صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : شرح البخاري لابن بطال
مصدر الكتاب : ملف وورد أهداه بعض الأخوة للبرنامج
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

/7 - وفيه: عائشة، قالت: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : « من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد » .
قال المؤلف: أما قضاء النبى - صلى الله عليه وسلم - فى هذه القصة بكتاب الله فهو رد الغنم والجارية اللذين أخذا بالباطل، وقد نهى الله عباده عن ذلك فقال: {ولا تأكلو أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] ولم يجز هذا الصلح؛ لاشتراء حدود الله ببعض عرض الدنيا، وحدود الله لا تسقط ولا تباع ولا تشترى، وأجمع العلماء أنه لا يجوز الصلح المنعقد على غير السنة وأنه منتقض، ألا ترى أنه رد الغنم والوليدة وألزم ابنه من الحد ما ألزمه الله، فقال: « من أحدث فى أمرنا ما ليس منه فهو رد » وبذلك كتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى فى رسالته إليه يعلمه القضاء فقال: والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا.
وذهب مالك وابن القاسم إلى أن الصلح كالبيع، لايجوز فيه المكروه ولا الغرر. وذكر ابن حبيب عن مطرف قال: كل ما وقع به الصلاح من الأشياء المكروهة التى ليست بحرام صراح فالصلح بها جائز.
قال ابن الماجشون: إن عثر عليه بحدثانه فسخ، وإن طال أمر مضى. وقال أصبغ: إن وقع الصلح بالحرام والمكروه مضى ولم يرد، وإن عثر عليه بحدثان ذلك؛ لأنه كالهبة، ألا ترى أنه لو صالح من دعواه تنتقض لم يكن فيه شفعة؛ لأنه كالهبة، وقد حدثنا سفيان بن عيينة أن على بن أبى طالب أتى بصلح فقرأه فقال: هذا حرام، ولولا أنه صلح لفسخته. قال ابن حبيب: وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلى، لموافقته قوله فى الحديث: « إلاصلحا أحل حراما أو حرم حلالا » .
* * *
6 - باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان، وفلان بن فلان
وإن لم ينسبه إلى قبيلته أو نسبه

(15/93)


(1)/8 - فيه: البراء، قال: « لما صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الحديبية، كتب على بن أبى طالب بينهم كتابا، فكتب: محمد رسول الله، فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولا لم نقاتلك، فقال لعلى: امحه، فقال على: ما أنا بالذى أمحاه، فمحاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، فسألوه: ما جلبان السلاح؟ فقال: القراب بما فيه » .
__________
(1) - انظر التخريج السابق.

(15/94)


(1)/9 - وقال البراء: « اعتمر النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ذى القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام، إلى قوله: بجلبان السلاح، وألا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدا من أصحابه أراد أن يقيم بها، فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليا، فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا، فقد مضى الأجل، فخرج النبى - صلى الله عليه وسلم - فتبعتهم ابنة حمزة: يا عم، يا عم، فتناولها على، فأخذ بيدها، وقال لفاطمة، عليها السلام: دونك ابنة عمك، حملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال على: أنا أحق بها، وهى ابنة عمى، وقال جعفر: ابنة عمى وخالتها تحتى، وقال زيد: ابنة أخى، فقضى بها النبى - صلى الله عليه وسلم - لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعلى: أنت منى، وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خلقى، وخلقى وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا » .
أصل هذا الباب أن يكتب فى اسم الرجل من تعريفه ما لا يشكل على أحد، فإن كان اسمه واسم أبيه مشهورين شهرة ترفع الإشكال لم يحتج فى ذلك إلى زيادة ذكر نسبه ولا قبيلته، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - اقتصر فى كتاب المقاضاة مع المشركين على أن كتب محمد بن عبد الله، ولم يزد عليه لما أمن الالتباس فيه؛ لأنه لم يكن هذا الاسم لأحد غير النبى - صلى الله عليه وسلم - .
واستحب الفقهاء أن يكتب اسمه واسم أبيه وجده ونسبه ليرفع الإشكال فيه، فقل ما يقع مع ذكر هذه الأربعة اشتباه فى اسمه ولا التباس فى أمره.

(15/95)


قال المهلب: وفيه من الفقه رجوع النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى اسمه واسم أبيه فى العقد، ومحوه لحظة النبوة إنما كان لأن الكلام فى الصلح وميثاق العقد كان إخبارا عن أهل مكة، ألا تراهم قالوا: « لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك ولا قاتلناك » فخشوا أن ينعقد عليهم إقرارهم برسالته، فلذلك قالوا ما قالوا هربا من الشهادة بذلك.
وأما محو « الرحمن » من الكتاب فليس بمحو من الصدور، وربما آل التشاح فى ذلك إلى فساد ما كان أحكموه من الصلح.
وإباءة على من محو « رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » أدب منه وإيمان وليس بعصيان فيما أمره به، والعصيان هاهنا أبر من الطاعة له وأجمل فى التأدب والإكرام.
قال الطبرى: وفى كتابه - صلى الله عليه وسلم - باسمك اللهم، ولم يأب عليهم أن يكتبه إذ لم يكن فى كتابة ذلك نقض شىء من شروط الإسلام، ولا تبديل شىء من شرائعه، وإن كانت سنته الجارية بين أمته أن يستفتحوا كتبهم « بسم الله الرحمن الرحيم » . وكان فعله ذلك والمسلمون يومئذ فى قلة من العدد وضعف من القوة، والمشركون فى كثرة من العدد وشدة من الشوكة، فتبين أن نظير ذلك إذا حدثت للمسلمين حالة تشبه حالة المسلمين يوم الحديبية فى القلة والضعف، وامتنع المشركون من الصلح إلا على حذف بعض أسماء الله أو صفاته، أو حذف بعض محامده أو بعض الدعاء لرسوله أو حذف بعض صفاته، ورأى القيم بأمر المسلمين أن النظر للمسلمين إتمام الصلح أن له أن يفعل كفعل النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك.

(15/96)


ولو امتنعوا من الصلح على أن يبتدىء الكتاب هذا ما قاضى عليه فلان بن فلان، ويحذف منه كل ما يبتدأ به من ذكر أسماء الله تعالى وصفاته فى ابتداء الكتاب، أو يحذف منه ذكر الخلافة؛ أنه ليس فى ترك ذلك ترك فرض من فرائض الله عز وجل لا يسع المسلمون تضييعه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما أجابهم إلى ما أرادوا من كتاب محمد بن عبد الله؛ لم يكن ذلك مزيلا لصفة من النبوة، ولا يكون للخليفة إذا لم يوصف بالخلافة دخول منقصة عليه، ولا زواله عن منزلة من الإمامة، كما لم يكن فى رضا النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب محمد ابن عبد الله منقصة عن النبوة التى جعلها الله تعالى فيه.
قال المهلب: وأما اشتراطهم عليه ألا يخرج بأحد من أهلها إن تبعه، ثم خرجت بنت حمزة وفرت معه، فإنما جاز ذلك لأن المشارطة إنما وقعت على الرجال دون النساء، وقد بينه البخارى فى كتاب الشروط بعد هذا، وفى بعض طرق هذا الحديث، فقال سهيل: « وعلى أنه لا يأتيك منا رجل هو على دينك إلا رددته إلينا » ولم يذكر النساء، فصح بهذا أن أخذه لابنة حمزة كان لهذه العلة، ألا تراه رد أبا جندل إلى أبيه، وهو العاقد لهذه المقاضاة.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : « الخالة بمنزلة الأم » يعنى فى الحضانة وهو أصل فى الحكم للخالة بالحضانة. وقال الطبرى: فيه دليل على أن أم الصغير ومن كان من قرابتها من النساء أولى بالحضانة من عصبتها من قبل الأب، وإن كانت ذات زوج غير الوالد الذى هو منه؛ وذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قضى بابنة حمزة لخالتها فى الحضانة، وقد تنازع فيها ابنا عمها على وجعفر ومولاها أخو أبيها الذى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخى بيينه وبينه، وخالتها يومئذ لها زوج غير أبيها، وذلك بعد مقتل حمزة، فصح قول من قال: إنه لا حق لعصبة الصغير من قبل الأب فى حضانته ما لم يبلغ حد الاختيار مع قرابته من النساء من قبل الأم وإن كن ذوات أزواج.
فإن قيل: فإذا كانت قرابة الأم أحق وإن كن ذوات أزواج، فهلا كانت الأم ذات الزوج كذلك كما كانت الخالة ذات الزوج أحق به؟

(15/97)


قيل: فرق بين ذلك قيام الحجة بالنقل المستفيض رواته عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أن الأم أحق بحضانة الطفل ما لم تنكح، فإذا نكحت فالأب أحق بحضانته، وقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وكل واحدة من المسألتين أصل، إحداهما من جهة النقل المستفيض والأخرى من جهة نقل الآحاد العدول، وغير جائز رد حكم إحداهما على الأخرى، إذ القياس لا يجوز استعماله إلا فيما لا نص فيه من الأحكام.
وقوله: « أنت مولانا » فالولاء فى هذا الموضع لا يصلح أن يكون إلا الانتساب فقط لا الموارثة؛ لأنه قد كان نزل فى القران ترك التبنى وترك التوارث به وبالحلف، ولم يبق من ذلك إلا الانتساب أن ينتسب الرجل إلى حلفائه ومعاقديه خاصة، وإلى من أسلم على يديه، فيكتب كما يكتب النسب والقبيلة غير أنه لا يرثه بذلك.
قال الخطابى: الجلبان: يشبه الجراب من الأدم ويضع الراكب فيه سيفه بقرابه، ويضع فيه سوطه، يعلقه الراكب من واسطة رحله أو من آخره، وإنما اشترطوا دخول مكة والسيوف فى قربها؛ ليكون ذلك علما للصلح، ولو دخلوها متقلدين بها لم تؤمن الفتنة كقول الشاعر:
إن تسألوا الحق نعطى سائله

والدرع مخفية والسيف مقروب

والعرب لا تضع السلاح إلا فى الأمن.
* * *
7 - باب الصلح مع المشركين
فيه عن أبى سفيان، وقال عوف بن مالك، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : « ثم تكون هدنة بينكم وبين بنى الأصفر » ، وفيه سهل بن حنيف وأسماء والمسور عن النبى - صلى الله عليه وسلم - .

(15/98)


قال البراء: صالح النبى - صلى الله عليه وسلم - المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء، على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى ألا يدخلها من قابل، ويقيم بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه، فجاء أبو جندل يحجل فى قيوده، فرده إليهم » .
(1)/10 - وفيه: ابن عمر، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بها ثلاثا، أمروه أن يخرج فخرج.
(2)/11 - وفيه: سهل بن أبى حثمة قال: انطلق عبدالله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر وهى يومئذ صلح.
قال المؤلف: صلح المسلمين هذا للمشركين جائز إذا دعت الضرورة إلى ذلك، فلم يكن بالمسلمين طاقة على العدو، فأما إذا قدروا عليهم فلا يجوز مصالحتهم؛ لقوله عز وجل: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم} [محمد: 35].
__________
(1) - سبق تخريجه.
(2) - سبق تخريجه.

(15/99)


قال المهلب: وإنما قاضاهم النبى - صلى الله عليه وسلم - هذه القضية التى ظاهرها الوهن على المسلمين؛ لسبب حبس الله عز وجل ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مكة حين توجه إليها فبركت به، فقال أصحابه: خلأت. فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : « ما خلأت ولا هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل » وكانت إذا حولت عن مكة قامت ومشت، وإذا حرفت إلى مكة بركت،، وكذلك كانت حالة الفيل، ففهمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ربه ولم يتعرض لدخوله مكة، وقبل مصالحة المشركين، وحبس جيشه عن انتهاك حرمات الحرم وأهله، ولما كان قد سبق فى علمه عز وجل من دخول أهل مكة فى الإسلام فقال - صلى الله عليه وسلم - : « لا يسألونى اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله أو الحرم إلا أعطيتهم إياها » فكان مما سألوه أن يعظم به أهل الحرم أن يرد إليهم من خرج عنهم ومن حرمهم مسلما أو غيره، وألا يردوا ولا يخرجوا من الحرم من فر إليه من المسلمين، وكان هذا من إجلال حرمة الحرم، فلهذا عاقدهم على ذلك مع يقين ما وعده الله تعالى أنه ستفتح عليه مكة ويدخلها حتى قال له عمر: « ألست أخبرتنا أنا داخلون مكة؟ فقال: هل أخبرتك أنك داخلها العام؟ » فدل هذا أن المدة التى قاضى النبى - صلى الله عليه وسلم - أهل مكة فيها إنما كانت من الله عز وجل مبالغة فى الإعذار إليهم مع ما سبق من علمه من دخولهم فى الإسلام.
قال ابن المنذر: اختلف العلماء فى المدة التى كانت بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين أهل مكة عام الحديبية. فقال عروة بن الزبير: كانت أربع سنين. وقال ابن جريج: كانت ثلاث سنين.
وقال ابن إسحاق: كانت عشر سنين. وقال الشافعى: لا يجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين على ما فعل النبى - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهى منتقضة؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية.
وقال ابن حبيب عن مالك: يجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة، وإجازته ذلك إلى غير مدة يدل على أنه تجوز مدة طويلة، وأن ذلك لاجتهاد الإمام، بخلاف قول الشافعى.

(15/100)


وقوله: « يحجل فى قيوده » والحجل: مشى المقيد. من كتاب العين.
* * *
8 - باب الصلح فى الدية
(1)/12 - فيه: أنس: « أن الربيع، وهى ابنة النضر، كسرت ثنية جارية، فطلبوا الأرش، وطلبوا العفو، فأبوا، فأتوا النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فأمرهم بالقصاص، فقال أنس بن النضر، أتكسر ثنية الربيع يا رسول الله، لا والذى بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، قال: يا أنس، كتاب الله القصاص، فرضى القوم، وعفوا، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، فرضى القوم وقبلوا الأرش.
الصلح فى الدية من قول الله: {فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178].
قال المهلب: « فطلبوا الأرش » يعنى: فطلبوا أن يعطوا الأرش، ويعفى عن القصاص، فأبى أهل الجارية وتحاكموا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فالحكم بالقصاص السن بالسن.
وإنما أقسم أنس بن النضر: « والله لا تكسر ثنية الربيع » ثقة منه بالله فى أن يجعل له مخرجا؛ لأنه كان ممن يتقى الله، فأجاب الله دعاءه وأبر قسمه بأن يسر القوم لقبول الأرش والعفو عن القصاص، فلذلك قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : « إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره » ولم يجعله فى معنى المتألى على الله بغير ثقة.
* * *
9 - باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - للحسن بن على: « ابنى هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين » ، وقوله تعالى: {فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9]
__________
(1) - سبق تخريجه.

(15/101)


(1)
__________
(1) - أخرجه الحميدى (793) قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا إسرائيل أبو موسى. وأحمد (5/37) قال: حدثنا سفيان، عن أبى موسى، ويقال له: إسرائيل. وفى (5/44) قال: حدثنا هاشم، قال: حدثنا المبارك. وفى (5/94) قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا على بن زيد. وفى (5/51) قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا مبارك بن فضالة. والبخارى= =(3/243) قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا سفيان، عن أبى موسى. وفى (4/249) قال: حدثنى عبد الله ابن محمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا حسين الجعفى، عن أبى موسى. وفى (5/32) قال حدثنا صدقة، قال: حدثنا ابن عيينة، قال: حدثنا أبو موسى. وفى (9/71) قال: حدثنا على بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا إسرائيل أبو موسى. وأبو داود (4662) قال: حدثنا مسدد، ومسلم بن إبراهيم، قالا: حدثنا حماد، عن على بن زيد (ح) وحدثنا محمد بن المثنى، عن محمد بن عبد الله الأنصارى، قال: حدثنى الأشعث. والترمذى (3773) قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا الأنصارى محمد بن عبد الله، قال: حدثنا الأشعث، هو ابن عبد الملك. والنسائى (3/107). وفى الكبرى (1644). وفى عمل اليوم والليلة (252) قال: أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبو موسى إسرائيل ابن موسى. وفى عمل اليوم والليلة (251) قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن على بن زيد. وفى فضائل الصحابة (63) قال: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا سفيان، عن أبى موسى. أربعتهم: إسرائيل أبو موسى، والمبارك بن فضالة، وعلى بن زيد، والأشعث، عن الحسن، فذكره.
أخرجه أحمد (5/47) قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرنى من سمع الحسن يحدث عن أبى بكرة، فذكره.
وأخرجه النسائى فى عمل اليوم والليلة (254) قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا عوف، عن الحسن، قال: بلغنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للحسن بن على نحوه مرسل.
وأخرجه النسائى فى عمل اليوم والليلة (255) قال: أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا أبو داود الحفرى، عن سفيان، عن داود. وفى (256) قال: أخبرنا محمد بن العلاء أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، عن هشام. كلاهما: داود، وهشام، عن الحسن، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكره مرسل.

(15/102)


/13 - فيه: الحسن البصرى قال: « استقبل، والله، الحسن بن على معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إنى لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية، وكان والله خير الرجلين، أى عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لى بأمور الناس، من لى بنسائهم، من لى بضيعتهم، فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبدشمس: عبدالرحمن بن سمرة وعبدالله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه، وتكلما، فقالا له، وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن على: إنا بنو عبدالمطلب قد أصبنا من هذا المال: وإن هذه الأمة قد عاثت فى دمائها، قالا: فإنا نعرض عليك كذا وكذا، ونطلب إليك، ونسألك، قال: فمن لى بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا، إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة، يقول: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر، والحسن بن على إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى، ويقول: إن ابنى هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
قال البخارى: قال لى على بن عبدالله: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبى بكرة بهذا الحديث.

(15/103)


قال المهلب: قوله - صلى الله عليه وسلم - : « إن ابنى هذا سيد » يدل أن السيادة إنما يستحقها من انتفع به الناس لأنه علق السيادة بالإصلاح بين الناس ونفعهم، هذا معنى السيادة.
وقوله: « إن قتل هؤلاء هؤلاء » يدل على نظر معاوية فى العواقب ورغبته فى صرف الحرب.
وقوله: « وكان والله خير الرجلين » يريد معاوية خير من عمرو بن العاص.
وقوله: « اذهبا إلى هذا الرجل واطلبا إليه واعرضا عليه » يدل على أن معاوية كان الراغب فى الصلح، وأنه عرض على الحسن المال وبذله ورغبه فيه حقنا للدماء وحرصا على رفع سيف الفتنة، وعرفه ما وعد به النبى - صلى الله عليه وسلم - من سيادته، وأن الله يصلح به بين فئتين من المسلمين، فقال له الحسن: إنا بنو عبد المطلب المجبولون على الكرم والتوسع لمن حوالينا من الأهل والموالى، وقد أصبنا من هذا المال بالخلافة ما صارت لنا به عادة إنفاق وإفضال على الأهل والحاشية، فإن تخليت من هذا الأمر قطعنا العادة « وإن هذه الأمة قد عاثت فى دمائها » يقول: قتل بعضها بعضا فلا يكفون إلا بالمال، فأراد أن يسكن أمر الفتنة ويفرق المال فيما لا يرضيه غير المال، فقالا: نفرض لك من المال فى كل عام كذا ومن الأقوات والثياب ما تحتاج إليه لكل ما ذكرت، فصالحاه على ذلك.
وفيه من الفقه: أن الصلح على الانخلاع من الخلافة والعهد بها على أخذ مال جائز للمختلع والمال له طيب، وكذلك هو جائز للمصالح الدافع المال إذا كان كل واحد منهما له سبب فى الخلافة يستند إليه، وعقد من الإمارة يعول عليه.

(15/104)


وقوله: « بين فئتين من المسلمين » يدل أن قتال المسلم للمسلمين لا يخرجه من الإسلام إذا كان على تأويل، ويفسر قوله - صلى الله عليه وسلم - : « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار » . يريد إن أنفذ الله عليهما الوعيد. وذكر أهل الأخبار أنه لما قتل على بن أبى طالب بايع أهل الكوفة الحسن بن على، وبايع أهل الشام معاوية، فسار معاوية بأهل الشام يريد الكوفة، وسار الحسن بأهل العراقين، فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة، فنظر الحسن إلى كثرة من معه من أهل العراق، فنادى: يا معاوية، إنى قد اخترت ما عند الله، فإن يكن هذا الأمر لك فما ينبغى لى أن أنازعك عليه، وإن يكن لى فقد جعلته لك. فكبر أصحاب معاوية، وقال المغيرة ابن شعبة عند ذلك: أشهد أنى سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول للحسن: « إن ابنى هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين » . فجزاك الله عن المسلمين خيرا.
وقال الحسن: اتق الله يا معاوية على أمة محمد، لا تفنيهم بالسيف على طلب الدنيا وغرور فانية زائلة، فسلم الحسن الأمر إلى معاوية وصالحه وبايعه على السمع والطاعة على إقامة كتاب الله وسنة نبيه، ثم دخلا الكوفة فأخذ معاوية البيعة لنفسه على أهل العراقين، فكانت تلك السنة سنة الجماعة لاجتماع الناس واتفاقهم وانقطاع الحرب وبايع معاوية كل من كان معتزلا عنه، وبايعه سعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة، وتباشر الناس بذلك، وأجاز معاوية الحسن بن على بثلاثمائة ألف وألف ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل، وانصرف الحسن بن على إلى المدينة وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة، وولى البصرة عبد الله بن عامر، وانصرف إلى دمشق واتخذها دار مملكته.
* * *
10 - باب هل يشير الإمام بالصلح

(15/105)


(1)/14 - فيه: عائشة: سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - صوت خصوم بالباب، عالية أصواتهم، وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه فى شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أين المتألى على الله، لا يفعل المعروف، فقال: أنا، يا رسول الله، وله أى ذلك أحب » .
(2)
__________
(2) - أخرجه أحمد (3/454) قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا زمعة، عن الزهرى. وفى (3/460) قال: حدثنا حسن، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا عبد الرحمن الأعرج. وفى (6/386) قال: حدثنا سريج وأبو جعفر المدائنى. قالا: حدثنا عباد، عن سفيان بن حسين، عن الزهرى. وفى (6/390) قال: حدثنا عثمان بن عمر. قال: أخبرنا يونس، عن الزهرى. وعبد بن حميد (377) قال: أخبرنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا يونس، عن الزهرى. والدارمى (2590) قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا يونس، عن الزهرى. والبخارى (1/123، 3/160، 246) قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا يونس، عن الزهرى. وفى (1/127) قال: حدثنا أحمد. قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونس بن يزيد، عن ابن شهاب. وفى (3/161، 244) قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن جعفر بن= =ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز. ومسلم (5/30) قال: حدثنا حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب. قال: أخبرنى يونس، عن ابن شهاب. (ح) وحدثناه إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا يونس، عن الزهرى. وأبو داود (3595) قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونس، عن ابن شهاب. وابن ماجة (2429) قال: حدثنا محمد بن يحيى، ويحيى بن حكيم. قالا: حدثنا عثمان بن عمر، قال: أنبأنا يونس بن يزيد، عن الزهرى. والنسائى (8/239) قال: أخبرنا أبو داود. قال: حدثنا عثمان بن عمر. قال: أنبأنا يونس، عن الزهرى. وفى (8/244) قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن الأعرج. كلاهما: الزهرى، وعبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن كعب بن مالك، فذكره.
أخرجه النسائى فى الكبرى تحفة الأشراف (8/11130) عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، أن كعب بن مالك... مرسل.

(15/106)


/15 - وفيه: كعب، أنه كان له على عبدالله بن أبى حدرد الأسلمى مال، فلقيه، فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما، فمر بهما النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا كعب، فأشار بيده، كأنه يقول: النصف، فأخذ نصف ما له عليه، وترك نصفا.
قال المهلب: فى هذين الحديثين الحض على الرفق بالغريم والإحسان إليه والوضع عنه. قال المهلب: وفى حديث عائشة النهى عن التألى على الله؛ لأن فيه معنى الاستبداد بنفسه، والقدرة على إرادته، فكأنه لما حتم بألا يفعل شابه ما يدعيه القدرية من إثبات القدرة لأنفسها، فوبخه النبى - صلى الله عليه وسلم - بقوله، ففهم ذلك ورجع عن تأليه ويمينه، وقال: « له أى ذلك أحب » من الوضع عنه أو الرفق به متبرئا من الفعل إلى الله، ورد الحول والقوة إليه، ويمينه إن كانت بعد نزول الكفارة ففيها الكفارة.
وفى حديث كعب أصل قول الناس فى حضهم على الصلح: خير الصلح الشطر؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمره بوضع النصف عن غريمه فوضعه عنه.
* * *
11 - باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم
(1)
__________
(1) - رواه عن أبى هريرة همام بن منبه: أخرجه أحمد (2/312) قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن مبارك. وفى (2/316) قال: حدثنا عبدالرزاق بن همام. وفى (2/374) قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا ابن المبارك. والبخارى (3/245، 4/68) قال: حدثنا إسحاق. قال: أخبرنا عبدالرزاق. وفى (4/42) قال: حدثنى إسحاق بن نصر. قال: حدثنا عبدالرزاق، ومسلم (3/83) قال: حدثنا محمد بن رافع. قال: حدثنا عبدالرزاق بن همام. وابن خزيمة (1494)= =قال: حدثنا الحسين. قال: حدثنا ابن المبارك. كلاهما: عبد الله بن المبارك، وعبدالرزاق، عن معمر، عن همام، فذكره.
قلت: ورواه عنه الحسن، أخرجه أحمد (2/328)، ورواه عنه أبو يونس سليم بن جبير، أخرجه أحمد (2/350)، ورواه عنه خلاس، أخرجه أحمد (2/395) والألفاظ بنحوه.

(15/107)


/16 - فيه: أبو هريرة: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : « كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة » .
قال المهلب: قوله: « كل سلامى » يعنى: كل مفصل وكل عظم وإن صغر، والسلاميات: عظام مفاصل الكف، فعلى كل واحد منها صدقة لله من فعل الطاعة والخير كل يوم، إذ كل موضع شعرة فما فوقها من جسد الإنسان عليه فيه نعمة لله، يلزمه شكره والاعتراف بها حين خلقه صحيحا يتصرف فى منافعه وإرادته، ولم يجعل فى ذلك الموضع داء يمنعه ألمه من استعماله والانتفاع به. وإنما سميت طاعة الله من صلاة وغيرها صدقة؛ لأنه كان لله أن يفترض على عباده ما شاء من الأعمال دون أجر يأجرهم عليها، ولا ثواب فيها، ولكنه برحمته تفضل علينا بالأجر والثواب على ما فرضه، فلما كان لأفعالنا أجر فكأننا نحن ابتدأنا بالعمل فاستحققنا الأجر، فشابه به الصدقة المبتدأة التى عليها الأجر لازم فى فضل الله. وفيه أن العدل بين الناس من الأعمال الزاكية عند الله المرجو قبولها.
* * *
12 - باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البين
(1)
__________
(1) - أخرجه أحمد (4/4) قال: حدثنا هاشم بن القاسم. وعبد بن حميد (519) قال: حدثنى أبو الوليد. والبخارى (3/145) قال: حدثنا عبد الله بن يوسف.
ومسلم (7/90) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد. (ح) وحدثنا محمد بن رمح. وأبوداود (3637) قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسى. وابن ماجة (15 و2480) قال: حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر المصرى. والترمذى (1363 و3027) قال: حدثنا قتيبة. والنسائى (8/245) قال: أخبرنا قتيبة. خمستهم: أبو الوليد، وهاشم، وعبد الله بن يوسف، وقتيبة، ومحمد بن رمح، عن الليث، عن الزهرى، عن عروة بن الزبير، فذكره.

(15/108)


/17 - فيه: الزبير، أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى شراج من الحرة، كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير: اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصارى، فقال: يا رسول الله آن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال: اسق، ثم احبس حتى يبلغ الجدر، فاستوعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ حقه للزبير، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك أشار على الزبير برأى سعة له وللأنصارى، فلما أحفظ الأنصارى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استوعى للزبير حقه فى صريح الحكم » .
قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا فى ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك...} الآية [النساء: 65].
قال المهلب: الترجمة صحيحة؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يسقى ويأخذ بأيسر ما يكفيه من الماء، ثم يرسله إلى جاره، فأبى ذلك جاره، واتهم النبى - صلى الله عليه وسلم - وأساء الظن بالنبوة من الجور والميل، فغضب النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر الزبير أن يسقى ويمسك الماء حتى يبلغ إلى منتهى حاجته، واستوعى الزبير حقه ولم يحمله غضبه - صلى الله عليه وسلم - على أكثر من أنه استوعى له حقه، ونزل القرآن بتصديقه، وهو قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك..} [النساء: 65] الآية. يعنى: لا يؤمنون إيمانا كاملا؛ لأنه لا يخرج من الإيمان بخطرة أخطرها الشيطان ونزغ بها.
وفيه من الفقه: أنه لا ينبغى الاقتداء بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فى غضبه ورضاه وجميع أحواله، وأن يكظم المؤمن غيظه ويملك نفسه عند غضبه، ولا يحملها على التعدى والجور، بل يعفو ويصفح.
وقوله: « أحفظ الأنصارى » يعنى: أغضبه.
* * *

(15/109)


13 - باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث والمجازفة فى ذلك
قال ابن عباس: لا بأس أن يتخارج الشريكان، فيأخذ هذا دينا، وهذا عينا، فإن توى لأحدهما لم يرجع على صاحبه.
(1)/18 - فيه: جابر: « توفى أبى وعليه دين، فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه، فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاء، فأتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فقال: إذا جددته، فوضعته فى المربد، آذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجاء ومعه أبو بكر وعمر فجلس عليه، ودعا بالبركة، ثم قال: ادع غرماءك فأوفهم، فما تركت أحدا له على أبى دين إلا قضيته، وفضل ثلاثة عشر وسقا: سبعة عجوة وستة لون.. الحديث.
قال المؤلف: كان الدين الذى على أبى جابر ثلاثين وسقا من تمر ذكره البخارى فى باب إذا قاضاه أو جازفه فى دين فهو جائز. وقال فيه جابر: توفى أبى وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود.
وقد تقدم هناك أنه لا يجوز عند العلماء أن يأخذ من له دين من تمر على أحد تمرا مجازفة فى دينه؛ لأن ذلك من الغرر، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة فى ذلك أقل من دينه، وكذلك لا يجوز عندهم أن يأخذ من الطعام مكيل معلوم الكيل طعاما جزافا من جنسه إلا أن يكون طعاما مخالفا لجنس الطعام المكيل يجوز فيه التفاضل، فلا يجوز إلا يدا بيد.
وروى ابن القاسم عن مالك، أنه كره لمن كان له دين على رجل أن يأخذ فيه ثمرة يجتنيها أو دارا يسكنها أو جارية يواضعها، وكذلك إذا اشترى منه بدينه كيلا من حنطة، كره أن يفارقه حتى يقبض الحنطة؛ لأنه يكون دينا فى دين. وقال أشهب: لا بأس بذلك كله.
__________
(1) - سبق تخريجه.

(15/110)


وهو قول أبى حنيفة: وقالوا: ليس من الدين بالدين؛ لأنه إذا شرع فى اجتناء الثمرة. وفى سكنى الدار فقد خرج من معنى الدين بالدين؛ لأن ما كان أوله مقبوضا وتأخر قبض سائره فهو كالمقبوض.
قال مالك: ولا يجوز لمن له طعام من بيع أو سلم أن يصالحه على دراهم يعجلها أو يؤخرها؛ لأنه بيع الطعام قبل أن يستوفى، فلم يجز لجابر أن يعطى اليهودى فيما كان له على أبيه من التمر دراهم.
ووجه حديث جابر فى هذا الباب أنه كان على أبيه دين من جنس تمر حائطه فرغب إلى الغرماء أن يأخذوا تمر نخله ويسقطوا عنه باقى دينهم؛ لاتفاقهم أن التمر لا يبلغ قدر الدين، ومثل هذا يجوز عند جميع العلماء؛ لأنه حط وإحسان وليس ببيع، ويجوز عند جماعة العلماء فى الصلح ما لا يجوز فى البيع، وإلى هذا المعنى ذهب البخارى فى ترجمته، والله أعلم.
وأما قول ابن عباس فقد اختلف العلماء فيه، فقال الحسن البصرى: إذا اقتسم الشريكان الغرماء فأخذ هذا بعضهم وهذا بعضهم فتوى نصيب أحدهما وخرج نصيب الآخر، قال: إذا أبرأه منه فهو جائز.
وقال النخعى: ليس بشىء ما توى أو خرج فهو بينهما نصفان، وهو قول مالك، والكوفيين، والشافعى.
وحجة من لم يجز ذلك أنه غرر؛ إذ قد يتوى ما على أحدهما فلا يحصل للذى خرج إليه شىء، ومن حق الشريكين أن يساويا فى الأخذ.
وحجة من قال: لا يرجع أحدهما على صاحبه أن الذمة تقوم مقام العين، فإذا توى ما على أحد الغرماء فإنه يبيعه به دينا.
وقال سحنون: إذا قبض أحد الشريكين من دينه عرضا فإن صاحبه بالخيار إن شاء جوز له ما أخذ وأتبع الغريم بنصيبه، وإن شاء رجع على شريكه بنصف ماقبض وأتبعا الغريم جميعا بنصف جميع الدين فاقتسماه بينهما نصفين. وهذا قول ابن القاسم.
* * *
14 - باب الصلح بالدين والعين

(15/111)


(1)/19 - فيه: كعب: أنه تقاضى ابن أبى حدرد دينا كان له عليه فى عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى المسجد، حتى ارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو فى بيته، فخرج رسول الله فقال: يا كعب، فأشار بيده أن ضع الشطر، فقال كعب: قد فعلت، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : قم فاقضه » .
اتفق العلماء أنه إن صالح غريمه عن دراهم بدراهم أقل منها أو عن ذهب بذهب أقل منه أنه جائز إذا حل الأجل، وإن أخره بذلك؛ لأنه حط عنه وأحسن إليه ولا يدخله دين فى دين، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : « من أنظر معسرا أو وضع عنه تجاوز الله عنه » ولا يجوز أن يحط عنه شيئا قبل حلول الأجل على أن يقضيه مكانه؛ لأنه يدخله ضع وتعجل وأما إن صالحه بعد حلول الأجل عن دراهم بدنانير أو عن دنانير بدراهم لم يجز ذلك إلا بالقبض؛ لأنه صرف، فإن قبض بعضا وبقى بعضا جاز فيما قبض وانتقض فيما لم يقبض، فإن كان الدين عرضا فلا يجوز له فى غير جنسه مما يتأخر قبض جميعه؛ لأنه الدين بالدين، وإن كان ناجزا فلا بأس به. هذا قول مالك. وإذا تقاضاه مثل دينه عند حلول الأجل على غير وجه الصلح فإنه يقبضه مكانه، ولا يجوز أن يحيله به غريمه على من له عليه دين؛ لأنه يكون الدين بالدين الذى نهى عنه، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - : « قم فاقضه » .
* * *

54 - كتاب الشروط
1 - باب ما يجوز من الشروط فى الإسلام والأحكام والمبايعة
__________
(1) - سبق تخريجه.

(15/112)


(1)/1 - فيه: مروان والمسور يخبران عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبى - صلى الله عليه وسلم - : أنه لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره ذلك المؤمنون، وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبى - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده فى تلك المدة، وإن كان مسلما، وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ممن خرج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ، وهى عاتق، فجاء أهلها يسألون النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} [غافر: 34]. قال عروة: قالت عائشة فمن أقر بهذا الشرط منهن، قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد بايعتك كلاما يكلمها به، والله ما مست يده يد امرأة قط فى المبايعة، وما بايعهن إلا بقوله.
(2)/2 - وفيه: جابر: « بايعت النبى - صلى الله عليه وسلم - فاشترط على: والنصح لكل مسلم. وقال مرة: بايعت النبى - صلى الله عليه وسلم - على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.
__________
(1) - سبق تخريجه.
(2) - سبق تخريجه.

(15/113)


قال المؤلف: الشروط الجائزة فى الإسلام والأحكام هى الشروط الموافقة لكتاب الله وسنة ورسوله، وشروط المبايعة هى التزام الفرائض والنصيحة للمؤمنين وما فى آية الممتحنة مما ألزمه الله عز وجل المؤمنات فى الآية أن {لا يسرقن ولا يزنين} [الممتحنة: 10] إلى آخر الآية.
فاختلف العلماء فى صلح المشركين على أن يرد إليهم من جاء منهم مسلما، فقال قوم: لا يجوز هذا وهو منسوخ بقوله - صلى الله عليه وسلم - : « أنا برئ من كل مسلم أقام مع مشرك فى دار الحرب لا تراءى نارهما » . قالوا: فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين؛ إذ كان النبى - صلى الله عليه وسلم - قد برئ ممن أقام معهم فى دار الحرب.
وأجمع المسلمون أن هجرة دار الحرب فريضة على الرجال والنساء وذلك الذى بقى من فرض الهجرة. هذا قول الكوفيين، وقول أصحاب مالك. ذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون قال: إذا اشترط أهل الحرب فى الصلح رد من أسلم منهم لم ينبغ أن يعطوا ذلك، فإن جهل معطيهم ذلك لم يوف لهم بالشرط؛ لأنه خلاف سنة الإسلام، وفيه إباحة حرمته.
وقال الشافعى: هذا الحكم فى الرجال غير منسوخ، ليس لأحد هذا العقد إلا للخليفة أو لرجل يأمره، فمن عقده غير الخليفة فهو مردود، وقول الشافعى: وهذا الحكم فى الرجال غير منسوخ؛ يدل أن مذهبه فى النساء منسوخ، وحجته فى حديث مروان والمسور قوله: « وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ممن خرج إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فجاء أهلها إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - يسألونه أن يرجعها إليهم فلم يرجعها لما نزل فيهن ورد أبا جندل.

(15/114)


وذكر معمر عن الزهرى قال: نزلت الآية على النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو بأسفل الحديبية، وكان صالحهم على أن من أتاه منهم رده إليهم، فلما جاء النساء نزلت عليه الآية وأمر أن يرد الصداق إلى أزواجهن فحكم النبى - صلى الله عليه وسلم - فى النساء بحكم الله فى القرآن وبين المعنى فى ذلك بقوله: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] فأخبر تعالى أن وطء المؤمنات حرام على الكفار، فلذلك لم ترد إليهم النساء. وقد روى فى هذا الحديث ما يدل أن الشرط إنما وقع فى صلح أهل مكة أن يرد الرجال خاصة ولم يقع على النساء وهو قول سهيل: « وعلى أنه لا يأتيك منا رجل إلا رددته إلينا » فلم يدخل فى ذلك النساء. ذكره البخارى فى باب الشروط فى الجهاد بعد هذا.
وقوله: « فامتعضوا » قال صاحب العين: معض الرجل وامتعض: إذا غضب للشىء. وأمعضته ومعضته أنا: إذا أنزلت به ذلك.
وقوله: « وهى عاتق » قال ابن دريد: عتقت الجارية: صارت عاتقا، وذلك إذا أوشكت البلوغ. وقد تقدم تفسير العواتق فى أبواب صلاة العيدين.
* * *
2 - باب إذا باع نخلا قد أبرت ولم يشترط الثمرة
(1)/3 - فيه: ابن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال: « من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع » .
قد تقدم فى كتاب البيوع.
* * *
3 - باب الشروط فى البيوع
__________
(1) - سبق تخريجه.

(15/115)


(1)/4 - فيه: عائشة « أن بريرة جاءت تستعينها فى كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئا، قالت لها عائشة، ارجعى إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضى عنك كتابتك، ويكون ولاؤك لى، فعلت، فذكرت ذلك بريرة إلى أهلها، فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون لنا ولاؤك، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لها، ابتاعى فأعتقى، فإنما الولاء لمن أعتق » .
وقد تقدم فى البيوع. ونذكر هاهنا منه طرفا. وروى عن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: وجدت فى كتاب جدى قال: أتيت مكة فأصبت بها أبا حنيفة وابن أبى ليلى وابن شبرمة، فأتيت أبا حنيفة فقلت له: ما تقول فى رجل باع بيعا واشترط شرطا؟ قال: البيع باطل والشرط باطل. فأتيت ابن أبى ليلى فسألته فقال: إن البيع جائز والشرط باطل. فأتيت ابن شبرمة فسألته، فقال: البيع جائز والشرط جائز. فقلت: سبحان الله! ثلاثة من فقهاء الكوفة اختلفوا فى مسألة. فأتيت أبا حنيفة فأخبرته بقولهما فقال: لا أدرى ما قالا، حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده « أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط » فأتيت ابن أبى ليلى فأخبرته بقولهما فقال: لا أدرى ما قالا، حدثنى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: « اشترى بريرة واشترطى لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق » فأجاز البيع وأبطل الشرط. فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بقولهما فقال: لا أدرى ما قالا، حدثنى مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله قال: « اشترى منى النبى - صلى الله عليه وسلم - ناقة فاشترطت حملانى » فأجاز البيع والشرط.
__________
(1) - سبق تخريجه.

(15/116)


قال المهلب: هذه الثلاث فتاوى جائزة كلها فى مواضعها، فلا يتعدى كل واحد منها ما وضع له ولها أحكام مختلفة على حسب تأويل الأحاديث الثلاثة، وهؤلاء الفقهاء حملوا تأويلها على العموم وظنوا أن كل واحد من هؤلاء الأحاديث عامل فى السنة كلها، وليس كذلك، ولكل واحد موضع لا يتعداه، وقد تقدم فى كتاب البيوع.
* * *
4 - باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز
(1)/5 - فيه: جابر: أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فمر النبى - صلى الله عليه وسلم - فضربه، فدعا له، فسار سيرا ليس يسير مثله، ثم قال: بعنيه بوقية، قلت: لا، ثم قال: بعنيه بوقية، فبعته، فاستثنيت حملانه إلى أهلى، فلما قدمنا أتيت بالجمل، ونقدنى ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل على إثرى: وقال: ما كنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك، فهو مالك
وقال شعبة،: أفقرنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظهره إلى المدينة،
وقال إسحاق، عن جرير، عن مغيرة: فبعته على أن لى فقار ظهره حتى آتى المدينة.
وقال عطاء وغيره: ولك ظهره إلى المدينة.
وقال ابن المنكدر، عن جابر، شرط ظهره إلى المدينة.
وقال زيد بن أسلم، عن جابر: ولك ظهره حتى ترجع.
وقال أبو الزبير، عن جابر: أفقرناك ظهره إلى المدينة،
وقال الأعمش، عن سالم، عن جابر: تبلغ عليه إلى أهلك.
قال أبو عبدالله: الاشتراط أكثر وأصح عندى.
__________
(1) - سبق تخريجه.

(15/117)


وقال ابن جريج، عن عطاء وغيره، عن جابر: أخذته بأربعة دنانير، وهكذا تكون أوقية على حساب الدينار بعشرة دراهم، ولم يبين الثمن مغيرة.
عن الشعبى، عن جابر وابن المنكدر وأبو الزبير، عن جابر، وقال الأعمش، عن سالم، عن جابر: أوقية ذهب،
وقال أبو إسحاق، عن سالم، عن جابر مائتى درهم.
وقال داود بن قيس، عن عبيدالله بن مقسم، عن جابر: اشتراه بطريق تبوك، أحسبه قال: بأربع أواق.
وقال أبو نضرة، عن جابر: اشتراه بعشرين دينارا.
وقول الشعبى: بوقية أكثر.
اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث لاختلاف ألفاظه، فمرة روى بلفظ الهبة والإفقار ومرة روى بلفظ الاستثناء والاشتراط، واختلاف اللفظ يوجب اختلاف المعانى عند الفقهاء إلا أن البخارى غلب لفظ الاشتراط وقضى له على غيره بالصحة، وممن قال بذلك من الفقهاء: الأوزاعى وأحمد وأبو ثور ومحمد بن نصر المروزى، وأهل الحديث قالوا: لا بأس أن يبيع الرجل الدابة ويشترط ظهرها إلى مكان معلوم، والبيع فى ذلك جائز والشرط ثابت.
وقال مالك: إن كان الاشتراط للركوب إلى مكان قريب مثل اليوم واليومين والثلاثة فلا بأس بذلك، وإن كان بعيدا فلا خبر فيه على ظاهر حديث جابر أنه باع الجمل من النبى - صلى الله عليه وسلم - واستثنى ركوبه إلى المدينة، وكان بينه وبينها ثلاثة أيام. وقال مالك: ولا بأس أن يشترط سكنى الدار الأشهر والسنة.
وقالت طائفة: إذا اشترط ركوب الدابة أو خدمة العبد أو سكنى الدار فالبيع فاسد. هذا قول الكوفيين والشافعى.

(15/118)


وقالوا: قد ورد حديث جابر بلفظ الإفقار والهبة، وهو أولى من حديث الاشتراط. قالوا: ولا يخلو شرط ركوب البائع أن يكون الركوب مستحقا من مال المشترى، فيكون البيع فاسدا؛ لأنه شرط لنفسه ما قد ملكه المشترى، أو يكون استثناؤه الركوب أوجب بقاء الركوب فى ملك البائع، فهذا محال لأن المشترى لم يملك المنافع بعد البيع من جهة البائع، وإنما ملكها لأنها طرأت فى ملكه، وكذلك سكنى الدار ونحوها.
واحتج عليهم من خالفهم، فقال: إنه لا خلاف بيننا أنه لو باع نخلا عليها ثمر قد أبر وبقاها لنفسه أنه جائز، والثمرة تبقى على نخل المبتاع إلى وقت جدادها، وقد باع النخل واستثنى منفعة تلك الثمرة لنفسه، وجاز ذلك فكذلك فى مسألتنا، وقد أجمعوا على جواز الفرد اليسير فى البيوع، وقد أجازه النبى - صلى الله عليه وسلم - وروى عن عثمان أنه باع دارا واشترط لنفسه سكناها مدة معلومة، وعثمان إمام فعل ذلك بين الصحابة، فلم ينكره أحد.
فإن قالوا: إن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط.
قيل: الذى نهى عن ذلك هو الذى جوز البيع والشرط فى حديث جابر، فدل أن الخبر مخصوص؛ لأن من الشروط ما يجوز ومنها ما لا يجوز، وقد قال: « المؤمنون عند شروطهم » قال ابن المنذر: وحديث جابر مستغنى به عن قول كل أحد، وإنما نهى أن يستثنى مجهولا من معلوم، فأما إذا علم المستثنى فذلك جائز، ومن خالف حديث جابر مستثنى برأيه فيما لا سنة فيه، كالدار يبيعها الرجل وقد أكراها وقتا معلوما أن سكناها للمكترى على المشترى إلى انقضاء المدة، فإذا جاز هذا ولا سنة فيه فالسنة الثابتة أولى أن نستنها.
قال المهلب: ومن روى « لك ظهره إلى المدينة » يدل على أنه تفضل عليه بركوبه إلى المدينة، ولم يكن من اشتراط جابر على النبى - صلى الله عليه وسلم - فى أصل البيع.

(15/119)


ويؤيد ذلك رواية من روى: فأفقره ظهره إلى المدينة » والإفتقار لا يكون إلا تفضلا، فيكون معنى رواية من روى: « وشرط له ظهره إلى المدينة » شرط تفضل؛ لأن القصة كلها جرت على جهة التفضل من النبى - صلى الله عليه وسلم - والرفق بجابر؛ لأنه وهبه الجمل بعد أن أعطاه ثمنه وزيادة، وكيف يشرط عليه جابر ركوبه وحين قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : « بعنيه. قال له جابر: هو لك يا رسول الله بلا ثمن » فلم يقبله النبى - صلى الله عليه وسلم - إلا بثمن رفقا به. ذكره البخارى فى كتاب الوكالات فى باب إذا وكل رجلا أن يعطى شيئا فلم يبين كم يعطى.
قال المهلب: وأما اختلافهم فى ثمن الجمل فلا حاجة بنا إلى علم مقداره؛ لأنه لا يجوز بيعه بالقليل والكثير، وإنما الغرض فى الحديث نقل العقد وأنه كان بثمن، فلذلك لم يعتبر مقداره.
الإفقار فى الإبل: أن يعار للركوب والحمل عليها. عن الخطابى: وفى كتاب العين: أفقرت الرجل الدابة إذا أعرته ظهرها. والفقار: عظم الصلب.
* * *
5 - باب الشروط فى المعاملة
(1)/6 - فيه: أبو هريرة، قالت الأنصار للنبى - صلى الله عليه وسلم - : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا، فقال: تكفونا المئونة، ونشرككم فى الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا » .
__________
(1) - أخرجه البخارى (3/136 و249). وفى « الأدب المفرد » (561) قال: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع. قال: أخبرنا شعيب. وفى (5/39) قال: حدثنا الصلت بن محمد أبو همام. قال: سمعت المغيرة بن عبد الرحمن. والنسائى فى فضائل الصحابة (216) قال: أخبرنا أحمد بن حفص. قال: حدثنا أبى. قال: حدثنى إبراهيم، عن موسى. وفى الكبرى تحفة الأشراف (10/13738) عن عمران بن بكار، عن على بن عياش، عن شعيب. ثلاثتهم: شعيب بن أبى حمزة، والمغيرة، وموسى بن عقبة، عن أبى الزناد، عن الأعرج، فذكره.

(15/120)


(1)
__________
(1) - أخرجه أحمد (2/17) (4663) قال: حدثنا يحيى. وفى (2/22) (4732) قال: حدثنا ابن نمير. وفى (2/37) (4946) قال: حدثنا حماد بن أسامة. والدارمى (2617) قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى. والبخارى (3/137) قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا أنس بن عياض. وفى (3/138) قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد. وفى (3/138) قال: حدثنا محمد بن مقاتل، قال: أخبرنا عبد الله. ومسلم (5/26) قال: حدثنا أحمد بن حنبل، وزهير ابن حرب، قالا: حدثنا يحيى، وهو القطان. (ح) وحدثنى على بن حجر السعدى، قال: حدثنا على، وهو ابن مسهر. (ح) وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبى. وأبو داود (3408) قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا يحيى. وابن ماجة (2467) قال: حدثنا محمد بن الصباح، وسهل بن= =أبى سهل، وإسحاق بن منصور، قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد القطان. والترمذى (1383) قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد. ستتهم: يحيى بن سعيد القطان، وابن نمير، وحماد بن أسامة، وأنس بن عياض، وعبد الله بن المبارك، وعلى بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر.
2 - وأخرجه أحمد (2/157) (6469) قال: حدثنا حماد بن خالد، عن عبد الله.
3 - وأخرجه البخارى (3/123 و184 و249 و5/179) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا جويرية بن أسماء.
4 - وأخرجه مسلم (5/26) قال: حدثنى أبو الطاهر. وأبو داودد (3008) قال: حدثنا سليمان ابن داود المهرى. كلاهما: أبو الطاهر، وسليمان بن داود، عن عبد الله بن وهب، قال: أخبرنى أسامة بن زيد الليثى.
5- وأخرجه مسلم (5/27) قال: حدثنا ابن رمح. وأبو داود (3409) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد. والنسائى (7/53) قال: أخبرنا قتيبة. (ح) وأخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا شعيب بن الليث. ثلاثتهم: ابن رمح، وقتيبة، وشعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عبد الرحمن، يعنى ابن غنج. خمستهم: عبيد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر، وجويرية بن أسماء، وأسامة بن زيد، ومحمد بن عبد الرحمن، عن نافع، فذكره.
الروايات مطولة ومختصرة، وألفاظها متقاربة.
وأخرجه أحمد (2/30) (4854) قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن نافع، فذكره.

(15/121)


/7 - وفيه: ابن عمر، قال: أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها.
قال المهلب: أراد الأنصار مقاسمة المهاجرين للإخاء الذى آخى بينهما النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وهذه المعاملة هى المساقاة بعينها، وهى خارجة عن معانى البيوع؛ لأنه لا يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وجاز بيعها فى المساقاة قبل أن تخلق وتظهر، وأما خروجها عن الإجارة، فإنه لا تجوز الإجارة المجهولة، وفى المساقاة لا يعلم مقدار ما يخرج النخيل من الثمر، وربما لا يخرج شيئا، وإنما جازت المساقاة بالسنة، فهى مخصوصة فى نفسها لا تتعدى إلى غيرها مما يشبه معناها، فلا يجوز من الشروط فى معاملاتهم إلا ما كان فى كتاب الله أو سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - .
* * *
6 - باب الشروط فى المهر عند عقدة النكاح
وقال عمر: إن مقاطع الحقوق عند الشروط، ولك ما شرطت، وقال المسور: سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - ذكر صهرا له، فأثنى عليه فى مصاهرته، فأحسن، وقال: حدثنى فصدقنى ووعدنى فوفى لى.
(1)/8 - فيه عقبة بن عامر قال: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج » .
هذا الباب مكرر فى كتاب النكاح وهو موضعه وسأذكر مذاهب العلماء فى شروط النكاح إن شاء الله.
* * *
7 - باب الشروط فى المزارعة
(2)/9 - فيه: رافع: كنا أكثر الأنصار حقلا، فكنا نكرى الأرض، فربما أخرجت هذه ولم تخرج ذه، فنهينا عن ذلك ولم ننه عن الورق.
تقدم معنى حديث رافع واختلاف مساقه فى كتاب المزارعة.
* * *
8 - باب ما لا يجوز من الشروط فى النكاح
__________
(1) - سبق تخريجه.
(2) - سبق تخريجه.

(15/122)


(1)/10 - فيه: أبو هريرة قال: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: « لا تسأل المرأة طلاق أختها؛ لتستكفئ إناءها » .
هذا فى كتاب النكاح.
* * *
9 - باب الشروط التى لا تحل فى الحدود
(2)/11 - فيه: أبو هريرة وزيد بن خالد: حديث العسيف: « ... فأخبرونى أن على ابنى الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام، وأن الرجم على امرأة هذا، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أما غنمك وجاريتك فرد عليك... » الحديث.
قال المهلب: كل شرط وقع فى رفع حد من حدود الله فلا يجوز منه شىء، ولا يجوز فيه صلح ولا فدية، وذلك مردود كله، وقد تقدم هذا الحديث فى كتاب الصلح فى باب إذا اصطلحوا على جور فهو مردود، وسيأتى فى كتاب الرجم فى غير موضع إن شاء الله، وأتقصى ما للعلماء فى معانيه بحول الله وقوته.
* * *
10 - باب ما يجوز من شروط المكاتب إذا رضى بالبيع على أن يعتق
(3)/12 - فيه: حديث بريرة، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: اشتريها فأعتقيها فإن الولاء لمن أعتق.
وترجم له باب المكاتب ومالا يحل من الشروط التى تخالف كتاب الله وقد تقدم فى كتاب المكاتب.
* * *
11 - باب الشروط فى الطلاق
وقال ابن المسيب والحسن وعطاء: إن بدأ بالطلاق أو أخر، فهو أحق بشرطه.
(4)/13 - فيه أبو هريرة: نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - أن تشترط المرأة طلاق أختها.
__________
(1) - سبق تخريجه.
(2) - سبق تخريجه.
(3) - سبق تخريجه.

(15/123)


أما قول ابن المسيب وغيره: إن بدأ بالطلاق أو أخر فهو أحق بشرطه فمعناه أن يقول: أنت طالق إن دخلت الدار أو إن دخلت الدار فأنت طالق، فالطلاق يلزمه عند جماعة الفقهاء، وإنما يروى الخلاف فى ذلك عن شريح والنخعى قالا: إذا بدأ بالطلاق قبل يمينه فإنه يلزمه الطلاق وإن برت يمينه، وإن بدأ باليمين قبل الطلاق فإنه لا يلزمه الطلاق إذا برت.
وأما الشروط فى الطلاق فهى عندهم كالشروط فى النكاح، فمنهم من كرهها ومنهم من أجازها إذا وقعت بيمين وسيأتى اختلاف العلماء فى كتاب النكاح.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : « لا تشترط المرأة طلاق اختها » حجة لمن أجاز الشروط المكروهة؛ لأنه لو لم تكن هذه الشروط عاملة إذا وقعت لم يكن لنهيه عن اشتراط المرأة طلاق أختها معنى، ولكان اشتراطها ذلك كلا اشتراط، فكذلك ما شابه ذلك من الشروط، وإن كانت مكروهة فهى لازمة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : « أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج » .
* * *
12 - باب الشروط مع الناس بالقول
(1)/14 - فيه ابن عباس، عن أبى، قال: قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : موسى رسول الله، فذكر الحديث: {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا} [البقرة: 33] كانت الأولى نسيانا، والوسطى شرطا، والثالثة عمدا.
__________
(1) - سبق تخريجه.

(15/124)


وإنما أراد البخارى بهذا الباب والله أعلم ليدل على أن ما يقع بين الناس فى محاوراتهم مما يكثر بينهم، فإن الشرط بالقول يغنى فى ذلك عن الشرط بالكتاب والإشهاد عليه، ألا ترى أن موسى - صلى الله عليه وسلم - لم يشهد أحدا على نفسه حين قال للخضر: {ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا} [الكهف: 69] وكذلك الخضر حين شرط على موسى ألا يسأله عن شىء حتى يحدث له منه ذكرا؛ لم يكتب بذلك كتابا ولا أشهد شهودا، وإنما يجب الإشهاد والكتاب فى الشروط التى يعم المسلمين نفعها ويخاف أن يكون فى انتقاضها والرجوع فيها خرم وفساد، وكذلك ما كان فى معناها مما يخص بعض الناس، واحتيج فيها إلى الكتاب والإشهاد خوف ذلك، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كتب الصلح مع سهيل بن عمرو وأهل مكة ليكون حاجزا للمشركين عن التناقض والرجوع فى شىء من الصلح وشاهدا عليهم إن هموا بذلك.
قال المهلب: وفيه أن النسيان لا يعد ولا يؤاخذ به.
وفيه دليل: أنه يجب الرفق بالعلماء، وألا يهجم عليهم بالسؤال عن معانى أقوالهم فى كل وقت إلا عند انبساط نفوسهم وانشراح صدورهم، لا سيما إذا شرط ذلك العالم على المتعلم.
وفيه: أنه يجوز سؤال العالم عن معانى أفعال النبى - صلى الله عليه وسلم - وأقواله؛ لأن موسى سأل الخضر عن معنى قتل الغلام وخرق السفينة وإقامة الجدار، فأخبره بعلل أفعاله، ووجه الحكمة فيها، وإنما كان شرط ألا يسأله عن شىء حتى يحدث له منه ذكرا والله أعلم أنه أراد أن يتأدب عليه فى تعليمه، ويأخذ عفوه فيه حتى ينبسط إلى الشرح والتفسير، ففى إخباره بتأويل ذلك دليل على أن أفعال الأنبياء وأقوالهم ينبغى أن تعرف معانيها ووجه ما صنعت له، والله الموافق للصواب.
* * *

13 - باب من اسشترط فى المزارعة إذا شىءت أخرجتك

(15/125)


(1)/15 - فيه: ابن عمر: لما فدع أهل خيبر عبدالله بن عمر، قام عمر خطيبا، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: نقركم ما أقركم الله، وإن عبدالله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدى عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا، وتهمتنا وقد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر على ذلك، أتاه أحد بنى أبى الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا، وقد أقرنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا، فقال عمر: أظننت أنى نسيت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف بك إذا أخرجت من خيبر، تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟ فقال: كانت هذه هزيلة من أبى القاسم، قال: كذبت يا عدو الله، فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك.
وقد تقدم فى كتاب المزارعة فى باب: إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك الله. وهذا الحديث يدل أن عمر إنما أخرجهم لعداوتهم للمسلمين ونصبهم الغوائل لهم اقتداء بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فى إجلائه بنى النضير، وأمره لهم ببيع أرضهم حين أرادوا الغدر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن يلقوا عليه حجرا مع أنه بلغه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال عند موته: « لا يبقين دينان بأرض العرب » فرأى عمر إنفاذ وصية النبى - صلى الله عليه وسلم - عندما بدا منهم من فدعهم لابنه وخشى منهم أكثر من هذا.
__________
(1) - سبق تخريجه.

(15/126)


قال المهلب: وفيه دليل على أن العداوة توجب المطالبة بالجنايات كما طالبهم عمر بفدعهم ابنه ورجح ذلك بأن قال: ليس لنا عدو غيرهم، فعلق المطالبة بشاهد العداوة، فأخرجهم من الأرض على ما كان أوصى به النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما ترك عمر مطالبة اليهود بالقصاص فى فدع ابنه؛ لأنه فدع ليلا وهو نائم، فلم يعرف ابن عمر أشخاص من فدعه، فأشكل الأمر كما أشكلت قصة عبد الله بن سهل حين وداه - صلى الله عليه وسلم - من عند نفسه.
وفيه: أن أفعال النبى - صلى الله عليه وسلم - وأقواله محمولة على الحقيقة على وجهها، لا على الهزل حتى يقوم دليل المجاز والتعريض، وإنما أقر النبى - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر على أن سلمهم فى أنفسهم ولا حق لهم فى الأرض، واستأجرهم على المساقاة ولهم شطر الثمرة، فلذلك أعطاهم عمر قيمة شطر الثمر من إبل وأقتاب وحبال يستقلون بها؛ إذ لم يكن لهم فى رقبة الأرض شىء.
وقد استدل بعض الناس من هذا الحديث أن المزارع إذا كرهه رب الأرض بجناية بدت منه أن له أن يخرجه بعد أن يبتدئ فى العمل ويعطيه قيمة عمله ونصيبه، كما فعل عمر. وقال غيره: إنما يجوز إخراج المساقى والمزارع عند رءوس الأعوام وتمام الحصاد والجداد.
* * *
14 - باب الشروط فى الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط مع الناس بالقول

(15/127)


(1)/16 - فيه: المسور ومروان، قالا: « خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : إن خالد بن الوليد بالغميم فى خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالثنية التى يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل، حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذى نفسى بيده لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها، فوثبت، قال: فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرى حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعى فى نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل تهامة، فقال: إنى تركت كعب بن لؤى وعامر بن لؤى نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل، وهم
__________
(1) - سبق تخريجه.

(15/128)


مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة، ويخلوا بينى وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا، فوالذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى، ولينفذن الله أمره، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول، قولا، فإن شىءتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأى منهم: هات ما سمعته، يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقام عروة بن مسعود، فقال: أى قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونى، قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أنى استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا على جئتكم بأهلى وولدى ومن أطاعنى؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعونى آتيه، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - ، نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أى محمد، أرأيت

(15/129)


إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى فإنى والله لأرى وجوها، وإنى لأرى أوشابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر الصديق: امصص ببظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذى نفسى بيده، لولا يد كانت لك عندى لم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبى - صلى الله عليه وسلم - ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أى غدر، ألست أسعى فى غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما فى الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه فى شيء، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر؛ تعظيما

(15/130)


له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أى قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشى، والله، إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر؛ تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل، من بنى كنانة: دعونى آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان الله ما ينبغى لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجل منهم، يقال له: مكرز ابن حفص، فقال: دعونى آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : هذا مكرز، وهو رجل فاجر، فجعل يكلم النبى - صلى الله عليه وسلم - فبينما هو يكلمه؛ إذ جاء سهيل بن عمرو.

(15/131)


وقال معمر: فأخبرنى أيوب، عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : قد سهل لكم، من أمركم. قال معمر: قال الزهرى فى حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبى - صلى الله عليه وسلم - الكاتب، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : « بسم الله الرحمن الرحيم » ، قال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما أدرى ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : اكتب « باسمك اللهم » ، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب « محمد ابن عبدالله » فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : والله إنى لرسول الله، وإن كذبتمونى، اكتب « محمد بن عبدالله » .

(15/132)


قال الزهرى: وذلك لقوله: لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين؟ وقد جاء مسلما، فبينما هم كذلك؛ إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف فى قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلى، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : إنا لم نقض الكتاب بعد، قال: فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدا، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : فأجزه لى، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى، فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أى معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا فى الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبى الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ألست نبى الله حقا، قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطى الدنية فى

(15/133)


ديننا إذا؟ قال: إنى رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصرى، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت، فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبى الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطى الدنية فى ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليس يعصى ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتى البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه، ومطوف به. قال الزهرى: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقى من الناس، فقالت أم سلمة يا نبى الله، أتحب ذلك، اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا

(15/134)


وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} [الممتحنة: 10]، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له فى الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبى سفيان والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا فى طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذى جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير، لأحد الرجلين: والله إنى لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرنى، أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر، حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : حين رآه لقد رأى هذا ذعرا، فلما انتهى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: قتل والله صاحبى، وإنى لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبى الله، قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتنى إليهم، ثم أنجانى الله منهم، قال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ويل أمه مسعر حرب، لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف

(15/135)


البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبى بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبى بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - تناشده بالله والرحم، لما أرسل فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبى - صلى الله عليه وسلم - إليهم فأنزل الله تعالى: {وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة} [الفتح: 24] إلى {الجاهلية} [الفتح: 26] وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبى الله، ولم يقروا بـ « بسم الله الرحمن الرحيم » وحالوا بينه وبين البيت » .

(15/136)


فأخبرتنى عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمتحنهن، وبلغنا أنه لما أنزل الله تعالى أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم، وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعصم الكوافر، أن عمر طلق امرأتين: قريبة بنت أبى أمية وابنة جرول الخزاعى، فتزوج قريبة معاوية، وتزوج الأخرى أبو جهم، فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم، أنزل الله تعالى: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم} [الممتحنة: 11] والعقب: ما يؤدى المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يعطى من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللائى هاجرن، وما نعلم أن أحدا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها، وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفى، قدم على النبى - صلى الله عليه وسلم - مؤمنا مهاجرا فى المدة، فكتب الأخنس بن شريق إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - يسأله أبا بصير، فذكر الحديث.
قال المؤلف: فى هذا الحديث من الفقه جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم إذا رأى لذلك الإمام وجها.
وفيه: كتاب الشروط التى تنعقد بين المسلمين والمشركين والإشهاد عليها؛ ليكون ذلك شاهدا على من رام نقض ذلك والرجوع فيه.
قال المهلب: وفيه من الفقه: الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم وطلب غرتهم إذا بلغتهم الدعوة.
وفيه: جواز التنكيب على الطريق بالجيوش وإن كان فى ذلك مشقة.

(15/137)


وفيه: بركة التيامن فى الأمور كلها.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - فى الناقة: « ما خلأت وما هو لها بخلق » فالخلأ فى النوق مثل الحران فى الخيل.
وفيه: دليل على أن الأخلاق المعروفة من الحيوان كلها يحكم بها على الطارئ الشاذ منها، وكذلك فى الناس إذا نسب إنسان إلى غير خلقه المعلوم فى هفوة كانت منه لم يحكم بها.
وفيه: أن ما عرض للسلطان وقواد الجيوش وجميع الناس مما هو خارج عن العادة يجب عليهم أن يتأملوه وينظروا شبهه فى قضاء الله فى الأمم الخالية فيتمثلوا صواب الخير فيه، ويعلموا أن ذلك مثل ضرب لهم ونبهوا عليه، كما امتثله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى أمر ناقته وبروكها بقصة الفيل؛ لأنها كانت إذا وجهت إلى مكة بركت وإذا صرفت عنها مشت، كما دار الفيل، وهذا خارج عن العادة، فعلم أن الله صرفها عن مكة كما صرف الفيل، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : « والله لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها » يريد بذلك موافقة الله فى تعظيم الحرمات؛ لأنه فهم عن الله إبلاغ الأعذار إلى أهل مكة فأبقى عليهم لما كان سبق لهم فى علمه أنهم سيدخلون فى دين الله أفواجا.
وفيه: علامات النبوة، وبركة النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وبركة السلاح المحمولة فى سبيل الله، ونبع الماء من السهم، فإنما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة غير مستأمن مما كان بينه وبين أهل مكة من الحرب والمناصبة والعداوة ولا أخذ إذنهم فى ذلك؛ لأنه جرى على العادة من أن مكة غير ممنوعة من الحجاج والمعتمرين، فلما علم الله أنهم صادوه ومقاتلوه حبس الناقة عن مكة كما حبس الفيل تنبيها له على الإبقاء عليهم.

(15/138)


وقوله: « إن شاء قريشا قد نهكتهم الحرب » على وجه بذل النصيحة للقرابة التى كانت بينهم، فقال لهم: « إن شئتم ماددتكم » أى: صالحتكم مدة تستجمون فيها إن أردتم القتال وتدعونى مع الناس، يعنى: طوائف العرب فإن ظهرت عليهم دخلتم فيما دخلوا فيه، وإنما نصحهم النبى - صلى الله عليه وسلم - لما فهم عن الله فى حبس الناقة أنهم سيدخلون فى الإسلام، فأراد أن يجعل بينهم مدة يقلب الله فيها قلوبهم، وفى لين قول بديل وعروة لقريش دليل على أنهم كانوا أهل إصغاء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وميل إليه كما قال فى الحديث.
وقول عروة للنبى: « أرأيت إن استأصلت قومك » دليل على أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يومئذ فى جمع يخاف منه عروة على أهل مكة الاستئصال لو قاتلهم. وخوف عروة إن دارت الدائرة فى الحرب عليه أن يفر عنه من تبعه من أخلاط الناس؛ لأن القبائل إذا كانت متميزة لم يفر بعضها عن بعض حتى إذا كانت أخلاطا فر كل واحد ولم ير على نفسه عارا، والقبيلة بأصلها ترى العار وتخافه، ولم يعلم عروة أن الذى عقده الله بين قلوب المؤمنين من محض الإيمان فوق ما تعتقده القرابات لقراباتهم؛ فلذلك قال له أبو بكر: « امصص بظر اللات » وهكذا يجب أن يجاوب من جفا على سروات الناس وأفاضلهم ورماهم بالفرار.
وقوله: « لم أجزك بها » ، يدل على أن الأيادى تجب على أهل الوفاء مجازاتها والمعاوضة عليها.
وقوله: « فكلما أخذ بلحيته » يعنى: على ما جرت به عادة العرب عند مخاطبتها لرؤسائها فإنهم يمسون لحاهم ويصافحونهم، يريدون التحبب إليهم والتبرك بتناولهم، وقد حكى عن بعض العجم أنهم يفعلون ذلك أيضا، فلما أكثر عروة من فعله ذلك رأى المغيرة أن منزلة النبوة مباينة لمنازل الناس، وأنها لا تحتمل هذا العمل لما يلزم من توقير النبى - صلى الله عليه وسلم - وإجلاله.
وفيه من الفقه: أن من جالس إماما فرأى أحدا جفا عليه أنه يلزمه تغيير ذلك ويصون الإمام عن الكلام فيه.
وفيه: جواز قيام الناس على رأس الإمام بالسيوف إذا كان ذلك ترهيبا للعدو ومخافة الغدر.

(15/139)


وقوله: « ألست أسعى فى غدرتك » يريد أن عروة كان يصلح على قوم المغيرة ويمنع منهم أهل القتيل الذى قتله المغيرة؛ لأن أهل المغيرة بقوا بعده فى دار الكفر.
وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : « أما المال فلست منه فى شىء » يعنى: فى حل؛ لأنه علم أن أصله غصب، وأموال المشركين وإن كانت مغنومة عند القهر فلا يحل أخذها عند الأمن، وإذا كان الإنسان مصاحبا لهم فقد أمن كل واحد منهم صاحبه، فسفك الدماء وأخذ المال عند ذلك غدر، والغدر بالكفار وغيرهم محظور.
وتدلكهم بنخامته - صلى الله عليه وسلم - على وجه التبرك ورجاء نفعها فى أعضائهم.
وفيه: طهارة النخامة بخلاف من جعلها تنجس الماء، وإنما أكثروا من ذلك بحضرة عدوه، وتزاحموه عليه؛ لأجل قوله: « إنى لأرى وجوها وأشوابا من الناس خليقا أن يفروا عنك ويدعوك » فأروه أنهم أشد اغتباطا وتبركا بأمره، وتثبتا فى نصرته من القبائل التى تراعى الرحم بينهم.
وأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بإقامة البدن للرجل من أجل علمه بتعظيمه لها؛ ليخبر بذلك قومه، فيخلوا بينه وبين البيت.
وفيه: التفاؤل من الاسم وغيره.
وقول سهيل: « ما نعرف الرحمن » فإن العرب الله قد أخبر عنهم بذلك فى كتابه {قالوا وما الرحمن} [الفرقان: 60] وفى يمين المسلمين: « والله لا نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم » فيه من الفقه أن أصحاب السلطان يجب عليهم مراعاة أمره وعونه وعزة البارى التى بها عز السلطان.

(15/140)


وترك النبى - صلى الله عليه وسلم - إبرار قسمهم، وقد أمرنا بإبرار القسم، إنما هو مندوب إليه فيما يحسن ويجمل، وأما من حلف عليه فى أمر لا يحسن فى دين ولا مروءة فلا يجيب إليه كما لم يجب النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى ما حلف عليه أصحابه؛ لأنه كان يئول إلى انخرام المقاضاة والصلح مع أن ما دعا إليه سهيل لم يكن إلحادا فى أسمائه تعالى، وكذلك ما أباه سهيل من كتابة محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس فيه إلحاد فى الرسالة، فلذلك أجابه - صلى الله عليه وسلم - إلى ما دعاه إليه مع أنه لم يأنف سهيل من هذا، إلا أنه كان مساق العقد عن أهل مكة، وقد جاء فى بعض الطرق « هذا ما قاضى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل مكة » فخشى أن ينعقد فى مقالهم الإقرار برسالته.
وقوله فى هذا الحديث: « وعلى أنه لا يأتيك منا رجل » يدل أن المقاضاة إنما انعقدت على الرجال دون النساء، فليس فيه نسخ حكم النساء على هذه الرواية؛ لأن النساء لم يردهن كما رد الرجال من أجل أن الشرط إنما وقع برد الرجال خاصة ثم نزلت الآية فى أمر النساء حين هاجرن إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - مثبتة لما تقدم من حكم ذلك وقد تقدم هذا المعنى فى أول كتاب الشروط.
وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - لسهيل: « إنا لم نفض الكتاب بعد » أراد أن يخلص أبا جندل وقد كان تم الصلح بالكلام والعقد قبل أن يكتب.
وفيه: أن من عاقد وصالح على شىء بالكلام ثم لم يوف له به أنه بالخيار فى النقض.
وأما قول عمر وما قرر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنهم على الحق « ولم نعطى الدنية فى ديننا » ، أى نرد من استجار بنا من المسلمين إلى المشركين فقال له: « إنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولست أعصيه » تنبيها لعمر أنى إنما أفعل هذا من أجل ما أطلعنى الله عليه بحبس الناقة عن أهل مكة مما فى غيبه لهم من الإبلاغ فى الإعذار إليهم، ولست أفعل ذلك برأى، إنما أفعله بوحى من الله لقوله: « ولست أعصيه » .
وفيه: جواز المعارضة فى العلم حتى تتبين المعانى.

(15/141)


وفيه: أن الكلام محمول على العموم حتى يقوم عليه دليل الخصوص ألا ترى أن عمر حمل كلامه - صلى الله عليه وسلم - على الخصوص لأنه طالبه بدخول البيت فى ذلك العام فأخبره - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يعده به فى ذلك العام، بل وعده وعدا مطلقا فى الدهر حتى وقع، فدل أن الكلام محمول على العموم حتى يأتى دليل الخصوص.
وفى قوله - صلى الله عليه وسلم - : « فإنك آتيه » يدل أن من حلف على فعل ولم يوقت وقتا أن وقته أيام حياته. قال ابن المنذر: فإن حلف بالطلاق ليفعلن كذا إلى وقت غير معلوم. فقالت طائفة: لا يطأها حتى يفعل الذى حلف عليه فأيهما مات لم يرثه صاحبه. هذا قول سعيد بن المسيب والحسن البصرى والشعبى والنخعى، وأبى عبيد.
وقالت طائفة: إن مات ورثته، وله وطؤها. روى هذا عن عطاء، وقال يحيى بن سعيد: ترثه إن مات. وقال مالك: إن ماتت امرأته يرثها. وقال الثورى: إنما يقع الحنث بعد الموت، وبه قال أبو ثور. وقال أبو ثور أيضا: إذا حلف ولم يوقت فهو على يمينه حتى يموت، ولا يقع حنث بعد الموت، فإذا مات لم يكن على شىء. قال ابن المنذر: وهذا نظر.
وقالت طائفة: يضرب لهما أجل المؤلى أربعة أشهر. روى هذا عن القاسم وسالم، وهو قول ربيعة ومالك والأوزاعى.
وقال أبو حنيفة: إن قال: أنت طالق ثلاثا إن لم آت البصرة. فماتت امرأته قبل أن يأتى البصرة فله الميراث ولا يضره ألا يأتى البصرة بعد؛ لأن امرأته ماتت قبل أن يحنث، ولو مات قبلها حنث وكان لها الميراث؛ لأنه فارق، ولأن الطلاق إنما وقع عليها قبل أن يموت بقليل فلها الميراث، ولو قال: أنت طالق إن لم تأت البصرة أنت فماتت فليس له منها ميراث، وإن مات قبلها فلها الميراث ولا يضرها ألا تأتى البصرة.
وفيه قول سادس حكاه أبو عبيد عن بعض أهل النظر قال: إن أخذ الحالف فى التأهب لما حلف عليه والسعى فيه حين تكلم باليمين حتى يكون متصلا بالبر وإلا فهو حانث عند ترك ذلك.

(15/142)


قال ابن المنذر: فى هذا الحديث دليل أنه من لم يحد ليمينه أجلا أنه على يمينه ولا يحنث إن وقف عن الفعل الذى حلف يفعله.
قال المهلب: وقول عمر: « فعملت لذلك أعمالا » يعنى أنه كان يحض الناس على ألا يعطوا الدنية فى دينهم بإجابة سهيل إلى رد أبى جندل إليهم، يدل على ذلك إتيانه أبا بكر وقوله له مثل ذلك.
وفيه: فضل علم أبى بكر الصديق وجودة ذهنه، وحسن قريحته، وقوة نفسه؛ لأنه أجاب عمر بمثل ما أجابه به النبى - صلى الله عليه وسلم - حرفا حرفا.
وأما توقف أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - عن النحر والحلق فلمخالفتهم العادة التى كانوا عليها ألا ينحر أحد حتى يبلغ الهدى محله، ولا يحلق إلا بعد الطواف والسعى، حتى شاور النبى - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة فأراه الله بركة المشورة، ففعل ما قالت، فاقتدى به أصحابه، وكذلك لو فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حجة الوداع ما أمر به أصحابه من الحلاق والحل ما اختلف عليه اثنان، ففى هذه من الفقه أن الفعل أقوى من القول.
وفيه: جواز مشاورة النساء ذوات الفضل والرأى.
وأما إسلام النبى - صلى الله عليه وسلم - لأبى بصير وأصحابه إلى رسل مكة فهو على ما انعقد فى الرجال، وأما قتل أبى بصير لأحد الرسل بعد أن أسلمه إليهم النبى - صلى الله عليه وسلم - فليس على النبى - صلى الله عليه وسلم - حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم، ولا عليه القود ممن قتل فى الله وجاهد؛ لأن هذا لم يكن من شرطه، ولا طالب أولياء القتيل النبى - صلى الله عليه وسلم - بالقود من أبى بصير.
وقول أبى بصير للنبى: « قد أوفى الله ذمتك » يعنى: أنك قد رددتنى إليهم كما شرطت لهم، فلا تردنى الثانية، فلم يرض النبى - صلى الله عليه وسلم - إلا بما لا شك فيه من الوفاء، فسكت عنه النبى - صلى الله عليه وسلم - ونبهه على ما ينجو به من كفار قريش بتعريض عرض له به وذلك قوله: « لو كان له أحد » يعنى: من ينصره ويمنعه، ففهمها أبو بصير، وخرج إلى سيف البحر، وجعل يطلب غرة أهل مكة، وآذاهم حتى لحق به أبو جندل وجماعة، فرضى المشركون بحل هذا الشرط وأن يكفيهم النبى - صلى الله عليه وسلم - نكايته، ويكف عنهم عاديته.

(15/143)


وأما قوله: « ما كانوا يؤدونه إلى المشركين عوضا مما أنفقوا على أزواجهم المهاجرات فى ذلك الصلح » فهو منسوخ عن الشعبى وعطاء ومجاهد.
ذكر ما فى هذا الحديث من غريب اللغة: قوله: « فإذا هم بقترة الجيش » قال صاحب العين: القترة والقتر: الغبار. وقولهم للناقة: « حل حل » يقال: حلحلت الإبل: إذا قلت لها: حل حل. زجرتها بذلك. والخلأ فى الإبل كالحران فى الخيل، وقد تقدم. والقصواء: اسم ناقة النبى - صلى الله عليه وسلم - . والثمد: الماء القليل. عن صاحب العين والتبرض: جمع الماء باليدين. قال صاحب العين: ماء برض: قليل. وتبرض الماء: جمع البرض منه ونزحه. يقال: نزحت البئر: نقص ماؤها. وبئر نزوح: قليلة الماء. عن صاحب العين. وقوله: « أعداد مياة الحديبية » جمع عد، والعد مجتمع الماء. والعوذ: النوق الحديثات العهد بالنتاج، واحدتها عائذ. و « المطافيل » التى معها أولادها. وماددتهم: جعلت بينى وبينهم مدة للصلح. وقوله: « جمعوا » يعنى: استراحوا وقووا. يقال: جم الفرس وأجم، إذا ترك ولم يركب ولم يتعب. وقوله: « حتى تنفرد سالفتى » أى: حتى أنفرد فى قتالهم وحدى. وقولهم: « بلحوا » قال صاحب العين: يقال أبلح البعير والدابة بلوحا: إذا أعيا، وبلح الغريم: أفلس و « الأشواب » : الأخلاط من الناس. وقوله: « يرسف فى قيوده » والرسف: مشية المقيد. والحجل مثله. من كتاب العين. ويروى: يجلجل فى قيوده. وقد تقدم فى باب الصلح مع المشركين فى كتاب الصلح. وأما قوله: « ويل أمه مسعر حرب » فإعرابه ويل أمه من مسعر حرب فانتصب على التمييز. وقالت الخنساء:
ويلمه مسعر حرب

إذا التقى فيها وعليه السليل

(15/144)


وقال جماعة من أهل اللغة: والمعنى أن الخنساء لم ترد الدعاء بإيقاع الهلكة عليها لكنها أرادت ما من عادة العرب استعماله من نقلها الألفاظ الموضوعة فى بابها إلى غيره، ومرادها بقولها هذا المدح لأمها وأخيها لولادتها مثل أخيها فى بسالته وشجاعته دون الدعاء عليها بالويل الذى معناه الهلكة، كما يقال: انج ثكلتك أمك وتربت يدالك، من غير إرادة مقتضى هاتين اللفظتين بالمخاطب.
وقوله: « استمسك بغرزه » قال ثابت: أى تمسك به واتبعه. والغرز لقتب البعير مثل ركاب السرج للدابة.
* * *
15 - باب الشروط فى القرض
(1)/17 - فيه: أبو هريرة، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر رجلا سأل بعض بنى إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فدفعها إليه إلى أجل مسمى. قال ابن عمر، وعطاء: إذا أجله فى القرض جاز.
وهذا خلاف قول أبى حنيفة فإنه يقول: إذا كان القرض إلى أجل أو غير أجل فله أن يأخذه متى أحب وكذلك العارية، ولا يلزم عنده تأخير القرض البتة. وبنحوه قال الشافعى، ويخالفهم مالك، وقد تقدم هذا مبنيا لأقوال العلماء فى كتاب الاستقراض والديون فأغنى عن إعادته، والحمد لله.
* * *
16 - باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا فى الإقرار والشروط التى يتعارفها الناس بينهم وإذا قال: مائة إلا واحدة أو ثنتين
__________
(1) - سبق تخريجه.

(15/145)


وقال ابن عون، عن ابن سيرين، قال رجل لكريه: أرحل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا، فلك مائة درهم، فلم يخرج فقال شريح من شرط على نفسه شرطا غير مكره فهو عليه وقال أيوب عن ابن سيرين إن رجلا باع طعاما وقال إن لم آتك الأربعاء فليس بينى وبينك بيع فلم يجئ فقال شريح للمشترى أنت أخلفت فقضى عليه.
(1)
__________
(1) - صحيح على الإجمال: رواه الأعرج، عن أبى هريرة، أخرجه الحميدى (1130) قال: حدثنا سفيان. وأحمد (2/258) قال: حدثنا يزيد. قال: أخبرنا محمد. والبخارى (3/259) و(9/145) قال: حدثنا أبو اليمان. قال: أخبرنا شعيب. وفى (8/108) قال: حدثنا على بن عبد الله. قال: حدثنا سفيان. ومسلم (8/63) قال: حدثنا عمرو الناقد وزهير بن حرب، وابن أبى عمر. جميعا عن سفيان، واللفظ لعمرو، قال: حدثنا سفيان بن عيينة. والترمذى (3508) قال: حدثنا ابن أبى عمر. قال: حدثنا سفيان بن عيينة. والنسائى فى الكبرى (الورقة 100/ب)، قال: أخبرنا الربيع ابن سليمان. قال: حدثنا عبد الله بن وهب. قال: أخبرنى مالك. وذكر آخر قبله. (ح) وأخبرنا عمران بن بكار، قال: حدثنا على بن عياش. قال: حدثنا شعيب. أربعتهم: سفيان بن عيينة، ومحمد بن إسحاق، وشعيب، ومالك، عن أبى الزناد، عن الأعرج، فذكره.
ورواه محمد بن سيرين، عن أبى هريرة أخرجه أحمد (2/267) قال: حدثنا عبد الرزاق. قال: حدثنا معمر عن أيوب، وفى (2/427) قال: حدثنا إسماعيل. عن هشام. (ح) ويزيد، يعنى ابن هارون. قال: أخبرنا هشام. وفى (2/499) قال: حدثنا على بن عاصم. قال: أخبرنا خالد وهشام. وفى (2/516) قال: حدثنا روح. قال: حدثنا هشام. ومسلم (8/63) قال: حدثنى محمد بن رافع. قال: حدثنا عبد الرزاق. قال: حدثنا معمر، عن أيوب. والترمذى (3506) قال: قال يوسف: وحدثنا عبد الأعلى، عن هشام بن حسان. ثلاثتهم: أيوب، وهشام بن حسان، وخالد بن الحذاء، عن محمد بن سيرين، فذكره.
أخرجه أحمد (2/516) قال: حدثنا روح. قال: حدثنا ابن عون، عن محمد، عن أبى هريرة: إن لله عز وجل تسعة وتسعين اسما... فذكر مثله موقوفا.
ورواه همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة. أخرجه أحمد (2/267 و277 و314). ومسلم (8/63) قال: حدثنى محمد بن رافع. كلاهما: أحمد بن حنبل، وابن رافع، قالا: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن همام بن منبه، فذكره.
ورواه أبو سلمة، عن أبى هريرة: أخرجه أحمد (2/503) قال: حدثنا يزيد. وابن ماجة (3860) قال: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة. قال: حدثنا عبدة بن سليمان. كلاهما: يزيد، وعبدة، عن محمد ابن عمرو، عن أبى سلمة، فذكره.
ورواه أبو رافع، عن أبى هريرة. أخرجه الترمذى (3506) قال: حدثنا يوسف بن حماد البصرى. قال: حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة،، عن أبى رافع، فذكره.
ورواه الأعرج، عن أبى هريرة. قال. أخرجه ابن ماجة (3861) قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد الصنعانى. قال: حدثنا أبو المنذر زهير بن محمد التميمى، قال: حدثنا= =موسى بن عقبة. والترمذى (3507) قال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى. قال: حدثنى صفوان بن صالح. قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا شعيب بن أبى حمزة، عن أبى الزناد. كلاهما: موسى بن عقبة، وأبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج فذكره.

(15/146)


/18 - فيه: أبو هريرة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال: « إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة » .
الاستثناء على ضربين: استثناء القليل من الكثير، وهذا ما لا خلاف فى جوازه بين أهل الفقه واللغة: والضرب الثانى: استثناء الكثير من القليل وهو جائز عند أصحاب مالك والكوفيين والشافعى وغيرهم من الفقهاء، وهو مذهب اللغويين من أهل الكوفة وأنشد الفراء فى ذلك:
أدوا التى نقضت تسعين من مائة

ثم ابعثوا حكما بالعدل حكاما

فاستثنى تسعين من مائة، فكذا إذا أقر الرجل فقال: لفلان عندى ألف إلا تسعمائة وخمسين لزمه خمسون. أو قال: له عندى مائة إلا تسعين. فهو جائز على ما أنشد الفراء، واحتج له ابن القصار فقال: حجة من أجازه أن حقيقة الاستثناء هو إخراج بعض ما اشتمل عليه اللفظ؛ فإن جميع ما يقتضيه اللفظ ليس بمراد، فإذا كان الاستثناء هذا معناه فقد يكون المراد إخراج الأول، وقد يكون إخراج الأكثر، فإذا جاز إخراج الأقل جاز إخراج الأكثر.
وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يجوز استثناء الكثير من القليل. وحكى أنه مذهب البصريين من أهل اللغة. وإلى هذا ذهب البخارى فى هذا الباب، ولذلك أدخل قوله - صلى الله عليه وسلم - : « إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدة » فاستثنى القليل من الكثير.

(15/147)


واحتج ابن قتيبة لذلك فقال: لا يجوز عندى فى اللغة استثناء الكثير من القليل؛ لأن تأسيس الاستثناء على تدارك قليل من كثير كأنك أغفلته أو نسيته لقلته، ثم تداركت بالاستثناء، ولأن الشىء قد ينقص نقصانا يسيرا فلا يزول عنه اسم الشىء بنقصان القليل، فإذا نقص أكثره زال عنه الاسم، ألا ترى أنك لو قلت: صمت هذا الشهر إلا تسعة وعشرين يوما. أحال لأنه صام يوما، واليوم لا يسمى شهرا، ومما يزيد فى وضوح هذا أنه يجوز لك أن تقول: صمت الشهر كله إلا يوما واحدا. فتؤكد الشهر وتستقصى عدده بكل ولا يجوز: صمت الشهر كله إلا تسعة وعشرين يوما. وتقول: لقيت القوم جميعا إلا واحدا أو اثنين. ولا تقول: القوم جميعا إلا أكثرهم.
وأما قول ابن سيرين فيمن قال لكريه: « أرحل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم » فيفسر ذلك أن المكارين لإبلهم فى الأمصار يخرجون الإبل إلى المسارح الخصبة البعيدة، ويبقون فى الأمصار يعقدون الكرى مع الناس ويتعدون على الرحيل يوم كذا، فربما استجلبوا الإبل ذلك اليوم، فيقول التجار: لم يتهيأ لنا الخروج اليوم فيشق على الحمالين علف إبلهم فيقول التجار: إن لم أرحل معك يوم كذا فلك كذا تعلف به إبلك. فهذا شرط لا يجوز فى السنة عند أكثر العلماء، وإنما قضى بذلك شريح؛ لأنه من طريق العدة والتطوع، ومن تطوع بشىء استحب له إنجازه وإنفاذه، إلا أن جمهور الفقهاء لا يقضون بوجوب العدة، وإنما يستحبون الوفاء بها.

(15/148)


وأما قول الذى ابتاع الطعام: « إن لم آتك يوم الأربعاء فلا بيع بينى وبينك » فذهب شريح إلى أنه إن لم يأت للأجل فلا بيع بينهما، فإن العلماء اختلفوا فى جوازه، فقال ابن الماجشون: البيع والشرط جميعا جائزان وحمله محمل بيع الخيار إلى وقت مسمى، فإذا جاز الوقت فلا خيار له ويبطل البيع، ومصيبه قبل ذلك من البائع، كان ذلك بيده أو بيد المبتاع على سنة بيع الخيار، وممن أجاز البيع والشرط فى هذه المسألة: الثورى وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن كان الأجل ثلاثة أيام فالبيع جائز. وقال محمد بن الحسن: يجوز الأجل أربعة أيام وعشرة أيام. وقال مالك فى المدونة: من باع سلعة وشرط إن لم ينقده المشترى إلى أجل فلا بيع بينهما، فهذا بيع مكروه، فإن وقع ثبت البيع وبطل الشرط، ومصيبة السلعة من البائع حتى يقبضها المشترى.
ووقع فى بعض النسخ باب ما لا يجوز من الاشتراط والثنيا وهو خطأ، والصواب ما يجوز بإسقاط « لا » وكذلك فى نسخة النسفى وفى رواية أبى ذر أيضا. وحديث أبى هريرة الذى أدخله البخارى فى هذا الباب يدل على صحة رواية النسفى وأبى ذر، والله الموفق للصواب.
* * *
17 - باب الشروط فى الوقف
(1)
__________
(1) - أخرجه مسلم (5/74) قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم. والنسائى (6/230) قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو داود الحفرى عمر بن سعد، عن سفيان. وفى (6/230) قال النسائى: أخبرنى هارون بن عبد ا لله، قال: حدثنا معاوية بن عمرو، عن أبى إسحاق الفزارى. كلاهما: سفيان الثورى، وأبو إسحاق، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وأخرجه البخارى (2737) حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى حدثنا ابن عون قال: أنبأنى نافع عن ابن عمر فذكره.

(15/149)


/19 - فيه: ابن عمر، أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إنى أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط أنفس عندى منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها فى الفقراء، وفى القربى، وفى الرقاب، وفى سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول قال: فحدثت به ابن سيرين، فقال: غير متأثل مالا.
للواقف أن يشترط فى وقفه ما شاء إذا أخرجه من يده إلى متولى النظر فيه، فيجعله فى صنف واحد أو أصناف مختلفة، إن شاء فى الأغنياء أو فى الفقراء، وإن شاء فى الأقارب أو الأباعد، وإن شاء فى إناث بيته دون الذكور، أو الذكور دون الإناث، وإن كان يستحب له التسوية بين بنيه لقوله: فتصدق بها عمر فى الفقراء وفى القربى وسائر من ذكر، فدل ذلك إلى اختيار المحبس يضعه حيث شرط.
قال المهلب: وإنما تصدق عمر لأنفس ماله؛ لقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92] فشاور النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك فأشار عليه بتحبيس أصله، والصدقة بثمرته. وهذا الحديث أصل فى تحبيس رقاب الأرض.

(15/150)


قال الطبرى: وكل ما كان نظير الأرض التى حبسها عمر مما يحد بوصف ويوصف بصفة، وله منافع تدرك بالعمارة، والإصلاح ففى حكمها فى جواز تحبيسه، وذلك كالدابة تحبس فى سبيل الله إذا كان ممكنا صفتها بصفة بيان لها من سائر أملاك المتصدق، ومنفعة تدرك منها لا يبطلها الانتفاع بها كالركوب، والعبد يحبس كذلك وسائر الحيوان والمواشى والرقيق والسلاح يحبس فى سبيل الله وأجزاء القرآن وما أشبه ذلك، وبمثل ذلك عملت الأئمة الراشدون والسلف الصالحون، وسأذكر من خالف ذلك وأرد قوله بأقوال العلماء فى باب الوقف وكيف يكتب بعد هذا إن شاء الله.
* * *

55 - كتاب الوصايا
1 - باب الوصايا
وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - : وصية الرجل مكتوبة عنده، وقول الله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} [البقرة: 180] الآية.
(1)
__________
(1) - 1 - أخرجه مالك (الموطأ) (475). وأحمد (2/113) (5930) قال: حدثنا إسحاق. والبخارى (4/2) قال: حدثنا عبد الله بن يوسف. والنسائى (6/239) قال: أخبرنا محمد بن سلمة، قال: حدثنا ابن القاسم. ثلاثتهم: إسحاق بن عيسى، وعبد الله بن يوسف، وعبد الرحمن ابن القاسم، عن مالك.
2 - وأخرجه الحميدى (697) قال: حدثنا سفيان. وأحمد (2/50) (5118) قال: حدثنا إسماعيل. ومسلم (5/70) قال: حدثنا أبو كامل الجحدرى، قال: حدثنا حماد، يعنى ابن زيد. (ح) وحدثنى زهير بن حرب. قال: حدثنا إسماعيل، يعنى ابن علية. والترمذى (2118) قال: حدثنا ابن أبى عمر، قال: حدثنا سفيان. ثلاثتهم: سفيان، وإسماعيل ابن علية، وحماد بن زيد، عن أيوب.
3 - وأخرجه أحمد (2/57) (5197) قال: حدثنا يحيى. وفى (2/80) (5511) قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموى. وفى (2/80) (5513) قال: حدثنا محمد بن عبيد. والدارمى (3179) قال: حدثنا محمد بن عبيد. ومسلم (5/70) قال: حدثنى أبو خيثمة زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى العنزى، قالا: حدثنا يحيى، وهو ابن سعيد القطان. (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، وعبد الله بن نمير. (ح) وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنى أبى. وأبو داود (2862) قال: حدثنا مسدد بن مسرهد، قال: حدثنا يحيى. وابن ماجة (2699) قال: حدثنا على ابن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، والترمذى (974) قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الله بن نمير، والنسائى (6/238) قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الفضيل. ستتهم: يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن سعيد الأموى، ومحمد بن عبيد، وعبدة بن سليمان، وعبد الله بن نمير، والفضيل بن عياض، عن عبيد الله بن عمر.
4 - وأخرجه مسلم (5/70) قال: حدثنى أبو الطاهر، قال: أخبرنا بن وهب، قال: أخبرنى يونس.
5 - وأخرجه مسلم (5/70) قال: حدثنى هارون بن سعيد الأيلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنى أسامة بن زيد الليثى.
6 - وأخرجه مسلم (5/70) قال: حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا ابن أبى فديك، قال:= =أخبرنا هشام، يعنى ابن سعد. ستتهم: مالك، وأيوب، وعبيد الله، ويونس بن يزيد، وأسامة بن زيد، وهشام بن سعد، عن نافع، فذكره.
أخرجه أحمد (2/10) (4578) قال: حدثنا سفيان، عن أيوب. والنسائى (6/239) قال: أخبرنا محمد بن حاتم بن نعيم، قال: حدثنا حبان، قال: أنبأنا عبد الله، عن ابن عون. كلاهما: أيوب، وابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قوله.

(15/151)


/1 - فيه: ابن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده.
(1)/2 - وفيه: عمرو بن الحارث ختن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخى جويرية بنت الحارث، قال: ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موته درهما ولا دينارا، ولا عبدا ولا أمة، ولا شيئا إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة » .
__________
(1) - أخرجه أحمد (4/279) قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان. (ح) وإسحاق، يعنى الأزرق، قال: حدثنا سفيان. والبخارى (4/2) قال: حدثنا إبراهيم بن الحارث، قال: حدثنا يحيى بن أبى بكير، قال: حدثنا زهير بن معاوية الجعفى. وفى (4/39) قال: حدثنا عمرو بن على، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سفيان. وفى (4/48) قال: حدثنا عمرو بن عباس، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان. وفى (4/99) قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى عن سفيان. وفى (6/18) قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص. والترمذى فى الشمائل (399) قال: حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا حسين بن محمد، قال: حدثنا إسرائيل. والنسائى (6/229) قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو الأحوص. (ح) وأخبرنا عمرو بن على، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان. (ح) وأخبرنا عمرو بن على، قال: حدثنا أبو بكر الحنفى، قال: حدثنا يونس بن أبى إسحاق. وابن خزيمة (2489) قال: حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا حسين بن الحسن الأشقر، قال: حدثنا زهير. خمستهم: سفيان الثورى، وزهير، وأبو الأحوص، وإسرائيل، ويونس، عن أبى إسحاق، فذكره.

(15/152)


(1)/3 - وفيه: عبدالله بن أبى أوفى قيل له: هل كان النبى - صلى الله عليه وسلم - أوصى؟ قال: لا، فقلت: كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله.
__________
(1) - أخرجه الحميدى (722) قال: حدثنا سفيان. وأحمد (4/354) قال: حدثنا حجاج. وفى (4/355) قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى. وفى (4/381) قال: حدثنا وكيع: والدارمى (3184) قال: حدثنا محمد بن يوسف. والبخارى (4/3) قال: حدثنا خلاد بن يحيى. وفى (6/18) قال: حدثنا أبو نعيم. وفى (6/235) قال: حدثنا محمد بن يوسف. ومسلم (5/74) قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمى. قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مهدى. (ح) وحدثناه أبو بكر بن أبى شيبة، قال: حدثنا وكيع. (ح) وحدثنا ابن نمير، محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبى. وابن ماجة (2696) قال: حدثنا على بن محمد، قال: حدثنا وكيع. والترمذى (2119) قال: حدثنا أحمد بن منيع.، قال: حدثنا أبو قطن عمرو ابن الهيثم البغدادى. والنسائى (6/240)= =قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد بن الحارث. عشرتهم: سفيان، وحجاج، وعبد الرحمن، ووكيع، ومحمد بن يوسف، وخلاد، وأبو نعيم، وعبد الله ابن نمير، وأبو قطن، وخالد بن الحارث، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، فذكره.

(15/153)


(1)/4 - وفيه: عائشة ذكر عندها أن عليا كان وصيا، قالت: متى أوصى إليه؟ وقد كنت مسندته إلى صدرى، فدعا بالطست، ولقد انخنث فى حجرى، فما شعرت أنه قد مات، فمتى أوصى إليه.
قال المهلب: فى حديث ابن عمر الحض على الوصية خشية فجأة الموت للإنسان على غير عدة.
قال المهلب: واختلف العلماء فى وجوب الوصية على من خلف مالا فقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر الآية. قال الزهرى: جعل الله الوصية حقا مما قل أو كثر. قيل لأبى مجلز: على كل مثر وصية؟ قال: كل من ترك خيرا.
وقالت طائفة: ليست الوصية واجبة كان الموصى موسرا أو فقيرا. هذا قول النخعى والشعبى، وهو قول مالك والثورى والشافعى. قال الشافعى: قوله: « ما حق امرئ مسلم » يحتمل ما الجزم، ويحتمل ما المعروف فى الأخلاق إلا هذا من جهة الفرض.
__________
(1) - أخرجه أحمد (6/32) قال: حدثنا إسماعيل. والبخارى (4/3) قال: حدثنا عمرو بن زرارة. قال: أخبرنا إسماعيل. وفي(6/18) قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا أزهر. ومسلم (5/75) قال: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبى شيبة، واللفظ ليحيى، قال: أخبرنا إسماعيل ابن علية. وابن ماجة (1626) قال: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة. قال: حدثنا إسماعيل بن علية والترمذى فى الشمائل (386) قال: حدثنا حميد بن مسعدة البصرى. قال: حدثنا سليم بن أخضر. والنسائى (1/32 و6/240) قال: أخبرنا عمرو بن على. قال: أنبأنا أزهر. وفى (6/241) قال: أخبرنى أحمد بن سليمان. قال: حدثنا عارم، قال: حدثنا حماد بن زيد. أربعتهم: إسماعيل ابن علية، وسليم، وأزهر، وحماد، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، فذكره.

(15/154)


وقال أبو ثور: ليست الوصية واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال قوم؛ فواجب عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه؛ لأن الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها، فمن لا حق عليه ولا أمانة قبله؛ فليس عليه أن يوصى، والدليل على صحة هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - : « ما حق امرئ مسلم » فأضاف الحق إليه كقوله: هذا حق زيد. فلا ينبغى أن يتركه، فإذا تركه لم يلزمه.
وقد روى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: « ما حق امرئ يريد الوصية » فعلق ذلك بإرادة الموصى، ولو كانت واجبة لم يعلقها بإرادته، ومما يدل على ذلك أيضا أن ابن عمر روى الحديث عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ولم يوص، ومحال أن يخالف ما رواه لو كان واجبا، ولكنه عقل منه الاستحباب، وروى عن ابن عباس وابن عمر أن قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} [البقرة: 180] نسختها آية المواريث وهو قول مالك والشافعى وجماعة.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : « يبيت ليلتين إلا ووصيته كتوبة عنده » فيه من الفقه أن الوصية نافذة، وإن كانت عند صاحبها ولم يجعلها عند غيره وكذلك إن جعلها غيره وارتجعها.
فإن قيل: إن حديث ابن أبى أوفى وعائشة أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يوص. قال المهلب: فالجواب: أن قول ابن أبى أوفى لم يوص إنما يريد الوصية التى زعم بعض الشيعة أنه أوصى بالأمر إلى على، وقد تبرأ على من ذلك حين قيل له: أعهد إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشىء لم يعهده إلى الناس؟ فقال: لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا كتاب الله وما فى هذه الصحيفة. وأما أرضه وسلاحه وبغلته فلم يوص فيها على جهة ما يوصى الناس فى أموالهم؛ لأنه قال - صلى الله عليه وسلم - : « لا نورث ما تركنا صدقة » فرفع الميراث عن أزواجه وأقاربه وإنما تجوز الوصية لمن يجوز لأهله وراثته.

(15/155)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية