صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

3993 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن أخنع اسم عند الله عز وجل رجل تسمى ملك الأملاك لا مالك إلا الله قال سفيان : مثل شاهان ، شاه وقال أحمد بن حنبل : سألت أبا عمرو عن أخنع فقال : أوضع )
وفي رواية ( أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه وأغيظه عليه رجل كان يسمى ملك الأملاك ) هكذا جاءت هذه الألفاظ هنا : ( أخنع ) و ( أغيظ ) و ( أخبث ) وهذا التفسير الذي فسره أبو عمرو مشهور عنه وعن غيره قالوا : معناه أشد ذلا وصغارا يوم القيامة . والمراد صاحب الاسم . ويدل عليه الرواية الثانية ( أغيظ رجل ) قال القاضي : وقد يستدل به على أن الاسم هو المسمى ، وفيه الخلاف المشهور . وقيل : أخنع بمعنى أفجر ، يقال : خنع الرجل إلى المرأة ، والمرأة إليه أي دعاها إلى الفجور ، وهو بمعنى أخبث أي أكذب الأسماء ، وقيل : أقبح . وفي رواية البخاري ( أخنأ ) وهو بمعنى ما سبق أي أفحش وأفجر ، والخنى الفحش ، وقد يكون بمعنى أهلك لصاحبه المسمى . الخنى الهلاك ، يقال : أخنى عليه الدهر أي أهلكه . قال أبو عبيد : وروي ( أنخع ) أي أقتل ، والنخع القتل الشديد .
وأما قوله : ( قال سفيان : مثل شاهان شاه ) فكذا هو في جميع النسخ قال القاضي : وقع في رواية ( شاه شاه ) قال : وزعم بعضهم أن الأصوب شاه شاهان ، وكذا جاء في بعض الأخبار في كسرى قالوا : وشاه الملك ، وشاهان الملوك ، وكذا يقولون لقاضي القضاة : ( موبذ موبذان ) قال القاضي : ولا ينكر صحة ما جاءت به الرجال ؛ لأن كلام العجم مبني على التقديم والتأخير في المضاف والمضاف إليه ، فيقولون في غلام زيد : زيد غلام ، فهكذا أكثر كلامهم . فرواية مسلم صحيحة ، وأعلم أن التسمي بهذا الاسم حرام ، وكذلك التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به كالرحمن ، والقدوس ، والمهيمن ، وخالق الخلق ، ونحوها .
وأما قوله : ( قال أحمد بن حنبل سألت أبا عمرو ) ، فأبو عمرو هذا هو إسحاق بن مرار بكسر الميم على وزن قتال ، وقيل : مرار بفتحها وتشديد الراء كعمار ، وقيل : بفتحها وتخفيف الراء كغزال ، وهو أبو عمرو اللغوي النحوي المشهور ، وليس بأبي عمرو الشيباني ، ذاك تابعي توفي قبل ولادة أحمد بن حنبل ، والله أعلم .

(7/266)


3994 - وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( أغيظ رجل على الله وأغيظه عليه )
فهكذا وقع في جميع النسخ بتكرير ( أغيظ ) . قال القاضي : ليس تكريره وجه الكلام . قال : وفيه وهم من بعض الرواة بتكريره أو تغييره . قال : وقال بعض الشيوخ : لعل أحدهما أغنط بالنون والطاء المهملة أي أشده عليه ، والغنط شدة الكرب . قال الماوردي : أغيظ هنا مصروف عن ظاهره ، والله سبحانه وتعالى لا يوصف بالغيظ ، فيتأول هنا الغيظ على الغضب ، وسبق شرح معنى الغضب والرحمة في حق الله سبحانه وتعالى ، والله أعلم .

(7/267)


اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته بتمر ، فإن تعذر فما في معناه وقريب منه من الحلو ، فيمضغ المحنك التمر حتى تصير مائعة بحيث تبتلع ، ثم يفتح فم المولود ، ويضعها فيه ليدخل شيء منها جوفه ، ويستحب أن يكون المحنك من الصالحين وممن يتبرك به رجلا كان أو امرأة ، فإن لم يكن حاضرا عند المولود حمل إليه .

(7/268)


3995 - قوله : ( ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة حين ولد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في عباءة يهنأ بعيرا له فقال : هل معك تمر ؟ " فقلت : نعم ، فناولته تمرات ، فألقاهن في فيه فلاكهن ، ثم فغر فاه الصبي فمجه فيه ، فجعل الصبي يتلمظه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الأنصار التمر وسماه عبد الله ) .
أما العباءة فمعروفة
، وهي ممدودة ، يقال فيها ( عباية ) بالياء ، وجمع العباءة العباء .
وأما قوله : ( يهنأ )
فبهمز آخره أي يطليه بالقطران ، وهو الهناء بكسر الهاء والمد ، يقال : هنأت البعير أهنؤه .
ومعنى ( لاكهن )
أي مضغهن . قال أهل اللغة : اللوك مختص بمضغ الشيء الصلب .
( وفغر فاه )
بفتح الفاء والغين المعجمة أي فتحه .
( ومجه فيه )
أي طرحه فيه .
( ويتلمظ )
أي يحرك لسانه ليتتبع ما في فيه من آثار التمر ، والتلمظ واللمظ فعل ذلك باللسان يقصد به فاعله تنقية الفم من بقايا الطعام ، وكذلك ما على الشفتين ، وأكثر ما يفعل ذلك في شيء يستطيبه ، ويقال : تلمظ يتلمظ تلمظا ، ولمظ يلمظ بضم الميم لمظا بإسكانها ، ويقال لذلك الشيء الباقي في الفم لماظة بضم اللام .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( حب الأنصار التمر )
روي بضم الحاء وكسرها ، فالكسر بمعنى المحبوب كالذبح بمعنى المذبوح ، وعلى هذا فالباء مرفوعة أي محبوب الأنصار التمر ، وأما من ضم الحاء فهو مصدر ، وفي الباء على هذا وجهان النصب وهو الأشهر ، والرفع ، فمن نصب فتقديره انظروا حب الأنصار التمر ، فينصب التمر أيضا ، ومن رفع قال : هو مبتدأ حذف خبره أي حب الأنصار التمر لازم ، أو هكذا ، أو عادة من صغرهم . والله أعلم .
وفي هذا الحديث فوائد منها تحنيك المولود عند ولادته ، وهو سنة بالإجماع كما سبق . ومنها أن يحنكه صالح من رجل أو امرأة . ومنها التبرك بآثار الصالحين ، وريقهم ، وكل شيء منهم . ومنها كون التحنيك بتمر ، وهو مستحب ، ولو حنك بغيره حصل التحنيك ، ولكن التمر أفضل . ومنها جواز لبس العباءة . ومنها التواضع ، وتعاطي الكبير أشغاله ، وأنه لا ينقص ذلك مروءته ومنها استحباب التسمية بعبد الله . ومنها استحباب تفويض تسميته إلى صالح فيختار له اسما يرتضيه ومنها جواز تسميته يوم ولادته . والله أعلم .

(7/269)


3996 - قوله : ( إن الصبي لما مات فجاء أبوه أبو طلحة سأل أم سليم ، وهي أم الصبي ، ما فعل الصبي ؟ قالت : هو أسكن مما كان ، فقربت إليه العشاء فتعشى ، ثم أصاب منها ، فلما فرغ قالت : واروا الصبي )
أي ادفنوه فقد مات . وفي هذا الحديث مناقب لأم سليم رضي الله عنها من عظيم صبرها ، وحسن رضاها بقضاء الله تعالى ، وجزالة عقلها في إخفائها موته على أبيه في أول الليل ليبيت مستريحا بلا حزن ، ثم عشته وتعشت ، ثم تصنعت له ، وعرضت له بإصابته فأصابها . وفيه استعمال المعاريض عند الحاجة لقولها : ( هو أسكن مما كان ) فإنه كلام صحيح ، مع أن المفهوم منه أنه قد هان مرضه وسهل ، وهو في الحياة . وشرط المعاريض المباحة ألا يضيع بها حق أحد والله أعلم .
قوله صلى الله عليه وسلم ( أعرستم الليلة )
هو بإسكان العين ، وهو كناية عن الجماع . قال الأصمعي والجمهور : يقال أعرس الرجل إذا دخل بامرأته . قالوا : ولا يقال فيه عرس بالتشديد ، وأراد هنا الوطء ، وسماه إعراسا لأنه في معناه في المقصود . قال صاحب التحرير : روي أيضا ( أعرستم ) بفتح العين وتشديد الراء قال : وهي لغة ، يقال : عرس بمعنى أعرس . قال : لكن قال أهل اللغة : أعرس أفصح من عرس في هذا . وهذا السؤال للتعجب من صنيعها وصبرها ، وسرورا بحسن رضاها بقضاء الله تعالى ، ثم دعا صلى الله عليه وسلم لهما بالبركة في ليلتهما ، فاستجاب الله تعالى ذلك الدعاء ، وحملت بعبد الله بن أبي طلحة ، وجاء من أولاد عبد الله إسحاق وإخوته التسعة صالحين علماء رضي الله عنهم .
قوله : ( حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا ابن عون عن ابن سيرين عن أنس )
هكذا وقع في مسلم ( ابن سيرين ) مهملا ، وفي رواية البخاري هذا الحديث عن أنس بن سيرين .

(7/270)


3997 - قوله ( عن أبي موسى رضي الله عنه قال : ولد لي غلام ، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه بإبراهيم ، وحنكه بتمرة )
فيه التحنيك وغيره مما سبق في حديث أنس . وفيه جواز التسمية بأسماء الأنبياء عليهم السلام ، وقد سبقت المسألة ، وذكرنا أن الجماهير على ذلك . وفيه جواز التسمية يوم الولادة وفيه أن قوله صلى الله عليه وسلم ( أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن ) ليس بمانع من التسمية بغيرهما ، ولذا سمى ابن أبي أسيد المذكور بعد هذا المنذر .

(7/271)


3998 - قولها : ( مسحه وصلى عليه وسماه عبد الله )
معنى ( صلى عليه ) أي دعا له ومسحه تبركا . ففيه استحباب الدعاء للمولود عند تحنيكه ، ومسحه للتبريك
قوله ( إن ابن الزبير جاء ، وهو ابن سبع سنين أو ثمان ، ليبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره بذلك الزبير فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه مقبلا إليه ثم بايعه )
هذه بيعة تبريك وتشريف لا بيعة تكليف .

(7/272)


3999 - قولها : ( فخرجت ، وأنا متم )
أي مقاربة للولادة .
قولها : ( ثم تفل في فيه )
هو بالتاء المثناة فوق أي بصق كما صرح به في الرواية الأخرى .
قوله : ( وكان أول مولود ولد في الإسلام )
يعني أول من ولد في الإسلام بالمدينة بعد الهجرة من أولاد المهاجرين ، وإلا فالنعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنه ولد قبله بعد الهجرة وفي هذا الحديث مع ما سبق شرحه مناقب كثيرة لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه ، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح عليه ، وبارك عليه ، ودعا له ، وأول شيء دخل جوفه ريقه صلى الله عليه وسلم ، وأنه أول من ولد في الإسلام بالمدينة . والله أعلم .

(7/273)


4002 - قوله : ( فلهي النبي صلى الله عليه وسلم بشيء بين يديه )
هذه اللفظة رويت على وجهين أحدها ( فلها ) بفتح الهاء ، والثانية ( فلهي ) بكسرها ، وبالياء ، والأولى لغة طي ، والثانية لغة الأكثرين ، ومعناه اشتغل بشيء بين يديه . وأما من اللهو ( فلها ) بالفتح لا غير يلهو ، والأشهر في الرواية هنا كسر الهاء ، وهي لغة أكثر العرب كما ذكرنا ، واتفق أهل الغريب والشراح على أن معناه اشتغل .
قوله : ( المنذر بن أبي أسيد )
المشهور في ( أبي أسيد ) ضم الهمزة وفتح السين ، ولم يذكر الجماهير غيره . قال القاضي : وحكى عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان أنه بفتح الهمزة . قال أحمد بن حنبل : وبالضم قال عبد الرزاق ووكيع ، وهو الصواب ، واسمه مالك بن أبي ربيعة . قالوا : وسبب تسمية النبي صلى الله عليه وسلم هذا المولود ( المنذر ) لأن ابن عم أبيه المنذر بن عمرو كان قد استشهد ببئر معونة ، وكان أميرهم ، فيقال بكونه خلفا منه .
قوله : ( فأقلبوه )
أي ردوه وصرفوه . في جميع نسخ صحيح مسلم ( فأقلبوه ) بالألف ، وأنكره جمهور أهل اللغة والغريب وشراح الحديث ، وقالوا : صوابه ( قلبوه ) بحذف الألف . قالوا : يقال قلبت الصبي والشيء صرفته ورددته ، ولا يقال أقلبته ، وذكر صاحب التحرير أن ( أقلبوه ) بالألف لغة قليلة ، فأثبتها لغة . والله أعلم .
قوله : ( فاستفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم )
أي انتبه من شغله وفكره الذي كان فيه . والله أعلم .

(7/274)


4003 - قوله : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ، وكان لي أخ يقال له أبو عمير أحسبه قال : كان فطيما قال : فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال : أبا عمير ما فعل النغير ؟ وكان يلعب به )
. أما النغير فبضم النون تصغير النغر ، بضمها وفتح الغين المعجمة ، وهو طائر صغير ، جمعه نغران . والفطيم بمعنى المفطوم . وفي هذا الحديث فوائد كثيرة جدا منها جواز تكنية من لم يولد له ، وتكنية الطفل ، وأنه ليس كذبا ، وجواز المزاج فيما ليس إثما ، وجواز تصغير بعض المسميات ، وجواز لعب الصبي بالعصفور ، وتمكين الولي إياه من ذلك ، وجواز السجع بالكلام الحسن بلا كلفة ، وملاطفة الصبيان وتأنيسهم ، وبيان ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع ، وزيارة الأهل لأن أم سليم والدة أبي عمير هي من محارمه صلى الله عليه وسلم كما سبق بيانه . واس0تدل بعض المالكية على جواز الصيد من حرم المدينة ، ولا دلالة فيه لذلك ، لأنه ليس في الحديث صراحة ولا كناية أنه من حرم المدينة ، وقد سبقت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في كتاب الحج المصرحة بتحريم صيد حرم المدينة ، فلا يجوز تركها بمثل هذا ، ولا معارضتها به . والله أعلم .

(7/275)


4004 - قوله صلى الله عليه وسلم لأنس : ( يا بني )
هو بفتح الياء المشددة وكسرها ، وقرئ بهما في السبع ، الأكثرون بالكسر ، وبعضهم بإسكانها . وفيه جواز قول الإنسان لغير ابنه ممن هو أصغر سنا منه يابني ، ويا بني مصغرا ، ويا ولدي ، ومعناه تلطف ، وإنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة ، وكذا يقال له ولمن هو في مثل سن المتكلم : يا أخي للمعنى الذي ذكرناه ، وإذا قصد التلطف كان مستحبا كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم .

(7/276)


4005 - قوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة ( أي بني )
هو بفتح الياء المشددة وكسرها ، وقرئ بهما في السبع ، الأكثرون بالكسر ، وبعضهم بإسكانها . وفيه جواز قول الإنسان لغير ابنه ممن هو أصغر سنا منه يا ابني ، ويا بني مصغرا ، ويا ولدي ، ومعناه تلطف ، وإنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة ، وكذا يقال له ولمن هو في مثل سن المتكلم : يا أخي للمعنى الذي ذكرناه ، وإذا قصد التلطف كان مستحبا كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله صلى الله عليه وسلم في الدجال : ( وما ينصبك منه )
هو من النصب ، وهو التعب والمشقة ، أي ما يشق عليك ويتعبك منه ؟
قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنه لن يضرك )
هو من معجزات النبوة ، وسيأتي شرح أحاديث الدجال مستوعبا إن شاء الله تعالى حيث ذكرها مسلم في أواخر الكتاب . وبالله التوفيق .

(7/277)


4006 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع )
أجمع العلماء أن الاستئذان مشروع ، وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة وإجماع الأمة . والسنة أن يسلم ، ويستأذن ثلاثا ، فيجمع بين السلام والاستئذان كما صرح به في القرآن . واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان ، أو تقديم الاستئذان ثم السلام ؟ الصحيح الذي جاءت به السنة ، وقاله المحققون ، أنه يقدم السلام ، فيقول : السلام عليكم أأدخل ؟ والثاني يقدم الاستئذان . والثالث وهو اختيار الماوردي من أصحابنا إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام ، وإلا قدم الاستئذان . وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان في تقديم السلام . أما إذا استأذن ثلاثا فلم يؤذن له ، وظن أنه لم يسمعه ، ففيه ثلاثة مذاهب : أشهرها أنه ينصرف ، ولا يعيد الاستئذان . والثاني يزيد فيه . والثالث إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده ، وإن كان بغيره أعاده . فمن قال بالأظهر فحجته قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ( فلم يؤذن له فليرجع ) . ومن قال بالثاني حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه فلم يأذن . والله أعلم .
قوله : ( قال عمر : أقم عليه البينة ، وإلا أوجعتك ، فقال ابن أبي كعب : لا يقوم معه إلا أصغر القوم قال أبو سعيد : قلت : أنا أصغر القوم فأذهب به )
معنى كلام أبي بن كعب رضي الله عنه الإنكار على عمر في إنكاره الحديث .
وأما قوله : ( لا يقوم معه إلا أصغر القوم ) فمعناه أن هذا حديث مشهور بيننا ، معروف لكبارنا وصغارنا ، حتى إن أصغرنا يحفظه ، وسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد تعلق بهذا الحديث من يقول : لا يحتج بخبر الواحد ، وزعم أن عمر رضي الله عنه رد حديث أبي موسى هذا لكونه خبر واحد ، وهذا مذهب باطل ، وقد أجمع من يعتد به على الاحتجاج بخبر الواحد ووجوب العمل به ، ودلائله من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ومن بعدهم أكثر من أن يحصر .
وأما قول عمر لأبي موسى : ( أقم عليه البينة ) فليس معناه رد خبر الواحد من حيث هو خبر واحد ، ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتقول عليه بعض المبتدعين أو الكاذبين أو المنافقين ونحوهم ما لم يقل ، وأن كل من وقعت له قضية وضع فيها حديثا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأراد سد الباب خوفا من غير أبي موسى لا شكا في رواية أبي موسى ، فإنه عند عمر أجل من أن يظن به أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، بل أراد زجر غيره بطريقه ، فإن من دون أبي موسى إذا رأى هذه القضية أو بلغته ، وكان في قلبه مرض ، أو أراد وضع حديث خاف من مثل قضية أبي موسى ، فامتنع من وضع الحديث والمسارعة إلى الرواية بغير يقين . ومما يدل على أن عمر لم يرد خبر أبي موسى لكونه خبر واحد أنه طلب منه إخبار رجل آخر حتى يعمل بالحديث ، ومعلوم أن خبر الاثنين خبر واحد ، وكذا ما زاد حتى يبلغ التواتر ، فما لم يبلغ التواتر فهو خبر واحد . ومما يؤيده أيضا ما ذكره مسلم في الرواية الأخيرة من قضية أبي موسى هذه أن أبيا صلى الله عليه وسلم قال : ( يا ابن الخطاب فلا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : سبحان الله إنما سمعت شيئا فأحببت أن أتثبت ) . والله أعلم .
قوله : ( أقم عليه البينة وإلا أوجعتك ) وفي الرواية الأخرى : ( والله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد ) وفي رواية : ( لأجعلنك نكالا ) هذا كله محمول على أن تقديره لأفعلن بك هذا الوعيد إن بان أنك تعمدت كذبا . والله أعلم .

(7/278)


4007 - قوله : ( فلو ما استأذنت )
أي هلا استأذنت ، ومعناها التحضيض على الاستئذان .

(7/279)


4008 - قوله : ( فها وإلا فلأجعلنك عظة )
. أي فهات البينة .
قوله : ( يضحكون )
سبب ضحكهم التعجب من فزع أبي موسى وذعره وخوفه من العقوبة ، مع أنهم قد أمنوا أن يناله عقوبة أو غيرها لقوة حجته ، وسماعهم ما أنكر عليه من النبي صلى الله عليه وسلم .

(7/280)


4009 - قوله : ( ألهاني عنه الصفق بالأسواق )
أي التجارة والمعاملة في الأسواق .

(7/281)


4010 - سبق شرحه بالباب

(7/282)


4011 - سبق شرحه بالباب

(7/283)


4012 - قوله : ( استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من هذا ؟ فقلت : أنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا أنا )
زاد في رواية : كأنه كرهها . قال العلماء : إذا استأذن فقيل له من أنت ؟ أو من هذا ؟ كره أن يقول : أنا لهذا الحديث ، ولأنه لم يحصل بقوله : ( أنا ) فائدة ، ولا زيادة ، بل الإبهام باق ، بل ينبغي أن يقول : فلان ، باسمه ، إن قال : ( أنا فلان ) فلا بأس كما قالت أم هانئ حين استأذنت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من هذه ؟ فقالت : أنا أم هانئ . ولا بأس بقوله ( أنا أبو فلان ) أو ( القاضي فلان ) أو ( الشيخ فلان إذا لم يحصل التعريف بالاسم لخفائه ، وعليه يحمل حديث أم فلان ومثله لأبي قتادة وأبي هريرة ، والأحسن في هذا أن يقول أنا فلان المعروف بكذا . والله أعلم .

(7/284)


4013 - قوله : ( أن رجلا اطلع في جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإذن من أجل البصر ) وفي رواية : ( مدرى يرجل به رأسه ) .
أما المدرى
فبكسر الميم وإسكان الدال المهملة وبالقصر ، وهي حديدة يسوى بها شعر الرأس ، وقيل هو شبه المشط ، وقيل : هي أعواد تحدد تجعل شبه المشط ، وقيل : هو عود تسوي به المرأة شعرها ، وجمعه ( مدارى ) ويقال في الواحد ( مدراة ) أيضا ، ( ومدراية ) أيضا ، ويقال : تدريت بالمدرى .
وأما قوله : ( يحك به )
فلا ينافي هذا ، فكان يحك به ، ويرجل به . وترجيل الشعر تسريحه ومشطه . وفيه استحباب الترجيل ، وجواز استعمال المدرى . قال العلماء : فالترجيل مستحب للنساء مطلقا ، وللرجل بشرط ألا يفعله كل يوم أو كل يومين ونحو ذلك ، بل بحيث يخف الأول .
أما قوله صلى الله عليه وسلم ( لو علمت أنك تنتظرني )
فهكذا هو في أكثر النسخ ، أو كثير منها ، وفي بعضها ( تنظرني ) بحذف التاء الثانية . قال القاضي : الأول رواية الجمهور . قال : والصواب الثاني ، ويحمل الأول عليه .
وقوله ( في جحر )
هو بضم الجيم وإسكان الحاء وهو الخرق .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما جعل الإذن من أجل البصر )
معناه أن الاستئذان مشروع ومأمور به ، وإنما جعل لئلا يقع البصر على الحرام ، فلا يحل لأحد أن ينظر في جحر باب ولا غيره مما هو متعرض فيه لوقوع بصره على امرأة أجنبية . وفي هذا الحديث جواز رمي عين المتطلع بشيء خفيف ، فلو رماه بخفيف ففقأها فلا ضمان إذا كان قد نظر في بيت ليس فيه امرأة محرم . والله أعلم .

(7/285)


4014 - وقوله : ( يرجل به رأسه )
هذا يدل لمن قال : إنه مشط أو يشبه المشط .

(7/286)


4015 - قوله : ( فقام إليه بمشقص أو مشاقص ، فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يختله ليطعنه ) .
أما ( المشاقص )
فجمع مشقص ، وهو نصل عريض للسهم ، وسبق إيضاحه في الجنائز وفي الأيمان .
وأما ( يختله )
فبفتح أوله وكسر التاء أي يراوغه ويستغفله .
وقوله : ( ليطعنه )
بضم العين وفتحها ، الضم أشهر .

(7/287)


4016 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه )
قال العلماء محمول على ما إذا نظر في بيت الرجل فرماه بحصاة ففقأ عينه . وهل يجوز رميه قبل إنذاره ؟ فيه وجهان لأصحابنا : أصحهما جوازه لظاهر هذا الحديث والله أعلم .

(7/288)


4017 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( فخذفته بحصاة ففقأت عينه )
هو بهمز ( فقأت ) وأما ( خذفته ) فبالخاء المعجمة أي رميته بها من بين أصبعيك .

(7/289)


4018 - قوله : ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة ، فأمرني أن أصرف بصري )
( الفجاءة ) بضم الفاء وفتح الجيم وبالمد ، ويقال بفتح الفاء وإسكان الجيم والقصر ، لغتان ، هي البغتة . ومعنى نظر الفجأة أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه في أول ذلك ، ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال ، فإن صرف في الحال فلا إثم عليه ، وإن استدام النظر أثم لهذا الحديث ، فإنه صلى الله عليه وسلم أمره بأن يصرف بصره مع قوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } . قال القاضي : قال العلماء : وفي هذا حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها ، وإنما ذلك سنة مستحبة لها ، ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي ، وهو حالة الشهادة والمداواة ، وإرادة خطبتها ، أو شراء الجارية ، أو المعاملة بالبيع والشراء ، وغيرهما ، ونحو ذلك ، وإنما يباح في جميع هذا قدر الحاجة دون ما زاد . والله أعلم .

(7/290)


هذا أدب من آداب السلام . واعلم أن ابتداء السلام سنة ، ورده واجب ، فإن كان المسلم جماعة فهو سنة كفاية في حقهم ، إذا سلم بعضهم حصلت سنة السلام في حق جميعهم ، فإن كان المسلم عليه واحدا تعين عليه الرد ، وإن كانوا جماعة كان الرد فرض كفاية في حقهم ، فإذا رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين ، والأفضل أن يبتدئ الجميع بالسلام ، وأن يرد الجميع . وعن أبي يوسف أنه لا بد أن يرد الجميع . ونقل ابن عبد البر وغيره إجماع المسلمين على أن ابتداء السلام سنة ، وأن رده فرض ، وأقل السلام أن يقول : السلام عليكم ، فإن كان المسلم عليه واحدا فأقله السلام عليك ، والأفضل أن يقول : السلام عليكم ليتناوله وملكيه ، وأكمل منه أن يزيد ورحمة الله ، وأيضا وبركاته ، ولو قال : سلام عليكم أجزأه . واستدل العلماء لزيادة : ورحمة الله وبركاته بقوله تعالى إخبارا عن سلام الملائكة بعد ذكر السلام { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } .
وبقول المسلمين كلهم في التشهد : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . ويكره أن يقول المبتدي : عليكم السلام ، فإن قاله استحق الجواب على الصحيح المشهور ، وقيل : لا يستحق ، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تقل عليك السلام ؛ فإن عليك السلام تحية الموتى ) والله أعلم . وأما صفة الرد فالأفضل والأكمل أن يقول : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، فيأتي بالواو ، فلو حذفها جاز ، وكان تاركا للأفضل ، ولو اقتصر على : وعليكم السلام ، أو على : عليكم السلام أجزأه ، ولو اقتصر على : عليكم لم يجزه ، بلا خلاف ، ولو قال : وعليكم بالواو ففي إجزائه وجهان لأصحابنا . قالوا : وإذا قال المبتدي : سلام عليكم ، أو السلام عليكم ، فقال المجيب مثله : سلام عليكم ، أو السلام عليكم ، كان جوابا وأجزأه . قال الله تعالى : { قالوا سلاما قال سلام } . ولكن بالألف واللام أفضل .
وأقل السلام ابتداء وردا أن يسمع صاحبه ، ولا يجزئه دون ذلك ، ويشترط كون الرد على الفور ، ولو أتاه سلام من غائب مع رسول أو في ورقة وجب الرد على الفور ، وقد جمعت في كتاب الأذكار نحو كراستين في الفوائد المتعلقة بالسلام ، وهذا الذي جاء به الحديث من تسليم الراكب على الماشي ، والقائم على القاعد ، والقليل على الكثير ، وفي كتاب البخاري : والصغير على الكبير ، كله للاستحباب ، فلو عكسوا جاز ، وكان خلاف الأفضل .
وأما معنى السلام فقيل : هو اسم الله تعالى ، فقوله : السلام عليك أي اسم السلام عليك ، ومعناه اسم الله عليك أي أنت في حفظه كما يقال : الله معك ، والله يصحبك . وقيل : السلام بمعنى السلامة ، أي السلامة ملازمة لك .

(7/291)


4020 - قوله : ( كنا قعودا بالأفنية نتحدث )
هي جمع فناء بكسر الفاء والمد ، وهو حريم الدار ونحوها ، وما كان في جوانبها وقريبا منها .
قوله صلى الله عليه وسلم ( اجتنبوا مجالس الصعدات فقلنا : إنما قعدنا لغير ما باس ، فقعدنا نتذاكر ونتحدث . قال إما لا فأدوا حقها : غض البصر ، ورد السلام ، وحسن الكلام ) وفي الرواية الأخرى : ( غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ) .
أما ( الصعدات )
فبضم الصاد والعين ، وهي الطرقات ، واحدها صعيد كطريق ، يقال : صعيد وصعد وصعدان كطريق وطرق وطرقات على وزنه ومعناه ، وقد صرح به في الرواية الثانية .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( إما لا )
فبكسر الهمزة وبالإمالة ، ومعناه إن لم تتركوها فأدوا حقها ، وقد سبق بيان هذه اللفظة مبسوطا في كتاب الحج .
وقوله : ( قعدنا لغير ما بأس )
لفظة ( ما ) زائدة .

(7/292)


4021 - قد سبق شرح هذا الحديث ، والمقصود منه أنه يكره الجلوس على الطرقات للحديث ونحوه ، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى علة النهي من التعرض للفتن والإثم بمرور النساء وغيرهن ، وقد يمتد نظر إليهن أو فكر فيهن أو ظن سوء فيهن أو في غيرهن من المارين ، ومن أذى الناس باحتقار من يمر ، أو غيبة أو غيرها ، أو إهمال رد السلام في بعض الأوقات ، أو إهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونحو ذلك من الأسباب التي لو خلا في بيته سلم منها . ويدخل في الأذى أن يضيق الطريق على المارين ، أو يمتنع النساء ونحوهن من الخروج في أشغالهن بسبب قعود القاعدين في الطريق ، أو يجلس بقرب باب دار إنسان يتأذى بذلك ، أو حيث يكشف من أحوال الناس الناس شيئا يكرهونه .
وأما حسن الكلام فيدخل فيه حسن كلامهم في حديثهم بعضهم لبعض ، فلا يكون فيه غيبة ، ولا نميمة ، ولا كذب ، ولا كلام ينقص المروءة ، ونحو ذلك من الكلام المذموم ، ويدخل فيه كلامهم للمار من رد السلام ، ولطف جوابهم له ، وهدايته للطريق ، وإرشاده لمصلحته ، ونحو ذلك .

(7/293)


4022 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( خمس تجب للمسلم على أخيه : رد السلام ، وتشميت العاطس ، وإجابة الدعوة ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز )
. وقد سبق شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب اللباس ، وذكرنا هناك أن التشميت بالشين المعجمة والمهملة ، وبيان اشتقاقه . وأما رد السلام وابتداؤه فقد سبقا في الباب الماضي .

(7/294)


4023 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( حق المسلم على المسلم ست : إذا لقيته فسلم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصح له ، وإذا عطس فحمد الله فشمته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتبعه ) .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( وإذا استنصحك )
فمعناه طلب منك النصيحة ، فعليك أن تنصحه ، ولا تداهنه ، ولا تغشه ، ولا تمسك عن بيان النصيحة . والله أعلم .

(7/295)


4024 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سلم أهل الكتاب فقولوا : وعليكم )
وفي رواية ( إن أهل الكتاب يسلمون علينا ، فكيف نرد عليهم ؟ قال : قولوا وعليكم ) وفي رواية : ( إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم : السام عليكم فقل : عليك ) وفي رواية : ( فقل وعليك ) وفي رواية ( إن رهطا من اليهود استأذنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليكم فقالت عائشة : بل عليكم السام واللعنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله قالت : ألم تسمع ما قالوا ؟ قال : قد قلت : وعليكم ) وفي رواية ( قد قلت عليكم ) بحذف الواو وفي الحديث الآخر : ( لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام ، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه ) .
اتفق العلماء على الرد على أهل الكتاب إذا سلموا ، لكن لا يقال لهم : وعليكم السلام ، بل يقال : عليكم فقط ، أو وعليكم . وقد جاءت الأحاديث التي ذكرها ( مسلم ) ( عليكم ) ( وعليكم ) بإثبات الواو وحذفها ، وأكثر الروايات بإثباتها ، وعلى هذا في معناه وجهان : أحدهما أنه على ظاهره ، فقالوا : عليكم الموت ، فقال : وعليكم أيضا أي نحن وأنتم فيه سواء ، وكلنا نموت . والثاني أن الواو هنا للاستئناف لا للعطف والتشريك ، وتقديره : وعليكم ما تستحقونه من الذم . وأما حذف الواو فتقديره بل عليكم السام . قال القاضي : اختار بعض العلماء منهم ابن حبيب المالكي حذف الواو لئلا يقتضي التشريك ، وقال غيره : بإثباتها كما هو في أكثر الروايات . قال : وقال بعضهم : يقول : عليكم السلام بكسر السين أي الحجارة ، وهذا ضعيف . وقال الخطابي : عامة المحدثين يروون هذا الحرف ( وعليكم ) بالواو ، وكان ابن عيينة يرويه بغير واو . قال الخطابي : وهذا هو الصواب ، لأنه إذا حذف ( الواو ) صار كلامهم بعينه مردودا عليهم خاصة ، وإذا ثبت ( الواو ) اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه . هذا كلام الخطابي . والصواب أن إثبات الواو وحذفها جائزان كما صحت به الروايات ، وأن الواو أجود كما هو في أكثر الروايات ، ولا مفسدة فيه ، لأن السام الموت ، وهو علينا وعليهم ، ولا ضرر في قوله بالواو .
واختلف العلماء في رد السلام على الكفار وابتدائهم به ، فمذهبنا تحريم ابتدائهم به ، ووجوب رده عليهم بأن يقول : وعليكم ، أو عليكم فقط ، ودليلنا في الابتداء قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام ) وفي الرد قوله صلى الله عليه وسلم ( فقولوا : وعليكم ) وبهذا الذي ذكرناه عن مذهبنا قال أكثر العلماء وعامة السلف ، وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام ، روي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن أبي محيريز ، وهو وجه لبعض أصحابنا حكاه الماوردي ، لكنه قال : يقول : السلام عليك ، ولا يقول : عليكم بالجمع . واحتج هؤلاء بعموم الأحاديث ، وبإفشاء السلام ، وهي حجة باطلة لأنه عام مخصوص بحديث ( لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام ) وقال بعض أصحابنا : يكره ابتداؤهم بالسلام ، ولا يحرم ، وهذا ضعيف أيضا ، لأن النهي . للتحريم . فالصواب تحريم ابتدائهم . وحكى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة أو سبب ، وهو قول علقمة والنخعي . وعن الأوزاعي أنه قال : إن سلمت فقد سلم الصالحون ، وإن تركت فقد ترك الصالحون . وقالت طائفة من العلماء : لا يرد عليهم السلام ، ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك ، وقال بعض أصحابنا : يجوز أن يقول في الرد عليهم : وعليكم السلام ، ولكن لا يقول : ورحمة الله . حكاه الماوردي ، وهو ضعيف مخالف للأحاديث والله أعلم .
ويجوز الابتداء بالسلام على جمع فيهم مسلمون وكفار ، أو مسلم وكفار ، ويقصد المسلمين للحديث السابق أنه صلى الله عليه وسلم سلم على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين .

(7/296)


4025 - سبق شرحه بالباب

(7/297)


4026 - سبق شرحه بالباب

(7/298)


4027 - قوله صلى الله عليه وسلم ( يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله )
هذا من عظيم خلقه صلى الله عليه وسلم وكمال حلمه ، وفيه حث على الرفق والصبر والحلم وملاطفة الناس ما لم تدع حاجة إلى المخاشنة .

(7/299)


4028 - قولها : ( عليكم السام والذام )
هو بالذال المعجمة وتخفيف الميم ، وهو الذم ، ويقال بالهمز أيضا ، والأشهر ترك الهمز ، وألفه منقلبة عن واو ، والذم والذيم والذم بمعنى العيب ، وروي الدام بالدال المهملة ، ومعناه الدائم ، وممن ذكر أنه روي بالمهملة ابن الأثير ، ونقل القاضي الاتفاق على أنه بالمعجمة . قال : ولو روي بالمهملة لكان له وجه . والله أعلم .
قوله ( ففطنت بهم عائشة فسبتهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش والتفحش )
( مه ) كلمة زجر عن الشيء . وقوله : ( ففطنت هو بالفاء وبالنون بعد الطاء من الفطنة ، هكذا هو في جميع النسخ ، وكذا نقله القاضي عن الجمهور . قال : ورواه بعضهم : ( فقطبت ) بالقاف وتشديد الطاء وبالباء الموحدة ، وقد تخفف الطاء في هذا اللفظ ، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى : ( غضبت ) ولكن الصحيح الأول . وأما سبها لهم ففيه الانتصار من الظالم ، وفيه الانتصار لأهل الفضل ممن يؤذيهم . وأما الفحش فهو القبيح من القول والفعل . وقيل : الفحش مجاوزة الحد . وفي هذا الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين إذا لم تترتب عليه مفسدة . قال الشافعي رحمه الله : الكيس العاقل هو الفطن المتغافل .

(7/300)


4030 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه )
قال أصحابنا : لا يترك للذمي صدر الطريق ، بل يضطر إلى أضيقه إذا كان المسلمون يطرقون ، فإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج . قالوا : وليكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة ، ولا يصدمه جدار ونحوه . والله أعلم .

(7/301)


4031 - قوله : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على غلمان فسلم عليهم )
وفي رواية ( مر بصبيان فسلم عليهم ) الغلمان هم الصبيان بكسر الصاد على المشهور ، وبضمها . ففيه استحباب السلام على الصبيان المميزين ، والندب إلى التواضع ، وبذل السلام للناس كلهم ، وبيان تواضعه صلى الله عليه وسلم ، وكمال شفقته على العالمين . واتفق العلماء على استحباب السلام على الصبيان ، ولو سلم على رجال وصبيان فرد السلام صبي منهم هل يسقط فرض الرد عن الرجال ؟ ففيه وجهان لأصحابنا : أصحهما يسقط . ومثله الخلاف في صلاة الجنازة هل يسقط فرضها بصلاة الصبي ؟ الأصح سقوطه ، ونص عليه الشافعي ، ولو سلم الصبي على رجل لزم الرجل رد السلام . وهذا هو الصواب الذي أطبق عليه الجمهور . وقال بعض أصحابنا : لا يجب ، وهو ضعيف أو غلط .
وأما النساء فإن كن جميعا سلم عليهن ، وإن كانت واحدة سلم عليها النساء وزوجها وسيدها ومحرمها ، سواء كانت جميلة أو غيرها . وأما الأجنبي فإن كانت عجوزا لا تشتهى استحب له السلام عليها ، واستحب لها السلام عليه ، ومن سلم منهما لزم الآخر رد السلام عليه . وإن كانت شابة أو عجوزا تشتهى لم يسلم عليها الأجنبي ، ولم تسلم عليه . ومن سلم منهما لم يستحق جوابا ، ويكره رد جوابه ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور . وقال ربيعة : لا يسلم الرجال على النساء ، ولا النساء على الرجال ، وهذا غلط . وقال الكوفيون : لا يسلم الرجال على النساء إذا لم يكن فيهن محرم . والله أعلم .

(7/302)


4032 - سبق شرحه بالباب

(7/303)


4033 - قوله ( عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذنك علي أن يرفع الحجاب ، وأن تستمع سوادي حتى أنهاك )
السواد بكسر السين المهملة وبالدال ، واتفق العلماء على أن المراد به ( السرار ) بكسر السين وبالراء المكررة ، وهو السر والمسارر . يقال : ساودت الرجل مساودة إذا ساررته .
قالوا : وهو مأخوذ من إدناء سوادك من سواده عند المساررة ، أي شخصك من شخصه . والسواد اسم لكل شخص ، وفيه دليل لجواز اعتماده العلامة في الإذن في الدخول . فإذا جعل الأمير والقاضي ونحوهما وغيرهما رفع الستر الذي على بابه علامة في الإذن في الدخول عليه للناس عامة ، أو لطائفة خاصة ، أو لشخص ، أو جعل علامة غير ذلك ، جاز اعتمادها والدخول إذا وجدت بغير استئذان ، وكذا إذا جعل الرجل ذلك علامة بينه وبين خدمه ، ومماليكه ، وكبار أولاده ، وأهله ، فمتى أرخى حجابه فلا دخول عليه إلا باستئذان ، فإذا رفعه جاز بلا استئذان . والله أعلم .

(7/304)


4034 - قوله : ( وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسما لا تخفى على من يعرفها )
فقوله : ( جسيمة )
أي عظيمة الجسم ،
وقوله : ( تفرع )
هو بفتح التاء وإسكان الفاء وفتح الراء وبالعين المهملة ، أي تطولهن ، فتكون أطول منهن ، والفارع المرتفع العالي .
وقوله : ( لا تخفى على من يعرفها )
يعني لا تخفى إذا كانت متلففة في ثيابها ومرطها في ظلمة الليل ونحوها على من قد سبقت له معرفة طولها لانفرادها بذلك .
قولها : ( وإنه ليتعشى وفي يده عرق )
هو بفتح العين وإسكان الراء ، وهو العظم الذي عليه بقية لحم . هذا هو المشهور ، وقيل : هو القذرة من اللحم ، وهو شاذ ضعيف .
قوله : ( قال هشام : يعني البراز )
هكذا المشهور في الرواية ( البراز ) بفتح الباء ، وهو الموضع الواسع البارز الظاهر ، وقد قال الجوهري في الصحاح : البراز بكسر الباء هو الغائط ، وهذا أشبه أن يكون هو المراد هنا ، فإن مراد هشام بقوله : ( يعني البراز ) تفسير قوله صلى الله عليه وسلم ( قد أذن لكن ) أن تخرجن لحاجتكن فقال هشام : المراد بحاجتهن الخروج للغائط ، لا لكل حاجة من أمور المعايش . والله أعلم .

(7/305)


4035 - قوله : ( كن يخرجن إذا تبرزن إلى المناصع )
وهو صعيد أفيح . معنى ( تبرزن ) أردن الخروج لقضاء الحاجة ، ( والمناصع ) بفتح الميم وبالصاد المهملة المكسورة ، وهو جمع منصع ، وهذه المناصع مواضع . قال الأزهري : أراها مواضع خارج المدينة ، وهو مقتضى قوله في الحديث ، وهو صعيد أفيح ، أي أرض متسعة ، والأفيح بالفاء المكان الواسع . وفي هذا الحديث منقبة ظاهرة لعمر ابن الخطاب صلى الله عليه وسلم . وفيه تنبيه أهل الفضل والكبار على مصالحهم ، ونصيحتهم ، وتكرار ذلك عليهم . وفيه جواز تعرق العظم . وجواز خروج المرأة من بيت زوجها لقضاء حاجة الإنسان إلى الموضع المعتاد لذلك بغير استئذان الزوج ، لأنه مما أذن فيه الشرع . قال القاضي عياض : فرض الحجاب مما اختص به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين ، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها ، ولا يجوز لهن إظهار شخوصهن ، وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج للبراز . قال الله تعالى : { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } . وقد كن إذا قعدن للناس جلسن من وراء الحجاب ، وإذا خرجن حجبن وسترن أشخاصهن كما جاء في حديث حفصة يوم وفاة عمر ، ولما توفيت زينب رضي الله عنها جعلوا لها قبة فوق نعشها تستر شخصها . هذا آخر كلام القاضي .

(7/306)


4036 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم )
هكذا هو في نسخ بلادنا : ( إلا أن يكون ) بالياء المثناة من تحت ، أي يكون الداخل زوجا أو ذا محرم . وذكره القاضي فقال : ( إلا أن تكون ناكحا أو ذات محرم ) بالتاء المثناة فوق ، وقال : ( ذات ) بدل ( ذا ) . قال : والمراد بالناكح المرأة المزوجة وزوجها حاضر ، فيكون مبيت الغريب في بيتها . بحضرة زوجها ، وهذه الرواية التي اقتصر عليها والتفسير غريبان مردودان ، والصواب الرواية الأولى التي ذكرتها عن نسخ بلادنا ، ومعناه لا يبيتن رجل عند امرأة إلا زوجها أو محرم لها . قال العلماء : إنما خص الثيب لكونها التي يدخل إليها غالبا ، وأما البكر فمصونة متصونة في العادة مجانبة للرجال أشد مجانبة ، فلم يحتج إلى ذكرها ، ولأنه من باب التنبيه ، لأنه إذا نهي عن الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة ، فالبكر أولى وفي هذا الحديث والأحاديث بعده تحريم الخلوة بالأجنبية ، وإباحة الخلوة بمحارمها ، وهذان الأمران مجمع عليهما ، وقد قدمنا أن المحرم هو كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد لسبب مباح لحرمتها . فقولنا : ( على التأبيد ) احتراز من أخت امرأته وعمتها وخالتها ونحوهن ، ومن بنتها قبل الدخول بالأم . وقولنا : ( لسبب مباح ) احتراز من أم الموطوءة بشبهة وبنتها فإنه حرام على التأبيد ، لكن لا لسبب مباح ، فإن وطء الشبهة لا يوصف بأنه مباح ، ولا محرم ، ولا بغيرهما من أحكام الشرع الخمسة ؛ لأنه ليس فعل مكلف . وقولنا : ( لحرمتها ) احتراز من الملاعنة فهي حرام على التأبيد لا لحرمتها بل تغليظا عليهما . والله أعلم .

(7/307)


4037 - قوله صلى الله عليه وسلم ( الحمو الموت )
قال الليث بن سعد : الحمو أخو الزوج ، وما أشبهه من أقارب الزوج : ابن العم ونحوه . اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة كأبيه ، وأخيه ، وابن أخيه ، وابن عمه ، ونحوهم . والأختان أقارب زوجة الرجل . والأصهار يقع على النوعين .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( الحمو الموت ) فمعناه أن الخوف منه أكثر من غيره ، والشر يتوقع منه ، والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه ، بخلاف الأجنبي . والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه . فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها ، ولا يوصفون بالموت ، وإنما المراد الأخ ، وابن الأخ ، والعم ، وابنه ، ونحوهم ممن ليس بمحرم . وعادة الناس المساهلة فيه ، ويخلو بامرأة أخيه ، فهذا هو الموت ، وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه . فهذا الذي ذكرته هو صواب معنى الحديث . وأما ما ذكره المازري ، وحكاه أن المراد بالحمو أبو الزوج ، وقال : إذا نهي عن أبي الزوج ، وهو محرم ، فكيف بالغريب ؟ فهذا كلام فاسد مردود ، ولا يجوز حمل الحديث عليه فكذا ما نقله القاضي عن أبي عبيد أن معنى الحمو الموت فليمت ولا يفعل هذا هو أيضا كلام فاسد ، بل الصواب ما قدمناه . وقال ابن الأعرابي : هي كلمة تقولها العرب ، كما يقال : الأسد الموت ، أي لقاؤه مثل الموت . وقال القاضي : معناه الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين ، فجعله كهلاك الموت ، فورد الكلام مورد التغليظ . قال : وفي الحم أربع لغات إحداها هذا حموك بضم الميم في الرفع ، ورأيت حماك ، ومررت بحميك والثانية هذا حمؤك بإسكان الميم وهمزة مرفوعة ، ورأيت حمأك ، ومررت بحمئك . والثالثة حما هذا حماك ورأيت حماك ومررت بحماك كقفا وقفاك . والرابعة حم كأب . وأصله حمو بفتح الحاء والميم . وحماة المرأة أم زوجها . لا يقال فيها غير هذا .

(7/308)


4039 - قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو رجلان )
المغيبة بضم الميم وكسر الغين المعجمة وإسكان الياء وهي التي غاب عنها زوجها . والمراد غاب زوجها عن منزلها ، سواء غاب عن البلد بأن سافر ، أو غاب عن المنزل ، وإن كان في البلد . هكذا ذكره القاضي وغيره ، وهذا ظاهر متعين . قال القاضي : ودليله هذا الحديث ، وأن القصة التي قيل الحديث بسببها وأبو بكر رضي الله عنه غائب عن منزله لا عن البلد . والله أعلم . ثم إن ظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية ، والمشهور عند أصحابنا تحريمه ، فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم ، أو مروءتهم ، أو غير ذلك . وقد أشار القاضي إلى نحو هذا التأويل .

(7/309)


4040 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( يا فلان هذه زوجتي فلانة )
هكذا هو في جميع النسخ بالتاء قبل الياء ، وهي لغة صحيحة ، وإن كان الأشهر حذفها ، وبالحذف جاءت آيات القرآن ، والإثبات كثير أيضا .

(7/310)


4041 - قوله في حديث صفية رضي الله عنها وزيارتها للنبي صلى الله عليه وسلم في اعتكافه عشاء ، فرأى الرجلين ، فقال : ( إنها صفية فقالا : سبحان الله ، فقال : إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم )
الحديث فيه فوائد منها بيان كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ، ومراعاته لمصالحهم ، وصيانة قلوبهم وجوارحهم ، وكان بالمؤمنين رحيما فخاف صلى الله عليه وسلم أن يلقي الشيطان في قلوبهما فيهلكا ، فإن ظن السوء بالأنبياء كفر بالإجماع ، والكبائر غير جائزة عليهم . وفيه أن من ظن شيئا من نحو هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم كفر ، وفيه جواز زيارة المرأة لزوجها المعتكف في ليل أو نهار ، وأنه لا يضر اعتكافه ، لكن يكره الإكثار من مجالستها والاستلذاذ بحديثها لئلا يكون ذريعة إلى الوقاع أو إلى القبلة أو نحوها مما يفسد الاعتكاف وفيه استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس في الإنسان ، وطلب السلامة والاعتذار بالأعذار الصحيحة ، وأنه متى فعل ما قد ينكر ظاهره مما هو حق ، وقد يخفى ، أن يبين حاله ليدفع ظن السوء . وفيه الاستعداد للتحفظ من مكايد الشيطان فإنه يجري من الإنسان مجرى الدم ، فيتأهب الإنسان للاحتراز من وساوسه وشره والله أعلم .
قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم )
قال القاضي وغيره : قيل : هو على ظاهره ، وأن الله تعالى جعل له قوة وقدرة على الجري في باطن الإنسان مجاري دمه . وقيل : هو على الاستعارة لكثرة إغوائه ووسوسته ، فكأنه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دمه . وقيل : يلقي وسوسته في مسام لطيفة من البدن ، فتصل الوسوسة إلى القلب . والله أعلم .
قولها : ( فقام معي ليقلبني )
هو بفتح الياء أي ليردني إلى منزلي . فيه جواز تمشي المعتكف معها ما لم يخرج من المسجد وليس في الحديث أنه خرج من المسجد .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( على رسلكما )
هو بكسر الراء وفتحها ، لغتان ، والكسر أفصح وأشهر ، أي على هيئتكما في المشي ، فما هنا شيء تكرهانه .
قوله : ( فقال سبحان الله )
فيه جواز التسبيح تعظيما للشيء وتعجبا منه ، وقد كثر في الأحاديث ، وجاء به القرآن في قوله تعالى : { لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك } .

(7/311)


4042 - قوله صلى الله عليه وسلم ( بينما هو جالس في المسجد ، والناس معه ، إذ أقبل ثلاثة نفر ، فأقبل اثنان )
إلى آخره فيه استحباب جلوس العالم لأصحابه وغيرهم في موضع بارز ظاهر للناس ، والمسجد أفضل ، فيذاكرهم العلم والخير . وفيه جواز حلق العلم والذكر في المسجد ، واستحباب دخولها ، ومجالسة أهلها ، وكراهة الانصراف عنها من غير عذر ، واستحباب القرب من كبير الحلقة ليسمع كلامه سماعا بينا ، ويتأدب بأدبه . وأن قاصد الحلقة إن رأى فرجة دخل فيها ، وإلا جلس وراءهم . وفيه الثناء على من فعل جميلا فإنه صلى الله عليه وسلم أثنى على الاثنين في هذا الحديث ، وأن الإنسان إذا فعل قبيحا ومذموما وباح به جاز أن ينسب إليه . والله أعلم .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( فرأى فرجة في الحلقة فدخل فيها )
الفرجة بضم الفاء وفتحها لغتان ، وهي الخلل بين الشيئين ، ويقال لها أيضا فرج ، ومنه قوله تعالى : { وما لها من فروج } جمع فرج .
وأما الفرجة بمعنى الراحة من الغم فذكر الأزهري فيها فتح الفاء وضمها وكسرها ، وقد فرج له في الحلقة والصف ونحوهما بتخفيف الراء يفرج بضمها . وأما الحلقة فبإسكان اللام على المشهور ، وحكى الجوهري فتحها ، وهي لغة رديئة .
قوله صلى الله عليه وسلم ( أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله )
لفظة ( أوى ) بالقصر ، و ( آواه ) بالمد هكذا الرواية ، وهذه هي اللغة الفصيحة ، وبها جاء القرآن أنه إذا كان لازما كان مقصورا وإن كان متعديا كان ممدودا قال الله تعالى { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة } وقال تعالى : { إذ أوى الفتية إلى الكهف } وقال في المتعدي : { وآويناهما إلى ربوة } وقال تعالى : { ألم يجدك يتيما فآوى } قال القاضي : وحكى بعض أهل اللغة فيهما جميعا لغتين : القصر والمد ، فيقال : أويت إلى الرجل بالقصر والمد وآويته بالمد والقصر ، والمشهور الفرق كما سبق . قال العلماء : معنى أوى إلى الله أي لجأ إليه . قال القاضي : وعندي أن معناه هنا دخل مجلس ذكر الله تعالى ، أو دخل مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجمع أوليائه ، وانضم إليه ، ومعنى آواه الله أي قبله وقربه ، وقيل : معناه رحمه أو آواه إلى جنته أي كتبها له .
قوله صلى الله عليه وسلم ( وأما الآخر فاستحى فاستحى الله منه )
أي ترك المزاحمة والتخطي حياء من الله تعالى ، ومن النبي صلى الله عليه وسلم والحاضرين ، أو استحياء منهم أن يعرض ذاهبا كما فعل الثالث ، فاستحى الله منه أي رحمه ولم يعذبه ، بل غفر ذنوبه ، وقيل : جازاه بالثواب . قالوا : ولم يلحقه بدرجة صاحبه الأول في الفضيلة الذي آواه وبسط له اللطف وقربه . وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه أي لم يرحمه ، وقيل : سخط عليه ، وهذا محمول على أنه ذهب معرضا لا لعذر وضرورة .
قوله صلى الله عليه وسلم في الثاني : ( وأما الآخر فاستحى ) هذا دليل اللغة الفصيحة الصحيحة أنه يجوز في الجماعة أن يقال في غير الأخير منهم الآخر ، فيقال : حضرني ثلاثة : أما أحدهم فقرشي ، وأما الآخر فأنصاري ، وأما الآخر فتميمي . وقد زعم بعضهم أنه لا يستعمل الآخر إلا في الآخر خاصة ، وهذا الحديث صريح في الرد عليه . والله أعلم .

(7/312)


4043 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس )
فيه وفي رواية ( ولكن تفسحوا وتوسعوا ) هذا النهي للتحريم ، فمن سبق إلى موضع مباح في المسجد وغيره يوم الجمعة أو غيره لصلاة أو غيرها فهو أحق به ، ويحرم على غيره إقامته لهذا الحديث ، إلا أن أصحابنا استثنوا منه ما إذا ألف من المسجد موضعا يفتي فيه ، أو يقرأ قرآنا أو غيره من العلوم الشرعية ، فهو أحق به ، وإذا حضر لم يكن لغيره أن يقعد فيه . وفي معناه من سبق إلى موضع من الشوارع ومقاعد الأسواق لمعاملة .

(7/313)


4044 - قوله صلى الله عليه وسلم ( ولكن تفسحوا وتوسعوا )
هذا النهي للتحريم ، فمن سبق إلى موضع مباح في المسجد وغيره يوم الجمعة أو غيره لصلاة أو غيرها فهو أحق به ، ويحرم على غيره إقامته لهذا الحديث ، إلا أن أصحابنا استثنوا منه ما إذا ألف من المسجد موضعا يفتي فيه ، أو يقرأ قرآنا أو غيره من العلوم الشرعية ، فهو أحق به ، وإذا حضر لم يكن لغيره أن يقعد فيه . وفي معناه من سبق إلى موضع من الشوارع ومقاعد الأسواق لمعاملة .

(7/314)


4045 - وأما
قوله : ( وكان ابن عمر إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه )
فهذا ورع منه ، وليس قعوده فيه حراما إذا قام برضاه ، لكنه تورع عنه لوجهين : أحدهما أنه ربما استحى منه إنسان فقام له من مجلسه من غير طيب قلبه ، فسد ابن عمر الباب ليسلم من هذا . والثاني أن الإيثار بالقرب مكروه أو خلاف الأولى ، فكان ابن عمر يمتنع من ذلك لئلا يرتكب أحد بسببه مكروها ، أو خلاف الأولى بأن يتأخر عن موضعه من الصف الأول ويؤثره به وشبه ذلك . قال أصحابنا : وإنما يحمد الإيثار بحظوظ النفوس وأمور الدنيا دون القرب . والله أعلم .

(7/315)


4047 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به )
قال أصحابنا : هذا الحديث فيمن جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلا ، ثم فارقه ليعود بأن فارقه ليتوضأ أو يقضي شغلا يسيرا ثم يعود لم يبطل اختصاصه ، بل إذا رجع فهو أحق به في تلك الصلاة ، فإن كان قد قعد فيه غيره فله أن يقيمه ، وعلى القاعد أن يفارقه لهذا الحديث . هذا هو الصحيح عند أصحابنا ، وأنه يجب على من قعد فيه مفارقته إذا رجع الأول . قال بعض العلماء : هذا مستحب ، ولا يجب ، وهو مذهب مالك ، والصواب الأول . قال أصحابنا : ولا فرق بين أن يقوم منه ، ويترك فيه سجادة ونحوها أم لا فهذا أحق به في الحالين . قال أصحابنا : وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها . والله أعلم .

(7/316)


4048 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل هؤلاء عليكم )
إشارة إلى جميع المخنثين لما رأى من وصفهم للنساء ، ومعرفتهم ما يعرفه للرجال منهن . قال العلماء : المخنث ضربان : أحدهما من خلق كذلك ، ولم يتكلف التخلق بأخلاق النساء ، وزيهن ، وكلامهن ، وحركاتهن ، بل هو خلقة خلقه الله عليها فهذا لاذم عليه ، ولا عتب ، ولا إثم ولا عقوبة ؛ لأنه معذور لا صنع له في ذلك ، ولهذا لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم أولا دخوله على النساء ، ولا خلقه الذي هو عليه حين كان من أصل خلقته ، وإنما أنكر عليه بعد ذلك معرفته لأوصاف النساء ، ولم ينكر صفته وكونه مخنثا . الضرب الثاني من المخنث هو من لم يكن له ذلك خلقة ، بل يتكلف أخلاق النساء وحركاتهن وهيئاتهن وكلامهن ، ويتزيا بزيهن ، فهذا هو المذموم الذي جاء في الأحاديث الصحيحة لعنه ، وهو بمعنى الحديث الآخر ( لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال ، والمتشبهين بالنساء من الرجال ) وأما الضرب الأول فليس بملعون ، ولو كان ملعونا لما أقره أولا . والله أعلم .

(7/317)


4049 - قولها : ( كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث ، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، وهو عند بعض نسائه ، وهو ينعت امرأة قال : إذا أقبلت أقبلت بأربع ، وإذا أدبرت أدبرت بثمان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا لا يدخل عليكن فحجبوه ) .
قال أهل اللغة : المخنث
هو بكسر النون وفتحها ، وهو الذي يشبه النساء في أخلاقه وكلامه وحركاته ، وتارة يكون هذا خلقه من الأصل ، وتارة بتكلف ، وسنوضحهما .
قال أبو عبيد وسائر العلماء : معنى قوله : ( تقبل بأربع ، وتدبر بثمان )
أي أربع عكن ، وثمان عكن . قالوا : ومعناه أن لها أربع عكن تقبل بهن ، من كل ناحية ثنتان ، ولكل واحدة طرفان ، فإذا أدبرت صارت الأطراف ثمانية . قالوا : وإنما ذكر فقال بثمان ، وكان أصله أن يقول : بثمانية ، فإن المراد الأطراف ، وهي مذكرة ، لأنه لم يذكر لفظ المذكر ، ومتى لم يذكره جاز حذف الهاء كقوله صلى الله عليه وسلم : ( من صام رمضان وأتبعه بست من شوال ) سبقت المسألة هناك واضحة . وأما دخول هذا المخنث أولا على أمهات المؤمنين فقد بين سببه في هذا الحديث بأنهم كانوا يعتقدونه من غير أولي الإربة ، وأنه مباح دخوله عليهن ، فلما سمع منه هذا الكلام علم أنه من أولي الإربة ، فمنعه صلى الله عليه وسلم الدخول . ففيه منع المخنث من الدخول على النساء ، ومنعهن من الظهور عليه ، وبيان أن له حكم الرجال الفحول الراغبين في النساء في هذا المعنى ، وكذا حكم الخصي والمجبوب ذكره . والله أعلم .
واختلف في اسم هذا المخنث . قال القاضي : الأشهر أن اسمه ( هيت ) بكسر الهاء ومثناة تحت ساكنة ثم مثناة فوق . قال : وقيل : صوابه ( هنب ) بالنون والباء الموحدة قاله ابن درستويه ، وقال : إنما سواه تصحيف . قال : والهنب الأحمق ، وقيل ( ماتع ) بالمثناة فوق مولى فاختة المخزومية ، وجاء هذا في حديث آخر ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم غرب ماتعا هذا وهيتا إلى الحمى ، ذكره الواقدي . وذكر أبو منصور البادردي نحو الحكاية عن مخنث كان بالمدينة يقال له ( أنه ) وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نفاه إلى حمراء الأسد . والمحفوظ أنه هيت . قال العلماء : وإخراجه ونفيه كان لثلاثة معان : أحدها المعنى المذكور في الحديث أنه كان يظن أنه من غير أولى الإربة ، وكان منهم ، ويتكتم بذلك . والثاني وصفه النساء ومحاسنهن وعوراتهن بحضرة الرجال ، وقد نهى أن تصف المرأة لزوجها ، فكيف إذا وصفها الرجل للرجال ؟ والثالث أنه ظهر له منه أنه كان يطلع من النساء وأجسامهن وعوراتهن على ما لا يطلع عليه كثير من النساء ، فكيف الرجال لا سيما على ما جاء في غير مسلم أنه وصفها حتى وصف ما بين رجليها أي فرجها وحواليه . والله أعلم .

(7/318)


4050 - قوله ( عن أسماء إنها كانت تعلف فرس زوجها الزبير ، وتكفيه مؤنته ، وتسوسه ، وتدق النوى لناضحه ، وتعلفه ، وتستقي الماء ، وتعجن )
هذا كله من المعروف والمروات التي أطبق الناس عليها ، وهو أن المرأة تخدم زوجها بهذه الأمور المذكورة ونحوها من الخبز والطبخ وغسل الثياب وغير ذلك ، وكله تبرع من المرأة وإحسان منها إلى زوجها وحسن معاشرة وفعل معروف معه ، ولا يجب عليها شيء من ذلك ، بل لو امتنعت من جميع هذا لم تأثم ، ويلزمه هو تحصيل هذه الأمور لها ، ولا يحل له إلزامها بشيء من هذا ، وإنما تفعله المرأة تبرعا ، وهي عادة جميلة استمر عليها النساء من الزمن الأول إلى الآن ، وإنما الواجب على المرأة شيئان : تمكينها زوجها من نفسها ، وملازمة بيته .
قولها : ( وأخرز غربه ) هو بغين معجمة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم باء موحدة ، وهو الدلو الكبير .
قولها : ( وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي ، وهو على ثلثي فرسخ )
قال أهل اللغة : يقال : أقطعه إذا أعطاه قطيعة ، وهي قطعة أرض ، سميت قطيعة لأنها اقتطعها من جملة الأرض .
وقوله : ( على ثلثي فرسخ )
أي من مسكنها بالمدينة ، وأما الفرسخ فهو ثلاثة أميال ، والميل ستة آلاف ذراع ، والذراع أربع وعشرون أصبعا معترضة معتدلة ، والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات . وفي هذا دليل لجواز إقطاع الإمام . فأما الأرض المملوكة لبيت المال فلا يملكها أحد إلا بإقطاع الإمام ، ثم تارة يقطع رقبتها ، ويملكها الإنسان يرى فيه مصلحة ، فيجوز ، ويملكها كما يملك ما يعطيه من الدراهم والدنانير وغيرها إذا رأى فيه مصلحة ، وتارة يقطعه منفعتها ، فيستحق الانتفاع بها مدة الإقطاع . وأما الموات فيجوز لكل أحد إحياؤه ، ولا يفتقر إلى إذن الإمام . هذا مذهب مالك والشافعي والجمهور ، وقال أبو حنيفة : لا يملك الموات بالإحياء إلا بإذن الإمام .
وأما قولها : ( وكنت أنقل النوى من أرض الزبير ) فأشار القاضي إلى أن معناه أنها تلتقطه من النوى الساقط فيها مما أكله الناس وألقوه قال : ففيه جواز التقاط المطروحات رغبة عنها كالنوى ، والسنابل ، وخرق المزابل ، وسقاطتها ، وما يطرحه الناس من رديء المتاع ، ورديء الخضر ، وغيرها مما يعرف أنهم تركوه رغبة عنه ، فكل هذا يحل التقاطه ، ويملكه الملتقط ، وقد لقطه الصالحون وأهل الورع ، ورأوه من الحلال المحض ، وارتضوه لأكلهم ولباسهم .
قولها : ( فجئت يوما والنوي على رأسي فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه نفر من أصحابه فدعاني وقال : إخ إخ ليحملني خلفه ، فاستحييت ، وعرفت غيرتك )
أما لفظة إخ إخ فهي بكسر الهمزة وإسكان الخاء المعجمة ، وهي كلمة تقال للبعير ليبرك . وفي هذا الحديث جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة ، وله نظائر كثيرة في الصحيح سبق بيانها في مواضعها . وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة على المؤمنين والمؤمنات ورحمتهم ومواساتهم فيما أمكنه . وفيه جواز إرداف المرأة التي ليست محرما إذا وجدت في طريق قد أعيت ، لا سيما مع جماعة رجال صالحين ، ولا شك في جواز مثل هذا . وقال القاضي عياض : هذا خاص للنبي صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره ، فقد أمرنا بالمباعدة من أنفاس الرجال والنساء ، وكانت عادته صلى الله عليه وسلم مباعدتهن لتقتدي به أمته ، قال : وإنما كانت هذه خصوصية له لكونها بنت أبي بكر ، وأخت عائشة ، وامرأة الزبير ، فكانت كإحدى أهله ونسائه ، مع ما خص به صلى الله عليه وسلم أنه أملك لإربه . وأما إرداف المحارم فجائز بلا خلاف بكل حال .
قولها : ( أرسل إلي بخادم )
أي جارية تخدمني ، يقال للذكر والأنثى خادم بلا هاء .

(7/319)


4051 - قولها في الفقير الذي استأذنها في أن يبيع في ظل دارها وذكرت الحيلة في استرضاء الزبير . هذا فيه حسن الملاطفة في تحصيل المصالح ، ومداراة أخلاق الناس في تتميم ذلك . والله أعلم .

(7/320)


قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد ) وفي رواية ( حتى يختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه ) قال أهل اللغة : يقال حزنه وأحزنه ، وقرئ بهما في السبع . والمناجاة المسارة . وانتجى القوم ، وتناجوا أي سار بعضهم بعضا . وفي هذه الأحاديث النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث ، وكذا ثلاثة وأكثر بحضرة واحد ، وهو نهي تحريم ، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن . ومذهب ابن عمر رضي الله عنه ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء أن النهي عام في كل الأزمان ، وفي الحضر والسفر . وقال بعض العلماء : إنما المنهي عنه المناجاة في السفر دون الحضر ، لأن السفر مظنة الخوف . وادعى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ وأن هذا كان في أول الإسلام ، فلما فشا الإسلام ، وأمن الناس سقط النهي . وكان المنافقون يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم . أما إذا كانوا أربعة ، فتناجى اثنان دون اثنين فلا بأس بالإجماع . والله أعلم .

(7/321)


4052 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد )
وفي رواية ( حتى يختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه ) قال أهل اللغة : يقال حزنه وأحزنه ، وقرئ بهما في السبع . والمناجاة المسارة . وانتجى القوم ، وتناجوا أي سار بعضهم بعضا . وفي هذه الأحاديث النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث ، وكذا ثلاثة وأكثر بحضرة واحد ، وهو نهي تحريم ، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن . ومذهب ابن عمر رضي الله عنه ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء أن النهي عام في كل الأزمان ، وفي الحضر والسفر . وقال بعض العلماء : إنما المنهي عنه المناجاة في السفر دون الحضر ، لأن السفر مظنة الخوف . وادعى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ وأن هذا كان في أول الإسلام ، فلما فشا الإسلام ، وأمن الناس سقط النهي . وكان المنافقون يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم . أما إذا كانوا أربعة ، فتناجى اثنان دون اثنين فلا بأس بالإجماع . والله أعلم .

(7/322)


4053 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( حتى يختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه )
قال أهل اللغة : يقال حزنه وأحزنه ، وقرئ بهما في السبع . والمناجاة المسارة . وانتجى القوم ، وتناجوا أي سار بعضهم بعضا .

(7/323)


4054 - قال أهل اللغة : يقال حزنه وأحزنه ، وقرئ بهما في السبع . والمناجاة المسارة . وانتجى القوم ، وتناجوا أي سار بعضهم بعضا .

(7/324)


4055 - قوله : ( إن جبريل رقى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر الأحاديث بعده في الرقى ، وفي الحديث الآخر في الذين يدخلون الجنة بغير حساب ( لا يرقون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون ) فقد يظن مخالفا لهذه الأحاديث ، ولا مخالفة ، بل المدح في ترك الرقى المراد بها الرقى التي هي من كلام الكفار ، والرقى المجهولة ، والتي بغير العربية ، وما لا يعرف معناها ، فهذه مذمومة لاحتمال أن معناها كفر ، أو قريب منه ، أو مكروه . وأما الرقى بآيات القرآن ، وبالأذكار المعروفة ، فلا نهي فيه ، بل هو سنة . ومنهم من قال في الجمع بين الحديثين إن المدح في ترك الرقى للأفضلية ، وبيان التوكل . والذي فعل الرقى ، وأذن فيها لبيان الجواز ، مع أن تركها أفضل ، وبهذا قال ابن عبد البر ، وحكاه عمن حكاه . والمختار الأول ، وقد نقلوا بالإجماع على جواز الرقى بالآيات ، وأذكار الله تعالى . قال المازري : جميع الرقى جائزة إذا كانت بكتاب الله ، أو بذكره ، ومنهي عنها إذا كانت باللغة العجمية ، أو بما لا يدرى معناه ، لجواز أن يكون فيه كفر . قال : واختلفوا في رقية أهل الكتاب ، فجوزها أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وكرهها مالك خوفا أن يكون مما بدلوه . ومن جوزها قال : الظاهر أنهم لم يبدلوا الرقى ، فإنهم لهم غرض في ذلك بخلاف غيرها مما بدلوه . وقد ذكر مسلم بعد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شيء ) . وأما قوله في الرواية الأخرى : ( يا رسول الله إنك نهيت عن الرقى ) فأجاب العلماء عنه بأجوبة أحدها كان نهى أولا ، ثم نسخ ذلك ، وأذن فيها ، وفعلها ، واستقر الشرع على الإذن . والثاني أن النهي عن الرقى المجهولة كما سبق . والثالث أن النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها كما كانت الجاهلية تزعمه في أشياء كثيرة . أما قوله في الحديث الآخر : ( لا رقية إلا من عين أو حمة ) فقال العلماء : لم يرد به حصر الرقية الجائزة فيهما ، ومنعها فيما عداهما ، وإنما المراد لا رقية أحق وأولى من رقية العين والحمة لشدة الضرر فيهما . قال القاضي : وجاء في حديث في غير مسلم : سئل عن النشرة ، فأضافها إلى الشيطان . قال : والنشرة معروفة مشهورة عند أهل التعزيم ، وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها ، أي تخلي عنه . وقال الحسن : هي من السحر . قال القاضي : وهذا محمول على أنها أشياء خارجة عن كتاب الله تعالى وأذكاره ، وعن المداواة المعروفة التي هي من جنس المباح . وقد اختار بعض المتقدمين هذا ، فكره حل المعقود عن امرأته . وقد حكى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن رجل به طب أي ضرب من الجنون ، أو يؤخذ عن امرأته ، أيخلى عنه أو ينشر ؟ قال : لا بأس به ، إنما يريدون به الصلاح ، فلم ينه عما ينفع . وممن أجاز النشرة الطبري ، وهو الصحيح . قال كثيرون أو الأكثرون : يجوز الاسترقاء للصحيح لما يخاف أن يغشاه من المكروهات ، والهوام . ودليله أحاديث ، ومنها حديث عائشة في صحيح البخاري ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه تفل في كفه ، ويقرأ : قل هو الله أحد ، والمعوذتين ، ثم يمسح بها وجهه ، وما بلغت يده من جسده ) والله أعلم .

(7/325)


4056 - قوله : ( باسم الله أرقيك ، من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد )
هذا تصريح الرقى بأسماء الله تعالى ، وفيه توكيد الرقية ، والدعاء ، وتكريره . وقوله : ( من شر كل نفس ) قيل : يحتمل أن المراد بالنفس نفس الآدمي ، وقيل : يحتمل أن المراد بها العين ، فإن النفس تطلق على العين ، ويقال : رجل نفوس إذا كان يصيب الناس بعينه . كما قال في الرواية الأخرى : ( من شر كل ذي عين ) ويكون قوله : ( أو عين حاسد ) من باب التوكيد بلفظ مختلف ، أو شكا من الراوي في لفظه . والله أعلم .

(7/326)


4057 - قوله صلى الله عليه وسلم : ( العين حق )
. قال الإمام أبو عبد الله المازري : أخذ جماهير العلماء بظاهر هذا الحديث ، وقالوا : العين حق ، وأنكره طوائف من المبتدعة ، والدليل على فساد قولهم أن كل معنى ليس مخالفا في نفسه ، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ، ولا إفساد دليل ، فإنه من مجوزات العقول . إذا أخبر الشرع بوقوعه وجب اعتقاده ، ولا يجوز تكذيبه . وهل من فرق بين تكذيبهم بهذا ، وتكذيبهم بما يخبره به من أمور الآخرة ؟ قال : وقد زعم بعض الطبائعيين من المثبتين للعين أن العائن تنبعث من عينه قوة سمية تتصل بالعين ، فيهلك أو يفسد . قالوا : ولا يمتنع هذا ، كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب تتصل باللديغ فيهلك ، وإن كان غير محسوس لنا ، فكذا العين . قال المازري : وهذا غير مسلم لأنا بينا في كتب علم الكلام أن لا فاعل إلا الله تعالى ، وبينا فساد القول بالطبائع ، وبينا أن المحدث لا يفعل في غيره شيئا ، وإذا تقرر هذا بطل ما قالوه . ثم نقول : هذا المنبعث من العين إما جوهر ، وإما عرض . فباطل أن يكون عرضا ؛ لأنه لا يقبل الانتقال ، وباطل أن يكون جوهرا ؛ لأن الجواهر متجانسة ، فليس بعضها بأن يكون مفسدا لبعضها بأولى من عكسه ، فبطل ما قالوه . قال : وأقرب طريقة قالها من ينتحل الإسلام منهم أن قالوا : لا يبعد أن تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية من العين ، فتتصل بالمعين ، وتتخلل مسام جسمه ، فيخلق الله سبحانه وتعالى الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السم ، عادة أجراها الله تعالى ، وليست ضرورة ، ولا طبيعة ألجأ العقل إليها . ومذهب أهل السنة أن العين إنما تفسد وتهلك عند نظر العائن بفعل الله تعالى ، أجرى الله سبحانه وتعالى العادة أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر . وهل ثم جواهر خفية أم لا ؟ هذا من مجوزات العقول ، لا يقطع فيه بواحد من الأمرين ، وإنما يقطع بنفي الفعل عنها وبإضافته إلى الله تعالى . فمن قطع من أطباء الإسلام بانبعاث الجواهر فقد أخطأ في قطعه ، وإنما هو من الجائزات . هذا ما يتعلق بعلم الأصول . أما ما يتعلق بعلم الفقه فإن الشرع ورد بالوضوء لهذا الأمر في حديث سهل بن حنيف لما أصيب بالعين عند اغتساله فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عائنه أن يتوضأ . رواه مالك في الموطأ . وصفة وضوء العائن عند العلماء أن يؤتى بقدح ماء ، ولا يوضع القدح في الأرض ، فيأخذ منه غرفة فيتمضمض بها ، ثم يمجها في القدح ، ثم يأخذ منه ماء يغسل وجهه ، ثم يأخذ بشماله ماء يغسل به كفه اليمنى ، ثم بيمينه ماء يغسل به مرفقه الأيسر ، ولا يغسل ما بين المرفقين والكعبين ، ثم يغسل قدمه اليمنى ، ثم اليسرى على الصفة المتقدمة ، وكل ذلك في القدح ، ثم داخلة إزاره ، وهو الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن . وقد ظن بعضهم أن داخلة الإزار كناية عن الفرج ، وجمهور العلماء على ما قدمناه . فإذا استكمل هذا صبه من خلفه على رأسه . وهذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه ، وليس في قوة العقل الاطلاع على أسرار جميع المعلومات ، فلا يدفع هذا بألا يعقل معناه . قال : وقد اختلف العلماء في العائن هل يجبر على الوضوء للمعين أم لا ؟ واحتج من أوجبه بقوله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم هذه ( وإذا استغسلتم فاغسلوا ) وبرواية الموطأ التي ذكرناها أنه صلى الله عليه وسلم أمره بالوضوء ، والأمر للوجوب . قال المازري : والصحيح عندي الوجوب ، ويبعد الخلاف فيه إذا خشي على المعين الهلاك ، وكان وضوء العائن مما جرت العادة بالبرء به ، أو كان الشرع أخبر به خبرا عاما ، ولم يكن زوال الهلاك إلا بوضوء العائن فإنه يصير من باب من تعين عليه إحياء نفس مشرفة على الهلاك ، وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر ، فهذا أولى ، وبهذا التقرير يرتفع الخلاف فيه . هذا آخر كلام المازري . قال القاضي عياض بعد أن ذكر قول المازري الذي حكيته . بقي من تفسير هذا الغسل على قول الجمهور ، وما فسره به الزهري ، وأخبر أنه أدرك العلماء يصفونه ، واستحسنه علماؤنا ، ومضى به العمل أن غسل العائن وجهه إنما هو صبه ، وأخذه بيده اليمنى ، وكذلك باقي أعضائه إنما هو صبه صبة على ذلك الوضوء في القدح ، ليس على صفة غسل الأعضاء في الوضوء وغيره ، وكذلك غسل داخلة الإزار إنما هو إدخاله وغمسه في القدح ، ثم يقوم الذي في يده القدح فيصبه على رأس المعين من ورائه على جميع جسده ، ثم يكفأ القدح وراءه على ظهر الأرض ، وقيل : يستغفله بذلك عند صبه عليه . هذه رواية ابن أبي ذئب . وقد جاء عن ابن شهاب من رواية عقيل مثل هذا ، إلا أن فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة ، وفيه في غسل القدمين أنه لا يغسل جميعها ، وإنما قال : ثم يفعل مثل ذلك في طرف قدمه اليمنى من عند أصول أصابعه ، واليسرى كذلك ، وداخلة الإزار هنا المئزر ، والمراد بداخلته ما يلي الجسد منه ، وقيل : المراد موضعه من الجسد ، وقيل : المراد مذاكيره كما يقال : عفيف الإزار أي الفرج . وقيل : المراد وركه إذ هو معقد الإزار . وقد جاء في حديث سهل بن حنيف من رواية مالك في صفته أنه قال للعائن : اغتسل له ، فغسل وجهه ، ويديه ، ومرفقيه ، وركبتيه ، وأطراف رجليه ، وداخلة إزاره . وفي رواية : فغسل وجهه ، وظاهر كفيه ، ومرفقيه ، وغسل صدره ، وداخلة إزاره ، وركبتيه ، وأطراف قدميه . ظاهرهما في الإناء . قال : وحسبته قال : وأمر فحسا منه حسوات . والله أعلم .
قال القاضي في هذا الحديث من الفقه ما قاله بعض العلماء أنه ينبغي إذا عرف أحد بالإصابة بالعين أن يجتنب ويتحرز منه ، وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس ، ويأمره بلزوم بيته . فإن كان فقيرا رزقه ما يكفيه ، ويكف أذاه عن الناس ، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي صلى الله عليه وسلم دخول المسجد لئلا يؤذي المسلمين ، ومن ضرر المجذوم الذي منعه عمر رضي الله عنه والعلماء بعده الاختلاط بالناس ، ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بتغريبها إلى حيث لا يتأذى به أحد . وهذا الذي قاله هذا القائل صحيح متعين ، ولا يعرف عن غيره تصريح بخلافه . والله أعلم . قال القاضي : وفي هذا الحديث دليل لجواز النشرة والتطبب بها ، وسبق بيان الخلاف فيها . والله أعلم .

(7/327)


4058 - قوله : ( حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وحجاج بن الشاعر وأحمد بن خراش )
هكذا هو في جميع النسخ ( أحمد بن خراش ) بالخاء المعجمة المكسورة وبالراء وبالشين المعجمة ، وهو الصواب ، ولا خلاف فيه في شيء من النسخ ، وهو أحمد بن الحسن بن خراش ، أبو جعفر البغدادي نسب إلى جده . وقال القاضي عياض : هكذا هو في الأصول بالخاء المعجمة . قال : قيل : إنه وهم ، وصوابه أحمد بن جواس بفتح الجيم وبواو مشددة وسين مهملة . هذا كلام القاضي ، وهو غلط فاحش ، ولا خلاف أن المذكور في مسلم إنما هو بالخاء المعجمة والراء والشين المعجمة كما سبق ، وهو الراوي عن مسلم بن إبراهيم المذكور في صحيح مسلم هنا . وأما ( ابن جواس ) بالجيم فهو أبو عاصم الحنفي الكوفي روى عنه مسلم أيضا في غير هذا الموضع ، ولكنه لا يروى عن مسلم بن إبراهيم ، ولا هو المراد هنا قطعا . وكان سبب غلط من غلط كون أحمد بن خراش وقع منسوبا إلى جده كما ذكرنا .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين )
فيه إثبات القدر ، وهو حق ، بالنصوص وإجماع أهل السنة . وسبقت المسألة في أول كتاب الإيمان ، ومعناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى ، ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى ، وسبق بها علمه ، فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى . وفيه صحة أمر العين ؛ وأنها قوية الضرر . والله أعلم .
" 5222 "
قوله : ( سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي ، حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله )
قوله : ( من يهود بني زريق ) بتقديم الزاي . قال الإمام المازري رحمه الله : مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر ، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة ، خلافا لمن أنكر ذلك ونفى حقيقته ، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها ، وقد ذكره الله تعالى في كتابه ، وذكر أنه مما يتعلم ، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به ، وأنه يفرق بين المرء وزوجه ، وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له ، وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته ، وأنه أشياء دفنت وأخرجت ، وهذا كله يبطل ما قالوه ، فإحالة كونه من الحقائق محال ، ولا يستنكر في العقل أن الله سبحانه وتعالى يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق ، أو تركيب أجسام ، أو المزج بين قوى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر . وإذا شاهد الإنسان بعض الأجسام منها قاتلة كالسموم ، ومنها مسقمة كالأدوية الحادة ، ومنها مضرة كالأدوية المضادة للمرض لم يستبعد عقله أن ينفرد الساحر بعلم قوى قتالة ، أو كلام مهلك ، أو مؤد إلى التفرقة . قال : وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب آخر ، فزعم أنه يحط منصب النبوة ، ويشكك فيها ، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع ، هذا الذي ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل ؛ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ ، والمعجزة شاهدة بذلك ، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل . فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ، ولا كان مفضلا من أجلها ، وهو مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له ، وقد قيل : إنما كان يتخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ ، وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام ، فلا يبعد تخيله في اليقظة ، ولا حقيقة له . وقيل : إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله ، ولكن لا يعتقد صحة ما يتخيله ، فتكون اعتقاداته على السداد . قال القاضي عياض : وقد جاءت روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده ، ويكون معنى قوله في الحديث : ( حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهن ) ويروى : ( يخيل إليه ) أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن ، فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن ، ولم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحور . وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه فعل شيء ثم لا يفعله ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر ، لا لخلل تطرق إلى العقل ، وليس في ذلك ما يدخل لبسا على الرسالة ، ولا طعنا لأهل الضلالة . والله أعلم . قال المازري : واختلف الناس في القدر الذي يقع به السحر ، ولهم فيه اضطراب ، فقال بعضهم : لا يزيد تأثيره على قدر التفرقة بين المرء وزوجه ؛ لأن الله تعالى إنما ذكر ذلك تعظيما لما يكون عنده ، وتهويلا به في حقنا ، فلو وقع به أعظم منه لذكره ، لأن المثل لا يضرب عند المبالغة إلا بأعلى أحوال المذكور قال : ومذهب الأشعرية أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك . قال : وهذا هو الصحيح عقلا لأنه لا فاعل إلا الله تعالى ، وما يقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى ، ولا تفترق الأفعال في ذلك ، وليس بعضها بأولى من بعض ، ولو ورد الشرع بقصوره عن مرتبة لوجب المصير إليه ، ولكن لا يوجد شرع قاطع يوجب الاقتصار على ما قاله القائل الأول ، وذكر التفرقة بين الزوجين في الآية ليس بنص في منع الزيادة ، وإنما النظر في أنه ظاهر أم لا . قال : فإن قيل : إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يد الساحر ، فبماذا يتميز عن النبي ؟ فالجواب أن العادة تنخرق على يد النبي والولي والساحر ، لكن النبي يتحدى بها الخلق ، ويستعجزهم عن مثلها ، ويخبر عن الله تعالى بخرق العادة بها لتصديقه ، فلو كان كاذبا لم تنخرق العادة على يديه ، ولو خرقها الله على يد كاذب لخرقها على يد المعارضين للأنبياء . وأما الولي والساحر فلا يتحديان الخلق ، ولا يستدلان على نبوة ، ولو ادعيا شيئا من ذلك لم تنخرق العادة لها . وأما الفرق بين الولي والساحر فمن وجهين : أحدهما ، وهو المشهور ، إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق ، والكرامة لا تظهر على فاسق ، وإنما تظهر على ولي ، وبهذا جزم إمام الحرمين وأبو سعد المتولي وغيرهما . والثاني أن السحر قد يكون ناشئا بفعلها وبمزجها ومعاناة وعلاج ، والكرامة لا تفتقر إلى ذلك . وفي كثير من الأوقات يقع ذلك اتفاقا من غير أن يستدعيه أو يشعر به والله أعلم .
وأما ما يتعلق بالمسألة من فروع الفقه فعمل السحر حرام ، وهو من الكبائر بالإجماع ، وقد سبق في كتاب الإيمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عده من السبع الموبقات ، وسبق هناك شرحه ، ومختصر ذلك أنه قد يكون كفرا ، وقد لا يكون كفرا ، بل معصيته كبيرة ، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر ، وإلا فلا وأما تعلمه وتعليمه فحرام ، فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر ، وإلا فلا . وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر ، واستتيب منه ، ولا يقتل عندنا . فإن تاب قبلت توبته . وقال مالك : الساحر كافر يقتل بالسحر ، ولا يستتاب ، ولا تقبل توبته ، بل يتحتم قتله . والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق ، لأن الساحر عنده كافر كما ذكرنا ، وعندنا ليس بكافر ، وعندنا تقبل توبة المنافق والزنديق . قال القاضي عياض : وبقول مالك قال أحمد بن حنبل ، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين . قال أصحابنا : فإذا قتل الساحر بسحره إنسانا ، واعترف أنه مات بسحره ، وأنه يقتل غالبا لزمه القصاص . وإن قال : مات به ، ولكنه قد يقتل ، وقد لا ، فلا قصاص ، وتجب الدية والكفارة ، وتكون الدية في ماله لا على عاقلته ، لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني . قال أصحابنا : ولا يتصور القتل بالسحر بالبينة ، وإنما يتصور باعتراف الساحر . والله أعلم .
قوله : ( حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا ، ثم دعا )
هذا دليل لاستحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات ، وتكريره ، وحسن الالتجاء إلى الله تعالى .
قوله : ( ما وجع الرجل ؟ قال : مطبوب )
المطبوب المسحور ، يقال : طب الرجل إذا سحر ، فكنوا بالطب عن السحر ، كما كنوا بالسليم عن اللديغ . قال ابن الأنباري : الطب من الأضداد ، يقال لعلاج الداء طب ، وللسحر طب ، وهو من أعظم الأدواء ، ورجل طبيب أي حاذق ، سمي طبيبا لحذقه وفطنته .
قوله : ( في مشط ومشاطة وجب طلعة ذكر )
أما ( المشاطة ) فبضم الميم ، وهي الشعر الذي يسقط من الرأس أو اللحية عند تسريحه . وأما ( المشط ) ففيه لغات : مشط ومشط بضم الميم فيهما وإسكان الشين وضمها ، ومشط بكسر الميم وإسكان الشين ، وممشط ، ويقال له : ( مشطأ ) بالهمز وتركه ، ومشطاء ممدود ، وممكد ، ومرجل ، وقيل بفتح القاف ، حكاهن أبو عمر الزاهد . وأما قوله : ( وجب ) هكذا في أكثر نسخ بلادنا ( جب ) بالجيم وبالباء الموحدة ، وفي بعضها ( جف ) بالجيم والفاء ، وهما بمعنى ، وهو وعاء طلع النخل ، وهو الغشاء الذي يكون عليه ، ويطلق على الذكر والأنثى ، فلهذا قيده في الحديث بقوله : ( طلعة ذكر ) وهو بإضافة طلعة إلى ذكر . والله أعلم . ووقع في البخاري من رواية ابن عيينة : ( ومشاقة ) بالقاف بدل مشاطة ، وهي المشاطة أيضا ، وقيل : مشاقة الكتان .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( في بئر ذي أروان )
هكذا هو في جميع نسخ مسلم : ( ذي أروان ) وكذا وقع في بعض روايات البخاري . وفي معظمها ( ذروان ) وكلاهما صحيح ، والأول أجود وأصح . وادعى ابن قتيبة أنه الصواب ، وهو قول الأصمعي ، وهو بئر بالمدينة في بستان بني زريق .
قوله صلى الله عليه وسلم : ( والله لكأن ماءها نقاعة الحناء )
النقاعة بضم النون الماء الذي ينقع فيه الحناء ، والحناء ممدود .
قولها : ( فقلت : يا رسول الله أفلا أحرقته )
وفي الرواية الثانية : ( قلت : يا رسول الله فأخرجه ) كلاهما صحيح ، فطلبت أنه يخرجه ، ثم يحرقه ، والمراد إخراج السحر ، فدفنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبر أن الله تعالى قد عافاه ، وأنه يخاف من إخراجه وإحراقه وإشاعة هذا ضررا وشرا على المسلمين من تذكر السحر ، أو تعلمه ، وشيوعه ، والحديث فيه ، أو إيذاء فاعله ، فيحمله ذلك أو يحمل بعض أهله ومحبيه والمتعصبين له من المنافقين وغيرهم على سحر الناس وأذاهم ، وانتصابهم لمناكدة المسلمين بذلك . هذا من باب ترك مصلحة لخوف مفسدة أعظم منها ، وهو من أهم قواعد الإسلام ، وقد سبقت المسألة مرات . والله أعلم .

(7/328)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية