صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : جامع العلوم والحكم بشرح خمسين حديثا من جوامع الكلم
المؤلف : ابن رجب الحنبلي
المحقق : ماهر ياسين فحل ، وقد جعل تحقيقه للكتاب مجانا فجزاه الله خيرا
مصدر الكتاب : موقع صيد الفوائد
http://www.saaid.net

والأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله كثيرة جدا ، ففي " صحيح
مسلم " ((1)) عن جابر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بالسوق والناس كنفيه ((2)) ، فمر بجدي
أسك ((3)) ميت ، فتناوله ، فأخذ بأذنه ، فقال : (( أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ )) فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء ، وما نصنع به ؟ قال : (( أتحبون أنه لكم ؟ )) قالوا : والله لو كان حيا كان عيبا فيه ؛ لأنه أسك ، فكيف وهو ميت ؟ فقال : (( والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم )) .
وفيه أيضا ((4)) عن المستورد الفهري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( ما الدنيا في
الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ، فلينظر بماذا ترجع )) .
__________
(1) الصحيح 8/210 – 211 ( 2957 ) ( 2 ) .
وأخرجه : أحمد 3/365 ، والبخاري في " الأدب المفرد " ( 962 ) ، وأبو داود ( 186 ) ، والبيهقي 1/139 عن جابر بن عبد الله ، به .
(2) الكنف بالتحريك الجانب والناحية .
انظر : النهاية 4/205 ، وشرح النووي لصحيح مسلم 9/261 .
(3) أسك : أي : صغير الأذنين . انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 9/261 .
(4) مسلم في " صحيحه " 8/156 ( 2858 ) ( 55 ) .
وأخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 496 ) ، وأحمد 4/228 – 229 و229 ، وابن ماجه
( 4108 ) ، والترمذي ( 2323 ) ، وابن حبان ( 4330 ) من حديث المستورد بن شداد الفهري ، به .

(31/6)


وخرج الترمذي ((1)) من حديث سهل بن سعد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ، ما سقى كافرا منها شربة )) وصححه ((2)) .
ومعنى الزهد في الشيء : الإعراض عنه لاستقلاله ، واحتقاره ، وارتفاع الهمة
عنه ، يقال : شيء زهيد ، أي : قليل حقير ((3)) .
وقد تكلم السلف ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا ، وتنوعت عباراتهم عنه ، وورد في ذلك حديث مرفوع خرجه الترمذي ((4)) وابن ماجه ((5)) من رواية عمرو بن واقد ، عن يونس بن حلبس ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك )) . وقال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وعمرو بن واقد منكر الحديث ((6)) .
__________
(1) في " جامعه " ( 2320 ) من حديث سهل بن سعد ، به .
(2) انظر : جامع الترمذي عقيب ( 2320 ) ، على أن في إسناده عبد الحميد بن سليمان ضعيف ، وقد تابعه من هو مثله فلعل الترمذي صححه لشواهده ، والله أعلم .
(3) انظر : لسان العرب 6/97 ( زهد ) .
(4) في " جامعه " ( 2340 ) من حديث أبي ذر ، به .
(5) السنن ( 4100 ) من حديث أبي ذر ، به .
(6) في " جامعه " عقيب ( 2340 ) .

(31/7)


قلت : الصحيح وقفه ، كما رواه الإمام أحمد في كتاب " الزهد " ((1)) ، حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي ، حدثنا خالد بن صبيح ، حدثنا يونس بن حلبس قال : قال أبو مسلم الخولاني : ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال ، إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يديك ، وإذا أصبت بمصيبة ، كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك .
وخرجه ابن أبي الدنيا من راوية محمد بن مهاجر ، عن يونس بن ميسرة ، قال : ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ، ولا بإضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك ، وأن يكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء ، وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء .
ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب ، لا من أعمال
الجوارح ، ولهذا كان أبو سليمان يقول : لا تشهد لأحد بالزهد ، فإن الزهد في القلب .
أحدها : أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه ، وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته ، فإن الله ضمن أرزاق عباده ، وتكفل بها ، كما قال :
{ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } ((2)) ، وقال : { وفي السماء رزقكم وما توعدون } ((3)) ، وقال : { فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه } ((4)) .
قال الحسن : إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله - عز وجل - .
__________
(1) الزهد ( 96 ) .
(2) هود : 6 .
(3) الذاريات : 22 .
(4) العنكبوت : 17

(31/8)


وروي عن ابن مسعود قال : إن أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا : ليس في البيت دقيق . وقال مسروق : إن أحسن ما أكون ظنا حين يقول الخادم : ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم ((1)) . وقال الإمام أحمد : أسر أيامي إلي يوم أصبح وليس عندي شيء ((2)) .
وقيل لأبي حازم الزاهد : ما مالك ؟ قال : لي مالان لا أخشى معهما الفقر : الثقة بالله ، واليأس مما في أيدي الناس ((3)) .
وقيل له : أما تخاف الفقر ؟ فقال : أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ؟!
ودفع إلى علي بن الموفق ورقة ، فقرأها فإذا فيها : يا علي بن الموفق أتخاف الفقر وأنا ربك ؟
وقال الفضيل بن عياض ((4)) : أصل الزهد الرضا عن الله - عز وجل - . وقال : القنوع هو الزهد ، وهو الغنى .
فمن حقق اليقين ، وثق بالله في أموره كلها ، ورضي بتدبيره له ، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين رجاء وخوفا ، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة ، ومن كان كذلك ، كان زاهدا في الدنيا حقيقة ، وكان من أغنى الناس ، وإن لم يكن له شيء من الدنيا كما قال عمار : كفى بالموت واعظا ، وكفى باليقين غنى ، وكفى بالعبادة شغلا ((5)) .
__________
(1) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 34871 ) ، والدينوري في " المجالسة " ( 2744 ) ، وأبو نعيم في
" الحلية " 2/97 .
(2) انظر : صفة الصفوة 2/345 .
(3) أخرجه : الدينوري في " المجالسة " ( 963 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 3/231 – 232 .
(4) أخرجه : الدينوري في " المجالسة " ( 960 ) و( 3045 ) ، وأبو عبد الرحمان السلمي في
" طبقات الصوفية " : 10 .
(5) أخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 10556 ) عن عمار بن ياسر ، مرفوعا .

(31/9)


وقال ابن مسعود : اليقين : أن لا ترضي الناس بسخط الله ، ولا تحمد أحدا على رزق الله ، ولا تلم أحدا على ما لم يؤتك الله ، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص ، ولا يرده كراهة كاره ، فإن الله تبارك وتعالى - بقسطه وعلمه وحكمه - جعل الروح والفرح في اليقين والرضا ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ((1)) .
وفي حديث مرسل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بهذا الدعاء : (( اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ، ويقينا((2)) صادقا((3)) حتى أعلم أنه لا يمنعني رزقا قسمته لي ، ورضني من المعيشة بما قسمت لي )) ((4)) .
وكان عطاء الخراساني لا يقوم من مجلسه حتى يقول : اللهم هب لنا يقينا منك حتى تهون علينا مصائب الدنيا ، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت علينا ، ولا يصيبنا من هذا الرزق إلا ما قسمت لنا ((5)) .
روينا من حديث ابن عباس مرفوعا ، قال : (( من سره أن يكون أغنى الناس ، فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده )) ((6)) .
والثاني : أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال ، أو ولد ، أو غير ذلك ، أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقي له ، وهذا أيضا ينشأ من كمال اليقين .
__________
(1) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " اليقين " : 118 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 209 ) .
(2) في ( ص ) : (( ولسانا )) .
(3) صادقا )) سقطت من ( ص ) .
(4) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " اليقين " : 112 .
(5) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " اليقين " : 108 .
(6) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 3/218 – 219 ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 367 ) و( 368 ) من حديث عبد الله بن عباس ، به . وهو جزء من حديث طويل .

(31/10)


وقد روي عن ابن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعائه : (( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا )) ((1)) وهو من علامات الزهد في الدنيا ، وقلة
الرغبة فيها ، كما قال علي - رضي الله عنه - : من زهد في الدنيا ، هانت عليه المصيبات .
والثالث : أن يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق ، وهذا من علامات الزهد في الدنيا ، واحتقارها ، وقلة الرغبة فيها ، فإن من عظمت الدنيا عنده أحب المدح وكره الذم ، فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم ، وعلى فعل كثير من الباطل رجاء المدح ، فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق ، دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه ، وامتلائه من محبة الحق ، وما فيه رضا مولاه ، كما قال ابن مسعود : اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله ((2)) . وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله ، ولا يخافون لومة لائم .
__________
(1) أخرجه : الترمذي ( 3502 ) ، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " ( 402 ) ، والحاكم 1/528 ، والبغوي ( 1374 ) من حديث عبد الله بن عمر ، به ، وقال الترمذي : (( حسن غريب )) .
(2) سبق تخريجه .

(31/11)


وقد روي عن السلف عبارات أخر في تفسير الزهد في الدنيا ، وكلها ترجع إلى ما تقدم ، كقول الحسن : الزاهد الذي إذا رأى أحدا قال : هو أفضل مني ، وهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها ، ولهذا يقال : الزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة ((1)) ، فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في الدنيا ، والترفع فيها على الناس ، فهو الزاهد حقا ، وهذا هو الذي يستوي عنده حامده وذامه في الحق ، وكقول وهيب بن الورد : الزهد في الدنيا أن لا تأسى على ما فات منها ، ولا تفرح بما آتاك منها ((2)) ، قال ابن السماك : هذا هو الزاهد المبرز في زهده .
وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها وزيادتها ونقصها ، وهو مثل استواء المصيبة وعدمها كما سبق .
وسئل بعضهم - أظنه الإمام أحمد - عمن معه مال : هل يكون زاهدا ؟ قال : إن كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه ، أو كما قال .
وسئل الزهري عن الزاهد فقال : من لم يغلب الحرام صبره ، ولم يشغل الحلال شكره ((3)) ، وهذا قريب مما قبله ، فإن معناه أن الزاهد في الدنيا إذا قدر منها على حرام ، صبر عنه ، فلم يأخذه ، وإذا حصل له منها حلال ، لم يشغله عن الشكر ، بل قام بشكر الله عليه .
__________
(1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/238 من قول يوسف بن أسباط .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/140 .
(3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 7/287 .

(31/12)


قال أحمد بن أبي الحواري : قلت لسفيان بن عيينة : من الزاهد في الدنيا ؟ قال : من إذا أنعم عليه شكر((1))، وإذا ابتلي صبر . فقلت : يا أبا محمد قد أنعم عليه فشكر ، وابتلي فصبر ، وحبس النعمة ((2)) ، كيف يكون زاهدا ؟! فقال : اسكت ، من لم تمنعه النعماء من الشكر ، ولا البلوى من الصبر ، فذلك الزاهد ((3)) .
وقال ربيعة : رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها ، ووضعها في حقها ((4)) .
وقال سفيان الثوري : الزهد في الدنيا قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ، ولا بلبس العباء ((5)) ، وقال : كان من دعائهم : اللهم زهدنا في الدنيا ، ووسع علينا منها ، ولا تزوها عنا ، فترغبنا فيها . وكذا قال الإمام أحمد : الزهد في الدنيا : قصر الأمل ، وقال مرة : قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس .
ووجه هذا أن قصر الأمل يوجب محبة لقاء الله بالخروج من الدنيا ، وطول الأمل يقتضي محبة البقاء فيها ، فمن قصر أمله ، فقد كره البقاء في الدنيا ، وهذا نهاية الزهد فيها ، والإعراض عنها ، واستدل ابن عيينة لهذا القول بقوله تعالى
: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } إلى قوله: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } ((6)).
__________
(1) من قوله : (( لم يشغله عن الشكر … )) سقطت من ( ص ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 7/273 .
(4) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 3/259 .
(5) أخرجه : وكيع في " الزهد " 1/222 ( 6 ) ، والدينوري في " المجالسة " ( 2848 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 6/386 .
(6) البقرة : 94 – 96 .

(31/13)


وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك بن مزاحم قال : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -
رجل ، فقال : يا رسول الله ، من أزهد الناس ؟ فقال : (( من لم ينس القبر والبلى ، وترك أفضل((1)) زينة الدنيا ، وآثر ما يبقى على ما يفنى ، ولم يعد غدا من أيامه وعد نفسه من الموتى )) ((2)) وهذا مرسل .
وقد قسم كثير من السلف الزهد أقساما : فمنهم من قال : أفضل الزهد : الزهد في الشرك ، وفي عبادة ما عبد من دون الله ، ثم الزهد في الحرام كله من المعاصي ، ثم الزهد في الحلال ، وهو أقل أقسام الزهد ، فالقسمان الأولان من هذا الزهد ، كلاهما واجب ، والثالث : ليس بواجب ، فإن أعظم الواجبات : الزهد في الشرك ، ثم في المعاصي كلها ((3)) . وكان بكر المزني يدعو لإخوانه : زهدنا الله وإياكم زهد من أمكنه الحرام والذنوب في الخلوات ، فعلم أن الله يراه فتركه .
وقال ابن المبارك : قال سلام بن أبي مطيع : الزهد على ثلاثة وجوه :
واحد : أن يخلص العمل لله - عز وجل - والقول ، ولا يراد بشيء منه الدنيا .
والثاني : ترك ما لا يصلح ، والعمل بما يصلح .
والثالث : الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع ، وهو أدناها ((4)) .
وهذا قريب مما قبله ، إلا أنه جعل الدرجة الأولى من الزهد الزهد في
الرياء المنافي للإخلاص في القول والعمل ، وهو الشرك الأصغر ، والحامل عليه
محبة المدح في الدنيا ، والتقدم عند أهلها ، وهو من نوع محبة العلو فيها
والرياسة .
__________
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 34318 ) من طريق الضحاك بن مزاحم ، مرسلا فهو ضعيف لإرساله .
(3) انظر : الفوائد لابن القيم : 146 .
(4) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 6/188 .

(31/14)


وقال إبراهيم بن أدهم : الزهد ثلاثة أصناف : فزهد فرض ، وزهد فضل ، وزهد سلامة ، فالزهد الفرض : الزهد في الحرام ، والزهد الفضل : الزهد في الحلال ، والزهد السلامة : الزهد في الشبهات ((1)) .
وقد اختلف الناس : هل يستحق اسم الزاهد من زهد في الحرام خاصة ، ولم يزهد في فضول المباحات أم لا ؟ على قولين :
أحدهما : أنه يستحق اسم الزهد بذلك ، وقد سبق ذلك عن الزهري وابن عيينة وغيرهما .
والثاني : لا يستحق اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباح ، وهو قول طائفة من العارفين وغيرهم ، حتى قال بعضهم : لا زهد اليوم لفقد المباح المحض ، وهو قول يوسف بن أسباط ((2)) وغيره ، وفي ذلك نظر . وكان يونس بن عبيد يقول : وما قدر الدنيا حتى يمدح من زهد فيها ؟
وقال أبو سليمان الداراني : اختلفوا علينا في الزهد بالعراق ، فمنهم من قال : الزهد في ترك لقاء الناس ، ومنهم من قال : في ترك الشهوات ، ومنهم من قال : في ترك الشبع ، وكلامهم قريب بعضه من بعض ، قال : وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله - عز وجل - ((3)) ، وهذا الذي قاله أبو سليمان حسن ، وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه .
واعلم أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس هو راجعا إلى زمانها الذي هو الليل والنهار ، المتعاقبان إلى يوم القيامة ، فإن الله جعلهما خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا . ويروى عن عيسى - عليه السلام - أنه قال : إن هذا الليل والنهار خزانتان ، فانظروا ما تضعون فيهما ، وكان يقول : اعملوا الليل لما خلق له ، والنهار لما خلق له .
__________
(1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/26 و10/137 .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/238 بنحوه .
(3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/258 .

(31/15)


وقال مجاهد : ما من يوم إلا يقول : ابن آدم قد دخلت عليك اليوم ، ولن أرجع إليك بعد اليوم ، فانظر ماذا تعمل في ، فإذا انقضى ، طوي ، ثم يختم عليه ، فلا يفك حتى يكون الله هو الذي يفضه يوم القيامة ، ولا ليلة إلا تقول كذلك ((1)) ، وقد أنشد بعض السلف :
إنما الدنيا إلى الجنـ

ـة والنار طريق

والليالي متجر الإنـ

ـسان والأيام سوق

وليس الذم راجعا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادا وسكنا ، ولا إلى ما أودعه الله فيها من الجبال والبحار والأنهار والمعادن ، ولا إلى ما أنبته فيها من الشجر والزرع ، ولا إلى ما بث فيها من الحيوانات وغير ذلك ، فإن ذلك كله من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع ، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه وقدرته وعظمته ، وإنما الذم راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا ؛ لأن غالبها واقع على غير الوجه الذي تحمد عاقبته ، بل يقع على ما تضر عاقبته ، أو لا تنفع ، كما قال - عز وجل - : { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد } ((2)) .
وانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين :
__________
(1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 3/292 بنحوه .
(2) الحديد : 20 .

(31/16)


أحدهما : من أنكر أن يكون للعباد بعد الدنيا دار للثواب والعقاب ، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم : { إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا
يكسبون } ((1)) ، وهؤلاء همهم التمتع بالدنيا ، واغتنام لذاتها قبل الموت ، كما قال تعالى : { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى
لهم } ((2)) . ومن هؤلاء من كان يأمر بالزهد في الدنيا ؛ لأنه يرى أن الاستكثار منها يوجب الهم والغم ، ويقول : كلما كثر التعلق بها ، تألمت النفس بمفارقتها عند الموت ، فكان هذا غاية زهدهم في الدنيا .
والقسم الثاني : من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب ، وهم المنتسبون إلى شرائع المرسلين ، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام : ظالم لنفسه ، ومقتصد ، وسابق بالخيرات بإذن الله .
فالظالم لنفسه: هم الأكثرون منهم ، وأكثرهم وقف مع زهرة الدنيا وزينتها ، فأخذها من غير وجهها ، واستعملها في غير وجهها ، وصارت الدنيا أكبر همه ، لها يغضب((3)) ، وبها يرضى، ولها يوالي ، وعليها يعادي ، وهؤلاء هم أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر ، وكلهم لم يعرف المقصود من الدنيا((4)) ، ولا أنها منزل سفر يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة ، وإن كان أحدهم يؤمن بذلك إيمانا مجملا ، فهو لا يعرفه مفصلا ، ولا ذاق ما ذاقه أهل المعرفة بالله في الدنيا مما هو أنموذج ما ادخر لهم في الآخرة .
__________
(1) يونس : 7 – 8 .
(2) محمد : 12 .
(3) عبارة : (( لها يغضب )) سقطت من (ص ) .
(4) عبارة : (( من الدنيا )) سقطت من ( ص ) .

(31/17)


والمقتصد منهم أخذ الدنيا من وجوهها المباحة ، وأدى واجباتها ، وأمسك لنفسه الزائد على الواجب ، يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا((1)) ، وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهادة في الدنيا كما سبق ذكره ، ولا عقاب عليهم في ذلك ، إلا أنه ينقص من درجاتهم من الآخرة بقدر توسعهم في الدنيا . قال ابن عمر : لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريما ، خرجه ابن أبي الدنيا ((2)) بإسناد جيد . وروي مرفوعا من حديث عائشة بإسناد فيه نظر .
وروى الإمام أحمد في كتاب " الزهد " بإسناده : أن رجلا دخل على معاوية ، فكساه ، فخرج فمر على أبي مسعود الأنصاري ورجل آخر من الصحابة ، فقال أحدهما له : خذها من حسناتك ، وقال الآخر : من طيباتك .
وبإسناده عن عمر قال : لولا أن تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم ، ولكني سمعت الله عير قوما، فقال : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا } ((3)) ((4)).
وقال الفضيل بن عياض : إن شئت استقل من الدنيا ، وإن شئت استكثر منها فإنما تأخذ من كيسك .
__________
(1) من قوله : (( على الواجب … )) إلى هنا سقط من ( ص ) .
(2) كما في " الترغيب والترهيب " ( 4709 ) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا .
وأخرجه : هناد في " الزهد " ( 557 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/306 .
(3) الأحقاف : 20 .
(4) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 24196 ) بنحوه .

(31/18)


ويشهد لهذا أن الله - عز وجل - حرم على عباده أشياء من فضول شهوات الدنيا وزينتها وبهجتها ، حيث لم يكونوا محتاجين إليه ، وادخره لهم عنده في الآخرة ، وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله - عز وجل - : { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج } إلى قوله : { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين } ((1)) .
وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( من لبس الحرير في الدنيا ، لم يلبسه في
الآخرة )) ((2)) ، و (( من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة )) ((3)) . وقال :
(( لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ، ولا تأكلوا في صحافها ، فإنها لهم في الدنيا ، ولكم في الآخرة )) ((4)) .
__________
(1) الزخرف : 33 - 35 .
(2) أخرجه : البخاري 7/193 ( 5832 ) ، ومسلم 6/142 – 143 ( 2073 ) ( 21 ) من حديث أنس بن مالك ، به .
(3) أخرجه : البخاري 7/135 ( 5575 ) ، ومسلم 6/100 ( 2003 ) ( 73 ) ، وأبو داود
( 3679 ) ، وابن حبان ( 5366 ) ، والبيهقي 8/293 ، والبغوي ( 3013 ) من حديث عبد الله بن عمر ، به .
(4) أخرجه : الحميدي ( 440 ) ، والبخاري 7/99 ( 5426 ) ، ومسلم 6/136 – 137
( 2067 ) ( 4 ) و( 5 ) ، وابن ماجه ( 3414 ) و( 3590 ) ، والترمذي ( 1878 ) ، والنسائي 8/198 – 199 ، وابن حبان ( 5339 ) من حديث حذيفة ، به .

(31/19)


قال وهب : إن الله - عز وجل - قال لموسى - عليه السلام - : إني لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة ، وما ذلك لهوانهم علي ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ((1)) .
ويشهد لهذا ما خرجه الترمذي عن قتادة بن النعمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال :
(( إن الله إذا أحب عبدا حماه عن الدنيا ، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء )) ((2)) ، وخرجه الحاكم ((3)) ، ولفظه : (( إن الله ليحمي عبده الدنيا وهو يحبه ، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب ، تخافون عليه )) .
وفي " صحيح مسلم " ((4)) عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال
: (( الدنيا سجن المؤمن ، وجنة الكافر )) .
__________
(1) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 1/11 – 12 من طرق عن ابن عباس ، بنحوه .
(2) أخرجه : الترمذي ( 2036 ) ، وابن حبان ( 669 ) ، والطبراني في " الكبير " 19/( 17 ) من حديث قتادة ، به ، وقال الترمذي : (( حسن غريب )) .
(3) في " المستدرك " 4/207 و309 من حديث قتادة بن النعمان ، به .
(4) الصحيح 8/210 ( 2956 ) ( 1 ) .
وأخرجه : أحمد 2/323 و485 ، وابن ماجه ( 4113 ) ، وابن حبان ( 687 ) و( 688 ) من حديث أبي هريرة ، به .
وهنا قد وهم ابن رجب فنسب الحديث في " صحيح مسلم " إلى : (( عبد الله بن عمرو )) ، بينما هو من رواية أبي هريرة .
أما رواية عبد الله بن عمرو فقد أخرجها : أحمد 2/197 ، والحاكم 4/315 ، وأبو نعيم في " الحلية " 8/177 و185 .

(31/20)


وأما السابق بالخيرات بإذن الله ، فهم الذين فهموا المراد من الدنيا ، وعملوا بمقتضى ذلك ، فعلموا أن الله إنما أسكن عباده في هذه الدار ، ليبلوهم أيهم أحسن
عملا ، كما قال : { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ((1)) ، وقال : { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ((2)) .
قال بعض السلف : أيهم أزهد في الدنيا ، وأرغب في الآخرة ، وجعل ما في الدنيا من البهجة والنضرة محنة ، لينظر من يقف منهم معه ، ويركن إليه ، ومن ليس كذلك ، كما قال تعالى : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا } ((3)) ثم بين انقطاعه ونفاده ، فقال : { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } ((4)) ، فلما فهموا أن هذا هو المقصود من الدنيا ، جعلوا همهم التزود منها للآخرة التي هي دار القرار ، واكتفوا من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره ، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( ما لي وللدنيا ، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ، ثم راح وتركها )) ((5)) .
__________
(1) هود : 7 .
(2) الملك : 2 .
(3) الكهف : 7 .
(4) الكهف : 8 .
(5) أخرجه : أحمد 1/391 و441 ، وابن ماجه ( 4109 ) ، والترمذي ( 2377 ) ، والطبراني في " الأوسط " ( 9307 ) ، والحاكم 4/310 ، وأبو نعيم في " الحلية " 2/102 و4/234 من حديث عبد الله بن مسعود ، به ، وقال الترمذي : (( حسن صحيح )) .
وللحديث طرق أخرى .

(31/21)


ووصى - صلى الله عليه وسلم - جماعة من الصحابة أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد الراكب ، منهم : سلمان ((1)) ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وأبو ذر ، وعائشة ((2)) ، ووصى ابن عمر أن يكون في الدنيا كأنه((3)) غريب أو عابر سبيل ، وأن يعد نفسه من أهل القبور ((4)) .
وأهل هذه الدرجة على قسمين : منهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسد الرمق فقط ، وهو حال كثير من الزهاد . ومنهم من يفسح لنفسه أحيانا في تناول بعض شهواتها المباحة ؛ لتقوى النفس بذلك ، وتنشط للعمل ، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه قال : (( حبب إلي من دنياكم النساء والطيب ، وجعلت قرة عيني في
الصلاة )) خرجه الإمام أحمد ((5)) والنسائي ((6)) من حديث أنس .
__________
(1) أخرجه : معمر في " جامعه " ( 20632 ) ، ووكيع في " الزهد " ( 67 ) ، وأحمد 5/438 ، وابن حبان ( 706 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 6069 ) و( 6160 ) و( 6182 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/195 و196 و197 ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 728 ) من حديث سلمان ، وهو حديث صحيح .
(2) أخرجه : الترمذي ( 1780 ) من حديث عائشة ، وإسناده ضعيف جدا .
(3) عبارة : (( في الدنيا كأنه )) سقطت من ( ص ) .
(4) أخرجه : أحمد 2/24 و41 ، والبخاري 8/110 ( 6416 ) ، وابن ماجه ( 4114 ) ، والترمذي ( 2333 )، وابن حبان ( 698 )، والبيهقي 3/369 من حديث عبد الله بن عمر ، به . والروايات مطولة ومختصرة .
(5) في " مسنده " 3/128 و199 و285 من حديث أنس بن مالك ، به .
(6) في " المجتبى " 7/61 و62 ، وهو حديث صحيح .

(31/22)


وخرج الإمام أحمد ((1)) من حديث عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب
من الدنيا النساء والطيب والطعام ، فأصاب من النساء والطيب ، ولم يصب من الطعام .
وقال وهب : مكتوب في حكمة آل داود - عليه السلام - : ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات : ساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يلقى فيها إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ، ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل ، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات ، وفضل بلغة واستجماما للقلوب ، يعني : ترويحا لها ((2)) .
ومتى نوى المؤمن بتناول شهواته المباحة التقوي على الطاعة كانت شهواته له طاعة يثاب عليها ، كما قال معاذ بن جبل : إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ((3)) ، يعني : أنه ينوي بنومه التقوي على القيام في آخر الليل ، فيحتسب ثواب نومه كما يحتسب ثواب قيامه . وكان بعضهم إذا تناول شيئا من شهواته المباحة واسى منها إخوانه ، كما روي عن ابن المبارك أنه كان إذا اشتهى شيئا لم يأكله حتى يشتهيه بعض أصحابه ، فيأكله معهم ، وكان إذا اشتهى شيئا ، دعا ضيفا له ليأكل معه .
وكان يذكر عن الأوزاعي أنه قال : ثلاثة لا حساب عليهم في مطعمهم :
المتسحر ، والصائم حين يفطر ، وطعام الضيف ((4)) .
__________
(1) في " مسنده " 6/72 من طريق أبي إسحاق ، عن رجل حدثه ، عن عائشة ، به ، وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن عائشة .
(2) أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 313 ) ، وهناد في " الزهد " ( 1226 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 4677 ) و( 4678 ) .
(3) أخرجه : عبد الرزاق ( 5959 ) ، وأحمد 4/409 عن معاذ بن جبل ، به .
وهو جزء من حديث طويل .
(4) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 6/72 من طريق يونس بن يزيد ، عن الأوزاعي ، عن حسان .

(31/23)


وقال الحسن : ليس من حبك للدنيا طلبك ما يصلحك فيها ، ومن زهدك فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها ، ومن أحب الدنيا وسرته ، ذهب خوف الآخرة من قلبه .
وقال سعيد بن جبير : متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة ، وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور ، ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه ((1)) .
وقال يحيى بن معاذ الرازي : كيف لا أحب دنيا قدر لي فيها قوت ، أكتسب بها حياة ، أدرك بها طاعة ، أنال بها الآخرة .
وسئل أبو صفوان الرعيني - وكان من العارفين - : ما هي الدنيا التي ذمها الله في القرآن التي ينبغي للعاقل أن يجتنبها ؟ فقال : كل ما أصبت في الدنيا تريد به الدنيا ، فهو مذموم ، وكل ما أصبت فيها تريد به الآخرة ، فليس منها ((2)) .
وقال الحسن : نعمت الدار كانت الدنيا للمؤمن ، وذلك أنه عمل قليلا ، وأخذ زاده منها إلى الجنة ، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق ، وذلك أنه ضيع لياليه ، وكان زاده منها إلى النار ((3)) .
__________
(1) أخرجه : نعيم بن حماد في " زوائده على الزهد " لابن المبارك ( 140 ) .
(2) أخرجه : أبو سعيد في " الزهد وصفة الزاهدين " ( 35 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 10/5 ، والبيهقي في " الزهد الكبير " ( 448 ) .
(3) أخرجه : أحمد في " الزهد " ( 1637 ) ، وابن أبي عاصم في " الزهد " : 284 . ( ط . دار الريان للتراث ) .

(31/24)


وقال أيفع بن عبد الكلاعي : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، قال الله : يا أهل الجنة ، كم لبثتم في الأرض عدد سنين ؟ قالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم ، قال : نعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم ، رحمتي ورضواني وجنتي ، امكثوا فيها خالدين مخلدين ، ثم يقول لأهل النار : كم لبثتم في الأرض عدد سنين ؟ قالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم ، فيقول : بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم ، سخطي ومعصيتي وناري ، امكثوا فيها خالدين مخلدين )) ((1)) .
وخرج الحاكم ((2)) من حديث عبد الجبار بن وهب ، أنبأنا سعد بن طارق ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته حتى يرضي ربه ، وبئست الدار لمن صدته عن آخرته ، وقصرت به عن رضا ربه ، وإذا قال العبد : قبح الله الدنيا ، قالت الدنيا : قبح الله أعصانا لربه )) وقال ((3)) : صحيح الإسناد ، وخرجه العقيلي ((4)) ، وقال : عبد الجبار بن وهب مجهول وحديثه غير محفوظ ، قال : وهذا الكلام يروى عن علي من قوله .
__________
(1) أخرجه : ابن أبي حاتم في "تفسيره" ( 14060 ) وكما في "تفسير ابن كثير" : 1308 ( ط . دار ابن حزم ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 5/132 من طريق أيفع بن عبد الكلاعي ، مرسلا .
(2) في " المستدرك " 4/312 – 313 .
وأخرجه : الرامهرمزي في " الأمثال " : 58 و147 ، وابن عدي في " الكامل " 4/226 عن سعد بن طارق ، عن أبيه ، به .
(3) في " المستدرك " 4/313 .
(4) في " الضعفاء " 3/89 .

(31/25)


وقول علي خرجه ابن أبي الدنيا ((1)) عنه بإسناد فيه نظر : أن عليا سمع رجلا يسب الدنيا ، فقال : إنها لدار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها ، مسجد أحباء الله ، ومهبط وحيه ، ومصلى ملائكته ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة ، فمن ذا يذم الدنيا وقد آذنت بفراقها ، ونادت بعيبها ، ونعت نفسها وأهلها ، فمثلت ببلائها البلاء ، وشوقت بسرورها إلى السرور، فذمها قوم عند الندامة ، وحمدها آخرون ، حدثتهم فصدقوا ، وذكرتهم فذكروا ؟ فيا أيها المغتر بالدنيا، المغتر بغرورها، متى استلامت إليك الدنيا ؟ بل متى غرتك ؟ أبمضاجع آبائك من الثرى ؟ أم بمصارع أمهاتك من البلى ؟ كم قد قلبت بكفيك ، ومرضت بيديك تطلب له الشفاء ، وتسأل له الأطباء ، فلم تظفر بحاجتك ، ولم تسعف بطلبتك ، قد مثلت لك الدنيا بمصرعه مصرعك غدا ، ولا يغني عنك بكاؤك ، ولا ينفعك أحباؤك .
فبين أمير المؤمنين - رضي الله عنه - أن الدنيا لا تذم مطلقا ، وأنها تحمد بالنسبة إلى من تزود منها الأعمال الصالحة ، وأن فيها مساجد الأنبياء ، ومهبط الوحي ، وهي دار التجارة للمؤمنين ، اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا بها الجنة ، فهي نعم الدار لمن كانت هذه صفته . وأما ما ذكر من أنها تغر وتخدع ، فإنها تنادي بمواعظها ، وتنصح بعبرها ، وتبدي عيوبها بما تري أهلها من مصارع الهلكى ، وتقلب الأحوال من الصحة إلى السقم ، ومن الشبيبة إلى الهرم ، ومن الغنى إلى الفقر ، ومن العز إلى الذل ، لكن محبها قد أصمه وأعماه حبها ، فهو لا يسمع نداءها ، كما قيل :
قد نادت الدنيا على نفسها
__________
(1) في " ذم الدنيا " ( 147 ) .

(31/26)


لو كان في العالم من يسمع

كم واثق بالعمر أفنيته

وجامع بددت ما يجمع

قال يحيى بن معاذ : لو يسمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا في الغيب من ألسنة الفناء ، لتساقطت القلوب منهم حزنا ((1)) . وقال بعض الحكماء : الدنيا أمثال تضربها الأيام للأنام ، وعلم الزمان لا يحتاج إلى ترجمان ، وبحب الدنيا صمت أسماع القلوب عن المواعظ ، وما أحث السائق لو شعر الخلائق .
وأهل الزهد في فضول الدنيا أقسام : فمنهم من يحصل له ، فيمسكه ويتقرب به إلى الله ، كما كان كثير من الصحابة وغيرهم ، قال أبو سليمان : كان عثمان
وعبد الرحمان بن عوف خازنين من خزان الله في أرضه ، ينفقان في طاعته ، وكانت معاملتهما لله بقلوبهما ((2)) .
ومنهم من يخرجه من يده ، ولا يمسكه ، وهؤلاء نوعان : منهم من يخرجه اختيارا وطواعية ، ومنهم من يخرجه ونفسه تأبى إخراجه ، ولكن يجاهدها على ذلك . وقد اختلف في أيهما أفضل ، فقال ابن السماك والجنيد : الأول أفضل ، لتحقق نفسه بمقام السخاء والزهد ، وقال ابن عطاء : الثاني أفضل ؛ لأن له عملا ومجاهدة . وفي كلام الإمام أحمد ما يدل عليه أيضا .
ومنهم من لم يحصل له شيء من الفضول ، وهو زاهد في تحصيله ، إما مع قدرته ، أو بدونها ، والأول أفضل من هذا ، ولهذا قال كثير من السلف : إن عمر ابن عبد العزيز كان أزهد من أويس ونحوه ، كذا قال أبو سليمان ((3)) وغيره .
وكان مالك بن دينار يقول : الناس يقولون : مالك زاهد ، إنما الزاهد عمر ابن عبد العزيز ((4)) .
__________
(1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 10/56 .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/262 .
(3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/272 .
(4) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 5/257 .

(31/27)


وقد اختلف العلماء : أيما أفضل : من طلب الدنيا من الحلال ، ليصل رحمه ، ويقدم منها لنفسه ، أم من تركها فلم يطلبها بالكلية ؟ فرجحت طائفة من تركها
وجانبها ، منهم : الحسن وغيره ، ورجحت طائفة من طلبها على ذلك الوجه ، منهم : النخعي وغيره ، وروي عن الحسن عنه نحوه .
والزاهدون في الدنيا بقلوبهم لهم ملاحظ ومشاهد يشهدونها ، فمنهم من يشهد كثرة التعب بالسعي في تحصيلها ، فهو يزهد فيها قصدا لراحة نفسه . قال الحسن : الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن .
ومنهم من يخاف أن ينقص حظه من الآخرة بأخذ فضول الدنيا . ومنهم من يخاف من طول الحساب عليها ، قال بعضهم ((1)) : من سأل الله الدنيا ، فإنما يسأل طول الوقوف((2)) للحساب .
ومنهم من يشهد كثرة عيوب الدنيا ، وسرعة تقلبها وفنائها ، ومزاحمة الأراذل في طلبها ، كما قيل لبعضهم : ما الذي زهدك في الدنيا ؟ قال : قلة وفائها ، وكثرة جفائها ، وخسة شركائها .
ومنهم من كان ينظر إلى حقارة الدنيا عند الله ، فيقذرها ، كما قال الفضيل : لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالا لا أحاسب بها في الآخرة ، لكنت أتقذرها كما يتقذر الرجل الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه ((3)) .
ومنهم من كان يخاف أن تشغله عن الاستعداد للآخرة والتزود لها . قال الحسن : إن كان أحدهم ليعيش عمره مجهودا شديد الجهد ، والمال الحلال إلى جنبه ، يقال له : ألا تأتي هذا فتصيب منه ؟ فيقول : لا والله لا أفعل ، إني أخاف أن آتيه ، فأصيب منه ، فيكون فساد قلبي وعملي ((4)) .
__________
(1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/337 من قول بشر بن الحارث .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/89 .
(4) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 6/269 .

(31/28)


وبعث إلى عمر بن المنكدر بمال ، فبكى ، واشتد بكاؤه ، وقال : خشيت أن تغلب الدنيا على قلبي ، فلا يكون للآخرة فيه نصيب ، فذلك الذي أبكاني ، ثم أمر به ، فتصدق به على فقراء أهل المدينة .
وخواص هؤلاء يخشى أن يشتغل بها عن الله ، كما قالت رابعة : ما أحب أن لي الدنيا كلها من أولها إلى آخرها حلالا ، وأنا أنفقها في سبيل الله ، وأنها شغلتني
عن الله طرفة عين .
وقال أبو سليمان : الزهد ترك ما يشغل عن الله ((1)) . وقال : كل ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد ، فهو مشؤوم ((2)) .
وقال : أهل الزهد في الدنيا على طبقتين((3)) : منهم من يزهد في الدنيا ، فلا يفتح له فيها روح الآخرة ، ومنهم من إذا زهد فيها ، فتح له فيها روح الآخرة ((4)) ، فليس شيء أحب إليه من البقاء ليطيع الله ((5)) .
وقال : ليس الزاهد من ألقى هموم الدنيا ، واستراح منها ، إنما الزاهد من زهد في الدنيا ، وتعب فيها للآخرة ((6)) .
__________
(1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/258 .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/264 .
(3) في ( ص ) : (( الزهد على طبقتين )) .
(4) من قوله : (( ومنهم من إذا … )) إلى هنا سقط من ( ص ) .
(5) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/274 .
(6) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/273 .

(31/29)


فالزهد في الدنيا يراد به تفريغ القلب من الاشتغال بها ؛ ليتفرغ لطلب الله ، ومعرفته ، والقرب منه ، والأنس به ، والشوق إلى لقائه ، وهذه الأمور ليست من الدنيا كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( حبب إلي من دنياكم النساء والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة )) ((1)) ، ولم يجعل الصلاة مما حبب إليه من الدنيا ، كذا في
" المسند " ((2)) و" النسائي " ((3)) ، وأظنه وقع في غيرهما : (( حبب إلي من دنياكم
ثلاث )) ((4)) ، فأدخل الصلاة في الدنيا ، ويشهد لذلك حديث : (( الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله وما والاه ، أو عالما أو متعلما )) خرجه ابن ماجه ((5)) والترمذي ((6)
__________
(1) سبق تخريجه .
(2) المسند 3/128 و199 و285 من حديث أنس بن مالك ، به .
(3) في " المجتبى " 7/61 و72 من حديث أنس بن مالك ، به .
(4) قال العلامة محمد عبد الرؤوف المناوي: (( من زاد كالزمخشري والقاضي لفظ ثلاث فقد وهم، قال الحافظ العراقي في "أماليه" لفظ ثلاث ليست في شيء من كتب الحديث وهي تفسد المعنى، وقال الزركشي : لم يرد فيه لفظ ثلاثة وزيادتها مخلة للمعنى فإن الصلاة ليست من الدنيا ، وقال ابن حجر في " تخريج الكشاف " : لم يقع في شيء من طرقه ، وهي تفسد المعنى إذ لم يذكر بعدها إلا الطيب والنساء ثم إنه لم يضفها لنفسه فما قال : أحب ، تحقيرا لأمرها ؛ لأنه أبغض الناس فيها لا لأنها ليست من دنياه بل من آخرته كما ظن إذ كل مباح دنيوي ينقلب طاعة بالنية فلم يبق لتخصيصه حينئذ وجه )) . فيض القدير 3/489 – 490 ( 3669 ) ، وانظر : الكافي الشاف ( 183 ) ، والمقاصد الحسنة : 180 .
(5) السنن ( 4112 ) .
(6) في " جامعه " ( 2322 ) من حديث أبي هريرة ، به ، وقال : (( حسن غريب )) .

وأخرجه : أبو نعيم " الحلية " 3/157 و7/90 من حديث جابر ، به .

(31/30)


) ، وحسنه من حديث أبي هريرة مرفوعا . وروي نحوه من غير وجه مرسلا ومتصلا .
وخرج الطبراني ((1)) من حديث أبي الدرداء مرفوعا قال : (( الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها إلا ما ابتغي به وجه الله )) . وخرجه ابن أبي الدنيا ((2)) موقوفا ، وخرجه أيضا من رواية شهر بن حوشب ((3)) ، عن عبادة ، أراه رفعه ، قال
: (( يؤتى بالدنيا يوم القيامة ، فيقال : ميزوا منها ما كان لله - عز وجل - ، وألقوا سائرها في النار )) .
فالدنيا وكل ما فيها ملعونة ، أي : مبعدة عن الله ؛ لأنها تشغل عنه ، إلا العلم النافع الدال على الله ، وعلى معرفته ، وطلب قربه ورضاه ، وذكر الله وما والاه مما يقرب من الله ، فهذا هو المقصود من الدنيا ، فإن الله إنما أمر عباده بأن يتقوه ويطيعوه ، ولازم ذلك دوام ذكره ، كما قال ابن مسعود : تقوى الله حق تقواه أن يذكر فلا ينسى ((4)) . وإنما شرع الله أقام الصلاة لذكره ، وكذلك الحج والطواف . وأفضل أهل العبادات أكثرهم ذكرا لله فيها ، فهذا كله ليس من الدنيا المذمومة ، وهو المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها ، كما قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ((5)) .
__________
(1) كما في " مجمع الزوائد " 10/222 ، وقال الهيثمي : (( رواه الطبراني وفيه خداش بن المهاجر ولم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات )) .
(2) في " ذم الدنيا " ( 6 ) .
(3) وهو ضعيف .
(4) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 5957 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 8501 ) و( 8502 )، والحاكم 2/294 ، والبغوي في " تفسيره " 1/479 ، وابن الجوزي في " تفسيره " 1/431 .
(5) الذاريات : 56 .

(31/31)


وقد ظن طوائف من الفقهاء والصوفية أن ما يوجد في الدنيا من هذه العبادات أفضل مما يوجد في الجنة من النعيم ، قالوا : لأن نعيم الجنة حق ((1)) العبد ، والعبادات في الدنيا حق الرب ، وحق الرب أفضل من حظ العبد ، وهذا غلط ، ويقوي غلطهم قول كثير من المفسرين في قوله : { من جاء بالحسنة فله خير منها } ((2)) قالوا : الحسنة : لا إله إلا الله ، وليس شيء خيرا منها . ولكن الكلام على التقديم والتأخير ، والمراد : فله منها خير ، أي : له خير بسببها ولأجلها .
والصواب إطلاق ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة أن الآخرة خير من الأولى مطلقا . وفي " صحيح الحاكم " ((3)) عن المستورد بن شداد ، قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فتذاكروا الدنيا والآخرة ، فقال بعضهم : إنما الدنيا بلاغ
للآخرة ، وفيها العمل ، وفيها الصلاة ، وفيها الزكاة . وقالت طائفة منهم : الآخرة فيها الجنة ، وقالوا ما شاء الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( ما الدنيا في الآخرة
إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم ، فأدخل إصبعه فيه ، فما خرج منه ، فهو
الدنيا )) ، فهذا نص بتفضيل الآخرة على الدنيا ، وما فيها من
الأعمال .
ووجه ذلك : أن كمال الدنيا إنما هو في العلم والعمل ، والعلم مقصود الأعمال ، يتضاعف في الآخرة بما لا نسبة لما في الدنيا إليه ، فإن العلم أصله العلم بالله وأسمائه وصفاته ، وفي الآخرة ينكشف الغطاء ، ويصير الخبر عيانا ، ويصير
علم اليقين عين اليقين ، وتصير المعرفة بالله رؤية له ومشاهدة ، فأين هذا مما في
الدنيا ؟
وأما الأعمال البدنية ، فإن لها في الدنيا مقصدين :
__________
(1) في ( ج ) : (( حظ )) .
(2) النمل : 89 .
(3) المستدرك 4/319 .

(31/32)


أحدهما : اشتغال الجوارح بالطاعة ، وكدها بالعبادة .
والثاني : اتصال القلوب بالله وتنويرها بذكره .
فالأول قد رفع عن أهل الجنة ، ولهذا روي أنهم إذا هموا بالسجود لله عند تجليه لهم يقال لهم : ارفعوا رؤوسكم فإنكم لستم في دار مجاهدة .
وأما المقصود الثاني ، فحاصل لأهل الجنة على أكمل الوجوه وأتمها ، ولا نسبة لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عيانا ، فتتنعم قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم بقرب الله ورؤيته ، وسماع كلامه ، ولاسيما في أوقات الصلوات في الدنيا ، كالجمع والأعياد ، والمقربون منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر ، ولهذا لما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أهل الجنة يرون ربهم ((1)) حض عقيب ذلك على المحافظة على صلاة العصر وصلاة الفجر ؛ لأن وقت هاتين الصلاتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربهم وزيارتهم له ، وكذلك نعيم الذكر وتلاوة القرآن لا ينقطع عنهم أبدا ، فيلهمون التسبيح كما يلهمون النفس . قال ابن عيينة : لا إله إلا الله لأهل الجنة ، كالماء البارد لأهل الدنيا ، فأين لذة الذكر للعارفين في الدنيا من لذتهم به في الجنة .
__________
(1) أخرجه : الحميدي ( 1178 ) ، وأحمد 2/389 ، والبخاري 9/156 ( 7437 ) ، ومسلم 1/112 ( 182 ) ( 299 ) و1/114 ( 182 ) ( 300 ) ، وأبو داود ( 4730 ) ، وابن ماجه ( 178 ) ، والترمذي ( 2554 ) من حديث أبي هريرة ، ونص الحديث : (( قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( تضامون في رؤية القمر ليلة البدر ، وتضامون في رؤية الشمس ؟ )) قالوا : لا ، قال : (( فإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته )) .
والروايات مطولة ومختصرة .

(31/33)


فتبين بهذا أن قوله : { من جاء بالحسنة فله خير منها } ((1)) على ظاهره ، فإن ثواب كلمة التوحيد في الدنيا أن يصل صاحبها إلى قولها في الجنة على الوجه الذي يختص به أهل الجنة .
وبكل حال ، فالذي يحصل لأهل الجنة من تفاصيل العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ، ومن قربه ومشاهدته ولذة ذكره ، هو أمر لا يمكن التعبير عن كنهه في الدنيا ؛ لأن أهلها لم يدركوه على وجهه ، بل هو مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، والله تعالى المسؤول أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا بمنه وكرمه ورحمته آمين .
ولنرجع إلى شرح حديث : (( ازهد في الدنيا يحبك الله )) ((2)) ، فهذا الحديث يدل على أن الله يحب الزاهدين في الدنيا ، قال بعض السلف : قال الحواريون لعيسى - عليه السلام - : يا روح الله ، علمنا عملا واحدا يحبنا الله - عز وجل - عليه ، قال : أبغضوا الدنيا يحبكم الله - عز وجل - .
وقد ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة ، كما قال : { كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة } ((3)) ، وقال : { وتحبون المال حبا جما } ((4)) ، وقال : { وإنه لحب الخير لشديد } ((5)) ، والمراد حب المال ، فإذا ذم من أحب الدنيا دل على مدح من لا يحبها ، بل يرفضها ويتركها .
__________
(1) النمل : 89 .
(2) سبق تخريجه .
(3) القيامة : 20 – 21 .
(4) الفجر : 20 .
(5) العاديات : 8 .

(31/34)


وفي " المسند " ((1)) و" صحيح ابن حبان " ((2)) عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته ، أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى )) .
وفي " المسند " ((3)) و" سنن ابن ماجه " ((4)) عن زيد بن ثابت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( من كانت الدنيا همه ، فرق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم
يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن كانت الآخرة نيته ، جمع الله له أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة )) . وخرجه الترمذي ((5)) من حديث أنس
مرفوعا بمعناه .
ومن كلام جندب بن عبد الله الصحابي : حب الدنيا رأس كل خطيئة ((6)) ، وروي مرفوعا ، وروي عن الحسن مرسلا ((7)) .
قال الحسن : من أحب الدنيا وسرته ، خرج حب الآخرة من قلبه ((8)) .
وقال عون بن عبد الله : الدنيا والآخرة في القلب ككفتي الميزان بقدر ما ترجح إحداهما تخف الأخرى ((9)) .
__________
(1) مسند أحمد 4/412 ، وفي إسناده انقطاع .
(2) الإحسان ( 709 ) .
(3) مسند أحمد 5/183 ، وهو حديث صحيح .
(4) السنن ( 4105 ) .
(5) في " جامعه " ( 2465 ) .
وأخرجه : ابن عدي في " الكامل " 3/572 – 573 ، وأبو نعيم في " الحلية " 6/307 - 308 ، والبغوي ( 4142 ) من حديث يزيد بن أبان الرقاشي ، عن أنس ، وإسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي .
(6) انظر : المقاصد الحسنة : 182 ، وكشف الخفاء 1/413 عقيب ( 1099 ) .
(7) أخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 10501 ) ، والسخاوي في " المقاصد الحسنة " : 182 ، والعجلوني في " كشف الخفاء " 1/412 – 413 ( 1099 ) عن الحسن ، مرسلا .
(8) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 7/79 و10/22 من قول سفيان الثوري .
(9) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 4/251 .

(31/35)


وقال وهب : إنما الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان : إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى ((1)) .
وبكل حال ، فالزهد في الدنيا شعار أنبياء الله وأوليائه وأحبائه ، قال عمرو بن العاص : ما أبعد هديكم من هدي نبيكم - صلى الله عليه وسلم - ، إنه كان أزهد الناس في الدنيا ، وأنتم أرغب الناس فيها ، خرجه الإمام أحمد ((2)) .
وقال ابن مسعود لأصحابه : أنتم أكثر صوما وصلاة وجهادا من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهم كانوا خيرا منكم ، قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : كانوا أزهد منكم في الدنيا ، وأرغب منكم في الآخرة ((3)) .
وقال أبو الدرداء : لئن حلفتم لي على رجل أنه أزهدكم ، لأحلفن لكم أنه خيركم ((4)) . ويروى عن الحسن ، قال : قالوا : يا رسول الله ، من خيرنا ؟ قال :
(( أزهدكم في الدنيا ، وأرغبكم في الآخرة )) ((5)) والكلام في هذا الباب يطول جدا . وفيما أشرنا إليه كفاية إن شاء الله تعالى .
الوصية الثانية : الزهد فيما في أيدي الناس، وأنه موجب لمحبة الناس. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه وصى رجلا ، فقال: (( ايأس مما في أيدي الناس تكن غنيا )) خرجه الطبراني ((6)) وغيره.
__________
(1) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " ذم الدنيا " ( 7 ) .
(2) أخرجه : الحاكم 4/315 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 10519 ) و( 10699 ) .
(3) أخرجه : الحاكم 4/315 ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/136 .
(4) أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 550 ) .
(5) أخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 10521 ) ، وهو ضعيف لإرساله ، والسند إلى الحسن منقطع .
(6) في " الأوسط " ( 5778 ) ، وإسناده ضعيف جدا ، فيه إبراهيم بن زياد العجلي متروك .

(31/36)


ويروى من حديث سهل بن سعد مرفوعا : (( شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس )) ((1)) .
وقال الحسن : لا تزال كريما على الناس ، أو لا يزال الناس يكرمونك ما لم تعاط ما في أيديهم ، فإذا فعلت ذلك ، استخفوا بك ، وكرهوا حديثك ، وأبغضوك ((2)) .
وقال أيوب السختياني : لا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان : العفة عما في أيدي الناس ، والتجاوز عما يكون منهم ((3)) .
وكان عمر يقول في خطبته على المنبر : إن الطمع فقر ، وإن اليأس غنى ، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه ((4)) .
وروي أن عبد الله بن سلام لقي كعب الأحبار عند عمر ، فقال : يا كعب ، من أرباب العلم ؟ قال : الذين يعملون به ، قال : فما يذهب بالعلم من قلوب العلماء بعد إذ حفظوه وعقلوه ؟ قال : يذهبه الطمع ، وشره النفس ، وتطلب الحاجات إلى الناس ، قال : صدقت ((5)) .
وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم ، فمن سأل الناس ما بأيديهم ، كرهوه وأبغضوه ؛ لأن المال محبوب لنفوس بني آدم ، فمن طلب منهم ما يحبونه ، كرهوه لذلك .
__________
(1) أخرجه : الحاكم 4/325 ، وأبو نعيم في " الحلية " 3/253 ، والقضاعي في " مسند
الشهاب " ( 151 ) و( 746 ) من حديث سهل بن سعد ، به ، وإسناده ضعيف لضعف زافر ابن سليمان .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 3/20 .
(3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 3/5 بنحوه .
(4) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 1/50 .
(5) أخرجه : ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " 2/6 بنحوه مختصرا .

(31/37)


وأما من كان يرى المنة للسائل عليه ، ويرى أنه لو خرج له عن ملكه كله ، لم يف له ببذل سؤاله له وذلته له ، أو كان يقول لأهله : ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم ، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم ، فهذا نادر جدا من طباع بني آدم ، وقد انطوى بساط ذلك من أزمان متطاولة .
وأما من زهد فيما في أيدي الناس ، وعف عنهم ، فإنهم يحبونه ويكرمونه لذلك ويسود به عليهم ، كما قال أعرابي لأهل البصرة : من سيد أهل هذه القرية ؟ قالوا : الحسن ، قال : بما سادهم ؟ قالوا : احتاج الناس إلى علمه ، واستغنى هو عن دنياهم ((1)) ، وما أحسن قول بعض السلف في وصف الدنيا وأهلها :
وما هي إلا جيفة مستحيلة

عليها كلاب همهن اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها

وإن تجتذبها نازعتك كلابها
__________
(1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 2/147 - 148 بنحوه مختصرا .

(31/38)


الحديث الثاني والثلاثون
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا ضرر ولا ضرار )) حديث حسن ، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا ، ورواه مالك في
" الموطإ " عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، فأسقط أبا سعيد ، وله طرق يقوى بعضها ببعض .
حديث أبي سعيد لم يخرجه ابن ماجه ، إنما أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة ، حدثنا الدراوردي ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا ضرر ولا ضرار ، من ضار ضره الله ، ومن شاق شق الله عليه )) ((1)) وقال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط مسلم ، وقال البيهقي : تفرد به عثمان عن الدراوردي ، وخرجه مالك في " الموطإ "((2)) عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، مرسلا .
قال ابن عبد البر ((3)) : لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث ، قال : ولا يسند من وجه صحيح ، ثم خرجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي ، عن الدراوردي موصولا ، والدراوردي كان الإمام أحمد يضعف ما حدث به من حفظه ، ولا يعبأ به ، ولا شك في تقديم قول مالك على قوله . وقال خالد بن سعد الأندلسي الحافظ : لم يصح حديث : (( لا ضرر ولا ضرار )) مسندا .
__________
(1) أخرجه : الدارقطني 3/77 و4/228 ، والحاكم 2/57 ، والبيهقي 6/69 وفي " المعرفة " ، له ( 3764 ) .
وأخرجه : ابن عبد البر في " التمهيد " 20/159 .
(2) " الموطأ " ( 2171 ) برواية الليثي .
وأخرجه : الشافعي ( 1493 ) بتحقيقي ، والبيهقي 6/70 عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، مرسلا .
لكن لم ترد عبارة : (( عن أبيه )) في " الأم " 8/639 .
(3) انظر : التمهيد 20/158 .

(32/1)


وأما ابن ماجه ، فخرجه من رواية فضيل بن سليمان ، حدثنا موسى بن عقبة ، حدثني إسحاق بن يحيى بن الوليد ، عن عبادة بن الصامت : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى أن لا ضرر ولا ضرار ((1)) ، وهذا من جملة صحيفة تروى بهذا الإسناد ، وهي منقطعة مأخوذة من كتاب ، قاله ابن المديني وأبو زرعة وغيرهما ، وإسحاق بن يحيى قيل : هو ابن طلحة ، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة ، قاله أبو زرعة وابن أبي حاتم ((2)) والدارقطني في موضع ((3)) ، وقيل : إنه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة ، ولم يسمع أيضا من عبادة ، قاله الدارقطني أيضا ((4)) . وذكره ابن عدي في كتابه
" الضعفاء " ، وقال : عامة أحاديثه غير محفوظة ((5)) ، وقيل : إن موسى بن عقبة لم يسمع منه ، وإنما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي عنه ، وأبو عياش لا يعرف .
وخرجه ابن ماجه ((6)) أيضا من وجه آخر من رواية جابر الجعفي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا ضرر ولا ضرار )) ، وجابر الجعفي ضعفه الأكثرون ، وخرجه الدارقطني ((7)) من رواية إبراهيم بن إسماعيل ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، وإبراهيم ضعفه جماعة، وروايات داود، عن عكرمة مناكير .
__________
(1) أخرجه : ابن ماجه ( 2213 ) و( 2340 ) و( 2483 ) و( 2488 ) و( 2643 ) من حديث عبادة بن الصامت ، به .
وأخرجه : عبد الله بن أحمد في " زوائده " 5/326 – 327 .
(2) انظر : الجرح والتعديل 2/168 .
(3) انظر : سنن الدارقطني 4/202 .
(4) انظر : سنن الدارقطني 3/176 .
(5) انظر : الكامل 1/552 .
(6) في " سننه " ( 2341 ) .
وأخرجه : ابن ماجه ( 2337 ) و( 2339 ) من طرق عن عكرمة ، عن ابن عباس ، به .
(7) في " سننه " 4/228 .

(32/2)


وخرج الدارقطني ((1)) من حديث الواقدي ، حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت ، عن أبي الرجال ، عن عمرة ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا ضرر ولا ضرار )) والواقدي متروك ، وشيخه مختلف في تضعيفه . وخرجه الطبراني ((2)) من وجهين ضعيفين أيضا عن القاسم ، عن عائشة .
وخرج الطبراني ((3)) أيضا من رواية محمد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع بن حبان ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام )) وهذا إسناد مقارب وهو غريب ، لكن خرجه أبو داود في " المراسيل " ((4)) من رواية عبد الرحمان بن مغراء ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع مرسلا ، وهو أصح .
وخرج الدارقطني ((5)) من رواية أبي بكر بن عياش ، قال : أراه عن ابن عطاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لا ضرر ولا ضرورة ، ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على حائطه )) ، وهذا الإسناد فيه شك ، وابن عطاء : هو يعقوب ، وهو ضعيف .
وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا ضرر ولا ضرار )) قال ابن عبد البر ((6)) : إسناده غير صحيح .
__________
(1) في " سننه " 4/227 .
(2) في " الأوسط " ( 270 ) و( 1037 ) عن القاسم ، عن عائشة ، به .
(3) في " الأوسط " ( 5193 ) .
(4) المراسيل : 207 .
(5) في " سننه " 4/228 .
(6) انظر : التمهيد 20/157 .

(32/3)


قلت : كثير هذا يصحح حديثه الترمذي ويقول البخاري في بعض حديثه : هو أصح حديث في الباب ، وحسن حديثه إبراهيم بن المنذر الحزامي ، وقال : هو خير من مراسيل ابن المسيب ، وكذلك حسنه ابن أبي عاصم ، وترك حديثه آخرون، منهم : الإمام أحمد وغيره ، فهذا ما حضرنا من ذكر طرق أحاديث هذا الباب .
وقد ذكر الشيخ - رحمه الله - أن بعض طرقه تقوى ببعض ، وهو كما قال ، وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني : إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعف قويت ((1)) .
وقال الشافعي ((2)) في المرسل : إنه إذا أسند من وجه آخر ، أو أرسله من يأخذ العلم عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول ، فإنه يقبل .
وقال الجوزجاني : إذا كان الحديث المسند من رجل غير مقنع - يعني : لا يقنع برواياته - وشد أركانه المراسيل بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار ، استعمل ، واكتفي به ، وهذا إذا لم يعارض بالمسند الذي هو أقوى منه .
وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث ، وقال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لا ضرر ولا
ضرار )) ((3)) .
وقال أبو عمرو بن الصلاح : هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه ، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه ، وقد تقبله جماهير أهل العلم ، واحتجوا به ، وقول أبي داود : إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف ، والله أعلم .
__________
(1) انظر : السنن الكبرى للبيهقي 6/65 .
(2) انظر : الرسالة ( 1266 ) و( 1267 ) .
(3) انظر : مسند الإمام أحمد 5/326 .

(32/4)


وفي المعنى أيضا حديث أبي صرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( من ضار ضار الله به ، ومن شاق شق الله عليه )) . خرجه أبو داود والترمذي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : حسن غريب ((1)) .
وخرج الترمذي ((2)) بإسناد فيه ضعف عن أبي بكر الصديق ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به )) .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا ضرر ولا ضرار )) . هذه الرواية الصحيحة ، ضرار بغير
همزة ((3)) ، وروي (( إضرار )) بالهمزة ((4)) ، ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه والدراقطني ، بل وفي بعض نسخ " الموطأ " ، وقد أثبت بعضهم هذه الرواية وقال : يقال : ضر وأضر بمعنى ، وأنكرها آخرون ، وقالوا : لا صحة لها .
واختلفوا : هل بين اللفظتين - أعني : الضرر والضرار - فرق أم لا ؟ فمنهم من قال : هما بمعنى واحد على وجه التأكيد ، والمشهور أن بينهما فرقا ، ثم قيل : إن الضرر هو الاسم ، والضرار : الفعل ، فالمعنى أن الضرر نفسه منتف في الشرع ، وإدخال الضرر بغير حق كذلك .
__________
(1) أخرجه : أبو داود ( 3635 ) ، وابن ماجه ( 2342 ) ، والترمذي ( 1940 ) عن أبي حرمة ، به .
ولعل الترمذي حسنه لمال له من شواهد ، وإلا فإن في سنده لؤلؤة مولاة الأنصار لم يرو عنها غير محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري .
(2) في " جامعه " ( 1941 ) .
وأخرجه : أبو يعلى ( 96 ) ، وابن أبي حاتم في " العلل " 2/287 ، وابن عدي في " الكامل " 7/140 و141 ، وأبو نعيم في " الحلية " 3/49 و4/164 .
والترمذي ضعفه بقوله : (( غريب )) ، وإنما ضعفه لضعف أبي سلمة الكندي وشيخه فرقد السبخي .
(3) ضرار : بدون همزة بمعنى : أي لا يدخل الضرر على الذي ضره ولكن يعفو عنه . انظر :
لسان العرب 8/44 .
(4) إضرار : بمثل معنى أن يتزوج الرجل على ضرة . انظر : الصحاح 2/721 .

(32/5)


وقيل : الضرر : أن يدخل على غيره ضررا بما ينتفع هو به ، والضرار : أن يدخل على غيره ضررا بما لا منفعة له به ((1)) ، كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع ، ورجح هذا القول طائفة ، منهم ابن عبد البر ، وابن الصلاح .
وقيل : الضرر : أن يضر بمن لا يضره ، والضرار : أن يضر بمن قد أضر به على وجه غير جائز .
وبكل حال فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نفى الضرر والضرار بغير حق .
فأما إدخال الضرر على أحد بحق ، إما لكونه تعدى حدود الله ، فيعاقب بقدر جريمته ، أو كونه ظلم غيره ، فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل ، فهذا غير مراد قطعا ، وإنما المراد : إلحاق الضرر بغير حق ، وهذا على نوعين :
أحدهما : أن لا يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير ، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه((2)) ، وقد ورد في القرآن النهي عن المضارة في مواضع : منها في الوصية ، قال الله تعالى : { من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار } ((3)) ، وفي حديث أبي هريرة المرفوع : (( إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة ، ثم يحضره الموت ، فيضار في الوصية ، فيدخل النار )) ، ثم تلا : { تلك حدود الله } إلى قوله : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها } ((4)) ، وقد
خرجه الترمذي ((5)
__________
(1) انظر : النهاية 3/81 – 82 .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) النساء : 12 .
(4) النساء : 13 – 14 .
(5) في " جامعه " ( 2117 ) ، وقال : (( حسن غريب )) ، وفي إسناد الحديث شهر بن حوشب ضعيف عند التفرد ، وقد تفرد .

وأخرجه : عبد الرزاق ( 16455 ) ، وإسحاق بن راهويه ( 147 ) ، وأحمد 2/278 ، وأبو داود ( 2867 ) ، وابن ماجه ( 2704 ) ، والطبراني في " الأوسط " ( 3026 ) ، والبيهقي 6/271 من حديث أبي هريرة ، به مرفوعا .

(32/6)


) وغيره بمعناه .
وقال ابن عباس : الإضرار في الوصية من الكبائر ((1)) ، ثم تلا هذه الآية .
والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يخص بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له ، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه ، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث )) ((2)) .
وتارة بأن يوصي لأجنبي بزيادة على الثلث ، فتنقص حقوق الورثة ، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( الثلث والثلث كثير )) ((3)) .
ومتى وصى لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث ، لم ينفذ ما وصى به إلا بإجازة الورثة ، وسواء قصد المضارة أو لم يقصد ، وأما إن قصد المضارة بالوصية لأجنبي بالثلث ، فإنه يأثم بقصده المضارة ، وهل ترد وصيته إذا ثبت ذلك بإقراره أم لا ؟ حكى ابن عطية رواية عن مالك أنها ترد ، وقيل : إنه قياس مذهب أحمد .
__________
(1) أخرجه : عبد الرزاق ( 16456 ) ، وسعيد بن منصور ( 343 ) و( 344 ) ، وابن أبي شيبة ( 30933 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 6980 ) موقوفا ، وهو الصحيح إليه .
وأخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 6981 ) ، والبيهقي 6/271 مرفوعا ، وهو ضعيف .
(2) أخرجه : ابن ماجه ( 2714 ) ، والدارقطني 4/70 ، والبيهقي 6/264 من حديث أنس بن مالك ، به مرفوعا ، وإسناده صحيح .
(3) أخرجه : الحميدي ( 521 ) ، وأحمد 1/230 و233 ، والبخاري 4/3 ( 2743 ) ، ومسلم 5/72 ( 1629 ) ( 10 ) ، وابن ماجه ( 2711 ) ، والنسائي 6/244 وفي
" الكبرى " ، له ( 6461 ) ، والطبراني ( 10719 ) ، والبيهقي 6/269 من حديث ابن عباس .

(32/7)


ومنها : في الرجعة في النكاح ، قال تعالى : { فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم
نفسه } ((1)) ، وقال : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } ((2)) فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة ، فإنه آثم بذلك ، وهذا كما كانوا في أول الإسلام قبل حصر الطلاق في ثلاث يطلق الرجل امرأته ، ثم يتركها حتى تقارب انقضاء عدتها ، ثم يراجعها ، ثم يطلقها ، ويفعل ذلك أبدا بغير نهاية ، فيدع المرأة لا مطلقة ولا ممسكة ، فأبطل الله ذلك ، وحصر الطلاق في ثلاث مرات .
وذهب مالك إلى أن من راجع امرأته قبل انقضاء عدتها ، ثم طلقها من غير مسيس أنه إن قصد بذلك مضارتها بتطويل العدة ، لم تستأنف العدة ، وبنت على ما مضى منها ، وإن لم يقصد بذلك ، استأنفت عدة جديدة ، وقيل : تبني مطلقا ، وهو قول عطاء وقتادة ، والشافعي في القديم ، وأحمد في رواية ، وقيل : تستأنف مطلقا ، وهو قول الأكثرين ، منهم أبو قلابة والزهري والثوري وأبو حنيفة والشافعي - في الجديد - وأحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيد وغيرهم .
__________
(1) البقرة : 231 .
(2) البقرة : 228 .

(32/8)


ومنها في الإيلاء ، فإن الله جعل مدة المؤلي أربعة أشهر إذا حلف الرجل على امتناع وطء زوجته ، فإنه يضرب له مدة أربعة أشهر ، فإن فاء ورجع إلى الوطء ، كان ذلك توبته ، وإن أصر على الامتناع لم يمكن من ذلك ، وفيه قولان للسلف والخلف : أحدهما : أنها تطلق عليه بمضي هذه المدة ، والثاني : أنه يوقف ، فإن فاء ، وإلا أمر بالطلاق ، ولو ترك الوطء لقصد الإضرار بغير يمين مدة أربعة أشهر ، فقال كثير من أصحابنا : حكمه حكم المؤلي في ذلك ، وقالوا : هو ظاهر كلام أحمد .
وكذا قال جماعة منهم : إذا ترك الوطء أربعة أشهر لغير عذر ، ثم طلبت الفرقة ، فرق بينهما بناء على أن الوطء عندنا في هذه المدة واجب ، واختلفوا : هل يعتبر لذلك قصد الإضرار أم لا يعتبر ؟ ومذهب مالك وأصحابه إذا ترك الوطء من غير عذر ، فإنه يفسخ نكاحه ، مع اختلافهم في تقدير المدة .
ولو أطال السفر من غير عذر ، وطلبت امرأته قدومه ، فأبي ، فقال مالك وأحمد وإسحاق : يفرق الحاكم بينهما ، وقدره أحمد بستة أشهر ، وإسحاق بمضي سنتين .

(32/9)


ومنها : في الرضاع ، قال تعالى : { لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } ((1)) ، قال مجاهد ((2)) في قوله : { لا تضار والدة بولدها } قال : لا يمنع أمه أن ترضعه ليحزنها ، وقال عطاء وقتادة والزهري وسفيان والسدي وغيرهم : إذا رضيت ما يرضى به غيرها ، فهي أحق به ، وهذا هو المنصوص عن أحمد ، ولو كانت الأم في حبال الزوج . وقيل : إن كانت في حبال الزوج ، فله منعها من إرضاعه ، إلا أن لا يمكن ارتضاعه من غيرها ، وهو قول الشافعي ، وبعض أصحابنا ، لكن إنما يجوز ذلك إذا كان قصد الزوج به توفير الزوجة للاستمتاع ، لا مجرد إدخال الضرر عليها .
وقوله : { ولا مولود له بولده } ((3)) ، يدخل فيه أن المطلقة إذا طلبت
إرضاع ولدها بأجرة مثلها ، لزم الأب إجابتها إلى ذلك ، وسواء وجد غيرها أو لم يوجد . هذا منصوص الإمام أحمد ، فإن طلبت زيادة على أجرة مثلها زيادة كثيرة ، ووجد الأب من يرضعه بأجرة المثل ، لم يلزم الأب إجابتها إلى ما طلبت ، لأنها تقصد المضارة ، وقد نص عليه الإمام أحمد .
ومنها في البيع قد ورد النهي عن بيع المضطر ، خرجه أبو داود ((4)
__________
(1) البقرة : 233 .
(2) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 3929 ) ، وابن أبي حاتم في " تفسيره " 2/430
( 2277 ) .
(3) البقرة : 233 .
(4) في " سننه " ( 3382 ) .
وأخرجه : أحمد 1/116 ، والبيهقي 6/17 من طريق أبي عامر المزني ، عن شيخ من بني تميم ، قال : خطب علي … ، وإسناده ضعيف لضعف أبي عامر المزني - وهو صالح بن رستم - ، ولجهالة الشيخ من بني تميم .

(32/10)


) من حديث علي بن أبي طالب أنه خطب الناس ، فقال : سيأتي على الناس زمان عضوض((1)) يعض الموسر على ما في يديه ، ولم يؤمر بذلك ، قال الله تعالى : { ولا تنسوا الفضل بينكم } ((2)) ويبايع المضطرون ، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر . وخرجه الإسماعيلي ، وزاد فيه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إن كان عندك خير تعود به على أخيك ، وإلا فلا تزيدنه هلاكا إلى هلاكه )) وخرجه أبو يعلي الموصلي ((3)) بمعناه من حديث حذيفة مرفوعا أيضا .
وقال عبد الله بن معقل : بيع الضرورة ربا .
وقال حرب : سئل أحمد عن بيع المضطر ، فكرهه ، فقيل له : كيف هو ؟ قال : يجيئك وهو محتاج ، فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين ، وقال أبو طالب : قيل لأحمد : إن ربح بالعشرة خمسة ؟ فكره ذلك ، وإن كان المشتري مسترسلا لا يحسن أن يماكس ، فباعه بغبن كثير ، لم يجز أيضا . قال أحمد : الخلابة : الخداع ، وهو أن يغبنه فيما لا يتغابن الناس في مثله ؛ يبيعه ما يساوي درهما بخمسة ، ومذهب مالك وأحمد أنه يثبت له خيار الفسخ بذلك .
ولو كان محتاجا إلى نقد ، فلم يجد من يقرضه ، فاشترى سلعة بثمن إلى أجل في ذمته ، ومقصوده بيع تلك السلعة ، ليأخذ ثمنها ، فهذا فيه قولان للسلف ، ورخص أحمد فيه في رواية ، وقال في رواية : أخشى أن يكون مضطرا ؛ فإن باع السلعة من بائعها له ، فأكثر السلف على تحريم ذلك ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم .
__________
(1) الزمان العضوض : هو الزمان الشديد الذي يكون فيه الناس في فاقة وحاجة .
(2) البقرة : 237 .
(3) لم أجده في المطبوع من " مسند أبي يعلى " وجاء في " مسنده " ( 7083 ) من حديث عمران بن حذيفة ، عن ميمونة لكن المعنى ليس قريبا .

(32/11)


ومن أنواع الضرر في البيوع : التفريق بين الوالدة وولدها في البيع ، فإن كان صغيرا ، حرم بالاتفاق ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( من فرق بين والدة وولدها ، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة )) ((1)) ، فإن رضيت الأم بذلك ، ففي جوازه اختلاف ، ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جدا ، وإنما ذكرنا هذا على وجه المثال .
والنوع الثاني : أن يكون له غرض آخر صحيح ، مثل أن يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له ، فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره ، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه توفيرا له ، فيتضرر الممنوع بذلك .
فأما الأول وهو التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره فإن كان على غير الوجه المعتاد ، مثل أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف ، فيحترق ما يليه ، فإنه متعد بذلك ، وعليه الضمان ، وإن كان على الوجه المعتاد ، ففيه للعلماء قولان مشهوران :
أحدهما : لا يمنع من ذلك ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما .
والثاني : المنع ، وهو قول أحمد ، ووافقه مالك في بعض الصور ؛ فمن صور ذلك : أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره ، أو يبني بناء عاليا يشرف على جاره ولا يستره ، فإنه يلزم بستره ، نص عليه أحمد ، ووافقه طائفة من أصحاب الشافعي ، قال الروياني منهم في كتاب " الحلية " : يجتهد الحاكم في ذلك ، ويمنع إذا ظهر له التعنت ، وقصد الفساد ، قال : وكذلك القول في إطالة البناء ومنع الشمس والقمر .
__________
(1) أخرجه : أحمد 5/412 و414 ، والدارمي 2/227 – 228 ، والترمذي ( 1283 )
و( 1566 ) ، والطبراني ( 4080 ) ، والدارقطني 3/67 ، والحاكم 2/55 ، والقضاعي في
" مسند الشهاب " ( 456 ) عن أبي أيوب ، به ، قال الترمذي : (( حسن غريب )) .
وفي الباب عن علي ، به
تنبيه : أخرجه البيهقي 9/126 منقطعا .

(32/12)


وقد خرج الخرائطي((1)) وابن عدي((2)) بإسناد ضعيف((3)) عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده مرفوعا حديثا طويلا في حق الجار ، وفيه : (( ولا يستطيل عليه بالبناء فيحجب عنه الريح إلا بإذنه )) .
ومنها أن يحفر بئرا بالقرب من بئر جاره ، فيذهب ماؤها ، فإنها تطم في ظاهر مذهب مالك وأحمد ، وخرج أبو داود في " المراسيل " ((4)) من حديث أبي قلابة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تضاروا في الحفر ، وذلك أن يحفر الرجل إلى جنب الرجل ليذهب بمائه )) .
ومنها أن يحدث في ملكه ما يضر بملك جاره من هز أو دق ونحوهما ، فإنه يمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد ، وهو أحد الوجوه للشافعية .
وكذا إذا كان يضر بالسكان ، كما له رائحة خبيثة ونحو ذلك .
ومنها أن يكون له ملك في أرض غيره ، ويتضرر صاحب الأرض بدخوله
إلى أرضه ، فإنه يجبر على إزالته ليندفع به ضرر الدخول ، وخرج أبو داود في
" سننه " ((5)
__________
(1) أخرجه : الخرائطي في " مكارم الأخلاق " : 59 .
(2) في " الكامل " 6/292 .
وأخرجه : ابن أبي حاتم في " العلل " ( 639 ) و( 2357 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " 7/83 – 84 .
(3) وقد قال عنه أبو حاتم : (( خطأ )) ، والحديث ساقه ابن عدي ضمن منكرات عثمان بن عطاء الخراساني الضعيف .
(4) أخرجه : أبو داود في " المراسيل " : 207 .
(5) 3636 ) .

وأخرجه : البيهقي 6/157 ، وإسناده ضعيف لانقطاعه ؛ فإن أبا جعفر محمد بن علي الباقر لم يسمع من سمرة .

(32/13)


) من حديث أبي جعفر محمد بن علي أنه حدث سمرة بن جندب أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار ، ومع الرجل أهله ، وكان سمرة يدخل إلى نخله ، فيتأذى به ويشق عليه ، فطلب إليه أن يناقله ، فأبى ، فأتى النبي
- صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ذلك له ، فطلب إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعه ، فأبى ، فطلب إليه أن يناقله ، فأبى ، قال : (( فهبه له ولك كذا وكذا )) أمرا رغبه فيه ، فأبى ، فقال : (( أنت مضار )) ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصاري : (( اذهب فاقلع نخله )) ، وقد روي عن أبي جعفر مرسلا . قال أحمد في رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا الحديث : كل ما كان على هذه الجهة ، وفيه ضرر يمنع من ذلك ، فإن أجاب وإلا أجبره السلطان ، ولا يضر بأخيه في ذلك ، فيه مرفق له .
وخرج أبو بكر الخلال من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن سليط بن قيس ، عن أبيه : أن رجلا من الأنصار كانت له في حائطه نخلة لرجل آخر ، فكان صاحب النخلة لا يريمها غدوة وعشية ، فشق ذلك على صاحب الحائط ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ذلك له ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لصاحب النخلة : (( خذ منه نخلة مما يلي الحائط مكان نخلتك )) ، قال : لا والله ، قال : (( فخذ مني ثنتين )) قال : لا والله ، قال : (( فهبها لي )) ، قال : لا والله ، قال : فردد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعطيه نخلة مكان نخلته ((1)) .
__________
(1) ذكره ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 4/264 ( 1227 ) ، وابن عبد البر في
" الاستيعاب " 2/206 .
ورواه ابن منده كما في " الإصابة " 2/382 ( 3421 ) ، وإسناده ضعيف لضعف عبد الله بن محمد بن عقيل عند التفرد .

(32/14)


وخرج أبو داود في "المراسيل" ((1)) من رواية ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع بن حبان ، قال : كان لأبي لبابة عذق في حائط رجل ، فكلمه ، فقال : إنك تطأ حائطي إلى عذقك ، فأنا أعطيك مثله في حائطك ، وأخرجه عني ، فأبى عليه ، فكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ، فقال : (( يا أبا لبابة ، خذ مثل عذقك ، فحزها إلى مالك ، واكفف عن صاحبك ما يكره )) ، فقال : ما أنا بفاعل ، فقال : (( اذهب ، فأخرج له مثل عذقه إلى حائطه ، ثم اضرب فوق ذلك بجدار ، فإنه لا ضرر في الإسلام ولا ضرار )) .
ففي هذا الحديث والذي قبله إجباره على المعاوضة حيث كان على شريكه أو جاره ضرر في تركه ، وهذا مثل إيجاب الشفعة لدفع ضرر الشريك الطارئ .
ويستدل بذلك أيضا على وجوب العمارة على الشريك الممتنع من العمارة ، وعلى إيجاب البيع إذا تعذرت القسمة ، وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر ، عن أبيه مرفوعا : (( لا تعضية في الميراث إلا ما احتمل القسم )) ((2)) وأبو بكر : هو
ابن عمرو بن حزم ، قاله الإمام أحمد ، فالحديث حينئذ مرسل ، والتعضية : هي القسمة . ومتى تعذرت القسمة ، لكون المقسوم يتضرر بقسمته ، وطلب أحد الشريكين البيع ، أجبر الآخر ، وقسم الثمن ، نص عليه أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة .
__________
(1) المراسيل ( 407 ) ، وهو مع إرساله فيه محمد بن إسحاق مدلس ، وقد عنعن .
(2) أخرجه : الدارقطني 4/219 ، والبيهقي 10/133 مرفوعا بسند ضعيف ، وظاهر كلام ابن رجب أن فيه الإرسال حسب ، والواقع أن في سند الحديث عنعنة ابن جريج ، وهو يدلس تدليسا قبيحا كما ذكر الدارقطني .

(32/15)


وأما الثاني - وهو منع الجار من الانتفاع بملكه ، والارتفاق به - فإن كان ذلك يضر بمن انتفع بملكه ، فله المنع ، كمن له جدار واه لا يحتمل أن يطرح عليه خشب ، وأما إن لم يضر به ، فهل يجب عليه التمكين ، ويحرم عليه الامتناع أم لا ؟ فمن قال في القسم الأول : لا يمنع المالك من التصرف في ملكه ، وإن أضر بجاره ، قال هنا : للجار المنع من التصرف في ملكه بغير إذنه ، ومن قال هناك بالمنع ، فاختلفوا هاهنا على قولين : أحدهما : المنع هاهنا وهو قول مالك . والثاني : أنه لا يجوز المنع ، وهو مذهب أحمد في طرح الخشب على جدار جاره ، ووافقه الشافعي في القديم وإسحاق وأبو ثور ، وداود ، وابن المنذر ، وعبد الملك بن حبيب المالكي ، وحكاه مالك عن بعض قضاة المدينة .
وفي الصحيحين ((1)) عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة ((2)) على جداره )) قال أبو هريرة : مالي أراكم عنها معرضين ،
والله لأرمين بها بين أكتافكم ((3)).
__________
(1) صحيح البخاري 3/173 ( 2463 ) ، وصحيح مسلم 5/57 ( 1609 ) ( 136 ) .
(2) هذه اللفظة في كثير من كتب التخريج : (( خشبة )) بالإفراد ، وفي بعضها : (( خشبه )) بالجمع ، وانظر شرح صحيح مسلم 6/124 .
(3) أي : لأشيعن هذه المقالة فيكم ، فلا يمكن لكم أن تعرضوا عن العمل يومها ، أو الضمير للخشبة ، والمعنى : إن رضيتم بهذا الحكم ، وإلا لأجعلن الخشبة بين رقابكم كارهين ، والمراد المبالغة في إجراء الحكم فيهم إن ثقل عليهم .

(32/16)


وقضى عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يجري ماء جاره في أرضه ، وقال : لتمرن به ولو على بطنك ((1)) .
وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد ، ومذهب أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قناة في باطن أرضه ، نقله عنه حرب الكرماني .
ومما ينهى عن منعه للضرر منع الماء والكلأ ، وفي " الصحيحين " ((2)) عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ )) .
وفي " سنن أبي داود " ((3)
__________
(1) أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 2173 ) برواية الليثي ، والشافعي في " المسند " ( 1495 ) بتحقيقي ، والبيهقي 6/157 وفي " المعرفة " ، له ( 3769 ) ، ولفظة : (( عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ؛ أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا له في العريض ، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن سلمة ، فأبى محمد ، فقال له الضحاك : لم تمنعني وهو لك منفعة ، تشرب به أولا وآخرا ولا يضرك ؟ فأبى محمد ، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب ، فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله . فقال محمد : لا . فقال عمر : لم تمنع أخاك ما ينفعه ، وهو لك نافع ، تسقي به أولا وآخرا ، وهو لا يضرك ؟ فقال محمد : لا والله . فقال عمر : والله ليمرن به ولو على بطنك فأمره عمر أن يمر به . ففعل الضحاك )) .
(2) صحيح البخاري 3/144 ( 2353 ) ، وصحيح مسلم 5/34 ( 1566 ) ( 36 ) .
(3) برقم ( 3476 ) عن بهيسة ، عن أبيها ، به .
وفي إسناده مجاهيل ، سيار وأبوه مقبولان ، وبهيسة وأبوها مجهولان .

وأخرجه : أحمد 3/480 ، والدارمي 2/269 – 270 ، والروياني ( 1525 ) .

(32/17)


) أن رجلا قال : يا نبي الله ، ما الشيء الذي لا
يحل منعه ؟ قال : (( الماء )) ، قال : يا نبي الله ، ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟
قال : (( الملح )) قال : ما الشيء الذي لا يحل منعه ، قال : (( أن تفعل الخير خير
لك )) .
وفيه أيضا ((1)) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( الناس شركاء في ثلاث : الماء والنار والكلأ )) .
وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقا ، سواء قيل : إن الماء ملك لمالك أرضه أم لا ، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم ، والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانا بغير عوض للشرب ، وسقي البهائم ، وسقي الزروع ، ومذهب أبي حنيفة والشافعي : لا يجب بذله للزروع .
واختلفوا : هل يجب بذله مطلقا ، أو إذا كان بقرب الكلأ ، وكان منعه مفضيا إلى منع الكلأ ؟ على قولين لأصحابنا وأصحاب الشافعي ، وفي كلام أحمد ما يدل على اختصاص المنع بالقرب من الكلأ ، وأما مالك ، فلا يجب عنده بذل فضل الماء المملوك بملك منبعه ومجراه إلا للمضطر كالمحاز في الأوعية ، وإنما يجب عنده بذل فضل الماء الذي لا يملك .
وعند الشافعي ((2)) : حكم الكلأ كذلك يجوز منع فضله إلا في أرض الموات . ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد أنه لا يمنع فضل الكلأ مطلقا ، ومنهم من قال : لا يمنع أحد الماء والكلأ إلا أهل الثغور خاصة ، وهو قول الأوزاعي ، لأن أهل الثغور إذا ذهب ماؤهم وكلؤهم لم يقدروا أن يتحولوا من مكانهم من وراء بيضة الإسلام وأهله .
__________
(1) برقم ( 3476 ) عن بهيسة ، عن أبيها ، به .
وأخرجه : ابن ماجه ( 2472 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 11105 ) ، وابن عدي في
" الكامل " 5/348 – 349 عن ابن عباس ، به ، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن خراش .
(2) انظر : الأم 5/81 .

(32/18)


وأما النهي عن منع النار ، فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس منها دون أعيان الجمر ، ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار ، وهو بعيد ، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار ، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها لمن يستدفئ بها ، أو ينضج عليها طعاما ونحوه ، لم يبعد .
وأما الملح ، فلعله يحمل على منع أخذه من المعادن المباحة ، فإن الملح من المعادن الظاهرة ، لا يملك بالإحياء ، ولا بالإقطاع ، نص عليه أحمد ، وفي " سنن أبي دواد " ((1)) : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع رجلا الملح ، فقيل له : يا رسول الله إنه بمنزلة الماء العد ، فانتزعه منه .
ومما يدخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا ضرر )) أن الله لم يكلف عباده فعل ما يضرهم البتة ، فإن ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم ، وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهم ، لكنه لم يأمر عباده بشيء هو ضار لهم في أبدانهم أيضا ، ولهذا أسقط الطهارة بالماء عن المريض ، وقال : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } ((2)) ، وأسقط الصيام عن المريض والمسافر ، وقال : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ((3)) ، وأسقط اجتناب محظورات الإحرام ، كالحلق ونحوه عمن كان مريضا ، أو به أذى من رأسه ، وأمر بالفدية . وفي " المسند " ((4)
__________
(1) برقم ( 3064 ) من حديث أبيض بن حمال ، وهو حديث ضعيف .
وأخرجه : الدارمي ( 2611 ) ، وابن ماجه ( 2475 ) ، والترمذي ( 1380 ) ، وابن حبان
( 4499 ) ، والدارقطني 4/221 .
(2) المائدة : 6 .
(3) البقرة : 185 .
(4) مسند الإمام أحمد 1/236 .

وأخرجه : عبد بن حميد ( 569 ) ، والبخاري في " الأدب المفرد " ( 287 ) ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 78 ) ، والطبراني ( 11571 ) و( 11572 ) عن ابن عباس ، به ، وهو صحيح بشواهده .

(32/19)


) عن ابن عباس ، قال : قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي الأديان أحب إلى الله ؟ قال : (( الحنيفية السمحة )) . ومن حديث عائشة ((1)) ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إني أرسلت بحنيفية سمحة )) .
ومن هذا المعنى ما في " الصحيحين " ((2)) عن أنس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : رأى رجلا يمشي ، قيل : إنه نذر أن يحج ماشيا ، فقال : (( إن الله لغني عن مشيه ، فليركب )) ، وفي رواية : (( إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه )) .
وفي " السنن " ((3)) عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا فلتركب )) .
__________
(1) مسند الإمام أحمد 6/116 و233 وفي سنده عبد الرحمان بن أبي الزناد ، وهو ضعيف ؛ لكن للحديث شواهد يتقوى بها .
(2) صحيح البخاري 3/25 ( 1865 ) و8/177 ( 6701 ) ، وصحيح مسلم 5/79
( 1642 ) ( 9 ) .
(3) أخرجه : أبو داود ( 3293 ) ، وابن ماجه ( 2134 ) ، والترمذي ( 1544 ) ، والنسائي 7/20 وفي " الكبرى " ، له ( 4757 ) عن عقبة بن عامر ، به .
وأخرجه: أبو داود ( 3304 ) ، وابن خزيمة ( 3045 ) عن ابن عباس ، عن عقبة بن عامر ، به.
وأصل الحديث في الصحيحين ( البخاري 3/25 ( 1866 ) ، ومسلم 5/78 ( 1644 ) ) ، ولفظه عن عقبة بن عامر أنه قال : نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ، وأمرتني أن استفتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : (( لتمش ولتركب )) .

(32/20)


وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحج ماشيا ، فمنهم من قال : لا يلزمه المشي ، وله الركوب بكل حال ، وهو رواية عن أحمد والأوزاعي . وقال أحمد : يصوم ثلاثة أيام ، وقال الأوزاعي : عليه كفارة يمين ، والمشهور أنه يلزمه ذلك إن أطاقه ، فإن عجز عنه ، فقيل : يركب عند العجز ، ولاشيء عليه ، وهو أحد قولي الشافعي ((1)) .
وقيل : بل عليه - مع ذلك - كفارة يمين ، وهو قول الثوري وأحمد في رواية .
وقيل : بل عليه دم ، قاله طائفة من السلف ، منهم عطاء ومجاهد والحسن والليث وأحمد في رواية .
وقيل : يتصدق بكراء ما ركب ، وروي عن الأوزاعي ، وحكاه عن عطاء ، وروي عن عطاء : يتصدق بقدر نفقته عند البيت .
وقالت طائفة من الصحابة وغيرهم : لا يجزئه الركوب ، بل يحج من قابل ، فيمشي ما ركب ، ويركب ما مشى ، وزاد بعضهم : وعليه هدي ، وهو قول مالك إذا كان ما ركبه كثيرا .
ومما يدخل في عمومه أيضا أن من عليه دين لا يطالب به مع إعساره ، بل ينظر إلى حال إيساره ، قال تعالى : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } ((2)) ، وعلى هذا جمهور العلماء خلافا لشريح في قوله : إن الآية مختصة بديون الربا في الجاهلية ((3)) ، والجمهور أخذوا باللفظ العام ، ولا يكلف المدين أن يقضي مما عليه في خروجه من ملكه ضرر ، كثيابه ومسكنه المحتاج إليه ، وخادمه كذلك ، ولا ما يحتاج إلى التجارة به لنفقته ونفقة عياله هذا مذهب الإمام أحمد .
__________
(1) انظر : الأم 3/661 .
(2) البقرة : 280 .
(3) أخرجه : عبد الرزاق ( 15309 ) وسعيد بن منصور في " سننه " ( 453 ) تحقيق سعد الحميد ، والطبري في " تفسيره " ( 4916 ) ، وطبعة التركي 5/58 .

(32/21)


الحديث الثالث والثلاثون
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر )) . حديث حسن ، رواه البيهقي وغيره هكذا ، وبعضه في
" الصحيحين " .
أصل هذا الحديث خرجاه في " الصحيحين " ((1)) من حديث ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه )) .
وخرجاه ((2)) أيضا من رواية نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى أن اليمين على المدعى عليه .
واللفظ الذي ساقه به الشيخ ساقه ابن الصلاح قبله في الأحاديث الكليات ، وقال : رواه البيهقي ((3)) بإسناد حسن .
__________
(1) صحيح البخاري 6/43 ( 4552 ) ، وصحيح مسلم 5/128 ( 1711 ) ( 1 ) .
وأخرجه : عبد الرزاق ( 15193 ) ، وابن ماجه ( 2321 ) ، والنسائي في " الكبرى "
( 5994 ) ، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " 3/191 ، وابن حبان ( 5082 )
و( 5083 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 1124 ) و( 1125 ) وفي " الأوسط " ، له
( 7971 ) .
(2) البخاري 3/187 ( 2514 ) و233 ( 2668 ) ، ومسلم 5/128 ( 1711 ) ( 2 ) .
(3) في " سننه " 10/252 ، وانظر : المهذب في اختصار السنن الكبير 4/2097 ( 8840 ) .

(33/1)


وخرجه الإسماعيلي في " صحيحه " ((1)) من رواية الوليد بن مسلم ، حدثنا ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ، ولكن البينة على الطالب ، واليمين على المطلوب )) .
وروى الشافعي ((2)) : أخبرنا مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( البينة على المدعي )) قال
الشافعي ((3)) : وأحسبه - ولا أثبته - أنه قال : (( واليمين على المدعى عليه )) .
وروى محمد بن عمر بن لبابة الفقيه الأندلسي ، عن عثمان بن أيوب الأندلسي - ووصفه بالفضل - ، عن غازي بن قيس ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر هذا الحديث ، وقال : (( لكن البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر )) وغازي بن قيس الأندلسي كبير صالح ، سمع من مالك وابن جريج وطبقتهما ، وسقط من هذا الإسناد ابن جريج ، والله أعلم .
__________
(1) أخرجه : البيهقي 10/252 من طريق الإسماعيلي .
(2) في " مسنده " ( 1693 ) بتحقيقي ، ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي في " المعرفة "
( 5978 ) ، والبغوي ( 2501 ) .
(3) جملة: (( قال الشافعي )) لم ترد في " المسند " ، وهي في الأم 7/93 ، وطبعة الوفاء 10/285.

(33/2)


وقد استدل الإمام أحمد وأبو عبيد بأن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال : (( البينة على المدعي واليمين على من أنكر )) ، وهذا يدل على أن اللفظ عندهما صحيح محتج به ، وفي المعنى أحاديث كثيرة ، ففي " الصحيحين " ((1)) عن الأشعث بن قيس ، قال : كان بيني وبين رجل خصومة في بئر ، فاختصمنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( شاهداك أو يمينه )) ، قلت : إذا يحلف ولا يبالي ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر ، لقي الله وهو عليه غضبان )) ، فأنزل الله تصديق ذلك ، ثم اقترأ هذه الآية : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } ((2)) وفي رواية لمسلم بعد قوله : (( إذا يحلف )) قال : (( ليس لك إلا ذلك )) . وخرجه أيضا مسلم ((3)) بمعناه من حديث وائل بن حجر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) صحيح البخاري 3/45 ( 2357 ) و159 ( 2417 ) و232 ( 2667 ) و234
( 2677 ) و6/42 ( 4550 ) و8/167 ( 6660 ) و171 ( 6677 ) و9/90
( 7184 ) ، وصحيح مسلم 1/86 ( 138 ) ( 220 ) .
(2) آل عمران : 77 .
(3) في " صحيحه " 1/86 ( 139 ) ( 223 ) و87 ( 139 ) ( 224 ) .

(33/3)


وخرج الترمذي ((1)) من حديث العرزمي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال في خطبته : (( البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه )) ، وقال : في إسناده مقال ، والعرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه . وخرج الدارقطني ((2)) من رواية مسلم بن خالد الزنجي - وفيه ضعف - ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ، إلا في القسامة )) . ورواه الحفاظ ((3)) عن ابن جريج ، عن عمرو مرسلا .
وخرجه أيضا ((4)) من رواية مجاهد عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خطبته يوم الفتح : (( المدعى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم بينة )) ، وخرجه الطبراني، وعنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وفي إسناده كلام . وخرج الدارقطني هذا المعنى من وجوه متعددة ضعيفة .
وروى حجاج الصواف ، عن حميد بن هلال ، عن زيد بن ثابت ، قال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أيما رجل طلب عند رجل طلبة ، فإن المطلوب هو أولى باليمين )) ((5)) . خرجه أبو عبيد والبيهقي ، وإسناده ثقات ، إلا أن حميد بن هلال ما أظنه لقي زيد بن ثابت ، وخرجه الدارقطني ، وزاد فيه (( بغير شهداء )) .
__________
(1) في " جامعه " ( 1341 ) .
(2) في " سننه " 3/111 و4/218 .
(3) وممن خالفه من الحفاظ عبد الرزاق وحجاج ؛ لذا قال الدارقطني عقب الحديث : (( خالفه عبد الرزاق وحجاج روياه عن ابن جريج ، عن عمرو مرسلا )) .
(4) سنن الدارقطني 4/218 .
(5) أخرجه : الدارقطني 4/219 ، والبيهقي 10/253 .

(33/4)


وخرج النسائي ((1)) من حديث ابن عباس ، قال : جاء خصمان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ،
فادعى أحدهما على الآخر حقا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للمدعي : (( أقم بينتك )) ، فقال :
يا رسول الله ، ما لي بينة ، فقال للآخر : (( احلف بالله الذي لا إله إلا هو : ما له عليك أو عندك شيء )) .
وقد روي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى : أن البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ((2)) . وقضى بذلك زيد بن ثابت على عمر لأبي بن كعب ولم
ينكراه ((3)) .
وقال قتادة : فصل الخطاب الذي أوتيه داود - عليه السلام - : هو أن البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ((4)) .
قال ابن المنذر ((5)) : أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي ، واليمين على
المدعى عليه ، قال : ومعنى قوله : (( البينة على المدعي )) يعني : يستحق بها ما ادعى ، لأنها واجبة عليه يؤخذ بها ، ومعنى قوله : (( اليمين على المدعى عليه )) أي : يبرأ بها ، لأنها واجبة عليه ، يؤخذ بها على كل حال . انتهى .
__________
(1) في " الكبرى " ( 6006 ) و( 6007 ) ، وإسناده ضعيف لاختلاط عطاء بن السائب ، وقال الذهبي في " الميزان " 3/72 : (( ومن مناكير عطاء مما رواه عنه روح بن القاسم ، وأبو الأحوص ، وأبو حمزة السكري وغيرهم … )) ثم ساق هذا الحديث .
(2) أخرجه : ابن أبي شيبة 4/340 ، والدارقطني 4/206 – 207 ، والبيهقي 10/150 و253 .
(3) أخرجه : وكيع في " أخبار القضاة " 1/108 ، والبيهقي 10/136 .
(4) أخرجه : عبد الرزاق في " تفسيره " ( 2584 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 22911 ) ، وطبعة التركي 20/51 ، والبيهقي 10/253 ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " 17/101 .
وانظر : تفسير القرطبي 15/162 ، وعمدة التفسير لابن كثير 3/146 ، والدر المنثور للسيوطي 5/564 .
(5) في " الإجماع " : 75 .

(33/5)


وقد اختلف الفقهاء من أصحابنا والشافعية في تفسير المدعي والمدعى عليه .
فمنهم من قال : المدعي : هو الذي يخلى وسكوته من الخصمين ، والمدعى عليه : من لا يخلى وسكوته منهما .
ومنهم من قال : المدعي : من يطلب أمرا خفيا على خلاف الأصل أو الظاهر ، والمدعى عليها بخلافه ((1)) .
وبنوا على ذلك مسألة ، وهي : إذا أسلم الزوجان الكافران قبل الدخول ، ثم اختلفا ، فقال الزوج : أسلمنا معا ، فنكاحنا باق ، وقالت الزوجة : بل سبق أحدنا إلى الإسلام ، فالنكاح منفسخ ، فإن قلنا : المدعي من يخلى وسكوته ، فالمرأة هي المدعي ، فيكون القول قول الزوج ، لأنه مدعى عليه ؛ إذ لا يخلى وسكوته ، وإن قلنا : المدعي من يدعي أمرا خفيا ، فالمدعي هنا هو الزوج ، إذ التقارن في الإسلام خلاف الظاهر ، فالقول قول المرأة ؛ لأن الظاهر معها .
وأما الأمين إذا ادعى التلف ، كالمودع إذا ادعى تلف الوديعة ، فقد قيل : إنه
مدع ؛ لأن الأصل يخالف ما ادعاه ، وإنما لم يحتج إلى بينة ، لأن المودع ائتمنه ، والائتمان يقتضي قبول قوله .
__________
(1) انظر : فتح الباري 5/348 .

(33/6)


وقيل : إن المدعي الذي يحتاج إلى بينة هو المدعي ، ليعطى بدعواه مال قوم أو دماءهم ، كما ذكر ذلك في الحديث ، فأما الأمين ، فلا يدعي ليعطى شيئا ، وقيل : بل هو مدعى عليه ؛ لأنه إذا سكت ، لم يترك ، بل لابد له من رد الجواب ، والمودع مدع ؛ لأنه إذا سكت ترك ؛ ولو ادعى الأمين رد الأمانة إلى من ائتمنه ؛ فالأكثرون على أن قوله مقبول أيضا كدعوى التلف. وقال الأوزاعي : لا يقبل قوله ، لأنه مدع . وقال مالك وأحمد في رواية : إن ثبت قبضه للأمانة ببينة ، لم يقبل قوله في الرد بدون البينة ، ووجه بعض أصحابنا ذلك بأن الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينة واجب ، فيكون تركه تفريطا ، فيجب به الضمان ، وكذلك قال طائفة منهم في دفع مال اليتيم إليه : لابد له من بينة ؛ لأن الله تعالى أمر بالإشهاد عليه فيكون واجبا .
وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين :

(33/7)


أحدهما : أن البينة على المدعي أبدا . واليمين على المدعى عليه أبدا ، وهو قول أبي حنيفة ، ووافقه طائفة من الفقهاء والمحدثين كالبخاري ، وطردوا ذلك في كل دعوى ، حتى في القسامة ، وقالوا : لا يحلف إلا المدعى عليه ، ورأوا أن لا يقضى بشاهد ويمين ؛ لأن اليمين لا تكون على المدعي ، ورأوا أن اليمين لا ترد على المدعي ؛ لأنها لا تكون إلا في جانب المنكر المدعى عليه . واستدلوا في مسألة القسامة بما روى سعيد بن عبيد ، حدثنا بشير بن يسار الأنصاري ، عن سهل بن أبي حثمة: أنه أخبره أن نفرا منهم انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها ، فوجدوا أحدهم قتيلا ، فذكر الحديث ، وفيه : فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( تأتوني بالبينة على من قتله )) ، قالوا : ما لنا بينة ، قال : (( فيحلفون )) ، قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود ، فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يطل دمه ، فوداه مئة من إبل الصدقة . خرجه البخاري ((1)) ، وخرجه مسلم ((2)) مختصرا ولم يتمه ، ولكن هذه الرواية تعارض رواية يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة فذكر قصة القتيل ، وقال فيه : فذكروا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقتل عبد الله بن سهل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( يقسم خمسون منكم على رجل منهم ، فيدفع برمته )) ، وهذه هي الرواية المشهورة الثابتة المخرجة بلفظها بكمالها في " الصحيحين " ((3)
__________
(1) في " صحيحه " 9/11 ( 6898 ) .
(2) في " صحيحه " 5/100 ( 1669 ) ( 5 ) .
وأخرجه : أبو داود ( 4523 ) ، والنسائي 8/12 ، والطبراني في " الكبير " ( 5629 ) ، والبيهقي 8/120 .
(3) البخاري 3/243 ( 2702 ) و4/123 ( 3173 ) و8/41 ( 6142 ) و( 6143 ) ، ومسلم 5/98 ( 1669 ) ( 1 ) و( 2 ) .

وأخرجه : أبو داود ( 4520 ) ، والترمذي ( 1422 ) ، والنسائي 8/8 - 9 ، والطبراني في
" الكبير " ( 4428 ) و( 5627 ) ، والبيهقي 8/118 - 119 .

(33/8)


) . وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عبيد الطائي ، فإنه أجل وأعلم وأحفظ ، وهو من أهل المدينة ، وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين .
وقد ذكر الإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيي بن سعيد في هذا الحديث ، فنفض يده ، وقال : ذاك ليس بشيء ، رواه على ما يقول الكوفيون ، وقال : أذهب إلى حديث المدنيين يحيى بن سعيد . وقال النسائي : لا نعلم أحدا تابع سعيد بن عبيد على روايته عن بشير بن يسار ، وقال مسلم في كتاب " التمييز " ((1)) : لم يحفظه سعيد بن عبيد على وجهه ؛ لأن جميع الأخبار فيها سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم قسامة خمسين يمينا ، وليس في شيء من أخبارهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألهم البينة ، وترك سعيد القسامة ، وتواطؤ الأخبار بخلافه يقضي عليه بالغلط ، وقد خالفه يحيى بن سعيد .
وقال ابن عبد البر ((2)) في رواية سعيد بن عبيد : هذه رواية أهل العراق عن بشير بن يسار ، ورواية أهل المدينة عنه أثبت ، وهم به أقعد ، ونقلهم أصح عند أهل العلم .
قلت : وسعيد بن عبيد اختصر قصة القسامة ، وهي محفوظة في الحديث ، وقد خرج النسائي ((3)
__________
(1) : 64 .
(2) في " التمهيد " 23/209 .
(3) في " المجتبى " 8/12 وفي " الكبرى " ، له ( 6922 ) .

وأخرجه : ابن أبي شيبة ( 27809 ) ، وابن ماجه ( 2678 ) ، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " ( 4586 ) ، وهو حديث حسن ؛ فإن رواية عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده من شرط الحسن .

(33/9)


) من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب من ولي القتيل شاهدين على من قتله ، فقال : ومن أين أصيب شاهدين ؟ قال : (( فتحلف خمسين قسامة )) ، قال : كيف أحلف على ما لم أعلم ؟ قال :
(( فتستحلف منهم خمسين قسامة )) فهذا الحديث يجمع به بين روايتي سعيد بن
عبيد ، ويحيى بن سعيد ، ويكون كل منهما ترك بعض القصة ، فترك سعيد ذكر قسامة المدعين ، وترك يحيى ذكر البينة قبل طلب القسامة ، والله أعلم .
وأما مسألة الشاهد مع اليمين ، فاستدل من أنكر الحكم بالشاهد واليمين بحديث : (( شاهداك أو يمينه )) ((1)) وقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( ليس لك إلا ذلك )) ((2)) ، وقد تكلم القاضي إسماعيل المالكي في هذه اللفظة ، وقال : تفرد بها منصور عن أبي وائل ، وخالفه سائر الرواة ، وقالوا : إنه سأله : (( ألك بينة أم لا ؟ )) والبينة لا تقف على الشاهدين فقط . بل تعم سائر ما يبين الحق .
وقال غيره : يحتمل أن يريد بشاهديه كل نوعين يشهدان للمدعي بصحة دعواه يتبين بهما الحق، فيدخل في ذلك شهادة الرجلين، وشهادة الرجل مع المرأتين ، وشهادة الواحد مع اليمين ، وقد أقام الله سبحانه أيمان المدعي مقام الشهود في
اللعان .
__________
(1) سبق تخريجه .
(2) سبق تخريجه .

(33/10)


وقوله في تمام الحديث : (( ليس لك إلا ذلك )) : لم يرد به النفي العام ، بل النفي الخاص ، وهو الذي أراده المدعي ، وهو أن يكون القول قوله بغير بينة ، فمنعه من ذلك ، وأبى ذلك عليه ، وكذلك قوله في الحديث الآخر : (( ولكن اليمين على المدعى عليه )) إنما أريد بها اليمين المجردة عن الشهادة ، وأول الحديث يدل على
ذلك ، وهو قوله : (( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم )) فدل على أن قوله : (( اليمين على المدعى عليه )) إنما هي اليمين القاطعة للمنازعة مع عدم البينة ، وأما اليمين المثبتة للحق ، مع وجود الشهادة ، فهذا نوع آخر ، وقد ثبت بسنة أخرى .
وأما رد اليمين على المدعي ، فالمشهور عن أحمد موافقة أبي حنيفة ((1)) ، وأنها لا ترد ، واستدل أحمد بحديث : (( اليمين على المدعى عليه )) ، وقال في رواية أبي طالب عنه : ما هو ببعيد أن يقال له : تحلف وتستحق ، واختار ذلك طائفة من متأخري الأصحاب ، وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد ، وروي عن طائفة من الصحابة ، وقد ورد فيه حديث مرفوع خرجه الدارقطني ((2)) وفي إسناده نظر ((3)) .
قال أبو عبيد : ليس هذا إزالة لليمين عن موضعها ، فإن الإزالة أن لا يقضي باليمين على المطلوب ، فأما إذا قضي بها عليه ، فرضي بيمين صاحبه ، كان هو الحاكم على نفسه بذلك ، لأنه لو شاء ، لحلف وبريء ، وبطلت عنه الدعوى .
__________
(1) فتح الباري 5/347 .
(2) في " سننه " 4/213 من طريق محمد بن مسروق ، عن إسحاق بن الفرات ، عن الليث بن سعد ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد اليمين على طالب الحق .
وأخرجه : الحاكم 4/100 ، وتمام في " فوائده " ( 933 ) ، والبيهقي 10/184 عن ابن
عمر .
(3) وهو أن في إسناده محمد بن مسروق ، وهو مجهول لا يعرف .

(33/11)


والقول الثاني في المسألة : أنه يرجح جانب أقوى المتداعيين ، وتجعل اليمين في جانبه ، هذا مذهب مالك ، وكذا ذكر القاضي أبو يعلى في خلافه أنه مذهب أحمد ، وعلى هذا تتوجه المسائل التي تقدم ذكرها من الحكم بالقسامة والشاهد واليمين ، فإن جانب المدعي في القسامة لما قوي باللوث جعلت اليمين في جانبه ، وحكم له بها ، وكذلك المدعي إذا أقام شاهدا ، فإنه قوي جانبه ، فحلف معه ، وقضي له .
وهؤلاء لهم في الجواب عن قوله : (( البينة على المدعي )) طريقان :
أحدهما : أن هذا خص من هذا العموم بدليل .
والثاني : أن قوله : (( البينة على المدعي )) ليس بعام ؛ لأن المراد : على المدعي المعهود ، وهو من لا حجة له سوى الدعوى كما في قوله : (( لو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى رجال دماء قوم وأموالهم )) ، فأما المدعي الذي معه حجة تقوي دعواه ، فليس داخلا في هذا الحديث .
وطريق ثالث وهو أن البينة : كل ما بين صحة دعوى المدعي ، وشهد بصدقه ، فاللوث مع القسامة بينة ، والشاهد مع اليمين بينة .
وطريق رابع سلكه بعضهم ، وهو الطعن في صحة هذه اللفظة ، أعني قوله :
(( البينة على المدعي )) ، وقالوا : إنما الثابت هو قوله : (( اليمين على المدعى عليه )) . وقوله : (( لو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم )) ، يدل على أن مدعي الدم والمال لابد له من بينة تدل على ما ادعاه ، ويدخل في عموم ذلك أن من ادعى على رجل أنه قتل موروثه ، وليس معه إلا قول المقتول عند موته : جرحني فلان ، أنه لا يكتفى بذلك ، ولا يكون بمجرده لوثا ، وهذا قول الجمهور ، خلافا للمالكية ، وأنهم جعلوه لوثا يقسم معه الأولياء ، ويستحقون الدم .

(33/12)


ويدخل في عمومه أيضا من قذف زوجته ولاعنها ، فإنه لا يباح دمها بمجرد
لعانها ، وهو قول الأكثرين خلافا للشافعي ، واختار قوله الجوزجاني ، لظاهر قوله - عز وجل - : { ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله } ((1)) ، والأولون منهم من حمل العذاب على الحبس ، وقالوا : إن لم تلاعن ، حبست حتى تقر أو تلاعن ، وفيه نظر .
ولو ادعت امرأة على رجل أنه استكرهها على الزنى ، فالجمهور أنه لا يثبت بدعواها عليه شيء . وقال أشهب من المالكية : لها الصداق بيمينها ، وقال غيره منهم : لها الصداق بغير يمين ، هذا كله إذا كانت ذات قدر ، وادعت ذلك على متهم تليق به الدعوى ، وإن كان المرمي بذلك من أهل الصلاح ، ففي حدها للقذف عن مالك روايتان .
وقد كان شريح وإياس بن معاوية يحكمان في الأموال المتنازع فيها بمجرد القرائن الدالة على صدق أحد المتداعيين ، وقضى شريح في أولاد هرة تداعاها امرأتان ، كل منهما تقول هي ولد هرتي ، قال شريح : ألقها مع هذه ، فإن هي قرت ودرت واسبطرت فهي لها ، وإن هي فرت وهرت وازبأرت ، فليس لها ((2)) . قال ابن قتيبة : قوله : اسبطرت ، يريد : امتدت للإرضاع ((3)) ، وإزبأرت : اقشعرت وتنفشت . وكان يقضي بنحو ذلك أبو بكر الشامي من الشافعية ، ورجح قوله ابن عقيل من أصحابنا .
__________
(1) النور : 8 .
(2) انظر : سير أعلام النبلاء 4/105 .
(3) النهاية 2/335 .

(33/13)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية