما روى من قوله صلى الله عليه و سلم بورك لأمتي في بكورها يوم الخميس وهو حديث ضعيف أخرجه الطبراني من حديث نبيط بنون وموحدة مصغر بن شريط بفتح المعجمة أوله وكونه صلى الله عليه و سلم كان يحب الخروج يوم الخميس لا يستلزم المواظبة عليه لقيام مانع منه وسيأتي بعد باب أنه خرج في بعض أسفاره يوم السبت ثم أورد المصنف أطرافا من حديث كعب بن مالك الطويل في قصة غزوة تبوك ظاهرة فيما ترجم له وروى سعيد بن منصور عن مهدي بن ميمون عن واصل مولى أبي عتيبة قال بلغني أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا سافر أحب أن يخرج يوم الخميس وقوله في الطريق الثانية وعن يونس عن الزهري هو موصول بالإسناد الأول عن عبد الله وهو بن المبارك عن يونس ووهم من زعم أن الطريق الثانية معلقة وقد أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن بن المبارك عن يونس بالحديثين جميعا بالوجهين نعم توقف الدارقطني في هذه الرواية التي وقع فيها التصريح بسماع عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك من جده وقد أوضحت ذلك في المقدمة والحاصل أن رواية الزهري للجملة الأولى هي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك وروايته للجملة الثانية المتعلقة بيوم الخميس هي عن عمه عبد الرحمن بن كعب بن مالك

(6/113)


وقد سمع الزهري منهما جميعا وحدث يونس عنه بالحديثين مفصلا وأراد البخاري بذلك دفع الوهم واللبس عمن يظن فيه اختلافا وسيأتي مزيد بسط لذلك في المغازي أن شاء الله تعالى
( قوله باب الخروج بعد الظهر )
ذكر فيه حديث أنس وقد تقدم في الحج وكأنه أورده إشارة إلى أن قوله صلى الله عليه و سلم بورك لأمتي في بكورها لا يمنع جواز التصرف في غير وقت البكور وإنما خص البكور بالبركة لكونه وقت النشاط وحديث بورك لأمتي في بكورها أخرجه أصحاب السنن وصححه بن حبان من حديث صخر الغامدي بالغين المعجمة وقد اعتنى بعض الحفاظ بجمع طرقه فبلغ عدد من جاء عنه من الصحابة نحو العشرين نفسا قوله باب الخروج آخر الشهر أي ردا على من كره ذلك من طريق الطيرة وقد نقل بن بطال أن أهل الجاهلية كانوا يتحرون أوائل الشهور للاعمال ويكرهون التصرف في محاق القمر
2792 - قوله وقال كريب عن بن عباس رضي الله عنهما انطلق النبي صلى الله عليه و سلم من المدينة لخمس بقين هو طرف من حديث وصله المصنف في الحج ثم أورد حديث عمرة عن عائشة في ذلك وقد مضى الكلام عليهما في كتاب الحج وفيه استعمال الفصيح في التاريخ وهو ما دام في النصف الأول من الشهر يؤرخ بما خلا وإذا دخل النصف الثاني يؤرخ بما بقي وقد استشكل قول بن عباس وعائشة أنه خرج لخمس بقين لأن ذا الحجة كان أوله الخميس للاتفاق على أن الوقفة كانت الجمعة فيلزم من ذلك أن يكون خرج يوم الجمعة ولا يصح ذلك لقول أنس في الحديث الذي قبله أنه صلى الله عليه و سلم صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم خرج وأجيب بأن الخروج كان يوم السبت وإنما قال الصحابة لخمس بقين بناء على العدد لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء فاتفق أن جاء ناقصا فجاء أول ذي الحجة الخميس فظهر أن الذي كان بقي من الشهر

(6/114)


أربع لا خمس كذا أجاب به جمع من العلماء ويحتمل أن يكون الذي قال لخمس بقين أراد ضم يوم الخروج إلى ما بقي لأن التأهب وقع في أوله وأن اتفق التأخير إلى أن صليت الظهر فكأنهم لما تأهبوا باتوا ليلة السبت على سفر اعتدوا به من جملة أيام السفر والله أعلم
( قوله باب الخروج في رمضان )
ذكر فيه حديث بن عباس في ذلك وقد مضى شرحه في كتاب الصيام وأراد به رفع وهم من يتوهم كراهة ذلك قوله باب التوديع عند السفر أي أعم من أن يكون من المسافر للمقيم أو عكسه وحديث الباب ظاهر للأول ويؤخذ الثاني منه بطريق الأولى وهو الأكثر في الوقوع
2794 - قوله وقال بن وهب الخ وصله النسائي والإسماعيلي من طريقه وسيأتي موصولا للمصنف من وجه آخر ويأتي شرحه هناك بعد اثنين وأربعين بابا وفيه تسمية من أبهم في هذا
( قوله باب السمع والطاعة للإمام )
زاد في رواية الكشميهني ما لم يأمر بمعصية والاطلاق محمول عليه كما هو

(6/115)


في نص الحديث ثم ساق حديث بن عمر في ذلك من وجهين وساقه على لفظ الرواية الثانية وسيأتي الكلام عليه في كتاب الأحكام أن شاء الله تعالى وساقه هنا بلفظ الرواية الأولى وقيد الترجمة هناك بما وقع هنا في رواية الكشميهني وقوله
2796 - فلا سمع ولا طاعة بالفتح فيهما والمراد نفي الحقيقة الشرعية لا الوجودية
( قوله باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به )
يقاتل بفتح المثناة ولم يزد البخاري على لفظ الحديث والمراد به المقاتلة للدفع عن الإمام سواء كان ذلك من خلفه حقيقة أو قدامه ووراء يطلق على المعنيين قوله نحن الآخرون السابقون وبهذا الإسناد من أطاعني فقد أطاع الله الحديث الجملة الأولى طرف من حديث سبق بيانه في كتاب الجمعة وسبق في الطهارة أن عادته في إيراد هذه النسخة وهي شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن يصدر بأول حديث فيها ويعطف الباقي عليه لكونه سمعها هكذا وأن مسلما في نسخة معمر عن همام عن أبي هريرة سلك طريقا نحو هذه فإنه يقول في أول كل حديث منها فذكر أحاديث منها وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كيت وكيت وتكلف بن المنير فقال وجه مطابقة الترجمة لقوله نحن الآخرون السابقون الإشارة إلى أنه الإمام وأنه يجب على كل أحد أن يقاتل عنه وينصره لأنه وأن تأخر في الزمان لكنه متقدم في أخذ العهد على كل من تقدمه أنه أن أدرك زمانه أن يؤمن به وينصره فهم في الصورة أمامه وفي الحقيقة خلفه فناسب ذلك
2797 - قوله يقاتل من ورائه لأنه أعم من أن يراد بها الخلف أو الأمام وقوله فيه وأن قال بغيره فإن عليه منه كذا هنا قيل استعمل القول بمعنى الفعل حيث قال فإن قال بغيره كذا قال بعض الشراح وليس بظاهر فإنه قسيم قوله فإن أمر فيحمل على أن المراد وأن أمر والتعبير عن الأمر بالقول لا اشكال فيه وقيل معنى قال هنا حكم ثم قيل أنه مشتق من القيل بفتح القاف وسكون التحتانية وهو الملك الذي ينفذ حكمه بلغة حمير وقوله فإن عليه منه أي وزرا وحذف في هذه الرواية على طريق الاكتفاء لدلالة مقابله عليه وقد ثبت في غير هذه الرواية كما سيأتي أن شاء الله تعالى ويحتمل أن يكون من في قوله فإن عليه منه تبعيضية أي فإن عليه بعض ما يقول وفي رواية أبي زيد المروزي منة بضم الميم وتشديد النون بعدها هاء تأنيث وهو تصحيف بلا ريب وبالأول جزم أبو ذر وقوله إنما الإمام جنة بضم الجيم أي سترة لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ويكف أذى بعضهم عن بعض والمراد بالامام كل قائم بأمور الناس والله أعلم وسيأتي بقية شرحه في كتاب الأحكام

(6/116)


( قوله باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا )
وقال بعضهم على الموت كأنه أشار إلى أن لا تنافي بين

(6/117)


الروايتين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامين أو أحدهما يستلزم الآخر قوله لقوله تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين الآية قال بن المنير أشار البخاري بالاستدلال بالآية إلى أنهم بايعوا على الصبر ووجه أخذه منها قوله تعالى فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم والسكينة الطمأنينة في موقف الحرب فدل ذلك على أنهم أضمروا في قلوبهم أن لا يفروا فأعانهم على ذلك وتعقب بأن البخاري إنما ذكر الآية عقب القول الصائر إلى أن المبايعة وقعت على الموت ووجه انتزاع ذلك منها أن المبايعة فيها مطلقة وقد أخبر سلمة بن الأكوع وهو ممن بايع تحت الشجرة أنه بايع على الموت فدل ذلك على أنه لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا وليس المراد أن يقع الموت ولا بد وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى
2798 - قوله بل بايعهم على الصبر أي على الثبات وعدم الفرار سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا والله أعلم وسيأتي في المغازي موافقة المسيب بن حزن والد سعيد لابن عمر على خفاء الشجرة وبيان الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن مشاهدا فيما هو دونها وإلى ذلك أشار بن عمر بقوله كانت رحمة من الله أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى ويحتمل أن يكون معنى قوله رحمة من الله أي كانت الشجرة موضع رحمة الله ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها ثم ذكر فيه خمسة أحاديث أحدها حديث بن عمر رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا أي النبي صلى الله عليه و سلم تحتها أي في عمرة الحديبية قوله فسألنا نافعا قائل ذلك هو جويرية بن أسماء الراوي عنه وقد تعقبه الإسماعيلي بأن هذا من قول نافع وليس بمسند وأجيب بأن الظاهر أن نافعا إنما جزم بما أجاب به لما فهمه عن مولاه بن عمر فيكون مسندا بهذه الطريقة ثانيها حديث عبد الله بن زيد أي بن عاصم الأنصاري المازني
2799 - قوله لما كان زمن الحرة أي الوقعة التي كانت بالمدينة في زمن يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين كما سيأتي بيان ذلك في موضعه أن شاء الله تعالى قوله أن بن حنظلة أي عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الذي يعرف أبوه بغسيل الملائكة والسبب في تلقيبه بذلك أنه قتل بأحد وهو جنب فغسلته الملائكة وعلقت امرأته تلك الليلة بابنه عبد الله بن حنظلة فمات النبي صلى الله عليه و سلم وله سبع سنين وقد حفظ عنه وأتى الكرماني بأعجوبة فقال بن حنظلة هو الذي كان يأخذ البيعة ليزيد بن معاوية والمراد به نفس يزيد لأن جده أبا سفيان كان يكنى أيضا أبا حنظلة فيكون التقدير أن بن أبي حنظلة ثم حذف لفظ أبي تخفيفا أو يكون نسب إلى عمه حنظلة بن أبي سفيان استخفافا واستهجانا واستبشاعا بهذه الكلمة المرة انتهى ولقد أطال رحمه الله في غير طائل وأتى بغير الصواب ولو راجع موضعا آخر من البخاري لهذا الحديث بعينه لرأى فيه ما نصه لما كان يوم الحرة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة فقال عبد الله بن زيد علام يبايع حنظلة الناس الحديث وهذا الموضع في أثناء غزوة الحديبية من كتاب المغازي فهذا يرد احتماله الثاني وأما احتماله الأول فيرده اتفاق أهل النقل على أن الأمير الذي كان من قبل يزيد بن معاوية اسمه مسلم بن عقبة لا عبد الله بن حنظلة وأن بن حنظلة كان الأمير على الأنصار وأن عبد الله بن مطيع كان الأمير على من سواهم وأنهما قتلا جميعا في تلك الوقعة والله المستعان قوله لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه إيماء إلى أنه بايع رسول الله صلى الله عليه و سلم على ذلك وليس بصريح ولذلك عقبه المصنف بحديث سلمة بن الأكوع لتصريحه فيه بذلك قال بن المنير

(6/118)


والحكمة في قول الصحابي أنه لا يفعل ذلك بعد النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان مستحقا للنبي صلى الله عليه و سلم على كل مسلم أن يقيه بنفسه وكان فرضا عليهم أن لا يفروا عنه حتى يموتوا دونه وذلك بخلاف غيره ثالثها حديث سلمة فقوله فقلت له يا أبا مسلم هي كنية سلمة بن الأكوع والقائل فقلت الراوي عنه وهو يزيد بن أبي عبيد مولاه وهذا الحديث أحد ثلاثيات البخاري وقد أخرجه في الأحكام أيضا ويأتي الكلام عليه هناك أن شاء الله تعالى قال بن المنير الحكمة في تكراره البيعة لسلمة أنه كان مقداما في الحرب فأكد عليه العقد احتياطا قلت أو لأنه كان يقاتل قتال الفارس والراجل فتعددت البيعة بتعدد الصفة رابعها حديث أنس كانت الأنصار يوم الخندق تقول نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وهو ظاهر فيما ترجم به وقد تقدم موصولا في أوائل الجهاد ويأتي الكلام عليه في المغازي أن شاء الله تعالى خامسها حديث مجاشع وهو بن مسعود وأخوه اسمه مجالد بجيم وسيأتي الكلام عليه في المغازي في غزوة الفتح أن شاء الله تعالى
( قوله باب عزم الإمام على الناس فيما يطيقون )
المراد بالعزم الأمر الجازم الذي لا تردد فيه والذي يتعلق به الجار والمجرور محذوف تقديره مثلا محله والمعنى وجوب طاعة الإمام محله فيما لهم به طاقة قوله قال عبد الله أي بن مسعود وهذا الإسناد كله كوفيون
2803 - قوله أتاني اليوم رجل لم أقف على اسمه قوله مؤديا بهمزة ساكنة وتحتانية خفيفة أي كامل الأداء أي أداة الحرب ولا يجوز حذف الهمزة منه لئلا يصير من أودى إذا هلك وقال الكرماني معناه قويا وكأنه فسره باللازم وقوله نشيطا بنون وبمعجمة من النشاط قوله نخرج مع أمرائنا كذا في الرواية بالنون من قوله نخرج وعلى هذا فالمراد بقوله رجلا أحدنا أو هو محذوف الصفة أي رجلا منا وعلى هذا عول الكرماني لأن السياق يقتضي أن يقول مع امرأته وفيه حينئذ التفات ويحتمل أن يكون بالتحتانية بدل النون وفيه أيضا التفات قوله لا نحصيها أي لا نطيقها لقوله تعالى علم أن لن تحصوه وقيل لا ندري أهي طاعة أم معصية والأول مطابق لما فهم البخاري فترجم به والثاني موافق لقول بن مسعود وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه منه أي من تقوى الله أن لا يقدم المرء على ما يشك فيه حتى يسأل من عنده علم فيدله على ما فيه شفاؤه وقوله شك نفسه في شيء من المقلوب إذ التقدير وإذا شك نفسه في شيء أو ضمن شك معنى لصق والمراد بالشيء ما يتردد في جوازه وعدمه وقوله حتى يفعله غاية لقوله لا يعزم أو للعزم الذي

(6/119)


يتعلق به المستثنى وهو مرة والحاصل أن الرجل سأل بن مسعود عن حكم طاعة الأمير فأجابه بن مسعود بالوجوب بشرط أن يكون المأمور به موافقا لتقوى الله تعالى قوله ما غبر بمعجمة وموحدة مفتوحتين أي مضى وهو من الأضداد يطلق على ما مضى وعلى ما بقي وهو هنا محتمل للامرين قال بن الجوزي هو بالماضي هنا أشبه كقوله ما أذكر والثغب بمثلثة مفتوحة ومعجمة ساكنة ويجوز فتحها قال القزاز وهو أكثر وهو الغدير يكون في ظل فيبرد ماؤه ويروق وقيل هو ما يحتفره السيل في الأرض المنخفضة فيصير مثل الأخدود فيبقى الماء فيه فتصفقه الريح فيصير صافيا باردا وقيل هو نقرة في صخرة يبقى فيها الماء كذلك فشبه ما مضى من الدنيا بما شرب من صفوه وما بقي منها بما تأخر من كدره وإذا كان هذا في زمان بن مسعود وقد مات هو قبل مقتل عثمان ووجود تلك الفتن العظيمة فماذا يكون اعتقاده فيما جاء بعد ذلك وهلم جرا وفي الحديث أنهم كانوا يعتقدون وجوب طاعة الإمام وأما توقف بن مسعود عن خصوص جوابه وعدوله إلى الجواب العام فللاشكال الذي وقع له من ذلك وقد أشار إليه في بقية حديثه ويستفاد منه التوقف في الافتاء فيما أشكل من الأمر كما لو أن بعض الأجناد استفتى أن السلطان عينه في أمر مخوف بمجرد التشهي وكلفه من ذلك ما لا يطيق فمن أجابه بوجوب طاعة الإمام أشكل الأمر لما وقع من الفساد وأن أجابه بجواز الامتناع أشكل الأمر لما قد يفضي به ذلك إلى الفتنة فالصواب التوقف عن الجواب في ذلك وأمثاله والله الهادي إلى الصواب
( قوله باب كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس )
( )
أي لأن الرياح تهب غالبا بعد الزوال فيحصل بها تبريد حدة السلاح والحرب وزيادة في النشاط أورد فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى بمعنى ما ترجم به لكن ليس فيه إذا لم يقاتل أول النهار وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه فعند أحمد من وجه آخر عن موسى بن عقبة بهذا الإسناد أنه كان صلى الله عليه و سلم يحب أن ينهض إلى عدوه عند زوال الشمس ولسعيد بن منصور من وجه آخر عن بن أبي أوفى كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يمهل إذا زالت الشمس ثم ينهض إلى عدوه وللمصنف في الجزية من حديث النعمان بن مقرن كان إذا لم يقاتل أول النهار أنتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وبن حبان من وجه آخر وصححاه وفي روايتهم حتى

(6/120)


تزول الشمس وتهب الأرواح وينزل النصر فيظهر أن فائدة التأخير لكون أوقات الصلاة مظنة إجابة الدعاء وهبوب الريح قد وقع النصر به في الأحزاب فصار مظنة لذلك والله أعلم وقد أخرج الترمذي حديث النعمان بن مقرن من وجه آخر عنه لكن فيه انقطاع ولفظه يوافق ما قلته قال غزوت مع النبي صلى الله عليه و سلم فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قاتل فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس فإذا زالت الشمس قاتل فإذا دخل وقت العصر أمسك حتى يصليها ثم يقاتل وكان يقال عند ذلك تهيج رياح النصر ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم تنبيه وقع في رواية الإسماعيلي من هذا الوجه زيادة في الدعاء وسيأتي التنبيه عليها في باب لا تتمنوا لقاء العدو مع بقية الكلام على شرحه أن شاء الله تعالى
( قوله باب استئذان الرجل )
أي من الرعية الإمام أي في الرجوع أو التخلف عن الخروج أو نحو ذلك قوله انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه قال بن التين هذه الآية احتج بها الحسن على أنه ليس لأحد أن يذهب من العسكر حتى يستأذن الأمير وهذا عند سائر الفقهاء كان خاصا بالنبي صلى الله عليه و سلم كذا قال والذي يظهر أن الخصوصية في عموم وجوب الاستئذان وإلا فلو كان ممن عينه الإمام فطرأ له ما يقتضي التخلف أو الرجوع فإنه يحتاج إلى الاستئذان ثم أورد فيه حديث جابر في قصة

(6/121)


جمله وقد تقدم شرحه في كتاب الشروط والغرض منه هنا
2805 - قوله إني عروس فاستأذنته فأذن لي وسيأتي الكلام على ما يتعلق بتزويجه في النكاح تنبيه قوله في آخر هذا الحديث قال المغيرة هذا في قضائنا حسن لا نرى به بأسا هذا موصول بالإسناد المذكور إلى المغيرة وهو بن مقسم الضبي أحد فقهاء الكوفة ومراده بذلك ما وقع من جابر من اشتراط ركوب جمله إلى المدينة وأغرب الداودي فقال مراده جواز زيادة الغريم على حقه وأن ذلك ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه و سلم وقد تعقبه بن التين بأن هذه الزيادة لم ترد في هذه الطريق هنا وهو كما قال
( قوله باب من غزا وهو حديث عهد بعرسة )
بكسر العين أي بزوجته وبضمها أي بزمان عرسه وفي رواية الكشميهني بعرس وهو يؤيد الاحتمال الثاني قوله فيه جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم يشير إلى حديثه المذكور في الباب قبله وأن ذلك في بعض طرقه وسيأتي في أوائل النكاح من طريق سيار عن الشعبي بلفظ فقال ما يعجلك قلت كنت حديث عهد بعرس الحديث قوله باب من أختار الغزو بعد البناء فيه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم يشير إلى حديثه الآتي في الخمس من طريق همام عنه فقال غزا نبي من الأنبياء فقال لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة ولما يبن بها الحديث وسيأتي شرحه هناك وترجم عليه في النكاح من أحب البناء بعد الغزو وساق الحديث والغرض هنا من ذلك أن يتفرغ قلبه للجهاد ويقبل عليه بنشاط لأن الذي يعقد عقده على امرأة يبقى متعلق الخاطر بها بخلاف ما إذا دخل بها فإنه يصير الأمر في حقه أخف غالبا ونظيره الاشتغال بالأكل قبل الصلاة تنبيهان أحدهما أورد الداودي هذه الترجمة محرفة ثم اعترضها وذلك أنه وقع عنده باب من أختار الغزو قبل البناء فاعترضه بأن الحديث فيه أنه أختار البناء قبل الغزو قلت وعلى تقدير صحة ما وقع عند الداودي فلا يلزمه الاعتراض لأنه أورد الترجمة مورد الاستفهام فكأنه قال ما حكم من أختار الغزو قبل البناء هل يمنع كما دل عليه الحديث أو يسوغ ويحمل الحديث على الاولوية ثانيهما قال الكرماني كأنه اكتفى بالإشارة إلى هذا الحديث لأنه لم يكن على شرطه قلت ولم يستحضر أنه أورده موصولا في مكان آخر كما سيأتي قريبا والجواب الصحيح أنه جرى على عادته الغالبة في أنه لا يعيد الحديث الواحد إذا اتحد مخرجه في مكانين بصورته غالبا بل يتصرف فيه بالاختصار ونحوه في أحد الموضعين
( قوله باب مبادرة الإمام عند الفزع )
ذكر فيه حديث أنس في ركوب النبي صلى الله عليه و سلم فرس أبي طلحة وقد تقدم

(6/122)


الكلام عليه في الهبة ومضى مرارا منها في باب الشجاعة في الحرب
( قوله باب السرعة والركض في الفزع )
ذكر فيه حديث أنس المذكور من وجه آخر وقد تقدم ومحمد المذكور في إسناده هو بن سيرين قوله باب الخروج في الفزع وحده كذا ثبتت هذه الترجمة بغير حديث وكأنه أراد أن يكتب فيه حديث أنس المذكور من وجه آخر فاخترم قبل ذلك قال الكرماني ويحتمل أن يكون اكتفى بالإشارة إلى الحديث الذي قبله كذا قال وفيه بعد وقد ضم أبو علي بن شبويه هذه الترجمة إلى التي بعدها فقال باب الخروج في الفزع وحده والجعائل الخ وليس في أحاديث باب الجعائل مناسبة لذلك أيضا الا أنه يمكن حمله على ما قلت أولا قال بن بطال جملة ما في هذه التراجم أن الإمام ينبغي له أن يشح بنفسه لما في ذلك من النظر للمسلمين الا أن يكون من أهل الغناء الشديد والثبات البالغ فيحتمل أن يسوغ له ذلك وكان في النبي صلى الله عليه و سلم من ذلك ما ليس في غيره ولا سيما مع ما علم أن الله يعصمه وينصره

(6/123)


( قوله باب الجعائل والحملان في السبيل )
الجعائل بالجيم جمع جعيلة وهي ما يجعله القاعد من الأجرة لمن يغزو عنه والحملان بضم المهملة وسكون الميم مصدر كالحمل تقول حمل حملا وحملانا قال بن بطال أن أخرج الرجل من ماله شيئا فتطوع به أو أعان الغازي على غزوه بفرس ونحوها فلا نزاع فيه وإنما اختلفوا فيما إذا أجر نفسه أو فرسه في الغزو فكره ذلك مالك وكره أن يأخذ جعلا على أن يتقدم إلى الحصن وكره أصحاب أبي حنيفة الجعائل الا أن كان بالمسلمين ضعف وليس في بيت المال شيء وقالوا أن أعان بعضهم بعضا جاز لا على وجه البدل وقال الشافعي لا يجوز أن يغزو بجعل يأخذه وإنما يجوز من السلطان دون غيره لأن الجهاد فرض كفاية فمن فعله وقع عن الفرض ولا يجوز أن يستحق على غيره عوضا انتهى ويؤيده ما رواه عبد الرزاق من طريق بن سيرين عن بن عمر قال يمتع القاعد الغازي بما شاء فأما أنه يبيع غزوه فلا ومن وجه آخر عن بن سيرين سئل بن عمر عن الجعائل فكرهه وقال أرى الغازي يبيع غزوه والجاعل يفر من غزوه والذي يظهر أن البخاري أشار إلى الخلاف فيما يأخذه الغازي هل يستحقه بسبب الغزو فلا يتجاوزه إلى غيره أو يملكه فيتصرف فيه بما شاء كما سيأتي بيان ذلك قوله وقال مجاهد قلت لابن عمر الغزو هو بالنصب على الإغراء والتقدير عليك الغزو أو على حذف فعل أي أريد الغزو وفي رواية الكشميهني أتغزو بالاستفهام وهذا الأثر وصله في المغازي في غزوة الفتح بمعناه وسيأتي بيانه هناك ونبه به على مراد بن عمر بالأثر الذي رواه عنه بن سيرين وأنه لا يكره إعانة الغازي قوله وقال عمر الخ وصله بن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق سليمان الشيباني عن عمرو بن قرة قال جاءنا كتاب عمر بن الخطاب أن ناسا فذكر مثله قال أبو إسحاق فقمت إلى أسير بن عمرو فحدثته بما قال فقال صدق جاءنا كتاب عمر بذلك وأخرجه البخاري في تاريخه من هذا الوجه وهو إسناد صحيح قوله وقال طاوس ومجاهد الخ وصله بن أبي شيبة بمعناه عنهما ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث عمر في قصة الفرس الذي حمل عليه فوجده يباع الحديث وقد تقدم شرحه في الهبة ثانيها حديث بن عمر في هذه القصة نفسها وقد تقدم أيضا ثالثها حديث أبي هريرة في التحريض على الغزو وقد تقدم في أول الجهاد ووجه دخول قصة فرس عمر من جهة أن النبي صلى الله عليه و سلم أقر المحمول عليه على التصرف فيه بالبيع وغيره فدل على تقوية ما ذهب إليه طاوس من أن للآخذ التصرف في المأخوذ وقال بن المنير كل من أخذ مالا من بيت المال على عمل إذا أهمل العمل يرد ما أخذ وكذا الأخذ على عمل لا يتأهل له ويحتاج إلى تأويل ما ذهب إليه عمر في الأمر المذكور بأن يحمل على الكراهة وقد قال سعيد بن المسيب من أعان بشيء في الغزو فإنه للذي يعطاه إذا بلغ

(6/124)


رأس المغزى أخرجه بن أبي شيبة وغيره وروى مالك في الموطأ عن بن عمر إذا بلغت وادي القرى فشأنك به أي تصرف فيه وهو قول الليث والثوري ووجه دخول حديث أبي هريرة أنه متعلق بالركن الثاني من الترجمة وهو الحملان في سبيل الله لقوله أولا ولا أجد ما أحملهم عليه
( قوله باب الأجير للأجير في الغزو )
حالان أما أن يكون استؤجر للخدمة أو استؤجر ليقاتل فالأول قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق لا يسهم له وقال الأكثر يسهم له لحديث سلمة كنت أجيرا لطلحة أسوس فرسه أخرجه مسلم وفيه أن النبي صلى الله عليه و سلم أسهم له وقال الثوري لا يسهم للأجير الا أن قاتل وأما الأجير إذا استؤجر ليقاتل فقال المالكية والحنفية لا يسهم له وقال الأكثر له سهمه وقال أحمد واستأجر الإمام قوما على الغزو لم يسهم لهم سوى الأجرة وقال الشافعي هذا فيمن لم يجب عليه الجهاد أما الحر البالغ المسلم إذا حضر الصف فإنه يتعين عليه الجهاد فيسهم له ولا يستحق أجرة قوله وقال الحسن وبن سيرين يقسم للأجير من المغنم وصله عبد الرزاق عنهما بلفظ يسهم للاجير ووصله بن أبي شيبة عنهما بلفظ العبد والأجير إذا شهدا القتال أعطوا من الغنيمة قوله وأخذ عطية بن قيس فرسا على النصف الخ وهذا الصنيع جائز عند من يجيز المخابرة وقال بصحته هنا الأوزاعي وأحمد خلافا للثلاثة وقد تقدمت مباحث المخابرة في كتاب المزارعة ثم ذكر المصنف حديث صفوان بن يعلى عن أبيه وهو يعلى بن أمية قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم غزوة تبوك الحديث وسيأتي شرحه في القصاص والغرض منه
3814 - قوله فاستأجرت أجيرا قال المهلب استنبط البخاري من هذا الحديث جواز استئجار الحر في الجهاد وقد خاطب الله المؤمنين بقوله واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه الآية فدخل الأجير في هذا الخطاب قلت وقد أخرج الحديث أبو داود من وجه آخر عن يعلى بن أمية أوضح من الذي هنا ولفظه إذن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الغزو وأنا شيخ ليس لي خادم فالتمست أجيرا يكفيني وأجري له سهمي فوجدت رجلا فلما دنا الرحيل أتاني فقال ما أدري ما سهمك وما يبلغ فسم لي شيئا كان السهم أو لم يكن فسميت له ثلاثة دنانير الحديث وقوله في هذه الرواية فهو أوثق أعمالي في رواية السرخسي أحمالي بالمهملة وللمستملي بالجيم والذي قاتل الأجير هو يعلى بن أمية نفسه كما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين تنبيهان الأول وقع في رواية المستملي بين أثر عطية بن قيس وحديث يعلى بن أمية باب

(6/125)


استعارة الفرس في الغزو وهو خطأ لأنه يستلزم أن يخلو باب الأجير من حديث مرفوع ولا مناسبة بينه وبين حديث يعلى بن أمية وكأنه وجد هذه الترجمة في الطرة خالية عن حديث فظن أن هذا موضعها وأن كان كذلك فحكمها حكم الترجمة الماضية قريبا وهي باب الخروج في الفزع وحده وكأنه أراد أن يورد فيه حديث أنس في قصة فرس أبي طلحة أيضا فلم يتفق ذلك ويقوي هذا أن بن شبويه جعل هذه الترجمة مستقلة قبل باب الأجير بغير حديث وأوردها الإسماعيلي عقب باب الأجير وقال لم يذكر فيها حديثا ثانيهما وقع في رواية أبي ذر تقديم باب الجعائل وما بعده إلى هنا وأخر ذلك الباقون وقدموا عليه باب ما قيل في لواء النبي صلى الله عليه و سلم والخطب فيه قريب
( قوله باب ما قيل في لواء النبي صلى الله عليه و سلم )
اللواء بكسر اللام والمد هي الراية ويسمى أيضا العلم وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش ثم صارت تحمل على رأسه وقال أبو بكر بن العربي اللواء غير الراية فاللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه والراية ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح وقيل اللواء دون الراية وقيل اللواء العلم الضخم والعلم علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار والراية يتولاها صاحب الحرب وجنح الترمذي إلى التفرقة فترجم بالالوية وأورد حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل مكة ولواؤه أبيض ثم ترجم للرايات وأورد حديث البراء أن راية رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت سوداء مربعة من نمرة وحديث بن عباس كانت رايته سوداء ولواؤه أبيض أخرجه الترمذي وبن ماجة وأخرج الحديث أبو داود والنسائي أيضا ومثله لابن عدي من

(6/126)


حديث أبي هريرة ولأبي يعلى من حديث بريدة وروى أبو داود من طريق سماك عن رجل من قومه عن آخر منهم رأيت راية رسول الله صلى الله عليه و سلم صفراء ويجمع بينها باختلاف الأوقات وروى أبو يعلى عن أنس رفعه أن الله أكرم أمتي بالالوية إسناده ضعيف ولأبي الشيخ من حديث بن عباس كان مكتوبا على رايته لا إله الا الله محمد رسول الله وسنده واه وقيل كانت له راية تسمى العقاب سوداء مربعة وراية تسمى الراية البيضاء وربما جعل فيها شيء أسود وذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها
2811 - قوله عن ثعلبة بن أبي مالك تقدم ذكره في باب حمل النساء القرب في الغزو قوله أن قيس بن سعد أي بن عبادة الصحابي بن الصحابي وهو سيد الخزرج بن سيدهم وسيأتي للمصنف من حديث أنس في الأحكام أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه و سلم بمنزلة صاحب الشرطة قوله وكان صاحب لواء النبي صلى الله عليه و سلم أي الذي يختص بالخزرج من الأنصار وكان النبي صلى الله عليه و سلم في مغازيه يدفع إلى رأس كل قبيلة لواء يقاتلون تحته وأخرج أحمد بإسناد قوي من حديث بن عباس أن راية النبي صلى الله عليه و سلم كانت تكون مع علي وراية الأنصار مع سعد بن عبادة الحديث قوله أراد الحج فرجل هو بتشديد الجيم وأخطأ من قالها بالمهملة واقتصر البخاري على هذا القدر من الحديث لأنه موقوف وليس من غرضه في هذا الباب وإنما أراد منه أن قيس بن سعد كان صاحب اللواء النبوي ولا يتقرر في ذلك الا بإذن النبي صلى الله عليه و سلم فهذا القدر هو المرفوع من الحديث تاما وهو الذي يحتاج إليه هنا وقد أخرج الإسماعيلي الحديث تاما من طريق الليث التي أخرجها المصنف منها فقال بعد قوله فرجل أحد شقى رأسه فقام غلام له فقلد هديه فنظر قيس هديه وقد قلد فأهل بالحج ولم يرجل شق رأسه الآخر وأخرجه من طريق أخرى عن الزهري بتمامه نحوه وفي ذلك مصير من قيس بن سعد إلى أن الذي يريد الإحرام إذا قلد هديه يدخل في حكم المحرم وقرأت في كلام بعض المتأخرين أن بعض الشارحين تحير في شرح القدر الذي وقع في البخاري وتكلف له وجوها عجيبة فلينظر المراد بالشارح المذكور فإني لم أقف عليه ثم رأيت ما نقله المتأخر المذكور في كلام صاحب المطالع وأبهم الشارح الذي تحير وقال أنه حمل الكلام ما لا يحتمله وذكر الدمياطي في الحاشية أن البخاري ذكر بقية الحديث في آخر الكتاب وليس في الكتاب شيء من ذلك ثانيها حديث سلمة بن الأكوع في قصة علي يوم خيبر وسيأتي شرحه في كتاب المغازي والغرض منه
2812 - قوله لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله فإنه مشعر بأن الراية لم تكن خاصة بشخص معين بل كان يعطيها في كل غزوة لمن يريد وقد أخرجه أحمد من حديث بريدة بلفظ إني دافع اللواء إلى رجل يحبه الله ورسوله الحديث وهذا مشعر بأن الراية واللواء سواء ثالثها حديث نافع بن جبير سمعت العباس أي بن عبد المطلب يقول للزبير أي بن العوام ها هنا أمرك النبي صلى الله عليه و سلم أن تركز الراية وهو طرف من حديث أورده المصنف في غزوة الفتح وسيأتي شرحه مستوفى هناك وأبين هناك أن شاء الله تعالى ما في سياقه من صورة الإرسال والجواب عن ذلك وأبين تعيين المكان المشار إليه وأنه الحجون وهو بفتح المهملة وضم الجيم الخفيفة قال الطبري في حديث علي أن الإمام يؤمر على الجيش من يوثق بقوته وبصيرته ومعرفته وسيأتي بقية شرحه في المغازي أن شاء الله تعالى وقال المهلب وفي حديث الزبير أن الراية لا تركز الا بإذن الإمام لأنها علامة على مكانه فلا يتصرف فيها الا بأمره وفي هذه الأحاديث استحباب اتخاذ الألوية في الحروب وأن اللواء يكون مع الأمير

(6/127)


أو من يقيمه لذلك عند الحرب وقد تقدم حديث أنس أخذ الراية زيد بن حارثة فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب الحديث ويأتي تمام شرحه في المغازي أن شاء الله تعالى أيضا
( قوله باب قول النبي صلى الله عليه و سلم نصرت بالرعب مسيرة شهر )
وقول الله عز و جل سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب قاله جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم يشير إلى حديثه الذي أوله أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي فإن فيه ونصرت بالرعب مسيرة شهر وقد تقدم شرحه في التيمم ووقع في الطبراني من حديث أبي أمامة شهرا أو شهرين وله من حديث السائب بن يزيد شهرا أمامي وشهرا خلفي وظهر لي أن الحكمة في الاقتصار على الشهر أنه لم يكن بينه وبين الممالك الكبار التي حوله أكثر من ذلك كالشام والعراق واليمن ومصر ليس بين المدينة النبوية للواحدة منها الا شهر فما دونه ودل حديث السائب على أن التردد في الشهر والشهرين أما أن يكون الراوي سمعه كما في حديث السائب وأما أنه لا أثر لتردده وحديث السائب لا ينافي حديث جابر وليس المراد بالخصوصية مجرد حصول الرعب بل هو وما ينشأ عنه من الظفر بالعدو ثم ذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث أبي هريرة الذي أوله بعثت بجوامع الكلم وفيه ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب ا لتعبير أن شاء الله تعالى وجوامع الكلم القرآن فإنه تقع فيه المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة وكذلك يقع في الأحاديث النبوية الكثير من ذلك ومفاتيح خزائن الأرض المراد منها ما يفتح لأمته من بعده من الفتوح وقيل المعادن وقول أبي هريرة وأنتم تنتثلونها بوزن تفتعلونها من النثل بالنون والمثلثة أي تستخرجونها تقول نثلت البئر إذا استخرجت ترابها ثانيهما حديث أبي سفيان في قصة هرقل ذكر طرفا منها وقد تقدم بهذا الإسناد بطوله في بدء الوحي والغرض منه هنا
2816 - قوله أنه يخافه ملك بني الأصفر لأنه كان بين المدينة وبين المكان الذي كان قيصر ينزل فيه مدة شهر أو نحوه

(6/128)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية