صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ شرح النووي على صحيح مسلم ]
الكتاب : المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المؤلف : أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت
الطبعة الطبعة الثانية ، 1392
عدد الأجزاء : 18

ولو دخل صيد من الحل إلى الحرم فله ذبحه وأكله وسائر أنواع التصرف فيه هذا مذهبنا ومذهب مالك وداود وقال أبو حنيفة وأحمد لا يجوز ذبحه ولا التصرف فيه بل يلزمه إرساله قالا فإن أدخله مذبوحا جاز أكله وقاسوه على المحرم واحتج أصحابنا والجمهور بحديث يا أبا عمير ما فعل النغير وبالقياس على ما إذا دخل من الحل شجرة أو كلأ ولأنه ليس بصيد حرم قوله صلى الله عليه و سلم ( لا يعضد شوكه ) فيه دلالة لمن يقول بتحريم جميع نبات الحرم من الشجر والكلأ سواء الشوك المؤذى وغيره وهو الذي اختاره المتولى من أصحابنا وقال جمهور أصحابنا لا يحرم الشوك لأنه مؤذ فأشبه الفواسق الخمس ويخصون الحديث بالقياس والصحيح ما اختاره المتولى والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( وإنه لم يحل القتال فيه لأحد من قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ) هذا مما يحتج به من يقول أن مكة فتحت عنوة وهو مذهب أبي حنيفة وكثيرين أو الأكثرين وقال الشافعي وغيره فتحت صلحا وتأولوا هذا الحديث على أن القتال كان جائزا له صلى الله عليه و سلم في مكة ولو احتاج إليه لفعله ولكن ما احتاج إليه والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( ولا ينفر صيده ) تصريح بتحريم التنفير وهو الازعاج وتنحيته من موضعه فإن نفره عصى سواء تلف أم لا لكن إن تلف في نفاره قبل سكون نفاره ضمنه المنفر وإلا فلا ضمان قال العلماء ونبه صلى الله عليه و سلم بالتنفير على الاتلاف ونحوه لأنه إذا حرم التنفير فالاتلاف أولى قوله صلى الله عليه و سلم ( ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ) وفي رواية لا تحل لقطتها إلا لمنشد المنشد هو المعرف وأما طالبها فيقال له ناشد وأصل النشد والانشاد رفع الصوت ومعنى الحديث لا تحل لقطتها لمن يريد أن يعرفها سنة ثم يتملكها كما في باقي البلاد بل لا تحل إلا لمن يعرفها أبدا ولا يتملكها وبهذا قال الشافعي وعبد الرحمن بن مهدى وأبو عبيد وغيرهم وقال مالك يجوز تملكها بعد تعرفها سنة كما في سائر البلاد وبه قال بعض أصحاب الشافعي

(9/126)


ويتأولون الحديث تأويلات ضعيفة واللقطة بفتح القاف على اللغة المشهورة وقيل بإسكانها وهي الملقوط قوله ( الا الاذخر ) هو نبت معروف طيب الرائحة وهو بكسر الهمزة والخاء قوله ( فانه لقينهم وبيوتهم ) وفي رواية نجعله في قبورنا وبيوتنا قينهم بفتح القاف هو الحداد والصائغ ومعناه يحتاج إليه القين في وقود النار ويحتاج إليه في القبور لتسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات ويحتاج إليه في سقوف البيوت يجعل فوق الخشب قوله ( فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( الا الأذخر ) هذا محمول على أنه صلى الله عليه و سلم أوحى إليه في الحال باستثناء الأذخر وتخصيصه من العموم أو أوحى إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء فاستثنه أو أنه اجتهد في الجميع والله أعلم [ 1354 ] قوله ( عن أبي شريح العدوى ) هكذا ثبت في الصحيحين العدوى في هذا الحديث ويقال له أيضا الكعبي والخزاعي قيل اسمه خويلد بن عمرو وقيل عمرو بن خويلد وقيل عبد الرحمن بن عمرو وقيل هانئ بن عمرو أسلم قبل فتح مكة وتوفى بالمدينة سنة ثمان وستين قوله ( وهو يبعث البعوث إلى مكة ) يعنى لقتال بن الزبير قوله ( سمعته أذناى ووعاه قلبى وأبصرته عيناى ) أراد بهذا كله المبالغة في تحقيق حفظه إياه وتيقنه زمانه ومكانه ولفظه قوله صلى الله عليه و سلم ( ان مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ) معناه أن تحريمها بوحي الله تعالى لا أنها اصطلح الناس على تحريمها بغير أمر الله قوله صلى الله عليه و سلم ( ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة ) هذا قد يحتج به من يقول الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الاسلام والصحيح عندنا وعند آخرين أنهم مخاطبون بها كما هم مخاطبون بأصوله وإنما قال ص

(9/127)


فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الأخر لأن المؤمن هو الذي ينقاد لاحكامنا وينزجر عن محرمات شرعنا ويستثمر أحكامه فجعل الكلام فيه وليس فيه أن غير المؤمن ليس مخاطبا بالفروع قوله ( يسفك ) بكسر الفاء على المشهور وحكى ضمها أي يسيله قوله صلى الله عليه و سلم ( فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى آخره ) فيه دلالة لمن يقول فتحت مكة عنوة وقد سبق في هذا الباب بيان الخلاف فيه وتأويل الحديث عند من يقول فتحت صلحا أن معناه دخلها متأهبا للقتال لو احتاج إليه فهو دليل الجواز له تلك الساعة قوله صلى الله عليه و سلم ( وليبلغ الشاهد الغائب ) هذا اللفظ قد جاءت به أحاديث كثيرة وفيه التصريح بوجوب نقل العلم وإشاعة السنن والأحكام قوله ( لا يعيذ عاصيا ) أي لا يعصمه قوله ( ولا فارا بخربة ) هي بفتح الخاء المعجمة وإسكان الراء هذا هو المشهور ويقال بضم الخاء أيضا حكاها القاضي وصاحب المطالع وآخرون وأصلها سرقة الابل وتطلق على كل خيانة وفي صحيح البخاري

(9/128)


إنها البلية وقال الخليل هي الفساد في الدين من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض وقيل هي العيب [ 1355 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما ان يفدى وإما ان يقتل ) معناه ولي المقتول بالخياران شاء قتل القاتل وان شاء أخذ فداءه وهي الدية وهذا تصريح بالحجة للشافعي وموافقيه ان الولي بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل وإن له أجبار الجاني على أي الأمرين شاء ولي القتيل وبه قال سعيد بن المسيب وبن سيرين وأحمد واسحاق وأبو ثور وقال مالك ليس للولي الا القتل أو العفو وليس له الدية الا برضى الجاني وهذا خلاف نص هذا الحديث وفيه أيضا دلالة لمن يقول القاتل عمدا يجب عليه أحد الأمرين القصاص أو الدية وهو أحد القولين للشافعي والثاني أن الواجب القصاص لا غير وإنما تجب الدية بالاختيار وتظهر فائدة الخلاف في صور منها لو عفا الولي عن القصاص ان قلنا الواجب أحد الأمرين سقط القصاص ووجبت الدية وإن قلنا الواجب القصاص بعينه لم يجب قصاص ولا دية وهذا الحديث محمول على القتل عمدا فإنه لا يجب القصاص في غير العمد قوله ( فقام أبو شاه ) هو بهاء تكون هاء في الوقف والدرج ولا يقال بالتاء قالوا ولا يعرف اسم أبي شاه هذا وإنما يعرف بكنيته قوله صلى الله عليه و سلم ( اكتبوا لأبي شاه ) هذا تصريح بجواز كتابه العلم غير القرآن ومثله حديث علي رضي الله عنه ما عنده الا ما في هذه الصحيفة ومثله حديث أبي هريرة كان عبد الله بن عمر يكتب ولا أكتب وجاءت أحاديث بالنهي عن كتابة غير القرآن فمن السلف من منع كتابة العلم وقال جمهور السلف بجوازه ثم أجمعت الأمة

(9/129)


بعدهم على استحبابه وأجابوا عن أحاديث النهي بجوابين أحدهما أنها منسوخة وكان النهي في أول الأمر قبل اشتهار القرآن لكل أحد فنهى عن كتابة غيره خوفا من اختلاطه واشتباهه فلما اشتهر وأمنت تلك المفسدة أذن فيه والثاني أن النهي نهى تنزيه لمن وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة والاذن لمن لم يوثق بحفظه والله أعلم
( باب النهى عن حمل السلاح بمكة من غير حاجة )
[ 1356 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة ) هذا النهي اذا لم تكن حاجة

(9/130)


فإن كانت جاز هذا مذهبنا ومذهب الجماهير قال القاضي عياض هذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة فإن كانت جاز قال القاضي وهذا مذهب مالك والشافعي وعطاء قال وكرهه الحسن البصري تمسكا بظاهر هذا الحديث وحجة الجمهور دخول النبي صلى الله عليه و سلم عام عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب ودخوله صلى الله عليه و سلم عام الفتح متأهبا للقتال قال وشذ عكرمة عن الجماعة فقال اذا احتاج إليه حمله وعليه الفدية ولعله أراد إذا كان محرما ولبس المغفر والدرع ونحوهما فلا يكون مخالفا للجماعة والله أعلم
( باب جواز دخول مكة بغير احرام )
[ 1357 ] قوله ( أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه مغفر ) وفي رواية وعليه عمامة سوداء بغير احرام وفي رواية خطب الناس وعليه عمامة سوداء قال القاضي وجه الجمع بينهما أن أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد ازالة المغفر بدليل قوله خطب الناس وعليه عمامة سوداء لأن الخطبة انما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة وقوله دخل مكة بغير احرام هذا دليل لمن يقول بجواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد نسكا سواء كان دخوله لحاجة تكرر كالحطاب والحشاش والسقاء والصياد وغيرهم أم لم تتكرر كالتاجر والزائر وغيرهما سواء كان آمنا أو خائفا وهذا أصح القولين للشافعي وبه يفتى أصحابه والقول الثاني لا يجوز دخولها بغير إحرام ان كانت حاجته لا تكرر الا أن يكون مقاتلا او خائفا من قتال أو خائفا من ظالم لو ظهر ونقل القاضي نحو هذا عن اكثر العلماء قوله ( جاءه رجل فقال بن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه ) قال العلماء انما قتله لأنه كان قد ارتد عن الاسلام

(9/131)


وقتل مسلما كان يخدمه وكان يهجو النبي صلى الله عليه و سلم ويسبه وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه و سلم والمسلمين فإن قيل ففي الحديث الآخر من دخل المسجد فهو آمن فكيف قتله وهو متعلق بالأستار فالجواب أنه لم يدخل في الأمان بل استثناه هو وبن أبي سرح والقينتين وأمر بقتله وإن وجد متعلقا بأستار الكعبة كما جاء مصرحا به في أحاديث اخر وقيل لأنه ممن لم يف بالشرط بل قاتل بعد ذلك وفي هذا الحديث حجة لمالك والشافعي وموافقيهما في جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة وقال أبو حنيفة لا يجوز وتأولوا هذا الحديث على أنه قتله في الساعة التي أبيحت له وأجاب أصحابنا بأنها انما أبيحت ساعة الدخول حتى استولى عليها واذعن له اهلها وإنما قتل بن خطل بعد ذلك والله أعلم واسم بن خطل عبد العزى وقال محمد بن إسحاق اسمه عبد الله وقال الكلبي اسمه غالب بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كثير بن تيم بن غالب وخطل بخاء معجمه وطاء مهملة مفتوحتين قال أهل السير وقيل سعد بن حريث والله أعلم قوله ( قرأت على مالك بن أنس ) وفي رواية قلت لمالك حدثك بن شهاب عن أنس ثم قال في آخر الحديث فقال نعم يعنى فقال مالك نعم ومعناه أحدثك بن شهاب عن أنس بكذا فقال مالك نعم حدثنى به وقد جاء في الصحيحين في مواضع كثيرة مثل هذه العبارة ولا يقول في آخره قال نعم واختلف العلماء في اشتراط قوله نعم في آخر مثل هذه الصورة وهي إذا قرأ على الشيخ قائلا أخبرك فلان أو نحوه والشيخ مصغ له فاهم لما يقرأ غير منكر فقال بعض الشافعيين وبعض أهل الظاهر لا يصح السماع إلا بها فإن لم ينطق بها لم يصح السماع وقال جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول يستحب قوله نعم ولا يشترط نطقه بشيء بل يصح السماع مع سكوته والحالة هذه إكتفاء بظاهر الحال فإنه لا يجوز لمكلف أن يقر على الخطأ في مثل هذه الحالة قال القاضي هذا مذهب العلماء كافة ومن قال من السلف نعم إنما قاله توكيدا واحتياطا لا إشتراطا [ 1358 ] قوله ( معاوية بن عمار الدهني ) هو بضم الدال المهملة وإسكان الهاء وبالنون منسوب إلى دهن وهم

(9/132)


بطن من بجيلة وهذا الذي ذكرناه من كونه بإسكان الهاء هو المشهور ويقال بفتحها وممن حكى الفتح أبو سعيد السمعاني في الأنساب والحافظ عبد الغني المقدسي [ 1359 ] قوله ( وعليه عمامة سوداء ) فيه جواز لباس الثياب السود وفي الرواية الأخرى خطب الناس وعليه عمامة سوداء فيه جواز لباس الأسود في الخطبة وإن كان الأبيض أفضل منه كما ثبت في الحديث الصحيح خير ثيابكم البياض وأما لباس الخطباء السواد في حال الخطبة فجائز ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بيانا للجواز والله أعلم قوله ( كأنى أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه ) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا وغيرها طرفيها بالتثنية وكذا هو في الجمع بين الصحيحين للحميدي وذكر القاضي عياض أن

(9/133)


الصواب المعروف طرفها بالافراد وأن بعضهم رواه طرفيها بالتثنية والله أعلم وسيأتى بسط حكم إرخاء العمامة في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى
( باب فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله عليه و سلم فيها بالبركة )
( وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها ) [ 1360 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( ان ابراهيم حرم مكة ) هذا دليل لمن يقول ان تحريم مكة إنما هو كان في زمن إبراهيم صلى الله عليه و سلم والصحيح أنه كان يوم خلق الله السماوات والأرض وقد سبقت المسألة مستوفاة قريبا وذكروا في تحريم إبراهيم احتمالين أحدهما أنه حرمها بأمر الله تعالى له بذلك لا باجتهاده فلهذا أضاف التحريم إليه تارة والى الله تعالى تارة والثاني أنه دعا لها فحرمها الله تعالى بدعوته فأضيف التحريم إليه لذلك قوله صلى الله عليه و سلم ( وإني حرمت المدينة كما حرم ابراهيم مكة وذكر مسلم الأحاديث التي بعده بمعناه هذه الأحاديث حجة ظاهرة للشافعي ومالك وموافقيهما في تحريم صيد المدينة وشجرها وأباح أبو حنيفة ذلك واحتج له بحديث يا أبا عمير ما فعل النغير وأجاب أصحابنا بجوابين أحدهما انه يحتمل أن حديث النغير كان قبل تحريم المدينة والثاني يحتمل أنه صاده من الحل لا من حرم المدينة وهذا الجواب لا يلزمهم على أصولهم لأن مذهب الحنفية أن صيد الحل إذا أدخله الحلال إلى الحرم ثبت له حكم الحرم ولكن أصلهم هذا ضعيف فيرد عليهم بدليلة والمشهور من مذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا ضمان في صيد المدينة وشجرها بل هو حرام بلا ضمان وقال بن أبي ذئب وبن أبى ليلى يجب فيه الجزاء كحرم مكة وبه قال بعض المالكية وللشافعى قول قديم أنه يسلب القاتل لحديث سعد بن أبي وقاص الذي ذكره مسلم بعد هذا قال القاضي عياض لم يقل بهذا القول أحد بعد الصحابة الا الشافعي في قوله القديم والله أعلم [ 1361 ] قوله صلى الله عليه و سلم

(9/134)


( ان ابراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها ) يريد المدينة قال أهل اللغة وغريب الحديث اللابتان الحرتان واحدتهما لابة وهي الأرض الملبسة حجارة سوداء وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهي بينهما ويقال لابة ولوبة ونوبة بالنون ثلاث لغات مشهورات وجمع اللابة في القلة لابات وفي الكثرة لاب ولوب وقوله صلى الله عليه و سلم ( وإني أحرم ما بين لابتيها

(9/135)


معناه اللابتان وما بينهما والمراد تحريم المدينة ولا بتيها [ 1362 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها ) صريح في الدلالة لمذهب الجمهور في تحريم صيد المدينة وشجرها وسبق خلاف أبي حنيفة والعضاه بالقصر وكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة كل شجر فيه شوك واحدتها عضاهة وعضيهة والله أعلم [ 1363 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها الا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة ) قال أهل اللغة اللاواء بالمد الشدة والجوع وأما الجهد فهو المشقة وهو بفتح الجيم وفي لغة قليلة بضمها وأما الجهد بمعنى الطاقة فبضمها على المشهور وحكى فتحها وأما قوله صلى الله عليه و سلم الا كنت له شفيعا أو شهيدا فقال القاضي عياض رحمه الله سألت قديما عن معنى هذا الحديث ولم خص ساكن المدينة بالشفاعة هنا مع عموم شفاعته وادخاره اياها لأمته قال وأجيب عنه بجواب شاف مقنع في أوراق اعترف بصوابه كل واقف عليه قال واذكر منه هنا لمعا تليق بهذا الموضع قال بعض شيوخنا أو هنا للشك والاظهر عندنا أنها ليست للشك لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله وسعد بن أبي وقاص وبن عمر وأبو سعيد

(9/136)


وأبو هريرة واسماء بنت عميس وصفية بنت ابي عبيد عن النبي صلى الله عليه و سلم بهذا اللفظ ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك وتطابقهم فيه على صيغة واحدة بل الاظهر أنه قاله صلى الله عليه و سلم هكذا فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة هكذا وإما أن يكون أو للتقسيم ويكون شهيدا لبعض أهل المدينة وشفيعا لبقيتهم اما شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين وإما شهيدا لمن مات في حياته وشفيعا لمن مات بعده أو غير ذلك قال القاضي وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين في القيمة وعلى شهادته على جميع الأمة وقد قال صلى الله عليه و سلم في شهداء أحد أنا شهيد على هؤلاء فيكون لتخصيصهم بهذا كله مزيد أو زيادة منزلة وحظوة قال وقد يكون أو بمعنى الواو فيكون لأهل المدينة شفيعا وشهيدا قال وقد روى الا كنت له شهيدا أوله شفيعا قال وإذا جعلنا أو للشك كما قاله المشايخ فإن كانت اللفظة الصحيحة شهيدا اندفع الاعتراض لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة المجردة لغيره وإن كانت اللفظة الصحيحة شفيعا فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التي هي لاخراج أمته من النار ومعافاة بعضهم منها بشفاعته صلى الله عليه و سلم في القيامة وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات أو تخفيف الحساب أو بما شاء الله من ذلك أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة كإيوائهم إلى ظل العرش أو كونهم في روح وعلى منابر أو الاسراع بهم إلى الجنة أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه ) قال القاضي اختلفوا في هذا فقيل هو مختص بمدة حياته صلى الله عليه و سلم وقال آخرون هو عام ابدا وهذا اصح قوله صلى الله عليه و سلم ( ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء الا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء ) قال القاضي هذه الزيادة وهي قوله في

(9/137)


النار تدفع أشكال الاحاديث التي لم تذكر فيها هذه الزيادة وتبين أن هذا حكمه في الآخرة قال وقد يكون المراد به من أرادها في حياة النبي صلى الله عليه و سلم كفى المسلمون أمره واضمحل كيده كما يضمحل الرصاص في النار قال وقد يكون في اللفظ تأخير وتقديم أي اذابة الله ذوب الرصاص في النار ويكون ذلك لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطان بل يذهبه عن قرب كما انقضى شأن من حاربها أيام بنى أمية مثل مسلم بن عقبة فإنه هلك في منصرفه عنها ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر ذلك وغيرهما ممن صنع صنيعهما قال وقيل قد يكون المراد من كادها اغتيالا وطلبا لغرتها في غفلة فلا يتم له أمره بخلاف من أتى ذلك جهارا كأمراء استباحوها [ 1364 ] قوله ( ان سعدا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه على أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذه من غلامهم فقال معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبى أن يرد عليهم ) هذا الحديث صريح في الدلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجماهير في تحريم صيد المدينة وشجرها كما سبق وخالف فيه أبو حنيفة كما قدمناه عنه وقد ذكر هنا مسلم في صحيحه تحريمها مرفوعا عن النبي صلى الله عليه و سلم من رواية علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وأبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن زيد ورافع بن خديج وسهل بن حنيف وذكر

(9/138)


غيره من رواية غيرهم أيضا فلا يلتفت إلى من خالف هذه الأحاديث الصحيحة المستفيضة وفي هذا الحديث دلالة لقول الشافعي القديم أن من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة قال القاضي عياض ولم يقل به أحد بعد الصحابة الا الشافعي في قوله القديم وخالفه أئمة الأمصار قلت ولا تضر مخالفتهم اذا كانت السنة معه وهذا القول القديم هو المختار لثبوت الحديث فيه وعمل الصحابة على وفقه ولم يثبت له دافع قال أصحابنا فإذا قلنا بالقديم ففي كيفية الضمان وجهان أحدهما يضمن الصيد والشجر والكلأ كضمان حرم مكة وأصحهما وبه قطع جمهور المفرعين على هذا القديم أنه يسلب الصائد وقاطع الشجر والكلأ وعلى هذا فالمراد بالسلب وجهان أحدهما أنه ثيابه فقط وأصحهما وبه قطع الجمهور أنه كسلب القتيل من الكفار فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته وغير ذلك مما يدخل في سلب القتيل وفي مصرف السلب ثلاثة أوجه لأصحابنا أصحهما أنه للسالب وهو الموافق لحديث سعد والثاني أنه لمساكين المدينة والثالث لبيت المال وإذا سلب أخذ جميع ما عليه الا ساتر العورة وقيل يؤخذ ساتر العورة أيضا قال أصحابنا ويسلب بمجرد الاصطياد سواء اتلف الصيد أم لا والله أعلم [ 1365 ] قوله ( حتى اذا بداله أحد قال هذا جبل يحبنا ونحبه ) الصحيح المختار أن معناه أن أحدا يحبنا حقيقه جعل الله تعالى فيه تمييزا يحب به كما قال سبحانه وتعالى وإن منها لما يهبط

(9/139)


من خشية الله وكما حن الجذع اليابس وكما سبح الحصى وكما فر الحجر بثوب موسى صلى الله عليه و سلم وكما قال نبينا صلى الله عليه و سلم انى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على وكما دعا الشجرتين المفترقتين فاجتمعا وكما رجف حراء فقال اسكن حراء فليس عليك الا نبي أو صديق الحديث وكما كلمه ذراع الشاة وكما قال سبحانه وتعالى وإن من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم والصحيح في معنى هذه الآية أن كل شيء يسبح حقيقة بحسب حاله ولكن لا نفقهه وهذا وما أشبهه شواهد لما اخترناه واختاره المحققون في معنى الحديث وأن أحدا يحبنا حقيقة وقيل المراد يحبنا أهله فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والله أعلم [ 1366 ] قوله ( من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) قال القاضي معناه من أتى فيها آثما أو آوى من أتاه وضمه إليه وحماه قال ويقال أوى وآوى بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدى جميعا لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح والمد في المتعدى أشهر وأفصح قلت وبالأفصح جاء القرآن العزيز في الموضعين قال الله تعالى أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة وقال في المتعدى وآويناهما إلى ربوة قال القاضي ولم يرو هذا الحرف الا محدثا بكسر الدال ثم قال وقال الامام المازرى روى بوجهين كسر الدال وفتحها قال فمن فتح اراد الاحداث نفسه ومن كسر أراد فاعل الحدث وقوله عليه لعنة الله إلى آخره هذا وعيد شديد لمن ارتكب هذا قال القاضي واستدلوا بهذا على أن ذلك من الكبائر لأن اللعنة لا تكون الا في كبيرة ومعناه أن الله تعالى يلعنه وكذا يلعنه الملائكة والناس أجمعون وهذا مبالغة في ابعاده عن رحمة الله تعالى فإن اللعن في اللغة هو الطرد

(9/140)


والابعاد قالوا والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه والطرد عن الجنة أول الأمر وليست هي كلعنة الكفار الذين يبعدون من رحمة الله تعالى كل الابعاد والله أعلم قوله ( لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا قال القاضي قال المازرى اختلفوا في تفسيرهما فقيل الصرف الفريضة والعدل النافلة وقال الحسن البصرى الصرف النافلة والعدل الفريضة عكس قول الجمهور وقال الأصمعى الصرف التوبة والعدل الفدية وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم وقال يونس الصرف الاكتساب والعدل الفدية وقال أبو عبيدة العدل الحيلة وقيل العدل المثل وقيل الصرف الدية والعدل الزيادة قال القاضي وقيل المعنى لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضا وإن قبلت قبول جزاء وقيل يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما قال وقد يكون معنى الفدية هنا أنه لا يجد في القيمة فداء يفتدى به بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله عز و جل على من يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما ثبت في الصحيح قوله في آخر هذا الحديث ( فقال بن أنس أو آوى محدثا ) كذا وقع في أكثر النسخ فقال بن انس ووقع في بعضها فقال أنس بحذف لفظة بن قال القاضي ووقع عند عامة شيوخنا فقال بن أنس باثبات بن قال وهو الصحيح وكان بن أنس ذكر أباه هذه الزيادة لأن سياق هذا الحديث من أوله إلى آخره من كلام أنس فلا وجه لاستدراك أنس بنفسه مع أن هذه اللفظه قد وقعت في أول

(9/141)


الحديث في سياق كلام أنس في أكثر الروايات قال وسقطت عند السمرقندي قال وسقوطها هناك يشبه أن يكون هو الصحيح ولهذا استدركت في آخر الحديث هذا آخر كلام القاضي [ 1368 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( اللهم بارك لهم في مكيالهم وبارك لهم في صاعهم وبارك لهم في مدهم ) قال القاضي البركة هنا بمعنى النمو والزيادة وتكون بمعنى الثبات واللزوم قال فقيل يحتمل أن تكون هذه البركة دينية وهي ما تتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكاة والكفارات فتكون بمعنى الثبات والبقاء لها كبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الاكيال حتى يكفى منه ما لا يكفى من غيره في غير المدينة أو ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها والى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها أو تكون الزيادة فيما يكال بها لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه لما فتح الله عليهم ووسع من فضله لهم وملكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها حتى كثر الحمل إلى المدينة واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه فزاد مدهم وصار هاشميا مثل مد النبى صلى الله عليه و سلم مرتين أو مرة ونصفا وفي هذا كله ظهور اجابة دعوته صلى الله عليه و سلم وقبولها هذا آخر كلام القاضي والظاهر من هذا كله أن البركة في نفس المكيل في المدينة بحيث يكفى المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها والله أعلم قوله ( ابراهيم بن محمد السلمى ) هو بالسين المهملة [ 1370 ] قوله ( خطبنا علي بن أبي طالب رضي الله

(9/142)


تعالى عنه فقال من زعم أن عندنا شيئا نقرؤه الا كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب ) هذا تصريح من علي رضي الله تعالى عنه بإبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من قولهم ان عليا رضي الله تعالى عنه أوصى إليه النبي صلى الله عليه و سلم بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة وأنه صلى الله عليه و سلم خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفى في إبطالها قول علي رضي الله عنه هذا وفيه دليل على جواز كتابة العلم وقد سبق بيانه قريبا قوله صلى الله عليه و سلم ( المدينة حرم ما بين عير إلى ثور ) أما عير فبفتح العين المهملة وإسكان المثناة تحت وهو جبل معروف قال القاضي عياض قال مصعب بن الزبير وغيره ليس بالمدينة عير ولا ثور قالوا وإنما ثور بمكة قال وقال الزبير عير جبل بناحية المدينة قال القاضي اكثر الرواة في كتاب البخاري ذكروا عيرا وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا ومنهم من ترك مكانه بياضا لأنهم اعتقدوا ذكر ثور هنا خطأ قال المازرى قال بعض العلماء ثور هنا وهم من الراوي وإنما ثور بمكة قال والصحيح إلى أحد قال القاضي وكذا قال أبو عبيد أصل الحديث من عير إلى أحد هذا ما حكاه القاضي وكذا قال أبو بكر الحازمي الحافظ وغيره من الأئمة أن أصله من عير إلى أحد قلت ويحتمل أن ثورا كان اسما لجبل هناك اما أحد وإما غيره فخفى اسمه والله أعلم وأعلم أنه جاء في هذه الرواية ما بين عير إلى ثور أو إلى أحد على ما سبق وفي رواية أنس السابقة اللهم انى أحرم ما بين جبليها وفي الروايات السابقة ما بين لابتيها والمراد باللابتين الحرتان كما سبق وهذه الاحاديث كلها متفقة فما بين لابتيها بيان لحد حرمها من جهتي المشرق والمغرب وما بين جبليها بيان لحده من جهة الجنوب والشمال والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( وذمة المسلمين

(9/143)


واحدة يسعى بها أدناهم ) المراد بالذمة هنا الأمان معناه أن أمان المسلمين للكافر صحيح فإذا أمنه به أحد المسلمين حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم وللأمان شروط معروفة وقوله صلى الله عليه و سلم يسعى بها أدناهم فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن أمان المرأة والعبد صحيح لأنهما أدنى من الذكور الأحرار قوله صلى الله عليه و سلم ( ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين ) هذا صريح في غلظ تحريم انتماء الانسان إلى غير أبيه أو انتماء العتيق إلى ولاء غير مواليه لما فيه من كفر النعمة وتضييع حقوق الارث والولاء والعقل وغير ذلك مع ما فيه من قطيعة الرحم والعقوق قوله صلى الله عليه و سلم ( فمن أخفر مسلما فعليه لعنه الله ) معناه من نقض أمان مسلم فتعرض لكافر أمنه مسلم قال أهل اللغة يقال أخفرت

(9/144)


الرجل اذا نقضت عهده وخفرته اذا أمنته [ 1372 ] قوله ( لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها ) معنى ترتع ترعى وقيل معناه تسعى وتبسط ومعنى ذعرتها أفزعتها وقيل نفرتها

(9/145)


[ 1373 ] قوله ( كان الناس اذا رأوا أول الثمر جاؤا به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه و سلم قال اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا ) إلى آخره قال العلماء كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه صلى الله عليه و سلم في الثمر وللمدينة والصاع والمد واعلاما له صلى الله عليه و سلم بابتداء صلاحها لما يتعلق بها من الزكاة وغيرها وتوجيه الخارصين قوله ( ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان ) فيه بيان ما كان عليه صلى الله عليه و سلم من مكارم الاخلاق وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة الكبار والصغار وخص بهذا الصغير لكونه أرغب فيه وأكثر تطلعا إليه وحرصا عليه [ 1374 ] قوله ( فأردت أن أنقل عيالي إلى بعض الريف ) قال أهل اللغة الريف بكسر الراء هو

(9/146)


الأرض التي فيها زرع وخصب وجمعه أرياف ويقال أريفنا صرنا إلى الريف وأرافت الأرض أخصبت فهي ريفة قوله ( وإن عيالنا لخلوف ) هو بضم الخاء أي ليس عندهم رجال ولا من يحميهم قوله صلى الله عليه و سلم ( لآمرن بناقتي ترحل ) هو بإسكان الراء وتخفيف الحاء أي يشد عليها رحلها قوله صلى الله عليه و سلم ( ثم لا أحل لها عقدة حتى اقدم المدينة ) معناه أواصل السير ولا أحل عن راحلتي عقدة من عقد حملها ورحلها حتى أصل المدينة لمبالغتي في الاسراع إلى المدينة قوله صلى الله عليه و سلم ( وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها ) المازم بهمزة بعد الميم وبكسر الزاي وهو الجبل وقيل المضيق بين الجبلين ونحوه والأول هو الصواب هنا ومعناه ما بين جبليها كما سبق في حديث أنس وغيره والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( ولا يخبط فيها شجرة الا لعلف ) هو بإسكان اللام وهو مصدر علفت علفا وأما العلف بفتح اللام فاسم للحشيش والتبن والشعير ونحوهما وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف وهو المراد هنا

(9/147)


بخلاف خبط الأغصان وقطعها فإنه حرام قوله صلى الله عليه و سلم ما من المدينة شعب ولا نقب الا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا اليها فيه بيان فضيلة المدينة وحراستها في زمنه صلى الله عليه و سلم وكثرة الحراس واستيعابهم الشعاب زيادة في الكرامة لرسول الله صلى الله عليه و سلم قال أهل اللغة الشعب بكسر الشين هو الفرجة النافذة بين الجبلين وقال بن السكيت هو الطريق في الجبل والنقب بفتح النون على المشهور وحكى القاضي ضمها أيضا وهو مثل الشعب وقيل هو الطريق في الجبل قال الأخفش أنقاب المدينة وطرقها وفجاجها قوله فما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة حتى أغار علينا بنو عبد الله بن غطفان وما يهيجهم قبل ذلك شيء معناه أن المدينة في حال غيبتهم كانت محمية محروسة كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم حتى أن بني عبد الله بن غطفان أغاروا عليها حين قدمنا ولم يكن قبل ذلك يمنعهم من الاغارة عليها مانع ظاهر ولا كان لهم عدو يهيجهم ويشتغلون به بل سبب منعهم قبل قدومنا حراسة الملائكة كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم قال أهل اللغة يقال هاج الشر وهاجت الحرب وهاجها الناس أي تحركت وحركوها وهجت زيدا حركته للأمر كله ثلاثي وأما قوله بنو عبد الله فهكذا وقع في بعض النسخ عبد الله بفتح العين مكبر ووقع في أكثرها عبيد الله بضم العين مصغر والأول هو الصواب بلا خلاف بين أهل هذا الفن قال القاضي عياض حدثنا به مكبرا أبو

(9/148)


محمد الخشني عن الطبري عن الفارسي بنو عبد الله على الصواب قال ووقع عند شيوخنا في نسخ مسلم من طريق بن ماهان ومن طريق الجلودي بنو عبيد الله مصغر وهو خطأ قال وكان يقال لهم في الجاهلية بنو عبد العزى فسماهم النبي صلى الله عليه و سلم بني عبد الله فسمتهم العرب بني محولة لتحويل اسمهم والله أعلم قوله جاء أبو سعيد الخدري ليالى الحرة يعني الفتنة المشهورة التي نهبت فيها المدينة سنة ثلاث وستين قوله فاستشاره في الجلاء هو بفتح الجيم والمد وهو الفرار من بلد الي غيره [ 1375 ] قوله صلى الله عليه و سلم في المدينة

(9/149)


( انها حرم أمن ) فيه دلالة لمذهب الجمهور في تحريم صيدها وشجرها وقد سبقت المسألة [ 1376 ] قولها ( قدمنا المدينة وهي وبيئة ) هي بهمزة ممدودة يعنى ذات وباء بالمد والقصر وهو الموت الذريع هذا أصله ويطلق ايضا على الأرض الوخمة التي تكثر بها الأمراض لا سيما للغرباء الذين ليسوا مستوطنيها فإن قيل كيف قدموا على الوباء وفي الحديث الآخر في الصحيح النهي عن القدوم عليه فالجواب من وجهين ذكرهما القاضي أحدهما أن هذا القدوم كان قبل النهي لأن النهي كان في المدينة بعد استيطانها والثاني أن المنهي عنه هو القدوم على الوباء الذريع والطاعون وأما هذا الذي كان في المدينة فإنما كان وخما يمرض بسببه كثير من الغرباء والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( وحول حماها إلى الجحفة ) قال الخطابى وغيره كان ساكنوا الجحفة في ذلك الوقت يهودا ففيه دليل للدعاء على الكفار بالأمراض والاسقام والهلاك وفيه الدعاء للمسلمين بالصحة وطيب بلادهم والبركة فيها وكشف الضر والشدائد عنهم وهذا مذهب العلماء كافة قال القاضي وهذا خلاف قول بعض المتصوفة ان الدعاء قدح في التوكل والرضا وأنه ينبغى تركه وخلاف قول المعتزلة أنه لا فائده في الدعاء مع سبق القدر ومذهب العلماء كافة أن الدعاء عبادة مستقلة ولا يستجاب منه الا ما سبق به القدر والله أعلم وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوة نبينا صلى الله عليه و سلم فإن الجحفة من يومئذ مجتنبة ولا يشرب أحد من مائها الاحم

(9/150)


( باب الترغيب في سكنى المدينة )
( وفضل الصبر على لأوائها وشدتها ) قوله ( عن يحنس مولى الزبير ) هو بضم المثناة تحت وفتح الحاء المهملة وكسر النون وفتحها وجهان مشهوران والسين مهملة وفي الرواية الأخرى يحنس مولى مصعب بن الزبير هو لأحدهما حقيقة وللآخر مجازا قوله ( ان بن عمر قال لمولاته اقعدى لكاع ) هي بفتح اللام وأما العين فمبنية على الكسر قال أهل اللغة يقال امرأة لكاع ورجل لكع بضم اللام وفتح الكاف ويطلق ذلك على اللئيم وعلى العبد وعلى الغبي الذي لا يهتدى لكلام غيره وعلى الصغير وخاطبها بن عمر بهذا انكارا عليها لا دلالة عليها لكونها ممن ينتمي إليه ويتعلق به وحثها على سكنى المدينة لما فيه من الفضل قال العلماء وفي هذه الأحاديث المذكورة في الباب مع ما سبق وما بعدها دلالات ظاهرة على فضل سكنى المدينة والصبر على شدائدها وضيق العيش فيها وأن هذا الفضل باق مستمر إلى يوم القيامة وقد اختلف العلماء في المجاورة بمكة والمدينة فقال أبو حنيفة وطائفة تكره المجاورة بمكة وقال احمد بن حنبل وطائفة لا تكره المجاورة بمكة بل تستحب وإنما

(9/151)


كرهها من كرهها لأمور منها خوف الملل وقلة الحرمة للانس وخوف ملابسة الذنوب فإن الذنب فيها اقبح منه في غيرها كما أن الحسنة فيها أعظم منها في غيرها واحتج من استحبها بما يحصل فيها من الطاعات التي لاتحصل بغيرها وتضعيف الصلوات والحسنات وغير ذلك والمختار أن المجاورة بهما جميعا مستحبة الا أن يغلب على ظنه الوقوع في المحذورات المذكورة وغيرها وقد جاورتهما خلائق لا يحصون من سلف الأمة وخلفها ممن يقتدى به وينبغى للمجاور الاحتراز من المحذورات وأسبابها والله أعلم

(9/152)


( باب صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال اليها )
[ 1379 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال ) أما الانقاب فسبق شرحها قريبا وفي هذا الحديث فضيلة المدينة وفضيلة سكناها وحمايتها من الطاعون والدجال
( باب المدينة تنفى خبثها وتسمى طابة وطيبة )
[ 1381 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( في المدينة انها تنفى خبثها وشرارها كما ينفى الكير خبث الحديد
( وفي الرواية الأخرى كما تنفى النار خبث الفضة قال العلماء خبث الحديد والفضة هو وسخهما وقذرهما )

(9/153)


الذي تخرجه النار منهما قال القاضي الاظهر أن هذا مختص بزمن النبي صلى الله عليه و سلم لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه الا من ثبت ايمانه وأما المنافقون وجهلة الاعراب فلا يصبرون على شدة المدينة ولا يحتسبون الاجر في ذلك كما قال ذلك الاعرابي الذي أصابه الوعك أقلني بيعتي هذا كلام القاضي وهذا الذى ادعى أنه الاظهر ليس بالأظهر لأن هذا الحديث الأول في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه و سلم قال لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد وهذا والله أعلم في زمن الدجال كما جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره مسلم في أواخر الكتاب في أحاديث الدجال أنه يقصد المدينة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله بها منها كل كافر ومنافق فيحتمل أنه مختص بزمن الدجال ويحتمل أنه في أزمان متفرقة والله أعلم [ 1382 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( أمرت بقرية تأكل القرى ) معناه أمرت بالهجرة اليها واستيطانها وذكروا في معنى أكلها القرى وجهين أحدهما أنها مركز جيوش الاسلام في أول الأمر فمنها فتحت القرى وغنمت أموالها وسباياها والثاني معناه أن أكلها وميرتها تكون من القرى المفتتحة وإليها تساق غنائمها قوله صلى الله عليه و سلم ( يقولون يثرب وهي المدينة ) يعنى أن بعض الناس من المنافقين وغيرهم يسمونها يثرب وإنما اسمها المدينة وطابة وطيبة ففي هذا كراهة تسميتها يثرب وقد جاء في مسند أحمد بن حنبل حديث عن النبي صلى الله عليه و سلم في كراهة تسميتها يثرب وحكى عن عيسي بن دينار أنه قال من سماها يثرب كتبت عليه خطيئة قالوا وسبب كراهة تسميتها يثرب لفظ التثريب الذي هو التوبيخ والملامة وسميت طيبة وطابة لحسن لفظهما

(9/154)


وكان صلى الله عليه و سلم يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح وأما تسميتها في القرآن يثرب فإنما هو حكاية عن قول المنافقين والذين في قلوبهم مرض قال العلماء ولمدينة النبي صلى الله عليه و سلم أسماء المدينة قال الله تعالى ما كان لأهل المدينة وقال تعالى ومن أهل المدينة وطابة وطيبة والدار فأما الدار فلأمنها والاستقرار بها وأما طابة وطيبة فمن الطيب وهو الرائحة الحسنة والطاب والطيب لغتان وقيل من الطيب بفتح الطاء وتشديد الياء وهو الطاهر لخلوصها من الشرك وطهارتها وقيل من طيب العيش بها وأما المدينة ففيها قولان لأهل العربية أحدهما وبه جزم قطرب وبن فارس وغيرهما أنها مشتقة من دان إذا أطاع والدين الطاعة والثاني أنها مشتقة من مدن بالمكان إذا أقام به وجمع المدينة مدن ومدن بإسكان الدال وضمها ومدائن بالهمز وتركه والهمز أفصح وبه جاء القرآن العزيز والله أعلم [ 1383 ] قوله ( أن اعرابيا بايع النبي صلى الله عليه و سلم فأصاب الاعرابي وعك بالمدينة فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا محمد أقلنى بيعتى فأبى رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم جاءه فقال أقلني بيعتي فأبي ثم جاءه فقال أقلني بيعتي فأبي فخرج الاعرابي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما المدينة كالكير تنفى خبثها قال العلماء إنما لم يقله النبي صلى الله عليه و سلم بيعته لأنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الاسلام ولا لمن هاجر إلى النبي صلى الله عليه و سلم

(9/155)


6 - للمقام عنده أن يترك الهجرة ويذهب إلى وطنه أو غيره قالوا وهذا الاعرابي كان ممن هاجر وبايع النبي صلى الله عليه و سلم على المقام معه قال القاضي ويحتمل أن بيعة هذا الاعرابي كانت بعد فتح مكة وسقوط الهجرة إليه صلى الله عليه و سلم وإنما بايع على الاسلام وطلب الاقالة منه فلم يقله والصحيح الأول والله أعلم قوله ( فأصاب الاعرابي وعك ) هو بفتح العين وهو مغث الحمى وألمها ووعك كل شيء معظمه وشدته قوله صلى الله عليه و سلم ( إنما المدينة كالكير تنفى خبثها وينصع طيبها ) هو بفتح الياء والصاد المهملة أي يصفو ويخلص ويتميز والناصع الصافي الخالص ومنه قولهم ناصع اللون أي صافية وخالصة ومعنى الحديث أنه يخرج من المدينة من لم يخلص ايمانه ويبقى فيها من خلص ايمانه قال أهل اللغة يقال نصع الشيء ينصع بفتح الصاد فيهما نصوعا إذا خلص ووضح والناصع الخالص من كل شيء [ 1385 ] قوله ( وحدثنا قتيبة بن سعيد وهناد بن السرى وأبو كريب وأبو بكر بن أبي شيبة ) هكذا وقع في بعض النسخ ووقع في أكثرها بحذف ذكر أبي كريب قوله صلى الله عليه و سلم ( ان الله سمى المدينة طابة هذا ) فيه استحباب تسميتها طابة وليس فيه أنها لا تسمى بغيره فقد سماها الله تعالى المدينة في مواضع من القرآن وسماها النبي صلى الله عليه و سلم طيبة في الحديث الذي قبل هذا من هذا الباب وقد سبق ايضاح الجميع في هذا الباب والله أعلم
( باب تحريم ارادة أهل المدينة بسوء وأن من أرادهم به أذابه الله )
[ 1386 ] قوله ( أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس عن أبي عبد الله القراظ ) هكذا صوابه أخبرنى

(9/156)


عبد الله بفتح العين مكبر وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا ومعظم نسخ المغاربة ووقع في بعضها عبيد الله بضم العين مصغر وهو غلط ويحنس بكسر النون وفتحها سبق بيانه قريبا في باب الترغيب في سكنى المدينة والقراظ بالظاء المعجمة منسوب إلى القرظ الذي يدبغ به قال بن أبي حاتم لأنه كان يبيعه واسم أبى عبد الله القراظ هذا دينار وقد سماه في الرواية التي بعد هذه في حديثه عن سعد بن ابي وقاص رضى الله عنه [ 1387 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( من أراد أهل هذه البلدة بسوء ) يعنى المدينة اذابة الله كما يذوب الملح في الماء قيل يحتمل أن المراد من أرادها غازيا مغيرا عليها

(9/157)


ويحتمل غير ذلك وقد سبق بيان هذا الحديث قريبا في الأبواب السابقة قوله ( غير أنه قال بدهم أو بسوء ) هو بفتح الدال المهملة وإسكان الهاء أي بغائلة وأمر عظيم والله أعلم
( باب ترغيب الناس في سكنى المدينة عند فتح الأمصار )
[ 1388 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( تفتح الشام فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ) قال اهل اللغة يبسون بفتح الياء المثناة من تحت وبعدها باء موحدة تضم وتكسر ويقال أيضا بضم المثناة مع كسر الموحدة فتكون اللفظة ثلاثية ورباعية فحصل في ضبطه ثلاثة أوجه ومعناه يتحملون بأهليهم وقيل معناه يدعون الناس إلى بلاد الخصب وهو قول ابراهيم

(9/158)


الحربى وقال أبو عبيد معناه يسوقون والبس سوق الابل وقال بن وهب معناه يزينون لهم البلاد ويحببونها اليهم ويدعونهم إلى الرحيل اليها ونحوه في الحديث السابق يدعو الرجل بن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء وقال الداودى معناه يزجرون الدواب إلى المدينة فيبسون ما يطوون من الأرض ويفتونه فيصير غبارا ويفتنون من بها لما يصفون لهم من رغد العيش وهذا ضعيف أو باطل بل الصواب الذي عليه المحققون أن معناه الاخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله باسا في سيره مسرعا إلى الرخاء في الأمصار التي أخبر النبي صلى الله عليه و سلم بفتحها قال العلماء في هذا الحديث معجزات لرسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه أخبر بفتح هذه الأقاليم وأن الناس يتحملون بأهليهم اليها ويتركون المدينة وأن هذه الاقاليم تفتح على هذا الترتيب ووجد جميع ذلك كذلك بحمد الله وفضله وفيه فضيلة سكنى المدينة والصبر على شدتها وضيق العيش بها والله أعلم
( باب اخباره صلى الله عليه و سلم بترك الناس المدينة على خير ما كانت )
[ 1389 ] قوله صلى الله عليه و سلم للمدينة ( ليتركنها أهلها على خير ما كانت مذللة للعوافي ) يعنى السباع

(9/159)


والطيروفي الرواية الثانية يتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي يريد عوافي السباع والطير ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمها فيجدانها وحشا حتى اذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما أما العوافى فقد فسرها في الحديث بالسباع والطير وهو صحيح في اللغة مأخوذ من عفوته اذا أتيته تطلب معروفه وأما معنى الحديث فالظاهر المختار أن هذا الترك للمدينة يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة وتوضحه قصة الراعبين من مزينة فإنهما يخران على وجوههما حين تدركهما الساعة وهما آخر من يحشر كما ثبت في صحيح البخاري فهذا هو الظاهر المختار وقال القاضي عياض هذا فما جرى في العصر الأول وانقضى قال وهذا من معجزاته صلى الله عليه و سلم فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة عنها إلى الشام والعراق وذلك الوقت أحسن ما كانت الدين والدنيا أما الدين فلكثرة العلماء وكمالهم وأما الدنيا فلعمارتها وغرسها واتساع حال أهلها قال وذكر الأخباريون في بعض الفتن التي جرت بالمدينة وخاف أهلها أنه رحل عنها أكثر الناس وبقيت ثمارها أو أكثرها للعوافى وخلت مدة ثم تراجع الناس اليها قال وحالها اليوم قريب من هذا وقد خربت أطرافها هذا كلام القاضي والله أعلم ومعنى ينعقان بغنمهما يصيحان قوله صلى الله عليه و سلم ( فيجدانها وحشا ) وفي رواية البخاري

(9/160)


وحوشا قيل معناه يجدانها خلاء أي خالية ليس بها أحد قال إبراهيم الحربي الوحش من الأرض هو الخلاء والصحيح أن معناه يجدانها ذات وحوش كما في رواية البخاري وكما قال صلى الله عليه و سلم لا يغشاها إلا العوافي ويكون وحشا بمعنى وحوشا وأصل الوحش كل شيء توحش من الحيوان وجمعه وحوش وقد يعبر بواحدة عن جمعه كما في غيره وحكى القاضي عن بن المرابط أن معناه أن غنمهما تصير وحوشا إما أن تنقلب ذاتها فتصير وحوشا وإما أن تتوحش وتنفر من أصواتها وأنكر القاضي هذا واختار أن الضمير في يجدانها عائد إلى المدينة لا إلى الغنم وهذا هو الصواب وقول بن المرابط غلط والله أعلم
( باب فضل ما بين قبره صلى الله عليه و سلم ) ( وفضل موضع منبره ) [ 1390 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ) ذكروا في معناه قولين أحدهما أن ذلك الموضع بعينه ينقل إلى الجنة والثاني أن العبادة فيه تؤدى إلى الجنة قال الطبري في المراد ببيتي هنا قولان أحدهما القبر قاله زيد بن اسلم كما روي مفسرا بين قبري ومنبري والثاني المراد بيت سكناه على ظاهرة وروى ما بين حجرتي ومنبرى قال الطبرى والقولان متفقان )

(9/161)


لأن قبره في حجرته وهي بيته [ 1391 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( ومنبري على حوضي ) قال القاضي قال أكثر العلماء المراد منبره بعينه الذي كان في الدنيا قال وهذا هو الأظهر قال وأنكر كثير منهم غيره قال وقيل ان له هناك منبرا على حوضه وقيل معناه أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه الحوض ويقتضي شربه منه والله أعلم
( باب فضل أحد )
[ 1393 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( ان أحدا جبل يحبنا ونحبه ) قيل معناه يحبنا أهله وهم أهل المدينة

(9/162)


ونحبهم والصحيح أنه على ظاهره وأن معناه يحبنا هو بنفسه وقد جعل الله فيه تمييزا وقد سبق بيان هذا الحديث قريبا والله أعلم
( باب فضل الصلاة بمسجد مكة والمدينة )
[ 1394 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه الا المسجد الحرام ) اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيتهما أفضل ومذهب الشافعي وجماهير العلماء أن مكة أفضل من المدينة وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة وعكسه مالك وطائفة فعند الشافعي والجمهور معناه الا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي وعند مالك وموافقيه الا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجدى تفضله بدون الألف قال القاضي عياض أجمعوا على أن موضع قبره صلى الله عليه و سلم أفضل بقاع الأرض وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض واختلفوا

(9/163)


في أفضلهما ما عدا موضع قبره صلى الله عليه و سلم فقال عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين المدينة أفضل وقال أهل مكة والكوفة والشافعي وبن وهب وبن حبيب المالكيان مكة أفضل قلت ومما احتج به أصحابنا لتفضيل مكة حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم وهو واقف على راحلته بمكة يقول والله انك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي هو حديث حسن صحيح وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة في مسجدي هذا افضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد الا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي حديث حسن رواه أحمد بن حنبل في مسنده والبيهقي وغيرهما بإسناد حسن والله أعلم وأعلم أن مذهبنا أنه لا يختص هذا التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين بالفريضة بل يعم الفرض والنفل جميعا وبه قال مطرف من أصحاب مالك وقال الطحاوي يختص بالفرض وهذا مخالف اطلاق هذه الأحاديث الصحيحة والله أعلم واعلم أن الصلاة في مسجد المدينة تزيد على فضيلة الألف فيما سواه الا المسجد الحرام لأنها تعادل الألف بل هي زائدة على الألف كما صرحت به هذه الاحاديث

(9/164)


أفضل من ألف صلاة وخير من ألف صلاة ونحوه قال العلماء وهذا فيما يرجع إلى الثواب

(9/165)


فثواب صلاة فيه يزيد على ثواب ألف فيما سواه ولا يتعدي ذلك إلى الاجزاء عن الفوائت حتى لو كان عليه صلاتان فصلى في مسجد المدينة صلاة لم تجزئه عنهما وهذا لا خلاف فيه والله أعلم وأعلم أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده صلى الله عليه و سلم الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده فينبغي أن يحرص المصلي على ذلك ويتفطن لما ذكرته وقد نبهت على هذا في كتاب المناسك والله أعلم [ 1396 ] قوله ( وحدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح جميعا عن الليث بن سعد قال قتيبة حدثنا ليث عن نافع عن ابراهيم بن عبد الله بن معبد عن بن عباس أنه قال ان مرأة اشتكت شكوى فقالت ان شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس وذكر الحديث إلى أن قال قالت ميمونة سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد الا مسجد الكعبة ) هذا الحديث مما أنكر على مسلم بسبب اسناده قال الحفاظ ذكر بن عباس فيه وهم وصوابه عن ابراهيم بن عبد الله عن ميمونة هكذا هو المحفوظ من رواية الليث وبن جريج عن نافع عن ابراهيم بن عبد الله عن ميمونة من غير ذكر بن عباس وكذلك رواه البخارى في صحيحه عن الليث عن نافع عن ابراهيم عن ميمونة ولم يذكر بن عباس قال الدارقطنى في كتاب العلل وقد رواه بعضهم عن بن عباس عن ميمونة وليس يثبت وقال البخاري في تاريخه الكبير ابراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب عن أبيه وميمونة وذكر حديثه هذا من طريق الليث وبن جريج ولم يذكر فيه بن عباس ثم قال وقال لنا المكي عن بن جريج أنه سمع نافعا قال ان ابراهيم بن معبد حدث ان بن عباس حدثه عن ميمونة قال البخاري ولا يصح فيه بن عباس قال القاضي عياض قال بعضهم صوابه ابراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس أنه قال

(9/166)


ان امرأة اشتكت قال القاضي وقد ذكر مسلم قبل هذا في هذا الباب حديث عبد الله عن نافع عن بن عمر وحديث موسى الجهني عن نافع عن بن عمر وحديث أيوب عن نافع عن بن عمر وهذا مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال ليس بمحفوظ عن أيوب وعلل الحديث عن نافع بذلك وقال قد خالفهم الليث وبن جريج فروياه عن ابراهيم بن عبد الله بن معبد عن ميمونة وقد ذكر مسلم الروايتين ولم يذكر البخاري في صحيحه رواية نافع بوجه وقد ذكر البخاري في تاريخه رواية عبد الله وموسى عن نافع قال والأول أصح يعنى رواية ابراهيم بن عبد الله عن ميمونة كما قال الدار قطنى والله أعلم قلت ويحتمل صحة الروايتين جميعا كما فعله مسلم وليس هذا الاختلاف المذكور نافعا من ذلك ومع هذا فالمتن صحيح بلا خلاف والله أعلم قوله ( عن ميمونة رضى الله عنها أنها أفتت امرأة نذرت الصلاة في بيت المقدس أن تصلي في مسجد النبي صلى الله عليه و سلم واستدلت بالحديث ) هذه الدلالة ظاهرة وهذا حجة لأصح الأقوال في مذهبنا في هذه المسألة فإنه إذا نذر صلاة في مسجد المدينة أو الأقصى هل تتعين فيه قولان الأصح تتعين فلا تجزئه تلك الصلاة في غيره والثاني لا تتعين بل تجزئه تلك الصلاة حيث صلى فإذا قلنا تتعين فنذرها في أحد هذين المسجدين ثم أراد أن يصليها في الآخر ففيه ثلاثة أقوال أحدها يجوز والثاني لا يجوز والثالث وهو الأصح أن نذرها في الأقصى جاز العدول إلى مسجد المدينة دون عكسه والله أعلم
( باب فضل المساجد الثلاثة )
[ 1397 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا ومسجد الحرام

(9/167)


ومسجد الأقصى وفي رواية ومسجد إيلياء ) هكذا وقع في صحيح مسلم هنا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى وهو من اضافة الموصوف إلى صفته وقد أجازه النحويون الكوفيون وتأوله البصريون على أن فيه محذوفا تقديره مسجد المكان الحرام والمكان الأقصى ومنه قوله تعالى وما كنت بجانب الغربي أي المكان الغربي ونظائره وأما ايلياء فهو بيت المقدس وفيه ثلاث لغات أفصحهن وأشهرهن هذه الواقعة هنا ايلياء بكسر الهمزة واللام وبالمد والثانية كذلك الا أنه مقصور والثالثة الياء بحذف الياء وبالمد وسمي الأقصى لبعده من المسجد الحرام وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة وفضيلة شد الرحال اليها لأن معناه عند جمهور العلماء لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها وقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا يحرم شد الرحال إلى غيرها وهو غلط وقد سبق بيان هذا الحديث وشرحه قبل هذا بقليل في باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره

(9/168)


( باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى )
( هو مسجد النبي صلى الله عليه و سلم بالمدينة ) [ 1398 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( وقد سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال هو مسجدكم هذا لمسجد المدينة ) هذا نص بأنه المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في القرآن ورد لما يقول بعض المفسرين أنه مسجد قباء وأما أخذه صلى الله عليه و سلم الحصباء وضربه في الأرض فالمراد به المبالغة في الايضاح لبيان أنه مسجد المدينة والحصباء بالمد الحصى الصغار
( باب فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته )
[ 1399 ] قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يزور قباء ماشيا وراكبا ) وفي رواية أنه كان يأتي مسجد

(9/169)


قباء راكبا وماشيا فيصلي فيه ركعتين وفي رواية أن بن عمر كان يأتي مسجد قباء كل سبت وكان يقول رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يأتيه كل سبت أما قباء فالصحيح المشهور فيه المد والتذكير والصرف وفي لغة مقصور وفي لغة مؤنث وفي لغة مذكر غير مصروف وهو قريب من المدينة من عواليها وفي هذه الأحاديث بيان فضله وفضل مسجده والصلاة فيه وفضيلة زيارته وأنه تجوز زيارته راكبا وماشيا وهكذا جميع المواضع الفاضلة تجوز زيارتها راكبا وماشيا وفيه أنه يستحب أن تكون صلاة

(9/170)


النفل بالنهار ركعتين كصلاة الليل وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وفيه خلاف أبي حنيفة وسبقت المسألة في كتاب الصلاة وقوله كل سبت فيه جواز تخصيص بعض الأيام بالزيارة وهذا هو الصواب وقول الجمهور وكره بن مسلمة المالكي ذلك قالوا لعله لم تبلغه هذه الأحاديث والله أعلم ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة بسم الله الرحمن الرحيم
( كتاب النكاح هو في اللغة الضم ويطلق على العقد وعلى الوطء قال الامام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري قال الأزهري أصل النكاح في كلام العرب الوطء وقيل للتزويج نكاح لأنه سبب الوطء يقال نكح المنظر الأرض ونكح النعاس عينه أصابها قال الواحدي وقال أبو القسم الزجاجى النكاح في كلام العرب الوطء والعقد جميعا قال وموضع ن ك ح على هذا الترتيب في كلام العرب للزوم الشيء الشيء راكبا عليه هذا كلام العرب الصحيح فإذا قالوا نكح فلان فلانة ينكحها نكحا ونكاحا أرادوا تزوجها وقال أبو علي الفارسي فرقت العرب بينهما فرقا لطيفا فإذا قالوا نكح فلانه بنت فلان أو أخته أرادوا عقد عليها وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا الا الوطء لأن بذكر )

(9/171)


امرأته وزوجته يستغني عن ذكر العقد قال الفراء العرب تقول نكح المرأة بضم النون بضعها وهو كناية عن الفرج فإذا قالوا نكحها أرادوا أصاب نكحها وهو فرجها وقل ما يقال ناكحها كما يقال باضعها هذا آخر ما نقله الواحدي وقال بن فارس والجوهري وغيرهما من أهل اللغة النكاح الوطء وقد يكون العقد ويقال نكحتها ونكحت هي أي تزوجت وأنكحته زوجته وهي ناكح أي ذات زوج واستنكحها تزوجها هذا كلام أهل اللغة وأما حقيقة النكاح عند الفقهاء ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا حكاها القاضي حسين من اصحابنا في تعليقه أصحها أنها حقيقة في العقد مجاز في الوطء وهذا هو الذي صححه القاضي أبو الطيب وأطنب في الاستدلال له وبه قطع المتولي وغيره وبه جاء القرآن العزيز والأحاديث والثاني أنها حقيقة في الوطء مجاز في العقد وبه قال أبو حنيفة والثالث حقيقة فيهما بالاشتراك والله أعلم
( باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة )
( واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم ) [ 1400 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) قال أهل اللغة المعشر هم الطائفة

(9/172)


الذين يشملهم وصف فالشباب معشر والشيوخ معشر والأنبياء معشر والنساء معشر فكذا ما أشبهه والشباب جمع شاب ويجمع على شبان وشببة والشاب عند أصحابنا هو من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة وأما الباءة ففيها أربع لغات حكاها القاضي عياض الفصيحة المشهورة الباءة بالمد والهاء والثانية الباة بلا مد والثالثة الباء بالمد بلا هاء والرابعة الباهة بهاءين بلا مد وأصلها في اللغة الجماع مشتقة من المباءة وهي المنزل ومنه مباءة الابل وهي مواطنها ثم قيل لعقد النكاح باءة لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشبان الذين هم مظنه شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبا والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها وتقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطعها فليصم ليدفع شهوته والذي حمل القائلين بهذا على هذا أنهم قالوا قوله صلى الله عليه و سلم ومن لم يستطع فعليه بالصوم قالوا والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن وأجاب الأولون بما قدمناه في القول الأول وهو أن تقديره من لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه وهو محتاج إلى الجماع فعليه بالصوم والله أعلم وأما الوجاء فبكسر الواو وبالمد وهو رض الخصيتين والمراد هنا أن الصوم يقطع الشهوة ويقطع شر المنى كما يفعله الوجاء وفي هذا الحديث الأمر بالنكاح لمن استطاعه وتاقت إليه نفسه وهذا مجمع عليه لكنه عندنا وعند العلماء كافة أمر ندب لا إيجاب فلا يلزم التزوج ولا التسرى سواء خاف العنت أم لا هذا مذهب العلماء كافة ولا يعلم أحد أوجبه الا داود ومن وافقه من اهل الظاهر ورواية عن أحمد فإنهم قالوا يلزمه اذا خاف العنت أن يتزوج أو يتسرى قالوا وإنما يلزمه في العمر مرة واحدة ولم يشرط بعضهم خوف العنت قال أهل الظاهر إنما يلزمه التزويج فقط ولا يلزمه الوطء وتعلقوا بظاهر الأمر في هذا الحديث مع غيره من الأحاديث مع القرآن قال الله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وغيرها من الآيات واحتج الجمهور بقوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء إلى قوله تعالى وما ملكت أيمانكم فخيره سبحانه وتعالى بين النكاح والتسرى قال الامام المازرى هذا حجة للجمهور لأنه سبحانه وتعالى خيره بين

(9/173)


النكاح والتسرى بالإتفاق ولو كان النكاح واجبا لما خيره بينه وبين التسرى لأنه لا يصح عند الأصوليين التخيير بين واجب وغيره لأنه يؤدي إلى ابطال حقيقة الواجب وأن تاركه لا يكون آثما وأما قوله صلى الله عليه و سلم فمن رغب عن سنتي فليس مني فمعناه من رغب عنها اعراضا عنها غير معتقد على ما هي والله أعلم أما الأفضل من النكاح وتركه فقال أصحابنا الناس فيه أربعة أقسام قسم تتوق إليه نفسه ويجد المؤن فيستحب له النكاح وقسم لا تتوق ولا يجد المؤن فيكره له وقسم تتوق ولا يجد المؤن فيكره له وهذا مأمور بالصوم لدفع التوقان وقسم يجد المؤن ولا تتوق فمذهب الشافعي وجمهور أصحابنا أن ترك النكاح لهذا والتخلي للعبادة أفضل ولا يقال النكاح مكروه بل تركه أفضل ومذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وبعض أصحاب مالك أن النكاح له أفضل والله أعلم قوله ( ان عثمان بن عفان قال لعبد الله بن مسعود ألا نزوجك جارية شابة لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك ) فيه استحباب عرض الصاحب هذا على صاحبه الذي ليست له زوجه بهذه الصفة وهو صالح لزواجها على ما سبق تفصيله قريبا وفيه استحباب نكاح الشابة لأنها المحصلة لمقاصد النكاح فانها ألذ استمتاعا وأطيب نكهة وأرغب في الاستمتاع الذي هو مقصود النكاح وأحسن عشرة وأفكه محادثة وأجمل منظرا وألين ملمسا وأقرب إلى أن يعودها زوجها الأخلاق التي يرتضيها وقوله تذكرك بعض ما مضى من زمانك معناه تتذكر بها بعض ما مضى من نشاطك وقوة شبابك فإن ذلك ينعش البدن قوله ( ان عثمان دعا بن مسعود واستخلاه فقال له ) هذا الكلام دليل على استحباب الاسرار بمثل هذا فإنه مما يستحي من ذكره بين الناس وقوله ألا نزوجك جارية بكرا دليل على استحباب البكر وتفضيلها على الثيب وكذا

(9/174)


قاله أصحابنا لما قدمناه قريبا في قوله جارية شابة قوله ( عن عبد الرحمن بن يزيد دخلت أنا وعمي علقمة والأسود على عبد الله بن مسعود ) هكذا هو في جميع النسخ وهو الصواب قال القاضي ووقع في بعض الروايات أنا وعماى علقمة والاسود وهو غلط ظاهر لأن الاسود أخو عبد الرحمن بن يزيد لاعمه وعلقمة عمهما جميعا وهو علقمة بن قيس قوله ( فذكر حديثا رئيت أنه حدث به من أجلى ) هكذا هو في كثير من النسخ وفي بعضها رأيت وهما صحيحان

(9/175)


الأول من الظن والثانى من العلم [ 1401 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) سبق تأويله وأن معناه من تركها اعراضا عنها غير معتقد لها على ما هي عليه أما من ترك النكاح على الصفة التى يستحب له تركه كما سبق أو ترك النوم على الفراش لعجزه عنه أو لاشتغاله بعبادة مأذون فيها أو نحو ذلك فلا يتناوله هذا الذم والنهي قوله ( أن النبى صلى الله عليه و سلم حمد الله تعالى وأثنى عليه فقال ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ) هو موافق للمعروف من خطبه صلى الله عليه و سلم فى مثل هذا أنه اذا كره شيئا فخطب له ذكر كراهيته ولا يعين فاعله وهذا من عظيم خلقه صلى الله عليه و سلم فإن المقصود من ذلك الشخص وجميع الحاضرين وغيرهم ممن يبلغه ذلك ولا يحصل توبيخ صاحبه فى الملأ [ 1402 ] قوله ( رد رسول الله صلى الله عليه و سلم على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا ) قال العلماء التبتل هو الانقطاع عن النساء وترك النكاح انقطاعا إلى عبادة الله وأصل التبتل القطع ومنه مريم البتول وفاطمة البتول لانقطاعهما عن نساء زمانهما دينا وفضلا ورغبة فى الآخرة ومنه صدقة بتلة أي منقطعة عن تصرف مالكها قال الطبرى التبتل هو ترك لذات الدنيا وشهواتها والانقطاع إلى الله تعالى بالتفرغ لعبادته وقوله رد عليه التبتل معناه نهاه عنه وهذا عند أصحابنا محمول على من تاقت نفسه إلى النكاح ووجد مؤنة كما سبق ايضاحه وعلى من أضربه التبتل بالعبادات الكثيرة الشاقة أما الاعراض

(9/176)


عن الشهوات واللذات من غير أضرار بنفسه ولا تفويت حق لزوجة ولا غيرها ففضيلة للمنع منها بل مأمور به وأما قوله لو أذن له لا ختصينا فمعناه لو أذن له فى الانقطاع عن النساء وغيرهن من ملاذ الدنيا لاختصينا لدفع شهوة النساء ليمكنا التبتل وهذا محمول على أنهم كانوا يظنون جواز الاختصاء باجتهادهم ولم يكن ظنهم هذا موافقا فإن الاختصاء فى الآدمى حرام صغيرا كان أو كبيرا قال البغوى وكذا يحرم خصاء كل حيوان لا يؤكل وأما المأكول فيجوز خصاؤه فى صغره ويحرم فى كبره والله اعلم
( باب ندب من رأى امرأة فوقعت فى نفسه إلى أن يأتي امرأته ( أو جاريته فيواقعها ) [ 1403 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( أن المرأة تقبل فى صورة شيطان وتدبر فى صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم )

(9/177)


امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه ) وفي الرواية الأخرى اذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما في نفسه هذه الرواية الثانية مبينة للأولى ومعنى الحديث أنه يستحب لمن رأى امرأة فتحركت شهوته أن يأتي امرأته أو جاريته ان كانت له فليواقعها ليدفع شهوته وتسكن نفسه ويجمع قلبه على ما هو بصدده قوله صلى الله عليه و سلم ( ان المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان ) قال العلماء معناه الاشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ بنظرهن وما يتعلق بهن فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له ويستنبط من هذا أنه ينبغى لها أن لا تخرج بين الرجال الا لضرورة وأنه ينبغى للرجل الغض عن ثيابها والاعراض عنها مطلقا قوله ( تمعس منيئة ) قال أهل اللغة المعس بالعين المهملة الدلك والمنيئة بميم مفتوحة ثم نون مكسورة ثم همزة ممدودة ثم تاء تكتب هاء وهي على وزن صغيرة وكبيرة وذبيحة قال اهل اللغة هي الجلد أول ما يوضع في الدباغ وقال الكسائي يسمي منيئة ثم أفيق بفتح الهمزة وسر الفاء وجمعه أفق كفقيز وقفز ثم أديم عبيده هو في أول الدباغ منيئة ثم أفيق بفتح الهمزة وكسر الفاء وجمعه أفق كقفيز وقفز ثم أديم والله أعلم قوله ( أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس منيئة لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال ان المرأة تقبل في صورة شيطان ) إلى آخره قال

(9/178)


العلماء انما فعل هذا بيانا لهم وارشادا لما ينبغى لهم أن يفعلوه فعلمهم بفعله وقوله وفيه أنه لا بأس بطلب الرجل امرأته إلى الوقاع في النهار وغيره وإن كانت مشتغلة بما يمكن تركه لأنه ربما غلبت على الرجل شهوة يتضرر بالتأخير في بدنه أو في قلبه وبصره والله أعلم
( باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ )
( واستقر تحريمه إلى يوم القيامة ) اعلم أن القاضي عياضا بسط شرح هذا الباب بسطا بليغا وأتى فيه بأشياء نفيسة وأشياء يخالف فيها فالوجه أن ننقل ما ذكره مختصرا ثم نذكر ما ينكر عليه ويخالف فيه وننبه على المختار قال المازرى ثبت أن نكاح المتعة كان جائزا في أول الاسلام ثم ثبت بالأحاديث الصحيحة المذكورة هنا أنه نسخ وانعقد الاجماع على تحريمه ولم يخالف فيه الا طائفة من المستبدعة وتعلقوا بالأحاديث الواردة في ذلك وقد ذكرنا أنها منسوخة فلا دلالة لهم فيها وتعلقوا بقوله تعالى فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن وفي قراءة بن مسعود فما استمتعتم به منهن إلى أجل وقراءة بن مسعود هذه شاذة لا يحتج بها قرآنا ولا خبرا ولا يلزم العمل بها قال وقال زفر من نكح نكاح متعة تأبد نكاحه وكأنه جعل ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح فإنها تلغى ويصح النكاح قال المازرى واختلفت الرواية في صحيح مسلم في النهى عن المتعة ففيه أنه صلى الله عليه و سلم نهى عنها يوم خيبر وفيه أنه نهى عنها يوم فتح مكة فإن تعلق بهذا من أجاز نكاح المتعة وزعم أن الاحاديث تعارضت وأن هذا الاختلاف قادح فيها قلنا هذا الزعم خطأ وليس هذا تناقضا لأنه يصح أن ينهى عنه في زمن ثم ينهى عنه في زمن آخر توكيدا أو ليشتهر النهى ويسمعه من لم يكن سمعه أولا فسمع بعض الرواة النهى في زمن وسمعه آخرون في زمن آخر فنقل كل منهم ما سمعه وأضافه إلى زمان سماعه هذا كلام المازرى قال القاضي عياض روى حديث اباحة المتعة جماعة من الصحابة فذكره مسلم من رواية بن مسعود وبن عباس وجابر وسلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد الجهنى وليس في هذه الاحاديث كلها أنها كانت في

(9/179)


الحضر وإنما كانت في أسفارهم في الغزو عند ضرورتهم وعدم النساء مع أن بلادهم حارة وصبرهم عنهن قليل وقد ذكر في حديث بن أبي عمر أنها كانت رخصة في أول الاسلام لمن اضطر اليها كالميتة ونحوها وعن بن عباس رضي الله عنهما نحوه وذكر مسلم عن سلمة بن الأكوع اباحتها يوم أوطاس ومن رواية سبرة اباحتها يوم الفتح وهما واحد ثم حرمت يومئذ وفي حديث على تحريمها يوم خيبر وهو قبل الفتح وذكر غير مسلم عن على أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عنها في غزوة تبوك من رواية إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي ولم يتابعه أحد على هذا وهو غلط منه وهذا الحديث رواه مالك في الموطأ وسفيان بن عيينه والعمري ويونس وغيرهم عن الزهري وفيه يوم خيبر وكذا ذكره مسلم عن جماعة عن الزهري وهذا هو الصحيح وقد روى أبو داود من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه النهي عنها في حجة الوداع قال أبو داود وهذا أصح ما روى في ذلك وقد روى عن سبرة أيضا اباحتها في حجة الوداع ثم نهى النبي صلى الله عليه و سلم عنها حينئذ إلى يوم القيامة وروى عن الحسن البصري أنها ما حلت قط الا في عمرة القضاء وروى هذا عن سبرة الجهني أيضا ولم يذكر مسلم في روايات حديث سبرة تعيين وقت الا في رواية محمد بن سعيد الدارمي ورواية إسحاق بن ابراهيم ورواية يحيى بن يحيى فإنه ذكر فيها يوم فتح مكة قالوا وذكر الرواية بإباحتها يوم حجة الوداع خطأ لأنه لم يكن يؤمئذ ضرورة ولا عزوبة وأكثرهم حجوا بنسائهم والصحيح أن الذى جرى في حجة الوداع مجرد النهي كما جاء في غير رواية ويكون تجديده صلى الله عليه و سلم النهى عنها يومئذ لاجتماع الناس وليبلغ الشاهد الغائب ولتمام الدين وتقرر الشريعة كما قرر غير شيء وبين الحلال والحرام يومئذ وبت تحريم المتعة حينئذ لقوله إلى يوم القيامة قال القاضي ويحتمل ما جاء من تحريم المتعة يوم خيبر وفي عمرة القضاء ويوم الفتح ويوم أوطاس أنه جدد النهي عنها في هذه المواطن لأن حديث تحريمها يوم خيبر صحيح لا مطعن فيه بل هو ثابت من رواية الثقات الاثبات لكن في رواية سفيان أنه نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر فقال بعضهم هذا الكلام فيه انفصال ومعناه أنه حرم المتعة ولم يبين زمن تحريمها ثم قال ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر فيكون يوم خيبر لتحريم الحمر خاصة ولم يبين وقت تحريم المتعة ليجمع بين الروايات قال هذا القائل وهذا هو الأشبه أن تحريم المتعة كان بمكة وأما لحوم الحمر فبخيبر بلا شك قال

(9/180)


القاضي وهذا أحسن لو ساعده سائر الروايات عن غير سفيان قال والأولى ما قلناه أنه قرر التحريم لكن يبقى بعد هذا ما جاء من ذكر اباحته في عمرة القضاء ويوم الفتح ويوم أوطاس فتحتمل أن النبي صلى الله عليه و سلم أباحها لهم للضرورة بعد التحريم ثم حرمها تحريما مؤبدا فيكون حرمها يوم خيبر وفي عمرة القضاء ثم أباحها يوم الفتح للضرورة ثم حرمها يوم الفتح أيضا تحريما مؤبدا وتسقط رواية اباحتها يوم حجة الوداع لأنها مروية عن سبرة الجهني وإنما روى الثقات الاثبات عنه الاباحة يوم فتح مكة والذي في حجة الوداع إنما هو التحريم فيؤخذ من حديثه ما اتفق عليه جمهور الرواة ووافقه عليه غيره من الصحابة رضى الله عنهم من النهى عنها يوم الفتح ويكون تحريمها يوم حجة الوداع تأكيدا وإشاعة له كما سبق وأما قول الحسن إنما كانت في عمرة القضاء لا قبلها ولا بعدها فترده الأحاديث الثابتة في تحريمها يوم خيبر وهي قبل عمرة القضاء وما جاء من اباحتها يوم فتح مكة ويوم أوطاس مع أن الرواية بهذا إنما جاءت عن سبرة الجهني وهو راوي الروايات الأخر وهي أصح فيترك ما خالف الصحيح وقد قال بعضهم هذا مما تداوله التحريم والاباحة والنسخ مرتين والله أعلم هذا آخر كلام القاضي والصواب المختار أن التحريم والاباحة كانا مرتين وكانت حلالا قبل خيبر ثم حرمت يوم خيبر ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لا تصالهما ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة واستمر التحريم ولا يجوز أن يقال ان الاباحة مختصة بما قبل خيبر والتحريم يوم خيبر للتأبيد وأن الذي كان يوم الفتح مجرد توكيد التحريم من غير تقدم اباحة يوم الفتح كما اختاره المازرى والقاضي لأن الروايات التي ذكرها مسلم في الاباحة يوم الفتح صريحة في ذلك فلا يجوز إسقاطها ولا مانع يمنع تكرير الاباحة والله أعلم قال القاضي واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحا إلى أجل لا ميراث فيها وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق ووقع الاجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء الا الروافض وكان بن عباس رضي الله عنه يقول بإباحتها وروى عنه أنه رجع عنه قال وأجمعوا على أنه متى وقع نكاح المتعة الآن حكم ببطلانه سواء كان قبل الدخول أو بعده الا ما سبق عن زفر واختلف أصحاب مالك هل يحد الواطئ فيه ومذهبنا أنه لا يحد لشبهة العقد وشبهة الخلاف ومأخذ الخلاف اختلاف الأصوليين في أن الاجماع بعد الخلاف هل يرفع الخلاف ويصير المسألة مجمعا عليها والأصح عند أصحابنا أنه لا يرفعه بل يدوم

(9/181)


الخلاف ولا يصير المسألة بعد ذلك مجمعا عليها أبدا وبه قال القاضي أبو بكر الباقلاني قال القاضي وأجمعوا على أن من نكح نكاحا مطلقا ونيته أن لا يمكث معها الا مدة نواها فنكاحه صحيح حلال وليس نكاح متعة وإنما نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور ولكن قال مالك ليس هذا من أخلاق الناس وشذ الأوزاعي فقال هو نكاح متعة ولا خير فيه والله أعلم [ 1404 ] قوله ( فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ) فيه موافقة لما قدمناه في الباب السابق من تحريم الخصي لما فيه من تغيير خلق الله ولما فيه من قطع النسل وتعذيب الحيوان والله أعلم قوله ( رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ) أي بالثوب وغيره مما نتراضى به قوله ( ثم قرأ عبد الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) فيه اشارة إلى أنه كان يعتقد اباحتها كقول بن عباس وأنه لم يبلغه نسخها قوله ( وحدثني أمية بن بسطام العيشى حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح وهو بن القاسم عن

(9/182)


عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد عن سلمة بن الأكوع وجابر ) هكذا هو في بعض النسخ وسقط في بعضها ذكر الحسن بن محمد بل قال عن عمرو بن دينار عن سلمة وجابر وذكر المازرى أيضا أن النسخ اختلف فيه وأنه ثبت ذكر الحسن في رواية بن ماهان وسقط في رواية الجلودي وسبق بيان أمية بن بسطام وأنه يجوز صرف بسطام وترك صرفه وأن الباء تكسر وقد تفتح والعيشى بالشين المعجمة [ 1405 ] قوله ( عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال قد أذن لكم أن تستمتعوا ) وفى الرواية الثانية عن سلمة وجابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتانا فأذن لنا فى المتعة فقوله فى الثانية أتانا يحتمل أتانا رسوله ومناديه كما صرح به فى الرواية الأولى ويحتمل أنه صلى الله عليه و سلم مر عليهم فقال لهم ذلك بلسانه قوله ( استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبى بكر وعمر ) هذا محمول على أن الذي استمتع فى عهد أبى بكر وعمر لم يبلغه النسخ وقوله ( حتى نهانا عنه عمر ) يعنى حين بلغه النسخ وقد سبق إيضاح هذا قوله ( كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق ) القبضة بضم القاف وفتحها والضم أفصح قال الجوهري القبضة بالضم ما قبضت عليه من الشيء يقال أعطاه قبضة من سويق

(9/183)


أو تمر قال وربما فتح قوله ( حدثنا حامد بن عمر البكراوي ) ذكرنا مرات انه منسوب إلى جده الأعلى أبى بكر الصحابي قوله ( رخص رسول الله صلى الله عليه و سلم عام أوطاس فى المتعة ثلاثا ثم نهى عنها ) هذا تصريح بأنها أبيحت يوم فتح مكة وهو ويوم أوطاس شيء واحد وأوطاس واد بالطائف ويصرف ولا يصرف فمن صرفه أراد الوادي والمكان ومن لم يصرفه أراد البقعة كما فى نظائره وأكثر استعمالهم له غير مصروف [ 1406 ] قوله ( الربيع بن سبرة ) هو بفتح السين المهملة وإسكان الباء الموحدة قوله ( فانطلقت أنا ورجل إلى إمرأة من بنى عامر كأنها بكرة عيطاء ) أما البكرة فهي الفتية من الابل أي الشابة القوية وأما العيطاء فبفتح العين المهملة وإسكان الياء

(9/184)


المثناة تحت وبطاء مهملة وبالمد وهي الطويلة العنق فى اعتدال وحسن قوام والعيط بفتح العين والياء طول العنق قوله صلى الله عليه و سلم ( من كان عنده شيء من هذه النساء التى يتمتع فليخل سبيلها ) هكذا هو فى جميع النسخ التى يتمتع فليخل أي يتمتع بها فحذف بها لدلالة الكلام عليه أو أوقع يتمتع موقع يباشر أي يباشرها وحذف المفعول قوله ( وهو قريب من الدمامة ) هي بفتح الدال المهملة وهى القبح فى الصورة قوله ( فبردي خلق ) هو بفتح اللام أى قريب من البالي قوله ( فتلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة ) هي بعين مهملة مفتوحة وبنونين الأولى مفتوحة وبطاءين مهملتين وهى كالعيطاء وسبق بيانها وقيل هي الطويلة فقط والمشهور الاول قوله ( ينظر إلى عطفها ) هو بكسر العين أي جانبها وقيل من رأسها إلى وركها وفى هذا الحديث دليل على

(9/185)


أنه لم يكن فى نكاح المتعة ولي ولا شهود قوله ( ان برد هذا خلق مح ) هو بميم مفتوحة وحاء مهملة مشددة وهو البالي ومنه مح الكتاب اذا بلى ودرس قوله صلى الله عليه و سلم ( قد كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء وأن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) وفي هذا الحديث التصريح بالمنسوخ والناسخ في حديث واحد من كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم كحديث كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وفيه التصريح بتحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة وأنه يتعين تأويل قوله في الحديث السابق أنهم كانوا يتمتعون إلى عهد أبي بكر وعمر على أنه لم يبلغهم الناسخ كما سبق وفيه أن المهر الذي كان أعطاها يستقر لها ولا يحل أخذ شيء منه وأن فارقها قبل الأجل المسمى كما أنه

(9/186)


يستقر في النكاح المعروف المهر المسمى بالوطء ولا يسقط منه شيء بالفرقة بعده قوله ( فأمرت نفسها ساعة ) هو بهمزة ممدودة أي شاورت نفسها وأفكرت في ذلك ومنه قوله تعالى أن الملأ

(9/187)


يأتمرون بك قوله ( ان ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل ) يعنى يعرض بابن عباس قوله ( انك لجلف جاف ) الجلف بكسر الجيم قال بن السكيت وغيره الجلف هو الجافي وعلى هذا قيل انما جمع بينهما توكيدا لاختلاف اللفظ والجافي هو الغليظ الطبع القليل الفهم والعلم والأدب لبعده عن أهل ذلك قوله ( فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك ) هذا محمول على أنه أبلغه الناسخ لها وأنه لم يبق شك في تحريمها فقال ان فعلتها بعد ذلك ووطئت فيها كنت زانيا ورجمتك بالأحجار التي يرجم بها الزاني قوله ( فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله ) سيف الله هو خالد بن الوليد المخزومي سماه بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه ينكا في أعداء الله

(9/188)


[ 1407 ] قوله ( نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الانسية ) قوله الأنسية ضبطوه بوجهين أحدهما كسر الهمزة وإسكان النون والثاني فتحهما جميعا وصرح القاضي بترجيح الفتح وأنه رواية الأكثرين وفي هذا تحريم لحوم الحمر الأنسية وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة الا طائفة يسيرة من السلف فقد روى عن بن عباس وعائشة وبعض السلف اباحته وروى عنهم تحريمه وروى عن مالك كراهته وتحريمه قوله ( انك رجل تائه ) هو الحائر الذاهب عن الطريق المستقيم والله أعلم

(9/189)


( باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح )
[ 1408 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) وفي رواية لا تنكح العمة على بنت الأخ ولا ابنة الأخت على الخالة هذا دليل لمذاهب العلماء كافة أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها سواء كانت عمة وخالة حقيقة وهي أخت الأب وأخت الأم

(9/190)


أو مجازية وهي أخت أبى الأب وأبى الجد وإن علا أو أخت ام الأم وأم الجدة من جهتى الأم والأب وإن علت فكلهن بإجماع العلماء يحرم الجمع بينهما وقالت طائفة من الخوارج والشيعة يجوز واحتجوا بقوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم واحتج الجمهور بهذه الأحاديث خصوا بها الآية والصحيح الذي عليه جمهور الأصوليين جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لأنه صلى الله عليه و سلم مبين للناس ما أنزل اليهم من كتاب الله وأما الجمع بينهما في الوطء بملك اليمين كالنكاح فهو حرام عند العلماء كافة وعند الشيعة مباح قالوا ويباح أيضا الجمع بين الأختين بملك اليمين قالوا وقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إنما هو في النكاح قال وقال العلماء كافة هو حرام

(9/191)


كالنكاح لعموم قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين وقولهم انه مختص بالنكاح لا يقبل بل جميع المذكورات في الآية محرمات بالنكاح وبملك اليمين جميعا ومما يدل عليه قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم فإن معناه أن ملك اليمين يحل وطؤها بملك اليمين لإنكاحها فإن عقد النكاح عليها لا يجوز لسيدها والله أعلم وأما باقي الأقارب كالجمع بين بنتي العم أو بنتي الخالة أو نحوهما فجائز عندنا وعند العلماء كافة الا ما حكاه القاضي عن بعض السلف أنه حرمه دليل الجمهور قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم والله أعلم وأما الجمع بين زوجة الرجل وبنته من غيرها فجائز عندنا وعند مالك وأبي حنيفة والجمهور وقال الحسن وعكرمة وبن أبي ليلى لا يجوز دليل الجمهور قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم وقوله صلى الله عليه و سلم لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ظاهر في أنه لا فرق بين أن ينكح البنتين معا أو تقدم هذه أو هذه فالجمع بينهما حرام كيف كان وقد جاء في رواية أبي داود وغيره لا تنكح الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى لكن إن عقد عليهما معا بعقد واحد فنكاحهما باطل وان عقد على أحداهما ثم الأخرى فنكاح الأولى صحيح ونكاح الثانية باطل والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ) هكذا هو في جميع النسخ ولا يسوم بالواو وهكذا يخطب مرفوع وكلاهما لفظه لفظ الخبر والمراد به النهى وهو أبلغ في النهى لأن خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافة والنهى قد تقع مخالفته فكان المعنى عاملوا هذا النهى معاملة الخبر المتحتم وأما حكم الخطبة فسيأتي في بابها قريبا ان شاء الله تعالى وكذلك السوم في كتاب البيع قوله صلى الله عليه و سلم ( ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفيء صحفتها ولتنكح فإنما لها ما كتب الله لها ) يجوز في تسأل الرفع والكسر الأول على الخبر الذي يراد به النهى وهو المناسب لقوله صلى الله عليه و سلم قبله لا يخطب ولا يسوم والثاني على النهى الحقيقي ومعنى هذا

(9/192)


الحديث نهى المرأة الأجنبية أن تسأل الزوج طلاق زوجته وأن ينكحها ويصير لها من نفقته ومعروفة ومعاشرته ونحوها ما كان للمطلقة فعبر عن ذلك باكتفاء ما في الصحفة مجازا قال الكسائي وأكفأت الاناء كببته وكفأته وأكفأته أملته والمراد بأختها غيرها سواء كانت أختها من النسب أو أختها في الاسلام أو كافرة
( باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته )
[ 1409 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ) ثم ذكر مسلم الاختلاف أن

(9/193)


النبي صلى الله عليه و سلم تزوج ميمونة وهو محرم أو وهو حلال فاختلف العلماء بسبب ذلك في نكاح المحرم فقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم لا يصح نكاح المحرم واعتمدوا أحاديث الباب وقال أبو حنيفة والكوفيون يصح نكاحه لحديث قصة ميمونة وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة أصحها أن النبي صلى الله عليه و سلم انما تزوجها حلالا هكذا رواه أكثر الصحابة قال القاضي وغيره ولم يرو أنه تزوجها محرما الا بن عباس وحده وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما أنه تزوجها حلالا وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به بخلاف بن عباس ولأنهم أضبط من بن عباس وأكثر الجواب الثاني تأويل حديث بن عباس على أنه تزوجها في الحرم وهو حلال ويقال لمن هو في الحرم محرم وإن كان حلالا وهي لغة شائعة معروفة ومنه البيت المشهور ... قتلوا بن عفان الخليفة محرما ... ... أي في حرم المدينة والثالث أنه تعارض القول والفعل والصحيح حينئذ عند الأصوليين ترجيح القول لأنه يتعدى إلى الغير والفعل قد يكون مقصورا عليه والرابع جواب جماعة من أصحابنا أن النبي صلى الله عليه و سلم كان له أن يتزوج في حال الاحرام وهو مما خص به دون الامة وهذا أصح الوجهين عند أصحابنا والوجه الثاني أنه حرام في حقه كغيره وليس من الخصائص وأما قوله صلى الله عليه و سلم

(9/194)


ولا ينكح فمعناه لا يزوج امرأة بولاية ولا وكالة قال العلماء سببه أنه لما منع في مدة الاحرام من العقد لنفسه صار كالمرأة فلا يعقد لنفسه ولا لغيره وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوج بولاية خاصة كالاب والأخ والعم ونحوهم أو بولاية عامة وهو السلطان والقاضي ونائبه وهذا هو الصحيح عندنا وبه قال جمهور أصحابنا وقال بعض أصحابنا يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة لأنها يستفاد بها ما لا يستفاد بالخاصة ولهذا يجوز للمسلم تزويج الذمية بالولاية العامة دون الخاصة وأعلم أن النهى عن النكاح والانكاح في حال الاحرام نهى تحريم فلو عقد لم ينعقد سواء كان المحرم هو الزوج والزوجة أو العاقد لهما بولاية أو وكالة فالنكاح باطل في كل ذلك حتى لو كان الزوجان والولي محلين ووكل الولي أو الزوج محرما في العقد لم ينعقد وأما قوله صلى الله عليه و سلم ولا يخطب فهو نهى تنزيه ليس بحرام وكذلك يكره للمحرم أن يكون شاهدا في نكاح عقده المحلون وقال بعض أصحابنا لا ينعقد بشهادته لأن الشاهد ركن في عقد النكاح كالولي والصحيح الذي عليه الجمهور انعقاده قوله ( حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير ) ثم ذكره بعد ذلك من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن نبيه قال بعثني عمر بن عبيد الله بن معمر وكان يخطب بنت شيبة بن عثمان على ابنه هكذا قال أحمد عن أيوب في رواية بنت شيبة بن

(9/195)


عثمان وكذا قال محمد بن راشد بن عثمان بن عمرو القرشي وزعم أبو داود في سننه أنه الصواب وأن مالكا وهم فيه وقال الجمهور بل قول مالك هو الصواب فإنها بنت شيبة بن جبير بن عثمان الحجبي كذا حكاه الدارقطنى عن رواية الأكثرين قال القاضي ولعل من قال شيبة بن عثمان نسبه إلى جده فلا يكون خطأ بل الروايتان صحيحتان أحداهما حقيقة والأخرى مجاز وذكر الزبير بن بكار أن هذه البنت تسمى أمة الحميد وأعلم أنه وقع في اسناد رواية حماد عن أيوب رواية أربعة تابعيين بعضهم على بعض وهم أيوب السختيانى ونافع ونبيه وأبان بن عثمان وقد نبهت على نظائر كثيرة لهذا سبقت في هذا الكتاب وقد افردتها في جزء مع رباعيات الصحابة رضي الله عنهم قوله ( فقال له أبا أن لا أراك عراقيا جافيا ) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا عراقيا وذكر القاضي أنه وقع في بعض الروايات عراقيا وفي بعضها أعرابيا قال وهو الصواب أي جاهلا بالسنة والاعرابي

(9/196)


هو ساكن البادية قال وعراقيا هنا خطأ الا أن يكون قد عرف من مذهب أهل الكوفة حينئذ جواز نكاح المحرم فيصح عراقيا أي آخذا بمذهبهم في هذا جاهلا بالسنة والله أعلم
( باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك )
[ 1412 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب بعضكم على خطبة بعض ) وفي رواية لا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه الا أن يأذن له وفي رواية المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر هذه الاحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على خطبة أخيه وأجمعوا على تحريمها اذا كان قد صرح للخاطب بالاجابة ولم يأذن ولم يترك فلو خطب على خطبته وتزوج والحالة هذه عصى وصح النكاح ولم يفسخ هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال داود يفسخ النكاح وعن مالك روايتان كالمذهبين وقال جماعة من أصحاب مالك يفسخ قبل الدخول لا بعده اما اذا عرض له بالاجابة ولم يصرح ففي تحريم الخطبة على خطبته قولان للشافعي أصحهما لا يحرم وقال بعض المالكية لا يحرم حتى يرضوا بالزوج ويسمى المهر واستدلوا لما ذكرناه من أن التحريم انما هو اذا حصلت الاجابة بحديث فاطمة بنت قيس فانها قالت خطبني

(9/197)


أبو جهم ومعاوية فلم ينكر النبي صلى الله عليه و سلم خطبة بعضهم على بعض بل خطبها لأسامة وقد يعترض على هذا الدليل فيقال لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول وأما النبي صلى الله عليه و سلم فأشار بأسامة لا أنه خطب له واتفقوا على أنه اذا ترك الخطبة رغبة عنها وأذن فيها جازت الخطبة على خطبته وقد صرح بذلك في هذه الاحاديث [ 1413 ] وقوله صلى الله عليه و سلم ( على خطبة أخيه ) قال الخطابى وغيره ظاهرة اختصاص التحريم بما اذا كان الخاطب مسلما فان كان كافرا فلا تحريم وبه قال الاوزاعى وقال جمهور العلماء تحرم الخطبة على خطبة الكافر أيضا ولهم أن يجيبوا عن الحديث بأن التقييد بأخيه خرج على الغالب فلا يكون له مفهوم يعمل به كما في قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم من إملاق وقوله تعالى وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم ونظائره وأعلم ان الصحيح الذي تقتضيه الاحاديث وعمومها أنه لا فرق بين الخاطب الفاسق وغيره وقال بن القاسم المالكي تجوز الخطبة على خطبة الفاسق والخطبة في هذا كله

(9/198)


بكسر الخاء وأما الخطبة في الجمعة والعيد والحج وغير ذلك وبين يدي عقد النكاح فبضمها وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يسم على سوم أخيه ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لباد ) فسيأتي شرحها في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى قوله ( حدثنا شعبة عن العلاء وسهيل عن أبيهما ) هكذا صورته في جميع النسخ وأبو العلاء غير أبي سهيل فلا يجوز أن يقال عن أبيهما قالوا وصوابه أبويهما قال القاضي وغيره ويصح أن يقال عن أبيهما بفتح الباء على لغة من قال في تثنية الاب أبان كما قال في تثنية اليد يدان فتكون الرواية صحيحة لكن الباء مفتوحة والله أعلم

(9/199)


( باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه )
[ 1415 ] قوله ( ان رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن الشغار ) والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته وليس بينهما صداق وفي الرواية الأخرى بيان أن تفسير الشغار من كلام نافع وفي الأخرى ابنته أو أخته قال العلماء الشغار بكسر الشين المعجمة وبالغين المعجمة أصله في اللغة الرفع يقال شغر الكلب اذا رفع رجله ليبول كأنه قال لا ترفع رجل بنتي حتى ارفع رجل بنتك وقيل هو من شغر البلد اذا خلا لخلوه عن الصداق ويقال شغرت المرأة اذا رفعت رجلها عند الجماع

(9/200)


قال بن قتيبة كل واحد منهما يشغر عند الجماع وكان الشغار من نكاح الجاهلية وأجمع العلماء على أنه منهي عنه لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضى ابطال النكاح أم لا فعند الشافعي يقتضى إبطاله وحكاه الخطابي عن أحمد واسحق وأبي عبيد وقال مالك يفسخ قبل الدخول وبعده وفي رواية عنه قبله لا بعده وقال جماعة يصح بمهر المثل وهو مذهب أبي حنيفة وحكى عن عطاء والزهري والليث وهو رواية عن أحمد واسحق وبه قال أبو ثور وبن جرير وأجمعوا على أن غير البنات من الاخوات وبنات الأخ والعمات وبنات الأعمام والاماء كالبنات في هذا وصورته الواضحة زوجتك بنتي على ان تزوجني بنتك ويضع كل واحدة صداقا للأخرى فيقول قبلت والله أعلم
( باب الوفاء بالشرط في النكاح )
قوله صلى الله عليه و سلم ( إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج ) قال

(9/201)


الشافعى وأكثر العلماء أن هذا محمول على شروط لا تنافي مقتضي النكاح بل تكون من مقتضياته ومقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف والانفاق عليها وكسوتها وسكناها بالمعروف وأنه لا يقصر في شيء من حقوقها ويقسم لها كغيرها وأنها لا تخرج من بيته إلا بإذنه ولا تنشز عليه ولا تصوم تطوعا بغير إذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه ونحو ذلك وأما شرط يخالف مقتضاه كشرط أن لا يقسم لها ولا يتسرى عليها ولا ينفق عليها ولا يسافر بها ونحو ذلك فلا يجب الوفاء به بل يلغو الشرط ويصح النكاح بمهر المثل لقوله صلى الله عليه و سلم كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وقال أحمد وجماعة يجب الوفاء بالشرط مطلقا لحديث أن أحق الشروط والله أعلم
( باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت )
[ 1419 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا

(9/202)


يا رسول الله وكيف اذنها قال أن تسكت ) وفي رواية الايم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وأذنها صماتها وفي رواية الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر وأذنها سكوتها وفي رواية والبكر يستأذنها أبوها في نفسها وأذنها صماتها قال العلماء الايم هنا الثيب كما فسرته الرواية الأخرى التي ذكرنا وللأيم معان أخر والصمات بضم الصاد هو السكوت قال القاضي اختلف العلماء في المراد بالأيم هنا مع اتفاق أهل اللغة على أنها تطلق على امرأة لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة بكرا كانت أو ثيبا قاله ابراهيم الحربي واسماعيل القاضي وغيرهما والأيمة في اللغة العزوبة ورجل أيم وامرأة أيم وحكى أبو عبيد أنه أيمة أيضا قال القاضي ثم اختلف العلماء في المراد بها هنا فقال علماء الحجاز والفقهاء كافة المراد الثيب واستدلوا بأنه جاء مفسرا في الرواية الاخرى بالثيب كما ذكرناه وبأنها جعلت مقابلة للبكر وبأن أكثر استعمالها في اللغة للثيب وقال الكوفيون وزفر الايم هنا كل امرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا كما هو مقتضاه في اللغة قالوا فكل امرأة بلغت فهي أحق بنفسها من وليها وعقدها على نفسها النكاح صحيح وبه قال الشعبي والزهري قالوا وليس الولى من أركان صحة النكاح بل من تمامه وقال الاوزاعي وأبو يوسف ومحمد تتوقف صحة النكاح على اجازة الولي قال القاضي واختلفوا أيضا في قوله صلى الله عليه و سلم أحق من وليها هل هي أحق بالإذن فقط أو بالإذن والعقد على نفسها فعند الجمهور بالاذن فقط وعند هؤلاء بهما جميعا وقوله صلى الله عليه و سلم أحق بنفسها يحتمل من حيث اللفظ أن المراد أحق من وليها في كل شيء من عقد وغيره كما قاله أبو حنيفة وداود ويحتمل أنها أحق بالرضا

(9/203)


أي لا تزوج حتى تنطق بالإذن بخلاف البكر ولكن لما صح قوله صلى الله عليه و سلم لا نكاح الا بولى مع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي تعين الاحتمال الثاني وأعلم أن لفظة أحق هنا للمشاركة معناه أن لها في نفسها في النكاح حقا ولوليها حقا وحقها أوكد من حقه فإنه لو أراد تزويجها كفؤا وامتنعت لم تجبر ولو أرادت أن تتزوج كفؤا فامتنع الولي أجبر فإن أصر زوجها القاضي فدل على تأكيد حقها ورجحانه وأما قوله صلى الله عليه و سلم في البكر ولا تنكح البكر حتى تستأمر فاختلفوا في معناه فقال الشافعي وبن ابي ليلى وأحمد واسحق وغيرهم الاستئذان في البكر مأمور به فإن كان الولي أبا أو جدا كان الاستئذان مندوبا إليه ولو زوجها بغير استئذانها صح لكمال شفقته وإن كان غيرهما من الأولياء وجب الاستئذان ولم يصح إنكاحها قبله وقال الاوزاعي وأبو حنيفة وغيرهما من الكوفيين يجب الاستئذان في كل بكر بالغة وأما قوله صلى الله عليه و سلم في البكر اذنها صماتها فظاهره العموم في كل بكر وكل ولي وأن سكوتها يكفي مطلقا وهذا هو الصحيح وقال بعض أصحابنا ان كان الولي أبا أو جدا فاستئذانه مستحب ويكفى فيه سكوتها وان كان غيرهما فلا بد من نطقها لأنها تستحي من الأب والجد أكثر من غيرهما والصحيح الذي عليه الجمهور أن السكوت كاف في جميع الأولياء لعموم الحديث لوجود الحياء وأما الثيب فلا بد فيها من النطق بلا خلاف سواء كان الولي أبا أو غيره لأنه زال كمال حيائها بممارسة الرجال وسواء زالت بكارتها بنكاح صحيح أو فاسد أو بوطء شبهة أو بزنا ولو زالت بكارتها بوثبة أو بإصبع أو بطول المكث او وطئت في دبرها فلها ح كم الثيب على الأصح وقيل

(9/204)


حكم البكر والله أعلم ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يشترط اعلام البكر بأن سكوتها اذن وشرطه بعض المالكية واتفق عليه أصحاب مالك على استحبابه واختلف العلماء في اشتراط الولي في صحة النكاح فقال مالك والشافعي يشترط ولا يصح نكاح الا بولي وقال أبو حنيفة لا يشترط في الثيب ولا في البكر البالغة بل لها أن تزوج نفسها بغير اذن وليها وقال أبو ثور يجوز أن تزوج نفسها بإذن وليها ولا يجوز بغير اذنه وقال داود يشترط الولي في تزويج البكر دون الثيب واحتج مالك والشافعي بالحديث المشهور لا نكاح إلا بولي وهذا يقتضى نفي الصحة واحتج داود بأن الحديث المذكور في مسلم صريح في الفرق بين البكر والثيب وأن الثيب أحق بنفسها والبكر تستأذن وأجاب أصحابنا عنه بأنها أحق أي شريكة في الحق بمعنى أنها لا تجبر وهي أيضا أحق في تعيين الزوج واحتج أبو حنيفة بالقياس على البيع وغيره فإنها تستقل فيه بلا ولي وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولى على الأمة والصغيرة وخص عمومها بهذا القياس وتخصيص العموم بالقياس جائز عند كثيرين من أهل الأصول واحتج أبو ثور بالحديث المشهور ايما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل ولأن الولي انما يراد ليختار كفؤا لدفع العار وذلك يحصل بإذنه قال العلماء ناقض داود مذهبه في شرط الولي في البكر دون الثيب لأنه احداث قول في مسألة مختلف فيها ولم يسبق إليه ومذهبه أنه لا يجوز احداث مثل هذا والله أعلم

(9/205)


( باب جواز تزويج الأب البكر الصغيرة )
[ 1422 ] فيه حديث عائشة رضي الله عنها قالت ( تزوجني رسول الله صلى الله عليه و سلم لست سنين وبنى بي وأنا بنت تسع سنين ) وفي رواية تزوجها وهي بنت سبع سنين هذا صريح في جواز تزويج الأب الصغيرة بغير اذنها لأنه لا اذن لها والجد كالأب عندنا وقد سبق في الباب الماضي بسط الاختلاف في اشتراط الولي وأجمع المسلمون على جواز تزويجه بنته البكر الصغيرة لهذا الحديث وإذا بلغت فلا خيار لها في فسخه عند مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز وقال أهل العراق لها الخيار اذا بلغت أما غير الأب والجد من الأولياء فلا يجوز أن يزوجها عند الشافعي والثوري ومالك وبن أبي ليلى وأحمد وأبي ثور وأبي عبيد والجمهور قالوا فإن زوجها لم يصح وقال الاوزاعي وأبو حنيفة وآخرون من السلف يجوز لجميع الأولياء ويصح ولها الخيار اذا بلغت الا أبا يوسف فقال لا خيار لها واتفق الجماهير على أن الوصي الاجنبي لا يزوجها وجوز شريح وعروة وحماد له تزويجها قبل البلوغ وحكاه الخطابي عن مالك ايضا والله أعلم وأعلم أن الشافعي وأصحابه قالوا يستحب أن لا يزوج الأب والجد البكر حتى تبلغ ويستأذنها لئلا يوقعها في أسر الزوج وهي كارهة وهذا الذي قالوه لا يخالف حديث عائشة لان مرادهم أنه لا يزوجها قبل البلوغ اذا لم تكن مصلحة ظاهرة يخاف فوتها بالتأخير كحديث عائشة فيستحب تحصيل ذلك الزوج لأن الأب مأمور بمصلحة ولده فلا يفوتها والله أعلم وأما وقت زفاف الصغيرة المزوجة والدخول بها فإن اتفق الزوج والولي على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة عمل به وإن اختلفا فقال أحمد وأبو عبيد تجبر على ذلك بنت تسع سنين دون غيرها وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة حد ذلك أن تطيق الجماع ويختلف ذلك باختلافهن ولا يضبط بسن وهذا هو الصحيح وليس في حديث عائشة تحديد ولا المنع من ذلك فيمن أطاقته قبل تسع ولا الإذن فيمن لم تطقه وقد بلغت تسعا قال الداودي وكانت عائشة قد شبت شبابا حسا رضى الله

(9/206)


عنها وأما قولها في رواية تزوجني وأنا بنت سبع وفي أكثر الروايات بنت ست فالجمع بينهما أنه كان لها ست وكسر ففي رواية اقتصرت على السنين وفي رواية عدت السنة التي دخلت فيها والله أعلم قوله ( وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال وجدت في كتابي عن أبي أسامة هذا ) معناه أنه وجد في كتابه ولم يذكر أنه سمعه ومثل هذا تجوز روايته على الصحيح وقول الجمهور ومع هذا فلم يقتصر مسلم عليه بل ذكره متابعة لغيره قولها ( فوعكت شهرا فوفى شعرى جميمة ) الوعك ألم الحمى ووفى أي كمل وجميمة تصغير جمة وهي الشعر النازل إلى الأذنين ونحوهما أي صار إلى هذا الحد بعد أن كان قد ذهب بالمرض قولها ( فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة ) أم رومان هي أم عائشة وهي بضم الراء وإسكان الواو وهذا هو المشهور ولم يذكر الجمهور غيره وحكى بن عبد البر في الاستيعاب ضم الراء وفتحها ورجح الفتح وليس هو براجح والارجوحة بضم الهمزة هي خشبة يلعب عليها الصبيان والجواري الصغار يكون وسطها على مكان مرتفع ويجلسون على طرفيها ويحركونها فيرتفع جانب منها وينزل جانب قولها ( فقلت هه هه حتى ذهب نفسي ) هو بفتح الفاء هذه كلمة يقولها المبهور حتى يتراجع إلى حال سكونه وهي بإسكان الهاء الثانية فهي هاء السكت قولها ( فإذا نسوة من الأنصار فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر ) النسوة بكسر النون وضمها لغتان الكسر أفصح وأشهر والطائر الحظ يطلق على الحظ من الخير والشر والمراد هنا على أفضل حظ وبركة وفيه استحباب الدعاء بالخير والبركة لكل واحد من الزوجين ومثله في حديث عبد الرحمن بن عوف بارك الله لك قولها ( فغسلن رأسي وأصلحنني

(9/207)


فيه استحباب تنظيف العروس وتزيينها لزوجها واستحباب اجتماع النساء لذلك ولأنه يتضمن إعلان النكاح ولأنهن يؤانسنها ويؤدبنها ويعلمنها آدابها حال الزفاف وحال لقائها الزوج قولها ( فلم يرعنى الا ورسول الله صلى الله عليه و سلم ضحى فأسلمنني إليه ) أي لم يفجأني ويأتني بغتة إلا هذا وفيه جواز الزفاف والدخول بالعروس نهارا وهو جائز ليلا ونهارا واحتج به البخاري في الدخول نهارا وترجم عليه بابا قوله ( وزفت إليه وهي ابنة تسع سنين ولعبها معها ( المراد هذه اللعب المسماة بالبنات التي تلعب بها الجواري الصغار ومعناه التنبية على صغر سنها قال القاضي وفيه جواز اتخاذ اللعب وإباحة لعب الجواري بهن وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى ذلك فلم ينكره قالوا وسببه تدريبهن لتربية الاولاد واصلاح شأنهن وبيوتهن هذا كلام القاضي ويحتمل أن يكون مخصوصا من أحاديث النهى عن اتخاذ الصور لما ذكره

(9/208)


من المصلحة ويحتمل أن يكون هذا منهيا عنه وكانت قصة عائشة هذه ولعبها في أول الهجرة قبل تحريم الصور والله أعلم
( باب استحباب التزوج والتزويج في شوال )
( واستحباب الدخول فيه ) [ 1423 ] قوله ( عن عائشة رضي الله عنها قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه و سلم في شوال وبنى بي في شوال فأي نساء رسول الله صلى الله عليه و سلم كان أحظى عنده منى قال وكانت عائشة تستحب أن تدخل نسائها في شوال ) فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال وقد نص أصحابنا على استحبابه واستدلوا بهذا الحديث وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه وما يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة التزوج والتزويج والدخول في شوال وهذا باطل لا أصل له وهو من آثار الجاهلية كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الاشالة والرفع

(9/209)


( باب ندب من أراد نكاح امرأة إلى أن ينظر إلى وجهها )
( وكفيها قبل خطبتها ) قوله صلى الله عليه و سلم للمتزوج امرأة من الانصار ( أنظرت اليها قال لا قال فاذهب فانظر اليها فإن في أعين الانصار شيئا ) هكذا الرواية شيئا بالهمز وهو واحد الأشياء قيل المراد صغر وقيل زرقة وفي هذا دلالة لجواز ذكر مثل هذا للنصيحة وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبى حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء وحكى القاضي عن قوم كراهته وهذا خطأ مخالف لصريح هذا الحديث ومخالف لاجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها ثم انه انما يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط لأنهما ليسا بعورة ولأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها هذا مذهبنا ومذهب الأكثرين وقال الأوزاعي ينظر إلى مواضع اللحم وقال داود ينظر إلى جميع بدنها وهذا خطأ ظاهر منابذ لأصول السنة والاجماع ثم مذهبنا ومذهب مالك وأحمد والجمهور أنه لا يشترط في جواز هذا النظر رضاها بل له ذلك في غفلتها ومن غير تقدم إعلام لكن قال مالك أكره نظرة في غفلتها مخافة من وقوع نظرة على عورة وعن مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر اليها إلا بإذنها وهذا ضعيف لأن النبي صلى الله عليه و سلم قد اذن في ذلك مطلقا ولم يشترط استئذانها ولأنها تستحي غالبا من الإذن ولأن في ذلك تغريرا فربما رآها

(9/210)


فلم تعجبه فيتركها فتنكسر وتتأذى ولهذا قال أصحابنا يستحب أن يكون نظره اليها قبل الخطبة حتى ان كرهها تركها من غير ايذاء بخلاف ما اذا تركها بعد الخطبة والله أعلم قال أصحابنا وإذا لم يمكنه النظر استحب له أن يبعث امرأة يثق بها تنظر اليها وتخبره ويكون ذلك قبل الخطبة لما ذكرناه قوله صلى الله عليه و سلم ( كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ) العرض بضم العين وإسكان الراء هو الجانب والناحية وتنحتون بكسر الحاء أي تقشرون وتقطعون ومعنى هذا الكلام كراهة اكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج
( باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد )
( وغير ذلك من قليل وكثير واستحباب كونه خمسمائة درهم لمن لا يجحف به ) قوله ( حدثنا يعقوب ) يعنى بن عبد الرحمن القارىء هو القارىء بتشديد الياء منسوب إلى القارة قبيلة معروفة وسبق بيانه [ 1425 ] قولها ( جئت أهب لك نفسى ) مع سكوته صلى الله عليه و سلم فيه دليل لجواز هبة المرأة نكاحها له كما قال الله وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبي ان أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قال أصحابنا فهذه الاية وهذا الحديث

(9/211)


دليلان لذلك فإذا وهبت امرأة نفسها له صلى الله عليه و سلم فتزوجها بلا مهر حل له ذلك ولا يجب عليه بعد ذلك مهرها بالدخول ولا بالوفاة ولا بغير ذلك بخلاف غيره فإنه لا يخلو نكاحه وجوب مهر اما مسمى وأما مهر المثل وفي انعقاد نكاح النبي صلى الله عليه و سلم بلفظ الهبة وجهان لاصحابنا أحدهما ينعقد لظاهر الأية وهذا الحديث والثاني لا ينعقد بلفظ الهبة بل لا ينعقد الا بلفظ التزويج أو الانكاح كغيره من الأمة فإنه لا ينعقد الا بأحد هذين اللفظين عندنا بلا خلاف ويحمل هذا القائل الآية والحديث على أن المراد بالهبة أنه لا مهر لأجل العقد بلفظ الهبة وقال أبو حنيفة ينعقد نكاح كل أحد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد وبمثل مذهبنا قال الثورى وأبو ثور وكثيرون من أصحاب مالك وغيرهم وهو احدى الروايتين عن مالك والرواية الاخرى عنه أنه ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع اذا قصد به النكاح سواء ذكر الصداق أم لا ولا يصح بلفظ الرهن والاجارة والوصية ومن أصحاب مالك من صححه بلفظ الاحلال والاباحة حكاه القاضي عياض قوله ( فنظر اليها رسول الله صلى الله عليه و سلم فصعد النظر فيها وصوبه ثم طأطأ ) أما صعد فبتشديد العين أي رفع وأما صوب فبتشديد الواو أي خفض وفيه دليل لجواز النظر لمن أراد أن يتزوج امرأة وتأمله إياها وفيه استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها وفيه أنه يستحب لمن طلبت منه حاجه لا يمكنه قضاؤها أن يسكت سكوتا يفهم السائل منه ذلك ولا يخجله بالمنع الا إذا لم يحصل الفهم الا بصريح المنع فيصرح قال الخطابي وفيه جواز نكاح المرأة من غير أن تسأل هل هي في عدة أم لا حملا على ظاهر الحال قال وعادة الحكام يبحثون عن ذلك احتياطا قلت قال الشافعي لا يزوج القاضي من جاءته لطلب الزواج حتى

(9/212)


يشهد عدلان أنه ليس لها ولي خاص وليست في زوجيه ولا عدة فمن اصحابنا من قال هذا شرط واجب والأصح عندهم أنه استحباب واحتياط وليس بشرط قوله صلى الله عليه و سلم ( انظر ولو خاتم من حديد ) هكذا هو في النسخ خاتم من حديد وفي بعض النسخ خاتما وهذا واضح والأول صحيح أيضا أي ولو حضر خاتم من حديد وفيه دليل على أنه يستحب أن لا ينعقد النكاح الا بصداق لأنه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة من حيث أنه لو حصل طلاق قبل الدخول وجب نصف المسمى فلو لم تكن تسمية لم يجب صداق بل تجب المتعة فلو عقد النكاح بلا صداق صح قال الله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة فهذا تصريح بصحة النكاح والطلاق من غير مهر ثم يجب لها المهر وهل يجب بالعقد أم بالدخول فيه خلاف مشهور وهما قولان للشافعي أصحهما بالدخول وهو ظاهر هذه الاية وفي هذا الحديث أنه يجوز أن يكون الصداق قليلا وكثيرا مما يتمول إذا تراضى به الزوجان لأن خاتم الحديد في نهاية من القلة وهذا مذهب الشافعي وهو مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وبه قال ربيعة وأبو الزناد وبن أبي ذئب ويحيى بن سعيد والليث بن سعد والثوري والأوزاعي ومسلم بن خالد الزنجي وبن أبي ليلى وداود وفقهاء أهل الحديث وبن وهب من أصحاب مالك قال القاضي هو مذهب العلماء كافة من الحجازيين والبصريين والكوفيين والشاميين وغيرهم أنه يجوز ما تراضى به الزوجان من قليل وكثير كالسوط والنعل وخاتم الحديد ونحوه وقال مالك أقله ربع دينار كنصاب السرقة قال القاضي هذا مما انفرد به مالك وقال ابو حنيفة وأصحابه أقله عشر دراهم وقال بن شبرمة أقله خمسة دراهم اعتبارا بنصاب القطع في السرقة عندهما وكره النخعي أن يتزوج بأقل من أربعين درهما وقال مرة عشرة وهذه المذاهب سوى مذهب الجمهور مخالفة للسنة وهم محجوجون بهذا الحديث الصحيح الصريح وفي هذا الحديث جواز اتخاذ خاتم الحديد وفيه خلاف للسلف حكاه القاضي ولأصحابنا في كراهته وجهان أصحهما لا يكره لأن الحديث في النهي عنه ضعيف وقد أوضحت المسألة في شرح المهذب وفيه استحباب تعجيل تسليم المهر اليها قوله ( لا والله يا رسول الله ولا خاتم من حديد ) فيه جواز الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة لكن قال اصحابنا يكره من

(9/213)


غير حاجة وهذا كان محتاجا ليؤكد قوله وفيه جواز تزويج المعسر وتزوجه قوله ( ولكن هذا ازاري فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما تصنع بإزارك ان لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء ) فيه دليل على نظر كبير القوم في مصالحهم وهدايته اياهم إلى ما فيه الرفق بهم وفيه جواز لبس الرجل ثوب امرأته اذا رضيت أو غلب على ظنه رضاها وهو المراد في هذا الحديث قوله صلى الله عليه و سلم ( اذهب فقد ملكتها بما معك ) هكذا هو في معظم النسخ وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين ملكتها بضم الميم وكسر اللام المشددة على ما لم يسم فاعله وفي بعض النسخ ملكتكها بكافين وكذا رواه البخاري وفي الرواية الاخرى زوجتكها قال القاضي قال الدارقطنى رواية من روى ملكتها وهم قال والصواب رواية من روى زوجتكها قال وهم أكثر وأحفظ قلت ويحتمل صحة اللفظين ويكون جرى لفظ التزويج أولا فملكها ثم قال له اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق والله أعلم وفي هذا الحديث دليل لجواز كون الصداق تعليم القرآن وجواز الاستئجار لتعليم القرآن وكلاهما جائز عند الشافعي وبه قال عطاء والحسن بن صالح ومالك واسحاق وغيرهم ومنعه جماعة منهم الزهري وأبو حنيفة وهذا الحديث مع الحديث الصحيح إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله يردان قول من منع ذلك ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن

(9/214)


العلماء كافة سوي أبي حنيفة قولها ( كان صداق رسول الله صلى الله عليه و سلم لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا قالت أتدري ما النش قلت لا قالت نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم ) أما الأوقية فبضم الهمزة وبتشديد الياء والمراد أوقية الحجاز وهي أربعون درهما وأما النش فبنون مفتوحة ثم شين معجمة مشددة واستدل أصحابنا بهذا الحديث على أنه يستحب كون الصداق خمسمائة درهم والمراد في حق من يحتمل ذلك فإن قيل فصداق أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه و سلم كان أربعة آلاف درهم وأربعمائة دينار فالجواب أن هذا القدر تبرع به النجاشي من ماله اكراما

(9/215)


للنبي صلى الله عليه و سلم لا أن النبي صلى الله عليه و سلم أداه او عقد به والله أعلم [ 1427 ] قوله ( ان النبي صلى الله عليه و سلم رأى على عبد الرحمن أثر صفرة قال ما هذا ) فيه أنه يستحب للامام والفاضل تفقد أصحابه والسؤال عما يختلف من أحوالهم وقوله ( أثر صفرة ) وفي رواية في غير كتاب مسلم رأى عليه صفرة وفي رواية ردع من زعفران والردع براء ودال وعين مهملات هو أثر الطيب والصحيح في معنى هذا الحديث أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس ولم يقصده ولا تعمد التزعفر فقد ثبت في الصحيح النهى عن التزعفر للرجال وكذا نهى الرجال عن الخلوق لأنه شعار النساء وقد نهى الرجال عن التشبه بالنساء فهذا هو الصحيح في معنى الحديث وهو الذي اختاره القاضي والمحققون قال القاضي وقيل أنه يرخص في ذلك للرجل العروس وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيد أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه قال وقيل لعله كان يسيرا فلم ينكر قال وقيل كان في اول الاسلام من تزوج لبس ثوبا مصبوغا علامة لسروره وزواجه قال وهذا غير معروف وقيل يحتمل أنه كان في ثيابه دون بدنه ومذهب مالك وأصحابه جواز لبس الثياب المزعفرة وحكاه مالك عن علماء المدينة وهذا مذهب بن عمر وغيره وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يجوز ذلك للرجل قوله ( تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب ) قال القاضي قال الخطابي النواة اسم لقدر معروف عندهم فسروها بخمسة دراهم من ذهب قال القاضي كذا فسرها أكثر العلماء وقال أحمد بن حنبل هي ثلاثة دراهم وثلث وقيل المراد نواة التمر أي وزنها من ذهب والصحيح الأول وقال بعض المالكية النواة ربع دينار عند أهل المدينة وظاهر كلام أبي عبيد أنه دفع خمسة دراهم قال ولم يكن هناك ذهب انما هي خمسة دراهم تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية قوله صلى الله عليه و سلم ( فبارك الله لك ) فيه استحباب الدعاء للمتزوج وأن يقال بارك الله لك أو نحوه وسبق في الباب قبله ايضاحه قوله صلى الله عليه و سلم ( أو لم ولو بشاة ) قال العلماء من أهل اللغة والفقهاء وغيرهم الوليمة الطعام المتخذ للعرس مشتقة

(9/216)


من الولم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان قاله الأزهري وغيره وقال الأنباري أصلها تمام الشيء واجتماعه والفعل منها أو لم قال أصحابنا وغيرهم الضيافات ثمانية أنواع الوليمة للعرس والخرس بضم الخاء المعجمة ويقال الخرص أيضا بالصاد المهملة للولادة والاعذار بكسر الهمزة وبالعين المهملة والذال المعجمة للختان والوكيرة للبناء والنقيعة لقدوم المسافر مأخوذه من النقع وهو الغبار ثم قيل إن المسافر يصنع الطعام وقيل يصنعه غيره له والعقيقة يوم سابع الولادة والوضيمة بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة الطعام عند المصيبة والمأدبه بضم الدال وفتحها الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب والله أعلم واختلف العلماء في وليمة العرس هل هي واجبة أم مستحبة والأصح عند أصحابنا أنها سنة مستحبة ويحملون هذا الأمر في هذا الحديث على الندب وبه قال مالك وغيره وأوجبها داود وغيره واختلف العلماء في وقت فعلها فحكى القاضي أن الأصح عند مالك وغيره أنه يستحب فعلها بعد الدخول وعن جماعة من المالكية استحبابها عند العقد وعن بن حبيب المالكي استحبابها عند العقد وعند الدخول وقوله

(9/217)


صلى الله عليه و سلم
( أولم ولو بشاة دليل على انه يستحب للموسر أن لا ينقص عن شاة ونقل القاضي الاجماع على أنه لا حد لقدرها المجزئ بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت الوليمة وقد ذكر مسلم بعد هذا وفي وليمة عرس صفية أنها كانت بغير لحم وفي وليمة زينب أشبعنا خبزا ولحما وكل هذا جائز تحصل به الوليمة لكن يستحب أن تكون على قدر حال الزوج قال القاضي واختلف السلف في تكرارها أكثر من يومين فكرهته طائفة ولم تكرهه طائفة قال واستحب أصحاب مالك للموسر كونها أسبوعا )
( باب فضيلة اعتاقه أمته ثم يتزوجها )
[ 1365 ] قوله ( فصلينا عندها صلاة الغداة ) دليل على أنه لا كراهة في تسميتها الغداة وقال بعض أصحابنا

(9/218)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية