صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ شرح النووي على صحيح مسلم ]
الكتاب : المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المؤلف : أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت
الطبعة الطبعة الثانية ، 1392
عدد الأجزاء : 18

بن عقبه وأهل السير والترمذي وقال بعضهم النهي عن المثلة نهى تنزيه ليس بحرام وأما قوله يستسقون فلا يسقون فليس فيه أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بذلك ولا نهى عن سقيهم قال القاضي وقد أجمع المسلمون على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع الماء قصدا فيجمع عليه عذابان قلت قد ذكر في هذا الحديث الصحيح أنهم قتلوا الرعاة وارتدوا عن الإسلام وحينئذ لا يبقى لهم حرمة في سقى الماء ولا غيره وقد قال أصحابنا لا يجوز لمن معه من الماء ما يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش ويتيمم ولو كان ذميا أو يهيمة وجب سقيه ولم يجز الوضوء به حينئذ والله أعلم قوله ( أن ناسا من عرينة ) هي بضم العين المهملة وفتح الراء وآخرها نون ثم هاء وهي قبيلة معروفة قوله ( قدموا المدينة فاجتووها ) هي بالجيم والمثناة فوق ومعناه استوخموها كما فسره في الرواية الأخرى أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم قالوا وهو مشتق من الجوى وهو داء في الجوف قوله صلى الله عليه و سلم ( إن شئتم أن تخرجوا إلى ابل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها فافعلوا فصحوا ) في هذا الحديث أنها ابل الصدقة وفي غير مسلم أنها لقاح النبي صلى الله عليه و سلم وكلاهما صحيح فكان بعض الابل للصدقة وبعضها للنبي صلى الله عليه و سلم واستدل أصحاب مالك وأحمد بهذا الحديث أن بول ما يؤكل لحمة وروثه طاهران وأجاب أصحابنا وغيرهم من القائلين بنجاستهما بأن شربهم الأبوال كان للتداوي وهو جائز بكل النجاسات سوى الخمر والمسكرات فإن قيل كيف أذن لهم في شرب لبن الصدقة فالجواب أن البانها للمحتاجين من المسلمين وهؤلاء إذ ذاك منهم قوله ( ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم ) وفي بعض الأصول المعتمدة الرعاء وهما لغتان يقال راع ورعاه كقاض وقضاة وراع ورعاء بكسر الراء

(11/154)


وبالمد مثل صاحب وصحاب قوله ( وسمل أعينهم ) هكذا هو في معظم النسخ سمل باللام وفي بعضها سمر بالراء والميم مخففة وضبطناه في بعض المواضع في البخاري سمر بتشديد الميم ومعنى سمل باللام نقاها وأذهب ما فيها ومعنى سمر بالراء كحلها بمسامير محمية وقيل هما بمعنى قوله ( لهم بلقاح

(11/155)


هي جمع لقحة بكسر اللام وفتحها وهي الناقة ذات الدر قوله ( ولم يحسمهم ) أي ولم يكوهم والحسم في اللغة كي العرق بالنار لينقطع الدم قوله ( وقع بالمدينة الموم وهو البرسام ) الموم بضم الميم واسكان الواو وأما البرسام فبكسر الباء وهو نوع من اختلال العقل ويطلق على ورم الرأس

(11/156)


وورم الصدر وهو معرب وأصل اللفظة سريانية قوله ( وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم ) القائف هو الذي يتتبع الآثار وغيرها
( ) [ 1672 ] قوله ( أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها فقتلها بحجر فجيء بها إلى النبي صلى الله عليه و سلم وبها رمق فقيل لها أقتلك فلان فأشارت برأسها أن لا ثم قال لها الثانية فأشارت برأسها أن لا ثم سألها الثالثة فقالت نعم وأشارت برأسها فقتله رسول الله صلى الله عليه و سلم بين حجرين )

(11/157)


وفي رواية قتل جارية من الأنصار على حلى لها ثم ألقاها في قليب ورضخ رأسها بالحجارة فأمر به صلى الله عليه و سلم أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات وفي رواية أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين فسألوها من صنع هذا بك فلان فلان حتى ذكروا اليهودي فأومت برأسها فأخذ اليهودي فأقر فأمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يرض رأسه بالحجارة أما الأوضاح بالضاد المعجمة فهي قطع فضة كما فسره في الرواية الأخرى قوله ( وبها رمق ) هو بقية الحياة والروح والقليب البئر وقوله رضخه بين حجرين ورضه بالحجارة ورجمه بالحجارة هذه الألفاظ معناها واحد لأنه إذا وضع رأسه على حجر ورمى بحجر آخر فقد رجم وقد رض وقد رضخ وقد يحتمل أنه رجمها الرجم المعروف مع الرضخ لقوله ثم ألقاها في قليب وفي هذا الحديث فوائد منها قتل الرجل بالمرأة وهو اجماع من يعتد به ومنها أن الجاني عمدا يقتل قصاصا على الصفة التي قتل فإن قتل بسيف قتل هو بالسيف وإن قتل بحجر أو خشب أو نحوهما قتل بمثله لأن اليهودي رضخها فرضخ هو ومنها ثبوت القصاص في القتل بالمثقلات ولا يختص بالمحددات وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا قصاص إلا في القتل بمحدد من حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفا بقتل الناس بالمنجنيق أو بالإلقاء في النار

(11/158)


واختلفت الرواية عنه في مثقل الحديد كالدبوس أما إذا كانت الجناية شبه عمد بأن قتل بما لا يقصد به القتل غالبا فتعمد القتل به كالعصا والسوط واللطمة والقضيب والبندقة ونحوها فقال مالك والليث يجب فيه القود وقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم لا قصاص فيه والله أعلم ومنها وجوب القصاص على الذي يقتل المسلم ومنها جواز سؤال الجريح من جرحك وفائدة السؤال أن يعرف المتهم ليطالب فإن أقر ثبت عليه القتل وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه ولا يلزمه شيء بمجرد قول المجروح هذا مذهبنا ومذهب الجماهير وقد سبق في باب القسامة وأن مذهب مالك ثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح وتعلقوا بهذا الحديث وهذا تعلق باطل لأن اليهودي اعترف كما صرح به مسلم في أحد رواياته التي ذكرناها فإنما قتل باعترافه والله أعلم
( باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المصول عليه ( فاتلف نفسه أو عضوه لا ضمان عليه ) [ 1673 ] قوله ( قاتل يعلى بن منية أو بن أمية رجلا فعض أحدهما صاحبه فانتزع يده من فيه فنزع ثنيته )

(11/159)


فاختصما إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال أيعض أحدكم كما يعض الفحل لادية له ) وفي رواية [ 1674 ] أن أجيرا ليعلى عض رجل ذراعه أما منية فبضم الميم وإسكان النون وبعدها ياء مثناة تحت وهي أم يعلى وقيل جدته وأما أمية فهو أبوه فيصح أن يقال يعلى بن أمية ويعلى بن منية وأما قوله أن يعلى هو المعضوض وفي الرواية الثانية والثالثة أن المعضوض هو أجير يعلى لا يعلى فقال الحفاظ الصحيح المعروف أنه أجير يعلى لا يعلى ويحتمل انهما قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين وقوله صلى الله عليه و سلم ( كما يعض الفحل ) هو بالحاء أي الفحل من الابل وغيرها وهو اشارة إلى تحريم ذلك وهذا الحديث دلالة لمن قال أنه إذا عض رجل يد غيره فنزع المعضوض يده فسقطت أسنان العاض او فك لحيته لا ضمان عليه وهذا مذهب الشافعي وابي حنيفة وكثيرين أو الأكثرين رضي الله عنهم وقال مالك يضمن قوله صلى الله عليه و سلم ( يقضمها كما يقضم الفحل ) هو بفتح الضاد فيهما على اللغة الفصيحة ومعناه يعضها قال أهل

(11/160)


اللغة القضم بأطراف الأسنان [ 1673 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( ما تأمرني تأمرني أن آمره أن يضع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل ادفع يدك حتى يعضها ثم انتزعها ) ليس المراد بهذا أمره بدفع يده ليعضها وإنما معناه الإنكار عليه أي أنك لا تدع يدك في فيه يعضها فكيف تنكر عليه أن ينتزع يده من فيك وتطالبه بما جنى في جذبه لذلك قال القاضي وهذا الباب مما تتبعه الدارقطني على مسلم لأنه ذكر أولا حديث شعبة عن قتادة عن زرارة عن عمران بن حصين قال قاتل يعلى وذكر مثله عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة ثم عن شعبة عن قتادة عن عطاء عن بن يعلى ثم عن همام عن عطاء عن بن يعلى ثم حديث بن جريج عن عطاء عن بن يعلى ثم حديث معاذ عن أبيه عن قتادة عن بديل عن عطاء بن صفوان بن يعلى وهذا اختلاف على عطاء وذكر أيضا حديث قريش بن يونس عن بن عون عن بن سيرين عن عمران ولم يذكر فيه نوعا منه ولا من بن سيرين من عمران ولم يخرج البخاري لابن سيرين عن عمران شيئا والله أعلم

(11/161)


قلت الإنكار على مسلم في هذين الوجهين أحدهما لا يلزم من الإختلاف على عطاء ضعف الحديث ولا من كون بن سيرين لم يصرح بالسماع من عمران ولا روى له البخاري عنه شيئا أن لا يكون سمع منه بل هو معدود فيمن سمع منه والثاني لو ثبت ضعف هذا الطريق لم يلزم منه ضعف المتن فإنه صحيح بالطرق الباقية التي ذكرها مسلم وقد سبق مرات أن مسلما يذكر في المتابعات من هو دون شرط الصحيح والله أعلم
( باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها [ 1675 ] قوله ( عن أنس أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم القصاص القصاص فقالت أم الربيع يا رسول الله أيقتص من فلانة والله لا يقتص منها فقال النبي صلى الله عليه و سلم سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله )

(11/162)


قالت لا والله لا يقتص منها أبدا قال فما زالت حتى قبلوا الدية فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره هذه رواية مسلم وخالفه البخاري في روايته فقال عن أنس بن مالك أن عمته الربيع كسرت ثنية حارثة وطلبوا إليها العفو فأتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأبوا إلا القصاص فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالقصاص فقال أنس بن النضر يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كتاب الله القصاص فرضى القوم فعفوا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره هذا لفظ رواية البخاري فحصل الإختلاف في الروايتين من وجهين أحدهما أن في رواية مسلم أن الجارية أخت الربيع وفي رواية البخاري أنها الربيع بنفسها والثاني أن في رواية مسلم أن الحالف لا تكسر ثنيتها هي أم الربيع بفتح الراء وفي رواية البخاري أنه أنس بن النضر قال العلماء المعروف في الروايات رواية البخاري وقد ذكرها من طرقه الصحيحة كما ذكرنا عنه وكذا رواه أصحاب كتب السنن قلت إنهما قضيتان أما الربيع الجارحة في رواية البخاري وأخت الجارحة في رواية مسلم فهي بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء وأما أم الربيع الحالفة في رواية مسلم فبفتح الراء وكسر الباء وتخفيف الياء وقوله صلى الله عليه و سلم في الرواية الأولى ( القصاص القصاص ) هما منصوبان أي أدوا القصاص وسلموه إلى مستحقه وقوله صلى الله عليه و سلم ( كتاب الله القصاص ) أي حكم كتاب الله وجوب القصاص في السن وهو قوله والسن بالسن وأما قوله والله لا يقتص منها فليس معناه رد حكم النبي صلى الله عليه و سلم بل المراد به الرغبة إلى مستحق القصاص أن يعفو وإلى النبي صلى الله عليه و سلم في الشفاعة إليهم في العفو وإنما حلف ثقة بهم أن لا يحنثوه أو ثقة بفضل الله ولطفه أن لا يحنثه بل يلهمهم العفو وأما قوله صلى الله عليه و سلم أن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره معناه لا يحنثه لكرامته عليه وفي هذا الحديث فوائد منها 1 جواز الحلف فيما يظنه الإنسان ومنها جواز الثناء على من لا يخاف الفتنة بذلك وقد سبق بيان هذا مرات 2 ومنها استحباب العفو عن القصاص 3 ومنها إستحباب الشفاعة في العفو 4 ومنها أن الخيرة في القصاص والدية إلى مستحقه لا إلى المستحق عليه

(11/163)


5 - ومنها إثبات القصاص بين الرجل والمرأة وفيه ثلاثة مذاهب أحدها مذهب عطاء والحسن انه لا قصاص بينهما في نفس ولا طرف بل تتعين دية الجناية تعلقا بقوله تعالى والأنثى بالأنثى الثاني وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ثبوت القصاص بينهما في النفس وفيما دونها مما يقبل القصاص واحتجوا بقوله تعالى النفس بالنفس إلى آخرها وهذا وإن كان شرعا لمن قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف مشهور للأصوليين فإنما الخلاف إذا لم يرد شرعنا بتقريره وموافقته فإن ورد كان شرعا لنا بلا خلاف وقد ورد شرعنا بتقريره في حديث أنس هذا والله أعلم والثالث وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه يجب القصاص بين الرجال والنساء في النفس ولا يجب فيما دونها ومنها وجوب القصاص في السن وهو مجمع عليه إذا أقلها كلها فإن كسر بعضها ففيه وفي كسر سائر العظام خلاف مشهور للعلماء والأكثرون على أنه لا قصاص والله أعلم
( باب ما يباح به دم المسلم [ 1676 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا باحدى ثلاث الثيب الزان والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ) هكذا هو في النسخ الزان من غير ياء بعد النون وهي لغة صحيحة قرئ بها في السبع كما في قوله تعالى الكبير المتعال وغيره والأشهر في اللغة اثبات الياء في كل هذا وفي هذا الحديث اثبات قتل الزاني المحصن والمراد )

(11/164)


رجمه بالحجارة حتى يموت وهذا باجماع المسلمين وسيأتي ايضاحه وبيان شروطه في بابه إن شاء الله تعالى وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( والنفس بالنفس فالمراد به القصاص بشرطه وقد يستدل به أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهم في قولهم يقتل المسلم بالذمي ويقتل الحر بالعبد وجمهور العلماء على خلافه منهم مالك والشافعي والليث وأحمد وأما قوله صلى الله عليه و سلم والتارك لدينه المفارق للجماعة فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام قال العلماء ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أوغيرهما وكذا الخوارج والله أعلم وأعلم أن هذا عام يخص منه الصائل ونحوه فيباح قتله في الدفع وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله قصدا إلا في هذه الثلاثة والله أعلم

(11/165)


( باب ببان إثم من سن القتل [ 1677 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على بن آدم الأول كفل منها لأنه كان أول من سن القتل ) الكفل بكسر الكاف الجزء والنصيب وقال الخليل هو الضعف وهذا الحديث من قواعد الإسلام وهو أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى يوم القيامة ومثله من ابتدع شيأ من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة وهو موافق للحديث الصحيح من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة وللحديث الصحيح من دل على خير فله مثل أجر فاعله وللحديث الصحيح ما من داع يدعو إلى هدى وما من داع يدعو إلى ضلالة والله أعلم )

(11/166)


( باب المجازاة بالدماء في الآخرة وأنها أول ( ما يقضي فيه بين الناس يوم القيامة ) [ 1678 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ) فيه تغليظ أمر الدماء وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة وهذا لعظم أمرها وكثير خطرها وليس هذا الحديث مخالفا للحديث المشهور في السنن أول ما يحاسب به العبد صلاته لأن هذا الحديث الثاني فيما بين العبد وبين الله تعالى وأما حديث الباب فهو فيما بين العباد والله أعلم بالصواب )
باب تغليظ تحريم الدماء والاعراض والأموال [ 1679 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنى عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب شهر مضر

(11/167)


الذي بين جمادي وشعبان ) أما ذو القعدة فبفتح القاف وذو الحجة بكسر الحاء هذه اللغة المشهورة ويجوز في لغة قليلة كسر القاف وفتح الحاء وقد أجمع المسلمون على أن الأشهر الحرم الأربعة هي هذه المذكورة في الحديث ولكن اختلفوا في الأدب المستحب في كيفية عدها فقالت طائفة من أهل الكوفة وأهل الأدب يقال المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة ليكون الاربعة من سنة واحدة وقال علماء المدينة والبصرة وجماهير العلماء هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث الذي نحن فيه وعلى هذا الإستعمال أطبق الناس من الطوائف كلها وأما قوله صلى الله عليه و سلم ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان وإنما قيده هذا التقييد مبالغة في إيضاحه وإزالة للبس عنه قالوا وقد كان بين بني مضر وبين ربيعة اختلاف في رجب فكانت مضر تجعل رجبا هذا الشهر المعروف الآن وهو الذي بين جمادى وشعبان وكانت ربيعة تجعله رمضان فلهذا اضافه النبي صلى الله عليه و سلم إلى مضر وقيل لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم وقيل ان العرب كانت تسمى رجبا وشعبان الرجبين وقيل كانت تسمى جمادى ورجبا جمادين وتسمى شعبان رجبا وأما قوله صلى الله عليه و سلم إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض فقال العلماء معناه أنهم في الجاهلية يتمسكون بملة ابراهيم صلى الله عليه و سلم في تحريم الأشهر الحرم وكان يشق عليهم تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات فكانوا إذا احتاجوا إلى قتال أخروا تحريم المحرم إلى الشهر الذي بعده وهو صفر ثم يؤخرونه في السنة الأخرى إلى شهر آخر وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة حتى اختلط عليهم الأمر وصادفت حجة النبي صلى الله عليه و سلم تحريمهم وقد تطابق الشرع وكانوا في تلك السنة قد حرموا ذا الحجة لموافقة الحساب الذي ذكرناه فاخبر النبي صلى الله عليه و سلم أن الاستدارة صادفت ما حكم الله تعالى به يوم خلق السماوات والأرض وقال أبو عبيد كانوا ينسئون أي يؤخرون وهو الذي قال الله تعالى فيه إنما النسيء زيادة في الكفر فربما احتاجوا إلى الحرب في المحرم فيؤخرون تحريمه إلى صفر ثم يؤخرون صفر في سنة أخرى فصادف تلك السنة رجوع المحرم إلى موضعه وذكر القاضي

(11/168)


وجوها أخر في بيان معنى هذا الحديث ليست بواضحة وينكر بعضها قوله ( ثم قال أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير إسمه قال أليس ذا الحجة قلنا بلى قال فأي بلد هذا قلنا الله ورسوله أعلم إلى آخره ) هذا السؤال والسكوت والتفسير أراد به التفخيم والتقرير والتنبيه على عظم مرتبة هذا الشهر والبلد واليوم وقولهم الله ورسوله أعلم هذا من حسن أدبهم وأنهم علموا أنه صلى الله عليه و سلم لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب فعرفوا أنه ليس المراد مطلق الإخبار بما يعرفون قوله صلى الله عليه و سلم ( فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ) المراد بهذا كله بيان توكيد غلظ تحريم الأموال والدماء والأعراض والتحذير من ذلك قوله صلى الله عليه و سلم ( فلا ترجعن بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ) هذا الحديث سبق شرحه في كتاب الإيمان في أول الكتاب وذكر بيان إعرابه وأنه لا حجة فيه لمن يقول بالتكفير بالمعاصي بل المراد به كفران النعم أو هو محمول على من استحل قتال المسلمين بلا شبهة قوله صلى الله عليه و سلم ( ليبلغ الشاهد الغائب ) فيه وجوب تبليغ العلم وهو فرض كفاية فيجب تبليغه بحيث ينتشر قوله

(11/169)


صلى الله عليه و سلم
( ( فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه ) احتج به العلماء لجواز رواية الفضلاء وغيرهم من الشيوخ الذين لا علم لهم عندهم ولا فقه إذا ضبط ما يحدث به قوله ( قعد على بعيره وأخذ إنسان بخطامه ) إنما أخذ بخطامه ليصون البعير من الاضطراب على صاحبه والتهويش على راكبه وفيه دليل على استحباب الخطبة على موضع عال من منبر وغيره سواء خطبة الجمعة والعيد وغيرهما وحكمته أنه كلما ارتفع كان أبلغ في إسماعه الناس ورؤيتهم إياه ووقوع كلامه في نفوسهم قوله ( انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا ) انكفأ بهمز آخره أي انقلب والأملح هو الذي فيه بياض )

(11/170)


وسواد والبياض أكثر وقوله جزيعة بضم الجيم وفتح الزاي ورواه بعضهم جزيعة بفتح الجيم وكسر الزاي وكلاهما صحيح والأول هو المشهور في رواية المحدثين وهو الذي ضبطه الجوهري وغيره من أهل اللغة وهي القطعة من الغنم تصغير جزعة بكسر الجيم وهي القليل من الشيء يقال جزع له من ماله أي قطع وبالثاني ضبطه بن فارس في المجمل قال وهي القطعة من الغنم وكأنها فعيلة بمعنى مفعولة كضفيرة بمعنى مضفورة قال القاضي قال الدارقطني قوله ثم انكفأ إلى آخر الحديث وهم من بن عون فيما قيل وإنما رواه بن سيرين عن أنس فأدرجه بن عون هنا في هذا الحديث فرواه عن بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال القاضي وقد روى البخاري هذا الحديث عن بن عون فلم يذكر فيه هذا الكلام فلعله تركه عمدا وقد رواه أيوب وقرة عن بن سيرين في كتاب مسلم في هذا الباب ولم يذكروا فيه هذه الزيادة قال القاضي والأشبه أن هذه الزيادة إنما هي في حديث آخر في خطبة عيد الأضحى فوهم فيها الراوي فذكرها مضمومة إلى خطبة الحجة أوهما حديثان ضم أحدهما إلى

(11/171)


الآخر وقد ذكر مسلم هذا بعد هذا في كتاب الضحايا من حديث أيوب وهشام عن بن سيرين عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى ثم خطب فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ثم قال في آخر الحديث فانكفأ رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى كبشين أملحين فذبحهما فقام الناس إلى غنيمة فتوزعوها فهذا هو الصحيح وهو دافع للإشكال
( باب صحة الإقرار بالقتل ( وتمكين ولي القتيل من القصاص واستحباب طلب العفو منه ) [ 1680 ] قوله ( جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال يا رسول الله هذا قتل أخي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أقتلته فقال إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة قال نعم قتلته قال كيف قتلته قال كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته ) أما النسعة فبنون مكسورة ثم سين ساكنة ثم عين مهملة وهي حبل من جلود مضفورة وقرنه جانب رأسه وقوله ( يختبط ) أي يجمع الخبط وهو ورق الثمر بأن يضرب الشجر بالعصا فيسقط ورقه فيجمعه )

(11/172)


علفا وفي هذا الحديث الأغلاظ على الجناة وربطهم واحضارهم إلى ولي الأمر وفيه سؤال المدعى عليه عن جواب الدعوى فلعله يقر فيستغني المدعى والقاضي عن التعب في احضار الشهود وتعديلهم ولأن الحكم بالإقرار حكم بيقين وبالبينة حكم بالظن وفيه سؤال الحاكم وغيره الولي عن العفو عن الجاني وفيه جواز العفو بعد بلوغ الأمر إلى الحاكم وفيه جواز أخذ الدية في قتل العمد لقوله صلى الله عليه و سلم في تمام الحديث هل لك من شيء تؤديه عن نفسك وفيه قبول الإقرار بقتل العمد قوله ( فانطلق به الرجل فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن قتله فهو مثله فرجع فقال يا رسول الله بلغني أنك قلت إن قتله فهو مثله وأخذته بأمرك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك قال يا نبي الله لعله قال بلى قال فإن ذاك كذاك قال فرمى بنسعته وخلى سبيله ) وفي الرواية الأخرى أنه انطلق به فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه و سلم القاتل والمقتول في النار أما قوله صلى الله عليه و سلم إن قتله فهو مثله فالصحيح في تأويله أنه مثله في أنه لا فضل ولا منة لأحدهما على الآخر لأنه استوفى حقه منه بخلاف ما لو عفى عنه فإنه كان له الفضل والمنة وجزيل ثواب الآخرة وجميل الثناء في الدنيا وقيل فهو مثله في أنه قاتل وإن اختلفا في التحريم والإباحة لكنهما استويا في طاعتهما الغضب ومتابعة الهوى لا سيما وقد طلب النبي صلى الله عليه و سلم منه العفو وإنما قال النبي صلى الله عليه و سلم ما قال بهذا اللفظ الذي هو صادق فيه لا يهام لمقصود صحيح وهو أن الولى ربما خاف فعفا والعفو مصلحة للولى والمقتول في ديتهما لقوله صلى الله عليه و سلم يبوء بإثمك وإثم صاحبك وفيه مصلحة للجاني وهو انقاذه من القتل فلما كان العفو مصلحة توصل

(11/173)


إليه بالتعريض وقد قال الضمري وغيره من علماء أصحابنا وغيرهم يستحب للمفتي إذا رأى مصلحة في التعريض للمستفتي أن يعرض تعريضا يحصل به المقصود مع أنه صادق فيه قالوا ومثاله أن يسأله إنسان عن القاتل هل له توبة ويظهر للمفتي بقرينة أنه إن أفتى بأن له توبة ترتب عليه مفسدة وهي أن الصائل يستهون القتل لكونه يجد بعد ذلك منه مخرجا فيقول المفتى الحالة هذه صح عن بن عباس أنه قال لا توبة لقاتل فهو صادق في أنه صح عن بن عباس وإن كان المفتى لا يعتقد ذلك ولا يوافق بن عباس في هذه المسألة لكن السائل إنما يفهم منه موافقته بن عباس فيكون سببا لزجره فهكذا وما أشبه ذلك كمن يسأل عن الغيبة في الصوم هل يفطر بها فيقول جاء في الحديث الغيبة تفطر الصائم والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم القاتل والمقتول في النار فليس المراد به في هذين فكيف تصح ارادتهما مع أنه إنما أخذه ليقتله بأمر النبي صلى الله عليه و سلم بل المراد غيرهما وهو إذا التقى المسلمان بسيفيهما في المقاتلة المحرمة كالقتال عصبية ونحو ذلك فالقاتل والمقتول في النار والمراد به التعريض كما ذكرناه وسبب قوله ما قدمناه لكون الولى يفهم منه دخوله في معناه ولهذا ترك قتله فحصل المقصود والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( أما تريد أن يبوء باثمك وإثم صاحبك ) فقيل معناه يتحمل إثم المقتول باتلافه مهمته وإثم الولى لكونه فجعه في أخيه ويكون قد أوحى إليه ص

(11/174)


بذلك في هذا الرجل خاصة ويحتمل أن معناه يكون عفوك عنه سببا لسقوط إثمك وإثم أخيك المقتول والمراد اثمهما السابق بمعاص لهما متقدمة لا تعلق لها بهذا القاتل فيكون معنى يبوء يسقط وأطلق هذا اللفظ عليه مجازا قال القاضي وفي هذا الحديث أن قتل القصاص لا يكفر ذنب القاتل بالكلية وإن كفرها يبنه وبين الله تعالى كما جاء في الحديث الآخر فهو كفارة له ويبقى حق المقتول والله أعلم
( باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ ( وشبه العمد على عاقلة الجاني ) [ 1681 ] قوله ( إن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم بغرة عبد أو أمة ) وفي رواية أنها ضربتها بعمود فسطاط وهي حبلى فقتلتها أما قوله بغرة عبد فضبطناه على شيوخنا في الحديث والفقه بغرة بالتنوين وهكذا قيده جماهير العلماء في كتبهم وفي مصنفاتهم في هذا وفي شروحهم وقال القاضي عياض الرواية فيه بغرة بالتنوين وما بعده بدل منه قال ورواه بعضهم بالإضافة قال والأول أوجه وأقيس وذكر صاحب المطالع الوجهين ثم قال الصواب رواية التنوين قلنا ومما يؤيده ويوضحه رواية البخاري في صحيحه في كتاب الديات في باب دية جنين المرأة عن المغيرة بن شعبة قال قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالغرة عبدا أو أمة وقد فسر الغرة في الحديث بعبد أو أمة قال العلماء وأو هنا للتقسيم لا للشك والمراد بالغرة عبد أو أمة وهو إسم لكل واحد منهما قال الجوهري كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله كما قالوا أعتق رقبة وأصل الغرة بياض في الوجه ولهذا قال أبو عمرو المراد بالغرة الأبيض منهما خاصة قال ولا يجزئ الأسود قال ولولا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أراد )

(11/175)


بالغرة معنى زائدا على شخص العبد والأمة لما ذكرها ولاقتصر على قوله عبد أو أمة هذا قول أبي عمرو وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء أنه تجزي فيها السوداء ولا تتعين البيضاء وإنما المعتبر عندهم أن تكون قيمتها عشر دية الأم أو نصف عشر دية الأب قال أهل اللغة الغرة عند العرب أنفس الشئ وأطلقت هنا على الإنسان لأن الله تعالى خلقه في أحسن تقويم وأما ما جاء في بعض الروايات في غير الصحيح بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل فرواية باطلة وقد أخذ بها بعض السلف وحكى عن طاوس وعطاء ومجاهد أنها عبد أو أمة أو فرس وقال داود كل ما وقع عليه إسم الغرة يجزى واتفق العلماء على أن دية الجنين هي الغرة سواء كان الجنين ذكرا أو أنثى قال العلماء وإنما كان كذلك لأنه قد يخفى فيكثر فيه النزاع فضبطه الشرع بضابط يقطع النزاع وسواء كان خلقه كامل الأعضاء أم ناقصها أو كان مضغة تصور فيها خلق آدمي ففي كل ذلك الغرة بالإجماع ثم الغرة تكون لورثته على مواريثهم الشرعية وهذا شخص يورث ولا يرث ولا يعرف له نظير إلا من بعضه حر وبعضه رقيق فإنه رقيق لا يورث عندنا وهل يورث فيه قولان أصحهما ورث وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير وحكى القاضي عن بعض العلماء أن الجنين كعضو من أعضاء الأم فتكون ديته لها خاصة واعلم أن المراد بهذا كله إذا انفصل الجنين ميتا أما إذا انفصل حيا ثم مات فيجب فيه كمال دية الكبير فإن كان ذكرا وجب مائة بعير وإن كان أنثى فخمسون وهذا مجمع عليه وسواء في هذا كله العمد والخطأ ومتى وجبت الغرة فهي على العاقلة لا على الجاني هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين رضي الله عنهم وقال مالك والبصريون تجب على الجاني وقال الشافعي وآخرون يلزم الجاني الكفارة وقال بعضهم لا كفارة عليه وهو مذهب مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما والله أعلم قوله ( قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة ثم أن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها

(11/176)


قال العلماء هذا الكلام قد يوهم خلاف مراده فالصواب أن المرأة التي ماتت هي المجنى عليها أم الجنين لا الجانية وقد صرح به في الحديث بعده بقوله فقتلتها وما في بطنها فيكون المراد بقوله التي قضى عليها بالغرة أي التي قضى لها بالغرة فعبر بعليها عن لها وأما قوله والعقل على عصبتها فالمراد عصبة القاتلة قوله ( فرمت احداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله صلى الله عليه و سلم بدية المرأة على عاقلتها ) وفي الرواية الأخرى أنها ضربتها بعمود فسطاط هذا محمول على حجر صغير وعمود صغير لا يقصد به القتل غالبا فيكون شبه عمد تجب فيه الدية على العاقلة ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني وهذا مذهب الشافعي والجماهير قوله ( فقال حمل بن النابغة الهذلي يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما هذا من اخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع ) أما قوله حمل بن النابغة فنسبه إلى جده وهو حمل بن مالك بن

(11/177)


النابغة وحمل بفتح الحاء المهملة والميم وأما قوله فمثل ذلك يطل فروى في الصحيحين وغيرهما بوجهين أحدهما يطل بضم الياء المثناة وتشديد اللام ومعناه يهدر ويلغى ولا يضمن والثاني بطل بفتح الباء الموحدة وتخفيف اللام على أنه فعل ماض من البطلان وهو بمعنى الملغى أيضا وأكثر نسخ بلادنا بالمثناة ونقل القاضي أن جمهور الرواة في صحيح مسلم ضبطوه بالموحدة قال أهل اللغة يقال طل دمه بضم الطاء وأطل أي أهدر وأطله الحاكم وطله أهدره وجوز بعضهم طل دمه بفتح الطاء في اللازم وأباها الأكثرون وأما قوله صلى الله عليه و سلم إنما هذا من أخوان الكهان من أجل سجعه وفي الرواية الأخرى سجع كسجع الأعراب فقال العلماء إنما ذم سجعه لوجهين أحدهما أنه عارض به حكم الشرع ورام ابطاله والثاني أنه تكلفه في مخاطبته وهذان الوجهان من السجع مذمومان وأما السجع الذي كان النبي صلى الله عليه و سلم يقوله في بعض الأوقات وهو مشهور في الحديث فليس من هذا لأنه لا يعارض به حكم الشرع ولا يتكلفه فلا نهى فيه بل هو حسن ويؤيد ما ذكرنا من التأويل قوله صلى الله عليه و سلم كسجع الأعراب فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم والله أعلم ( قوله [ 1682 ] ( ضربت امرأة ضرتها ) قال أهل اللغة كل واحدة من زوجتي الرجل ضرة للأخرى سميت بذلك لحصول المضارة بينهما في العادة وتضرر كل واحدة بالأخرى قوله ( فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم دية المقتولة على

(11/178)


عصبة القاتلة ) هذا دليل لما قاله الفقهاء أن دية الخطأ على العاقلة إنما تختص بعصبات القاتل سوى أبنائه وآبائه [ 1689 ] قوله ( استشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس في ملاص المرأة ) في

(11/179)


جميع نسخ مسلم ملاص بكسر الميم وتخفيف اللام وبصاد مهملة وهو جنين المرأة والمعروف في اللغة املاص المرأة بهمزة مكسورة قال اهل اللغة يقال أملصت به وأزلقت به وأمهلت به وأخطأت به كله بمعنى وهو إذا وضعته قبل أوانه وكل ما زلق من اليد فقد ملص بفتح الميم وكسر اللام ملصا بفتحها وأملص أيضا لغتان وأملصته أنا وقد ذكر الحميدي هذا الحديث في الجمع بين الصحيحين فقال املاص بالهمزة كما هو المعروف في اللغة قال القاضي قد جاء ملص الشيء إذا أفلت فإن أريد به الجنين صح ملاص مثل لزم لزاما والله أعلم قوله ( حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة قال استشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس في ملاص المرأة ) هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم فقال وهم وكيع في هذا الحديث وخالفه أصحاب هشام فلم يذكروا فيه المسور وهو الصواب ولم يذكر مسلم غير حديث وكيع وذكر البخاري حديث من خالفه وهو الصواب هذا قول الدارقطني وفي البخاري عن هشام عن أبيه عن المغيرة أن عمر رضي الله عنه سأل عن املاص المرأة ولا بد من ذكر المسور وعروة ليتصل الحديث فإن عروة لم يدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه
( كتاب الحدود )
( باب حد السرقة ونصابها قال القاضي عياض رضي الله عنه صان الله تعالى الأموال بايجاب القطع على السارق ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغضب لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة ولأنه )

(11/180)


يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور وتسهل إقامة البينة عليه بخلاف السرقة فإنه تندر إقامة البينة عليها فعظم أمرها واشتدت عقوبتها ليكون أبلغ في الزجر عنها وقد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة وإن اختلفوا في فروع منه قوله ( عن عائشة رضي الله عنها [ 1684 ] قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقطع السارق في ربع دينار فصاعدا ) وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا وفي رواية لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه وفي رواية لم تقطع يد السارق في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم في أقل من ثمن المجن وفي رواية بن عمر رضي الله عنه قال قطع النبي صلى الله عليه و سلم سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم وفي رواية أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده أجمع العلماء على قطع يد السارق كما سبق واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره فقال أهل الظاهر لا يشترط نصاب بل يقطع في القليل والكثير وبه قال بن بنت الشافعي من أصحابنا وحكاه القاضي عياض عن الحسن البصري والخوارج وأهل الظاهر واحتجوا بعموم قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ولم يخصوا الآية وقال جماهير العلماء ولا تقطع إلا في نصاب لهذه الأحاديث

(11/181)


الصحيحة ثم اختلفوا في قدر النصاب فقال الشافعي النصاب ربع دينار ذهبا أو ما قيمته ربع دينار سواء كانت قيمته ثلاثة دراهم أو أقل أو أكثر ولا يقطع في أقل منه وبهذا قال كثيرون أو الأكثرون وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث وأبي ثور وإسحاق وغيرهم وروى أيضا عن داود وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية تقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته أحدهما ولا قطع فيما دون ذلك وقال سليمان بن يسار وبن شبرمة وبن أبي ليلى والحسن في رواية عنه لا تقطع إلا في خمسة دراهم وهو مروى عن عمر بن الخطاب وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تقطع إلا في عشرة دراهم أو ماقيمته ذلك وحكى القاضي عن بعض الصحابة أن النصاب أربعة دراهم وعن عثمان البتي أنه درهم وعن الحسن أنه درهمان وعن النخعي أنه أربعون درهما أو أربعة دنانير والصحيح ما قاله الشافعي وموافقوه لأن النبي صلى الله عليه و سلم صرح ببيان النصاب في هذه الأحاديث من لفظه وأنه ربع دينار وأما باقي التقديرات فمردودة لا أصل لها مع مخالفتها لصريح هذه الأحاديث وأما رواية أنه صلى الله عليه و سلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم فمحمولة على أن هذا القدر كان ربع دينار فصاعدا وهي قضية عين لا عموم لها فلا يجوز ترك صريح لفظه صلى الله عليه و سلم في تحديد النصاب لهذه الرواية المحتملة بل يجب حملها على موافقة لفظة وكذا الرواية الأخرى لم يقطع

(11/182)


يد السارق في أقل من ثمن المجن محمولة على أنه كان ربع دينار ولا بد من هذا التأويل ليوافق صريح تقديره صلى الله عليه و سلم وأما ما يحتج به بعض الحنفية وغيرهم من رواية جاءت قطع في مجن قيمته عشرة دراهم وفي رواية خمسة فهي رواية ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة في التقدير بربع دينار مع أنه يمكن حملها على أنه كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقا لا أنه شرط ذلك في قطع السارق وليس في لفظها ما يدل على تقدير النصاب بذلك وأما رواية لعن الله السارق يسرق البيضة أو الحبل فتقطع يده فقال جماعة المراد بها بيضة الحديد وحبل السفينة وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار وأنكر المحققون هذا وضعفوه فقالوا بيضة الحديد وحبل السفينة لهما قيمة ظاهرة وليس هذا السياق موضع استعمالهما بل بلاغة الكلام تأباه ولأنه لا يذم في العادة من خاطر بيده في شيء له قدر وإنما يذم من خاطر بها فيما لا قدر له فهو موضع تقليل لا تكثير والصواب ان المراد التنبيه على عظيم ما خسر وهي يده في مقابلة حقير من المال وهو ربع دينار فإنه يشارك البيضة والحبل في الحقارة أو أراد جنس البيض وجنس الحبال أو أنه إذا سرق البيضة فلم يقطع جره ذلك إلى سرقة ما هو أكثر منها فقطع فكانت سرقة البيضة هي سبب قطعه أو أن المراد به قد يسرق البيضة أوالحبل فيقطعه بعض الولاه سياسة لا قطعا جائزا شرعا وقيل أن النبي صلى الله عليه و سلم قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير بيان نصاب فقاله على ظاهر اللفظ والله أعلم [ 1685 ] قوله ( ثمن المجن حجفة أو ترس وكلاهما ذو ثمن ) المجن بكسر الميم وفتح الجيم وهو إسم لكل

(11/183)


ما يستجن به أي يستتر والحجفة بحاء مهملة ثم جيم مفتوحتين هي الدرقة وهي معروفة وقوله حجفة أو ترس هما مجروران بدل من المجن وقوله وكلاهما ذو ثمن إشارة إلى أن القطع لا يكون

(11/184)


فيما قل بل يختص بما له ثمن ظاهر وهو ربع دينار كما صرح به في الروايات [ 1687 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لعن الله السارق ) هذا دليل لجواز لعن غير المعين من العصاة لأنه لعن للجنس لا لمعين ولعن الجنس جائز كما قال الله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين وأما المعين فلا يجوز لعنه قال القاضي وأجاز بعضهم لعن المعين مالم يحد فإذا حد لم يجز لعنه فإن الحدود كفارات لأهلها قال القاضي وهذا التأويل باطل للأحاديث الصحيحة في النهي عن اللعن فيجب حمل النهي على المعين ليجمع بين الأحاديث والله أعلم قال العلماء والحرز مشروط فلا قطع إلا فيما سرق من حرز والمعتبر فيه العرف مما عده أهل العرف حرزا لذلك الشيء فهو حرز له ومالا فلا وخالفهم داود فلم يشترط الحرز قالوا ويشترط أن لا يكون للسارق في المسروق شبهة فإن كانت لم يقطع ويشترط أن يطالب المسروق منه بالمال وأجمعوا على أنه إذا سرق أولا قطعت يده اليمنى قال الشافعي ومالك وأهل المدينة والزهري وأحمد وأبو ثور وغيرهم فإذا سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى فإذا سرق ثالثا قطعت يده اليسرى فإن سرق رابعا قطعت رجله اليمنى فإن سرق بعد ذلك عزر ثم كلما سرق عزر قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك والجماهير تقطع اليد من الرسغ وهو المفصل بين الكف والذراع وتقطع الرجل من المفصل بين الساق والقدم وقال علي رضي الله عنه تقطع الرجل من شطر القدم وبه قال أحمد وأبو ثور وقال بعض السلف تقطع اليد من المرفق وقال بعضهم من المنكب والله أعلم

(11/185)


( باب قطع السارق الشريف وغيره ( والنهي عن الشفاعة في الحدود ) ذكر مسلم رضي الله عنه في الباب الأحاديث في النهي عن الشفاعة في الحدود وأن ذلك هو سبب هلاك بني إسرائيل وقد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلى الإمام لهذه الأحاديث وعلى أنه يحرم التشفيع فيه فأما قبل بلوغه إلى الإمام فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس فإن كان لم يشفع فيه وأما المعاصي التي لا حد فيها وواجبها التعزير فتجوز الشفاعة والتشفيع فيها سواء بلغت الإمام أم لا لأنها أهون ثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى ونحوه [ 1688 ] قوله ( ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه و سلم ) هو بكسر الحاء أي محبوبه ومعنى يجترئ يتجاسر عليه بطريق الادلال وفي هذا منقبة ظاهرة لأسامة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه و سلم ( وايم الله لو أن فاطمة ) فيه دليل لجواز الحلف من غير استحلاف وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم )

(11/186)


لأمر مطلوب كما في الحديث وقد كثرت نظائره في الحديث وسبق في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في الحلف باسم الله قوله ( كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه و سلم بقطع يدها فأتى أهلها أسامة فكلموه ) الحديث قال العلماء المراد أنها

(11/187)


قطعت بالسرقة وإنما ذكرت العارية تعريفا لها ووصفا لها لا أنها سبب القطع وقد ذكر مسلم هذا الحديث في سائر الطرق المصرحة بأنها سرقت وقطعت بسبب السرقة فيتعين حمل هذه الرواية على ذلك جمعا بين الروايات فإنها قضية واحدة مع أن جماعة من الأئمة قالوا هذه الرواية شاذة فإنها مخالفة لجماهير الرواة والشاذة لا يعمل بها قال العلماء وإنما لم يذكر السرقة في هذه الرواية لأن المقصود منها عند الراوي ذكر منع الشفاعة في الحدود لا الاخبار عن السرقة قال جماهير العلماء وفقهاء الأمصار لا قطع على من جحد العارية وتأولوا هذا الحديث بنحو ما ذكرته وقال أحمد وإسحاق يجب القطع في ذلك
( باب حد الزنى [ 1690 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ) أما قوله صلى الله عليه و سلم فقد جعل الله لهن سبيلا فأشار إلى قوله تعالى فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا )

(11/188)


فبين النبي صلى الله عليه و سلم أن هذا هو ذلك السبيل واختلف العلماء في هذه الآية فقيل هي محكمة وهذا الحديث مفسر لها وقيل منسوخة بالآية التي في أول سورة النور وقيل أن آية النور في البكرين وهذه الآية في الثيبين وأجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة ورجم المحصن وهو الثيب ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض العتزلة كالنظام وأصحابه فإنهم لم يقولوا بالرجم واختلفوا في جلد الثيب مع الرجم فقالت طائفة يجب الجمع بينهما فيجلد ثم يرجم وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن البصري وإسحاق بن راهويه وداود وأهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي وقال جماهير العلماء الواجب الرجم وحده وحكى القاضي عن طائفة من أهل الحديث أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخا ثيبا فإن كان شابا ثيبا اقتصر على الرجم وهذا مذهب باطل لا أصل له وحجة الجمهور ان النبي صلى الله عليه و سلم اقتصر على رجم الثيب في احاديث كثيرة منها قصة ماعز وقصة المرأة الغامدية وفي قوله صلى الله عليه و سلم واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها قالوا وحديث الجمع بين الجلد والرجم منسوخ فإنه كان في أول الأمر وأما قوله صلى الله عليه و سلم في البكر ونفي سنة ففيه حجة للشافعي والجماهير أنه يجب نفيه سنة رجلا كان أو امرأة وقال الحسن لا يجب النفي وقال مالك والأوزاعي لا نفي على النساء وروى مثله عن علي رضي الله عنه وقالوا لأنها عورة وفي نفيها تضييع لها وتعريض لها للفتنة ولهذا نهيت عن المسافرة إلا مع محرم وحجة الشافعي قوله صلى الله عليه و سلم البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة وأما العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعي أحدها يغرب كل واحد منهما سنة لظاهر الحديث وبهذا قال سفيان الثوري وأبو ثور وداود وبن جرير والثاني يغرب نصف سنة لقوله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب وهذا أصح الأقوال عند أصحابنا وهذه الآية مخصصة لعموم الحديث والصحيح عند الأصوليين جواز تخصيص السنة بالكتاب لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب فتخصيص السنة به أولى والثالث لا يغرب المملوك اصلا وبه قال الحسن البصري وحماد ومالك وأحمد وإسحاق لقوله صلى الله عليه و سلم في الأمة إذا زنت فليجلدها ولم يذكر النفي ولأن نفيه يضر سيده مع أنه لا جناية من سيده وأجاب أصحاب الشافعي عن حديث الأمة إذا زنت أنه ليس فيه تعرض للنفي والآية ظاهرة في وجوب النفي فوجب العمل بها وحمل الحديث على موافقتها

(11/189)


والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( البكر بالبكر والثيب بالثيب ) فليس هو على سبيل الإشتراط بل حد البكر الجلد والتغريب سواء زنى ببكر أم بثيب وحد الثيب الرجم سواء زنى بثيب أم ببكر فهو شبيه بالتقييد الذي يخرج على الغالب وأعلم أن المراد بالبكر من الرجال والنساء من لم يجامع في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل سواء كان جامع بوطء شبهة أو نكاح فاسد أو غيرهما أم لا والمراد بالثيب من جامع في دهره مرة من نكاح صحيح وهو بالغ عاقل حر والرجل والمرأة في هذا سواء والله أعلم وسواء في كل هذا المسلم والكافر والرشيد والمحجور عليه لسفه والله أعلم قوله ( حدثنا عمرو الناقد حدثنا هشيم أخبرنا منصور بهذا الإسناد ) في هذا الكلام فائدتان احداهما بيان أن الحديث روى من طريق آخر فيزداد قوة والثانية أن هشيما مدلس وقد قال في الرواية الاولى وعن منصور وبين في الثانية أنه سمعه من منصور وقد سبق التنبيه على مثل هذا مرات قوله ( كان نبي الله صلى الله عليه و سلم إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه ) هو بضم الكاف وكسر الراء وتربد وجهه ) أي علته غبرة والربد تغير البياض إلى السواد وإنما حصل له ذلك لعظم موقع الوحي قال الله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا قوله صلى الله عليه و سلم ( ثم رجم بالحجارة ) التقيد بالحجارة للإستحباب ولو رجم بغيرها جاز

(11/190)


وهو شبيه بالتقييد بها في الاستنجاء [ 1691 ] قوله ( فكان مما أنزل الله عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها ) أراد بآية الرجم الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وهذا مما نسخ لفظه وبقي حكمه وقد وقع نسخ حكم دون اللفظ وقد وقع نسخهما جميعا فما نسخ لفظه ليس له حكم القرأن في تحريمه على الجنب ونحو ذلك وفي ترك الصحابه كتابة هذه الآية دلالة ظاهرة أن المنسوخ لا يكتب في المصحف وفي إعلان عمر بالرجم وهو على المنبر وسكوت الصحابة وغيرهم من الحاضرين عن مخالفته بالانكار دليل على ثبوت الرجم وقد يستدل به على أنه لا يجلد مع الرجم وقد تمتنع دلالته لأنه لم يتعرض للجلد وقد ثبت في القرآن والسنة قوله ( فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة ) هذا الذي خشيه قد وقع من الخوارج ومن وافقهم كما سبق بيانه وهذا من كرامات عمر رضي الله عنه

(11/191)


ويحتمل أنه علم ذلك من جهة النبي صلى الله عليه و سلم قوله ( وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ) أجمع العلماء على أن الرجم لا يكون إلا على من زنى وهو محصن وسبق بيان صفة المحصن وأجمعوا على أنه إذا قامت البينة بزناه وهو محصن يرجم وأجمعوا على أن البينة أربعة شهداء ذكور عدول هذا إذا شهدوا على نفس الزنى ولا يقبل دون الأربعة وإن اختلفوا في صفاتهم وأجمعوا على وجوب الرجم على من اعترف بالزنى وهو محصن يصح إقراره بالحد واختلفوا في اشتراط تكرار إقراره أربع مرات وسنذكره قريبا إن شاء الله تعالى وأما الحبل وحده فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجوب الحد به إذا لم يكن لها زوج ولا سيد وتابعه مالك وأصحابه فقالوا إذا حبلت ولم يعلم لها زوج ولا سيد ولا عرفنا اكراهها لزمها الحد إلا أن تكون غريبة طارئة وتدعى أنه من زوج أو سيد قالوا ولا تقبل دعواها إلا كراه إذا لم تقم بذلك مستغيثة عند الإكراه قبل ظهور الحمل وقال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء لا حد عليها بمجرد الحبل سواء كان لها زوج أو سيد أم لا سواء الغريبة وغيرها وسواء ادعت الإكراه أم سكتت فلا حد عليها مطلقا إلا ببينة أو اعتراف لأن الحدود تسقط بالشبهات قوله في الرجل الذي اعترف بالزنى فأعرض عنه النبي صلى الله عليه و سلم فجاءه من جوانبه حتى أقر أربع مرات فسأله النبي صلى الله عليه و سلم هل به جنون فقال لا فقال هل أحصنت قال نعم فقال اذهبوا به فارجموه احتج به أبو حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وموافقوهما في أن الاقرار

(11/192)


بالزنى لا يثبت ويرجم به المقر حتى يقر أربع مرات وقال مالك والشافعي وآخرون يثبت الاقرار به بمرة واحدة ويرجم واحتجوا بقوله صلى الله عليه و سلم واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ولم يشترط عددا وحديث الغامدية ليس فيه اقرارها أربع مرات واشترط بن أبي ليلى وغيره من العلماء اقراره أربع مرات في أربع مجالس قوله صلى الله عليه و سلم ( أبك جنون ) إنما قاله ليتحقق حاله فإن الغالب أن الإنسان لا يصر على الاقرار بما يقتضي قتله من غير سؤال مع أن له طريقا إلى سقوط الإثم بالتوبة وفي الرواية الأخرى أنه سأل قومه عنه فقالوا ما نعلم به بأسا وهذا مبالغة في تحقق حاله وفي صيانة دم المسلم وفيه إشارة إلى أن اقرار المجنون باطل وأن الحدود لا تجب عليه وهذا كله مجمع عليه قوله صلى الله عليه و سلم ( هل أحصنت ) فيه أن الإمام يسأل عن شروط الرجم من الاحصان وغيره سواء ثبت بالاقرار أم بالبينة وفيه مؤاخذة الإنسان باقراره قوله ( حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات ) هو بتخفيف النون أي كرره أربع مرات وفيه التعريض للمقر بالزنى بأن يرجع ويقبل رجوعه بلا خلاف قوله صلى الله عليه و سلم ( اذهبوا به فارجموه ) فيه جوار استنابة الإمام من يقيم الحد قال العلماء لا يستوفي الحد إلا الإمام أو من فوض ذلك إليه وفيه دليل على أنه يكفي الرجم ولا يجلد معه وقد سبق بيان الخلاف في هذا قوله ( فرجمناه

(11/193)


بالمصلى ) قال البخاري وغيره من العلماء فيه دليل على أن مصلى الجنائز والأعياد إذا لم يكن قد وقف مسجدا لا يثبت له حكم المسجد إذ لو كان له حكم المسجد تجنب الرجم فيه وتلطخه بالدماء والميتة قالوا والمراد بالمصلى هنا مصلى الجنائز ولهذا قال في الرواية الأخرى في بقيع الغرقد وهو موضع الجنائز بالمدينة وذكر الدارمي من أصحابنا أن المصلى الذي للعيد ولغيره إذا لم يكن مسجدا هل يثبت له حكم المسجد فيه وجهان أصحهما ليس له حكم المسجد والله أعلم قوله ( فلما أذلقته الحجارة هرب ) هو بالذال المعجمة وبالقاف أي أصابته بحدها قوله ( فأدركناه بالحرة فرجمناه ) اختلف العلماء في المحصن إذا اقر بالزنى فشرعوا في رجمه ثم هرب هل يترك أم يتبع ليقام عليه الحد فقال الشافعي وأحمد وغيرهما يترك ولا يتبع لكي أن يقال له بعد ذلك فإن رجع عن الاقرار ترك وإن أعاد رجم وقال مالك في رواية وغيره أنه يتبع ويرجم واحتج الشافعي وموافقوه بما جاء في رواية أبي داود أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ألا تركتموه حتى أنظر في شأنه وفي رواية هلا تركتموه فلعله يتوب فيتوب الله عليه واحتج الآخرون بأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يلزمهم

(11/194)


ذنبه مع أنهم قتلوه بعد هربه وأجاب الشافعي وموافقوه عن هذا بأنه لم يصرح بالرجوع وقد ثبت اقراره فلا يتركه حتى يصرح بالرجوع قالوا وإنما قلنا لا يتبع في هربه لعله يريد الرجوع ولم نقل أنه سقط الرجم بمجرد الهرب والله أعلم قوله ( رجل قصير أعضل ) هو بالضاد المعجمة أي مشتد الخلق قوله صلى الله عليه و سلم ( فلعلك قال لا والله إنه قد زنى الأخر ) معنى هذا الكلام الإشارة إلى تلقينه الرجوع عن الاقرار بالزنى واعتذاره بشبهة يتعلق بها كما جاء في الرواية الأخرى لعلك قبلت أو غمزت فاقتصر في هذه الرواية على لعلك اختصارا وتنبيها واكتفاء بدلالة الكلام والحال على المحذوف أي لعلك قبلت أو نحو ذلك ففيه استحباب تلقين المقر بحد الزنى والسرقة وغيرهما من حدود الله تعالى وأنه يقبل رجوعه عن ذلك لأن الحدود مبنية على المساهلة والدرء بخلاف حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى المالية كالزكاة والكفارة وغيرهما لا يجوز التلقين فيها ولو رجع لم يقبل رجوعه وقد جاء تلقين الرجوع عن الاقرار بالحدود عن النبي صلى الله عليه و سلم وعن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم واتفق العلماء عليه قوله ( إنه قد زنى الأخر ) وهو بهمزة مقصورة وخاء مكسورة ومعناه الأرذل والأبعد والأدنى وقيل اللئيم وقيل الشقي وكله متقارب ومراده نفسه فحقرها وعابها لا سيما وقد فعل هذه الفاحشة وقيل إنها كناية يكنى بها عن نفسه وعن غيره إذا أخبر عنه بما يستقبح قوله صلى الله عليه و سلم ( ألا كلما نفرنا في سبيل الله خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس ي يمنح أحدهم الكثبة ) وفي بعض النسخ أحداهن بدل أحدهم ونبيب التيس صوته عند السفاد ويمنح بفتح الياء والنون أي يعطى والكثبة بضم الكاف واسكان

(11/195)


المثلثة القليل من اللبن وغيره قوله ( أتى برجل قصير أشعث ذي عضلات ) هو بفتح العين والضاد قال أهل اللغة العضلة كل لحمة صلبة مكتنزة قوله ( تخلف أحدكم ينب ) هو بفتح الياء وكسر النون وتشديد الباء الموحدة قوله صلى الله عليه و سلم ( ألا جعلته نكالا ) أي عظة وعبرة لمن بعده بما أصبته منه من العقوبة ليمتنعوا من تلك الفاحشة قوله صلى الله عليه و سلم لماعز [ 1693 ] ( أحق ما بلغني عنك قال وما بلغك عني قال بلغني عنك أنك وقعت بجارية آل فلان قال نعم فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم ) هكذا وقع في هذه الرواية والمشهور في باقي الروايات أنه

(11/196)


أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال طهرني قال العلماء لا تناقض بين الروايات فيكون قد جيء به إلى النبي صلى الله عليه و سلم من غير استدعاء من النبي صلى الله عليه و سلم وقد جاء في غير مسلم أن قومه أرسلوه إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال النبي صلى الله عليه و سلم للذي أرسله لو سترته بثوبك يا هزال لكان خيرا لك وكان ماعز عند هزال فقال النبي صلى الله عليه و سلم لماعز بعد أن ذكر له الذين حضروا معه ما جرى له أحق ما بلغني عنك إلى آخره قوله ( فما أوثقناه ولا حفرنا له ) [ 1694 ] وفي الرواية الأخرى في صحيح مسلم فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم وذكر بعده في حديث الغامدية ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها أما قوله فما أوثقناه فهكذا الحكم عند الفقهاء وأما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رضي الله عنهم في المشهور عنهم لا يحفر لواحد منهما وقال قتادة وأبو ثور وأبو يوسف وأبو حنيفة في رواية يحفر لهما وقال بعض المالكية يحفر لمن يرجم بالبينة لا من يرجم بالاقرار وأما أصحابنا فقالوا لا يحفر للرجل سواء ثبت زناه بالبينة أم بالاقرار وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا أحدها يستحب الحفر لها إلى صدرها ليكون أستر لها والثاني لا يستحب ولا يكره بل هو إلى خيرة الإمام والثالث وهو الأصح أن ثبت زناها بالبينة استحب وإن ثبت بالاقرار فلا ليمكنها الهرب أن رجعت فمن قال بالحفر لهما احتج بأنه حفر للغامدية وكذا لماعز في رواية ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى في ماعز أنه لم يحفر له أن المراد حفيرة عظيمة أو غير ذلك من تخصيص الحفيرة وأما من قال لا يحفر فاحتج برواية من روى فما أوثقناه ولا حفرنا له وهذا المذهب ضعيف لأنه

(11/197)


منابذ لحديث الغامدية ولرواية الحفر لماعز وأما من قال بالتخيير فظاهر وأما من فرق بين الرجل والمرأة فيحمل رواية الحفر لماعز على أنه لبيان الجواز وهذا تأويل ضعيف ومما احتج به من ترك الحفر حديث اليهوديين المذكور بعد هذا وقوله جعل يجنأ عليها ولو حفر لهما لم يجنأ عليها واحتجوا أيضا بقوله في حديث ماعز فلما أذلقته الحجارة هرب وهذا ظاهر في أنه لم تكن حفرة والله أعلم قوله ( فرميناه بالعظام والمدر والخزف ) هذا دليل لما اتفق عليه العلماء أن الرجم يحصل بالحجر أو المدر أو العظام أو الخزف أو الخشب وغير ذلك مما يحصل به القتل ولا تتعين الاحجار وقد قدمنا أن قوله صلى الله عليه و سلم ثم رجما بالحجارة ليس هو للاشتراط قال أهل اللغة الخزف قطع الفخار المنكسر قوله ( حتى أتي عرض الحرة ) هو بضم العين أي جانبها قوله ( فرميناه بجلاميد الحرة أي الحجارة الكبار واحدها جلد بفتح الجيم والميم وجلمود بضم الجيم قوله حتى سكت ) هو بالتاء في آخره هذا هو المشهور في الروايات قال القاضي ورواه بعضهم سكن بالنون والأول الصواب ومعناهما مات قوله ( فما استغفر له ولا سبه ) أما عدم السب فلأن الحد كفارة له مطهرة له من معصيته وأما عدم الاستغفار

(11/198)


فلئلا يغتر غيره فيقع في الزنى اتكالا على استغفاره صلى الله عليه و سلم قوله [ 1695 ] ( جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني إلى آخره ) ومثله في حديث الغامدية قالت طهرني قال ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه هذا دليل على أن الحد يكفر ذنب المعصية التي حد لها وقد جاء ذلك صريحا في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو قوله صلى الله عليه و سلم من فعل شيئا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته ولا نعلم في هذا خلافا وفي هذا الحديث دليل على سقوط إثم المعاصي الكبائر بالتوبة وهو بإجماع المسلمين إلا ما قدمناه عن بن عباس في توبة القاتل خاصة والله أعلم فإن قيل فما بال ماعز والغامدية لم يقنعا بالتوبة وهي محصلة لغرضهما وهو سقوط الإثم بل أصرا على الاقرار واختارا الرجم فالجواب أن تحصيل البراءة بالحدود وسقوط الإثم متيقن على كل حال لا سيما وإقامة الحد بأمر النبي صلى الله عليه و سلم وأما التوبة فيخاف أن لا تكون نصوحا وأن يخل بشيء من شروطها فتبقى المعصية وإثمها دائما عليه فأرادا حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يتطرق إليه احتمال والله أعلم وروينا عن الحسن البصري قال ويح كلمة رحمة والله أعلم وقوله صلى الله عليه و سلم

(11/199)


( فيم أطهرك قال من الزنى ) هكذا هو في جميع النسخ فيم بالفاء والياء وهو صحيح وتكون في هنا للسببية أي بسبب ماذا أطهرك قوله في اسناد هذا الحديث ( حدثنا محمد بن العلاء الهمداني قال حدثنا يحيى بن يعلى وهو بن الحارث المحاربي عن غيلان وهو بن جامع المحاربي عن علقمة ) هكذا في النسخ عن يحيى بن يعلى عن غيلان قال القاضي والصواب ما وقع في نسخة الدمشقي عن يحيى بن يعلى عن أبيه عن غيلان فزاد في الاسناد عن أبيه وكذا أخرجه أبو داود في كتاب السنن والنسائي من حديث يحيى بن يعلى عن أبيه عن غيلان وهو الصواب وقد نبه في كتاب السنن والنسائي من حديث يحيى بن يعلى عن أبيه عن غيلان وهو الصواب وقد نبه عبد الغني على الساقط من هذا الاسناد في نسخة أبي العلاء بن ماهان ووقع في كتاب الزكاة من السنن لأبي داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن يعلى حدثنا أبي حدثنا غيلان عن جعفر عن مجاهد عن بن عباس قال لما نزلت والذين يكنزون الذهب والفضة الآية فهذا السند يشهد بصحة ما تقدم قال البخاري في تاريخه يحيى بن يعلى سمع أباه وزائدة بن قدامة هذا آخر كلام القاضي وهو صحيح كما قال ولم يذكر أحد سماعا ليحيى بن يعلى هذا من غيلان بل قالوا سمع أباه وزائدة قوله ( فقال أشرب خمرا فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر ) مذهبنا الصحيح المشهور صحة اقرار السكران ونفوذ أقواله فيما له وعليه والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا أنه لو كان سكران لم يقم عليه الحد ومعنى استنكهه أي شم رائحة فمه واحتج أصحاب مالك وجمهور الحجازيين أنه يحد من وجد منه ريح الخمر وإن لم تقم عليه بينة بشربها ولا أقر به ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما لا يحد بمجرد ريحها بل لا بد من بينة على شربه أو اقراره وليس

(11/200)


في هذا الحديث دلالة لأصحاب مالك قوله ( جاءت امرأة من غامد ) هي بغين معجمة ودال مهملة وهي بطن من جهينة قوله ( فقال لها حتى تضعي مافي بطنك ) فيه أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع سواء كان حملها من زنا أو غيره وهذا مجمع عليه لئلا يقتل جنينها وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل لم تجلد بالاجماع حتى تضع وفيه أن المرأة ترجم إذا زنت وهي محصنة كما يرجم الرجل وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة لأن الأحاديث الصحيحة والاجماع متطابقان على أنه لا يرجم غير المحصن وفيه أن من وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها حتى تضع وهذا مجمع عليه ثم لا ترجم الحامل الزانية ولا يقتص منها بعد وضعها حتى تسقي ولدها اللبأ ويستغنى عنها بلبن غيرها وفيه أن الحمل يعرف ويحكم به وهذا هو الصحيح في مذهبنا قوله ( فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت ) أي قام بمؤنتها ومصالحها وليس هو من الكفالة التي هي بمعنى الضمان لأن هذا لا يجوز في الحدود التي لله تعالى قوله ( لما وضعت قيل قد وضعت الغامدية فقال

(11/201)


النبي صلى الله عليه و سلم إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال إلى رضاعه يانبي الله قال فرجمها ) وفي الرواية الأخرى أنها لما ولدت جاءت بالصبي في خرقة قالت هذا قد ولدته قال فاذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت يا نبي الله هذا قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فرجموها فهاتان الروايتان ظاهرهما الإختلاف فإن الثانية صريحة في أن رجمها كان بعد فطامه وأكله الخبز والأولى ظاهرها أنه رجمها عقب الولادة ويجب تأويل الأولى وحملها على وفق الثانية لأنها قضية واحدة والروايتان صحيحتان والثانية منهما صريحة لا يمكن تأويلها والأولى ليست صريحة فيتعين تأويل الأولى ويكون قوله في الرواية الأولى قام رجل من الأنصار فقال إلى رضاعه إنما قاله بعد الفطام وأراد بالرضاعة كفالته وتربيته وسماه رضاعا مجازا وأعلم أن مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والمشهور من مذهب مالك أنها لا ترجم حتى تجد من ترضعه فإن لم تجد أرضعته حتى تفطمه ثم رجمت وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه إذا وضعت رجمت ولا ينتظر حصول مرضعة وأما هذا الأنصاري الذي كفلها فقصد مصلحة وهو الرفق بها ومساعدتها على تعجيل طهارتها بالحد لما رأى بها من الحرص

(11/202)


التام على تعجيل ذلك قال أهل اللغة الفطام قطع الإرضاع لاستغناء الولد عنه قوله ( قال مالا فاذهبي حتى تلدي ) هو بكسر الهمزة من أما وتشديد الميم وبالإمالة ومعناه إذا أبيت أن تستري على نفسك وتتوبي وترجعي عن قولك فاذهبي حتى تلدي فترجمين بعد ذلك وقد سبق شرح هذه اللفظة مبسوطا قوله ( فتنضح الدم على وجه خالد ) روى بالحاء المهملة وبالمعجمة والأكثرون على المهملة ومعناه ترشش وانصب قوله صلى الله عليه و سلم ( لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ) فيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات وذلك لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده وتكرر ذلك منه وانتهاكه للناس وأخذ أموالهم بغير حقها وصرفها في غير وجهها وفيه أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنى وكذا حكم حد السرقة والشرب

(11/203)


هذا أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك والثاني أنها تسقط ذلك وأما توبة المحارب قبل القدرة عليه فتسقط حد المحاربة بلا خلاف عندنا وعند بن عباس وغيره لا تسقط قوله ( ثم أمر بها فصلى عليها ثم دفنت ) وفي الرواية الثانية أمر بها النبي صلى الله عليه و سلم فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر تصلى عليها يا نبي الله وقد زنت أما الرواية الثانية فصريحة في أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى عليها وأما الرواية الأولى فقال القاضي عياض رضي الله عنه هي بفتح الصاد واللام عند جماهير رواة صحيح مسلم قال وعند الطبري بضم الصاد قال وكذا هو في رواية بن أبي شيبة وأبي داود قال وفي رواية لأبي داود ثم أمرهم أن يصلوا عليها قال القاضي ولم يذكر مسلم صلاته صلى الله عليه و سلم على ماعز وقد ذكرها البخاري وقد اختلف العلماء في الصلاة على المرجوم فكرهها مالك وأحمد للإمام ولأهل الفضل دون باقي الناس ويصلي عليه غير الإمام وأهل الفضل قال الشافعي وآخرون يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم والخلاف بين الشافعي ومالك إنما هو في الإمام وأهل الفضل وأما غيرهم فاتفقا على أنه يصلي وبه قال جماهير العلماء قالوا فيصلى على الفساق والمقتولين في الحدود والمحاربة وغيرهم وقال الزهري لا يصلى أحد على المرجوم وقاتل نفسه وقال قتادة لا يصلي على ولد الزنى واحتج الجمهور بهذا الحديث وفيه دلالة للشافعي أن الإمام وأهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم وأجاب أصحاب مالك عنه بجوابين أحدهما أنهم ضعفوا رواية الصلاة لكون أكثر الرواة لم يذكروها والثاني تأولوها على أنه صلى الله عليه و سلم أمر بالصلاة أو دعا فسمى صلاة على مقتضاها في اللغة وهذان الجوابان فاسدان أما الأول فإن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح وزيادة الثقة مقبولة وأما الثاني فهذا التأويل مردود لأن التأويل إنما يصار إليه إذا اضطربت الأدلة الشرعية إلى ارتكابه وليس هنا شيء من ذلك فوجب حمله على ظاهره والله

(11/204)


أعلم قوله صلى الله عليه و سلم لولي الغامدية [ 1696 ] ( أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها ) هذا الإحسان له سببان أحدهما الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها فأوصى بالإحسان إليها تحذيرا لهم من ذلك والثاني أمر به رحمة لها إذ قد ثابت وحرص على الإحسان إليها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها واسماعها الكلام المؤذي ونحو ذلك فنهى عن هذا كله قوله ( فأمر بها فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ) هكذا هو في معظم النسخ فشكت وفي بعضها فشدت بالدال بدل الكاف وهو معنى الأول وفي هذا استحباب جمع أثوابها عليها وشدها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلبها وتكرار اضطرابها واتفق العلماء على أنه لا ترجم إلا قاعدة وأما الرجل فجمهورهم على أنه يرجم قائما وقال مالك قاعدا وقال غيره يخير الإمام بينهما قوله في بعض الروايات ( فأمر بها فرجمت ) وفي بعضها وأمر الناس فرجموها وفي حديث ماعز أمرنا أن نرجمه ونحو ذلك فيها كلها دلالة لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور وقال أبو حنيفة

(11/205)


وأحمد يحضر الإمام مطلقا وكذا الشهود أن ثبت ببينة ويبدأ الإمام بالرجم إن ثبت بالاقرار وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود وحجة الشافعي أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يحضر أحدا ممن رجم والله أعلم قوله [ 1697 ] [ 1698 ] ( أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله ) معنى أنشدك أسألك رافعا نشيدي وهو صوتي وهو بفتح الهمزة وضم الشين وقوله بكتاب الله أي بما تضمنه كتاب الله وفيه أنه يستحب للقاضي أن يصبر على من يقول من جفاة الخصوم أحكم بالحق بيننا ونحو ذلك قوله ( فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه ) قال العلماء يجوز أن يكون أراد انه بالإضافة أكثر فقها منه ويحتمل أن المراد أفقه منه في هذه القضية لوصفه إياها على وجهها ويحتمل أنه لأدبه واستئذانه في الكلام وحذره من الوقوع في النهي في قوله تعالى لا تقدموا بين يدي الله ورسوله بخلاف خطاب الأول في قوله أنشدك الله إلى آخره فإنه من جفاء الأعراب قوله ( إن ابني كان عسيفا على هذا ) هو بالعين والسين المهملتين أي أجيرا وجمعه عسفاء كأجير وأجراء وفقيه وفقهاء قوله صلى الله عليه و سلم ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) يحتمل أن المراد بحكم الله وقيل هو إشارة إلى قوله تعالى أو يجعل الله لهن سبيلا وفسر النبي صلى الله عليه و سلم السبيل بالرجم في حق المحصن كما سبق في حديث عبادة بن الصامت وقيل هو إشارة إلى آية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما وقد سبق أنه مما نسخت تلاوته وبقى حكمه فعلى هذا يكون الجلد قد أخذه من قوله تعالى الزانية والزاني وقيل المراد نقض صلحهما الباطل على الغنم والوليدة قوله ( فسألت أهل العلم ) فيه جواز استفتاء غير النبي صلى الله عليه و سلم في زمنه لأنه صلى الله عليه و سلم لم ينكر

(11/206)


ذلك عليه وفيه جواز استفتاء المفضول مع وجود أفضل منه قوله صلى الله عليه و سلم ( الوليده والغنم رد ) أي مردودة ومعناه يجب ردها اليك وفي هذا أن الصلح الفاسد يرد وأن أخذ المال فيه باطل يجب رده وأن الحدود لاتقبل الفداء قوله صلى الله عليه و سلم ( وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ) هذا محمول على أن الابن كان بكرا وعلى أنه اعترف وإلا فإقرار الأب عليه لايقبل أو يكون هذا إفتاء أي إن كان ابنك زنى وهو بكر فعليه جلد مائة وتغريب عام قوله صلى الله عليه و سلم ( واغد ياأنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فغدا عليها فاعترفت فأمر بها فرجمت ) أنيس هذا صحابي مشهور وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي معدود في الشاميين وقال بن عبد البر هو أنيس بن مرثد والأول هو الصحيح المشهور وأنه أسلمي والمرأة أيضا أسلمية واعلم أن بعث أنيس محمول عند العلماء من أصحابنا وغيرهم على إعلام المرأة بأن هذا الرجل قذفها بابنه فيعرفها بأن لها عنده حد القذف فتطالب به أو تعفو عنه إلا أن تعترف بالزنى فلا يجب عليه حد القذف بل يجب عليها حد الزنى وهو الرجم لأنها كانت محصنة فذهب إليها أنيس فاعترفت بالزنى فأمر النبي صلى الله عليه و سلم برجمها فرجمت ولا بد من هذا التأويل لأن ظاهره أنه بعث لإقامة حد الزنى وهذا غير مراد لأن حد الزنى لا يحتاج له بالتجسس والتفتيش عنه بل لو أقر به الزاني استحب ان يلقن الرجوع كما سبق فحينئذ يتعين التأويل الذي ذكرناه وقد اختلف أصحابنا

(11/207)


في هذا البعث هل يجب على القاضي إذا قذف إنسان معين في مجلسه أن يبعث إليه ليعرفه بحقه من حد القذف أم لا يجب والأصح وجوبه وفي هذا الحديث أن المحصن يرجم ولا يجلد مع الرجم وقد سبق بيان الخلاف فيه [ 1699 ] قوله ( إن النبي صلى الله عليه و سلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا إلى قوله فرجما ) في هذا دليل لوجوب حد الزنى على الكافر وأنه يصح نكاحه لأنه لا يجب الرجم إلا على محصن فلو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه ولم يرجم وفيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع وهو الصحيح وقيل لا يخاطبون بها وقيل أنهم مخاطبون بالنهي دون الأمر وفيه أن الكفار إذا تحاكموا إلينا حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا وقال مالك لا يصح إحصان الكافر قال وإنما رجمهما لأنهما لم يكونا أهل ذمة وهذا تأويل باطل لأنهما كانا من أهل العهد ولأنه رجم المرأة والنساء لا يجوز قتلهن مطلقا قوله صلى الله عليه و سلم ( فقال ما تجدون في التوراة ) قال العلماء هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم فإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم ولعله صلى الله عليه و سلم قد أوحى إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم ولهذا لم يخف ذلك عليه حين كتموه قوله ( نسود وجوههما ونحملهما ) هكذا هو في أكثر النسخ نحملهما بالحاء واللام وفي بعضها نجملهما بالجيم وفي بعضها نحممهما بميمين وكله متقارب فمعنى الأول نحملهما على الحمل ومعنى الثاني نجملهما جميعا على الجمل ومعنى الثالث نسود وجوههما بالحمم بضم الحاء وفتح الميم وهو الفحم وهذا الثالث ضعيف لأنه قال قبله نسود وجوههما فإن قيل كيف رجم اليهوديان

(11/208)


بالبينة أم بالاقرار قلنا الظاهر أنه بالاقرار وقد جاء في سنن أبي داود وغيره أنه شهد عليهما أربعة

(11/209)


أنهم رأوا ذكره في فرجها فإن صح هذا فإن كان الشهود مسلمين فظاهر وإن كانوا كفارا فلا اعتبار بشهادتهم ويتعين أنهما أقرا بالزنى قوله ( رجم رجلا من اليهود [ 1701 ] وامرأته ) أي صاحبته التي زنا

(11/210)


بها ولم يرد زوجته وفي رواية وامرأة قوله صلى الله عليه و سلم [ 1703 ] ( إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ) التثريب التوبيخ واللوم على الذنب ومعنى تبين زناها تحققه أما بالبينة وأما برؤية أو علم عند من يجوز القضاء بالعلم في الحدود وفي هذا الحديث دليل على وجوب حد الزنى على الاماء والعبيد وفيه أن السيد يقيم الحد على عبده وأمته وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وقال أبو حنيفة رضي الله عنه في طائفة ليس له ذلك وهذا الحديث صريح في الدلالة للجمهور وفيه دليل على أن العبد والأمة لا يرجمان سواء كانا مزوجين أم لا لقوله صلى الله عليه و سلم فليجلدها الحد ولم يفرق بين مزوجة وغيرها وفيه أنه لا يوبخ الزاني بل يقام عليه الحد فقط قوله صلى الله عليه و سلم ( إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر ) فيه أن الزاني إذا حد ثم زنى ثانيا يلزمه حد آخر فإن زنى ثالثة لزمه حد آخر فإن حد ثم زنا لزمه حد آخر وهكذا أبدا فأما إذا زنى مرات ولم يحد لواحدة منهن فيكفيه حد واحد للجميع وفيه

(11/211)


ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم وهذا البيع المأمور به مستحب ليس بواجب عندنا وعند الجمهور وقال داود وأهل الظاهر هو واجب وفيه جواز بيع الشيء النفيس بثمن حقير وهذا مجمع عليه إذا كان البائع عالما به فإن كان جاهلا فكذلك عندنا وعند الجمهور ولأصحاب مالك فيه خلاف والله أعلم وهذا البيع المأمور به يلزم صاحبه أن يبين حالها للمشتري لأنه عيب والإخبار بالعيب واجب فإن قيل كيف يكره شيئا ويرتضيه لأخيه المسلم فالجواب لعلها تستعف عند المشتري بأن يعفها بنفسه أو يصونها بهيبته أو بالاحسان إليها والتوسعة عليها أو يزوجها أو غير ذلك والله أعلم قوله ( قرأت على مالك عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال إن زنت فاجلدوها ) وفي

(11/212)


الحديث الآخر أن عليا رضي الله تعالى عنه خطب فقال يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن قال الطحاوي وفي الرواية الأولى لم يذكر أحد من الرواة قوله ولم يحصن غير مالك وأشار بذلك إلى تضعيفها وأنكر الحفاظ هذا على الطحاوي قالوا بل روى هذه اللفظة أيضا بن عيينة ويحيى بن سعيد عن بن شهاب كما قال مالك فحصل أن هذه اللفظة صحيحة وليس فيها حكم مخالف لأن الأمة تجلد نصف جلد الحرة سواء كانت الأمة محصنة بالتزويج أم لا وفي هذا الحديث بيان من لم يحصن وقوله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب فيه بيان من أحصنت فحصل من الآية الكريمة والحديث بيان أن الأمة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد وهو معنى ما قاله علي رضي الله تعالى عنه وخطب الناس به فإن قيل فما الحكمة في التقييد في قوله تعالى فإذا أحصن مع أن عليها نصف جلد الحرة سواء كانت الأمة محصنة أم لا فالجواب أن الآية نبهت على أن الأمة وإن كانت مزوجة لا يجب عليها إلا نصف جلد الحرة لأنه الذي ينتصف وأما الرجم فلا ينتصف

(11/213)


فليس مرادا في الآية بلا شك فليس للأمة المزوجة الموطوءة في النكاح حكم الحرة الموطوءة في النكاح فبينت الآية هذا لئلا يتوهم أن الأمة المزوجة ترجم وقد أجمعوا على أنها لا ترجم وأما غير المزوجة فقد علمنا أن عليها نصف جلد المزوجة بالأحاديث الصحيحة منها حديث مالك هذا وباقي الروايات المطلقة إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها وهذا يتناول المزوجة وغيرها وهذا الذي ذكرناه من وجوب نصف الجلد على الأمة سواء كانت مزوجة أم لا هو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد وجماهير علماء الأمة وقال جماعة من السلف لا حد على من لم تكن مزوجة من الإماء والعبيد ممن قاله بن عباس وطاوس وعطاء وبن جريج وأبو عبيدة قوله [ 1705 ] ( قال علي زنت أمة لرسول الله صلى الله عليه و سلم فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديث عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فقال أحسنت ) فيه أن الجلد واجب على الأمة الزانية وأن النفساء والمريضة ونحوهما يؤخر جلدهما إلى البرء والله أعلم

(11/214)


( باب حد الخمر قوله ( إن النبي صلى الله عليه و سلم أتى برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين وفعله [ 1706 ] أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر ) وفي رواية جلد النبي صلى الله عليه و سلم في الخمر بالجريد والنعال ثم جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من الريف قال ما ترون في جلد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف أرى أن تجعلها كأخف الحدود قال فجلد عمر ثمانين وفي رواية أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين وفي حديث علي رضي الله عنه أنه جلد أربعين ثم قال للجلاد أمسك ثم قال جلد النبي صلى الله عليه و سلم أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلى أما قوله في الرواية الأولى فقال عبد الرحمن أخف الحدود فهو بنصب أخف وهو منصوب بفعل محذوف أي اجلده كأخف الحدود أو اجعله كأخف الحدود كما صرح به في الرواية الأخرى وقوله ( أرى أن تجعلها ) يعني العقوبة التي هي حد الخمر وقوله اخف الحدود يعني )

(11/215)


المنصوص عليها في القرآن وهي حد السرقة بقطع اليد وحد الزنى جلد مائة وحد القذف ثمانين فاجعلها ثمانين كأخف هذه الحدود وفي هذا جواز القياس واستحباب مشاورة القاضي والمفتي أصحابه وحاضري مجلسه في الأحكام قوله [ 1707 ] ( وكل سنة ) معناه أن فعل النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر سنة يعمل بها وكذا فعل عمر ولكن فعل النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر

(11/216)


أحب إلي وقوله ( وهذا أحب إلي ) إشارة إلى الأربعين التي كان جلدها وقال للجلاد أمسك ومعناه هذا الذي قد جلدته وهو الأربعون أحب إلي من الثمانين وفيه أن فعل الصحابي سنة يعمل بها وهو موافق لقوله صلى الله عليه و سلم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ والله أعلم وأما الخمر فقد أجمع المسلمون على تحريم شرب الخمر وأجمعوا على وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلا أو كثيرا وأجمعوا على أنه لا يقتل بشربها وإن تكرر ذلك منه هكذا حكى الاجماع فيه الترمذي وخلائق وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن طائفة شاذة أنهم قالوا يقتل بعد جلده أربع مرات للحديث الوارد في ذلك وهذا القول باطل مخالف لاجماع الصحابة فمن بعدهم على أنه لا يقتل وإن تكرر منه أكثر من أربع مرات وهذا الحديث منسوخ قال جماعة دل الاجماع على نسخه وقال بعضهم نسخه قوله صلى الله عليه و سلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة واختلف العلماء في قدر حد الخمر فقال الشافعي وأبو ثور وداود وأهل الظاهر وآخرون حده أربعون قال الشافعي رضي الله عنه وللإمام أن يبلغ به ثمانين وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله وفي تعرضه للقذف والقتل وانواع الإيذاء وترك الصلاة وغير ذلك ونقل القاضي عن الجمهور من السلف والفقهاء منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى أنهم قالوا حده ثمانون واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة وأن فعل النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن للتحديد ولهذا قال في الرواية الأولى نحو أربعين وحجة الشافعي وموافقيه أن النبي صلى الله عليه و سلم إنما جلد أربعين كما صرح به في الرواية الثانية وأما زيادة عمر فهي تعزيرات والتعزير إلى رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه بحسب المصلحة في فعله وتركه فرآه عمر ففعله ولم يره النبي صلى الله عليه و سلم ولا أبو بكر ولا علي فتركوه وهكذا يقول الشافعي رضي الله عنه أن الزيادة إلى رأي الإمام وأما الأربعون فهي الحد المقدر الذي لا بد منه ولو كانت الزيادة حدا لم يتركها النبي صلى الله عليه و سلم وأبو بكر رضي الله عنه ولم يتركها علي رضي الله عنه بعد فعل عمر ولهذا قال علي رضي الله عنه وكل سنة معناه الاقتصار

(11/217)


على الأربعين وبلوغ الثمانين فهذا الذي قاله الشافعي رضي الله عنه هو الظاهر الذي تقتضيه هذه الأحاديث ولا يشكل شئ منها ثم هذا الذي ذكرناه هو حد الحر فأما العبد فعلى النصف من الحر كما في الزنى والقذف والله أعلم وأجمعت الأمة على أن الشارب يحد سواء سكر أم لا واختلف العلماء في من شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة فقال الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى وجماهير العلماء من السلف والخلف هو حرام يجلد فيه كجلد شارب الخمر الذي هو عصير العنب سواء كان يعتقد اباحته أو تحريمه وقال أبو حنيفة والكوفيون رحمهم الله تعالى لا يحرم ولا يحد شاربه وقال أبو ثور هو حرام يجلد بشربه من يعتقد تحريمه دون من يعتقد إباحته والله أعلم

(11/218)


علي وغيره فنسب ذلك في رواية إلى عبد الرحمن رضي الله عنه لسبقه به ونسبه في رواية إلى علي رضي الله عنه لفضيلته وكثرة علمه ورجحانه علي عبد الرحمن رضي الله عنه قوله ( عن عبد الله الداناج ) هو بالدال المهملة والنون والجيم ويقال له أيضا الدانا بحذف الجيم والداناه بالهاء ومعناه بالفارسية العالم قوله ( حدثنا حضين بن المنذر ) هو بالضاد المعجمة وقد سبق أنه ليس في الصحيحين حضين بالمعجمة غيره قوله ( فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقيأ فقال عثمان رضي الله عنه أنه لم يتقيأ حتى شربها ثم جلده ) هذا دليل لمالك وموافقيه في أن من تقيأ الخمر يحد حد الشارب ومذهبنا أنه لا يحد بمجرد ذلك لإحتمال أنه شربها جاهلا كونها خمرا أو مكرها عليها أو غير ذلك من الأعذار المسقطة للحدود ودليل مالك هنا قوي لأن الصحابة اتفقوا على جلد الوليد بن عقبة المذكور في هذا الحديث وقد يجيب أصحابنا عن هذا بأن عثمان رضي الله عنه علم شرب الوليد فقضى بعلمه في الحدود وهذا تأويل ضعيف وظاهر كلام عثمان يرد على هذا التأويل والله أعلم قوله ( أن عثمان رضي الله عنه قال يا علي قم فاجلده فقال علي قم يا حسن فاجلده فقال حسن ول حارها من تولى قارها فكأنه وجد عليه فقال يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال أمسك ) معنى هذا الحديث أنه لما ثبت الحد على الوليد بن عقبة قال عثمان رضي الله عنه وهو الإمام لعلي على سبيل التكريم له وتفويض الأمر إليه في استيفاء الحد قم فأجلده أي أقم عليه الحد بأن تأمر من ترى بذلك فقبل علي رضي الله عنه ذلك فقال للحسن قم فاجلده فامتنع الحسن فقال لابن جعفر فقبل فجلده وكان علي مأذونا له في التفويض إلى من رأى كما ذكرناه وقوله وجد عليه أي غضب عليه وقوله ول حارها من تولى قارها الحار الشديد المكروه والقار البارد الهنيء الطيب وهذا مثل من أمثال العرب قال الأصمعي وغيره معناه ول شدتها وأوساخها من تولى هنيئها ولذاتها والضمير عائد إلى الخلافة والولاية أي كما أن عثمان وأقاربه يتولون هنيء الخلافة ويختصون به يتولون نكدها وقاذوراتها ومعناه ليتول هذا الجلد عثمان بنفسه أو بعض خاصة أقاربه الأدنين والله أعلم قوله ( قال أمسك ثم قال وكل سنة ) هذا دليل على أن عليا رضي الله عنه كان معظما لآثار عمر وأن حكمه وقوله سنة وأمره حق وكذلك أبو بكر رضي الله عنه خلاف ما يكذبه الشيعة عليه واعلم أنه وقع هنا في مسلم ما ظاهره أن عليا جلد

(11/219)


الوليد بن عقبة أربعين ووقع في صحيح البخاري من رواية عبد الله بن عدي بن الخيار أن عليا جلد ثمانين وهي قضية واحدة قال القاضي عياض المعروف من مذهب علي رضي الله عنه الجلد في الخمر ثمانين ومنه قوله في قليل الخمر وكثيرها ثمانون جلدة وروى عنه أنه جلد المعروف بالنجاشي ثمانين قال والمشهور أن عليا رضي الله عنه هو الذي أشار على عمر بإقامة الحد ثمانين كما سبق عن رواية الموطأ وغيره قال وهذا كله يرجح رواية من روى أنه جلد الوليد ثمانين قال ويجمع بينه وبين ما ذكره مسلم من رواية الاربعين بما روى أنه جلده بسوط له رأسان فضربه برأسه أربعين فتكون جملتها ثمانين قال ويحتمل أن يكون قوله وهذا أحب إلى عائد إلى الثمانين إلى فعلها عمر رضي الله عنه فهذا كلام القاضي وقد قدمنا ما يخالف بعض ما قاله وذكرنا تأويله والله أعلم قوله ( عن أبي حصين عن عمير بن سعيد عن علي رضي الله عنه قال ما كنت أقيم على أحد حدا فيموت فأجد منه في نفسي إلا صاحب الخمر لأنه إن مات وديته لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يسنه ) أما أبو حصين هذا فهو بحاء مفتوحة وصاد مكسورة واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي وأما عمير بن سعيد فهكذا هو في جميع نسخ مسلم عمير بن سعيد بالياء في عمير وفي سعيد وهكذا هو في صحيح البخاري وجميع كتب الحديث والأسماء ولا خلاف فيه ووقع في الجمع بين الصحيحين عمير بن سعد بحذف الياء من سعيد وهو غلط وتصحيف إما من الحميدي وأما من بعض الناقلين عنه ووقع في المهذب من كتب أصحابنا في المذهب في باب التعزير عمر بن سعد بحذف الياء من الأثنين وهو غلط فاحش والصواب

(11/220)


اثبات الياء فيهما كما سبق وأما قوله ( إن مات وديته ) فهو بتخفيف الدال أي غرمت ديته قال بعض العلماء وجه الكلام أن يقال فإنه إن مات وديته بالفاء لا باللام وهكذا هو في رواية البخاري بالفاء وقوله ( إن النبي صلى الله عليه و سلم لم يسنه ) معناه لم يقدر فيه حدا مضبوطا وقد أجمع العلماء علىأن من وجب عليه الحد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات فلا دية فيه ولا كفارة لا على الإمام ولا على جلاده ولا في بيت المال وأما من مات من التعزير فمذهبنا وجوب ضمانه بالدية والكفارة وفي محل ضمانه قولان للشافعي أصحهما تجب ديته على عاقلة الإمام والكفارة في مال الإمام والثاني تجب الدية في بيت المال وفي الكفارة على هذا وجهان لأصحابنا أحدهما في بيت المال أيضا والثاني في مال الإمام هذا مذهبنا وقال جماهير العلماء لا ضمان فيه لا على الإمام ولا على عاقلته ولا في بيت المال والله أعلم
( باب قدر أسواط التعزير [ 1708 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله عز و جل ) ضبطوه يجلد بوجهين أحدهما بفتح الياء وكسر اللام والثاني بضم الياء وفتح اللام وكلاهما صحيح واختلف العلماء في التعزير هل يقتصر فيه على عشرة أسواط فما دونها ولا تجوز الزيادة أم تجوز الزيادة فقال أحمد بن حنبل وأشهب المالكي وبعض أصحابنا لا تجوز الزيادة على عشرة أسواط وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى جواز الزيادة ثم اختلف هؤلاء فقال مالك وأصحابه وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور والطحاوي لا ضبط لعدد الضربات بل ذلك إلى رأي الإمام وله أن يزيد على قدر الحدود قالوا لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب )

(11/221)


من نقش على خاتمه مائة وضرب صبيا أكثر من الحد وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يبلغ به أربعين وقال بن أبي ليلى خمسة وسبعون وهي رواية عن مالك وأبي يوسف وعن عمر لا يجاوز به ثمانين وعن بن أبي ليلى رواية أخرى هو دون المائة وهو قول بن شبرمة وقال بن أبي ذئب وبن أبي يحيى لا يضرب أكثر من ثلاثة في الأدب وقال الشافعي وجمهور أصحابه لا يبلغ بتعزير كل انسان أدنى حدوده فلا يبلغ بتعزير العبد عشرين ولا بتعزير الحر أربعين وقال بعض أصحابنا لا يبلغ بواحد منهما أربعين وقال بعضهم لا يبلغ بواحد منهما عشرين وأجاب أصحابنا عن الحديث بأنه منسوخ واستدلوا بأن الصحابة رضي الله عنهم جاوزوا عشرة أسواط وتأوله أصحاب مالك على أنه كان ذلك مختصا بزمن النبي صلى الله عليه و سلم لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر وهذا التأويل ضعيف والله أعلم قوله ( في اسناد هذا الحديث ) أخبرني عمرو يعني بن الحارث عن بكير بن الأشج قال حدثنا سليمان بن بشار قال حدثني عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عن أبي برده قال الدارقطني تابع عمرو بن الحارث أسامة بن زيد عن بكير عن سليمان وخالفهما الليث وسعيد بن أبي أيوب وبن لهيعة فرووه عن بكير عن سليمان عن عبد الرحمن بن جابر عن أبي بردة لم يذكروا عن أبيه واختلف فيه على مسلم بن ابراهيم فقال بن جريج عنه عن عبد الرحمن بن جابر عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه و سلم وقال حفص بن ميسرة عنه عن جابر عن أبيه قال الدارقطني في كتاب العلل القول قول الليث ومن تابعه عن بكير وقال في كتاب البيع قول عمرو صحيح والله أعلم
( باب الحدود كفارات لأهلها [ 1709 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا )

(11/222)


النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ) وفي الرواية الأخرى ولا يعضه بعضنا بعضا فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارته ومن ستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وفي الرواية الأخرى بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نزني ولا نسرق ولا نقتل النفس التي حرم الله ولا ننتهب ولا نعصي فالجنة إن فعلنا ذلك فإن غشينا من ذلك شيئا كان قضاء ذلك الله تعالى أما قوله صلى الله عليه و سلم فمن وفى فبتخفيف الفاء وقوله ولا يعضه هو بفتح الياء والضاد والمعجمة أي لا يستحب وقيل لا يأتي ببهتان وقيل لا يأتي بنميمة وأعلم أن هذا الحديث عام مخصوص وموضع التخصيص قوله صلى الله عليه و سلم ومن أصاب شيئا من ذلك إلى آخره المراد به ما سوى الشرك وإلا فالشرك لا يغفر له وتكون عقوبته كفارة له وفي هذا الحديث فوائد منها تحريم هذه المذكورات وما في معناها ومنها الدلالة لمذهب أهل الحق أن

(11/223)


المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها بل هو بمشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه خلافا للخوارج والمعتزلة فإن الخوارج يكفرون بالمعاصي والمعتزلة يقولون لا يكفر ولكن يخلد في النار وسبقت المسألة في كتاب الإيمان مبسوطة بدلائلها ومنها أن من ارتكب ذنبا يوجب الحد فحد سقط عنه الإثم قال القاضي عياض قال أكثر العلماء الحدود كفارة استدلالا بهذا الحديث قال ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا أدري الحدود كفارة قال ولكن حديث عبادة الذي نحن فيه أصح إسنادا ولا تعارض بين الحديثين فيحتمل أن حديث أبي هريرة قبل حديث عبادة فلم يعلم ثم علم قال المازري ومن نفيس الكلام وجزله قوله ولا نعصي فالجنة إن فعلنا ذلك وقال في الرواية الأولى فمن وفي منكم فأجره على الله ولم يقل فالجنة لأنه لم يقل في الرواية الأولى ولا نعصي وقد يعصي الإنسان بغير الذنوب المذكورة في هذا الحديث كشرب الخمر وأكل الربا وشهادة الزور وقد يتجنب المعاصي المذكورة في الحديث ويعطي أجره على ذلك وتكون له معاص غير ذلك فيجازى بها والله أعلم

(11/224)


( باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار أي هدر [ 1710 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس ) العجماء بالمدهى كل الحيوان سوى الآدمي وسميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم والجبار بضم الجيم وتخفيف الباء الهدر فأما قوله صلى الله عليه و سلم العجماء جرحها جبار فمحمول على ما إذا أتلفت شيئا بالنهار أو أتلفت بالليل بغير تفريط من مالكها أو أتلفت شيئا وليس معها أحد فهذا غير مضمون وهو مراد الحديث فأما إذا كان معها سائق أو قائد أو راكب فأتلفت بيدها أو برجلها أو فمها ونحوه وجب ضمانه في مال الذي هو معها سواء كان مالكا أو مستأجرا أو مستعيرا أو غاصبا أو مودعا أو وكيلا أو غيره إلا أن تتلف آدميا فتجب ديته على عاقلة الذي معها والكفارة في ماله والمراد بجرح العجماء اتلافها سواء كان بجرح أو غيره قال القاضي أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إذا لم يكن معها أحد فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفته وقال داود وأهل الظاهر لا ضمان بكل حال إلا أن يحملها الذي هو معها على ذلك أو يقصده وجمهورهم على أن الضارية من الدواب كغيرها على ما ذكرناه وقال مالك وأصحابه يضمن مالكها ما أتلفت وكذا قال أصحاب الشافعي يضمن إذا كانت معروفة بالإفساد لأن عليه ربطها والحالة هذه وأما إذا أتلفت ليلا فقال مالك يضمن صاحبها ما أتلفته )

(11/225)


وقال الشافعي وأصحابه يضمن إن فرط في حفظها وإلا فلا وقال أبو حنيفة لا ضمان فيما أتلفته البهائم لا في ليل ولا في نهار وجمهورهم على أنه لا ضمان فيما رعته نهارا وقال الليث وسحنون يضمن وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( والمعدن جبار ) فمعناه أن الرجل يحفر معدنا في ملكه أو في موات فيمر بها مار فيسقط فيها فيموت أو يستأجر اجراء يعملون فيها فيقع عليهم فيموتون فلا ضمان في ذلك وكذا البئر جبار معناه أنه يحفرها في ملكه أو في موات فيقع فيها انسان أو غيره ويتلف فلا ضمان وكذا لو استأجره لحفرها فوقعت عليه فمات فلا ضمان فأما إذا حفر البئر في طريق المسلمين أو في ملك غيره بغير اذنه فتلف فيها انسان فيجب ضمانه على عاقلة حافرها والكفارة في مال الحافر وإن تلف بها غير الآدمي وجب ضمانه في مال الحافر وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( وفي الركاز الخمس ) ففيه تصريح بوجوب الخمس فيه وهو زكاة عندنا والركاز هو دفين الجاهلية وهذا مذهبنا ومذهب أهل الحجاز وجمهور العلماء وقال أبو حنيفة وغيره من أهل العراق هوالمعدن وهما عندهم لفظان مترادفان وهذا الحديث يرد عليهم لأن النبي صلى الله عليه و سلم فرق بينهما وعطف أحدهما على الآخر وأصل الركاز في اللغة الثبوت والله أعلم

(11/226)


( كتاب الأقضية )
( باب اليمين على المدعى عليه قال الزهري رحمه الله تعالى القضاء في الأصل أحكام الشيء والفراغ منه ويكون القضاء امضاء الحكم ومنه قوله تعالى وقضينا إلى بني اسرائيل وسمي الحاكم قاضيا لأنه يمضي الأحكام ويحكمها ويكون قضى بمعنى أوجب فيجوز أن يكون سمي قاضيا لإيجابه الحكم على من يجب عليه وسمي حاكما لمنعه الظالم من الظلم يقال حكمت الرجل وأحكمته إذا منعته وسميت حكمة الدابة لمنعها الدابة من ركوبها رأسها وسميت الحكمة حكمة لمنعها النفس من هواها قوله صلى الله عليه و سلم [ 1711 ] ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ) وفي رواية أن النبي صلى الله عليه و سلم قضى باليمين على المدعي عليه هكذا روى هذا الحديث البخاري ومسلم في صحيحهما مرفوعا من رواية بن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم وهكذا ذكره أصحاب السنن وغيرهم قال القاضي عياض رضي الله عنه قال الأصيلي لا يصح مرفوعا )

(12/2)


إنما هو قول بن عباس كذا رواه أيوب ونافع الجمحي عن بن أبي مليكة عن بن عباس قال القاضي قد رواه البخاري ومسلم من رواية بن جريج مرفوعا هذا كلام القاضي قلت وقد رواه أبو داود والترمذي بأسانيدهما عن نافع بن عمر الجمحي عن بن أبي مليكة عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم مرفوعا قال الترمذي حديث حسن صحيح وجاء في رواية البيهقي وغيره باسناد حسن أو صحيح زيادة عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر وهذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع ففيه أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك وقد بين صلى الله عليه و سلم الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه لأنه لو كان أعطى بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم واستبيح ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه وأما المدعى فيمكنه صيانتهما بالبينة وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي والجمهور من سلف الأمة وخلفها أن اليمين تتوجه على كل من ادعى عليه حق سواء كان بينه وبين المدعى اختلاطا أم لا وقال مالك وجمهور أصحابه والفقهاء السبعة فقهاء المدينة أن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبينه خلطة لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارا في اليوم الواحد فاشترطت الخلطة دفعا لهذه المفسدة واختلفوا في تفسير الخلطة فقيل هي معرفته بمعاملته ومدينته أبشاهد أو بشاهدين وقيل تكفي الشبهة وقيل هي أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله وقيل أن يليق به أن يعامله بمثلها ودليل الجمهور حديث الباب ولا أصل لاشتراط الخلطة في كتاب ولا سنة ولا اجماع

(12/3)


( باب وجوب الحكم بشاهد ويمين [ 1712 ] قوله ( عن بن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قضى بيمين وشاهد ) فيه جواز القضاء بشاهد ويمين واختلف العلماء في ذلك فقال أبو حنيفة رضي الله عنه والكوفيون والشعبي والحكم والأوزاعي والليث والأندلسيون من أصحاب مالك لا يحكم بشاهد ويمين في شيء من الأحكام وقال جمهور علماء الإسلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار يقضي بشاهد ويمين المدعى في الأموال وما يقصد به الأموال وبه قال أبو بكر الصديق وعلي وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأحمد وفقهاء المدينة وسائر علماء الحجاز ومعظم علماء الأمصار رضي الله عنهم وحجتهم أنه جاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة من رواية علي وبن عباس وزيد بن ثابت وجابر وأبي هريرة وعمارة ! بن حزم وسعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال الحفاظ أصح أحاديث الباب حديث بن عباس قال بن عبد البر لا مطعن لأحد في اسناده قال ولا خلاف بين أهل المعرفة في صحته قال وحديث أبي هريرة وجابر وغيرهما حسان والله أعلم بالصواب )
باب بيان أن حكم الحاكم لا يغير الباطن [ 1713 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( انكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فاقضي له على نحو مما أسمع منه فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار ) وفي الرواية الأخرى إنما أنا بشر وانه يأتيني الخصم فلعل بعضهم أن يكون

(12/4)


أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضى له فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها أما ألحن فهو بالحاء المهملة ومعناه أبلغ وأعلم بالحجة كما صرح به في الرواية الثانية وقوله صلى الله عليه و سلم ( إنما أنا بشر ) معناه التنبيه على حالة البشرية وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئا إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ذلك وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز عليهم وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر فيحكم بالبينة وباليمين ونحو ذلك من أحكام الظاهر مع إمكان كونه في الباطن خلاف ذلك ولكنه إنما كلف الحكم بالظاهر وهذا نحو قوله صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله وفي حديث المتلاعنين لولا الإيمان لكان لي ولها شأن ولو شاء الله تعالى لأطلعه صلى الله عليه و سلم على باطن أمر الخصمين فحكم بيقين نفسه من غير حاجة إلى شهادة أو يمين لكن لما أمر الله تعالى أمته باتباعه والاقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه أجرى له حكمهم في عدم الإطلاع على باطن الأمور ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه فأجرى الله تعالى أحكامه على الظاهر الذي يستوى فيه هو وغيره ليصح الإقتداء به وتطيب نفوس العباد للانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن والله أعلم فإن قيل هذا الحديث ظاهره أنه قد يقع منه صلى الله عليه و سلم في الظاهر مخالف للباطن وقد اتفق الأصوليون على أنه صلى الله عليه و سلم لا يقر على خطأ في الأحكام فالجواب أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصوليين لأن مراد الأصوليين فيما

(12/5)


حكم فيه باجتهاده فهل يجوز أن يقع فيه خطأ فيه خلاف الأكثرون على جوازه ومنهم من منعه فالذين جوزوه قالوا لا يقر على امضائه بل يعلمه الله تعالى به ويتداركه وأما الذي في الحديث فمعناه إذا حكم بغير اجتهاد كالبينة واليمين فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف وهو وجوب العمل بشاهدين مثلا فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك فالتقصير منهما وممن ساعدهما وأما الحكم فلا حيلة له في ذلك ولا عيب عليه بسببه بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد فإن هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع والله أعلم وفي هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير علماء الإسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أن حكم الحاكم لا يحيل الباطن ولا يحل حراما فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال فحكم به الحاكم لم يحل للمحكوم له ذلك المال ولو شهدا عليه بقتل لم يحل للولى قتله مع علمه بكذبهما وإن شهدا بالزور أنه طلق امرأته لم يحل لمن علم بكذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي بالطلاق وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يحل حكم الحاكم الفروج دون الأموال فقال يحل نكاح المذكورة وهذا مخالف لهذا الحديث الصحيح ولا جماع من قبله ومخالف لقاعدة وافق هو وغيره عليها وهي أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( فإنما أقطع له به قطعة من النار ) معناه إن قضيت له بظاهر يخالف الباطن فهو حرام يؤول به إلى النار قوله صلى الله عليه و سلم ( فليحملها أو يذرها ) ليس معناه التخيير بل هو التهديد والوعيد كقوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وكقوله سبحانه اعملوا ما شئتم قوله ( سمع لجبة خصم بباب أم سلمة ) هي بفتح اللام والجيم وبالباء الموحدة وفي الرواية التي قبل هذه جلبة خصم بتقديم الجيم وهما صحيحان والجلبة واللجبة اختلاط الأصوات والخصم هنا الجماعة وهو من الألفاظ التي تقع على الواحد والجمع والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( فمن قضيت له بحق مسلم ) هذا التقييد بالمسلم خرج على الغالب وليس المراد به الاحتراز

(12/6)


من الكافر فإن مال الذمي والمعاهد والمرتد في هذا كمال المسلم والله أعلم
( باب قضية هند [ 1714 ] قوله ( يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك من جناح فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك ) في هذا الحديث فوائد منها 1 وجوب نفقة الزوجة ومنها 2 وجوب نفقة الأولاد الفقراء الصغار ومنها 3 أن النفقة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد ومذهب أصحابنا أن نفقة القريب مقدرة بالكفاية كما هو ظاهر هذا الحديث ونفقة الزوجة مقدرة بالأمداد على الموسر كل يوم مدان وعلىالمعسر مد وعلى المتوسط مد ونصف وهذا الحديث يرد على أصحابنا ومنها 4 جواز سماع كلام الأجنبية عند الافتاء والحكم وكذا ما في معناه ومنها 5 جواز ذكر الإنسان بما يكرهه إذا كان للاستفتاء والشكوى ونحوهما ومنها 6 أن من له على غيره حق وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه وهذا مذهبنا ومنع ذلك )

(12/7)


أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهما ومنها 7 جواز إطلاق الفتوى ويكون المراد تعليقها بثبوت ما يقوله المستفتي ولا يحتاج المفتي أن يقول إن ثبت كان الحكم كذا وكذا بل يجوز له الاطلاق كما أطلق النبي صلى الله عليه و سلم فإن قال ذلك فلا بأس ومنها 8 أن للمرأة مدخلا في كفالة أولادها والأنفاق عليهم من مال أبيهم قال أصحابنا إذا امتنع الأب من الانفاق على الولد الصغير أو كان غائبا أذن القاضي لأمه في الأخذ من آل الأب أو الاستقراض عليه والانفاق على الصغير بشرط أهليتها وهل لها الاستقلال بالأخذ من ماله بغير اذن القاضي فيه وجهان مبنيان على وجهين لأصحابنا في أن إذن النبي صلى الله عليه و سلم لهند امرأة أبي سفيان كان إفتاء أم قضاء والأصح أنه كان إفتاء وأن هذا يجري في كل امرأة أشبهتها فيجوز والثاني كان قضاء فلا يجوز لغيرها إلا بإذن القاضي والله أعلم ومنها 9 اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي ومنها 10 جواز خروج المزوجة من بيتها لحاجتها إذا أذن لها زوجها في ذلك أو علمت رضاه به واستدل به جماعات من أصحابنا وغيرهم على جواز القضاء على الغائب وفي المسألة خلاف للعلماء قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين لا يقضي عليه بشيء وقال الشافعي والجمهور يقضي عليه في حقوق الآدميين ولا يقضي في حدود الله تعالى ولا يصح الاستدلال بهذا الحديث للمسئلة لأن هذه القضية كانت بمكة وكان أبو سفيان حاضرا بها وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبا عن البلد أو مستترا لا يقدر عليه أو متعذرا ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودا فلا يكون قضاء على الغائب بل هو إفتاء كما سبق والله أعلم قوله ( جاءت هند إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت يا رسول الله

(12/8)


والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يذلهم الله من أهل خبائك وما على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يعزهم الله من أهل خبائك فقال النبي صلى الله عليه و سلم وأيضا والذي نفسي بيده ) وفي الرواية الأخرى ولا أصبح اليوم على ظهر الأرض خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك قال القاضي عياض رضي الله عنه أرادت بقولها أهل خباء نفسه صلى الله عليه و سلم فكنت عنه بأهل الخباء إجلالا له قال ويحتمل أن تريد بأهل الخباء أهل بيته والخباء يعبر به عن مسكن الرجل وداره وأما قوله صلى الله عليه و سلم وأيضا والذي نفسي بيده فمعناه وستزيدين من ذلك ويتمكن الإيمان من قلبك ويزيد حبك لله ولرسوله صلى الله عليه و سلم ويقوي رجوعك عن بغضه وأصل هذه اللفظة آض يئيض أيضا إذا رجع قولها في الرواية الأخيرة ( إن أبا سفيان رجل مسيك ) أي شحيح وبخيل واختلفوا في ضبطه على وجهين حكاهما

(12/9)


القاضي أحدهما مسيك بفتح الميم وتخفيف السين والثاني بكسر الميم وتشديد السين وهذا الثاني هو الأشهر في روايات المحدثين والأول أصح عند أهل العربية وهما جميعا للمبالغة والله أعلم قولها ( فهل علي حرج من أن أطعم من الذي له عيالنا قال لها لا إلا بالمعروف ) هكذا هو في جميع النسخ وهو صحيح ومعناه لا حرج ثم ابتدأ فقال إلا بالمعروف أي لا تنفقي إلا بالمعروف أولا حرج إذا لم تنفقي إلا بالمعروف
( باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منع وهات ( وهو الامتناع من أداء حق لزمه أو طلب مالا يستحقه ) ق [ 1715 ] وله صلى الله عليه و سلم ( إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال واضاعة المال ) وفي الرواية الأخرى أن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات وكره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال واضاعة المال قال العلماء الرضى والسخط والكراهة من الله تعالى المراد بها أمره ونهيه وثوابه وعقابه أو ارادته الثوات لبعض العباد )

(12/10)


والعقاب لبعضهم وأما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه والحبل يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة وعلى السبب وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم ويوصلون بها المتفرق فاستعير إسم الحبل لهذه الأمور وأما قوله صلى الله عليه و سلم ولا تفرقوا فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين وتألف بعضهم ببعض وهذه احدى قواعد الإسلام واعلم أن الثلاثة المرضية احداها أن يعبدوه الثانية أن لا يشركوا به شيئا الثالثة أن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا وأما قيل وقال فهو الخوض في أخبار الناس وحكايات مالا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على قولين أحدهما أنهما فعلان فقيل مبنى لما لم يسم فاعله وقال فعل ماض والثاني أنهما اسمان مجروران منونان لأن القيل والقال والقول والقالة كله بمعنى ومنه قوله ومن أصدق من الله قيلا ومنه قولهم كثر القيل والقال وأما كثرة السؤال فقيل المراد به القطع في المسائل والاكثار من السؤال عما لم يقع ولا تدعو إليه حاجة وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك وكان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف المنهي عنه وفي الصحيح كره رسول الله صلى الله عليه و سلم المسائل وعابها وقيل المراد به سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك وقيل يحتمل أن المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان ومالا يعني الإنسان وهذا ضعيف لأنه قد عرف هذا من النهي عن قيل وقال وقيل يحتمل أن المراد كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره فيدخل ذلك في سؤاله عما لا يعنيه ويتضمن ذلك حصول الحرج في حق المسؤل فإنه قد لا يؤثر اخباره بأحواله فإن أخبره شق عليه وإن كذبه في الأخبار أو تكلف التعريض لحقته المشقة وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب وأما اضاعة المال فهو صرفه في غير وجوهه الشرعية وتعريضه للتلف وسبب النهي أنه افساد والله لا يجب المفسدين ولأنه إذا أضاع ماله تعرض لما في أيدي الناس وأما عقوق الأمهات فحرام وهو من الكبائر باجماع العلماء وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على عده من الكبائر وكذلك عقوق الآباء من الكبائر وإنما

(12/11)


اقتصر هنا على الأمهات لأن حرمتهن آكد من حرمة الآباء ولهذا قال صلى الله عليه و سلم حين قال له السائل من أبر قال أمك ثم أمك ثلاثا ثم قال في الرابعة ثم أباك ولأن أكثر العقوق يقع للأمهات ويطمع الأولاد فيهن وقد سبق بيان حقيقة العقوق وما يتعلق به في كتاب الإيمان وأما وأد البنات بالهمز فهو دفنهن في حياتهن فيمتن تحت التراب وهو من الكبائر الموبقات لأنه قتل نفس بغير حق ويتضمن أيضا قطيعة الرحم وإنما اقتصر على البنات لأنه المعتاد الذي كانت الجاهلية تفعله وأما قوله ومنعا وهات وفي الرواية الأخرى ولا وهات فهو بكسر التاء من هات ومعنى الحديث أنه نهى أن يمنع الرجل ما توجه عليه من الحقوق أو يطلب مالا يستحقه وفي قوله صلى الله عليه و سلم حرم ثلاثا وكره ثلاثا دليل على أن الكراهة في هذه الثلاثة الأخيرة للتنزيه لا للتحريم والله أعلم [ 593 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( إن الله حرم ثلاثا ونهى عن ثلاث حرم عقوق الوالد ووأد البنات ولا وهات ونهى عن ثلاث قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ) هذا الحديث دليل لمن يقول أن النهي لا يقتضي التحريم والمشهور أنه يقتضي التحريم وهو الأصح ويجاب عن هذا بأنه خرج بدليل آخر وقوله في اسناد هذا الحديث ( عن خالد الحذاء عن بن أشوع عن الشعبي عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة )

(12/12)


هذا الحديث فيه أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض وهم خالد وسعيد بن عمرو بن أشوع وهو تابعي سمع يزيد بن سلمة الجعفي الصحابي رضي الله عنه التابعي الثالث الشعبي والرابع كاتب المغيرة وهو وراد قوله ( كتب المغيرة إلى معاوية سلام عليك أما بعد ) فيه استحباب المكاتبة على هذا الوجه فيبدأ سلام عليك كما كتب النبي صلى الله عليه و سلم إلى هرقل السلام على من اتبع الهدى
( باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ قوله ( عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن محمد بن ابراهيم عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص ) هذا الإسناد فيه أربعة تابعيون بعضهم عن بعض وهم يزيد فمن بعده [ 1716 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) قال العلماء أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في )

(12/13)


حاكم عالم أهل للحكم فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده وأجر باصابته وإن أخطأ فله أجر باجتهاده وفي الحديث محذوف تقديره إذا أراد الحاكم فاجتهد قالوا فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا لأن إصابته اتفاقه ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا وهي مردودة كلها ولا يعذر في شئ من ذلك وقد جاء في الحديث في السنن القضاة ثلاثة قاض في الجنة واثنان في النار قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار وقاض قضى على جهل فهو في النار وقد اختلف العلماء في أن كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد وهو من وافق الحكم الذي عند الله تعالى والآخر مخطئ لا إثم عليه لعذره والأصح عند الشافعي وأصحابه أن المصيب واحد وقد احتجت الطائفتان بهذا الحديث وأما الأولون القائلون كل مجتهد مصيب فقالوا قد جعل للمجتهد أجر فلولا اصابته لم يكن له أجر وأما الآخرون فقالوا سماه مخطئا ولو كان مصيبا لم يسمه مخطئا وأما الأجر فإنه حصل له على تعبه في الاجتهاد قال الأولون إنما سماه مخطئا لأنه محمول على من أخطأ النص أو اجتهد فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد كالمجمع عليه وغيره وهذا الاختلاف إنما هو في الاجتهاد في لفروع فأما أصول التوحيد فالمصيب فيها واحد باجماع من يعتد به ولم يخالف إلا عبد الله بن الحسن العبتري وداود الظاهري فصوبا المجتهدين في ذلك أيضا قال العلماء الظاهر أنهما أراد المجتهدين من المسلمين دون الكفار والله أعلم

(12/14)


( باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان [ 1717 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ) فيه النهي عن القضاء في حال الغضب قال العلماء ويلتحق بالغضب كل حال يخرج الحاكم فيها عن سداد النظر واستقامة الحال كالشبع المفرط والجوع المقلق والهم والفرح البالغ ومدافعة الحدث وتعلق القلب بأمر ونحو ذلك وكل هذه الأحوال يكره له القضاء فيها خوفا من الغلط فإن قضى فيها صح قضاؤه لأن النبي صلى الله عليه و سلم قضى في شراج الحرة في مثل هذا الحال وقال في اللقطة مالك ولها إلى آخره وكان في حال الغضب والله أعلم )

(12/15)


( باب نقص الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور [ 1718 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد ) وفي الرواية الثانية من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد قال أهل العربية الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد بة وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه و سلم فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات وفي الرواية الثانية زيادة وهي أنه قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول أنا ما أحدثت شيئا فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات سواء أحدثها الفاعل أو سبق باحداثها وفي هذا الحديث دليل لمن يقول من الأصوليين أن النهي يقتضي الفساد ومن قال لا يقتضي الفساد يقول هذا خبر واحد ولا يكفي في اثبات هذه القاعدة المهمة وهذا جواب فاسد وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في ابطال المنكرات واشاعة الاستدلال به )
باب بيان خير الشهود [ 1719 ] قوله في اسناد حديث الباب ( حدثنا يحيى بن يحيى قال قرات على مالك عن عبد الله بن أبي

(12/16)


بكر عن ابيه عن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن بن أبي عمرة الأنصاري عن زيد بن خالد الجهني ) هذا الحديث فيه أربعة تابعيون بعضهم عن بعض وهم عبد الله وأبوه وعبد الله بن عمرو بن عثمان وبن أبي عمرة وإسم بن أبي عمرة عبد الرحمن بن عمرو بن محصن الأنصاري قوله صلى الله عليه و سلم [ 1719 ] ( ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسئلها ) وفي المراد بهذا الحديث تأويلان أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له والثاني أنه محمول على شهادة الحسبة وذلك في غير حقوق الآدميين المختصة بهم فما تقبل فيه شهادة الحسبة الطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك فمن علم شيئا من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي واعلامه به والشهادة قال الله تعالى وأقيموا الشهادة لله وكذا في النوع الأول يلزم من عنده شهادة لإنسان لا يعلمها أن يعلمه إياها لأنها أمانة له عنده وحكى تأويل ثالث أنه محمول على المجاز والمبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها لا قبله كما يقال الجواد يعطي قبل السؤال أي يعطي سريعا عقب السؤال من غير توقف قال العلماء وليس في هذا الحديث مناقضة للحديث الآخر في ذم من يأتي بالشهادة قبل أن يستشهد في قوله صلى الله عليه و سلم يشهدون ولا يستشهدون وقد تأول العلماء هذا تأويلات اصحها تأويل أصحابنا أنه محمول على من معه شهادة لآدمي عالم بها فيأتي فيشهد بها قبل أن تطلب منه والثاني أنه محمول على شاهد الزور فيشهد بما لا أصل له ولم يستشهد والثالث أنه محمول على من ينتصب شاهدا وليس هو من أهل الشهادة والرابع أنه محمول على من يشهد لقوم بالجنة أو بالنار من غير توقف وهذا ضعيف والله أعلم

(12/17)


( باب اختلاف المجتهدين [ 1720 ] فيه حديث أبي هريرة في قضاء داود وسليمان صلى الله عليهما وسلم في الولدين اللذين أخذ الذئب أحدهما فتنازعته أماهما فقضى به داود للكبرى فلما مرتا بسليمان قال أقطعه بينكما نصفين فاعترفت به الصغرى للكبرى بعد أن قالت الكبرى اقطعه فاستدل سليمان بشفقة الصغرى على أنها أمه وأما الكبرى فما كرهت ذلك بل أرادته لتشاركها صاحبتها في المصيبة بفقد ولدها قال العلماء يحتمل أن داود صلى الله عليه و سلم قضى به للكبرى لشبه رآه فيها أو أنه كان في شريعته الترجيح بالكبير أو لكونه كان في يدها وكان ذلك مرجحا في شرعه وأما سليمان فتوصل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطن القضية فأوهمهما أنه يريد قطعة ليعرف من يشق عليها قطعة فتكون هي أمه فلما أرادت الكبرى قطعة عرف أنها ليست أمه فلما قالت الصغرى ما قالت عرف أنها أمه ولم يكن مراده أنه يقطعه حقيقة وإنما أراد اختبار شفقتهما لتتميز له الأم فلما تميزت بما ذكرت عرفها ولعله استقر الكبرى فأقرت بعد ذلك به للصغرى فحكم للصغرى بالإقرار لا بمجرد الشفقة المذكورة قال العلماء ومثل هذا يفعله الحكام ليتوصلوا به إلى حقيقة الصواب بحيث إذا انفرد ذلك لم يتعلق به حكم فإن قيل كيف حكم سليمان بعد حكم داود في القصة الواحدة ونقض حكمه والمجتهد لا ينقض حكم المجتهد فالجواب من أوجه مذكورة أحدها أن داود لم يكن جزم بالحكم والثاني أن يكون ذلك فتوى من داود لا حكما والثالث لعله كان في شرعهم فسخ الحكم إذا رفعه الخصم إلى حاكم آخر يرى خلافة والرابع أن سليمان فعل ذلك حيلة إلى اظهار الحق وظهور الصدق فلما أقرت به الكبرى عمل بإقرارها وإن كان بعد الحكم كما إذا اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق هنا لخصمه قوله [ 1720 ] ( فقالت الصغرى لا يرحمك الله هو ابنها ) معناه لا تشقه وتم )

(12/18)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية