صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

1786 -
قال صاحب عون المعبود :
( عن أم حبيبة )
: أم المؤمنين بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس
( أنها كانت عند ابن جحش )
: اسمه عبيد الله بالتصغير أسلمت أم حبيبة قديما بمكة وأسلم عبيد الله بن جحش أيضا وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله فتنصر زوجها بالحبشة ومات بها وأبت هي أن تتنصر وثبتت على إسلامها ففارقها
( فهلك )
: عبيد الله بن جحش أي مات
( عنها )
: أي عن أم حبيبة
( فزوجها )
: من التزويج أي أم حبيبة
( النجاشي )
ملك الحبشة وهو فاعل قوله زوجها
( رسول الله صلى الله عليه وسلم )
: المفعول الثاني
( وهي )
: أي أم حبيبة
( عندهم )
أي عند أهل الحبشة مقيمة ما قدمت بالمدينة . قال ابن الأثير في أسد الغابة : تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بالحبشة زوجها منه عثمان بن عفان ، وقيل عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وأمهرها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مائة دينار وأولم عليها عثمان لحما ، وقيل أولم عليها النجاشي وحملها شرحبيل بن حسنة إلى المدينة . وقد قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بالمدينة . روى مسلم بن الحجاج في صحيحه أن أبا سفيان طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها فأجابه إلى ذلك ، وهذا مما يعد من أوهام مسلم ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد تزوجها وهي بالحبشة قبل إسلام أبي سفيان لم يختلف أهل السير في ذلك ، ولما جاء أبو سفيان إلى المدينة قبل الفتح لما أوقعت قريش بخزاعة ونقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاف فجاء إلى المدينة ليجدد العهد فدخل على ابنته أم حبيبه فلم تتركه يجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت أنت مشرك . وقال قتادة : لما عادت من الحبشة مهاجرة إلى المدينة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها وكذلك روى الليث عن عقيل عن ابن شهاب ، وروى معمر عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بالحبشة وهو أصح ، ولما بلغ الخبر إلى أبي سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح أم حبيبة ابنته قال ذلك الفحل لا يقدع أنفه وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ست وتوفيت سنة أربع وأربعين انتهى . وقال الحافظ في الإصابة أخرج ابن سعد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي قال قالت أم حبيبة رأيت في المنام كأن زوجي عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة ففزعت فأصبحت فإذا به قد تنصر فأخبرته بالمنام فلم يحفل به وأكب على الخمر حتى مات فأتاني آت في نومي فقال يا أم المومنين ففزعت فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن فإذا هي جارية له يقال لها أبرهة فقالت إن الملك يقول لك وكلي من يزوجك ، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص بن أمية فوكلته فأعطيت أبرهة سوارين من فضة ، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين ، فحضروا فخطب النجاشي فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة فأجبت وقد أصدقتها عنه أربع مائة دينار ثم سكب الدنانير ، فخطب خالد فقال قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته أم حبيبة وقبض الدنانير ، وعمل لهم النجاشي طعاما فأكلوا . قالت أم حبيبة فلما وصل إلي المال أعطيت أبرهة منه خمسين دينارا . قالت فردتها علي وقالت إن الملك عزم علي بذلك وردت علي ما كنت أعطيتها أولا ، ثم جاءتني من الغد بعود وورس وعنبر وزباد كثير فقدمت به معي على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى ابن سعد أن ذلك كان سنة سبع وقيل كان سنة ست والأول أشهر .
ومن طريق الزهري أن الرسول إلى النجاشي بعث بها مع شرحبيل بن حسنة ومن طريق أخرى أن الرسول إلى النجاشي بذلك كان عمرو بن أمية الضمري انتهى كلام الحافظ . ومطابقة الباب بقوله فزوجها النجاشي لأن أباها أبا سفيان لم يكن أسلم ذلك الزمان وكانت أم حبيبة أسلمت فلم يكن أبو سفيان وليها فزوجها النجاشي لأن السلطان ولي من لا ولي له . وعلى رواية ابن سعد كما في الإصابة وعلى رواية زبير بن بكار كما في أسد الغابة : كان خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس أخ أم حبيبة حاضرا ومتوليا لأمر النكاح ، ويجيء بعض البيان في باب الصداق والله أعلم .
قال المنذري : وأخرجه النسائي بنحوه .

تعليق الحافظ ابن القيم :
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : هذا هو المعروف المعلوم عند أهل العلم ، أن الذي زوج أم حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم هو النجاشي في أرض الحبشة ، وأمهرها من عنده ، وزوجها الأول التي كانت معه في الحبشة هو عبيد الله بن جحش بن رئاب ، أخو زينب بنت جحش زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تنصر بأرض الحبشة ، ومات بها نصرانيا ، فتزوج امرأته رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي اسمها قولان : أحدهما : رملة ، وهو الأشهر ، والثاني . هند ، وتزويج النجاشي لها حقيقة ، فإنه كان مسلما ، وهو أمير البلد وسلطانه وقد تأوله بعض المتكلفين على أنه ساق المهر من عنده . فأضيف التزويج إليه ! وتأوله بعضهم على أنه كان هو الخاطب والذي ولي العقد عثمان بن عفان ، وقيل : عمرو بن أمية الضمري . والصحيح أن عمرو بن أمية كان وكيل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، بعث به النجاشي يزوجه إياها ، وقيل : الذي ولي العقد عليها خالد بن سعيد بن العاص ، ابن عم أبيها . وقد روى مسلم في الصحيح من حديث عكرمة بن عمار عن ابن عباس قال : " كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم يا نبي الله ، ثلاث أعطيتهن قال : نعم : قال : عندي أحسن العرب وأجملها ، أم حبيبة بنت أبي سفيان ، أزوجكها ؟ قال : نعم ، قال : ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك . قال : نعم ، قال : وتأمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين ؟ قال : نعم " ، وقد رد هذا الحديث جماعة من الحفاظ ، وعدوه من الأغلاط في كتاب مسلم ، قال ابن حزم : هذا حديث موضوع لا شك في وضعه ، والآفة فيه من عكرمة بن عمار ، فإنه لم يختلف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر ، وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الكشف له : هذا الحديث وهم من بعض الرواة ، لا شك فيه ولا تردد ، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راويه ، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد الأنصاري ، وقال : ليست بصحاح ، وكذلك قال أحمد بن حنبل : هي أحاديث ضعاف ، وكذلك لم يخرج عنه البخاري ، إنما أخرج عنه مسلم لقول يحيى بن معين : ثقة .
قال : وإنما قلنا إن هذا وهم ، لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش ، وولدت له ، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ، ثم تنصر ، وثبتت أم حبيبة على دينها ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها عليه ، فزوجه إياها ، وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم ، وذلك سنة سبع من الهجرة ، وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها ، فنحت بساط رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يجلس عليه ، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ، ولا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا سفيان .
وقد تكلف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث كقول بعضهم : إنه سأله تجديد النكاح عليها ! وقول بعضهم : إنه ظن أن النكاح بغير إذنه وتزويجه غير تام ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه إياها نكاحا تاما ، فسلم له النبي صلى الله عليه وسلم حاله ، وطيب قلبه بإجابته ! ! وقول بعضهم : إنه ظن أن التخيير كان طلاقا ، فسأل رجعها وابتداء النكاح عليها ! وقول بعضهم : إنه استشعر كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لها وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها لا ابتداءه وقول بعضهم يحتمل أن يكون وقع طلاق فسأل تجديد النكاح ! وقول بعضهم : يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك قبل إسلامه ، كالمشترط له في إسلامه ، ويكون التقدير : ثلاث إن أسلمت تعطينيهن ! ! وعلى هذا اعتمد المحب الطبري في جواباته للمسائل الواردة عليه ، وطول في تقريره .
وقال بعضهم : إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى ، وهي أختها ، وخفي عليه تحريم الجمع بين الأختين لقرب عهده بالإسلام ، فقد خفي ذلك على ابنته أم حبيبة ، حتى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، وغلط الراوي في اسمها .
وهذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان ، وأئمة الحديث والعلم لا يرضون بأمثالها ، ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات الفاسدة ، والتأويلات الباردة ، التي يكفي في العلم بفسادها تصورها ، وتأمل الحديث . وهذا التأويل الأخير وإن كان في الظاهر أقل فسادا - فهو أكذبها وأبطلها ، وصريح الحديث يرده ، فإنه قال " أم حبيبة أزوجكها ؟ قال : نعم ، فلو كان المسئول تزويج أختها لما أنعم له بذلك صلى الله عليه وسلم ، فالحديث غلط لا ينبغي التردد فيه والله أعلم .

(4/477)



قال صاحب عون المعبود :
العضل منع الولي مولاه من النكاح .

(4/478)


1787 -
قال صاحب عون المعبود :
( كانت لي أخت )
اسمها جميل بضم الجيم وفتح الميم بنت يسار بن عبد الله المزني ، وقيل اسمها ليلى قاله المنذري تبعا للسهيلي في مبهمات القرآن . وعند ابن إسحاق فاطمة ، فيكون لها اسمان ولقب أو لقبان واسم ، قاله العلامة القسطلاني
( تخطب )
: بصيغة المجهول من الخطبة بالكسر
( فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه )
: وفي رواية البخاري : زوجت أختا لي من رجل . قال الحافظ : قيل هو أبو البداح بن عاصم الأنصاري ، هكذا وقع في أحكام القرآن لإسماعيل القاضي ثم ذكر الاختلاف في اسم هذا الرجل ثم قال : وقع في رواية عباد بن راشد عن الحسن عند البزار والدارقطني فأتاني ابن عم لي فخطبها مع الخطاب وفي هذا نظر لأن معقل بن يسار مزني وأبو البداح أنصاري فيحتمل أنه ابن عمه لأمه أو من الرضاعة
( فقلت لا والله لا أنكحها )
: بضم الهمزة أي لا أزوجها وفي بعض النسخ لا أنكحتكها
( ففي نزلت هذه الآية )
: هذا صريح في نزول هذه الآية في هذه القصة ، ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السياق للأزواج حيث وقع فيها { وإذا طلقتم النساء } : لكن قوله في بقيتها { أن ينكحن أزواجهن } : ظاهر في أن الفضل يتعلق بالأولياء ، كذا في الفتح
{ فبلغن أجلهن }
: أي انقضت عدتهن
{ فلا تعضلوهن }
: أي لا تمنعوهن
( الآية )
: بالنصب أي أتم الآية . قال الحافظ : وهي أصرح دليل على اعتبار الولي وإلا لما كان لعضله معنى ، ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه . وذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك انتهى . ولا يعارض بإسناد النكاح إليهن لأنه بسبب توقفه إلى إذنهن .
قال المنذري : وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي .

(4/479)


1788 -
قال صاحب عون المعبود :
( أيما امرأة زوجها وليان )
: أي من رجلين
( فهي للأول منهما )
: أي للسابق منهما ببينة أو تصادق فإن وقعا معا أو جهل السابق منهما بطلا معا
( وأيما رجل باع بيعا من رجلين )
: أي مرتبا
( فهو )
: أي البيع
( للأول منهما )
: أي للسابق منهما فإن وقعا معا أو جهل السابق بطلا .
قال الترمذي في جامعه بعد إخراج هذا الحديث : والعمل على هذا عند أهل العلم لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا فإذا زوج أحد الوليين قبل الآخر فنكاح الأول جائز ونكاح الآخر مفسوخ ، وإذا زوجا جميعا فنكاحهما جميعا مفسوخ ، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق انتهى .
قال المنذري : وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه . وقال الترمذي : هذا حديث حسن . هذا آخر كلامه . وقد قيل : إن الحسن لم يسمع من سمرة شيئا . وقيل إنه سمع منه حديث العقيقة انتهى .

(4/480)


1789 -
قال صاحب عون المعبود :
( أخبرنا أسباط )
: بفتح الهمزة وسكون السين المهملة
( أخبرنا الشيباني )
: هو سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني
( قال الشيباني وذكره عطاء أبو الحسن السوائي ولا أظنه إلا عن ابن عباس )
: حاصله أن للشيباني فيه طريقين أحدهما موصولة وهي عكرمة عن ابن عباس والأخرى مشكوك في وصلها وهي عطاء أبو الحسن السوائي عن ابن عباس وأبو الحسن كنية عطاء ، والسوائي بضم المهملة وتخفيف الواو
( كان الرجل إذا مات )
: في رواية السدي تقييد ذلك بالجاهلية ، وفي رواية الضحاك تخصيص ذلك بأهل المدينة ، وكذلك أورده الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس لكن لا يلزم من كونه في الجاهلية أن لا يكون استمر في أول الإسلام إلى أن أنزلت الآية فقد جزم الواحدي أن ذلك كان في الجاهلية وفي أول الإسلام كذا في الفتح
( كان أولياؤه )
: أي أولياء الرجل
( من ولي نفسها )
: أي من أولياء المرأة وأقربائها من أبيها وجدها
( إن شاء بعضهم زوجها أو زوجوها )
: شك من الراوي ، وفي رواية البخاري : إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لم يزوجوها
( فنزلت هذه الآية في ذلك )
: روى الطبري من طريق ابن جريج عن عكرمة أنها نزلت في قصة خاصة . قال نزلت في كبشة بنت معن بن عاصم من الأوس وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه ، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي ولا تركت فأنكح . فنزلت هذه الآية وبإسناد حسن عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال : لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته وكان ذلك لهم في الجاهلية فأنزل الله هذه الآية .
وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : كان الرجل إذا مات وترك امرأة ألقى عليها حميمه ثوبا فمنعها من الناس ، فإن كانت جميلة تزوجها ، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت ويرثها . وروى الطبري أيضا من طريق الحسن والسدي وغيرهما : كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه الصداق . وزاد السدي : إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه كان أحق بها ، وإن سبقت هي إلى أهلها فهي أحق بنفسها . ذكر الحافظ هذه الروايات في الفتح .
قال المنذري : وأخرجه البخاري والنسائي .

تعليق الحافظ ابن القيم :
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
وقد استشكل بعض المفسرين معنى وراثتهم النساء المنهي عنها ، حتى قال : المعنى لا يحل لكم أن ترثوا نكاحهن ، لترثوا أموالهن كرها . قال : وفي المراد بميراثهن وجهان :
أحدهما : ما يصل إلى الأزواج من أموالهن بالموت دون الحياة : على ما يقتضيه الظاهر من لفظ الميراث .
الثاني : الوصول إلى أموالهن في الحياة وبعدها ، وقد يسمى ما وصل في الحياة ميراثا ، كما قال تعالى { الذين يرثون الفردوس } .
وهذا تكلف وخروج عن مقتضى الآية ، بل الذي منعوا منه أن يجعلوا حق الزوجية حقا موروثا ينتقل إلى الوارث كسائر حقوقه ، وهذه كانت شبهتهم أن حق الزوجية انتقل إليهم من مورثهم ، فأبطل الله ذلك ، وحكم بأن الزوجية لا تنتقل بالميراث إلى الوارث ، بل إذا مات الزوج كانت المرأة أحق بنفسها ، ولم يرث بضعها أحد ، وليس كالمال ، فينتقل بالميراث .
وقوله : " فوعظ الله ذلك " فيه وجهان :
أحدهما : أي يقدر فيه حرف جر ، أي في ذلك .
والثاني : أي يضمن وعظ معنى منع وحذر ونحوه .
واستنبط بعضهم من الآية أنه لا يحل للرجل أن يمسك امرأته ولا أرب له فيها ، طمعا أن تموت فيرث مالها وفيه نظر . والله أعلم .

(4/481)


1790 -
قال صاحب عون المعبود :
( عن يزيد النحوي )
: منسوب إلى نحو بطن من الأزد
{ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها }
: أن ترثوا في موضع الرفع على الفاعلية بيحل أي لا يحل لكم إرث النساء ، والنساء مفعول به ، إما على حذف مضاف أي أن ترثوا أموال النساء والخطاب للأزواج لأنه روي أن الرجل كان إذا لم يكن له في المرأة غرض أمسكها حتى تموت فيرثها أو تفتدي بمالها إن لم تمت . وإما من غير حذف على معنى أن يكن بمعنى الشيء الموروث إن كان الخطاب للأولياء أو لأقرباء الميت وكرها في موضع نصب على الحال من النساء أي ترثوهن كارهات أو مكرهات
{ ولا تعضلوهن }
: جزم بلا الناهية أو نصب عطفا على أن ترثوا ولا لتأكيد النفي ، وفي الكلام حذف أي لا تعضلوهن من النكاح إن كان الخطاب للأولياء أو لا تعضلوهن من الطلاق إن كان للأزواج
{ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن }
: اللام متعلقة بتعضلوهن والباء للتعدية المرادفة لهمزتها أو للمصاحبة ، فالجار في محل نصب على الحال ويتعلق بمحذوف أي لتذهبوا مصحوبين ببعض ما آتيتموهن
{ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }
: أي زنا
( وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابة فيعضلها )
: أي المرأة .
وهذا يدل على أن الخطاب في الآية للأولياء
( فأحكم الله عن ذلك )
: أي منعه من أحكمته أي منعته
( ونهى عن ذلك )
: هذه الجملة معطوفة على ما قبلها عطف تفسير .
( فوعظ الله ذلك )
: المراد بالوعظ النهي أي نهى عن ذلك .

(4/482)


1791 -
قال صاحب عون المعبود :
( لا تنكح )
: بصيغة المجهول نفيا للمبالغة أو نهيا
( الثيب )
: أي التي فارقت زوجها بموت أو طلاق وفي رواية البخاري وغيره وقع لفظ الأيم مكان الثيب قال الحافظ : ظاهر هذا الحديث أن الأيم هي الثيب لمقابلتها بالبكر
( حتى تستأمر )
: أصل الاستئمار طلب الأمر ، فالمعنى لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها . ويؤخذ من قوله تستأمر أنه لا يعقد إلا بعد أن تأمر بذلك ، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الولي في حقها بل فيه إشعار باشتراطه . قاله الحافظ .
( ولا البكر إلا بإذنها )
: أي ولا تنكح البكر إلا بإذنها . وفي رواية البخاري : لا تنكح البكر حتى تستأذن . قال الحافظ : عبر للثيب بالاستئمار وللبكر بالاستئذان ، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمرة ولهذا يحتاج إلى صريح إذنها في العقد ، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقا ، والبكر بخلاف ذلك . والإذن دائر بين القول والسكوت بخلاف الأمر فإنه صريح في القول ، وإنما جعل السكوت إذنا في حق البكر لأنها قد تستحيي أن تفصح
( وما إذنها )
: وفي رواية البخاري : وكيف إذنها
( قال أن تسكت )
: أي إذنها سكوتها . قال الخطابي في المعالم : ظاهر الحديث يدل على أن البكر إذا أنكحت قيل أن تستأذن فتصمت أن النكاح باطل كما يبطل إنكاح الثيب قبل أن تستأمر ، فتأذن بالقول . وإلى هذا ذهب الأوزاعي وسفيان الثوري وهو قول أصحاب الرأي . وقال مالك بن أنس وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق : إنكاح الأب البكر البالغ جائز وإن لم تستأذن ، ومعنى استئذانها إنما هو عندهم على استطابة النفس دون الوجوب كما جاء في الحديث باستئمار أمهاتهن وليس ذلك بشرط في صحة العقد انتهى .
قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه .

(4/483)


1792 -
قال صاحب عون المعبود :
( أخبرنا حماد )
: هو ابن سلمة
( المعنى )
: واحد . والحاصل أن يزيد بن زريع وحماد بن سلمة كلاهما يرويان عن محمد بن عمرو ، فيزيد يروي بلفظ حدثني محمد بن عمرو ، وحماد بصيغة عن ومعنى حديثهما واحد وإن تغاير في بعض اللفظ
( تستأمر اليتيمة )
هي صغيرة لا أب لها ، والمراد هنا البكر البالغة سماها باعتبار ما كانت كقوله تعالى { وآتوا اليتامى أموالهم } وفائدة التسمية مراعاة حقها والشفقة عليها في تحري الكفاية والصلاح ، فإن اليتيم مظنة الرأفة والرحمة . ثم هي قبل البلوغ لا معنى لإذنها ولا لإبائها ، فكأنه عليه السلام شرط بلوغها ، فمعناه لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر أي تستأذن .
كذا قال القاري في المرقاة
( وإن أبت فلا جواز عليها )
: بفتح الجيم أي فلا تعد عليها ولا إجبار . قال الخطابي في المعالم : واليتيمة ها هنا هي البكر البالغة التي مات أبوها قبل بلوغها فلزمها اسم اليتيم فدعيت به وهي بالغة . والعرب ربما دعت الشيء بالاسم الأول الذي إنما سمي به لمعنى متقدم ثم ينقطع ذلك المعنى ولا يزول الاسم .
وقال : وقد اختلف العلماء في جواز إنكاح غير الأب للصغيرة ، فقال الشافعي : لا يزوجها غير الأب والجد ولا يزوجها الأخ ولا العم ولا الوصي .
وقال الثوري : لا يزوجها الوصي . وقال حماد بن سليمان ومالك بن أنس : للوصي أن يزوج اليتيمة قبل البلوغ ، وروي ذلك عن شريح . وقال أصحاب الرأي : لا يزوجها الوصي حتى يكون وليا لها ، وللولي أن يزوجها وإن لم يكن وصيا لأن لها الخيار إذا بلغت انتهى .
وقال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث : اختلف أهل العلم في تزويج اليتيمة فرأى بعض أهل العلم أن اليتيمة إذا زوجت فالنكاح موقوف حتى تبلغ ، فإذا بلغت فلها الخيار في إجازة النكاح أو فسخه ، وهو قول بعض التابعين وغيرهم وقال بعضهم : لا يجوز نكاح اليتيمة حتى تبلغ ولا يجوز الخيار في النكاح ، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وغيرهما من أهل العلم . وقال أحمد وإسحاق إذا بلغت اليتيمة تسع سنين فزوجت فرضيت فالنكاح جائز ولا خيار لها إذا أدركت ، واحتجا بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت تسع سنين ، وقد قالت عائشة : إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة .
قال المنذري : وأخرجه الترمذي والنسائي قال الترمذي : حديث حسن .
( ورواه أبو عمر وذكوان عن عائشة قالت يا رسول الله إلخ )
: هكذا ذكره معلقا وقد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي مسندا بمعناه
( قال سكاتها إقرارها )
: وفي رواية للبخاري : سكاتها إذنها . وفي أخرى له رضاها صمتها .
قال ابن المنذر : يستحب إعلام البكر أن سكوتها إذن لكن لو قالت بعد العقد ما علمت أن صمتي إذن لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور ، وأبطله بعض المالكية . وقال ابن شعبان منهم يقال لها ذلك ثلاثا إن رضيت فاسكتي وإن كرهت فانطقي . وقال بعضهم : يطال المقام عندها لئلا تخجل فيمنعها ذلك من المسارعة . واختلفوا فيما إذا لم تتكلم بل ظهرت منها قرينة السخط أو الرضا بالتبسم مثلا أو البكاء ، فعند المالكية إن نفرت أو بكت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على الكراهة لم تزوج . وعند الشافعية لا أثر لشيء من ذلك في المنع إلا إن قرنت مع البكاء الصياح ونحوه .
وفرق بعضهم بين الدمع ، فإن كان حارا دل على المنع وإن كان باردا دل على الرضا . وفي هذا الحديث إشارة إلى أن البكر التي أمر باستئذانها هي البالغ ، إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن ومن يستوي سكوتها وسخطها . كذا في الفتح .

(4/484)


1793 -
قال صاحب عون المعبود :
( آمروا )
: بمد الهمزة وميم مخففة مكسورة
( النساء في بناتهن )
: أي شاوروهن في تزويجهن . قال العلقمي : وذلك من جملة استطابة أنفسهن وهو أدعى إلى الألفة وخوفا من وقوع الوحشة بينهما إذا لم يكن برضاء الأم إذ البنات إلى الأمهات أميل وفي سماع قولهن أرغب ولأن المرأة ربما علمت من حال بنتها الخافي عن أبيها أمرا لا يصلح معه النكاح من علة تكون بها أو سبب يمنع من الوفاء بحقوق النكاح انتهى .
قال المنذري : فيه رجل مجهول .

(4/485)


1794 -
قال صاحب عون المعبود :
( أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم إلخ )
: في الحديث دلالة على تحريم الإجبار للأب لابنته البكر على النكاح ، وغيره من الأولياء بالأولى . وإلى عدم جواز إجبار الأب ذهبت الحنفية لهذا الحديث ولحديث والبكر يستأمرها أبوها ويأتي في الباب الذي يليه وذهب أحمد وإسحاق والشافعي إلى أن للأب إجبار ابنته البكر البالغة على النكاح عملا بمفهوم حديث " الثيب أحق بنفسها من وليها " فإنه دل على أن البكر بخلافها وأن الولي أحق بها ، ويرد بأنه مفهوم لا يقاوم المنطوق وبأنه لو أخذ بعمومه لزم في حق غير الأب من الأولياء وأن لا يخص بجواز الإجبار . وقال البيهقي في تقوية كلام الشافعي : إن حديث ابن عباس هذا محمول على أنه زوجها من غير كفء قال الحافظ في الفتح : جواب البيهقي هو المعتمد لأنها واقعة عين فلا يثبت الحكم بها تعميما . قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام كلام لهذين الإمامين يعني البيهقي والحافظ محاماة على كلام الشافعي ومذهبهم وإلا فتأويل البيهقي لا دليل عليه فلو كان كما قال لذكرته المرأة بل إنما قالت إنه زوجها وهي كارهة ، فالعلة كراهتها ، فعليها علق التخيير لأنها المذكورة ، فكأنه قال صلى الله عليه وسلم إذا كنت كارهة فأنت بالخيار . وقول الحافظ إنها واقعة عين كلام غير صحيح بل حكم عام لعموم علته ، فأينما وجدت الكراهة تثبت الحكم انتهى .
قال المنذري : وأخرجه ابن ماجه .
( قال أبو داود لم يذكر )
: أي محمد بن عبيد
( ابن عباس )
: بالنصب على المفعولية
( وهكذا )
: أي بغير ذكر ابن عباس
( رواه الناس مرسلا )
: وصورته أن يقول التابعي سواء كان كبيرا أو صغيرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وفعل كذا أو فعل بحضرته كذا أو نحو ذلك
( معروف )
: خبر مبتدأ محذوف أي روايتهم مرسلا معروف أو إرساله معروف . وما رواه الضعيف مخالفا للثقة يقال له المنكر ومقابله يقال به المعروف .
وقد أورد الحافظ هذا الحديث في التلخيص من مصنف ابن أبي شيبة بالإسناد السابق الموصول . قال : ورجاله ثقات وأعل بالإرسال . وتفرد جرير بن حازم عن أيوب ، وتفرد حسين عن جرير وأيوب . وأجيب بأن أيوب بن سويد رواه عن الثوري عن أيوب موصولا ، وكذلك رواه معمر بن جدعان الرقي عن زيد بن حيان عن أيوب موصولا . وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله حكم لمن وصله على طريقة الفقهاء ، وعن الثاني بأن جريرا توبع عن أيوب كما ترى ، وعن الثالث بأن سليمان بن حرب تابع حسين بن محمد عن جرير انتهى . قال في الفتح : والطعن في الحديث فلا معنى له فإن طرقه تقوى بعضها ببعض انتهى .
قال المنذري : وأخرجه ابن ماجه وأخرجه أبو داود أيضا مرسلا وقال وكذا رواه الناس مرسلا معروفا . وقال البيهقي : وهذا حديث أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختياني ، والمحفوظ عن أيوب عن عكرمة مرسلا ، وروي من وجه آخر عن عكرمة موصولا وهو أيضا خطأ ، وذكره من حديث عطاء عن جابر وقال هذا وهم والصواب مرسل وإن صح ذلك فكأنه كان وضعها في غير كفء فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم انتهى . قلت : ما قاله البيهقي هو تأويل فاسد والحديث قوي حسن والله أعلم .

تعليق الحافظ ابن القيم :
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء وجميع أهل الأصول هذا حديث صحيح ، لأن جرير بن حازم ثقة ثبت ، وقد وصله وهم يقولون : زيادة الثقة مقبولة ، فما بالها تقبل في موضع ، بل في أكثر المواضع التي توافق مذهب المقلد ، وترد في موضع يخالف مذهبه ؟ ! وقد قبلوا زيادة الثقة في أكثر من مائتين من الأحاديث رفعا ووصلا ، وزيادة لفظ ونحوه ، وهذا لو انفرد به جرير ، فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب : زيد بن حبان ، ذكره ابن ماجه في سننه . وأما حديث جابر فهو حديث يرويه شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن عطاء عن جابر " أن رجلا زوج ابنته وهي بكر من غير أمرها ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، ففرق بينهما " رواه النسائي ، ورواه أيضا من حديث أبي حفص التنيسي : سمعت الأوزاعي قال : حدثني إبراهيم بن مرة ، عن عطاء بن أبي رباح قال : " زوج رجل ابنته وهي بكر " وساق الحديث وهذا الإرسال لا يدل على أن الموصول خطأ بمجرده .
وأما حديث جرير الذي أشار البيهقي إلى أنه أخطأ فيه على أيوب ، فرواه النسائي أيضا من حديث جرير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس : " أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إن أبي زوجني ، وهي كارهة ، فرد النبي صلى الله عليه وسلم : نكاحها ، ورجاله محتج بهم في الصحيح وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تنكح البكر إلا بإذنها " ، وهذا نهي صريح في المنع فحمله على الاستحباب بعيد جدا . وفي حديث ابن عباس : " والبكر يستأمرها أبوها " رواه مسلم وسيأتي ، فهذا خبر في معنى الأمر على إحدى الطريقتين ، أو خبر محض ، ويكون خبرا عن حكم الشرع ، لا خبرا عن الواقع ، وهي طريقة المحققين فقد توافق أمره صلى الله عليه وسلم وخبره ونهيه على أن البكر لا تزوج إلا بإذنها ومثل هذا يقرب من القاطع ويبعد كل البعد حمله على الاستحباب ، وروى النسائي من حديث عكرمة عن ابن عباس قال : " أنكح رجل من بني المنذر ابنته وهي كارهة ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها " ، وروى أيضا من حديث عبد الله بن بريدة عن عائشة : أن فتاة دخلت عليها فقالت : إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته ، وأنا كارهة ، قالت : اجلسي حتى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فأرسل إلى أبيها فدعاه ، فجعل الأمر إليها ، فقالت : يا رسول الله قد اخترت ما صنع أبي ، ولكني أردت أن أعلم أن للنساء من الأمر شيئا ؟ " وروي أيضا عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال : أنكح رجل من بني المنذر ابنته وهي كارهة ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها " .
وعمل هذه القضايا وأشباهها على الثيب دون البكر خلاف مقتضاها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن ذلك ، ولا استفصل ، ولو كان الحكم يختلف بذلك لاستفصل وسأل عنه ، والشافعي ينزل هذا منزلة العموم ، ويحتج به كثيرا .
وذكر أبو محمد بن حزم من طريق قاسم بن أصبغ عن ابن عمر : " أن رجلا زوج ابنته بكرا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها " وذكر الدارقطني ، هذا الحديث في سننه وفي كتاب العلل ، وأعله برواية من روى " أن عمها زوجها بعد وفاة أبيها ، وزوجها من عبيد الله بن عمر ، وهي بنت عثمان بن مظعون ، وعمها قدامة ، فكرهته ، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، فتزوجها المغيرة بن شعبة " . قال : وهذا أصح من قول من قال زوجها أبوها ، والله أعلم .

(4/486)


1795 -
قال صاحب عون المعبود :
( الأيم أحق بنفسها من وليها )
: قال القاضي : اختلف العلماء في المراد بالأيم ها هنا ، فقال علماء الحجاز والفقهاء كافة المراد الثيب ، واستدلوا بأنه جاء مفسرا في الرواية الأخرى بالثيب ، وبأنها جعلت مقابلة للبكر ، وبأن أكثر استعمالها في اللغة للثيب . وقال الكوفيون وزفر : الأيم ها هنا كل امرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا كما هو مقتضاه في اللغة ، قالوا فكل امرأة بلغت فهي أحق بنفسها من وليها ، وعقدها على نفسها نكاح صحيح . وبه قال الشعبي والزهري . قالوا وليس الولي من أركان صحة النكاح بل من تمامه . وقال الأوزاعي وأبو يوسف ومحمد : تتوقف صحة النكاح على إجازة الولي . قال القاضي : واختلفوا أيضا في قوله صلى الله عليه وسلم " أحق من وليها " هل أحق بالإذن فقط أو بالإذن والعقد على نفسها . فعند الجمهور بالإذن فقط ، وعند هؤلاء بهما جميعا . وقوله صلى الله عليه وسلم " أحق بنفسها " يحتمل من حيث اللفظ أن المراد أحق من وليها في كل شيء من عقد وغيره كما قاله أبو حنيفة وداود ، ويحتمل أنها أحق بالرضى أي لا تزوج حتى تنطق بالإذن بخلاف البكر ، ولكن لما صح قوله صلى الله عليه وسلم " لا نكاح إلا بولي " مع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي يتعين الاحتمال الثاني واعلم أن لفظة أحق ها هنا للمشاركة معناه أن لها في نفسها في النكاح حقا ولوليها حقا وحقها أوكد من حقه فإنه لو أراد تزويجها كفؤا وامتنعت لم يجبر ، ولو أرادت أن تزوج كفؤا فامتنع الولي أجبر ، فإن أصر زوجها القاضي ، فدل على تأكد حقها ورجحانه . كذا قال النووي
( والبكر تستأمر في نفسها )
: أي تستأذن في أمر نكاحها
( وإذنها صماتها )
: بضم الصاد أي سكوتها يعني لا تحتاج إلى إذن صريح منها بل يكتفى بسكوتها لكثرة حيائها . قال النووي : ظاهره العموم في كل بكر وكل ولي وأن سكوتها يكفي مطلقا وهذا هو الصحيح . وقال بعض أصحابنا إن كان الولي أبا أو جدا فاستئذانه مستحب ويكفي فيه سكوتها ، وإن كان غيرهما فلا بد من نطقها لأنها تستحيي من الأب والجد أكثر من غيرهما . والصحيح الذي عليه الجمهور أن السكوت كاف في جميع الأولياء لعموم الحديث ولوجود الحياء . وأما الثيب فلا بد فيها من النطق بلا خلاف سواء كان الولي أبا أو غيره لأنه زال كمال حيائها بممارسة الرجال ، وسواء زالت بكارتها بنكاح صحيح أو فاسد أو بوطء شبهة أو بزنى ، ولو زالت بكارتها بوثبة أو بإصبع أو بطول المكث أو وطئت في دبرها فلها حكم الثيب على الأصح ، وقيل حكم البكر والله أعلم .
قال المنذري : وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه
( وهذا لفظ القعنبي )
: هو عبد الله بن مسلمة .
( والبكر يستأمرها أبوها )
: ظاهره حجة على من ذهب إلى أنه يجوز للأب أن يزوج البكر البالغة بغير استئذانها . قال الحافظ في الفتح : واختلفوا في الأب يزوج البكر البالغ بغير إذنها فقال الأوزاعي والثوري والحنفية ووافقهم أبو ثور : يشترط استئذانها ، فلو عقد عليها بغير استئذان لم يصح . وقال الآخرون : يجوز للأب أن يزوجها ولو كانت بالغا بغير استئذان وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق ، ومن حجتهم مفهوم حديث الباب لأنه جعل الثيب أحق بنفسها من وليها ، فدل على أن ولي البكر أحق بها منها . قال العلامة الشوكاني : يجاب عنه بأن المفهوم لا ينتهض للتمسك به في مقابلة المنطوق . قال الحافظ : واحتج بعضهم بحديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعا " تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها " قال فقيد ذلك باليتيمة فيحمل المطلق عليه ، وفيه نظر لحديث ابن عباس الذي ذكرته بلفظ " يستأذنها أبوها " فنص على ذكر الأب .
وأجاب الشافعي بأن المؤامرة قد تكون عن استطابة النفس ويؤيده حديث ابن عمر رفعه " وآمروا النساء في بناتهن " أخرجه أبو داود . قال الشافعي : لا خلاف أنه ليس للأم أمر لكنه على معنى استطابة النفس . وقال البيهقي : زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظ . قال الشافعي : زادها ابن عيينة في حديثه ، وكان ابن عمر والقاسم وسالم يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن . قال البيهقي : والمحفوظ في حديث ابن عباس " البكر تستأمر " ورواه صالح بن كيسان بلفظ " واليتيمة تستأمر " وكذلك رواه أبو بردة عن أبي موسى ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، فدل على أن المراد بالبكر اليتيمة . قلت : وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب . ولو قال قائل بل المراد باليتيمة البكر لم يدفع وتستأمر بضم أوله يدخل فيه الأب وغيره فلا تعارض بين الروايات ويبقى النظر في أن الاستئمار هل هو شرط في صحة العقد أو مستحب على معنى استطابة النفس كما قال الشافعي كلا الأمرين محتمل انتهى كلام الحافظ
( قال أبو داود أبوها ليس بمحفوظ )
: وفي بعض النسخ : هذا من سفيان وليست هذه الزيادة في عامة النسخ . وقال البيهقي : وزيادة ابن عيينة غير محفوظة انتهى .
قال المنذري : وقد أخرج هذه الزيادة مسلم في صحيحه والنسائي في سننه .

(4/487)


1796 -
قال صاحب عون المعبود :
( ليس للولي مع الثيب أمر )
: أي إن لم ترض لما سلف من الدليل على اعتبار رضاها وعلى أن العقد إلى الولي
( واليتيمة تستأمر )
بصيغة المجهول
( وصمتها )
أي سكوتها .
قال المنذري : وأخرجه النسائي .

(4/488)


1797 -
قال صاحب عون المعبود :
( ومجمع )
بضم الميم وفتح الجيم وكسر الميم الثقيلة ثم عين مهملة
( الأنصاريين )
: بصيغة التثنية صفة لعبد الرحمن ومجمع
( عن خنساء )
: بفتح الخاء المعجمة والنون والسين المهملة على وزن حمراء
( بنت خدام )
: بكسر المعجمة وتخفيف المهملة كذا ضبطه الحافظ في الفتح والتقريب . وقال القاري في المرقاة شرح المشكاة قال ميرك : صحح في جامع الأصول وفي شرح الكرماني للبخاري بالذال المعجمة ، وخالفهما العسقلاني فصححه بالدال المهملة انتهى . وفي بعض النسخ خذام بالمعجمتين
( وهي ثيب )
: وقع في بعض الروايات : قالت أنكحني أبي وأنا كارهة وأنا بكر ، والصحيح الأول كما حققه الحافظ في الفتح
( فكرهت ذلك )
: أي ذلك النكاح أو ذلك الرجل الذي زوجها منه أبوها
( فرد نكاحها )
: أي تزويج الأب أو تزوج الزوج . وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز تزويج الثيب بغير إذنها .
قال المنذري : وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه . قال بعضهم : اتفق أئمة الفتوى بالأمصار على أن الأب إذا زوج ابنته الثيب بغير رضاها أنه لا يجوز ويرد ، واحتجوا بحديث الخنساء . وشذ الحسن البصري والنخعي فقال الحسن نكاح الأب جائز على ابنته بكرا كانت أو ثيبا كرهت أو لم تكره . وقال النخعي : إن كانت الابنة في عياله زوجها ولم يستأمرها وإن لم تكن في عياله وكانت نائية عنه استأمرها ، وقال ما خالف السنة فهو مردود انتهى .

تعليق الحافظ ابن القيم :
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : وقد اختلف في خنساء هذه ، هل كانت بكرا أو ثيبا ؟ فقال مالك : هي ثيب ، وكذلك ذكره البخاري في صحيحه ، من حديث مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد بن جرير عن خنساء .
وخالف مالكا سفيان الثوري ، فرواه عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن يزيد عن خنساء قالت : " أنكحني أبي وأنا كارهة ، وأنا بكر ، فشكوت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا تنكحها وهي كارهة " رواه النسائي من حديث ابن المبارك عن سفيان .
قال عبد الحق : روي أنها كانت بكرا ، ووقع ذلك في كتاب أبي داود والنسائي ، والصحيح أنها كانت ثيبا .

(4/489)



قال صاحب عون المعبود :
جمع كفء بضم أوله وسكون الفاء بعدها همزة المثل والنظير .

(4/490)


1798 -
قال صاحب عون المعبود :
( أن أبا هند )
اسمه يسار وكان مولى لبني بياضة
( في اليافوخ )
: وهو حيث التقى عظم مقدم الرأس ومؤخره . قاله في القاموس
( أنكحوا أبا هند )
: أي زوجوه بناتكم
( وأنكحوا إليه )
أي اخطبوا إليه بناته ولا تخرجوه منكم للحجامة
( وإن كان في شيء مما تداوون به خير فالحجامة )
: أي فهو الحجامة .
قال العلامة ابن الملك في شرح المشارق : فإن قلت : الأصل في إن الشرطية أن تستعمل في المشكوك وثبوت الخيرية في شيء من أدويتهم لا على التعيين ، كان محققا عندهم فكيف أورده بأن قلت : قد تستعمل إن لتأكيد تحقق الجزاء كما يقال لمن يعلم أن له صديقا إن كان لك صديق فهو زيد على معنى إن تصورت معنى الصديق وثبوته لك حق التصور وحصلت معناه في نفسك فهو زيد انتهى .
قال الخطابي في المعالم : في هذا الحديث حجة لمالك ومن ذهب مذهبه أن الكفاءة بالدين وحده دون غيره وأبو هند مولى بني بياضة ليس من أنفسهم ، والكفاءة معتبرة في قول أكثر العلماء بأربعة أشياء : بالدين والحرية والنسب والصناعة . ومنهم من اعتبر فيها السلامة من العيوب واعتبر بعضهم اليسار فيكون جماعها ست خصال انتهى . قال الحافظ في الفتح : وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالك ، ونقل عن ابن عمر وابن مسعود ومن التابعين عن محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز ، واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور .
قال أبو حنيفة : قريش أكفاء بعضهم بعضا والعرب كذلك ، وليس أحد من العرب كفؤا لقريش كما ليس أحد من غير العرب كفؤا للعرب ، وهو وجه للشافعية ، والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم ، ومن عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض .
وقال الثوري : إذا نكح المولى العربية يفسخ النكاح وبه قال أحمد في رواية وتوسط الشافعي فقال : ليس نكاح غير الأكفاء حراما فأرد به النكاح وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء ، فإذا رضوا صح ويكون حقا لهم تركوه فلو رضوا إلا واحدا فله فسخه ، وذكر أن المعنى في اشتراط الولاية في النكاح كيلا تضيع المرأة نفسها في غير كفء انتهى . ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه : العرب بعضهم أكفاء بعض ، والموالي بعضهم أكفاء بعض فإسناده ضعيف انتهى . قلت وكذلك ما رواه الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العرب بعضهم أكفاء بعض والموالي بعضهم أكفاء بعض إلا حائكا أو حجاما ضعيف بل هو باطل لا أصل له . سأل ابن أبي حاتم عنه أباه فقال هذا كذاب لا أصل له . وقال في موضع آخر باطل . ورواه ابن عبد البر في التمهيد من طريق بقية عن زرعة عن عمران بن أبي الفضل عن نافع عن ابن عمر . قال الدارقطني في العلل لا يصح . وقال ابن حبان عمران بن أبي الفضل يروي الموضوعات عن الثقات . وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال منكر ، وقد حدث به هشام بن عبيد الله الرازي فزاد فيه بعد أو حجام أو دباغ قال فاجتمع عليه الدباغون وهموا به وقال ابن عبد البر : هذا منكر موضوع وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية من طريقين إلى ابن عمر في أحدهما علي بن عروة وقد رماه ابن حبان بالوضع وفي الآخر محمد بن الفضل بن عطية وهو متروك ، والأول في ابن عدي والثاني في الدارقطني كذا في التلخيص .
وحديث الباب سكت عنه المؤلف والمنذري وأورده الحافظ في التلخيص وقال إسناده حسن .

(4/491)


1799 -
قال صاحب عون المعبود :
( ميمونة بنت كردم )
: بفتح الكاف وسكون الراء المهملة وبعدها دال مهملة مفتوحة وميم
( في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم )
: أي في حجة الوداع
( فدنا )
: أي قرب
( وهو )
: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم
( معه درة )
: بكسر الدال المهملة التي يضرب بها
( كدرة الكتاب )
: بضم الكاف وتشديد التاء ، أي كدرة تكون عند معلمي الأطفال .
قال المنذري : الدرة بكسر الدال المهملة وتشديد الراء المهملة وفتحها هي التي يضرب بها ، ويشبه أن يكون أراد بدرة الكتاب التي يؤدب بها المعلم صبيانه فكأنه يشير إلى صغرها انتهى
( وهم يقولون الطبطبية الطبطبية الطبطبية )
: بفتح الطائين المهملتين بينهما باء موحدة ساكنة وبعد الثانية مثلها مكسورة ثم ياء مشددة ثم تاء التأنيث ، يحتمل وجهين أحدهما أن يكون أرادت به حكاية ومع الأقدام أي يقولون بأرجلهم طب طب والوجه الآخر أن يكون كناية عن الدرة لأنها إذا ضرب بها حكت صوت طب طب وهي منصوبة على التحذير كقولك الأسد الأسد أي احذروا الطبطبية . كذا في المنذري والخطابي
( فأخذ )
: أي أبي
( بقدمه )
: صلى الله عليه وسلم
( فأقر له )
: أي فأقر برسالته صلى الله عليه وسلم واعترف بها
( إني حضرت جيش عثران )
: بالعين المهملة وكان ذلك في الجاهلية
( قال ابن المثنى جيش غثران )
: بالغين المعجمة
( من يعطيني رمحا بثوابه )
: أي من يعطيني رمحا ويأخذ مني في عوضه ثوابه أي جزاءه
( أول بنت تكون لي )
أي تولد لي
( فقلت له أهلي )
: أي هي أهلي أو منصوب على إضمار عامله على شريطة التفسير ويفسره قوله
( جهزهن )
: وضمير الجمع رعاية للفظ أهل أو للتعظيم ، وفي بعض النسخ جهزهم
( فحلف )
: أي طارق
( أن لا يفعل )
: أي لا يجهزها
( حتى أصدق )
: أي أجعل لها مهرا
( وبقرن أي النساء هي )
: قال الخطابي : يريد بسن أي النساء هي ، والقرن بنو سن واحد ، يقال هؤلاء قرن زمان ، كذا وأنشدني أبو عمرو قال أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى : إذا ما مضى القرن الذي أنت منهم وخلفت في قرن فأنت غريب وفي النهاية : بقرن أي النساء هي أي بسن أيتهن
( قد رأت القتير )
: أي الشيب
( قال )
: النبي صلى الله عليه وسلم
( أن تتركها )
: أي المرأة
( قال )
: كردم أبو ميمونة
( فراعني )
: أي أفزعني وهو لازم ومتعد
( فلما رأى ذلك )
: أي الفزع
( قال لا تأثم ولا صاحبك )
: أي طارق بن المرقع
( يأثم )
: بالحنث من اليمين .
قال الخطابي في المعالم : يشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أشار عليه بتركها لأن عقد النكاح على معدوم العين فاسد ، وإنما كان ذلك منه موعدا له فلما رأى أن ذلك لا يفي بما وعد وأن هذا لا يقلع عما طلب أشار عليه بتركها والإعراض عنها لما خاف عليهما من الإثم إذا تنازعا وتخاصما إذ كان كل واحد منهما قد حلف أن لا يفعل غير ما حلف عليه صاحبه ، وتلطف النبي صلى الله عليه وسلم في صرفه عنه بالمسألة عن سنها حتى قرر عنده أنها قد رأت القتير أي الشيب وكبرت وأنه لا حظ في نكاحها . وفيه دليل على أن للحاكم أن يشير على أحد الخصمين بما هو أدعى إلى الصلاح وأقرب إلى التقوى انتهى .
قال المنذري : اختلف في إسناد هذا الحديث . وفي إسناده من لا يعرف .
( إذ رمضوا )
: بكسر الميم أي وجدوا الحرارة في أقدامهم .

(4/492)


1800 -
قال صاحب عون المعبود :
( فقالت : ثنتا عشرة )
: بسكون الشين ويكسر
( أوقية )
: بضم الهمزة وتشديد المثناة التحتية وهي أربعون درهما
( ونش )
: بفتح النون وشين معجمة مشددة أي معها نش أو يزاد نش . قال ابن الأعرابي : النش ، النصف من كل شيء ، ونش الرغيف نصفه . قال الخطابي : النش عشرون درهما وهو اسم موضوع لهذا القدر من الدراهم غير مشتق من شيء سواه . قال النووي : استدل أصحابنا بهذا الحديث على استحباب كون المهر خمس مائة درهم ، والمراد في حق من يحتمل ذلك . فإن قيل : فصداق أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كان أربعة آلاف درهم أو أربع مائة دينار ، فالجواب أن هذا القدر تبرع به النجاشي من ماله إكراما للنبي صلى الله عليه وسلم انتهى .
قال المنذري : وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه .

(4/493)


1801 -
قال صاحب عون المعبود :
( العجفاء )
: بفتح العين وسكون الجيم
( ألا )
: للتنبيه
( لا تغالوا )
: بضم التاء واللام
( بصدق النساء )
: جمع صداق . قال القاضي : المغالاة التكثير أي لا تكثر مهورهن
( فإنها )
: أي القصة أو المغالاة
( لو كانت مكرمة )
: بفتح الميم وضم الراء واحدة المكارم أي مما تحمد
( في الدنيا أو تقوى )
: أي زيادة تقوى
( عند الله )
: أي مكرمة في الآخرة لقوله تعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم }
( كان أولاكم بها )
: أي بمغالاة المهور
( النبي صلى الله عليه وسلم )
: بالرفع والنصب
( ما أصدق )
: أي لم يجعل صداق امرأة
( ولا أصدقت )
: بضم الهمزة على البناء للمجهول
( أكثر من ثنتي عشرة أوقية )
: وهي أربع مائة وثمانون درهما . وأما ما روي من الحديث الآتي أن صداق أم حبيبة كان أربعة آلاف درهم فإنه مستثنى من قول عمر لأنه أصدقها النجاشي في الحبشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم من غير تعيين من النبي صلى الله عليه وسلم وما روته عائشة فيما سبق من ثنتي عشرة ونش فإنه لم يتجاوز عدد الأواقي التي ذكرها عمر ، ولعله أراد عدد الأوقية ولم يلتفت إلى الكسور ، مع أنه نفى الزيادة في علمه ولعله لم يبلغه صداق أم حبيبة ولا الزيادة التي روته عائشة .
فإن قلت : نهيه عن المغالاة مخالف لقوله تعالى { وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } قلت : النص يدل على الجواز لا على الأفضلية والكلام فيها لا فيه ، لكن ورد في بعض الروايات أنه قال : لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية فمن زاد أبقيت الزيادة في بيت المال ، فقالت امرأة ما ذلك لك ، قال ولم ؟ قالت لأن الله يقول { وآتيتم إحداهن قنطارا } فقال عمر : امرأة أصابت ورجل أخطأ . كذا في المرقاة . قال الحافظ في الفتح : أخرج عبد الرزاق من طريق عبد الرحمن السلمي قال قال عمر لا تغالوا في مهور النساء فقالت امرأة ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول { وآتيتم إحداهن قنطارا } من ذهب . قال وكذلك هي في قراءة ابن مسعود فقال عمر امرأة خاصمت عمر فخصمته . وأخرجه الزبير بن بكار من وجه آخر منقطع فقال عمر امرأة أصابت ورجل أخطأ وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن مسروق عن عمر فذكره متصلا مطولا . وأصل قول عمر لا تغالوا في صدقات النساء عند أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم لكن ليس فيه قصة المرأة انتهى .
قال المنذري : أبو العجفاء اسمه هرم بن نسيب . قال يحيى بن معين : بصري ثقة . وقال البخاري : وفي حديثه نظر . وقال أبو أحمد الكرابيسي : حديثه ليس بالقائم .

(4/494)


1802 -
قال صاحب عون المعبود :
( عن أم حبيبة )
: بنت أبي سفيان إحدى أمهات المؤمنين
( كانت تحت عبيد الله بن جحش )
: بفتح الجيم وسكون الحاء
( فمات )
: أي زوجها عبيد الله بن جحش
( فزوجها النجاشي )
: بفتح النون ويكسر وتخفيف الجيم والشين المعجمة والياء المخففة ويشدد ، لقب ملك الحبشة ، واسم الذي آمن أصحمة ، وقد يعد في الصحابة ، والأولى أن لا يعد لأنه لم يدرك الصحبة . قاله القاري قال الخطابي : معنى قوله زوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم أي ساق إليها المهر فأضيف عقد النكاح إليه لوجود سببه منه وهو المهر . وقد روى أصحاب السير أن الذي عقد النكاح عليها خالد بن سعيد بن العاص وهو ابن عم أبي سفيان وأبو سفيان إذ ذاك مشرك وقبل نكاحها عمرو بن أمية الضمري وكله رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك انتهى . وقوله وهو ابن عم أبي سفيان أي ابن ابن عم أبي سفيان
( وأمهرها عنه )
: أي أصدقها النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم
( أربعة آلاف )
: وفي بعض النسخ أربعة آلاف درهم
( وبعث بها )
: أي أرسل أم حبيبة
( مع شرحبيل )
: بضم الشين وفتح الراء وسكون الحاء وكسر الموحدة غير منصرف على ما في المغني ، ولعل فيه العجمة مع العلمية وهو من مهاجرة الحبشة
( ابن حسنة )
: بفتحات أم شرحبيل . وفي المواهب : وأم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب ، وقيل اسمها هند والأول أصح ، وأمها صفية بنت أبي العاص فكانت تحت عبيد الله بن جحش وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ثم تنصر وارتد عن الإسلام ومات هناك وثبتت أم حبيبة على الإسلام . واختلف في وقت نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها وموضع العقد فقيل إنه عقد عليها بأرض الحبشة سنة ست فروي أنه صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليخطبها عليه فزوجها إياه وأصدقها عنه أربع مائة دينار وبعث بها إليه مع شرحبيل ابن حسنة . وروي أن النجاشي أرسل إليها جاريته أبرهة فقالت إن الملك يقول لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أزوجك وأنها أرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطت أبرهة سوارين وخاتم فضة سرورا بما بشرتها به ، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا ، فخطب النجاشي فقال الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . أما بعد ، فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصدقتها أربع مائة دينار ذهبا ثم صب الدنانير بين يدي القوم ، فتكلم خالد بن سعيد فقال الحمد لله أحمده وأستعينه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . أما بعد ، فقد أجبت إلى ما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها ، ثم أرادوا أن يقوموا فقال اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج ، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا . أخرجه صاحب الصفوة كما قاله الطبري ، وكان ذلك في سنة سبع من الهجرة . وخالد هذا هو ابن ابن عم أبيها وكان أبو سفيان أبوها حال نكاحها مشركا محاربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد قيل إن عقد النكاح عليها كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة ، والمشهور الأول انتهى . وتقدم بعض الكلام في باب الولي .
قال المنذري : أي أم شرحبيل هي حسنة وأبوه عبد الله بن المطاع .

(4/495)


1803 -
قال صاحب عون المعبود :
( على صداق أربعة آلاف درهم )
: وقال ابن إسحاق عن أبي جعفر أصدقها أربع مائة دينار . أخرجه ابن أبي شيبة من طريقة . وأخرج الطبراني عن أنس أنه أصدقها مائتي دينار وإسناده ضعيف . كذا في النيل
( وكتب )
: أي النجاشي
( بذلك )
: المذكور من التزويج
( فقبل )
: رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال المنذري : هذا مرسل . وقيل أصدقها أربع مائة دينار ، وقيل مائتي دينار انتهى .

(4/496)


1804 -
قال صاحب عون المعبود :
( وعليه ردع زعفران )
أي أثره . والردع بمهملات مفتوح الأول ساكن الثاني هو أثر الطيب . قال النووي : والصحيح في معنى هذا الحديث أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس ولم يقصده ولا تعمد التزعفر ، فقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال ، وكذا نهى الرجال عن الخلوق لأنه شعار النساء ، وقد نهى الرجال عن التشبه بالنساء فهذا هو الصحيح في معنى الحديث وهو الذي اختاره القاضي والمحققون
( فقال النبي صلى الله عليه وسلم مهيم )
: أي ما شأنك أو ما هذا ، وهي كلمة استفهام مبنية على السكون وهل هي بسيطة أو مركبة قولان لأهل اللغة . كذا في الفتح . قال الطيبي : سؤال عن السبب فلذا أجاب بما أجاب ، ويحتمل الإنكار بأنه كان نهى عن التضمخ بالخلوق فأجاب بأنه ليس تضمخا بل شيء علق به من مخالطة العروس أي من غير قصد أو من غير اطلاع انتهى . وفيه أنه يستحب للإمام والفاضل تفقد أصحابه والسؤال عما يختلف من أحوالهم
( قال ما أصدقتها )
: وفي رواية لمسلم كم أصدقتها أي كم جعلت صداقها
( قال وزن نواة )
: بنصب النون على تقدير فعل أي أصدقتها ويجوز الرفع على تقدير مبتدأ أي الذي أصدقتها هو . قاله الحافظ . قال القاضي : قال الخطابي : النواة اسم لقدر معروف عندهم فسروها بخمسة دراهم من ذهب . قال القاضي : كذا فسرها أكثر العلماء . قال أحمد بن حنبل : هي ثلاثة دراهم وثلث . وقيل المراد نواة التمر أي وزنها من ذهب ، والصحيح الأول . وقال بعض المالكية : النواة ربع دينار عند أهل المدينة وظاهر كلام أبي عبيد أنه وقع خمسة دراهم قال ولم يكن هناك ذهب إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية . كذا قال النووي في شرح صحيح مسلم
( أولم ولو بشاة )
: لو هذه ليست الامتناعية وإنما هي التي للتقليل . وفي الحديث دليل على أن الشاة أقل ما يجزئ في الوليمة عن الموسر ، ولولا ثبوت أنه صلى الله عليه وسلم أولم على بعض نسائه بأقل من الشاة لكان يمكن أن يستدل به على أن الشاة أقل ما يجزئ في الوليمة مطلقا ، ولكن هذا الأمر من خطاب الواحد وفي تناوله لغيره خلاف في الأصول معروف . قال القاضي عياض : وأجمعوا على أنه لا حد لأكثر ما يولم به ، وأما أقله فكذلك ومهما تيسر أجزأ ، والمستحب أنها على قدر حال الزوج ، كذا في النيل .
واستدل بهذا الحديث على استحباب تقليل الصداق لأن عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على إصداقه وزن نواة من ذهب وتعقب بأن ذلك كان في أول الأمر حين قدم المدينة وإنما حصل له اليسار بعد ذلك من ملازمة التجارة حتى ظهرت من الإعانة في بعض الغزوات ما اشتهر وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له .
قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه .

(4/497)


1805 -
قال صاحب عون المعبود :
( ملء كفيه سويقا )
: هو دقيق القمح المقلو أو الذرة أو الشعير أو غيرها
( فقد استحل )
: الضمير المرفوع يرجع إلى من والمفعول محذوف أي فقد جعلها حلالا . قال الخطابي في المعالم : فيه دليل على أن أقل المهر وأدناه غير مؤقت بشيء معلوم ، وإنما هو على ما تراضيا به المتناكحان . وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق : لا توقيت في أقل المهر وأدناه وهو ما تراضوا به . وقال سعيد بن المسيب : لو أصدقها سوطا لحلت له . وقال مالك : أقل المهر ربع دينار . وقال أصحاب الرأي أقله عشرة دراهم وقدروه بما يقطع فيه يد السارق عندهم ، وزعموا أن كل واحد منهما إتلاف عضو انتهى . قلت : وقال سعيد بن جبير : أقله خمسون درهما . وقال النخعي : أربعون . وقال ابن شبرمة : خمسة دراهم . واستدل الأولون بأحاديث الباب وبحديث الخاتم الذي سيأتي وبحديث عامر بن ربيعة . أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضيت من نفسك ومالك بنعلين ؟ قالت : نعم فأجازه " رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وبحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أدوا العلائق قيل ما العلائق قال ما تراضى عليه الأهلون ولو كان قضيبا من أراك " وفي بعض هذه الأحاديث ضعف لكن حديث الخاتم وحديث نواة الذهب من أحاديث الصحيحين وفيهما كفاية لإثبات المطلوب ، وليس على الأقوال الباقية دليل يدل على أن الأقل هو أحدها لا دونه . ومجرد موافقة مهر من المهور الواقعة في عصر النبوة الواحد منها كحديث النواة من الذهب فإنه موافق لقول ابن شبرمة ولقول مالك على حسب الاختلاف في تفسيرها لا يدل على أنه المقدار الذي لا يجزئ دونه إلا مع التصريح بأنه لا يجزئ دون ذلك المقدار ولا تصريح . فالراجح ما ذهب إليه الأولون . فكل ما له قيمة صح أن يكون مهرا قليلا كان أو كثيرا والله تعالى أعلم بالصواب .
فإن قلت : روى الدارقطني في سننه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ولا يزوجهن إلا الأولياء ولا مهر دون عشرة دراهم " ففي هذا الحديث دلالة ظاهرة على ما ذهب إليه الحنفية إذ فيه تصريح بأن لا مهر دون عشرة دراهم .
قلت : قال الدارقطني بعد إخراج هذا الحديث : مبشر بن عبيد متروك الحديث أحاديثه لا يتابع عليها انتهى . وقال أخونا العلامة في التعليق المغني الحديث أخرجه البيهقي في سننه ، وأسند البيهقي في المعرفة عن أحمد بن حنبل أنه قال : أحاديث مبشر بن عبيد موضوعة كذب انتهى . قال ابن القطان في كتابه : وهو كما قال . ورواه أبو يعلى عن مبشر بن عبيد عن أبي الزبير عن جابر فذكر نحوه وعن أبي يعلى رواه ابن حبان في الضعفاء وقال مبشر يروى عن الثقات الموضوعات لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب انتهى . ورواه ابن عدي والعقيلي وأعلاه بمبشر بن عبيد وأسند العقيلي عن أحمد أنه وصفه بالوضع والكذب انتهى . وقال البيهقي : هذا حديث ضعيف قاله الزيلعي انتهى .
قال المنذري : في إسناده موسى بن مسلم وهو ضعيف
( نستمتع بالقبضة )
: بضم القاف وفتحها والضم أفصح . قال الجوهري : القبضة بالضم ما قبضت عليه من شيء ، يقال أعطاه قبضة من تمر أو سويق قال وربما يفتح
( قال أبو داود رواه ابن جريج عن أبي الزبير إلخ )
: قال المنذري : هذا الذي ذكره أبو داود معلقا قد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن جريج عن أبي الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله يقول كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال أبو بكر البيهقي : وهذا وإن كان في نكاح المتعة ونكاح المتعة صار منسوخا فإنما نسخ منه شرط الأجل ، فأما ما يجعلونه صداقا فإنه لم يرد فيه النسخ انتهى .

(4/498)


1806 -
قال صاحب عون المعبود :
( إني قد وهبت نفسي لك )
: أي أمر نفسها أو نحو ذلك وإلا فالحقيقة غير مراده لأن رقبة الحر لا تملك فكأنها قالت أتزوجك بغير صداق
( فقامت قياما طويلا )
: وفي رواية لمسلم : فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر فيها وصوبه ثم طأطأ رأسه
( هل عندك من شيء تصدقها إياه )
: من باب الإفعال أي تجعل صداقها ذلك الشيء ، ومن زائدة في المبتدأ ، والخبر متعلق الظرف وجملة تصدقها في موضع الرفع صفة لشيء ويجوز فيه الجزم على جواب الاستفهام
( ما عندي إلا إزاري هذا )
: علم منه أنه لم يكن له رداء ولا إزار غير ما عليه
( فالتمس ولو خاتما من حديد )
: لو تقليلية . قال عياض : ووهم من زعم خلاف ذلك وقوله خاتما بكسر التاء وفتحها . قال النووي : وفيه أنه يجوز أن يكون الصداق قليلا وكثيرا مما يتمول إذا تراضى به الزوجان لأن خاتم الحديد في نهاية من القلة ، وهذا مذهب الشافعي وهو مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف . وفيه جواز اتخاذ خاتم الحديد ، وفيه خلاف للسلف ، ولأصحابنا في كراهته وجهان أصحهما لا يكره لأن الحديث في النهي عنه ضعيف انتهى مختصرا .
( قد زوجتكها بما معك من القرآن )
: فيه دليل على جواز تعليم القرآن صداقا لأن الباء يقتضي المقابلة في العقود ولأنه لو لم يكن مهرا لم يكن لسؤاله إياه بقوله هل معك من القرآن شيء معنى .
قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه .
( فعلمها عشرين آية وهي امرأتك )
: قال الحافظ في الفتح : وفي رواية سعيد بن المسيب عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلا امرأة على سورتين من القرآن يعلمها إياهما . وفي مرسل أبي النعمان الأزدي : زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن .
وفي حديث ابن عباس وجابر هل تقرأ من القرآن شيئا ؟ قال نعم إنا أعطيناك الكوثر ، قال أصدقها إياها . قال الحافظ : ويجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض أو أن القصص متعددة انتهى .
قال المنذري : وفي إسناده عسل بن سفيان وهو ضعيف .
( وكان مكحول يقول إلخ )
: هذه الخصوصية تحتاج إلى دليل خاص ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأما ما احتج عليها بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزدي قال : زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن وقال لا تكون لأحد بعدك مهرا ، فهذا مع إرساله فيه من لا يعرف . قاله الحافظ .
قال الخطابي : اختلف الناس في جواز النكاح على تعليم القرآن ، فقال الشافعي بجوازه على ظاهر الحديث ، وقال مالك : لا يجوز ، وهو قول أصحاب الرأي ، وقال أحمد أكرهه انتهى .

تعليق الحافظ ابن القيم :
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : وادعى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ بقوله " لا نكاح إلا بولي " ولا يصح ذلك ، فإن الموهوبة كانت تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد جعلت أمرها إليه ، فزوجها بالولاية .
وأما دعوى الخصوص في الحديث ، فإنها من وجه دون وجه ، فالمخصوص به : هو نكاحه بالهبة ، لقوله تعالى { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي } - إلى قوله - { خالصة لك من دون المؤمنين } .
وأما تزويج المرأة على تعليم القرآن ، فكثير من أهل العلم يجيزه ، كالشافعي وأحمد وأصحابهما ، وكثير يمنعه ، كأبي حنيفة ومالك .
وفيه جواز نكاح المعدم الذي لا مال له .
وفيه الراد على من قال بتقدير أقل الصداق إما بخمسة دراهم كقول ابن شبرمة أو بعشرة ، كقول أبي حنيفة أو بأربعين درهما ؛ كقول النخعي ، أو بخمسين كقول سعيد بن جبير ، أو ثلاثة دراهم ، أو ربع دينار ، كقول مالك ، وليس لشيء من هذه الأقوال حجة يجب المصير إليها ، وليس بعضها بأولى من بعض .
وغاية ما ذكره المقدرون : قياس استباحة البضع على قطع يد السارق ، وهذا القياس - مع مخالفته للنص - فاسد ، إذ ليس بين البابين علة مشتركة ، توجب إلحاق أحدهما بالآخر ، وأين قطع يد السارق من باب الصداق ؟ وهذا هو الوصف الطردي المحض ، الذي لا أثر له في تعليق الأحكام به .
وفي جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح .
وفيه جواز كون الولي هو الخاطب . وترجم عليه البخاري في صحيحه كذلك ، وذكر الحديث . وفيه جواز سكوت العالم ومن سئل شيئا لم يرد قضاءه ولا الجواب عنه ، وذلك ألين في صرف السائل ، وأجمل من جهة الرد ، وهو من مكارم الأخلاق .
وفيه دليل على جواز أن تكون منافع الحر صداقا ، وفيه نظر . والله أعلم .

(4/499)


1807 -
قال صاحب عون المعبود :
( عن فراس )
: بكسر الفاء ابن يحيى الهمداني المكتب الكوفي وثقه ابن معين
( عن عبد الله )
: هو ابن مسعود
( ولم يفرض )
: بفتح الياء وكسر الراء أي لم يقدر ولم يعين
( فقال )
: أي عبد الله بن مسعود
( لها الصداق كاملا )
: أراد بالصداق الكامل مهر المثل كما يأتي
( وعليها العدة )
: أي للوفاة
( قال معقل )
: بفتح الميم وكسر القاف
( ابن سنان )
: بكسر السين الأشجعي
( قضى به )
: أي بما قضيت
( في بروع )
: قال في القاموس : كجدول ولا يكبر بنت واشق صحابية ، وفي المغني بفتح الباء عند أهل اللغة وكسرها عند أهل الحديث
( واشق )
: بكسر الشين المعجمة . والحديث دليل على أن المرأة تستحق كمال المهر بالموت وإن لم يسم لها الزوج ولا دخل بها .
قال المنذري : وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .
( أتي )
: بصيغة المجهول
( بهذا الخبر )
: أي بهذا الحديث المذكور
( فاختلفوا إليه )
: أي إلى ابن مسعود
( أو قال مرات )
: شك من الراوي
( لا وكس )
: بفتح فسكون أي لا نقص
( ولا شطط )
: بفتحتين أي ولا زيادة . قال الخطابي : الوكس النقصان والشطط العدوان وهو الزيادة على قدر الحق ، يقال اشتط الرجل في الحكم إذا تعدى الحق وجاوزه
( فإن يك )
: حكمي هذا وقضائي
( فمن الله )
: أي من توفيق الله
( وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان )
: أي من قصور علمي ومن تسويل الشيطان وتلبيسه علي وجه الحق فيه
( والله ورسوله بريئان )
: يريد أن الله سبحانه ثم رسوله صلى الله عليه وسلم لم يتركا شيئا لم يبيناه في الكتاب أو في السنة ، ولم يرشدا إلى صواب الحق فيه إما نصا أو دلالة ، وهما بريئان من أن يضاف إليهما الخطأ الذي يؤتى المرء فيه من جهة عجزه وتقصيره . والحديث فيه دليل على أن المرأة تستحق بموت زوجها بعد العقد قبل فرض الصداق جميع المهر وإن لم يقع منه دخول ولا خلوة ، وبه قال ابن مسعود وابن سيرين وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأحمد . وعن علي وابن عباس وابن عمر ومالك والأوزاعي والليث وأحد قولي الشافعي أنها لا تستحق إلا الميراث فقط ولا تستحق مهرا ولا متعة ، لأن المتعة لم ترد إلا للمطلقة ، والمهر عوض عن الوطء ، ولم يقع من الزوج .
وأجابوا عن حديث الباب بالاضطراب فروي مرة عن معقل بن سنان ومرة عن رجل من أشجع أو ناس من أشجع وقيل غير ذلك . وأجيب بأن الاضطراب غير قادح لأنه متردد بين صحابي وصحابي وهذا لا يطعن به في الرواية . وقالوا : روي عن علي أنه قال لا تقبل قول أعرابي بوال على عقبيه فيما يخالف كتاب الله وسنة نبيه ، ورد بأن ذلك لم يثبت عنه من وجه صحيح ، ولو سلم ثبوته فلم ينفرد بالحديث معقل المذكور بل روي من طريق غيره بل معه الجراح كما وقع في هذه الرواية ، وأيضا الكتاب والسنة إنما نفيا مهر المطلقة قبل المس والفرض لا مهر من مات عنها زوجها ، وأحكام الموت غير أحكام الطلاق .

تعليق الحافظ ابن القيم :
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
وفيه أن الصواب في قول واحد ، ولا يكون القولان المتضادان صوابا معا . وهو منصوص الأئمة الأربعة والسلف ، وأكثر الخلف .
وفيه أن الله تعالى هو الموفق للصواب ، الملهم له بتوفيقه وإعانته ، وأن الخطأ من النفس والشيطان ، ولا يضاف إلى الله ، ولا إلى رسوله . ولا حجة فيه للقدرية المجوسية ، إذا إضافته إلى النفس والشيطان إضافة إلى محله ومصدره ، وهو النفس وشبهها ، وهو الشيطان وتلبيسه الحق بالباطل ، بل فيه رد على القدرية الجبرية الذي يبرئون النفس والشيطان من الأفعال البتة ولا يرون للمكلف فعلا اختياريا يكون صوابا أو خطأ . والذي دل عليه قول ابن مسعود وهو قول الصحابة كلهم ، وأئمة السنة من التابعين ومن بعدهم ، هو إثبات القدر ، الذي هو نظام التوحيد . إثبات فعل العبد الاختياري . الذي هو نظام الأمر والنهي . وهو متعلق المدح والذم والثواب والعقاب ، والله أعلم .

(4/500)


1808 -
قال صاحب عون المعبود :
( ومحمد بن المثنى )
: قال المزي في الأطراف : حديث محمد بن المثنى في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره ولم يذكره أبو القاسم انتهى
( عبد العزيز بن يحيى )
: بدل من أبو الأصبغ وهو كنيته
( فدخل بها الرجل )
: أي جامعها
( ولم يفرض )
: أي لم يسم لها مهرا
( وكان )
: أي الرجل
( ممن شهد الحديبية )
: أي غزوة الحديبية وهي قرية قريبة من مكة سميت ببئر هناك ، وهي مخففة وكثير منهم يشددونها ، وكان توجهه صلى الله عليه وسلم إليها من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ست فخرج قاصدا إلى العمرة فصده المشركون عن الوصول إلى البيت ، ووقعت بينهم المصالحة على أن يدخل مكة في العام المقبل
( وكان من شهد الحديبية لهم له سهم بخيبر )
: خيبر على وزن جعفر وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام . قال ابن إسحاق : خرج النبي صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر .
وروى يونس بن بكير في المغازي عن ابن إسحاق في حديث المسور ومروان قالا : انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة ، فأعطاه الله فيها خيبر بقوله : { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه } يعني خيبر ، فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم
( وإني أشهدكم أني أعطيتها )
: أي فلانة
( سهمي بخيبر )
: أي سهمي الذي بخيبر .
واعلم أن الحافظ جعل حديث عقبة بن عامر هذا شاهدا لحديث معقل بن سنان المذكور ، ولا شهادة له على ذلك ، لأن هذا في امرأة دخل بها زوجها ، نعم فيه شاهد أنه يصح النكاح بغير تسمية
( خير النكاح أيسره )
: أي أسهله على الرجل بتخفيف المهر وغيره .
وقال العلامة الشيخ العزيزي أي أقله مهرا أو أسهله إجابة للخطبة انتهى
( قال أبو داود يخاف أن يكون هذا الحديث ملزقا )
: أي ملحقا
( لأن الأمر على غير هذا )
: لأنه أعطاها زائدا على المهر في مرض الموت . وهذه العبارة إنما توجد في بعض النسخ وأكثرها خالية منها .

(5/1)


1809 -
قال صاحب عون المعبود :
( في خطبة الحاجة في النكاح وغيره )
: قال المنذري : وأخرجه النسائي .
وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود ولم يسمع من أبيه
( أن الحمد لله )
: بتخفيف أن ورفع الحمد . قال الجزري في تصحيح المصابيح : يجوز تخفيف أن وتشديدها ومع التشديد يجوز رفع الحمد ونصبه ورويناه بذلك ذكره القاري في المرقاة وقال رفع الحمد مع التشديد على الحكاية
( نستعينه )
أي في حمده وغيره وهو وما بعده جمل مستأنفة مبينة لأحوال الحامدين
( ونستغفره )
: أي في تقصير عبادته وتأخير طاعته
( ونعوذ به من شرور أنفسنا )
: أي من ظهور شرور أخلاق نفوسنا الردية وأحوال طباع أهوائنا الدنية
( من يهده الله )
: بإثبات الضمير أي من يوفقه للعبادة
( فلا مضل له )
: أي من شيطان ونفس وغيرهما
( ومن يضلل )
: بحذف ضمير المفعول وفي بعض النسخ بإثبات الضمير
( فلا هادي له )
: أي لا من جهة العقل ولا من جهة النقل ولا من ولي ولا نبي . قال الطيبي : أضاف الشر إلى الأنفس أولا كسبا ، والإضلال إلى الله تعالى ثانيا خلقا وتقديرا
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله الذي }
: قال الطيبي رحمه الله : ولعله هكذا في مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، فإن المثبت في أول سورة النساء { واتقوا الله الذي } بدون يا أيها الذين آمنوا قيل يحتمل أن يكون تأويلا لما في الإمام ، فيكون إشارة إلى أن اللام في يا أيها الناس للعهد ، والمراد المؤمنون .
قلت : لا يصح هذا الاحتمال لأنه لو كان كذلك لقال { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة } الآية مع أن الموصولين لا يلائمان للتخصيص كذا في المرقاة
{ تساءلون }
: بحذف إحدى التاءين وبتشديد السين قراءتان متواترتان
{ به }
: أي تتساءلون فيما بينكم حوائجكم بالله كما تقولون أسألك بالله
{ والأرحام }
: بالنصب عند عامة القراء أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وفيه عظيم مبالغة في اجتناب قطع الرحم وقرأ حمزة بالخفض أي به وبالأرحام كما في قراءة شاذة عن ابن مسعود ، يقال سألتك بالله وبالرحم والعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار فصح على الصحيح وطعن من طعن فيه . وقيل الجر للجوار . وقيل الواو للقسم
{ رقيبا }
: أي حافظا
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته }
: في المعالم قال ابن مسعود وابن عباس هو أن يطاع فلا يعصى ، قيل : وأن يذكر فلا ينسى . قال أهل التفسير : لما نزلت هذه الآية شق ذلك عليهم فقالوا يا رسول الله ومن يقوى على هذا ؟ فأنزل الله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } فنسخت هذه الآية . وقيل إنها ثابتة والآية الثانية مبينة
{ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }
: النهي في ظاهر الكلام وقع على الموت وإنما نهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام ، ومعناه داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا وأنتم مسلمون
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله }
: أي مخالفته ومعاقبته
{ وقولوا قولا سديدا }
: أي صوابا ، وقيل عدلا ، وقيل صدقا ، وقيل مستقيما ، وقيل هو قول لا إله إلا الله ، أي داوموا على هذا القول .
{ يصلح لكم أعمالكم }
: أي يتقبل حسناتكم
{ ويغفر لكم ذنوبكم }
: أي يمحوا سيئاتكم
{ ومن يطع الله ورسوله }
: أي بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر
{ فقد فاز فوزا عظيما }
: أي ظفر خيرا كثيرا وأدرك ملكا كبيرا .
وقد استدل بحديث ابن مسعود هذا على مشروعية الخطبة عند عقد النكاح وعند كل حاجة . قال الترمذي في سننه : وقد قال أهل العلم إن النكاح جائز بغير خطبة ، وهو قول سفيان الثوري وغيره من أهل العلم انتهى . ويدل على الجواز حديث إسماعيل بن إبراهيم الآتي فيكون على هذا الخطبة في النكاح مندوبة .
قال المنذري : وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه ، وقال الترمذي حديث حسن . ومنهم من أخرجه عن أبي الأحوص وحده ، ومنهم من أخرجه عنهما . انتهى . وزاد ابن ماجه بعد قوله أن الحمد لله لفظة نحمده وبعده قوله من شرور أنفسنا لفظة ومن سيئات أعمالنا . وزاد الدارمي بعد قوله عظيما ثم يتكلم بحاجته .
( عن أبي عياض )
: اسمه عمرو بن الأسد العنسي بنون أو الهمداني أحد زهاد الشام مخضرم ثقة عابد من كبار التابعين ، مات في خلافة معاوية
( كان إذا تشهد )
: أي خطب
( ذكر نحوه )
: أي نحو الحديث المذكور
( أرسله بالحق )
: أي بالهدى
( بشيرا )
: من أجاب إليه
( ونذيرا )
: من لم يجب إليه
( بين يدي الساعة )
: أي قدامها .
قال المنذري : في إسناده عمران بن داود القطان ، وفيه مقال .

تعليق الحافظ ابن القيم :
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
وقد روى النسائي في سننه من حديث عمرو بن شعيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس .
أن رجلا كلم النبي صلى الله عليه وسلم في شيء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد " والأحاديث كلها متفقة على أن " نستعينه ونستغفره ونعوذ به " بالنون ، والشهادتان بالإفراد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد ، ولا تقبل النيابة بحال أفرد الشهادة بها . ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار يقبل ذلك ، فيستغفر الرجل لغيره ، ويستعين الله له ، ويستعيذ بالله له ، أتى فيها بلفظ الجمع ، ولهذا يقول : اللهم أعنا ، وأعذنا ، واغفر لنا . قال ذلك في حديث ابن مسعود ، وليس فيه " نحمده " ، وفي حديث ابن عباس " نحمده " بالنون ، مع أن الحمد لا يتحمله أحد عن أحد ، ولا يقبل النيابة ، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فيه إلى ألفاظ الحمد والاستعانة على نسق واحد .
وفيه معنى آخر ، وهو أن الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلب وإنشاء ، فيستحب للطالب . أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين ، وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة ، وهي خبر يطابق القلب وتصديقه ، وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله ، بخلاف إخباره عن غيره ، فإنه إنما يخبر عن قوله ونطقه ، لا عن عقد قلبه . والله أعلم .

(5/2)


1810 -
قال صاحب عون المعبود :
( عن رجل من بني سليم )
: قال في الخلاصة هو عباد بن شيبان
( خطبت )
: من الخطبة بالكسر
( أمامة بنت عبد المطلب )
: أي عمته صلى الله عليه وسلم
( فأنكحني من غير أن يتشهد )
: أي يخطب . وفيه دليل على جواز النكاح بغير الخطبة .
قال المنذري : وأخرجه البخاري في تاريخه الكبير وذكر الاختلاف فيه وذكر في بعضها : خطبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم عمته فأنكحني ولم يتشهد ، وفي بعضها : ألا أنكحك أمامة بنت ربيعة بن الحارث . وقال البخاري إسناده مجهول انتهى .

تعليق الحافظ ابن القيم :
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : وقد روى النسائي وغيره من حديث عدي بن حاتم قال : " تشهد رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أحدهما : من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصمها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بئس الخطيب أنت " ، فإن صح حديث عمران بن داور ، فلعله رواه بعضهم بالمعنى ، فظن أن اللفظين سواء ، ولم يبلغه حديث " بئس الخطيب أنت " وليس عمران بذلك الحافظ .

(5/3)


1811 -
قال صاحب عون المعبود :
( قال سليمان أو ست )
: يعني قال سليمان في روايته وأنا بنت سبع أو ست بالشك . واعلم أنه وقع في رواية لمسلم تزوجني وأنا بنت سبع وفي أكثر رواياته بنت ست .
قال النووي : فالجمع بينهما أنه كان لها ست وكسر ، ففي رواية اقتصرت على السنين ، وفي رواية عدت السنة التي دخلت فيها والله أعلم انتهى . والحديث يدل على أنه يجوز للأب أن يزوج بنته الصغيرة . قال النووي : أجمع المسلمون على جواز تزويجه بنته البكر الصغيرة لهذا الحديث وإذا بلغت فلا خيار لها في فسخه عند مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز .
وقال أهل العراق : لها الخيار إذا بلغت ، وأما غير الأب والجد فلا يجوز أن يزوجها عند الشافعي والثوري ومالك وابن أبي ليلى وأحمد وأبي ثور وأبي عبيد والجمهور . قالوا : فإن زوجها لم يصح . وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وآخرون من السلف : يجوز لجميع الأولياء ويصح ، ولها الخيار إذا بلغت إلا أبا يوسف فقال : لا خيار لها انتهى .
قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه .

تعليق الحافظ ابن القيم :
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
وروى النسائي من حديث هشام بن عروة عن أبيه عنها : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها لسبع سنين ، ودخل عليها لتسع سنين " ، ثم روي من حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عنها : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها . وهي بنت تسع ، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة " ثم روي من حديث مطرف بن طريف عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال : قالت عائشة : " تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتسع سنين ، وصحبته تسعا " وليس شيء من هذا بمختلف ، فإن عقده عليها كان وقد استكملت ست سنين ، ودخلت في السابعة ، وبناؤه بها كان لتسع سنين من مولدها ، فعبر عن العقد بالتزويج وكان لست سنين ، وعبر عن البناء بها بالتزويج ، وكان لتسع .
فالروايتان حق .

(5/4)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية