صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

4060 - قوله : ( إن يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة ، فأكل منها ، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألها عن ذاك قالت : أردت لأقتلك قال : ( وما كان الله ليسلطك على ذاك قال : أو قال : علي قالوا : ألا نقتلها ؟ . قال : لا . قال : فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي الرواية الأخرى : ( جعلت سما في لحم )
أما ( السم )
فبفتح السين وضمها وكسرها ، ثلاث لغات ، الفتح أفصح ، جمعه سمام وسموم .
وأما ( اللهوات )
فبفتح اللام والهاء جمع لهاة بفتح اللام ، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك . قاله الأصمعي ، وقيل : اللحمات اللواتي في سقف أقصى الفم .
وقوله : ( ما زلت أعرفها )
أي العلامة ، كأنه بقي للسم علامة وأثر من سواد أو غيره .
وقولهم : ( ألا نقتلها )
هي بالنون في أكثر النسخ ، وفي بعضها بتاء الخطاب .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما كان الله ليسلطك على ذاك أو قال : علي )
فيه بيان عصمته صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم كما قال الله : { والله يعصمك من الناس } وهي معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سلامته من السم المهلك لغيره ، وفي إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة ، وكلام عضو منه له ، فقد جاء في غير مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الذراع تخبرني أنها مسمومة ) وهذه المرأة اليهودية الفاعلة للسم اسمها زينب بنت الحارث أخت مرحب اليهودي ، روينا تسميتها هذه في مغازي موسى بن عقبة ، ودلائل النبوة للبيهقي . قال القاضي عياض : واختلف الآثار والعلماء هل قتلها النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ فوقع في صحيح مسلم ( أنهم قالوا : ألا نقتلها ؟ قال : لا ) ومثله عن أبي هريرة وجابر ، وعن جابر من رواية أبي سلمة أنه صلى الله عليه وسلم قتلها . وفي رواية ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور ، وكان أكل منها فمات بها ، فقتلوها . وقال ابن سحنون : أجمع أهل الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها . قال القاضي : وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولا حين اطلع على سمها . وقيل له : اقتلها فقال : لا ، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصا ، فيصبح قولهم : لم يقتلها أي في الحال ، ويصح قولهم : قتلها أي بعد ذلك . والله أعلم .

(7/329)


ذكر في الباب الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يرقي المريض ، وقد سبقت المسألة مستوفاة في الباب السابق في أول الطب .

(7/330)


4061 - قولها : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ، ثم قال : أذهب الباس . . . إلى آخره )
فيه استحباب مسح المريض باليمين ، والدعاء له ، وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار ، وهذا المذكور هنا من أحسنها .
ومعنى ( لا يغادر سقما )
أي لا يترك ، والسقم بضم السين وإسكان القاف ، وبفتحهما ، لغتان .

(7/331)


4065 - قولها : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات )
هي بكسر الواو ، ( والنفث ) نفخ لطيف بلا ريق . فيه استحباب النفث في الرقية ، وقد أجمعوا على جوازه ، واستحبه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . قال القاضي : وأنكر جماعة النفث والتفل في الرقى ، وأجازوا فيها النفخ بلا ريق ، وهذا المذهب والفرق إنما يجيء على قول ضعيف . قيل : إن النفث معه ريق . قال : وقد اختلف العلماء في النفث والتفل ، فقيل هما بمعنى ، ولا يكونان إلا بريق . قال أبو عبيد : يشترط في التفل ريق يسير ، ولا يكون في النفث ، وقيل عكسه . قال : وسئلت عائشة عن نفث النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية ، فقالت : كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه . قال : ولا اعتبار بما يخرج عليه من بلة ، ولا يقصد ذلك ، وقد جاء في حديث الذي رقى بفاتحة الكتاب : فجعل يجمع بزاقه ويتفل . والله أعلم .
قال القاضي : وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفس المباشرة للرقية ، والذكر الحسن . لكن قال : كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى . وكان مالك ينفث إذا رقى نفسه ، وكان يكره الرقية بالحديدة والملح ، والذي يعقد ، والذي يكتب خاتم سليمان ، والعقد عنده أشد كراهة لما في ذلك من مشابهة السحر . والله أعلم .
وفي هذا الحديث استحباب الرقية بالقرآن وبالأذكار ، وإنما رقى بالمعوذات لأنهن جامعات للاستعاذة من كل المكروهات جملة وتفصيلا ، ففيها الاستعاذة من شر ما خلق ، فيدخل فيه كل شيء ، ومن شر النفاثات في العقد ، ومن شر السواحر ، ومن شر الحاسدين ، ومن شر الوسواس الخناس . والله أعلم .

(7/332)


أما
الحمة
فسبق بيانها في الباب قبله ،
والعين
سبق بيانها قبل ذلك ،
وأما ( النملة )
فبفتح النون وإسكان الميم وهي قروح تخرج في الجنب . قال ابن قتيبة وغيره : كانت المجوس تزعم أن ولد الرجل من أخته إذا خط على النملة يشفي صاحبها . وفي هذه الأحاديث استحباب الرقى لهذه العاهات والأدواء ، وقد سبق بيان ذلك مبسوطا والخلاف فيه .

(7/333)


4067 - قولها : ( رخص في الرقية من كل ذي حمة )
هي بحاء مهملة مضمومة ثم ميم مخففة ، وهي السم ، ومعناه أذن في الرقية من كل ذات سم .

(7/334)


4069 - قولها : ( قال النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه هكذا ، ووضع سفيان سبابته بالأرض ، ثم رفعها باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا )
قال جمهور العلماء : المراد بأرضنا هنا جملة الأرض ، وقيل : أرض المدينة خاصة لبركتها . والريقة أقل من الريق . ومعنى الحديث أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء ، فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل ، ويقول هذا الكلام في حال المسح . والله أعلم . قال القاضي : واختلف قول مالك في رقية اليهودي والنصراني المسلم ، وبالجواز قال الشافعي .

(7/335)


4073 - قوله : ( رخص في الرقية من العين والحمة والنملة )
ليس معناه تخصيص جوازها بهذه الثلاثة ، وإنما معناه سئل عن هذه الثلاثة فأذن فيها ، ولو سئل عن غيرها لأذن فيه ، وقد أذن لغير هؤلاء ، وقد رقى هو صلى الله عليه وسلم في غير هذه الثلاثة . والله أعلم .

(7/336)


4074 - قوله : ( رأى بوجهها سفعة فقال : بها نظرة فاسترقوا لها )
يعني بوجهها صفرة . أما ( السفعة ) فبسين مهملة مفتوحة ثم فاء ساكنة ، وقد فسرها في الحديث بالصفرة ، وقيل سواد ، وقال ابن قتيبة هي لون يخالف لون الوجه ، وقيل أخذة من الشيطان ، وهذا الحديث مما استدركه الدارقطني على البخاري ومسلم لعلة فيه . قال : رواه عقيل عن الزهري عن عروة مرسلا ، وأرسله مالك وغيره من أصحاب يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عروة . قال الدارقطني : وأسنده أبو معاوية ولا يصح . قال : وقال عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد ولم يضع شيئا . هذا كلام الدارقطني .

(7/337)


4075 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة ؟ )
بالضاد المعجمة أي نحيفة ، والمراد أولاد جعفر رضي الله عنه .

(7/338)


4080 - حديث ( أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وأن رجلا رقى سيد الحي ) هذا الراقي أبو سعيد الخدري الراوي ، كذا جاء مبينا في رواية أخرى في غير مسلم .
قوله : ( فأعطي قطيعا من غنم )
القطيع هو الطائفة من الغنم وسائر النعم . قال أهل اللغة : الغالب استعماله فيما بين العشر والأربعين ، وقيل : ما بين خمس عشرة إلى خمس وعشرين ، وجمعه أقطاع وأقطعة وقطعان وقطاع وأقاطيع كحديث وأحاديث ، والمراد بالقطيع المذكور في هذا الحديث ثلاثون شاة كذا جاء مبينا .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما أدراك أنها رقية ؟ )
فيه التصريح بأنها رقية ، فيستحب أن يقرأ بها على اللديغ والمريض وسائر أصحاب الأسقام والعاهات .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم )
هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر ، وأنها حلال لا كراهة فيها ، وكذا الأجرة على تعليم القرآن ، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور وآخرين من السلف ومن بعدهم ، ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن ، وأجازها في الرقية .
قوله : ( ويجمع بزاقه ويتفل )
هو بضم الفاء وكسرها ، وسبق بيان مذاهب العلماء في التفل والنفث .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( واضربوا لي بسهم معكم ) وفي الرواية الأخرى ( أقسموا واضربوا لي بسهم معكم ) فهذه القسمة من باب المروءات والتبرعات ومواساة الأصحاب والرفاق ، وإلا فجميع الشياه ملك للراقي مختصة به ، لا حق للباقين فيها عند التنازع ، فقاسمهم تبرعا وجودا ومروءة ،
وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( واضربوا لي بسهم ) فإنما قاله تطييبا لقلوبهم ، ومبالغة في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه ، وقد فعل صلى الله عليه وسلم في حديث العنبر ، وفي حديث أبي قتادة في حمار الوحش مثله .

(7/339)


4081 - قوله : ( سيد الحي سليم )
أي لديغ . قالوا : سمي بذلك تفاؤلا بالسلام ، وقيل : لأنه مستسلم لما به .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( أقسموا واضربوا لي بسهم معكم )
وفي الرواية الأخرى ( واضربوا لي بسهم معكم ) فهذه القسمة من باب المروءات والتبرعات ومواساة الأصحاب والرفاق ، وإلا فجميع الشياه ملك للراقي مختصة به ، لا حق للباقين فيها عند التنازع ، فقاسمهم تبرعا وجودا ومروءة ،
وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( واضربوا لي بسهم ) فإنما قاله تطييبا لقلوبهم ، ومبالغة في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه ، وقد فعل صلى الله عليه وسلم في حديث العنبر ، وفي حديث أبي قتادة في حمار الوحش مثله .
قوله : ( ما كنا نأبنه برقية )
هو بكسر الباء وضمها أي نظنه كما سبق في الرواية التي قبلها ، وأكثر ما يستعمل هذا اللفظ بمعنى نتهمه ، ولكن المراد هنا نظنه كما ذكرناه . والله أعلم .

(7/340)


4082 - حديث عثمان بن أبي العاص ، ومقصوده أنه يستحب وضع يده على موضع الألم ، ويأتي بالدعاء المذكور والله أعلم .

(7/341)


4083 - قوله : ( إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك شيطان يقال له خنزب ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه ، واتفل على يسارك ثلاثا ففعلت ذلك ، فأذهبه الله عني )
أما ( خنزب )
فبخاء معجمة مكسورة ثم نون ساكنة ثم زاي مكسورة ومفتوحة ، ويقال أيضا بفتح الخاء والزاي ، حكاه القاضي ، ويقال أيضا بضم الخاء وفتح الزاي ، حكاه ابن الأثير في النهاية ، وهو غريب . وفي هذا الحديث استحباب التعوذ من الشيطان عن وسوسته مع التفل عن اليسار ثلاثا ،
ومعنى ( يلبسها )
أي يخلطها ويشككني فيها ، وهو بفتح أوله وكسر ثالثه ،
ومعنى ( حال بيني وبينها )
أي نكدني فيها ، ومنعني لذتها ، والفراغ للخشوع فيها .

(7/342)


قال القاضي : في هذه الأحاديث جمل من علوم الدين والدنيا ، وصحة علم الطب ، وجواز التطبب في الجملة ، واستحبابه بالأمور المذكورة في هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم ، وفيها رد على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية ، وقال كل شيء بقضاء وقدر ، فلا حاجة إلى التداوي . وحجة العلماء هذه الأحاديث ، ويعتقدون أن الله تعالى هو الفاعل ، وأن التداوي هو أيضا من قدر الله ، وهذا كالأمر بالدعاء ، وكالأمر بقتال الكفار ، وبالتحصن ، ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة ، مع أن الأجل لا يتغير ، والمقادير لا تتأخر ، ولا تتقدم عن أوقاتها ، ولا بد من وقوع المقدرات . والله أعلم . قال الإمام أبو عبد الله المازري : ذكر مسلم هذه الأحاديث الكثيرة في الطب والعلاج ، وقد اعترض في بعضها من في قلبه مرض ، فقال : الأطباء مجمعون على أن العسل مسهل ، فكيف يوصف لمن به الإسهال ؟ ومجمعون أيضا أن استعمال المحموم الماء البارد مخاطرة قريب من الهلاك ؛ لأنه يجمع المسام ، ويحقن البخار ، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم ، فيكون سببا للتلف ، وينكرون أيضا مداواة ذات الجنب بالقسط ، مع ما فيه من الحرارة الشديدة ، ويرون ذلك خطرا . قال المازري : وهذا الذي قاله هذا المعترض جهالة بينة ، وهو فيها كما قال الله تعالى : { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه }
أما ما اعترض به الملحد المذكور فنقول في إبطاله : إن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفصيل ، حتى إن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة ، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها بعارض يعرض من غضب يحمي مزاجه ، فيغير علاجه ، أو هواء يتغير ، أو غير ذلك مما لا تحصى كثرته . فإذا وجد الشفاء بشيء في حالة بالشخص لم يلزم منه الشفاء به في سائر الأحوال وجميع الأشخاص . والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والغذاء والعادة المتقدمة ، والتدبير المألوف ، وقوة الطباع . فإذا عرفت ما ذكرناه فاعلم أن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة منها الإسهال الحادث من التخم والهيضات ، وقد أجمع الأطباء في مثل هذا على أن علاجه بأن يترك الطبيعة وفعلها ، وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية ، فأما حبسها فضرر عندهم ، واستعجال مرض ، فيحتمل أن يكون هذا الإسهال للشخص المذكور في الحديث أصابه من امتلاء أو هيضة فدواؤه ترك إسهاله على ما هو ، أو تقويته . فأمره صلى الله عليه وسلم بشرب العسل فرآه إسهالا . فزاده عسلا إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال ، ويكون الخلط الذي كان يوافقه شرب العسل ، فثبت بما ذكرناه أن العسل جار على صناعة الطب ، وأن المعترض عليه جاهل لها ، ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث بقول الأطباء ، بل لو كذبوه كذبناهم وكفرناهم ، فلو أوجدوا المشاهدة بصحة دعواهم تأولنا كلامه صلى الله عليه وسلم حينئذ ، وخرجناه على ما يصح ، فذكرنا هذا الجواب وما بعده عدة للحاجة إليه إن اعتضدوا بمشاهدة ، وليظهر به جهل المعترض ، وأنه لا يحسن الصناعة التي اعترض بها وانتسب إليها ، وكذلك القول في الماء البارد للمحموم ؛ فإن المعترض يقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يقل أكثر من قوله : ( أبردوها بالماء ) ولم يبين صفته وحالته والأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية يبرد صاحبها بسقي الماء البارد الشديد البرودة ، ويسقوه الثلج ، ويغسلون أطرافه بالماء البارد ، فلا يبعد أنه صلى الله عليه وسلم أراد هذا النوع من الحمى والعسل على نحو ما قالوه ، وقد ذكر مسلم هنا في صحيحه عن أسماء رضي الله عنها أنها كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة ، فتصب الماء في جيبها ، وتقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( أبردوها بالماء ) فهذه أسماء راوية الحديث ، وقربها من النبي صلى الله عليه وسلم معلوم تأولت الحديث على نحو ما قلناه ، فلم يبق للملحد المعترض إلا اختراعه الكذب واعتراضه به ، فلا يلتفت إليه . وأما إنكارهم الشفاء من ذات الجنب بالقسط فباطل ؛ فقد قال بعض قدماء الأطباء : إن ذات الجنب إذا حدثت من البلغم كان القسط من علاجها ، وقد ذكر جالينوس وغيره أنه ينفع من وجع الصدر ، وقال بعض قدماء الأطباء : ويستعمل حيث يحتاج إلى إسخان عضو من الأعضاء ، وحيث يحتاج إلى أن يجذب الخلط من باطن البدن إلى ظاهره ، وهكذا قاله ابن سينا وغيره ، وهذا يبطل ما زعمه هذا المعترض الملحد .

(7/343)


4084 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله )
الدواء بفتح الدال ممدود ، وحكى جماعات منهم الجوهري فيه لغة بكسر الدال . قال القاضي : هي لغة الكلابيين ، وهو شاذ . وفي هذا الحديث إشارة إلى استحباب الدواء ، وهو مذهب أصحابنا ، وجمهور السلف ، وعامة الخلف .
قوله صلى الله عليه وسلم ( لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله ) فهذا فيه بيان واضح ، لأنه قد علم أن الأطباء يقولون : المرض هو خروج الجسم عن المجرى الطبيعي ، والمداواة رده إليه ، وحفظ الصحة بقاؤه عليه ، فحفظها يكون بإصلاح الأغذية وغيرها ، ورده يكون بالموافق من الأدوية المضادة للمرض ، وبقراط يقول : الأشياء تداوى بأضدادها ، ولكن قد يدق ويغمض حقيقة المرض ، وحقيقة طبع الدواء ، فيقل الثقة بالمضادة ، ومن هاهنا يقع الخطأ من الطبيب فقط ، فقد يظن العلة عن مادة حارة فيكون عن غير مادة ، أو عن مادة باردة أو عن مادة حارة دون الحرارة التي ظنها ، فلا يحصل الشفاء ، فكأنه صلى الله عليه وسلم نبه بآخر كلامه على ما قد يعارض به أوله ، فيقال قلت : لكل داء دواء ، ونحن نجد كثيرين من المرضى يداوون فلا يبرءون ، فقال : إنما ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة ، لا لفقد الدواء ، وهذا واضح . والله أعلم .

(7/344)


4085 - قوله : ( أن جابر بن عبد الله عاد المقنع )
هو بفتح القاف والنون المشددة .

(7/345)


4086 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة من عسل أو لذعة بنار )
. فهذا من بديع الطب عند أهله ، لأن الأمراض الامتلائية دموية ، أو صفراوية ، أو سوداوية ، أو بلغمية ، فإن كانت دموية فشفاؤها إخراج الدم ، وإن كانت من الثلاثة الباقية فشفاؤها بالإسهال بالمسهل اللائق لكل خلط منها ، فكأنه نبه صلى الله عليه وسلم بالعسل على المسهلات ، وبالحجامة على إخراج الدم بها ، وبالفصد ، ووضع العلق ، وغيرها مما في معناها ، وذكر الكي لأنه يستعمل عند عدم نفع الأدوية المشروبة ونحوها ، فآخر الطب الكي .
وأما قوله : ( شرطة محجم ) فالمراد بالمحجم هنا الحديدة التي يشرط بها موضع الحجامة ليخرج الدم .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما أحب أن أكتوي )
إشارة إلى تأخير العلاج بالكي حتى يضطر إليه ، لما فيه من استعمال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي .
قوله : ( يشتكي خراجا )
هو بضم الخاء وتخفيف الراء .
قوله : ( أعلق فيه محجما )
هو بكسر الميم وفتح الجيم ، وهي الآلة التي تمص ويجمع بها موضع الحجامة .
قوله : ( فلما رأى تبرمه )
أي : تضجره وسآمته منه .

(7/346)


4089 - قوله : ( عن جابر بن عبد الله قال : رمي أبي يوم الأحزاب على أكحله ، فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم )
فقوله : ( أبي )
بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الباء ، وهكذا صوابه ، وكذا هو في الروايات والنسخ وهو أبي بن كعب المذكور في الرواية التي قبل هذه ، وصحفه بعضهم فقال : بفتح الهمزة وكسر الباء وتخفيف الباء ، وهو غلط فاحش ، لأن أبا جابر استشهد يوم أحد قبل الأحزاب بأكثر من سنة . وأما الأكحل فهو عرق معروف ، قال الخليل : هو عرق الحياة ، يقال : هو نهر الحياة ، ففي كل عضو شعبة منه ، وله فيها اسم منفرد ، فإذا قطع في اليد لم يرقأ الدم . وقال غيره : هو عرق واحد يقال له في اليد الأكحل ، وفي الفخذ النسا ، وفي الظهر الأبهر . وأما الكلام في أجرة الحجام فسبق .

(7/347)


4090 - قوله : ( فحسمه )
أي كواه ليقطع دمه ، وأصل الحسم القطع .

(7/348)


4093 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء )
وفي رواية ( من فور جهنم ) هو بفتح الفاء فيهما ، وهو شدة حرها ولهبها وانتشارها . وأما ( أبردوها ) فبهمزة وصل وبضم الراء ، يقال : بردت الحمى أبردها بردا على وزن قتلتها قتلا أي أسكنت حرارتها ، وأطفأت لهبها . كما قال في الرواية الأخرى : ( فأطفئوها بالماء ) وهذا الذي ذكرناه في كونه بهمزة وصل وضم الراء هو الصحيح الفصيح المشهور في الروايات وكتب اللغة وغيرها ، وحكى القاضي عياض في المشارق أنه يقال بهمزة قطع وكسر الراء في لغة قد حكاه الجوهري ، وقال : هي لغة رديئة . وفي هذا الحديث دليل لأهل السنة أن جهنم مخلوقة الآن موجودة .

(7/349)


4094 - سبق شرحه بالباب

(7/350)


4095 - سبق شرحه بالباب

(7/351)


4096 - سبق شرحه بالباب

(7/352)


4097 - سبق شرحه بالباب

(7/353)


4098 - قوله ( عن أسماء أنها كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة فتدعو بالماء فتصبه في جيبها وتقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ابردوها بالماء )
وفي رواية ( صبت الماء بينها وبين جيبها ) قال القاضي : هذا يرد قول الأطباء ، ويصحح حصول البرء باستعمال المحموم الماء ، وأنه على ظاهره ، لا على ما سبق من تأويل المازري . قال : ولولا تجربة أسماء لمنفعته لما استعملوه .

(7/354)


4099 - سبق شرحه بالباب

(7/355)


4100 - سبق شرحه بالباب

(7/356)


4101 - قولها : ( لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ، فأشار أن لا تلدوني ، فقلنا : كراهية المريض للدواء ، فلما أفاق قال : لا يبقى منكم أحد إلا لد غير العباس فإنه لم يشهدكم )
قال أهل اللغة اللدود بفتح اللام هو الدواء الذي يصب في أحد جانبي فم المريض ويسقاه ، أو يدخل هناك بأصبع وغيرها ويحنك به ، ويقال منه لددته ألده ، وحكى الجوهري أيضا ألددته رباعيا ، والتددت أنا . قال الجوهري : ويقال للدود لديد أيضا ، وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بلدهم عقوبة لهم حين خالفوه في إشارته إليهم : لا تلدوني . ففيه أن الإشارة المفهمة كصريح العبارة في نحو هذه المسألة . وفيه تعزيز المتعدي بنحو من فعله الذي تعدى به ، إلا أن يكون فعلا محرما .

(7/357)


4102 - قولها : ( دخلت عليه بابن لي قد أعلقت عليه من العذرة ، فقال : علام تدغرن أولادكن بهذا العلاق ، عليكن بهذا العود الهندي ، فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب يسعط من العذرة ، ويلد من ذات الجنب ) .
أما قولها : ( أعلقت عليه )
فهكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم ( عليه ) ووقع في صحيح البخاري من رواية معمر وغيره ( عليه ) فأعلقت عليه كما هنا . ومن رواية سفيان بن عيينة ( فأعلقت عنه ) بالنون ، وهذا هو المعروف عند أهل اللغة . قال الخطابي : المحدثون يروونه ( أعلقت عليه ) ، والصواب ( عنه ) وكذا قاله غيره ، وحكاهما بعضهم لغتين : أعلقت عنه ، وعليه ، ومعناه عالجت وجع لهاته بأصبعي ،
وأما ( العذرة )
فقال العلماء هي بضم العين وبالذال المعجمة ، وهي وجع في الحلق يهيج من الدم ، يقال في علاجها : عذرته ، فهو معذور . وقيل : هي قرحة تخرج في الخرم الذي بين الحلق والأنف ، تعرض للصبيان غالبا عند طلوع العذرة ، وهي خمسة كواكب تحت الشعرى العبور ، وتسمى العذارى ، وتطلع في وسط الحز ، وعادة النساء في معالجة العذرة أن تأخذ المرأة خرقة فتفتلها فتلا شديدا وتدخلها في أنف الصبي ، وتطعن ذلك الموضع ، فينفجر منه دم أسود ، وربما أقرحته ، وذلك الطعن يسمى دغرا وغدرا . فمعنى ( تدغرن أولادكن ) أنها تغمز حلق الولد بأصبعها ، فترفع ذلك الموضع ، وتكبسه .
وأما ( العلاق )
فبفتح العين وفي الرواية الأخرى ( الإعلاق ) وهو الأشهر عند أهل اللغة حتى زعم بعضهم أنه الصواب ، وأن العلاق لا يجوز . قالوا : والإعلاق مصدر أعلقت عنه ، ومعناه أزلت عنه العلوق ، وهي الآفة والداهية ، والإعلاق هو معالجة عذرة الصبي ، وهي وجع حلقه كما سبق . قال ابن الأثير : ويجوز أن يكون العلاق هو الاسم منه .
وأما ( ذات الجنب )
فعلة معروفة . والعود الهندي يقال له : القسط ، والكست لغتان مشهورتان .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( علامه تدغرن أولادكن )
هكذا هو في جميع النسخ ( علامه ) وهي هاء السكت ثبتت هنا في الدرج .
وأما
قوله صلى الله عليه وسلم : ( فيه سبعة أشفية )
فقد أطبق الأطباء في كتبهم على أنه يدر الطمث والبول ، وينفع من السموم ، ويحرك شهوة الجماع ، ويقتل الدود وحب القرع في الأمعاء إذا شرب بعسل ، ويذهب الكلف إذا طلي عليه ، وينفع من برد المعدة والكبد ، ويردهما ، ومن حمى الورد والربع ، وغير ذلك ، وهو صنفان بحري وهندي ، والبحري هو القسط الأبيض ، وهو أكثر من صنفين ، ونص بعضهم أن البحري أفضل من الهندي ، وهو أقل حرارة منه ، وقيل : هما حاران يابسان في الدرجة الثالثة ، والهندي أشد حرا في الجزء الثالث من الحرارة ، وقال ابن سينا : القسط حار في الثالثة يابس في الثانية . فقد اتفق العلماء على هذه المنافع التي ذكرناها في القسط ، فصار ممدوحا شرعا وطبا ، وإنما عددنا منافع القسط من كتب الأطباء لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر منها عددا مجملا .

(7/358)


4103 - سبق شرحه بالباب

(7/359)


4104 - وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام )
فيحمل أيضا على العلل الباردة على نحو ما سبق في القسط ، وهو صلى الله عليه وسلم قد يصف بحسب ما شاهده من غالب أحوال أصحابه رضي الله عنهم . وذكر القاضي عياض كلام المازري الذي قدمناه ، ثم قال : وذكر الأطباء في منفعة الحبة السوداء التي هي الشونيز أشياء كثيرة ، وخواص عجيبة ، يصدقها قوله صلى الله عليه وسلم فيها ؛ فذكر جالينوس أنها تحل النفخ ، وتقل ديدان البطن إذا أكل أو وضع على البطن ، وتنفي الزكام إذا قلي وصر في خرقة وشم ، وتزيل العلة التي تقشر منها الجلد ، وتقلع الثآليل المتعلقة والمنكسة والخيلان ، وتدر الطمث المنحبس إذا كان انحباسه من أخلاط غليظة لزجة ، وينفع الصداع إذا طلي به الجبين ، وتقلع البثور والجرب ، وتحلل الأورام البلغمية إذا تضمد به مع الخل ، وتنفع من الماء العارض في العين إذا استعط به مسحوقا بدهن الأرليا ، وتنفع من انتصاب النفس ، ويتمضمض به من وجع الأسنان ، وتدر البول واللبن ، وتنفع من نهشة الرتيلا ، وإذا بخر به طرد الهوام . قال القاضي : وقال غير جالينوس ؛ خاصيته إذهاب حمى البلغم والسوداء ، وتقتل حب القرع ، وإذا علق في عنق المزكوم نفعه ، وينفع من حمى الربع . قال : ولا يبعد منفعة الحار من أدواء حارة بخواص فيها ، فقد نجد ذلك في أدوية كثيرة ، فيكون الشونيز منها لعموم الحديث ، ويكون استعماله أحيانا منفردا ، وأحيانا مركبا . قال القاضي : وفي جملة هذه الأحاديث ما حواه من علوم الدين والدنيا ، وصحة علم الطب ، وجواز التطبب في الجملة ، واستحبابه بالأمور المذكورة من الحجامة ، وشرب الأدوية ، والسعوط ، واللدود ، وقطع العروق ، والرقى قال : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أنزل الدواء الذي أنزل الداء ) هذا إعلام لهم ، وإذن فيه ، وقد يكون المراد بإنزاله إنزال الملائكة الموكلين بمباشرة مخلوقات الأرض من داء ودواء . وذكر بعض الأطباء في قوله صلى الله عليه وسلم : ( شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار ) أنه إشارة إلى جميع ضروب المعافاة والله أعلم .
قوله : ( والحبة السوداء الشونيز )
هذا هو الصواب المشهور الذي ذكره الجمهور . قال القاضي : وذكر الحربي عن الحسن أنها الخردل . قال : وقيل : هي الحبة الخضراء ، وهي البطم ، والعرب تسمي الأخضر أسود ، ومنه سواد العراق لخضرته بالأشجار ، وتسمي الأسود أيضا أخضر .

(7/360)


4105 - سبق شرحه بالباب

(7/361)


4106 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( التلبينة مجمة لفؤاد المريض ، وتذهب بعض الحزن )
أما ( مجمة ) فبفتح الميم والجيم ، ويقال بضم الميم وكسر الجيم ، أي تريح فؤاده ، وتزيل عنه الهم ، وتنشطه . والجمام المستريح كأهل النشاط . وأما ( التلبينة ) فبفتح التاء وهي حساء من دقيق أو نخالة . قالوا : وربما جعل فيها عسل . قال الهروي وغيره : سميت تلبينة تشبيها باللبن لبياضها ورقتها . وفيه استحباب التلبينة للمحزون .

(7/362)


4107 - قوله : ( إن أخي عرب بطنه )
هو بفتح العين وكسر الراء معناه فسدت معدته .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( صدق الله وكذب بطن أخيك )
المراد قوله تعالى : { يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس } وهو العسل ، وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن الضمير في قوله تعالى : { فيه شفاء } يعود إلى الشراب الذي هو العسل ، وهو الصحيح ، وهو قول ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم ، وقال مجاهد الضمير عائد إلى القرآن ، وهذا ضعيف مخالف لظاهر القرآن ولصريح هذا الحديث الصحيح . قال بعض العلماء : الآية على الخصوص أي شفاء من بعض الأدواء ، ولبعض الناس ، وكان داء هذا المبطون مما يشفى بالعسل ، وليس في الآية تصريح بأنه شفاء من كل داء ، ولكن علم النبي صلى الله عليه وسلم أن داء هذا الرجل مما يشفى بالعسل . والله أعلم .

(7/363)


4108 - قوله صلى الله عليه وسلم في الطاعون ( إنه رجز أرسل على بني إسرائيل ، أو على من كان قبلكم ، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ) . وفي رواية ( إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم ثم بقي بعد بالأرض ، فيذهب المرة ، ويأتي الأخرى ، فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ، ومن وقع بأرض وهو بها فلا يخرجنه الفرار منه ) . وفي حديث عمر رضي الله عنه أن الوباء وقع بالشام .
وأما ( الطاعون )
فهو قروح تخرج في الجسد فتكون في المرافق أو الآباط أو الأيدي أو الأصابع وسائر البدن ، ويكون معه ورم وألم شديد ، وتخرج تلك القروح مع لهيب ، ويسود ما حواليه ، أو يخضر ، أو يحمر حمرة بنفسجية كدرة ، ويحصل معه خفقان القلب والقيء . وأما ( الوباء ) فقال الخليل وغيره : هو مرض الطاعون ، وقال : هو كل مرض عام . والصحيح الذي قاله المحققون أنه مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض دون سائر الجهات ، ويكون مخالفا للمعتاد من أمراض في الكثرة وغيرها ، ويكون مرضهم نوعا واحدا بخلاف سائر الأوقات ، فإن أمراضهم فيها مختلفة . قالوا : وكل طاعون وباء ، وليس كل وباء طاعونا . والوباء الذي وقع في الشام في زمن عمر كان طاعونا ، وهو طاعون عمواس ، وهي قرية معروفة بالشام ، وقد سبق في شرح مقدمة الكتاب في ذكر الضعفاء من الرواة عند ذكره طاعون الجارف بيان الطواعين ، وأزمانها ، وعددها ، وأماكنها ، ونفائس مما يتعلق بها . وجاء في هذه الأحاديث أنه أرسل على بني إسرائيل أو من كان قبلكم عذابا لهم . هذا الوصف وبكونه عذابا مختص بمن كان قبلنا ، وأما هذه الأمة فهو لها رحمة وشهادة ، ففي الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم : ( المطعون شهيد ) . وفي حديث آخر في غير الصحيحين ( أن الطاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء ، فجعله رحمة للمؤمنين ، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد ) وفي حديث آخر ( الطاعون شهادة لكل مسلم ) . وإنما يكون شهادة لمن صبر كما بينه في الحديث المذكور . وفي هذه الأحاديث منع القدوم على بلد الطاعون ، ومنع الخروج منه فرارا من ذلك . أما الخروج لعارض فلا بأس به ، وهذا الذي ذكرناه هو مذهبنا ومذهب الجمهور . قال القاضي : هو قول الأكثرين . قال : حتى قالت عائشة : الفرار منه كالفرار من الزحف . قال : ومنهم من جوز القدوم عليه والخروج منه فرارا . قال : وروي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأنه ندم على رجوعه من سرغ . وعن أبي موسى الأشعري ومسروق والأسود بن هلال أنهم فروا من الطاعون ، وقال عمرو بن العاص : فروا عن هذا الرجز في الشعاب والأودية ورءوس الجبال ، فقال معاذ : بل هو شهادة ورحمة . ويتأول هؤلاء النهي على أنه لم ينه عن الدخول عليه والخروج منه مخافة أن يصيبه غير المقدر ، لكن مخافة الفتنة على الناس ، لئلا يظنوا أن هلاك القادم إنما حصل بقدومه ، وسلامة الفار إنما كانت بفراره . قالوا : وهو من نحو النهي عن الطيرة والقرب من المجذوم ، وقد جاء عن ابن مسعود قال : الطاعون فتنة على المقيم والفار ، أما الفار فيقول : فررت فنجوت ، وأما المقيم فيقول : أقمت فمت ، وإنما فر من لم يأت أجله ، وأقام من حضر أجله والصحيح ما قدمناه من النهي عن القدوم عليه والفرار منه لظاهر الأحاديث الصحيحة . قال العلماء : وهو قريب المعنى من قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تتمنوا لقاء العدو ، واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ) وفي هذا الحديث الاحتراز من المكاره وأسبابها . وفيه التسليم لقضاء الله عند حلول الآفات . والله أعلم . واتفقوا على جواز الخروج بشغل وغرض غير الفرار ، ودليله صريح الأحاديث .
قوله في رواية أبي النضر ( لا يخرجكم إلا فرار منه )
وقع في بعض النسخ ( فرار ) بالرفع ، وفي بعضها ( فرارا ) بالنصب ، وكلاهما مشكل من حيث العربية ، والمعنى . قال القاضي : وهذه الرواية ضعيفة عند أهل العربية مفسدة للمعنى ؛ لأن ظاهرها المنع من الخروج لكل سبب إلا للفرار ، فلا منع منه ، وهذا ضد المراد . وقال جماعة : إن لفظة ( إلا ) هنا غلط من الراوي ، والصواب حذفها كما هو المعروف في سائر الروايات . قال القاضي : وخرج بعض محققي العربية لرواية النصب وجها فقال : هو منصوب على الحال . قال : ولفظة ( إلا ) هنا للإيجاب لا للاستثناء ، وتقديره لا تخرجوا إذا لم يكن خروجكم إلا فرارا منه . والله أعلم . واعلم أن أحاديث الباب كلها من رواية أسامة بن زيد ، وذكر في الطرق الثلاث في آخر الباب ما يوهم أو يقتضي أنه من رواية سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال القاضي وغيره : هذا وهم إنما هو من رواية سعد عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم .

(7/364)


4109 - سبق شرحه بالباب

(7/365)


4110 - سبق شرحه بالباب

(7/366)


4111 - سبق شرحه بالباب

(7/367)


4112 - سبق شرحه بالباب

(7/368)


4113 - سبق شرحه بالباب

(7/369)


4114 - أما ( الوباء )
فمهموز مقصور وممدود ، لغتان ، القصر أفصح وأشهر . قوله : ( حتى إذا كان بسرغ لقيه أهل الأجناد )
أما ( سرغ )
فبسين مهملة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم غين معجمة ، وحكى القاضي وغيره أيضا فتح الراء ، والمشهور إسكانها ، ويجوز صرفه وتركه ، وهي قرية في طرف الشام مما يلي الحجاز .
وقوله : ( أهل الأجناد )
وفي غير هذه الرواية : ( أمراء الأجناد ) والمراد بالأجناد هنا مدن الشام الخمس ، وهي فلسطين والأردن ودمشق وحمص وقنسرين ، هكذا فسروه ، واتفقوا عليه ، ومعلوم أن فلسطين اسم لناحية بيت المقدس ، والأردن اسم لناحية سيان وطبرية ، وما يتعلق بهما ، ولا يضر إطلاق اسم المدينة عليه .
قوله : ( ادع لي المهاجرين الأولين ، فدعا ، ثم دعا الأنصار ، ثم مشيخة قريش من مهاجرة الفتح )
إنما رتبهم هكذا على حسب فضائلهم . قال القاضي : المراد بالمهاجرين الأولين من صلى للقبلتين ، فأما من أسلم بعد تحويل القبلة فلا يعد فيهم . قال : وأما مهاجرة الفتح ، فقيل : هم الذين أسلموا قبل الفتح ، فحصل لهم فضل بالهجرة قبل الفتح ، إذ لا هجرة بعد الفتح ، وقيل : هم مسلمة الفتح الذين هاجروا بعده ، فحصل لهم اسم دون الفضيلة . قال القاضي : هذا أظهر ؛ لأنهم الذين يطلق عليهم مشيخة قريش . وكان رجوع عمر رضي الله عنه لرجحان طرف الرجوع لكثرة القائلين به ، وأنه أحوط ، ولم يكن مجرد تقليد لمسلمة الفتح ؛ لأن بعض المهاجرين الأولين وبعض الأنصار أشاروا بالرجوع ، وبعضهم بالقدوم عليه ، وانضم إلى المشيرين بالرجوع رأي مشيخة قريش ، فكثر القائلون به ، مع ما لهم من السن والخبرة وكثرة التجارب وسداد الرأي . وحجة الطائفتين واضحة مبينة في الحديث ، وهما مستمدان من أصلين في الشرع : أحدهما التوكل والتسليم للقضاء ، والثاني الاحتياط والحذر ومجانبة أسباب الإلقاء باليد إلى التهلكة . قال القاضي : وقيل : إنما رجع عمر لحديث عبد الرحمن بن عوف كما قال مسلم هنا في روايته عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله قال : إن عمر إنما انصرف بالناس عن حديث عبد الرحمن بن عوف . قالوا : ولأنه لم يكن ليرجع لرأي دون رأي حتى يجد علما وتأول هؤلاء .
قوله : ( إني مصبح على ظهر فأصبحوا )
فقالوا أي مسافر إلى الجهة التي قصدناها أولا ، لا للرجوع إلى المدينة ، وهذا تأويل فاسد ، ومذهب ضعيف ، بل الصحيح الذي عليه الجمهور ، وهو ظاهر الحديث أو صريحه ، أنه إنما قصد الرجوع أولا بالاجتهاد حين رأى الأكثرين على ترك الرجوع ، مع فضيلة المشيرين به ، وما فيه من الاحتياط ، ثم بلغه حديث عبد الرحمن ، فحمد الله تعالى ، وشكره على موافقة اجتهاده واجتهاد معظم أصحابه نص رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله : ( إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه ) هو بإسكان الصاد فيهما أي مسافر راكب على ظهر الراحلة ، راجع إلى وطني ، فأصبحوا عليه ، وتأهبوا له .
وأما قول مسلم : ( إنه رجع لحديث عبد الرحمن ) فيحتمل أن سالما لم يبلغه ما كان عمر عزم عليه من الرجوع قبل حديث عبد الرحمن له ، ويحتمل أنه أراد لم يرجع إلا بعد حديث عبد الرحمن . والله أعلم .
قوله : ( فقال أبو عبيدة : أفرارا من قدر الله ؟ فقال عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ‚ وكان عمر يكره خلافه نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصيبة والأخرى جدبة ، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ) ؟
أما ( العدوة )
فبضم العين وكسرها وهي جانب الوادي ،
( والجدبة )
بفتح الجيم وإسكان الدال المهملة ، وهي ضد الخصيبة . وقال صاحب التحرير : الجدبة هنا بسكون الدال وكسرها . قال : والخصبة كذلك . أما
قوله : ( لو غيرك قالها يا أبا عبيدة )
فجواب ( لو ) محذوف ، وفي تقديره وجهان ذكرهما صاحب التحرير وغيره . أحدهما لو قاله غيرك لأدبته ، لاعتراضه علي في مسألة اجتهادية وافقني عليها أكثر الناس ، وأهل الحل والعقد فيها . والثاني لو قالها غيرك لم أتعجب معه ، وإنما أتعجب من قولك أنت ذلك مع ما أنت عليه من العلم والفضل ، ثم ذكر له عمر دليلا واضحا من القياس الجلي الذي لا شك في صحته ، وليس ذلك اعتقادا منه أن الرجوع يرد المقدور ، وإنما معناه أن الله تعالى أمر بالاحتياط والحزم ومجانبة أسباب الهلاك كما أمر سبحانه وتعالى بالتحصن من سلاح العدو ، وتجنب المهالك ، وإن كان كل واقع فبقضاء الله وقدره السابق في علمه ، وقاس عمر على رعي العدوتين لكونه واضحا لا ينازع فيه أحد مع مساواته لمسألة النزاع .
قوله : ( أكنت معجزه )
هو بفتح العين وتشديد الجيم أي تنسبه إلى العجز ، مقصود عمر أن الناس رعية لي استرعانيها الله تعالى ، فيجب علي الاحتياط لها ، فإن تركته نسبت إلى العجز واستوجبت العقوبة . والله أعلم .
قوله : ( هذا المحل أو قال هذا المنزل )
هما بمعنى ، وهو بفتح الحاء وكسرها ، والفتح أقيس ، فإن ما كان على وزن ( فعل ) ومضارعه ( يفعل ) بضم ثالثه كان مصدره واسم الزمان والمكان ( مفعلا ) بالفتح كقعد يقعد مقعدا ، ونظائره ، إلا أحرفا شذت جاءت بالوجهين منها المحل .
قوله في الإسناد : ( عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن عباس )
قال الدارقطني كذا قال مالك ، وقال معمر ويونس : عن عبد الله بن الحارث . قال : والحديث صحيح على اختلافه . قال : وقد أخرجه مسلم من طريق يونس عن عبد الله بن الحارث ، وأما البخاري فلم يخرجه إلا من طريق مالك .
واعلم أن في حديث عمر هذا فوائد كثيرة : منها خروج الإمام بنفسه في ولايته في بعض الأوقات ليشاهد أحوال رعيته ، ويزيل ظلم المظلوم ، ويكشف كرب المكروب ، ويسد خلة المحتاج ، ويقمع أهل الفساد ، ويخافه أهل البطالة والأذى والولاة ، ويحذروا تجسسه عليهم ووصول قبائحهم إليه ، فينكفوا ، ويقيم في رعيته شعائر الإسلام ، ويؤدب من رآهم مخلين بذلك ، ولغير ذلك من المصالح . ومنها تلقي الأمراء ووجوه الناس الإمام عند قدومه ، وإعلامهم إياه بما حدث في بلادهم من خير وشر ، ووباء ، ورخص ، وغلاء ، وشدة ، ورخاء وغير ذلك . ومنها استحباب مشاورة أهل العلم والرأي في الأمور الحادثة ، وتقديم أهل السابقة في ذلك . ومنها تنزيل الناس منازلهم ، وتقديم أهل الفضل على غيرهم ، والابتداء بهم في المكارم . ومنها جواز الاجتهاد في الحروب ونحوها كما يجوز في الأحكام . ومنها قبول خبر الواحد ، فإنهم قبلوا خبر عبد الرحمن . ومنها صحة القياس ، وجواز العمل به . ومنها ابتداء العالم بما عنده من العلم قبل أن يسأله كما فعل عبد الرحمن . ومنها اجتناب أسباب الهلاك . ومنها منع القدوم على الطاعون ، ومنع الفرار منه . والله أعلم .

(7/370)


4115 - سبق شرحه بالباب

(7/371)


4116 - قوله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة : ( لا عدوى ، ولا صفر ولا هامة فقال أعرابي : يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء ، فيجيء البعير الأجرب ، فيدخل فيها ، فيجربها كلها ؟ قال : ( فمن أعدى الأول ) وفي رواية : ( لا عدوى ، ولا طيرة ، ولا صفر ، ولا هامة ) وفي رواية ( أن أبا هريرة كان يحدث بحديث ( لا عدوى ) ويحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال : ( لا يورد ممرض على مصح ) ثم إن أبا هريرة اقتصر على رواية حديث ( لا يورد ممرض على مصح ) وأمسك عن حديث ( لا عدوى ) فراجعوه فيه ، وقالوا له : إنا سمعناك تحدثه ، فأبى أن يعترف به . قال أبو سلمة الراوي عن أبي هريرة : فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد القولين الآخر ؟ ) قال جمهور العلماء : يجب الجمع بين هذين الحديثين ، وهما صحيحان . قالوا : وطريق الجمع أن حديث ( لا عدوى ) المراد به نفي ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده أن المرض والعاهة تعدى بطبعها لا بفعل الله تعالى . وأما حديث ( لا يورد ممرض على مصح ) فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقدره . فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها ، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله تعالى وفعله ، وأرشد في الثاني إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر بفعل الله وإرادته وقدره . فهذا الذي ذكرناه من تصحيح الحديثين والجمع بينهما هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء ، ويتعين المصير إليه . ولا يؤثر نسيان أبي هريرة لحديث ( ولا عدوى ) لوجهين : أحدهما أن نسيان الراوي للحديث الذي رواه لا يقدح في صحته عند جماهير العلماء ، بل يجب العمل به . والثاني أن هذا اللفظ ثابت من رواية غير أبي هريرة ؛ فقد ذكر مسلم هذا من رواية السائب بن يزيد ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم . وحكى المازري والقاضي عياض عن بعض العلماء أن حديث ( لا يورد ممرض على مصح ) منسوخ بحديث ( لا عدوى ) وهذا غلط لوجهين : أحدهما أن النسخ يشترط فيه تعذر الجمع بين الحديثين ، ولم يتعذر ، بل قد جمعنا بينهما . والثاني أنه يشترط فيه معرفة التاريخ ، وتأخر الناسخ ، وليس ذلك موجودا هنا . وقال آخرون : حديث ( لا عدوى ) على ظاهره ، وأما النهي عن إيراد الممرض على المصح فليس للعدوى ، بل للتأذي بالرائحة الكريهة ، وقبح صورته ، وصورة المجذوم . والصواب ما سبق . والله أعلم .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولا صفر )
فيه تأويلان : أحدهما المراد تأخيرهم تحريم المحرم إلى صفر ، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه ، وبهذا قال مالك وأبو عبيدة . والثاني أن الصفر دواب في البطن ، وهي دود ، وكانوا يعتقدون أن في البطن دابة تهيج عند الجوع ، وربما قتلت صاحبها ، وكانت العرب تراها أعدى من الجرب ، وهذا التفسير هو الصحيح ، وبه قال مطرف وابن وهب وابن حبيب وأبو عبيد وخلائق من العلماء ، وقد ذكره مسلم عن جابر بن عبد الله راوي الحديث ، فيتعين اعتماده ، ويجوز أن يكون المراد هذا والأول جميعا ، وأن الصفرين جميعا باطلان ، لا أصل لهما ، ولا تصريح على واحد منهما .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولا هامة )
فيه تأويلان : أحدهما أن العرب تتشاءم بالهامة ، وهي الطائر المعروف من طير الليل وقيل : هي البومة . قالوا : كانت إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له نفسه ، أو بعض أهله ، وهذا تفسير مالك بن أنس . والثاني أن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت ، وقيل : روحه تنقلب هامة تطير ، وهذا تفسير أكثر العلماء ، وهو المشهور . ويجوز أن يكون المراد النوعين ، فإنهما جميعا باطلان ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم إبطال ذلك ، وضلالة الجاهلية فيما تعتقده من ذلك . و ( الهامة ) بتخفيف الميم على المشهور الذي لم يذكر الجمهور غيره ، وقيل : بتشديدها ، قاله جماعة ، وحكاه القاضي عن أبي زيد الأنصاري الإمام في اللغة .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( فمن أعدى الأول ؟ )
معناه أن البعير الأول الذي جرب من أجربه ، أي وأنتم تعلمون وتعترفون أن الله تعالى هو الذي أوجد ذلك من غير ملاصقة لبعير أجرب ، فاعلموا أن البعير الثاني والثالث وما بعدهما إنما جرب بفعل الله تعالى وإرادته ، لا بعدوى تعدي بطبعها ، ولو كان الجرب بالعدوى بالطبائع لم يجرب الأول لعدم المعدي . ففي الحديث بيان الدليل القاطع لإبطال قولهم في العدوى بطبعها .

(7/372)


4117 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يورد ممرض على مصح )
قوله : ( يورد ) بكسر الراء ، والممرض والمصح بكسر الراء والصاد ، ومفعول ( يورد ) محذوف أي لا يورد إبله المراض . قال العلماء : الممرض صاحب الإبل المراض ، والمصح صاحب الإبل الصحاح ، فمعنى الحديث لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح ؛ لأنه ربما أصابها المرض بفعل الله تعالى وقدره الذي أجرى به العادة ، لا بطبعها ، فيحصل لصاحبها ضرر بمرضها ، وربما حصل له ضرر أعظم من ذلك باعتقاد العدوى بطبعها ، فيكفر . والله أعلم .
قوله : ( كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما )
كذا هو في جميع النسخ ( كلتيهما ) بالتاء والياء مجموعتين ، والضمير عائد إلى الكلمتين أو القصتين أو المسألتين ونحو ذلك .

(7/373)


4118 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولا نوء )
أي لا تقولوا : مطرنا بنوء كذا ، ولا تعتقدوه ، وسبق شرحه واضحا في كتاب الصلاة .

(7/374)


4119 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولا غول )
قال جمهور العلماء : كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات ، وهي جنس من الشياطين ، فتتراءى للناس ، و ( تتغول تغولا ) أي تتلون تلونا ، فتضلهم عن الطريق فتهلكهم ، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذاك . وقال آخرون : ليس المراد بالحديث نفي وجود الغيلان ، وإنما معناه إبطال ما تزعمه العرب من تلون الغول بالصور المختلفة ، واغتيالها . قالوا : ومعنى ( لا غول ) أي لا تستطيع أن تضل أحدا ، ويشهد له حديث آخر ( لا غول ولكن السعالي ) ، قال العلماء : السعالي بالسين المفتوحة والعين المهملتين ، وهم سحرة الجن ، أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخيل . وفي الحديث الآخر : ( إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان ) أي ارفعوا شرها بذكر الله تعالى ، وهذا دليل على أنه ليس المراد نفي أصل وجودها . وفي حديث أبي أيوب : ( كان لي تمر في سهوة ، وكانت الغول تجيء فتأكل منه )

(7/375)


4121 - قوله ( قال أبو الزبير هذه الغول التي تغول )
هكذا هو في جميع نسخ بلادنا : ( قال أبو الزبير ) وكذا نقله القاضي عن الجمهور . وقال : وفي رواية الطبري أحد رواة صحيح مسلم ( قال أبو هريرة ) قال : والصواب الأول .
قوله أنه قال في تفسير الصفر ( هي دواب البطن )
هكذا هو في جميع نسخ بلادنا ( دواب ) بدال مهملة وباء موحدة مشددة ، وكذا نقله القاضي عن رواية الجمهور قال : وفي رواية العذري : ( ذوات ) بالذال المعجمة والتاء المثناة فوق ، وله وجه ، ولكن الصحيح المعروف هو الأول . قال القاضي : واختلفوا في قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا عدوى ) فقيل : هو نهي عن أن يقال ذلك ، أو يعتقد . وقيل : هو خبر ، أي لا تقع عدوى بطبعها .

(7/376)


4122 - قوله صلى الله عليه وسلم ( لا طيرة ، وخيرها الفأل ) قيل : يا رسول الله وما الفأل ؟ قال : الكلمة الحسنة الصالحة يسمعها أحدكم ) وفي رواية ( لا طيرة ، ويعجبني الفأل : الكلمة الحسنة الكلمة الطيبة ) وفي رواية ( وأحب الفأل الصالح )
أما ( الطيرة )
فبكسر الطاء وفتح الياء على وزن العنبة ، هذا هو الصحيح المعروف في رواية الحديث وكتب اللغة والغريب ، وحكى القاضي وابن الأثير أن منهم من سكن الياء ، والمشهور الأول . قالوا : وهي مصدر تطير طيرة قالوا : ولم يجيء في المصادر على هذا الوزن إلا تطير طيرة ، وتخير خيرة بالخاء المعجمة ، وجاء في الأسماء حرفان وهما شيء طيبة أي طيب ، و ( التولة ) بكسر التاء المثناة وضمها وهو نوع من السحر ، وقيل : يشبه السحر . وقال الأصمعي : هو ما تتحبب به المرأة إلى زوجها . و ( التطير ) التشاؤم ، وأصله الشيء المكروه من قول أو فعل أو مرئي ، وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح ، فينفرون الظباء والطيور ، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ، ومضوا في سفرهم وحوائجهم ، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم ، وتشاءموا بها ، فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم ، فنفى الشرع ذلك وأبطله ، ونهى عنه ، وأخبر أنه ليس له تأثير بنفع ولا ضر ، فهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( لا طيرة ) وفي حديث آخر ( الطيرة شرك ) أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر ؛ إذ عملوا بمقتضاها معتقدين تأثيرها ، فهو شرك لأنهم جعلوا لها أثرا في الفعل والإيجاد .
وأما ( الفأل )
فمهموز ، ويجوز ترك همزه ، وجمعه فؤول كفلس وفلوس ، وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة . قال العلماء : يكون الفأل فيما يسر ، وفيما يسوء ، والغالب في السرور . والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء . قالوا : وقد يستعمل مجازا في السرور ، يقال : تفاءلت بكذا بالتخفيف ، وتفألت بالتشديد ، وهو الأصل ، والأول مخفف منه ومقلوب عنه . قال العلماء : وإنما أحب الفأل لأن الإنسان إذا أمل فائدة الله تعالى وفضله عند سبب قوي أو ضعيف فهو على خير في الحال ، وإن غلط في جهة الرجاء فالرجاء له خير . وأما إذا قطع رجاءه وأمله من الله تعالى فإن ذلك شر له ، والطيرة فيها سوء الظن وتوقع البلاء . ومن أمثال التفاؤل أن يكون له مريض ، فيتفاءل بما يسمعه ، فيسمع من يقول : يا سالم ، أو يكون طالب حاجة فيسمع من يقول : يا واجد ، فيقع في قلبه رجاء البرء أو الوجدان . والله أعلم .

(7/377)


4123 - سبق شرحه بالباب

(7/378)


4124 - سبق شرحه بالباب

(7/379)


4125 - سبق شرحه بالباب

(7/380)


4126 - سبق شرحه بالباب

(7/381)


4127 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( الشؤم في الدار والمرأة والفرس ) وفي رواية : ( إنما الشؤم في ثلاثة : المرأة والفرس والدار ) وفي رواية : ( إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة ) وفي رواية : ( إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس ) واختلف العلماء في هذا الحديث ، فقال مالك وطائفة : هو على ظاهره ، وإن الدار قد يجعل الله تعالى سكناها سببا للضرر أو الهلاك ، وكذا اتخاذ المرأة المعينة أو الفرس أو الخادم قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى . ومعناه قد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة كما صرح به في رواية : ( إن يكن الشؤم في شيء ) وقال الخطابي وكثيرون : هو في معنى الاستثناء من الطيرة أي الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها ، أو امرأة يكره صحبتها ، أو فرس أو خادم فليفارق الجميع بالبيع ونحوه ، وطلاق المرأة . وقال آخرون : شؤم الدار ضيقها ، وسوء جيرانها ، وأذاهم . وشؤم المرأة عدم ولادتها ، وسلاطة لسانها ، وتعرضها للريب . وشؤم الفرس : أن لا يغزى عليها ، وقيل : حرانها وغلاء ثمنها . وشؤم الخادم سوء خلقه ، وقلة تعهده لما فوض إليه . وقيل : المراد بالشؤم هنا عدم الموافقة . واعترض بعض الملاحدة بحديث ( لا طيرة ) على هذا ، فأجاب ابن قتيبة وغيره بأن هذا مخصوص من حديث ( لا طيرة إلا في هذه الثلاثة ) قال القاضي : قال بعض العلماء : الجامع لهذه الفصول السابقة في الأحاديث ثلاثة أقسام :
أحدها ما لم يقع الضرر به ولا اطردت عادة خاصة ولا عامة ، فهذا لا يلتفت إليه ، وأنكر الشرع الالتفات إليه ، وهو الطيرة .
والثاني ما يقع عنده الضرر عموما لا يخصه ، ونادرا لا متكررا كالوباء ، فلا يقدم عليه ، ولا يخرج منه .
والثالث ما يخص ولا يعم كالدار والفرس والمرأة ، فهذا يباح الفرار منه . والله أعلم .

(7/382)


4128 - سبق شرحه بالباب

(7/383)


4129 - سبق شرحه بالباب

(7/384)


4130 - سبق شرحه بالباب

(7/385)


4131 - سبق شرحه بالباب

(7/386)


4132 - سبق شرحه بالباب

(7/387)


4133 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( فلا تأتوا الكهان )
وفي رواية ( سئل عن الكهان فقال : ليسوا بشيء قال القاضي رحمه الله : كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب : أحدها يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء ، وهذا القسم بطل من حين بعث الله نبينا صلى الله عليه وسلم . الثاني أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد ، وهذا لا يبعد وجوده ، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين ، وأحالوهما ، ولا استحالة في ذلك ، ولا بعد في وجوده ، لكنهم يصدقون ويكذبون ، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام . الثالث المنجمون ، وهذا الضرب يخلق الله تعالى فيه لبعض الناس قوة ما ، لكن الكذب فيه أغلب ، ومن هذا الفن العرافة ، وصاحبها عراف ، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها ، وقد يعتضد بعض هذا الفن ببعض في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة . وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة ، وقد أكذبهم كلهم الشرع ، ونهى عن تصديقهم وإتيانهم . والله أعلم .
قوله : ( كنا نتطير قال : ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم )
معناه أن كراهة ذلك تقع في نفوسكم في العادة ، ولكن لا تلتفتوا إليه ، ولا ترجعوا عما كنتم عزمتم عليه قبل هذا . وقد صح عن عروة بن عامر الصحابي رضي الله عنه قال : ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( أحسنها الفأل ، ولا يرد مسلما ، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل : اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ، ولا يدفع السيئات إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بك ) رواه أبو داود بإسناد صحيح .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك )
هذا الحديث سبق شرحه في كتاب الصلاة .

(7/388)


4134 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( تلك الكلمة الحق يخطفها الجني ، فيقذفها في أذن وليه ، ويزيد فيها مائة كذبة )
أما ( يخطفها )
فبفتح الطاء على المشهور ، وبه جاء القرآن ، وفي لغة قليلة كسرها ، ومعناه استرقه وأخذه بسرعة .
وأما ( الكذبة )
فبفتح الكاف وكسرها والذال ساكنة فيهما . قال القاضي : وأنكر بعضهم الكسر إلا إذا أراد الحالة والهيئة ، وليس هذا موضعها .
ومعنى ( يقذفها )
يلقيها .

(7/389)


4135 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليسوا بشيء )
معناه بطلان قولهم ، وأنه لا حقيقة له . وفيه جواز إطلاق هذا اللفظ على ما كان باطلا .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( تلك الكلمة من الجن يخطفها فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة )
هكذا هو في جميع النسخ ببلادنا : ( الكلمة من الجن ) بالجيم والنون ، أي الكلمة المسموعة من الجن ، أو التي تصح مما نقلته الجن بالجيم والنون ، وذكر القاضي في المشارق أنه روي هكذا ، وروي أيضا ( من الحق ) بالحاء والقاف . وأما قوله : ( فيقرها ) فهو بفتح الياء وضم القاف وتشديد الراء ( وقر الدجاجة ) بفتح القاف . والدجاجة بالدال الدجاجة المعروفة . قال أهل اللغة والغريب : القر ترديد الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه ، يقول : قررته فيه أقره قرا . وقر الدجاجة صوتها إذا قطعته ، يقال : قرت تقر قرا وقريرا ، فإن رددته قلت : قرقرت قرقرة . قال الخطابي وغيره : معناه أن الجني يقذف الكلمة إلى وليه الكاهن ، فتسمعها الشياطين كما تؤذن الدجاجة بصوتها صواحبها فتتجاوب . قال : وفيه وجه آخر ، وهي أن تكون الرواية ( كقر الزجاجة ) تدل عليه رواية البخاري ( فيقرها في أذنه كما تقر القارورة ) قال : فذكر القارورة في هذه الرواية يدل على ثبوت الرواية بالزجاجة قال القاضي : أما مسلم فلم تختلف الرواية فيه أنه الدجاجة بالدال ، لكن رواية القارورة تصحح الزجاجة . قال القاضي : معناه يكون لما يلقيه إلى وليه حس كحس القارورة عند تحريكها مع اليد أو على صفا .

(7/390)


4136 - قوله صلى الله عليه وسلم في رواية صالح عن ابن شهاب : ( ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون )
هذه اللفظة ضبطوها من رواية صالح على وجهين : أحدهما بالراء ، والثاني بالذال . ووقع في رواية الأوزاعي وابن معقل الراء باتفاق النسخ . ومعناه يخلطون فيه الكذب ، وهو بمعنى يقذفون . وفي رواية يونس : ( يرقون ) قال القاضي : ضبطناه عن شيوخنا بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف . قال : ورواه بعضهم بفتح الياء وإسكان الراء . قال في المشارق : قال بعضهم : صوابه بفتح الياء وإسكان الراء وفتح القاف . قال : وكذا ذكره الخطابي قال : ومعناه معنى يزيدون ، يقال : رقي فلان إلى الباطل بكسر القاف أي رفعه ، وأصله من الصعود ، أي يدعون فيها فوق ما سمعوا . قال القاضي : وقد يصح الرواية الأولى على تضعيف هذا الفعل وتكثيره . والله أعلم .

(7/391)


4137 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة )
أما العراف فقد سبق بيانه ، وأنه من جملة أنواع الكهان . قال الخطابي وغيره : العراف هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق ، ومكان الضالة ، ونحوهما . وأما عدم قبول صلاته فمعناه أنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه ، ولا يحتاج معها إلى إعادة ، ونظير هذه الصلاة في الأرض المغصوبة مجزئة مسقطة للقضاء ، ولكن لا ثواب فيها ، كذا قاله جمهور أصحابنا ، قالوا : فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات ، إذا أتي بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان ، سقوط الفرض عنه ، وحصول الثواب . فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأول دون الثاني ، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث ، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلوات أربعين ليلة ، فوجب تأويله . والله أعلم .

(7/392)


4138 - قوله : ( كان في وفد ثقيف رجل مجذوم ، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم : إنا قد بايعناك فارجع )
هذا موافق للحديث الآخر في صحيح البخاري : ( وفر من المجذوم فرارك من الأسد ) وقد سبق شرح هذا الحديث في باب ( لا عدوى ) وأنه غير مخالف لحديث ( لا يورد ممرض على مصح ) قال القاضي : قد اختلف الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة المجذوم ، فثبت عنه الحديثان المذكوران ، وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم ، وقال له : كل ثقة بالله ، وتوكلا عليه . وعن عائشة قالت : مولى مجذوم فكان يأكل في صحافي ، ويشرب في أقداحي ، وينام على فراشي . قال : وقد ذهب عمر رضي الله عنه وغيره من السلف إلى الأكل معه ، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ . والصحيح الذي قاله الأكثرون ، ويتعين المصير إليه أنه لا نسخ ، بل يجب الجمع بين الحديثين ، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط لا للوجوب ، وأما الأكل معه ففعله لبيان الجواز . والله أعلم .
قال القاضي : قال بعض العلماء : في هذا الحديث وما في معناه دليل على أنه يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح إذا وجدت زوجها مجذوما ، أو حدث به جذام . واختلف أصحابنا وأصحاب مالك في أن أمته هل لها منع نفسها من استمتاعه إذا أرادها ؟ قال القاضي : قالوا : ويمنع من المسجد والاختلاط بالناس . قال : وكذلك اختلفوا في أنهم إذا كثروا هل يؤمرون أن يتخذوا لأنفسهم موضعا منفردا خارجا عن الناس ، ولا يمنعوا من التصرف في منافعهم ، وعليه أكثر الناس ، أم لا يلزمهم التنحي ؟ قال : ولم يختلفوا في القليل منهم في أنهم لا يمنعون . قال : ولا يمنعون من صلاة الجمعة مع الناس ، ويمنعون من غيرها . قال : ولو استضر أهل القرية فيهم جذمى بمخالطتهم في الماء فإن قدروا على استنباط ماء بلا ضرر أمروا به ، وإلا استنبطه لهم الآخرون ، أو أقاموا من يستقي لهم ، وإلا فلا يمنعون . والله أعلم .

(7/393)


4139 - سبق شرحه بالباب

(7/394)


4140 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر ، فإنهما يستسقطان الحبل ، ويلتمسان البصر ) وفي رواية أن ابن عمر ذكر هذا الحديث ، ثم قال ( فكنت لا أترك حية أراها إلا قتلتها ، فبينا أنا أطارد حية يوما من ذوات البيوت ، مر بي زيد بن الخطاب ، أو أبو لبابة ، وأنا أطاردها ، فقال : مهلا يا عبد الله ، فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلهن . قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذوات البيوت ) وفي رواية : ( نهى عن قتل الجنان التي في البيوت ) وفي رواية : ( أن فتى من الأنصار قتل حية في بيته فمات في الحال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن بالمدينة جنا قد أسلموا ، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام ، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه ، فإنما هو شيطان ) . وفي رواية : ( إن لهذه البيوت عوامر ، فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا ، فإن ذهب ، وإلا فاقتلوه فإنه كافر ) . وفي الحديث الآخر ( أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بقتل الحية التي خرجت عليهم وهم بغار منى . قال المازري : لا تقتل حيات مدينة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإنذارها كما جاء في هذه الأحاديث ، فإذا أنذرها ولم تنصرف قتلها . وأما حيات غير المدينة في جميع الأرض والبيوت والدور فيندب قتلها من غير إنذار لعموم الأحاديث الصحيحة في الأمر بقتلها . ففي هذه الأحاديث ( اقتلوا الحيات ) وفي الحديث الآخر : ( خمس يقتلن في الحل والحرم ) منها الحية ، ولم يذكر إنذارا وفي حديث ( الحية الخارجة بمنى ) أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتلها ، ولم يذكر إنذارا ، ولا نقل أنهم أنذروها . قالوا : فأخذ بهذه الأحاديث في استحباب قتل الحيات مطلقا ، وخصت المدينة بالإنذار للحديث الوارد فيها ، وسببه صرح به في الحديث أنه أسلم طائفة من الجن بها . وذهبت طائفة من العلماء إلى عموم النهي في حيات البيوت بكل بلد حتى تنذر ، وأما ما ليس في البيوت فيقتل من غير إنذار . قال مالك : يقتل ما وجد منها في المساجد . قال القاضي : وقال بعض العلماء : الأمر بقتل الحيات مطلقا مخصوص بالنهي عن جنان البيوت ، إلا الأبتر وذا الطفيتين ، فإنه يقتل على كل حال ، سواء كانا في البيوت أم غيرها ، وإلا ما ظهر منها بعد الإنذار . قال : ويخص من النهي عن قتل جنان البيوت الأبتر وذو الطفيتين . والله أعلم .
وأما صفة الإنذار فقال القاضي : روى ابن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول : أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان بن داود ألا تؤذونا ، ولا تظهرن لنا وقال مالك : يكفي أن يقول : أحرج عليك الله واليوم الآخر أن لا تبدو لنا ، ولا تؤذينا . ولعل مالكا أخذ لفظ التحريج مما وقع في صحيح مسلم ، ( فحرجوا عليها ثلاثا ) والله أعلم .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( ذا الطفيتين )
هو بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء . قال العلماء : هما الخطان الأبيضان على ظهر الحية ، وأصل الطفية خوصة المقل ، وجمعها طفى ، شبه الخطين على ظهرها بخوصتي المقل .
وأما ( الأبتر )
فهو قصير الذنب . وقال نضر بن شميل : هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها .
قوله صلى الله عليه وسلم ( يستسقطان الحبل )
معناه أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما وخافت أسقطت الحمل غالبا . وقد ذكر مسلم في روايته عن الزهري أنه قال : يرى ذلك من سمهما .
وأما ( يلتمسان البصر )
ففيه تأويلان ذكرهما الخطابي وآخرون : أحدهما معناه يخطفان البصر ويطمسانه بمجرد نظرهما إليه لخاصة جعلها الله تعالى في بصريهما إذا وقع على بصر الإنسان ، ويؤيد هذا الرواية الأخرى في مسلم ( يخطفان البصر ) والرواية الأخرى : ( يلتمعان البصر ) والثاني أنهما يقصدان البصر باللسع والنهش ، والأول أصح وأشهر . قال العلماء : وفي الحيات نوع يسمى الناظر إذا وقع نظره على عين إنسان مات من ساعته . والله أعلم .
قوله : ( يطارد حية )
أي يطلبها ويتتبعها ليقتلها .

(7/395)


4141 - سبق شرحه بالباب

(7/396)


4142 - قوله : ( نهى عن قتل الجنان )
هو بجيم مكسورة ونون مفتوحة ، وهي الحيات جمع جان ، وهي الحية الصغيرة ، وقيل : الدقيقة الخفيفة ، وقيل : الدقيقة البيضاء .

(7/397)


4143 - سبق شرحه بالباب

(7/398)


4144 - سبق شرحه بالباب

(7/399)


4145 - سبق شرحه بالباب

(7/400)


4146 - قوله : ( يفتح خوخة )
هي بفتح الخاء وإسكان الواو ، وهي كوة بين دارين أو بيتين يدخل منها ، وقد تكون في حائط منفرد .

(7/401)


4147 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( ويتتبعان ما في بطون النساء )
أي يسقطانه كما سبق في الروايات الباقية على ما سبق شرحه ، وأطلق عليه التتبع مجازا ، ولعل فيهما طلبا لذلك جعله الله خصيصة فيهما .
قوله : ( عند الأطم )
هو بضم الهمزة ، وهو القصر ، وجمعه آطام ، كعنق وأعناق .

(7/402)


4149 - قوله : ( أمر محرما بقتل حية بمنى )
فيه جواز قتلها للمحرم ، وفي الحرم ، وأنه لا ينذرها في غير البيوت ، وأن قتلها مستحب .

(7/403)


4150 - قوله : ( فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله )
قال العلماء : هذا الاستئذان امتثال لقوله تعالى : { وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه } و ( أنصاف النهار ) بفتح الهمزة أي منتصفه ، وكأنه وقت لآخر النصف الأول وأول النصف الثاني ، فجمعه كما قالوا : ظهور الترسين . وأما رجوعه إلى أهله فليطالع حالهم ، ويقضي حاجتهم ، ويؤنس امرأته ، فإنها كانت عروسا كما ذكر في الحديث .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( فأذنوه ثلاثة أيام ، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه ، فإنما هو شيطان )
قال العلماء : معناه وإذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت ، ولا ممن أسلم من الجن ، بل هو شيطان ، فلا حرمة عليكم فاقتلوه ، ولن يجعل الله له سبيلا للانتصار عليكم بثأره ، بخلاف العوامر ومن أسلم . الله أعلم .

(7/404)


4151 - سبق شرحه بالباب

(7/405)


قولها : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بقتل الأوزاغ ) وفي رواية : ( أمر بقتل الوزغ ، وسماه فويسقا ) وفي رواية : ( من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة ، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة لدون الأولى ، وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة لدون الثانية ) . وفي رواية : ( من قتل وزغا في أول ضربة كتب له مائة حسنة ، وفي الثانية دون ذلك ، وفي الثالثة دون ذلك ) وفي رواية : ( في أول ضربة سبعين حسنة ) قال أهل اللغة : الوزغ سام أبرص جنس ، فسام أبرص هو كباره ، واتفقوا على أن الوزغ من الحشرات المؤذيات ، وجمعه أوزاغ ووزغان ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله ، وحث عليه ، ورغب فيه لكونه من المؤذيات .

(7/406)


4152 - سبق شرحه بالباب

(7/407)


4153 - سبق شرحه بالباب

(7/408)


4154 - سبق شرحه بالباب

(7/409)


4155 - سبق شرحه بالباب

(7/410)


4156 - وأما سبب تكثير الثواب في قتله بأول ضربة ثم ما يليها فالمقصود به الحث على المبادرة بقتله ، والاعتناء به ، وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة ، فإنه إذا أراد أن يضربه ضربات ربما انفلت وفات قتله . وأما تسميته فويسقا فنظيره الفواسق الخمس التي تقتل في الحل والحرم . وأصل الفسق الخروج ، وهذه المذكورات خرجت عن خلق معظم الحشرات ونحوها بزيادة الضرر والأذى ، وأما تقييد الحسنات في الضربة الأولى بمائة ، وفي رواية بسبعين ، فجوابه من أوجه سبقت في صلاة الجماعة تزيد بخمس وعشرين درجة وفي روايات بسبع وعشرين - أحدها أن هذا مفهوم للعدد ولا يعمل به عند الأصوليين وغيرهم فذكر سبعين لا يمنع المائة ، لا معارضة بينهما . الثاني لعله أخبرنا بسبعين ، ثم تصدق الله تعالى بالزيادة ، فأعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم حين أوحى إليه بعد ذلك . والثالث أنه يختلف باختلاف قاتلي الوزغ بحسب نياتهم وإخلاصهم وكمال أحوالهم ونقصها ، فتكون المائة للكامل منهم ، والسبعين لغيره . والله أعلم .
قوله : ( حدثنا محمد بن الصباح حدثنا إسماعيل يعني ابن زكريا عن سهيل قال : حدثتني أختي عن أبي هريرة )
كذا وقع في أكثر النسخ : ( أختي ) وفي بعضها : ( أخي ) بالتذكير ، وفي بعضها : ( أبي ) وذكر القاضي الأوجه الثلاثة . قالوا : ورواية أبي خطأ ، وهي الواقعة في رواية أبي العلاء بن باهان . ووقع في رواية أبي داود : ( أخي أو أختي ) قال القاضي : أخت سهيل سودة ، وأخواه هشام وعباد .

(7/411)


4157 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء ، فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى الله إليه : في أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح )
وفي رواية : ( فهلا نملة واحدة ) قال العلماء : وهذا الحديث محمول على أن شرع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان فيه جواز قتل النمل ، وجواز الإحراق بالنار ، ولم يعتب عليه في أصل القتل والإحراق ، بل في الزيادة على نملة واحدة . وأما في شرعنا فلا يجوز الإحراق بالنار للحيوان إلا إذا أحرق إنسانا فمات بالإحراق ، فلوليه الاقتصاص بإحراق الجاني . وسواء في منع الإحراق بالنار القمل وغيره للحديث المشهور : ( لا يعذب بالنار إلا الله ) وأما قتل النمل فمذهبنا أنه لا يجوز ، واحتج أصحابنا فيه بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب : النملة والنحلة والهدهد والصرد رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فأمر بقرية النمل فأحرقت ) وفي رواية ( فأمر بجهازه فأخرج من تحت الشجرة ) أما ( قرية النمل ) فهي منزلهن . والجهاز بفتح الجيم وكسرها ، وهو المتاع .

(7/412)


4158 - وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فأمر بقرية النمل فأحرقت ) وفي رواية ( فأمر بجهازه فأخرج من تحت الشجرة ) أما ( قرية النمل ) فهي منزلهن . والجهاز بفتح الجيم وكسرها ، وهو المتاع .

(7/413)


4159 - وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فهلا نملة واحدة )
أي فهلا عاقبت نملة واحدة هي التي قرصتك ؛ لأنها الجانية ، وأما غيرها فليس لها جناية .

(7/414)


4160 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت ، فدخلت فيها النار ، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض )
وفي رواية ( ربطتها ) وفي رواية ( تأكل من حشرات الأرض ) . معناه عذبت بسبب هرة . ومعنى ( دخلت فيها ) أي بسببها . و ( خشاش الأرض ) بفتح الخاء المعجمة وكسرها وضمها حكاهن في المشارق ، الفتح أشهر ، وروي بالحاء المهملة ، والصواب المعجمة ، وهي هوام الأرض وحشراتها كما وقع في الرواية الثانية . وقيل : المراد به نبات الأرض ، وهو ضعيف أو غلط . وفي الحديث دليل لتحريم قتل الهرة ، وتحريم حبسها بغير طعام أو شراب . وأما دخولها النار بسببها فظاهر الحديث أنها كانت مسلمة ، وإنما دخلت النار بسبب الهرة . وذكر القاضي أنه يجوز أنها كافرة عذبت بكفرها ، وزيد في عذابها بسبب الهرة ، واستحقت ذلك لكونها ليست مؤمنة تغفر صغائرها باجتناب الكبائر . هذا كلام القاضي ، والصواب ما قدمناه أنها كانت مسلمة ، وأنها دخلت النار بسببها كما هو ظاهر الحديث ، وهذه المعصية ليست صغيرة ، بل صارت بإصرارها كبيرة ، وليس في الحديث أنها تخلد في النار ، وفيه وجوب نفقة الحيوان على مالكه . والله أعلم .

(7/415)


4161 - سبق شرحه بالباب

(7/416)


4162 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( في كل كبد رطبة أجر )
معناه في الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه أجر ، وسمي الحي ذا كبد رطبة ، لأن الميت يجف جسمه وكبده . ففي الحديث الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم ، وهو ما لا يؤمر بقتله . فأما المأمور بقتله فيمتثل أمر الشرع في قتله ، والمأمور بقتله كالكافر الحربي والمرتد والكلب العقور والفواسق الخمس المذكورات في الحديث وما في معناهن . وأما المحترم فيحصل الثواب بسقيه والإحسان إليه أيضا بإطعامه وغيره سواء كان مملوكا أو مباحا ، وسواء كان مملوكا له أو لغيره . والله أعلم .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش )
أما ( الثرى ) فالتراب الندي ، ويقال : لهث بفتح الهاء وكسرها ، يلهث بفتحها لا غير ، لهثا بإسكانها ، والاسم اللهث بفتحها ، واللهاث بضم اللام ، ورجل لهثان ، وامرأة لهثى كعطشان وعطشى ، وهو الذي أخر لسانه من شدة العطش والحر
قوله : ( حتى رقي فسقى الكلب )
يقال : رقي بكسر القاف على اللغة الفصيحة المشهورة ، وحكى فتحها ، وهي لغة طي في كل ما أشبه هذا .
قوله : ( فشكر الله له فغفر له )
معناه قبل عمله ، وأثابه ، وغفر له . والله أعلم .

(7/417)


4163 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر ، قد أدلع لسانه من العطش ، فنزعت له بموقها ، فغفر لها )
أما ( البغي )
فهي الزانية ، والبغاء بالمد هو الزنا .
ومعنى ( يطيف )
أي يدور حولها بضم الياء ، ويقال : طاف به ، وأطاف إذا دار حوله . وأدلع لسانه ودلعه لغتان أي أخرجه لشدة العطش .
و ( الموق ) بضم
الميم هو الخف ، فارسي معرب . ومعنى ( نزعت له بموقها ) أي استقت ، يقال : نزعت بالدلو إذا استقيت به من البئر ونحوها ، ونزعت الدلو أيضا .

(7/418)


4165 - قوله سبحانه وتعالى : { يسب ابن آدم الدهر ، وأنا الدهر بيدي الليل والنهار } وفي رواية قال الله تعالى عز وجل : { يؤذيني ابن آدم ، يسب الدهر ، وأنا الدهر ، أقلب الليل والنهار } وفي رواية ( يؤذيني ابن آدم يقول : يا خيبة الدهر ، فلا يقولن أحدكم : يا خيبة الدهر ، فإني أنا الدهر ، أقلب ليله ونهاره ، فإذا شئت قبضتهما ) وفي رواية : ( لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر ) .
وأما قوله عز وجل : ( وأنا الدهر )
فإنه برفع الراء ، هذا هو الصواب المعروف الذي قاله الشافعي وأبو عبيد وجماهير المتقدمين والمتأخرين ، وقال أبو بكر ومحمد بن داود الأصبهاني الظاهري : إنما هو الدهر بالنصب على الظرف ، أي أنا مدة الدهر أقلب ليله ونهاره . وحكى ابن عبد البر هذه الرواية عن بعض أهل العلم . وقال النحاس : يجوز النصب أي فإن الله باق مقيم أبدا لا يزول . قال القاضي : قال بعضهم : هو منصوب على التخصيص . قال : والظرف أصح وأصوب . أما رواية الرفع ، وهي الصواب ، فموافقة لقوله " فإن الله هو الدهر ، قال العلماء : وهو مجاز ، وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك ، فيقولون : يا خيبة الدهر ، ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " أي لا تسبوا فاعل النوازل ، فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى ؛ لأنه هو فاعلها ومنزلها . وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له ، بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى . ومعنى " فإن الله هو الدهر " أي فاعل النوازل والحوادث ، وخالق الكائنات . والله أعلم .

(7/419)


4166 - قوله عز وجل : ( يؤذيني ابن آدم )
فمعناه يعاملني معاملة توجب الأذى في حقكم .

(7/420)


4167 - سبق شرحه بالباب

(7/421)


4168 - سبق شرحه بالباب

(7/422)


4169 - سبق شرحه بالباب

(7/423)


قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقولن أحدكم للعنب الكرم فإن الكرم الرجل المسلم ) وفي رواية : ( فإن الكرم قلب المؤمن ) وفي رواية : ( لا تسموا العنب الكرم ) وفي رواية : ( لا تقولوا الكرم ، ولكن قولوا العنب والحبلة ) . أما ( الحبلة ) فبفتح الحاء المهملة وبفتح الباء وإسكانها ، وهي شجر العنب . ففي هذه الأحاديث كراهة تسمية العنب كرما ، بل يقال : عنب أو حبلة . قال العلماء : سبب كراهة ذلك أن لفظة ( الكرم ) كانت العرب تطلقها على شجر العنب ، وعلى العنب ، وعلى الخمر المتخذة من العنب ، سموها كرما لكونها متخذة منه ، ولأنها تحمل على الكرم والسخاء ، فكره الشرع إطلاق هذه اللفظة على العنب وشجره ؛ لأنهم إذا سمعوا اللفظة ربما تذكروا بها الخمر ، وهيجت نفوسهم إليها ، فوقعوا فيها ، أو قاربوا ذلك وقال : إنما يستحق هذا الاسم الرجل المسلم ، أو قلب المؤمن ؛ لأن الكرم مشتق من الكرم بفتح الراء ، وقد قال الله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } فسمي قلب المؤمن كرما لما فيه من الإيمان والهدى والنور والتقوى والصفات المستحقة لهذا الاسم . وكذلك الرجل المسلم .
قال أهل اللغة : يقال : رجل كرم بإسكان الراء ، وامرأة كرم ، ورجلان كرم ، ورجال كرم ، وامرأتان كرم ، ونسوة كرم ، وكله بفتح الراء وإسكانها بمعنى كريم وكريمان وكرام وكريمات وصف بالمصدر كضيف وعدل . والله أعلم .

(7/424)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية