صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

68 -
( باب من لم ير كسر السلاح عند الموت )
أي هذا باب في ذكر من لم ير كسر السلاح عند موته وأشار بهذه الترجمة إلى رد ما كان عليه أهل الجاهلية من كسر السلاح وعقر الدواب إذا مات ملككم أو رئيس من أكابرهم وربما يوصي أحدهم بذلك فخالف الشارع فعلهم وترك سلاحه وبغلته وأرضا جعلها صدقة قال الكرماني فإن قلت كسر السلاح إذا مات تضييع للمال فما الحاجة إلى ذكره لأن حرمته ظاهرة قلت المراد من الكسر البيع والحديث يدل عليه حيث كان على رسول الله دين فلم يبع سلاحه لأجل الدين انتهى قلت ليس المراد من وضع الترجمة هذا الذي ذكره وإنما المراد ما ذكرناه الآن وقوله وحرمته ظاهرة أي عند المسلمين وأهل الجاهلية ما كانوا يرون ذلك بل كانوا يوصون به فوقعت هذه الترجمة ردا عليهم وأما الجهال من المسلمين وإن فعلوا ذلك فليسوا بمعتقدين حله فافهم
2192 - حدثنا ( عمرو بن عباس ) قال حدثنا عبد الرحمان عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن الحارث قال ما ترك النبي إلا سلاحه وبغلة بيضاء وأرضا جعلها صدقة
مطابقته للترجمة تؤخذ من الحديث وهو أنه خالف ما فعله أهل الجاهلية من كسر سلاحهم وعقر دوابهم وترك ما ذكر في الحديث غير معهود فيه بشيء إلا التصدق بالأرض وعمرو بن عباس أبو عثمان البصري من أفراد البخاري و ( عبد الرحمن ) هو ابن مهدي بن حسان العنبري البصري و ( سفيان ) هو الثوري وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي و ( عمرو بن الحارث ) بن المصطلق الخزاعي ختن رسول الله أخو جويرية بنت الحارث زوج النبي وقد مر الحديث في كتاب الوصايا في باب الوصايا في أول الكتاب وقد مر الكلام فيه هناك
78 -
( باب تفرق الناس عن الإمام عند القائلة والإستظلال بالشجر )
أي هذا باب في ذكر تفرق الناس عن الإمام
3192 - حدثنا ( أبو اليمان ) قال أخبرنا ( شعيب ) عن ( الزهري ) قال حدثنا ( سنان بن أبي سنان وأبو سلمة ) أن ( جابرا ) أخبره ح وحدثنا ( موسى بن إسماعيل ) قال حدثنا ( إبراهيم بن سعد ) قال أخبرنا ( ابن شهاب ) عن ( سنان بن أبي سنان الدؤلي ) أن ( جابر بن عبد الله ) رضي الله تعالى عنهما أخبره أنه غزا مع النبي لله فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه يستظلون بالشجر فنزل النبي تحت شجرة فعلق بها سيفه ثم نام فاستيقظ وعنده رجل وهو لا يشعر به فقال النبي إن هذا اخترط سيفي فقال من يمنعك قلت الله فشام السيف فها هوذا جالس ثم لم يعاقبه
مطابقته للترجمة ظاهرة والحديث مضى قبل هذا الباب ببابين فإنه أخرجه هناك عن أبي اليمان الحكم بن نافع إلى آخره وأخرجه هنا من طريقين الأول عن أبي اليمان والثاني عن موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي إلى آخره قوله فشام بالشين المعجمة أي غمد ويجيء بمعنى سل فهو من الأضداد
88 -
( باب ما قيل في الرماح )
أي هذا باب في بيان ما قيل في الرماح من فضله وهو جمع رمح

(14/191)


ويذكر عن ابن عمر عن النبي قال جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري
هذا التعليق ذكره الإشبيلي في ( الجمع بين الصحيحين ) من أن الوليد ببن مسلم رواه عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر ومنيب بضم الميم وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف ثم باء موحدة الجرشي بضم الجيم وفتح الراء وبالشين المعجمة ولا يعرف اسم لأبي منيب وأخرجه أحمد في ( مسنده ) بأتم منه قوله جعل رزقي أي من الغنيمة قوله والصغار بفتح الصاد والغين المعجمة هو بذل الجزية
وفيه فضل الرمح والإشارة إلى حل الغنائم لهذه الأمة وإلى أن رزق النبي جعل فيها لا في غيرها من المكاسب
4192 - حدثنا ( عبد الله بن يوسف ) قال أخبرنا ( مالك ) عن ( أبي النضر ) مولى ( عمر بن عبيد الله ) عن ( نافع ) مولى ( أبي قتادة الأنصاري ) عن ( أبي قتادة ) رضي الله تعالى عنه أنه كان مع رسول الله حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي وأبى بعض فلما أدركوا رسول الله سألوه عن ذلك قال إنما هي طعمة أطعمكموها الله
مطابقته للترجمة في قوله فسألهم رمحه وأبو النضر بالنون والضاد المعجمة وأبو قتادة الحارث بن ربعي والحديث مضى في كتاب الحج في باب لا يعين المحرم الحلال وعقيبه باب لا يشير المحرم إلى الصيد وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى قوله محرمين صفة لقوله أصحاب قوله وهو غير محرم جملة حالية
وعن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي قتادة في الحمار الوحشي مثل حديث أبي النضر قال هل معكم من لحمه شيء
أخرج البخاري هذا موصولا في كتاب الذبائح في باب ما جاء في الصيد وقال حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي قتادة مثله إلا أنه قال هل معكم منه شيء وفي رواة هل معكم من لحمه شيء
98 - باب ما قيل في درع النبي والقميص في الحرب
أي هذا باب في بيان ما قيل في درع النبي من أي شيء كانت وقال ابن الأثير الدرع الزردية ويجمع على أدراع قوله والقميص أي وفي بيان حكم القميص في الحرب
وقال النبي أما خالد فقد احتبس أدراعه في سبيل الله
هذا قطعة من حديث أخرجه البخاري في كتاب الزكاة في باب قول الله تعالى وفي الرقاب ( البقرة 771 والتوبة 06 ) عن الأعرج عن عن أبي هريرة ومضى الكلام فيه هناك
126 - ( حدثني محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال النبي وهو في قبة اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك يا رسول الله فقد

(14/192)


ألححت على ربك وهو في الدرع فخرج وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر )
مطابقته للترجمة في قوله وهو في الدرع وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي وخالد هو الحذاء والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي وفي التفسير عن محمد بن عبد الله بن حوشب وفي التفسير أيضا عن إسحق عن خالد وعن محمد بن عفان وأخرجه النسائي في التفسير عن بندار عن الثقفي به قوله وهو في قبة جملة حالية وفي المغرب القبة الخركاهة وكذا كل بناء مدور والجمع قباب وقبة وقال ابن الأثير القبة من الخيام بيت صغير وهو من بيوت العرب قوله أنشدك أي أطلبك يقال نشدتك الله أي سألتك بالله كأنك ذكرته قوله عهدك نحو قوله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون وأن جندنا لهم الغالبون قوله ووعدك نحو قوله تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ويروى أن رسول الله نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة فاستقبل القبلة ومد يديه وقال اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فما زال كذلك حتى سقط رداؤه فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبيه والتزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدة ربك فإنه سينجز لك ما وعدك قوله حسبك أي يكفيك ما قلت قوله ألححت أي داومت الدعاء يقال ألح السحاب بالمطر دام ويقال معناه بالغت في الدعاء وأطلت فيه وقال الخطابي قد يشكل معنى هذا الحديث على كثير من الناس وذلك إذا رأوا نبي الله يناشد ربه في استنجاز الوعد وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يسكن منه فيتوهمون أن حال أبي بكر بالثقة بربه والطمأنينة إلى وعده أرفع من حاله وهذا لا يجوز قطعا فالمعنى في مناشدته وإلحاحه في الدعاء الشفقة على قلوب أصحابه وتقويتهم إذ كان ذلك أول مشهد شهدوه في لقاء العدو وكانوا في قلة من العدد والعدد فابتهل في الدعاء وألح ليسكن ذلك ما في نفوسهم إذا كانوا يعلمون أن وسيلته مقبولة ودعوته مستجابة فلما قال له أبو بكر مقالته كف عن الدعاء إذ علم أنه استجيب له بما وجده أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة حتى قال له هذا القول ويدل على صحة ما تأولناه تمثله على أثر ذلك بقوله سيهزم الجمع ويولون الدبر وفيه تأنيس من استبطأ كريم ما وعده الله به من النصر والبشرى لهم بهزم حزب الشيطان وتذكيرهم بما نبههم به من كتابه عز و جل والمراد من الجمع جمع كفار مكة يوم بدر فأخبر الله تعالى أنهم سيهزمون ويولون الدبر أي الإدبار فوحدوا لمراد الجمع قوله بل الساعة موعدهم أي موعد عذابهم قوله والساعة أي عذاب يوم القيامة أدهى أشد وأفظع والداهية الأمر المنكر الذي لا يهتدى له قوله وأمر أي أعظم بلية وأشد مرارة من الهزيمة والقتل يوم بدر
( وقال وهيب حدثنا خالد يوم بدر )
وهيب هو ابن خالد بن عجلان أبو بكر البصري وخالد هو الحذاء يعني قال وهيب حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن الذي قاله كان يوم بدر وهذا التعليق وصله البخاري في تفسير سورة القمر فقال حدثني محمد حدثنا عفان بن مسلم عن وهيب حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله قال وهو في قبة يوم بدر الحديث ( فإن قلت ) من المعلوم أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لم يكن شهد هذا ولا كان في حين من يدركه قلت رواه عمن شهد هذا وأسقط الواسطة على عادته في أكثر رواياته وقد رواه مسلم من حديث سماك بن الوليد عن ابن عباس عن عمر رضي الله تعالى عنهم بزيادة قوله إذ تستغيثون ربكم الآية وروى البخاري أيضا في سورة القمر وقال حدثني إسحاق أخبرنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي قال وهو في قبة يوم بدر الحديث فهذا البخاري روى الحديث المذكور أولا عن محمد عن عفان وثانيا عن إسحاق عن خالد أما محمد فقد قال الجياني كذا في روايتنا عن أبي محمد الأصيلي غير منسوب وكذا في رواية أبي ذر وأبي نصر قال وسقط ذكره جملة من نسخة أبي السكن قال ولعله

(14/193)


الذهلي ( قلت ) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي أبو عبد الله النيسابوري الإمام روى عنه البخاري في مواضع يدلسه فتارة يقول حدثنا محمد ولم يزد عليه وتارة ينسبه إلى جده فيقول حدثنا محمد بن عبد الله وأما إسحاق فهو ابن شاهين نص عليه غير واحد وإن كان إسحاق روى أيضا عن خالد الطحان لكن البخاري ما روى عنه في صحيحه وفي رواية البخاري حدثنا خالد عن خالد فخالد الأول هو الطحان والثاني هو الحذاء
6192 - حدثنا ( محمد بن كثير ) قال أخبرنا ( سفيان ) عن ( الأعمش ) عن ( إبراهيم ) عن ( الأسود ) عن ( عائشة ) رضي الله تعالى عنها قالت توفي رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير
مطابقته للترجمة في قوله ودرعه وسفيان هو ابن عيينة والأعمش هو سليمان وإبراهيم هو النخعي والأسود هو ابن يزيد خال إبراهيم والحديث قد مر في كتاب الرهن في باب من رهن درعه
وقال يعلى حدثنا الأعمش درع من حديد
يعلى على وزن يرضى ابن عبيد بن أبي عبيد أبو يوسف الطنافسي الحنفي الأيادي الكوفي توفي بالكوفة يوم الأحد لخمس من شوال سنة تسع ومائتين روى الحديث المذكور عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة وقد مر هذا التعليق موصولا في باب الرهن في السلم
وقال معلى حدثنا عبد الواحد قال حدثنا الأعمش وقال رهنه درعا من حديد
هذا تعليق آخر وصله البخاري في الاستقراض في أول الباب وقال حدثنا معلى بن أسد حدثنا عبد الواحد الحديث إلى آخره
7192 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهيب قال حدثنا ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي قال مثل البخيل والمتصدق مثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما فكلما هم المتصدق بصدقته اتسعت عليه حتى تعفي أثره وكلما هم البخيل بالصدقة انقبضت كل حلقة إلى صاحبتها وتقلصت عليه وانضمت يداه إلى تراقيه فسمع النبي يقول فيجتهد أن يوسعها فلا تتسع
مطابقته للترجمة في قوله عليهما جبتان فإن كان جبتان بالباء الموحدة تثنية جبة فهي تناسب القميص في الترجمة وإن كان بالنون تثنية جنة فهي تناسب الدرع و ( موسى بن إسماعيل ) المنقري و ( وهيب ) بالتصغير ابن خالد و ( ابن طاووس ) عبد الله يروي عن أبيه
والحديث مر في كتاب الزكاة في باب مثل المتصدق والبخيل رواه البخاري من طريقين الأول عن موسى بن إسماعيل مختصرا والثاني عن أبي اليمان بأتم منه ومر الكلام فيه هناك
قوله قد اضطرت إيديهما إلى تراقيهما أي ألجئت أيديهما إلى تراقيهما وهو جمع ترقوة وهي العظم الكبير الذي بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان من الجانبين ووزنها فعلوة بالفتح وإنما ذكر التراقي لأنها عند الصدر وهو مسلك القلب وهو يأمر المرء وينهاه قوله تعفي أي تمحو وعفت الريح المنزل أي درسته قوله وتقلصت أي انزوت وانضمت قوله فسمع النبي يقول أي فسمع أبو هريرة النبي قيل مجموع الحديث سمعه أبو هريرة من رسول الله فما وجه اختصاصه بالكلمة الأخيرة وأجيب بأن لفظ يقول يدل على الاستمرار والتكرار فلعله كررها دون أخواتها

(14/194)


9 -
( باب الجبة في السفر والحرب )
أي هذا باب في بيان لبس الجبة في السفر والحرب يعني في الغزاة وهو من عطف الخاص على العام وفي ( المطالع ) الجبة ما قطع من الثياب مشمرا
8192 - حدثنا ( موسى بن إسماعيل ) قال حدثنا ( عبد الواحد ) قال حدثنا ( الأعمش ) عن ( أبي الضحى مسلم ) هو ( ابن صبيح ) قال حدثني عن ( مسروق المغيرة بن شعبة ) قال انطلق رسول الله لحاجته ثم أقبل فلقيته بماء وعليه جبة شأمية فمضمض واستنشق وغسل وجهه فذهب يخرج يديه من كميه فكانا ضيقين فأخرجهما من تحت فغسلهما ومسح برأسه وعلى خفيه
مطابقته للترجمة في قوله وعليه جبة شامية وكان في السفر وكان في غزاة
والحديث مضى في كتاب الصلاة في باب الصلاة في الجبة الشامية فإنه أخرجه هناك عن يحيى عن أبي معاوية عن الأعمش إلى آخره
وفيه جواز إخراج اليدين من تحت الثوب وفيه خدمة العالم في السفر
19 -
( باب الحرير في الحرب )
أي هذا باب في بيان جواز استعمال الحرير في الحرب بالحاء المهملة وزعم بعضهم أنه بالجيم وفتح الراء وليس لذلك وجه لأنه لا يبقى له مناسبة في أبواب الجهاد
9192 - حدثنا ( أحمد بن المقدام ) قال حدثنا ( خالد ) قال حدثنا ( سعيد ) عن ( قتادة ) أن ( أنسا ) حدثهم أن النبي رخص لعبد الرحمان بن عوف والزبير في قميص من حرير من حكة كانت بهما
قيل ليس في الحديث لفظ الجرب فلا مطابقة إلا إذا كان قوله في الجرب بالجيم كما زعمه بعضهم وأجيب بأن ترخيصه لعبد الرحمن والزبير في قميص من حرير كان من حكة وكان في الغزاة ويشهد له بذلك حديث أنس الذي يأتي عقيب الحديث المذكور وصرح فيه بقوله ورأيته عليهما في غزاة ولهذا ترجم الترمذي أيضا باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب ثم روى عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكيا القمل في غزاة لهما فرخص لهما في قميص الحرير قال ورأيته عليهما قال شيخنا زين الدين كان الترمذي رأى تقييد ذلك بالحرب وفهم ذلك من قوله في غزاة لهما ومنهم من لا يرى الترخيص بوجود الحكة أو القمل إلا بقيد ذلك في السفر كما في رواية مسلم في السفر على ما يجيء وقيل التعليل ظاهر في ذكر الحكة والقمل وأما كونه في سفر أو في غزاة فليس فيه ما يقتضي ترجيح كون ذلك سببا وإنما ذكر فيه المكان الذي رخص لهما فيه ولا يلزم منه كون ذلك سببا قلت بل هو سبب أيضا لأن فيه إرهاب العدو كما أبيح الخيلاء فيه فيجوز أن يكون كل واحد من السفر والغزو والحكة سببا مستقلا وقال ابن العربي قد روى أن النبي أرخص في كل واحد منها مفردا فإفرادها في رواية اقتضى أن يكون كل وجه له حكم وجمعها يوجب أن يكون ثلاث علل اجتمعت فأثرت في الحكم على الاجتماع كما تقتضيه على الإنفراد
ذكر رجاله وهم خمسة الأول أحمد بن المقدام أبو الأشعث العجلي البصري الثاني خالد بن الحارث بن سليم الهجيمي بضم الهاء وفتح الجيم وقد مر في استقبال القبلة الثالث سعيد بن أبي عروبة وفي بعض النسخ شعبة موضع سعيد الرابع قتادة الخامس أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه
وأخرجه مسلم في اللباس حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة

(14/195)


عن سعيد بن أبي عروبة حدثنا قتادة أن أنس بن مالك أنبأهم أن رسول الله رخص لعبد الرحمن ابن عوف والزبير بن العوام في قمص الحرير في السفر من حكة كانت بهما أو وجع كان بهما وفي رواية له فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما وأخرجه أبو داود في اللباس أيضا عن النفيلي ولفظه رخص رسول الله لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في قمص الحرير من حكة كانت بهما وأخرجه النسائي في الزينة عن إسحاق بن إبراهيم وأخرجه ابن ماجه في اللباس عن أبي بكر بن أبي شيبة
ذكر ما يستفاد منه قال النووي هذا الحديث صريح الدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكة لما فيه من البرودة وكذلك القمل وما في معناهما وقال مالك لا يجوز وكذا يجوز لبسه عند الضرورة كمن فاجأته الحرب ولم يجد غيره وكمن خاف من حر أو برد وقال الصحيح عند أصحابنا أنه يجوز لبسه للحكة ونحوها في السفر والحضر جميعا وقال بعض أصحابنا يختص بالسفر وهو ضعيف حكاه الرافعي واستنكره وقال القرطبي يدل الحديث على جواز لبسه للضرورة وبه قال بعض أصحاب مالك وأما مالك فمنعه من الوجهين والحديث واضح الحجة عليه إلا أن يدعي الخصوصية لهما ولا يصح ولعل الحديث لم يبلغه
وقال ابن العربي اختلف العلماء في لباسه على عشرة أقوال الأول محرم بكل حال الثاني يحرم إلا في الحرب الثالث يحرم إلا في السفر الرابع يحرم إلا في المرض الخامس يحرم إلا في الغزو السادس يحرم إلا في العلم السابع يحرم على الرجال والنساء الثامن يحرم لبسه من فوق دون لبسه من أسفل وهو الفرش قاله أبو حنيفة وابن الماجشون التاسع يباح بكل حال العاشر محرم وإن خلط مع غيره كالخز
وقال ابن بطال اختلف الناس في لباسه فأجازته طائفة وكرهته أخرى فممن كرهه عمر بن الخطاب وابن سيرين وعكرمة وابن محيريز وقالوا الكراهة في الحرب أشد لما يرجون من الشهادة وهو قول مالك وأبي حنيفة وممن أجازه في الحرب أنس روى معمر عن ثابت قال رأيت أنس بن مالك لبس الديباج في فزعة فزعها الناس وقال أبو فرقد رأيت على تجافيف أبي موسى الديباح والحرير وقال عطاء الديباج في الحرب سلاح وأجازه محمد بن الحنفية وعروة والحسن البصري وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه استحب الحرير في الجهاد والصلاة به حينئذ للترهيب على العدو والمباهاة
0292 - حدثنا ( أبو الوليد ) قال حدثنا ( همام ) عن ( قتادة ) عن ( أنس ) ح وحدثنا ( محمد بن سنان ) قال حدثنا ( همام ) عن ( قتادة ) عن ( أنس ) رضي الله تعالى عنه أن عبد الرحمان بن عوف والزبير شكوا إلى النبي يعني القمل فأرخص لهما في الحرير فرأيته عليهما في غزاة
مطابقته للترجمة في قوله في غزاة وهي للحرب وهذان طريقان آخران في حديث أنس الأول عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي عن همام ابن يحيى عن قتادة والثاني عن محمد بن سنان أبي بكر العوفي الباهلي الأعمى وهو من أفراده
قوله شكوا كذا هو بالواو وهو لغة يقال شكوت وشكيت بالواو والياء وادعى ابن التين أنه وقع شكيا ثم قال وصوابه شكوا لأن لام الفعل منه واو فهو مثل دعوا الله ربهما ( الأعراف 981 ) قلت ذكر الجوري شكيا أيضا قوله يعني القمل يعني كانت شكواهما من القملفإن قلت كان السبب في الحديث الماضي الحكة حيث قال من حكة كانت بهما وهنا السبب القمل قلت رجح ابن التين رواية الحكة وقال لعل أحد الرواة تأوله فأخطأ ووفق الداودي بين الروايتين باحتمال أن يكون إحدى العلتين بأحد الرجلين وقال الكرماني لا منافاة بينهما ولا منع لجمعهما وقال بعضهم يمكن الجمع بأن الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى سبب السبب قلت علة كل منهما سبب مستقل فلا تعلق لأحديهما بالآخر والحكم يثبت بسببين وأكثر فالأحسن ما قاله الكرماني قوله فرأيه الرائي هو أنس

(14/196)


1292 - حدثنا ( مسدد ) قال حدثنا ( يحيى ) عن ( شعبة ) قال أخبرني ( قتادة ) أن ( أنسا ) حدثهم قال رخص النبي لعبد الرحمان بن عوف والزبير بن العوام في حرير
هذا طريق آخر عن مسدد عن يحيى القطان عن شعبة إلى آخره قوله في حرير أي في لبس حرير ولم يذكر فيه العلة والسبب وهي محمولة على الرواية التي بين فيها السبب المقتضي للترخيص
2292 - حدثنا ( محمد بن بشار ) قال حدثنا ( غندر ) قال حدثنا ( شعبة ) قال سمعت ( قتادة ) عن ( أنس ) قال وخص أو رخص لحكة بهما
هذا طريق آخر خامس في حديث أنس عن محمد بن بشار بالباء الموحدة عن غندر بضم الغين وسكون النون وهو محمد بن جعفر البصري عن شعبة بن الحجاج قوله رخص على صيغة المعلوم أي رخص رسول الله قوله أو رخص على صيغة المجهول شك من الراوي قوله لحكه أي لأجل حكة قوله بهما أي بعبد الرحمن ابن عوف والزبير بن العوام
29 -
( باب ما يذكر في السكين )
أي هذا باب في بيان ما يذكر في أمر السكين من جواز إستعماله
3292 - حدثنا ( عبد العزيز بن عبد الله ) قال حدثني ( إبراهيم بن سعد ) عن ( ابن شهاب ) عن ( جعفر بن عمرو بن أمية ) عن أبيه قال رأيت النبي يأكل من كتف يحتز منها ثم دعي إلى الصلاة فصلى ولم يتوضأ
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث لأن احتزازه من كتف الشاة كان بالسكين ويشهد له الطريق الآخر الذي يأتي وفيه فألقى السكين ووجه إدخال هذا الباب بين أبواب الجهاد من حيث إن السكين أيضا من أنواع السلاح
وعبد العزيز ابن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي الأويسي المدني وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري المدني كان على قضاء بغداد وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري وجعفر بن عمرو بن أمية الضمري المدني يروي عن أبيه عمرو بن أمية بن خويلد الضمري الصحابي وهذا الإسناد كله مدنيون
قوله من كتف من كتف شاة قوله يحتز بالحاء المهملة وتشديد الزاي من الحز وهو القطع والحديث مضى في كتاب الوضوء في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة ومضى الكلام فيه هناك
حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري وزاد فألفى السكين
هذا طريق آخر في حديث عمرو بن أمية عن أبي اليمان الحكم بن نافع إلى آخره قوله وزاد يجوز أن يكون الفاعل فيه هو الزهري ويجوز أن يكون جعفر ب عمرو ويجوز أن يكون شيخ البخاري
وفيه استعمال السكين وجواز قطع اللحم المطبوخ بالسكين وغير المطبوخ أيضا فإن قلت روى أبو داود النهي عن قطعه بها قلت هو منكر قال النسائي وقيل إنما يكره قطع الخبز بالسكين
39 -
( باب ما قيل في قتال الروم )
أي هذا باب في بيان ما قيل في قتال الروم من الفضل والروم هم من ولد الروم بن عيصو قاله الجوهري وقال الرشاطي الروم ابن لنطا بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام وهؤلاء الروم من اليونانيين ويقال إن الروم الثانية غلبت على هؤلاء وهم منسوبون إلى جدهم رومي بن لنطا من ولد عيصون إن إسحاق بن يعقوب بن إبراهيم عليهم السلام ويقال له روماس وهو باني مدينة رومية

(14/197)


4292 - حدثني ( إسحاق بن يزيد الدمشقي ) قال حدثنا ( يحيى بن حمزة ) قال حدثني ( ثور ابن يزيد ) عن ( خالد بن معدان ) أن ( عمير بن الأسود العنسي ) حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحل حمص وهو في بناء ل ومعه أم حرام قال عمير فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي يقول أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا قالت أم حرام قلت يا رسول الله أنا فيهم قال أنت فيهم ثم قال النبي أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم فقلت أنا فيهم يا رسول الله قال لا
مطابقته للترجمة في قوله يغزون البحر لأن المراد من غزو البحر هو قتال الروم الساكنين من وراء البحر الملح وفي قوله يغزون مدينة قيصر لأن المراد بها القسطنطينية والمشهور عندهم أنها تسمى اصطنبول
ذكر رجاله وهم سبعة الأول إسحاق بن يزيد من الزيادة وقد مر في أول الزكاة الثاني يحيى بن حمزة بالحاء المهملة والزاي الحضرمي أبو عبد الرحمن قاضي دمشق إلى أن مات بها سنة ثلاث وثمانين ومائة الثالث ثور بلفظ الحيوان المشهور ابن يزيد من الزيادة الحمصي الرابع خالد بن معدان بفتح الميم وسكون العين المهملة مر في البيع كان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة الخامس عمير بالتصغير ابن الأسود العنسي بفتح العين المهملة وسكون النون وقيل بفتحها أيضا وبالسين لمهملة نسبة إلى عنس وهو زيد بن مذحج بن أدد والعنسي الناقة الصلبة وقال ابن بطال بنو عنس بالنون بالشام وبنو عبس بالباء الموحدة بالكوفة وبنو عيش بالياء آخر الحروف وبالشين المعجمة بالبصرة السادس عبادة بن الصامت السابع أم حرام بنت ملحان زوج عبادة بن الصامت وأخت أم سليم وخالة أنس بن مالك قال أبو عمر ولا أقف لها على اسم صحيح
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الإفراد في أربعة مواضع وبصيغة الجمع في موضع واحد وفيه السماع وفيه العنعنة في موضع واحد وفيه القول في موضعين وفيه أن شيخه من أفراده ونسبته إلى جده لأنه إسحاق بن إبراهيم ابن يزيد أبو النضر وفيه أن الإسناد كله شاميون وفيه أن عمير بن الأسود ليس له في البخاري إلا هذا الحديث عند من يفرق بينه وبين أبي عياض عمرو بن الأسود والراجح التفرقة وهذا الحديث رواه أنس عن أم حرام بأتم من هذا في أوائل الجهاد في باب الدعاء بالجهاد وهذا الحديث من مسند أم حرام
ذكر معناه قوله أول جيش من أمتي يغزون البحر أراد به جيش معاوية وقال المهلب معاوية أول من غزا البحر وقال ابن جرير قال بعضهم كان ذلك في سنة سبع وعشرين وهي غزوة قبرص في زمن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وقال الواقدي كان ذلك في سنة ثمان وعشرين وقال أبو معشر غزاها في سنة ثلاث وثلاثين وكانت أم حرام معهم وقال ابن الجوزي في ( جامع المسانيد ) أنها غزت مع عبادة بن الصامت فوقصتها بغلة لها شهباء فوقعت فماتت وقال هشام ابن عمار رأيت قبرها ووقفت عليه بالساحل بفاقيس قوله قد أوجبوا قال بعضهم أي وجبت لهم الجنة قلت هذا الكلام لا يقتضي هذا المعنى وإنما معناه أوجبوا استحقاق الجنة وقال الكرماني قوله أوجبوا أي محبة لأنفسهم قوله أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر أراد بها القسطنطينية كما ذكرناه وذكر أن يزيد بن معاوية غزا بلاد الروم حتى بلغ قسنطينية ومعه جماعة من سادات الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وكانت وفاة أبي أيوب الأنصاري هناك قريبا من سور القسطنطينية وقبره هناك تستسقي به الروم إذا قحطوا وقال صاحب ( المرآة ) والأصح أن يزيد بن معاوية غزا القسنطينية في سنة اثنتين وخمسين وقيل سير معاوية جيشا كثيفا مع سفيان بن عوف إلى القسطنطينية فأوغلوا في بلاد الروم وكان في ذلك الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وتوفي أبو أيوب في مدة الحصار قلت الأظهر أن هؤلاء السادات من الصحابة كانوا مع سفيان هذا ولم يكونوا مع يزيد بن معاوية لأنه

(14/198)


لم يكن أهلا أن يكون هؤلاء السادات في خدمته وقال المهلب في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر انتهى قلت أي منقبة كانت ليزيد وحاله مشهور فإن قلت قال في حق هذا الجيش مغفور لهم قلت لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله مغفور لهم مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم فدل على أن المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم وقيصر لقب هرقل ملك الروم كما أن كسرى لقب من ملك الفرس وخاقان من ملك الترك والنجاشي من ملك الحبشة
49 -
( باب قتال اليهود )
أي هذا باب في بيان إخبار النبي عن قتال اليهود في مستقبل الزمان وهو أيضا من معجزاته واليهود
5292 - حدثنا ( إسحاق بن محمد الفروي ) قال حدثنا ( مالك ) عن ( نافع ) عن ( عبد الله بن عمر ) رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله قال تقاتلون اليهود حتى يختبيء أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله
( الحديث 5292 - طرفه في 3953 )
مطابقته للترجمة في قوله تقاتلون اليهود وإسحاق بن محمد بن إسماعيل بن أبي فروة أبو يعقوب الفروي بفتح الفاء وسكون الراء فنسبته إلى جده المذكور مات سنة ست وعشرين ومائتين
قوله تقاتلون خطاب للحاضرين والمراد غيرهم من أمته فإن هذا إنما يكون إذا نزل عيسى بن مريم عليهما السلام فإن المسلمين يكونون معه واليهود مع الدجال
وفيه إشارة إلى بقاء شريعة نبينا محمد فإن عيسى عليه السلام يكون على شريعة نبينا وفيه معجزة للنبي حيث أخبر بما سيقع عند نزول عيسى عليه السلام من تكلم الجماد والإخبار والأمر بقتل اليهود وإظهاره إياهم في مواضع اختفائهم قوله فيقول يا عبد الله أي يقول الحجر يا عبد الله بأن ينطقه الله بذلك وهو على كل شيء قدير وقيل يحتمل أن يكون مجازا لأنه لا يبقى منهم أحد في ذلك الوقت والأول أولى
6292 - حدثنا ( إسحاق بن إبراهيم ) قال أخبرنا ( جرير ) عن ( عمارة بن القعقاع ) عن ( أبي زرعة ) عن ( أبي هريرة ) رضي الله تعالى عنه عن رسول الله قال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودي يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله
مطابقته للترجمة ظاهرة وإسحاق بن إبراهيم الذي يعرف بابن راهويه وجرير بن عبد الحميد وعمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن القعقاع وقد مر في باب الجهاد من الإيمان وأبو زرعة بضم الزاي وسكون الراء وفتح العين المهملة ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي وفي اسمه أقوال وقد مر أيضا في باب الجهاد من الإيمان
59 -
( باب قتال الترك )
أي هذا باب في بيان قتال المسلمين مع الترك الذي هو من أشراط الساعة واختلفوا في أصل الترك فقال الخطابي الترك هم بنو قنطوراء وهي اسم جارية كانت لإبراهيم عليه السلام ولدت أولادا جاءت من نسلهم الترك وقال كراع الترك هم الذين يقال لهم الديلم وقال ابن عبد البر الترك هم ولد يافث وهم أجناس كثيرة أصحاب مدن وحصون ومنهم في رؤوس الجبال والبراري ليس لهم عمل سوى الصيد ومن لم يصد ودج دابته وصيره في مصران يأكله ويأكلون الرخم والغربان

(14/199)


وليس لهم دين ومنهم من يتدين بدين المجوسية وهم الأكثرون ومنهم من يتهود وملكهم يلبس الحرير وتاج الذهب ويحتجب كثيرا وفيهم سحرة وقال وهب بن منبه الترك بنو عم يأجوج ومأجوج وقيل أصل الترك أو بعضهم من حمير وقيل إنهم بقايا قوم تبع ومن هناك يسمون أولادهم بأسماء العرب العاربة فهؤلاء من كان مثلهم يزعمون أنهم من العرب وألسنتهم عجمية وبلدانهم غير عربية دخلوا إلى بلاد العجم واستعجموا وقيل الترك من ولد أفريدون بن سام بن نوح عليه السلام وسموا تركا لأن عبد شمس بن يشجب لما وطىء أرض بابل أتى بقوم من أحامرة ولد يافث فاستنكر خلقهم ولم يحب أن يدخلهم في سبي بابل فقال اتركوهم فسموا الترك وقال صاعد في ( كتاب الطبقات ) أما الترك فأمة كثيرة العدد فخمة المملكة ومساكنهم ما بين مشارق خراسان من مملكة الإسلام وبين مغارب الصين وشمال الهند إلى أقصى المعمور في الشمال وفضيلتهم التي برعوا فيها واحرزوا خصالها الحروف ومعالجة آلاتها قلت الترك والصين والصقالبة ويأجوج ومأجوج من ولد يافث بن نوح عليه الصلاة و السلام باتفاق النسابين وكان ليافث سبعة أولاد منهم ابن يسمى كور فالترك كلهم من بني كومر ويقال الترك هو ابن يافث لصلبه وهم أجناس كثيرة ذكرناهم في ( تاريخنا الكبير ) وقال المسعودي في ( مروج الذهب ) في الترك استرخاء في المفاصل واعوجاج في سيقانهم ولين في عظامهم حتى إن أحدهم ليرمي بالنشاب من خلفه كرميه من قدامه فيصير قفاه كوجهه ووجهه كقفاه
7292 - حدثنا ( أبو النعمان ) قال حدثنا ( جرير بن حازم ) قال سمعت ( الحسن ) يقول حدثنا ( عمرو بن تغلب ) قال قال النبي إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما ينتعلون نعال الشعر وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة
( الحديث 7292 - طرفه في 2953 )
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث لأن قوله راض الوجوه إلى آخره صفة الترك
وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي وجرير بن حازم بالحاء المهملة والزاي والحسن هو البصري وعمرو بالفتح ابن تغلب بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الغين المعجمة وكسر اللام وبالباء الموحدة العبدي من عبد القيس يقال أنه من النمر بن قاسط يعد في أهل البصرة
ورجال الإسناد كلهم بصريون
والحديث أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة عن سليمان بن حرب وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن أبي بكر بن أبي شيبة
ذكر معناه قوله إن من أشراط الساعة أي من علامات يوم القيامة والأشراط جمع شرط بفتح الراء وقال أبو عبيد وبه سميت شرط اللسان لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها قوله ينتعلون بنعال الشعر معناه أنهم يصنعون من الشعر حبلا ويصنعون منها نعالا ويقال معناه أن شعورهم كثيفة طويلة فهي إذا أسدلوها كاللباس تصل إلى أرجلهم كالنعال وإنما كانت نعالهم من الشعر أو من جلود مشعرة لما في بلادهم من الثلج العظيم الذي لا يكون في غيرها ويكون من جلد الذئب وغيره وذكر البكري في ( أخبار الترك ) كان أعينهم حدق الجراد يتخذون الدرق يربطون خيولهم بالحبل وفي لفظ حتى يقاتل المسلمون الترك يلبسون الشعر انتهى وهذه إشارة إلى الشرابيش التي تدار عليها بالقندس والقندس كلب الماء وهو من ذوات الشعر والنعال جمع نعل والشعر بفتح العين وكسرها وقال بعضهم هذا الحديث والذي بعده ظاهر في أن الذين ينتعلون نعال الشعر غير الترك وقد وقع في رواية الإسماعيلي من طريق محمد بن عباد قال بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر قلت هذا الذي قاله غير صحيح ولا احتجاج بهذه الرواية لأن كون نعال أصحاب بابك من الشعر لا ينافي كونها للترك أيضا ولا يفهم من ذلك الخصوصية بذلك لأصحاب بابك على أنه يجوز أن يكون أصحاب بابك أيضا من الترك لأن الترك أجناس كثيرة وخبر البكري يصرح بالرد على هذا القائل وأصرح من هذا ما رواه أبو داود من حديث بريدة يقاتلكم قوم صغار الأعين يعني الترك الحديث ومع هذا على ما ذكره لا تبقى مطابقة بين الترجمة والحديث أصلا لأن الترجمة بلفظ الترك وإذا كان الذين ينتعلون نعال الشعر غير الترك يكون بين الترجمة

(14/200)


والحديث بون عظيم على أن الأوصاف المذكورة فيه وفي الحديث الذي بعده كلها أوصاف الترك فإذا كان الترك أجناسا كثيرة لا يلزم أن ينتعل كلهم نعال الشعر وأما بابك الذي ذكره فهو بباءين موحدتين مفتوحتين وفي آخره كاف يقال له بابك الخرمي بضم الخاء المعجمة وتشديد الراء المفتوحة وكان قد أظهر الزندقة وتبعه طائفة فقويت شوكته في أيام المأمون وغلبوا على بلاد كثيرة من بلاد العجم إلى أن قتل في أيام المعتصم في سنة اثنتين وعشرين ومائتين وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين قوله عراض الوجوه قال ابن قرقول أي سعتها قوله المجان بفتح الميم وتشديد النون جمع مجن بكسر الميم وهو الترس قوله المطرقة بضم الميم وسكون الطاء المهملة وفتح الراء قال الخطابي هي التي ألبست الأطرقة من الجلود وهي الأعشية منها شبه عرض وجوههم ونتوء وجناتهم بظهور الترس والأطرقة جمع طراق وهو جلدة تقدر على قدر الدرقة وتلصق عليها وقال القاضي البيضاوي شبه وجوههم بالترس لبسطها وتدويرها وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها وقال الهروي المجان المطرقة هي التي أطرقت بالعصب أي ألبست به وقيل المطرقة هي التي ألبست الطراق وهو الجلد الذي يغشاه ويعمل هذا حتى يبقى كأنه ترس على ترس وقال ابن قرقول قال بعضهم الأصوب فيه المطرقة بتشديد الراء وهو ما ركب بعضه فوق بعض
فإن قلت هذا الخبر من جملة معجزات النبي حيث أخبر عن أمر سيكون فهل وقع هذا أم سيقع قلت قد وقع بضع ذلك على ما أخبر به رسول الله في سنة سبع عشرة وستمائة وقد خرج جيش عظيم من الترك فقتلوا أهل ما وراء النهر وما دونه من جميع بلاد خراسان ولم ينج منهم إلا من اختفى في المغارات والكهوف فهتكوا في بلاد الإسلام إلى أن وصلوا إلى بلاد قهستان فخربوا مدينة الري وقزوين وأبهر وزنجان وأردبيل ومراغة كرسي بلاد إذربيجان واستأصلوا شأفة من في هذه البلاد من سائر الطوائف واستباحوا النساء وذبحوا الأولاد ثم وصلوا إلى العراق الثاني وأعظم مدنه مدينة أصفهان وقتلوا فيها من الخلائق ما لا يحصى وربطوا خيولهم إلى سواري المساجد والجوامع كما جاء في الحديث
وروى أبو داود الطيالسي من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال رسول الله لينزلن طائفة من أمتي أرضا يقال لها البصرة فيجيء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار العيون حتى ينزلوا على جسر لهم يقال له دجلة فيفترق المسلمون ثلاث فرق أما فرقة فتأخذ بأذناب الإبل فتلحق بالبادية فهلكت وأما فرقة فتأخذ على أنفسها فكفرت فهذه وذلك سواء وأما فرقة فيجعلون عيالاتهم خلف ظهورهم ويقاتلون فقتلاهم شهيد ويفتح الله على بقيتهم
وروى البيهقي من حديث بريدة إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه كأن وجوههم الجحف ثلاث مرات حتى يلحقوهم بجزيرة العرب قالوا يا نبي الله من هم قال الترك والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين
8292 - حدثنا ( سعيد بن محمد ) قال حدثنا ( يعقوب ) قال حدثنا أبي عن ( صالح ) عن ( الأعرج ) قال قال ( أبو هريرة ) رضي الله تعالى عنه قال رسول الله لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر
مطابقته للترجمة أظهر من مطابقة الحديث السابق لأن فيه التصريح بلفظ الترك
وسيد بن محمد أبو عبد الله الجرمي الكوفي المتشيع ويعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أصله مدني سكن بالعراق يروي عن أبيه إبراهيم المذكور وصالح هو ابن كيسان والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز
قوله ذلف الأنوف بضم الذال المعجمة جمع الأذلف وهو صغر الأنف مستوى الأرنبة وهو الفطس وقيل قصر الأنف وانبطاحه ورواه بعضهم بدال مهملة وقال ابن قرقول وقيدناه بالوجهين وبالمعجمة أكثر وقيل تشمير الأنف عن الشفة وعن ابن فارس الذلف الأستواء في طرف الأنف والعرف تقول أملح النساء الذلف والأنوف جمع أنف مثل فلس وفلوس ويجمع على أنف وإناف وفي ( المخصص ) هو جمع المنخر وسمي أنفا لتقدمه

(14/201)


69 -
( باب قتال الذين ينتعلون الشعر )
أي هذا باب في بيان قتال القوم الذين ينتعلون الشعر وهم أيضا من الترك كما ذكرناه ولكن لما روي الحديث المذكور في الباب السابق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه من وجه آخر عقد له هذه الترجمة لأن لفظ أبي هريرة في الحديث الماضي لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر وقع في آخر الحديث وهو في هذا الحديث وقع في صدره
9292 - حدثنا ( علي بن عبد الله ) قال حدثنا ( سفيان ) قال ( الزهري ) عن ( سعيد بن المسيب ) عن ( أبي هريرة ) رضي الله تعالى عنه عن النبي قال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة
مطابقته للترجمة ظاهرة ومعناه قد ذكر عن قريب وروى الترمذي من حديث الصديق رضي الله تعالى عنه أن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة وقال حسن غريب وهذا يدل على أن خروج الترك على المسلمين يتكرر وهكذا وقع كما ذكرنا وسيقع أيضا عند ظهور الدجال والله تعالى أعلم
قال سفيان وزاد فيه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رواية صغار الأعين ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة
أي قال سفيان بن عيينة زاد في الحديث المذكور أبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج وقال بعضهم هو موصول بالإسناد المذكور وأخطأ من زعم أنه معلق قلت القائل بالتعليق هو صاحب ( التلويح ) فإنه قال هذا التعليق رواه البخاري مسندا في علامات النبوة ونسبته إلى الخطأ جزما خطأ لأن ظاهر الكلام هو التعليق والذي ادعاه هذا القائل إحتمال قوله رواية بالنصب أي زاد على سبيل الرواية لا على طريق المذاكرة أي قاله عند النقل والتحميل لا عند القال والقيل قوله صغار الأعين بالنصب لأنه مفعول زاد
79 -
( باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته واستنصر )
أي هذا باب في ذكر من صف أصحابه عند هزيمتهم وثبت هو ونزل عن دابته واستنصر الله تعالى وهذا كان يوم حنين حيث انقلب أصحاب النبي منهزمين من عدوهم كما وصفهم الله تعالى ثم وليتم مدبرين ( التوبة 52 ) وثبت النبي وذلك لما خصه الله تعالى من الشجاعة والنجدة فنزل عن بغلته واستنصر يعني دعا الله بالنصرة فنصره الله تعالى إذ رماهم بالتراب كما يأتي بيانه مستقصى في المغازي ونزوله كان بسبب الرجالة الباقين معه ليتأسوا به
0392 - حدثنا ( عمرو بن خالد ) قال حدثنا ( زهير ) قال حدثنا ( أبو إسحاق ) قال سمعت ( البراء ) وسأله رجل أكنتم فررتم يا أبا عمارة يوم حنين قال لا والله ما ولى رسول الله ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس بسلاح فأتوا قوما رماة جمع هوازن وبني نصر ما يكاد يسقط لهم سهم فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون فأقبلوا هنالك إلى النبي وهو على بغلته البيضاء وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل واستنصر ثم قال أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ثم صف أصحابه

(14/202)


مطابقته للترجمة في قوله فنزل واستنصر
وعمرو بن خالد بن فروخ الحراني الجزري سكن مصر وهو من أفراده وزهير هو ابن معاوية وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله
والحديث قد مضى في باب من قاد دابة غيره فيكتاب الجهاد فإنه أخرجه هناك عن قتيبة عن سهل بن يوسف عن شعبة عن سهل بن أبي إسحاق إلى آخره
قوله يا أبا عمارة بضم العين وتخفيف الميم كنية أبي الدرداء قوله وأخفاؤهم وجمع خف بمعنى الخفيف وهم الذين ليس معهم سلاح يثقلهم قوله حسرا بضم الحاء وتشديد السين المهملتين وبالراء جمع حاسر وهو الذي لا سلاح معه وقيل هو الذي لا درع له ولا مغفر وانتصابه على الحال من شبان أصحابه قوله ليس بسلاح اسم ليس مضمر والتقدير ليس أححدهم ملتبسا بسلاح ويروى ليس سلاح بدون الباء وسلاح مرفوع على أنه اسم ليس والخبر محذوف أي ليس سلاح لهم قوله رماة جمع رام وانتصابه على أنه صفة قوما وانتصاب قوما على المفعولية قوله جمع هوازن منصوب على أنه بدل من قوما ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم جمع هوازن وجمع بني نصر وهما قبيلتان قال الجوهري نصر أبو قبيلة من بني أسد وهو نصر بن قعين قوله فرشقوهم الرشق الرمي وقال الداودي معناه يرمي الجميع سهامهم قوله وابن عمه مبتدأ والواو للحال وخبره قوله يقود به
89 -
( باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة )
أي هذا باب في بيان دعاء الإمام على المشركين عند قيام الحرب بالهزيمة والزلزلة اقتداء بالنبي والهزيمة من الهزم وهو الكسر والزلزلة من زلزلت الشيء إذا حركته تحريكا شديدا ومنه زلزلة الأرض وهي اضطرابها
1392 - حدثنا ( إبراهيم بن موسى ) قال أخبرنا ( عيسى ) قال حدثنا ( هشام ) عن ( محمد ) عن ( عبيدة ) عن ( علي ) رضي الله تعالى عنه قال لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا شغلونا عن الصلاة الوسطاى حين غابت الشمس
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا لأن في إحراق بيوتهم غاية التزلزل لأنفسهم
ذكر رجاله وهم ستة الأول إبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير الثاني عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الثالث هشام قال بعضهم هو الدستوائي قال وزعم الأصيلي أنه هشام ابن حسان ورام بذلك تضعيف الحديث فأخطأ من وجهين وتجاسر الكرماني فقال المناسب أنه هشام بن عروة قلت هو الذي تجاسر حيث قال إنه هشام الدستوائي وليس هو بالدسوائي وإنما هو هشام بن حسان مثل ما قال الأصيلي وكذا نص عليه الحافظ المزي في ( الأطراف ) في موضعين كما نذكره عن قريب والكرماني أيضا قال وهشام الظاهر أنه ابن حسان ثم قال لكن المناسب لما مر في باب شهادة الأعمى هشام بن عروة ولم يظهر منه تجاسر لأنه لم يجزم أنه هشام ابن عروة وإنما غرته رواية عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه عروة في الباب المذكور فظن أن ههنا أيضا كذلك الرابع محمد بن سيرين الخامس عبيدة بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة ابن عمرو السلماني أبو مسلم الكوفي السادس علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن إسحاق وفي الدعوات عن محمد ابن المثنى وفي التفسير عن عبد الله بن محمد وعن عبد الرحمن بن بشر قال الحافظ المزي خمستهم عن هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن أبي بكر وعن إسحاق بن إبراهيم وقال الحافظ المزي ثلاثتهم عن هشام بن حسان وعن محمد بن المثنى وبندار كلاهما عن غندر وعن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة وعن يزيد بن هارون وأخرجه الترمذي في التفسير عن هناد بن السري وأخرجه النسائي

(14/203)


في الصلاة عن محمد بن عبد الأعلى
قوله ملأ الله بيوتهم أي أحياء وقبورهم أي أمواتا قوله شغلونا أي الأحزاب بقتالهم مع المسلمين فلما اشتد الأمر على المسلمين دعا رسول الله عليهم فأجيبت دعوته فيهم وكان يدعو على قوم ويدعو لآخرين على حسب ما كانت ذنوبهم في نفسه فكان يدعو على من اشتد أذاه للمسلمين وكان يدعو لمن يرجو بر دعوته ورجوعه إليهم كما دعا لدوس حين قيل له إن دوسا قد عصت ولم يكن لهم نكاية ولا أذى فقال أللهم إهد دوسا وائت بهم قوله حتى غابت الشمس فيه دلالة على أن الصلاة الوسطى هي العصر وهو الذي صحت به الأحاديث وإن كان الشافعي نص على أنها الصبح وفيه أقوال قد ذكرناها في كتاب الصلاة فإن قلت لم لم يصلوا صلاة الخوف قلت قالوا إن هذا كان قبل نزول صلاة الخوف
2392 - حدثنا ( قبيصة ) قال حدثنا ( سفيان ) عن ( ابن ذكوان ) عن ( الأعرج ) عن ( أبي هريرة ) رضي الله تعالى عنه قال كان النبي يدعو في القنوت أللهم أنج سلمة بن هشام أللهم أنج الوليد ابن الوليد أللهم أنج عياش بن أبي ربيعة أللهم أنج المستضعفين من المؤمنين أللهم اشدد وطأتك على مضر أللهم سنين كسني يوسف
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله أللهم اشدد وطأتك إلى آخره لأن شدة الوطأة أعم من أن تكون بالهزيمة والزلزلة أو بغير ذلك من الشدائد مثل الغلاء العظيم والموت الذريع ونحوهما
وسفيان هو ابن عيينة وابن ذكوان هو عبد الله بن ذكوان والأعرج عبد الرحمن بن هرمز
والحديث مضى في أول كتاب الاستسقاء في باب دعاء النبي إجعلها كسني يوسف فإنه أخرجه هناك عن قتيبة عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة إلى آخره
ومعنى قوله اشدد وطأتك بأسك وعقوبتك أو أخذتك الشديدة قوله على مضر بضم الميم غير منصرف لأنه علم للقبيلة قوله سنين منصوب بتقدير اشدد أو قدر أو إجعل عليهم سنين أو نحو ذلك وهو جمع سنة وهي الغلاء ويوسف هو ابن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم أجمعين
3392 - حدثنا ( أحمد بن محمد ) قال ( أخرنا عبد الله ) قال أخبرنا ( إسماعيل بن أبي خالد ) أنه سمع ( عبد الله بن أبي أوفى ) رضي الله تعالى عنهما يقول دعا رسول الله يوم الأحزاب على المشركين فقال أللهم منزل الكتاب سريع الحساب أللهم اهزم الأحزاب أللهم اهزمهم وزلزلهم
مطابقته للترجمة في قوله اللهم اهزمهم وزلزلهم وأحمد بن موسى أبو العباس يقال له مردويه السمسار الرازي وعبد الله هو ابن المبارك الرازي وإسماعيل بن أبي خالد الأحمسي البجلي الكوفي واسم أبي خالد سعد ويقال هرمز ويقال كثير وعبد الله بن أبي أوفى الأسلمي وأبو أوفى اسمه علقمة بن خالد
والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن قتيبة وفي الدعوات عن محمد بن سلام وفي المغازي عن محمد عن مروان بن معاوية وأخرجه مسلم في المغازي عن سعيد ابن منصور وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر وأخرجه الترمذي في الجهاد عن أحمد بن منيع وأخرجه النسائي في السير وفي اليوم والليلة عن محمد بن منصور وأخرجه ابن ماجه في الجهاد عن محمد بن عبد الله ابن نمير
قوله أللهم يعني يا الله يا منزل الكتاب أي القرآن قوله سريع الحساب يعني يا سريع الحساب إما أن يراد به أنه سريع حسابه بمجيء وقته وإما أنه سريع في الحساب قوله إهزمهم أي إكسرهم وبدد شملهم ويقال قوله إهزمهم وزلزلهم دعاء عليهم أن لا يسكنوا ولا يستقروا ولا يأخذهم قرار وقال الداودي أراد أن تطيش عقولهم وترعد أقدامهم عند اللقاء فلا يثبتون قيل قد نهى رسول الله عن سجع كسجع الكهان وأجيب بأن تلك أسجاع متكلفة وهذا اتفق اتفاقا بدون التكلف والقصد إليه

(14/204)


4392 - حدثنا ( عبد الله بن أبي شيبة ) قال حدثنا ( جعفر بن عون ) قال حدثنا ( سفيان ) عن ( أبي إسحاق ) عن ( عمرو بن ميمون ) عن ( عبد الله ) رضي الله تعالى عنه قال كان النبي يصلي في ظل الكعبة فقال أبو جهل وناس من قريش ونحرت جزور بناحية مكة فأرسلوا فجاؤوا من سلاها وطرحوه عليه فجاءت فاطمة فألقته عنه فقال أللهم عليك بقريش أللهم عليك بقريش أللهم عليك بقريش لأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد ابن عتبة وأبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط قال عبد الله فلقد رأيتهم في قليب بدر قتلى
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله أللهم عليك بقريش ووجهه ظاهر
وعبد الله بن أبي شيبة هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة واسمه إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي أبو بكر أخو عثمان وجعفر بن عون بفتح العين المهملة وسكون الواو وفي آخره نون ابن جعفر بن عمرو بن حريث القرشي الكوفي وسفيان هو الثوري وأبو إسحاق عمرو السبيعي وعمرو ابن ميمون الأزدي أبو عبد الله الكوفي أدرك الجاهلية وكان بالشام ثم سكن الكوفة وهؤلاء كلهم كوفيون وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي وهو عبد الله بن مسعود
والحديث قد مضى في كتاب الصلاة في باب المرأة تطرح على المصلي شيئا من الأذى بأتم منه
قوله قال أبو جهل اسمه عمرو قوله وناس من قريش وهم الذين ذكرهم في الدعاء عليهم فإن قلت ما مقول أبي جهل قلت محذوف تقديره هاتوا من سلا الجزور التي نحرت وقوله ونحرت جزور جملة معترضة حالية قوله من سلاها السلا بفتح السين المهملة وتخفيف اللام مقصور وهي الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي واستدل به مالك على طهارة روث المأكول لحمه ومن قال بنجاسته قال لم يكن في ذلك الوقت تعبد به وأيضا ليس في السلا دم فهو كعضو منها فإن قلت هو ميتة قلت كان ذلك قبل تحريم ذبائح أهل الأوثان كما كانت تجوز مناكحتهم وروي أيضا أنه كان مع الفرث والدم ولكنه كان قبل التعبد بتحريمه قوله لأبي جهل اللام للبيان نحو هيت لك أي هذا الدعاء مختص به أو للتعليل أي دعا أو قال لأجل أبي جهل قوله قال عبد الله هو ابن مسعود قوله في قليب بدر القليب بفتح القاف وكسر اللام البئر قبل تطوى تذكر وتؤنث فإذا طويت فهي الطوى قوله قتلى جمع قتيل نصب على أنه مفعول ثان لقوله رأيتهم
قال أبو إسحاق ونسيت السابع
أي قال أبو إسحاق الراوي عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بالإسناد المذكور وكأن أبا إسحاق لما حدث سفيان الثوري بهذا الحديث كان نسي السابع وهو عمارة بن الوليد
قال أبو عبد الله قال يوسف بن إسحاق عن أبي إسحاق أمية بن خلف وقال شعبة أمية أو أبي والصحيح أمية
أبو عبد الله هو البخاري ويوسف بن إسحاق يروي عن جده أبي إسحاق عمرو السبيعي وأراد البخاري أن أبا إسحاق حدث به مرة فقال أبي بن خلف وهكذا رواية سفيان الثوري عنه هنا وحدث به أخرى فقال أمية أو أبي وهي رواية شعبة فشك فيه وقال البخاري والصحيح أمية بن خلف لا أبي لأن أبي بن خلف قتله الشارع بيده يوم أحد بعد يوم بدر وحديث يوسف بن إسحاق مضى موصولا في كتاب الطهارة في باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر وطريق شعبة وصلها البخاري أيضا في كتاب المبعث عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال بينا النبي ساجد الحديث وفيه وأمية بن خلف أو أبي بن خلف شعبة الشاك فافهم

(14/205)


5392 - حدثنا ( سليمان بن حرب ) قال حدثنا ( حماد ) عن ( أيوب ) عن ( ابن مليكة ) عن ( عائشة ) رضي الله تعالى عنها أن اليهود دخلوا على النبي فقالوا السام عليك فلعنتهم فقال مالك قلت أولم تسمع ما قالوا قال فلم تسمعي ما قلت وعليكم
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله وعليكم لأن معناه وعليكم السام أي الموت وهو دعاء من النبي وقد جاء في الحديث يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا
وحماد هو ابن زيد وأيوب هو السختياني وابن أبي مليكة بضم الميم اسمه عبد الله واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي الأحول المكي القاضي على عهد ابن الزبير رضي الله تعالى عنهم
والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن محمد بن سلام وفي الدعوات عن قتيبة وذكر في الاستيذان حديث ابن عمر وأنس رضي الله تعالى عنهم وعند النسائي من حديث أبي بصرة قال إني راكب إلى اليهود فمن انطلق معي فإن سلموا عليكم فقولوا وعليكم وعند ابن ماجه من حديث أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن الجهني وصحبته مختلف فيها مثله وعند ابن حبان من حديث أنس قال قال أتدرون ما قال قالوا سلم قال لا إنما قال السام عليكم أي تسامون دينكم فإذا سلم عليكم رجل من أهل الكتاب فقولوا وعليك
قوله السام عليك بتخفيف الميم أي الموت قوله فلعنتهم أي قالت عائشة فلعنت هؤلاء اليهود قوله فقال مالك أي فقال رسول الله لعائشة أي شيء حصل لك حتى لعنت هؤلاء فأجابت عائشة بقولها قلت يا رسول الله أولم تسمع ما قال هؤلاء فقال فلم تسمعي ما قلت وعليكم يعني السام عليكم فرديت عليهم ما قالوا فإنما قلت يستجاب لي وما قالوا الغوا يرد عليهم ثم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم رد عليهم ما قالوا وفي قوله وعليكم قال الخطابي رواية عامة المحدثين بإثبات الواو وكان ابن عيينة يرويه بحذفها وهو الصواب وذلك أنه إذا حذفها صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودا عليهم وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه لأن الواو حرف العطف والاجتماع بين الشيئين وفي رواية يحيى عن مالك عن ابن دينار عليك بلفظ الواحد وقال القرطبي الواو هنا زائدة وقيل للاستئناف وحذفها أحسن في المعنى وإثباتها أصح رواية وأشهر وقال أبو محمد المنذري من فسر السام بالموت فلا يبعد الواو ومن فسره بالسأمة فإسقاطها هو الوجه قال ابن الجوزي وكان قتادة يمد ألف السآمة
فوائد ذهب عامة السلف وجماعة الفقهاء أن أهل الكتاب لا يبدأون بالسلام حاشى ابن عباس وصدي ابن عجلان وابن محيريز فإنهم جوزوه ابتداء وقال النووي وهو وجه لبعض أصحابنا حكاه الماوردي ولكنه قال يقول عليك ولا يقول عليكم بالجمع وحكى أيضا أن بعض أصحابنا جوز أن يقول وعليكم السلام فقط ولا يقول ورحمة الله وبركاته وهو ضعيف مخالف للأحاديث وذهب آخرون إلى جواز الابتداء للضرورة أو لحاجة تعن له إليه أو لذمام أو نسب وروى ذلك عن إبراهيم وعلقمة وقال الأوزاعي إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون وتؤول لهم قولهم لا تبتدؤهم بالسلام أي لا تبتدأوهم كصنيعكم بالمسلمين واختلفوا في رد السلام عليهم فقالت طائفة رد السلام فريضة على المسلمين والكفار قالوا وهذا تأويل قوله تعالى فحيوا بأحسن منها وردوها ( النساء 68 ) قال ابن عباس وقتادة في آخرين هي عامة في الرد على المسلمين والكفار وقوله أو ردوها ( النساء 68 ) يقول للكافر وعليكم قال ابن عباس من سلم عليك من خلق الله تعالى فاردد عليه وإن كان مجوسيا وروى ابن عبد البر عن أبي أمامة الباهلي أنه كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا نصراني إلا بدأه بالسلام وعن ابن مسعود وأبي الدرداء وفضالة بن عبيد أنهم كانوا يبدأون أهل الكتاب بالسلام وكتب ابن عباس إلى كتابي السلام عليك وقال لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه وقيل لمحمد بن كعب إن عمر بن عبد العزيز يرد عليهم ولا يبدأوهم فقال ما أرى بإنسان يبدأهم بالسلام لقول الله تعالى فاصفح عنهم وقل سلام ( الزخرف 98 ) وقالت طائفة لا يرد السلام على الكتابي والآية مخصوصة بالمسلمين وهو قول الأكثرين وعن ابن طاووس يقول علاك السلام واختار بعضهم أن يرد

(14/206)


عليهم السلام بكسر السين أي الحجارة وعن مالك إن بدأت ذميا على أنه مسلم ثم عرفت أنه ذمي فلا نسترد منه السلام وقال ابن العربي وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يسترده منه فيقول أردد علي سلامي
99 -
( باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلمهم الكتاب )
أي هذا باب يذكر فيه هل يرشد المسلم أهل الكتاب ومعنى إرشادهم ما قاله ابن بطال إرشاد أهل الكتاب ودعاؤهم إلى الإسلام على الإمام يعني واجب عليه هذا هو معناه لا ما قاله بعضهم المراد بالكتاب الأول التوراة والإنجيل وبالكتاب الثاني ما هو أعم منهما ومن القرآن وغير ذلك انتهى وهذا مستبعد من كل وجه ولو تأمل هذا أن المعنى هل يرشد المسلم أهل الكتاب إلى طريق الهدى ويعرفه بمحاسن الإسلام حتى يرجع إليه لما أقدم على ما قاله قوله أو يعلمهم الكتاب أي أو هل يعلمهم المسلم الكتاب أي القرآن وفيه خلاف فقال أبو حنيفة لا بأس بتعليم الحربي والذمي القرآن والعلم والفقه رجاء أن يرغبوا في الإسلام وهو أحد قولي الشافعي وقال مالك لا يعلمهم الكتاب ولا القرآن وهو أحد قولي الشافعي واحتج الطحاوي لأبي حنيفة بكتاب هرقل وبقوله عز و جل وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ( التوبة 6 ) وروى أسامة ابن زيد مر النبي على ابن أبي قبل أن يسلم وفي المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود فقرأ عليهم القرآن
6392 - حدثنا ( إسحاق ) قال أخبرنا ( يعقوب بن إبراهيم ) قال حدثنا ( ابن أخي ابن شهاب ) عن ( عمه ) قال أخبرني ( عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ) أن ( عبد الله بن عباس ) رضي الله تعالى عنهما أخبره أن رسول الله كتب إلى قيصر وقال فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين
( الحديث 6392 - طرفه في 0492 )
مطابقته للترجمة من حيث إن النبي كتب إلى قيصر آية من القرآن وهي قوله تعالى يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ( آل عمران 46 ) الآية بتمامها ووجهه أن فيه مطابقة لكل واحد من جزئي الترجمة أما مطابقته للجزء الأول فتؤخذ من قوله فإن توليت إلى آخره لأن فيه إرشادا إلى طريق الهدى والحق وأما مطابقته للجزء الثاني فتؤخذ من كتابه إليه على ما لا يخفى على المتأمل وإسحاق شيخه هو ابن منصور بن كوسج أبو يعقوب المروزي يعقوب ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري وابن أخي ابن شهاب هو محمد بن عبد الله ابن أخي محمد بن مسلم بن شهاب الزهري وهذا الذي ذكره هنا قطعة من حديث طويل قد مر في أول الكتاب
00 - 1 -
( باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم )
أي هذا باب في بيان دعاء النبي للمشركين بأن الله يهديهم إلى دين الإسلام قوله ليتألفهم تعليل لدعائه بالهداية لهم وذلك أنه يدعو لهم إذا رجا منهم الإلفة والرجوع إلى دين الإسلام وقد ذكرنا أن دعاء النبي على حالتين إحداهما أنه يدعو لهم إذا أمن غائلتهم ورجا هدايتهم والأخرى أنه يدعو عليهم إذا اشتدت شوكتهم وكثر أذاهم ولم يأمن من شرهم على المسلمين
7392 - حدثنا ( أبو اليمان ) قال أخبرنا ( شعيب ) قال حدثنا ( أبو الزناد ) أن عبد الرحمان قال قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي فقالوا يا رسول الله إن دوسا عصت وأبت فادع الله عليها فقيل هلكت دوس قال أللهم اهد دوسا وات بهم

(14/207)


مطابقته للترجمة في قوله أللهم اهد دوسا وائت بهم
وأبو اليمان الحكم بن نافع وشعيب بن أبي حمزة وأبو الزناد عبد الله ابن ذكوان و ( عبد الرحمن ) هو ابن هرمز الأعرج
قوله قدم طفيل بن عمر وبضم الطاء وفتح الفاء ابن طريف بن العاصي بن ثعلبة ابن سليم بن غنم بن دوس الدوسي من دوس أسلم وصدق النبي بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه من أرض دوس فلم يزل مقيما بها حتى هاجر رسول الله ثم قدم على رسول الله وهو بخيبر بمن تبعه من قومه فلم يزل مقيما مع رسول الله حتى قبض ثم كان مع المسلمين حتى قتل باليمامة شهيدا وروى إبراهيم بن سعد عن ابن عباس قال قتل الطفيل بن عمرو الدوسي عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ذكره ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) وقال أيضا كان الطفيل بن عمرو الدوسي يقال له ذو النور ثم ذكر بإسناده إلى هشام الكلبي أنه إنما سمي بذلك لأنه وفد على النبي فقال يا رسول الله إن دوسا قد غلب عليهم الزنا فادع الله عليهم فقال رسول الله أللهم اهد دوسا ثم قال يا رسول الله ابعثني إليهم واجعل لي آية يهتدون بها فقال أللهم نور له فسطع نور بين عينيه فقال يا رب أخاف أن يقولوا مثلة فتحولت إلى طرف سوطه فكانت تضيء في الليلة المظلمة فسمي ذو النور وقوله قدم الطفيل وأصحابه هذا قدومه الثاني مع أصحابه ورسول الله بخيبر كما ذكرنا وكان أصحابه ثمانين أو تسعين وهم الذين قدموا معه وهم أهل بيت من دوس قوله إن دوسا قد عصت أي على الله تعالى ولم تسمع من كلام الطفيل حين دعاهم إلى الإسلام وأبت من سماع كلامه وقال الطفيل يا رسول الله غلب على دوس الزنا والربا فادع الله عليهم بالهلاك فقال أللهم إهد دوسا وائت بهم أي مسلمين أو كناية عن الإسلام وقال الكرماني هم طلبوا الدعاء عليهم ورسول الله دعا لهم وذلك من كمال خلقه العظيم ورحمته على العالمين قلت لا شك أن رسول الله رحمة للعالمين ومع هذا كان يحب دخول الناس في الإسلام فكان لا يعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام بل كان يدعو لمن يرجو منه الإنابة ومن لا يرجوه ويخشى ضرره وشوكته يدعو عليه كما دعا على قريش كما مر ودوس هو ابن عدنان ابن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد وينسب إليه الدوسي قال الرشاطي الدوسي في الأزد ينسب إلى دوس فذكر نسبه مثل ما ذكرنا فإن قلت كيف انصرف دوس وفيه علتان العلمية والتأنيث قلت قد علم أن سكون حشوه يقاوم أحد السببين فيبقى على علة واحدة كما في هند وعدد
101 -
( باب دعوة اليهودي والنصراني وعلى ما يقاتلون عليه وما كتب إلى كسرى وقيصر والدعوة قبل القتال )
أي هذا باب في بيان دعوة اليهودي والنصراني إلى الإسلام قوله وعلى ما يقاتلون عليه أي وفي بيان أي شيء يقاتلون عليه ويقاتلون على صيغة المجهول قوله وما كتب أي في بيان ما كتب النبي إلى كسرى وقيصر قد ذكرنا أن كل من ملك الفرس يقال له كسرى وقيصر لقب هرقل الذي أرسل إليه النبي كتابا ومعنى قيصر في لغتهم البقير وذلك أن أمه لما أتاها الطلق به ماتت فبقر بطنها عنه فخرج حيا وكان يفخر بذلك لأنه لم يخرج من فرج قوله والدعوة أي وفي بيان الدعوة قبل القتال وهو بفتح الدال في القتال وبالضم في الوليمة وبالكسر في النسب
8392 - حدثنا ( علي بن الجعد ) قال أخبرنا ( شعبة ) عن ( قتادة ) قال سمعت ( أنسا ) رضي الله تعالى عنه يقول لما أراد النبي أن يكتب إلى الروم قيل له إنهم لا يقرؤن كتابا إلا أن يكون مختوما فاتخذ خاتما من فضة فكأني أنظر إلى بياضه في يده ونقش فيه محمد رسول الله
مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ منه لأن قول أنس رضي الله تعالى عنه لما أراد رسول الله أن يكتب إلى الروم كتابا يدل على أنه قد كتب وهو الذي ذكره ابن عباس في حديث طويل وقد مر في أول الكتاب في بدء الوحي ولا

(14/208)


يستبعد هذا لأن هذا الحديث مذكور في الكتاب وهذا أوجه وأقرب إلى القبول من قول بعضهم في بيان المطابقة في بعض المواضع بين الحديث والترجمة أنه أشار بهذا إلى حديث خرجه فلان ولم يذكره في كتابه ووجه ذلك أن للترجمة أربعة أجزاء الجزء الأول هو قوله دعوة اليهودي والنصراني ووجه المطابقة فيه أنه دعا هرقل إلى الإسلام وهو على دين النصارى واليهودي ملحق به الجزء الثاني هو قوله على ما يقاتلون عليه ووجه المطابقة فيه أنه أشار في كتاب أن مراده أن يكونوا مثلنا وإلا يقاتلون عليه كما في حديث علي رضي الله تعالى عنه الآتي بعد هذا الباب فقال نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا الجزء الثالث هو قوله وما كتب إلى كسرى وقيصر وهذا ظاهر الجزء الرابع هو قوله والدعوة قبل القتال فإنه دعاهم إلى الإيمان بالله وتصديق رسوله ولم يكن بينه وبينهم قبل ذلك قتال فافهم فإنه فتح لي من الفيض الإلهي ولم يسبقني إلى ذلك أحد
ذكر معناه قوله قيل له أي قيل للنبي قوله لا يقرأون كتابا إلا أن يكون مختوما وذلك لأنهم كانوا يكرهون أن يقرأ الكتاب لهم غيرهم وقد قيل في قوله تعالى كتاب كريم إنه مختوم وروي عن النبي أنه قال كرامة الكتاب ختمه وعن ابن المقنع من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به قوله فاتخذ خاتما من فضة وكان اتخاذه الخاتم سنة ست وأيضا كان إرساله بكتاب إلى هرقل في سنة ست وكان بعث ستة نفر إلى الملوك في يوم واحد منهم دحية بن خليفة أرسله إلى قيصر ملك الروم ومعه كتاب قاله الواقدي وذكر البيهقي أنه كان في سنة ثمان قوله خاتما فيه أربع لغات بفتح التاء وكسرها وخيتام وخاتام والجمع خواتيم قوله من فضة يدل على أنه لا يجوز من ذهب لما روي من حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة أنه نهى عن خاتم الذهب ولما روى البخاري ومسلم من حديث البراء بن عازب أمرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع وفيه نهانا عن خواتيم الذهب أو عن أن نتختم بالذهب فإن قلت روى الطحاوي وأحمد في ( مسنده ) من حديث محمد بن مالك الأنصاري مولى البراء بن عازب قال رأيت على البراء خاتما من ذهب فقيل له قال قسم رسول الله غنيمة فألبسنيه وقال إلبس ما كساك الله ورسوله فقال الطحاوي فذهب إلى قوم إلى إباحة لبس خواتيم الذهب للرجال واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وأراد بالقوم هؤلاء عكرمة والأعمش وأبا القاسم الأزدي وروي ذلك عن البراء وحذيفة وسعد وجابر بن سمرة وأنس ابن مالك رضي الله تعالى عنهم قلت خالفهم في ذلك آخرون منهم سعيد بن جبير والنخعي والثوري والأوزاعي وعلقمة ومكحول وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق فإنهم قالوا يكره ذلك للرجال واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة المذكور وبحديث علي رضي الله تعالى عنه أخرجه مسلم أن رسول الله نهى عن لبس القسي والمعصفر وعن تختم الذهب الحديث والحديث رواه أبو داود في كتاب الخاتم والترمذي في اللباس والنسائي في الزينة عن زيد بن الخباب عن عبد الله بن مسلم السلمي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال جاء رجل إلى النبي وعليه خاتم من حديد فقال ما لي أرى عليك حلية أهل النار ثم جاء وعليه خاتم من شبه فقال ما لي أجد منك رائحة الأصنام فقال يا رسول الله من أي شيء اتخذه قال اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالا زاد الترمذي ثم جاء وعليه خاتم من ذهب فقال ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة وقال صفر موضع شبه وقال حديث غريب قلت رواه أحمد والبزار وأبو يعلى الموصلي في ( مسانيدهم ) وأبو حبان في ( صحيحه ) فإن قلت كيف التوفيق بين حديثي البراء وهما متعارضان ظاهرا قلت إذا خالف الراوي ما رواه يكون العمل بما رآه لا بما رواه لأنه لا يخالف ما رواه إلا بدليل قام عنده وكان فص خاتم النبي حبشيا وقال ابن الأثير قوله حبشيا يحتمل أنه أراد من الجدع أو العقيق لأن معدتهما اليمن والحبشة أو نوعا آخر ينسب إليه
قوله إلى بياضه أي إلى بياض الخاتم في يد رسول الله وقيل كان عقيقا وفي ( الصحيح ) من رواية حميد عن أنس كان فصه منه ولا تعارض لأنه لا مانع أن يكون له خاتمان أو أكثر قوله ونفش فيه محمد رسول الله وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) وقال حدثنا

(14/209)


ابن عيينة عن أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر قال اتخذ النبي خاتما من ورق ثم نقش عليه محمد رسول الله ثم قال لا ينقش أحد على خاتمي هذا وأخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة وروى الترمذي من حديث أنس بن مالك أن النبي صنع خاتما من ورق فنقش فيه محمد رسول الله ثم قال لا تنقشوا عليه قال الترمذي هذا حديث صحيح ومعناه أنه نهى أن ينقش أحد على خاتمه محمد رسول الله وروى الترمذي أيضا من حديث أنس كان نقش خاتم النبي ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر وأخرجه البخاري أيضا على ما سيأتي وقال شيخنا رحمه الله نهيه أن ينقش أحد على نقش خاتمه خاص بحياته ويدل عليه لبس الخلفاء الخاتم بعده ثم تجديد عثمان رضي الله تعالى عنه خاتما آخر بعد فقد ذلك الخاتم في بئر أريس ونقش عليه ذلك النقش
9392 - حدثنا ( عبد الله بن يوسف ) قال حدثنا ( الليث ) قال حدثني ( عقيل ) عن ( ابن شهاب ) قال أخبرني ( عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ) أن ( عبد الله بن عباس ) أخبره أن رسول الله بعث بكتابه إلى كسرى فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين يدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه خرقه فحسبت أن سعيد بن المسيب قال فدعا عليهم النبي أن يمزقوا كل ممزق
مطابقته للترجمة في قوله بعث بكتابه إلى كسرى ورجاله قد ذكروا غير مرة وعقيل بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري والحديث قد مر في كتاب العلم في باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان وقد مر الكلام فيه هناك
قوله بعث بكتابه كان حامل الكتاب عبد الله ببن حذاقة السهمي قوله عظيم البحرين كان من تحت يد كسرى والبحرين تثنية بحر موضع بين البصرة وعمان قوله خرقة بتشديد الراء من التحريق فدعا عليهم النبي أن يمزقوا أي بأن يمزقوا من التمزيق يقال مزقت الثوب وغيره أمزقه تمزيقا إذا قطعته خرقا ومنه يقال تمزق القوم إذا افترقوا ولما دعا النبي بذلك مات منهم أربعة عشر ملكا في سنة لن حتى وليت أمرهم امرأة فقال لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة
201 -
( باب دعاء النبي إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم أربابا من دون الله )
أي هذا باب في بيان دعوة النبي الناس إلى الإسلام قوله والنبوة أي وبالدعاء أيضا إلى الاعتراف بنبوته قوله وأن لا يتخذ أي الدعاء أيضا بأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله يعني لا يقولون عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله لأن كل واحد منهما بشر مثلكم فلا يصلحان أن يكونا في مسلك الربوبية
وقوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله ( آل عمران 97 ) إلى آخر الآية
وقوله بالجر عطف على قوله دعاء أي في بيان قوله تعالى إلى آخره
0492 - حدثنا ( إبراهيم بن حمزة ) حدثنا ( إبراهيم بن سعد ) عن ( صالح ابن كيسان ) عن ( ابن شهاب ) عن ( عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ) عن ( عبد الله بن عباس ) رضي الله تعالى عنهما أنه أخبره أن رسول الله كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه إليه مع

(14/210)


دحية الكلبي وأمره رسول الله أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لما أبلاه الله فلما جاء قيصر كتاب رسول الله قال حين قرأه التمسوا لي هاهن أحدا من قومه لأسألهم عن رسول الله قال ابن عباس فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشأم في رجال من قريش قدموا تجارا في المدة التي كانت بين رسول الله وبين كفار قريش قال أبو سفيان فوجدنا رسول قيصر ببعض الشأم فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إيلياء فأدخلنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه وعليه التاج وإذا حوله عظماء الروم فقال لترجمانه سلهم أيهم أقرب نسبا إلى هاذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قال أبو سفيان فقلت أنا أقربهم إليه نسبا قال ما قرابة ما بينك وبينه فقلت هو ابن عمي وليس في الركب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري فقال قيصر أدنوه وأمر بأصحابي فجعلوا خلف ظهري عند كتفي ثم قال لترجمانه قل لأصحابه إني سائل هذا الرجل عن الذي يزعم أنه نبي فإن كذب فكذبوه قال أبو سفيان والله لولا الحياء يومئذ من أن يأثر أصحابي عني الكذب لكذبته حين سألني عنه ولكني استحييت أن يأثروا الكذب عني فصدقته ثم قال لترجمانه قل له كيف نسب هذا الرجل فيكم قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هاذا القول أحد منكم قبله قلت لا فقال كنتم تتهمونه على الكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال فهل كان من آبائه من ملك قلت لا قال فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم قال فيزيدون أو ينقصون قلت بل يزيدون قال فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه قلت لا قال فهل يغدر قلت لا ونحن الآن منه في مدة نحن نخاف أن يغدر قال أبو سفيان ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا أنتقصه به لا أخاف أن تؤثر عني غيرها قال فهل قاتلتموه أو قاتلكم قلت نعم قال فكيف كانت حربه وحربكم قلت كانت دولا وسجالا يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى قال فماذا يأمركم قال يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة فقال لترجمانه حين قلت ذالك له قل له إني سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فزعمت أن لا فقلت لو كان أحد منكم قال هذا قبله قلت رجل يأتم بقول قد قيل قبله وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك هل كان من آبائه من ملك

(14/211)


فزعمت أن لا فقلت لو كان من آبائه ملك قلت يطلب ملك آبائه وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل وسألتك هل يزيدون أو ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فزعمت أن لا فكذلك الإيمان حين تخلط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا وكذلك الرسل لا يغدرون وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم فزعمت أن قد فعل وأن حربكم وحربه تكون دولا ويدال عليكم المرة وتدالون عليه الأخرى وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة وسألتك بماذا يأمركم فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال وهذه صفة النبي قد كنت أعلم أنه خارج ولاكن لم أظن أنه منكم وإن يك ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقيه ولو كنت عنده لغسلت قدميه قال أبو سفيان ثم دعا بكتاب رسول الله فقريء فإذا فيه بسم الله الرحمان الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بداعية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فعليك إثم الأريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ( آل عمران 46 ) قال أبو سفيان فلما أن قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظماء الروم وكثر لغطهم فلا أدري ماذا قالوا وأمر بنا فأخرجنا فلما أن خرجت مع أصحابي وخلوت بهم قلت لهم لقد أمر أمر ابن أبي كبشة هذا ملك بني الأصفر يخافه قال أبو سفيان والله ما زلت ذليلا مستيقنا بأن أمره سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره
مطابقته للترجمة ظاهرة تؤخذ من ألفاظ الحديث وإبراهيم بن حمزة بالحاء المهملة والزاي أبو إسحاق الزبيري الأسدي المديني وهو من أفراده وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري القرشي المديني كان على قضاء بغداد والحديث بطوله قد تقدم في أول الكتاب في بدء الوحي ومضى الكلام فيه مستقصى ولكن انظر واعتبر جدا فإن بين الطريقين والمتنين اختلافا في الألفاظ كثيرا من زيادة ونقصان فلنتكلم هنا على ما يقتضي الكلام
فقوله لما أبلاه الله قال القتيبي يقال من الخير أبليته أبليه إبلاء ومن الشر بلوته بلاء والمعروف أن الابتلاء يكون في

(14/212)


الخير والشر معا من غير فرق بين فعليهما ومنه قوله تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة ( الأنبياء 53 ) وإنما مشى قيصر شكرا لاندفاع فارس عنه ومنه الحديث من أبلى فذكر فقد شكر والإيلاء الإنعام والإحسان يقال بلوت الرجل وأبليت عنده بلاء حسنا والابتلاء في الأصل الاختيار والامتحان يقال بلوته وابتليته وأبليته قوله قال ابن عباس فأخبرني أبو سفيان هكذا ويروى أبو سفيان بن حرب قوله فوجدنا بفتح الدال فعل ومفعول وقوله رسول قيصر بالرفع فاعله وقيل يروي بالعكس قوله ببعض الشام قيل غزة المدينة المشهورة قوله فأدخلنا عليه على صيغة المجهول قوله أدنوه بفتح الهمزة أمر من الأدناء أي قربوه قوله عند كتفي بتشديد الياء قوله من أن يأمر بسكون الهمزة وضم الثاء المثلثة معناه من أن يروى ويحكى وقال ابن فارس أثرت الحديث إذا ذكرته عن غيرك قوله فصدقته كذا بالضمير المنصوب ويروى فصدقت بدون الضمير قوله من ملك بكسر اللام ويروى من ملك بفتح اللام على صورة الفعل الماضي وكلمة من حرف الجر في الأول وفي الثاني اسم موصول قوله دولا بضم الدال وهو ما يتداول بينهم فتارة يكون لبعض وتارة يكون لآخرين قوله وسجالا بكسر السين قد مر معناه مستقصى قوله يدال علينا بضم الياء على صيغة المجهول قوله وندال بضم النون على صيغة المجهول أيضا معناه يغلبنا مرة ونغلبه أخرى قوله يأتم بقوله أي يقتدي به وهناك يأتسي بقول ويروى يتأسى قوله لم يكن ليدع الكذب بكسر اللام أي ليترك قوله وكذلك الرسل تبتلى أي تختبر بالغلبة عليهم ليعلم صبرهم قوله فتكون لها العاقبة ويروى له والضمير في له يرجع إلى قوله إلى هذا الرجل فيما مضى وكذلك الضمائر التي في قوله منه وقاتلتموه وحربه ونسبه وأنه وقبله وتتهمونه وآبائه ويتبعونه واتبعوه ولدينه وعليه وأنه وإليه ولقيه وعنده وقدميه ونخافه وأمره قوله فيوشك أي يسرع في ذلك
2492 - حدثنا ( عبد الله بن مسلمة القعنبي ) قال حدثنا ( عبد العزيز بن أبي حازم ) عن أبيه عن ( سهل بن سعد ) رضي الله تعالى عنه قال سمع النبي يقول يوم خيبر لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى فغدوا وكلهم يرجو أن يعطى فقال أين علي فقيل يشتكي عينيه فأمر فدعي له فبصق في عينيه فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء فقال نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم
مطابقته للترجمة في قوله ثم ادعهم إلى الإسلام وعبد العزيز يروي عن أبيه أبي حازم سلمة بن دينار
والحديث أخرجه البخاري أيضا في فضل علي رضي الله تعالى عنه عن قتيبة وأخرجه مسلم أيضا عن قتيبة في الفضائل
قوله يوم خيبر ويوم خيبر كان في أول سنة سبع وقال موسى بن عقبة لما رجع رسول الله من الحديبية مكث بالمدينة عشرين يوما أو قريبا من ذلك ثم خرج إلى خيبر وهي التي وعدها الله تعالى إياه وحكى موسى عن الزهري أن افتتاح خيبر في سنة ست والصحيح أن ذلك في أول سنة سبع قوله لأعطين الراية أي العلم وقال ابن إسحاق عن عمرو بن الأكوع قال بعث النبي أبا بكر رضي الله تعالى عنه إلى بعض حصون خيبر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهدهم ثم بعث الغد عمر رضي الله تعالى عنه فقاتل عمر ثم رجع ولم يكن فتح فقال رسول الله لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار قال سلمة فدعا رسول الله علي بن أبي طالب وهو يومئذ أرمد فتفل في عينيه ثم قال خذ هذه الراية وامض بها حتى يفتح الله عليك بها فخرج وهو يهرول هرولة وأنا لخلفه

(14/213)


نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال من أنت قال أنا علي بن أبي طالب قال يقول اليهودي علوتم وما أنزل على موسى أو كما قال فما رجع حتى فتح الله على يديه وقال ابن إسحاق كان أول حصون خيبر فتحا حصن ناعم وعنده قتل محمود بن سلمة ألقيت عليه رحى منه فقتلته قوله فقاموا يرجون لذلك أي قام أصحاب رسول الله الذين معه حال كونهم راجين لإعطاء الراية له حتى يفتح الله على يديه قوله أيهم يعطى على صيغة المجهول قوله فغدوا وكلهم يرجو أي كل واحد منهم يرجو أن يعطى وكلمة أن مصدرية أي يرجو إعطاء الراية له قوله فقال أي فقال النبي أين علي بن أبي طالب فقيل يشتكي عينيه من اشتكى عضوا من أعضائه فاشتكى عينيه من الرمد قوله فأمر أي النبي بإحضار علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قوله فدعي على صيغة المجهول أي دعى علي رضي الله تعالى عنه له أي للنبي قوله فبصق بالصاد والسين والزاي قوله فقال فقاتلهم القائل علي رضي الله تعالى عنه قوله حتى يكونوا مثلنا أي حتى يكونوا مسلمين مثلنا قوله فقال على رسلك أي فقال النبي لعلي على رسلك بكسر الراء يقال إفعل هذا على رسلك أي اتئد فيه وكن فيه على الهينة وقال ابن التين ضبط بكسر الراء وفتحها قوله لأن يهدي بك على صيغة المجهول قوله خير لك من حمر النعم حمر النعم بضم الحاء أعزها وأحسنها يريد خير لك من أن تكون فتتصدق بها ولكون الحمرة أشرف الألوان عندهم قال حمر النعم والنعم بفتحتين إذا أطلق يراد به الإبل وحدها وإن كان غيرها من الإبل والبقر والغنم دخل في الإسم معها
3492 - حدثنا ( عبد الله بن محمد ) قال حدثنا ( معاوية بن عمرو ) حدثنا ( أبو إسحاق ) عن ( حميد ) قال سمعت ( أنسا ) رضي الله تعالى عنه يقول كان رسول الله إذا غزا قوما لم يغر حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار بعدما يصبح فنزلنا خيبر ليلا
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله إذا سمع أذانا أمسك لأن الترجمة الدعاء إلى الإسلام قبل القتال والأذان يبين حالهم وعبد الله ابن محمد هو المسندي وأبو إسحاق هو الفزاري واسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث قوله لم يغر بضم الياء من الإغارة وذلك لأنه إذا لم يعلم حال القوم هل بلغتهم الدعوة أم لا فينتظر بهم الصباح ليستبين حالهم بالأذان وغيره من شعائر الإسلام قوله ليلا نصب على الظرف أي في الليل
4492 - حدثنا ( قتيبة ) قال حدثنا ( إسماعيل بن جعفر ) عن ( حميد ) عن ( أنس ) أن النبي كان إذا غزا بنا
هذا طريق آخر لحديث أنس أخرجه عن قتيبة بن سعيد عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير عن حميد عن أنس وبتمامه أخرجه البخاري عن قتيبة أيضا في الصلاة في باب ما يحقن بالأذان من الدماء وقال حدثني قتيبة قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس عن النبي أنه كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذانا كف عنهم وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم الحديث
( وحدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن حميد عن أنس رضي الله عنه أن النبي خرج إلى خيبر فجاءها ليلا وكان إذا جاء قوما بليل لا يغير عليهم حتى يصبح فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا محمد والله محمد والخميس فقال النبي الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين )
هذا طريق آخر لحديث أنس أخرجه عن عبد الله بن مسلمة القعنبي إلى آخره والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن عبد الله بن يوسف وأخرجه الترمذي في السير عن إسحاق بن موسى وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة

(14/214)


والحارث بن مسكين قوله حتى يصبح المراد به دخول وقت الصبح وهو طلوع الفجر فإن قلت روى مسلم من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال فأتيناهم حين بزغت الشمس فما الجمع بين الحديثين قلت قال شيخنا الجواب أنهم صلوا الصبح بغلس قبل أن يدخلوا زقاق خيبر الذي أجرى فيه رسول الله كما ثبت في الصحيحين وأنهم وصلوا إلى القرية حين بزغت الشمس قوله بمساحيهم بتخفيف الياء جمع مسحاة بكسر الميم والميم زائدة لأنه مأخوذ من سحوت الطين عن وجه الأرض وسحيته إذا جرفته وقال الجوهري المسحاة كالمجرفة إلا أنها من حديد والمكاتل جمع مكتل بكسر الميم والميم فيه أيضا زائدة وقال ابن عبد البر المكاتل القفاف وقال الجوهري المكتل شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعا قوله محمد أي جاء محمد قوله والخميس عطف عليه وهو الجيش والسبب في تسميته بالخميس أنه خمس فرق المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساق قوله الله أكبر المشهور في الرواية التكبيرة مرة وفي رواية الطبراني من حديث أبي طلحة تكراره ثلاثا وهو حسن قوله خربت خيبر فيه سجع ولا بأس به إذا لم يكن في ذلك تكلف وقوله خربت خيبر يحتمل أن يكون قاله بوحي من الله في أنه يغلب عليها ويخربها ويحتمل أن يكون تفاؤلا بذلك على عادة العرب في جزمهم بالأمور والإخبار عن وقوعها بصيغة الماضي قبل وقوعها إذا كان ذلك متوقعا قريبا وقيل سبب تفاؤله بذلك لما رأى من آلات الحراب معهم من المساحي والمكاتل قوله إنا إذا نزلنا إلى آخره فيه الاستشهاد بالقرآن فيما يحسن ويجمل وفي هذا الحديث الحكم بالدليل لكونه كف عن القتال بمجرد سماع الأذان -
6492 - حدثنا ( أبو اليمان ) قال أخبرنا ( شعيب ) عن ( الزهري ) قال حدثنا ( سعيد بن المسيب ) أن ( أبا هريرة ) رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله امرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إلاه إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله
مطابقته للترجمة من حيث إن في قتاله معهم إلى أن يقولوا لا إلاه إلا الله دعوته إياهم إلى الإسلام حتى إذا قالوا لا إلاه إلا الله يرفع القتال لكنه قال هذا الحديث في حال قتاله لأهل الأوثان الذين كانوا لا يقرون بالتوحيد وهم الذين قال الله تعالى عنهم إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إلاه إلا الله يستكبرون ( الصافات 53 ) فدعاهم إلى الإقرار بالوحدانية وخلع ما دونه من الأوثان فمن أقر بذلك منهم كان في الظاهر داخلا في صفة الإسلام وأما الآخرون من أهل الكفر الذين كانوا يوحدون الله تعالى غير أنهم ينكرون نبوة محمد فقال في هؤلاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلاه إلا الله ويشهدوا أن محمدا رسول الله فإسلام هؤلاء الإقرار بما كانوا به جاحدين كما كان إسلام أولئك إقرارهم بالله أنه واحد لا شريك له وعلى هذا تحمل الأحاديث وقد مر الكلام فيه في حديث ابن عمر في كتاب الإيمان في باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة ( التوبة 5 و11 )
وأبو اليمان الحكم بن نافع وهذا السند بعين هؤلاء الرجال قد مرغير مرة على نسق واحد
والحديث أخرجه النسائي أيضا في الجهاد عن عمرو بن عثمان وعن أحمد بن محمد بن المغيرة
قوله أمرت على صيغة المجهول يدل على أن الله تعالى أمره وإذا قال الصحابي ذلك فهم أن رسول الله أمره قوله حتى يقولوا كلمة حتى للغاية وقد جعل رسول الله غاية المقاتلة القول بقول لا إلاه إلا الله وفي حديث ابن عمر بالشهادتين والتوفيق بينهما ما ذكرناه الآن قوله فقد عصم أي حفظ وحقن معنى العصم في اللغة وقال الجوهري والعصمة الحفظ قوله إلا بحقه أي إلا بحق لا إلاه إلا الله الذي هو الإسلام في حق المشركين عبدة الأوثان وحقه ثلاثة أشياء قتل النفس المحرمة والزنا بعد الإحصان والارتداد عن الدين قوله وحسابه على الله أي فيما يسر به من الكفر والمعاصي والمعنى إنا نحكم عليه بالإسلام ونؤاخذه بحقوقه بحسب ما يقتضيه ظاهر حاله والله سبحانه وتعالى يتولى حسابه فيثيب المخلص ويعاقب المنافق

(14/215)


ويجازي المصر بفسقه أو يعفو عنه
رواه عمر وابن عمر عن النبي
أي روى مثل حديث أبي هريرة عبد الله بن عمر وأبوه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أما رواية ابن عمر فوصلها البخاري في الإيمان وأما رواية عمر فوصلها في الزكاة
301 -
( باب من أراد غزوة فورى بغيرها ومن أحب الخروج يوم الخميس )
أي هذا باب في بيان ما جاء من أمر من أراد غزوة فورى بغيرها أي بغير تلك الغزوة التي أرادها يريد بذلك غيرة العدو ولئلا تسبقه الجواسيس ويحذروهم وأصله من الوردي هو جعل البيان وراءه وحاصل المعنى لأنه ألقي البيان وراء ظهره كأنه قال سأبينه وأصحاب الحديث لا يضبطون الهمزة فيه وقيده السيرافي في ( شرح سيبويه ) بالهمزة وكان الذي لا يضبط فيه الهمزة سهلها قوله ومن أحب أي وفي بيان أمر من أحب الخروج للسفر يوم الخميس قال بعضهم لعل الحكمة فيه ما روى من قوله بورك لأمتي في بكورها يوم الخميس وهو حديث ضعيف أخرجه الطبراني من حديث نبيط بضم النون وفتح الباء الموحدة ابن شريط بفتح الشين المعجمة قلت طلب الحكمة في ذلك بالحديث الضعيف لا وجه له والحكمة فيه تعلم من حديث الباب فإنه صرح فيه أنه كان يحب أن يخرج يوم الخميس ومحبته إياه لا تخلو عن حكمة فإن قلت روى أنه خرج في بعض أسفاره يوم السبت قلت هذا لا ينافي ترك محبته الخروج يوم الخميس فلعل خروجه يوم السبت كان لمانع من خروجه يوم الخميس ولئن سلمنا عدم المانع فنقول لعله كان يحب أيضا الخروج يوم السبت على ما روى بارك الله في سبتها وخميسها ولما لم يثبت عند البخاري إلا يوم الخميس خصه بالذكر فافهم فإنه من الدقائق
7492 - حدثنا ( يحيى بن بكير ) قال حدثنا ( الليث ) عن ( عقيل ) عن ( ابن شهاب ) قال أخبرني عبد الرحمان بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب رضي الله تعالى عنه وكان قائد كعب من بنيه قال سمعت كعب بن مالك حين تخلف عن رسول الله ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورى بغيرها
مطابقته للترجمة ظاهرة و ( عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ) الأنصاري السلمي المديني سمع جده كعبا وأباه وعمه عبد الله في توبة كعب وروى عنه الزهري في مواضع و ( عبد الله بن كعب ) بن مالك الأنصاري السلمي المديني سمع أباه عند الشيخين وابن عباس عند البخاري وكعب بن مالك بن أبي كعب واسمه عمرو السلمي المدني الشاعر صاحب النبي وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم وأنزل فيهم وعلى الثلاثة الذين خلفوا ( التوبة 811 ) وذكر صاحب ( التلويح ) بعد ذكر هذا الحديث والحديثين اللذين بعده خرجه الستة وخرجه البخاري مطولا ومختصرا في عشرة مواضع
قوله وكان قائد كعب من بنيه أي وكان عبد الله بن كعب قائد أبيه كعب بن مالك حين عمي قوله من بنيه وهم عبد الله هذا وعبيد الله وعبد الرحمن وذكر البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث كلها راجعة إلى كعب ابن مالك كما تراه
8492 - وحدثني ( أحمد بن محمد ) قال أخبرنا ( عبد الله ) أخبرنا ( يونس ) عن ( الزهري ) قال أخبرني ( عبد الرحمان بن عبد الله بن كعب بن مالك ) قال سمعت ( كعب بن مالك ) رضي الله تعالى عنه يقول كان رسول الله قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها

(14/216)


رسول الله في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا واستقبل غزو عدو فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد
هذا طريق آخر لحديث كعب أخرجه عن أحمد بن محمد بن موسى الذي يقال له ابن السمسار مردويه المروزي عن عبد الله ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن محمد بن مسلم الزهري وقال الدارقطني الرواية الأولى صواب وحديث يونس مرسل وقال الجياني كذا هذا الإسناد عن ابن مردويه عن ابن المبارك في ( الجامع ) و ( التاريخ الكبير ) وكذا رواه ابن السكن وأبو زيد ومشايخ أبي ذر الثلاثة ولم يلتفت الدارقطني إلى قول عبد الرحمن بن عبد الله سمعت كعبا لأنه عنده وهم قال أبو علي وقد رواه معمر عن الزهري على نحو ما رواه ابن مردويه من الإرسال قال ومما يشهد لقول أبي الحسن ما ذكره الذهلي في ( العلل ) سمع الزهري من عبد الرحمن بن كعب ومن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب وسمع من أبيه عبد الله بن كعب ولا أظن سمع عبد الرحمن بن عبد الله من جده شيئا وإنما روايته عن أبيه وعمه قال الجياني والغرض من هذا كله الاستدراك على البخاري حيث خرجه على الاتصال وهو مرسل وقال الكرماني لو كان بدل ابن كلمة عن لصح الاتصال يعني لو قال أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله عن كعب بن مالك لأن عبد الرحمن سمع من أبيه عبد الله وهو من كعب قال وكذا لو حذف عبد الله من البين قلت يحتمل أن يكون ذكر ابن موضع عن تصحيفا من بعض الرواة
قوله حتى كانت غزوة تبوك وكانت في سنة تسع من الهجرة في رجب منها قوله ومفازا المفازة المهلكة سميت بذلك تفاؤلا بالفوز والسلامة كما قالوا للديغ سليم وذكر ابن الأنباري عن ابن الأعرابي أنها مأخوذة من قولهم قد فوز الرجل إذا هلك وقيل لأن من قطعها فاز ونجا قوله فجلى للمسلمين أمره بالجيم أي أظهره ليتأهبوا لذلك وهو مخفف اللام يقال جليت الشيء إذا كشفته وبينته وأوضحته وفي ( التلويح ) ضبطه الدمياطي في حديث سعد في المغازي بالتشديد وهو خطأ
9492 - وعن ( يونس ) عن ( الزهري ) قال أخبرني ( عبد الرحمان بن كعب بن مالك ) أن ( كعب بن مالك ) رضي الله عنه كان يقول لقلما كان رسول الله يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس
هذا موصول بالإسناد الأول عن عبد الله ابن المبارك عن يونس إلى آخره قوله لقلما اللام فيه للتأكيد وقل فعل ماض دخلت عليه كلمة ما معناه يكون خروجه في السفر قليلا في الأيام إلا يوم الخميس فإن أكثر خروجه في السفر فيه تقول قل رجل يفعل كذا إلا زيد معناه قليل من الناس يفعل هذا الفعل الأزيد
0592 - حدثني ( عبد الله بن محمد ) قال حدثنا ( هشام ) قال أخبرنا ( معمر ) عن ( الزهري ) عن عبد الرحمان بن كعب بن مالك عن أبيه رضي الله تعالى عنه أن النبي خرج يوم الخميس في غزوة تبوك وكان يحب أن يخرج يوم الخميس
هذا طريق آخر عن عبد الله بن محمد المسندي عن هشام بن يوسف عن معمر بن راشد عن محمد بن مسلم الزهري إلى آخره
والحديث أخرجه أبو داود في الجهاد أيضا عن سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن ( عبد الرحمن بن كعب بن مالك ) عن كعب بن مالك قال قلما كان رسول الله يخرج في سفر إلا يوم الخميس وأخرجه النسائي في السير عن سليمان بن داود عن ابن وهب عن يونس بن يزيد بإسناده قال قلما كان رسول الله يخرج في سفر جهاد وغيره إلا يوم الخميس
401 -
( باب الخروج بعد الظهر )
أي هذا باب في بيان الخروج في السفر بعد الظهر

(14/217)


1592 - حدثنا ( سليمان بن حرب ) قال ( حدثناحماد ) عن ( أيوب ) عن ( أبي قلابة ) عن ( أنس ) رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم يصرخون بهما جميعا
مطابقته للترجمة ظاهرة وحماد هو ابن زيد وأيوب هو السختياني وأبو قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي والحديث مضى في كتاب الحج في باب رفع الصوت بالإهلال فإنه أخرجه هناك بهذا الإسناد بعينه ومضى الكلام فيه هناك قوله يصرخون بفتح الراء وضمها أي يلبون برفع الصوت قوله بهما أي بالحج والعمرة
501 -
( باب الخروج آخر الشهر )
أي هذا باب في بيان جواز الخروج إلى السفر في آخر الشهر وأراد بهذه الترجمة الرد على من كره ذلك وقال ابن بطال إن أهل الجاهلية كانوا يتحرون أوائل الشهور للأعمال ويكرهون التصرف في محاق القمر قلت المحاق من الشهر ثلاثة أيام من آخره
وقال كريب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما انطلق النبي من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة وقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة
هذا التعليق قطعة من حديث وصلها البخاري في كتاب الحج في باب
فإن قلت روى أصحاب السنن وابن حبان في ( صحيحه ) عن صخر الغامدي بالغين المعجمة عن النبي أنه قال بورك لأمتي في بكورها قلت هذا لا يمنع جواز التصرف في غير وقت البكور وإنما خص البكور بالبركة لكونه وقت النشاط وقال الكرماني قصد البخاري بهذا الحديث الرد على من كره ذلك عملا بقول المنجم وقد استشكل هذا الحديث وحديث عائشة أيضا الذي يأتي الآن فقيل إن كان سفره ذلك يوم السبت تبقى أربع من ذي القعدة لأن الخميس كان أول ذي الحجة كان أول ذي الحجة وإن كان يوم الخميس فالباقي ست ولم يكن خروجه يوم الجمعة لقول أنس صلى الظهر بالمدينة أربعا والجواب أن الخروج يوم الجمعة وقوله لخمس بقين أي في أذهانهم حالة الخروج بتقدير تمامه فاتفق إن كان الشهر ناقصا فأخبر بما كان في الأذهان يوم الخروج لأن الأصل التمام
2592 - حدثنا ( عبد الله بن مسلمة ) عن ( مالك ) عن ( يحيى بن سعيد ) عن ( عمرة بنت عبد الرحمان أنها ) سمعت ( عائشة ) رضي الله تعالى عنها تقول خرجنا مع رسول الله لخمس ليال بقين من ذي القعدة ولا نري إلا الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول الله من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل قالت عائشة فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا فقال نحر رسول الله عن أزواجه
مطابقته للترجمة في قولها خرجنا مع رسول الله لخمس ليال بقين من ذي القعدة فإنها آخر الشهر وهذا الحديث مضى في كتاب الحج في باب ذبح الرجل البقر عن نسائه فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن يحيى بن سعيد إلى آخره نحوه قوله ولا نرى أي ولا نظن قوله فدخل علينا بضم الدال على صيغة المجهول قوله فقال نحر رسول الله ويروى قالوا وقد مضى الكلام فيه هناك
قال يحيى فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد فقال أتتك والله بالحديث على وجهه

(14/218)


يحيى هم ابن سعيد الأنصاري المذكور في سند الحديث والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قوله أتتك أي عمرة بنت عبد الرحمن والله أعلم
601 -
( باب الخروج في رمضان )
أي هذا باب في بيان جواز الخروج في السفر في شهر رمضان وفيه رد على من يتوهك كراهة ذلك
3592 - حدثنا ( علي بن عبد الله ) قال حدثنا ( سفيان ) قال حدثني ( الزهري ) عن ( عبيد الله ) عن ( ابن عباس ) رضي الله تعالى عنهما قال خرج النبي في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر
مطابقته للترجمة ظاهرة وعلي بن عبد الله الذي يقال له ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود الهذلي والحديث مضى في كتاب الصوم في باب من صام أياما من رمضان ثم سافر فإنه أخرجه هناك عن عبد الله ابن يوسف عن مالك عن ابن شهاب وهو الزهري إلى آخره نحوه ومضى الكلام فيه هناك و الكديد بفتح الكاف وكسر الدال المهملة الأولى موضع قريب من مكة على نحو مرحلتين منها
قال سفيان قال الزهري أخبرني عبيد الله عن ابن عباس وساق الحديث
أي قال سفيان بن عيينة قال محمد بن مسلم الزهري أخبرني عبيد الله وأشار بهذا إلى أن سفيان قال في الحديث المذكور حدثني الزهري عن عبيد الله فروى عن الزهري بالتحديث وروى الزهري بالعنعنة عن عبيد الله وهنا قال سفيان قال الزهري بلا تحديث ولا عنعنة وقال الزهري أخبرني عبيد الله فروى عنه بصيغة الإخبار
قال أبو عبد الله هذا قول الزهري وإنما يؤخذ بالآخر من فعل رسول الله
هذا هكذا وقع في بعض النسخ وأبو عبد الله هو البخاري نفسه وأشار بهذا إلى أن مذهب الزهري لعله أن طرو السفر في رمضان لا يبيح الإفطار لأنه شهد الشهر في أوله كطروه في أثناء اليوم فقال البخاري يؤخذ بالآخر من فعل رسول الله لأنه ناسخ للأول وقد أفطر عند الكديد
701 -
( باب التوديع )
أي هذا باب في بيان مشروعية التوديع عند السفر ولفظه بتناول توديع المسافر للمقيم ويتناول أيضا عكسه وحديث الباب يشهد للأول ويؤخذ الثاني منه بطريق الأولى بل هو الغالب في الوقوع
4592 - وقال ( ابن وهب ) أخبرني ( عمرو ) عن ( بكير ) عن ( سليمان بن يسار ) عن ( أبي هريرة ) رضي الله تعالى عنه أنه قال بعثنا رسول الله في بعث وقال لنا إن لقيتم فلانا وفلانا لرجلين من قريش سماهما فحرقوهما بالنار قال ثم أتيناه نودعه حين أردنا الخروج فقال إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن أخذتموهما فاقتلوهما
( الحديث 4592 - طرفه في 6103 )
مطابقته للترجمة في قوله ثم أتيناه نودعه وهو توديع المسافر للمقيم في ظاهر الحديث وقد مر الكلام فيه الآن وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري وعمرو بفتح العين هو ابن الحارث المصري وبكير بضم الباء الموحدة تصغير بكر بن عبد الله بن الأشج وسليمان بن يسار ضد اليمين
وهذا الحديث أخرجه هنا معلقا وأخرجه أيضا في كتاب الجهاد بعد عدة أبواب مسندا وترجم بقوله باب لا يعذب بعذاب الله ثم قال حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن بكير عن سليمان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إلى آخره نحوه وأخرجه أبو داود والنسائي أيضا عن قتيبة وزاد أبو داود ويزيد بن خالد عن الليث وأخرجه النسائي أيضا عن الحارث بن مسكين ويونس بن عبد الأعلى كلاهما عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث

(14/219)


وزاد النسائي وذكر آخر كلاهما عن بكير
قوله عن بكير عن سليمان وفي رواية أحمد من حديث هاشم بن القاسم عن الليث حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج وأوضح بنسبته وبالتحديث قوله عن أبي هريرة كذا وقع في جميع الطرق عن الليث ليس لين سليمان بن يسار وأبي هريرة أحد وكذا وقع عند النسائي ورواه محمد بن إسحاق في السيرة وأدخل بين سليمان وأبي هريرة رجلا وهو أبو إسحاق الدوسي وأخرجه الدارمي وابن السكن وابن حبان في ( صحيحه ) من طريق ابن إسحاق وقال الترمذي وقد ذكر محمد بن إسحاق بين سليمان بن يسار وبين أبي هريرة رجلا في هذا الحديث وروى غير واحد مثل رواية الليث وحديث الليث بن سعد أشبه وأصح انتهى وسليمان بن يسار صح سماعه من أبي هريرة وهذا الرجل ذكره أبو أحمد الحاكم في ( الكنى ) فيمن تكنى بأبي إسحاق ولم يقف له على إسم ولم يذكر له راويا غير سليمان بن يسار وقال حديثه في أهل الحجاز وذكره صاحب ( الميزان ) في الكنى وقال أبو إسحاق الدوسي عن أبي هريرة مجهول وسماه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) إبراهيم في روايته هذا الحديث عن عبد الرحمن بن سليمان عن أبي إسحاق بن يزيد بن حبيب عن بكير بن عبد الله بن الأشج فذكره قوله في بعث أي في جيش وكان أمير هذا البعث حمزة بن عمرو الأسلمي رواه أبو داود من رواية محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه أن رسول الله أمره على سرية قال فخرجت فيها وقال إن وجدتم فلانا فاحرقوه بالنار فوليت فناداني فرجعت إليه فقال إن وجدتم فلانا فاقتلوه ولا تحرقوه فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار وهذا كما رأيت ذكر فلانا بالإفراد وفي رواية البخاري وغيره فلانا وفلانا وهما هبار بن الأسود والرجل الذي سبق منه إلى زينب بنت رسول الله ما سبق وكان زوجها أبو العاص بن الربيع لما أسره الصحابة ثم أطلقه النبي من المدينة شرط عليه أن يجهز إليه ابنته زينب فجهزها فتبعها هبار بن الأسود ورفيقه فنخسا بعيرها فأسقطت ومرضت من ذلك وفي رواية سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح أن هبار بن الأسود أصاب زينب بنت رسول الله بشيء وهي في خدرها فأسقطت فبعث رسول الله سرية فقال إن وجدتموه فاجعلوه بين حزمتي حطب ثم أشعلوا فيه النار ثم قال إني لأستحيى من الله لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله فكان إفراد هبار هنا بالذكر لكونه كان الأصل في ذلك والآخر كان تبعا له وسماه ابن السكن في روايته من طريق إبن إسحاق نافع بن عبد قيس وكذا نص عليه ابن هشام في سيرته وحكى السهيلي عن ( مسند البزار ) أنه خالد بن عبد قيس قيل لعله تصحف عليه وإنما هو نافع كذلك هو في النسخ المعتمدة من مسند البزار وكذلك أورده ابن بشكوال من ( مسند البزار ) وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه من طريق ابن لهيعة كذلك وأما هبار فهو بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة وفي آخره راء ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي قال أبو عمر ثم أسلم هبار بعد الفتح وحسن إسلامه وصحب النبي ذكر الزبير أنه لما أسلم وقدم مهاجرا جعلوا يسبونه فذكر ذلك لرسول الله فقال سب من سبك فانتهوا عنه قوله وإن النار لا يعذب بها إلا الله هو خبر بمعنى النهي ووقع في رواية ابن لهيعة وإنه لا ينبغي وفي رواية إبن إسحاق ثم رأيت أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا الله وقال المهلب ليس نهيه عن التحريق بالنار على معنى التحريم وإنما هو على سبيل التواضع لله تعالى والدليل على أنه ليس بحرام سمل أعين الرعاة بالنار في مصلى المدينة بحضرة الصحابة وتحريق الخوارج بالنار وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار وقول أكثرهم بتحريق المراكب وروى ابن شاهين من حديث صالح بن حبان عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي بعث رجلا إلى رجل كذب عليه
وفي امرأة واقعها فقال إن وجدته حيا فاقتله وإن وجدته ميتا فحرقه بالنار فوجده لدغ فمات فحرقه وفي الحديث أن نبيا من الأنبياء صلوات الله عليهم قرصته نملة فأمر بقرية النمل فأحرقت فقال الله له هلا نملة واحدة قال الحكيم في ( نوادر الأصول ) وهو إذن في إحراقها لأنه إذا جاز إحراق واحدة جاز في غيرها وقالوا لا حجة فيما ذكر للجواز لأن قصة العرنيين كانت قصاصا أو منسوخة وتجويز الصحابي معارض بمنع صحابي آخر وقصة الحصون والمراكب مقيدة بالضرورة إلى ذلك إذا تعين طريقا للظفر بالعدو

(14/220)


ومنهم من قيده بأن لا يكون معهم نساء ولا صبيان وقيل حديث الباب يرد هذا كله لأن ظاهر النهي فيه التحريم وهو نسخ لأمره المتقدم سواء كان ذلك بوحي أو باجتهاد منه وقال ابن العربي في هذا نسخ الحكم قبل العمل به ومنع منه المبتدعة والقدرية وقال الحازمي ذهبت طائفة إلى منع الإحراق في الحدود قالوا يقتل بالسيف وإليه ذهب أهل الكوفة النخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومن الحجازيين عطاء وذهبت طائفة في حق المرتد إلى مذهب علي رضي الله تعالى عنه وقالت طائفة من حرق يحرق وبه قال مالك وأهل المدينة والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق
وفي الحديث جواز الحكم احتهادا ثم الرجوع عنه واستحباب ذكر الدليل عند الحكم لرفع الإلباس وفيه نسخ السنة بالسنة وهو بالاتفاق وفيه جواز نسخ الحكم قبل العلم به أو قبل التمكن من العمل به وفي الأخير خلاف علم في موضعه وفيه مشروعية توديع المسافر لأكابر أهل بلده وتوديع أصحابه له أيضا
801 -
( باب السمع والطاعة للإمام )
أي هذا باب في بيان وجوب السمع والطاعة للإمام زاد الكشميهني في روايته ما لم يأمر بمعصية وهذا القيد مراد وإن لم يذكر ونص الحديث يدل عليه
5592 - حدثنا ( مسدد ) قال حدثنا ( يحيى ) عن ( عبيد الله ) قال حدثني ( نافع ) عن ( ابن عمر ) رضي الله تعالى عنهما عن النبي وحدثني محمد بن صباح قال حدثنا إسماعيل بن زكرياء عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي قال السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة
( الحديث 5592 - طرفه في 4417 )
مطابقته للترجمة ظاهرة
وأخرجه من طريقين الأول عن مسدد عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن لخطاب عن نافع عن عبد الله بن عمر وأخرجه البخاري أيضا في الأحكام وأخرجه مسلم في المغازي عن زهير ابن حرب وأخرجه أبو داود في الجهاد عن مسدد به الطريق الثاني عن محمد بن صباح بتشديد الباء الموحدة عن إسماعيل ابن زكرياء الخلقاني عن عبيد الله إلى آخره
قوله السمع أي إجابة قول الأمير إذ طاعة أوامرهم واجبة ما لم يأمر بمعصية وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ويأتي من حديث علي بلفظ لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف
وفي الباب عن عمران بن حصين أخرجه النسائي والحكم بن عمر وأخرجه الطبراني وابن مسعود وغيرهم وذكر عياض أجمع العلماء على وجوب طاعة الإمام في غير معصية وتحريمها في المعصية وقال ابن بطال احتج بهذا الخوارج فرأوا الخروج على أئمة الجور والقيام عليهم عند ظهور جورهم والذي عليه الجمهور أنه لا يجب القيام عليهم عند ظهور جورهم ولا خلعهم إلا بكفرهم بعد إيمانهم أو تركهم إقامة الصلوات وأما دون ذلك من الجور فلا يجوز الخروج عليهم إذا استوطن أمرهم وأمر الناس معهم لأن في ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء وفي القيام عليهم تفرق الكلمة ولذلك لا يجوز القتال معهم لمن خرج عليهم عن ظلم ظهر منهم وقال ابن التين فأما ما يأمر به السلطان من العقوبات فهل يسع المأمور به أن يفعل ذلك من غير ثبت أو علم يكون عنده بوجوبها قال مالك إذا كان الإمام عدلا كعمر بن الخطاب أو عمر بن العزيز رضي الله تعالى عنهما لم تسمع مخالفته وإن لم يكن كذلك وثبت عنده الفعل جاز وقال أبو حنيفة وصاحباه ما أمر به الولاة من ذلك غيرهم يسعهم أن يفعلوه فيما كان ولايتهم إليه وفي رواية عن محمد لا يسع المأمور أن يفعله حتى يكون الآمر عدلا وحتى يشهد بذلك عنده عدل سواء إلا في الزنا فلا بد من ثلاثة سواء وروي نحو الأول عن الشعبي رحمه الله

(14/221)


901 -
( باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به )
أي هذا باب يذكر فيه أن الإمام جنة يقاتل من ورائه ويقاتل على صيغة المجهول والمراد به المقاتلة للدفع عن الإمام سواء كان ذلك من خلفه أو قدامه ولفظ وراء يطلق على المعنيين قوله ويتقي به أيضا على صيغة المجهول عطف على يقاتل أي يتقي بالإمام شر العدو وأهل الفساد والظلم وكيف لا وإنه يمنع المسلمين من أيدي الأعداء ويحمي بيضة الإسلام ويتقي منه الناس ويخافون سطوته
6592 - حدثنا ( أبو اليمان ) قال أخبرنا ( شعيب ) قال حدثنا ( أبو الزناد ) أن ( الأعرج ) حدثه أنه سمع ( أبا هريرة ) رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله يقول نحن الآخرون السابقون وبهذا الإسناد من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا وإن قال بغيره فإن عليه منه
( الحديث 7592 - طرفه في 7317 )
مطابقته للترجمة في قوله وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به وسند هذا الحديث بهؤلاء الرجال قد مر غير مرة وأبو اليمان الحكم بن نافع وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان والأعرج عبد الرحمن بن هرمز
وأخرج النسائي بعض الحديث الإمام جنة في البيعة وفي السير
قوله نحن الآخرون أي في الدنيا السابقون في الآخرة وهذه القطعة مرت في كتاب الوضوء في باب البول في الماء الدائم فإنه أخرجه هناك وقال حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب قال أخبرنا أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله يقول نحن الآخرون السابقون ثم قال وبإسناده قال لا يبولن الحديث قوله بهذا الإسناد أي الإسناد المذكور قال من أطاعني إلى آخره قال الخطابي كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يطيعون غير رؤساء قبائلهم فلما ولي في الإسلام الأمراء أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة وإنما قال لهم هذا القول ليعلمهم أن طاعة الأمراء الذين كان يوليهم وجبت عليهم لطاعة رسول الله وليس هذا الأمر خاصا بمن باشره الشارع بتولية الإمام به كما نبه عليه القرطبي بل هو عام في كل أمير عدل للمسلمين ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية قوله وإنما الإمام جنة بضم الجيم وتشديد النون أي سترة لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ويمنع الناس بعضهم من بعض والجنة الدرع وسمي المجن مجنا لأنه يستر به عند القتال والإمام كالساتر وقال الهروي معنى الإمام جنة أن يفي الإمام الزلل والسهو كما يقي الترس صاحبه من وقع السلاح وقال الخطابي يحتمل أن يكون أراد به جنة في القتال وفيما يكون منه في أمره دون غيره قوله يقاتل من ورائه على صيغة المجهول كما ذكرناه آنفاف أي يقاتل معه الكفار والبغاة وسائر أهل الفساد فإن لم يقاتل من ورائه وأتى عليه مرج أمر الناس وأكل القوي الضعيف وضعيت الحدود والفرائض وتطاول أهل الحرب إلى المسلمين قوله ويتقي به مجهول أيضا وأصله يوتقى به التاء مبدلة من الواو وبعد الإبدال تدغم التاء في التاء لأن أصله من الوقاية وقال المهلب معنى يتقي به يرجع إليه في الرأي والعقل وغير ذلك قوله وإن قال بغيره أي وأن أمر بغير تقوى الله وعدله والتعبير عن الأمر بالقول شائع وقيل معناه وإن فعل بغيره وقال بعضهم هذا ليس بظاهر فإنه قسيم قوله فإن أمر فيحمل على أن المراد وإن أمر قلت العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان فتقول قال بيده أي أخذ وقال برجله أي مشى وقال بالماء على يده أي قلب وقال يثوبه أي رفعه فإذا كان كذلك لا ينكر استعمال قال هنا بمعنى فعل وقال الخطابي قال هنا بمعنى حكم يقال قال الرجل واقتال إذا حكم ثم قيل إنه هنا مشتق من القيل بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وهو الملك الذي ينفذ حكمه وهذا في لغة حمير قوله فإن عليه منه أي فإن الوبال الحاصل عليه لا على المأمور قال الكرماني ويحتمل أن يكون بعضه عليه قلت هذا على تقدير أن تكون من للتبعيض والظاهر أن المأمور أيضا لا يخلو عن

(14/222)


التبعة على ما حكي أن الحسن البصري وعامر الشعبي حضرا مجلس عمر بن هبيرة فقال لهما إن أمير المؤمنين يكتب إلي في أمور فما تريان فقال الشعبي أصلح الله الأمير أنت مأمور والتبعة على آمرك فقال الحسن إذا خرجت من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فإن الله تعالى ينجيك من الأمير ولا ينجيك الأمير من الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال
011 -
( باب البيعة في الحرب أن لا يفروا )
أي هذا باب في بيان البيعة في الحرب على أن لا يفروا أو في بعض النسخ لفظة على موجودة وكلمة أن مصدرية تقديره بأن لا يفروا أي بعدم الفرار
وقال بعضهم على الموت
أي البيعة في الحرب على الموت وقال بعضهم كأنه أشار إلى أن لا تنافي بين الروايتين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامين قلت عدم التنافي بينهما ليس من هذا الوجه بل المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا وليس المراد أن يقع الموت ولا بد
لقول الله تعالى لقد رضي الله على المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ( الفتح 81 )
هذا تعليل لقوله وقال بعضهم على الموت وجه الاستدلال به أن لفظ يبايعونك مطلق يتناول البيعة على أن لا يفروا وعلى الموت ولكن المراد البيعة على الموت بدليل أن سلمة بن الأكوع وهو ممن بايع تحت الشجرة أخبر أنه بايع على الموت وأراد بالمؤمنين هم الذين ذكرهم الله في قوله إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ( الفتح 01 ) الآية وقيل هذا عام في كل من بايع رسول الله والشجرة كانت سمرة وقيل سدرة وروي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت وكان هذا في غزوة الحديبية سنة ست في ذي القعدة بلا خلاف وسميت هذه البيعة بيعة الرضوان
8592 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا جويرية عن نافع قال قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رجعنا من العام المقبل فما اجتم منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها كانت رحمة من الله فسألت نافعا على أي شيء بايعهم على الموت قال لا بل بايعهم على الصبر
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله بل بايعهم على الصبر فإن المبايعة على الصبر هو عدم الفرار في الحرب و ( موسى بن إسماعيل ) المنقري التبوذكي و ( جويرية ) تصغير جارية ابن أسماء الضبعي البصري وهذا الحديث من أفراده
قوله من العام المقبل أي الذي بعد صلح الحديبية قوله فما اجتمع منا إثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها أي ما وافق منا رجلان على هذه الشجرة أنها هي التي بايعنا تحتها بل خفي مكانها وقيل أشبهت عليهم قوله كانت رحمة أي كانت هذه الشجرة موضع رحمة الله ومحل رضوانه قال تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ( الفتح 81 ) وقال النووي سبب خفائها أن لا يفتتن الناس بها لما جرى تحتها من الخير ونزول الرضوان والسكينة وغير ذلك فلو بقيت ظاهرة معلومة لخيف تعظيم الأعراب والجهال إياها وعبادتهم إياها وكان خفاؤها رحمة من الله تعالى قوله فسألت ( نافع ) ا السائل هو جويرية الراوي قوله على الموت أي أعلى الموت وهمزة الاستفهام مقدرة فيه قوله قال لا أي قال نافع لم يكن مبايعتهم على الموت بل كانت على الصبر واعترض الإسماعيلي بأن هذا من قول نافع وليس بمسند وقال بعضهم وأجيب بأن الظاهر أن نافعا إنما جزم بما أجاب به لما فهمه من مولاه ( ابن عمر ) فيكون مسندا بهذه الطريقة وفيه نظر لا يخفى
9592 - حدثنا ( موسى بن إسماعيل ) قال حدثنا ( وهيب ) قال حدثنا ( عمرو بن يحيى ) عن ( عباد بن تميم ) عن ( عبد الله بن زيد ) رضي الله تعالى عنه قال لما كان زمن الحرة أتاه آت فقال له إن ابن حنظلة يبايع الناس على الموت فقال لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله
( الحديث 9592 - طرفه في 7614 )

(14/223)


مطابقته للترجمة يمكن أن تكون لقوله وقال بعضهم على الموت لأنه من الترجمة والمفهوم من كلام عبد الله بن زيد أنه بايع على الموت ووهيب بالتصغير هو ابن خالد وعمرو بن يحيى بن عمارة المازني الأنصاري المدني وعباد بتشديد الباء الموحدة ابن تميم بن زيد بن عاصم الأنصاري يروي عن عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني المدني
والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن إساعيل عن أخيه أبي بكر وأخرجه مسلم في المغازي عن إسحاق ابن إبراهيم
قوله ولما كان زمن الحرة وهي الواقعة التي كانت بالمدينة في زمن يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين ووقعة الحرة حرة زهرة قاله السهيلي وقال الواقدي وأبو عبيد وآخرون هي حرة وأقم أطم شرقي المدينة و الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وهي في الأصل كل أرض كانت ذات حجارة سود محرقة والحرار في بلاد العرب كثيرة وأشهرها ثلاثة وعشرون حرة قاله ياقوت وسبب وقعة الحرة أن عبد الله بن حنظلة وغيره من أهل المدينة وفدوا إلى يزيد فرأوا منه ما لا يصلح فرجعوا إلى المدينة فخلعوه وبايعوا عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما وأرسل إليهم يزيد مسلم بن عقبة الذي قيل فيه مسرف بن عقبة فأوقع بأهل المدينة وقعة عظيمة قتل من وجوه الناس ألفا وسبعمائة ومن أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان قوله إن ابن حنظلة وهو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الذي يعرف أبوه بغسيل الملائكة وذلك أن حنظلة قتل شهيدا يوم أحد قتله أبو سفيان بن حرب وقال حنظلة بحنظلة يعني بأبيه حنظلة المقتول ببدر وأخبر رسول الله بأن الملائكة غسلته وكان النبي قال لامرأة حنظلة ما كان شأنه قالت كان جنبا وغسلت إحدى شقي رأسه فلما سمع لهيعة خرج فقتل فقال رسول الله رأيت الملائكة تغسله وعلقت امرأته تلك الليلة بابنة عبد الله بن حنظلة ومات النبي وله سبع سنين وقد حفظ عنه وقال الكرماني ابن حنظلة هو الذي كان يأخذ ليزيد واسمه عبد الله أو المراد به نفس يزيد لأن جده أبا سفيان كان يكنى أيضا بأبي حنظلة لكن على هذا التقدير يكون لفظ الأب محذوفا بين الأب وحنظلة تخفيفا كما أنه محذوف معنى لأنه نسبة إلى الجد أو جعله منسوبا إلى العم استخفافا واستهجانا واستبشاعا لهذه الكلمة المرة انتهى قلت الكرماني خبط ههنا خبط عشواء وتعسف في هذا الكلام من غير أصل والصواب ما ذكرناه قوله لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله فيه إشارة إلى أنه بايع رسول الله على الموت ولكنه ليس بصريح فلذلك ذكر البخاري عقيبه حديث سلمة بن الأكوع لتصريحه فيه بأنه بايعه على الموت
0692 - حدثنا ( المكي بن إبراهيم ) قال حدثنا ( يزيد بن أبي عبيد ) عن ( سلمة ) رضي الله تعالى عنه قال بايعت النبي ثم عدلت إلى ظل الشجرة فلما خف الناس قال يا ابن الأكوع ألا تبايع قال قلت قد بايعت يا رسول الله قال وأيضا فبايعته الثانية فقلت له يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ قال على الموت
مطابقته للترجمة في قوله وقال بعضهم على الموت المكي بتشديد الياء آخر الحروف هو اسمه وليس بنسبة ويزيد من الزيادة ابن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع والأكوع اسمه سنان بن عبد الله
وهذا الحديث من ثلاثيات البخاري الحادي عشر وأخرجه أيضا في المغازي عن قتيبة وفي الأحكام عن القعنبي وأخرجه مسلم في المغازي عن قتيبة به وعن إسحاق إبن إبراهيم وأخرجه الترمذي والنسائي في السير جميعا عن قتيبة
قوله قال يا ابن الأكوع أي قال النبي يا ابن الأكوع ألا تبايع إنما قال ذلك مع أنه بايع مع الناس لأنه أراد به تأكيد بيعته لشجاعته وشهرته بالثبات فلذلك أمره بتكرير المبايعة وقال أيضا أي بايع أيضا فبايعه مرة أخرى وهو معنى قوله فبايعته الثانية أي المرة الثانية قوله فقلت له يا با مسلم القائل هو يزيد بن أبي عبد الراوي عنه وأبو مسلم كنية سلمة بن الأكوع قوله على الموت قد ذكرنا أن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا وليس المراد أن يقع الموت ألبتة والدليل عليه ما رواه الترمذي عن جابر بن

(14/224)


عبد الله في قوله تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ( الفتح 81 ) قال جابر بايعنا رسول الله على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت وسيأتي عن عبادة رضي الله تعالى عنه بايعنا رسول الله على السمع والطاعة وروي من حديث معقل بن يسار قال لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة ومائة وقال لم نبايعه على الموت
3692 - حدثنا ( إسحاق بن إبراهيم ) سمع ( محمد بن فضيل ) عن ( عاصم ) عن ( أبي عثمان ) عن ( مجاشع ) رضي الله تعالى عنه قال أتيت النبي أنا وأخي فقلت بايعنا على الهجرة فقال مضت الهجرة لأهلها فقلت علام تبايعنا قال على الإسلام والجهاد
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله والجهاد لأن مبايعتهم على الجهاد لم تكن إلا على أن لا يفروا وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه ومحمد بن فضيل بضم الفاء مصغر فضل ابن غزوان أبو عبد الرحمن الضبي مولاهم الكوفي وعاصم هو ابن سليمان الأحول وأبو عثمان هو عبد الرحمن بن مل النهدي بالنون البصري وقد مر غير مرة ومجاشع بضم الميم وتخفيف الجيم وكسر الشين المعجمة وفي آخره عين مهملة ابن مسعود السلمي بضم السين وفي بعض النسخ أبوه مسعود مذكور ومجاشع هذا قتل يوم الجمل وكان له فرس يسابق عليها وقد أخذ في غاية واحدة خمسين ألف دينار
والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن عمرو بن خالد وعن محمد بن أبي بكر وفي الجهاد أيضا عن إبراهيم بن موسى وأخرجه مسلم في المغازي عن محمد بن الصباح وعن سويد بن سعيد وعن أبي بكر بن أبي شيبة
قوله وأخي أخوه اسمه مجالد بضم الميم وتخفيف الجيم ابن مسعود السلمي قال أبو عمر له صحبة ولا أعلم له رواية كان إسلامه بعد إسلام أخيه بعد الفتح ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أن مجالد بن مسعود قتل يوم الجمل وأنه روي عنه أبو عثمان النهدي وقال أبو عمر لم يقل في مجاشع أنه قتل يوم الحمل قولهم ولا شك أنه قتل يوم الجمل ولا تبعد رواية أبي عثمان عنهما كذا قال في ( الاستيعاب ) قوله بايعنا بكسر الياء أمر من بايع يخاطب به مجاشع النبي فأجابه النبي بقوله مضت الهجرة لأهلها وهم الذين هاجروا قبل الفتح وحديث مجاشع كان بعد الفتح وكان النبي قد قال لا هجرة بعد الفتح إنما هو جهاد ونية فكان من بايع قبل الفتح لزمه الجهاد أبدا ما عاش إلا لعذر يجوز له التخلف وأما من أسلم بعد الفتح فله أن يجاهد وله أن يتخلف بنية صالحة كما قال جهاد ونية إلا أن ينزل عدو أو ضرورة فيلزم الجهاد كل أحد قوله فقلت علام تبايعنا أي على أي شيء تبايعنا وأصله على ما لأن ما الاستفهامية جرت فيجب حذف الألف عنها وإبقاء الفتحة دليلا عليها نحو فيم وإلام وعلام وعلة حذف الألف الفرق بين الاستفهام والخبر وأما قراءة عكرمة وعيسى عما يتساءلون ( النبأ 1 ) فنادر وقال ابن التين كان من هاجر إلى رسول الله قبل الفتح من غير أهل مكة وبايعه على المقام بالمدينة كان عليه المقام بها حياته ومن لم يشترط المقام من غير أهل مكة بايع ورجع إلى موضعه كفعل عمر بن

(14/225)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية