صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المؤلف : بدر الدين العيني الحنفي
مصدر الكتاب : ملفات وورد من ملتقى أهل الحديث
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
http://www.ahlalhdeeth.com
تنبيه : هذه النسخة معدلة، أضفت إليها نصا كان ناقصا في الأولى.
تاريخ التعديل : 19 ربيع الأول 1427 هـ
الموافق : 17 نيسان ( أفريل ) ، 2006 م
قام بتنسيقه وفهرسته أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه - لملتقى أهل الحديث

قلت السر في هذا والتحقيق أنه جعل هذه الآية الكريمة ترجمة وأشار بها إلى أمور الأول أشار فيه إلى أن قوام أمور الناس وانتعاش أمر دينهم ودنياهم بالكعبة المشرفة يدل على قوله قياما للناس ( المائدة 97 ) فإذا زالت الكعبة على يد ذي السويقتين تختل أمورهم فلذلك أورد حديث أبي هريرة فيه مناسبة لهذا فتقع به المطابقة بين الحديث والترجمة والثاني أشار به إلى تعظيم الكعبة وتوقيرها يدل عليه قوله البيت الحرام حيث وصفها بالحرمة فأورد حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فيه مناسبة لهذا فتقع به المطابقة بين الحديث والترجمة وذلك في قوله وكان يوما تستر فيه الكعبة والثالث أشار به إلى أن الكعبة لا تنقطع الزوار عنها ولهذا تحج بعد خروج يأجوج ومأجوج الذي يكون فيه من الفتن والشدائد ما لا يوصف فلذلك أورد حديث أبي سعيد الخدري فيه مناسبة لهذا وهو قوله ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج ويدل على هذا الوجه أيضا قياما فتقع به المطابقة بين الحديث والترجمة قوله البيت الحرام نصب على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على التوضيح كما تجيء الصفة كذلك قاله الزمخشري قوله قياما أي عمادا للناس في أمر دينهم ودنياهم ونهوضا إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم وروي عن عطاء بن أبي رباح لو تركوها عاما واحدا

(14/447)


لم ينظروا ولم يتجروا وقرأ ابن عامر قيما وقرأ الباقون قياما وأصله قواما ويقال معني قياما معالم للحق وقال مقاتل يعني علما لقبلتهم يصلون إليها وقال سعيد بن جبير صلاحا لدينهم قوله والشهر الحرام وهو الشهر الذي يؤدي فيه الحج وهو ذو الحجة لأن اختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأنا عرفه الله تعالى وقيل عنى به جنس أشهر الحرم قوله والهدي وهو ما يهدي به قوله والقلائد يعني المقلدات أو ذات القلائد والمعنى جعل الله الشهر الحرام والهدي والقلائد أمنا للناس لأنهم إذا توجهوا إلى مكة وقلدوا الهدي أمنوا من العدو لأن الحرب كانت قائمة بين العرب إلا في الأشهر الحرم فمن لقوه على هذه الحالة لم يتعرضوا له قوله ( ذلك ) إشارة إلى جعل الكعبة قياما للناس أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره قوله وإن الله بكل شيء عليم أي من السر والعلانية
1951 - حدثنا ( علي بن عبد الله ) قال حدثنا ( سفيان ) قال حدثنا ( زياد بن سعد ) عن ( الزهري ) عن ( سعيد بن المسيب ) عن ( أبي هريرة ) رضي الله تعالى عنه عن النبي قال يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة
( الحديث 1951 - طرفه في 6951 )
مطابقته للترجمة قد ذكرناها آنفا ورجاله ستة علي بن عبد الله المعروف بابن المديني وسفيان بن عيينة وزياد بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ابن سعد بن عبد الرحمن يكنى أبا عبد الرحمن الخراساني من أهل بلخ يقال إنه من العرب سكن مكة وانتقل منها إلى اليمن فسكن في قرية إسمها عك ومات بها يروي عن محمد بن مسلم الزهري
والحديث أخرجه مسلم في الفتن عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر وأخرجه النسائي في الحج وفي التفسير عن قتيبة بن سعيد

(14/448)


ذكر معناه قوله يخرب الكعبة فعل ومفعول وذو السويقتين فاعله وهذه تثنية سويقة والسويقة مصغر الساق وألحق بها التاء في التصغير لأن الساق مؤنثة والتصغير للتحقير والإشارة إلى الدقة لأن في سيقان الحبشة دقة وخموشة والتقدير يخرب الكعبة ضعيف من هذه الطائفة قوله من الحبشة كلمة من بيانية أي من هذا الجنس من بني آدم قالوا الحبش جنس من السودان وهم الأحبش والحبشان والحبشة ليس بصحيح في القياس لأنه لا واحد له على مثال فاعل فيكون مكسرا على فعله والأحبوش جماعة الحبش قال العجاج
( كأن صيران المهى الأخلاط
والرمل أحبوش من الأنباط )
وقيل هم الجماعة أيا كانوا لأنهم إذا اجتمعوا اسودوا وفي ( الصحاح ) الحبش والحبشة جنس من السودان وقال ابن دريد فأما قولهم الحبشة فعلى غير قياس وقد قالوا حبشان أيضا ولا أدري كيف هو قلت إنكارهم لفظ الحبشة على هذا الوزن لا وجه له لأنه ورد في لفظ الفصيح بل أفصح الناس وقال الرشاطي وهم من ولد كوش بن حام وهم أكثر ملوك السودان وجميع ممالك السودان يعطون الطاعة للحبش
وقال أبو حنيفة الدينوري كان أولاد حام سبعة أخوة كأولاد سام السند والهند والزنج والقبط والحبشة والنوبة وكنعان فأخذوا ما بين الجنوب والدبور والصبا وروى سفيان بن عيينة أن رسول الله قال لا خير في الحبش إن جاعوا سرقوا وإن شبعوا زنوا وإن فيهم حسنتين إطعام الطعام وإلباس يوم البأس وقال ابن هشام في ( التيجان ) أول من جرى لسان الحبشة على لسانه سحلب بن أداد بن ناهس بن سرعان بن حام بن نوح عليه السلام ثم تولدت من هذا اللسان ألسن استخرجت منه وهذا هو الأصل

(14/449)


وجاء في تخريب الكعبة أحاديث منها حديث ابن عباس وعائشة بوب عليه البخاري بقوله باب هدم الكعبة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي بسند صحيح في يبايع لرجل بين الركن والمقام وأول من يستحل هذا البيت أهله فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب ثم تجيء الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده وهم الذين يستخرجون كنزه وذكر الحليمي أن ذلك في زمن عيسى عليه السلام وأن الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين قد سار إلى البيت يهدمه فيبعث إليه عيسى عليه الصلاة والسلام طائفة بين الثمان إلى التسع ومنها ما رواه أبو نعيم بسند فيه مجهول كأني أنظر إلى أصيلع أقرع أفحج على ظهر الكعبة يهدمها بالكرزنة ومنها ما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمر عن النبي أتركوا الحبشة

(14/450)


ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة ومنها ما رواه أحمد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ويسلب حليها ويجردها من كسوتها وكأني أنظر إليه أصيدع أفيدع يضرب عليها مسحاته ومعوله ومنها ما رواه ابن الجوزي من حديث حذيفة عن النبي فذكر حديثا فيه طول وفيه وخراب مكة من الحبشة على يد حبشي أفحج الساقين أزرق العينين أفطس الأنف كبير البطن معه أصحابه ينقضونها حجرا حجرا ويتناولونها حتى يرموا بها يعني الكعبة إلى البحر وخراب المدينة من الجوع وخراب اليمن من الجراد وفي ( كتاب الغريب ) لأبي عبيد عن علي رضي الله تعالى عنه استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه فكأني برجل من الحبشة أصلع وأصمع حمش الساقين قاعد عليها وهي تهدم وخرجه الحاكم مرفوعا وفيه أصمع أقرع بيده معول وهو يهدمها حجرا حجرا وذكر الغزالي في ( مناسكه ) لا تغرب الشمس من يوم إلا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال ولا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به أحد من الأوتاد وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة ليس منها أثر وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد ثم يرفع القرآن العظيم من المصاحف ثم من القلوب ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية ثم يخرج الدجال وينزل عيسى عليه الصلاة والسلام وفي ( كتاب الفتن ) لنعيم بن حماد حدثنا بقية عن صفوان عن شريح عن كعب تخرج الحبشة خرجة ينتهون فيها إلى البيت ثم يتفرغ إليهم أهل الشام فيجدونهم قد افترشوا الأرض فيقتلونهم أودية بني علي وهي قريبة من المدينة حتى إن الحبشي يباع بالشملة قال صفوان وحدثني أبو اليمان عن كعب قال يخربون البيت وليأخذن المقام فيدركون على ذلك فيقتلهم الله تعالى وفيه ويخرجون بعد يأجوج وعن عبد الله بن عمرو تخرج الحبشة بعد نزول عيسى عليه الصلاة والسلام فيبعث عيسى

(14/451)


طائفة فيهزمون وفي رواية يهدم مرتين ويرفع الحجر في المرة الثالثة وفي رواية ويرفع في الثانية وفي رواية ويستخرجون كنز فرعون بمنوف من الفسطاط ويقتلون بوسيم وفي لفظ فيأتون في ثلاثمائة ألف عليهم أسيس أو أسيس وقال القرطبي وقيل إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف وذلك بعد موت عيسى عليه الصلاة والسلام وهو الصحيح
فإن قلت قال تعالى حرما آمنا ( القصص 57 ) وهو يعارض ما ذكرتم من هذه الأشياء قلت قالوا لا يلزم من قوله حرما آمنا ( القصص 57 ) أن يكون ذلك دائما في كل الأوقات بل إذا حصلت له حرمة وأمن في وقت ما صدق عليه هذا اللفظ وصح المعنى ولا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى في وقت آخر فإن قلت قال إن الله أحل لي مكة ساعة من نهار ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة قلت الحكم بالحرمة والأمر لا يرتفع إلى يوم القيامة أما وقوع الخوف فيها وترك الحرمة فقد وجد من ذلك في أيام يزيد وغيره كثيرا وقال عياض حرما آمنا ( القصص 57 ) أي إلى قرب القيامة وقيل يختص منه قصة ذي السويقتين وقال ابن الجوزي إن قيل ما السر في حراسة الكعبة من الفيل ولم تحرس في الإسلام مما صنع بها الحجاج والقرامطة وذو السويقتين فالجواب إن حبس الفيل كان من أعلام النبوة لسيدنا رسول الله ودلائل رسالته لتأكيد الحجة عليهم بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى بالبصائر وكان حكم الحبس أيضا دلالة على وجود الناصر

(14/452)


2951 - حدثنا ( يحيى بن بكير ) قال حدثنا ( الليث ) عن ( عقيل ) عن ( ابن شهاب ) عن ( عروة ) عن ( عائشة ) رضي الله تعالى عنها ( ح ) وحدثني ( محمد بن مقاتل ) قال أخبرني ( عبد الله ) هو ( ابن المبارك ) قال أخبرنا ( محمد بن أبي حفصة ) عن ( الزهري ) عن ( عروة ) عن ( عائشة ) رضي الله تعالى عنها قالت كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان وكان يوما تستر فيه الكعبة فلما فرض الله رمضان قال رسول الله من شاء أن يصومه فليصمه ومن شاء أن يتركه فليتركه
قد مر وجه المطابقة بين الحديث والترجمة ووجه آخر وهو أن المشركين كانوا يعظمون الكعبة قديما بالستور
والكسوة ويقومون إليها كما يقوم المسلمون وبين الله تعالى في الآية المذكور أنه جعل الكعبة بيتا حراما ومن حرمتها تعظيمها فعظمها المسلمون ومن جملة تعظيمهم إياها أنهم كانوا يكسونها في كل سنة يوم عاشوراء الذي هو من الأيام المعظمة فمن هذه الحيثية حصلت المطابقة بين الآية التي هي ترجمة وبين الحديث
ذكر رجاله وهم تسعة الأول يحيى بن بكير بضم الباء الموحدة أبو زكريا المخزومي الثاني الليث بن سعد الثالث عقيل بضم العين ابن خالد الرابع محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الخامس عروة بن الزبير بن العوام السادس محمد بن مقاتل بضم الميم على وزن اسم الفاعل من المقاتلة أبو الحسن المجاور بمكة السابع عبد الله بن المبارك الثامن محمد بن أبي حفصة واسمه ميسرة ضد الميمنة التاسع أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها

(14/453)


ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع وفيه العنعنة في سبعة مواضع وفيه القول في موضعين وفيه أن شيخه يحيى والليث مصريان وأن عقيلا أيلي وأن ابن شهاب وعروة مدنيان وأن شيخه محمد بن مقاتل من أفراده وأنه وابن المبارك مروزيان ومحمد بن أبي حفصة بصري وفيه أنه رواه من طريقين وقال الإسماعيلي جمع البخاري بين رواية عقيل وابن أبي حفصة في المتن وليس في رواية عقيل ذكر الستر ثم ساقه بدونه من طريق عقيل وهو كما قال وعادة البخاري التجوز في مثل هذا وقيل أراد من حديث عقيل التصريح بسماع ابن شهاب من عروة قلت ليس لما ذكره فإنه لم يأت به نعم هو عند الإسماعيلي وأبي نعيم وقد روى الفاكهي من طريق ابن أبي حفصة وصرح بسماع الزهري له من عروة

(14/454)


ذكر معناه قوله كانوا أي المسلمون كانوا يصومون يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرم وكان فرضا فلما نزل فرض رمضان نسخ صوم يوم عاشوراء وهو ممدود غير منصرف وقال أبو علي القالي في ( كتاب الممدود والمقصور ) عاشوراء على وزن فاعولاء ولا نعلم من هذا المثال غيره قوله وكان أي كان يوم عاشوراء يوما تستر فيه الكعبة وكانت تكسى في كل سنة مرة يوم عاشوراء ثم إن معاوية كان يكسوها مرتين ثم المأمون كان يكسوها ثلاثا الديباج الأحمر يوم التروية والقباطي هلال رجب والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان وذكر محمد بن إسحاق في ( السير ) أن تبان أسعد أبو كرب وهو تبع الآخر ابن كلكيكرب بن زيد وهو تبع الأول ابن عمرو وساق نسبه إلى يعرب بن قحطان ثم قال كان هو وقومه أصحاب أوثان يعبدونها توجه إلى مكة حتى إذا كان بين عسفان وأمج أتاه نفر من هذيل بن مدركة فقالوا ألا ندلك على بيت مال داثر قال بلى قالوا مكة وإنما أراد الهذليون هلاكه لما عرفوا هلاك من أراده من الملوك فقال له حبران كانا معه إنما إراد هؤلاء هلاكك قال فبماذا تأمراني قالا نصنع عنده ما يصنع أهله نحلق عنده ونطوف وننحر ففعل فأقام بمكة ستة أيام ينحر للناس ويطعمهم فأري في المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت وذكر ابن قتيبة أن هذه القصة كانت قبل الإسلام بتسعمائة سنة وفي ( معجم الطبراني ) من حديث ابن لهيعة حدثنا أبو زرعة عمرو سعمت سهل بن سعد رفعه لا تسبوا تبعا فإنه قد أسلم وفي ( مغايض الجوهر في أنساب حمير ) كان يدين بالزبور وذكر ابن أبي شيبة في ( تاريخه ) أول من كساها عدنان بن أدد وزعم الزبير أن أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير وذكر الماوردي أن أول من كساها الديباج خالد بن جعفر بن كلاب أحمد لطيمة يحل البر ووجد فيها إنماطا

(14/455)


فعلقها على الكعبة وذكر الحافظ أن أول من علقها عبد الله بن الزبير وفي كتاب ابن إسحاق أول من حلاها عبد المطلب بن عبد مناف لما حفرها بالفزالين اللذين وجدهما من ذهب فيها وعن ليث بن أبي سليم قال كانت كسوة الكعبة على عهد رسول الله الانطاع والمسوح وقال ابن دحية كساها المهدي القباطي والخز والديباج وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أسفلها إلى أعلاها وقال ابن بطال قال ابن جريج زعم بعض علمائنا أن أول من كساها إسماعيل عليه السلام وحكى البلاذري أن أول من كساها الأنطاع عدنان بن أدد وروى الواقدي عن إبراهيم بن أبي ربيعة قال كسي البيت في الجاهلية الأنطاع ثم كساه رسول الله الثياب اليمانية ثم كساه عمر وعثمان القباطي ثم كساه الحجاج الديباج وقال

(14/456)


ابن إسحاق بلغني أن البيت لم يكس في عهد أبي بكر وعمر يعني لم يجدد له كسوة وقال عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرت أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يكسوها القباطي وأخبرني غير واحد أن النبي كساها القباطي والحبرات وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم وأول من كساها الديباج عبد الملك بن مروان وأن أول من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا أصاب ما نعلم لها من كسوة أوفق منه وروى أبو عروبة في ( الأوائل ) له عن الحسن قال أول من لبس الكعبة القباطي النبي وروى الدارقطني في ( المؤتلف ) أن أول من كسا الكعبة الديباج تنيلة بنت جنان والدة العباس بن عبد المطلب كانت أضلت العباس صغيرا فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج وذكر الزبير بن بكار أنها أضلت ضرارا ابنها فرده عليها رجل من جذام فكست الكعبة ثيابا بيضاء وهو محمول على تعدد القصة وكسيت في أيام الفاطميين الديباج الأبيض وكساها السلطان محمود بن سبكتكين ديباجا أصفر وكساها ناصر العباسي ديباجا أخضر ثم كساها ديباجا أسود فاستمر إلى الآن ولم تزل الملوك يتداولون كسوتها إلى أن وقف عليها الصالح إسماعيل بن الناصر في سنة نيف وخمسين وسبعمائة قرية بنواحي القاهرة ولم تزل تكسى من هذا الوقف
3951 - حدثنا ( أحمد ) قال حدثنا أبي قال حدثنا ( إبراهيم ) عن ( الحجاج بن حجاج ) عن ( قتادة ) عن ( عبد الله بن أبي عتبة ) عن ( أبي سعيد الخدري ) رضي الله تعالى عنه عن النبي ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج
قد مر وجه المطابقة في أول الب اب

(14/457)


ذكر رجاله وهم سبعة الأول أحمد بن أبي عمرو واسمه حفص بن عبد الله بن راشد أبو علي السلمي مات سنة ستين ومائتين الثاني أبوه حفص أبو عمرو قاضي نيسابور الثالث إبراهيم بن طهمان أبو سعيد الرابع الحجاج بن الحجاج الأسلمي الباهلي الأحول الخامس قتادة بن دعامة السادس عبد الله بن أبي عتبة بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة مولى أنس بن مالك السابع أبو سعيد الخدري سعد بن مالك
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وفيه العنعنة في خمسة مواضع وفيه أن شيخه من أفراده وأنه ذكر في بعض النسخ مجردا وفي بعضها أحمد بن حفص وأنه وأباه نيسابوريان وأن إبراهيم هروي سكن نيسابور ثم سكن مكة مات سنة ستين ومائة وأن الحجاج وقتادة وعبد الله بصريون
وهذا الحديث من أفراده
قوله ليحجن بضم الياء وفتح الحاء والجيم على صيغة المجهول مؤكدا بالنون الثقيلة وكذلك قوله ليعتمرن قوله يأجوج ومأجوج إسمان أعجميان بدليل منع الصرف وقرىء في القرآن مهموزين وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم وقيل هم على صنفين طوال مفرطوا الطول وقصار مفرطوا القصر
تابعه أبان وعمران عن قتادة
أي تابع عبد الله بن أبي عتبة أبان بن يزيد العطار عن قتادة وكذلك تابعه عمران القطان عن قتادة ومتابعتهما على لفظ المتن أما متابعة أبان فوصلها الإمام أحمد عن عفان وسويد بن عمرو الكلبي وعبد الصمد بن عبد الوارث ثلاثتهم عن أبان فذكر مثله وأما متابعة عمران فوصلها أحمد أيضا عن سليمان بن داود الطيالسي عنه وكذا أخرجه ابن خزيمة وأبو يعلى من طريق الطيالسي وقد تابع هؤلاء سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أخرجه عبد بن حميد عن روح بن عبادة عنه ولفظه أن الناس ليحجون ويعتمرون ويغرسون النخل بعد خروج يأجوج ومأجوج
وقال عبد الرحمان عن شعبة قال لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت

(14/458)


أي قال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن قتادة بهذا السند لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت وهذا التعليق وصله الحاكم من طريق أحمد بن حنبل عنه
والأول أكثر أراد البخاري بالأول من تقدم ذكرهم قبل شعبة وإنما قال أكثر لاتفاق أولئك على اللفظ المذكور وانفراد شعبة بما يخالفهم وإنما قال ذلك لأن ظاهرهما التعارض لأن الأول يدل على أن البيت يحج بعد أشراط الساعة والثاني يدل على أنه لا يحج ويمكن الجمع بينهما بأن يقال لا يلزم من حج الناس بعد خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحج في وقت ما عند قرب ظهور الساعة والذي يظهر والله أعلم أن يكون المراد بقوله ليحجن البيت أي مكان البيت ويدل على ذلك ما روي أن الحبشة إذا خربوه لم يعمر بعد ذلك على ما يأتي إن شاء الله تعالى وقال التيمي قال البخاري والأول أكثر يعني البيت يحج إلى يوم القيامة
سمع قتادة عبد الله وعبد الله أبا سعيد
وفي بعض النسخ قال أبو عبد الله أي البخاري نفسه سمع قتادة عبد الله بن أبي عتية المذكور في سند الحديث المذكور وأشار بهذا إلى أن قتادة لما كان مدلسا صرح بأن عنعنته مقرونة بالسماع قوله وعبد الله أي سمع عبد الله بن أبي عتبة أبا سعيد الخدري
48 -( باب كسوة الكعبة )
أي هذا باب في بيان حكم التصوف في كسوة الكعبة
4951 - حدثنا ( عبد الله بن عبد الوهاب ) قال حدثنا ( خالد بن الحارث ) قال حدثنا ( سفيان ) قال حدثنا ( واصل الأحدب ) عن ( أبي وائل ) قال ( جئت إلي شيبة ) ( ح ) وحدثنا ( قبيصة ) قال حدثنا ( سفيان ) عن ( واصل ) عن ( أبي وائل ) قال جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة فقال لقد جلس هاذا المجلس عمر رضي الله تعالى عنه فقال لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته قلت أن صاحبيك لم يفعلا قال هما المرآن أقتدي بهما
( الحديث 4951 - طرفه في 5727 )
مطابقته للترجمة من وجوه

(14/459)


الأول أنه معلوم أن الملوك في كل زمان كانوا يتفاخرون بكسوة الكعبة برفيع الثياب المنسوجة بالذهب وغيره كما يتفاخرون بتسبيل الأموال لها فأراد البخاري أن عمر بن الخطاب لما رأى قسمة الذهب والفضة صوابا كان حكم الكسوة حكم المال يجوز قسمتها بل ما فضل من كسوتها أولى بالقسمة
الثاني أنه يحتمل أن يكون مقصود البخاري التنبيه على أن كسوة الكعبة مشروعة والحجة فيها أنها لم تزل تقصد بالمال فيوضع فيها على معنى الزينة إعظاما لها فالكسوة من هذا القبيل
الثالث أنه يحتمل أن يكون أراد ما في بعض طرق الحديث كعادته ويكون هناك طريق موافقة للترجمة وتركه إياه إما لخلل شرطه وإما لتبحر الناظر فيه
الرابع أنه يحتمل أن يكون أخذه من قول عمر رضي الله تعالى عنه لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة فالمال يطلق على كل ما يتمول به فيدخل فيه الكسوة
الخامس أنه لعل الكعبة كانت مكسوة وقت جلوس عمر رضي الله تعالى عنه فحيث لم ينكره وقررها دل على جوازها والترجمة يحتمل أن يقال فيها باب في مشروعية الكسوة كما ذكرنا
السادس أنه يحتمل أن يكون الحديث مختصرا طوى فيه ذكر الكسوة
فمن هذه الوجوه يتوجه الرد على الإسماعيلي في قوله ليس في حديث الباب لكسوة الكعبة ذكر يعني فلا يطابق الترجمة
ذكر رجاله وهم ثمانية الأول عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي الثاني خالد بن الحارث أبو عبد الله الحجبي الثالث سفيان الثوري في الطريقين الرابع وأصل بن حيان الأحدب الأسدي الخامس أبو وائل شقيق ابن سلمة السادس شيبة بن عثمان الحجبي بالحاء المهملة والجيم المفتوحتين العبدري أسلم يوم الفتح وأعطى النبي له ولابن عمه عثمان بن طلحة مفتاح الكعبة وقال خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة إلى يوم القيامة لا يأخذ منكم

(14/460)


إلا ظالم وهو الآن في يد بني شيبة مات سنة تسع وخمسين السابع قبيصة بن عقبة أبو عامر السوائي الثامن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في ستة مواضع وفيه القول في خمسة مواضع وفيه أن شيخه في الطريق الأول من أفراده وقدمه مع أنه نازل لتصريح سفيان فيه بالتحديث وأنه بصري وفيه أن خالدا أيضا من أفراده وأنه أيضا بصري وسفيان وواصل وأبو وائل كوفيون وفي الطريق الثاني شيخه قبيصة وهو أيضا من أفراده وهو كوفي وفيه صحابيان شيبة وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما وهذا الحديث جعله الحميدي وأبو مسعود الدمشقي وقبلهما الطبراني في مسند شيبة وذكره المزي أيضا في مسند شيبة وذكره غيرهم في مسند عمر رضي الله تعالى عنه
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن عمرو بن العباس وأخرجه أبو داود في الحج عن أحمد بن حنبل وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة

(14/461)


ذكر معناه قوله على الكرسي الكرسي واحد الكراسي وربما قالوا كرسي بكسر الكاف قاله الجوهري وقال الزمخشري الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن القاعد وليست الياء فيه للنسبة وإنما هو موضوع على هيئة النسبة كما في زفني وقلطي وبختي وبردي قوله أن لا أدع أي أن لا أترك قوله فيها أي في الكعبة قوله صفراء ولا بيضاء أي ذهبا ولا فضة قال القرطبي غلط من ظن أن المراد بذلك حلية الكعبة وإنما أراد الكنز الذي بها وهو ما كان يهدى إليها فيدخر ما يزيد عن الحاجة وأما الحلي فمحبسة عليها كالقناديل فلا يجوز صرفها إلى غيرها وقال ابن الجوزي كانوا في الجاهلية يهدون إلى الكعبة تعظيما لها فيجتمع فيها قوله إلا قسمته ذكر الضمير باعتبار المال وفي رواية عمرو بن شيبة في ( كتاب مكة ) عن قبيصة شيخ البخاري فيه إلا قسمتها وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عند البخاري في الاعتصام إلا قسمتها بين المسلمين وعند الإسماعيلي من هذا الوجه لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين قوله قلت إن صاحبيك لم يفعلا القائل هو شيبة وأراد بالصاحبين النبي وأبا بكر رضي الله تعالى عنه وفي رواية عبد الرحمن ابن مهدي قلت ما أنت بفاعل قال لم قلت لم يفعله صاحباك وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه قال ولم ذاك قلت لأن رسول الله قد رأى مكانه وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال فلم يحركاه قوله قال هما المرآن أي قال عمر رضي الله تعالى عنه هما أي النبي وأبو بكر رضي الله تعالى عنه مرآن يعني رجلين كاملين في المروءة قوله أقتدي بهما أي بالمرأين المذكورين وهما النبي وأبو بكر رضي الله تعالى عنه ومعناه لا أفعل ما لم يفعلا ولا أتعرض لما لم يتعرضا وبمثل هذه القضية وقع بين أبي بن كعب وعمر رضي الله تعالى عنهما وروى عبد الرزاق من طريق الحسن عن عمر أراد أن يأخذ كنز الكعبة فينفقه في سبيل الله فقال له أبي بن كعب قد سبقك صاحباك فلو كان فضلا لفعلا وفي لفظ فقال له

(14/462)


أبي بن كعب والله ما ذاك لك قال ولم قال أقره رسول الله وقال ابن بطال أراد عمر لكثرته إنفاقه في سبيل الله وفي منافع المسلمين ثم لما ذكر بأن النبي لم يتعرض له أمسك
ذكر ما يستفاد منه فيه التنبيه على مشروعية الكسوة وفيه ما يدل من قول عمر أن صرف المال في الفقراء والمساكين آكد من صرفه في كسوة الكعبة لكن الكسوة في هذه الأمة أهم لأن الأمور المتقادمة تتأكد حرمتها في النفوس وقد صار ترك الكسوة في العرف عضا في الإسلام وإضعافا لقلوب المسلمين وقال ابن بطال ما جعل في الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف فلا يجوز تغييره من وجهه وفي ذلك تعظيم الإسلام وترهيب للعدو وفي ( شرح التهذيب ) قال صاحب ( التلخيص ) لا يجوز بيع أستار الكعبة المشرفة وكذا قال أبو الفضل بن عبد لأنه لا يجوز قطع أستارها ولا قطع شيء من ذلك ولا يجوز نقله ولا بيعه ولا شراؤه قال ومن عمل شيئا من ذلك كما يفعله العامة يشترونه من بني شيبة لزمه رده ووافقه على ذلك الرافعي وقال ابن الصلاح الأمر فيها إلى الإمام يصرفه في مصارف بيت المال بيعا وعطاء واحتج بما ذكره الأزرقي أن عمر كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج وعند الأزرقي عن ابن عباس وعائشة أنهما قالا ولا بأس أن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجنب وغيرهما وكذا قالته أم سلمة رضي الله تعالى عنها وذكر ابن أبي شيبة عن ابن أبي ليلى وسئل عن رجل سرق من الكعبة فقال ليس عليه قطع ويقال الظاهر جواز قسمة الكسوة العتيقة إذ بقاؤها تعريض لفسادها بخلاف النقدين
49 -( باب هدم الكعبة )
أي هذا باب في ذكر هدم الكعبة في آخر الزمان
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها قال النبي يغزو جيش الكعبة فيخسف بهم

(14/463)


هذا طرف من حديث ذكره البخاري موصولا في أوائل البيوع من طريق نافع بن جبير عن عائشة بلفظ يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم وسيأتي الكلام فيه هناك إن شاء الله تعالى
قوله قالت عائشة هكذا وقع في رواية الأكثرين بغير واو وفي رواية أبي ذر وقالت بالواو ومطابقة هذا المعلق للترجمة من حيث أن غزو الكعبة في هذا مقدمة لهدمها لأن غزوها يقع مرتين ففي الأولى هلاكهم وفي الثانية هدمها ومقدمة الشيء تابعة له فافهم
5951 - حدثنا ( عمرو بن علي ) قال حدثنا ( يحيى بن سعيد ) قال حدثنا ( عبيد الله بن الأخنس ) قال حدثني ( ابن أبي مليكة ) عن ( ابن عباس ) رضي الله تعالى عنهما عن النبي قال كأني به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا
مطابقته للترجمة ظاهرة
ذكر رجاله وهم خمسة الأول عمرو بفتح العين ابن علي بن يحيى بن كثير أبو حفص الباهلي الصيرفي الثاني يحيى بن سعيد القطان الثالث عبيد الله بتصغير عبد بن الأخنس بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح النون وفي آخره سين مهملة أبو مالك النخعي الرابع عبد الله بن أبي مليكة بضم الميم وفتح اللام هو عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي مليكة واسمه زهير التيمي الأحول القاضي على عهد ابن الزبير الخامس عبد الله بن عباس
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد في موضع وفيه العنعنة في موضعين وفيه أن شيخه ويحيى بصريان وعبيد الله بن الأخنس كوفي وابن أبي مليكة مكي

(14/464)


ذكر معناه قوله كأني به الكلام في الضمير في لفظ به يحتمل ثلاثة أوجه الأول أن يعود إلى البيت والقرينة الحالية تدل عليه أي كأني ملتبس به الثاني أن يعود إلى القالع بالقرينة الحالية أيضا الثالث ما قاله الطيبي وهو أنه ضمير مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز كقوله تعالى فقضاهن سبع سموات ( فصلت 12 ) فإن ضمير هن هو المبهم المفسر بسبع سموات وهو تمييز وهذه الأوجه صحيحة ماشية على قاعدة العربية فلا يحتاج إلى تقدير حذف كما قال بعضهم والذي يظهر أن في الحديث شيئا حذف ثم أكد كلامه بقوله ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث علي رضي الله تعالى عنه في ( غريب الحديث ) لأبي عبيدة من طريق أبي العالية عن علي قال استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه فكأني برجل من الحبشة أصلع أو قال أصمع حمش الساقين قاعد عليها وهي تهدم ورواه الفاكهي من هذا الوجه ولفظه أصعل بدل أصلع وقال قائما عليها يهدمها بمسحاته ورواه يحيى الحماني في مسنده من وجه آخر عن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعا انتهى قلت إنما يقدر الحذف في موضع يحتاج إليه للضرورة ولا ضرورة ههنا ودعواه الظهور غير ظاهرة لأنه لا وجه في تقدير محذوف لا حاجة إليه بما جاء في أثر عن صحابي ولا يقال الأحاديث يفسر بعضها بعضا لأنا نقول هذا إنما يكون عند الاحتياج إليه فلا احتياج ههنا إلى ذلك قوله أسود مرفوع وفي رفعه وجهان أحدهما أن يكون مبتدأ وخبره قوله يقلعها والجملة حال بدون الواو وهذا على تقدير أن يكون الضمير في به للبيت والوجه الآخر أن يكون ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف على أن يكون الضمير للقالع والتقدير كأني بالقالع هو أسود وقوله أفحج خبر بعد خبر ويجوز

(14/465)


أن يكون أسود أفحج حالين متداخلين أو مترادفتين من الضمير في به ويروى أسود منصوبا على الذم أو الاختصاص وليس من شرط المنصوب على الاختصاص أن لا يكون نكرة فهذا الزمخشري قال في قوله تعالى قائما بالقسط ( آل عمران 18 ) أنه منصوب على الاختصاص ويجوز أن يكون بدلا من الضمير الذي في به ويجوز إبدال المظهر من المضمر الغائب نحو ضربته زيدا قوله أفحج على وزن أفعل بفاء ثم حاء مهملة ثم جيم من الفحج وفي ( المنتهى ) هو تداني صدور القدمين وتباعد العقبين وقد فحج يفحج من باب علم يعلم فهو أفحج ودابة فحجاء وهو عيب في الخيل والفحج بالكسر مشية الأفحج وقد فحج يفحج من باب ضرب يضرب وفحج يفحج من باب فتح يفتح ويقال الفحج بالتحريك تباعد ما بين الساقين ومن الدواب ما بين العرقوبين وفي ( المحكم ) فحج فحجا وعن اللحياني فحجة أيضا وقال الهروي الفحج تباعد ما بين الفخذين وقال ابن دريد هو تباعد ما بين الرجلين وفي ( المجمل ) هو تباعد ما بين الساقين في الإنسان والدابة قوله في حديث علي أصلع وهو الذي ذهب شعر مقدم رأسه والأصلع الصغير الرأس والأصمع الصغير الأذنين قوله حمش الساقين بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وفي آخره شين معجمة أي دقيق قوله حجرا حجرا نصب على الحال نحو بوبته بابا بابا أي مبوبا وقال الكرماني أو بدل من الضمير يعني الضمير المنصوب في يقلعها
6951 - حدثنا ( يحيى بن بكير ) قال حدثنا ( الليث ) عن ( يونس ) عن ( ابن شهاب ) عن ( سعيد بن المسيب ) أن ( أبا هريرة ) رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة
( انظر الحديث 1951 )

(14/466)


قد مضى هذا الحديث عن قريب في باب قول الله عز وجل جعل الله الكعبة البيت الحرام ( المائدة 97 ) فإنه رواه هناك عن علي بن عبد الله عن سفيان عن زياد بن سعد عن الزهري وههنا رواه عن يحيى بن أبي بكير المخزومي المصري عن الليث بن سعد المصري عن يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري والله أعلم
50 -( باب ما ذكر في الحجر الأسود )
أي هذا باب في بيان ما ذكر في شأن الحجر الأسود وهو الذي في ركن الكعبة القريب بباب البيت من جانب الشرق ويقال له الركن الأسود ارتفاعه من الأرض ذراعان وثلثا ذراع وقال الأزهري ارتفاعه من الأرض ثلاثة أذرع إلا سبع أصابع
7951 - حدثنا ( محمد بن كثير ) قال أخبرنا ( سفيان ) عن ( الأعمش ) عن ( إبراهيم ) عن ( عابس بن ربيعة ) عن ( عمر ) رضي الله تعالى عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي يقبلك ما قبلتك
مطابقته للترجمة من حيث إن الذي عنده على شرطه هذا الحديث وإلا ففيه وردت أحاديث كثيرة صحيحة وضعيفة على ما سنذكر شيئا من ذلك
ذكر رجاله وهم ستة الأول محمد بن كثير ضد القليل أبو عبد الله العبدري مر في كتاب العلم الثاني سفيان الثوري الثالث سليمان الأعمش الرابع إبراهيم بن يزيد النخعي الخامس عابس بالعين المهملة وبعد الألف باء موحدة وفي آخره سين مهملة ابن ربيعة بفتح الراء النخعي السادس عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك في موضع وفيه العنعنة في أربعة مواضع وفيه أن شيخه بصري والبقية كلهم كوفيون قوله عن إبراهيم هو النخعي وفي رواية مسلم عن إبراهيم ابن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة عن عمر رضي الله تعالى عنه

(14/467)


ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الحج عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب أربعتهم عن أبي معاوية عن الأعمش به وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير به وأخرجه الترمذي فيه عن هناد عن أبي معاوية به وقال حسن صحيح وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم
ذكر معناه قوله أني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع تكلم الشارحون في مراد عمر رضي الله تعالى عنه بهذا الكلام فقال محمد بن جرير الطبري إنما قال ذلك لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر رضي الله تعالى عنه أن يظن الجهال بأن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله فأراد عمر رضي الله تعالى عنه أن يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله عز وجل والوقوف عند أمر نبيه وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله بتعظيمها وأن استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى فنبه عمر على مخالفة هذا الاعتقاد وأنه لا ينبغي أن يعبد إلا من يملك الضرر والنفع وهو الله جل جلاله وقال المحب الطبري أن قول عمر لذلك طلب منه للآثار وبحث عنها وعن معانيها قال ولما رأى أن الحجر يستلم ولا يعلم له سبب يظهر للحس ولا من جهة العقل ترك فيه الرأي والقياس وصار إلى محض الاتباع كما صنع في الرمل وقال الخطابي في حديث عمر من الفقه أن متابعة النبي واجبة وإن لم يوقف فيها على علل معلومة وأسباب معقولة وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها ومن المعلوم أن تقبيل الحجر إكرام وإعظام لحقه قال وفضل الله بعض الأحجار على بعض كما فضل بعض البقاع على بعض وبعض الليالي والأيام على بعض وقال النووي الحكمة في كون الركن الذي فيه الحجر الأسود يجمع فيه بين التقبيل والاستلام كونه على قواعد إبراهيم وفيه الحجر الأسود وأن الركن اليماني اقتصر فيه على الاستلام لكونه على قواعد إبراهيم ولم يقبل وإن الركنين

(14/468)


الغربيين لا يقبلان ولا يستلمان لفقد الأمرين المذكورين فيهما قوله ولا تضر ولا تنفع يعني إلا بإذن الله وروى الحاكم من حديث أبي سعيد حججنا مع عمر رضي الله تعالى عنه فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك ثم قبله فقال علي رضي الله تعالى عنه إنه يضر وينفع قال بم قال بكتاب الله تعالى عز وجل وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسكم ألست بربكم قالوا بلى ( الأعراف 172 ) وذلك أن الله لما خلق آدم مسح يده على ظهره فقررهم بأنه الرب وأنهم العبيد وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك في رق وكان لهذا الحجر عينان ولسان فقال إفتح ففتح فاه فألقمه ذلك الرق فقال أشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة وأني أشهد لسمعت رسول الله يقول يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان دلق يشهد لمن يستلمه بالتوحيد فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع فقال عمر رضي الله تعالى عنه أعوذ بالله من قوم لست فيهم يا أبا الحسن وفي سنده أبو هارون عمارة بن جوين ضعيف ورواه الأزرقي أيضا في ( تاريخ مكة ) وفي لفظه أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم

(14/469)


ومن الحكمة في تقبيل الحجر الأسود غير ما ذكر عن علي رضي الله تعالى عنه أن النبي أخبر أنه من أحجار الجنة على ما يأتي فإذا كان كذلك فالتقبيل ارتياح إلى الجنة وآثارها ومنها أن النبي أخبر أنه يمين الله في الأرض رواه أبو عبيد في ( غريب الحديث ) وفي ( فضائل مكة ) للجندي من حديث ابن جريج عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عباس إن هذا الركن الأسود هو يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه ومن حديث الحكم بن أبان عن عكرمة عنه زيادة فمن لم يدرك بيعة رسول الله ثم استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله وفي ( سنن ابن ماجه ) من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله من فاوض الحجر الأسود فكأنما يفاوض يد الرحمن وقال المحب الطبري والمعنى في كونه يمين الله والله أعلم أن كل ملك إذا قدم عليه قبلت يمينه ولما كان الحاج والمعتمر أول ما يقدمان يسن لهما تقبيله فنزل منزلة يمين الملك ويده ولله المثل الأعلى ولذلك من صافحه كان له عند الله عهد كما أن الملك يعطي العهد بالمصافحة
ذكر ما يستفاد منه فيه أن تقبيل الحجر الأسود سنة وقال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم يستحبون

(14/470)


تقبيل الحجر فإن لم يمكنه ولم يصل إليه استلم بيده وقيل يده وإن كان لم يصل إليه استقبله إذا حاذى به وكبر وهو قول الشافعي انتهى وخالف مالك في تقبيل اليد فقال يستلمه ولا يقبل يده وهو أحد القولين عنه والجمهور على أنه يستلمه ثم يقبل يده وهو قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وعطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وسعيد بن جبير ومجاهد وعمرو بن دينار وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وروى الحاكم من حديث جابر بدأ بالحجر الأسود فاستلمه وفاضت عيناه بالبكاء وقبله ووضع يده عليه ومسح بهما وجهه وروى النسائي من حديث ابن عباس عنه أنه قبله ثلاثا وعند الحاكم وسجد عليه وصحح إسناده وفيه كراهة تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله من الأحجار وغيرها وقال شيخنا زين الدين وأما قول الشافعي ومهما قبل من البيت فحسن فإنه لم يرد بالحسن مشروعية ذلك بل أراد إباحة ذلك والمباح من جملة الحسن كما ذكره الأصوليون قلت فيه نظر لا يخفى وقال أيضا وأما تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرك وكذلك تقبيل أيدي الصالحين وأرجلهم فهو حسن محمود باعتبار القصد والنية وقد سأل أبو هريرة الحسن رضي الله تعالى عنه أن يكشف له المكان الذي قبله رسول الله وهو سرته فقبله تبركا بآثاره وذريته وقد كان ثابت البناني لا يدع يد أنس رضي الله تعالى عنه حتى يقبلها ويقول يد مست يد رسول الله وقال أيضا وأخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي وتقبيل منبره فقال لا بأس بذلك قال فأريناه للشيخ تقي الدين بن تيمية فصار يتعجب من ذلك ويقول عجبت أحمد عندي جليل يقوله هذا كلامه أو معنى كلامه وقال وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصا للشافعي وشرب الماء الذي غسله به وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير

(14/471)


الصحابة وكيف بآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولقد أحسن مجنون ليلى حيث يقول
أمر على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الدار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا
وقال المحب الطبري ويمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان جواز تقبيل ما في تقبيله تعظيم الله تعالى فإنه إن لم يرد فيه خبر بالندب لم يرد بالكراهة قال وقد رأيت في بعض تعاليق جدي محمد بن أبي بكر عن الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي الصيف أن بعضهم كان إذا رأى المصاحف قبلها وإذا رأى أجزاء الحديث قبلها وإذا رأى قبور الصالحين قبلها قال ولا يبعد هذا والله أعلم في كل ما فيه تعظيم لله تعالى
وفيه في قول عمر رضي الله تعالى عنه التسليم للشارع في أمور الدين وحسن الإتباع فيما لم يكشف عن معانيها وقال الخطابي فيه تسليم الحكمة وترك طلب العلل وحسن الإتباع فيما لم يكشف لنا عنه من المعنى وأمور الشريعة على ضربين ما كشف عن علته وما لم يكشف وهذا ليس فيه إلا التسليم
وفيه قاعدة عظيمة في اتباع النبي فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه وفيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته وفيه بيان السنن بالقول والفعل وفيه أن للإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاده أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضح ذلك

(14/472)


فائدة روى الترمذي من حديث ابن عباس قال قال رسول الله في الحجر الأسود وإنه ليبعثه الله تعالى يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق ورواه ابن ماجه أيضا وابن حبان في ( صحيحه ) وروى الحاكم في ( المستدرك ) والطبراني في ( المعجم الأوسط ) من حديث عبد الله ابن عمرو أن رسول الله قال يؤتى الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان يتكلم عمن استلمه بالنية وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه قال الحاكم صحيح وفيه جواز كلام الجمادات ومنه تسبيح الحصى وكلام الحجر ووجود اللسان والعينين للحجر الأسود هل يخلقه الله تعالى فيه يوم القيامة أو هو موجود فيه قبل ذلك وإنما هو أمر خفي غامض يحتمل الأمرين وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه الموقوف عليه أن هذا الوصف كان موجودا له من يوم لست بربكم ( الأعراف 271 ) قوله يشهد على من استلمه على هنا بمعنى اللام وقد ورد في رواية الأحمد والدارمي في مسنديهما يشهد لمن استلمه بحق وكذلك

(14/473)


في ( صحيح ابن حبان ) وقوله بحق يحتمل أن يتعلق بقوله يشهد ويحتمل أن يتعلق بقوله استلمه وروى معمر عن رجل عن المنهال ابن عمرو عن مجاهد أنه قال يأتي الحجر والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أحد فيناديان بأعلى صوتهما يشهدان لمن وافاهما بالوفاء وعن أنس أن رسول الله قال الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة قال الحاكم صحيح الإسناد وعن ابن عمر قال سمعت رسول الله يقول الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب أخرجه الحاكم وأخرجه البيهقي بسند على شرط مسلم وزاد ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم ما مسهما من ذي عاهة إلا شفي وما على الأرض من الجنة غيره وعن ابن عباس رفعه لولا ما طبع الله الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها وأيدي الظلمة والأئمة لاستشفي به من كل عاهة ولألقاه الله كهيئته يوم خلقه تعالى وإنما غيره الله تعالى بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة وأنه لياقوتة من ياقوت الجنة بيضاء وضعه لآدم حيث أنزله في موضع الكعبة والأرض يومئذ طاهرة لم يعمل فيها شيء من المعاصي وليس لها أهل ينجسونها ووضع لها صفا من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض وسكانها يومئذ الجن وليس ينبغي لهم أن ينظروا إليه لأنه شيء من الجنة ومن نظر إلى الجنة دخلها فهم على أطراف الحرم حيث أعلامه ليوم يحدقون به من كل جانب بينه وبين الحرم وروى الطبراني عن عائشة استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن يرفع فإنه خرج من الجنة وأنه لا ينبغي لشيء خرج من الجنة أن لا يرجع إليها قبل يوم القيامة وفي رواية الجندي عن مجاهد الركن من الجنة ولو لم يكن منها لفني وعند الجندي عن سعيد بن المسيب الركن والمقام حجران من حجارة الجنة

(14/474)


أخرى كان أبو طاهر القرمطي من الباطنية وقال بسوء رأيه هذا الحجر مغنطيس بني آدم فجاء إلى مكة وقلع الباب وأصعد رجلا من أصحابه ليقطع الميزاب فتردى على رأسه إلى جهنم وبئس المآب وأخذ أسلاب مكة والحاج وألقى القتلى في بئر زمزم فهلك تحت الحجر من مكة إلى الكوفة أربعون جملا فعلقه لعنة الله عليه على الأسطوانة السابعة من جامع الكوفة من الجانب الغربي ظنا منه أن الحج ينتقل إلى الكوفة قال ابن دحية ثم حمل الحجر إلى هجر سنة سبع عشرة وثلاثمائة وبقي عند القرامطة اثنتين وعشرين سنة إلا شهرا ثم رد لخمس خلون من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وكان يحكم التركي بذل لهم في درهم خمسين ألف دينار فما فعلوا وقالوا أخذناه بأمر ولا نرده إلا بأمر وقيل إن القرمطي باع الحجر من الخليفة المقتدر بثلاثين ألف دينار ثم أرسل الحجر إلى مكة على قعود أعجف فسمن تحته وزاد حسنه إلى مكة شرفها الله تعالى

(14/475)


51 -( باب إغلاق البيت ويصلي في أي نواحي البيت شاء )
أي هذا باب يذكر فيه إغلاق باب الكعبة البيت الحرام يقال أغلقت الباب فهو مغلق والأسم الغلق وغلقت الباب غلقا لغة رديئة قاله الجوهري وغلقت الأبواب شدد للكثرة قوله ويصلي أي الداخل في البيت يصلي في أي ناحية شاء من نواحي البيت وكل ناحية من نواحي البيت من داخله سواء كما أن كل نواحيه من خارجه في الصلاة إليه سواء وفي ( التوضيح ) قال الشافعي من صلى في جوف البيت مستقبلا حائطا من حيطانها فصلاته جائزة وإن صلى نحو باب البيت وكان مغلقا فكذلك وإن كان مفتوحا فباطلة لأنه لم يستقبل شيئا منها فكأنه استدل على ذلك بغلق باب الكعبة حين صلوا وقد يقال إنما أغلقه لكثرة الناس عليه فصلوا بصلاته ويكون ذلك عندهم من مناسك الحج كما فعل في صلاة الليل حين لم يخرج إليهم خشية أن يكتب عليهم ومتى فتح وكانت العتبة قدر ثلثي ذراع صحت أيضا ولا يرد عليه ما إذا انهدمت وصلى كما ألزمنا ابن القصار به لأنه صلى إلى الجهة انتهى قال النووي إذا كان الباب مسدودا أو له عتبة قدر ثلثي ذراع يجوز هذا هو الصحيح وفي وجه يقدر بذراع وقيل يكفي شخوصها وقيل يشترط قدر قامة طولا وعرضا ولو وضع بين يديه متاعا واستقبله لم يجزه قلت الصلاة في الكعبة جائزة فرضها ونفلها وهو قول عامة أهل العلم وبه قال الشافعي وقال مالك لا يصلى في البيت والحجر فريضة ولا ركعتا الطواف الواجبتان ولا الوتر ولا ركعتا الفجر وغير ذلك لا بأس به ذكره في ذخيرتهم وذكر القرطبي في ( تفسيره ) عن مالك أنه لا يصلي الفرض ولا السنن ويصلي التطوع فإن صلى فيه مكتوبة أعاد في الوقت كمن صلى إلى غير القبلة بالإجتهاد وعند ابن حبيب وأصبغ يعيد أبدا وبقول مالك قال أحمد وقال ابن عبد الحكم لا يعيد مطلقا ومحمد بن جرير الطبري منع الجميع فيها

(14/476)


8951 - حدثنا ( قتيبة بن سعيد ) قال حدثنا ( الليث ) عن ( ابن شهاب ) عن ( سالم ) عن أبيه أنه قال دخل رسول الله البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته هل صلى فيه رسول الله قال نعم بين العمودين اليمانيين
مطابقته للترجمة في قوله أغلقوا عليهم فإن قلت من جملة الترجمة قوله ويصلي في أي نواحي البيت شاء وهذا يدل على التخيير وفي الحديث بين اليمانيين وهو يدل على التعيين فلا يطابق الترجمة قلت لم تكن صلاته في ذلك الموضع قصدا وإنما وقع اتفاقا وهذا لا ينافي التخيير ولئن سلمنا أنه كان قصدا ولكن لم يكن قصده تحتما وإنما كان اختيارا لذلك الموضع لمزية فضلة على غيره فلا يدل على التعيين
ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم وأخرجه مسلم أيضا في الحج عن قتيبة ومحمد بن رمح وأخرجه النسائي فيه وفي الصلاة عن قتيبة

(14/477)


ذكر معناه قوله دخل رسول الله البيت أي الكعبة وكان ذلك في عام الفتح كما جاء في رواية يونس بن يزيد عن نافع عند البخاري كما في كتاب الجهاد ولفظه أقبل النبي يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته وفي رواية فليح عن نافع في المغازي وهو مردف أسامة يعني ابن زيد على القصواء ثم اتفقا ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتى أناخ في المسجد وفي رواية فليح عند البيت وقال لعثمان ائتنا بالمفتاح فجاءه بالمفتاح ففتح له الباب فدخل وفي رواية مسلم وعبد الرزاق من رواية أيوب عن نافع ثم دعى عثمان بن طلحة بالمفتاح فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه فقال والله لتعطينه أو لأخرجن هذا السيف من صلبي فلما رأت ذلك أعطته فجاء إلى رسول الله ففتح الباب وظهر من رواية فليح أن فاعل فتح هو عثمان المذكور ولكن روى الفاكهي من طريق ضعيف عن ابن عمر قال كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم فأخذ رسول الله المفتاح ففتحها بيده وعثمان المذكور هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب ويقال له الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم ولآل بيته الحجبة لحجبهم الكعبة ويعرفون الآن بالشيبين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمان هذا لا ولده وله أيضا صحبة ورواية واسم أم عثمان المذكور سلافة بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الفاء قوله هو وأسامة هو ضمير الفصل يرجع إلى النبي ذكر هؤلاء الثلاثة أنهم دخلوا البيت مع النبي وفي رواية مسلم من طريق آخر ولم يدخلها معهم أحد وفي رواية النسائي من طريق ابن عدي عن نافع ومعه الفضل بن عباس فيكونون أربعة وفي رواية أحمد في حديث ابن عباس حدثني أخي الفضل وكان معه حين دخلها أنه لم يصل في الكعبة قوله فأغلقوا عليهم أي الباب وفي رواية حسان بن عطية عن نافع عند أبي عوانة من داخل وزاد يونس فمكث نهارا طويلا وفي رواية فليح زمانا بدل نهارا وفي رواية جويرية عن نافع التي مضت في

(14/478)


أوائل الصلاة في باب الصلاة بين السواري فأطال وفي رواية مسلم من رواية ابن عون عن نافع فمكث فيها مليا وله من عبيد الله عن نافع فأجافوا عليهم الباب طويلا ومن رواية أيوب عن نافع فمكث فيها ساعة وفي رواية النسائي من طريق ابن أبي مليكة فوجدت شيئا فذهبت ثم جئت سريعا فوجدت النبي خارجا منها فإن قلت وقع في ( الموطأ ) فأغلقاها عليه والضمير لعثمان وبلال ووقع في رواية مسلم من طريق ابن عون عن نافع فأجاف عليهم عثمان الباب قلت كان عثمان هو المباشر لذلك لأنه من وظيفته والظاهر أن بلالا كان ساعده في ذلك فأضيف إليه لكونه مساعدا قوله فلما فتحوا كنت أول من ولج أي دخل من الولوج وهو الدخول وفي رواية فليح ثم خرج فابتدر الناس الدخول فسبقتهم وفي رواية أيوب وكنت رجلا

(14/479)


شابا قويا فبادرت الناس فبدرتهم وفي رواية جويرية كنت أول الناس ولج على إثره وفي رواية ابن عون فرقيت الدرجة فدخلت البيت وفي رواية مجاهد التي مضت في باب قول الله تعالى واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ( البقرة 125 ) في أوائل كتاب الصلاة عن ابن عمر وأجد بلالا قائما بين الناس وذكر الأزرقي في كتاب مكة أن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه كان على الباب يذب عنه الناس وكأنه جاء بعدما دخل النبي وأغلق قوله فلقيت بلالا فسألته وفي رواية مالك عن نافع التي مضت في باب الصلاة بين السواري في أوائل كتاب الصلاة فسألت بلالا رضي الله تعالى عنه حين خرج ما صنع النبي الحديث وفي رواية جويرية ويونس وجمهور أصحاب نافع فسألت بلالا أين صلى اختصروا أول السؤال وثبت في رواية سالم المذكور في حديث الباب حيث قال هل صلى فيه قال نعم وكذا في رواية مجاهد وابن أبي مليكة عن ابن عمر فقلت أصلى النبي في الكعبة قال نعم فظهر أنه استثبت أولا هل صلى أم لا ثم سأل عن موضع صلاته من البيت ووقع في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم فأخبرني بلال أو عثمان بن طلحة على الشك والمحفوظ أنه سأل بلالا كما في رواية الجمهور ووقع عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن ابن عمر أنه سأل بلالا وأسامة بن زيد حين خرجا أين صلى النبي فيه فقالا على جهته وكذا أخرجه البزار نحوه وفي رواية أحمد والطبراني من طريق أبي الشعثاء عن ابن عمر فقال أخبرني أسامة أنه صلى فيه ههنا وفي رواية مسلم والطبراني من وجه آخر فقلت أين صلى النبي فقال فإن كان محفوظا حمل على أنه ابتدأ بلالا بالسؤال كما تقدم تفصيله ثم أراد زيادة الاستثباب في مكان الصلاة فسأل عثمان أيضا وأسامة فإن قلت كيف هذا وقد أخرج مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أسامة بن زيد أخبره أن النبي لم يصل فيه ولكنه كبر في نواحيه قلت وجه الجمع بينهما أن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على غيره وحيث نفاها

(14/480)


أراد ما في علمه لكونه لم ير النبي حين صلى وجواب آخر أنه يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته وبه أجاب المحب الطبري ويدل عليه ما رواه ابن المنذر من حديث أسامة أن النبي رأى صورا في الكعبة فكنت آتيه بماء في الدلو يضرب به الصور فقد أخبر أسامة أنه كان يخرج لنقل الماء وكان ذلك كله يوم الفتح وقال ابن حبان الأشبه عندي أن يحمل الخبران على دخولين متغايرين أحدهما يوم الفتح وصلى فيه والآخر في حجة الوداع ولم يصل فيه من غير أن يكون بينهما تضاد ومما يرجح به إثبات صلاته في البيت على من نفاها كثرة الرواة لها فالذين أثبتوها بلال وعمر بن الخطاب وعثمان بن طلحة وشيبة بن عثمان والذين نفوها أسامة والفضل بن عباس وعبد الله بن العباس وأما الفضل فليس في الصحيح أنه دخل معهم وأما ابن عباس فإنه أخبر عن أخيه الفضل ولم يدخل مع النبي البيت ومن الأجوبة أن القاعدة تقديم المثبت على النافي قوله بين العمودين اليمانيين وفي رواية جويرية بين العمودين المقدمين وفي رواية مالك عن نافع جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره ووقع في رواية فليح الآتية في المغازي بين ذينك العمودين المقدمين وكان البيت على ستة أعمدة شطرين صلى بين العمودين من الشطر المقدم وجعل باب البيت خلف ظهره وقال في آخر روايته وعند المكان الذي صلى فيه مرمرة حمراء وكل هذا إخبار عما كان عليه البيت قبل أن يهدم ويبنى في زمن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما قوله اليمانيين بتخفيف الياء لأنهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءي النسبة وجوز سيبويه التشديد

(14/481)


ذكر ما يستفاد منه فيه مشروعية الدخول البيت بدليل دخوله ومن معه ومشروعية الصلاة فيه وفي ( شرح المهذب ) يستحب دخول الكعبة والصلاة فيها وأقل ما يصلى ركعتين زاد في المناسك جافيا وروى البيهقي عن ابن عباس قال قال رسول الله من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورا له وفي سنده عبد الله بن المؤمل وفيه مقال ورواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) وجعله من قول مجاهد وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج ورده بأن النبي إنما دخله عام الفتح ولم يكن حينئذ محرما يستحب للداخل أن لا يرفع بصره إلى السقف
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها عجبا للمرء إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره قبل السقف يدع ذلك إجلالا لله تعالى وإعظاما لما دخل رسول الله الكعبة خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها قال الحاكم صحيح على شرطهما وقال ابن أبي حاتم عن أبيه هذا حديث منكر وفي ( التلويج ) وقد أسف النبي على دخولها قالت عائشة دخل علي النبي وهو حزين فقلت يا رسول الله خرجت من عندي وأنت قرير العين طيب النفس فما بالك فقال إني دخلت الكعبة وودت أني لم أكن فعلته إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي قلت الحديث رواه أبو داود والترمذي وصححه والحاكم وصححه وابن خزيمة في ( صحيحه ) وقال البيهقي هذا الدخول في حجته ولا يخالف حديث ابن أبي أوفى أنه لم يدخل لأن حديثه في العمرة على ما رواه مسلم من حديثه أنه سئل أدخل النبي في عمرته البيت فقال لا وإنما لم يدخل في عمرته لما كان في البيت من الأصنام والصور وكان إذ ذاك لا يتمكن من إزالتها بخلاف عام الفتح والله أعلم
52 -( باب الصلاة في الكعبة )
أي هذا باب في بيان مشروعية الصلاة في الكعبة

(14/482)


9951 - حدثنا ( أحمد بن محمد ) قال أخبرنا ( عبد الله ) قال أخبرنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حين يدخل ويجعل الباب قبل الظهر يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاث أذرع فيصلي يتوخى المكان الذي أخبره بلال أن رسول الله صلى فيه وليس على أحد بأس في أن يصلي في أي نواحي البيت شاء
مطابقته للترجمة ظاهرة والحديث قد مر في باب الصلاة بين السواري في كتاب الصلاة فإنه أخرجه هناك عن إبراهيم ابن المنذر عن أبي ضمرة عن ( موسى بن عقبة ) وهنا أخرجه عن أحمد بن محمد بن موسى أبي العباس السمسار المروزي وقد مر في كتاب الوضوء عن عبد الله هو ابن المبارك المروزي قوله قبل الوجه بكسر القاف وفتح الباء الموحدة بمعنى المقابل قوله قريبا نصب على أنه خبر قوله يكون واسمه محذوف تقديره حتى يكون المقدار أو المسافة قريبا من ثلاثة أذرع قوله يتوخى جملة وقعت حالا من الضمير الذي في فيصلي وهو بتشديد الخاء المعجمة أي يقصد وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى
53 -( باب من لم يدخل الكعبة )
أي هذا باب في ذكر من لم يدخل الكعبة حين حج وكأنه أشار بهذا إلى الرد على من زعم أن دخول الكعبة من مناسك الحج وذكر في الاحتجاج في ذلك فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لأنه أشهر من روى عن النبي دخول الكعبة فلو كان دخولها عنده من المناسك لما أخل به مع كثرة أتباعه
وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يحج كثيرا ولا يدخل

(14/483)


وصل هذا المعلق سفيان الثوري في ( جامعه ) رواية عبد الله بن الوليد العدني عنه عن حنظلة عن طاووس قال كان ابن عمر يحج كثيرا ولا يدخل البيت وفي ( التلويح ) هذا معارض لما ذكره البخاري قبل كان ابن عمر إذا دخل الكعبة مشى الحديث قلت لا معارضة لأنه يحمل على وقت دون وقت وروى مسلم عن ابن عباس إنما أمرتم بالطواف ولم تؤمروا بدخوله أخبرني أسامة أن النبي لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين وقال هذه القبلة وزاد الحاكم قال عطاء لم يكن ينهي عن دخوله ولكن سمعته يقول أخبرني أسامة وعند ابن أبي شيبة قال ابن عباس يا أيها الناس إن دخولكم البيت ليس من حجكم في شيء وسنده صحيح وعن إبراهيم إن شاء دخل وإن شاء لم يدخل وقال خيثمة لا يضرك والله أن لا تدخله
00 - 6 - 1 - حدثنا ( مسدد ) قال حدثنا ( خالد بن عبد الله ) قال حدثنا ( إسماعيل بن أبي خالد ) عن ( عبد الله بن أبي أوفى ) اعتمر رسول الله فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس فقال له رجل أدخل رسول الله الكعبة قال لا
مطابقته للترجمة ظاهرة ورجاله أربعة وخالد بن عبد الله هو الطحان البصري وهذا الإسناد نصفه بصري ونصفه كوفي
وأخرجه البخاري أيضا عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير وفي المغازي أيضا عن محمد بن عبد الله بن نمير وعن علي بن عبد الله عن سفيان وأخرجه أبو داود في الحج عن مسدد عن خالد وعن تميم بن المنتصر عن إسحاق بن يوسف عن شريك وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد وعن إبراهيم بن يعقوب وأخرجه ابن ماجه فيه عن ابن نمير

(14/484)


قوله اعتمر رسول الله المراد به عمرة القضاء فكانت في سنة سبع من الهجرة قبل فتح مكة قوله خلف المقام أي مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام والواو في ومعه للحال قوله أدخل الهمزة للاستفهام وقال النووي قال العلماء سبب ترك دخوله ما كان في البيت من الأصنام والصور ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها فلما كان الفتح أمرنا بإزالة الصور ثم دخلها وقال القرطبي كانت الأصنام ثلاثمائة وستين صنما لأنهم كانوا يعظمون كل يوم صنما ويخصون أعظمها بصنمين وروى الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه في ( مسنده ) عن جابر قال كان في الكعبة صور فأمر النبي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن يمحوها فبل عمر ثوبا ومحاها به فدخلها وما فيها شيء
54 -( باب من كبر في نواحي الكعبة )
أي هذا باب يذكر فيه من كبر في نواحي الكعبة
1061 - حدثنا ( أبو معمر ) قال حدثنا ( عبد الوارث ) قال حدثنا ( أيوب ) قال حدثنا ( عكرمة ) عن ( ابن عباس ) رضي الله تعالى عنهما قال إن رسول الله لما قدم أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام فقال رسول الله قاتلهم الله أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها فدخل البيت فكبر في نواحيه ولم يصل فيه
مطابقته للترجمة في قوله فكبر في نواحيه وأبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمر والمقعد البصري وعبد الوارث بن سعيد وأيوب السختياني وفي ( التوضيح ) والحديث من أفراد البخاري وليس كذلك بل أخرجه أبو داود أيضا في الحج عن أبي معمر به

(14/485)


قوله لما قدم أي مكة قوله أبى أن يدخل البيت أي امتنع عن دخول البيت قوله وفيه أي والحال أن في البيت الآلهة أي الأصنام التي لأهل الجاهلية أطلق عليها الآلهة باعتبار ما كانوا يزعمون قوله فأمر بها فأخرجت وفي رواية تأتي في الأنبياء حتى أمر بها فمحيت قوله فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وفي رواية له أيضا في باب واتخذ الله إبراهيم خليلا ( النساء 521 ) دخل النبي البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة هذا إبراهيم مصور فما باله يستقسم قوله الأزلام جمع زلم وهي الأقلام
وقال ابن التين الأزلام القداح وهي أعواد نحتوها وكتبوا في إحداها إفعل وفي الآخر لا تفعل ولا شيء في الآخر فإذا أراد أحدهم سفرا أو حاجة ألقاها فإن خرج إفعل فعل وإن خرج لا تفعل لم يفعل وإن خرج الآخر أعاد الضرب حتى يخرج له إفعل أو لا تفعل فكانت سبعة على صفة واحدة مكتوب عليها لا نعم منهم من غيرهم ملصق العقل فضل العقل وكان بيد السادن فإذا أرادوا خروجا أو تزويجا أو حاجة ضرب السادن فإن خرج نعم ذهب فإن خرج لا كف وإن شكوا في نسب أتوا به إلى الصنم فضرب بتلك الثلاثة التي هي منهم من غيرهم ملصق فإن خرج منهم كان من أوسطهم نسبا وإن خرج من غيرهم كان حليفا وإن خرج ملصق لم يكن له نسب ولا حلف وإذا جنى أحد جناية واختلفوا على من العقل ضربوا فإن خرج العقل على من ضربه عليه عقل وبرىء الآخرون وكانوا إذا عقلوا العقل وفضل الشيء منه واختلفوا فيه أتوا السادن فضرب فعلى من وجب أداه وقال ابن قتيبة كانت الجاهلية يتخذون الأقلام ويكتبون على بعضها نهاني ربي وعلى بعضها أمرني ربي وعلى بعضها نعم وعلى بعضها لا فإذا أراد أحدهم سفرا أو غيره دفعوها إلى بعضهم حتى يقبضها فإن خرج القدح الذي عليه أمرني ربي مضى أو نهاني كف

(14/486)


والاستقسام ما قسم له من أمر يزعمه وقيل كان إذا أراد أحدهم أمرا أدخل يده في الوعاء الذي فيه الأقلام فأخرج منها زلما وعمل بما عليه وقيل الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها والاستقسام استفعال من قسم الرزق والحاجات وذلك طلب أحدهم بالأزلام على ما قسم له في حاجته التي يلتمسها من نجاح أو حرمان وأبطل الرب تعالى ذلك وأخبر أنه فسق لأنهم كان يستقسمون عند ألهتهم التي يعتقدونها ويقولون يا إلهنا أخرج الحق في ذلك ثم يعملون بما خرج فيه فكان ذلك كفرا بالله تعالى لإضافتهم ما يكون من ذلك من صواب أو خطأ إلى أنه من قسم آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع وأخبر الشارع عن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام أنهما لم يكونا يفوضان أمورهما إلا إلى الله الذي لا يخفى عليه علم ما كان وما هو كائن لأن الآلهة لا تضر ولا تنفع ولذلك قال لقد علموا أنهم لم يستقسما بها قط لأنهم قد علموا أن أباءهم أحدثوها وكان فيهم بقية من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام منها الختان وتحريم ذوات المحارم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين

(14/487)


قوله قاتلهم الله أي لعنهم الله قال التيمي يعني قاتل الله المشركين الذين صوروا صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ونسبوا إليهما الضرب بالقداح وكانا بريئين من ذلك وإنما هو شيء أحدثه الكفار الذين غيروا دين إبراهيم عليه السلام وأحدثوا أحداثا قوله أما والله وفي رواية الأكثرين أم والله وحذف الألف منه للتخفيف وكلمة أما لافتتاح الكلام قوله قد علموا ويروى لقد علموا بزيادة اللام لزيادة التأكيد قيل وجه ذلك أنهم كانوا يعلمون إسم أول من أحدث الاستقسام بالأزلام وهو عمرو بن لحي فكانت نسبتهم الاستقسام بالأزلام إلى إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام افتراء عليهما قوله لم يستقسما أي إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام قوله بها أي بالأزلام ويروى بهما مثنى وهو باعتبار أن الأزلام على نوعين خير وشر وقد ذكرنا أن الاستقسام طلب القسم يعني طلب معرفة ما قسم له وما لم يقسم له بالأزلام وكذا معرفة ما أمر به وما نهي عنه وقيل هو قسمهم الجزور على الأنصباء المعلومة قوله فدخل البيت أي فدخل النبي الكعبة فكبر في نواحيه أي في جوانب البيت ولم يصل فيه صلاة فهذا ابن عباس نفى الصلاة وأثبت التكبير وبلال أثبت الصلاة ولم يتعرض للتكبير وقد ذكرنا وجه ذلك مستقصى في باب إغلاق البيت وهذا البخاري صحح حديث ابن عباس مع كونه يرى تقديم حديث بلال في إثبات الصلاة فإن قلت كيف وجه هذا يصححه ويتركه قلت لم يترك لا حديث ابن عباس ولا حديث بلال وترجم هنا بحديث ابن عباس لأجل الزيادة فيه وهو التكبير في نواحي البيت ولكنه قدم حديث ابن عباس لوجهين أحدهما أنه لم يكن مع النبي يومئذ وإنا أسند نفي الصلاة تارة لأسامة وتارة لأخيه الفضل مع أنه لم يثبت كون الفضل معهم إلا في رواية شاذة والوجه الآخر إن قول المثبت يرحج لأن فيه زيادة العلم والله تعالى أعلم

(14/488)


55 -( باب كيف كان بدء الرمل )
أي هذا باب يذكر فيه كيفية ابتداء مشروعية الرمل في الطواف والرمل بفتح الراء والميم هو سرعة المشي مع تقارب في الخطوة وفي ( المحكم ) رمل يرمل رملا ورملا إذا مشى دون العدو قال القزاز هو العدو الشديد وفي الجمهرة شبيه بالهرولة وفي ( الصحاح ) هو الهرولة وفي ( المغيث ) هو الخبب وقيل هو أن يهز منكبه ولا يسرع العدو وفي ( كتاب المسالك ) لابن العربي هو مأخوذ من التحرك وهو أن يحرك الماشي منكبيه لشدة الحركة في مشيه
2061 - حدثنا ( سليمان بن حرب ) قال حدثنا ( حماد ) هو ( ابن زيد ) عن ( أيوب ) عن ( سعيد بن جبير ) عن ( ابن عباس ) رضي الله تعالى عنهما قال قدم رسول الله وأصحابه فقال المشركون إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب فأمرهم النبي أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم
( الحديث 2061 - طرفه في 6524 )
مطابقته للترجمة من حيث إن المذكور فيه أنه أمر القادمين معه إلى مكة أن يرملوا وكان هذا هو ابتداء مشروعية الرمل ورجاله قد تكرروا
وأعاد البخاري هذا الحديث في المغازي عن سليمان بن حرب أيضا وأخرجه مسلم في الحج أيضا عن أبي الربيع الزهراني وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سليمان لوبن

(14/489)


ذكر معناه قوله قدم رسول الله وأصحابه أي مكة قوله فقال المشركون إنه يقدم عليكم بفتح الدال والضمير في أنه يرجع إلى رسول الله وفي وهنهم لأصحابه وله وجه آخر يأتي بيانه عن قريب وفي لفظ مسلم فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا وفي لفظ للبخاري والمشركون من جبل قعيقعان وفي لفظ لمسلم وكانوا يحسدونه وفي لفظ وكان أهل مكة قوما حسدا وفي رواية الإسماعيلي يقدم عليكم قوم عراة فأطلع الله نبيه على ما قالوا فأمرهم أن يرملوا وأن يمشوا وفي رواية ابن ماجه قال لأصحابه حين أرادوا دخول مكة في عمرته بعد الحديبية إن قومكم غدا سيرونكم فليرونكم جلدا فلما دخلوا المسجد الحرام استلموا الركن ورملوا وهو معهم وللطبراني عن عطاء عن ابن عباس قال من شاء فليرمل ومن شاء فلا يرمل إنما أمر رسول الله بالرمل ليرى المشركون قوته وفي رواية الطبراني في ( تهذيبه ) لما اعتمر رسول الله بلغه أن أهل مكة يقولون إن بأصحابه هزالا فقال لهم حين قدم شدوا مآزركم وأعضادكم وارملوا حتى يقول قومكم إن بكم قوة قال ثم حج رسول الله فلم يرمل قالوا وإنما رمل في عمرة العقبة وفي إسناده حجاج بن أرطاة وفي رواية أبي داود أنه وأصحابه اعتمروا من جعرانة يعني في عمرة القضاء فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قدموها على عواتقهم اليسرى وفي لفظ كانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا من قريش مشوا ثم إذا اطلعوا عليهم يرملون تقول قريش كأنهم الغزلان قوله قد وهنهم ويروى وقد وهنهم بواو العطف وحرف التقريب والجملة حالية وهذا بحرف العطف وبحذفها رواية ابن السكن وقال ابن قرقول رواية الكافة بالفاء وهو الصواب يعني وفد بمعنى الجماعة القادمين فعلى هذا يكون ارتفاعه على أنه فاعل قوله يقدم ويكون قوله وهنهم في محل الرفع لأنها تكون صفة لوفد وعلى هذا يكون الضمير في قوله إنه يقدم ضمير الشان وعلى رواية ابن السكن يرجع إلى رسول الله كما

(14/490)


ذكرنا عن قريب ويروى وهنهم بالتشديد من التوهين وقوله حمى يثرب بالرفع فاعله والوهن الضعف يقال وهن يهن مثل وعد ووهن ورم والواهن الضعيف في قوته لا بطش عنده وعن صاحب ( العين ) الوهن الضعف في العمل والأمر وكذلك في العظم وهن الشيء وأوهنه والوهن بفتح الهاء لغة في الوهن بالتسكين ورجل واهن في الأمر والعمل وموهون في العظم والبدن وعن ابن دريد وهن يوهن قوله يثرب اسم مدينة الرسول في الجاهلية قوله أن يرملوا بضم الميم أي وأن يرملوا و أن مصدرية والتقدير يأمرهم بالرمل قوله الأشواط جمع شوط بفتح الشين وهو الطلق وهو مأخوذ من قولهم جرى الفرس شوطا إذا بلغ مجراه ثم عاد فكل من أتى موضعا ثم انصرف عنه فهو شوط والمراد ههنا الطوفة حول الكعبة وانتصاب الأشواط على الظرف قوله وأن يمشوا عطف على قوله أن يرملوا قوله ما بين الركنين أي اليمانيين قوله إلا الإبقاء بكسر الهمزة وبالباء الموحدة والقاف وهو الرفق
والشفقة أي لم يمنعه من أمرهم بالرمل في الكل إلا الرفق بهم وقال القرطبي رويناه بالرفع على أنه فاعل يمنعهم ويجوز النصب على أن يكون مفعولا من أجله

(14/491)


ذكر ما يستفاد منه فيه الرمل في الطواف واختلف العلماء فيه هل هو سنة من سنن الحج لا يجوز تركها أو ليس بسنة لأنه كان لعلة وقد زالت فمن شاء فعله اختيارا فروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر أنه سنة وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وقال آخرون ليس بسنة فمن شاء فعله ومن شاء تركه روى ذلك عن جماعة من التابعين منهم طاووس وعطاء والحسن والقاسم وسالم وروي ذلك عن ابن عباس وجمهور العلماء على أن الرمل من الحجر إلى الحجر وفي ( التوضيح ) ثم الجمهور على أنه يستوعب البيت بالرمل وفي قول لا يرمل بين الركنين اليمانيين والمرأة لا ترمل بالإجماع لأنه يقدح في الستر وليست من أهل الجلد ولا تهرول أيضا بين الصفا والمروة في السعي ورواه الشافعي عن ابن عمر وعائشة وجماعة فإن ترك الرمل في الطواف والهرولة في السعي بين الصفا والمروة ثم ذكر وهو قريب فمرة قال مالك يعيد ومرة قال لا يعيد وبه قال ابن القاسم واختلف أيضا هل عليه دم أم لا وفيه جواز تسمية الطوفة شوطا ونقل عن الشافعي كراهته وفي ( الأم ) قال الشافعي لا يقال شوط ولا دور وعن مجاهد لا تقولوا شوطا ولا شوطين ولكن قولوا دورا اودورين وفيه ما يؤخذ جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهابا لهم ولا يعد ذلك من الرياء وفيه جواز المعاريض بالفعل كما يجوز بالقول وربما يكون بالفعل أولى

(14/492)


56 -( باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة أول ما يطوف ويرمل ثلاثا )
أي هذا باب في بيان استلام الحجر الأسود والاستلام هو المسح باليد مشتق من السلام الذي هو التحية وقيل من السلام بكسر السين وهو الحجارة وقال ابن سيدة استلم الحجر واستلأمه بالهمزة أي قبله أو اعتنقه وليس أصله الهمز ويقال استلمت الحجر إذ لمسته كما يقال اكتحلت من الكهل وفي ( الجامع ) وقيل هو استفعل من اللأمة واللأمة هي الدرع والسلاح وإنما يلبس اللامة ليمتنع بها من الأعداء فكان هذا إذا لمس الحجر فقد تحصن من العذاب قوله أول منصوب على الظرف ظرف للاستلام قوله ثلاثا أي ثلاث مرات
3061 - حدثنا ( أصبغ بن الفرج ) قال أخبرني ( ابن وهب ) عن ( يونس ) عن ( ابن شهاب ) عن ( سالم ) عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال رأيت رسول الله حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع
مطابقته للترجمة ظاهرة جدا لأن معناه معنى الترجمة سواء وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ويونس بن يزيد الأيلي وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري وسالم بن عبد الله بن عمر يروي عن أبيه عبد الله
وأخرجه مسلم في الحج أيضا عن أبي الظاهر وحرملة وأخرجه النسائي فيه عن أبي الطاهر وسليمان بن داود كلهم عن ابن وهب به

(14/493)


قوله إذا استلم ظرف لا شرط وبدل عن قوله حين يقدم قوله أول نصب على الظرف مضاف إلى كلمة ما المصدرية قوله يخب في محل النصب على أنه مفعول ثان لقوله رأيت وهو بفتح ياء المضارعة وكسر الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة من الخبب وهو ضرب من العدو وقيل خب الفرس إذا نقل أيامنه وإياسره جميعا وقيل هو أن يراوح بين يديه وقيل الخبب السرعة وقد خبت الدابة تخب خببا وخبيبا وأخبت وقد أخبها ذكره ابن سيده وفي ( المنتهى ) يقال خب خبيبا وأخبه صاحبه إخبابا وفي ( الجمهرة ) وأخببته أنا وفي الكفاية لأبي إسحاق الأجداني إذا ارتفع سير البعير حتى يكون عدوا يراوح بين يديه فذلك الخبب قوله ثلاثة وإن كان مبهما لكن المقصود منه الثلاثة الأول قوله من السبع أي الطوفات السبع ويروى السبعة باعتبار الأطواف وقالت النحاة إذا كان المميز غير مذكور جاز في العدد التذكير والتأنيث

(14/494)


ذكر ما يستفاد منه إن سنة الداخل إلى المسجد الحرام أن يبدأ بالحجر الأسود فيقبله ثم الخبب إنما يشرع في طواف يعقبه سعي ويتصور ذلك في طواف القدوم والإفاضة ولا يتصور في طواف الوداع لأن شرطه أن يكون قد طاف طواف الإفاضة فعلى هذا القول إذا طاف للقدوم وفي نيته أن يسعى بعده استحب الرمل فيه وإن لم يكن هذا في نيته لم يرمل في طواف الإفاضة وقال النووي وثمة قول آخر وهو أنه يرمل في طواف القدوم سواء أراد السعي بعده أم لا وروى الحاكم عن عطاء عن أبي سعيد أن رسول الله لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه وقال عطاء لا رمل فيه وقال الكرماني فإن قلت يفهم منه أن الرمل إنما هو في جميع المطاف ومن الحديث الأول حيث قال فيه وليمشوا بين الركنين أنه في بعضه قلت قال النووي ذلك منسوخ لأنه كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل الفتح وكان بالمسلمين ضعف في أبدانهم وإنما رملوا إظهارا للقوة والاحتياج إليه كان في غير الركنين اليمانيين لأن المشركين كانوا جلوسا في الحجر ولا يرونهم من هذين الركنين ويرونهم فيما سواهما فلما حج رسول الله حجة الوداع سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر فوجب الأمر بالمتأخر
57 -( باب الرمل في الحج والعمرة )
أي هذا باب في بيان مشروعية الرمل في بعض الطواف وأشار بهذا إلى أن الذي عليه الجمهور هذا وذلك لأنه روى عن ابن عباس أنه ليس بسنة من شاء رمل ومن شاء لم يرمل
4061 - حدثني ( محمد ) قال حدثنا ( سريح بن النعمان ) قال حدثنا ( فليح ) عن ( نافع ) عن ( ابن عمر ) رضي الله تعالى عنهما قال سعى النبي ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة
مطابقته للترجمة في قوله في الحج والعمرة

(14/495)


ذكر رجاله وهم خمسة الأول محمد ذكر غير منسوب وذكر فيه أربعة أقوال الأول قول الحاكم هو محمد بن يحيى الذهلي الثاني هو محمد بن رافع حكاه الجياني الثالث محمد بن سلام حكاه أبو علي ابن السكن الرابع محمد بن عبد الله بن نمير حكاه أبو نعيم في ( مستخرجه ) قيل الصواب أنه ابن سلام كما نسبه أبو ذر وحكاه ابن السكن لا يقال إنه اشتباه يقدح لأنا نقول إنه روى عنهم فلا بأس بهذا الاشتباه فلا قدح الثاني سريج بضم السين المهملة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم ابن النعمان الجوهري البغدادي الثالث فليح بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة ابن سليمان وقد مر في أول كتاب العلم الرابع نافع مولى ابن عمر الخامس عبد الله بن عمر
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع وفيه العنعنة في موضعين وفيه القول في موضع واحد وفيه أن شيخ شيخه شيخه أيضا لأنه روى عن سريج أيضا وقد قيل إن المراد من قوله حدثني محمد هو البخاري نفسه فعلى هذا يكون راويا عن شيخه سريج بن النعمان وفيه أن فليحا اسمه عبد الملك وغلب عليه لقبه فليح وكنيته أبو يحيى وهو مدني
قوله سعي أي رمل في الطوفات الثلاث الأول قوله في الحج أي في حجة الوداع قوله والعمرة وهي عمرة القضية لأن الحديبية لم يمكن فيها من الطواف والجعرانة لم يكن ابن عمر معه فيها ولهذا أنكرها
تابعه الليث قال حدثني كثير بن فرقد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي
أي تابع سريجا الليث بن سعد وهذه المتابعة رواها النسائي من طريق شعيب بن الليث عن أبيه فذكره ورواها البيهقي من طريق يحيى بن بكير عن الليث قال حدثني فذكره بلفظ أن عبد الله بن عمر كان يخب في طوافه حين يقدم في حج أو عمرة ثلاثا ويمشي أربعا قال وكان رسول الله يفعل ذلك
5061 - حدثنا ( سعيد بن أبي مريم ) قال أخبرنا ( محمد بن جعفر ) قال أخبرني ( زيد بن أسلم )

(14/496)


عن أبيه أن ( عمر بن الخطاب ) رضي الله تعالى عنه قال للركن أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي استلمك ما استلمتك فاستلمه ثم قال فما لنا وللرمل إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال شيء صنعه النبي فلا نحب أن نتركه
مطابقته للترجمة ظاهرة ومحمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري وزيد بن أسلم أبو أسامة يروي عن أبيه أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يكنى أبا خالد كان من سبي اليمن مات وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة
والحديث أخرجه البخاري أيضا عن أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون وأخرجه مسلم فيه عن هارون بن سعيد وأخرجه النسائي فيه عن عيسى بن إبراهيم الغافقي

(14/497)


قوله قال للركن أي للحجر الأسود خاطبه بذلك ليسمع الحاضرون قوله ثم قال أي بعد استلامه قوله ما لنا وللرمل ويروى والرمل بغير لام والنصب فيه على الأفصح وفي رواية أبي داود من طريق هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم فيم الرمل والكشف عن المناكب الحديث قوله إنما كنا راءينا من المراءاة أي أردنا أن نظهر القوة للمشركين بالرمل ليعلموا أنا لا نعجز عن مقاومتهم ولا نضعف عن محاربتهم وقد أهلكهم الله تعالى فما لنا حاجة اليوم إلى ذلك وقال عياض راءينا بوزن فاعلنا من الرؤية أي أريناهم بذلك أنا أقوياء وقال ابن مالك من الرياء أي أظهرنا القوة ونحن ضعفاء ولهذا روى رايينا بياءين حملا له على الرياء قلت الذي قاله ابن مالك هو على منهج الصواب دون ما قاله عياض يظهر بالتأمل قوله وقد أهلكهم الله الواو فيه للحال قوله شي صنعه النبي ارتفاع شيء على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا شيء صنعه رسول الله فإن قلت لا يجوز أن يكون شيء مبتدأ وقوله فلا نخب خبره قلت شرط المبتدأ الذي يتضمن من معنى الشرط أن لا يكون معينا نحو كل رجل يأتيني فله درهم وهذا شيء معين أللهم إلا أن يقال المعنى كل شيء صنعه النبي إنما صنعه لإظهار الجلد والقوة للمشركين فلما أهلكهم الله لا حاجة به ثم استدرك فقال لما فعله رسول الله فلا نحب أن نتركه اتباعا له قال الخطابي كان عمر رضي الله تعالى عنه طلوبا للآثار بحوثا عنها وعن معانيها لما رأى الحجر يستلم ولا يعلم فيه سببا يظهر للحس أو يتبين في العقل ترك فيه الرأي وصار إلى الاتباع ولما رأى الرمل قد ارتفع سببه الذي كان قد أحدث من أجله في الزمان الأول هم بتركه ثم لاذ باتباع السنة متبركا به وقد يحدث شيء من أمر الدين بسبب من الأسباب فيزول ذلك السبب ولا يزول حكمه كالعرايا والاغتسال للجمعة وقال الطبري ثبت أن النبي رمل في حجته ولا مشرك يومئذ يراه فعلم أنه من مناسك الحج غير أنا لا نرى على من ترك عامدا ولا ساهيا قضاء ولا فدية

(14/498)


لأن من تركه فليس بتارك العمل وإنما هو تارك لهيئته وصفته كالتلبية التي فيها رفع الصوت فإن خفص صوته بها كان غير مضيع لها ولا تاركها وإنما ضيع صفة من صفاتها ولا شيء عليه
ذكر ما يستفاد منه فيه دليل على أن أفعال النبي على الوجوب حتى يقوم دليل على خلافه وفيه أن في الشرع ما هو تعبد محض وما هو معقول المعنى وفيه دليل على غاية اتباع عمر رضي الله تعالى عنه للآثار وفيه دليل على أن الرمل لا يترك ولكن إن تركه لا يوجب شيئا وفي ( التوضيح ) قام الإجماع على أنه لا رمل على من أحرم بالحج من مكة من غير أهلها واختلفوا في أهل مكة هل عليهم رمل فكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لا يراه عليهم وبه قال أحمد واستحبه مالك والشافعي للمكي
6061 - حدثنا ( مسدد ) قال حدثنا ( يحيى ) عن ( عبيد الله ) عن ( نافع ) عن ( ابن عمر ) رضي الله تعالى عنهما قال ما تركت استلام هاذين الركنين في شدة ولا رخاء منذ رأيت النبي يستلمهما قلت لنافع أكان ابن عمر يمشي بين الركنين قال إنما كان يمشي ليكون أيسر لاستلامه
( الحديث6061 - طرفه في 1161 )
مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث إن نافعا لما سئل أكان ابن عمر يمشي بين الركنين قال إنما كان يمشي ليكون أيسر لاستلامه فيدل على أن الباقي من البيت كان بخلاف المشي وهو الرمل فهذا يرد على الإسماعيلي قوله ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيء ويحيى هو القطان وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم أبو عثمان القرشي العدوي المدني وقد تكرر ذكره
والحديث أخرجه مسلم أيضا في الحج عن زهير بن حرب ومحمد ابن المثنى وعبيد الله بن سعيد به وأخرجه النسائي فيه عن عبيد الله بن سعيد رضي الله تعالى عنه

(14/499)


قوله هذين الركنين أي اليمانيين دون غيرهما فكان يرمل في غيرهما قوله قلت لنافع القائل هو عبيد الله الراوي قوله أكان الهمزة فيه للاستفهام قوله إنما كان يمشي أي لا يرمل ليكون أيسر أي أرفق ليقوى على الاستلام عند الازدحام والله أعلم بالصواب
58 -( باب استلام الركن بالمحجن )
أي هذا باب في بيان استلام الركن أي الحجر الأسود قوله بالمحجن بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم وفي آخره نون وهو عطا في طرفه اعوجاج وهو مثل الصولجان وفي ( المحكم ) هو العصا المعوجة وكل معطوف معوج كذلك وقال الأصمغي المحجن عصاه معوجة الرأس وفي ( مجمع الغرائب ) هو شبه الصولجان يجذب به الشيء وقال ابن سيده حجن العود يحجنه حجنا وحجنه ) عطفه والحجن والحجنة والتحجن اعوجاج الشيء
7061 - حدثنا ( أحمد بن صالح ويحيى بن سليمان ) قالا حدثنا ( ابن وهب ) قال أخبرني ( يونس ) عن ( ابن شهاب ) عن ( عبيد الله بن عبد الله ) عن ( ابن عباس ) رضي الله تعالى عنهما قال طاف النبي في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن
مطابقته للترجمة في قوله يستلم الركن بمحجن
ذكر رجاله وهم سبعة الأول أحمد بن صالح أبو جعفر توفي في ذي القعدة سنة ثمان وأربعين ومائتين الثاني يحيى بن سليمان أبو سعيد الجعفي الثالث عبد الله بن وهب الرابع يونس بن يزيد الخامس محمد بن مسلم بن شهاب الزهري السادس عبيد الله بضم العين ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود السابع عبد الله بن عباس
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضع وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع وفيه القول في ثلاثة مواضع وفيه أن له شيخين أحمد بن صالح مصري ويحيى بن سليمان كوفي سكن مصر وكلاهما من أفراده وابن وهب مصري ويونس أيلي وابن شهاب وعبيد الله مدنيان

(14/500)


ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الحج أيضا عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن صالح وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي الطاهر وأخرج مسلم أيضا عن أبي الطفيل رأيت رسول الله يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن وروى مسلم أيضا عن جابر طاف النبي في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف ليسألوه وروى عن عائشة أيضا قالت طاف النبي في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن كراهية أن يصرف الناس عنه وروى أبو داود عن صفية بنت شيبة قالت لما اطمأن رسول الله بمكة عام الوداع طاف على بعيره يستلم الركن بمحجن في يده قالت وأنا أنظر إليه قلت هذا يرد قول النسائي والبرقاني أن صفية ليست لها صحبة وروى ابن أبي حاتم من حديث أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله قال رأيت رسول الله يطوف بالبيت يستلم الحجر بمحجنه وخرجه الحاكم من حديث أبي عاصم عن أيمن قال صحيح على شرط البخاري وروى أبو أحمد الجرجاني من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه رأيت رسول الله يطوف حول البيت فإذا ازدحم الناس عليه استلم الركن بمحجن بيده

(15/1)


ذكر معناه قوله طاف النبي في حجة الوداع على بعير قال ابن بطال استلامه بالمحجن راكبا يحتمل أن يكون لشكوى به قلت روى أبو داود قدم النبي مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته فلما أتى على الركن استلم بمحجن فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وفيه مقال قوله يستلم جملة وقعت حالا قوله الركن أي الحجر الأسود وقال النووي قال أصحابنا الأفضل أن يطوف ماشيا ولا يركب إلا لعذر مرض أو نحوه أو كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليستفتي ويقتدي به فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة لكنه خلاف الأولى وقال أمام الحرمين من أدخل البهيمة التي لا يؤمن من تلويثها المسجد بشيء فإن أمكن الاستيثاق فذاك وإلا فإدخالها المسجد مكروه وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبا من غير عذر منهم الماوردي والبندنيجي وأبو الطيب والعبدري والمشهور الأول والمرأة والرجل في ذلك سواء والمحمول على الأكتاف كالراكب وبه قال أحمد وداود وابن المنذر وقال مالك وأبو حنيفة إن طاف راكبا لعذر أجزأه ولا شيء عليه وإن كان لغير عذر فعليه دم قال أبو حنيفة وإن كان بمكة أعاد الطواف فلو طاف زحفا مع القدرة على القيام فهو صحيح لكنه يكره وقال أبو الطيب في ( التعليقة ) طوافه زحفا كطوافه ماشيا منتصبا لا فرق بينهما واعتذروا عن ركوب سيدنا رسول الله بأن الناس كثروا عليه وغشوه بحيث إن العواتق خرجن من البيوت لينظرن إليه أو لأنه يستفتى أو لأنه كان يشكو كما تقدم واستدل المالكيون بأن في الحديث دلالة على طهارة بول البعير وذهب أبو حنيفة والشافعي في آخرين إلى نجاسته

(15/2)


ذكر ما يستفاد منه أنه إذا عجز عن تقبيل الحجر استلمه بيده أو بعصا ثم قبل ما استلم به كما مر في ( صحيح مسلم ) من حديث أبي الطفيل وقال القاضي عياض وانفرد مالك عن الجمهور فقال لا يقبل يده وإذا عجز عن الاستلام أشار بيده أو بما في يده ولا يشير إلى القبلة بالفم لأنه لم ينقل ويراعى ذلك في كل طوفة فإن لم يفعل فلا شيء عليه قال المهلب واستلامه بالمحجن يدل على أنه ليس بفرض وإنما هو سنة ألا ترى إلى قول عمر رضي الله تعالى عنه لولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك
ومما يستفاد منه أن في قوله في حجة الوداع ردا على من كره تسمية حجة رسول الله حجة الوداع والمنكر غالط وقال المهلب وفيه أنه لا يجب أن يطوف أحد في وقت صلاة الجماعة إلا من وراء الناس ولا يطوف بين المصلين وبين البيت فيشغل الإمام والناس ويؤذيهم وترك أذى المسلم أفضل من صلاة الجماعة كما قال رسول الله من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا
تابعه الدراوردي عن ابن أخي الزهري عن عمه
أي تابع يونس عن ابن شهاب عبد العزيز الدراوردي بفتح الدال المهملة والراء وفتح الواو وسكون الراء وكسر الدال وقد تقدم في باب الصلوات الخمس كفارة وهو يروى عن محمد بن عبد الله ابن أخي محمد بن مسلم الزهري وتقدم هو في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وأخرج هذه المتابعة الإسماعيلي عن الحسن حدثنا محمد بن عباد المكي حدثنا عبد العزيز بن محمد عن ابن أخي الزهري عن عمه عن عبيد الله عن ابن عباس أن رسول الله طاف بالبيت يستلم الركن بالمحجن

(15/3)


59 -( باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين )
أي هذا باب يذكر فيه من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين أي دون الركنين الشاميين والياء في اليمانيين مخففة على المشهور لأن الألف فيه عوض عن ياء النسبة فلو شددت يلزم الجمع بين العوض والمعوض وجوز سيبويه التشديد وقال إن الألف زائدة كما زيدت النون في صنعاني وهما الركن الأسود والركن اليماني الذي يليه فقيل لهما اليمانيان تغليبا كما يقال الأبوان
8061 - وقال ( محمد بن بكر ) أخبرنا ( ابن جريج ) أخبرني ( عمرو بن دينار ) عن ( أبي الشعثاء ) أنه قال ومن يتقي شيئا من البيت وكان معاوية يستلم الأركان فقال له ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنه لا يستلم هاذان الركنان فقال ليس شيء من البيت مهجورا وكان ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما يستلمهن كلهن
مطابقته للترجمة في قوله لا يستلم هذان الركنان أي الركنان الشاميان فإذا لم يستلما ينحصر الاستلام على الركنين اليمانيين وهذا الحديث معلق علقه عن محمد بن بكر البرساني بضم الباء الموحدة وسكون الراء وبالسين المهملة وبالنون نسبة إلى برسان حي من الأزد وقد تقدم في باب تضييع الصلاة وهو يروى عن عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد أبي الشعثاء مؤنث الأشعث وقد تقدم في باب الغسل بالصاع وقد وصل هذا التعليق الإمام أحمد في ( مسنده ) فقال حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر والثوري ( و ) حدثنا روح حدثنا الثوري عن ابن خيثم عن أبي الطفيل قال كنت مع ابن عباس ومعاوية فكان معاوية لا يمر بركن إلا استلمه فقال له عبد الله بن عباس لا يستلم هذا الركنان ( ح ) قال وحدثنا روح حدثنا سعيد وعبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن أبي الطفيل ( و ) حدثنا مروان بن شجاع حدثني خصيف عن مجاهد عن ابن عباس فذكره

(15/4)


وأخرجه مسلم من حديث عمرو بن الحارث عن قتادة دون قصة معاوية بلفظ لم أر رسول الله يستلم غير الركنين اليمانيين ووصله الترمذي والحاكم من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الطفيل قال كنت مع ابن عباس ومعاوية فكان معاوية لا يمر بركن إلا استلمه فقال ابن عباس إن رسول الله لم يستلم إلا الحجر واليماني فقال معاوية ليس شيء من البيت مهجور أو روى أحمد أيضا من طريق شعبة عن قتادة عن أبي الطفيل قال حج معاوية وابن عباس فجعل ابن عباس يستلم الأركان كلها فقال معاوية إنما استلم رسول الله هذين الركنين اليمانيين فقال ابن عباس ليس من أركانه شيء مهجور قال عبد الله بن أحمد في ( العلل ) سألت أبي عنه فقال قلبه شعبة يقول الناس يخالفونني في هذا ولكنه سمعته من قتادة هكذا انتهى وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة على الصواب أخرجه أحمد أيضا

(15/5)


ذكر معناه قوله ومن يتقي شيئا كلمة من استفهامية على سبيل الإنكار فلذلك لم يحذف الياء من يتقي ويجوز أن تكون شرطية على رواية من يروي فكان معاوية بالفاء وذلك على لغة من لا يوجب الجزم فيه قوله وكان معاوية يستلم الأركان أي الأركان الأربعة أي اليمانيان والشاميان والركن الأسود فيه فضيلتان كون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام واليماني فيه الفضيلة الثانية فقط وأما الشاميان فليس شيء من الفضيلتين فلذا اختص الأسود بشيئين الاستلام والقبلة وأما اليماني فيستلم ولا يقبل لأن فيه فضيلة واحدة وأما الآخران فلا يستلمان ولا يقبلان وقال التيمي الركنان اللذان يليان الحجر ليسا بركنين أصليين لأن وراء ذلك الحجر وهو من البيت فلو رفع جدار الحجر وضم إلى الكعبة في البناء كما كان على بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام لكان يستلمان والله أعلم قوله إنه أي إن الشان قوله لا يستلم على صيغة المجهول الغائب هكذا هو في رواية الأكثرين وفي رواية الحموي والمستملي لا نستلم هذين الركنين بالنون في أوله على صيغة المتكلم وقوله هذين الركنين بالنصب مفعوله قوله مهجورا بالنصب ويجوز رفعه على أن يكون صفة لقوله شيء قوله وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن أي وكان عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما يستلم الأركان كلها وهذا وصله ابن أبي شيبة من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير أنه رأى أباه عبد الله بن الزبير يستلم الأركان كلها وقال إنه ليس شيء منه مهجورا وفي مسند الشافعي رحمه الله أنبأنا موسى الربذي عن محمد بن كعب أن ابن عباس كان يمسح على الركن اليماني والحجر وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها ويقول لا ينبغي لبيت الله أن يكون شيء منه مهجورا وكان ابن عباس يقول لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وروى ابن أبي شيبة من حديث ابن أبي ليلى عن عطاء عن يعلى بن أمية ورآه عمر رضي الله تعالى عنه يستلم الأركان كلها يا يعلى

(15/6)


ما نفعل قال استلمها كلها لأنه ليس شيء من البيت يهجر فقال عمر أما رأيت رسول الله يستلم منها إلا الحجر قال يعلى بلى قال فما لك أسوة قال بلى
ذكر ما يستفاد منه يستفاد من هذا الحديث مذهبان الأول من يستلم الأركان كلها وهو مذهب معاوية وعبد الله ابن الزبير وجابر بن زيد وعروة بن الزبير وسويد بن غفلة وقال ابن المنذر وهو مذهب جابر بن عبد الله والحسن والحسين وأنس بن مالك الثاني مذهب ابن عباس وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم ومذهبهما أنه لا يستلم إلا الركن الأسود والركن اليماني وهو مذهب أصحابنا الحنفية أيضا لأنهما على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقال ابن المنذر وقال أكثر أهل العلم لا يسن استلام الركنين الشاميين وروى ابن أبي شيبة قال حدثنا ابن نمير عن حجاج عن عطاء قال أدركت شيخنا ابن عباس وجابرا وأبا هريرة وعبيد بن عمير لا يستلمون غيرهما من الأركان يعني الأسود واليماني قال وحدثنا عبيد الله عن عثمان بن أبي الأسود عن مجاهد قال الركنان اللذان يليان الحجر لا يستلمان وفي كتاب الحميدي من حديث النخعي عن عائشة مرفوعا ما مررت بالركن اليماني قط إلا وجدت جبريل عليه السلام قائما عنده ومن حديث الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس مثله بزيادة قوله يا محمد أدن فاستلم وفي حديث أبي هريرة وكل الله به سبعين ألف ملك وفي حديث ابن عمر مرفوعا مسحهما كفارة للخطايا رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد والله أعلم
60 -( باب تقبيل الحجر )
أي هذا باب في بيان مشروعية تقبيل الحجر وهو بفتح الحاء والجيم وهو الحجر الأسود
0161 - حدثنا ( أحمد بن سنان ) قال حدثنا ( يزيد بن هارون ) قال أخبرنا ( ورقاء ) قال أخبرنا ( زيد بن أسلم ) عن أبيه قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قبل الحجر وقال لولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك
( انظر الحديث 7951 وطرفه )

(15/7)


مطابقته للترجمة ظاهرة وقد مر هذا الحديث بأتم منه في باب الرمل في الحج والعمرة أخرجه عن سعيد بن أبي مريم عن محمد بن جعفر عن زيد بن أسلم عن أبيه إلى آخره ومر أيضا في باب ما ذكر في الحجر الأسود أخرجه عن محمد ابن كثير عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة عن عمر إلى آخره وأخرجه هنا عن أحمد بن سنان بكسر السين المهملة وتخفيف النون الأولى أبو جعفر القطان الواسطي صاحب المسند إمام زمانه مات بعد البخاري سنة تسع وخمسين ومائتين عن يزيد بن هارون الواسطي وقد مر في باب وضع الماء عند الخلاء عن زيد بن أسلم بلفظ الماضي الحبشي البجاوي بفتح الباء الموحدة والجيم مولى عمر رضي الله تعالى عنه مات بالمدينة زمن عبد الملك وقد مر الكلام فيه مستوفى
1161 - حدثنا ( مسدد ) قال حدثنا ( حماد ) عن ( الزبير بن عربي ) قال ( سأل رجل ابن عمر ) رضي الله تعالى عنهما عن استلام الحجر فقال رأيت رسول الله يستلمه ويقبله قال قلت أرأيت إن زحمت أرأيت إن غلبت قال اجعل أرأيت باليمن رأيت رسول الله يستلمه ويقبله
( انظر الحديث 6061 )
مطابقته للترجمة ظاهرة
ذكر رجاله وهم خمسة الأول مسدد وقد تكرر ذكره الثاني حماد بن زيد الثالث زبير بن عربي بفتح العين المهملة وبالراء وبالباء الموحدة المكسورة ثم ياء النسبة ووقع عند الأصيلي عن أبي أحمد الجرجاني الزبير بن عدي بدال مهملة مكسورة بعدها ياء مشددة وقال الغساني هو وهم الرابع الرجل المجهول ظاهرا ولكن هو الزبير بن عربي الراوي كذلك وقع في رواية أبي داود الطيالسي عن حماد حدثنا الزبير سألت ابن عمر
الخامس عبد الله بن عمر
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه السؤال وفيه أن شيخه ومن بعدهما بصريون وفيه أن حمادا ذكر مجردا في رواية الأكثرين وفي رواية أبي الوقت ذكر باسم أبيه حماد بن زيد

(15/8)


والحديث أخرجه الترمذي والنسائي جميعا في الحج عن قتيبة كلاهما عن حماد بن زيد عنه به
ذكر معناه قوله يستلمه أي يمسحه باليد قوله أرأيت أي أخبرني قوله إن زحمت بضم الزاي على صيغة المجهول ويروى إن زوحمت بزيادة الواو من المزاحمة قوله إن غلبت بضم الغين المعجمة على صيغة المجهول للمتكلم أي أخبرني عن حكمه عند الإزدحام والغلبة قوله قال القائل هو عبد الله بن عمر قوله أرأيت باليمن أي إجعل لفظ أرأيت باليمن وكان السائل يمنينا وقوله أرأيت في محل النصب لأنه مفعول إجعل بالتأويل المذكور وقوله باليمن في محل النصب على الحال حاصل هذا الكلام إذا كنت طالب السنة فاترك الرأي وقولك أرأيت ونحوه باليمن واتبع السنة ولا تتعرض لغير ذلك وإنما قال ذلك لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي قوله رأيت رسول الله من كلام ابن عمر أعاده للتأكيد وفهم منه أنه لا يرى الزحام عذرا في ترك الاستلام وقد روى سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد قال رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمي وروى الفاكهي من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة وقاله لا تؤذي ولا تؤذى
وقال محمد بن يوسف الفربري وجدت في كتاب أبي جعفر قال أبو عبد الله الزبير بن عدي كوفي والزبير بن عربي بصري

(15/9)


لما وقف البخاري على التصحيف في الزبير بن عربي بالراء حيث روي بالدال نبه عليه بقوله الزبير بن عربي بالراء بصري والزبير بن عدي بالدال كوفي وهما راويان تابعيان ونقل ذلك الفربري وقال محمد بن يوسف الفربري وهو أحد الرواة المشهورين عن البخاري قوله وجدت في كتاب أبي جعفر وهو محمد بن أبي حاتم وراق البخاري قوله قال أبو عبد الله مقول قول الفربري والمراد منه البخاري نفسه وأشار به إلى أنه فرق بين الزبير لأن الزبير بن عربي بالراء بصري والزبير بن عدي بالدال كوفي وأراد به أن الراوي هنا السائل عن عبد الله بن عمر هو الزبير بن عربي بالراء وقال الترمذي أيضا الزبير هذا يعني الذي يروي عنه حماد هو ابن عربي يعني بالراء والزبير بن عدي بالدال كوفي يكنى أبا سلمة وذكر البخاري وأبو حاتم وغيرهما أن أبا سلمة كنية الزبير بن عربي والزبير بن عدي كنيته أبو عدي ولما ذكر أبو داود هذا الحديث من رواية حماد حدثنا الزبير بن العربي قال سألت ابن عمر وذكر ابن العربي بالألف واللام وهذا أيضا مما يزيل الإشكال ويؤيده أن الراوي هنا هو ابن عربي بالراء لا بالدال
61 -( باب من أشار إلى الركن إذا أتى إليه )
أي هذا باب يذكر فيه من أشار إلى الركن أي الحجر الأسود إذا أتى إليه من الطواف
2161 - حدثنا ( محمد بن المثنى ) قال حدثنا ( عبد الوهاب ) قال حدثنا ( خالد ) عن ( عكرمة ) عن ( ابن عباس ) رضي الله تعالى عنهما قال طاف النبي بالبيت على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه
مطابقته للترجمة ظاهرة وقد مر هذا الحديث في باب استلام الركن بمحجن وفيه يستلم الركن بمحجن وليس فيه كلما أتى على الركن أشار إليه وقال ابن التين تقدم أنه كان يستلمه بمحجن فدل على قربه من البيت لكن من طاف راكبا يستحب له أن يبعد إن خاف أن يؤذي أحدا فيحمل فعله على الأمن من ذلك وأن يكون في حال إشارته بعيدا حيث خاف ذلك

(15/10)


ورجال الحديث المذكور محمد بن المثنى بن عبيد أبو موسى يعرف بالزمن البصري وعبد الوهاب بن عبد المجيد البصري وخالد بن مهران الحذاء البصري ووقع خالد هنا مجردا ووقع في بعض الرواية خالد الحذاء
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في الحج عن إسحاق الواسطي ومسدد وفي الطلاق أيضا عن عبد الله بن محمد وأخرجه الترمذي في الحج والنسائي أيضا كلاهما عن بشر بن هلال قوله أشار إليه أي بالمحجن الذي في يده وإن لم يكن في يده شيء يشير إليه بيده فإن قلت هذا الحديث صريح بجواز الطواف على البعير وهل يجوز على الخيل فيقاس على البعير أم لا قلت قد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه منع الطواف على الخيل فيما رواه سعيد بن منصور عن عمرو بن دينار قال طاف رجل على فرس فمنعوه وقال أتمنعوني أن أطوف على كوكب قال فكتب بذلك إلى عمر فكتب عمر أن امنعوه وهذا منقطع قال المحب الطبري ولعل المنع في الخيل من الخيلاء والتعاظم قلت فعلى هذا لا يمنع من الطواف على الحمار أللهم إلا إذا كان المنع من جهة الخوف من تلويثه بما يخرج منه
62 -( باب التكبير عند الركن )
أي هذا باب في بيان استحباب التكبير عند الركن أي الحجر الأسود
3161 - حدثنا ( مسدد ) قال حدثنا ( خالد بن عبد الله ) قال حدثنا ( خالد الحذاء ) عن ( عكرمة ) عن ( ابن عباس ) رضي الله تعالى عنهما قال طاف النبي بالبيت على بعير كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر
هذا طريق آخر في حديث عبد الله بن عباس أخرجه عن مسدد عن خالد بن عبد الله الطحان عن خالد بن مهران الحذاء وفيه زيادة على حديثه الماضي في الباب السابق وهي قوله بشيء كان عند فكبر فدل هذا على استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة
تابعه إبراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء

(15/11)


أي تابع خالد بن عبد الله الطحان إبراهيم بن طهمان الهروي أبو سعيد عن خالد الحذاء في التكبير وقد وصله البخاري في كتاب الطلاق
63 -( باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته ثم صلى ركعتين ثم خرج إلى الصفا )
أي هذا باب يذكر فيه بيان من طاف بالبيت إلى آخره وكلمة من موصولة ومراده بهذه الترجمة بيان أن من قدم مكة حاجا أو معتمرا أن يطوف بالبيت ثم يصلي ركعتين ثم يخرج إلى الصفا ويسعى بينه وبين المروة فإن كان معتمرا حل وحلق وإن كان حاجا ثبت على إحرامه حتى يخرج إلى منى يوم التروية لعمل الحج وقال ابن بطال غرضه بهذه الترجمة الرد على من زعم أن المعتمر إذا طاف حل قبل أن يسعى بين الصفا والمروة قلت مذهب ابن عباس أن المعتمر يحل من عمرته بالطواف بالبيت ولا يحتاج إلى السعي بين الصفا والمروة وروي عنه أنه قال العمرة الطواف وبه قال ابن راهويه فأراد البخاري رد هذا القول وبين أن العمرة هي الطواف بالبيت وصلاة ركعتين بعده ثم الخروج إلى الصفا للسعي بينه وبين المروة وأشار بقوله من طاف بالبيت إلى آخره أن صورة العمرة هي هذا وبينها بثلاثة أشياء أولها هو قوله من طاف بالبيت إذا قدم مكة فعلم من هذا أن من قدم مكة ودخل المسجد لا يشتغل بشيء بل يبدأ بالطواف ويقصد الحجر الأسود وهو تحية المسجد الحرام ثم الابتداء بالطواف مستحب لكل أحد سواء كان محرما أو غيره إلا إذا خاف فوت الصلاة المكتوبة عن وقتها أو فوتها مع الجماعة وإن كان الوقت واسعا أو كان عليه مكتوبة فائتة فإنه يقدم هذا كله على الطواف ثم هذا الطواف يسمى طواف القدوم وهو سنة فلو تركه صح حجه ولا شيء عليه إلا فوت الفضيلة وفي ( شرح المهذب ) هذا هو المذهب وذكر جماعة من الخراسانيين وغيرهم وجوبه في وجه ضعيف شاذ ويلزم بتركه دم الثاني هو قوله ثم صلى ركعتين لما في حديث جابر الطويل لما فرغ من ركعتي الطواف رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج إلى الصفا والسعي بينهما

(15/12)


الثالث هو قوله ثم خرج إلى الصفا يعني للسعي بينه وبين المروة
4161 - حدثنا ( أصبغ ) عن ( ابن وهب ) قال أخبرني ( عمرو ) عن ( محمد بن عبد الرحمن ذكرت لعروة ) قال ( فأخبرتني عائشة ) رضي الله تعالى عنها أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي أنه توض ثم طاف ثم لم تكن عمرة ثم حج أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما مثله ثم حججت مع أبي الزبير رضي الله تعالى عنهما فأول شيء بدأ به الطواف ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلونه وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة فلما مسحوا الركن حلوا
مطابقته للترجمة في قوله إن أول شيء بدأ به حين قدم النبي أنه توضأ ثم طاف
ذكر رجاله وهم ستة الأول أصبغ ابن الفرج وقد مر عن قريب الثاني عبد الله بن وهب وقد تكرر ذكره الثالث عمرو بفتح العين ابن الحارث الرابع محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود النوفلي المعروف بيتيم عروة الخامس عروة بن الزبير بن العوام السادس أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار بصيغة الإخبار في موضعين وفيه العنعنة في موضعين وفيه الذكر وفيه أن الثلاثة الأول من الرواة مصريون والإثنان الآخران مدنيان
أخرجه مسلم في الحج عن هارون بن سعيد الأيلي على ما نذكره الآن

(15/13)


ذكر معناه قوله ذكرت لعروة أي ذكرت لعروة ما قيل في حكم القادم إلى مكة وحذف البخاري صورة السؤال وجوابه واقتصر على المرفوع منه وقد ذكره مسلم مكملا فقال حدثني هارون بن سعيد الأيلي قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمرو وهو ابن الحارث عن محمد بن عبد الرحمن أن رجلا من أهل العراق قال له سل لي عروة بن الزبير عن رجل يهل بالحج فإذا طاف بالبيت أيحل أو لا فإن قال لك لا يحل فقل له إن رجلا يقول في ذلك فسألته فقال لا يحل من أهل بالحج إلا بالحج قلت فإن رجلا كان يقول ذلك قال بئس ما قال فتصداني الرجل فسألني فحدثته فقال قل له فإن رجلا كان يخبر أن رسول الله قد فعل ذلك وما شأن أسماء والزبير فعلا ذلك قال فجئته فذكرت له ذلك فقال من هذا فقلت لا أدري قال فما باله لا يأتيني نفسه يسألني أظنه عراقيا قلت لا أدري قال فإنه قد كذب قد حج رسول الله فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت ثم حج أبو بكر رضي الله تعالى عنه وكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره ثم عمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك ثم حج عثمان رضي الله تعالى عنه فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره ثم معاوية وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ثم لم يكن غيره ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ثم لم ينقضها بعمرة وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه ولا أحد ممن مضى كانوا يبدأون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا يحلون وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدآن بشيء أول من البيت تطوفان به ثم لا تحلان وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط فلما مسحوا الركن حلوا وقد كذب فيما ذكر من ذلك وإنما سقت هذا بتمامه لأنه كالشرح لحديث البخاري

(15/14)


ونشرح حديث مسلم ليظهر لك المراد من حديث البخاري الذي اقتصر منه على المرفوع
قوله إن رجلا مبهم لم يدر قوله أيحل الهمزة للاستفهام على سبيل الاستخبار قوله فتصداني أي تعرض لي هكذا هو في جميع النسخ بالنون والأشهر في اللغة تصدى لي باللام قوله ثم لم يكن غيره هكذا هو في جميع النسخ بالغين المعجمة والياء آخر الحروف قال عياض هو تصحيف وصوابه ثم لم تكن عمرة بضم العين المهملة وبالميم وكان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة على مذهب من يرى واحتج بأمر النبي لهم بذلك في حجة الوداع فأعلمه عروة أن النبي لم يفعل ذلك بنفسه ولا من جاء بعده وقال النووي ليس هو كما قال بل هو صحيح في الرواية صحيح المعنى لأن قوله غيره يتناول العمرة وغيرها ويكون تقدير الكلام ثم حج أبو بكر رضي الله تعالى عنه فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره أي غير الحج ولم يفسخه إلى غيره لا عمرة ولا قران قوله ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام أي مع والدي وهو الزبير وقوله الزبير بدل من أبي قاله النووي والأظهر أنه عطف بيان قوله فلما مسحوا الركن أي الحجر الأسود حلوا أي صاروا حلالا قال النووي المراد بالماسحين من سوى عائشة وإلا فعائشة رضي الله تعالى عنها لم تمسح الركن قبل الوقوف بعرفات في حجة الوداع بل كانت قارنة ومنعها الحيض من الطواف قبل يوم النحر

(15/15)


ثم جئنا إلى شرح حديث البخاري فقوله بدأ وقوله قدم تنازعا في العمل قوله ثم لم تكن عمرة قال عياض كان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة على مذهب من رأى ذلك فأعلمه عروة أن النبي لم يفعل ذلك بنفسه ولا من جاء بعده وفي إعراب عمرة وجهان الرفع على أن كان تامة ويكون معناه ثم لم تحصل عمرة والنصب على أن كان ناقصة ويكون معناه ثم لم تكن تلك الفعلة عمرة وقد ذكرنا أنه وقع في رواية مسلم غيره بدل عمرة وقد مضى الكلام فيه آنفا قوله مثله أي مثل حج النبي قوله ثم حججت مع أبي الزبير أي حجة مصاحبة مع أبي أي مع والدي وهو الزبير بن العوام وقوله الزبير بدل من أبي أو عطف بيان وهكذا وقع في رواية مسلم وقد ذكرناها آنفا ووقع في رواية الكشميهني ثم حججت مع ابن الزبير يعني أخاه عبد الله بن الزبير قال عياض وهو تصحيف وجه ذلك أنه وقع في طريق آخر في الحديث على ما يأتي مع أبي الزبير بن العوام وفيه بعد ذكر أبي بكر وعمر ذكر عثمان ثم معاوية وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم قال ثم حججت مع أبي الزبير فذكره وقد عرف أن قتل الزبير كان قبل موت معاوية وابن عمر وكان قتل الزبير ابن العوام يوم الجمل في جمادي الأولى سنة ست وثلاثين وقبره بوادي السباع ناحية البصرة وكان موت معاوية بن أبي سفيان في رجب سنة تسع وخمسين وموت عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان سنة ثلاث وسبعين وقال الواقدي سنة أربع وسبعين وكانت وفاتخ بمكة المشرفة قوله وأخبرتني أمي وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق وأختها عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم فإن قلت لم تطف عائشة في تلك الحجة لأجل حيضها فما وجه ذكرها هنا قلت يحمل على أنه أراد حجة أخرى غير حجة الوداع وقد حجت عائشة رضي الله تعالى عنها بعد النبي كثيرا قوله فلما مسحوا الركن أي الحجر الأسود ومسحه يكون في أول الطواف ولكن لا يحصل التحلل بمجرد المسح في أول الطواف فلا بد من التقدير وتقديره فلما

(15/16)


مسحوا الركن وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا حلوا وحذفت هذه المقدرات للعلم بها لظهورها وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل تمام الطواف
تم مذهب الجمهور أنه لا بد أيضا من السعي بعده ثم الحلق أو التقصير وقال الكرماني لا حاجة إلى التأويل إذ مسح الركن كناية عن الطواف سيما والمسح يكون أيضا في الأطواف السبعة فالمراد لما فرغوا من الطواف حلوا وأما السعي والحلق فهما عند بعض العلماء ليسا بركنين انتهى قلت لا بد من التأويل لأن الكلام على مذهب الجمهور كما ذكرناه وأراد بقوله عند بعض العلماء ما ذهب إليه ابن عباس وابن راهويه من أن المعتمر يتحلل بعد الطواف فلا حاجة إلى السعي وقد ردوا عليهما ذلك وقال ابن التين قوله فلما مسحوا حلوا يريد ركن المروة وأما ركن البيت فلا يحل بمسحه حتى يسعى بين الصفا والمروة وقال بعضهم وهو متعقب برواية أبي الأسود عن عبد الله مولى أسماء عن أسماء قالت اعتمرت أنا وعائشة والزبير وفلان وفلان فلما مسحنا البيت أحللنا وسيأتي هذا في أبواب العمرة انتهى قلت يقدر هنا أيضا ما قدر في قوله فلما مسحوا الركن حلوا فلا اعتراض حينئذ
ذكر ما يستفاد منه فيه مطلوبية الوضوء للطواف واختلفوا هل هو واجب أو شرط فقال أبو حنيفة ليس بشرط فلو طاف على غير وضوء صح طوافه فإن كان ذلك للقدوم فعليه صدقة وأن كان طواف الزيارة فعليه شاة وقال مالك والشافعي وأحمد هو شرط وفيه أن أول شيء يفعله داخل الحرم الابتداء بالطواف للقدوم واستثنى الشافعي من هذا المرأة الجميلة والشريفة التي لا تبرز للرجال فيستحب لها تأخير الطواف ودخول المسجد إلى الليل لأنه أستر لها وأسلم من الفتنة وقال

(15/17)


ابن المنذر سن الشارع للقادمين المحرمين بالحج تعجيل الطواف والسعي بين الصفا والمروة عند دخولهم وفعل هو ذلك على ما روته عائشة وأمر من حل من أصحابه أن يحرموا إذا انطلقوا إلى منى وأما من أحرم من مكة من أهلها أو غيرهم فهم يؤخرون طوافهم وسعيهم إلى يوم النحر بخلاف القادمين التفريق السنة بين الفريقين وكان ابن عباس يقول يا أهل مكة إنما طوافكم بالبيت وبين الصفا والمروة يوم النحر
حدثنا ( ابراهيم بن المنذر ) قال حدثنا ( أبو ضمرة أنس ) قال حدثنا ( موسى بن عقبة ) عن ( نافع ) عن ( عبد الله بن عمر ) رضي الله عنهما أن رسول الله كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم يسعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة ثم سجد سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة
مطابقته للترجمة في قوله أول ما يقدم يسعى إلى آخره وأبو ضمرة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم هو أنس بن عياض
قوله أول نصب على أنه ظرف والعامل فيه يسعى قوله أربعة أي أربعة أطواف قوله سجدتين أي ركعتين للطواف وهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل
7161 - حدثنا ( إبراهيم بن المنذر ) قال حدثنا ( أنس بن عياض ) عن ( عبيد الله ) عن ( نافع ) عن ( ابن عمر ) رضي الله تعالى عنهما أن النبي كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف ويمشي أربعة وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة
هذا وجه آخر في حديث ابن عمر المذكور كلاهما من رواية نافع عن ابن عمر لكن الأول عن موسى بن عقبة عن نافع والثاني عن عبيد الله بن عمر عن نافع والراوي عنهما واحد وهو أنس عن عياض
قوله الطواف الأول يريد به طوافا بعده سمي احترازا عن مثل طواف الوداع قوله يخب بضم الخاء المعجمة أي يرمل قوله يسعى أي بعد وقوله بطن المسيل منصوب على الظرف والمسيل بالوادي الذي بين الصفا والمروة وهو قدر معروف وذلك قبل الوصول إلى الميل الأخضرين اللذين أحدهما بفناء المسجد والآخر بدار العباس رضي الله تعالى عنه

(15/18)


64 -( باب طواف النساء مع الرجال )
أي هذا باب في بيان حكم طواف النساء مع الرجال هل يختلطن بالرجال أو يطفن معهم على حدة من غير اختلاط بهم أو ينفردن
( وقال لي عمرو بن علي حدثنا أبو عاصم قال ابن جريج أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال قال كيف تمنعهن وقد طاف نساء النبي مع الرجال قلت أبعد الحجاب أو قبل قال إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب قلت كيف يخالطن الرجال قال لم يكن يخالطن كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت عنك وأبت فكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن وأخرج الرجال وكنت آتي عائشة أنا وعبيد بن عمير وهي مجاورة في جوف ثبير قلت وما حجابها قال هي في قبة تركية لها غشاوة وما بيننا وبينها غير ذلك ورأيت عليها درعا موردا )
مطابقته للترجمة ظاهرة وهو من أفراده وهو من باب العرض والمذاكرة وقد سقط في بعض النسخ وهو موجود في الأصول وأطراف خلف وذكره البيهقي وصاحبا المستخرجين وقال أبو نعيم هو حديث عزيز ضيق المخرج وأخرجه أولا من طريق البخاري ثم أخرجه من طريق أبي قرة موسى بن طارق عن ابن جريج قال مثله غير قصة عطاء مع عبيد بن عمير وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج بتمامه ورجاله أربعة عمرو بن علي بن بحر أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو الوليد المكي وعطاء ابن أبي رباح المكي ومن لطائف هذا السند أن البخاري يذكر عن شيخه عمرو بن علي وهو يروي عن شيخ البخاري أيضا وهو أبو عاصم

(15/19)


( ذكر معناه ) قوله إذ منع أي حين منع ابن هشام وهو في محل النصب على أنه مفعول ثان لأخبرني وقال الكرماني المفعول الثاني هو قال كيف تمنعهن وقال يجوز أن يكون إذ منع مفعولا ثانيا والتقدير أخبرني بزمان المنع قائلا كيف تمنعهن وابن هشام هو إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم خال هشام بن عبد الملك بن مروان ووالي المدينة كما قاله الكلبي وأخوه محمد بن هشام وكانا خاملين قبل الولاية وقيل ابن هشام في الخبر هو محمد أخو إبراهيم تولى محمد إمرة مكة وأخوه إبراهيم إمرة المدينة وفوض هشام لإبراهيم إمرة الحج بالناس في خلافته وقال خليفة بن خياط في تاريخه وفي سنة خمس وعشرين ومائة كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر الثقفي فقدم عليه فدفع إليه خالد بن عبد الله القسري ومحمدا وإبراهيم ابني هشام بن إسماعيل بن إبراهيم المخزوميين وأمره بقتلهم فعذبهم حتى قتلهم ثم الظاهر أن الذي منع النساء الطواف مع الرجال هو هذا ابن هشام وقد روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال نهى عمر رضي الله تعالى عنه أن يطوف الرجال مع النساء قال فرأى رجلا معهن فضربه بالدرة قال الفاكهي ويذكر عن ابن عيينة أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد الله القسري ( قلت ) الأول اسم لفرد سابق وكل واحد أول بالنسبة إلى ما بعده وكانت إمرة خالد في مكة في زمن عبد الملك بن مروان وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة قال كيف تمنعهن بلفظ الخطاب وبلفظ الغيبة أي كيف يمنعهن المانع قوله وقد طاف نساء النبي مع الرجال يعني طفن في وقت واحد غير مختلطات بالرجال لأن سنتهن أن يطفن ويصلين من وراء الرجال وقال ابن بطال من السنة إذا أراد النساء دخول البيت أن يخرج الرجال منه بخلاف الطواف به قوله أبعد الحجاب مقول ابن جريج والهمزة في أبعد للاستفهام وهو رواية المستملي وفي رواية غيره بدون الاستفهام ومعنى بعد الحجاب بعد آية

(15/20)


الحجاب وهو قوله تعالى قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن أو قوله تعالى وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب قوله أو قبل بالضم أو بالتنوين قوله أي لعمري بكسر الهمزة بمعنى نعم قوله أدركته أي قال عطاء أدركت طواف النساء معهم وإنما ذكر ذلك عطاء لدفع وهم من يتوهم أنه حمل ذلك عن غيره ودل على أنه رأى ذلك منهن قوله كيف يخالطن وفي رواية المستملي يخالطهن في الموضعين والرجال بالرفع على الفاعلية قوله حجرة بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم بعدها راء أي ناحية من الناس معتزلة قال القزاز هو مأخوذ من قولهم نزل فلان حجرة من الناس أي معتزلا وقيل بمعنى محجورا بينها وبين الرجال بثوب ونحوه وقال ابن قرقول هو بسكون الجيم وفتح الحاء لا غير وفيه نظر لأن ابن عديس ذكر في كتابه المثنى تعد حجرة وحجرة بالفتح والضم أي ناحية وقال ابن سيده وجمعها حواجر على غير قياس وفي رواية الكشميهني حجزة بالزاي وفي رواية عبد الرزاق هكذا بالزاي قوله فقالت امرأة وزاد الفاكهي في روايته معها ولم يدر اسمها وقيل يحتمل أن يكون دقرة بكسر الدال المهملة وسكون القاف امرأة روى عنها يحيى بن أبي كثير أنها كانت تطوف مع عائشة بالليل فذكر قصة ذكرها الفاكهي قوله تستلم بالرفع والجزم ويروى تستلمي بحذف النون قوله انطلقي عنك أي عن جهة نفسك ولأجلك قوله وأبت أي منعت عائشة الاستلام قوله يخرجن وفي رواية الفاكهي وكن يخرجن إلى آخره قوله متنكرات قال وفي رواية عبد الرزاق مستترات قوله إذا دخلن البيت قمن وفي رواية الفاكهي سترن قوله حين يدخلن وفي رواية الكشميهني حتى يدخلن وقال

(15/21)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية