صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ شرح النووي على صحيح مسلم ]
الكتاب : المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المؤلف : أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت
الطبعة الطبعة الثانية ، 1392
عدد الأجزاء : 18

الكلام ثم استأنفت فقالت يرحمك الله هو ابنها قال العلماء ويستحب أن يقال في مثل هذا بالواو فيقال لا ويرحمك الله قوله ( السكين والمدية ) أما المدية بضم الميم وكسرها وفتحها سميت به لأنها تقطع مدى حياة الحيوان والسكين تذكر وتؤنث لغتان ويقال أيضا سكينة لأنها تسكن حركة الحيوان
( باب استحباب اصلاح الحاكم بين الخصمين [ 1721 ] ذكر في الباب حديث الرجل الذي باع العقار فوجد المشتري فيه جرة ذهب فتناكراه فأصلح بينهما رجل على أن يزوج أحدهما بنته بن الآخر وينفقا ويتصدقا منه فيه فضل الاصلاح بين المتنازعين وإن القاضي يستحب له الاصلاح بين المتنازعين كما يستحب لغيره وقوله صلى الله [ 1721 ] عليه وسلم ( اشترى رجل عقارا ) هو الأرض وما يتصل بها وحقيقة العقار الأصل سمى بذلك من العقر بضم العين وفتحها وهو الأصل ومنه عقر الدار بالضم والفتح قوله صلى الله عليه و سلم ( فقال الذي شرى الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها ) هكذا هو في أكثر النسخ شرى بغير )

(12/19)


ألف وفي بعضها اشترى بالألف قال العلماء الأول أصح وشرى هنا بمعنى باع كما في قوله تعالى وشروه بثمن بخس ولهذا قال فقال الذي شرى الأرض إنما بعتك والله أعلم
( كتاب اللقطة هي بفتح القاف على اللغة المشهورة التي قالها الجمهور واللغة الثانية لقطة باسكانها والثالثة لقاطة بضم اللام والرابعة لقط بفتح اللام والقاف [ 1722 ] قوله ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فسأله عن اللقطة فقال اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها قال فضالة الغنم قال لك أو لأخيك أو للذئب قال فضالة الإبل قال مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها )

(12/20)


ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ) وفي الرواية الثانية عرفها سنة ثم اعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها فإن جاء ربها فأدها إليه قال الأزهري وغيره لا يقع إسم الضالة إلا على الحيوان يقال ضل الإنسان والبعير وغيرهما من الحيوان وهي الضوال وأما الأمتعة وما سوى الحيوان فيقال لها لقطة ولا يقال ضالة قال الأزهري وغيره يقال للضوال الهوامي والهوافي واحدتها هامية وهافية وهمت وهفت وهملت إذا ذهبت على وجهها بلا راع وقوله صلى الله عليه و سلم اعرف عفاصها معناه تعرف لتعلم صدق واصفها من كذبه ولئلا يختلط بماله ويشتبه وأما العفاص فبكسر العين وبالفاء والصاد المهملة وهو الوعاء التي تكون فيه النفقة جلدا كان أو غيره ويطلق العفاص أيضا على الجلد الذي يكون على رأس القارورة لأنه كالوعاء له فأما الذي يدخل في فم القارورة من خشب أو جلد أو خرقة مجموعة ونحو ذلك فهو الصمام بكسر الصاد يقال عفصتها عفصا إذا شددت العفاص عليها وأعفصتها اعفاصا إذا جعلت لها عفاصا وأما الوكاء فهو الخيط الذي يشد به الوعاء يقال أو كيته إيكاء فهو موكى بلا همز قوله صلى الله عليه و سلم ( فشأنك بها ) هو بنصب النون وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( معها سقاؤها ) فمعناه أنها تقوي على ورود المياه وتشرب في اليوم الواحد وتملأ كرشها بحيث يكفيها الأيام وأما حذاؤها

(12/21)


فبالمد وهو اخفافها لأنها تقوى بها على السير وقطع المفاوز وفي هذا الحديث جواز قول رب المال ورب المتاع ورب الماشية بمعنى صاحبها الآدمي وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء ومنهم من كره إضافته إلى ماله روح دون المال والدار ونحوه وهذا غلط لقوله صلى الله عليه و سلم فإن جاء ربها فأدها إليه وحتى يلقاها ربها وفي حديث عمر رضي الله عنه وإدخال رب الصريمة والغنيمة ونظائر ذلك كثيرة والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( ثم عرفها سنة ) فمعناه إذا أخذتها فعرفها سنة فأما الأخذ فهل هو واجب أم مستحب فيه مذاهب ومختصر ما ذكره أصحابنا ثلاثة أقوال أصحها عندهم يستحب ولا يجب والثاني يجب والثالث إن كانت اللقطة في موضع يأمن عليها إذا تركها استحب الأخذ وإلا وجب وأما تعريف سنة فقد أجمع المسلمون على وجوبه إذا كانت اللقطة ليست تافهة ولا في معنى التافهة ولم يرد حفظها على صاحبها بل أراد تملكها ولا بد من تعريفها سنة بالإجماع فأما إذا لم يرد تملكها بل أراد حفظها على صاحبها فهل يلزمه التعريف فيه وجهان لأصحابنا أحدهما لا يلزمه بل إن جاء صاحبها وأثبتها دفعها إليه والادام حفظها والثاني وهو الأصح أنه يلزمه التعريف لئلا تضيع على صاحبها فإنه لا يعلم أين هي حتى يطلبها فوجب تعريفها وأما الشيء الحقير فيجب تعريفه زمنا يظن أن فاقده لا يطلبه في العادة أكثر من ذلك الزمان قال أصحابنا والتعريف أن ينشدها في الموضع الذي وجدها فيه وفي الأسواق وأبواب المساجد ومواضع اجتماع الناس فيقول من ضاع منه شيء من ضاع منه حيوان من ضاع منه دراهم ونحو ذلك ويكرر ذلك بحسب العادة قال أصحابنا فيعرفها أولا في كل يوم ثم في الأسبوع ثم في أكثر منه والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ) معناه إن جاءها صاحبها فادفعها إليه وإلا فيجوز لك أن تتملكها قال أصحابنا إذا عرفها فجاء صاحبها في أثناء مدة التعريف أو بعد انقضائها وقبل أن يتملكها الملتقط فأثبت أنه صاحبها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة فالمتصلة كالسمن في الحيوان وتعليم صنعة ونحو ذلك والمنفصلة كالولد واللبن والصوف واكتساب العبد ونحو ذلك وأما إن جاء من يدعيها ولم يثبت ذلك فإن لم يصدقه الملتقط

(12/22)


لم يجز له دفعها إليه وإن صدقه جاز له الدفع إليه ولا يلزمه حتى يقيم البينة هذا كله إذا جاء قبل أن يتملكها الملتقط فأما إذا عرفها سنة ولم يجد صاحبها فله أن يديم حفظها لصاحبها وله أن يتملكها سواء كان غنيا أو فقيرا فإن أراد تملكها فمتى يملكها فيه أوجه لأصحابنا أصحها لا يملكها حتى يتلفظ بالتملك بأن يقول تملكتها أو اخترت تملكها والثاني لا يملكها إلا بالتصرف فيها بالبيع ونحوه والثالث يكفيه نية التملك ولا يحتاج إلى لفظ والرابع يملك بمجرد مضي السنة فإذا تملكها ولم يظهر لها صاحب فلا شيء عليه بل هو كسب من اكسابه لا مطالبة عليه به في الآخرة وإن جاء صاحبها بعد تملكها أخذها بزيادتها المتصلة دون المنفصلة فإن كانت قد تلفت بعد التملك لزم الملتقط بدلها عندنا وعند الجمهور وقال داود لا يلزمه والله أعلم قوله ( فضالة الغنم قال لك أو لأخيك أو للذئب ) معناه الأذن في أخذها بخلاف الإبل وفرق صلى الله عليه و سلم بينهما وبين الفرق بأن الإبل مستغنية عن من يحفظها لاستقلالها بحذائها وسقائها وورودها الماء والشجر وامتناعها من الذئاب وغيرها من صغار السباع والغنم بخلاف ذلك فلك أن تأخذها أنت أو صاحبها أو أخوك المسلم الذي يمر بها أو الذئب فلهذا جاز أخذها دون الإبل ثم إذا أخذها وعرفها سنة وأكلها ثم جاء صاحبها لزمته غرامتها عندنا وعند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال مالك لا تلزمه غرامتها لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يذكر له غرامة واحتج أصحابنا بقوله صلى الله عليه و سلم في الرواية الأخرى فإن جاء صاحبها فأعطها إياه وأجابوا عن دليل مالك بأنه لم يذكر في هذه الرواية الغرامة ولا نفاها وقد عرف وجوبها بدليل آخر قوله صلى الله عليه و سلم ( عرفها سنة ثم أعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها ) هذا ربما أوهم أن معرفة الوكاء والعفاص تتأخر على تعريفها سنة وباقي الروايات صريحة في تقديم المعرفة على التعريف فيجاب عن هذه الرواية أن هذه معرفة أخرى ويكون مأمورا بمعرفتين فيتعرفها أول ما يلتقطها حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها ولئلا تختلط وتشتبه فإذا عرفها سنة وأراد تملكها استحب له أن يتعرفها أيضا مرة أخرى تعرفا وافيا محققا ليعلم قدرها وصفتها فيردها إلى صاحبها إذا جاء بعد تملكها وتلفها ومعنى استنفق بها تملكها ثم أنفقها على نفسك قوله ( فغضب رسول الله صلى الله عليه و سلم

(12/23)


حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه ثم قال مالك ولها ) الوجنة بفتح الواو وضمها وكسرها وفيها لغة رابعة أجنة بضم الهمزة وهي اللحم المرتفع من الخدين ويقال رجل موجن وواجن أي عظيم الوجنة وجمعها وجنات ويجيء فيها اللغات المعروفة في جمع قصعة وحجرة وكسرة وفيه جواز الفتوى والحكم في حال الغضب وأنه نافذ لكن يكره ذلك في حقنا ولا يكره في حق النبي صلى الله عليه و سلم لأنه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف علينا والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( ثم عرفها سنة فإن لم يجيء صاحبها كانت وديعة عندك ) وفي الرواية الثانية ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه معناه تكون أمانة عندك بعد السنة مالم تتملكها فإن تلفت بغير تفريط فلا ضمان عليك وليس معناه منعه من تملكها بل له تملكها على ما ذكرناه للأحاديث الباقية الصريحة وهي قوله صلى الله عليه و سلم ثم استنفق بها فاستنفقها وقد أشار صلى الله عليه و سلم إلى هذا في الرواية الثانية بقوله فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك أي لا ينقطع حق صاحبها بل متى جاءها فأدها إليه إن كانت باقية وإلا فبدلها وهذا معنى قوله صلى الله عليه و سلم فإن جاء صاحبها يوما من الدهر فأدها إليه والمراد أنه لا ينقطع حق صاحبها

(12/24)


بالكلية وقد نقل القاضي وغيره إجماع المسلمين على أنه إذا جاء صاحبها بعد التمليك ضمنها المتملك إلا داود فأسقط الضمان والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك ) في هذا دلالة لمالك وغيره ممن يقول إذا جاء من وصف اللقطة بصفاتها وجب دفعها إليه بلا بينة وأصحابنا يقولون لا يجب دفعها إليه إلا ببينة وبه قال أبو حنيفة واصحابه رحمهم الله تعالى ويتأولون هذا الحديث على أن المراد أنه إذا صدقه جاز له الدفع إليه ولا يجب فالأمر بدفعها بمجرد تصديقه ليس للوجوب والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم في روايات حديث زيد بن خالد ( عرفها سنة ) [ 1723 ] وفي حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أنه

(12/25)


صلى الله عليه و سلم
( أمر بتعريفها ثلاث سنين وفي رواية سنة واحدة وفي رواية أن الراوي شك قال لا أدري قال حول أو ثلاثة أحوال وفي رواية عامين أو ثلاثة قال القاضي عياض قيل في الجمع بين الروايات قولان أحدهما أن يطرح الشك والزيادة ويكون المراد سنة في رواية الشك وترد الزيادة لمخالفتها باقي الأحاديث والثاني أنهما قضيتان فرواية زيد في التعريف سنة محمولة على أقل ما يجزئ ورواية أبي بن كعب في التعريف ثلاث سنين محمولة على الورع وزيادة الفضيلة قال وقد أجمع العلماء على الاكتفاء بتعريف سنة ولم يشترط أحد تعريف ثلاثة أعوام إلا ما روى )

(12/26)


عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولعله لم يثبت عنه

(12/27)


[ 1724 ] قوله ( نهى عن لقطة الحاج ) يعنى عن التقاطها للتملك وأما التقاطها للحفظ فقط فلا منع منه وقد أوضح هذا صلى الله عليه و سلم في قوله صلى الله عليه و سلم في الحديث الآخر ولا تحل لقطتها إلا لمنشد وقد سبقت المسألة مبسوطة في آخر كتاب الحج قوله صلى الله عليه و سلم ( من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها ) هذا دليل للمذهب المختار أنه يلزمه تعريف اللقطة مطلقا سواء أراد تملكها أو حفظها على صاحبها وهذا هو الصحيح وقد سبق بيان الخلاف فيه ويجوز أن يكون المراد بالضالة هنا ضالة الإبل ونحوها مما لا يجوز التقاطها للتملك بل أنها تلتقط للحفظ على صاحبها فيكون معناه من آوى ضالة فهو ضال مالم يعرفها أبدا ولا يتملكها والمراد بالضال المفارق للصواب وفي جميع أحاديث الباب دليل على أن التقاط اللقطة وتملكها لا يفتقر إلى حكم حاكم ولا إلى إذن السلطان وهذا مجمع عليه وفيها أنه لا فرق بين الغني والفقير وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور والله أعلم
( باب تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها قوله [ 1726 ] صلى الله عليه و سلم ( لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر )

(12/28)


خزانته فينتقل طعامه فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه ) وفي روايات فينتثل بالثاء المثلثة في آخره بدل القاف ومعنى ينتثل ينثر كله ويرمي المشربة بفتح الميم وفي الراء لغتان الضم والفتح وهي كالغرفة يخزن فيها الطعام وغيره ومعنى الحديث أنه صلى الله عليه و سلم شبه اللبن في الضرع بالطعام المخزون المحفوظ في الخزانة في أنه لا يحل أخذه بغير اذنه وفي الحديث فوائد منها تحريم أخذ مال الإنسان بغير اذنه والأكل منه والتصرف فيه وأنه لا فرق بين اللبن وغيره وسواء المحتاج وغيره وسواء المحتاج وغيره إلا المضطر الذي لا يجد ميتة ويجد طعاما لغيره فيأكل الطعام للضرورة ويلزمه بدله لمالكه عندنا وعند الجمهور وقال بعض السلف وبعض المحدثين لا يلزمه وهذا ضعيف فإن وجد ميتة وطعاما لغيره ففيه خلاف مشهور للعلماء وفي مذهبنا الأصح عندنا أكل الميتة أما غير المضطر إذا كان له إدلال على صاحب اللبن أو غيره من الطعام بحيث يعلم أو يظن أن نفسه تطيب بأكله منه بغير إذنه فله الأكل بغير إذنه وقد قدمنا بيان هذا مرات وأما شرب النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وهما قاصدان المدينة في الهجرة من لبن غنم الراعي فقد قدمنا بيان وجهه وأنه يحتمل أنهما شرباه إدلالا على صاحبه لأنهما كانا يعرفانه أو أنه أذن للراعي أن يسقى منه من مر به أو أنه كان عرفهم إباحة ذلك أو أنه مال حربي لا أمان له والله أعلم وفي هذا الحديث

(12/29)


أيضا إثبات القياس والتمثيل في المسائل وفيه أن اللبن يسمى طعاما فيحنث به من حلف لا يتناول طعاما إلا أن يكون له نية تخرج اللبن وفيه أن بيع لبن الشاة بشاة في ضرعها لبن باطل وبه قال الشافعي ومالك والجمهور وجوزه الأوزاعي والله أعلم
( باب الضيافة ونحوها [ 48 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا وما جائزته يا رسول الله قال يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه ) وقال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وفي رواية الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه قالوا يا رسول الله وكيف يؤثمه قال يقيم عنده ولا شئ له يقر به وفي رواية ان نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم هذه الأحاديث متظاهرة على الأمر بالضيافة والاهتمام بها وعظيم موقعها وقد أجمع المسلمون على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام ثم قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى والجمهور هي سنة ليست بوجبة وقال الليث وأحمد هي واجبة يوما وليلة قال أحمد رضي الله عنه هي واجبة يوما وليلة على أهل البادية وأهل )

(12/30)


القرى دون أهل المدن وتأول الجمهور هذه الأحاديث وأشباهها على الاستحباب ومكارم الأخلاق وتأكد حق الضيف كحديث غسل الجمعة واجب على كل محتلم أي متأكد الاستحباب وتأولها الخطابي رضي الله عنه وغيره على المضطر والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( فليكرم ضيفه جائزته يوما وليلة والضيافة ثلاثة أيام ) قال العلماء معناه الاهتمام به في اليوم والليلة وإتحافه بما يمكن من بر وإلطاف وأما في اليوم الثاني والثالث فيطعمه ما تيسر ولا يزيد على عادته وأما ما كان بعد الثلاثة فهو صدقة ومعروف إن شاء فعل وإن شاء ترك قالوا وقوله صلى الله عليه و سلم ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه معناه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث حتى يوقعه في الإثم لأنه قد يغتابه لطول مقامه أو يعرض له بما يؤذيه أو يظن به مالا يجوز وقد قال الله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم وهذا كله محمول على ما إذا أقام بعد الثلاث من غير استدعاء من المضيف أما إذا استدعاه وطلب زيادة اقامته أو علم أو ظن أنه لا يكره اقامته فلا بأس بالزيادة لأن النهي إنما كان لكونه يؤثمه وقد زال هذا المعنى والحالة هذه فلو شك في حال المضيف هل تكره الزيادة ويلحقه بها حرج أم لا تحل الزيادة إلا بإذنه لظاهر الحديث والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت فقد سبق شرحه مبسوطا في كتاب الإيمان وفيه التصريح بأنه ينبغي له الإمساك عن الكلام الذي ليس فيه خير ولا شر لأنه مما لايعنيه ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ولأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام وهذا موجود في العادة وكثير والله

(12/31)


أعلم [ 1727 ] وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا منهم فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم ) فقد حمله الليث وأحمد على ظاهره وتأوله الجمهور على أوجه أحدها أنه محمول على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة فإذا لم يضيفوهم فلهم أن يأخذوا حاجتهم من مال الممتسين والثاني أن ا لمراد أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم وتذكرون للناس لؤمهم وبخلهم والعيب عليهم وذمهم والثالث أن هذا كان في أول الإسلام وكانت المواساة واجبة فلما اتسع الإسلام نسخ ذلك هكذا حكاه القاضي وهو تأويل ضعيف أو باطل لأن هذا الذي ادعاه قائله لا يعرف والرابع أنه محمول على من مر بأهل الذمة الذين شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين وهذا أيضا ضعيف إنما صار هذا في زمن عمر رضي الله عنه قوله ( عن أبي شريح العدوي ) وفي الرواية الثانية عن أبي شريح الخزاعي هو واحد يقال له العدوى والخزاعي والكعبي وقد سبق بيانه قوله صلى الله عليه و سلم ( ولا شئ له يقريه ) هو بفتح أوله وكذا قوله في الرواية الأخرى فلا يقروننا بفتح أوله يقال قريت الضيف أقريه قرى

(12/32)


( باب استحباب المواساة بفضول المال [ 1728 ] قوله ( بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر إذ جاء رجل على راحلته فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له قال فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل ) أما قوله فجعل يصرف بصره فهكذا وقع في بعض النسخ وفي بعضها يصرف فقط بحذف بصره وفي بعضها يضرب بالضاد المعجمة والباء وفي رواية أبي داود وغيره يصرف راحلته في هذا الحديث الحث على الصدقة والجود والمواساة والإحسان إلى الرفقة والأصحاب والأعتناء بمصالح الأصحاب وأمر كبير القوم أصحابه بمواساة المحتاج وأنه يكتفي في حاجة المحتاج بتعرضه للعطاء وتعريضه من غير سؤال وهذا معنى قوله فجعل يصرف بصره أي متعرضا لشيء يدفع به حاجته وفيه مواساة بن السبيل والصدقة عليه إذا كان محتاجا وإن كان له راحلة وعليه ثياب أو كان موسرا في وطنه ولهذا يعطي من الزكاة في هذه الحال والله أعلم )

(12/33)


( باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت والمواساة فيها [ 1729 ] قوله ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا فأمر نبي الله صلى الله عليه و سلم فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا فاجتمع زاد القوم على النطع قال فتطاولت لأحزره كم هو فحزرته كربضة العنز ونحن أربع عشرة مائة قال فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جربنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هل من وضوء فجاء رجل باداوة فيها نطفة فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة أربع عشرة مائة قال ثم جاء بعد ثمانية فقالوا هل من طهور فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فرغ الوضوء ) أما قوله جهد فبفتح الجيم وهو المشقة وقوله مزاودنا هكذا هو في بعض النسخ أو أكثرها وفي بعضها أزوادنا وفي بعضها تزوادنا بفتح التاء وكسرها وفي النطع لغات سبقت أفصحن كسر النون وفتح الطاء وقوله كربضة العنز أي كمبركها أو كقدرها وهي رابضة قال القاضي الرواية فيه بفتح الراء وحكاه بن دريد بكسرها قوله ( حشونا جربنا ) هو بضم الراء وإسكانها جمع جراب بكسر الجيم على المشهور ويقال بفتحها قوله صلى الله عليه و سلم ( هل من وضوء ) أي ما يتوضأ به وهو بفتح الواو على المشهور وحكي ضمها ! وسبق بيانه في كتاب الطهارة قوله ( فيها نطفة ) هو بضم النون أي قليل من الماء قوله ( ندغفقة دغفقة ) أي نصبه صبا شديدا وفي هذا الحديث معجزتان ظاهرتان )

(12/34)


لرسول الله صلى الله عليه و سلم وهما تكثير الطعام وتكثير الماء هذه الكثرة الظاهرة قال المازري في تحقيق المعجزة في هذا أنه كلما أكل منه جزء أو شرب جزء خلق الله تعالى جزءا آخر يخلفه قال ومعجزات النبي صلى الله عليه و سلم ضربان أحدهما القرآن وهو منقول تواترا والثاني مثل تكثير الطعام والشراب ونحو ذلك ولك فيه طريقان أحدهما أن تقول تواترت على المعنى كتواتر جود حاتم طيئ وحلم الأحنف بن قيس فإنه لا ينقل في ذلك قصة بعينها متواترة ولكن تكاثرت أفرادها بالآحاد حتى أفاد مجموعها تواتر الكرم والحلم وكذلك تواتر انخراق العادة للنبي صلى الله عليه و سلم بغير القرآن والطريق الثاني أن تقول إذا روى الصحابي مثل هذا الأمر العجيب وأحال على حضوره فيه مع سائر الصحابة وهم يسمعون روايته ودعواه أو بلغهم ذلك ولا ينكرون عليه كان ذلك تصديقا له يوجب العلم بصحة ما قال والله أعلم وفي هذا الحديث استحباب المواساة في الزاد وجمعه عند قلته وجواز أكل بعضهم مع بعض في هذه الحالة وليس هذا من الربا في شيء وإنما هو من نحو الإباحة وكل واحد مبيح لرفقته الأكل من طعامه وسواء تحقق الإنسان أنه أكل أكثرمن حصته أو دونها أو مثلها فلا بأس بهذا لكن يستحب له الإيثار والتقلل لا سيما أن كان في الطعام قلة والله أعلم
( كتاب الجهاد والسير )
( باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام ( من غير تقدم إعلام بالإغارة ) [ 1730 ] قوله ( حدثنا يحيى بن يحيى التميمي قال حدثنا سليم بن أخضر عن بن عون قال كتبت إلى نافع أسأله )

(12/35)


عن الدعاء قبل القتال قال فكتب إلي إنما كان في أول الإسلام قد أغار رسول الله صلى الله عليه و سلم على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ قال يحيى بن يحيى أحسبه قال جويرية أو البتة ابنة الحارث وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش ) قال وقال في الرواية الأخرى جويرية بنت الحارث ولم يشك أما قوله أو البتة فمعناه أن يحيى بن يحيى قال أصاب يومئذ بنت الحارث وأظن شيخى سليم بن أخضر سماها في روايته جويرية أو أعلم ذلك وأجزم به وأقوله البتة وحاصله أنها جويرية فيما أحفظه إما ظنا وإما علما وفي الرواية الثانية قال هي جويرية بنت الحارث بلا شك قوله وهم غارون هو بالغين المعجمة وتشديد الراء أي غافلون وفي هذا الحديث جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة من غير إنذار بالإغارة وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب حكاها المازري والقاضي أحدها يجب الإنذار مطلقا قال مالك وغيره وهذا ضعيف والثاني لا يجب مطلقا وهذا أضعف منه أو باطل والثالث يجب إن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب وهذا هو الصحيح وبه قال نافع مولى بن عمر والحسن البصري والثوري والليث والشافعي وأبو ثور وبن المنذر والجمهور قال بن المنذر وهو قول أكثر أهل العلم وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه فمنها هذا الحديث وحديث قتل كعب بن الأشرف وحديث قتل أبي الحقيق وفي هذا الحديث جواز استرقاق العرب لأن بني المصطلق عرب من خزاعة وهذا قول الشافعي في الجديد وهو الصحيح وبه قال مالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي وجمهور العلماء وقال جماعة

(12/36)


من العلماء لا يسترقون وهذا قول الشافعي في القديم
( باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ( ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها ) قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ) أما السريه فهي قطعة من الجيش تخرج منه تغير وترجع إليه قال ابراهيم الحربي هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها قالوا سميت سرية لأنها تسري في الليل ويخفى ذهابها وهي فعيلة بمعنى فاعلة يقال سرى واسرى إذا ذهب ليلا قوله صلى الله عليه و سلم ( ولا تغدروا ) بكسر الدال والوليد الصبي وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها وهي تحريم الغدر وتحريم الغلول وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا وكراهة المثلة واستحباب وصية الإمام أمراءه وجيوشه بتقوى الله تعالى والرفق باتباعهم وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم وما يجب عليهم وما يحل لهم وما يحرم عليهم وما يكره وما يستحب قوله صلى الله عليه و سلم ( وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال )

(12/37)


فأيتهن ما أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم ) قوله ثم ادعهم إلى الإسلام هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم ثم ادعهم قال القاضي عياض رضي الله تعالى عنه صواب الرواية ادعهم باسقاط ثم وقد جاء باسقاطها على ا لصواب في كتاب أبي عبيد وفي سنن أبي داود وغيرهما لأنه تفسير للخصال الثلاث وليست غيرها وقال المازري ليست ثم هنا زائدة بل دخلت لاستفتاح الكلام والأخذ قوله صلى الله عليه و سلم ( ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ماللمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كاعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذي يجرى على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء الا أن يجاهدوا مع المسلمين معنى هذا الحديث أنهم اذا أسلموا استحب لهم أن يهاجروا إلى المدينة فإن فعلوا ذلك كانوا كالمهاجرين قبلهم في استحقاق الفيء والغنيمة وغير ذلك والأفهم أعراب كسائر أعراب المسلمين الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو فتجرى عليهم أحكام الإسلام ولا حق لهم في الغنيمة والفئ وإنما يكون لهم نصيب من الزكاة إن كانوا بصفة استحقاقها قال الشافعي الصدقات للمساكين ونحوهم ممن لا حق له في الفئ والفئ للأجناد قال ولا يعطى أهل الفيء من الصدقات ولا أهل الصدقات من الفيء واحتج بهذا الحديث وقال مالك وأبو حنيفة المالان سواء ويجوز صرف كل واحد منهما إلى النوعين وقال أبو عبيد هذا الحديث منسوخ قال وإنما كان هذا الحكم في أول الإسلام لمن لم يهاجر ثم نسخ ذلك بقوله

(12/38)


تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض وهذا الذي ادعاه أبو عبيد لا يسلم له قوله صلى الله عليه و سلم ( فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ) هذا مما يستدل به مالك والأوزاعي وموافقوهما في جواز أخذ الجزية من كل كافر عربيا كان أو عجميا كتابيا أو مجوسيا أو غيرهما وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه تؤخذ الجزية من جميع الكفار إلا مشركي العرب ومجوسهم وقال الشافعي لا يقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس عربا كانوا أو عجما ويحتج بمفهوم آية الجزية وبحديث سنوا بهم سنة أهل الكتاب ويتأول هذا الحديث على أن المراد بأخذ الجزية أهل الكتاب لأن إسم المشرك يطلق على أهل الكتاب وغيرهم وكان تخصيصهم معلوما عند الصحابة واختلفوا في قدر الجزية فقال الشافعي أقلها دينار على الغني ودينار على الفقير أيضا في كل سنة وأكثرها ما يقع به التراضي وقال مالك هي أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الفضة وقال أبو حنيقة رضي الله تعالى عنه وغيره من الكوفيين وأحمد رضي الله تعالى عنه على الغني ثمانية وأربعون درهما والمتوسط اربعة وعشرون والفقير اثنا عشر قوله صلى الله عليه و سلم ( وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسول الله صلى الله عليه و سلم ) قال العلماء الذمة هنا العهد وتخفروا بضم التاء يقال أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وخفرته أمنته وحميته قالوا وهذا نهى تنزيه أي لا تجعل لهم ذمة الله فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقها وينتهك حرمتها بعض الأعراب وسواد الجيش قوله صلى الله عليه و سلم ( وإذا حاصرت أهل حصن

(12/39)


فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ) هذا النهي أيضا على التنزيه والاحتياط وفيه حجة لمن يقول ليس كل مجتهد مصيبا بل المصيب واحد وهو الموافق لحكم الله تعالى في نفس الأمر وقد يجيب عنه القائلون بأن كل مجتهد مصيب بأن المراد أنك لا تأمن أن ينزل على وحي بخلاف ما حكمت وهذا المعنى منتف بعد النبي صلى الله عليه و سلم قوله ( حدثنا مسلم بن هيصم ) بفتح الهاء والصاد المهملة قوله صلى الله [ 1732 ] عليه وسلم ( بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا ) وفي [ 1733 ] الحديث الآخر أنه صلى الله عليه و سلم قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا

(12/40)


وتطاوعا ولا تختلفا وفي [ 1734 ] حديث أنس رضي الله تعالى عنه يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا إنما جمع في هذه الألفاظ بين الشيء وضده لأنه قد يفعلهما في وقتين فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يسر مرة أومرات وعسر في معظم الحالات فإذا قال ولا تعسروا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب وكذا يقال في يسرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء وفي هذا الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير وفيه تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليهم وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان ومن بلغ ومن تاب من المعاصي كلهم يتلطف بهم ويدرجون في أنواع الطاعة قليلا قليلا وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج فمتى يسر على الداخل في الطاعة أو المريد للدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالبا التزايد منها ومتى عسرت عليه أو شك أن لا يدخل فيها وإن دخل أو شك أن لا يدوم أو لا يستحليها وفيه أمر الولاة بالرفق واتفاق المتشاركين في ولاية ونحوها وهذا من المهمات فإن غالب المصالح لا يتم إلا بالإتفاق ومتى حصل الإختلاف فات وفيه وصية الإمام الولاة وإن كانوا أهل فضل وصلاح كمعاذ وأبي موسى فإن الذكرى تنفع المؤمنين قوله ( حدثنا محمد بن عباد حدثنا سفيان عن عمرو عن سعيد بن أبي بردة ) هذا مما استدركه الدارقطني وقال لم

(12/41)


يتابع بن عباد عن سفيان عن عمرو عن سعيد وقد روى عن سفيان عن مسعر عن سعيد ولا يثبت ولم يخرجه البخاري من طريق سفيان هذا كلام الدارقطني ولا إنكار على مسلم لأن بن عباد ثقة وقد جزم بروايته عن سفيان عن عمرو عن سعيد ولو لم يثبت لم يضر مسلما فإن المتن ثابت من الطرق

(12/42)


( باب تحريم الغدر [ 1736 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لكل غادر لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان ) وفي رواية [ 1737 ] يعرف به وفي رواية لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة [ 1738 ] وفي رواية لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة قال أهل اللغة اللواء الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعا له قالوا فمعنى لكل غادر لواء أي علامة يشهر بها في الناس لأن موضوع اللواء الشهرة مكان الرئيس علامة له وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك وأما الغادر فهو الذي يواعد على أمر ولا يفي به يقال غدر يغدر بكسر )

(12/43)


الدال في المضارع وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين وقيل لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء كما جاء في الحديث الصحيح في تعظيم كذب الملك والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر وذكر القاضي عياض احتمالين أحدهما هذا وهو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته وللكفار وغيرهم أو غدره للأمانة التي قلدها لرعيته والتزم القيام بها والمحافظة عليها ومتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم أو الرفق بهم فقد غدر بعهده والاحتمال الثاني أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام فلا يشقوا عليه العصا ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه والصحيح الأول والله أعلم

(12/44)


( باب جواز الخداع في الحرب [ 1739 ] [ 1740 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( الحرب خدعة ) فيها ثلاث لغات مشهورات اتفقوا على أن أفصحهن خدعة بفتح الخاء واسكان الدال قال ثعلب وغيره وهي لغة النبي صلى الله عليه و سلم والثانية بضم الخاء واسكان الدال والثالثة بضم الخاء وفتح الدال واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء أحدها في الحرب قال الطبري إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب فإنه لا يحل هذا كلامه والظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب لكن الاقتصار على التعريض أفضل والله أعلم )
باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء [ 1741 ] قوله صلى الله عليه و سلم [ 1742 ] ( لا تمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا ) وفي الرواية الأخرى لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف إنما نهى عن تمنى لقاء العدو لما فيه من صورة الاعجاب والاتكال على النفس والوثوق بالقوة وهو نوع بغى وقد ضمن الله تعالى لمن بغى عليه أن ينصره ولأنه يتضمن قلة الإهتمام

(12/45)


بالعدو واحتقاره وهذا يخالف الاحتياط والحزم وتأوله بعضهم على النهي عن التمني في صورة خاصة وهي إذا شك في المصلحة فيه وحصول ضرر وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة والصحيح الأول ولهذا تممه صلى الله عليه و سلم بقوله صلى الله عليه و سلم واسألوا الله العافية وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن في الدين والدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العافية العامة لي ولأحبائي ولجميع المسلمين وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( وإذا لقيتموهم فاصبروا ) فهذا حث على الصبر في القتال وهو آكد أركانه وقد جمع الله سبحانه آداب القتال في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله وأما قوله صلى الله عليه و سلم واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف فمعناه ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله ومشى المجاهدين في سبيل الله فاحضروا فيه بصدق واثبتوا قوله في هذا الحديث ( أن النبي صلى الله عليه و سلم انتظر حتى مالت الشمس قام فيهم فقال يا أيها الناس إلى آخره ) وقد جاء في غير هذا الحديث أنه صلى الله عليه و سلم كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس قال العلماء سببه أنه أمكن للقتال فإنه وقت هبوب الريح ونشاط النفوس وكلما طال ازدادوا نشاطا واقداما على عدوهم وقد جاء في صحيح البخاري آخر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة قالوا وسببه

(12/46)


فضيلة أوقات الصلوات والدعاء عندها قوله ( ثم قام النبي صلى الله عليه و سلم فقال اللهم منزل الكتاب ومجرى السحاب وهازم الاحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم ) فيه استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار والله أعلم قوله ( عن أبي النضر عن كتاب رجل من الصحابة قال الدارقطني هو حديث صحيح قال واتفاق البخاري ومسلم على روايته حجة في جواز العمل بالمكاتبة والإجازة وقد جوزوا العمل بالمكاتبة والإجازة وبه قال جماهير العلماء من أهل الحديث والأصول والفقه ومنعت طائفة الرواية بها وهذا غلط والله أعلم
( باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو ذكر في الباب دعاءه صلى الله عليه و سلم عند لقاء العدو وقد اتفقوا على استحبابه قوله صلى الله عليه و سلم ( اللهم اهزمهم وزلزلهم ) أي ازعجهم وحركهم بالشدائد قال أهل اللغة الزلزال )

(12/47)


والزلزلة الشدائد التي تحرك الناس [ 1743 ] قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول يوم أحد اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض ) قال العلماء فيه التسليم لقدر الله تعالى والرد على غلاة القدرية الزاعمين أن الشر غير مراد ولا مقدر تعالى الله عن قولهم وهذا الكلام متضمن أيضا لطلب النصر وجاء في هذه الرواية أنه صلى الله عليه و سلم قال هذا يوم أحد وجاء بعده أنه قاله يوم بدر وهو المشهور في كتب السير والمغازي ولا معارضة بينهما فقاله في اليومين والله أعلم
( باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب [ 1744 ] قوله ( نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قتل النساء والصبيان ) أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا فإن قاتلوا قال جماهير العلماء يقتلون وأما شيوخ الكفار فإن كان فيهم رأي قتلوا والا ففيهم وفي الرهبان خلاف قال مالك وأبو حنيفة لا يقتلون والأصح في مذهب الشافعي قتلهم )

(12/48)


( باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد [ 1745 ] قوله ( سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال هم منهم ) هكذا هو في أكثر نسخ بلادنا سئل عن الذراري وفي رواية عن أهل الدار من المشركين ونقل القاضي هذه عن رواية جمهور رواة صحيح مسلم قال وهي الصواب فأما الرواية الأولى فقال ليست بشيء بل هي تصحيف قال وما بعده هو تبيين الغلط فيه قلت وليست باطلة كما ادعى القاضي بل لها وجه وتقديره سئل عن حكم صبيان المشركين الذين يبيتون فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل فقال هم من آبائهم أي لا بأس بذلك لأن أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القصاص والديات وغير ذلك والمراد إذا لم يتعمدوا من غير ضرورة وأما الحديث السابق في النهي عن قتل النساء والصبيان فالمراد به إذا تميزوا وهذا الحديث الذي ذكرناه من جواز بيانهم وقتل النساء والصبيان في البيات هو مذهبنا ومذهب مالك وأبي )

(12/49)


حنيفة والجمهور ومعنى البيات ويبيتون أن يغار عليهم بالليل بحيث لا يعرف الرجل من المرأة والصبي وأما الذراري فبتشديد الياء وتخفيفها لغتان التشديد أفصح وأشهر والمراد بالذراري هنا النساء والصبيان وفي هذا الحديث دليل لجواز البيات وجواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة من غير اعلامهم بذلك وفيه أن أولاد الكفار حكمهم في الدنيا حكم آبائهم وأما في الآخرة ففيهم إذا ماتوا قبل البلوغ ثلاثة مذاهب الصحيح أنهم في الجنة والثاني في النار والثالث لا يجزم فيهم بشيء والله أعلم
( باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها [ 1746 ] قوله ( حرق صلى الله عليه و سلم نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فأنزل الله تعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ) قوله حرق بتشديد الراء والبويرة بضم الباء الموحدة وهي موضع نخل بني النضير واللينة المذكورة في القرآن هي أنواع الثمر كلها إلا العجوة وقيل كرام النخل وقيل كل النخل وقيل كل الأشجار للينها وقد ذكرنا قبل هذا أن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعا وفي هذا الحديث جواز قطع شجر الكفار واحراقه وبه قال عبد الرحمن بن القاسم ونافع مولى بن عمر ومالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد واسحاق والجمهور وقال أبو بكر الصديق والليث بن سعد وأبو ثور والأوزاعي رضي الله عنه في رواية عنهم لا يجوز )

(12/50)


قوله ( وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير ...
( ) المستطير المنتشر والسراة بفتح السين أشراف القوم ورؤساؤهم والله أعلم )
( باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة [ 1747 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( غزا نبي من الأنبياء عليهم السلام فقال لقومه لا يتبعنى رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن ولا آخر قد بنى بنيانا ولما يرفع سقفها ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو منتظر ولادها ) أما البضع فهو بضم الباء وهو فرج المرأة وأما الخلفات فبفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وهي الحوامل وفي هذا الحديث أن الأمور المهمة ينبغي أن لا تفوض إلا إلى أولي الحزم وفراغ البال لها ولا تفوض إلى متعلق القلب بغيرها )

(12/51)


لأن ذلك يضعف عزمه ويفوت كمال بذل وسعه فيه قوله صلى الله عليه و سلم ( فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر ) هكذا هو في جميع النسخ فأدنى بهمزة قطع قال القاضي كذا هو في جميع النسخ فأدنى رباعي إما أن يكون تعدية لدنى أي قرب فمعناه أدنى جيوشه وجموعه للقرية وإما أن يكون أدنى بمعنى حان أي قرب فتحها من قولهم أدنت الناقة إذا حان نتاجها ولم يقولوه في غير الناقة قوله صلى الله عليه و سلم ( فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها على شيئا فحبست عليه حتى فتح الله القرية ) قال القاضي اختلف في حبس الشمس المذكور هنا فقيل ردت على أدراجها وقيل وقفت ولم ترد وقيل أبطئ بحركتها وكل ذلك من معجزات النبوة قال ويقال أن الذي حبست عليه الشمس يوشع بن نون قال القاضي رضي الله عنه وقد روى أن نبينا صلى الله عليه و سلم حبست له الشمس مرتين أحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت فردها الله عليه حتى صلى العصر ذكر ذلك الطحاوي وقال رواته ثقات والثانية صبيحة الاسراء حين انتظر العير التي أخبر بوصولها مع شروق الشمس ذكره يونس بن بكير في زيادته على سيرة بن إسحاق قوله صلى الله عليه و سلم ( فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال فيكم غلول ) هذه كانت عادة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في الغنائم أن يجمعوها فتجيء نار من السماء فتأكلها فيكون ذلك علامة لقبولها وعدم الغلول فلما جاءت في هذه المرة فأبت أن تأكلها علم أن فيهم غلولا فلما ردوه جاءت فأكلتها وكذلك كان أمر قربانهم إذا تقبل جاءت نار من

(12/52)


السماء فأكلته قوله صلى الله عليه و سلم ( فوضعوه في المال وهو بالصعيد ) يعني وجه الأرض وفي هذا الحديث إباحة الغنائم لهذه الأمة زادها الله شرفا وأنها مختصة بذلك والله أعلم
( باب الأنفال [ 1748 ] قوله ( عن مصعب بن سعد عن أبيه قال أخذ أبي من الخمس سيفا فأتى به النبي صلى الله عليه و سلم فقال هب لي هذا فأبى قال فأنزل الله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) فقوله عن أبيه قال أخذ أبي هو من تلوين الخطابي وتقديره عن مصعب بن سعد أنه حدث عن أبيه بحديث قال فيه قال أبي أخذت حكم الغنائم من الخمس سيفا إلى آخره قال القاضي يحتمل أن يكون هذا الحديث قبل نزول الآية واباحتها قال وهذا هو الصواب وعليه يدل الحديث وقد روى في تمامه ما بينه من كلام النبي صلى الله عليه و سلم لسعد بعد نزول الآية خذ سيفك إنك سألتنيه وليس لي ولا لك وقد جعله الله لي وجعلته لك قال واختلفوا في هذه الآية فقيل هي منسوخة بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول وأن مقتضى آية الأنفال والمراد بها أن الغنائم كانت للنبي صلى الله عليه و سلم خاصة كلها ثم جعل الله أربعة أخماسها للغانمين بالآية الأخرى وهذا قول بن عباس وجماعة وقيل هي محكمة وأن التنفيل من الخمس وقيل هي محكمة )

(12/53)


وللإمام أن ينفل من الغنائم ما شاء لمن شاء بحسب ما يراه وقيل محكمة مخصوصة والمراد أنفال السرايا قوله ( عن سعد قال نزلت في أربع آيات أصبت سيفا ) لم يذكر هنا من الأربع إلا هذه الواحدة وقد ذكر مسلم الأربع بعد هذا في كتاب الفضائل وهي بر الوالدين وتحريم الخمر ولا تطرد الذين يدعون ربهم وآية الأنفال قوله ( أأجعل كمن لا غناء له ) هو بفتح الغين وبالمد وهو الكفاية قوله ( فكانت سهمانهم اثنا عشر بعيرا ) هكذا هو في أكثر النسخ اثنا عشر وفي بعضها اثنى عشر وهذا ظاهر والأول أصح على لغة من يجعل المثنى بالألف سواء كان مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا وهي لغة أربع قبائل من العرب وقد كثرت في كلام العرب ومنها قوله تعالى إن هذان لساحران [ 1749 ] قوله ( فكانت سهمانهم اثنا عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا ونفلوا بعيرا ) بعيرا وفي رواية ونفلنا رسول الله صلى الله عليه و سلم بعيرا بعيرا فيه اثبات النفل وهو مجمع عليه واختلفوا في محل النفل هل هو من أصل الغنيمة أو من أربعة أخماسها أو من خمس الخمس وهي ثلاثة أقوال للشافعي وبكل منها قال جماعة من

(12/54)


العلماء والأصح عندنا أنه من خمس الخمس وبه قال بن المسيب ومالك وأبو حنيفة رضي الله عنهم وآخرون وممن قال أنه من أصل الغنيمة الحسن البصري والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وآخرون وأجاز النخعي أن تنفل السرية جميع ما غنمت دون باقي الجيش وهو خلاف ما قاله العلماء كافة قال أصحابنا ولو نفلهم الإمام من أموال بيت المال العتيد دون الغنيمة جاز والتنفيل إنما يكون لمن صنع صنعا جميلا في الحرب انفرد به وأما قول بن عمر رضي الله عنه نفلوا بعيرا بعيرا معناه أن الذين استحقوا النفل نفلوا بعيرا بعيرا إلا أن كل واحد من السرية نفل قال أهل اللغة والفقهاء الأنفال هي العطايا من الغنيمة غير السهم المستحق بالقسمة وأحدها نفل بفتح الفاء على المشهور وحكى اسكانها وأما قوله فكانت سهمانهم اثنا عشر بعيرا فمعناه سهم كل واحد منهم وقد قيل معناه سهمان جميع الغانمين اثنا عشر وهذا غلط فقد جاء في بعض روايات أبي داود وغيره أن الاثنى عشر بعيرا كانت سهمان كل واحد من الجيش والسرية ونفل السرية سوى هذا بعيرا بعيرا قوله ( ونفلوا بعيرا بعيرا ) وفي رواية نفلوا بعيرا فلم يغيره رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي رواية ونفلنا رسول الله صلى الله عليه و سلم بعيرا بعيرا والجمع بين هذه الروايات أن أمير السرية نفلهم فأجازه رسول الله صلى الله عليه و سلم فيجوز نسبته إلى كل واحد منهما

(12/55)


وفي هذا الحديث استحباب بعث السرايا وما غنمت تشترك فيه هي والجيش إن انفردت عن الجيش في بعض الطريق وأما إذا خرجت من البلد وأقام الجيش في البلد فتختص هي بالغنيمة ولا يشاركها الجيش وفيه اثبات التنفيل للترغيب في تحصيل مصالح القتال ثم الجمهور على أن التنفيل يكون في كل غنيمة سواء الأولى وغيرها وسواء غنيمة الذهب والفضة وغيرهما وقال الأوزاعي وجماعة من الشاميين لا ينفل في أول غنيمة

(12/56)


ولا ينفل ذهبا ولا فضة قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش والخمس في ذلك واجب كله ) قوله كله مجرور تأكيد لقوله في ذلك وهذا تصريح بوجوب الخمس في كل الغنائم ورد على من جهل فزعم أنه لا يجب فاغتر به بعض الناس وهذا مخالف للإجماع وقد أوضحت هذا في جزء جمعته في قسمة الغنائم حين دعت الضرورة إليه في أول سنة أربع وسبعين وستمائة والله أعلم
( باب استحقاق القاتل سلب القتيل [ 1751 ] قوله ( حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا هشيم عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد الأنصاري وكان جليسا لأبي قتادة قال قال أبو قتادة واقتص الحديث قال مسلم وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن يحيى عن عمر بن كثير عن أبي محمد مولى أبي قتادة أن أبا قتادة قال وساق الحديث قال مسلم وحدثنا أبو الطاهر واللفظ له أخبرنا عبد الله بن وهب قال سمعت مالك بن أنس يقول حدثني يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم عام حنين إلى آخره ) أعلم أن قوله في )

(12/57)


الطريق الأول واقتص الحديث وقوله في الثاني وساق الحديث يعني بهما الحديث المذكور في الطريق الثالث المذكور بعدهما وهو قوله وحدثنا أبو الطاهر وهذا غريب من عادة مسلم فاحفظ ما حققته لك فقد رأيت بعض الكتاب غلط فيه وتوهم أنه متعلق بالحديث السابق قبلهما كما هو الغالب المعروف من عادة مسلم حتى أن هذا المشار إليه ترجم له بابا مستقلا وترجم للطريق الثالث بابا آخر وهذا غلط فاحش فاحذره وإذا تدبرت الطرق المذكورة تيقنت ما حققته لك والله أعلم وإسم أبي محمد هذا نافع بن عباس الأقرع المدني الأنصاري مولاهم وفي هذا الحديث ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض وهم يحيى بن سعيد وعمر وأبو محمد قوله ( كانت للمسلمين جولة ) بفتح الجيم أي انهزام وخيفة ذهبوا فيه وهذا إنما كان في بعض الجيش وأما رسول الله صلى الله عليه و سلم وطائفة معه فلم يولوا والأحاديث الصحيحة بذلك مشهورة وسيأتي بيانها في مواضعها وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يقال انهزم النبي صلى الله عليه و سلم ولم يرو أحد قط أنه انهزم بنفسه صلى الله عليه و سلم في موطن من المواطن بل ثبتت الأحاديث الصحيحة بإقدامه وثباته صلى الله عليه و سلم في جميع المواطن قوله ( فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين ) يعني ظهر عليه وأشرف على قتله أو صرعه وجلس عليه لقتله قوله ( فضربته على حبل عاتقه ) هو ما بين العنق والكتف قوله ( فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ) يحتمل أنه أراد شدة كشدة الموت ويحتمل قاربت الموت قوله ( ثم أن الناس رجعوا وجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال من قتل قتيلا له عليه بينه فله سلبه ) اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال الشافعي ومالك والأوزاعي والليث والثوري وأبو ثور وأحمد وإسحاق وبن جرير وغيرهم يستحق القاتل سلب القتيل في جميع الحروب

(12/58)


سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أم لم يقل ذلك قالوا وهذه فتوى من النبي صلى الله عليه و سلم وإخبار عن حكم الشرع فلا يتوقف على قول أحد وقال أبو حنيفة ومالك ومن تابعهما رحمهم الله تعالى لا يستحق القاتل بمجرد القتل سلب القتيل بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة إلا أن يقول الأمير قبل القتال من قتل قتيلا فله سلبه وحملوا الحديث على هذا وجعلوا هذا إطلاقا من النبي صلى الله عليه و سلم وليس بفتوى وإخبار عام وهذا الذي قالوه ضعيف لأنه صرح في هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه و سلم قال هذا بعد الفراغ من القتال واجتماع الغنائم والله أعلم ثم أن الشافعي رضي الله عنه يشترط في استحقاقه أن يغزو بنفسه في قتل كافر ممتنع في حال القتال والأصح أن القاتل لو كان ممن له رضخ ولا سهم له كالمرأة والصبي والعبد استحق السلب وقال مالك رضي الله عنه لا يستحقه إلا المقاتل وقال الأوزاعي والشاميون لا يستحق السلب إلا في قتيل قتله قبل التحام الحرب فأما من قتل في التحام الحرب فلا يستحقه واختلفوا في تخميس السلب وللشافعي فيه قولان الصحيح منهما عند أصحابه لا يخمس وهو ظاهر الأحاديث وبه قال أحمد وبن جرير وبن المنذر وآخرون وقال مكحول ومالك والأوزاعي يخمس وهو قول ضعيف للشافعي وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه واسحاق وبن راهوية يخمس إذا كثر وعن مالك رواية اختارها إسماعيل القاضي أن الإمام بالخيار إن شاء خمسه وإلا فلا وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ) ففيه تصريح بالدلالة لمذهب الشافعي والليث ومن وافقهما من المالكية وغيرهم أن السلب لا يعطى إلا لمن له بينة بأنه قتله ولا يقبل قوله بغير بينة وقال مالك والأوزاعي يعطى بقوله بلا بينة قالا لأن النبي صلى الله عليه و سلم أعطاه السلب في هذا الحديث بقول واحد ولم يحلفه والجواب أن هذا محمول على أن النبي صلى الله عليه و سلم علم أنه القاتل بطريق من الطرق وقد صرح صلى الله عليه و سلم بالبينة فلا تلغى وقد يقول المالكي هذا مفهوم وليس هو بحجة عنده ويجاب بقوله صلى الله عليه و سلم

(12/59)


لو يعطى الناس بدعواهم لادعى الحديث فهذا الذي قدمناه هو المعتمد في دليل الشافعي رضي الله عنه وأما ما يحتج به بعضهم أن أبا قتادة إنما يستحق السلب باقرار من هو في يده فضعيف لأن الاقرار إنما ينفع إذا كان المال منسوبا إلى من هو في يده فيؤخذ باقراره والمال هنا منسوب إلى جميع الجيش ولا يقبل إقرار بعضهم على الباقين والله أعلم قوله ( قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله وعن رسوله صلى الله عليه و سلم فيعطيك سلبه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم صدق ) هكذا في جميع روايات المحدثين في الصحيحين وغيرهما لاها الله إذا بالألف وأنكر الخطابي هذا وأهل العربية وقالوا هو تغيير من الرواة وصوابه لاها الله ذا بغير ألف في أوله وقالوا وها بمعنى الواو التي يقسم بها فكأنه قال لا والله ذا قال أبو عثمان المازري رضي الله عنه معناه لاها الله ذا يميني أو ذا قسمي وقال أبو زيد ذا زائدة وفيها لغتان المد والقصر قالوا ويلزم الجر بعدها كما يلزم بعد الواو قالوا ولا يجوز الجمع بينهما فلا يقال لاها والله وفي هذا الحديث دليل على أن هذه اللفظة تكون يمينا قال أصحابنا إن نوى بها اليمين كانت يمينا وإلا فلا لأنها ليست متعارفة في الإيمان والله أعلم وأما قوله ( لا يعمد فضبطوه ) بالياء والنون وكذا قوله بعده فيعطيك بالياء والنون وكلاهما ظاهر وقوله ( يقاتل عن الله ورسوله أي يقاتل في سبيل الله نصرة لدين الله وشريعة رسوله صلى الله عليه و سلم ولتكون كلمة الله هي العليا ) وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصديق في افتائه بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم واستدلاله لذلك وتصديق النبي صلى الله عليه و سلم

(12/60)


في ذلك وفيه منقبة ظاهرة لأبي قتادة فإنه سماه أسدا من اسد الله تعالى يقاتل عن الله ورسوله وصدقه النبي صلى الله عليه و سلم وهذه منقبة جليلة من مناقبه وفيه أن السلب للقاتل لأنه أضافه إليه فقال يعطيك سلبه والله أعلم قوله ( فابتعت به مخرفا في بني سلمة ) أما بنو سلمة فبكسر اللام وأما المخرف فبفتح الميم والراء وهذا هوالمشهور وقال القاضي رويناه بفتح الميم وكسر الراء كالمسجد والمسكن بكسر الكاف والمراد بالمخرف هنا البستان وقيل السكة من النخل تكون صفين يخرف من أيها شاء أي يجتني وقال بن وهب هي الجنينة الصغيرة وقال غيره هي نخلات يسيرة وأما المخرف بكسر الميم وفتح الراء فهو الوعاء الذي يجعل فيه ما يجتني من الثمار ويقال اخترف الثمر إذا جناه وهو ثمر مخروف قوله ( فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام ) هو بالثاء المثلثة بعد الألف أي أقتنيته وتأصلته وأثلة الشيء أصله قوله ( لا تعطه أضيبع من قريش ) قال القاضي اختلف رواة كتاب مسلم في هذا الحرف على وجهين أحدهما رواية السمرقندي أصيبغ بالصاد المهملة والغين المعجمة والثاني رواية سائر الرواة أضييع بالضاد المعجمة والعين المهملة قال وكذلك اختلف فيه رواة البخاري فعلى الثاني هو تصغير ضبع على غير قياس كأنه لما وصف أبا قتادة بأنه أسد صغر هذا بالإضافة إليه وشبهه بالضبيع لضعف افتراسها وما توصف به من العجز والحمق وأما على الوجه الأول فوصفه به لتغير لونه وقيل حقره وذمه بسواد لونه وقيل معناه أنه صاحب لون غير محمود وقيل وصفه بالمهانة والضعف قال الخطابي الأصيبغ نوع

(12/61)


من الطير قال ويجوز أنه شبهه بنبات ضعيف يقال له الصيبغا أول ما يطلع من الأرض يكون مما يلي الشمس منه أصفر والله أعلم [ 1752 ] قوله ( تمنيت لو كنت بين أضلع منهما ) هكذا هو في جميع النسخ أضلع بالضاد المعجمة وبالعين وكذا حكاه القاضي عن جميع نسخ صحيح مسلم وهو الأصوب قال ووقع في بعض روايات البخاري أصلح بالصاد والحاء المهملتين قال وكذا رواه مسدد قلت وكذا وقع في حاشية بعض نسخ صحيح مسلم ولكن الأول أصح وأجود مع أن الاثنين صحيحان ولعله قالهما جميعا ومعنى أضلع أقوى قوله ( لا يفارق سوادي سواده ) أي شخصي شخصه قوله ( حتى يموت الأعجل منا ) أي لا أفارقه حتى يموت أحدنا وهو الأقرب أجلا قوله ( فلم أنشب إن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس ) معناه لم ألبث قوله يزول هو بالزاي والواو هكذا هو في جميع نسخ بلادنا وكذا رواه القاضي عن جماهير شيوخهم قال ووقع عند بعضهم عن بن ماهان يرفل بالراء والفاء قال والأول أظهر وأوجه ومعناه يتحرك ويزعج ولا يستقر على حالة ولا في مكان والزوال القلق قال فإن صحت الرواية الثانية فمعناه يسبل ثيابه ودرعه ويجره قوله صلى الله عليه و سلم ( أيكما قتله ) فقال كل واحد منهما أنا قتلته فقال هل مسحتما سيفيكما قالا لا فنظر في السيفين فقال كلا كما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والرجلان معاذ

(12/62)


بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال أصحابنا اشترك هذان الرجلان في جراحته لكن معاذ بن عمرو بن الجموح ثخنه أولا فاستحق السلب وإنما قال النبي صلى الله عليه و سلم كلا كما قتله تطييبا لقلب الآخر من حيث أن له مشاركة في قتله وإلا فالقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب وهو الاثخان واخراجه عن كونه متمنعا إنما وجد من معاذ بن عمرو بن الجموح فلهذا قضى له بالسلب قالوا وإنما أخذ السيفين ليستدل بهما على حقيقة كيفية قتلهما فعلم أن بن الجموح أثخنه ثم شاركه الثاني بعد ذلك وبعد استحقاقه السلب فلم يكن له حق في السلب هذا مذهب أصحابنا في معنى هذا الحديث وقال أصحاب مالك إنما أعطاه لأحدهما لأن الإمام مخير في السلب يفعل فيه ما شاء وقد سبق الرد على مذهبهم هذا والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء فهكذا رواه البخاري ومسلم من رواية يوسف بن الماجشون وجاء في صحيح البخاري أيضا من حديث ابراهيم بن سعد أن الذي ضربه ابنا عفراء وذكره أيضا من رواية بن مسعود وأن ابني عفراء ضرباه حتى برد وذكر ذلك مسلم بعد هذا وذكر غيرهما أن بن مسعود رضي الله عنه هو الذي أجهز عليه وأخذ رأسه وكان وجده وبه رمق وله معه خبر معروف قال القاضي هذا قول أكثر أهل السير قلت يحمل على أن الثلاثة اشتركوا في قتله وكان الاثخان من معاذ بن عمرو بن الجموح وجاء بن مسعود بعد ذلك وفيه رمق فحز رقبته وفي هذا الحديث من الفوائد 1 المبادرة إلى الخيرات 2 والاشتياق إلى الفضائل 3 وفيه الغضب لله ولرسوله صلى الله عليه و سلم وفيه أنه 4 ينبغي أن لا يحتقر أحد فقد يكون بعض من يستصغر عن القيام بأمر أكبر مما في النفوس وأحق ذلك الأمر كما جرى لهذين الغلامين واحتجت به المالكية في أن استحقاق القاتل السلب

(12/63)


يكفي فيه قوله بلا بينة وجواب أصحابنا عنه لعله صلى الله عليه و سلم علم ذلك ببينه أو غيرها قوله [ 1753 ] ( عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال قتل رجل من حمير رجلا من العدو فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم عوف بن مالك فأخبره فقال لخالد ما منعك أن تعطيه سلبه قال ! استكثرته يا رسول الله قال ادفعه إليه فمر خالد بعوف فجر بردائه فقال هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه و سلم فسمعه رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستغضب فقال لا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد هل أنتم تاركوا لي أمرائي إلى آخره ) هذه القضية جرت في غزوة موتة سنة ثمان كما بينه في الرواية التي بعد هذه وهذا الحديث قد يستشكل من حيث أن القاتل قد استحق السلب فكيف منعه إياه ويجاب عنه بوجهين أحدهما لعله أعطاه بعد ذلك للقاتل وإنما أخره تعزيرا له ولعوف بن مالك لكونهما أطلقا ألسنتهما في خالد رضي الله عنه وانتهكا حرمة الوالي ومن ولاه الوجه الثاني لعله استطاب قلب صاحبه فتركه صاحبه باختياره وجعله للمسلمين وكان المقصود بذلك استطابة قلب خالد رضي الله عنه للمصلحة في إكرام الأمراء قوله ( فاستغضب فقال لا تعطه يا خالد ) فيه جواز القضاء في حال الغضب ونفوذه وأن النهي للتنزيه لا للتحريم وقد سبقت المسألة في كتاب الاقضية قريبا واضحة قوله صلى الله عليه و سلم ( هل أنتم تاركوا إلى أمرائي ) هكذا هو في بعض النسخ تاركوا

(12/64)


بغير نون وفي بعضها تاركون بالنون وهذا هو الأصل والأول صحيح أيضا وهي لغة معروفة وقد جاءت بها أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه و سلم لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا وقد سبق بيانه في كتاب الإيمان قوله صلى الله عليه و سلم في صفة الأمراء والرعية ( فصفوه لكم يعني الرعية وكدره عليهم ) يعني على الأمراء قال أهل اللغة الصفو هنا بفتح الصاد لا غير وهو الخالص فإذا ألحقوه الهاء فقالوا الصفوة كانت الصاد مضمومة ومفتوحة ومكسورة ثلاث لغات ومعنى الحديث أن الرعية يأخذون صفو الأمور فتصلهم أعطياتهم بغير نكد وتبتلي الولاة بمقاساة الأمور وجمع الأموال على وجوهها وصرفها في وجوهها وحفظ الرعية والشفقة عليهم والذب عنهم وإنصاف بعضهم من بعض ثم متى وقع علقة أو عتب في بعض ذلك توجه على الأمراء دون الناس قوله ( غزوة مؤتة ) هي بضم الميم ثم همزة ساكنة ويجوز ترك الهمز كما في نظائره وهي قرية معروفة في طرف الشام عند الكرك قوله ( ورافقني مددي ) يعني رجل

(12/65)


من المدد والذين جاؤا يمدون جيش مؤتة ويساعدونهم [ 1754 ] قوله ( فبينا نحن نتضحى ) أي نتغذى مأخوذ من الضحاء بالمد وفتح الضاد وهو بعد امتداد النهار وفوق الضحى بالضم والقصر قوله ( ثم انتزع طلقا من حقبة ) أما الطلق فبفتح الطاء واللام وبالقاف وهو العقال من جلد وأما قوله من حقبه فهو بفتح الحاء والقاف وهو حبل الشد على حقو البعير قال القاضي لم يرو هذا الحرف إلا بفتح القاف قال وكان بعض شيوخنا يقول صوابه بإسكانها أي مما احتقب خلفه وجعله في حقيبته وهي الرفادة في مؤخر القتب ووقع هذا الحرف في سنن أبي داود حقوه وفسره مؤخره قال القاضي والأشبه عندي أن يكون حقوه في هذه الرواية حجزته وحزامه والحقو معقد الإزار من الرجل وبه سمي الإزار حقوا ووقع في رواية السمرقندي رضي الله عنه في مسلم من جعبته بالجيم والعين فإن صح ولم يكن تصحيفا فله وجه بأن علقه بجعبة سهامه وأدخله فيها قوله ( وفينا ضعفة ورقة ) ضبطوه على وجهين الصحيح المشهور ورواية الأكثرين بفتح الضاد واسكان العين أي حالة ضعف وهزال قال القاضي وهذا الوجه هو الصواب والثاني بفتح العين جمع ضعيف وفي بعض النسخ وفينا ضعف بحذف الهاء قوله ( خرج يشتد ) أي يعدو وقوله ( ثم أناخه فقعد عليه ثم أثاره ) أي ركبه ثم بعثه قائما قوله ( ناقة ورقاء ) أي في لونها

(12/66)


سواد كالغبرة قوله ( فاخترطت سيفى ) أي سللته قوله ( فضربت رأس الرجل فندر ) هو بالنون أي سقط قوله ( فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه و سلم والناس معه فقال من قتل الرجل قالوا بن الأكوع قال له سلبه أجمع ) فيه استقبال السرايا والثناء على من فعل جميلا وفيه قتل الجاسوس الكافر الحربي وهو كذلك بإجماع المسلمين وفي رواية النسائي أن النبي صلى الله عليه و سلم كان أمرهم بطلبه وقتله وأما الجاسوس المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي يصير ناقضا للعهد فإن رأى استرقاقه أرقه ويجوز قتله وقال جماهير العلماء لا ينتقض عهده بذلك قال أصحابنا إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك وأما الجاسوس المسلم فقال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء رحمهم الله تعالى يعزره الإمام بما يرى من ضرب وحبس ونحوهما ولا يجوز قتله وقال مالك رحمه الله تعالى يجتهد فيه الإمام ولم يفسر الاجتهاد وقال القاضي عياض رحمه الله قال كبار أصحابه يقتل قال واختلفوا في تركه بالتوبة قال الماجشون إن عرف بذلك قتل وإلا عزر وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي وموافقيه أن القاتل يستحق السلب وأنه لا يخمس وقد سبق إيضاح هذا كله وفيه استحباب مجانسة الكلام إذ لم يكن فيه تكلف ولا فوات مصلحة والله أعلم
( باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى [ 1755 ] قوله ( فلما كان بيننا وبين الماء ساعة ) هكذا رواه جمهور رواة صحيح مسلم وفي رواية بعضهم )

(12/67)


بيننا وبين الماء ساعة والصواب الأول قوله ( أمرنا أبو بكر رضي الله عنه فعرسنا ثم شن الغارة ) التعريس النزول آخر الليل وشن الغارة فرقها قوله ( وانظر إلى عنق من الناس ) أي جماعة قوله ( فيهم الذراري ) يعني النساء والصبيان قوله ( وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم ) هو بقاف ثم شين معجمة ساكنة ثم عين مهملة وفي القاف لغتان فتحها وكسرها وهما مشهورتان وفسره في الكتاب بالنطع وهو صحيح قوله ( فنفلني أبو بكر رضي الله عنه ابنتها ) فيه جواز التنفيل وقد يحتج به من يقول التنفيل من أصل الغنيمة وقد يجيب عنه الآخرون بأنه حسب قيمتها ليعوض أهل الخمس عن حصتهم قوله ( وما كشفت لها ثوبا ) فيه استحباب الكناية عن الوقاع بما يفهمه قوله صلى الله عليه و سلم ( يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك فقلت هي لك يا رسول الله فبعث بها رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أهل مكة ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة ) فيه جواز المفاداة وجواز فداء الرجال بالنساء الكافرات وفيه جواز التفريق

(12/68)


بين الأم وولدها البالغ ولا خلاف في جوازه عندنا وفيه جواز استيهاب الإمام أهل جيشه بعض ما غنموه ليفادى به مسلما أو يصرفه في مصالح المسلمين أو يتألف به من في تألفه مصلحة كما فعل صلى الله عليه و سلم هنا وفي غنائم حنين وفيه جواز قول الإنسان للآخر لله أبوك ولله درك وقد سبق تفسير معناه واضحا في أول الكتاب في كتاب الإيمان في حديث حذيفة في الفتنة التي تموج موج البحر
( باب حكم الفيء قوله [ 1756 ] صلى الله عليه و سلم ( أيما قرية أتيتموها أقمتم فيها فسهمكم فيها وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ولرسوله ثم هي لكم ) قال القاضي يحتمل أن يكون المراد بالأولى الفيء الذي لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب بل جلا عنه أهله أو صالحوا عليه فيكون سهمهم فيها أي حقهم من العطايا كما يصرف الفيء ويكون المراد بالثانية ما أخذ عنوة فيكون غنيمة يخرج منه الخمس وباقيه للغانمين وهو معنى قوله ثم هي لكم أي باقيها وقد يحتج من لم يوجب الخمس في الفيء بهذا الحديث وقد أوجب الشافعي الخمس في الفيء كما أوجبوه كلهم في الغنيمة وقال جميع العلماء سواه لا خمس في الفيء قال بن المنذر لا نعلم أحدا قبل الشافعي قال بالخمس في الفيء والله أعلم قوله [ 1757 ] ( حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد وأبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم حدثنا سفيان عن عمرو عن الزهري عن مالك بن أوس عن عمر ثم قال بعده وحدثنا يحيى بن )

(12/69)


يحيى أخبرنا سفيان بن عيينة عن معمر عن الزهري بهذا الإسناد وهكذا هو في كثير من النسخ وأكثرها عن عمرو عن الزهري عن مالك بن أوس وكذا ذكره خلف الواسطي في الأطراف وغيره وهو الصواب وسقط في كثير من النسخ ذكر الزهري في الإسناد الأول فقال عن عمرو عن مالك بن أوس وهذا غلط من بعض الناقلين عن مسلم قطعا لأنه قد قال في الإسناد الثاني عن الزهري بهذا الإسناد فدل على أنه قد ذكره في الإسناد الأول فالصواب إثباته قوله ( كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فكانت للنبي صلى الله عليه و سلم خاصة فكان ينفق على أهله نفقة سنة وما بقى جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله ) أما الكراع فهو الخيل وقوله ينفق على أهله نفقة سنة أي يعزل لهم نفقة سنة ولكنه كان ينفقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير فلا تتم عليه السنة ولهذا توفى صلى الله عليه و سلم ودرعه مرهونة على شعير استدانة لأهله ولم يشبع ثلاثة أيام تباعا وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بكثرة جوعه صلى الله عليه و سلم وجوع عياله وقوله كانت للنبي صلى الله عليه و سلم خاصة هذا يؤيد مذهب الجمهور أنه لا خمس في الفيء كما سبق وقد ذكرنا أن الشافعي أوجبه ومذهب الشافعي أن النبي صلى الله عليه و سلم كان له من الفيء أربعة أخماسه وخمس خمس الباقي فكان له أحد وعشرون سهما من خمسة وعشرين والأربعة الباقية لذوي القربى واليتامى والمساكين وبن السبيل ويتأول هذا الحديث على هذا فنقول قوله كانت أموال بني النضير أي معظمها وفي هذا الحديث جواز ادخار قوت سنة وجواز الادخار للعيال وأن هذا لا يقدح في التوكل وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته كما

(12/70)


جرى للنبي صلى الله عليه و سلم وأما إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخره لقوت عياله فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز بل يشتري مالا يضيق على المسلمين كقوت أيام أو شهر وإن كان في وقت سعة اشترى قوت سنة وأكثر هكذا نقل القاضي هذا التفصيل عن أكثر العلماء وعن قوم أباحته مطلقا وأما مالم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فالإيجاف الإسراع قوله ( فجئته حين تعالى النهار ) أي ارتفع وهو بمعنى متع النهار بفتح المثناة فوق كما وقع في رواية البخاري قوله ( فوجدته في بيته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله ) هو بضم الراء وكسرها وهو ما ينسج من سعف النخل ونحوه ليضطجع عليه وقوله مفضيا إلى رماله يعني ليس بينه وبين رماله شيء وإنما قال هذا لأن العادة أن يكون فوق الرمال فراش أو غيره قوله ( فقال لي يا مال ) هكذا هو في جميع النسخ يا مال وهو ترخيم مالك بحذف الكاف ويجوز كسر اللام وضمها وجهان مشهوران لأهل العربية فمن كسرها تركها على ما كانت ومن ضمها جعله اسما مستقلا قوله ( دف أهل أبيات من قومك ) الدف المشي بسرعة كأنهم جاؤوا مسرعين للضر الذي نزل بهم وقيل السير اليسير قوله ( وقد أمرت فيهم برضخ ) هو بإسكان الضاد بالخاء المعجمتين وهي العطية القليلة قوله ( فجاء يرفا ) هو بفتح المثناة تحت وإسكان الراء وبالفاء غير مهموز هكذا ذكره الجمهور ومنهم من همزه وفي سنن البيهقي في باب الفيء تسميه اليرفا بالألف واللام وهو حاجب

(12/71)


عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله ( اقض بيني وبين هذا الكاذب إلى آخره ) قال جماعة من العلماء معناه هذا الكاذب إن لم ينصف فحذف الجواب وقال القاضي عياض قال المازري هذا اللفظ الذي وقع لا يليق ظاهره بالعباس وحاش لعلي أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف فضلا عن كلها ولسنا نقطع بالعصمة إلا للنبي صلى الله عليه و سلم ولمن شهد له بها لكنا مأمورون بحسن الظن بالصحابة رضي الله عنهم أجمعين ونفى كل رذيلة عنهم وإذا انسدت طرق تأويلها نسبنا الكذب إلى رواتها قال وقد حمل هذا المعنى بعض الناس على أن أزال هذا اللفظ من نسخته تورعا عن إثبات مثل هذا ولعله حمل الوهم على رواته قال المازري وإذا كان هذا اللفظ لا بد من إثباته ولم نضف الوهم إلى رواته فأجود ما حمل عليه أنه صدر من العباس على جهة الادلال على بن أخيه لأنه بمنزلة ابنه وقال مالا يعتقده وما يعلم براءة ذمة بن أخيه منه ولعله قصد بذلك ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن قصد وأن عليا كان لا يراها إلا موجبة لذلك في اعتقاده وهذا كما يقول المالكي شارب النبيذ ناقص الدين والحنفي يعتقد أنه ليس بناقص فكل واحد محق في اعتقاده ولا بد من هذا التأويل لأن هذه القضية جرت في مجلس فيه عمر رضي الله عنه وهو الخليفة وعثمان وسعد وزبير وعبد الرحمن رضي الله عنهم ولم ينكر أحد منهم هذا الكلام مع تشددهم في إنكار المنكر وما ذلك إلا لأنهم فهموا بقرينة الحال أنه تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر قال المازري وكذلك قول عمر رضي الله عنه انكما جئتما أبا بكر فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا وكذلك ذكر عن نفسه أنهما رأياه كذلك وتأويل هذا على نحو ما سبق وهو أن المراد أنكما تعتقدان أن الواجب أن نفعل في هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر فنحن على مقتضى رأيكما لو أتينا ما أتينا ونحن معتقدان ما تعتقدانه لكنا بهذه الأوصاف أو يكون معناه أن الإمام إنما يخالف إذا كان على هذه الأوصاف

(12/72)


ويتهم في قضاياه فكان مخالفتكما لنا تشعر من رآها أنكم تعتقدان ذلك فينا والله أعلم قال المازري وأما الاعتذار عن علي والعباس رضي الله عنهما في أنهما ترددا إلى الخليفتين مع قوله صلى الله عليه و سلم لا نورث ما تركناه فهو صدقة وتقرير عمر رضي الله عنه أنهما يعلمان ذلك فأمثل ما فيه ما قاله بعض العلماء أنهما طلبا أن يقسماها بينهما نصفين ينفقان بها على حسب ما ينفعهما الإمام بها لو وليها بنفسه فكره عمر أن يوقع عليها اسم القسمة لئلا يظن لذلك مع تطاول الأزمان أنها ميراث وأنهما ورثاه لا سيما وقسمة الميراث بين البنت والعم نصفان فيلتبس ذلك ويظن أنهم تملكوا ذلك ومما يؤيد ما قلناه ما قاله أبو داود أنه لما صارت الخلافة إلى علي رضي الله عنه لم يغيرها عن كونها صدقة وبنحو هذا احتج السفاح فإنه لما خطب أول خطبة قام بها قام إليه رجل معلق في عنقه المصحف فقال أنشدك الله إلا ما حكمت بيني وبين خصمي بهذا المصحف فقال من هو خصمك قال أبو بكر في منعه فدك قال أظلمك قال نعم قال فمن بعده قال عمر قال أظلمك قال نعم وقال في عثمان كذلك قال فعلى ظلمك فسكت الرجل فأغلظ له السفاح قال القاضي عياض وقد تأول قوم طلب فاطمة رضي الله عنها ميراثها من أبيها علي أنها تأولت الحديث إن كان بلغها قوله صلى الله عليه و سلم لا نورث على الأموال التي لها بال فهي التي لا تورث لا ما يتركون من طعام وأثاث وسلاح وهذا التأويل خلاف ما ذهب إليه أبو بكر وعمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم وأما قوله صلى الله عليه و سلم ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فليس معناه ارثهن منه بل لكونهن محبوسات عن الأزواج بسببه أو لعظم حقهن في بيت المال لفضلهن وقدم هجرتهن وكونهن أمهات المؤمنين وكذلك اختصصن بمساكنهن لم يرثها ورثتهن قال القاضي عياض وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكر بعد احتجاجه عليها بالحديث التسليم للإجماع على قضية وأنها لما بلغها الحديث وبين لها التأويل تركت رأيها ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك طلب ميراث ثم ولى علي الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنه فدل على أن طلب علي والعباس إنما كان طلب تولي القيام بها بأنفسهما وقسمتها بينهما كما سبق قال وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر رضي الله عنه فمعناه انقباضها عن لقائه وليس هذا من الهجران المحرم الذي هو ترك السلام والإعراض عند اللقاء قوله في هذا الحديث ( فلم تكلمه ) يعني في هذا الأمر أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة ولا اضطرت إلى لقائه فتكلمه ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه

(12/73)


ولا كلمته قال وأما قول عمر جئتماني تكلماني وكلمتكما في واحدة جئت يا عباس تسألني نصيبك من بن أخيك وجاءني هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها فيه أشكال مع إعلام أبي بكر لهم قبل هذا الحديث وأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا نورث وجوابه أن كل واحد إنما طلب القيام وحده على ذلك ويحتج هذا بقربه بالعمومة وذلك بقرب امرأته بالبنوة وليس المراد أنهما طلبا ما علما منع النبي صلى الله عليه و سلم ومنعهما منه أبو بكر وبين لهما دليل المنع واعترفا له بذلك قال العلماء وفي هذا الحديث أنه ينبغي أن يولى أمر كل قبيلة سيدهم وتفوض إليه مصلحتهم لأنه أعرف بهم وأرفق بهم وأبعد من أن يأنفوا من الانقياد له ولهذا قال الله تعالى فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها وفيه جواز نداء الرجل باسمه من غير كنية وفيه جواز احتجاب المتولي في وقت الحاجة لطعامه أو وضوئه أو نحو ذلك وفيه جواز قبول خبر الواحد وفيه استشهاد الإمام على ما يقوله بحضرة الخصمين العدول لتقوى حجته في إقامة الحق وقمع الخصم والله أعلم قوله ( فقال عمر رضي الله عنه عنه اتئدا ) أي اصبرا وأمهلا قوله ( أنشدكم بالله ) أي أسألكم بالله مأخوذ من النشيد وهو رفع الصوت يقال أنشدتك ونشدتك بالله قوله صلى الله عليه و سلم ( لا نورث ما تركناه صدقة ) هو برفع صدقة وما بمعنى الذي أي الذي تركناه فهو صدقة وقد ذكر مسلم بعد حديث يحيى بن يحيى عن مالك من حديث عائشة رفعته لا نورث ما تركناه فهو صدقة وإنما نبهت على هذا لأن بعض جهلة الشيعة يصحفه قال العلماء والحكمة في أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يورثون أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته فيهلك ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثهم فيهلك الظان وينفر الناس عنهم

(12/74)


قوله ( أن الله كان خص رسول الله صلى الله عليه و سلم بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره قال الله تعالى ما أفاء الله على رسوله الآية ) ذكر القاضي في معنى هذا احتمالين أحدهما تحليل الغنيمة له ولأمته والثاني تخصيصه بالفيء إما كله أو بعضه كما سبق من اختلاف العلماء قال وهذا الثاني

(12/75)


أظهر لاستشهاد عمر على هذا بالآية قوله [ 1759 ] ( فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ستة أشهر ) أما هجرانها فسبق تأويله وأما كونها عاشت بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ستة أشهر فهو الصحيح المشهور وقيل ثمانية أشهر وقيل ثلاثة وقيل شهرين وقيل سبعين يوما فعلي الصحيح قالوا توفيت لثلاث مضين من شهر رمضان سنة إحدى عشرة قوله ( إن عليا دفن فاطمة رضي الله عنها ليلا ) فيه جواز الدفن ليلا وهو مجمع عليه لكن النهار أفضل إذا لم يكن عذر قوله ( وكان لعلي من الناس وجهة حياة فاطمة رضي الله عنها فلما توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته رضي الله عنهما ولم يكن بايع تلك الأشهر ) أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة فقد ذكره علي في هذا الحديث واعتذر أبو بكر رضي الله عنه ومع هذا فتأخره ليس بقادح في البيعة ولا فيه أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ولا كل أهل الحل والعقد وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له وأن لا يظهر خلافا ولا يشق لعصا وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته فإنه لم يظهر على أبي بكر خلافا ولا شق العصا ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر

(12/77)


المذكور في الحديث ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفا على حضوره فلم يجب عليه الحضور لذلك ولا لغيره فلما لم يجب لم يحضر وما نقل عنه قدح في البيعة ولا مخالفة ولكن بقى في نفسه عتب فتأخر حضوره إلى أن زال العتب وكان سبب العتب أنه مع وجاهته وفضيلته في نفسه في كل شيء وقربه من النبي صلى الله عليه و سلم وغير ذلك رأى أنه لا يستبد بأمر إلا بمشورته وحضوره وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحا لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه و سلم حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهم الأمور كيلا يقع نزاع في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك وليس لهم من يفصل الأمور فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء والله أعلم قوله ( فأرسل إلى أبي بكر رضي الله عنه أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد كراهية محضر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال عمر لأبي بكر رضي الله عنه والله لا تدخل عليهم وحدك ) أما كراهتهم لمحضر عمر فلما علموا من شدته وصدعه بما يظهر له فخافوا أن ينتصر لأبي بكر رضي الله عنه فيتكلم بكلام يوحش قلوبهم على أبي بكر وكانت قلوبهم قد طابت عليه وانشرحت له فخافوا أن يكون حضور عمر سببا لتغيرها وأما قول عمر لا تدخل عليهم وحدك فمعناه أنه خاف أن يغلظوا عليه في المعاتبة ويحملهم على الإكثار من ذلك لين أبي بكر وصبره عن الجواب عن نفسه وربما رأى من كلامهم ما غير قلبه فيترتب على ذلك مفسدة خاصة أو عامة وإذا حضر عمر امتنعوا من ذلك وأما كون عمر حلف ألا يدخل عليهم أبو بكر وحده فحنثه أبو بكر ودخل وحده ففيه دليل على أن إبرار القسم إنما يؤمر به الإنسان إذا أمكن

(12/78)


احتماله بلا مشقة ولا تكون فيه مفسدة وعلى هذا يحمل الحديث بإبرار القسم قوله ( ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ) هو بفتح الفاء يقال نفست عليه بكسر الفاء أنفس بفتحها نفاسة وهو قريب من معنى الحسد قوله ( وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الحق ) معنى شجر الاختلاف والمنازعة وقوله لم آل أي لم أقصر قوله ( فقال لأبي بكر موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقى على المنبر ) هو بكسر القاف يقال رقى يرقى كعلم يعلم والعشى بحذف الهاء هو من زوال الشمس ومنه الحديث صلى إحدى صلاتي العشى أما الظهر وأما العصر وفي هذا الحديث بيان صحة خلافة أبي بكر وانعقاد الإجماع عليها

(12/79)


قوله ( كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه ) معناه ما يطرأ عليه من الحقوق الواجبة والمندوبة ويقال عروته واعتريته وعررته واعتررته إذا أتيته تطلب منه حاجة [ 1760 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا تقسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة ) قال العلماء هذا التقييد بالدينار هو من باب التنبيه على ما سواه كما قال الله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وقال تعالى ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤده إليك قالوا وليس المراد بهذا اللفظ النهي لأنه إنما ينهى عما يمكن وقوعه وارثه صلى الله عليه و سلم غير ممكن وإنما هو بمعنى الأخبار ومعناه لا يقتسمون شيئا لأني لا أورث هذا هو الصحيح المشهور من مذاهب العلماء في معنى الحديث وبه قال جماهيرهم وحكى القاضي عن بن علية وبعض أهل البصرة أنهم قالوا إنما لم يورث لأن الله تعالى خصه أن جعل ماله كله صدقة والصواب الأول وهو الذي يقتضيه سياق الحديث ثم أن جمهور العلماء على أن جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لا يورثون وحكى القاضي عن الحسن البصري أنه قال عدم الإرث بينهم مختص بنبينا صلى الله عليه و سلم لقوله تعالى عن زكريا يرثني ويرث من آل يعقوب وزعم أن المراد وراثة المال وقال ولو أراد وراثة النبوة لم يقل وإني خفت الموالي من ورائي إذ لا يخاف الموالي على النبوة ولقوله تعالى وورث سليمان داود والصواب ما حكيناه عن الجمهور أن جميع الأنبياء لا يورثون والمراد بقصة زكريا وداود وراثة النبوة وليس المراد حقيقة الإرث بل قيامه مقامه وحلوله مكانه والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( ومؤنة عاملي

(12/81)


فقيل هو القائم على هذه الصدقات والناظر فيها وقيل كل عامل للمسلمين من خليفة وغيره لأنه عامل النبي صلى الله عليه و سلم ونائب عنه في أمته وأما مؤنة نسائه صلى الله عليه و سلم فسبق بيانها قريبا والله أعلم قال القاضي عياض رضي الله عنه في تفسير صدقات النبي صلى الله عليه و سلم المذكورة في هذه الأحاديث قال صارت إليه بثلاثة حقوق أحدها ما وهب له صلى الله عليه و سلم وذلك وصية مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد وكانت سبع حوائط في بني النضير وما أعطاه الأنصار من أرضهم وهو مالا يبلغه الماء وكان هذا ملكا له صلى الله عليه و سلم الثاني حقه من الفيء من أرض بني النضير حين أجلاهم كانت له خاصة لأنها لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب وأما منقولات بني النضير فحملوا منها ما حملته الإبل غير السلاح كما صالحهم ثم قسم صلى الله عليه و سلم الباقي بين المسلمين وكانت الأرض لنفسه ويخرجها في نوائب المسلمين وكذلك نصف أرض فدك صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها وكان خالصا له وكذلك ثلث أرض وادي القرى أخذه في الصلح حين صالح أهلها اليهود وكذلك حصنان من حصون خيبر وهما الوطيخ والسلالم أخذهما صلحا الثالث سهمه من خمس خيبر وما افتتح فيها عنوة فكانت هذه كلها ملكا لرسول الله صلى الله عليه و سلم خاصة لا حق فيها لأحد غيره لكنه صلى الله عليه و سلم كان لا يستأثر بها بل ينفقها على أهله والمسلمين وللمصالح العامة وكل هذه صدقات محرمات التملك بعده والله أعلم

(12/82)


( باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين قوله [ 1762 ] ( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قسم في النفل للفرس سهمين ) هكذا هو في أكثر الروايات للفرس سهمين وللرجل سهما وفي بعضها للفرس سهمين وللراجل سهما بالألف في الراجل وفي بعضها للفارس سهمين والمراد بالنفل هنا الغنيمة وأطلق عليها اسم النفل لكونها تسمى نفلا لغة فإن النفل في اللغة الزيادة والعطية وهذه عطية من الله تعالى فإنها أحلت لهذه الأمة دون غيرها واختلف العلماء في سهم الفارس والراجل من الغنيمة فقال الجمهور يكون للراجل سهم واحد وللفارس ثلاثة أسهم سهمان بسبب فرسه وسهم بسبب نفسه ممن قال بهذا بن عباس ومجاهد والحسن وبن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وبن جرير وآخرون وقال أبو حنيفة للفارس سهمان فقط سهم لها وسهم له قالوا ولم يقل بقوله هذا أحد إلا ما روى عن علي وأبي موسى وحجة الجمهور هذا الحديث وهو صريح على رواية من روى للفرس سهمين وللرجل سهما بغير ألف في الرجل وهي رواية الأكثرين ومن روى وللراجل روايته محتملة فيتعين حملها على موافقة الأولى جمعا بين الروايتين قال أصحابنا وغيرهم ويرفع هذا الاحتمال ما ورد مفسرا في غير هذه الرواية في حديث بن عمر هذا من رواية أبي معاوية وعبد الله بن نمير وأبي أسامة وغيرهم بإسنادهم عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه ومثله من رواية بن عباس وأبي عمرة الأنصاري رضي الله عنه والله أعلم ولو حضر بأفراس لم يسهم إلا لفرس واحد هذا مذهب الجمهور منهم الحسن ومالك وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن رضي الله عنهم وقال الأوزاعي والثوري والليث وأبو يوسف رضي الله عنهم يسهم لفرسين ويروي مثله أيضا عن الحسن ومكحول ويحيى الأنصاري وبن وهب وغيره من المالكيين قالوا ولم يقل أحد أنه يسهم لأكثر من فرسين إلا شيئا روي عن سليمان بن موسى أنه يسهم والله أعلم )

(12/83)


( باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم قوله [ 1763 ] ( لما كان يوم بدر ) أعلم أن بدرا هو موضع الغزوة العظمى المشهورة وهو ماء معروف وقرية عامرة على نحو أربع مراحل من المدينة بينها وبين مكة قال بن قتيبة بدر بئر كانت لرجل يسمى بدرا فسميت باسمه قال أبو اليقظان كانت لرجل من بني غفار وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة وروى الحافظ أبو القاسم بإسناده في تاريخ دمشق فيه ضعفاء أنها كانت يوم الاثنين قال الحافظ والمحفوظ أنها كانت يوم الجمعة وثبت في صحيح البخاري عن بن مسعود أن يوم بدر كان يوما حارا قوله ( فاستقبل نبي الله صلى الله عليه و سلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم انجزلي ما وعدتني ) أما يهتف فبفتح أوله وكسر التاء المثناة فوق بعد الهاء ومعناه يصيح ويستغيث بالله بالدعاء وفية أستحباب استقبال القبلة في الدعاء ورفع اليدين فيه وأنة لابأس برفع الصوت في الدعاء قوله صلى الله عليه و سلم ( اللهم أنك أن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض )

(12/84)


ضبطوه تهلك بفتح التاء وضمها فعلى الأول ترفع العصابة على أنها فاعل وعلى الثاني تنصب تكون مفعولة والعصابة الجماعة قوله ( كذاك مناشدتك ربك ) المناشدة السؤال مأخوذة من النشيد وهو رفع الصوت هكذا وقع لجماهير رواة مسلم كذاك بالذال ولبعضهم كفاك بالفاء وفي رواية البخاري حسبك مناشدتك ربك وكل بمعنى وضبطوا مناشدتك بالرفع والنصب وهو الأشهر قال القاضي من رفعه جعله فاعلا بكفاك ومن نصبه فعلى المفعول بما في حسبك وكفاك وكذاك من معنى الفعل من الكف قال العلماء هذه المناشدة إنما فعلها النبي صلى الله عليه و سلم ليراه أصحابه بتلك الحال فتقوى قلوبهم بدعائه وتضرعه مع أن الدعاء عبادة وقد كان وعده الله تعالى إحدى الطائفتين أما العير وأما الجيش وكانت العير قد ذهبت وفاتت فكان على ثقة من حصول الأخرى لكن سأل تعجيل ذلك وتنجيزه من غير أذى يلحق المسلمين قوله تعالى أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين أي معينكم والإمداد الإعانة ومردفين متتابعين وقيل غير ذلك قوله ( أقدم حيزوم ) هو بحاء مهملة مفتوحة ثم مثناه تحت ساكنة ثم زاي مضمومة ثم واو ثم ميم قال القاضي وقع في رواية العذري حيزون بالنون والصواب الأول وهو المعروف لسائر الرواة والمحفوظ وهو اسم فرس الملك وهو منادى بحذف حرف النداء أي يا حيزوم وأما أقدم فضبطوه بوجهين أصحهما وأشهرهما ولم يذكر بن دريد وكثيرون أو الأكثرون غيره أنه بهمزة قطع مفتوحة وبكسر الدال من الإقدام قالوا وهي كلمة زجر

(12/85)


للفرس معلومة في كلامهم والثاني بضم الدال وبهمزة وصل مضمومة من التقدم قوله ( فإذا هو قد خطم أنفه ) الخطم الأثر على الأنف وهو بالخاء المعجمة قوله ( هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها ) يعني أشرافها الواحد صنديد بكسر الصاد والضمير في صناديدها يعود على أئمة الكفر أو مكة قوله ( فهوى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قال أبو بكر ) هو بكسر الواو أي أحب ذلك واستحسنه يقال هوى الشيء بكسر الواو يهوى بفتحها هوى والهوى المحبة قوله ( ولم يهو ما قلت ) هكذا هو في بعض النسخ ولم يهو وفي كثير منها ولم يهوى بالياء وهي لغة قليلة بإثبات الباء مع الجازم ومنه قراءة من قرأ أنه من يتقي ويصبر بالياء ومنه قول الشاعر

(12/86)


ألم يأتيك والأنباء تنمى وقوله تعالى حتى يثخن في الأرض أي يكثر القتل والقهر في العدو
( باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه قوله [ 1764 ] ( فجاء رجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سوارى المسجد ) أما أثال فبضم الهمزة وبثاء مثلثة وهو مصروف وفي هذا جواز ربط الأسير وحبسه وجواز إدخال المسجد الكافر ومذهب الشافعي جوازه بإذن مسلم سواء كان الكافر كتابيا أو غيره وقال عمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك لا يجوز وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يجوز لكتابي دون غيره ودليلنا على الجميع هذا الحديث وأما قوله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام فهو خاص بالحرم ونحن نقول لا يجوز إدخاله الحرم والله أعلم قوله ( أن تقتل تقتل ذا دم ) اختلفوا في معناه )

(12/87)


فقال القاضي عياض في المشارق وأشار إليه في شرح مسلم معناه أن تقتل تقتل صاحب دم لدمه موقع يشتفى بقتله قاتله ويدرك قاتله به ثأره أي لرياسته وفضيلته وحذف هذا لأنهم يفهمونه في عرفهم وقال آخرون معناه تقتل من عليه دم ومطلوب به وهو مستحق عليه فلا عتب عليك في قتله ورواه بعضهم في سنن أبي داود وغيره ذا ذم بالذال المعجمة وتشديد الميم أي ذا ذمام وحرمة في قومه ومن إذا عقد ذمة وفي بها قال القاضي هذه الرواية ضعيفة لأنها تقلب المعنى فإن من له حرمة لا يستوجب القتل قلت ويمكن تصحيحها على معنى التفسير الأول أي تقتل رجلا جليلا يحتفل قاتله بقتله بخلاف ما إذا قتل ضعيفا مهينا فإنه لا فضيلة في قتله ولا يدرك به قاتله ثأره قوله صلى الله عليه و سلم ( أطلقوا ثمامة ) فيه جواز المن على الأسير وهو مذهبنا ومذهب الجمهور قوله ( فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ) قال أصحابنا إذا أراد الكافر الإسلام بادر به ولا يؤخره للاغتسال ولا يحل لأحد أن يأذن له في تأخيره بل يبادر به ثم يغتسل ومذهبنا أن اغتساله واجب إن كان عليه جنابة في الشرك سواء كان اغتسل منها أم لا وقال بعض أصحابنا إن كان اغتسل أجزأه وإلا وجب وقال بعض أصحابنا وبعض المالكية لا غسل عليه ويسقط حكم الجنابة بالإسلام كما تسقط الذنوب وضعفوا هذا بالوضوء فإنه يلزمه بالإجماع ولا يقال يسقط أثر الحدث بالإسلام هذا كله إذا كان أجنب في الكفر أما إذا لم يجنب أصلا ثم أسلم فالغسل مستحب له وليس بواجب هذا مذهبنا ومذهب مالك وآخرين وقال أحمد وآخرون يلزمه الغسل قوله ( فانطلق إلى نخل قريب من المسجد ) هكذا هو في البخاري ومسلم وغيرهما نخل بالخاء

(12/88)


المعجمة وتقديره انطلق إلى نخل فيه ماء فاغتسل منه قال القاضي قال بعضهم صوابه نجل بالجيم وهو الماء القليل المنبعث وقيل الجاري قلت بل الصواب الأول لأن الروايات صحت به ولم يرو إلا هكذا وهو صحيح ولا يجوز العدول عنه قوله صلى الله عليه و سلم ( ما عندك يا ثمامة ) وكرر ذلك ثلاثة أيام هذا من تأليف القلوب وملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير قوله ( وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى فبشره رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمره أن يعتمر ) يعني بشره بما حصل له من الخير العظيم بالإسلام وأن الإسلام يهدم ما كان قبله وأما أمره بالعمرة فاستحباب لأن العمرة مستحبة في كل وقت لا سيما من هذا الشريف المطاع إذا أسلم وجاء مراغما لأهل مكة فطاف وسعى وأظهر إسلامه وأغاظهم بذلك والله أعلم قوله ( قال له قائل أصبوت ) هكذا هو في الأصول أصبوت وهي لغة والمشهور أصبأت بالهمز وعلى

(12/89)


الأول جاء قولهم الصباة كقاض وقضاة قوله في حديث بن المثنى ( إلا أنه قال أن تقتلني تقتل ذا دم ) هكذا في النسخ المحققة أن تقتلني بالنون والياء في آخرها وفي بعضها بحذفها وهو فاسد لأنه يكون حينئذ مثل الأول فلا يصح استثناؤه
( باب إجلاء اليهود من الحجاز قوله صلى [ 1765 ] الله عليه وسلم لليهود ( أسلموا تسلموا فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك أريد ) معناه أريد أن تعترفوا أني بلغت وفي هذا الحديث استحباب تجنيس الكلام وهو من بديع الكلام وأنواع الفصاحة وأما أخراجه صلى الله عليه و سلم اليهود من المدينة فقد سبق بيانه واضحا في آخر كتاب الوصايا قوله صلى الله عليه و سلم ( الأرض لله ورسوله ) معناه ملكها والحكم فيها وإنما قال لهم هذا لأنهم حاربوا رسول الله صلى الله عليه و سلم )

(12/90)


كما ذكره بن عمر في روايته التي ذكرها مسلم بعد هذه [ 1766 ] قوله ( عن بن عمر أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأجلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بني النضير وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساؤهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين ) في هذا أن المعاهد والذمي إذا نقض العهد صار حربيا وجرت عليه أحكام أهل الحرب وللإمام سبى من أراد منهم وله المن على من أراد وفيه أنه إذا من عليه ثم ظهرت منه محاربة انتقض عهده وإنما ينفع المن فيما مضى لا فيما يستقبل وكانت قريظة في أمان ثم حاربوا النبي صلى الله عليه و سلم ونقضوا العهد وظاهروا قريشا على قتال النبي صلى الله عليه و سلم قال الله تعالى وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا إلى آخر الآية الأخرى قوله ( يهود بني قينقاع ) هو بفتح القاف ويقال بضم النون وفتحها وكسرها ثلاث لغات مشهورات

(12/91)


( باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن ( على حكم حاكم عدل أهل للحكم ) [ 1768 ] قوله ( نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ ) فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام وقد أجمع العلماء عليه ولم يخالف فيه إلا الخوارج فإنهم أنكروا على علي التحكيم وأقام الحجة عليهم وفيه جواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل صالح للحكم أمين على هذا الأمر وعليه الحكم بما فيه مصلحة للمسلمين وإذا حكم بشيء لزم حكمه ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع عنه ولهم الرجوع قبل الحكم والله أعلم قوله ( فأرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم )

(12/92)


إلى سعد فأتاه على حمار فلما دنا قريبا من المسجد ) قال القاضي عياض قال بعضهم قوله دنا من المسجد كذا هو في البخاري ومسلم من رواية شعبة وأراه وهما إن كان أراد مسجد النبي صلى الله عليه و سلم لأن سعد بن معاذ جاء منه فإنه كان فيه كما صرح به في الرواية الثانية وإنما كان النبي صلى الله عليه و سلم حين أرسل إلى سعد نازلا على بني قريظة ومن هناك أرسل إلى سعد ليأتيه فإن كان الراوي أراد مسجدا اختطه النبي صلى الله عليه و سلم هناك كان يصلي فيه مدة مقامه لم يكن وهما قال والصحيح ما جاء في غير صحيح مسلم قال فلما دنا من النبي صلى الله عليه و سلم أو فلما طلع على النبي صلى الله عليه و سلم كذا وقع في كتاب بن أبي شيبة وسنن أبي داود فيحتمل أن المسجد تصحيف من لفظ الراوي والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( قوموا إلى سيدكم أو خيركم ) فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام قال القاضي وليس هذا من القيام المنهي عنه وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياما طول جلوسه قلت القيام للقادم من أهل الفضل مستحب وقد جاء فيه أحاديث ولم يصح في النهي عنه شيء صريح وقد جمعت كل ذلك مع كلام العلماء عليه في جزء وأجبت فيه عما توهم النهي عنه والله أعلم قال القاضي واختلفوا في الذين عناهم النبي صلى الله عليه و سلم بقوله قوموا إلى سيدكم هل هم الأنصار خاصة أم جميع من حضر من المهاجرين معهم قوله صلى الله عليه و سلم لسعد بن معاذ ( أن هؤلاء نزلوا على حكمك ) وفي الرواية الأخرى قال فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم فرد رسول الله صلى الله عليه و سلم الحكم فيهم إلى سعد قال القاضي يجمع بين الروايتين بأنهم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم فرضوا برد الحكم إلى سعد فنسب إليه قال والأشهر أن الأوس طلبوا من النبي صلى الله عليه و سلم العفو عنهم لأنهم كانوا حلفاءهم فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم أما ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم يعني من الأوس يرضيهم بذلك فرضوا به فرده إلى سعد بن معاذ الأوسي قوله ( وسبى ذريتهم ) سبق أن الذرية تطلق على النساء والصبيان معا قوله صلى الله عليه و سلم ( لقد

(12/93)


حكمت بحكم الملك ) الرواية المشهورة الملك بكسر اللام وهو الله سبحانه وتعالى وتؤيدها الروايات التي قال فيها لقد حكمت فيهم بحكم الله قال القاضي رويناه في صحيح مسلم بكسر اللام بغير خلاف قال وضبطه بعضهم في صحيح البخاري بكسرها وفتحها فإن صح الفتح فالمراد به جبريل عليه السلام وتقديره بالحكم الذي جاء به الملك عن الله تعالى [ 1769 ] قوله ( رماه رجل من قريش يقال له بن العرقة ) هو بعين مهملة مفتوحة ومكسورة ثم قاف قال القاضي قال أبو عبيد هي أمه قال بن الكلبي اسم هذا الرجل حبان بكسر الحاء بن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب قال واسم العرقة قلابة بقاف مكسورة وباء موحدة بنت سعد بن سهل بن عبد مناف بن الحارث وسميت بالعرقة لطيب ريحها وكنيتها أم فاطمة والله أعلم قوله ( رماه في الأكحل ) قال العلماء هو عرق معروف قال الخليل إذا قطع في اليد لم يرقأ الدم وهو عرق الحياة في كل عضو منه شعبة لها اسم قوله ( فضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم خيمة في المسجد

(12/94)


فيه جواز النوم في المسجد وجواز مكث المريض فيه وإن كان جريحا قوله ( أن سعدا تحجر كلمه للبرء ) الكلم بفتح الكاف الجرح وتحجر أي يبس قوله ( فإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها ) هذا ليس من تمنى الموت المنهي عنه لأن ذلك فيمن تمناه لضر نزل به وهذا إنما تمنى انفجارها ليكون شهيدا قوله ( فانفجرت من لبته ) هكذا هو في أكثر الأصول المعتمدة لبته بفتح اللام وبعدها باء موحدة مشددة مفتوحة وهي النحر وفي بعض الأصول من ليته بكسر اللام وبعدها ياء مثناة من تحت ساكنة والليت صفحة العنق وفي بعضها من ليلته قال القاضي قالوا وهو الصواب كما اتفقوا عليه في الرواية التي بعد هذه قوله

(12/95)


( فلم يرعهم ) أي لم يفجأهم ويأتيهم بغتة قوله ( فإذا سعد جرحه يغذ دما ) هكذا هو في معظم الأصول المعتمدة يغذ بكسر الغين المعجمة وتشديد الذال المعجمة أيضا ونقله القاضي عن جمهور الرواة وفي بعضها يغذ بإسكان الغين وضم الذال المعجمة وكلاهما صحيح ومعناه يسيل يقال غذ الجرح يغذ إذا دام سيلانه وغذا يغذو سال كما قال في الرواية الأخرى فما زال يسيل حتى مات قوله في الشعر ( ألا يا سعد سعد بني معاذ ... فما فعلت قريظة والنضير ...
( ) هكذا هو في معظم النسخ وكذا حكاه القاضي عن المعظم وفي بعضها لما فعلت باللام بدل الفاء وقال وهو الصواب والمعروف في السير قوله ... ( تركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور )
) هذا مثل لعدم الناصر وأراد بقوله تركتم قدركم الأوس لقلة حلفائهم فإن حلفاءهم قريظة وقد قتلوا وأراد بقوله وقدر القوم حامية تفور الخروج لشفاعتهم في حلفائهم بني قينقاع حتى من عليهم

(12/96)


النبي صلى الله عليه و سلم وتركهم بعبد الله بن أبي بن سلول وهو أبو حباب المذكور في البيت الآخر قوله ( كما ثقلت بميطان الصخور ) هو اسم جبل من أرض أجاز في ديار بني مزينة وهو بفتح الميم على المشهور وقال أبو عبيد البكري وجماعة هو بكسرها وبعدها ياء مثناة تحت وآخره نون هذا هو الصحيح المشهور ووقع في بعض نسخ مسلم بميطار بالراء قال القاضي وفي رواية بن ماهان بحيطان بالحاء مكان الميم والصواب الأول قال وإنما قصد هذا الشاعر تحريض سعد على استبقاء بني قريظة حلفائه ويلومه على حكمه فيهم ويذكره بفعل عبد الله بن أبي ويمدحه بشفاعته في حلفائهم بني قينقاع
( باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين قوله [ 1770 ] ( نادى فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم انصرف عن الأحزاب أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة وقال آخرون لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم وإن فاتنا الوقت فما عنف واحدا من الفريقين ) هكذا رواه مسلم لا يصلين أحد الظهر ورواه البخاري في باب صلاة الخوف من رواية بن عمر )

(12/97)


أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لنا لما رجع من الأحزاب لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق وقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي ولم يرد ذلك منا فذكر ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فلم يعنف واحدا منهم أما جميعهم بين الروايتين في كونها الظهر والعصر فمحمول على أن هذا الأمر كان بعد دخول وقت الظهر وقد صلى الظهر بالمدينة بعضهم دون بعض فقيل للذين لم يصلوا الظهر لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة وللذين صلوا بالمدينة لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة ويحتمل أنه قيل للجميع ولا تصلوا العصر ولا الظهر إلا في بني قريظة ويحتمل أنه قيل للذين ذهبوا أولا لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة وللذين ذهبوا بعدهم لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة والله أعلم وأما اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في المبادرة بالصلاة عند ضيق وقتها وتأخيرها فسببه أن أدلة الشرع تعارضت عندهم بأن الصلاة مأمور بها في الوقت مع أن المفهوم من قول النبي صلى الله عليه و سلم لا يصلين أحد الظهر أو العصر إلا في بني قريظة المبادرة بالذهاب إليهم وأن لا يشتغل عنه بشيء لا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه من حيث أنه تأخير فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظرا إلى المعنى لا إلى اللفظ فصلوا حين خافوا فوت الوقت وأخذ آخرون بظاهر اللفظ وحقيقته فأخروها ولم يعنف النبي صلى الله عليه و سلم واحدا من الفريقين لأنهم مجتهدون ففيه دلالة لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى ولمن يقول بالظاهر أيضا وفيه أنه لا يعنف المجتهد فيما فعله باجتهاده إذا بذل وسعه في الاجتهاد وقد يستدل به على أن كل مجتهد مصيب وللقائل الآخر أن يقول لم يصرح بإصابة الطائفتين بل ترك تعنيفهم ولا خلاف في ترك تعنيف المجتهد وإن أخطأ إذا بذل وسعه في الاجتهاد والله أعلم
( باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر ( حين استغنوا عنها بالفتوح ) قوله [ 1771 ] ( لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس بأيديهم شئ وكان الأنصار أهل الأرض )

(12/98)


والعقار فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام ويكفوهم العمل والمؤنة ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه و سلم لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم قال العلماء لما قدم المهاجرون آثرهم الأنصار بمنائح من أشجارهم فمنهم من قبلها منيحة محضة ومنهم من قبلها بشرط أن يعمل في الشجر والأرض وله نصف الثمار ولم تطب نفسه أن يقبلها منيحة محضة هذا لشرف نفوسهم وكراهتهم أن يكونوا كلا وكان هذا مساقاة وفي معنى المساقاة فلما فتحت عليهم خيبر استغنى المهاجرون بأنصبائهم فيها عن تلك المنائح فردوها إلى الأنصار ففيه فضيلة ظاهرة للأنصار في مواساتهم وإيثارهم وما كانوا عليه من حب الإسلام واكرام أهله وأخلاقهم الجميلة ونفوسهم الطاهرة وقد شهد الله تعالى لهم بذلك فقال تعالى والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم الآية قوله ( وكان الأنصار أهل الأرض والعقار ) أراد بالعقار هنا النخل قال الزجاج العقار كل ماله أصل قال وقيل أن النخل خاصة يقال له العقار قوله ( وكانت أعطت أم أنس رسول الله صلى الله عليه و سلم عذاقا لها ) هو بكسر العين جمع عذق بفتحها وهي النخلة ككلب وكلاب وبئر وبئار قوله ( فأعطاها رسول الله صلى الله عليه و سلم أم أيمن ) هذا دليل لما قدمنا عن العلماء أنه لم يكن كل ما أعطت الأنصار على المساقاة بل كان فيه ما هو منيحة ومواساة

(12/99)


وهذا منه وهو محمول على أنها أعطته صلى الله عليه و سلم ثمارها يفعل فيها ما شاء من أكله بنفسه وعياله وضيفه وإيثاره بذلك لمن شاء فلهذا آثر بها أم أيمن ولو كانت إباحة له خاصة لما أباحها لغيره لأن المباح له بنفسه لا يجوز له أن يبيح ذلك الشيء لغيره بخلاف الموهوب له نفس رقبة الشيء فإنه يتصرف فيه كيف شاء قوله ( رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم ) هذا دليل على أنها كانت منائح ثمار أي إباحة للثمار لا تمليك لا رقاب النخل فإنها لو كانت هبة لرقبة النخل لم يرجعوا فيها فإن الرجوع في الهبة بعد القبض لا يجوز وإنما كانت إباحة كما ذكرنا والإباحة يجوز الرجوع فيها متى شاء ومع هذا لم يرجعوا فيها حتى اتسعت الحال على المهاجرين بفتح خيبر واستغنوا عنها فردوها على الأنصار فقبلوها وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لهم ذلك قوله ( قال بن شهاب وكان من شأن أم أيمن أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب وكانت من الحبشة ) هذا تصريح من بن شهاب أن أم أيمن أم أسامة بن زيد حبشية وكذا قاله الواقدي وغيره ويؤيده ما ذكره بعض المؤرخين أنها كانت من سبي الحبشة أصحاب الفيل وقيل أنها لم تكن حبشية وإنما الحبشية امرأة أخرى واسم أم أيمن التي هي أم أسامة بركة كنيت بابنها أيمن بن عبيد الحبشي صحابي استشهد يوم خيبر قاله الشافعي

(12/100)


وغيره وقد سبق ذكر قطعة من أحوال أم أيمن في باب القافة قوله في قصة أم أيمن أنها امتنعت من رد تلك المنائح حتى عوضها عشرة أمثاله إنما فعلت هذا لأنها ظنت أنها كانت هبة مؤبدة وتمليكا لأصل الرقبة وأراد النبي صلى الله عليه و سلم استطابه قلبها في استرداد ذلك فما زال يزيدها في العوض حتى رضيت وكل هذا تبرع منه صلى الله عليه و سلم واكرام لها لما لها من حق الحضانة والتربية قوله ( والله لا نعطيكاهن ) هكذا هو في معظم النسخ نعطيكاهن بالألف بعد الكاف وهو صحيح فكأنه أشبع فتحة الكاف فتولدت منها ألف وفي بعض النسخ والله ما نعطاكهن وفي بعضها لا نعطيكهن والله أعلم

(12/101)


( باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب فيه [ 1772 ] حديث عبد الله بن مغفل ( أنه أصاب جرابا من شحم يوم خيبر ) وفي رواية قال رمى إلينا جراب فيه طعام وشحم أما الجراب فبكسر الجيم وفتحها لغتان الكسر أفصح وأشهر وهو وعاء من جلد وفي هذا إباحة أكل طعام الغنيمة في دار الحرب قال القاضي أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب فيأكلون منه قدر حاجاتهم ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلا الزهري وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يخرج معه منه شيئا إلى عمارة دار الإسلام فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم وقال الأوزاعي لا يلزمه وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب ولا غيرها فإن بيع منه شيء لغير الغانمين كان بدله غنيمته ويجوز أن يركب دوابهم ويلبس ثيابهم ويستعمل سلاحهم في حال الحرب بالإجماع ولا يفتقر إلى إذن الإمام وشرط الأوزاعي إذنه وخالف الباقين وفي هذا الحديث دليل لجواز أكل شحوم ذبائح اليهود وإن كانت شحومها محرمة عليهم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وجماهير العلماء قال الشافعي وأبو حنيفة والجمهور لا كراهة فيها وقال مالك هي مكروهة وقال أشهب وبن القاسم المالكيان وبعض أصحاب أحمد هي محرمة وحكى هذا أيضا عن مالك واحتج الشافعي والجمهور بقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم قال المفسرون المراد به الذبائح ولم يستثن منها شيئا لا لحما ولا شحما ولا غيره وفيه حل ذبائح أهل الكتاب وهو مجمع عليه ولم يخالف إلا الشيعة ومذهبنا ومذهب الجمهور إباحتها سواء سموا الله تعالى عليها أم لا وقال قوم لا يحل إلا أن يسموا الله تعالى فأما إذا ذبحوا على اسم المسيح أو كنيسة ونحوها فلا تحل تلك )

(12/102)


الذبيحة عندنا وبه قال جماهير العلماء والله أعلم قوله ( فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستحببت منه ) بعني لما رآه من حرصه على أخذه أو لقوله لا أعطى اليوم أحدا من هذا شيئا والله أعلم
( باب كتب النبي صلى الله عليه و سلم ( إلى هرقل ملك الشام يدعوه إلى الإسلام قوله ( هرقل ) بكسر الهاء وفتح الراء واسكان القاف هذا هو المشهور ويقال هرقل بكسر الهاء واسكان الراء وكسر القاف حكاه الجوهري في صحاحه وهو اسم علم له ولقبه قصير وكذا كل من ملك الروم يقال له قصير [ 1773 ] قوله ( عن أبي سفيان انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم ) يعني الصلح يوم الحديبية وكانت الحديبية في أواخر سنة ست من الهجرة قوله ( دحية الكلبي ) هو بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان اختلف في الراجحة منهما وادعى بن السكيت أنه بالكسر لا غير وأبو حاتم السجستاني أنه بالفتح لا غير قوله ( عظيم )

(12/103)


بصرى ) هي بضم الباء وهي مدينة حوران ذات قلعة وأعمال قريبة من طرف البرية التي بين الشام والحجاز والمراد بعظيم بصرى أميرها قوله عن هرقل ( أنه سأل أيهم أقرب نسبا إلى النبي صلى الله عليه و سلم ليسأله عنه ) قال العلماء إنما سأل قريب النسب لأنه أعلم بحاله وأبعد من أن يكذب في نسبه وغيره ثم أكد ذلك فقال لأصحابه أن كذبني فكذبوه أي لا تستحيوا منه فتسكتوا عن تكذيبه إن كذب قوله ( وأجلسوا أصحابي خلفي ) قال بعض العلماء إنما فعل ذلك ليكون عليهم أهون في تكذيبه أن كذب لأن مقابلته بالكذب في وجهه صعبة بخلاف ما إذا لم يستقبله قوله ( دعا بترجمانه ) هو بضم التاء وفتحها والفتح أفصح وهو المعبر عن لغة بلغة أخرى والتاء فيه أصلية وأنكروا على الجوهري كونه جعلها زائدة قوله ( لولا مخافة أن يؤثر على الكذب لكذبت ) معناه لولا خفت أن رفقتي ينقلون عني الكذب إلى قومي ويتحدثونه في بلادي لكذبت عليه لبغضي إياه ومحبتي نقصه وفي هذا بيان أن الكذب قبيح في الجاهلية كما هو قبيح في الإسلام ووقع في رواية البخاري لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه وهو بضم الثاء وكسرها وقوله ( كيف حسبه فيكم ) أي نسبه قوله ( فهل كان من آبائه ملك ) هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم ووقع في صحيح البخاري فهل كان في آبائه من مالك

(12/104)


وروى هذا اللفظ على وجهين أحدهما من بكسر الميم وملك بفتحها مع كسر اللام والثاني من بفتح الميم وملك بفتحها على أنه فعل ماض وكلاهما صحيح والأول أشهر وأصح وتؤيده رواية مسلم بحذف من قوله ( ومن يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم ) يعني بأشرافهم كبارهم وأهل الأحساب فيهم قوله ( سخطة له ) هو بفتح السين والسخط كراهة الشيء وعدم الرضى به قوله ( يكون الحرب بيننا وبينه سجالا ) هو بكسر السين أي نوبا نوبة لنا ونوبة له قالوا وأصله من المستقيين بالسجل وهي الدلو الملأى يكون لكل واحد منهما سجل قوله ( فهل يغدر ) هو بكسر الدال وهو ترك الوفاء بالعهد قوله ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها يعني مدة الهدنة والصلح الذي جرى يوم الحديبية قوله ( وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها ) يعني في أفضل أنسابهم وأشرفها قيل الحكمة في ذلك أنه أبعد من انتحاله الباطل وأقرب إلى انقياد الناس له وأما قوله أن الضعفاء هم اتباع الرسل فلكون الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد واتباع الحق وأما سؤاله عن الردة فلان من دخل على

(12/105)


بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه بخلاف من دخل في أباطيل وأما سؤاله عن الغدر فلان من طلب حظ الدنيا لا يبالي بالغدر وغيره مما يتوصل به إلى ذلك ومن طلب الآخرة لم يرتكب غدرا ولا غيره من القبائح قوله ( وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب ) يعني انشراح الصدور وأصلها اللطف بالإنسان عند قدومه واظهار السرور برؤيته يقال بش به وتبشبش قوله وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة معناه يبتليهم الله بذلك ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم وبذلهم وسعهم في طاعة الله تعالى قوله ( قلت يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف ) أما الصلة فصلة الأرحام وكل ما أمر الله به أن يوصل وذلك بالبر والاكرام وحسن المراعاة وأما العفاف الكف عن المحارم وخوارم المروءة قال صاحب المحكم العفة الكف عما لا يحل ولا يحمل يقال عف يعف عفة وعفافا وعفافة وتعفف واستعف ورجل عف وعفيف

(12/106)


والأنثى عفيفة وجمع العفيف أعفة وأعفاء قوله ( إن يكن ما يقول حقا أنه نبي ) قال العلماء هذا الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة ففي التوراة هذا أو نحوه من علامات رسول الله صلى الله عليه و سلم فعرفه بالعلامات وأما الدليل القاطع على النبوة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة فهكذا قاله المازري والله أعلم قوله ( ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ) هكذا هو في مسلم ووقع في البخاري لتجشمت لقاءه وهو أصح في المعنى ومعناه لتكلفت الوصول إليه وارتكبت المشقة في ذلك ولكن أخاف أن أقتطع دونه ولا عذر له في هذا لأنه قد عرف صدق النبي صلى الله عليه و سلم وإنما شح في الملك ورغب في الرياسة فآثرها على الإسلام وقد جاء ذلك مصرحا به في صحيح البخاري ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشي وما زالت عنه الرياسة ونسأل الله توفيقه قوله ( ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) الآية في هذا الكتاب جمل من القواعد وأنواع من الفوائد منها 1 دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم وهذا الدعاء واجب والقتال قبله حرام إن لم تكن بلغتهم دعوة الإسلام وإن كانت بلغتهم فالدعاء مستحب هذا مذهبنا وفيه خلاف للسلف سبق بيانه في أول كتاب الجهاد ومنها 2 وجوب العمل بخبر الواحد وإلا فلم يكن في بعثه مع دحية فائدة وهذا إجماع من يعتد به ومنها 3 استحباب تصدير الكتاب

(12/107)


ببسم الله الرحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافرا ومنها 4 أن قوله صلى الله عليه و سلم في الحديث الآخر كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجزم المراد بالحمد لله ذكر الله تعالى وقد جاء في رواية بذكر الله تعالى وهذا الكتاب كان ذا بال بل من المهمات العظام وبدأ فيه بالبسملة دون الحمد ومنها 5 أنه يجوز أن يسافر إلى أرض العدو بالآية والآيتين ونحوهما وأن يبعث بذلك إلى الكفار وإنما نهى عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو أي بكله أو بجملة منه وذلك أيضا محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار ومنها 6 أنه يجوز للمحدث والكافر مس آية أو آيات يسيرة مع غير القرآن ومنها 7 أن السنة في المكاتبة والرسائل بين الناس أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول من زيد إلى عمرو وهذه مسألة مختلف فيها قال الإمام أبو جعفر في كتابة صناعة الكتاب قال أكثر العلماء يستحب أن يبدأ بنفسه كما ذكرنا ثم روى فيه أحاديث كثيرة وآثارا قال وهذا هو الصحيح عند أكثر العلماء لأنه إجماع الصحابة قال وسواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان قال ورخص جماعة في أن يبدأ بالمكتوب إليه فيقول في التصدير والعنوان إلى فلان من فلان ثم روى باسناده أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية وعن محمد بن الحنفية وبكر بن عبد الله وأيوب السختياني أنه لا بأس بذلك قال وأما العنوان فالصواب أن يكتب عليه إلى فلان ولا يكتب لفلان لأنه إليه لا له إلا على مجاز قال هذا هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومنها 8 التوقي في المكاتبة واستعمال الورع فيها فلا يفرط ولا يفرط ولهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم إلى هرقل عظيم الروم فلم يقل ملك الروم لأنه لا ملك له ولا لغيره إلا بحكم دين الإسلام ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه رسول الله صلى الله عليه و سلم أو ولاه من أذن له رسول الله صلى الله عليه و سلم بشرط وإنما ينفذ من تصرفات الكفار ما تنفذه الضرورة ولم يقل إلى هرقل فقط بل أتى بنوع من الملاطفة فقال عظيم الروم أي الذي يعظمونه ويقدمونه وقد أمر الله تعالى بالانة القول لمن يدعى إلى الإسلام فقال تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وقال تعالى فقولا له قولا لينا وغير ذلك ومنها 9 استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة فإن قوله صلى الله عليه و سلم أسلم تسلم في نهاية من الاختصار وغاية من الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني مع ما فيه من بديع التجنيس وشموله لسلامته من خزي الدنيا بالحرب والسبي والقتل وأخذ الديار والأموال ومن عذاب الآخرة

(12/108)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية