صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ شرح النووي على صحيح مسلم ]
الكتاب : المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المؤلف : أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت
الطبعة الطبعة الثانية ، 1392
عدد الأجزاء : 18

ركعتيه فلو أراد أن يطوف أطوفة بلا صلاة ثم يصلى بعد الأطوفة لكل طواف ركعتيه قال أصحابنا يجوز ذلك وهو خلاف الأولى ولا يقال مكروه وممن قال بهذا المسور بن مخرمة وعائشة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأحمد واسحاق وأبو يوسف وكرهه بن عمر والحسن البصرى والزهرى ومالك والثورى وأبو حنيفة وأبو ثور ومحمد بن الحسن وبن المنذر ونقله القاضي عن جمهور الفقهاء قوله ( فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره الا عن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ) معنى هذا الكلام أن جعفر بن محمد روى هذا الحديث عن أبيه عن جابر قال كان أبي يعنى محمدا يقول أنه قرأ هاتين السورتين قال جعفر ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر في صلاة جابر بل عن جابر عن قراءة النبي صلى الله عليه و سلم في صلاة هاتين الركعتين قوله ( قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ) معناه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قل يا أيها الكافرون وفي الثانية بعد الفاتحة قل هو الله أحد وأما قوله لا أعلم ذكره الا عن النبي صلى الله عليه و سلم ليس هو شكا في ذلك لأن لفظة العلم تنافى الشك بل جزم برفعه إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقد ذكره البيهقى باسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد قوله ( ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا ) فيه دلالة لما قاله الشافعي وغيره من العلماء أنه يستحب للطائف طواف القدوم اذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ثم يخرج من باب الصفا ليسعى واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب وانما هو سنة لو تركه لم يلزمه دم قوله ( ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به فبدأ

(8/176)


بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبر وقال لا إله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا اله الا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة ) في هذا اللفظ أنواع من المناسك منها أن السعى يشترط فيه أن يبدأ من الصفا وبه قال الشافعي ومالك والجمهور وقد ثبت في رواية النسائي في هذا الحديث باسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ابدءوا بما بدأ الله به هكذا بصيغة الجمع ومنها أنه ينبغى أن يرقى على الصفا والمروة وفي هذا الرقى خلاف قال جمهور أصحابنا هو سنة ليس بشرط ولا واجب فلو تركه صح سعيه لكن فاتته الفضيلة وقال أبو حفص بن الوكيل من أصحابنا لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا والصواب الأول قال أصحابنا لكن يشترط أن لا يترك شيئا من المسافة بين الصفا والمروة فليلصق عقبيه بدرج الصفا واذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجها وهكذا في المرات السبع يشترط في كل مرة أن يلصق عقبيه بما يبدأ منه وأصابعه بما ينتهى إليه قال أصحابنا يستحب أن يرقى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه ومنها أنه يسن أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور ويدعو ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات هذا هو المشهور عند أصحابنا وقال جماعة من أصحابنا يكرر الذكر ثلاثا والدعاء مرتين فقط والصواب الأول قوله صلى الله عليه و سلم ( وهزم الأحزاب وحده ) معناه هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم والمراد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الخندق وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة وقيل سنة خمس قوله ( ثم نزل إلى المروة حتى

(8/177)


انصبت قدماه في بطن الوادي حتى اذا صعدتا مشي حتى أتى المروة ) هكذا هو في النسخ وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ قال وفيه اسقاط لفظة لا بد منها وهي حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي ولا بد منها وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية مسلم وكذا ذكرها الحميدى في الجمع بين الصحيحين وفي الموطأ حتى اذا انصبت قدماه في بطن الوادى سعى حتى خرج منه وهو بمعنى رمل هذا كلام القاضي وقد وقع في بعض نسخ صحيح مسلم حتى اذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى كما وقع في الموطأ وغيره والله أعلم وفي هذا الحديث استحباب السعى الشديد في بطن الوادي حتى يصعد ثم يمشى باقى المسافة إلى المروة على عادة مشيه وهذا السعى مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع والمشى مستحب فيما قبل الوادى وبعده ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة هذا مذهب الشافعي وموافقيه وعن مالك فيمن ترك السعى الشديد في موضعه روايتان احداهما كما ذكر والثانية تجب عليه اعادته قوله ( ففعل على المروة مثل ما فعل على الصفا ) فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقى مثل ما يسن على الصفا وهذا متفق عليه قوله ( حتى اذا كان آخر طواف على المروة ) فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب مرة والرجوع إلى الصفا ثانية والرجوع إلى المروة ثالثة وهكذا فيكون ابتداء السبع من الصفا وآخرها بالمروة وقال بن بنت الشافعي وابو بكر الصيرفي من أصحابنا يحسب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة فيقع آخر السبع في الصفا وهذا الحديث الصحيح يرد عليهما وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان والله أعلم قوله ( فقام سراقة بن مالك بن جعشم

(8/178)


فقال يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد ) إلى آخره هذا الحديث سبق شرحه واضحا في آخر الباب الذي قبل هذا وجعشم بضم الجيم وبضم الشين المعجمة وفتحها ذكره الجوهري وغيره قوله ( فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها ) فيه انكار الرجل على زوجته ما رآه منها من نقص في دينها لأنه ظن أن ذلك لا يجوز فأنكره قوله ( فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم محرشا على فاطمة ) التحريش الاغراء والمراد هنا أن يذكر له ما يقتضى عتابها قوله ( قلت إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه و سلم ) هذا قد سبق شرحه في الباب قبله وأنه يجوز تعليق الاحرام باحرام كاحرام فلان قوله ( فحل الناس كلهم وقصروا الا النبي صلى الله عليه و سلم ومن كان معه هدى ) هذا أيضا تقدم شرحه في الباب السابق وفيه اطلاق اللفظ العام وإرادة الخصوص لأن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدى والمراد بقوله حل الناس كلهم أي معظمهم والهدى باسكان الدال وكسرها وتشديد الياء مع الكسر وتخفف مع الاسكان وأما قوله وقصروا فانما قصروا ولم يحلقوا مع أن الحلق أفضل

(8/179)


لأنهم أرادوا أن يبقى شعر يحلق في الحج فلو حلقوا لم يبق شعر فكان التقصير هنا أحسن ليحصل في النسكين إزالة شعر والله أعلم قوله ( فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج ) يوم التروية هو الثامن من ذي الحجة سبق بيانه واشتقاقه مرات وسبق أيضا مرات أن الأفضل عند الشافعي وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الاحرام بالحج أحرم يوم التروية عملا بهذا الحديث وسبق بيان مذاهب العلماء فيه وفي هذا بيان أن السنة أن لا يتقدم أحد إلى منى قبل يوم التروية وقد كره مالك ذلك وقال بعض السلف لا بأس به ومذهبنا أنه خلاف السنة قوله ( وركب النبي صلى الله عليه و سلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ) فيه بيان سنن أحداها أن الركوب في تلك المواطن افضل من المشى كما أنه في جملة الطريق أفضل من المشى هذا هو الصحيح في الصورتين أن الركوب افضل وللشافعي قول آخر ضعيف أن المشى أفضل وقال بعض أصحابنا الأفضل في جملة الحج الركوب الا في مواطن المناسك وهي مكة ومنى ومزدلفة وعرفات والتردد بينهما والسنة الثانية أن يصلى بمنى هذه الصلوات الخمس والثالثة أن يبيت بمنى هذه الليلة وهي ليلة التاسع من ذي الحجة وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب فلو تركه فلا دم عليه بالاجماع قوله ( ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ) فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس وهذا متفق عليه قوله ( وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة ) فيه استحباب النزول بنمرة اذا ذهبوا من منى لأن السنة أن لا يدخلوا عرفات الا بعد زوال الشمس وبعد صلاتى الظهر والعصر جمعا فالسنة أن ينزلوا بنمرة فمن كان له قبة ضربها ويغتسلون للوقوف قبل الزوال فاذا زالت الشمس سار بهم الامام إلى مسجد ابراهيم عليه السلام وخطب بهم خطبتين خفيفتين ويخفف الثانية جدا فاذا فرغ منها صلى بهم الظهر والعصر جامعا بينهما فاذا فرغ من الصلاة سار إلى الموقف وفي هذا الحديث جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها ولا

(8/180)


خلاف في جوازه للنازل واختلفوا في جوازه للراكب فمذهبنا جوازه وبه قال كثيرون وكرهه مالك وأحمد وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها ان شاء الله تعالى وفيه جواز اتخاذ القباب وجوازها من شعر وقوله ( بنمرة ) هي بفتح النون وكسر الميم هذا أصلها ويجوز فيها ما يجوز في نظيرها وهو اسكان الميم مع فتح النون وكسرها وهي موضع بجنب عرفات وليست من عرفات قوله ( ولا تشك قريش الا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ) معنى هذا أن قريشا كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام وهو جبل في المزدلفة يقال له قزح وقيل ان المشعر الحرام كل المزدلفة وهو بفتح الميم على المشهور وبه جاء القرآن وقيل بكسرها وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات فظنت قريش أن النبي صلى الله عليه و سلم يقف في المشعر الحرام على عادتهم ولا يتجاوزه فتجاوزه النبي صلى الله عليه و سلم إلى عرفات لأن الله تعالى أمره بذلك في قوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس أي سائر العرب غير قريش وانما كانت قريش تقف بالمزدلفة لأنها من الحرم وكانوا يقولون نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه قوله ( فأجاز رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى اذا زاغت الشمس ) أما أجاز فمعناه جاوز المزدلفة ولم يقف بها بل توجه إلى عرفات وأما قوله حتى أتى عرفة فمجاز والمراد قارب عرفات لأنه فسره بقوله وجد القبة قد ضربت بنمرة فنزل بها وقد سبق ان نمرة ليست من عرفات وقد قدمنا أن دخول عرفات قبل صلاتى الظهر والعصر جميعا خلاف السنة قوله ( حتى اذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادى فخطب الناس ) أما القصواء فتقدم ضبطها وبيانها واضحا في أول هذا الباب وقوله فرحلت هو بتخفيف الحاء أي جعل عليها الرحل وقوله ( بطن الوادي ) هو وادي عرنة بضم العين وفتح الراء وبعدها نون وليست عرنة من أرض

(8/181)


عرفات عند الشافعي والعلماء كافة الا مالكا فقال هي من عرفات وقوله فخطب الناس فيه استحباب الخطبة للامام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع وهو سنة باتفاق جماهير العلماء وخالف فيها المالكية ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة احداها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر والثانية هذه التي ببطن عرنة يوم عرفات والثالثة يوم النحر والرابعة يوم النفر الأول وهو اليوم الثاني من أيام التشريق قال أصحابنا وكل هذه الخطب أفراد وبعد صلاة الظهر الا التي يوم عرفات فانها خطبتان وقبل الصلاة قال أصحابنا ويعلمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( ان دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ) معناه متأكدة التحريم شديدته وفي هذا دليل لضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير قياسا قوله صلى الله عليه و سلم ( ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضع دم بن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوعة وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فانه موضوع كله ) في هذه الجملة ابطال أفعال الجاهلية وبيوعها التي لم يتصل بها قبض وأنه لا قصاص في قتلها وأن الامام وغيره ممن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر ينبغى أن يبدأ بنفسه وأهله فهو أقرب إلى قبول قوله والى طيب نفس من قرب عهده بالاسلام وأما قوله صلى الله عليه و سلم تحت قدمى فاشارة إلى ابطاله وأما قوله صلى الله عليه و سلم وأن أول دم أضع دم بن ربيعة فقال المحققون والجمهور اسم هذا الابن اياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وقيل اسمه حارثه وقيل آدم قال الدارقطنى وهو تصحيف وقيل اسمه تمام وممن سماه آدم الزبير

(8/182)


بن بكار قال القاضي عياض ورواه بعض رواة مسلم دم ربيعة بن الحارث قال وكذا رواه أبو داود قيل هو وهم والصواب بن ربيعة لأن ربيعة عاش بعد النبي صلى الله عليه و سلم إلى زمن عمر بن الخطاب وتأوله ابو عبيد فقال دم ربيعة لأنه ولى الدم فنسبه إليه قالوا وكان هذا الابن المقتول طفلا صغيرا يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب كانت بين بنى سعد وبنى ليث بن بكر قاله الزبير بن بكار قوله صلى الله عليه و سلم في الربا ( أنه موضوع كله ) معناه الزائد على رأس المال كما قال الله تعالى وان تبتم فلكم رؤوس أموالكم وهذا الذي ذكرته ايضاح والا فالمقصود مفهوم من نفس لفظ الحديث لأن الربا هو الزيادة فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة والمراد بالوضع الرد والابطال قوله صلى الله عليه و سلم ( فاتقوا الله في النساء فانكم أخذتموهن بأمان الله ) فيه الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهن وبيان حقوقهن والتحذير من التقصير في ذلك وقد جمعتها أو معظمها في رياض الصالحين وقوله صلى الله عليه و سلم ( أخذتموهن بأمان الله ) هكذا هو في كثير من الأصول وفي بعضها بأمانة الله قوله صلى الله عليه و سلم ( واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) قيل معناه قوله تعالى فامساك بمعروف أو تسريح باحسان وقيل المراد كلمة التوحيد وهي لا اله الا الله محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم اذ لا تحل مسلمة لغير مسلم وقيل المراد باباحة الله والكلمة قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وهذا الثالث هو الصحيح وبالأول قال الخطابي والهروى وغيرهما وقيل المراد بالكلمة الايجاب والقبول ومعناه على هذا بالكلمة التي أمر الله تعالى بها والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ) قال المازرى قيل المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال ولم يرد زناها لأن ذلك يوجب جلدها ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج ومن لا يكرهه وقال القاضي عياض كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء ولم يكن ذلك عيبا ولا

(8/183)


ريبة عندهم فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك هذا كلام القاضي والمختار أن معناه أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم سواء كان المأذون له رجلا أجنبيا أو أمراة أو أحدا من محارم الزوجة فالنهى يتناول جميع ذلك وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل أو امرأة ولا محرم ولا غيره في دخول منزل الزوج الا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه لأن الأصل تحريم دخول منزل الانسان حتى يوجد الاذن في ذلك منه أو ممن أذن له في الاذن في ذلك أو عرف رضاه باطراد العرف بذلك ونحوه ومتى حصل الشك في الرضا ولم يترجح شيء ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول ولا الاذن والله أعلم وأما الضرب المبرح فهو الضرب الشديد الشاق ومعناه اضربوهن ضربا ليس بشديد ولا شاق والبرح المشقة والمبرح بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الراء وفي هذا الحديث اباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب فان ضربها الضرب المأذون فيه فماتت منه وجبت ديتها على عاقلة الضارب ووجبت الكفارة في ماله قوله صلى الله عليه و سلم ( ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) فيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها وذلك ثابت بالاجماع قوله ( فقال باصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد ) هكذا ضبطناه ينكتها بعد الكاف تاء مثناة فوق قال القاضي كذا الرواية بالتاء المثناة فوق قال وهو بعيد المعنى قال قيل صوابه ينكبها بباء موحدة قال ورويناه في سنن أبي داود بالتاء المثناة من طريق بن الاعرابي وبالموحدة من طريق أبي بكر التمار ومعناه يقلبها ويرددها إلى الناس مشيرا اليهم ومنه نكب كنانته اذا قلبها هذا كلام القاضي قوله ( ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ) فيه أنه يشرع الجمع بين الظهر والعصر

(8/184)


هناك في ذلك اليوم وقد أجمعت الأمة عليه واختلفوا في سببه فقيل بسبب النسك وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وقال أكثر أصحاب الشافعي هو بسبب السفر فمن كان حاضرا أو مسافرا دون مرحلتين كاهل مكة لم يجز له الجمع كما لا يجوز له القصر وفيه أن الجامع بين الصلاتين يصلي الأولى أولا وأنه يؤذن للأولى وأنه يقيم لكل واحدة منهما وأنه لا يفرق بينهما وهذا كله متفق عليه عندنا قوله ( ثم ركب رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ) في هذا الفصل مسائل وآداب للوقوف منها أنه اذا فرغ من الصلاتين عجل الذهاب إلى الموقف ومنها أن الوقوف راكبا أفضل وفيه خلاف بين العلماء وفي مذهبنا ثلاثة أقوال أصحها أن الوقوف راكبا أفضل والثاني غير الراكب أفضل والثالث هما سواء ومنها أنه يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات فهذا هو الموقف المستحب وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف الا فيه فغلط بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات وأن الفضيلة في موقف رسول الله صلى الله عليه و سلم عند الصخرات فان عجز فليقرب منه بحسب الامكان وسيأتي في آخر الحديث بيان حدود عرفات ان شاء الله تعالى عند قوله صلى الله عليه و سلم وعرفة كلها موقف ومنها استحباب استقبال الكعبة في الوقوف ومنها أنه ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس ويتحقق كمال غروبها ثم يفيض إلى مزدلفة فلو أفاض قبل غروب الشمس صح وقوفه وحجه ويجبر ذلك بدم وهل الدم واجب أم مستحب فيه قولان للشافعي أصحهما أنه سنة والثاني واجب وهما مبنيان على أن الجمع بين الليل والنهار واجب على من وقف بالنهار أم لا وفيه قولان أصحهما سنة والثاني واجب وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس

(8/185)


يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني يوم النحر فمن حصل بعرفات في جزء من هذا الزمان صح وقوفه ومن فاته ذلك فاته الحج هذا مذهب الشافعي وجماهير العلماء وقال مالك لا يصح الوقوف في النهار منفردا بل لا بد من الليل وحده فان اقتصر على الليل كفاه وإن اقتصر على النهار لم يصح وقوفه وقال أحمد يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركن لا يصح الحج الا به والله أعلم وأما قوله ( وجعل حبل المشاة بين يديه ) فروى حبل بالحاء المهملة واسكان الباء وروى جبل بالجيم وفتح الباء قال القاضي عياض رحمه الله الأول أشبه بالحديث وحبل المشاة أي مجتمعهم وحبل الرمل ما طال منه وضخم وأما بالجيم فمعناه طريقهم وحيث تسلك الرجالة وأما قوله ( فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ) هكذا هو في جميع النسخ وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ قال قيل لعل صوابه حين غاب القرص هذا كلام القاضي ويحتمل أن الكلام على ظاهره ويكون قوله حتى غاب القرص بيانا لقوله غربت الشمس وذهبت الصفرة فان هذه تطلق مجازا على مغيب معظم القرص فأزال ذلك الاحتمال بقوله حتى غاب القرص والله أعلم قوله وأردف أسامة خلفه فيه جواز الإرداف اذا كانت الدابة مطيقة وقد تظاهرت به الأحاديث قوله ( وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ) معنى شنق ضم وضيق وهو بتخفيف النون ومورك الرحل قال الجوهرى قال أبو عبيد المورك والموركة يعنى بفتح الميم وكسر الراء هو الموضع الذي يثنى الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل اذا مل من الركوب وضبطه القاضي بفتح الراء قال وهو قطعة ادم يتورك عليها الراكب تجعل في مقدم الرحل شبه المخدة الصغيرة وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة قوله ( ويقول بيده السكينة السكينة ) مرتين منصوبا أي الزموا السكينة وهي الرفق والطمأنينة ففيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنة فاذا وجد فرجة يسرع كما ثبت في الحديث الآخر

(8/186)


قوله ( كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة ) الحبال هنا بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل وهو التل اللطيف من الرمل الضخم وقوله ( حتى تصعد ) هو بفتح الياء المثناة فوق وضمها يقال صعد في الحبل وأصعد ومنه قوله تعالى إذ تصعدون وأما المزدلفة فمعروفة سميت بذلك من التزلف والازدلاف وهو التقرب لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها تقربوا منها وقيل سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل أي ساعات وتسمى جمعا بفتح الجيم واسكان الميم سميت بذلك لاجتماع الناس فيها واعلم ان المزدلفة كلها من الحرم قال الأزرقي في تاريخ مكة والماوردي وأصحابنا في كتب المذهب وغيرهم حد مزدلفة ما بين مازمي عرفة ووادي محسر وليس الحدان منها ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب والجبال الداخلية في الحد المذكور قوله ( حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ) فيه فوائد منها أن السنة للدافع من عرفات أن يؤخر المغرب إلى وقت العشاء ويكون هذا التأخير بنية الجمع ثم يجمع بينهما في المزدلفة في وقت العشاء وهذا مجمع عليه لكن مذهب أبي حنيفة وطائفة أنه يجمع بسبب النسك ويجوز لأهل مكة والمزدلفة ومنى وغيرهم والصحيح عند أصحابنا أنه جمع بسبب السفر فلا يجوز إلا لمسافر سفرا يبلغ به مسافة القصر وهو مرحلتان قاصدتان وللشافعي قول ضعيف أنه يجوز الجمع في كل سفر وان كان قصيرا وقال بعض أصحابنا هذا الجمع بسبب النسك كما قال أبو حنيفة والله أعلم قال أصحابنا ولو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع آخر وصلى كل واحدة في وقتها جاز جميع ذلك لكنه خلاف الأفضل هذا مذهبنا وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين وقاله الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين يشترط أن يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها وقال مالك لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة الا من به أو بدابته عذرفلة أن يصليهما قبل المزدلفة بشرط كونه بعد مغيب الشفق ومنها أن يصلي الصلاتين

(8/187)


في وقت الثانية بأذان للأولى وإقامتين لكل واحدة إقامة وهذا هو الصحيح عند أصحابنا وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وعبدالملك الماجشون المالكي والطحاوى الحنفى وقال مالك يؤذن ويقيم للأولى ويؤذن ويقيم أيضا للثانية وهو محكى عن عمر وبن مسعود رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة وأبو يوسف أذان واحد واقامة واحدة وللشافعي وأحمد قول أنه يصلى كل واحدة باقامتها بلا أذان وهو محكى عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وقال الثورى يصليهما جميعا باقامة واحدة وهو يحكي أيضا عن بن عمر والله أعلم وأما قوله ( لم يسبح بينهما ) فمعناه لم يصل بينهما نافلة والنافلة تسمى سبحة لاشتمالها على التسبيح ففيه الموالاة بين الصلاتين المجموعتين ولا خلاف في هذا لكن اختلفوا هل هو شرط للجمع أم لا والصحيح عندنا أنه ليس بشرط بل هو سنة مستحبة وقال بعض أصحابنا هو شرط أما اذا جمع بينهما في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف قوله ( ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح باذان واقامة ) في هذا الفصل مسائل احداها أن المبيت بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات نسك وهذا مجمع عليه لكن اختلف العلماء هل هو واجب أم ركن أم سنة والصحيح من قولى الشافعي أنه واجب لو تركه أثم وصح حجه ولزمه دم والثاني أنه سنة لا اثم في تركه ولا يجب فيه دم ولكن يستحب وقال جماعة من أصحابنا هو ركن لا يصح الحج الا به كالوقوف بعرفات قاله من أصحابنا بن بنت الشافعي وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وقاله خمسة من ائمة التابعين وهم علقمة والأسود والشعبى والنخعى والحسن البصرى والله أعلم والسنة أن يبقى بالمزدلفة حتى يصلى بها الصبح الا الضعفة فالسنة لهم الدفع قبل الفجر كما سيأتى في موضعه ان شاء الله تعالى وفي أقل المجزى من هذا المبيت ثلاثة أقوال عندنا الصحيح ساعة في النصف الثاني من الليل والثاني ساعة في النصف الثاني أو بعد الفجر قبل طلوع الشمس والثالث معظم الليل والله أعلم المسألة الثانية السنة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع ويتأكد التبكير بها في هذا اليوم أكثر من تأكده في سائر السنة للاقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم ولأن وظائف هذا

(8/188)


اليوم كثيرة فسن المبالغة بالتبكير بالصبح ليتسع الوقت للوظائف الثالثة يسن الآذان والاقامة لهذه الصلاة وكذلك غيرها من صلوات المسافر وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالأذان لرسول الله صلى الله عليه و سلم في السفر كما في الحضر والله أعلم قوله ( ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس ) أما القصواء فسبق في أول الباب بيانها وأما قوله ثم ركب ففيه أن السنة الركوب وأنه أفضل من المشي وقد سبق بيانه مرات وبيان الخلاف فيه وأما المشعر الحرام فبفتح الميم هذا هو الصحيح وبه جاء القرآن وتظاهرت به روايات الحديث ويقال أيضا بكسر الميم والمراد به هنا قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة وهو جبل معروف في المزدلفة وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث المشعر الحرام جميع المزدلفة وأما قوله فاستقبل القبلة يعني الكعبة فدعاه إلى آخره فيه أن الوقوف على قزح من مناسك الحج وهذا لاخلاف فيه لكن اختلفوا في وقت الدفع منه فقال بن مسعود وبن عمر وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء لا يزال واقفا فيه يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدا كما في هذا الحديث وقال مالك يدفع منه قبل الاسفار والله أعلم وقوله ( أسفر جدا ) الضمير في أسفر يعود إلى الفجر المذكور أولا وقوله ( جدا ) بكسر الجيم أي اسفارا بليغا قوله في صفة الفضل بن عباس ( أبيض وسيما ) أي حسنا قوله ( مرت به ظعن يجرين ) الظعن بضم الظاء والعين ويجوز أسكان العين جميع ظعينة كسفينة وسفن وأصل الظعينة البعير الذي عليه امرأة ثم تسمى به المرأة مجازا لملابستها البعير كما أن الرواية أصلها الجمل الذي

(8/189)


يحمل الماء ثم تسمى به القربة لما ذكرناه وقوله يجرين بفتح الياء قوله ( فطفق الفضل ينظر اليهن فوضع رسول الله صلى الله عليه و سلم يده على وجه الفضل ) فيه الحث على غض البصر عن الاجنبيات وغضهن عن الرجال الأجانب وهذا معنى قوله وكان أبيض وسيما حسن الشعر يعنى أنه بصفة من تفتتن النساء به لحسنه وفي رواية الترمذي وغيره في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم لوى عنق الفضل فقال له العباس لويت عنق بن عمك قال رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما فهذا يدل على أن وضعه صلى الله عليه و سلم يده على وجه الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها وفيه أن من رأى منكرا وأمكنه ازالته بيده لزمه ازالته فان قال بلسانه ولم ينكف المقول له وأمكنه بيده اثم ما دام مقتصرا على اللسان والله أعلم قوله ( حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ) أما محسر فبضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين سمى بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حصر فيه أي أعي فيه وكل منه قوله تعالى ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير وأما قوله فحرك قليلا فهي سنة من سنن السير في ذلك الموضع قال أصحابنا يسرع الماشي ويحرك الراكب دابته في وادي محسر ويكون ذلك قدر رمية حجر والله أعلم قوله ( ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف رمى من بطن الوادي ) أما قوله سلك الطريق الوسطى ففيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات وهذا معنى قول أصحابنا يذهب إلى عرفات في طريق ضب ويرجع في طريق المازمين ليخالف الطريق تفاؤلا بتغير الحال كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم في دخول مكة حين دخلها من

(8/190)


الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى وخرج إلى العيد في طريق ورجع في طريق آخر وحول رداءه في الاستسقاء وأما الجمرة الكبرى فهي جمرة العقبة وهي التي عند الشجرة وفيه أن السنة للحاج اذا دفع من مزدلفة فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة ولا يفعل شيئا قبل رميها ويكون ذلك قبل نزوله وفيه أن الرمى بسبع حصيات وأن قدرهن بقدر حصى الخذف وهو نحو حبة الباقلاء وينبغي ألا يكون أكبر ولا أصغر فان كان أكبر أو أصغر أجزأه بشرط كونها حجرا ولا يجوز عند الشافعي والجمهور الرمى بالكحل والزرنيخ والذهب والفضة وغير ذلك مما لا يسمى حجرا وجوزه أبو حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض وفيه أنه يسن التكبير مع كل حصاة وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات فيرميهن واحدة واحدة فان رمى السبعة رمية واحدة حسب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين وموضع الدلالة لهذه المسألة يكبر مع كل حصاة فهذا تصريح بانه رمى كل حصاة وحدها مع قوله صلى الله عليه و سلم في الحديث الآتي بعد هذا في أحاديث الرمي لتأخذوا عنى مناسككم وفيه أن السنة أن يقف للرمى في بطن الوادي بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه ومكة عن يساره وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة وقيل يقف مستقبل الكعبة وكيفما رمى أجزأه بحيث يسمى رميا بما يسمى حجرا والله أعلم وأما حكم الرمى فالمشروع منه يوم النحر رمى جمرة العقبة لا غير باجماع المسلمين وهو نسك باجماعهم ومذهبنا أنه واجب ليس بركن فان تركه حتى فاتته أيام الرمى عصى ولزمه دم وصح حجه وقال مالك يفسد حجه ويجب رميها بسبع حصيات فلو بقيت منهن واحدة لم تكفه الست وأما قوله فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف فهكذا هو في النسخ وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ قال وصوابه مثل حصى الخذف قال وكذلك رواه غير مسلم وكذا رواه بعض رواة مسلم هذا كلام القاضي قلت والذي في النسخ من غير لفظة مثل هو الصواب بل لا يتجه غيره ولا يتم الكلام الا كذلك ويكون قوله حصى الخذف متعلقا بحصيات أي رماها بسبع حصيات حصى الخذف يكبر مع كل حصاة فحصى الخذف متصل بحصيات واعترض بينهما يكبر مع كل حصاة وهذا هو الصواب والله أعلم قوله ( ثم انصرف إلى

(8/191)


النحر فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ) هكذا هو في النسخ ثلاثا وستين بيده وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة سوى بن ماهان فانه رواه بدنه قال وكلامه صواب والأول أصوب قلت وكلاهما حرى فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده قال القاضي فيه دليل على أن المنحر موضع معين من منى وحيث ذبح منها أو من الحرم أجزأه وفيه استحباب تكثير الهدى وكان هدى النبي صلى الله عليه و سلم في تلك السنة مائة بدنة وفيه استحباب ذبح المهدى هديه بنفسه وجواز الاستنابة فيه وذلك جائز بالاجماع اذا كان النائب مسلما ويجوز عندنا أن يكون النائب كافرا كتابيا بشرط أن ينوى صاحب الهدى عند دفعه إليه أو عند ذبحه وقوله ما غبر أي ما بقى وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة في يوم النحر ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق وأما قوله وأشركه في هديه فظاهره أنه شاركه في نفس الهدى قال القاضي عياض وعندي أنه لم يكن تشريكا حقيقة بل أعطاه قدرا يذبحه والظاهر أن النبي صلى الله عليه و سلم نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثا وستين كما جاء في رواية الترمذى وأعطى عليا البدن التي جاءت معه من اليمين وهي تمام المائة والله أعلم قوله ( أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ) البضعة بفتح الباء لا غير وهي القطعة من اللحم وفيه استحباب الأكل من هدى التطوع وأضحيته قال العلماء لما كان الأكل من كل واحدة سنة وفي الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة جعلت في قدر ليكون آكلا من مرق الجميع الذي فيه جزء من كل واحدة ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر وأجمع العلماء على أن الأكل من هدى التطوع وأضحيته سنة ليس بواجب قوله ( ثم ركب رسول الله صلى الله عليه و سلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر ) هذا الطواف هو طواف الافاضة وهو ركن من أركان الحج باجماع المسلمين وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر وأفضله بعد رمى جمرة العقبة وذبح الهدى والحلق ويكون ذلك ضحوة يوم النحر ويجوز

(8/192)


في جميع يوم النحر بلا كراهة ويكره تأخيره عنه بلا عذر وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة ولا آخر لوقته بل يصح ما دام الانسان حيا وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات حتى لو طاف للافاضة بعد نصف ليلة النحر قبل الوقوف ثم أسرع إلى عرفات فوقف قبل الفجر لم يصح طوافه لأنه قدمه على الوقوف واتفق العلماء على أنه لا يشرع في طواف الافاضة رمل ولا اضطباع اذا كان قد رمل واضطبع عقب طواف القدوم ولو طاف بنية الوداع أو القدوم أو التطوع وعليه طواف افاضة وقع عن طواف الإفاضة بلا خلاف عندنا نص عليه الشافعي واتفق الاصحاب عليه كما لو كان عليه حجة الاسلام فحج بنية قضاء أو نذر أو تطوع فانه يقع عن حجة الاسلام وقال أبو حنيفة وأكثر العلماء لا يجزئ طواف الافاضة بنية غيره واعلم أن طواف الافاضة له أسماء فيقال أيضا طواف الزيارة وطواف الفرض والركن وسماه بعض أصحابنا طواف الصدر وأنكره الجمهور قالوا وانما طواف الصدر طواف الوداع والله أعلم وفي هذا الحديث استحباب الركوب في الذهاب من منى إلى مكة ومن مكة إلى منى ونحو ذلك من مناسك الحج وقد ذكرنا قبل هذا مرات المسألة وبينا أن الصحيح استحباب الركوب وأن من أصحابنا من استحب المشى هناك وقوله ( فأفاض إلى البيت فصلى الظهر ) فيه محذوف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الافاضة ثم صلى الظهر فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه وأما قوله فصلى بمكة الظهر فقد ذكر مسلم بعد هذا في أحاديث طواف الافاضة من حديث بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم أفاض يوم النحر فصلى الظهر بمنى ووجه الجمع بينهما أنه صلى الله عليه و سلم طاف للافاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلا بالظهر الثانية التي بمنى وهذا كما ثبت في الصحيحين في صلاته صلى الله عليه و سلم ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف فانه صلى الله عليه و سلم صلى بطائفة من أصحابه الصلاة بكمالها وسلم بهم ثم صلى بالطائفة الأخرى تلك الصلاة مرة أخرى فكانت له صلاتان ولهم صلاة وأما الحديث الوارد عن عائشة وغيرها أن النبي صلى الله عليه و سلم أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الافاضة ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث وقد بسطت ايضاح هذا الجواب في شرح المهذب والله أعلم

(8/193)


قوله ( فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم فقال انزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه ) أما قوله صلى الله عليه و سلم انزعوا فبكسر الزاي ومعناه استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء وأما قوله فأتى بنى عبد المطلب فمعناه أتاهم بعد فراغه من طواف الافاضة وقوله يسقون على زمزم معناه يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها ويسبلونه للناس وقوله صلى الله عليه و سلم لولا أن يغلبكم الناس لنزعت معكم معناه لولا خوفى أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء وفيه فضيلة العمل في هذا الاستقاء واستحباب شرب ماء زمزم وأما زمزم فهي البئر المشهورة في المسجد الحرام بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعا قيل سميت زمزم لكثرة مائها يقال ماء زمزوم وزمزم وزمازم اذا كان كثيرا وقيل لضم هاجر رضي الله عنها لمائها حين انفجرت وزمها اياه وقيل لزمزمة جبريل عليه السلام وكلامه عند فجره اياها وقيل انها غير مشتقة ولها أسماء أخر ذكرتها في تهذيب اللغات مع نفائس أخرى تتعلق بها منها أن عليا رضي الله عنه قال خير بئر في الأرض زمزم وشر بئر في الأرض برهوت والله أعلم قوله ( وكانت العرب يدفع بهم أبو سيارة ) هو بسين مهملة ثم ياء مثناة تحت مشددة أي كان يدفع بهم في الجاهلية قوله فلما أجاز رسول الله صلى الله عليه و سلم من المزدلفة بالمشعر الحرام لم تشك قريش أنه سيقتصر عليه ويكون منزله ثم فأجاز ولم يعرض له حتى أتى عرفات فنزل أما المشعر فسبق بيانه وأنه

(8/194)


بفتح الميم على المشهور وقيل بكسرها وان قزح الجبل المعروف في المزدلفة وقيل كل المزدلفة وأوضحنا الخلاف فيه بدلائله وهذا الحديث ظاهر الدلالة في أنه ليس كل المزدلفة وقوله أجاز أي جاوز وقوله ولم يعرض هو بفتح الياء وكسر الراء ومعنى الحديث أن قريشا كانت قبل الإسلام تقف بالمزدلفة وهي من الحرم ولا يقفون بعرفات وكان سائر العرب يقفون بعرفات وكانت قريش تقول نحن أهل الحرم فلا نخرج منه فلما حج النبي صلى الله عليه و سلم ووصل المزدلفة اعتقدوا أنه يقف بالمزدلفة على عادة قريش فجاوز إلى عرفات لقول الله عز و جل ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس أي جمهور الناس فان من سوى قريش كانوا يقفون بعرفات ويفيضون منها وأما قوله ( فأجاز ولم يعرض له حتى أتى عرفات فنزل ) ففيه مجاز تقديره فأجاز متوجها إلى عرفات حتى قاربها فضربت له القبة بنمرة قريب من عرفات فنزل هناك حتى زالت الشمس ثم خطب وصلى الظهر والعصر ثم دخل أرض عرفات حتى وصل الصخرات فوقف هناك وقد سبق هذا واضحا في الرواية الاولى قوله صلى الله عليه و سلم ( نحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف ) في هذه الالفاظ بيان رفق النبي صلى الله عليه و سلم بأمته وشفقته عليهم في تنبيههم على مصالح دينهم ودنياهم فانه صلى الله عليه و سلم ذكر لهم الأكمل والجائز فالأكمل موضع نحره ووقوفه والجائز كل جزء من أجزاء المنحر وجزء من أجزاء عرفات وخيرهن أجزاء المزدلفة وهي جمع بفتح الجيم واسكان الميم وسبق بيانها وبيان حدها وحد منى في هذا الباب وأما عرفات فحدها

(8/195)


ما جاوز وادي عرنه إلى الجبال القابلة مما يلي بساتين بن عامر هكذا نص عليه الشافعي وجميع أصحابه ونقل الأزرقي عن بن عباس أنه قال حد عرفات من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفات إلى وصيق بفتح الواو وكسر الصاد المهملة وآخره قاف إلى ملتقى وصيق وادي عرنة وقيل في حدها غير هذا مما هو متقارب له وقد بسطت القول في ايضاحه في شرح المهذب وكتاب المناسك والله أعلم قال الشافعي وأصحابنا يجوز نحر الهدى ودماء الحيوانات في جميع الحرم لكن الافضل في حق الحاج النحر بمنى وأفضل موضع منها للنحر موضع نحر رسول الله صلى الله عليه و سلم وما قاربه والأفضل في حق المعتمر أن ينحر في المروة لانها موضع تحلله كما أن منى موضع تحلل الحاج قالوا ويجوز الوقوف بعرفات في أي جزء كان منها وكذا يجوز الوقوف على المشعر الحرام وفي كل جزء من أجزاء المزدلفة لهذا الحديث والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم فالمراد بالرحال المنازل قال أهل اللغة رحل الرجل منزله سواء كان من حجر أو مدر أو شعر أو وبر ومعنى الحديث منى كلها منحر يجوز النحر فيها فلا تتكلفوا النحر في موضع نحرى بل يجوز لكم النحر في منازلكم من منى قوله ( ان رسول الله صلى الله عليه و سلم لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا ) في هذا الحديث أن السنة للحاج أن يبدأ أول قدومه بطواف القدوم ويقدمه على كل شيء وأن يستلم الحجر الاسود في أول طوافه وأن يرمل في ثلاث طوفات من السبع ويمشى في الاربع الاخيرة وسيأتي هذا كله واضحا حيث ذكر مسلم أحاديثه والله أعلم [ 1219 ] قوله ( كانت

(8/196)


قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس ) إلى آخره الحمس بضم الحاء المهملة واسكان الميم وبسين مهملة قال أبو الهيثم الحمس هم قريش ومن ولدته قريش وكنانة وجديلة قيس سموا حمسا لانهم تحمسوا في دينهم أى تشددوا وقيل سموا حمسا بالكعبة لانها حمساء حجرها أبيض يضرب إلى السواد وقد سبق قريبا شرح هذا الحديث وسبب وقوفهم بالمزدلفة قوله ( كانت العرب تطوف بالبيت عراة الا الحمس ) هذا من الفواحش التى كانوا عليها في الجاهلية وقيل نزل فيه قوله تعالى واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ولهذا أمر النبى صلى الله عليه و سلم في الحجة التى حجها أبو بكر رضى الله عنه سنة تسع أن ينادى مناديه أن لا يطوف بالبيت عريان

(8/197)


[ 1220 ] قوله ( عن جبير بن مطعم قال أضللت بعيرا لى فذهبت أطلبه يوم عرفة فرأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم واقفا مع الناس بعرفة فقلت والله ان هذا لمن الحمس فما شأنه ها هنا وكانت قريش تعد من الحمس ) قال القاضي عياض كان هذا في حجه قبل الهجرة وكان جبير حينئذ كافرا وأسلم يوم الفتح وقيل يوم خيبر فتعجب من وقوف النبى صلى الله عليه و سلم بعرفات والله أعلم
( باب جواز تعليق الاحرام )
( وهو ان يحرم باحرام كاحرام فلان فيصير محرما باحرام مثل احرام فلان ) [ 1221 ] في الباب حديث أبى موسى الاشعرى رضى الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له أحججت قال فقلت نعم فقال بم أهللت قال قلت لبيك باهلال كاهلال النبى صلى الله عليه و سلم قال قد أحسنت طف بالبيت وبالصفا والمروة وأحل قال فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأه

(8/198)


من بنى قيس ففلت رأسى ثم أهللت بالحج ) في هذا الحديث فوائد منها جواز تعليق الاحرام فاذا قال أحرمت باحرام كاحرام زيد صح احرامه وكان احرامه كاحرام زيد فان كان زيد محرما بحج أو بعمرة أو قارنا كان المعلق مثله وان كان زيد أحرم مطلقا كان المعلق مطلقا ولا يلزمه أن يصرف احرامه إلى ما يصرف زيد احرامه إليه فلو صرف زيد احرامه إلى حج كان للمعلق صرف احرامه إلى عمرة وكذا عكسه ومنها استحباب الثناء على من فعل فعلا جميلا لقوله صلى الله عليه و سلم أحسنت وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( طف بالبيت وبالصفا والمروة وأحل ) فمعناه أنه صار كالنبي صلى الله عليه و سلم وتكون وظيفته أن يفسخ حجه إلى عمرة فيأتي بأفعالها وهي الطواف والسعى والحلق فاذا فعل ذلك صار حلالا وتمت عمرته وانما لم يذكر الحلق هنا لأنه كان مشهورا عندهم ويحتمل أنه داخل في قوله وأحل وقوله ( ثم أتيت امرأة من بنى قيس ففلت رأسى ) هذا محمول على أن هذه المرأة كانت محرما له وقوله ( ثم أهللت بالحج ) يعنى أنه تحلل بالعمرة وأقام بمكة حلالا إلى يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة ثم أحرم بالحج يوم التروية كما جاء مبينا في غير هذه الرواية فان قيل قد علق على بن أبى طالب وأبو موسى رضى الله عنهما احرامهما باحرام النبى صلى الله عليه و سلم فأمر عليا بالدوام على احرامه قارنا وأمر أبا موسى بفسخه إلى عمرة فالجواب أن عليا رضى الله عنه كان معه الهدى كما كان مع النبى صلى الله عليه و سلم الهدى فبقي على احرامه كما بقي النبى صلى الله عليه و سلم وكل من معه هدى وأبو موسى لم يكن معه هدى فتحلل بعمرة كمن لم يكن معه هدى ولولا الهدى مع النبي صلى الله عليه و سلم لجعلها عمرة وقد سبق ايضاح هذا الجواب في الباب الذي قبل هذا قوله ففلت رأسى هو بتخفف اللام قوله ( رويدك بعض فتياك ) معنى رويدك ارفق قليلا وأمسك عن الفتيا ويقال فتيا وفتوى لغتان مشهورتان

(8/199)


قوله ان عمر رضى الله عنه قال ( ان نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام وان نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فان رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يحل حتى بلغ الهدى محله ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى ظاهر كلام عمر هذا انكار فسخ الحج إلى العمرة وأن نهيه عن التمتع انما هو من باب ترك الأولى لأنه منع ذلك منع تحريم وابطال ويؤيد هذا قوله بعد هذا قد علمت أن النبي صلى الله عليه و سلم قد فعله وأصحابه لكن كرهت أن يظلوا معرسين

(8/200)


بهن في الاراك [ 1222 ] وقوله ( معرسين ) هو باسكان العين وتخفيف الراء والضمير في بهن يعود إلى النساء للعلم بهن وان لم يذكرن ومعناه كرهت التمتع لأنه يقتضى التحلل ووطء النساء إلى حين الخروج إلى عرفات

(8/201)


( باب جواز التمتع )
[ 1223 ] قوله ( كان عثمان رضى الله عنه ينهى عن المتعة وكان على يأمر بها ) المختار أن المتعة التى نهى عنها عثمان هي التمتع المعروف في الحج وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهى تنزيه لا تحريم وانما نهيا عنها لأن الافراد أفضل فكان عمر وعثمان يأمران بالافراد لأنه أفضل وينهيان عن التمتع نهى تنزيه لأنه مأمور بصلاح رعيته وكان يرى الأمر بالافراد من جملة صلاحهم والله أعلم قوله ( ثم قال على لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أجل ولكن كنا خائفين ) فقوله أجل باسكان اللام أى نعم وقوله كنا خائفين لعله أراد بقوله خائفين يوم عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة لكن لم يكن تلك السنة حقيقة تمتع انما كان عمرة وحدها قوله ( فقال عثمان دعنا عنك فقال يعنى عليا انى لا أستطيع أن أدعك فلما أن رأى على ذلك أهل بهما ) ففيه اشاعة العلم واظهاره ومناظرة ولاة الامور وغيرهم في تحقيقه ووجوب مناصحة المسلم في ذلك وهذا معنى قول

(8/202)


على لا أستطيع أن أدعك وأما اهلال على بهما فقد يحتج به من يرجح القران وأجاب عنه من رجح الافراد بأنه انما أهل بهما ليبين جوازهما لئلا يظن الناس أو بعضهم أنه لا يجوز القران ولا التمتع وأنه يتعين الافراد والله أعلم قوله ( عن أبي ذر قال كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه و سلم خاصة ) وفي الرواية الاخرى كانت لنا رخصة يعنى المتعة في الحج وفي الرواية الاخرى قال أبو ذر لا تصلح المتعتان الا لنا خاصة يعنى متعة النساء ومتعة الحج وفي الرواية الأخرى انما كانت لنا خاصة دونكم قال العلماء معنى هذه الروايات كلها أن فسخ الحج إلى العمرة كان للصحابة في تلك السنة وهي حجة الوداع ولا يجوز بعد ذلك وليس مراد أبى ذر ابطال التمتع مطلقا بل مراده فسخ الحج كما ذكرنا وحكمته ابطال ما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج وقد سبق بيان هذا كله في الباب السابق والله أعلم قوله ( لا تصلح المتعتان الا لنا خاصة ) معناه انما صلحتا لنا خاصة في الوقت الذي فعلناهما فيه ثم صارتا حراما بعد ذلك

(8/203)


إلى يوم القيامة والله أعلم [ 1225 ] قوله ( سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة فقال فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش يعنى بيوت مكة ) وفي الرواية الأخرى يعنى معاوية وفي الرواية الأخرى المتعة في الحج أما العرش فبضم العين والراء وهي بيوت مكة كما فسره في الرواية قال أبو عبيد سميت بيوت مكة عرشا لأنها عيدان تنصب وتظلل قال ويقال لها أيضا عروش بالراء وواحدها عرش كفلس وفلوس ومن قال عرش فواحدها عريش كقليب وقلب وفي حديث آخر أن عمر رضى الله عنه كان اذا نظر إلى عروش مكة قطع التلبية وأما قوله وهذا يومئذ كافر بالعرش فالاشارة بهذا إلى معاوية بن أبي سفيان وفي المراد بالكفر هنا وجهان احدهما ما قاله المازري وغيره المراد وهو مقيم في بيوت مكة قال ثعلب يقال اكتفر الرجل اذا لزم الكفور وهي القرى وفي الأثر عن عمر رضى الله عنه أهل الكفور هم أهل القبور يعنى القرى البعيدة عن الأمصار وعن العلماء والوجه الثاني المراد الكفر بالله تعالى والمراد أنا تمتعنا ومعاوية يومئذ كافر على دين الجاهلية مقيم بمكة وهذا اختيار القاضي عياض وغيره وهو الصحيح المختار والمراد بالمتعة العمرة التي كانت سنة سبع من

(8/204)


الهجرة وهي عمرة القضاء وكان معاوية يومئذ كافرا وانما أسلم بعد ذلك عام الفتح سنة ثمان وقيل أنه أسلم بعد عمرة القضاء سنة سبع والصحيح الاول وأما غير هذه العمرة من عمر النبى صلى الله عليه و سلم فلم يكن معاوية فيها كافرا ولا مقيما بمكة بل كان معه صلى الله عليه و سلم قال القاضي عياض وقاله بعضهم كافر بالعرش بفتح العين واسكان الراء والمراد عرش الرحمن قال القاضي هذا تصحيف وفي هذا الحديث جواز المتعة في الحج [ 1226 ] قوله ( عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أعمر طائفة من أهله في العشر فلم تنزل آية تنسخ ذلك ولم ينه عنه حتى مضى لوجهه ) وفي الرواية الأخرى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جمع بين حج وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه وفي الرواية الأخرى نحوه ثم قال قال رجل برأيه ما شاء يعنى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي الرواية الاخرى تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم ينزل فيه القرآن قال رجل برأيه ما شاء وفي الرواية الأخرى تمتع وتمتعنا معه وفي الرواية الاخرى نزلت آيه المتعة في كتاب الله يعنى متعة الحج وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه

(8/205)


وسلم وهذه الروايات كلها متفقة على أن مراد عمران أن التمتع بالعمرة إلى الحج جائز وكذلك القران وفيه التصريح بانكاره على عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع التمتع وقد سبق تأويل فعل عمر أنه لم يرد ابطال التمتع بل ترجيح الافراد عليه قوله ( وقد كان يسلم على حتى اكتويت فتركت ثم تركت الكى فعاد ) فقوله يسلم على هو بفتح اللام المشددة وقوله فتركت هو بضم التاء أى انقطع السلام على ثم تركت بفتح التاء أى تركت الكى فعاد السلام على ومعنى الحديث أن عمران بن الحصين رضى الله عنه كانت به بواسير فكان يصبر على المهمات وكانت الملائكة تسلم عليه فاكتوى فانقطع سلامهم عليه ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه قوله ( بعث إلى عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال انى كنت محدثك باحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي فان عشت فاكتم عنى وان مت فحدث بها ان شئت أنه قد سلم على واعلم أن نبى الله صلى الله عليه و سلم قد جمع بين حج وعمرة أما قوله فان عشت فاكتم عنى فاراد به الاخبار بالسلام عليه لانه كره

(8/206)


أن يشاع عنه ذلك في حياته لما فيه من التعرض للفتنة بخلاف ما بعد الموت وأما قوله لعل الله أن ينفعك بها فمعناه تعمل بها وتعلمها غيرك وأما قوله أحاديث فظاهره أنها ثلاثة فصاعدا ولم يذكر منها الا حديثا واحدا وهو الجمع بين الحج والعمرة وأما اخباره بالسلام فليس حديثا فيكون باقي الاحاديث محذوفا من الرواية قوله ( حدثنا حامد بن عمر البكراوي ) هو

(8/207)


منسوب إلى جد جد أبيه أبي بكرة الصحابي رضى الله عنه فانه حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي رضى الله عنه
( باب وجوب الدم على المتمتع وانه اذا عدمه لزمه )
( صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة اذا رجع إلى أهله ) [ 1227 ] قوله ( عن بن عمر رضي الله عنه قال تمتع رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق معه الهدى من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه و سلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعمرة إلى الحج ) قال القاضي قوله تمتع هو محمول على التمتع اللغوي وهو القران آخرا ومعناه أنه صلى الله عليه و سلم أحرم أولا بالحج مفردا ثم أحرم بالعمرة فصار قارنا في آخر أمره والقارن هو متمتع من حيث اللغة ومن حيث المعنى لأنه ترفه باتحاد الميقات والاحرام والفعل ويتعين هذا التأويل هنا لما قدمناه في الأبواب السابقة من الجمع بين الأحاديث في ذلك وممن روى افراد النبى صلى الله عليه و سلم بن عمر الراوي هنا وقد ذكره مسلم بعد هذا وأما قوله بدأ رسول الله صلى

(8/208)


الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فهو محمول على التلبية في أثناء الاحرام وليس المراد أنه أحرم في أول أمره بعمرة ثم أحرم بحج لأنه يفضى إلى مخالفة الأحاديث السابقة وقد سبق بيان الجمع بين الروايات فوجب تأويل هذا على موافقتها ويؤيد هذا التأويل قوله تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعمرة إلى الحج ومعلوم أن كثيرا منهم أو أكثرهم أحرموا بالحج أولا مفردا وانما فسخوه إلى العمرة آخرا فصاروا متمتعين فقوله وتمتع الناس يعنى في آخر الأمر والله أعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة اذا رجع إلى أهله ) أما قوله صلى الله عليه و سلم فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل فمعناه يفعل الطواف والسعى والتقصير وقد صار حلالا وهذا دليل على ان التقصير أو الحلق نسك من مناسك الحج وهذا هو الصحيح في مذهبنا وبه قال جماهير العلماء وقيل انه استباحة محظور وليس بنسك وهذا ضعيف وسيأتي ايضاحه في موضعه ان شاء الله تعالى وانما أمره رسول الله صلى الله عليه و سلم بالتقصير ولم يأمر بالحلق مع أن الحلق أفضل ليبقى له شعر يحلقه في الحج فان الحلق في تحلل الحج أفضل منه في تحلل العمرة وأما قوله صلى الله عليه و سلم وليحلل فمعناه وقد

(8/209)


صار حلالا فله فعل ما كان محظورا عليه في الاحرام من الطيب واللباس والنساء والصيد وغير ذلك وأما قوله صلى الله عليه و سلم ثم ليهل بالحج فمعناه يحرم به في وقت الخروج إلى عرفات لا أنه يهل به عقب تحلل العمرة ولهذا قال ثم ليهل فأتى بثم التى هي للتراخي والمهلة وأما قوله صلى الله عليه و سلم وليهد فالمراد به هدى التمتع فهو واجب بشروط اتفق أصحابنا على أربعة منها واختلفوا في ثلاثة أحد الأربعة أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج الثاني أن يحج من عامه الثالث أن يكون أفقيا لا من حاضري المسجد وحاضروه أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة الرابع أن لا يعود إلى الميقات لاحرام الحج وأما الثلاثة فأحدها نية التمتع والثاني كون الحج والعمرة في سنة في شهر واحد الثالث كونهما عن شخص واحد والأصح أن هذه الثلاثة لا تشترط والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم فمن لم يجد هديا فالمراد لم يجده هناك اما لعدم الهدى واما لعدم ثمنه واما لكونه يباع باكثر من ثمن المثل واما لكونه موجودا لكنه لا يبيعه صاحبه ففي كل هذه الصور يكون عادما للهدى فينتقل إلى الصوم سواء كان واجدا لثمنه في بلده أم لا وأما قوله صلى الله عليه و سلم فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة اذا رجع فهو موافق لنص كتاب الله تعالى ويجب صوم هذه الثلاثة قبل يوم النحر ويجوز صوم يوم عرفة منها لكن الأولى أن يصوم الثلاثة قبله والأفضل أن لا يصومها حتى يحرم بالحج بعد فراغه من العمرة فان صامها بعد فراغه من العمرة وقبل الاحرام بالحج أجزأه على المذهب الصحيح عندنا وان صامها بعد الاحرام بالعمرة وقبل فراغها لم يجزه على الصحيح فان لم يصمها قبل يوم النحر وأراد صومها في أيام التشريق ففي صحته قولان مشهوران للشافعى أشهرهما في المذهب أنه لا يجوز وأصحهما من حيث

(8/210)


الدليل جوازه هذا تفصيل مذهبنا ووافقنا أصحاب مالك في أنه لا يجوز صوم الثلاثة قبل الفراغ من العمرة وجوزه الثورى وأبو حنيفة ولو ترك صيامها حتى مضى العيد والتشريق لزمه قضاؤها عندنا وقال أبو حنيفة يفوت صومها ويلزمه الهدى اذا استطاعه والله أعلم وأما صوم السبعة فيجب اذا رجع وفي المراد بالرجوع خلاف الصحيح في مذهبنا أنه اذا رجع إلى أهله وهذا هو الصواب لهذا الحديث الصحيح الصريح والثاني اذا فرغ من الحج ورجع إلى مكة من منى وهذان القولان للشافعي ومالك وبالثاني قال أبو حنيفة ولو لم يصم الثلاثة ولا السبعة حتى عاد إلى وطنه لزمه صوم عشرة أيام وفي اشتراط التفريق بين الثلاثة والسبعة اذا أراد صومها خلاف قيل لا يجب والصحيح أنه يجب التفريق الواقع في الاداء وهو باربعة أيام ومسافة الطريق بين مكة ووطنه والله أعلم قوله ( وطاف رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قدم مكة واستلم الركن أول شيء ثم حسب ثلاثة أطواف ) من السبع ومشى أربعة أطواف إلى آخر الحديث فيه اثبات طواف القدوم واستحباب الرمل فيه وأن الرمل هو الخبب وأنه يصلى ركعتى الطواف وأنهما يستحبان خلف المقام وقد سبق بيان هذا كله وسنذكره أيضا حيث ذكره مسلم بعد هذا ان شاء الله تعالى
( باب بيان أن القارن لا يتحلل الا في وقت تحلل الحاج المفرد )
[ 1229 ] فيه قول حفصة رضى الله عنها ( يا رسول الله ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك قال انى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر ) وهذا دليل للمذهب الصحيح المختار الذي قدمناه

(8/211)


واضحا بدلائله في الابواب السابقة مرات أن النبي صلى الله عليه و سلم كان قارنا في حجة الوداع فقولها من عمرتك إلى العمرة المضمومة إلى الحج وفيه أن القارن لا يتحلل بالطواف والسعى ولا بد له في تحلله من الوقوف بعرفات والرمي والحلق والطواف كما في الحاج المفرد وقد تأوله من يقول بالافراد تأويلات ضعيفة منها أنها أرادت بالعمرة الحج لانهما يشتركان في كونهما قصدا وقيل المراد بها الاحرام وقيل انها ظنت أنه معتمر وقيل معنى من عمرتك أى بعمرتك بان تفسخ حجك إلى عمرة كما فعل غيرك وكل هذا ضعيف والصحيح ماسبق وقوله صلى الله عليه و سلم ( لبدت رأسى وقلدت هديى ) فيه استحباب التلبيد وتقليد الهدى وهما سنتان بالاتفاق وقد سبق بيان هذا كله

(8/212)


( باب جواز التحلل بالاحصار وجواز القران واقتصار )
( القارن على طواف واحد وسعى واحد ) [ 1230 ] قوله ( عن نافع أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة معتمرا وقال ان صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فخرج فأهل بعمرة وسار حتى اذا ظهر على البيداء التفت إلى اصحابه فقال ما أمرهما الا واحد أشهدكم أنى قد أوجبت الحج مع العمرة فخرج حتى اذا جاء البيت طاف سبعا وبين الصفا والمروة سبعا لم يزد ورأى أنه مجزئ عنه وأهدى ) في هذا الحديث جواز القران وجواز ادخال الحج على العمرة قبل الطواف وهو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء وسبق بيان المسألة وفيه جواز التحلل بالاحصار وأما قوله ( أشهدكم ) فانما قاله ليعلمه من أراد الاقتداء به فلهذا قال أشهدكم ولم يكتف بالنية مع أنها كافية في صحة الاحرام وقوله ( ما أمرهما الا واحد ) يعنى في جواز التحلل منهما بالاحصار وفيه صحة القياس والعمل به وإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستعملونه فلهذا قاس الحج على العمرة لأن النبى صلى الله عليه و سلم انما تحلل من الاحصار عام الحديبية من احرامه بالعمرة وحدها وفيه أن القارن يقتصر على طواف واحد وسعى واحد هو مذهبنا ومذهب الجمهور وخالف فيه أبو حنيفة وطائفة وسبقت المسألة وأما قوله ( صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فخرج فأهل بعمرة ) فالصواب في معناه أنه أراد ان صددت وحصرت

(8/213)


تحللت كما تحللنا عام الحديبية مع النبى صلى الله عليه و سلم وقال القاضي يحتمل أنه أراد أهل بعمرة كما أهل النبى صلى الله عليه و سلم بعمرة في العام الذي أحصر قال ويحتمل أنه أراد الامرين قال وهو الاظهر وليس هو بظاهر كما ادعاه بل الصحيح الذي يقتضيه سياق كلامه ما قدمناه والله أعلم قوله ( حتى أهل منهما بحجة يوم النحر ) معناه حتى أهل منهما يوم النحر بعمل حجة مفردة

(8/214)


( باب في الافراد والقران )
[ 1231 ] قوله ( عن بن عمر رضى الله عنه قال أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحج مفردا ) وفي رواية ان رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل بالحج مفردا هذا موافق للروايات السابقة عن جابر وعائشة وبن عباس وغيرهم أن النبي صلى الله عليه و سلم أحرم بالحج مفردا وفيه بيان أن الرواية السابقة قريبا عن بن عمر التى أخبر فيها بالقران متأولة وسبق بيان تأوليها [ 1232 ] قوله ( عن أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لبيك عمرة وحجا ) يحتج به من يقول بالقران وقد قدمنا أن الصحيح المختار في حجة النبى صلى الله عليه و سلم أنه كان في أول احرامه مفردا ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنا وجمعنا بين الاحاديث أحسن جمع فحديث بن عمر هنا محمول على أول احرامه صلى الله عليه و سلم وحديث أنس محمول على أواخره وأثنائه وكأنه

(8/216)


لم يسمعه أولا ولا بد من هذا التأويل أو نحوه لتكون رواية أنس موافقة لرواية الاكثرين كما سبق والله أعلم
( باب استحباب طواف القدوم للحاج والسعى بعده )
[ 1233 ] قوله ( عن وبرة ) هو بفتح الباء قوله ( كنت جالسا عند بن عمر فجاءه رجل فقال أيصلح لى أن أطوف قبل أن آتى الموقف فقال نعم فقال فان بن عباس يقول لا تطف بالبيت حتى تأتى الموقف فقال بن عمر فقد حج رسول الله صلى الله عليه و سلم فطاف بالبيت قبل أن يأتى الموقف فبقول رسول الله صلى الله عليه و سلم أحق أن تأخذ أو بقول بن عباس ان كنت صادقا ) هذا الذي قاله بن عمر هو اثبات طواف القدوم للحاج وهو مشروع قبل الوقوف بعرفات وبهذا الذي قاله بن عمر قال العلماء كافة سوى بن عباس وكلهم يقولون انه سنة ليس بواجب الا بعض أصحابنا ومن وافقه فيقولون واجب يجبر تركه بالدم والمشهور أنه سنة ليس بواجب ولا دم في تركه فان وقف بعرفات قبل طواف القدوم فات فان طاف بعد ذلك بنية طواف القدوم لم يقع عن طواف القدوم بل يقع عن طواف الافاضة ان لم يكن طاف للافاضة فان كان

(8/217)


طاف للافاضة وقع الثاني تطوعا لا عن القدوم ولطواف القدوم أسماء طواف القدوم والقادم والورود والوارد والتحية وليس في العمرة طواف قدوم بل الطواف الذي يفعله فيها يقع ركنا لها حتى لو نوى به طواف القدوم وقع ركنا ولغت نيته كما لو كان عليه حجة واجبة فنوى حجة تطوع فانها تقع واجبة والله أعلم وأما قوله ان كنت صادقا فمعناه ان كنت صادقا في اسلامك واتباعك رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا تعدل عن فعله وطريقته إلى قول بن عباس وغيره والله أعلم قوله ( رأيناه قد فتنته الدنيا ) هكذا في كثير من الاصول فتنته الدنيا وفي كثير منها أو أكثرها أفتنته وكذا نقله القاضي عن رواية الاكثرين وهما لغتان صحيحتان فتن وأفتن والاولى أصح وأشهر وبها جاء القرآن وأنكر الاصمعى أفتن ومعنى قولهم فتنته الدنيا لانه تولى البصرة والولايات محل الخطر والفتنة وأما بن عمر فلم يتول شيئا وأما قول بن عمر وأينا لم تفتنه الدنيا فهذا من زهده وتواضعه وانصافه وفي بعض النسخ وأينا أو أيكم وفي بعضها وأينا أو قال وأيكم وكله صحيح
( باب بيان أن المحرم بعمرة لا يتحلل بالطواف قبل السعى )
( وان المحرم بحج لا يتحلل بطواف القدوم وكذلك القارن ) [ 1234 ] قوله ( سألنا بن عمر رضى الله عنه عن رجل قدم بعمرة فطاف بالبيت ولم يطف بين الصفا

(8/218)


والمروة أيأتي امرأته فقال قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وبين الصفا والمروة سبعا وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) معناه لا يحل له ذلك لأن النبى صلى الله عليه و سلم لم يتحلل من عمرته حتى طاف وسعى فتجب متابعته والاقتداء به وهذا الحكم الذي قاله بن عمر هو مذهب العلماء كافة وهو أن المعتمر لا يتحلل الا بالطواف والسعى والحلق الا ما حكاه القاضي عياض عن بن عباس واسحاق بن راهويه أنه يتحلل بعد الطواف وان لم يسع وهذا ضعيف مخالف للسنة [ 1235 ] قوله ( فتصدانى الرجل ) أى تعرض لى

(8/219)


هكذا هو في جميع النسخ تصداني بالنون والأشهر في اللغة تصدى لى قوله ( أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت ) فيه دليل لاثبات الوضوء للطواف لأن النبى صلى الله عليه و سلم فعله ثم قال صلى الله عليه و سلم لتأخذوا عنى مناسككم وقد أجمعت الأئمة على أنه يشرع الوضوء للطواف ولكن اختلفوا في أنه واجب وشرط لصحته أم لا فقال مالك والشافعي وأحمد والجمهور هو شرط لصحة الطواف وقال أبو حنيفة مستحب ليس بشرط واحتج الجمهور بهذا الحديث ووجه الدلالة أن هذا الحديث مع حديث خذوا عنى مناسككم يقتضيان أن الطواف واجب لأن كل ما فعله هو داخل في المناسك فقد أمرنا بأخذ المناسك وفي حديث بن عباس في الترمذي وغيره أن النبى صلى الله عليه و سلم قال الطواف بالبيت صلاة الا أن الله أباح فيه الكلام ولكن رفعه ضعيف والصحيح عند الحفاظ أنه موقوف على بن عباس وتحصل به الدلالة مع أنه موقوف لأنه قول لصحابي انتشر واذا انتشر قول الصحابي بلا مخالفة كان حجة على الصحيح قوله ( ثم لم يكن غيره ) وكذا قال فيما بعده ولم يكن غيره هكذا هو في جميع النسخ

(8/220)


غيره بالغين المعجمة والياء قال القاضي عياض كذا هو في جميع النسخ قال وهو تصحيف وصوابه ثم لم تكن عمرة بضم العين المهملة وبالميم وكان السائل لعروة انما سأله عن نسخ الحج إلى العمرة على مذهب من رأى ذلك واحتج بأمر النبى صلى الله عليه و سلم لهم بذلك في حجة الوداع فأعلمه عروة أن النبى صلى الله عليه و سلم لم يفعل ذلك بنفسه ولا من جاء بعده هذا كلام القاضي قلت هذا الذي قاله من أن قول غيره تصحيف ليس كما قال بل هو صحيح في الرواية وصحيح في المعنى لأن قوله غيره يتناول العمرة وغيرها ويكون تقدير الكلام ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره أى لم يغير الحج ولم ينقله وينسخه إلى غيره لا عمرة ولا قران والله اعلم قوله ( ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام ) أى مع والده الزبير فقوله الزبير بدل من أبي قوله ( ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون شيئا حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا يحلون ) فيه أن المحرم بالحج اذا قدم مكة ينبغي له أن يبدأ بطواف القدوم ولا يفعل شيئا قبله ولا يصلى تحية المسجد بل أول شيء يصنعه الطواف وهذا بطواف القدوم ولا يفعل شيئا قبله ولا يصلي تحية المسجد بل أول شئ يصنعه الطواف وهذا كله متفق عليه عندنا وقوله يضعون أقدامهم يعنى يصلون مكة وقوله ثم لا يحلون فيه التصريح بأنه لا يجوز التحلل بمجرد طواف القدوم كما سبق قوله ( وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط فلما مسحوا الركن حلوا ) فقولها مسحوا المراد بالماسحين من سوى عائشة والا فعائشة لم تمسح الركن قبل الوقوف بعرفات في حجة الوداع بل كانت قارنة ومنعها الحيض من الطواف قبل يوم النحر وهكذا قول أسماء بعد هذا اعتمرت أنا وأختى عائشة والزبير وفلان وفلان فلما مسحنا البيت أحللنا ثم أهللنا بالحج

(8/221)


المراد به أيضا من سوى عائشة وهكذا تأوله القاضي عياض والمراد الاخبار عن حجتهم مع النبى صلى الله عليه و سلم حجة الوداع على الصفة التى ذكرت في أول الحديث وكان المذكورون سوى عائشة محرمين بالعمرة وهي عمرة الفسخ التى فسخوا الحج اليها وانما لم تستثن عائشة لشهرة قصتها قال القاضي عياض وقيل يحتمل أن أسماء أشارت إلى عمرة عائشة التى فعلتها بعد الحج مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم قال القاضي وأما قول من قال يحتمل أنها أرادت في غير حجة الوداع فخطأ لأن في الحديث التصريح بأن ذلك كان في حجة الوداع هذا كلام القاضي وذكر مسلم بعد هذه الرواية رواية إسحاق بن ابراهيم وفيها أن أسماء قالت خرجنا محرمين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم من كان معه هدى فليقم على احرامه ومن لم يكن معه هدى فليحلل فلم يكن معى هدى فحللت وكان مع الزبير هدى فلم يحل فهذا تصريح بأن الزبير لم يتحلل في حجة الوداع قبل يوم النحر فيجب استثناؤه مع عائشة أو يكون احرامه بالعمرة وتحلله منها في غير حجة الوداع والله أعلم وقولها فلما مسحوا الركن حلوا هذا متأول عن ظاهره لأن الركن هو الحجر الأسود ومسحه يكون في أول الطواف ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه باجماع المسلمين وتقديره فلما مسحوا الركن وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا أو قصروا أحلوا ولا بد من تقدير هذا المحذوف وانما حذفته للعلم به وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل اتمام الطواف ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا بد أيضا من السعى بعده ثم الحلق أو التقصير وشذ بعض السلف فقال السعى ليس بواجب ولا حجة

(8/222)


لهذا القائل في هذا الحديث لان ظاهره غير مراد بالاجماع فيتعين تأويله كما ذكرنا ليكون موافقا لباقي الأحاديث والله أعلم قولها ( عن الزبير فقال قومى عنى فقالت أتخشى أن أثب عليك ) انما أمرها بالقيام مخافة من عارض قد يندر منه كلمس بشهوة أو نحوه فان اللمس بشهوة حرام في الاحرام فاحتاط لنفسه بمباعدتها من حيث انها زوجة متحللة تطمع بها النفس قوله ( استرخى عنى استرخى عنى ) هكذا هو في النسخ مرتين أى تباعدى [ 1237 ] قوله ( مرت بالحجون ) هو بفتح الحاء وضم الجيم وهو من حرم مكة وهو الجبل المشرف على مسجد الحرس بأعلى مكة على يمينك وأنت مصعد عند المحصب قولها ( خفاف الحقائب ) جمع حقيبة وهو

(8/223)


كل ما حمل في مؤخر الرحل والقتب ومنه احتقب فلان كذا [ 1239 ] قوله عن مسلم القرى هو بقاف مضمومة ثم راء مشددة قال السمعاني هو منسوب إلى بني قرة حي من عبد القيس قال وقال بن ماكولا هذا ثم قال وقيل بل لأنه كان ينزل فنظره قرة

(8/224)


( باب جواز العمرة في اشهر الحج )
[ 1240 ] قوله كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض الضمير في كانوا يعود إلى الجاهلية قوله ويجعلون المحرم صفر هكذا هو في النسخ صفر من غير الف بعد الراء وهو منصوب مصروف بلا خلاف وكان ينبغي أن يكتب بالألف وسواء كتب بالألف أم بحذفها لا بد من قراءته هنا منصوبا لانه مصروف قال العلماء المراد الإخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه وكانوا يسمون المحرم صفرا ويحلونه وينسئون المحرم أى يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة تضيق عليهم أمورهم من الغارة وغيرها فأضلهم الله تعالى في ذلك فقال تعالى انما النسيء زيادة في الكفر الآية قوله ( ويقولون اذا برأ الدبر ) يعنون دبر ظهور الابل بعد انصرافها من الحج فانها كانت تدبر بالسير عليها للحج قوله ( وعفا الاثر ) أى درس وامحى والمراد أثر الابل وغيرها في سيرها عفا أثرها لطول مرور الايام هذا هو المشهور وقال الخطابى المراد أثر الدبر والله أعلم وهذه الالفاظ تقرأ

(8/225)


كلها ساكنة الآخر ويوقف عليها لان مرادهم السجع قوله ( عن أبى العالية البراء ) هو بتشديد الراء لانه كان يبرى النبل قوله ( حدثنا أبو داود المباركي ) هو سليمان بن محمد ويقال سليمان بن داود وأبو محمد المباركى بفتح الراء منسوب إلى المبارك وهي بليدة بقرب واسط بينها وبين بغداد وهي على طرف دجلة قوله ( صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الصبح بذى طوى

(8/226)


هو بفتح الطاء وضمها وكسرها ثلاث لغات حكاهن القاضي وغيره الأصح الأشهر الفتح ولم يذكر الاصمعى وآخرون غيره وهو مقصور منون وهو واد معروف بقرب مكة قال القاضي ووقع لبعض الرواة في البخارى بالمد وكذا ذكره ثابت وفي هذا الحديث دليل لمن قال يستحب للمحرم دخول مكة نهارا لا ليلا وهو أصح الوجهين لأصحابنا وبه قال بن عمر وعطاء والنخعي وإسحاق بن راهويه وبن المنذر والثاني دخولها ليلا ونهارا سواء لا فضيلة لأحدهما على الآخر وهو قول القاضي أبى الطيب والماوردي وبن الصباغ والعبدرى من أصحابنا وبه قال طاوس والثورى وقالت عائشة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز يستحب دخولها ليلا وهو أفضل من النهار والله أعلم
( باب اشعار الهدى وتقليده عند الاحرام )
[ 1243 ] قوله ( صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الظهر بذى الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها

(8/227)


الأيمن وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج ) أما الاشعار فهو أن يجرحها في صفحة سنامها اليمنى بحربه أو سكين أو حديدة أو نحوها ثم يسلت الدم عنها وأصل الاشعار والشعور الاعلام والعلامة واشعار الهدى لكونه علامة له وهو مستحب ليعلم أنه هدى فان ضل رده واجده وان اختلط بغيره تميز ولأن فيه اظهار شعار وفيه تنبيه غير صاحبه على فعل مثل فعله وأما صفحة السنام فهي جانبه والصفحة مؤنثة فقوله الأيمن بلفظ التذكير يتأول على أنه وصف لمعنى الصفحة لا للفظها ويكون المراد بالصفحة الجانب فكأنه قال جانب سنامها الأيمن ففي هذا الحديث استحباب الاشعار والتقليد في الهدايا من الابل وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف وقال أبو حنيفة الاشعار بدعة لأنه مثلة وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة المشهورة في الاشعار وأما قوله أنه مثلة فليس كذلك بل هذا كالفصد والحجامة والختان والكي والوسم وأما محل الاشعار فمذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحب الاشعار في صفحة السنام اليمنى وقال مالك في اليسرى وهذا الحديث يرد عليه وأما تقليد الغنم فهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة من السلف والخلف الا مالكا فانه لا يقول بتقليدها قال القاضي عياض ولعله لم يبلغه الحديث الثابت في ذلك قلت قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة بالتقليد فهي حجة صريحة في الرد على من خالفها واتفقوا على أن الغنم لا تشعر لضعفها عن الجرح ولأنه يستتر بالصوف وأما البقرة فيستحب عند الشافعي وموافقيه الجمع فيها بين الاشعار والتقليد كالابل وفي هذا الحديث استحباب تقليد الابل بنعلين وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة فان قلدها بغير ذلك من جلود أو خيوط مفتولة ونحوها فلا بأس وأما قوله ثم ركب راحلته فهي راحلة غير التى أشعرها وفيه استحباب الركوب في الحج وأنه أفضل من المشى وقد سبق بيانه مرات وأما قوله فلما استوت به على البيداء أهل

(8/228)


بالحج فيه استحباب الاحرام عند استواء الراحلة لا قبله ولا بعده وقد سبق بيانه واضحا وأما احرامه صلى الله عليه و سلم بالحج فهو المختار وقد سبق بيان الخلاف في ذلك واضحا والله أعلم
( باب قوله لابن عباس ما هذا الفتيا التى قد تشغفت ( أو قد تشغبت بالناس ) وفي الرواية الأخرى ( ان هذا الامر قد تفشع بالناس ) أما اللفظة الأولى فبشين ثم غين معجمتين ثم فاء والثانية كذلك لكن بدل الفاء باء موحدة والثالثة بتقديم الفاء وبعدها شين ثم عين ومعنى هذه الثالثة انتشرت وفشت بين الناس وأما الأولى فمعناها علقت بالقلوب وشغفوا بها وأما الثانية فرويت أيضا بالعين المهملة وممن ذكر الروايتين فيها المعجمة والمهملة أبو عبيد والقاضي عياض ومعنى المهملة أنها فرقت مذاهب الناس وأوقعت الخلاف بينهم ومعنى المعجمة خلطت عليهم أمرهم قوله ( ما هذا الفتيا ) هكذا هو في معظم النسخ هذا الفتيا وفي بعضها هذه وهو الأجود ووجه الأول أنه أراد بالفتيا الافتاء فوصفه مذكرا ويقال فتيا وفتوى قوله ( عن بن عباس أن من طاف بالبيت فقد حل فقال سنة نبيكم صلى الله عليه و سلم وان رغمتم ) وفي الرواية الأخرى حدثنا بن جريج قال أخبرنى عطاء قال كان بن عباس يقول لا يطوف بالبيت حاج ولا )

(8/229)


غير حاج الا حل قلت لعطاء من أين يقول ذلك قال من قول الله عز و جل ثم محلها إلى البيت العتيق قلت فان ذلك بعد المعرف فقال كان بن عباس يقول هو بعد المعرف وقبله كان يأخذ ذلك من أمر النبى صلى الله عليه و سلم حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع هذا الذي ذكره بن عباس هو مذهبه وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف فان الذي عليه العلماء كافة سوى بن عباس أن الحاج لا يتحلل بمجرد طواف القدوم بل لا يتحلل حتى يقف بعرفات ويرمى ويحلق ويطوف طواف الزيارة فحينئذ يحصل التحللان ويحصل الأول باثنين من هذه الثلاثة التى هي رمى جمرة العقبة والحلق والطواف وأما احتجاج بن عباس بالآية فلا دلالة له فيها لأن قوله تعالى محلها إلى البيت العتيق معناه لاتنحر الا في الحرم وليس فيه تعرض للتحلل من الاحرام لأنه لو كان المراد به التحلل من الاحرام لكان ينبغى أن يتحلل بمجرد وصول الهدى إلى الحرم قبل أن يطوف وأما احتجاجه بأن النبى صلى الله عليه و سلم أمرهم في حجة الوداع بأن يحلوا فلا دلالة فيه لأن النبى صلى الله عليه و سلم أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة في تلك السنة فلا يكون دليلا في تحلل من هو ملتبس باحرام الحج والله أعلم قال القاضي قال المازري وتأول بعض شيوخنا قول بن عباس في هذه المسألة على من فاته الحج أنه يتحلل بالطواف والسعى قال وهذا تأويل بعيد لأنه قال بعده وكان بن عباس يقول لا يطوف بالبيت حاج ولا غيره الا حل والله أعلم

(8/230)


( باب جواز تقصير المعتمر من شعره وأنه لا يجب حلقه )
( وأنه يستحب كون حلقه أو تقصيره عند المروة ) [ 1246 ] قوله ( قال بن عباس قال لى معاوية أعلمت أني قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم عند المروة بمشقص فقلت لا أعلم هذه الا حجة عليك ) وفي الرواية الأخرى قصرت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بمشقص وهو على المروة أو رأيته يقصر عنه بمشقص وهو على المروة في هذا الحديث جواز الاقتصار على التقصير وان كان الحلق أفضل وسواء في ذلك الحاج والمعتمر الا أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج ليقع الحلق في أكمل العبادتين وقد سبقت الأحاديث في هذا وفيه أنه يستحب أن يكون تقصير المعتمر أو حلقه عند المروة لأنها موضع تحلله كما يستحب للحاج أن يكون حلقه أو تقصيره في منى لأنها موضع تحلله وحيث حلقا او قصرا من الحرم كله جاز وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبى صلى الله عليه و سلم في عمرة الجعرانة لأن النبى صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع كان قارنا كما سبق ايضاحه وثبت أنه صلى الله عليه و سلم حلق بمنى وفرق أبو طلحة رضى الله عنه شعره بين الناس فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلما انما أسلم يوم الفتح سنة ثمان هذا هو الصحيح المشهور ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع وزعم أنه صلى الله عليه و سلم كان

(8/231)


متمتعا لأن هذا غلط فاحش فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة في مسلم وغيره أن النبى صلى الله عليه و سلم قيل له ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت فقال انى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر الهدى وفي رواية حتى أحل من الحج والله أعلم قوله ( بمشقص ) هو بكسر الميم واسكان الشين المعجمة وفتح القاف قال أبو عبيد وغيره هو نصل السهم اذا كان طويلا ليس بعريض وقال أبو حنيفة الدينورى هو كل نصل فيه عترة وهو الناتئ وسط الحربة وقال الخليل هو سهم فيه نصل عريض يرمى به الوحش والله أعلم
( باب جواز التمتع في الحج والقران )
[ 1247 ] قوله ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم نصرخ بالحج صراخا فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة الا من ساق الهدى فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج ) فيه استحباب رفع الصوت بالتلبية وهو متفق عليه بشرط أن يكون رفعا مقتصدا بحيث لا يؤذى نفسه والمرأه لا ترفع بل تسمع نفسها لأن صوتها محل فتنه ورفع الرجل مندوب عند العلماء كافة وقال أهل الظاهر هو واجب ويرفع الرجل صوته بها في غير المساجد وفي مسجد مكة ومنى وعرفات وأما سائر المساجد ففي رفعه فيها خلاف للعلماء وهما قولان للشافعى ومالك أصحهما استحباب الرفع كالمساجد الثلاثة والثانى لا يرفع لئلا يهوش على الناس بخلاف المساجد الثلاثة لأنها محل المناسك وفي هذا الحديث جواز العمرة في أشهر الحج وهو مجمع عليه وفيه حجة للشافعى وموافقيه أن المستحب للمتمتع أن يكون احرامه بالحج يوم التروية وهو الثامن من ذى الحجة

(8/232)


عند ارادته التوجه إلى منى وقد سبقت المسألة مرات قوله ( ورحنا إلى منى ) معناه أردنا الرواح وقد سبق بيان الخلاف في أنه يستحب الرواح إلى منى يوم التروية من أول النهار أو بعد الزوال والله أعلم قوله ( حدثنى سليم بن حيان ) هو بفتح السين وكسر اللام [ 1252 ] قوله صلى الله عليه

(8/233)


وسلم ( والذي نفسى بيده ليهلن بن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما ) قوله صلى الله عليه و سلم ليثنينهما هو بفتح الياء في أوله معناه يقرن بينهما وهذا يكون بعد نزول عيسى عليه السلام من السماء في آخر الزمان وأما فج الروحاء فبفتح الفاء وتشديد الجيم قال الحافظ أبو بكر الحارثي هو بين مكة والمدينة قال وكان طريق رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بدر والى مكة عام الفتح وعام حجة الوداع
( باب بيان عدد عمر النبى صلى الله عليه و سلم وزمانهن )
[ 1253 ] قوله ( اعتمر النبى صلى الله عليه و سلم أربع عمر كلهن في ذى القعدة الا التي مع حجته عمرة من الحديبية

(8/234)


أو زمن الحديبية في ذى القعدة وعمرة من العام المقبل في ذى القعدة وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذى القعدة وعمرة مع حجته وفي الرواية الأخرى حج حجة واحدة واعتمر أربع عمر هذه رواية أنس وفي رواية بن عمر أربع عمر احداهن في رجب وأنكرت ذلك عائشة وقالت لم يعتمر النبى صلى الله عليه و سلم قط في رجب فالحاصل من رواية أنس وبن عمر اتفاقهما على أربع عمر وكانت احداهن في ذى القعدة عام الحديبية سنة ست من الهجرة وصدوا فيها فتحللوا وحسبت لهم عمرة والثانية في ذى القعدة وهي سنة سبع وهي عمرة القضاء والثالثة في ذى القعدة سنة ثمان وهي عام الفتح والرابعة مع حجته وكان احرامها في ذى القعدة واعمالها في ذى الحجة وأما قول بن عمر أن احداهن في رجب فقد أنكرته عائشة وسكت بن عمر حين أنكرته قال العلماء هذا يدل على أنه اشتبه عليه أو نسى أو شك ولهذا سكت عن الإنكار على عائشة ومراجعتها بالكلام فهذا الذى ذكرته هو الصواب الذى يتعين المصير إليه وأما القاضي عياض فقال ذكر أنس أن العمرة الرابعة كانت مع حجته فيدل على أنه كان قارنا قال وقد رده كثير من الصحابة قال وقد قلنا ان الصحيح أن النبى صلى الله عليه و سلم كان مفردا وهذا يرد قول أنس وردت عائشة قول بن عمر قال فحصل أن الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم كان مفردا وهذا يرد قول انس وردت عائشة قول بن عمر قال فحصل أن الصحيح ثلاث عمر قال ولا يعلم للنبى صلى الله عليه و سلم اعتمار الا ما ذكرناه قال واعتمد مالك في الموطأ على أنهن ثلاث عمر هذا آخر كلام القاضي وهو قول ضعيف بل باطل والصواب أنه صلى الله عليه و سلم اعتمر أربع عمر كما صرح به بن عمر وأنس وجزما الرواية به فلا يجوز رد روايتهما بغير جازم وأما قوله ان النبى صلى الله عليه و سلم كان في حجة الوداع مفردا لا قارنا فليس كما قال بل الصواب أن النبى صلى الله عليه و سلم كان مفردا في أول احرامه ثم أحرم بالعمرة فصار قارنا ولا بد من هذا التأويل والله أعلم قال العلماء وانما اعتمر النبى صلى الله عليه و سلم هذه العمرة في ذى القعدة لفضيلة هذا الشهر

(8/235)


ولمخالفة الجاهلية في ذلك فانهم كانوا يرونه من أفجر الفجور كما سبق ففعله صلى الله عليه و سلم مرات في هذه الأشهر ليكون أبلغ في بيان جوازه فيها وأبلغ في ابطال ما كانت الجاهلية عليه والله أعلم وأما قوله ( ان النبي صلى الله عليه و سلم حج حجة واحدة ) فمعناه بعد الهجرة لم يحج الا حجة واحدة وهي حجة الوداع سنة عشر من الهجرة وقوله قال أبو إسحاق وبمكة اخرى يعنى قبل الهجرة وقد روى في غير مسلم قبل الهجرة حجتان [ 1254 ] قوله ( عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم غزا تسع عشرة غزوة ) معناه أنه غزا تسع عشرة وأنا معه أو أعلم له تسع عشرة غزوة وكانت غزواته صلى الله عليه و سلم خمسا وعشرين وقيل سبعا وعشرين وقيل غير ذلك وهو مشهور في كتب المغازى وغيرها قوله ( عن عائشة قالت لعمرى ما اعتمر في رجب ) هذا دليل على جواز قول الانسان لعمرى وكرهه مالك لأنه من تعظيم غير الله تعالى ومضاهاته بالحلف

(8/236)


بغيره قوله ( انهم سألوا بن عمر عن صلاة الذين كانوا يصلون الضحى في المسجد فقال بدعة ) هذا قد حمله القاضي وغيره على أن مراده أن اظهارها في المسجد والاجتماع لها هو البدعة لا أن أصل صلاة الضحى بدعة وقد سبقت المسألة في كتاب الصلاة والله أعلم

(8/237)


( باب فضل العمرة في رمضان [ 1256 ] )
قولها ( لم يكن لنا الا ناضحان ) أي بعيران نستقي بهما قولها ( ننضح عليه ) بكسر الضاد قوله صلى الله عليه و سلم ( فإن عمرة فيه ) أي في رمضان ( تعدل حجة ) وفي الرواية الأخرى تقضى حجة أي تقوم مقامها في الثواب لا أنها تعدلها في كل شيء فإنه لو كان عليه حجة فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن الحجة قوله ( ناضحان كانا لأبي فلان زوجها حج هو وابنه على أحدهما وكان الآخر يسقى غلامنا ) هكذا هو في نسخ بلادنا وكذا نقله القاضي عياض عن رواية عبد الغافر الفارسي

(9/2)


وغيره قال وفي رواية بن ماهان يسقى عليه غلامنا قال القاضي عياض وأرى هذا كله تغييرا وصوابه نسقى عليه نخلا لنا فتصحف منه غلامنا وكذا جاء في البخاري على الصواب ويدل على صحته قوله في الرواية الأولى ننضح عليه وهو بمعنى نسقى عليه هذا كلام القاضي والمختار أن الرواية صحيحة وتكون الزيادة التي ذكرها القاضي محذوفة مقدرة وهذا كثير في الكلام والله أعلم
( باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا )
( والخروج منها من الثنية السفلى ودخول بلدة من طريق غير التي خرج منها ) قوله [ 1257 ] ( عن بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى ) قيل انما فعل النبي صلى الله عليه و سلم هذه المخالفة في طريقه داخلا وخارجا تفاؤلا بتغير الحال إلى أكمل منه كما فعل في العيد وليشهد له الطريقان وليتبرك به أهلهما ومذهبنا أنه يستحب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من السفلى لهذا الحديث ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية على طريقة كالمدني والشامي أو لا تكون كاليمني فيستحب لليمني وغيره أن يستدير ويدخل مكة من الثنية العليا وقال بعض أصحابنا انما فعلها النبي صلى الله عليه و سلم لأنها كانت على طريقه ولا يستحب لمن ليست على طريقه كاليمني وهذا ضعيف والصواب الأول وهكذا

(9/3)


يستحب له أن يخرج من بلده من طريق ويرجع من أخرى لهذا الحديث وقوله المعرس هو بضم الميم وفتح العين المهملة والراء المشددة وهو موضع معروف بقرب المدينة على ستة أميال منها قوله ( العليا التي بالبطحاء ) هي بالمد ويقال لها البطحاء والأبطح وهي بجنب المحصب وهذه الثنية ينحدر منها إلى مقابر مكة [ 1258 ] قوله ( في حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة ) هكذا ضبطناه بفتح الكاف وبالمد وهكذا هو في نسخ بلادنا وهذا نقله القاضي عياض عن رواية الجمهور قال وضبطه السمرقندي بفتح الكاف والقصر قوله ( قال هشام يعنى بن عروة فكان أبي يدخل منهما كليهما وكان أبي أكثر ما يدخل من كداء ) اختلفوا في ضبط كداء هذه قال جمهور العلماء بهذا الفن كداء بفتح الكاف وبالمد هي الثنية التي بأعلى مكة وكدا بضم الكاف وبالقصر هي التي بأسفل مكة وكان عروة يدخل من كليهما وأكثر دخوله من كداء بفتح الكاف فهذا أشهر وقيل بالضم ولم يذكر القاضي عياض غيره وأما كدى بضم الكاف وتشديد الياء فهو في طريق الخارج إلى اليمن وليس من هذين الطريقين في شيء هذا قول الجمهور والله أعلم

(9/4)


( باب استحباب المبيت بذى طوى عند ارادة دخول مكة )
( والاغتسال لدخولها ودخولها نهارا ) [ 1259 ] قوله ( عن بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم بات بذى طوى حتى أصبح ثم دخل مكة وكان بن عمر يفعل ذلك ) وفي رواية حتى صلى الصبح وفي رواية عن نافع عن بن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذى طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا ويذكر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه فعله في هذه الروايات فعوائد منها الاغتسال لدخول مكة وأنه يكون بذى طوى لمن كانت في طريقه ويكون بقدر بعدها لمن لم تكن في طريقه قال أصحابنا وهذا الغسل سنة فإن عجز عنه تيمم ومنها المبيت بذى طوى وهو مستحب لمن هو على طريقه وهو

(9/5)


موضع معروف بقرب مكة يقال بفتح الطاء وضمها وكسرها والفتح أفصح وأشهر ويصرف ولا يصرف ومنها استحباب دخول مكة نهارا وهذا هو الصحيح الذي عليه الأكثرون من أصحابنا وغيرهم أن دخولها نهارا أفضل من الليل وقال بعض أصحابنا وجماعة من السلف الليل والنهار في ذلك سواء ولا فضيلة لأحدهما على الآخر وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم دخلها محرما بعمرة الجعرانة ليلا ومن قال بالأول حمله على بيان الجواز والله أعلم [ 1260 ] قوله ( استقبل فرضتي الجبل ) هو بفاء مضمومة ثم راء ساكنة ثم ضاد معجمة مفتوحة وهما تثنية فرضة وهي الثنية المرتفعة من الجبل قوله ( عشرة أذرع ) كذا في بعض النسخ وفي بعضها عشر بحذف الهاء وهما لغتان في الذراع التذكير والتأنيث وهو الأفصح الأشهر والله أعلم
( باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة )
( وفي الطواف الأول في الحج ) [ 1261 ] قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان اذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى

(9/6)


أربعا ) قوله ( خب ) هو الرمل بفتح الراء والميم فالرمل والخبب بمعنى واحد وهو اسراع المشى مع تقارب الخطا ولا يثب وثبا والرمل مستحب في الطوفات الثلاث الأول من السبع ولا يسن ذلك الا في طواف العمرة وفي طواف واحد في الحج واختلفوا في ذلك الطواف وهما قولان للشافعي أصحهما أنه انما يشرع في طواف يعقبه سعى ويتصور ذلك في طواف القدوم ويتصور في طواف الافاضة ولا يتصور في طواف الوداع لأن شرط طواف الوداع أن يكون قد طاف للإفاضة فعلى هذا القول اذا طاف للقدوم وفي نيته أنه يسعى بعده استحب الرمل فيه وإن لم يكن هذا في نيته لم يرمل فيه بل يرمل في طواف الإفاضة والقول الثاني أنه يرمل في طواف القدوم سواء أراد السعى بعده أم لا والله أعلم قال أصحابنا فلو أخل بالرمل في الثلاث الأول من السبع لم يأت به في الأربع الأواخر لأن السنة في الأربع الأخيرة المشى على العادة فلا يغيره ولو لم يمكنه الرمل للزحمة أشار في هيئة مشيه إلى صفة الرمل ولو لم يمكنه الرمل بقرب الكعبة للزحمة وأمكنه اذا تباعد عنها فالأولى أن يتباعد ويرمل لأن فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها والقرب من الكعبة هيئة في موضع العبادة لا في نفسها فكان تقديم ما تعلق بنفسها أولى والله أعلم واتفق العلماء على أن الرمل لا يشرع للنساء كما لا يشرع لهن شدة السعى بين الصفا والمروة ولو ترك الرجل الرمل حيث شرع له فهو تارك سنة ولا شيء عليه هذا مذهبنا واختلف أصحاب مالك فقال بعضهم عليه دم وقال بعضهم لادم كمذهبنا قوله ( وكان يسعى ببطن المسيل اذا طاف بين الصفا والمروة ) هذا مجمع على استحبابه وهو أنه اذا سعى بين الصفا والمروة استحب أن يكون سعيه شديدا في بطن المسيل وهو قدر معروف وهو من قبل وصوله إلى الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد إلى أن يحاذى الميلين الأخضرين المتقابلين اللذين بفناء المسجد ودار العباس والله أعلم قوله

(9/7)


( ان رسول الله صلى الله عليه و سلم كان اذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ثم يمشى أربعا ثم يصلى سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة ) أما قوله أول ما يقدم فتصريح بأن الرمل أول ما يشرع في طواف العمرة أو في طواف القدوم في الحج وأما قوله يسعى ثلاثة أطواف فمراده يرمل وسماه سعيا مجازا لكونه يشارك السعى في أصل الاسراع وإن اختلفت صفتهما وأما قوله ثلاثة وأربعة فمجمع عليه وهو أن الرمل لا يكون الا في الثلاثة الأول من السبع وأما قوله ثم يصلى سجدتين فالمراد ركعتين وهما سنة على المشهور من مذهبنا وفي قول واجبتان وسماهما سجدتين مجازا كما سبق تقريره في كتاب الصلاة وأما قوله ثم يطوف بين الصفا والمروة ففيه دليل على وجوب الترتيب بين الطواف والسعى وأنه يشترط تقدم الطواف على السعى فلو قدم السعى لم يصح السعى وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وفيه خلاف ضعيف لبعض السلف والله أعلم قوله ( رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم حين يقدم مكة اذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف ) إلى آخره فيه استحباب استلام الحجر الأسود في ابتداء الطواف وهو سنة من سنن الطواف بلا خلاف وقد استدل به القاضي أبو الطيب من أصحابنا في قوله أنه يستحب أن يستلم الحجر الأسود وأن يستلم معه الركن الذي هو فيه فيجمع في استلامه بين الحجر والركن جميعا واقتصر جمهور أصحابنا على أنه يستلم الحجر وأما الاستلام فهو المسح باليد عليه وهو مأخوذ من السلام بكسر السين وهي الحجارة وقيل من

(9/8)


السلام بفتح السين الذي هو التحية [ 1262 ] قوله ( رمل رسول الله صلى الله عليه و سلم من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا ) فيه بيان أن الرمل يشرع في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر وأما حديث بن عباس المذكور بعد هذا بقليل قال وأمرهم النبي صلى الله عليه و سلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين فمنسوخ بالحديث الأول لأن حديث بن عباس كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم وإنما رملوا اظهارا للقوة واحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الركنين اليمانيين لأن المشركين كانوا جلوسا في الحجر وكانوا لا يرونهم بين هذين الركنين ويرونهم فيما سوى ذلك فلما حج النبي صلى الله عليه و سلم حجة الوداع سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر فوجب الأخذ بهذا المتأخر قوله ( حدثنا سليم بن الأخضر ) هو بضم السين وأخضر بالخاء والضاد المعجمتين قوله في رواية أبي الطاهر بإسناده عن جابر ( رمل الثلاثة أطواف ) هكذا هو في معظم النسخ المعتمدة وفي نادر منها الثلاثة

(9/9)


الأطواف وفي أندر منه ثلاثة أطواف فأما ثلاثة أطواف فلا شك في جوازه وفصاحته وأما الثلاثة الأطواف بالألف واللام فيهما ففيه خلاف مشهور بين النحويين منعه البصريون وجوزه الكوفيون وأما الثلاثة أطواف بتعريف الأول وتنكير الثاني كما وقع في معظم النسخ فمنعه جمهور النحويين وهذا الحديث يدل لمن جوزه وقد سبق مثله في رواية سهل بن سعد في صفة منبر النبي صلى الله عليه و سلم قال فعمل هذه الثلاث درجات وقد رواه مسلم هكذا في كتاب الصلاة وقد سبق التنبيه عليه [ 1264 ] قوله ( قلت لابن عباس أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ومشى أربعة أطواف أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة فقال صدقوا وكذبوا ) إلى آخره يعني صدقوا في أن النبي صلى الله عليه و سلم فعله وكذبوا في قولهم انه سنة مقصودة متأكدة لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يجعله سنة مطلوبة دائما على تكرر السنين وإنما أمر به تلك السنة لاظهار القوة عند الكفار وقد زال ذلك المعنى هذا معنى كلام بن عباس وهذا الذي قاله من كون الرمل ليس سنة مقصودة هو مذهبه وخالفه جميع العلماء من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم فقالوا هو سنة في الطوفات الثلاث من السبع فإن تركه فقد ترك سنة وفاتته فضيلة ويصح طوافه ولادم عليه وقال عبد الله بن الزبير يسن في الطوفات السبع وقال الحسن البصري والثوري وعبد الملك بن الماجشون المالكي اذا ترك الرمل لزمه دم وكان مالك يقول به ثم رجع عنه دليل الجمهور أن النبي صلى الله عليه و سلم رمل في حجة الوداع في الطوفات الثلاث الأول ومشى في الأربع ثم قال صلى الله عليه و سلم بعد ذلك لتأخذوا مناسككم عني والله أعلم

(9/10)


قوله ( قلت له أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة قال صدقوا وكذبوا ) إلى آخره يعني صدقوا في أنه طاف راكبا وكذبوا في أن الركوب أفضل بل المشي أفضل وإنما ركب النبي صلى الله عليه و سلم للعذر الذي ذكره وهذا الذي قاله بن عباس مجمع عليه أجمعوا على أن الركوب في السعى بين الصفا والمروة جائز وأن المشي أفضل منه الا لعذر والله أعلم قوله ( لايستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزل ) هكذا هو في معظم النسخ الهزل بضم الهاء واسكان الزاي وهكذا حكاه القاضي في المشارق وصاحب المطالع عن رواية بعضهم قالا وهو وهم والصواب الهزال بضم الهاء وزيادة الألف قلت وللأول وجه وهو أن يكون بفتح الهاء لأن الهزل بالفتح مصدر هزلته هزلا كضربته ضربا وتقديره لا يستطيعون يطوفون لأن الله تعالى هزلهم والله أعلم قوله ( حتى خرج العواتق من البيوت ) هو جمع عاتق وهي البكر البالغة أو المقاربة للبلوغ وقيل التي تتزوج سميت بذلك لأنها عتقت من استخدام أبويها وابتذالها في

(9/11)


الخروج والتصرف التي تفعله الطفلة الصغيرة وقد سبق بيان هذا في صلاة العيد [ 1265 ] قوله ( أنهم كانوا لا يدعون عنه ولا يكرهون ) أما يدعون فبضم الياء وفتح الدال وضم العين المشددة أي يدفعون ومنه قوله تعالى يوم يدعون إلى نار جهنم دعا وقوله تعالى فذلك الذي يدع اليتيم وأما قوله يكرهون ففي بعض الأصول من صحيح مسلم يكرهون كما ذكرناه من الاكراه وفي بعضها يكهرون بتقديم الهاء من الكهر وهو الانتهار قال القاضي هذا أصوب وقال وهو رواية الفارسي والأول رواية بن ماهان والعذرى قوله ( وهنتهم حمى يثرب ) هو بتخفيف الهاء أي أضعفتهم قال الفراء وغيره يقال وهنته الحمى وغيرها وأوهنته لغتان وأما يثرب فهو الاسم الذي كان للمدينة في الجاهلية وسميت في الاسلام المدينة فطيبة فطابة قال الله تعالى ما كان لاهل المدينة ومن أهل المدينة يقولون لئن رجعنا إلى المدينة وسيأتي بسط ذلك في آخر كتاب الحج حيث ذكر مسلم أحاديث المدينة وتسميتها ان شاء الله تعالى [ 1266 ] قوله ( وأمرهم النبي صلى الله عليه و سلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ) هذا تصريح بجواز تسمية الرمل شوطا وقد نقل أصحابنا أن مجاهدا والشافعي كرها

(9/12)


تسميته شوطا أو دورا بل يسمى طوفة وهذا الحديث ظاهر في أنه لا كراهة في تسميته شوطا فالصحيح أنه لا كراهة فيه قوله ( ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الاشواط كلها الا الابقاء عليهم ) الابقاء بكسر الهمزة وبالباء والموحدة والمد أي الرفق بهم
( باب استحباب استلام الركنين اليمانيين )
( في الطواف دون الركنين الآخرين ) [ 1267 ] قوله ( لم أر رسول الله صلى الله عليه و سلم يمسح من البيت الا الركنين اليمانيين ) وفي الرواية الاخرى لم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم يستلم من أركان البيت الا الركن الأسود والذي يليه من

(9/13)


نحو دور الجمحيين وفي الرواية الأخرى لا يستلم الا الحجر والركن اليماني هذه الروايات متفقة فالركنان اليمانيان هما الركن الأسود والركن اليماني وإنما قيل لهما اليمانيان للتغليب كما قيل في الأب والأم الأبوان وفي الشمس والقمر القمران وفي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما العمران وفي الماء والتمر الأسودان ونظائره مشهورة واليمانيان بتخفيف الياء هذه اللغة الفصيحة المشهورة وحكى سيبويه والجوهرى وغيرهما فيها لغة أخرى بالتشديد فمن خفف قال هذه نسبة إلى اليمن فالألف عوض من احدى ياءى النسب فتبقى الياء الأخرى مخففة ولو شددناها لكان جمعا بين العوض والمعوض وذلك ممتنع ومن شدد قال الالف فى اليمانى زائدة وأصله اليمنى فتبقى الياء مشددة وتكون الالف زائدة كما زيدت النون في صنعانى ورقبانى ونظائر ذلك والله أعلم وأما قوله ( يمسح ) فمراده يستلم وسبق بيان الاستلام وأعلم أن للبيت أربعة أركان الركن الأسود والركن اليمانى ويقال لهما اليمانيان كما سبق وأما الركنان الآخران فيقال لهما الشاميان فالركن الأسود فيه فضيلتان احداهما كونه على قواعد ابراهيم صلى الله عليه و سلم والثانية كونه فيه الحجر الأسود وأما اليماني ففيه فضيلة واحدة وهى كونه على قواعد ابراهيم وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين فلهذا خص الحجر الأسود بشيئين الاستلام والتقبيل للفضيلتين وأما اليمانى فيستلمه ولا يقبله لأن فيه فضيلة واحدة وأما الركنان الآخران فلا يقبلان ولا يستلمان والله أعلم وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين واتفق الجماهير على أنه لا يمسح الركنين الآخرين واستحبه بعض السلف وممن كان يقول باستلامهما الحسن والحسين ابنا علي وبن الزبير وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنهم قال القاضي أبو الطيب أجمعت أئمة الأمصار والفقهاء على أنهما لا يستلمان قال وإنما كان فيه خلاف لبعض الصحابة والتابعين وانقرض الخلاف وأجمعوا على أنهما لا يستلمان والله أعلم قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان لا يستلم الا الحجر الأسود والركن اليماني ) يحتج به الجمهور

(9/14)


في أنه يقتصر بالاستلام في الحجر الأسود عليه دون الركن الذي هو فيه وقد سبق قريبا فيه خلاف القاضي أبي الطيب [ 1268 ] قوله ( رأيت بن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يفعله ) فيه استحباب تقبيل اليد بعد استلام الحجر الأسود اذا عجز عن تقبيل الحجر وهذا الحديث محمول على من عجز عن تقبيل الحجر وإلا فالقادر يقبل الحجر ولا يقتصر في اليد على الاستلام بها وهذا الذي ذكرناه من استحباب تقبيل اليد بعد الاستلام للعاجز هو مذهبنا ومذهب الجمهور وقال القاسم بن محمد التابعي المشهور لا يستحب التقبيل وبه قال مالك في أحد قوليه والله أعلم

(9/15)


( باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف )
[ 1270 ] قوله ( قبل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال أم والله لقد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقبلك ما قبلتك ) وفي الرواية الأخرى وإني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع هذا الحديث فيه فوائد منها استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف بعد استلامه وكذا يستحب السجود على الحجر أيضا بأن يضع جبهته عليه فيستحب أن يستلمه ثم يقبله ثم يضع جبهته عليه هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وحكاه أبن المنذر عن عمر بن الخطاب وبن عباس وطاوس والشافعي وأحمد قال وبه أقول قال وقد روينا فيه عن النبي صلى الله عليه و سلم وانفرد مالك عن العلماء فقال السجود عليه بدعه واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء وأما الركن اليماني فيستلمه ولا يقبله بل يقبل اليد بعد استلامه هذا مذهبنا وبه قال جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وقال أبو حنيفة لا يستلمه وقال مالك وأحمد يستلمه ولا يقبل اليد بعده وعن مالك رواية أنه يقبله وعن أحمد رواية أنه يقبله والله أعلم وأما قول عمر رضي الله عنه لقد علمت أنك حجر وأنى لأعلم أنك حجر وأنت لا تضر ولا تنفع فأراد به بيان الحث على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم في تقبيله ونبه على أنه أولا الاقتداء به لما فعله وإنما قال وأنك لا تضر ولا تنفع لئلا يغتر بعض قربى

(9/16)


العهد بالاسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيما ورجاء نفعها وخوف الضر بالتقصير في تعظيمها وكان العهد قريبا بذلك فخاف عمر رضي الله عنه أن يراه بعضهم يقبله ويعتنى به فيشتبه عليه فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب فمعناه أنه لا قدرة له على نفع ولا ضر وأنه حجر مخلوق كباقي المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع وأشاع عمر هذا في الموسم ليشهد في البلدان ويحفظه عنه أهل الموسم المختلفوا الأوطان والله أعلم قوله ( رأيت الأصلع ) وفي رواية الأصيلع يعني عمر رضي الله عنه فيه أنه لا بأس بذكر الانسان بلقبه ووصفه الذي يكرهه وإن كان قد يكره غيره مثله [ 1271 ] قوله ( رأيت عمر رضي الله عنه قبل الحجر والتزمه وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم بك حفيا ) يعني معتنيا

(9/17)


وجمعه أحفياء قوله والتزمه فيه اشارة إلى ما قدمنا من استحباب السجود عليه والله أعلم
( باب جواز الطواف على بعير وغيره واستلام ) ( الحجر بمحجن ونحوه للراكب ) [ 1272 ] قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ) المحجن بكسر الميم وإسكان الحاء وفتح الجيم وهو عصا معقفة يتناول بها الراكب ما سقط له ويحرك بطرفها بعيره للمشي وفي هذا الحديث جواز الطواف راكبا واستحباب استلام الحجر وأنه اذا عجز عن استلامه بيده استلمه بعود وفيه جواز قول حجة الوداع وقد قدمنا أن بعض العلماء كره أن يقال لها حجة الوداع وهو غلط والصواب جواز قول حجة الوداع والله أعلم واستدل به أصحاب مالك وأحمد على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه لأنه لا يؤمن ذلك من البعير فلو كان نجسا لما عرض المسجد له ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة وآخرين نجاسة ذلك وهذا الحديث لا دلالة فيه لأنه ليس من ضرورته أن يبول أو يروث في حال الطواف وإنما هو محتمل وعلى تقدير حصوله ينظف المسجد منه كما أنه صلى الله عليه و سلم أقر ادخال الصبيان الأطفال المسجد مع أنه لا يؤمن بولهم بل قد وجد ذلك ولأنه لو كان ذلك محققا لنزه المسجد منه سواء كان نجسا أو طاهرا لأنه مستقذر [ 1273 ] قوله في طوافه صلى الله عليه و سلم )

(9/18)


راكبا ( لأن يراه الناس ويشرف وليسألوه ) هذا بيان لعلة ركوبة صلى الله عليه و سلم وقيل أيضا لبيان الجواز وجاء في سنن أبي داود أنه كان صلى الله عليه و سلم في طوافه هذا مريضا وإلى هذا المعنى أشار البخاري وترجم عليه باب المريض يطوف راكبا فيحتمل أنه صلى الله عليه و سلم طاف راكبا لهذا كله قوله ( فإن الناس غشوه ) هو بتخفيف الشين أي ازدحموا عليه قولها ( كراهية أن يضرب عنه الناس ) هكذا هو في معظم النسخ يضرب بالباء وفي بعضها يصرف بالصاد المهملة والفاء وكلاهما صحيح قوله ( حدثني الحكم بن موسى القنطرى ) هو بفتح القاف قال السمعاني هو من قنطرة بردان وهي محلة من بغداد قوله ( وحدثنا معروف بن خربوذ ) هو بخاء معجمة مفتوحة ومضمومة الفتح أشهر وممن حكاهما القاضي عياض في المشارق والقائل بالضم هو أبو الوليد الباجي وقال الجمهور بالفتح وبعد الخاء راء مفتوحة مشددة ثم باء موحدة مضمومة ثم واو ثم ذال معجمة

(9/19)


[ 1275 ] قوله ( رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن ) فيه دليل على استحباب استلام الحجر الأسود وأنه اذا عجز عن استلامه بيده بأن كان راكبا أو غيره استلمه بعصا ونحوها ثم قبل ما استلم به وهذا مذهبنا [ 1276 ] قوله صلى الله عليه و سلم ( طوفى من وراء الناس وأنت راكبة قالت فطفت ورسول الله صلى الله عليه و سلم حينئذ يصلى إلى جنب البيت وهو يقرأ ب الطور وكتاب مسطور انما أمرها صلى الله عليه و سلم بالطواف من وراء الناس لشيئين أحدهما أن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف والثاني أن قربها يخاف منه تأذى الناس بدابتها وكذا اذا طاف الرجل راكبا وإنما طافت في حال صلاة النبي صلى الله عليه و سلم ليكون أستر لها وكانت هذه الصلاة صلاة الصبح والله أعلم
( باب بيان أن السعى بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج الا به )
مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن السعى بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج لا يصح الا به ولا يجبر بدم ولا غيره وممن قال بهذا مالك والشافعي وأحمد واسحاق وأبو ثور وقال بعض السلف هو تطوع وقال أبو حنيفة هو واجب فإن تركه عصى وجبره

(9/20)


بالدم وصح حجه دليل الجمهور أن النبي صلى الله عليه و سلم سعى وقال خذوا عني مناسككم والمشروع سعى واحد والأفضل أن يكون بعد طواف القدوم ويجوز تأخيره إلى ما بعد طواف الافاضة [ 1277 ] قوله ( عن عروة أنه قال ما معناه ان السعي ليس بواجب لأن الله تعالى قال فلا جناح عليه أن يطوف بهما وأن عائشة أنكرت عليه وقالت لا يتم الحج الا به ولو كان كما تقول يا عروة لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ) قال العلماء هذا من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ لأن الآية الكريمة انما دل لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعى ولا على وجوبه فأخبرته عائشة رضي الله عنها أن الآية ليست فيها دلالة للوجوب ولا لعدمه وبينت السبب في نزولها والحكمة في نظمها وأنها نزلت في الانصار حين تحرجوا من السعى بين الصفا والمروة في الاسلام وأنها لو كانت كما يقول عروة لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما وقد يكون الفعل واجبا ويعتقد انسان انه يمنع ايقاعه على صفة مخصوصة وذلك كمن عليه صلاة الظهر وظن أنه لا يجوز فعلها عند غروب الشمس فسأل عن ذلك فيقال في جوابه لا جناح عليك أن صليتها في هذا الوقت فيكون جوابا صحيحا ولا يقتضى نفي وجوب صلاة الظهر قولها ( وهل تدري فيما كان ذلك انما كان ذلك لأن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما اساف ونائلة ) قال القاضي عياض هكذا وقع في هذه الرواية قال وهو غلط والصواب ما جاء في الروايات الأخر في الباب يهلون لمناة وفي الرواية الأخرى لمناة الطاغية التي بالمشلل قال وهذا

(9/21)


هو المعروف ومناة صنم كان نصبه عمرو بن لحى في جهة البحر بالمشلل مما يلي قديدا وكذا جاء مفسرا في هذا الحديث في الموطأ وكانت الأزد وغسان تهل له بالحج وقال بن الكلبي مناة صخرة لهذيل بقديد وأما اساف ونائلة فلم يكونا قط في ناحية البحر وإنما كانا فيما يقال رجلا وامرأة فالرجل اسمه اساف بن بقاء ويقال بن عمرو والمرأة اسمها نائلة بنت ذئب ويقال بنت سهل قيل كانا من جرهم فزنيا داخل الكعبة فمسخهما الله حجرين فنصبا عند الكعبة وقيل على الصفا والمروة ليعتبر الناس بهما ويتعظوا ثم حولهما قصى بن كلاب فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر بزمزم وقيل جعلهما بزمزم ونحر عندهما وأمر

(9/22)


بعبادتهما فلما فتح النبي صلى الله عليه و سلم مكة كسرهما هذا آخر كلام القاضي عياض قوله في حديث عمر والناقد وبن أبي عمر ( بئس ما قلت يا بن أختي ) هكذا هو في أكثر النسخ بالتاء وفي بعضها أخي بحذف التاء وكلاهما صحيح والأول أصح وأشهر وهو المعروف في غير هذه الرواية قوله ( فأعجبه وقال ان هذا العلم ) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا قال القاضي وروى أن هذا لعلم بالتنوين وكلاهما صحيح ومعنى الأول ان هذا هو العلم المتقن ومعناه استحسان قول عائشة رضي الله عنها وبلاغتها في تفسير الآية الكريمة قوله ( فأراها قد نزلت في هؤلاء ) ضبطوه بضم الهمزة من أراها وفتحها والضم أحسن وأشهر

(9/23)


قولها ( قد سن رسول الله صلى الله عليه و سلم الطواف بينهما ) يعنى شرعه وجعله ركنا والله أعلم
( باب بيان أن السعى لا يكرر )
[ 1279 ] قوله ( لم يطف النبي صلى الله عليه و سلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة الا طوافا واحدا ) طوافه

(9/24)


الأول فيه دليل على أن السعي في الحج أو العمرة لا يكرر بل يقتصر منه على مرة واحدة ويكره تكراره لأنه بدعة وفيه دليل لما قدمناه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان قارنا وأن القارن يكفيه طواف واحد وسعى واحد وقد سبق خلاف أبي حنيفة وغيره في المسألة والله أعلم
( باب استحباب ادامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمى جمرة العقبة يوم النحر )
[ 1280 ] قوله في حديث أسامة ( ردفت رسول الله صلى الله عليه و سلم من عرفات ) هذا دليل على استحباب الركوب في الدفع من عرفات وعلى جواز الارداف على الدابة اذا كانت مطيقة وعلى جواز الارتداف مع اهل الفضل ولا يكون ذلك خلاف الادب قوله ( فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا ) فقوله فصببت عليه الوضوء الوضوء هنا بفتح الواو وهو الماء الذي يتوضأ به وسبق فيه لغة أنه يقال بالضم وليست بشيء وقوله ( فتوضأ وضوءا خفيفا ) يعني توضأ وضوء الصلاة وخففه بأن توضأ مرة مرة أو خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته صلى الله عليه و سلم وهذا معنى قوله في الرواية الأخرى فلم يسبغ الوضوء أي لم يفعله على

(9/25)


العادة وفيه دليل على جواز الاستعانة في الوضوء قال أصحابنا الاستعانة فيه ثلاثة أقسام أحدها أن يستعين في احضار الماء من البئر والبيت ونحوهما وتقديمه إليه وهذا جائز ولا يقال أنه خلاف الأولى والثاني أن يستعين بمن يغسل الاعضاء فهذا مكروه كراهة تنزيه الا أن يكون معذورا بمرض أو غيره والثالث أن يستعين بمن يصب عليه فإن كان لعذر فلا بأس وإلا فهو خلاف الأولى وهل يسمى مكروها فيه وجهان لاصحابنا أصحهما ليس بمكروه لأنه لم يثبت فيه نهى وأما استعانة النبي صلى الله عليه و سلم بأسامة والمغيرة بن شعبة في غزوة تبوك وبالربيع بنت معوذ فلبيان الجواز ويكون أفضل في حقه حينئذ لأنه مأمور بالبيان والله أعلم قوله ( قلت الصلاة يا رسول الله فقال الصلاة أمامك ) معناه أن أسامة ذكره بصلاة المغرب وظن أن النبي صلى الله عليه و سلم نسيها حيث أخرها عن العادة المعروفة في غير هذه الليلة فقال له النبي صلى الله عليه و سلم الصلاة أمامك أي ان الصلاة في هذه الليلة مشروعه فيما بين يديك أي في المزدلفة ففيه استحباب تذكير التابع المتبوع بما تركه خلاف العادة ليفعله أو يعتذر عنه أو يبين له وجه صوابه وإن مخالفته للعادة سببها كذا وكذا وأما قوله صلى الله عليه و سلم الصلاة أمامك ففيه أن السنة في هذا الموضع في هذه الليلة تأخير المغرب إلى العشاء والجمع بينهما في المزدلفة وهو كذلك بإجماع المسلمين وليس هو بواجب بل سنة فلو صلاهما في طريقه أو صلى كل واحدة في وقتها جاز وقال بعض أصحاب مالك ان صلى المغرب في وقتها لزمه اعادتها وهذا شاذ ضعيف [ 1281 ] قوله ( لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة ) دليل على أنه يستديم التلبية حتى يشرع في رمى جمرة العقبة غداة يوم النحر وهذا مذهب الشافعي

(9/26)


وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأبي ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ومن بعدهم وقال الحسن البصري يلبي حتى يصلي الصبح يوم عرفة ثم يقطع وحكى عن علي وبن عمر وعائشة ومالك وجمهور فقهاء المدينة أنه يلبي حتى تزول الشمس يوم عرفة ولا يلبي بعد الشروع في الوقوف وقال أحمد وإسحاق وبعض السلف يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة ودليل الشافعي والجمهور هذا الحديث الصحيح مع الأحاديث بعده ولا حجة للآخرين في مخالفتها فيتعين اتباع السنة [ 1282 ] وأما قوله في الرواية الأخرى ( لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ) فقد يحتج به أحمد وإسحاق لمذهبهما ويجيب الجمهور عنه بأن المراد حتى شرع في الرمي ليجمع بين الروايتين قوله ( غداة جمع ) هي بفتح الجيم وإسكان الميم وهي المزدلفة وسبق بيانها قوله صلى الله عليه و سلم ( عليكم بالسكينة ) هذا إرشاد إلى الأدب والسنة في السير تلك الليلة ويلحق بها سائر مواضع الزحام قوله ( وهو كاف ناقته ) أي يمنعها الاسراع قوله ( دخل محسرا وهو من منى ) الخ أما محسر فسبق ضبطه وبيانه في حديث جابر في صفة حجة النبي صلى الله عليه و سلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم ( بحصى الخذف ) قال العلماء هو نحو حبة الباقلا قال أصحابنا ولو رمى بأكبر منها أو

(9/27)


أصغر جاز وكان مكروها وأما قوله ( يشير بيده كما يخذف الانسان ) فالمراد به الايضاح وزيادة البيان لحصى الخذف وليس المراد أن الرمي يكون على هيئة الخذف وإن كان بعض أصحابنا قد قال باستحباب ذلك لكنه غلط والصواب أنه لا يستحب كون الرمي على هيئة الخذف فقد ثبت حديث عبد الله بن المغفل عن النبي صلى الله عليه و سلم في النهي عن الخذف وإنما معنى هذه الاشارة ما قدمناه والله أعلم [ 1283 ] قوله ( قال عبد الله ونحن بجمع سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام لبيك اللهم لبيك ) فيه دليل على استحباب إدامة التلبية بعد الوقوف بعرفات وهو مذهب الجمهور كما سبق وفيه دليل على جواز قول سورة البقرة وسورة النساء وشبه ذلك وكره ذلك بعض الأوائل وقال إنما يقال السورة التي تذكر فيها البقرة والسورة التي تذكر فيها النساء وشبه ذلك والصواب جواز قول سورة البقرة وسورة النساء وسورة المائدة وغيرها وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة

(9/28)


من كلام النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة رضي الله عنهم كحديث من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه والله أعلم وأما قول عبد الله بن مسعود سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة فإنما خص البقرة لأن معظم أحكام المناسك فيها فكأنه قال هذا مقام من أنزلت عليه المناسك وأخذ عنه الشرع وبين الأحكام فاعتمدوه وأراد بذلك الرد على من يقول بقطع التلبية من الوقوف بعرفات وهذا معنى قوله في الرواية الثانية أن عبد الله لبى حين أفاض من جمع فقيل أعرابي هذا فقال بن مسعود ما قال إنكارا على المعترض وردا عليه والله أعلم
( باب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات في يوم عرفة )
[ 1284 ] قوله ( غدونا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر ) وفي

(9/29)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية